######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002686Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبي السعود #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 951 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير أبي السعود #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 9 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002686Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2686_تفسير-أبي-السعود-أبي-السعود-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الأول الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة لقاضي القضاة الامام أبي السعود سبحان من ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وبين له من الشعائر الشرائع كل ما جل ودق أنزل ~~عليه أظهر بينات وأبهر حجج قرآنا عربيا غير ذي عوج مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ناطقا بكل أمر رشيد هاديا إلى ~~الصراط العزيز الحميد آمرا بعبادة الصمد المعبود كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه الجلود تكاد الرواسي لهيبته تمور ويذوب منه الحديد ويميع صم الصخور ~~حقيقا بأن يسير به الجبال وييسر به كل صعب محال معجزا أفحم كل مصقع من مهرة ~~قحطان وبكت كل مفلق من سحرة البيان بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ~~ومباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته نزل عليه على فترة من الرسل ~~ليرشد الأمة إلى أقوم السبل فهداهم إلى الحق وهم في ضلال مبين فاضمحل دجى ~~الباطل وسطع نور اليقين فمن أتبع هداه فقد فاز بمناه وأما من عانده وعصاه ~~واتخذ إلهه هواه فقد هام في موامي الردى وتردى في مهاوي الزور ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور صلى الله عليه وعلى آله الأخيار وصحبه الأبرار ~~ما تناوبت الأنواء وتعاقبت الظلم والأضواء وعلى من تبعهم بإحسان مدى الدهور ~~والأزمان وبعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الهادي أبو السعود محمد بن ~~محمد العمادي إن الغاية القصوى من تحرير نسخة العالم وما كان حرف منها ~~مسطورا والحكمة الكبرى في تخمير طينة آدم ولم يكن شيئا مذكورا ليست إلا ~~معرفة الصانع المجيد وعبادة البارئ المبدئ المعيد ولا سبيل إلى ذاك المطلب ~~الجليل سوى الوقوف على مواقف التنزيل فإنه عز سلطانه وبهر برهانه وإن سطر ~~آيات قدرته في صحائف الأكوان ونصب رايات وحدته في صفائح الأعراض والأعيان ms0001 ~~وجعل كل ذرة من ذرات العالم وكل قطرة من قطرات العلم وكل نقطة جرى عليها ~~قلم الإبداع وكل حرف رقم في لوح الاختراع مرآة لمشاهدة جماله ومطالعة صفات ~~كماله حجة نيرة واضحة المكنون وآية بينة لقوم يعقلون برهانا جليا لا ريب ~~فيه ومنهاجا سويا لا يضل من ينتحيه بل ناطقا يتلو آيات ربه فهل من سامع واع ~~ومجيب صادق فهل له من داع يكلم الناس على قدر عقولهم ويرد جوابهم بحسب ~~مقولهم يحاور تارة بأوضح عبارة ويلوح أخرى PageV01P003 # بألطف إشارة لكن الإستدلال بتلك الآيات والدلائل والاستشهاد بتلك ~~الأمارات والمخايل والتنبيه لتلك الإشارات السرية والتفطن لمعاني تلك ~~العبارات العبقرية وما في تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر وكنوز آثار ~~التعاجيب والعبر مما لا يطيق به عقول البشر إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر ~~فإذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد إذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر ~~الدينية والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية والكاشف عن خفايا حظائر القدس ~~والمطلع على خبايا سرائر الأنس وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى ~~سعادة الدنيا والآخرة كما وأنه أيضا من علو الشأن وسمو المكان ونهاية ~~الغموض والإعضال وصعوبة المأخذ وعزة المنال في غاية الغايات القاصية ونهاية ~~النهايات النائية أعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق لا يتسنى العروج ~~إلى معارجه الرفيعة ولا يتأتى الرقى إلى مدارجه المنيعة كيف لا وأنه مع ~~كونه متضمنا لدقائق العلوم النظرية والعملية ومنطوبا على دقائق الفنون ~~الخفية والجلية حاويا لتفاصيل الأحكام الشرعية ومحيطا بمناط الدلائل ~~الأصلية والفرعية منبئا عن أسرار الحقائق والنعوت مخبرا بأطوار الملك ~~والملكوت عليه يدور فلك الأوامر والنواهي وإليه يستند معرفة الأشياء كما هي ~~قد نسج على أغرب منوال وأبدع طراز واحتجبت طلعته بسبحات الإعجاز طويت ~~حقائقه الأبية عن العقول وزويت دقائقه الخفية عن أذهان الفحول يرد عيون ~~العقول سبحانه ويخطف أبصار البصائر بريقه ولمعانه ولقد تصدى لتفسير غوامض ~~مشكلاته أساطين أئمة التفسير في كل عصر من الأعصار وتولى لتيسير عويصات ~~معضلاته سلاطين أسرة التقرير والتحرير في كل ms0002 قطر من الأقطار فغاصوا في لججه ~~وخاضوا في ثبجه فنظموا فرائده في سلك التحرير وأبرزوا فوائده في معرض ~~التقرير وصنفوا كتبا جليلة الأقدار وألفوا زبرا جميلة الآثار أما المتقدمون ~~المحققون فاقتصروا على تمهيد المعاني وتشييد المباني وتبيين المرام وترتيب ~~الأحكام حسبما بلغهم من سيد الأنام عليه شرائف التحية والسلام وأما ~~المتأخرون المدققون فراموا مع ذلك إظهار مزاياه الرائقة وإبداء خباياه ~~الفائقة ليعاين الناس دلائل إعجازه ويشاهدوا شواهد فضله وامتيازه عن سائر ~~الكتب الكريمة الربانية والزبر العظيمة السبحانية فدونوا أسفارا بارعة ~~جامعة لفنون المحاسن الرائعة يتضمن كل منها فوائد شريفة تقر بها عيون ~~الأعيان وعوائد لطيفة يتشنف بها آذان الأذهان لا سيما الكشاف وأنوار ~~التنزيل المتفردان بالشأن الجليل والنعت الجميل فإن كلا منهما قد أحرز قصب ~~السبق أي إحراز كأنه مرآة لاجتلاء وجه الإعجاز صحائفهما مرايا المزايا ~~الحسان وسطورهما عقود الجمان وقلائد العقبان ولقد كان في سوابق الأيام ~~وسوالف الدهور والأعوام أوان اشتغالي بمطالعتهما وممارستهما وزمان انتصابي ~~لمفاوضتهما ومدارستهما يدور في خلدي على استمرار آناء الليل وأطراف النهار ~~أن أنظم درر فوائدهما في سمط دقيق وأرتب غرر فرائدهما على ترتيب أنيق وأضيف ~~إليها ما ألفيته في تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق وصادفته في ~~أصداف العيالم الزاخرة من زواهر الدقائق وأسلك خلالها بطريق الترصيع على ~~نسق أنيق وأسلوب بديع حسبما يقتضيه جلالة شأن التنزيل ويستدعيه جزالة نظمه ~~الجليل ما سنح الفكر العليل بالعناية الربانية وسمح به PageV01P004 # النظر الكليل بالهداية السبحانية من عوارف معارف يمتد إليها أعناق الهمم ~~من كل ماهر لبيب وغرائب رغائب ترنوا إليها أحداق الأمم من كل نحرير أريب ~~وتحقيقات رصينة تقيل عثرات الأفهام في مداحض الإقدام وتدقيقات متينة تزيل ~~خطرات الأوهام من خواطر الأنام في معارك أفكار يشتبه فيها الشؤون ومدارك ~~أنظار يختلط فيها الظنون وأبرز من وراء أستار الكمون من دقائق السر المخزون ~~في خزائن الكتاب المكنون ما تطمئن إليه النفوس وتقر به العيون من خفايا ~~الرموز وخبايا الكنوز وأهديها إلى الخزانة العامرة الغامرة للبحار الزاخرة ~~لجناب ms0003 من خصه الله تعالى بخلافة الأرض واصطفاه سلطنتها في الطول والعرض ألا ~~وهو السلطان الأسعد الأعظم والخاقان الأمجد الأفخم مالك الإمامة العظمى ~~والسلطان الباهر وارث الخلافة الكبرى كابرا عن كابر رافع رايات الدين ~~الأزهر موضح آيات الشرع الأنور مرغم أنوف الفراعنة والجبابرة معفر جباه ~~القياصره والأكاسرة فاتح بلاد المشارق والمغارب بنصر الله العزيز وجنده ~~الغالب الهمام الذي شرق عزمه المنير فانتهى إلى المشرق الأسنى وغرب حتى بلغ ~~مغرب الشمس أو دنا بخميس عرمرم متزاحم الأفواج وعسكر كخضم متلاطم الأمواج ~~فأصبح ما بين أفقى الطلوع والغروب وما بين نقطتى الشمال والجنوب منتظما في ~~سلك ولاياته الواسعة ومندرجا تحت ظلال راياته الرائعة فأصبحت منابر الربع ~~المسكون مشرفة بذكر اسمه الميمون فياله من ملك استوعب ملكه البر البسيط ~~واستعرق فلكه وجه البحر المحيط فكأنه فضاء ضربت فيه خيامه أو نصبت عليه ~~ألويته وأعلامه مالك ممالك العالم ظل الله الظليل على كافة الأمم قاصم ~~القياصرة وقاهر القروم سلطان العرب والعجم والروم وسلطان المشرقين وخاقان ~~الخافقين الإمام المقتدر بالقدرة الربانية والخليفة المعتز بالعزة ~~السبحانية المفتخر بخدمة الحرمين الجليلين المعظمين وحماية المقامين ~~الجميلين المفخمين ناشر القوانين السلطانية عاشر الخواقين العثمانية ~~السلطان ابن السلطان السلطان سليمان خان بن السلطان المظفر المنصور ~~والخاقان الموقر المشهور صاحب المغازي المشهورة في أقطار الأمصار والفتوحات ~~المذكورة في صحائف الأسفار السلطان سليم خان بن السلطان السعيد والخاقان ~~المجيد السلطان بايزيد خان لا زالت سلسلة سلطنته متسلسلة إلى انتهاء سلسلة ~~الزمان وأرواح أسلافه العظام متنزهة في روضة الرضوان وكنت أتردد في ذلك بين ~~إقدام وإحجام لقصور شأني وعزة المرام أين الحضيض من الذرى شتان بين الثريا ~~والثرى وهيهات اصطياد العنقاء بالشباك واقتياد الجوزاء من بروج الأفلاك ~~فمضت عليه الدهور والسنون وتغيرت الأطوار وتدلت الشؤون فابتليت بتدبير ~~مصالح العباد برهة في قضاء البلاد وأخرى في قضاء العساكر والأجناد فحال ~~بيني وبين ما كنت أخال تراكم المهمات وتزاحم الأشغال وجموم العوارض ~~والعلائق وهجوم الصوارف والعوائق والتردد إلى المغازي والأسفار والتنقل من ~~دار إلى دار وكنت ms0004 في تضاعيف هاتيك الأمور أقدر في نفسي أن أنتهز نهزة من ~~الدهور ويتسنى لي القرار وتطمئن بي الدار وأظفر حينئذ بوقت خال أتبتل فيه ~~إلى جناب ذي العظمة والجلال وأوجه إليه وجهتي وأسلم له سرى وعلانيتي وأنظر ~~إلى كل شيء بعين الشهود وأتعرف سر الحق في كل موجود تلافيا لما قد فات ~~واستعدادا لما هو آت وأتصدى لتحصيل ما عزمت عليه وأتولى لتكميل ما توجهت ~~إليه برفاهة واطمئنان وحضور PageV01P005 # قلب وفراغ جنان فبينما أنا في هذا الخيال إذ بدا لي ما لم يخطر بالبال ~~تحولت الأحوال والدهر حول فوقعت في أمر أشق من الأول أمرت بحل مشكلات ~~الأنام فيما شجر بينهم من النزاع والخصام فلقيت معضلة طويلة الذيول وصرت ~~كالهارب من المطر إلى السيول فبلغ السيل الزبى وغمرني أي غمر غوارب ما جرى ~~بين زيد وعمرو فأضحيت في ضيق المجال وسعة الأشغال أشهر ممن يضرب بها ~~الأمثال فجعلت أتمثل بقول من قال لقد كنت أشكوك الحوادث برهة * وأستمرض ~~الأيام وهي صحائح إلى أن تغشتني وقيت حوادث * تحقق أن السالفات منائح فلما ~~أنصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال ورأيت أن الفرصة على جناح الفوات ~~وشمل الأسباب في شرف الشتات وقد مسني الكبر وتضاءلت القوى والقدر ودنا ~~الأجل من الحلول وأشرفت شمس الحياة على الأفول عزمت على إنشاء ما كنت أنويه ~~وتوجهت إلى إملاء ما ظلت أبتغيه ناويا أن أسميه عند تمامه بتوفيق الله ~~تعالى وإنعامه إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم فشرعت فيه مع ~~تفاقم المكاره على وتزاحم المشادة بين يدي متضرعا إلى رب العظمة والجبروت ~~خلاق عالم الملك والملكوت في أن يعصمني عن الزيغ والزلل ويقيني مصارع السوء ~~في القول والعمل ويوفقني لتحصيل ما أرومه وأرجوه ويهديني إلى تكميله على ~~أحسن الوجوه ويجعله خير عدة وعتاد أتمتع به يوم المعاد فيامن توجهت وجوه ~~الذل والابتهال نحو بابه المنيع ورفعت أيدي الضراعة والسؤال إلى جنابه ~~الرفيع أفض علينا شوارق أنوار التوفيق وأطلعنا على دقائق أسرار التحقيق ~~وثبت أقدامنا على ms0005 مناهج هداك وأنطقنا بما فيه أمرك ورضاك ولا تكلنا إلى ~~أنفسنا في لحظة ولا آن وخذ بناصيتنا إلى الخير حيث كان جئناك على جباه ~~الإستكانة ضارعين ولأبواب فيضك قارعين أنت الملاذ في كل أمر هم وأنت المعاذ ~~في كل خطب ملم لا رب وغيرك ولا خير إلا خيرك بيدك مقاليد الأمور لك الخلق ~~والأمر وإليك النشور PageV01P006 # سورة الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم سورة فاتحة الكتاب وهي سبع آيات ~~الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتح كالكتاب والثوب أطلقت عليه لكونه ~~واسطة في فتح الكل ثم أطلقت على أول كل شيء فيه تدريج بوجه من الوجوه ~~كالكلام التدريجي حصولا والسطور والأوراق التدريجية قراءة وعدا والتاء ~~للنقل من الوصفية إلى الأسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسمية ~~للمفعول باسم المصدر إشعارا بأصالته كأنه نفس الفتح فإن تعلقه به بالذات ~~وبالباقي بواسطته لكن لا على معنى أنه واسطة في تعلقه بالباقي ثانيا حتى ~~يرد أنه لا يتسنى في الخاتمة لما أن ختم الشيء عبارة عن بلوغ آخره وذلك ~~إنما يتحقق بعد انقطاع الملابسة عن أجزائه الأول بل على معنى أن الفتح ~~المتعلق بالأول فتح له أولا وبالذات وهو بعينه فتح للجموع بواسطته لكونه ~~جزأ منه وكذا الكلام في الخاتمة فإن بلوغ آخر الشئ يعرض للآخر أولا وبالذات ~~وللكل بواسطته على الوجه الذي تحققته والمراد بالأول ما يعم الإضافي فلا ~~حاجة إلى الاعتذار بأن إطلاق الفاتحة على السورة الكريمة بتمامها باعتبار ~~جزئها الأول والمراد بالكتاب هو المجموع الشخصي لا القدر المشترك بينه وبين ~~اجزائه على ما عليه اصطلاح أهل الأصول ولا ضير في اشتهار السورة الكريمة ~~بهذا الاسم في أوائل عهد النبوة قبل تحصل المجموع بنزول الكل لما أن ~~التسمية من جهة الله عز اسمه أو من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإذن ~~فيكفي فيها تحصله باعتبار تحققه في علمه عز وجل أو في اللوح أو باعتبار أنه ~~أنزل جملة إلى السماء الدنيا وأملاه جبريل على السفرة ثم كان ms0006 ينزله على ~~النبي صلى الله عليه وسلم نجو ما في ثلاث وعشرين سنة كما هو المشهور ~~والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشئ لا بمعنى من كما في خاتم فضة لما ~~عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له ومدار التسمية كونه مبدأ ~~للكتاب على الترتيب المعهود لا في القراءة في الصلاة ولا في التعليم ولا في ~~PageV01P007 # النزول كما قيل أما الأول فبين إذ ليس المراد بالكتاب القدر المشترك ~~الصادق على ما يقرأ في الصلاة حتى تعتبر في التسمية مبدئيتها له وأما ~~الأخيران فلأن اعتبار المبدئية من حيث التعليم أو من حيث النزول يستدعي ~~مراعاة الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيتين ولا ريب في أن ~~الترتيب التعليمي والترتيب النزولي ليسا على نسق الترتيب المعهود وتسمى أم ~~القرآن لكونها أصلا ومنشأ له إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه ~~من الثناء على الله عز وجل والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده أو على ~~جملة معاينه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط ~~المستقيم والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء والمراد بالقرآن هو ~~المراد بالكتاب وتسمى أم الكتاب أيضا كما يسمى بها اللوح المحفوظ لكونه ~~أصلا لكل الكائنات والآيات الواضحة الدالة على معانيها لكونها بينة تحمل ~~عليها المتشابهات ومناط التسمية ما ذكر في أم القرآن لا ما أورده الإمام ~~البخاري في صحيحة من أنه يبدأ بقراءتها في الصلاة فإنه مما لا تعلق له ~~بالتسمية كما أشير إليه وتسمى سورة الكنز لقوله صلى الله عليه وسلم أنها ~~أنزلت من كنز تحت العرش أو لما ذكر في أم القرآن كما أنه الوجه في تسميتها ~~الأساس والكافية والوافية وتسمى سورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسئلة ~~لاشتمالها عليها وسورة الصلاة لوجوب قراءتها فيها وسورة الشفاء والشافية ~~لقوله صلى الله عليه وسلم هي شفاء من كل داء والسبع المثاني لأنها سبع آيات ~~تثنى في الصلاة أو لتكرر نزولها على ما روى أنها نزلت مرة بمكة حين فرضت ~~الصلاة وبالمدينة أخرى ms0007 حين حولت القبلة وقد صح أنها مكية لقوله تعالى ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني وهو مكي بالنص «بسم الله الرحمن الرحيم» اختلف ~~الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل إنها ليست من القرآن ~~أصلا وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه ومذهب مالك والمشهور من مذهب قدماء ~~الحنفية وعليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها وقيل إنها آية فذة من ~~القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيح من مذهب الحنفية وقيل هي آية ~~تامة من كل سورة صدرت بها وهو قول ابن عباس وقد نسب إلى ابن عمر أيضا رضي ~~الله عنهم وعليه يحمل إطلاق عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال روى عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أنها أنزلت مع كل سورة وهو أيضا مذهب سعيد بن جبير ~~والزهري وعطاء وعبد الله بن المبارك وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما وهو ~~القول الجديد للشافعي رحمة الله ولذلك يجهر بها عنده فلا عبرة بما نقل عن ~~الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه أحد وقيل إنها آية من ~~الفاتحة مع كونها قرآنا في سائر السور أيضا من غير تعرض لكونها جزأ منها أو ~~لا ولا لكونها آية تامة أولا وهو أحد قولي الشافعي على ما ذكره القرطبي ~~ونقل عن الخطابي انه قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم وقيل أنها آية ~~تامة في الفاتحة وبعض في البواقي وقيل بعض آية في الفاتحة وآية تامة في ~~البواقي وقيل أنها بعض آية في الكل وقيل أنها آيات من القرآن متعددة بعدد ~~السور المصدرة بها من غير أن تكون جزء منها وهذا القول غير معزى في الكتب ~~إلى أحد وهناك قول آخر ذكره بعض المتأخرين ولم ينسبه إلى أحد وهو أنها آية ~~تامة في الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور ولولا اعتبار كونها آية تامة ~~لكان ذلك أحد محملى تردد الشافعي فإنه قد نقل عنه انها بعض آية في الفاتحة ~~وأما في غيرها فقوله فيها PageV01P008 # متردد فقيل ms0008 بين ان يكون قرآنا أولا وقيل بين ان يكون آية تامة أولا قال ~~الإمام الغزالي والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني وعن احمد بن حنبل في ~~كونها آية كامله وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي ونقل أنه ~~مع مالك وغيره مما يقول أنها ليست من القرآن هذا والمشهور من هذه الأقاويل ~~هي الثلاث الأول والاتفاق على اثباتها في المصاحف مع الإجماع على ان ما بين ~~الدفتين كلام الله عز وجل يقضي وبنفي القول الأول وثبوت القدر المشترك بين ~~الأخيرين من غير دلاله على خصوصية أحدهما فإن كونها جزا من القرآن لا ~~يستدعي كونها حزا من كل سوره منه كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه واما ~~ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما من ان من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة ~~آية من كتاب الله تعالى وما روى عن أبي هريره من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال فاتحة الكتاب سبع آيات أولا هن بسم الله الرحمن الرحيم وما روى عن أم ~~سلمة من انه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله رب العالمين آية وان دل كل واحد منها على نفي القول ~~الثاني فليس شيء منها نصا في اثبات القول الثالث اما الأول فلأنه لا يدل ~~ألا على كونها آيات من كتاب الله تعالى متعددة بعدد السور المصدرة بها لا ~~على ما هو المطلوب من كونها آية تامة من كل واحده منها الا ان يلتجأ إلى ان ~~يقال ان كونها آية متعددة بعدد السور المصدرة بها من غير ان تكون جزأ منها ~~قول لم يقل به أحد واما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور واما ~~الثالث فناطق بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور والباء فيها ~~متعلقه بمضمر ينبئ عنه الفعل المصدر بها كما انها كذلك في تسمية المسافر ~~عند الحلول والارتحال وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال ومعناها الاستعانة ~~أو الملابسة تبركا أي بأسم الله ms0009 اقرأ أو أتلو وتقديم المعمول للاعتناء به ~~والقصد إلى التخصيص كما في إياك نعبد وتقدير ابدأ لاقتضائه اقتصار التبرك ~~على البداية مخل بما هو المقصود اعني شمول البركة للكل وادعاء أن فيه ~~امتثالا بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معا وفي تقدير اقرأ من جهة ~~المعنى فقط ليس بشيء فإن مدار الامتثال هو البدء بالتسمية لا تقدير فعله إذ ~~لم يقل في الحديث الكريم كل أمر ذي بال لم يقل فيه أو لم يضمر فيه أبدأ ~~وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقول على السنة العباد تلقينا لهم وإرشادا إلى ~~كيفية التبرك باسمه تعالى وهداية إلى منهاج الحمد وسؤال الفضل ولذلك سميت ~~السورة الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة ~~أن تفتح لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر كما كسرت لام الأمر ولام الإضافة ~~داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء والاسم عند البصريين من ~~الأسماء المحذوفة الأعجاز المبنية الأوائل على السكون قد أدخلت عليها عند ~~الابتداء همزة لان من دأبهم البدء بالمتحرك والوقف على الساكن ويشهد له ~~تصريفهم على أسماء وسمى وسميت وسمى كهدى لغة فيه قال والله أسماك سمى ~~مباركا آثرك الله به إيثاركا والقلب بعيد غير مطرد واشتقاقه من السمو لأنه ~~رفع للمسمى وتنويه له وعند الكوفيين من السمة واصله وسم حذفت الواو وعوضت ~~منها همزة الوصل ليقل إعلالها ورد عليه لأن الهمزة لم تعهد داخلة على ما ~~حذف صدره في كلامهم ومن لغاتهم سم وسم قال باسم الذي في كل سورة سمة وإنما ~~لم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ~~ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وحقيقتها طلب المعونة على ايقاع ~~PageV01P009 # الفعل وإحداثه أي إفاضة القدرة المفسرة عند الأصوليين من أصحابنا بما ~~يتمكن به العبد من أداء ما لزمه المنقسمة إلى ممكنة وميسرة وهي المطلوبة ~~بإياك نستعين وتارة أخرى باسمه عز وعلا وحقيقتها طلب المعونة في كون الفعل ~~معتدا به شرعا فإنه ما لم يصدر باسمه تعالى ms0010 يكون بمنزلة المعدوم ولما كانت ~~كل واحدة من الإستعانتين واقعة وجب تعيين المراد بذكر الاسم وإلا فالمتبادر ~~من قولنا بالله عند الاطلاق لا سيما عند الوصف بالرحمن الرحيم هي الاستعانة ~~الأولى ان قيل فليحمل الباء على التبرك وليستغن عن ذكر الاسم لما ان التبرك ~~لا يكون الا به قلنا ذاك فرع كون المراد بالله هو الاسم وهل التشاجر الا ~~فيه فلا بد من ذكر الاسم لينقطع احتمال إرادة المسمى ويتعين حمل الباء على ~~الاستعانة الثانية أو التبرك وانما لم يكتب الألف لكثرة الاستعمال قالوا ~~وطولت الباء عوضا عنها و «الله» أصله الاله فحذفت همزته على غير قياس كما ~~ينبئ عنه وجوب الإدغام وتعويض الألف واللام عنها حيث لزماه وجردا عن معنى ~~التعريف ولذلك قيل يالله بالقطع فإن المحذوف القياسي في حكم الثابت فلا ~~يحتاج إلى التدارك بما ذكر من الإدغام والتعويض وقيل على قياس تخفيف الهمزة ~~فيكون الإدغام والتعويض من خواص الاسم الجليل ليمتاز بذلك عما عداه امتياز ~~مسماه عما سواه بمالا يوجد فيه من نعوت الكمال والإله في الأصل اسم جنس يقع ~~على كل معبود بحق أو باطل أي مع قطع النظر عن وصف الحقية والبطلان لا مع ~~اعتبار أحدهما لا بعينه ثم غلب على المعبود بالحق كالنجم والصعق واما الله ~~بحذف الهمزة فعلم مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره أصلا واشتقاقه من ~~الإلاهة والألوهة والألوهية بمعنى العبادة حسبما نص عليه الجوهري على انه ~~اسم منها بمعنى المألوه كالكتاب لا على انه صفة منها بدليل انه يوصف ولا ~~يوصف به حيث يقال اله واحد ولا يقال شيء اله كما يقال كتاب مرقوم ولا يقال ~~شيء كتاب والفرق بينهما ان الموضوع له في الصفة هو الذات المبهمة باعتبار ~~اتصافها بمعنى معين وقيامه بها فمدلولها مركب من ذات مبهمة لم يلاحظ معها ~~خصوصية أصلا ومن معنى معين قائم بها على ان ملاك الامر تلك الخصوصية فبأي ~~ذات يقوم ذلك المعنى يصح اطلاق الصفة عليها كما في الافعال ولذلك تعمل ~~عملها ms0011 كاسمى الفاعل والمفعول والموضوع له في الاسم المذكور هو الذات ~~المعينة والمعنى الخاص فمدلوله مركب من ذينك المعنيين من غير رجحان للمنى ~~على الذات كما في الصفة ولذلك لم يعمل عملها وقيل اشتقاقه من اله بمعنى ~~تحير لأنه سبحانه يحار في شأنه العقول والافهام واما اله كعبد وزنا ومعنى ~~فمشتق من الاله المشتق من اله بالكسر وكذا تأله واستأله اشتقاق استنوق ~~واستحجر من الناقة والحجر وقيل من اله إلى فلان أي سكن اليه لاطمئنان ~~القلوب بذكره تعالى وسكون الأرواح إلى معرفته وقيل من اله إذا فزع من امر ~~نزل به وآلهه غيره إذا اجاره إذ العائذ به تعالى يفزع اليه وهو يجيره حقيقة ~~أو في زعمه وقيل أصله لاه على انه مصدر من لاه يليه بمعنى احتجب وارتفع ~~اطلق على الفاعل مبالغة وقيل هو اسم علم للذات الجليل ابتداء وعليه مدار ~~امر التوحيد في قولنا لا اله الا الله ولا يخفي ان اختصاص الاسم الجليل ~~بذاته سبحانه بحيث لا يمكن اطلاقه على غيره أصلا كاف في ذلك ولا يقدح فيه ~~كون ذلك الاختصاص بطريق الغلبة بعد ان كان اسم جنس في الأصل وقيل هو وصف ~~الأصل لكنه لما PageV01P010 # غلب عليه بحيث لا يطلق على غيره أصلا صار كالعلم ويرده امتناع الوصف به ~~واعلم ان المراد بالمنكر في كلمة التوحيد هو المعبود بالحق فمعناها لافراد ~~من افراد المعبود بالحق الا ذلك المعبود بالحق وقيل أصله لاها بالسريانية ~~فعرب بحذف الألف الثانية وادخال الألف واللام عليه وتفخيم لامه إذا لم ~~ينكسر ما قبله سنة وقيل مطلقا وحذف الفه لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد به ~~صريح اليمين وقد جاء لضرورة الشعر في قوله الا لا بارك الله في سهيل إذا ما ~~الله بارك في الرجال «الرحمن الرحيم» صفتان مبنيتان من رحم بعد جعله لازما ~~بمنزلة الغرائز بنقله إلى رحم بالضم كما هو المشهور وقد قيل ان الرحيم ليس ~~بصفة مشبهة بل هي صيغة مبالغة نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلانا ms0012 ~~والرحمة في اللغة رقة القلب والانعطاف ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها ~~والمراد ههنا التفضل والإحسان وإرادتهما بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة ~~إلينا على مسببه البعيد أو القريب فإن أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار ~~الغايات التي هي افعال دون المبادئ التي هي انفعالات والأول من الصفات ~~الغالبة حيث لم يطلق على غيره تعالى وانما امتنع صرفه الحاقا له بالأغلب في ~~بابه من غير نظر إلى الاختصاص العارض فإنه كما حظر وجود فعلى حظر وجود ~~فعلانة فاعتباره يوجب اجتماع الصرف وعدمه فلزم الرجوع إلى أصل هذه الكلمة ~~قبل الاختصاص بان تقاس إلى نظائرها من باب فعل يفعل فإذا كان كلها ممنوعة ~~من الصرف لتحقق وجود فعلى فيها علم أن هذه الكلمة أيضا في أصلها مما تحقق ~~فيها وجود فعلى فتمنع من الصرف وفيه من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك ~~قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا وتقديمه مع كون القياس تأخيره ~~رعاية لأسلوب الترقي إلى الاعلى كما في قولهم فلان عالم نحرير وشجاع باسل ~~وجواد فياض لأنه باختصاصه به عز وجل صار حقيقا بأن يكون قرينا للاسم الجليل ~~الخاص به تعالى ولان ما يدل على جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحق بالتقديم ~~مما يدل على دقائقها وفروعها وافراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة ~~الرحمة «الحمد لله» الحمد هو النعت بالجميل على الجميل اختياريا كان أو ~~مبدأ له على وجه يشعر ذلك بتوجيهه إلى المنعوت وبهذه الحيثية يمتاز عن ~~المدح فإنه خال عنها يرشدك إلى ذلك ما ترى بينهما من الاختلاف في كيفية ~~التعلق بالمفعول في قولك حمدته ومدحته فإن تعلق الثاني بمفعوله على منهاج ~~تعلق عامة الافعال بمفعولاتها واما الأول فتعلقه بمفعوله منبىء عن معنى ~~الإنهاء كما في قولك كلمته فإنه معرب عما يقيده لام التبليغ في قولك قلت له ~~ونظيره وشكرته وعبدته وخدمته فإن تعلق كل منها منبىء عن المعنى المذكور ~~وتحقيقه ان مفعول كل فعل في الحقيقة هو الحدث الصادر عن فاعله ولا يتصور في ~~كيفية تعلق الفعل به ms0013 أي فعل كان اختلاف أصلا واما المفعول به الذي هو محله ~~وموقعه فلما كان تعلقه به ووقوعه عليه على انحاء مختلفة حسبما يقتضيه ~~خصوصيات الافعال بحسب معانيها المختلفة فإن بعضها يقتضي ان يلابسه ملابسة ~~تامة مؤثرة فيه كعامة الافعال وبعضها يستدعي ان يلابسه أدنى ملابسة اما ~~بالانتهاء اليه كالإعانة مثلا أو بالابتداء منه كالإستعانة مثلا اعتبر في ~~كل نحو من انحاء تعلقه به كيفية لائقة بذلك النحو مغايرة لما اعتبر في ~~النحوين الأخيرين فنظم القسم الأول من التعلق في سلك التعلق بالمفعول ~~الحقيقي مراعاة لقوة الملابسة وجعل كل واحد من القسمين الأخيرين ~~PageV01P011 # من قبيل التعلق بواسطة الجار المناسب له فإن قولك أعنته مشعر بانتهاء ~~الإعانة اليه وقولك استعنته بابتدائها منه وقد يكون لفعل واحد مفعولان ~~يتعلق بأحدهما على الكيفية الأولى وبالاخر على الثانية أو الثالثة كما في ~~قولك حدثني الحديث وسألني المال فإن التحديث مع كونه فعلا واحدا قد تعلق بك ~~على الكيفية الثانية وبالحديث على الأولى وكذا السؤال فإنه فعل واحد وقد ~~تعلق بك على الكيفية الثالثة وبالمال على الأولى ولا ريب في ان اختلاف هذه ~~الكيفيات الثلاث وتباينها واختصاص كل من المفاعيل المذكورة بما نسب إليه ~~منها مما لا يتصور فيه تردد ولا نكير وإن كان لا يتضح حق الاتضاح إلا عند ~~الترجمة والتفسير وإن مدار ذلك الاختلاف ليس إلا اختلاف الفعل أو اختلاف ~~المفعول وإذ لاختلاف في مفعول الحمد والمدح تعين أن اختلافهما في كيفية ~~التعلق لاختلافهما في المعنى قطعا هذا وقد قيل المدح مطلق عن قيد الاختيار ~~يقال مدحت زيدا على حسنه ورشاقة قدة وأياما كان فليس بينهما ترادف بل أخوة ~~من جهة الاشتقاق الكبير وتناسب تام في المعنى كالنصر والتأييد فإنهما ~~متناسبان معنى من غير ترادف لما ترى بينهما من الاختلاف في كيفية التعلق ~~بالمفعول وإنما مرادف النصر الإعانة ومرادف التأييد التقوية فتدبر ثم إن ما ~~ذكر من التفسير هو المشهور من معنى الحمد واللائق بالإدارة في مقام التعظيم ~~وأما ما ذكر في كتب اللغة ms0014 من معنى الرضى مطلقا كما في قوله تعالى عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا وفي قولهم لهذا الأمر عاقبة حميدة وفي قول الأطباء ~~بحران محمود مما لا يختص بالفاعل فضلا عن الاختيار فبمعزل عن استحقاق ~~الإرادة ههنا استقلالا أو استتباعا بحمل الحمد على ما يعم المعنيين إذ ليس ~~في إثباته له عز وجل فائدة يعتد بها وأما الشكر فهو مقابلة النعمة بالثناء ~~وآداب الجوارح وعقد القلب على وصف المنعم بنعت الكمال كما قال من قال ~~أفادتكم النعماء منى ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا فإذن هو أعم منهما ~~من جهة وأخص من أخرى ونقيضة الكفران ولما كان الحمد من بين شعب الشكر أدخل ~~في إشاعة النعمة والاعتداد بشأنها وأدل على مكانها لما في عمل القلب من ~~الخفاء وفي أعمال الجوارح من الاحتمال جعل الحمد رأس الشكر وملاكا لأمره في ~~قوله صلى الله عليه وسلم الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبده لم يحمده ~~وارتفاعه بالابتداء وخبره الظرف وأصله النصب كما هو شأن المصادر المنصوبة ~~بأفعالها المضمرة التي لا تكاد تستعمل معها نحو شكرا وعجبا كأنه قيل نحمد ~~الله حمدا بنون الحكاية ليوافق ما في قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين ~~لاتحاد الفاعل في الكل وأما ما قيل من أنه بيان لحمدهم له تعالى كأنه قيل ~~كيف تحمدون فقيل إياك نعبد فمع أنه لا حاجة إليه مما لا صحة له في نفسه فإن ~~السؤال المقدر لا بد أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام وينساق إليه ~~الأذهان والأفهام ولا ريب في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى على تلك ~~الكيفية اللائقة لا يخطر ببال أحد أن يسأل عن كيفيته على أن ما قدر من ~~السؤال غير مطابق للجواب فإنه مسوق لتعيين المعبود لا لبيان العبادة حتى ~~يتوهم كونه بيانا لكيفية حمدهم والاعتذار بأن المعنى نخصك بالعبادة وبه ~~يتبين كيفية الحمد تعكيس للأمر وتمحل لتوفيق المنزل المقرر بالموهوم المقدر ~~وبعد اللتيا والتي أن فرض السؤال من جهته عز وجل فأتت نكتت الالتفات التي ms0015 ~~أجمع عليها السلف والخلف وإن فرض من جهة الغير يختل النظام لابتناء الجواب ~~على خطابة تعالى PageV01P012 # وبهذا يتضح فساد ما قيل أنه استئناف جوابا لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصفات ~~العظام على الموصوف بها فكأنه قيل ما شأنكم معه وكيف توجهكم إليه فأجيب ~~بحصر العبادة والاستعانة فيه فإن تناسى جانب السائل بالكلية وبناء الجواب ~~على خطابة عز وعلا مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله والحق الذي لا ~~محيد عنه أنه استئناف صدر عن الحامد بمحض ملاحظة اتصافه تعالى بما ذكر من ~~النعوت الجليلة الموجبة للإقبال الكلي عليه من غير أن يتوسط هناك شيء آخر ~~كما ستحيط به خبرا أو إيثار الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ~~ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث ~~متجدد كما تفيده قراءة النصب وهو السر في كون تحية الخليل للملائكة عليهم ~~التحية والسلام أحسن من تحيتهم له في قوله تعالى قالوا سلاما قال سلام ~~وتعريفه للجنس ومعناه الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي حاضرة في ذهن السامع ~~والمراد تخصيص حقيقة الحمد به تعالى المستدعى لتخصيص جميع أفرادها به ~~سبحانه على الطريق البرهاني لكن لا بناء على أن أفعال العباد مخلوقة له ~~تعالى فتكون الأفراد الواقعة بمقابلة ما صدر عنهم من الأفعال الجميلة راجعة ~~إليه تعالى بل بناء على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابي ~~منزلة العدم كيفا وكما وقد قيل للاستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث ~~تحققها في ضمن جميع افرادها حسبما يقتضيه المقام وقرئ الحمد لله بكسر الدال ~~اتباعا لها باللام وبضم اللام اتباعا لها بالدال بناء على تنزيل الكلمتين ~~لكثرة استعمالهما مقترنتين منزلة كلمة واحدة مثل المغيرة ومنحدر الجبل «رب ~~العالمين» بالجر على أنه صفة لله فإن إضافته حقيقية مفيدة للتعريف على كل ~~حال ضرورة تعين إرادة الاستمرار وقرئ منصوبا على المدح أو بما دل عليه ~~الجملة السابقة كأنه قيل نحمد الله رب العالمين ولا مساغ لنصبه بالحمد لقلة ~~أعمال المصدر ms0016 المحلى باللام وللزوم الفصل بين العامل والمعمول بالخبر والرب ~~في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشئ إلى كماله شيئا فشيئا وصف به ~~الفاعل مبالغة كالعدل وقيل صفة مشبهة من ربه يربه مثل نمه ينمه بعد جعله ~~لازما بنقله إلى فعل بالضم كما هو المشهور سمى به المالك لأنه يحفظ ما ~~يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيد كرب الدار ورب الدابة ومنه ~~قوله تعالى فيسقى ربه خمرا وقوله تعالى أرجع إلى ربك وما في الصحيحين من ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك ولا يقل أحدكم ~~ربي وليقل سيدي ومولاي فقد قيل إن النهى فيه للتنزيه وأما الأ رباب فحيث لم ~~يكن إطلاقه على الله سبحانه جاز في إطلاقه الإطلاق والتقييد كما في قوله ~~تعالى أأرباب متفرقون خير الآية والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب ~~غلب فيما يعلم به الصانع تعالى من المصنوعات أي في القدر المشترك بين ~~أجناسها وبين مجموعها فإنه كما يطلق على كل جنس جنس منها في قولهم عالم ~~الأفلاك وعالم العناصر وعالم النبات وعالم الحيوان إلى غير ذلك يطلق على ~~المجموع أيضا كما في قولنا العالم بجميع أجزائه محدث وقيل هو اسم لأولى ~~العلم من الملائكة والثقلين وتناوله لما سواهم بطريق الاستتباع وقيل أريد ~~به الناس فقط فإن كل واحد منهم من حيث اشتماله على نظائر ما في العالم ~~الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع كما يعلم بما فيه عالم على ~~حياله ولذلك أمر بالنظر في الأنفس كالنظر في الآفاق فقيل وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون والأول هو الأحق الأظهر وإيثار صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى ~~لجميع PageV01P013 # الأجناس والتعريف لاستغراق أفراد كل منها بأسرها إذ لو أفرد لربما توهم ~~أن المقصود بالتعريف هو الحقيقة من حيث هي أو استغراق إفراد جنس واحد على ~~الوجه الذي أشير إليه في تعريف الحمد وحيث صح ذلك بمساعدة التعريف نزل ~~العالم وإن لم ينطلق على آحاد مدلولة منزلة الجمع ms0017 حتى قيل أنه جمع لا واحد ~~له من لفظه فكما أن الجمع المعرف يستغرق آحاد مفرده وإن لم يصدق عليها كما ~~في مثل قوله تعالى والله يحب المحسنين أي كل محسن كذلك العالم يشمل أفراد ~~الجنس المسمى به وإن لم ينطلق عليها كأنها آحاد مفرده التقديري ومن قضية ~~هذا التنزيل تنزيل جمعه منزلة جمع الجمع فكما أن الأقاويل يتناول كل واحد ~~من آحاد الأقوال يتناول لفظ العالمين كل واحد من آحاد الجناس التي لا تكاد ~~تحصى روى عن وهب ابن منبه أنه قال لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم والدنيا ~~عالم منها وإنما جمع بالواو والنون مع اختصاص ذلك بصفات العقلاء وما في ~~حكمها من الاعلام لدلالته على معنى العلم مع اعتبار تغليب العقلاء على ~~غيرهم واعلم ان عدم انطلاق اسم العالم على كل واحد من تلك الآحاد ليس الا ~~باعتبار الغلبة والاصطلاح واما باعتبار الأصل فلا ريب في صحة الاطلاق قطعا ~~لتحقيق المصداق حتما فإنه كما يستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه وبكل ~~جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى بكل جزء من اجزاء ذلك المجموع وبكل فرد من ~~افراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل فإن كل ما ~~ظهر في المظاهر مما عزو هان وحضر في هذه المحاضر كائنا ما كان دليل لائح ~~على الصانع المجيد وسبيل واضح إلى عالم التوحيد واما شمول ربوبيته عز وجل ~~للكل فما لا حاجة إلى بيانه إذ لا شيء مما أحدق به نطاق الامكان والوجود من ~~العلويات والسفليات والمجردات والماديات والروحانيات والجسمانيات الا وهو ~~في حد ذاته بحيث لو فرض انقطاع آثار التربية عنه آنا واحدا لما استقر له ~~القرار ولا اطمأنت به الدار الا في مطمورة العدم ومهاوى البوار لكن يفيض ~~عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي ~~من فنون الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وصفاته وكمالاته ما لا يحيط به فلك ~~التعبير ولا يعلمه الا العليم الخبير ضرورة انه ms0018 كما لا يستحق شيء من ~~الممكنات بذاته الوجود ابتداء لا يستحقه بقاء وانما ذلك من جناب المبدأ ~~الأول عز وعلا فكما لا يتصور وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع انحاء عدمه ~~الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع ~~انحاء عدمه الطارىء لما ان الدوام من خصائص الوجود الواجبي وظاهر ان ما ~~يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن كانت ~~متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في ~~وجوده وهي المعبر عنها بارتفاع الموانع ليست كذلك إذ لا استحالة في ان يكون ~~لشيء واحد موانع غير متناهية يتوقف وجوده أو بقاؤه على ارتفاعها أي بقائها ~~على العدم مع إمكان وجودها في نفسها فإبقاء تلك الموانع التي لا تتناهى على ~~العدم تربية لذلك الشيء من وجوه غير متناهية وبالجملة فآثار تربيته عز وجل ~~الفائضة على كل فرد من افراد الموجودات في كل آن من آنات الوجود غير ~~متناهية فسبحانه سبحانه ما أعظم سلطانه لا تلاحظه العيون بأنظارها ولا ~~تطالعه العقول بأفكارها شأنه لا يضاهي وإحسانه لا يتناهى ونحن في معرفته ~~حائرون وفي إقامة مراسم شكره قاصرون نسألك اللهم الهداية PageV01P014 # إلى مناهج معرفتك والتوفيق لأداء حقوق نعمتك لا نحصى ثناء عليك لا اله ~~الا أنت نستغفرك ونتوب إليك «الرحمن الرحيم» صفتان لله فإن أريد بما فيهما ~~من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يفيض على الكل بعد الخروج ~~إلى طور الوجود من النعم فوجه تأخيرهما عن وصف الربوبية ظاهر وإن أريد ما ~~يعم الكل في الأطوار كلها حسبما في قوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء فوجه ~~الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة فإيرادهما في عقبها للإيذان ~~بأنه تعالى متفضل فيها فاعل بقضية رحمته السابقة من غير وجوب عليه وبأنها ~~واقعة على أحسن ما يكون والاقتصار على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه ~~الأنسب بحال المتبرك المستعين بإسمه الجليل والأوفق لمقاصده «مالك ms0019 يوم ~~الدين» صفة رابعة له تعالى وتأخيرها عن الصفات الأول مما لا حاجة إلى بيان ~~وجهة وقرأ أهل الحرمين المحترمين ملك من الملك الذي هو عبارة عن السلطان ~~القاهر والاستيلاء الباهر والغلبة التامة والقدرة على التصرف الكلي في أمور ~~العامة بالأمر والنهي وهو الأنسب بمقام الإضافة إلى يوم الدين كما في قوله ~~تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقرئ ملك بالتخفيف وملك بلفظ ~~الماضي ومالك بالنصب على المدح أو الحال وبالرفع منونا ومضافا على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف وملك مضافا بالرفع والنصب واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع ~~الشمس وغروبها من الزمان وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس ~~والمراد ههنا مطلق الوقت والدين الجزاء خيرا كان أو شرا ومنه الثاني في ~~المثل السائر كما تدين تدان والأول في بيت الحماسة ولم يبق سوى العدوان ~~دناهم كما دانوا وأما الأول في الأول والثاني في الثاني فليس بجزاء حقيقة ~~وإنما سمي به مشاكلة أو تسمية للشيء باسم مسببه كما سميت إرادة القيام ~~والقراءة باسمهما في قوله عز اسمه إذا قمتم إلى الصلاة وقوله تعالى فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله ولعله هو السر في بناء المفاعلة من الأفعال التي ~~تقوم أسبابها بمفعولاتها نحو عاقبت اللص ونظائره فإن قيام السرقة التي هي ~~سبب للعقوبة باللص نزل منزلة قيام المسبب به وهي العقوبة فصار كأنها قامت ~~بالجانبين وصدرت عنهما فبنيت صيغة المفاعلة الدالة على المشاركة بين ~~الاثنين وإضافة اليوم إليه لأدنى ملابسة كإضافة سائر الظروف الزمانية إلى ~~ما وقع فيها من الحوادث كيوم الأحزاب وعام الفتح وتخصيصه من بين سائر ما ~~يقع فيه من القيامة والجمع والحساب لكونه أدخل في الترغيب والترهيب فإن ما ~~ذكر من القيامة وغيرها من مبادئ الجزاء ومقدماته وإضافة مالك إلى اليوم من ~~إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على نهج الإتساع المبني على إجرائه مجرى ~~المفعول به مع بقاء المعنى على حاله كقولهم يا سارق الليلة أهل الدار أي ~~مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين ms0020 وخلو إضافته عن إفادة التعريف المسوغ ~~لوقوعه صفة للمعرفة إنما هو إذا أريد به الحال أو الاستقبال واما عند إرادة ~~الاستمرار الثبوتي كما هو اللائق بالمقام فلا ريب في كونها إضافة حقيقية ~~كإضافة الصفة المشبهة إلى غير معمولها في قراءة ملك يوم الدين ويوم الدين ~~وإن لم يكن مستمرا في جميع الأزمنة إلا أنه لتحقق وقوعه وبقائه أبدا أجرى ~~مجرى المتحقق المستمر ويجوز أن يراد به الماضي بهذا الاعتبار كما يشهد به ~~القراءة على صيغة الماضي وما ذكر من إجراء الظرف مجرى المفعول به إنما هو ~~من حيث المعنى لا من حيث الإعراب حتى يلزم كون الإضافة لفظية ألا ترى أنك ~~تقول في مالك عبده PageV01P015 # أمس انه مضاف إلى المفعول به على معنى انه كذلك معنى لا انه منصوب محلا ~~وتخصيصه بالإضافة إما لتعظيمه وتهويله أو لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر ~~فيه وانقطاع العلائق المجازية بين الملاك والأملاك حينئذ بالكلية وإجراء ~~هاتيك الصفات الجليلة عليه سبحانه تعليل لما سبق من اختصاص الحمد به تعالى ~~المستلزم لاختصاص استحقاقه به تعالى وتمهيد لما لحق من اقتصار العبادة ~~والاستعانة عليه فإن كل واحدة منها مفصحة عن وجوب ثبوت كل واحد منها له ~~تعالى امتناع ثبوتها لما سواه أما الأولى والرابعة فظاهر لأنهما متعرضتان ~~صراحة لكونه تعالى ربا مالكا وما سواه مربوبا مملوكا له تعالى واما الثانية ~~والثالثة فلأن اتصافه تعالى بهما ليس إلا بالنسبة إلى ما سواه من العالمين ~~وذلك يستدعى ان يكون الكل منعما عليهم فظهر ان كل واحدة من تلك الصفات كما ~~دلت على وجوب ثبوت الأمور المذكورة له تعالى دلت على امتناع ثبوتها لما ~~عداه على الإطلاق وهو المعنى بالإختصاص «إياك نعبد وإياك نستعين» التفات من ~~الغيبة إلى الخطاب وتلوين للنظم من باب إلى باب جار على نهج البلاغة في ~~افتنان الكلام ومسلك البراعة حسبما يقتضى المقام لما أن التنقل من أسلوب ~~إلى أسلوب أدخل في استجلاب النفوس واستمالة القلوب يقع من كل واحد من ~~التكلم والخطاب والغيبة إلى كل ms0021 واحد من الآخرين كما في قوله عز وجل «والله ~~الذي أرسل الرياح فتثير سحابا» الآية وقوله تعالى «حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم» إلى غير ذلك من الإلتفاتات الواردة في التنزيل لأسرار تقتضيها ~~ومزايا تستدعيها ومما استأثر به هذا المقام الجليل من النكت الرائقة الدالة ~~على أن تخصيص العبادة والاستعانة به تعالى لما أجرى عليه من النعوت الجليلة ~~التي أوجبت له تعالى أكمل تميز وأتم ظهور بحيث تبدل خفاء الغيبة بجلاء ~~الحضور فاستدعى استعمال صيغة الخطاب والإيذان بأن حق التالي بعدما تأمل ~~فيما سلف من تفرده تعالى بذاته الأقدس المستوجب للعبودية وامتيازه بذاته ~~عما سواه بالكلية واستبداده بجلائل الصفات وأحكام الربوبية المميزة له عن ~~جميع أفراد العالمين وافتقار الكل إليه في الذات والوجود ابتداء وبقاء على ~~التفصيل الذي مرت إليه الإشارة أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان ~~وينتقل من عالم الغيبة إلى معالم الشهود ويلاحظ نفسه في حظائر القدس حاضرا ~~في محاضر الإنس كأنه واقف لدى مولاه ماثل بين يديه وهو يدعو بالخضوع ~~والإخبات ويقرع بالضراعة باب المناجاة قائلا يا من هذه شؤون ذاته وصفاته ~~نخصك بالعبادة والاستعانة فإن كل ما سواك كائنا ما كان بمعزل من استحقاق ~~الوجود فضلا عن استحقاق أن يعبد أو يستعان ولعل هذا هو السر في اختصاص ~~السورة الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعة من الصلاة التي هي مناجاة العبد ~~لمولاه ومئنة للتبتل إليه بالكلية و إيا ضمير منفصل منصوب وما يلحقه من ~~الكاف والياء والهاء حروف زيدت لتعيين الخطاب والتكلم والغيبة لا محل لها ~~من الاعراب كالتاء في أنت والكاف في أرأيتك وما ادعاه الخليل من الإضافة ~~محتجا عليه بما حكاه عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وأيا الشواب ~~فما لا يعول عليه وقيل هي الضمائر وأيا دعامة لها لتصيرها منفصلة وقيل ~~الضمير هو المجموع وقرئ إياك بالتخفيف وبفتح الهمزة والتشديد وهياك بقلب ~~الهمزة هاء والعبادة أقصى غاية التذلل والخضوع ومنه طريق معبد أي مذلل ~~والعبودية أدنى منها وقيل ms0022 العبادة فعل ما يرضى به الله والعبودية ~~PageV01P016 # الرضى بما فعل الله تعالى والاستعانة طلب المعونة على الوجه الذي مر ~~بيانه وتقديم المفعول فيهما لما ذكر من القصر والتخصيص كما في قوله تعالى ~~«وإياي فارهبون» مع ما فيه من التعظيم والاهتمام به قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما معناه نعبدك ولا نعبد غيرك وتكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه ~~تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة ولإبراز الاستلذاذ بالمناجاة ~~والخطاب وتقديم العبادة لما أنها من مقتضيات مدلول الاسم الجليل وان ساعده ~~الصفات المجراة عليه أيضا وأما الاستعانة فمن الأحكام المبنية على الصفات ~~المذكورة ولأن العبادة من حقوق الله تعالى والاستعانة من حقوق المستعين ~~ولأن العبادة واجبه حتما والاستعانة تابعة للمستعان فيه في الوجوب وعدمه ~~وقيل لأن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول هذا على ~~تقدير كون اطلاق الاستعانة على المفعول فيه ليتناول كل مستعان فيه كما ~~قالوا وقد قيل انه لما ان المسؤول هو المعونة في العبادة والتوفيق لإقامة ~~مراسمها على ما ينبغي وهو اللائق بشأن التنزيل والمناسب لحال الحامد فإن ~~استعانته مسبوقة بملاحظة فعل من أفعاله ليستعينه تعالى في إيقاعه ومن البين ~~أنه عند استغراقه في ملاحظة شؤونه تعالى واشتغاله بأداء ما يوجبه تلك ~~الملاحظة من الحمد والثناء لا يكاد يخطر بباله من افعاله وأحواله الا ~~الأقبال الكلي عليه والتوجه التام إليه ولقد فعل ذلك بتخصيص العبادة به ~~تعالى أولا وباستدعاء الهداية إلى ما يوصل إليه آخرا فكيف يتصور أن يشتغل ~~فيما بينهما بما لا يعنيه من أمور دنياه أو بما يعمها وغيرها كأنه قيل ~~وإياك نستعين في ذلك فإنا غير قادرين على أداء حقوقه من غير إعانة منك فوجه ~~الترتيب حينئذ واضح وفيه من الإشعار بعلو رتبه عبادته تعالى وعزة منالها ~~وبكونها عند العابد أشرف المباغي والمقاصد وبكونها من مواهبه تعالى لا من ~~اعمال نفسه ومن الملائمة لما يعقبه من الدعاء ما لا يخفى وقيل الواو للحال ~~أي أياك نعبد مستعينين بك وإيثار صيغة المتكلم مع الغير في ms0023 الفعلين للإيذان ~~بقصور نفسه وعدم لياقته بالوقوف في مواقف الكبرياء منفردا وعرض العبادة ~~واستدعاء المعونة والهداية مستقلا وأن ذلك أنما يتصور من عصابة هو من ~~جملتهم وجماعة هو من زمرتهم كما هو ديدن الملوك أو للإشعار باشتراك سائر ~~الموحدين له في الحال العارضة له بناء على تعاضد الأدلة الملجئة إلى ذلك ~~وقرئ نستعين بكسر النون على لغة بني تميم «اهدنا الصراط المستقيم» إفراد ~~لمعظم أفراد المعونة المسئولة بالذكر وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها كأنه ~~قيل كيف أعينكم فقيل أهدينا والهداية دلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية ~~ولذلك اختصت بالخير وقوله تعالى «فاهدوهم إلى صراط الجحيم» وارد على نهج ~~التهكم والأصل تعديته بإلى واللام كما في قوله تعالى «قل هل من شركائكم من ~~يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق» فعومل معاملة اختار في قوله تعالى ~~«واختار موسى قومه» وعليه قوله تعالى «لنهدينهم سبلنا» وهداية الله تعالى ~~مع تنوعها إلى أنواع لا تكاد تحصر منحصرة في أجناس مترتبة منها أنفسية ~~كإفاضة القوى الطبيعية والحيوانية التي بها يصدر عن المرء أفاعيله الطبيعية ~~والحيوانية والقوى المدركة والمشاعر الظاهرة والباطنة التي بها يتمكن من ~~إقامة مصالحة المعاشية والمعادية ومنها آفاقية فإما تكوينية معربة عن الحق ~~بلسان الحال وهي نصب الأدلة المودعة في كل فرد من افراد العالم حسبما لوح ~~به فيما سلف وإما تنزيلية مفصحة عن تفاصيل الأحكام النظرية والعملية بلسان ~~المقال بإرسال الرسل PageV01P017 # وإنزال الكتب المنطوية على فنون الهدايات التي من جملتها الإرشاد إلى ~~مسلك الاستدلال بتلك الأدلة التكوينية الآفاقية والأنفسية والتنبيه على ~~مكانها كما أشير إليه مجملا في قوله تعالى وفي الأرض آيات للموقنين وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون وفي قوله عز وعلا «إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق ~~الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون» ومنها الهداية الخاصة وهي كشف ~~الأسرار على قلب المهدي بالوحي أو الإلهام ولكل مرتبة من هذه المراتب صاحب ~~ينتحيها وطالب يستدعيها والمطلوب إما زيادتها كما في قوله تعالى «والذين ~~اهتدوا زادهم هدى» وإما ms0024 الثبات عليها كما روى عن علي وأبي رضي الله عنهما ~~اهدنا ثبتنا ولفظ الهداية على الوجه الأخير مجاز قطعا وأما على الأول فإن ~~اعتبر مفهوم الزيادة داخلا في المعنى المستعمل فيه كان مجازا أيضا وإن ~~اعتبر خارجا عنه مدلولا عليه بالقرائن كان حقيقة لأن الهداية الزائدة هداية ~~كما أن العبادة الزائدة عبادة فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وقرئ ~~أرشدنا والصراط الجادة أصله السين قلبت صادا لمكان الطاء كمصيطر في مسيطر ~~من سرط الشئ إذا ابتلعه سميت به لأنها تسترط السابلة إذا سلكوها كما سميت ~~لقما لأنها تلتقمهم وقد تشم الصاد صوت الزاي تحريا للقرب من المبدل منه وقد ~~قرئ بهن جميعا وفصحاهن إخلاص الصاد وهي لغة قريش وهي الثابتة في الإمام ~~وجمعه صرط ككتاب وكتب وهو كالطريق والسبيل في التذكير والتأنيث والمستقيم ~~المستوى والمراد به طريق الحق وهي الملة الحنفية السمحة المتوسطة بين ~~الإفراط والتفريط «صراط الذين أنعمت عليهم» بدل من الأول بدل الكل وهو في ~~حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة وفائدته التأكيد والتنصيص على ~~أن طريق الذين أنعم الله عليهم وهم المسلمون هو العلم في الاستقامة ~~والمشهود له بالاستواء بحيث لا يذهب الوهم عند ذكر الطريق المستقيم إلا ~~إليه وإطلاق الإنعام لقصد الشمول فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها فمن ~~فاز بها فقد حازها بحذافيرها وقيل المراد بهم الأنبياء عليهم السلام ولعل ~~الأظهر أنهم المذكورون في قوله عز قائلا «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين» بشهادة ما قبله من قوله تعالى ~~«ولهديناهم صراطا مستقيما» وقيل هم أصحاب موسى وعيسى عليهما السلام قبل ~~النسخ والتحريف وقرئ صراط من أنعمت عليهم والإنعام إيصال النعمة وهي في ~~الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من النعمة وهي اللين ثم أطلقت على ما ~~تستلذه النفس من طيبات الدنيا ونعم الله تعالى مع استحالة احصائها ينحصر ~~أصولها في دنيوي وأخروي والأول قسمان وهبي وكسبي والوهبي أيضا قسمان روحاني ~~كنفخ الروح فيه وإمداده بالعقل وما يتبعه من القوى ms0025 المدركة فإنها مع كونها ~~من قبيل الهدايات نعم جليلة في أنفسها وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة ~~فيه والهيئات العارضة له من الصحة وسلامة الأعضاء والكسبي تخلية النفس عن ~~الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات البهية وتزيين البدن بالهيئات ~~المطبوعة والحلى المرضية وحصول الجاه والمال والثاني مغفرة ما فرط منه ~~والرضى عنه وتبوئته في أعلى عليين مع المقربين والمطلوب هو القسم الأخير ~~وما هو ذريعة إلى نيله من القسم الأول اللهم أرزقنا ذلك بفضلك العظيم ~~ورحمتك الواسعة «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» صفة للموصول على أنه عبارة ~~عن احدى الطوائف المذكورة المشهورة بالإنعام عليهم وباستقامة المسلك ومن ~~ضرورة PageV01P018 # هذه الشهرة شهر تهم بالمغايرة لما أضيف إليه كلمة غير من المتصفين بضدى ~~الوصفين المذكورين أعنى مطلق المغضوب عليهم والضالين فاكتسبت بذلك تعرفا ~~مصححا لوقوعها صفة للمعرفة كما في قولك عليك بالحركة غير السكون وصفوا بذلك ~~تكملة لما قبله وإيذانا بأن السلامة مما ابتلى به أولئك نعمة جليلة في ~~نفسها أي الذين جمعوا بين النعمة المطلقة التي هي نعمة الإيمان ونعمة ~~السلامة من الغضب والضلال وقيل المراد بالموصول طائفة من المؤمنين لا ~~بأعيانهم فيكون بمعنى النكرة كذى اللام إذا أريد به الجنس في ضمن بعض ~~الأفراد لا بعينه وهو المسمى بالمعهود الذهني وبالمغضوب عليهم والضالين ~~اليهود والنصارى كما ورد في مسند أحمد والترمذي فيبقى لفظ غير على إبهامه ~~نكرة كمثل موصوفة وأنت خبير بأن جعل الموصول عبارة عما ذكر من طائفة غير ~~معينة مخل ببدلية ما أضيف إليه مما قبله فإن مدارها كون صراط المؤمنين علما ~~في الاستقامة مشهودا له بالاستواء على الوجه الذي تحققته فيما سلف ومن ~~البين إن ذلك من حيث إضافته وانتسابه إلى كلهم لا إلى بعض مبهم منهم وبهذا ~~تبين أن لا سبيل إلى جعل غير المغضوب عليهم بدلا من الموصول لما عرفت من أن ~~شأن البدل أن يفيد متبوعه مزيد تأكيد وتقرير وفضل إيضاح وتفسير ولا ريب في ~~أن قصارى أمر ما نحن فيه أن يكتسب مما أضيف إليه ms0026 نوع تعرف مصحح لوقوعه صفة ~~للموصول وأما استحقاق أن يكون مقصودا بالنسبة مفيدا لما ذكر من الفوائد فكل ~~وقرئ بالنصب على الحال والعامل أنعمت أو على المدح أو على الاستثناء إن فسر ~~النعمة بما يعم القبيلين والغصب هيجان النفس لإرادة الانتقام وعند إسناده ~~إلى الله سبحانه يراد به غايته بطريق إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على ~~مسببه القريب إن أريد به إرادة الانتقام وعلى مسببه البعيد أن أريد به نفس ~~الانتقام ويجوز حمل الكلام على التمثيل بأن يشبه الهيئة المنتزعة من سخطه ~~تعالى للعصاة وإرادة الانتقام منهم لمعاصيهم بما ينتزع من حال الملك إذا ~~غضب على الذين عصوه وأراد أن ينتقم منهم ويعاقبهم وعليهم مرتفع بالمغضوب ~~قائم مقام فاعله والعدول عن اسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرى على منهاج ~~الآداب التنزيلية في نسبة النعم والخيرات إليه عز وجل دون أضدادها كما في ~~قوله تعالى «الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو ~~يشفين» وقوله تعالى «وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا» ولا مزيدة لتأكيد ما أفاده غير من معنى النفي كأنه قيل لا المغضوب ~~عليهم ولا الضالين ولذلك جاز أنا زيدا غير ضارب جواز أنا زيدا لا ضارب وإن ~~امتنع أنا زيدا مثل ضارب والضلال هو العدول عن الصراط السوي وقرئ وغير ~~الضالين وقرئ ولا الضألين بالهمزة على لغة من جد في الهرب من التقاء ~~الساكنين «آمين» اسم فعل هو استجب وعن ابن عباس رضي الله عنهما سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمين فقال افعل بني على الفتح كأين ~~لالتقاء الساكنين وفيه لغتان مد ألفه وقصرها قال ويرحم الله عبدا قال آمينا ~~وقال آمين فزاد الله ما بيننا بعدا عن النبي صلى الله عليه وسلم لقننى ~~جبريل آمين عند فراغى من قراءة فاتحة الكتاب وقال إنه كالختم على الكتاب ~~وليست من القرآن وفاقا ولكن يسن ختم السورة الكريمة بها والمشهور عن أبي ~~حنيفة رحمه الله أن ms0027 المصلى يأتي بها مخافتة وعنه أنه لا يأتي بها الإمام ~~لأنه الداعي وعن الحسن رحمه الله مثله وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل وأنس ~~بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P019 # وعند الشافعي رحمه الله يجهر بها لما روى وائل بن حجر ان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انه قال لأبي بن كعب ألا أخبرك بسورة لم ينزل في ~~التوراة والإنجيل والقرآن مثلها قلت بلى يا رسول الله قال فاتحة الكتاب ~~أنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته وعن حذيفة بن اليمان رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن القوم ليبعث الله عليهم ~~العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين ~~فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة سورة البقرة مدنية ~~وهي مائتان وسبع وثمانون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «ألم» الالفاظ التي ~~يعبر بها عن حروف المعجم التي من جملتها المقطعات المرقومة في فواتح السور ~~الكريمة أسماء لها لاندراجها تحت حد الاسم ويشهد به ما يعتريها من التعريف ~~والتنكير والجمع والتصغير وغير ذلك من خصائص الاسم وقد نص على ذلك أساطين ~~أئمة العربية وما وقع في عبارات المتقدمين من التصريح بحرفيتها محمول على ~~المسامحة واما ما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه من انه صلى الله عليه وسلم ~~قال من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم ~~حرف بل الف حرف ولام حرف وميم حرف وفي رواية الترمذي والدارمي لا أقول ألم ~~حرف وذلك الكتاب حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف والذال حرف ~~والكاف حرف فلا تعلق له بما نحن فيه قطعا فإن اطلاق الحرف على ما يقابل ~~الاسم والفعل عرف جديد اخترعه أئمة الصناعة وإنما الحرف عند الأوائل ما ~~يتركب منه الكلم من الحروف المبسوطة وربما يطلق على الكلمة أيضا ms0028 تجوزا ~~فأريد بالحديث الشريف دفع توهم التجوز وزيادة تعيين إرادة المعنى الحقيقي ~~ليتبين بذلك أن الحسنة الموعودة ليست بعدد الكلمات القرآنية بل بعدد حروفها ~~المكتوبة في المصاحف كما يلوح به ذكر كتاب الله دون كلام الله أو القرآن ~~وليس هذا من تسمية الشيء باسم مدلوله في شيء كما قيل كيف لا والمحكوم عليه ~~بالحرفية واستتباع الحسنة انما هي المسميات البسيطة الواقعة في كتاب الله ~~عز وجل سواء عبر عنها بأسمائها أو بأنفسها كما في قولك السين مهملة والشين ~~معجمة مثلثة وغير ذلك مما لا يصدق المحمول الا على ذات الموضوع لا أسماؤها ~~المؤلفة كما إذا قلت الألف مؤلف من ثلاثة أحرف فكما أن الحسنات في قراءة ~~قوله تعالى ذلك الكتاب بمقابلة حروفه البسيطة وموافقة لعددها كذلك في قراءة ~~قوله تعالى ألم بمقابلة حروفه الثلاثة المكتوبة وموافقة لعددها لا بمقابلة ~~أسمائها الملفوظة وإلا لفات الموافقة في العدد إذا لحكم بأن كلا منها حرف ~~واحد مستلزم للحكم بأنه مستتبع لحسنة واحدة فالعبرة في ذلك بالمعبر عنه دون ~~المعبر به ولعل السر فيه ان استتباع الحسنة منوط بإفادة المعنى المراد ~~بالكلمات القرآنية فكما أن سائر الكلمات الشريفة لا تفيد معانيها الا بتلفظ ~~حروفها بأنفسها كذلك الفواتح المكتوبة لا تفيد المعاني المقصودة بها الا ~~بالتعبير عنها بأسمائها فجعل ذلك تلفظا بالمسميات كالقسم PageV01P020 # للأول من غير فرق بينهما إلا يرى إلى ما في الرواية الأخيرة من قوله صلى ~~الله عليه وسلم والذال حرف والكاف حرف كيف عبر عن طرفي ذلك بإسميها مع ~~كونهما ملفوظين بأنفسهما ولقد روعيت في هذه التسمية نكتة رائعة حيث جعل كل ~~مسمى لكونه من قبيل الألفاظ صدرا لاسمه ليكون هو المفهوم منه أثر ذي أثير ~~خلا أن الألف حيث تعذر الابتداء بها استعيرت مكانها الهمزة وهي معربة إذ لا ~~مناسبة بينها وبين مبنى الأصل لكنها ما لم تلها العوامل ساكنة الأعجاز على ~~الوقف كأسماء الأعداد وغيرها حين خلت عن العوامل ولذلك قيل صاد وقاف مجموعا ~~فيهما بين الساكنين ولم يعامل معاملة ms0029 أين وكيف وهؤلاء وإن وليها عامل مسها ~~الإعراب وقصر ما آخره ألف عند التهجي لابتغاء الخفة لا لأن وزانه وزان لا ~~تقصر تارة فتكون حرفا وتمد أخرى فيكون اسما لها كما في قول حسان رضي الله ~~عنه * ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد لم تسمع له لاء * هذا وقد ~~تكلموا في شان هذه الفواتح الكريمة وما أريد بها فقيل إنها من العلوم ~~المستورة والأسرار المحجوبة روى عن الصديق رضي الله عنه أنه قال في كل كتاب ~~سر وسر القرآن أوائل السور وعن علي رضي الله عنه أن لكل كتاب صفوة وصفوة ~~هذا الكتاب حروف التهجي وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عجزت العلماء ~~عن إدراكها وسئل الشعبي عنها فقال سر الله عز وجل فلا تطلبوه وقيل أنها ~~أسماء الله تعالى وقيل كل حرف منها إشارة إلى اسم من أسماء الله تعالى أو ~~صفة من صفاته تعالى وقيل إنها صفات الأفعال الألف آلاؤه واللام لطفه والميم ~~مجده وملكه قاله محمد بن كعب القرظي وقيل إنها من قبيل الحساب وقيل الألف ~~من الله واللام من جبريل والميم من محمد أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبريل ~~على محمد عليهما الصلاة والسلام وقيل هي أقسام من الله تعالى بهذه الحروف ~~المعجمة لشرفها من حيث أنها أصول اللغات ومبادئ كتبه المنزلة ومباني أسمائه ~~الكريمة وقيل إشارة إلى انتهاء كلام وابتداء كلام آخر وقيل وقيل ولكن الذي ~~عليه التعويل إما كونها أسماء للسور المصدرة بها وعليه إجماع الأكثر وإليه ~~ذهب الخليل وسيبويه قالوا سميت بها إيذانا بأنها كلمات عربية معروفة ~~التركيب من مسميات هذه الألفاظ فيكون فيه إيماء إلى الإعجاز والتحدي على ~~سبيل الإيقاظ فلولا أنه وحى من الله عز وجل لما عجزوا عن معارضته ويقرب منه ~~ما قاله الكلبي والسدي وقتادة من أنها أسماء للقرآن والتسمية بثلاثة أسماء ~~فصاعدا إنما تستنكر في لغة العرب إذا ركبت وجعلت اسما واحدا كما في حضرموت ~~فإما إذا كانت منثورة فلا استنكار فيها والمسمى ms0030 هو المجموع لا الفاتحة فقط ~~حتى يلزم اتحاد الاسم والمسمى غاية الأمر دخول الاسم في المسمى ولا محذور ~~فيه كما لا محذور في عكسه حسبما تحققته آنفا وإنما كتبت في المصاحف صور ~~المسميات دون صور الأسماء لأنه أدل على كيفية التلفظ بها وهي أن يكون على ~~نهج التهجي دون التركيب ولأن فيه سلامة من التطويل لا سيما في الفواتح ~~الخماسية على أن خط المصحف مما لا يناقش فيه بمخالفة القياس وإما كونها ~~مسرودة على نمط التعديد وإليه جنح أهل التحقيق قالوا إنما وردت هكذا ليكون ~~إيقاظا بمن تحدى بالقرآن وتنبيها لهم على أنه منتظم من عين ما ينظمون منه ~~كلامهم فلولا أنه خارج عن طوق البشر نازل من عند خلاق القوى والقدر لما ~~تضاءلت قوتهم ولا تساقطت قدرتهم وهم PageV01P021 # فرسان حلبة الحوار وأمراء الكلام في نادي الفخار دون الإتيان بما يدانيه ~~فضلا عن المعارضة بما يساويه مع تظاهرهم في المضادة والمضارة وتهالكهم على ~~المعازة والمعارة أو ليكون مطلع ما يتلى عليهم مستقلا بضرب من الغرابة ~~أنموذجا لما في الباقي من فنون الإعجاز فإن النطق بأنفس الحروف في تضاعيف ~~الكلام وأن كان على طرف الثمام يتناوله الخواص والعوام من الأعراب والأعجام ~~لكن التلفظ بأسمائها إنما يتأتى ممن درس وخط وأما ممن لم يحم حول ذلك قط ~~فأعز من بيض الأنوق وأبعد من مناط العيوق لا سيما إذا كان على نمط عجيب ~~وأسلوب غريب منبئ عن سر سرى مبنى على نهج عبقري بحيث يحار في فهمه أرباب ~~العقول ويعجز عن إدراكه الباب الفحول كيف لا وقد وردت تلك الفواتح في تسع ~~وعشرين سورة على عدد حروف المعجم مشتملة على نصفها تقريبا بحيث ينطوى على ~~انصاف أصنافها تحقيقا أو تقريبا كما يتضح عند الفحص والتنقير حسبما فصله ~~بعض أفاضل أئمة التفسير فسبحان من دقت حكمته من أن يطالعها النظار وجلت ~~قدرته عن أن ينالها أيدي الأفكار وايراد بعضها فرادى وبعضها ثنائية إلى ~~الخماسية جرى على عادة الافتتان مع مراعاة أبنية الكلم وتفريقها على ms0031 السور ~~دون إيراد كلها مرة لذلك ولما في التكرير والإعارة من زيادة إفادة وتخصيص ~~كل منها بسورتها مما لا سبيل إلى المطالبة بوجهه وعد بعضها آية دون بعض ~~مبنى على التوقيف البحت أما ألم فآية حيثما وقعت وقيل في آل عمران ليست ~~بآية والمص آية والمر لم تعد آية والر ليست بآية في شئ من سورها الخمس وطسم ~~آية في سورتيها وطه ويس آيتان وطس ليست بآية وحم آية في سورها كلها وكهيعص ~~آية وحم عسق آيتان وص وق ون لم تعد واحدة منها آية هذا على رأي الكوفيين ~~وقد قيل إن جميع الفواتح آيات عندهم في السور كلها بلا فرق بينها وأما من ~~عداهم فلم يعدوا شيئا منها آية ثم إنها على تقدير كونها مسرودة على نمط ~~التعديد لا تشم رائحة الإعراب ويوقف عليها وقف التمام وعلى تقدير كونها ~~أسماء للسور أو للقرآن كان لها حظ منه أما الرفع على الابتداء أو على ~~الخبرية وإما النصب بفعل مضمر كاذكر أو بتقدير فعل القسم على طريقة الله ~~لأفعلن وأما الجر بتقدير حرفة حسبما يقتضيه المقام ويستدعيه النظام ولا وقف ~~فيما عدا الرفع على الخبرية والتلفظ بالكل على وجه الحكاية ساكنة الأعجاز ~~إلا أن ما كانت منها مفردة مثل ص وق ون يتأتى فيها الإعراب اللفظي أيضا وقد ~~قرئت بالنصب على إضمار فعل أي اذكر أو اقرأ صاد وقاف ونون وإنما لم تنون ~~لامتناع الصرف وكذا ما كانت منها موازنة لمفرد نحو حم ويس وطس الموازنة ~~لقابيل وهابيل حيث أجاز سيبويه فيها مثل ذلك قال باب أسماء السور من كتابه ~~وقد قرأ بعضهم ياسين والقرآن وقاف والقرآن فكأنه جعله اسما أعجميا ثم قال ~~اذكر ياسين انتهى وحكى السير أفي أيضا عن بعضهم قراءة ياسين ويجوز ان يكون ~~ذلك في الكل تحريكا لالتقاء الساكنين ولا مساغ لنصب بإضمار فعل القسم لأن ~~ما بعدها من القرآن والقلم محلوف بهما وقد استكرهوا الجمع بين قسمين على ~~مقسم عليه واحد قبل انقضاء الأول وهو السر ms0032 في جعل ما عدا الواو الأولى في ~~قوله تعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى عاطفة ~~ولا مجال للعطف ههنا للمخالفة بين الأول والثاني في الإعراب نعم يجوز ذلك ~~بجعل الأول مجرورا PageV01P022 # بإضمار الباء القسمية مفتوحا لكونه غير منصوف وقرئ ص وق بالكسر على ~~التحريك لالتقاء الساكنين ويجوز في طاسين ميم أن تفتح نونها وتجعل من قبيل ~~دارا بجرد ذكره سيبويه في كتابه وأما ما عدا ذلك من الفواتح فليس فيها إلا ~~الحكاية وسيجئ تفاصيل سائر أحكام كل منها مشروحة في مواقعها بإذن الله عز ~~سلطانه أما هذه الفاتحة الشريفة فإن جعلت اسما للسورة أو القرآن فمحلها ~~الرفع إما على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذا ألم أي مسمى به وإنما صحت ~~الإشارة إلى القرآن بعضا أو كلا مع عدم سبق ذكره لأنه باعتبار كونه بصدد ~~الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد كما يقال هذا ما اشترى فلان وأما على انه ~~مبتدأ أي المسمى به والأول هو الأظهر لأن ما يجعل عنوان الموضوع حقه أن ~~يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه عند المخاطب وإذ لا علم بالتسمية قبل ~~فحقها الإخبار بها وادعاء شهرتها يأباه التردد في أن المسمى هي السورة أو ~~كل القرآن «ذلك» ذا اسم إشارة واللام عماد جيء به للدلالة على بعد المشار ~~إليه والكاف للخطاب والمشار إليه هو المسمى فإنه منزل منزلة المشاهد بالحس ~~البصري وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شانه ~~وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف أثر تنويهه بذكر اسمه وما قيل من ~~انه باعتبار التقصي أو باعتبار الوصول من المرسل إلى المرسل إليه في حكم ~~المتباعد وإن كان مصححا لا يراده لكنه بمعزل من ترجيحه على إيراد ما وضع ~~للإشارة إلى القريب وتذكيره على تقدير كون المسمى هي السورة لأن المشار ~~إليه هو المسمى بالأسم المذكور من حيث هو مسمى به لا من حيث هو مسمى ~~بالسورة ولئن ادعى اعتبار الحيثية الثانية في ms0033 الأول بناء على أن التسمية ~~لتمييز السور بعضها من بعض فذلك لتذكير ما بعده وهو على الوجه الأول مبتدأ ~~على حدة وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثان وقوله عز وعلا «الكتاب» إما خبر له أو ~~صفة أما إذا كان خبرا له فالجملة على الوجه الأول مستأنفة مؤكدة لما أفادته ~~الجملة الأولى من نباهة شأن المسمى لا محل لها من الإعراب وعلى الوجه ~~الثاني في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ الأول واسم الإشارة مغن عن ~~الضمير الرابط والكتاب أما مصدر سمى به المفعول مبالغة كالخلق والتصوير ~~للمخلوق والمصور وإما فعال بني للمفعول كاللباس من الكتب الذي هو ضم الحروف ~~بعضها إلى بعض وأصله الجمع والضم في الأمور البادية للحس البصري ومنه ~~الكتيبة للعسكر كما أن أصل القراءة الجمع والضم في الأشياء الخافية عليه ~~وإطلاق الكتاب على المنظوم عبارة لما أن مآله الكتابة والمراد به على تقدير ~~كون المسمى هي السورة جميع القرآن الكريم وإن لم يتم نزوله عند نزول السورة ~~إما باعتبار تحققه في علم الله عز وجل أو باعتبار ثبوته في اللوح أو اعتبار ~~نزوله جملة إلى السماء الدنيا حسبما ذكر في فاتحة الكتاب واللام للعهد ~~والمعنى أن هذه السورة هو الكتاب أي العمدة القصوى منه كأنه في إحراز الفضل ~~كل الكتاب المعهود الغنى عن الوصف بالكمال لاشتهاره به فيما بين الكتب على ~~طريقة قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وعلى تقدير كون المسمى كل القرآن ~~فالمراد بالكتاب الجنس واللام الحقيقة والمعنى أن ذلك هو الكتاب ~~PageV01P023 # الكامل الحقيق بأن يخص به اسم الكتاب لغاية تفوقه على بقية الأفراد في ~~حيازة كمالات الجنس كأن ما عداه من الكتب السماوية خارج منه بالنسبة إليه ~~كما يقال هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من ~~مراضى الخصال وعليه قول من قال * هم القوم كل القوم يا أم خالد * فالمدح ~~كما ترى من جهة حصر كمال الجنس في فرد من افراده وفي الصورة الأولى من جهة ~~حصر كمال الكل ms0034 في الجزء ولا مساغ هناك لحمل الكتاب على الجنس لما أن فرده ~~المعهود هو مجموع القرآن المقابل لسائر أفراده من الكتب السماوية لا بعضه ~~الذي ينطلق عليه اسم الكتاب باعتبار كونه جزأ لهذا الفرد لا باعتبار كونه ~~جزئيا للجنس على حياله ولأن حصر الكمال في السورة مشعر بنقصان سائر السور ~~وإن لم يكن الحصر بالنسبة إليها لتحقيق المغايرة بينهما هذا على تقدير كون ~~الكتاب خبرا لذلك وأما إذا كان صفة له فذلك الكتاب على تقدير كون ألم خبر ~~مبتدأ محذوف وإما خبر ثان أو بدل من الخبر الأول أو مبتدأ مستقل خبره ما ~~بعده وعلى تقدير كونه مبتدأ إما خبر له أو مبتدأ ثان خبره ما بعده والجملة ~~خبر للمبتدأ الأول والمشار إليه على كلا التقديرين هو المسمى سواء كان هي ~~السورة أو القرآن ومعنى البعد ما ذكر من الإشعار بعلو شأنه والمعنى ذلك ~~الكتاب العجيب الشأن البالغ أقصى مراتب الكمال وقيل المشار إليه هو الكتاب ~~الموعود فمعنى البعد حينئذ ظاهر خلا أنه إن كان المسمى هي السورة ينبغي ان ~~يراد بالوعد ما في قوله تعالى «إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا» كما قيل وإن كان ~~هو القرآن فهو ما في التوراة والإنجيل هذا على تقدير كون ألم اسما للسورة ~~أو القرآن وأما على تقدير كونها مسرودة على نمط التعديد فذلك مبتدأ والكتاب ~~إما خبره أو صفته والخبر ما بعده على نحو ما سلف أو يقدر مبتدأ أي المؤلف ~~من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرئ ألم تنزيل الكتاب وقوله تعالى «لا ريب فيه» ~~إما في محل الرفع على أنه خبر لذلك الكتاب على الصور الثلاث المذكورة أو ~~على أنه خبر ثان لا لم أو لذلك على تقدير كون الكتاب خبره أو للمبتدأ ~~المقدر آخرا على رأي من يجوز كون الخبر الثاني جملة كما في قوله تعالى فإذا ~~هي حية تسعى وأما في محل النصب على الحالية من ذلك أو من الكتاب والعامل ~~معنى الإشارة وإما جملة مستأنفة لا محل لها من ms0035 الإعراب مؤكدة لما قبلها ~~وكلمة لا نافية للجنس مفيدة للاستغراق عاملة عمل إن بحملها عليها لكونها ~~نقيضا لها ولازمه للاسم لزومها واسمها مبنى على الفتح لكونه مفردا نكرة لا ~~مضافا ولا شبيها به واما ما ذكره الزجاج من أنه معرب وإنما حذف التنوين ~~للتخفيف فمما لا تعويل عليه وسبب بنائه تضمنه لمعنى من الاستغراقية لا أنه ~~مركب معها تركيب خمسة عشر كما توهم وخبرها محذوف أي لا ريب موجود أو نحوه ~~كما في قوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله والظرف صفة لاسمها ومعناه نفي ~~الكون المطلق وسلبه عن الريب المفروض في الكتاب أو الخبر هو الظرف ومعناه ~~سلب الكون فيه عن الريب المطلق وقد جعل الخبر المحذوف ظرفا وجعل المذكور ~~خبرا لما بعده وقرئ لا ريب فيه على أن لا بمعنى ليس والفرق بينه وبين الأول ~~أن ذلك موجب للاستغراق وهذا مجوز له والريب في الأصل مصدر رابني إذا حصل ~~فيك الريبة وحقيقتها قلق النفس واضطرابها ثم استعمل في معنى الشك مطلقا أو ~~مع تهمة لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة وفي PageV01P024 # الحديث (دع ما يريبك إلى مالا يريبك) ومعنى نفيه عن الكتاب أنه في علو ~~الشأن وسطوع البرهان بحيث ليس فيه مظنة أن يرتاب في حقيقته وكونه وحيا ~~منزلا من عند الله تعالى لا انه لا يرتاب فيه أحد أصلا ألا يرى كيف جوز ذلك ~~في قوله تعالى «وإن كنتم في ريب مما نزلنا» الخ فإنه في قوة أن يقال وإن ~~كان لكم ريب فيما نزلنا أو إن ارتبتم فيما نزلنا الخ إلا أنه خولف في ~~الأسلوب حيث فرض كونهم في الريب لا كون الريب فيه لزيادة تنزيه ساحة ~~التنزيل عنه مع نوع أشعار بأن ذلك من جهتهم لا من جهته العالية ولم يقصد ~~ههنا ذلك الإشعار كما لم يقصد الإشعار بثبوت الريب في سائر الكتب ليقتضي ~~المقام تقديم الظرف كما في قوله تعالى «لا فيها غول» «هدى» مصدر من هداه ~~كالسرى والبكى وهو الدلالة بلطف على ما ms0036 يوصل إلى البغية أي ما من شأنه ذلك ~~وقيل هي الدلالة الموصلة إليها بليل وقوع الضلالة في مقابلته في قوله تعالى ~~«أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى» وقوله تعالى «وإنا أو إياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين» ولا شك في ان عدم الوصول معتبر في مفهوم الضلال فيعتبر ~~الوصول في مفهوم مقابلة ومن ضرورة اعتباره فيه اعتباره في مفهوم الهدى ~~المتعدى إذ لا فرق بينهما إلا من حيث التأثير والتأثر ومحصله أن الهدى هو ~~التوجيه الموصل لأن اللازم هو التوجه الموصل بدليل أن مقابلة الذي هو ~~الضلال توجه غير موصل قطعا وهذا كما ترى مبنى على أمرين اعتبار الوصول ~~وجوبا في مفهوم اللازم واعتبار وجود اللازم وجوبا في مفهوم المتعدي وكلا ~~الأمرين بمعزل من الثبوت أما الأول فلان مدار التقابل بين الهدى والضلال ~~ليس هو الوصول وعدمه على الإطلاق بل هما معتبران في مفهوميهما على وجه ~~مخصوص به ليتحقق التقابل بينهما وتوضيحه أن الهدى لا بد فيه من اعتبار توجه ~~عن علم إلى ما من شأنه الإيصال إلى البغية كما أن الضلال لا بد فيه توجه عن ~~علم إلى ما من شانه الإيصال إلى البغية كما أن الضلال لا بد فيه من اعتبار ~~الجور عن القصد إلى ما ليس من شأنه الإيصال قطعا وهذه المرتبة من الاعتبار ~~مسلمة بين الفريقين ومحققة للتقابل بينهما وإنما النزاع في أن إمكان الوصول ~~إلى البغية هل هو كاف في تحصل مفهوم الهدى أو لا بد فيه من خروج الوصول من ~~القوة إلى الفعل كما أن عدم الوصول بالفعل معتبر في مفهوم الضلال قطعا إذا ~~تقرر هذا فنقول إن أريد باعتبار الوصول بالفعل في مفهوم الهدى اعتباره ~~مقارنا له في الوجود زمانا حسب اعتبار عدمه في مفهوم مقابلة فذلك بين ~~البطلان لأن الوصول غاية للتوجه المذكور فينتهى به قطعا لاستحالة التوجه ~~إلى تحصيل الحاصل وما يبقى بعد ذلك فهو إما توجه إلى الثبات عليه وإما توجه ~~إلى زيادته ولأن التوجه إلى المقصد تدريجي والوصول إليه ms0037 دفعي فيستحيل ~~اجتماعهما في الوجود ضرورة وأما عدم الوصول فحيث كان أمرا مستمرا مثل ما ~~يقتضيه من الضلال وجب مقارنته له في جميع أزمنة وجوده إذ لو فارقه في آن من ~~آنات تلك الأزمنة لقارنه في ذلك الآن مقابلة ال 4 ذي هو الوصول فما فرضناه ~~ضلالا لا يكون ضلالها وإن أريد اعتباره من حيث أنه غاية له واجبة الترتب ~~عليه لزم أن يكون التوجه المقارن لغاية الجد في السلوك إلى ما من شانه ~~الوصول عند تخلفه عنه لمانع خارجي كاخترام المنية مثلا من غير تقصير ولا ~~جور من قبل المتوجه ولا خلل من جهة المسلك ضلالا إذ لا واسطة بينهما مع أنه ~~لا جور فيه عن القصد أصلا فبطل اعتبار وجوب الوصول في مفهوم اللازم قطعا ~~PageV01P025 # وتبين منه عدم اعتباره في مفهوم المتعدى حتما واما اعتبار وجود اللازم ~~فيه وجوبا وهو الأمر الثاني فبيانه مبنى على تمهيد أصل وهو ان فعل الفاعل ~~حقيقة هو الذي يصدر عنه ويتم من قبله لكن لما لم يكن له في تحققه في نفسه ~~بد من تعلقه بمفعوله اعتبر ذلك في مدلول اسمه قطعا ثم لما كان له باعتبار ~~كيفية صدوره عن فاعله وكيفية تعلقه بمفعوله وغير ذلك آثار شتى مترتبة عليه ~~متمايزة في أنفسها مستقلة بأحكام مقتضية لإفرادها بأسماء خاصة وعرض له ~~بالقياس إلى كل اثر من تلك الآثار إضافة خاصة ممتازة عما عداها من الإضافات ~~العارضة له بالقياس إلى سائرها وكانت تلك الآثار تابعة له في التحقق غير ~~منفكة عنه أصلا إذ لا مؤثر لها سوى فاعله عدت من متمماته واعتبرت الإضافة ~~العارضة له بحسبها داخلة في مدلوله كالاعتماد المتعلق بالجسم مثلا وضع له ~~باعتبار الإضافة العارضة له من انكسار ذلك الجسم الذي هو أثر خاص لذلك ~~الاعتماد اسم الكسر وباعتيار الإضافة العارضة له من انقطاعه الذي هو أثر ~~آخر له اسم القطع إلى غير ذلك من الإضافات العارضة له بالقياس إلى آثاره ~~اللازمة له وهذا أمر مطرد في آثاره الطبيعية وأما ms0038 الآثار التي له مدخل في ~~وجودها في الجملة من غير إيجاب لها تترتب عليه تارة وتفارقه أخرى بحسب وجود ~~أسبابها الموجبة لها وعدمها كالآثار الاختيارية الصادرة عن مؤثراتها بواسطة ~~كونه داعيا إليها فحيث كانت تلك الآثار مستقلة في أنفسها مستندة إلى ~~مؤثراتها غير لازمة له لزوم الآثار الطبيعية التابعة له لم تعد من متمماته ~~ولم تعتبر الإضافة العارضة له بحسبها داخله في مدلولة كالإضافة العارضة ~~للأمر بحسب امتثال المأمور والإضافة العارضة للدعوة بحسب إجابة المدعو فإن ~~الامتثال والإجابة وإن عدا من آثار الأمر والدعوة باعتبار ترتبهما عليهما ~~غالبا لكنهما حيث كانا فعلين اختياريين للمأمور والمدعو مستقلين في أنفسهما ~~غير لازمين للأمر والدعوة لم يعدا من متمماتهما ولم يعتبر الإضافة العارضة ~~لهما بحسبهما داخلة في مدلول اسم الأمر والدعوة بل جعلا عبارة عن نفس الطلب ~~المتعلق بالمأمور والمدعو سواء وجد الامتثال والإجابة أولا إذا تمهد هذا ~~فنقول كما ان الامتثال والإجابة فعلان مستقلان في أنفسهما صادران عن المدعو ~~والمأمور باختيارهما غير لازمين للأمر والدعوة لزوم الآثار الطبيعية ~~التابعة للأفعال الموجبة لها وإن كانا مترتبين عليهما في الجملة كذلك هدى ~~المهدى أي توجهه إلى ما ذكر من المسلك فعل مستقل له صادر عنه باختياره غير ~~لازم للهداية أعنى التوجيه إليه لزوم ما ذكر من الآثار الطبيعية وأن كان ~~مترتبا عليها في الجملة فلما لم يعدا من متممات الأمر والدعوة ولم يعتبر ~~الإضافة العارضة لهما بحسبهما داخلة في مدلولهما علم أنه لم يعد الهدى ~~اللازم من متممات الهداية ولم يعتبر الإضافة العارضة لها بحسبه داخلة في ~~مدلولها إن قيل ليس الهدى بالنسبة إلى الهداية كالامتثال والإجابة بالقياس ~~إلى أصليهما فإن تعلق الأمر والدعوة بالمأمور والمدعو لا يقتضى إلا ~~اتصافهما بكونهما مأمورا ومدعوا وليس من ضرورته اتصافهما بالامتثال ~~والإجابة إذ لا تلازم بينهما وبين الأولين أصلا بخلاف الهدى بالنسبة إلى ~~الهداية فإن تعلقها بالمهدى يقتضى اتصافه به لأن تعلق الفعل المتعدى المبنى ~~للفاعل بمفعوله يدل على اتصافه بمصدره المأخوذ من المبني للمفعول قطعا وهو ms0039 ~~مستلزم لاتصافه بمصدر الفعل اللازم وهل هو الاعتبار وجود اللازم في مدلول ~~المتعدى حتما قلنا كما أن تعلق الأمر والدعوة بالمأمور والمدعو لا يستدعى ~~الا اتصافهما بما ذكر PageV01P026 # من غير تعرض للامتثال والإجابة إيجابا وسلبا كذلك تعلق الهداية التي هي ~~عبارة عن الدلالة المذكورة بالمهدى لا يستدعى إلا اتصافه بالمدلولية التي ~~هي عبارة عن المصدر المأخوذ من المبني للمفعول من غير تعرض لقبول تلك ~~الدلالة كما هو معنى الهدى اللازم ولا لعدم قبوله بل الهداية عين الدعوة ~~إلى طريق الحق والاهتداء عين الإجابة فكيف يؤخذ في مدلولها واستلزام ~~الاتصاف بمصدر الفعل المتعدى المبنى للمفعول للاتصاف بمصدر الفعل اللازم ~~مطلقا إنما هو في الأفعال الطبيعية كالمكسورية والانكسار والمقطوعية ~~والانقطاع وأما الأفعال الاختيارية فليست كذلك كما تحققته فيما سلف إن قيل ~~التعلم من قبيل الأفعال الاختيارية مع أنه معتبر في مدلول التعليم قطعا ~~فليكن الهدى مع الهداية كذلك قلنا ليس ذلك لكونه فعلا اختياريا على الإطلاق ~~ولا لكون التعليم عبارة عن تحصيل العلم للمتعلم كما قيل فإن المعلم ليس ~~بمستقل في ذلك ففي إسناده إليه ضرب تجوز بل لأن كلا منهما مفتقر في تحققه ~~وتحصله إلى الآخر فإن التعليم عبارة عن إلقاء المبادئ العلمية على المتعلم ~~وسوقها إلى ذهنه شيئا فشيئا على ترتيب يقتضيه الحال بحيث لا يساق إليه بعض ~~منها الا بعد تلقيه لبعض آخر فكل منهما متمم للآخر معتبر في مدلوله واما ~~الهدى الذي هو عبارة عن التوجه المذكور ففعل اختياري يستقل به فاعله لادخل ~~للهداية فيه سوى كونها داعية إلى ايجاده باختياره فلم يكن من متمماتها ولا ~~معتبرا في مدلولها إن قيل التعليم نوع من أنواع الهداية والتعلم نوع من ~~أنواع الاهتداء فيكون اعتباره في مدلول التعليم اعتبارا للهدى في مدلول ~~الهداية قلنا إطلاق الهداية على التعليم إنما هو عند وضوح المسلك واستبداد ~~المتعلم بسلوكه من غير دخل للتعليم فيه سوى كونه داعيا إليه وقد عرفت جلية ~~الأمر على ذلك التقدير إن قيل أليس تخلف الهدى عن الهداية كتخلف ms0040 التعلم عن ~~التعليم فحيث لم يكن ذلك تعليما في الحقيقة فليكن الهداية أيضا كذلك وليحمل ~~تسمية مالا يستتبع الهدى بها على التجوز قلنا شتان بين التخلفين فإن تخلف ~~التعلم عن التعليم يكون لقصور فيه كما أن تخلف الانكسار عن الضرب الضعيف ~~لذلك وأما تخلف الهدى عن الهداية فليس لشائبة قصور من جهتها بل إنما هو ~~لفقد سببه الموجب له من جهة المهدى بعد تكامل ما يتم من قبل الهادي وبهذا ~~التحرير اتضح طريق الهداية وتبين أنها عبارة عن مطلق الدلالة على ما من ~~شانه الإيصال إلى البغية بتعريف معالمه وتبيين مسالكه من غير أن يشترط في ~~مدلولها الوصول ولا القبول وأن الدلالة المقارنة لهما أو لأحدهما والمفارقة ~~عنهما كل ذلك مع قطع النظر عن قيد المقارنة وعدمها افراد حقيقة لها وأن ما ~~في قوله تعالى «إنك لا تهدي من أحببت» وقوله تعالى «ولو شاء لهداكم» ونحو ~~ذلك مما اعتبر فيه الوصول من قبيل المجاز وانكشف أن الدلالات التكوينية ~~المنصوبة في الأنفس والآفاق والبيانات التشريعية الواردة في الكتب السماوية ~~على الإطلاق بالنسبة إلى كافة البرية برها وفاجرها هدايات حقيقة فائضة من ~~عند الله سبحانه والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا ~~الله «للمتقين» أي المتصفين بالتقوى حالا أو ما لا وتخصيص الهدى بهم لما ~~أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآناره وإن كان ذلك شاملا لكل ناظر من ~~مؤمن وكافر وبذلك الاعتبار قال الله هدى للناس والمتقى اسم فاعل من باب ~~الافتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة والتقوى في عرف الشرع عبارة عن كمال ~~التوقي عما يضره في PageV01P027 # الآخرة قال عليه السلام جماع التقوى في قوله تعالى أن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان الآية وعن عمر بن عبد العزيز أنه ترك ما حرم الله وإداء ما فرض ~~الله وعن شهر بن حوشب المتقى من يترك مالا بأس به حذرا من الوقوع فيما فيه ~~بأس وعن أبي يزيد أن التقوى هو التورع عن كل ما فيه شبهة وعن محمد بن ms0041 حنيف ~~أنه مجانبة كل ما يبعدك عن الله تعالى وعن سهل المتقى من تبرأ عن حوله ~~وقدرته وقيل التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك وعن ميمون ~~بن مهران لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح ~~والسلطان الجائر وعن أبي تراب بين يدي التقوى خمس عقبات لا يناله من لا ~~يجاوزهن إيثار الشدة على النعمة وإيثار الضعف على القوة وإيثار الذل على ~~العزة وإيثار الجهد على الراحة وإيثار الموت على الحياة وعن بعض الحكماء ~~أنه لا يبلغ الرجل سنام التقوى الا أن يكون بحيث لو جعل ما في قلبه في طبق ~~فطيف به في السوق لم يستحى ممن ينظر إليه وقيل التقوى أن تزين سرك للحق كما ~~تزين علانيتك للخلق والتحقيق أن للتقوى ثلاث مراتب الأولى التوقي عن العذاب ~~المخلد بالتبرؤ عن الكفر وعليه قوله تعالى «وألزمهم كلمة التقوى» والثانية ~~التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف ~~بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى «ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا» ~~والثالثة أن يتنزه عن كل ما يشغل سره عن الحق عز وجل ويتبتل إليه بكليته ~~وهو التقوى الحقيقي المأمور به في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته» ولهذه المرتبة عرض عريض يتفاوت فيه طبقات أصحابها حسب تفاوت ~~درجات استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة الإلهية المبنية على الحكم ~~الأبية أقصاها ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث جمعوا ~~بذلك بين رياستي النبوة والولاية وما عاقهم التعلق بعالم الأشباح عن العروج ~~إلى معالم الأرواح ولم يصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون ~~الحق لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية وهداية الكتاب ~~المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين فإن أريد بكونه هدى للمتقين إرشاده ~~إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى ونيلها فالمراد بهم المشارفون للتقوى مجازا ~~لاستحالة تحصيل الحاصل إيثاره على العبارة المعربة عن ذلك للإيجاز وتصدير ~~السورة الكريمة ms0042 بذكر أوليائه تعالى وتفخيم شأنهم وإن أريد به ارشاده إلى ~~تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين فإن عني بالمتقين أصحاب الطبقة الأولى ~~تعينت الحقيقة وإن عني بهم أصحاب إحدى الطبقتين الأخيرتين تعين المجاز لأن ~~الوصول إليهما إنما يتحقق بهدايته المترقبة وكذا الحال فيما بين المرتبة ~~الثانية والثالثة فإنه إن أريد بالهدى الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة ~~فإن عني بالمتقين أصحاب المرتبة الثانية تعينت الحقيقة وإن عني بهم أصحاب ~~المرتبة الثالثة تعين المجاز ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور وأما إن ~~أريد بكونه هدى لهم تثبيتهم على ما هم عليه أو إرشادهم إلى الزيادة فيه على ~~أن يكون مفهومها داخلا في المعنى المستعمل فيه فهو مجاز لا محالة ولفظ ~~المتقين حقيقة على كل حال واللام متعلقة بهدى أو بمحذوف وقع صفة له أو حالا ~~منه ومحل هدى الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو هدى أو خبر مع لا ريب ~~فيه لذلك الكتاب أو مبتدأ خبره الظرف المقدم كما أشير إليه أو النصب على ~~الحالية من ذلك أو من الكتاب والعامل معنى الإشارة أو من الضمير في فيه ~~والعامل ما في الجار PageV01P028 # والمجرور من معنى الفعل المنفي كأنه قيل لم يحصل فيه الريب حال كونه ~~هاديا على أنه قيد للنفي لا للمنفي وحاصله انتفى الريب فيه حال كونه هاديا ~~وتنكيره للتفخيم وحمله على الكتاب إما للمبالغة كأنه نفس الهدى أو لجعل ~~المصدر بمعنى الفاعل هذا والذي يستدعيه جزالة التنزيل في شأن ترتيب هذه ~~الجمل أن تكون متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة ولذلك لم يتخلل بينها ~~عاطف فالم جملة برأسها على أنها خبر لمبتدأ مضمر أو طائفة من حروف المعجم ~~مستقلة بنفسها دالة على أن المتحدي به هو المؤلف من جنس ما يؤلفون منه ~~كلامهم وذلك الكتاب جملة ثانية مقررة لجهة التحدي لما دلت عليه من كونه ~~منعوتا بالكمال الفائق ثم سجل على غاية فضله بنفي الريب فيه إذ لا فضل أعلى ~~مما للحق واليقين وهدى للمتقين مع ما يقدر له من المبتدأ ms0043 جملة مؤكدة لكونه ~~حقا لا يحوم حوله شائبة شك ما ودالة على تكميله بعد كماله أو يستتبع ~~السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول فإنه لما نبه أولا على إعجاز ~~المتحدي به من حيث أنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته بالمرة ظهر أنه ~~الكتاب البالغ أقصى مراتب الكمال وذلك مستلزم لكونه في غاية النزاهة عن ~~مظنة الريب إذ لا أنقص مما يعتريه الشك وما كان كذلك كان لا محالة هدى ~~للمتقين وفي كل منها من النكت الرائقة والمزايا الفائقة مالا يخفى جلالة ~~شأنه حسبما تحققته «الذين يؤمنون بالغيب» إما موصول بالمتقين ومحله الجر ~~على أنه صفة مقيدة له إن فسر التقوى بترك المعاصي فقط مترتبة عليه ترتب ~~التحلية على التخلية وموضحة إن فسر بما هو المتعارف شرعا والمتبادر عرفا من ~~فعل الطاعات وترك السيئات معا لأنها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم ~~الموصوف إجمالا وذلك لأنها مشتملة على ما هو عماد الأعمال وأساس الحسنات من ~~الإيمان والصلاة والصدقة فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية ~~والمالية المستتبعة لسائر القرب الداعية إلى التجنب عن المعاصي غالبا ألا ~~يرى إلى قوله تعالى «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» وقوله عليه السلام ~~الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام أو مادحة للموصوفين بالتقوى ~~المفسر بما مر من فعل الطاعات وترك السيئات وتخصيص ما ذكر من الخصال الثلاث ~~بالذكر لإظهار شرفها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسم التقوى من الحسنات ~~أو النصب على المدح بتقدير أعني أو الرفع عليه بتقدير هم وإما مفصول عنه ~~مرفوع بالابتداء خبره الجملة المصدرة باسم الإشارة كما سيأتي بيانه فالوقف ~~على المتقين حينئذ وقف تام لأنه وقف على مستقبل ما بعده أيضا مستقبل وأما ~~على الوجوه الأول فحسن لاستقلال الموقوف عليه غير تام لتعلق ما بعده به ~~وتبعيته له أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر وأما على تقدير النصب أو ~~الرفع على المدح فلما تقرر من أن المنصوب والمرفوع مدحا وإن خرجا عن ~~التبعية لما قبلها صورة ms0044 حيث لم يتبعاه في الاعراب وبذلك سميا قطعا لكنهما ~~تابعان له حقيقة ألا يرى كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ في النصب والرفع ~~روما لتصوير كل منهما بصورة متعلق من متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة ~~الاتصال بينهما قال أبو على إذا ذكرت صفات للمدح وخولف في بعضها الإعراب ~~فقد خولف للافتنان أي للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجد في ~~الإصغاء فإن تغيير الكلام المسوق لمعنى PageV01P029 # من المعاني وصرفه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ~~ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب إن قيل لا ريب في أن حال الموصول عند ~~كونه خبرا لمبتدأ محذوف كحاله عند كونه مبتدأ خبره أولئك على هدى في أنه ~~ينسبك به جملة اسمية مفيدة لاتصاف المتقين بالصفات الفاضلة ضرورة أن كلا من ~~الضمير المحذوف والموصول عبارة عن المتقين وإن كلا من اتصافهم بالإيمان ~~وفروعه وإحرازهم للهدى والفلاح من النعوت الجليلة فما السر في أنه جعل ذلك ~~في الصورة الأولى من توابع المتقين وعد الوقف غير تام وفي الثانية مقتطعا ~~عنه وعد الوقف تاما قلنا السر في ذلك أن المبتدأ في الصورتين وإن كان عبارة ~~عن المتقين لكن الخبر في الأولى لما كان تفصيلا لما تضمنه المبتدأ إجمالا ~~حسبما تحققته معلوم الثبوت له بلا اشتباه غير مفيد للسامع سوى فائدة ~~التفصيل والتوضيح نظم ذلك في سلك الصفات مراعاة لجانب المعنى وإن سمى قطعا ~~مراعاة لجانب كيف لا وقد اشتهر في الفن أن الخبر إذا كان معلوم الانتساب ~~إلى المخبر عنه حقه أن يكون وصفا له كما أن الوصف إذا لم يكن معلوم ~~الانتساب إلى الموصوف حقه أن يكون خبرا له حتى قالوا إن الصفات قبل العلم ~~بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات وأما الخبر في الثانية فحيث لم يكن ~~كذلك بل كان مشتملا على مالا ينبئ عنه المبتدأ من المعاني اللائقة كما ~~ستحيط به خبرا مفيدا للمخاطب فوائد رائقة جعل ذلك مقتطعا عما قبله محافظة ~~على الصورة والمعنى جميعا والإيمان إفعال ms0045 من الأمن المتعدى إلى واحد يقال ~~آمنته وبالنقل تعدى إلى اثنين يقال آمننيه غيرى ثم استعمل في التصديق لأن ~~المصدق يؤمن المصدق أي يجعله أمينا من التكذيب والمخالفة واستعماله بالباء ~~لتضمينه معنى الاعتراف وقد يطلق على الوثوق فإن الواثق يصير ذا أمن ~~وطمأنينة ومنه ما حكى عن العرب ما آمنت أن أجد صحابة أي ما صرت ذا أمن ~~وسكون وكلا الوجهين حسن ههنا وهو في الشرع لا يتحقق بدون التصديق بما علم ~~ضرورة أنه من دين نبينا عليه الصلاة والسلام كالتوحيد والنبوة والبعث ~~والجزاء ونظائرها وهل هو كاف في ذلك أو لابد من انضمام الإقرار إليه ~~للمتمكن منه والأول رأي الشيخ الأشعري ومن شايعه فإن الإقرار عنده منشأ ~~لاجراء الأحكام والثاني مذهب أبي حنيفة ومن تابعه وهو الحق فإنه جعلهما ~~جزأين له خلا أن الإقرار ركن محتمل للسقوط بعذر كما عند الإكراه وهو مجموع ~~ثلاثة أمور اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بموجبه عند جمهور المحدثين ~~والمعتزلة والخوارج فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ومن أخل بالإقرار فهو ~~كافر ومن أخل بالعمل فهو فاسق اتفاقا وكافر عند الخوارج وخارج عن الايمان ~~غير داخل في الكفر عند المعتزلة وقرئ يؤمنون بغير همزة والغيب إما مصدر وصف ~~به الغائب مبالغة كالشهادة في قوله تعالى «عالم الغيب والشهادة» أو فيعل ~~خفف كقيل في قيل وهين في هين وميت في ميت لكن لم يستعمل فيه الأصل كما ~~استعمل في نظائره وأيا ما كان فهو ما غاب عن الحس والعقل غيبة كاملة بحيث ~~لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة وهو قسمان قسم لا دليل عليه وهو ~~الذي أريد بقوله سبحانه «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو» وقسم نصب ~~عليه دليل كالمصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها من الأحكام والشرائع ~~واليوم الآخر وأحواله من البعث والنشور والحساب والجزاء وهو المراد ههنا ~~فالباء صلة للإيمان أما بتضمينه معنى الاعتراف أو PageV01P030 # جعله مجازا من الوثوق وهو واقع موقع المفعول به وإما مصدر على حالة ~~كالغيبة متعلقة بمحذوف ms0046 وقع حالا من الفاعل كما في قوله تعالى «الذين يخشون ~~ربهم بالغيب» وقوله تعالى «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» أي يؤمنون متلبسين ~~بالغيبة اما عن المؤمن به أي غائبين عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ~~مشاهدين لما فيه من شواهد النبوة لما روى أن أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه ~~ذكروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمانهم فقال رضي الله عنه أن ~~أمر محمد عليه الصلاة والسلام كان بينا لمن رآه والذي لا اله غيره ما آمن ~~مؤمن أفضل من الإيمان بغيب ثم تلا هذه الآية وإما عن الناس أي غائبين عن ~~المؤمنين لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا أنا معكم وقيل المراد بالغيب القلب لأنه مستور والمعنى ~~يؤمنون بقلوبهم لا كالذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فالباء حينئذ ~~للآلة وترك ذكر المؤمن به على التقادير الثلاثة إما للقصد إلى أحداث نفس ~~الفعل كما في قولهم فلان يعطى ويمنع أي يفعلون الإيمان وإما للاكتفاء بما ~~سيجيء فإن الكتب الإلهية ناطقة بتفاصيل ما يجب الايمان به «ويقيمون الصلاة» ~~إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع في شئ من فرائضها وسننها ~~وآدابها زيغ من أقام العود إذا قومه وعدله وقيل عن المواظبة عليها مأخوذ من ~~قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلهتا نافقة فإنها إذا حوفظ عليها كانت ~~كالنافق الذي يرغب فيه وقيل عن التشمر لأدائها عن غير فتور ولا توان من ~~قولهم قام بالأمر وإقامة إذا جد فيه واجتهد وقيل عن أدائها عبر عنه ~~بالإقامة لاشتماله على القيام كما عبر عنه بالقنوت الذي هو القيام وبالركوع ~~والسجود والتسبيح والأول هو الأظهر لأنه أشهر وإلى الحقيقة أقرب والصلاة ~~فعلة من صلى إذا دعا كالزكاة من زكى وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخم ~~وإنما سمى الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء وقيل أصل صلى حرك الصلوين ~~وهما العظمان الناتئان في أعلى الفخذين لأن المصلى يفعله في ركوعه وسجوده ~~واشتهار ms0047 اللفظ في المعنى الثاني دون الأول لا يقدح في نقله عنه وإنما سمى ~~الداعي مصليا تشبيها له في تخشعه بالراكع والساجد «ومما رزقناهم ينفقون» ~~الرزق في اللغة العطاء ويطلق على الحظ المعطي نحو ذبح ورعي للمذبوح والمرعي ~~وقيل هو بالفتح مصدر وبالكسر اسم وفي العرف ما ينتفع به الحيوان والمعتزلة ~~لما أحالوا تمكين الله تعالى من الحرام لأنه منع من الانتفاع به وأمر ~~بالزجر عنه قالوا الرزق لا يتناول الحرام ألا يرى أنه تعالى أسند الرزق إلى ~~ذاته إيذانا بأنهم ينفقون من الحلال الصرف فإن إنفاق الحرام بمعزل من إيجاب ~~المدح وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله «قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا» وأصحابنا جعلوا الاسناد ~~المذكور للتعظيم والتحريض على الانفاق والذم لتحريم ما لم يحرم واختصاص ما ~~رزقناهم بالحلال للقرينة وتمسكوا لشمول الرزق لهما بما روى عنه عليه السلام ~~في حديث عمرو بن قرة حين أتاه فقال يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة ~~فلا أرى أرزق إلا من دفى بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة من أنه قال ~~عليه السلام لا إذن لك ولا كرامة ولا تعمة كذبت أي عدو الله والله لقد رزقك ~~الله حلالا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من ~~حلاله وبأنه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا وقد ~~قال الله تعالى «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» والانفاق ~~والانفاد أخوان خلا أن PageV01P031 # في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول والمراد بهذا الانفاق الصرف ~~إلى سبيل الخير فرضا كان أو نفلا ومن فسر بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل ~~فيه أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها والجملة معطوفة على ما قبلها من ~~الصلة وتقديم المفعول للاهتمام والمحافظة على رؤوس الآي وإدخال من ~~التبعيضية عليه للكف عن التبذير هذا وقد جوز ان يراد به الأنفاق من جميع ms0048 ~~المعاون التي منحهم الله تعالى من النعم الظاهرة والباطنة ويؤيده قوله عليه ~~السلام (ان علما لا ينال به ككنز لا ينفق منه) واليه ذهب من قال ومما ~~خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون «والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك» معطوف على الموصول الأول على تقديري وصله بما قبله وفصله عنه مندرج ~~معه في زمرة المتقين من حيث الصورة والمعنى معا أو من حيث المعنى فقط ~~اندراج خاصين تحت عام إذ المراد بالأولين الذين آمنوا بعد الشرك والغفلة عن ~~جميع الشرائع كما يؤذن به التعبير عن المؤمن به بالغيب وبالآخرين الذين ~~آمنوا بالقرآن بعد الإيمان بالكتب المنزلة قبل كعبد الله بن سلام واضرابه ~~أو على المتقين على ان يراد بهم الأولون خاصة ويكون تخصيصهم بوصف الاتقاء ~~للايذان بتنزههم عن حالتهم الأولى بالكلية لما فيها من كمال القباحة ~~والمباينة للشرائع كلها الموجبة للاتقاء عنها بخلاف الآخرين فأنهم غير ~~تاركين لما كانوا عليه بالمرة بل متمسكون بأصول الشرائع التي لا تكاد تختلف ~~باختلاف الأعصار ويجوز ان يجعل كلا الموصلين عبارة عن الكل مندرجا تحت ~~المتقين ولا يكون توسيط العاطف بينهما لاختلاف الذوات بل لاختلاف الصفات ~~كما في قوله * إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتبية في المزدحم * ~~وقوله * يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب * للإيذان بأن كل واحد ~~من الأيمان بما أشير اليه من الأمور الغائبة والأيمان بما يشهد بثبوتها من ~~الكتب السماوية نعت جليل على حياله له شأن خطير مستتبع لأحكام جمة حقيق بأن ~~يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل أحدهما تتمة للآخر وقد شفع الأول بأداء ~~الصلاة والصدقة اللتين هما من جملة الشرائع المندرجة تحت تلك الأمور المؤمن ~~بها تكملة له فإن كمال العلم العمل وقرن الثاني بالإيقان بالآخرة مع كونه ~~منطويا تحت الأول تنبيها على كمال صحته وتعريضا بما في اعتقاد أهل الكتابين ~~من الخلل كما سيأتي هذا على تقدير تعلق الباء بالأيمان وقس عليه الحال عند ~~تعلقها بالمحذوف فإن كلا من الإيمان الغيبي المشفوع بما يصدقه ms0049 من العبادتين ~~مع قطع النظر عن المؤمن به والإيمان بالكتب المنزلة الشارحة لتفاصيل الأمور ~~التي يجب الإيمان بها مقرونا بما قرن فضيلة باهرة مستدعية لما ذكر والله ~~تعالى أعلم وقد حمل ذلك على معنى أنهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه ~~العقل جملة والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية وبين الإيمان ~~بما لا طريق إليه غير السمع وتكرير الموصول للتنبيه على تغاير القبيلين ~~وتباين السبيلين فليتأمل وأن يراد بالموصول الثاني بعد اندراج الكل في ~~الأول فريق خاص منهم وهم مؤمنو أهل الكتاب بأن يخصوا بالذكر تخصيص جبريل ~~وميكائيل به إثر جريان ذكر الملائكة عليهم السلام تعظيما لشأنهم وترغيبا ~~لأمثالهم وأقرانهم في تحصيل مالهم من الكمال والإنزال النقل من الأعلى إلى ~~الأسفل وتعلقه PageV01P032 # بالمعاني إنما هو بتوسط تعلقه بالأعيان المستتبعة لها فنزول ما عدا الصحف ~~من الكتب الآلهية إلى الرسل عليهم السلام والله تعالى أعلم بأن يتلقاها ~~الملك من جنابه عز وجل تلقيا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ فينزل بها ~~إلى الرسل فيلقيها عليهم عليهم السلام والمراد بما أنزل إليك هو القرآن ~~بأسره والشريعة عن آخرها والتعبير عن إنزاله بالماضي مع كون بعضه مترقبا ~~حينئذ لتغليب المحقق على المقدار أو لتنزيل ما في شرف الوقوع لتحققه منزلة ~~الواقع كما في قوله تعالى «إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى» مع ان الجن ~~ما كانوا سمعوا الكتاب جميعا ولا كان الجميع إذ ذاك نازلا وبما انزل من ~~قبلك التوراة والإنجيل وسائر الكتب السالفة وعدم التعريض لذكر من انزل اليه ~~من الأنبياء عليهم السلام لقصد الإيجاز مع عدم تعلق الغرض بالتفصيل حسب ~~تعلقه به في قوله تعالى «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل» الآية والإيمان بالكل جمله فرض وبالقرآن تفصيلا من حيث ~~انا متعبدون بتفاصيله فرض كفاية فإن في وجوبه على الكل عينا حرجا بينا ~~وإخلالا بأمر المعاش وبناء الفعلين للمفعول للإيذان تعين الفاعل والجري على ~~شأن الكبرياء وقد قرئا على البناء للفاعل «وبالآخرة هم يوقنون» الإيقان ms0050 ~~إتقان العلم بالشيء بنفي الشك والشبهة عنه ولذلك لا يسمى علمه تعالى يقينا ~~أي يعلمون علما قطعيا مزيحا لما كان أهل الكتاب عليه من الشكوك والأوهام ~~التي من جملتها زعمهم ان الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى وإن ~~النار لن تمسهم إلا أياما معدودات واختلافهم في ان نعيم الجنة هل هو من ~~قبيل نعيم الدنيا أو لا وهل هو دائم أو لا وفي تقديم الصلة وبناء يوقنون ~~على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب فإن اعتقادهم في أمور الآخرة ~~بمعزل من الصحة فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين والآخرة تأنيث الآخر كما ~~ان الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الأسماء وقرئ بحذف ~~الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وقرئ يوقنون بقلب الواو همزة إجراء لضم ما ~~قبلها مجرى ضمها في وجوه ووقتت ونظيره ما في قوله * لحب المؤقدان إلى مؤسى ~~* وجعدة إذ أضاءهما الوقود * وقوله تعالى «أولئك» إشارة إلى الذين حكيت ~~خصالهم الحميدة من حيث اتصافهم بها وفيه دلالة على انهم متميزون بذلك أكمل ~~تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإشعار ~~بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله عز وعلا «على هدى» خبرة ~~وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير لكمال تفخيمه كأنه قيل على أي هدى ~~هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدرة وايراد كلمة الاستعلاء بناء على تمثيل ~~حالهم في ملابستهم بالهدى بحال من يعتلي الشيء ويستولى عليه بحيث يتصرف فيه ~~كيفما يريد أو على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية متفرعة على ~~تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة ~~بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه وكمال رسوخهم فيه ~~وقوله تعالى «من ربهم» متعلق بمحذوف وقع صفة له مبينة لفخامته الإضافية اثر ~~بيان فخامته الذاتية PageV01P033 # مؤكدة لها أي على هدى كائن من عنده تعالى وهو شامل لجميع أنواع هدايته ~~تعالى وفنون توفيقه والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لغاية ms0051 ~~تفخيم الموصوف والمضاف إليهم وتشريفهما ولزيادة تحقيق مضمون الجملة وتقريره ~~ببيان ما يوجبه ويقتضيه وقد أدمغت النون في الراء بغنة أو بغير غنة والجملة ~~على تقدير كون الموصولين موصولين بالمتقين مستقلة لا محل لها من الاعراب ~~مقررة لمضمون قوله تعالى هدى للمتقين مع زيادة تأكيد له وتحقيق كيف لا وكون ~~الكتاب هدى لهم فن من فنون ما منحوه واستقروا عليه من الهدى حسبما تحققته ~~لا سيما مع ملاحظة ما يستتبعه من الفوز والفلاح وقيل هي واقعة موقع الجواب ~~عن سؤال ربما ينشأ مما سبق كأنه قيل ما للمنعوتين بما ذكر من النعوت اختصوا ~~بهداية ذلك الكتاب العظيم الشأن وهل هم أحقاء بتلك الأثرة فأجيب بأنهم بسبب ~~اتصافهم بذلك ما لكون لزمام أصل الهدى الجامع لفنونه المستتبع للفوز ~~والفلاح فأي ريب في استحقاقهم لما هو فرع من فروعه ولقد جار عن سنن الصواب ~~من قال في تقرير الجواب إن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس ~~بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا وأما على تقدير كونهما مفصولين عنه فهي في محل ~~الرفع على أنها خبر للمبتدأ الذي هو الموصول الأول والثاني معطوف عليه وهذه ~~الجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الذهن من تخصيص ما ذكر ~~بالمتقين قبل بيان مبادى استحقاقهم لذلك كأنه قيل ما بال المتقين مخصوصين ~~به فأجيب بشرح ما انطوى عليه اسمهم إجمالا من نعوت الكمال وبيان ما يستدعيه ~~من النتيجة أي الذين هذه شؤنهم أحقاء بما هو أعظم عن ذلك كقولك أحب الأنصار ~~الذين قارعوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا مهجتهم في سبيل الله ~~أولئك سواد عيني وسويداء قلبي واعلم أن هذا المسلك يسلك تارة بإعادة اسم من ~~استؤنف عنه الحديث كقولك أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان وأخرى بإعادة ~~صفته كقولك أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك ولا ريب في أن هذا أبلغ من ~~الأول لما فيه من بيان الموجب للحكم وإيراد اسم الإشارة بمنزلة إعادة ~~الموصوف بصفاته المذكورة مع ما فيه ms0052 من الإشعار بكمال تميزه بها وانتظامه ~~بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة والإيماء إلى بعد منزلته كما مر هذا وقد ~~جوز أن يكون الموصول الأول مجرى على المتقين حسبما فصل والثاني مبتدأ ~~وأولئك الخ خبره ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بغير المؤمنين من ~~أهل الكتاب حيث كانوا يزعمون انهم على الهدى ويطمعون في نيل الفلاح «وأولئك ~~هم المفلحون» تكرير أسم الإشارة لاظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم ~~وللتنبيه على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي نيل كل واحدة من تينك الأثرتين ~~وأن كلا منهما كاف في تمييزهم بها عمن عداهم ويؤيده توسيط العاطف بين ~~الجملتين بخلاف ما في قوله تعالى «أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون» فإن التسجيل عليهم بكمال الغفلة عبارة عما يفيده تشبيههم ~~بالبهائم فتكون الجملة الثانية مقررة للأولى وأما الإفلاح الذي هو عبارة عن ~~الفوز بالمطلوب فلما كان مغايرا للهدى نتيجة له وكان كل منهما في نفسه أعز ~~مرام يتنافس فيه المتنافسون فعل ما فعل وهم ضمير فصل يفصل الخبر عن الصفة ~~ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند بالمسند إليه أو مبتدأ خبره المفلحون ~~والجملة خبر لأولئك وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين ~~بلغك أنهم المفلحون في الآخرة أو إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من PageV01P034 # حقيقة المفلحين وخصائصهم هذا وفي بيان اختصاص المتقين نبيل هذه المراتب ~~الفائقة على فنون من الاعتبارات الرائقة حسبما أشير إليه في تضاعيف تفسير ~~الآية الكريمة من الترغيب في اقتفاء أثرهم والارشاد إلى اقتداء سيرهم ما لا ~~يخفى مكانه والله ولى الهداية والتوفيق «إن الذين كفروا» كلام مستأنف سيق ~~لشرح أحوال الكفرة الغواة المردة العتاة إثر بيان أحوال أضدادهم المتصفين ~~بنعوت الكمال الفائزين بمباغيهم في الحال والمآل وإنما ترك العاطف بينهما ~~ولم يسلك به مسلك قوله تعالى «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم» ~~لما بينهما من التنافي في الأسلوب والتباين في الغرض فإن الأولى مسوقة ~~لبيان رفعة شأن الكتاب في باب الهداية والإرشاد وأما التعرض لأحوال ~~المهتدين ms0053 به فإنما هو بطريق الاستطراد سواء جعل الموصول موصولا بما قبله أو ~~مفصولا عنه فإن الاستئناف مبنى على سؤال نشأ من الكلام المتقدم فهو من ~~مستتبعاته لا محالة وأما الثانية فمسوقة لبيان أحوال الكفرة أصالة وترامي ~~أمرهم في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتبشير ولا يؤثر ~~فيهم العظة والتذكير فهم ناكبون في تيه الغي والفساد عن منهاج العقول ~~وراكبون في مسلك المكابرة والعناد متن كل صعب وذلول وإنما أوثرت هذه ~~الطريقة ولم يؤسس الكلام على بيان أن الكتاب هاد للأولين وغير مجد للآخرين ~~لأن العنوان الأخير ليس مما يورثه كمالا حتى يتعرض له في أثناء تعداد ~~كمالاته وإن من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ~~ولزوم الأسماء ودخول نون الوقاية عليها كأنني ولعلني ونظائرهما وإعطاء ~~معانيه والمتعدى خاصة في الدخول على اسمين ولذلك أعملت عمله الفرعى وهو نصب ~~الأول ورفع الثاني إيذانا بكونه فرعا في العمل دخيلا فيه وعند الكوفيين لا ~~عمل لها في الخبر بل هو باق على حالة بقضية الاستصحاب وأجيب بأن ارتفاع ~~الخبر مشروط بالتجرد عن العوامل وألا لما انتصب خبر كان وقد زال بدخولها ~~فتعين إعمال الحرف وأثرها تأكيد النسبة وتحقيقها ولذلك يتلقى بها القسم ~~ويصدر بها الأجوبة ويؤتى بها في مواقع الشك والإنكار لدفعه ورده قال المبرد ~~قولك عبد الله قائم أخبار عن قيامة وإن عبد الله قائم جواب سائل عن قيامه ~~شاك فيه وإن عبد الله القائم جواب منكر لقيامه وتعريف الموصول إما للعهد ~~والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم ~~وأحبار اليهود أو للجنس وقد خص منه غير المصرين بما أسند إليه من قوله ~~تعالى سواء عليهم الخ والكفر في اللغة ستر النعمة وأصله الكفر بالفتح أي ~~الستر ومنه قيل للزراع والليل كافر قال تعالى «كمثل غيث أعجب الكفار نباته» ~~وعليه قول لبيد * في ليلة كفر النجوم غمامها * ومنه المتكفر بسلاحه وهو ~~الشاكي الذي غطى السلاح بدنه وفي الشريعة إنكار ما علم ms0054 بالضرورة مجيء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم به وإنما عد لبس الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ~~ونظائرهما كفرا لدلالته على التكذيب فإن من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يكاد يجترئ على أمثال ذلك إذ لا داعي إليه كالزنى وشرب الخمر واحتجت ~~المعتزلة على حدوث القرآن بما جاء فيه بلفظ الماضي على وجه الأخبار ~~PageV01P035 # فإنه يستدعى سابقة المخبر عنه لا محالة وأجيب بأنه من مقتضيات التعلق ~~وحدوثه لا يستدعي حدوث الكلام كما أن حدوث تعلق العلم بالمعلوم لا يستدعي ~~حدوث العلم «سواء» هو اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر مبالغة ~~قال تعالى «تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» وقوله تعالى «عليهم» متعلق ~~به معناه عندهم وارتفاعه على أنه خبر لأن وقوله تعالى «أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم» مرتفع به على الفاعلية لأن الهمزة وأم مجردتان عن معنى الاستفهام ~~لتحقيق الاستواء بين مدخوليهما كما جرد الأمر والنهى لذلك عن معنييهما في ~~قوله تعالى «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» وحرف النداء في قولك اللهم أغفر ~~لنا أيتها العصابة عن معنى الطلب المجرد التخصيص كأنه قيل إن الذين كفروا ~~مستو عليهم إنذارك وعدمه كقولك إن زيدا مختصم أخوة وابن عمه أو مبتدأ وسواء ~~عليهم خبر قدم عليه اعتناء بشأنه والجملة خبر لأن والفعل إنما يمتنع ~~الإخبار عنه بقائه على حقيقته أما لو أريد به اللفظ أو مطلق الحدث المدلول ~~عليه ضمنا على طريقة الاتساع فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كما في ~~قوله تعالى «هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم» وقوله تعالى وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا وفي قولهم بالمعيدي خير من أن تراه كأنه قيل إنذارك وعدمه سيان ~~عليهم والعدول إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد والتوصل إلى إدخال الهمزة ~~ومعادلها عليه لإفادة تقرير معنى الاستواء وتأكيده كما أشير إليه وقيل سواء ~~مبتدأ وما بعده خبره وليس بذاك لأن مقتضى المقام بيان كون الإنذار وعدمه ~~سواء لا بيان كون المستوى الإنذار وعدمه والإنذار إعلام المخوف للاحتراز ~~عنه إفعال من ms0055 نذر بالشئ إذا علمه فحذره والمراد ههنا التخويف من عذاب الله ~~وعقابه على المعاصي والاقتصار عليه لما أنهم ليسوا بأهل للبشارة أصلا ولأن ~~الإنذار أوقع في القلوب وأشد تأثيرا في النفوس فإن دفع المضار أهم من جلب ~~المنافع فحيث لم يتأثروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا أولى وقرئ بتوسيط ~~ألف بين الهمزتين مع تحقيقهما وبتوسيطها والثانية بين بين وبتخفيف الثانية ~~بين بين بلا توسيط وبحذف حرف الاستفهام وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن ~~قبله كما قرئ قد أفلح وقرئ بقلب الثانية ألفا وقد نسب ذلك إلى اللحن «لا ~~يؤمنون» جملة مستقلة مؤكدة لما قبلها مبينة لما فيه من إجمال ما فيه ~~الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة له أو بدل منه أو خبر لأن ~~وما قبلها اعتراض بما هو علة للحكم أو خبر ثان على رأي من يجوزه عند كونه ~~جملة والآية الكريمة مما استدل به على جواز التكليف بما لا يطاق فإنه تعالى ~~قد اخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون فظهر استحالة إيمانهم لاستلزامه المستحيل ~~الذي هو عدم مطابقة أخباره تعالى للواقع مع كونهم مأمورين بالإيمان باقين ~~على التكليف ولأن من جملة ما كلفوه الإيمان بعدم إيمانهم المستمر والحق أن ~~التكليف بالمتنع لذاته وإن جاز عقلا من حيث أن الأحكام لا تستدعى أغراضا لا ~~سيما الامتثال لكنه غير واقع للاستقراء والإخبار بوقوع الشئ أو بعدمه لا ~~ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره وليس ما ~~كلفوه الإيمان بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يكلفوا الإيمان بعدم ~~إيمانهم المستمر بل هو الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~إجمالا على ان كون الموصول عبارة عنهم ليس معلوما لهم وفائدة الإنذار بعد ~~العلم بأنه لا يفيد إلزام الحجة وإحراز الرسول صلى الله عليه وسلم فضل ~~الإبلاغ ولذلك قيل سواء عليهم ولم يقل عليك كما قيل لعبدة الأصنام «سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون» PageV01P036 # وفي الآية الكريمة إخبار بالغيب على ما ms0056 هو به إن أريد بالموصول أشخاص ~~بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة «ختم الله على قلوبهم» استئناف تعليلي ~~لما سبق من الحكم وبيان لما يقتضيه أو بيان وتأكيد له والمراد بالقلب محل ~~القوة العاقلة من الفؤاد والختم على الشئ الاستيثاق منه بضرب الخاتم عليه ~~صيانة له أو لما فيه من التعرض له كما في البيت الفارغ والكيس المملوء ~~والأول هو الأنسب بالمقام إذ ليس المراد به صيانة ما في قلوبهم بل إحداث ~~حالة تجعلهما بسبب تماديهم في الغى وانهماكهم في التقليد وإعراضهم عن منهاج ~~النظر الصحيح بحيث لا يؤثر فيها الإنذار ولا ينفذ فيها الحق أصلا إما على ~~طريقة الاستعارة التبعية بأن يشبه ذلك بضرب الخاتم على نحو أبواب المنازل ~~الخالية المبنية للسكنى تشبيه معقول بمحسوس بجامع عقلي هو الاشتمال على منع ~~القابل عما من شانه وحقه أن يقبله ويستعار له الختم ثم يشتق منه صيغة ~~الماضي وإما على طريقة التمثيل بأن يشبه الهيئة المنتزعة من قلوبهم وقد فعل ~~بها ما فعل من إحداث تلك الحالة المانعة من أن يصل إليها ما خلقت هي لأجله ~~من الأمور الدينية النافعة وحيل بينها وبينه بالمرة بهيئة منتزعة من محال ~~معدة لحلول ما يحلها حلولا مستتبعا لمصالح مهمة وقد منع من ذلك بالختم ~~عليها وحيل بينها وبين ما أعدت لأجله بالكلية ثم يستعار لها ما يدل على ~~الهيئة المشبه بها فيكون كل من طرفي التشبيه مركبا من أمور عدة قد اقتصر من ~~جانب المشبه به على ما عليه يدور الأمر في تصوير تلك الهيئة وانتزاعها وهو ~~الختم والباقي منوى مراد قصدا بألفاظ متخيلة بها يتحقق التركيب وتلك ~~الألفاظ وإن كان لها مدخل في تحقيق وجه الشبه الذي هو أمر عقلي منتزع منها ~~وهو امتناع الانتفاع بما أعد له بسبب مانع قوي لكن ليس في شيء منها على ~~الانفراد تجوز باعتبار هذا المجاز بل هي باقية على حالها من كونها حقيقة أو ~~مجازا أو كناية وإنما التجوز في المجموع وحيث كان معنى المجموع مجموع معاني ms0057 ~~تلك الألفاظ التي ليس فيها التجوز المعهود ولم تكن الهيئة المنتزعة منها ~~مدلولا وضعيا لها ليكون ما دل على الهيئة المشبه بها عند استعماله في ~~الهيئة المشبهة مستعملا في غير ما وضع له فيندرج تحت الاستعارة التي هي قسم ~~من المجاز اللغوي الذي هو عبارة عن الكلمة المستعملة في غير ما وضع له ذهب ~~قدماء المحققين كالشيخ عبد القاهر وأضرابه إلى جعل التمثيل قسما برأسه ومن ~~رام تقليل الأقسام عد تلك الهيئة المشبه بها من قبيل المدلولات الوضعية ~~وجعل الكلام المفيد لها عند استعماله فيما يشبه بها من هيئة أخرى منتزعة من ~~أمور أخر من قبيل الاستعارة وسماه استعارة تمثيلية وإسناد إحداث تلك الحالة ~~في قلوبهم إلى الله تعالى لاستناد جميع الحوادث عندنا من حيث الخلق إليه ~~سبحانه وتعالى وورود الآية الكريمة ناعية عليهم سوء صنيعهم ووخامة عاقبتهم ~~لكون أفعالهم من حيث الكسب مستندة إليهم فإن خلقها منه سبحانه ليس بطريق ~~الجبر بل بطريق الترتيب على ما اقترفوه من القبائح كما يعرب عنه قوله تعالى ~~«بل طبع الله عليها بكفرهم» ونحو ذلك وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل ~~وذكروا في ذلك عدة من الأقاويل منها أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك ~~في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه ومنها أن ~~المراد به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها PageV01P037 # الله تعالى خالية عن الفطن أو بقلوب قدر ختم الله تعالى عليها كما في سال ~~به الوادي إذا هلك وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته ومنها أن ذلك فعل ~~الشيطان أو الكافر وإسناده تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه ومنها ~~أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصيل إيمانهم طريق ~~سوى الإلجاء والقسر ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف عبر عن ذلك ~~بالختم لأنه سد لطريق إيمانهم بالكلية وفيه إشعار بترامي أمرهم في الغي ~~والعناد وتناهي انهماكهم في الشر والفساد ومنها أن ذلك حكاية لما كانت ~~الكفرة يقولونه مثل قولهم ms0058 «قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب» تهكما بهم ومنها أن ذلك في الآخرة وإنما أخبر عنه ~~بالماضي لتحقق وقوعه ويعضده قوله تعالى «ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ~~عميا وبكما» ومنها أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة يعرفها الملائكة ~~فيبغضونهم ويتنفرون عنهم «وعلى سمعهم» عطف على ما قبله داخل في حكم الختم ~~لقوله عز وجل «وختم على سمعه وقلبه» وللوفاق على الوقف عليه لا على قلوبهم ~~ولاشتراكهما في الإدراك من جميع الجوانب وإعادة الجار للتأكيد والإشعار ~~بتغاير الختمين وتقديم ختم قلوبهم للإيذان بأنها الأصل في عدم الإيمان ~~وللإشعار بأن ختمها ليس بطريق التبعية بختم سمعهم بناء على أنه طريق إليها ~~فالختم عليه ختم عليها بل هي مختومة بختم على حدة لو فرض عدم الختم على ~~سمعهم فهو باق على حاله حسبما يفصح عنه قوله تعالى «ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون» والسمع إدراك القوة السامعة وقد ~~يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها وهو المراد ههنا إذ هو المختوم عليه ~~أصالة وتقديم حاله على حال أبصارهم للاشتراك بينه وبين قلوبهم في تلك الحال ~~أو لأن جنايتهم من حيث السمع الذي به يتلقى الأحكام الشرعية وبه يتحقق ~~الإنذار أعظم منها من حيث البصر الذي به يشاهد الأحوال الدالة على التوحيد ~~فبيانها أحق بالتقديم وأنسب بالمقام قالوا السمع أفضل من البصر لأنه عز ~~وعلا حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ولأن السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث ~~الله رسولا أصم ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تتلقف من ~~أصحابها وتوحيده للأمن عن اللبس واعتبار الأصل أو لتقدير المضاف أي وعلى ~~حواس سمعهم والكلام في إيقاع الختم على ذلك كما مر من قبل «وعلى أبصارهم ~~غشاوة» الأبصار جمع بصر والكلام فيه كما سمعته في السمع والغشاوة فعالة من ~~التغشية أي التغطية بنيت لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة وتنكيرها ~~للتفخيم والتهويل وهي على رأي سيبويه مبتدأ خبره الظرف المقدم والجملة ~~معطوفة ms0059 على ما قبلها وإيثار الاسمية للإيذان بدوام مضمونها فإن ما يدرك ~~بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس حيث كانت مستمرة كان ~~تعاميهم من ذلك أيضا كذلك وأما الآيات التي تتلقى بالقوة السامعة فلما كان ~~وصولها إليها حينا فحينا أوثر في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحد طريقي ~~معرفته أعني القلب الجملة الفعلية وعلى رأي الأخفش مرتفع على الفاعلية مما ~~تعلق به الجار وقرئ بالنصب على تقدير فعل ناصب أي وجعل على أبصارهم غشاوة ~~وقيل على حذف الجار وإيصال الختم إليه والمعنى وختم على أبصارهم بغشاوة ~~وقرئ بالضم والرفع وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها وغشوة بالكسر مرفوعة ~~وبالفتح مرفوعة ومنصوبة وعشاوة بالعين غير المعجمة والرفع «ولهم عذاب عظيم» ~~وعيد وبيان لما يستحقونه PageV01P038 # في الآخرة والعذاب كالنكال بناء ومعنى يقال أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ~~ومنه الماء العذب لما أنه يقمع العطش ويردعه ولذلك يسمى نقاخا لأنه ينقخ ~~العطش ويكسره وفراتا لأنه يرفته على القلب ويكسره ثم اتسع فيه فأطلق على كل ~~ألم فادح وإن لم يكن عقابا يراد به ردع الجاني عن المعاودة وقيل اشتقاقه من ~~التعذيب الذي هو إزالة العذاب كالتقذية والتمريض والعظيم نقيض الحقير ~~والكبير نقيض الصغير فمن ضرورة كون الحقير دون الصغير كون العظيم فوق ~~الكبير ويستعملان في الجثث والأحداث تقول رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ~~ووصف العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكير من التفخيم والهويل والمبالغة في ~~ذلك والمعنى أن على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس وهي ~~غشاوة التعامي عن الآيات ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يبلغ كنهه ولا ~~يدرك غايته اللهم إنا نعوذ بك من ذلك كله يا أرحم الراحمين «ومن الناس» ~~شروع في بيان أن بعض من حكيت أحوالهم السالفة ليسوا بمقتصرين على ما ذكر من ~~محض الإصرار على الكفر والعناد بل يضمون اليه فنونا أخر من الشر والفساد ~~وتعديد لجناياتهم الشنيعة المستتبعة لأحوال هائلة عاجلة وآجلة وأصل ناس ~~أناس كما يشهد له انسان ms0060 وأناسي وأنس حذفت همزته تخفيفا كما قيل لوقة في ~~ألوقه وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يجمع بينهما وأما ما في قوله * ~~إن المنايا يطلعن على الاناس الآمنينا * فشاذ سموا بذلك لظهورهم وتعلق ~~الاناس بهم كما سمى الجن جنا لاجتنانهم وذهب بعضهم إلى أن أصله النوس وهو ~~الحركة انقلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وبعضهم إلى أنه مأخوذ من ~~نسي نقلت لامه إلى موضع العين فصار نيسا ثم قلبت ألفا سموا بذلك لنسيانهم ~~ويروى عن ابن عباس أنه قال سمى الانسان انسانا لأنه عهد اليه فنسى واللام ~~فيه اما للعهد أو للجنس المقصور على المصرين حسبما ذكر في الموصول كأنه قيل ~~ومنهم أو من أولئك والعدول إلى الناس للإيذان بكثرتهم كما ينبئ عنه التبعيض ~~ومحل الظرف الرفع على انه مبتدأ باعتبار مضمونه أو نعت لمبتدأ كما في قوله ~~عز وجل ومنا دون ذلك أي وجمع منا الخ ومن في قوله تعالى «من يقول» موصولة ~~أو موصوفة ومحلها الرفع على الخبرية والمعنى وبعض الناس أو وبعض من الناس ~~الذي يقول كقوله تعالى «ومنهم الذين يؤذون النبي» الآية أو فريق يقول كقوله ~~تعالى «من المؤمنين رجال» الخ على أن يكون مناط الإفادة والمقصود بالأصالة ~~اتصافهم بما في حيز الصلة أو الصفة وما يتعلق به من الصفات جميعا لأكونهم ~~ذوات أولئك المذكورين وأما جعل الظرف خبرا كما هو الشائع في موارد ~~الاستعمال فيأباه جزالة المعنى لأن كونهم من الناس ظاهر فالإخبار به عار عن ~~الفائدة كما قيل فإن مباه توهم كون المراد بالناس الجنس مطلقا وكذا مدار ~~الجواب عنه بأن الفائدة هو التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية ~~فحق من يتصف بها أن لا يعلم كونه من الناس فيخبر به ويتعجب منه وأنت خبير ~~بأن الناس عبارة عن المعهودين أو عن الجنس المقصور على المصرين وأيا ما كان ~~فالفائدة ظاهرة بل لأن خبرية الظرف تستدعي أن يكون اتصاف هؤلاء بتلك الصفات ~~القبيحة المفصلة في ثلاث عشرة آية عنوانا PageV01P039 # للموضوع مفروغا ms0061 عنه غير مقصود بالذات ويكون مناط الإفادة كونهم من أولئك ~~المذكورين ولا ريب لأحد في أنه يجب حمل النظم الجليل على أجزل المعاني ~~وأكملها وتوحيد الضمير في يقول باعتبار لفظة من وجمعه في قوله «آمنا بالله ~~وباليوم الآخر» وما بعده باعتبار معناها والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر ~~إلى مالا يتناهى أو إلى ان يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار إذ لا حد ~~وراءه وتخصيصهم للإيمان بهما بالذكر مع تكرير الباء لادعاء انهم قد حازوا ~~الإيمان من قطريه وأحاطوا به من طرفيه وأنهم قد آمنوا بكل منهما على ~~الأصالة والاستحكام وقد دسوا تحته ما هم عليه من العقائد الفاسدة حيث لم ~~يكن إيمانهم بواحد منهما إيمانا في الحقيقة إذ كانوا مشركين بالله بقولهم ~~عزيز ابن الله وجاحدين باليوم الآخر بقولهم لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة ونحو ذلك وحكاية عبارتهم لبيان كمال خبثهم ودعارتهم فإن ما قالوا لو ~~صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن ذلك إيمانا ~~فكيف وهم يقولونه تمويها على المؤمنين واستهزاء بهم «وما هم بمؤمنين» رد ~~لما ادعوه ونفى لما انتحلوه وما حجازية فإن جواز دخول الباء في خبرها ~~لتأكيد النفي اتفاقي بخلاف التميمية وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية ~~الموافقة لدعواهم المردودة للمبالغة في الرد بإفادة انتفاء الإيمان عنهم في ~~جميع الأزمنة لا في الماضي فقط كما يفيده الفعلية ولا يتوهمن ان الجملة ~~الاسمية الإيجابية تفيد دوام الثبوت فعند دخول النفي عليها يتعين الدلالة ~~على نفي الدوام فإنها بمعونة المقام تدل على دوام النفي قطعا كما أن ~~المضارع الخالي عن حرف الامتناع يدل على استمرار الوجود وعند دخول حرف ~~الامتناع عليه يدل على استمرار الامتناع لا على امتناع الاستمرار كما في ~~قوله عز وجل ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم اجلهم ~~فإن عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل لا لعدم استمرار التعجيل واطلاق ~~الإيمان عما قيدوه به الإيذان بأنهم ليسوا من جنس الإيمان في شيء أصلا فضلا ~~عن الإيمان ms0062 بما ذكروا وقد جوز ان يكون المراد ذلك ويكون الاطلاق للظهور ~~ومدلول الآية الكريمة أن من أظهر الإيمان واعتقاده بخلافه لا يكون مؤمنا ~~فلا حجة فيها على الكرامية القائلين بأن من تفوه بكلمتي الشهادة فارغ القلب ~~عما يوافقه أو ينافيه مؤمن «يخادعون الله والذين آمنوا» بيان ليقول وتوضيح ~~لما هو غرضهم مما يقولون أو استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن ~~كأنه قيل مالهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون الله الخ أي يخدعون ~~وقد قرئ كذلك وايثار صيغة المفاعلة لإفادة المبالغة في الكيفية فإن الفعل ~~متى غولب فيه بولغ فيه قطعا أو في الكمية كما في الممارسة والمزاولة فإنهم ~~كانوا مداومين على الخدع والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروء ~~ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر ~~بذلك فينجوا منه بسهولة من قولهم ضب خادع وخدع وهو الذي إذا أمر الحارش يده ~~على باب جحره يوهمه الإقبال عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنيين مناسب ~~للمقام فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين ~~فيذيعوها إلى المنابذين وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر PageV01P040 # الكفرة وأياما كان فنسبته إلى الله سبحانه أما على طريق الاستعارة ~~والتمثيل لإفادة كمال شناعة جنايتهم أي يعاملون معاملة الخادعين وأما على ~~طريقة المجاز العقلي بأن ينسب إليه تعالى ما حقه أن ينسب إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إبانة لمكانته عنده تعالى كما ينبئ عنه قوله تعال «إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم» وقوله تعالى «من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله» مع إفادة كمال الشناعة كما مر وأما لمجرد التوطئة ~~والتمهيد لما بعده من نسبته إلى الذين آمنوا والإيذان بقوة اختصاصهم به ~~تعالى كما في قوله تعالى «والله ورسوله أحق أن يرضوه» وقوله تعالى «إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله» وإبقاء صيغة المخادعة على معناها الحقيقي بناء ~~على زعمهم الفاسد وترجمة عن اعتقادهم الباطل كأنه قيل ms0063 يزعمون أنهم يخدعون ~~الله والله يخدعهم أو على جعلها استعارة تبعية أو تمثيلا لما أن صورة صنعهم ~~مع الله تعالى والمؤمنين وصنعه تعالى معهم بإجراء أحكام الإسلام عليهم وهم ~~عنده أخبث الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأمر الله تعالى في ذلك مجازاة لهم بمثل ~~صنيعهم صورة صنيع المتخادعين كما قيل مما لا يرتضيه الذوق السليم أما الأول ~~فلأن المنافقين لو اعتقدوا أن الله تعالى يخدعهم بمقابلة خدعهم له لم يتصور ~~منهم التصدي للخدع واما الثاني فلأن مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة ~~وتصويرها بما يليق بها من الصورة المستهجنة وبيان غائلتها آيلة إليهم من ~~حيث لا يحتسبون كما يعرب عنه قوله عز وجل «وما يخدعون إلا أنفسهم» فالتعرض ~~لحال الجانب الآخر مما يخل بتوفية المقام حقه وهو حال من ضمير يخادعون أي ~~يفعلون ما يفعلون والحال أنهم ما يضرون بذلك إلا أنفسهم فإن دائرة فعلهم ~~مقصورة عليهم أو ما يخدعون حقيقة إلا أنفسهم حيث يغرونها بالأكاذيب ~~فيلقونها في مهاوي الردى وقرئ وما يخادعون والمعنى هو المعنى ومن حافظ على ~~الصيغة فيما قبل قال وما يعلمون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين ~~إلا أنفسهم لأن ضررها لا يحيق إلا بهم أو ما يخادعون حقيقة إلا أنفسهم حيث ~~يمنونها الأباطيل وهي أيضا تغرهم وتمنيهم الأماني الفارغة وقرئ وما يخادعون ~~من التخديع وما يخدعون أي يختدعون ويخدعون ويخادعون على البناء للمفعول ~~ونصب أنفسهم بنزع الخافض والنفس ذات الشيء وحقيقته وقد يقال للروح لأن نفس ~~الحي به وللقلب أيضا لأنه محل الروح أو متعلقة وللدم أيضا لأن قوامها به ~~وللماء أيضا لشدة حاجتها إليه والمراد هنا هو المعنى الأول لأن المقصود ~~بيان إن ضرر مخادعتهم راجع إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم وقوله تعالى «وما ~~يشعرون» حال من ضمير ما يخدعون أي يقتصرون على خدع أنفسهم والحال إنهم ما ~~يشعرون أي ما يحسون بذلك لتماديهم في الغواية وحذف المفعول إما لظهوره أو ~~لعمومه أي ما يشعرون بشيء ms0064 أصلا جعل لحوق وبال ما صنعوا بهم في الظهور ~~بمنزلة الأمر المحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس مختل المشاعر «في ~~قلوبهم مرض» المرض عبارة عما يعرض للبدن فيخرجه عن الإعتدال اللائق به ~~ويوجب الخلل في أفاعيله ويؤدي إلى الموت أستعير ههنا لما في قلوبهم من ~~الجهل وسوء العقيدة وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P041 # وغير ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني والتنكير للدلالة على ~~كونه نوعا مبهما غير ما يتعارفه الناس من الأمراض والجملة مقررة لما يفيده ~~قوله تعالى «وما هم بمؤمنين» من استمرار عدم إيمانهم أو تعليل له كأنه قيل ~~ما لهم لا يؤمنون فقيل في قلوبهم مرض يمنعه «فزادهم الله مرضا» بأن طبع على ~~قلوبهم لعلمه تعالى بأنه لا يؤثر فيها التذكير والإنذار والجملة معطوفة على ~~ما قبلها والفاء للدلالة على ترتيب مضمونها عليه وبه اتضح كونهم من الكفرة ~~المختوم على قلوبهم مع زيادة بيان السبب وقيل زادهم كفرا بزيادة التكاليف ~~الشرعية لأنهم كانوا كلما ازداد التكاليف بنزول الوحي يزدادون كفرا ويجوز ~~ان يكون المرض مستعارا لما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور عند ~~مشاهدتهم لعزة المسلمين فزيادته تعالى إياهم مرضا ما فعل بهم من إلقاء ~~الروع وقذف الرعب في قلوبهم عند إعزاز الدين بإمداد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإنزال الملائكة وتأييده بفنون النصر والتمكين فقوله تعالى في قلوبهم ~~مرض الخ حينئذ استئناف تعليلي لقوله تعالى يخادعون الله الخ كأنه قيل ما ~~لهم يخادعون ويداهنون ولم لا يجاهرون بما في قلوبهم من الكفر فقيل في ~~قلوبهم ضعف مضاعف هذه حالهم في الدنيا «ولهم» في الآخرة «عذاب أليم» أي ~~مؤلم يقال ألم وهو أليم كوجع وهو وجيع وصف به العذاب للمبالغة كما في قوله ~~* تحية بينهم ضرب وجيع * على طريقة جد جده فإن الألم والوجع حقيقة للمؤلم ~~والمضروب كما أن الجد للجاد وقيل هو بمعنى المؤلم كالسميع بمعنى المسمع ~~وليس ذلك بثبت كما سيجيء في قوله تعالى «بديع السماوات والأرض» «بما كانوا ~~يكذبون» الباء ms0065 للسببية أو للمقابلة وما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون ~~وكلمة كانوا مقحمة لإفادة دوام كذبهم وتجدده أي بسبب كذبهم أو بمقابلة ~~كذبهم المتجدد المستمر الذي هو قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر وهم غير ~~مؤمنين فإنه اخبار بإحداثهم الإيمان فيما مضى لا إنشاء للإيمان ولو سلم فهو ~~متضمن للإخبار بصدوره عنهم وليس كذلك لعدم التصديق القلبي بمعنى الإذعان ~~والقبول قطعا ويجوز أن يكون محمولا على الظاهر بناء على رأي من يجوز أن ~~يكون لكان الناقصة مصدر كما صرح به في قول الشاعر * ببذل وحلم وساد في قومه ~~الفتى وكونك إياه عليك يسير * أي لهم عذاب أليم بسبب كونهم يكذبون على ~~الاستمرار وترتيب العذاب عليه من بين سائر موجباته القوية إما لأن المراد ~~بيان العذاب الخاص بالمنافقين بناء على ظهور شركتهم للمجاهرين فيما ذكر من ~~العذاب العظيم حسب اشتراكهم فيما يوجبه من الإصرار على الكفر كما ينبئ عنه ~~قوله تعالى «ومن الناس» الخ وأما للإيذان بأن لهم بمقابلة سائر جناياتهم ~~العظيمة من العذاب مالا يوصف وإما للرمز إلى كمال سماجة الكذب نظرا إلى ~~ظاهر العبارة المخيلة لانفراده بالسببية مع إحاطة علم السامع بان لحوق ~~العذاب بهم من جهات شتى وإن الاقتصار عليه للإشعار بنهاية قبحة والتنفير ~~عنه عن الصديق رضي الله عنه ويروى مرفوعا أيضا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان وما روى أن إبراهيم عليه السلام كذب ~~ثلاث كذبات فالمراد به التعريض وإنما سمى به لشبهه به صورة وقيل ما موصولة ~~والعائد محذوف اي بالذي يكذبونه وقرئ يكذبون والمفعول محذوف وهو إما للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو القرآن وما مصدرية أي سبب تكذيبهم إياه عليه السلام ~~أو القرآن أو موصولة أي بالذي يكذبونه على أن العائد محذوف ويجوز أن يكون ~~صيغة التفعيل للمبالغة كما في بين بان وقلص PageV01P042 # في قلص أو لتكثير كما في موتت البهائم وبركت الإبل وأن يكون من قولهم كذب ~~الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق ms0066 متوقف في أمره ~~متردد في رأيه ولذلك قيل له مذبذب «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض» شروع ~~في تعديد بعض من قبائحهم المتفرعة على ما حكى عنهم من الكفر والنفاق وإذا ~~ظرف زمن مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالبا ولا تدخل إلا في الأمر المحقق أو ~~المرجح وقوعه واللام متعلقة بقيل ومعناها الانهاء والتبليغ والقائم مقام ~~فاعله جملة لا تفسدوا على أن المراد بها اللفظ وقيل هو مضمر يفسره المذكور ~~والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة به والصلاح مقابلة والفساد في الأرض ~~هيج الحروب والفتن المستتبعة لزوال الاستقامة عن أحوال العباد واختلال امر ~~المعاش والمعاد والمراد بما نهوا عنه ما يؤدي إلى ذلك من افشاء اسرار ~~المؤمنين إلى الكفار واغرائهم عليهم وغير ذلك من فنون الشرور كما يقال ~~للرجل لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار إذا اقدم على ما تلك عافيته ~~وهو اما معطوف على يقول فإن جعلت كلمة من موصولة فلا محل له من الإعراب ولا ~~بأس بتخلل البيان أو الاستئناف وما يتعلق بهما بين اجزاء الصلة فإن ذلك ليس ~~توسيطا بالأجنبي وان جعلت موصوفه فمحله الرفع والمعنى ومن الناس من إذا ~~نهوا من جهة المؤمنين عما هم عليه من الإفساد في الأرض «قالوا» إراءة ~~للناهين ان ذلك غير صادر عنهم مع ان مقصودهم الأصلي انكار كون ذلك افسادا ~~وادعاء كونه اصلاحا محضا كما سيأتي توضيحه «إنما نحن مصلحون» اى مقصورون ~~على الاصلاح المحض بحيث لا يتعلق به شائبة الافساد والفساد مشيرين بكلمة ~~انما إلى ان ذلك من الوضوح بحيث لا ينبغي ان يرتاب فيه واما كلام مستأنف ~~سيق لتعديد شنائعهم واما عطفه على يكذبون بمعنى ولهم عذاب اليم بكذبهم ~~وبقولهم حين نهوا عن الافساد انما نحن مصلحون كما قيل فيأباه ان هذا النحو ~~من التعليل حقه ان يكون بأوصاف ظاهرة العلية مسلمة الثبوت للموصوف غنية عن ~~البيان لشهرة الاتصاف بها عند السامع أو لسبق ذكره صريحا كما في قوله تعالى ~~«بما كانوا يكذبون» فإن مضمونه ms0067 عبارة عما حكى عنهم من قولهم آمنا بالله ~~وباليوم الآخر أو لذكر ما يستلزمه استلزاما ظاهرا كما في قوله عز وجل «إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب» فإن ما ذكر ~~من الضلال عن سبيل الله مما يوجب حتما نسيان جانب الآخرة التي من جملتها ~~يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه ان يخبر بعليته قصدا كما في قوله تعالى ~~ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار الآية وقوله ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ~~الآية إلى غير ذلك ولا ريب في ان هذه الشرطية وما بعدها من الشرطيتين ~~المعطوفتين عليها ليس مضمون شيء منها معلوم الانتساب إليهم عند السامعين ~~بوجه من الوجوه المذكورة حتى تستحق الانتظام في سلك التعليل المذكور فإذن ~~حقها ان تكون مسوقة على سنن تعديد قبائحهم على أحد الوجهين مفيدة لاتصافهم ~~بكل واحد من تلك الأوصاف قصدا واستقلالا كيف لا وقوله عز وجل «ألا إنهم هم ~~المفسدون» ينادى بذلك نداء PageV01P043 # جليا فإنه رد من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغ رد وأدلة على سخط عظيم ~~حيث سلك فيه مسلك الاستئناف المؤدى إلى زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع ~~وصدرت الجملة بحر في التأكيد الا المنبهة على تحقق ما بعدها فإن الهمزة ~~الإنكارية الداخلة على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعا كما في قوله تعالى ~~«أليس الله بكاف عبده» ولذلك لا يكاد يقع ما بعدها من الجملة الا مصدرة بما ~~يلتقي به القسم وأختها التي هي اما من طلائع القسم وقيل هما حرفان بسيطان ~~موضوعان للتنبيه والاستفتاح وان المقررة للنسبة وعرف الخبر ووسط ضمير الفصل ~~لرد ما في قصر أنفسهم على الاصلاح من التعريض بالمؤمنين ثم استدرك بقوله ~~تعالى «ولكن لا يشعرون» للإيذان بأن كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة لكن ~~لا حس لهم حتى يدركوه وهكذا الكلام في الشرطيتين الآتيتين وما بعدهما من رد ~~مضمونهما ولولا ان المراد تفصيل جناياتهم وتعديد خبائثهم وهناتهم ثم اظهار ~~فسادها وإبانة بطلانها لما فتح هذا الباب والله اعلم ms0068 بالصواب «وإذا قيل ~~لهم» من قبل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثر نهيهم عن المنكر اتماما ~~للنصح وإكمالا للإرشاد «آمنوا» حذف المؤمن به لظهوره أو أريد افعلوا ~~الإيمان «كما آمن الناس» الكاف في محل النصب على انه نعت لمصدر مؤكد محذوف ~~أي آمنوا إيمانا مماثلا لإيمانهم فما مصدرية أو كافة كما في ربما فإنها تكف ~~الحرف عن العمل وتصحح دخولها على الجملة وتكون للتشبيه بين مضمونى الجملتين ~~اى حققوا إيمانكم كما تحقق ايمانهم واللام للجنس والمراد بالناس الكاملون ~~في الانسانية العاملون بقضية العقل فإن اسم الجنس كما يستعمل في مسماه ~~يستعمل فيما يكون جامعا للمعاني الخاصة به المقصودة منه ولذلك يسلب عما ليس ~~كذلك فيقال هو ليس بإنسان وقد جمعهما من قال * إذ الناس ناس والزمان زمان * ~~أو للعهد والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه أو من آمن من أهل ~~جلدتهم كابن سلام واضرابه والمعنى آمنوا ايمانا مقرونا بالإخلاص متمحضا عن ~~شوائب النفاق مماثلا لإيمانهم «قالوا» مقابلين للأمر بالمعروف والانكار ~~المنكر واصفين للمراجيح الرزان بضد أوصافهم الحسان «أنؤمن كما آمن السفهاء» ~~مشيرين باللام إلى من أشير إليهم في الناس من الكاملين أو المعهودين أو إلى ~~الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد والسفه خفة وسخافة رأي ~~يورثهما قصور العقل ويقابله الحلم والأناة وانما نسبوهم اليه مع انهم في ~~الغاية القاصية من الرشد والرزانة والوقار لكمال انهماك أنفسهم في السفاهة ~~وتماديهم في الغواية وكونهم ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فمن حسب الضلال ~~هدى يسمى الهدى لا محالة ضلال أو لتحقير شأنهم فإن كثيرا من المؤمنين كانوا ~~فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم على ~~تقدير كون المراد بالناس عبد الله بن سلام وأمثاله وأياما كان فالذي يقتضيه ~~جزالة التنزيل ويستدعيه فخامة شأنه الجليل أن يكون صدور هذا القول عنهم ~~بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا PageV01P044 # عن نصيحتهم وحيث كان فحواه تسفيه أولئك المشاهير الأعلام والقدح في ~~إيمانهم لزم كونهم مجاهرين لا ms0069 منافقين وذلك مما لا يكاد يساعده السباق ~~والسياق وعن هذا قالوا ينبغي أن يكون ذلك فيما بينهم لا على وجه المؤمنين ~~قال الإمام الواحدي أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند ~~المؤمنين فأخبر الله تعالى نبي عليه السلام والمؤمنين بذلك عنهم وأنت خبير ~~بأن ابراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما جرى بينهما في ~~مقام المحاورة مما لا عهد به في الكلام فضلا عما هو في منصب الاعجاز فالحق ~~الذي لا محيد عنه ان قولهم هذا وان صدر عنهم بمحضر من الناصحين لا يقتضي ~~كونهم مجاهرين فإنه ضرب من الكفر أنيق وفن في النفاق عريق مصنوع على شاكلة ~~قولهم واسمع غير مسمع فكما أنه كلام ذو وجهين مثلهم محتمل للشر بأن يحمل ~~على معنى اسمع منا غير مسمع كلاما ترضاه ونحوه وللخير بأن يحمل على معنى ~~اسمع غير مسمع مكروها كانوا يخاطبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استهزأ به مظهرين إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول ~~مطمئنون به ولذلك نهوا عنه كذلك هذا الكلام محتمل للشر كما ذكر في تفسيره ~~وللخير بأن يحمل على ادعاء الايمان كإيمان الناس وانكار ما اتهموا به من ~~النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم ~~لو آمنوا ولا نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك قد خاطبوا به الناصحين ~~استهزاء بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير وهم معولون على الأول فرد عليهم ~~ذلك بقوله عز قائلا «ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون» أبلغ رد وجهلوا ~~أشنع تجهيل حيث صدرت الجملة بحر في التأكيد حسبما أشير اليه فيما سلف وجعلت ~~السفاهة مقصورة عليهم وبالغة إلى حيث لا يدرون أنهم سفهاء ومن هذا اتضح سر ~~ما مر في تفسير قوله تعالى «إنما نحن مصلحون» فإن حمله على المعنى الأخير ~~كما هو رأي الجمهور مناف لحالهم ضرورة ان مشافهتهم للناصحين بادعاء كون ما ~~نهوا عنه من الافساد إصلاحا كما مر اظهار منهم للشقاق ms0070 وبروز بأشخاصهم من ~~نفق النفاق والاعتذار بأن المراد بما نهوا عنه مداراتهم للمشركين كما ذكر ~~في بعض التفاسير وبالإصلاح الذي يدعونه اصلاح ما بينهم وبين المؤمنين ان ~~معنى قوله تعالى «ألا إنهم هم المفسدون» انهم في تلك المعاملة مفسدون ~~لمصالح المؤمنين لأشعارها باعطاء الدنية وإنبائها عن ضعفهم الملجئ إلى ~~توسيط من يتصدى لإصلاح ذات البين فضلا عن كونهم مصلحين مما لا سبيل اليه ~~قطعا فإن قوله تعالى «ولكن لا يشعرون» ناطق بفساده كيف لا وانه يقتضى ان ~~يكون المنافقون في تلك الدعوى صادقين قاصدين للإصلاح ويأتيهم الإفساد من ~~حيث لا يشعرون ولا ريب في انهم فيها كاذبون لا يعاشرونهم إلا مضارة للدين ~~وخيانة للمؤمنين فأذن طريق حل الإشكال ليس إلا ما أشير اليه فإن قولهم انما ~~نحن مصلحون محتمل للحمل على الكذب وانكار صدور الإفساد المنسوب إليهم عنهم ~~على معنى انما نحن مصلحون لا يصدر عنا ما تنهوننا عنه من الإفساد وقد ~~خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم واراءة لإرادة هذا المعنى وهم معرجون على ~~المعنى الأول فرد عليهم بقوله تعالى «ألا إنهم هم المفسدون» الآية والله ~~سبحانه اعلم بما أودعه في تضاعيف كتابه المكنون من السر المخزون نسأله ~~العصمة والتوفيق والهداية إلى سواء الطريق وتفصيل هذه الآية الكريمة بلا ~~يعلمون لما انه أكثر طباقا لذكر السفه الذي هو فن من فنون الجهل ولأن ~~الوقوف على ان المؤمنين ثابتون على الحق وهم على PageV01P045 # لباطل منوط بالتمييز بين الحق والباطل وذلك مما لا يتسنى الا بالنظر ~~والاستدلال واما النفاق وما فيه من الفتنة والافساد وما يترتب عليه من كون ~~من يتصف به مفسدا فأمر بديهي يقف عليه من له شعور ولذلك فصلت الآية الكريمة ~~السابقة بلا يشعرون «وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا» بيان لتباين ~~أحوالهم وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تباين المخاطبين ~~ومساق ما صدرت به قصتهم لتحرير مذهبهم والترجمة عن نفاقهم ولذلك لم يتعرض ~~ههنا لمتعلق الإيمان فليس فيه شائبة التكرير روى ان عبد الله بن أبي ~~وأصحابه ms0071 خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة فقال ابن أبي انظروا كيف ~~أرد هؤلاء السفهاء عنكم فلما دنوا منهم اخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~مرحبا بالصديق سيد بني تميم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الغار الباذل نفسه وما له لرسول الله ثم اخذ بيد عمر رضي الله عنه ~~فقال مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دينه الباذل نفسه وماله لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد علي كرم الله وجهه فقال مرحبا بابن عم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت وقيل قال له علي رضي الله عنه يا عبد الله اتق الله ~~ولا تنافق فإن المنافقين شر خلق الله تعالى فقال له مهلا يا ابا الحسن أفي ~~تقول هذا والله إن ايماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن ~~أبي لأصحابه كيف رأيتموني فعلت فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت فأثنوا ~~عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت واللقاء المصادفة يقال لقيته ~~ولاقيته أي صادفته واستقبلته وقرئ إذا لاقوا «وإذا خلوا» من خلوت إلى فلان ~~أي انفردت معه وقد يستعمل بالباء أو من خلا بمعنى مضى ومنه القرون الخالية ~~وقولهم خلاك ذم أي جاوزك ومضى عنك وقد جوز كونه من خلوت به إذا سخرت منه ~~على ان تعديته بإلى في قوله تعالى «إلى شياطينهم» لتضمنه معنى الانهاء أي ~~وإذا انهوا إليهم السخرية الخ وأنت خبير بأن تقييد قولهم المحكى بذلك ~~الإنهاء مما لا وجه له والمراد بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان في التمرد ~~والعناد المظهرون لكفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر أو كبار ~~المنافقين والقائلون صغارهم وجعل سيبويه نون الشيطان تارة أصلية فوزنه ~~فيعال على انه من شطن إذا بعد فإنه بعيد من الخير والرحمة ويشهد له قولهم ~~تشيطن وأخرى زائدة فوزنه فعلان ms0072 على انه من شاط أي هلك أو بطل ومن أسمائه ~~الباطل وقيل معناه هاج واحترق «قالوا إنا معكم» أي في الدين والاعتقاد لا ~~نفارقكم في حال من الأحوال وانما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة لان ~~مدعاهم عندهم تحقيق الثبات على ما كانوا عليه من الدين والتأكيد للإنباء عن ~~صدق رغبتهم ووفور نشاطهم لا لإنكار الشياطين بخلاف معاملتهم مع المؤمنين ~~فإنهم انما يدعون عندهم احداث الإيمان لجزمهم بعد رواج ادعاء الكمال فيه أو ~~الثبات عليه انما نحن أي في إظهار الإيمان عند المؤمنين مستهزءون بهم من ~~غير ان يخطر ببالنا الإيمان حقيقة وهو استئناف مبني على سؤال ناشئ من ادعاء ~~المعية كأنه قيل لهم عند قولهم انا معكم فما بالكم توافقون المؤمنين في ~~الإتيان بكلمة الإيمان فقالوا انما نحن مستهزءون بهم فلا يقدح ذلك في ~~PageV01P046 # كوننا معكم بل يؤكده وقد ضمنوا جوابهم أنهم يهينون المؤمنين ويعدون ذلك ~~نصرة لدينهم أو تأكيد لما قبله فإن المستهزئ بالشيء مصر على خلافه أو بدل ~~منه لأن من حقر الاسلام فقد عظم الكفر والاستهزاء بالشيء السخرية منه يقال ~~هزأت واستهزأت بمعنى وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع وهزأ يهزأ مات ~~على مكانه وتهزأ به ناقته أي تسرع به وتخف «الله يستهزئ بهم» أي يجازيهم ~~على استهزائهم سمى جزاؤه باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة اما للمشاكلة في ~~اللفظ أو المقارنة في الوجود أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ ~~بهم أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء أو يعاملهم معاملة ~~المستهزئ بهم أما في الدنيا فبإجراء احكام المسلمين عليهم واستدراجهم ~~بالامهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان واما في الآخرة فبما ~~يروى انه يفتح لهم باب إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا اليه سد عليهم ~~الباب وذلك قوله تعالى «فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون» وانما استؤنف ~~للإيذان بأنهم قد بلغوا في المبالغة في استهزاء المؤمنين إلى غاية ظهرت ~~شناعته عند السامعين وتعاظم ذلك عليهم حتى اضطرهم إلى ان يقولوا ما مصير ms0073 ~~امر هؤلاء وما عاقبة حالهم وفيه انه تعالى هو الذي يتولى أمرهم ولا يحوجهم ~~إلى المعارضة بالمثل ويستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ليس استهزاؤهم عنده ~~من باب الاستهزاء حيث ينزل بهم من النكال ويحل عليهم من الذل والهوان ما لا ~~يوصف وايثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار كما يعرب عنه ~~قوله عز قائلا «أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين» وما كانوا ~~خالين في أكثر الأوقات من تهتك أستار وتكشف اسرار ونزول في شأنهم واستشعار ~~حذر من ذلك كما أنبأ عنه قوله عز وجل «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤوا إن الله مخرج ما تحذرون» «ويمدهم» أي ~~يزيدهم ويقويهم من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه ومنه مددت الدواة والسراج ~~إذا أصلحتهما بالحبر والزيت وإيثاره على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوط بسوء ~~اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد وما يجري مجراه من الحاجة ~~الداعية إليه كما في الأمثلة المذكورة وقرئ يمدهم من الامداد وهو صريح في ~~ان القراءة المشهورة ليست من المد في العمر على انه يستعمل باللام كالإملاء ~~قال تعالى «ونمد له من العذاب مدا» وحذف الجار وايصال الفعل إلى الضمير ~~خلاف الأصل لا يصار اليه الا بدليل «في طغيانهم» متعلق بيمدهم والطغيان ~~مجاوزة الحد في كل أمر والمراد افراطهم في العتو وغلوهم في الكفر وقرئ بكسر ~~الطاء وهي لغة فيه كلقيان لغة في لقيان وفي اضافته إليهم إيذان باختصاصه ~~بهم وتأييد لما أشير إليه من ترتب المد على سوء اختيارهم «يعمهون» حال من ~~الضمير المنصوب أو المجرور لكون المضاف مصدرا فهو مرفوع حكما والعمه في ~~البصيرة كالعمى في البصر وهو التحير والتردد بحيث لا يدري اين يتوجه واسناد ~~هذا المد إلى الله تعالى مع اسناده في قوله تعالى وإخوانهم يمدونهم في الغي ~~محقق لقاعدة أهل الحق من أن جميع الأشياء مستند من حيث الخلق اليه سبحانه ~~وان كانت أفعال العباد من حيث الكسب مستندة إليهم ms0074 والمعتزلة لما تعذر عليهم ~~اجراء النظم الكريم على PageV01P047 # مسلكه نكبوا إلى شعاب التأويل فأجابوا أولا بأنهم لما اصروا على كفرهم ~~خذلهم الله تعالى ومنعهم ألطافه فتزايد الرين في قلوبهم فسمى ذلك مددا في ~~الطغيان فأسند إيلاؤه إليه تعالى ففي السند مجاز لغوي وفي الاسناد مجاز ~~عقلي لأنه إسناد للفعل إلى المسبب له وفاعله الحقيقي هم الكفرة وثانيا بأنه ~~أريد بالمد في الطغيان ترك القسر والإلحاد إلى الإيمان كما في قوله تعالى ~~«ونذرهم في طغيانهم يعمهون» فالمجاز في المسند فقط وثالثا بأن المراد معناه ~~الحقيقي وهو فعل الشيطان لكنه أسند إليه سبحانه مجازا لأنه بتمكينه تعالى ~~وإقداره أولئك إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات ~~الشنيعة المميزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز بحيث صاروا كأنهم حضار مشاهدون ~~على ما هم عليه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء ~~الحال ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى «الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى» والجملة مسوقة لتقرير ما قبلها وبيان لكمال جهالتهم فيما حكى عنهم ~~من الأقوال والأفعال بإظهار غاية سماجتها وتصويرها بصورة مالا يكاد يتعاطاه ~~من له أدنى تمييز فضلا عن العقلاء والضلالة الجور عن القصد والهدى التوجه ~~إليه وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين والثاني للاستقامة عليه ~~والاشتراء استبدال السلعة بالثمن أي أخذها به لا بذله لتحصيلها كما قيل وإن ~~كان مستلزما له فإن المعتبر في عقد الشراء ومفهومه هو الجلب دون السلب الذي ~~هو المعتبر في عقد البيع ثم استعير لأخذ شيء بإعطاء ما في يده عينا كان كل ~~منهما أو معنى لا للإعراض عما في يده محصلا به غيره كما قيل وإن استلزمه ~~لما مر سره ومنه قوله * أخذت بالجمة رأسا أزعرا * وبالثنايا الواضحات ~~الدردرا * وبالطويل العمر عمرا جيدرا * كما اشترى المسلم إذ تنصرا * ~~فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة فيها ~~والإعراض عنه ولما اقتضى ذلك ان يكون ما يجري مجرى الثمن حاصلا للكفرة قبل ~~العقد وما يجري مجرى ms0075 المبيع غير حاصل لهم إذ ذاك حسبما هو في البيت ولا ريب ~~في أنهم بمعزل من الهدى مستمرون على الضلالة استدعى الحال تحقيق ما جرى ~~مجرى العوضين فنقول وبالله التوفيق ليس المراد بما تعلق به الاشتراء ههنا ~~جنس الضلالة الشاملة لجميع أصناف الكفرة حتى تكون حاصلة لهم من قبل بل هو ~~فردها الكامل الخاص بهؤلاء على أن اللام للعهد وهو عمههم المقرون بالمد في ~~الطغيان المترتب على ما حكى عنهم من القبائح وذلك إنما يحصل لهم عند اليأس ~~من اهتدائهم والختم على قلوبهم وكذا ليس المراد بما في حيز الثمن نفس الهدى ~~بل هو التمكن التام منه بتعاضد الأسباب ونأخذ المقدمات المستتبعة له بطريق ~~الاستعارة كأنه نفس الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ولا مرية في ان ~~هذه المرتبة من التمكن كانت حاصلة لهم بما شاهدوه من الآيات الباهرة ~~والمعجزات القاهرة من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وبما سمعوه من نصائح ~~المؤمنين التي من جملتها ما حكى من النهي عن الإفساد في الأرض والأمر ~~بالإيمان الصحيح وقد نبذوها وراء ظهورهم وأخذوا بدلها الضلالة الهائلة التي ~~هي العمة في تيه الطغيان وحمل الهدى على الفطرة الأصلية الحاصلة لكل أحد ~~يأباه أن إضاعتها غير مختصة بهؤلاء ولئن حملت على الإضاعة التامة الواصلة ~~إلى حد الختم على القلوب المختصة PageV01P048 # بهم فليس في إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع مؤيدها من المؤيدات ~~العقلية والنقلية على أن ذلك يقضي إلى كون ذكر ما فصل من أول السورة إلى ~~هنا ضائعا وأبعد منه حمل اشتراء الضلالة بالهدى على مجرد اختيارها عليه من ~~غير اعتبار كونه في أيديهم بناء على أنه يستعمل اتساعا في ايثار أحد ~~الشيئين الكائنين في شرف الوقوع على الآخر فإنه مع خلوه عن المزايا ~~المذكورة بالمرة مخل برونق الترشيح الآتي هذا على تقدير جعل الاشتراء ~~المذكور عبارة عن معاملتهم السابقة المحكية وهو الأنسب بتجاوب أطراف النظم ~~الكريم وأما إذا جعل ترجمة عن جناية أخرى من جناياتهم فالمراد بالهدى ما ~~كانوا ms0076 عليه من معرفة صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة دينه بما ~~كانوا يشاهدونه من نعوته عليه الصلاة والسلام في التوراة وقد كانوا على ~~يقين منه حتى كانوا يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبي ~~المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم قد أظل زمان ~~نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وأرم فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به كما سيأتي ولا مساغ لحمل الهدى على ما كانوا يظهرونه عند لقاء ~~المؤمنين فإنها ضلالة مضاعفة «فما ربحت تجارتهم» عطف على الصلة داخل في ~~حيزها والفاء للدلالة على ترتب مضمونه عليها والتجارة صناعة التجار وهو ~~التصدي للبيع والشراء لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال يقال ربح فلان ~~في تجارته أي أستشف فيها وأصاب الربح وأسناد عدمه الذي هو عبارة عن الخسران ~~إليها وهو لأربابها بناء على التوسع المبني على ما بينهما من الملابسة ~~وفائدته المبالغة في تخسيرهم لما فيه من الأشعار بكثرة الخسار وعمومه ~~المستتبع لسرايته إلى ما يلابسهم وإيرادهما أثر الاشتراء المستعار ~~للاستبدال المذكور ترشيح للاستعارة وتصوير لما فاتهم من فوائد الهدى بصورة ~~خسار التجارة الذي يتحاشا عنه كل أحد للإشباع في التخسير والتخسير ولا ~~ينافي ذلك أن التجارة في نفسها استعارة لانهماكهم فيما هم عليه من إيثار ~~الضلالة على الهدى وتمرنهم عليه معربة عن كون ذلك صناعة لهم راسخة إذ ليس ~~من ضروريات الترشيح أن يكون باقيا على الحقيقة تابعا للإستعارة لا يقصد به ~~إلا تقويتها كما في قولك رأيت أسد وافي البراثن فإنك لا تريد به ألا زيادة ~~تصوير للشجاع وأنه أسد كامل من غير أن تريد بلفظ البراثن معنى آخر بل قد ~~يكون مستعار من ملائم المستعار منه لملائم المستعار له ومع ذلك يكون ترشيحا ~~لأصل الاستعارة كما في قوله * فلما رأيت النسر عز ابن دأية * وعشش في وكريه ~~جاش له صدري * فإن لفظ الوكرين مع كونه مستعارا من معناه الحقيقي الذي هو ~~موضع يتخذه الطائر للتفريخ للرأس ms0077 واللحية أو للفودين أعنى جانبي الرأس ~~ترشيح باعتبار معناه الأصلي لاستعارة لفظ النسر للشيب ولفظ أبن داية للشعر ~~الأسود وكذا لفظ التعشيش مع كونه مستعارا للحلول والنزول المستمرين ترشيح ~~لتينك الاستعارتين بالاعتبار المذكور وقرئ تجارتهم وتعددها لتعدد المضاف ~~إليهم «وما كانوا مهتدين» أي إلى طرق التجارة فإن المقصود منها سلامة رأس ~~المال مع حصول الربح ولئن فات الربح في صفقة فربما يتدارك في صفقة أخرى ~~لبقاء الأصل وأما إتلاف الكل بالمرة فليس من باب التجارة قطعا فهؤلاء الذين ~~كان رأس مالهم الهدى قد استبدلوا بها الضلالة فأضاعوا كلتا الطلبتين فبقوا ~~خائبين خاسرين نائين عن طريق التجارة بألف منزل فالجملة راجعة إلى الترشيح ~~معطوفة على ما قبلها مشاركة له في الترتيب على الاشتراء PageV01P049 # المذكور والأولى عطفها على اشتروا الخ «مثلهم» زيادة كشف لحالهم وتصوير ~~لها غب تصويرها بصورة ما يؤدي إلى الخسار بحسب المآل بصورة ما يفضي إلى ~~الخسار من حيث النفس تهويلا لها وإبانة لفظاعتها فإن التمثيل ألطف ذريعة ~~إلى تسخير الوهم للعقل واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه وأقوى وسيلة إلى ~~تفهيم الجاهل الغبي وقمع سورة الجامع الأبي كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه ~~المعقولات الخفية وإبراز لها في معرض المحسوسات الجلية وإبداء للمنكر في ~~صورة المعروف وإظهار للوحشى في هيئة المألوف والمثل في الأصل بمعنى المثل ~~والنظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم أطلق على القول السائر ~~الذي يمثل مضربه بمورده وحيث لم يكن ذلك إلا قولا بديعا فيه غرابة صيرته ~~جديرا بالتسيير في البلاد وخليقا بالقبول فيما بين كل حاضر وباد استعير لكل ~~حال أو صفة أو قصة لها شأن عجيب وخطر غريب من غير أن يلاحظ بينها وبين شيء ~~آخر تشبيه ومنه قوله عز وجل «ولله المثل الأعلى» أي الوصف الذي له شأن عظيم ~~وخطر جليل وقوله تعالى «مثل الجنة التي وعد المتقون» أي قصتها العجيبة ~~الشأن «كمثل الذي» أي الذين كما في قوله تعالى «وخضتم كالذي خاضوا» خلا أنه ~~وحد الضمير في قوله ms0078 تعالى «استوقد نارا» نظرا إلى الصورة وإنما جاز ذلك مع ~~عدم جواز وضع القائم مقام القائمين لأن المقصود بالوصف هي الجملة الواقعة ~~صلة له دون نفسه بل إنما هو وصلة لوصف المعارف بها ولأنه حقيق بالتخفيف ~~لاستطالته بصلته ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في ~~أسماء الفاعلين والمفعولين ولأنه ليس باسم تام بل هو كجزئه فحقه ان لا يجمع ~~ويستوي فيه الواحد والمتعدد كما هو شأن أخواته وليس الذين جمعه المصحح بل ~~النون فيه مزيدة للدلالة على زيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبدا على اللغة ~~الفصيحة أو قصد به جنس المستوقد أو الفوج أو الفريق المستوقد والنار جوهر ~~لطيف مضيء حار محرق واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة واضطرابا ~~واستيقادها طلب وقودها أي سطوعها وارتفاع لهبها وتنكيرها للتفخيم «فلما ~~أضاءت ما حوله» الإضاءة فرط الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى «هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا» وتجيء متعدية ولازمة والفاء للدلالة على ترتبها ~~على الاستيقاد أي فلما أضاءت النار ما حول المستوقد أو فلما أضاء ما حوله ~~والتأنيث لكونه عبارة عن الأماكن والأشياء أو أضاءت النار نفسها فيما حوله ~~على أن ذلك ظرف لإشراق النار المنزل منزلتها لا لنفسها أو ما مزيدة وحوله ~~ظرف وتأليف الحول للدوران وقيل للعام حول لأنه يدور «ذهب الله بنورهم» ~~النور ضوء كل نير واشتقاقه من النار والضمير للذي والجمع باعتبار المعنى أي ~~أطفأ الله نارهم التي هي مدار نورهم وإنما علق الإذهاب بالنور دون نفس ~~النار لأنه المقصود بالاستيقاد لا الاستدفاء ونحوه كما ينبئ عنه قوله تعالى ~~«فلما أضاءت» حيث لم يقل فلما شب ضرامها أو نحو ذلك وهو جواب لما أو ~~استئناف أجيب به عن سؤال سائل يقول PageV01P050 # ما بالهم اشبهت حالهم حال مستوقد انطفأت ناره أو بدله من جملة التمثيل ~~على وجه البيان والضمير على الوجهين للمنافقين والجواب محذوف كما في قوله ~~تعالى «فلما ذهبوا به» للإيجاز والأمن من الإلباس كأنه قيل فلما ms0079 أضاءت ما ~~حوله خمدت فبقوا في الظلمات خابطين متحيرين خائبين بعد الكدح في إحيائها ~~واسناد الإذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بخلقه تعالى وإما لأن الانطفاء ~~حصل بسبب خفى أو امر سماوي كريح أو مطر واما للمبالغة كما يؤذن به تعدية ~~الفعل بالباء دون الهمزة لما فيه من معنى الاستصحاب والامساك يقال ذهب ~~السلطان بما له إذا اخذه وما اخذه الله عز وجل فأمسكه فلا مرسل له من بعده ~~ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى الظاهر إلى النور لأن ذهاب الضوء قد ~~يجامع بقاء النور في الجملة لعدم استلزام عدم القوى لعدم الضعيف والمراد ~~إزالته بالكلية كما يفصح عنه قوله تعالى «وتركهم في ظلمات لا يبصرون» فإن ~~الظلمة التي هي عدم النور وانطماسه بالمرة لا سيما إذا كانت متضاعفة ~~متراكمة متراكبا بعضها على بعض كما يفيده الجمع والتنكير التفخيمي وما ~~بعدها من قوله تعالى «لا يبصرون» لا يتحقق الا بعد ان لا يبقى من النور عين ~~ولا اثر واما لان المراد بالنور مالا يرضى به الله تعالى من النار المجازية ~~التي هي نار الفتنة والفساد كما في قوله تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب ~~اطفأها الله ووصفها بإضاءة ما حول المستوقد من باب الترشيح أو النار ~~الحقيقة التي يوقدها الغواة ليتوصلوا بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في ~~طرق العيث والفساد فأطفأها الله تعالى وخيب آمالهم وترك في الأصل بمعنى طرح ~~وخلى وله مفعول واحد فضمن معنى التصيير فجرى مجرى افعال القلوب قال * ~~فتركته جزر السباع ينشنه * يقضمن حسن بنانه والمعصم * والظلمة مأخوذة من ~~قولهم ما ظلمك ان تفعل كذا أي ما منعك لأنها تسد البصر وتمنعه من الرؤية ~~وقرئ في ظلمات بسكون اللام وفي ظلمة بالتوحيد ومفعول لا يبصرون من قبيل ~~المطروح كأن الفعل غير متعد والمعنى ان حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم ~~الضلالة التي هي عبارة عن ظلمتي الكفر والنفاق المستتبعين لظلمة سخط الله ~~تعالى وظلمة يوم القيامة يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم ms0080 وظلمة العقاب السرمدي بالهدى الذي هو النور الفطري المؤيد بما ~~شاهدوه من دلائل الحق أو بالهدى الذي كانوا حصلوه من التوراة حسبما ذكر ~~كحال من استوقد نارا عظيمة حتى يكاد ينتفع بها فأطفأها الله تعالى وتركه في ~~ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار «صم بكم عمي» اخبار لمبتدأ محذوف هو ~~ضمير المنافقين أو خبر واحد بالتأويل المشهور كما في قولهم هذا حلو حامض ~~والصمم آفة مانعة من السماع واصله الصلابة واكتناز الاجزاء ومنه الحجر ~~الأصم والقناة الصماء وصمام القارورة سدادها سمى به فقدان حاسة السمع لما ~~ان سببه اكتناز باطن الصماخ وانسداد منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل ~~الصوت بتموجه والبكم الخرس والعمي عدم البصر عما من شأنه ان يبصر وصفوا ~~بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما انهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما ~~يتلى عليهم من الآيات والذكر الحكيم وأبوا ان يتلقوها بالقبول وينطقوا بها ~~ألسنتهم ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرة على يدي رسول ~~PageV01P051 # الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق ~~والأنفس بعين التدبر وأصروا على ذلك بحيث لم يبق لهم احتمال الأرعواء عنه ~~صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية وهذا عند مفلقي سحرة البيان من باب ~~التمثيل البليغ المؤسس على تناسي التشبيه كما في قول من قال * ويصعد حتى ~~يظن الجهول * بان له حاجة في السماء * لما ان المقدر في النظم في حكم ~~الملفوظ لا من قبيل الاستعارة التي يطوي فيها ذكر المستعار له بالكلية حتى ~~لو لم يكن هناك قرينة لحمل على المعنى الحقيقي كما في قول زهير * لدي أسد ~~شاكي السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم * «فهم لا يرجعون» الفاء للدلالة ~~على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا ~~يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيعوه أو عن الضلالة التي اخذوها والآية ~~نتيجة للتمثيل مفيدة لزيادة تهويل وتفظيع فإن قصارى امر التمثيل بقاؤهم في ~~ظلمات هائلة من غير تعرض لمشعرى السمع والنطق ms0081 ولاختلال مشعر الأبصار وقيل ~~الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى كالضمائر المتقدمة فالآية ~~الكريمة تتمة للتمثيل وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجرد انطفاء نارهم ~~وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة مع بقاء حاسة البصر بحالها بل اختلت مشاعرهم ~~جميعا واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في ~~مكاناتهم لا يرجعون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى ما ~~ابتدأوا منه والعدول إلى الجملة الاسمية للدلالة على استمرار تلك الحالة ~~فيهم وقرئ صما بكما عميا اما على الذم كما في قوله تعالى «حمالة الحطب» ~~والمخصوص بالذم هم المنافقون أو المستوقدون واما على الحالية من الضمير ~~المنصوب في تركهم أو المرفوع في لا يبصرون واما على المفعولية لتركهم ~~فالضميران للمستوقدين «أو كصيب» تمثيل لحالهم اثر تمثيل ليعم البيان منها ~~كل دقيق وجليل ويوفي حقها من التفظيع والتهويل فإن تفننهم في فنون الكفر ~~والضلال وتنقلهم فيها من حال إلى حال حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال ويرخي ~~في حلبته أعنة المقال ويمد لشرحه اطناب الاطناب ويعقد لأجله فصول وأبواب ~~لما ان كل كلام له حظ من البلاغة وقسط من الجزالة والبراعة لا بد ان يوفي ~~فيه حق كل من مقامي الإطناب والإيجاز فما ظنك بما في ذروة الإعجاز من ~~التنزيل الجليل ولقد نعى عليهم في هذا التمثيل تفاصيل جناياتهم وهو عطف على ~~الأول على حذف المضاف لما سيأتي من الضمائر المستدعية لذلك أي كمثل ذوي صيب ~~وكلمة أو للإيذان بتساوي القصتين في الاستقلال بوجه التشبيه وبصحة التمثيل ~~بكل واحدة منهما وبهما معا والصيب فيعل من الصوب وهو النزول الذي له وقع ~~وتأثير يطلق على المطر وعلى السحاب قال الشماخ * عفا آية نسج الجنوب مع ~~الصبا * وأسحم دان صادق الوعد صيب * ولعل الأول هو المراد ههنا لاستلزامه ~~الثاني وتنكيره لما انه أريد به نوع منه شديد هائل كالنار في التمثيل الأول ~~وأمد به ما فيه من المبالغات من جهة مادة الأولى التي هي الصاد المستعلية ~~والياء المشددة والباء الشديدة ms0082 ومادته PageV01P052 # الثانية اعني الصوب المنبئ عن شدة الانسكاب ومن جهة بنائه الدال على ~~الثبات وقرئ أو كصائب «من السماء» متعلق بصيب أو بمحذوف وقع صفة له والمراد ~~بالسماء هذه المظلة وهي في الأصل كل ما علاك من سقف ونحوه وعن الحسن انها ~~موج مكفوف أي ممنوع بقدرة الله عز وجل من السيلان وتعريفها للإيذان بأن ~~انبعاث الصيب ليس من أفق واحد فإن كل أفق من آفاقها أي كل ما يحيط به كل ~~أفق منها سماء على حدة قال ومن بعد ارض بيننا وسماء كما ان كل طبقة من ~~طباقها سماء قال تعالى «وأوحى في كل سماء أمرها» والمعنى انه صيب عام نازل ~~من غمام مطبق آخذ بالآفاق وقيل المراد بالسماء السحاب واللام لتعريف ~~الماهية «فيه ظلمات» أي أنواع منها وهي ظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر ~~وظلمة إظلال ما يلزمه من الغمام الأسحم المطبق الآخذ بالآفاق مع ظلمة الليل ~~وجعله محلا لها مع ان بعضها لغيره كظلمتي الغمام والليل لما انهما جعلتا من ~~توابع ظلمته مبالغة في شدته وتهويلا لأمره وإيذانا بأنه من الشدة والهول ~~بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام وهو السر في عدم جعل الظلمات هو الأصل ~~المستتبع للبواقي مع ظهور ظرفيتها للكل إذ لو قيل أو كظلمات فيها صيب الخ ~~لما أفاد أن للصيب ظلمة خاصة به فضلا عن كونها غالبة على غيرها «ورعد» وهو ~~صوت يسمع من السحاب والمشهور انه يحدث من اصطكاك اجرام السحاب بعضها ببعض ~~أو من انقلاع بعضها عن بعض عند اضطرابها بسوق الرياح إياه سوقا عنيفا ~~«وبرق» وهو ما يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا أي لمع وكلاهما في الأصل ~~مصدر ولذلك لم يجمعا وكونهما في الصيب باعتبار كونهما في أعلاه ومصبه ووصول ~~اثرهما اليه وكونهما في الظلمات الكائنة فيه والتنوين في الكل للتفخيم ~~والتهويل كأنه قيل فيه ظلمات شديدة داجية ورعد قاصف وبرق خاطف وارتفاع ~~الجميع بالظرف على الفاعلية لتحقق شرط العمل بالاتفاق وقيل بالابتداء ~~والجملة اما صفة لصيب أو حال ms0083 منه لتخصصه بالصفة أو بالعمل فيما بعده من ~~الجار أو من المستكن في الظرف الأول على تقدير كونه صفة لصيب والضمائر في ~~قوله عز وجل «يجعلون أصابعهم في آذانهم» للمضاف الذي أقيم مقامه المضاف ~~إليه فإن معناه باق وإن حذف لفظه تعويلا على الدليل كما في قوله تعالى «وكم ~~من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون» فإن الضمير للأهل ~~المدلول عليه بما قام مقامه من القرية قال حسان رضي الله عنه * يسقون من ~~ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل * فإن تذكير الضمير المستكن ~~في يصفق لرجوعه إلى الماء المضاف إلى بردى وإلا لأنث حتما وإيثارا لجعل ~~المنبئ عن دوام الملابسة واستمرار الاستقرار على الإدخال المفيد لمجرد ~~الانتقال من الخارج إلى الداخل للمبالغة في بيان سد المسامع باعتبار الزمان ~~كما أن إيراد الأصابع بدل الأنامل للإشباع في بيان سدها باعتبار الذات ~~كأنهم سدوها بحملتها لا بأناملها فحسب كما هو المعتاد ويجوز أن يكون هذا ~~إيماء إلى كمال حيرتهم وفرط دهشتهم وبلوغهم إلى حيث لا يهتدون إلى استعمال ~~الجوارح على النهج المعتاد وكذا الحال في عدم تعيين الإصبع المعتاد أعني ~~السبابة وقيل ذلك لرعاية الأدب والجملة استئناف لا محل لها من الاعراب مبني ~~على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون في ~~تضاعيف تلك الشدة فقيل يجعلون الخ وقوله تعالى «من الصواعق» متعلق بيجعلون ~~أي من أجل الصواعق المقارنة للرعد من قولهم سقاه من PageV01P053 # العيمة والصاعقة قصفة رعد هائل تنقض معها بثقة نار لا تمر بشيء الا أتت ~~عليه من الصعق وهو شدة الصوت وبناؤها اما ان يكون صفة لقصفة الرعد أو للرعد ~~والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدرا كالعافية وقد تطلق على كل هائل ~~مسموع أو مشاهد يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو بشدة الصوت وسد ~~الآذان إنما يفيد على التقدير الثاني دون الأول وقرئ من الصواقع وليس ذلك ~~بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقع الديك وخطيب ms0084 مصقع ~~أي مجهر بخطبته «حذر الموت» منصوب بيجعلون على العلة وان كان معرفة ~~بالإضافة كقوله * واغفر عوراء الكريم ادخاره * واصفح عن شتم اللئيم تكرما * ~~ولا ضير في تعدد المفعول له فإن الفعل يعلل بعلل شتى وقيل هو نصب على ~~المصدرية أي يحذرون حذرا مثل حذر الموت والحذر والحذار هو شدة الخوف وقرئ ~~حذار الموت والموت زوال الحياة وقيل عرض يضادها لقوله تعالى «خلق الموت ~~والحياة» ورد بأن الخلق بمعنى التقدير والأعدام مقدرة «والله محيط ~~بالكافرين» أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط شبه شمول قدرته ~~تعالى لهم وانطواء ملكوته عليهم بإحاطة المحيط بما أحاط به في استحالة ~~الفوت أو شبه الهيئة المنتزعة من شؤونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من ~~أحوال المحيط مع المحاط فالاستعارة المبنية على التشبيه الأول استعارة ~~تبعية في الصفة متفرعة على ما في مصدرها من الاستعارة والمبنية على الثاني ~~تمثيلية قد اقتصر من طرف المشبه به على ما هو العمدة في انتزاع الهيئة ~~المشبه بها اعني الإحاطة والباقي منوى بألفاظ متخيلة بها يحصل التركيب ~~المعتبر في التمثيل كما مر تحريره في قوله عز وجل «ختم الله على قلوبهم» ~~والجملة اعتراضية منبهة على ان ما صنعوا من سد الآذان بالأصابع لا يغنى ~~عنهم شيئا فإن القدر لا يدافعه الحذر والحيل لا ترد بأس الله عز وجل وفائدة ~~وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيب الإيذان بأن ما دهمهم من ~~الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم على منهاج قوله تعالى «كمثل ريح فيها صر ~~أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته» فإن الإهلاك الناشئ من السخط أشد وقيل ~~هذا الاعتراض من جملة أحوال المشبه على ان المراد بالكافرين المنافقون قد ~~دل به على انه لا مدافع لهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة وإنما ~~وسط بين أحوال المشبه مع ان القياس تقديمه أو تأخيره لإظهار كمال العناية ~~وفرط الاهتمام بشأن المشبه «يكاد البرق» استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال ~~مقدر كأنه قيل فكيف حالهم مع ذلك البرق ms0085 فقيل يكاد ذلك «يخطف أبصارهم» أي ~~يختلسها ويستلها بسرعة وكاد من افعال المقاربة وضعت لمقاربة الخبر من ~~الوجود لتآخذ أسبابه وتعاضد مباديه لكنه لم يوجد بعد لفقد شرط أو لعروض ~~مانع ولا يكون خبرها إلا مضارعا عاريا عن كلمة ان وشذ مجيئه اسما صريحا كما ~~في قوله * فأبت إلى فهم وما كدت آيبا * وكذا مجيئه مع ان حملا لها على عسى ~~كما في قول رؤبة * قد كاد من طول البلى ان يمحصا كما تحمل PageV01P054 # هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة في أصل المقاربة وليس فيها شائبة ~~الإنشائية كما في عسى وقرئ يخطف بكسر الطاء ويختطف بفتح الياء والخاء بنقل ~~فتحة التاء إلى الخاء وادغامها في الطاء ويخطف بكسرهما على اتباع الياء ~~والخاء ويخطف من صيغة التفعيل ويتخطف من قوله تعالى «ويتخطف الناس من ~~حولهم» «كلما أضاء لهم» كل ظرف وما مصدرية والزمان محذوف أي كل زمان إضاءة ~~وقيل ما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه ~~والعامل في كلما جوابها وهو استئناف ثالث كأنه قيل ما يفعلون في أثناء ذلك ~~الهول أيفعلون بأبصارهم ما فعلوا بآذانهم أم لا فقيل كلما نور البرق لهم ~~ممشى ومسلكا على ان أضاء متعد والمفعول محذوف أو كلما لمع لهم على انه لازم ~~ويؤيد قراءة كلما أضاء «مشوا فيه» أي في ذلك المسلك أو في مطرح نوره خطوات ~~يسيره مع خوف ان يخطف ابصارهم وايثار المشي على ما فوقه من السعي والعدو ~~للإشعار بعدم استطاعتهم لهما «وإذا أظلم عليهم» أي خفى البرق واستتر ~~والمظلم وان كان غيره لكن لما كان الإظلام دائرا على استتاره اسند اليه ~~مجازا تحقيقا لما أريد من المبالغة في موجبات تخبطهم وقد جوز ان يكون ~~متعديا منقولا من ظلم الليل ومنه ما جاء في قول أبي تمام * هما أظلما حالي ~~ثمت أجليا * ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب * ويعضده قراءة اظلم على البناء ~~للمفعول «قاموا» أي وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين ms0086 ~~مترصدين لخفقة أخرى عسى يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ ~~يعصمهم وإيراد كلما مع الإضاءة وإذ مع الظلام للإيذان بأنهم حراص على المشي ~~مترقبون لما يصححه فكلما وجدوا فرصة انتهزوها ولا كذلك الوقوف وفيه من ~~الدلالة على كمال التحير وتطاير اللب مالا يوصف «ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم» كلمة لو لتعليق حصول أمر ماض هو الجزاء بحصول أمر مفروض فيه هو ~~الشرط لما بينهما ن الدوران حقيقة أو ادعاء ومن قضية مفروضية الشرط دلالتها ~~على انتفائه قطعا والمنازع فيه مكابر وأما دلالتها على انتفاء الجزاء فقد ~~قيل والحق الذي لا محيد عنه أنه أن كان ما بينهما من الدوران كليا أو جزئيا ~~قد بنى الحكم على اعتباره فهي دالة عليه بواسطة مدلولها الوضعي لا محالة ~~ضرورة استلزام انتفاء العلة لا نتفاء المعلول أما في مادة الدوران الكلى ~~كما في قوله عز وجل «ولو شاء لهداكم أجمعين» وقولك لو جئتني لأكرمتك فظاهر ~~لأن وجود المشيئة علة لوجود الهداية حقيقة ووجود المجئ علة لوجود الإكرام ~~ادعاء وقد انتفيا بحكم المفروضية فانتفى معلولاهما حتما ثم أنه قد يساق ~~الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين المذكورين وهو ~~الاستعمال الشائع لكلمة لو ولذلك قيل هي لامتناع الثاني لامتناع الأول وقد ~~يساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهرا أو مسلما على ابتغاء الأول ~~لكونه خفيا أو متنازعا فيه كما في قوله سبحانه «لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا» وفي قوله تعالى «لو كان خيرا ما سبقونا» فإن فسادهما لازم لتعدد ~~الآلهة حقيقة وعدم سبق المؤمنين إلى الإيمان لازم لخيريته في زعم الكفرة ~~ولا ريب في انتفاء اللازمين انتفاء الملزومين حقيقة في الأول وادعاء باطلا ~~في الثاني ضرورة استلزام انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم لكن لا بطريق ~~السببية الخارجية كما في المثالين الأولين بل بطريق الدلالة العقلية ~~الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول ومن لم يتنبه ~~له زعم أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني وأما PageV01P055 # في مادة الدوران الجزئي ms0087 كما في قولك لو طلعت الشمس لوجد الضوء فلأن ~~الجزاء المنوط بالشرط الذي هو طلوعها ليس وجود أي ضوء كان كضوء القمر ~~المجامع لعدم الطلوع مثلا بل إنما وجود الضوء الخاص الناشئ من الطلوع ولا ~~ريب في انتفائه بانتفاء الطلوع هذا إذا بني الحكم على اعتبار الدوران وأما ~~إذا بني على عدمه فإما أن يعتبر هناك تحقق مدار آخر له أولا فإن اعتبر ~~فالدلالة تابعة لحال المدار فإن كان بينه وبين انتفاء الأول منافاة تعين ~~الدلالة كما إذا قلت لو لم تطلع الشمس يوجد الضوء فإن وجود الوضوء وإن علق ~~صورة بعدم الطلوع لكنه في الحقيقة بسبب آخر له ضرورة أن عدم الطلوع من حيث ~~هو هو ليس مدارا لوجود الضوء قي الحقيقة وإنما وضع موضع المدار لكونه كاشفا ~~عن تحقق مدار آخر له فكأنه قيل لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بسبب آخر ~~كالقمر مثلا ولا ريب في أن هذا الجزاء منتف عند انتفاء الشرط لاستحالة وجود ~~الضوء القمري عند طلوع الشمس وإن لم يكن بينهما منافاة تعين عدم الدلالة ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم في بنت أبي سلمة لو لم تكن ربيبتي في حجري ~~ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة فإن المدار المعتبر في ضمن الشرط أعنى ~~كونها ابنة أخيه عليه السلام من الرضاعة غير مناف لانتفائه لانتفائه الذي ~~هو كونها كونها ربيبته عليه السلام بل مجامع له ومن ضرورته مجامعه أثريهما ~~أعنى الحرمة الناشئة من كونها ربيبته عليه السلام والحرمة الناشئة من كونها ~~ابنة أخيه من الرضاعة وإن لم يعتبر هناك تحقق مدار آخر بل بنى الحكم على ~~اعتبار عدمه فلا دلالة لها على ذلك أصلا كيف لا ومساق الكلام حينئذ لبيان ~~ثبوت الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليعلم ثبوته عند وقوع مالا ~~ينافيه بالطريق الأولى كما في قوله عز وجل «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ~~ربي إذا لأمسكتم» وقوله عليه السلام (لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال ~~من ms0088 فارس) وقول علي رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فإن الأجزية ~~المذكورة قد نيطت بما ينافيها ويستدعى نقائضها إيذانا بأنها في أنفسها بحيث ~~يجب ثبوتها مع فرض انتفاء أسبابها أو تحقق أسباب انتفائها فكيف إذا لم يكن ~~كذلك على طريقة لو الوصلية في مثل قوله تعالى «يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار» ولها تفاصيل وتفاريع حررناها في تفسير قوله تعالى «قال أولو كنا ~~كارهين» وقول عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه إن ~~حمل على تعليق عدم العصيان في ضمن عدم الخوف بمدار آخر نحو الحياء والإجلال ~~وغيرهما مما يجامع الخوف كان من قبيل حديث ابنه أبي سلمة وإن حمل على بيان ~~استحالة عصيانه مبالغة كان من هذا القبيل والآية الكريمة واردة على ~~الاستعمال الشائع مفيدة لكمال فظاعة حالهم وغاية هول ما دهمهم من المشاق ~~وأنها قد بلغت من الشدة إلى حيث لو تعلقت مشيئة الله تعالى بإزالة مشاعرهم ~~لزالت لتحقق ما يقتضيه اقتضاء تاما وقيل كلمة لو فيها لربط جزائها بشرطها ~~مجردة عن الدلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر بمنزلة كلمة أن ومفعول ~~المشيئة محذوف جريا على القاعدة المستمرة فإنها إذا وقعت شرطا وكان مفعولها ~~مضمونا للجزاء فلا يكاد يذكر إلا أن يكون شيئا مستغربا كما في قوله * فلو ~~شئت أن أبكى دما لبكيته * عليه ولكن ساحة الصبر أوسع أي لو شاء أن يذهب ~~بسمعهم وأبصارهم لفعل ولكن لم يشأ لما يقتضيه من الحكم والمصالح وقرئ لأذهب ~~بأسماعهم على زيادة الباء كما في قوله تعالى «ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة» والإفراد في المشهورة لأن السمع مصدر في الأصل والجملة الشرطية ~~معطوفة على ما قبلها من الجمل الاستئنافية وقيل على كلما أضاء الخ وقوله ~~PageV01P056 # عز وجل «إن الله على كل شيء قدير» تعليل للشرطية وتقرير لمضمونها الناطق ~~بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم بالطريق البرهاني والشيء بحسب مفهومه ~~اللغوي يقع على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه كائنا ما كان ms0089 على أنه في الأصل ~~مصدر شاء اطلق على المفعول واكتفى في ذلك باعتبار تعلق المشيئة به من حيث ~~العلم والإخبار عنه فقط وقد خص ههنا بالممكن موجودا كان أو معدوما بقضية ~~اختصاص تعلق القدرة به لما انها عبارة عن التمكن من الإيجاد والإعدام ~~الخاصين به وقيل هي صفة تقتضي ذلك التمكن والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن ~~لم يشأ لم يفعل والقدير هو الفعال لكل ما يشاء كما يشاء ولذلك لم يوصف به ~~غير الباري جل جلاله ومعنى قدرته تعالى على الممكن الموجود حال وجوده إنه ~~إن شاء إبقاءه على الوجود أبقاه عليه فإن علة الوجود هي علة البقاء وقد مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى «رب العالمين» وإن شاء إعدامه أعدمه ومعنى ~~قدرته على المعدوم حال عدمه أنه أن شاء إيجاده أوجده وإن لم يشأ لم يوجده ~~وقيل قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل والترك وقدرة الله تعالى عبارة ~~عن نفي العجز واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل بقدر ما ~~تقتضيه إرادته أو بقدر قوته وفيه دليل على أن مقدور العبد مقدور لله تعالى ~~حقيقة لأنه شئ وكل شئ مقدور له تعالى واعلم أن كل واحد من التمثيلين وإن ~~احتمل أن يكون من قبيل التمثيل المفرق كما في قوله * كأن قلوب الطير رطبا ~~ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي * بأن يشبه المنافقون في التمثيل ~~الأول بالمستوقدين وهداهم الفطري بالنار وتأييدهم إياه بما شاهدوه من ~~الدلائل باستيقادها وتمكنهم التام من الانتفاع به بإضاءتها ما حولهم ~~وإزالته بإذهاب النور الناري واخذ الضلالة بمقابلته بملابستهم الظلمات ~~الكثيفة وبقائهم فيها ويشبهوا في التمثيل الثاني بالسابلة والقرآن وما فيه ~~من العلوم والمعارف التي هي مدار الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سبب الحياة ~~الأرضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات وما ~~فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصامهم عما يقرع أسماعهم من الوعيد ~~بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها ولا خلاص له منها ms0090 ~~واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد يحرزونه بمشيهم في مطرح ضوء ~~البرق كلما أضاء لهم وتحيرهم في أمرهم حين عن لهم مصيبة بوقوفهم إذا أظلم ~~عليهم لكن الحمل على التمثيل المركب الذي لا يعتبر فيه تشبيه كل واحد من ~~المفردات الواقعة في أحد الجانبين بواحد من المفردات الواقعة في الجانب ~~الآخر على وجه التفصيل بل ينتزع فيه من المفردات الواقعة في جانب المشبه ~~هيئة فتشبه بهيئة أخرى منتزعة من المفردات الواقعة في جانب المشبه به بأن ~~ينتزع من المنافقين وأحوالهم المفصلة في كل واحد من التمثيلين هيئة على حدة ~~وينتزع من كل واحد من المستوقدين وأصحاب الصيب وأحوالهم المحكية هيئة ~~بحيالها فتشبيه كل واحده من الأوليين بما يضاهيها من الأخريين هو الذي ~~يقتضيه جزالة التنزيل ويستدعيه فخامة شأنه الجليل لاشتماله على التشبيه ~~الأول إجمالا مع أمر زائد هو تشبيه الهيئة وإيذانه بأن اجتماع تلك المفردات ~~مستتبع لهيئة عجيبة حقيقة بأن تكون مثلا في الغرابة PageV01P057 # «يا أيها الناس اعبدوا ربكم» إثر ما ذكر الله تعالى علو طبقة كتابه ~~الكريم وتحزب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق مؤمنة به محافظة على ما فيه من ~~الشرائع والأحكام وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمجاهرة والشقاق وأخرى ~~مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق ونعت كل فرقة منها بما لها من النعوت ~~والأحوال وبين مالهم من المصير والمآل أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات ~~هزأ لهم إلى الإصغاء وتوجيها لقلوبهم نحو التلقي وجبرا لما في العبادة من ~~الكلفة بلذة الخطاب فأمرهم كافة بعبادته ونهاهم عن الإشراك به ويا حرف وضع ~~لنداء البعيد وقد ينادى به القريب تنزيلا له منزلة البعيد إما إجلالا كما ~~في قول الداعي يا الله ويا رب وهو أقرب إليه من حبل الوريد استقصارا لنفسه ~~واستبعادا لها من محافل الزلفى ومنازل المقربين وإما تنبيها على غفلته وسوء ~~فهمه وقد يقصد به التنبيه على أن ما يعقبه أمر خطير يعتنى بشأنه وأي اسم ~~مبهم جعل وصلة إلى نداء المعروف باللام لا على أنه ms0091 المنادى أصالة بل على ~~أنه صفة موضحة له مزيلة لإبهامه والتزام رفعه مع انتصاب موصوفه محلا إشعارا ~~بأنه المقصود بالنداء وأقحمت بينهما كلمة التنبيه تأكيدا لمعنى النداء ~~وتعويضا عما يستحقه أي من المضاف إليه ولما ترى من استقلال هذه الطريقة ~~بضروب من أسباب المبالغة والتأكيد كثر سلوكها في التنزيل المجيد كيف لا وكل ~~ما ورد في تضاعيفه على العباد من الأحكام والشرائع وغير ذلك خطوب جليلة ~~حقيقة بأن تقشعر منها الجلود وتطمئن بها القلوب الآبية ويتلقوها بآذان ~~واعية وأكثرهم عنها غافلون فاقتضى الحال المبالغة والتأكيد في الإيقاظ ~~والتنبيه والمراد بالناس كافة المكلفين الموجودين في ذلك العصر لما أن ~~الجموع واسماءها المحلاة باللام للعموم بدليل صحة الاستثناء منها والتأكيد ~~بما يفيد العموم كما في قوله تعالى «فسجد الملائكة كلهم أجمعون» واستدلال ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بعمومها شائعا ذائعا وأما من عداهم ~~ممن سيوجد منهم فغير داخلين في خطاب المشافهة وأنما دخولهم تحت حكمة لما ~~تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم ضرورة أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل ~~للموجودين من المكلفين ولمن سيوجد منهم إلى قيام الساعة ولا يقدح في العموم ~~ما روى عن علقمة والحسن البصري من أن كل ما نزل فيه يا أيها الناس فهو مكي ~~إذ ليس من ضرورة نزوله بمكة شرفها الله تعالى اختصاص حكمة بأهلها ولا من ~~قضية اختصاصه بهم اختصاصه بالكفار إذ لم يكن كل أهلها حينئذ كفرة ولا ضير ~~في تحقق العبادة في بعض المكلفين قبل ورود هذا الأمر لما أن المأمور به ~~القدر المشترك الشامل لإنشاء العبادة والثبات عليها والزيادة فيها مع أنها ~~متكررة حسب تكرر أسبابها ولا في انتفاء شرطها في الآخرين منهم أعنى الإيمان ~~لأن الأمر بها منتظم للأمر بما لا تم الا به وقد علم من الدين ضرورة ~~اشتراطها به فإن أمر المحدث بالصلاة مستتبع للأمر بالتوضى لا محالة وقد قيل ~~المراد بالعبادة ما يعم أفعال القلب أيضا لما أنها عبارة عن غاية التذلل ~~والخضوع وروى عن ابن عباس ms0092 رضي الله عنهما أن كل ما ورد في القرآن من ~~العبادات فمعناها التوحيد وقيل معنى اعبدوا وحدوا وأطيعوا ولا في كون بعض ~~من الفرقتين الأخيرتين ممن لا يجدى فيهم الإنذار بموجب النص القاطع لما أن ~~الأمر لقطع الأعذار PageV01P058 # ليس فيه تكليفهم بما ليس في وسعهم من الإيمان بعدم إيمانهم أصلا إذ لاقطع ~~لأحد منهم بدخوله في حكم النص قطعا وورود النص بذلك لكونهم في أنفسهم بسوء ~~اختيارهم كذلك لا إن كونهم كذلك لورود النص بذلك فلا جبر أصلا نعم لتخصيص ~~الخطاب بالمشركين وجه لطيف ستقف عليه عند قوله تعالى «وأنتم تعلمون» ~~وإيراده تعالى بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد موجب ~~الامر بالاشعار بعليتها للعبادة «الذي خلقكم» صفة أجريت عليه سبحانه ~~للتبجيل والتعليل اثر التعليل وقد جوز كونها للتقييد والتوضيح بناء على ~~تخصيص الخطاب بالمشركين وحمل الرب على ما هو أعم من الرب الحقيقي والآلهة ~~التي يسمونها أربابا والخلق ايجاد الشيء على تقدير واستواء واصله التقدير ~~يقال خلق النعل أي قدرها وسواها بالمقياس وقرئ خلقكم بإدغام القاف في الكاف ~~«والذين من قبلكم» عطف على الضمير المنصوب ومتمم لما قصد من التعظيم ~~والتعليل فإن خلق أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم ومن ابتدائية ~~متعلقة بمحذوف أي كانوا من زمان قبل زمانكم وقيل خلقهم من قبل خلقكم فحذف ~~الخلق وأقيم الضمير مكانه والمراد بهم من تقدمهم من الأمم السالفة كافة ومن ~~ضرورة عموم الخطاب بيان شمول خلقه تعالى للكل وتخصيصه بالمشركين يؤدي إلى ~~عدم التعرض لخلق من عاداهم من معاصريهم واخراج الجملة مخرج الصلة التي حقها ~~أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول عندهم أيضا مع أنهم غير معترفين بغاية ~~الخلق وان اعترفوا بنفسه كما ينطق به قوله تعالى «ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله» للإيذان بأن خلقهم التقوى من الظهور بحيث لا يتأتى لأحد ~~إنكاره وقرئ وخلق من قبلكم وقرئ والذين من قبلكم بإقحام الموصول الثاني بين ~~الأول وصلته توكيدا كإقحام اللام بين المضافين في لا أبا لك أو بجعله ~~موصوفا ms0093 بالظرف خبرا لمبتدأ محذوف أي الذين هم أناس كائنون من قبلكم «لعلكم ~~تتقون» المعنى الوضعي لكلمة لعل هو إنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه ~~مع رجحان الأول وأما محبوب فيسمى ترجيا أو مكروه فيسمى إشفاقا وذلك المعنى ~~قد يعتبر تحققه بالفعل أما من جهة المتكلم كما في قولك لعل الله يرحمني وهو ~~الأصل الشائع في الاستعمال لأن معاني الانشاءات قائمة به وأما من جهة ~~المخاطب تنزيلا له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما ~~كما في قوله سبحانه «فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى» وقد يعتبر ~~تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذانا بأن ذلك الأمر في نفسه مئنة للتوقع ~~متصف بحيثية مصححة له من غير أن يعتبر هناك توقع الفعل من توقع أصلا فإن ~~روعيت في الآية الكريمة جهة المتكلم يستحيل إرادة ذلك المعنى لامتناع ~~التوقع من علام الغيوب عز وجل فيصار أما إلى الاستعارة بأن يشبه طلبه تعالى ~~من عباده التقوى مع كونهم مئنة لها لتعاضد أسبابها برجاء الراجي من المرجو ~~منه أمرا هين الحصول في كون متعلق كل منهما مترددا بين الوقوع وعدمه مع ~~رجحان الأول فيستعار له كلمة لعل استعارة تبعية حرفية للمبالغة في الدلالة ~~على قوة الطلب وقرب المطلوب من الوقوع وأما إلى التمثيل بأن يلاحظ خلقه ~~تعالى إياهم مستعدين للتقوى وطلبه إياها منه وهم متمكنون منها جامعون ~~لأسبابها وينتزع من ذلك هيئة فتشبه بهيئة منتزعة من الراجي ورجائه من ~~المرجو منه شيئا سهل المنال فيستعمل في الهيئة الأولى ما حقه أن يستعمل في ~~الثانية فيكون هناك استعارة تمثيلية قد صرح من ألفاظها بما هو العمدة في ~~انتزاع الهيئة المشبه بها أعني كلمة الترجي والباقي منوى بألفاظ متخيلة بها ~~PageV01P059 # يحصل التركيب المعتبر في التمثيل كما مر مرارا وأما جعل المشبه إرادته ~~تعالى في الاستعارة والتمثيل فأمر مؤسس على قاعدة الاعتزال القائلة بجواز ~~تخلف المراد عن إرادته تعالى فالجملة حال إما من فاعل خلقكم طالبا منكم ~~التقوى أو من مفعوله وما عطف عليه ms0094 بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين ~~لأنهم المأمورون بالعبادة أي خلقكم وإياهم مطلوبا منكم التقوى أو عله له ~~فإن خلقهم على تلك الحال في معنى خلقهم لأجل التقوى كأنه قيل خلقكم لتتقوا ~~أو كي تتقوا أما بناء على تجويز تعليل افعاله تعالى بأغراض راجعه إلى ~~العباد كما ذهب إليه كثير من أهل السنة واما تنزيلا لترتب الغاية على ما هي ~~ثمرة له منزلة ترتب الغرض على ما هو غرض له فإن استتباع أفعاله تعالى ~~لغايات ومصالح متقنة جليلة من غير أن تكون هي علة غائية لها بحيث لولاها ~~لما أقدم عليها مما لا نزاع فيه وتقييد خلقهم بما ذكر من الحال أو العلة ~~لتكميل عليته للمأمور به وتأكيدها فإن إتيانهم بما خلقوا له أدخل في الوجوب ~~وإيثار تتقون على تعبدون مع موافقته لقوله تعالى «وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون» للمبالغة في إيجاب العبادة والتشديد في الزامها لما أن التقوى ~~قصارى أمر العابد ومنتهى جهده فإذا لزمتهم التقوى كان ما هو أدنى منها ألزم ~~والإتيان به أهون وأن روعيت جهة المخاطب فلعل في معناها الحقيقي والجملة ~~حال من ضمير اعبدوا كأنه قيل اعبدوا ربكم راجين للانتظام في زمرة المتقين ~~الفائزين بالهدى والفلاح على أن المراد بالتقوى مرتبتها الثالثة التي هي ~~التبتل إلى الله عز وجل بالكلية والتنزه عن كل ما يشغل سره عن مراقبته وهي ~~أقصى غايات العبادة التي يتنافس فيها المتنافسون وبالانتظام القدر المشترك ~~بين انشائه والثبات عليه ليرتجيه أرباب هذه المرتبة وما دونها من مترتبتي ~~التوقي عن العذاب المخلد والتجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك كما مر في ~~تفسير المتقين ولعل توسيط الحال من الفاعل بين وصفي المفعول لما في التقديم ~~من فوات الاشعار بكون الوصف الأول معظم احكام الربوبية وكونه عريقا في ~~ايجاب العبادة وفي التأخير من زيادة طول الكلام هذا على تقدير اعتبار تحقق ~~التوقع بالفعل فأما أن اعتبر تحققه بالقوة فالجملة حال من مفعول خلقكم وما ~~عطف عليه على الطريقة المذكورة أي خلقكم ms0095 وإياهم حال كونكم جميعا بحيث يرجو ~~منكم كل راج أن تتقوا فإنه سبحانه وتعالى لما براهم مستعدين للتقوى جامعين ~~لمباديها الآفاقية والأنفسية كان حالهم بحيث يرجو منهم كل راج أن يتقوا لا ~~محالة وهذه الحالة مقارنة لخلقهم وأن لم يتحقق الرجاء قطعا واعلم أن الآية ~~الكريمة مع كونها بعبارتها ناطقة بوجوب توحيده تعالى وتحتم عبادته على كافه ~~الناس مرشدة لهم بإشارتها إلى أن مطالعة الآيات التكوينية المنصوبة في ~~الأنفس والآفاق ومما يقضي بذلك قضاء متقنا وقد بين فيها أولا من تلك الآيات ~~ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم وخلق أسلافهم لما أنه أقوى شهادة وأظهر دلالة ثم ~~عقب بما يتعلق بمعاشهم فقيل «الذي جعل لكم الأرض فراشا» وهو في محل النصب ~~على أنه صفة ثانية لربكم موضحة أو مادحة أو على تقدير أخص أو أمدح أو في ~~محل الرفع PageV01P060 # على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ قال أبن مالك التزم حذف الفعل في ~~المنصوب على المدح اشعارا بأنه إنشاء كما في المنادى وحذف المبتدأ في ~~المرفوع اجراء للوجهين على سنن واحد واما كونه مبتدأ خبره فلا تجعلوا كما ~~قيل فيستدعى ان يكون مناط النهي ما في حيز الصلة فقط من غير ان يكون لما ~~سلف من خلقهم وخلق من قبلهم مدخل في ذلك مع كونه أعظم شأنا وجعل بمعنى صير ~~والمنصوبان بعده مفعولاه وقيل هو بمعنى خلق وانتصاب الثاني على الحالية ~~والظرف متعلق به على التقديرين وتقديمه على المفعول الصريح لتعجيل المسرة ~~ببيان كون ما يعقبه من منافع المخاطبين وللتشويق اليه لان النفس عند تأخير ~~ما حقه التقديم لا سيما بعد الإشعار بمنفعته مترقبة له فيتمكن لديها عند ~~وروده عليها فضل تمكن أو لما في المؤخر وما عطف عليه من نوع طول فلو قدم ~~لفات تجاوب أطراف النظم الكريم ومعنى جعلها فراشا جعل بعضها بارزا من الماء ~~مع اقتضاء طبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود ~~عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا ~~فإن كرية شكلها ms0096 مع عظم جرمها مصححة لافتراشها وقرئ بساطا ومهادا «والسماء ~~بناء» عطف على المفعولين السابقين وتقديم حال الأرض لما ان احتياجهم إليها ~~وانتفاعهم بها أكثر واظهر أي جعلها قبة مضروبة عليكم والسماء اسم جنس يطلق ~~على الواحد والمتعدد أو جمع سماوة أو سماءة والبناء في الأصل مصدر سمى به ~~المبنى بيتا كان أو قبة أو خباء ومنه قولهم بنى على امرأته لما انهم كانوا ~~إذا تزوجوا امرأة ضربوا عليها خباء جديدا «وأنزل من السماء ماء» عطف على ~~جعل أي انزل من جهتها أو منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض كما روى ذلك ~~عنه عليه الصلاة والسلام أو المراد بالسماء جهة العلو كما بنبئ عنه الإظهار ~~في موضع الإضمار وهو على الأولين لزيادة التقرير ومن لابتداء الغاية متعلقة ~~بأنزل أو بمحذوف وقع حالا من المفعول أي كائنا من السماء قدم عليه لكونه ~~نكرة واما تقديم الظرف على الوجه الأول مع ان حقه التأخير عن المفعول ~~الصريح فإما لان السماء أصله ومبدؤه وإما لما مر من التشويق اليه مع ما فيه ~~من مزيد انتظام بينه وبين قوله تعالى «فأخرج به» أي بسبب الماء «من الثمرات ~~رزقا لكم» وذلك بأن أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة منفعلة فتولد من ~~تفاعلهما أصناف الثمار أو بأن اجرى عادته بإفاضة صور الثمار وكيفيتها ~~المتخالفة على المادة الممتزجة منها وان كان المؤثر في الحقيقة قدرته تعالى ~~ومشيئته فإنه تعالى قادر على ان يوجد جميع الأشياء بلا مباد ومواد كما أبدع ~~نفوس المبادي والأسباب لكن له عز وجل في إنشائها متقلبة في الأحوال ومتبدلة ~~في الأطوار من بدائع حكم باهرة تجدد لأولى الابصار عبرا ومزيد طمأنينة إلى ~~عظيم قدرته ولطيف حكمته ما ليس في ابداعها بغتة ومن للتبعيض لقوله تعالى ~~«فأخرجنا به ثمرات» ولوقوعها بين منكرين اعني ماء ورزقا كأنه قيل وانزل من ~~السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهكذا الواقع إذ لم ~~ينزل من السماء كل الماء ولا اخرج من الأرض ms0097 كل الثمرات ولا جعل كل المرزوق ~~ثمارا أو للتبيين ورزقا مفعول بمعنى المرزوق ومن الثمرات بيان له أو حال ~~منه كقولك أنفقت من الدراهم ألفا ويجوز ان يكون من الثمرات مفعولا ورزقا ~~حالا منه أو مصدرا من أخرج لأنه بمعنى رزق وانما شاع ورود الثمرات دون ~~الثمار مع ان الموضع موضع PageV01P061 # كثرة لأنه أريد بالثمرات جماعة الثمرة في قولك أدركت ثمرة بستانه ويؤيده ~~القراءة على التوحيد أو لأن الجموع يقع بعضها موقع بعض كقوله تعالى «كم ~~تركوا من جنات وعيون» وقوله تعالى «ثلاثة قروء» أو لأنها محلاة باللام ~~خارجه عن حد القلة واللام متعلقة بمحذوف وقع صفة لرزقا على تقدير كونه ~~المرزوق أي رزقا كائنا لكم أو دعامة لتقوية عمل رزقا على تقدير كونه مصدرا ~~كأنه قيل رزقا إياكم «فلا تجعلوا لله أندادا» اما متعلق بالامر السابق ~~مترتب عليه كأنه قيل إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه من التفرد بهذه النعوت ~~الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكا وإنما قيل أندادا باعتبار ~~الواقع لا لان مدار النهي هو الجمعية وقرئ ندا وايقاع الاسم الجليل موقع ~~الضمير لتعيين المعبود بالذات اثر تعيينه بالصفات وتعليل الحكم بوصف ~~الألوهية التي عليها يدور امر الوحدانية واستحالة الشركة والإيذان ~~باستتباعها لسائر الصفات واما معطوف عليه كما في قوله تعالى اعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا والفاء للإشعار بعلية ما قبلها من الصفات المجراة عليه ~~تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآل النهى هو الأمر بتخصيص العبادة به ~~تعالى المترتب على أصلها كأنه قيل اعبدوه فخصوها به والإظهار في موضع ~~الإضمار لما مر آنفا وقيل هو نفى منصوب بإضمار ان جوابا للأمر ويأباه ان ~~ذلك فيما يكون الأول سببا للثاني ولا ريب في ان العبادة لا تكون سببا ~~للتوحيد الذي هو أصلها ومبناها وقيل هو منصوب بلعل نصب فأطلع في قوله تعالى ~~لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات فاطلع إلى اله موسى أي خلقكم لتتقوا ~~وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه وحيث كان مدار هذا النصب تشبيه لعل ms0098 في بعد ~~المرجو بليت كان فيه تنبيه على تقصيرهم بجعلهم المرجو القريب بمنزلة ~~المتمنى البعيد وقيل هو متعلق بقوله تعالى الذي جعل الخ على تقدير رفعة على ~~المدح أي هو الذي حفكم بهذه الآيات العظام والدلائل النيرة فلا تتخذوا له ~~شركاء وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم وخلق اسلافهم بمعزل من مناطية النهى مع ~~عراقتهما فيها وقيل هو خبر للموصول بتأويل مقول في حقه وقد عرفت ما فيه مع ~~لزوم المصير إلى مذهب الأخفش في تنزيل الاسم الظاهر منزلة الضمير كما في ~~قولك زيد قام أبو عبد الله إذا كان ذلك كنيته والند المثل المساوى من ند ~~ندودا إذا نفر وناددته خالفته خص بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوى ~~بالمماثل في المقدار وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله أندادا والحال ~~انهم ما زعموا انها تماثله تعالى في صفاته ولا انها تخالفه في افعاله لما ~~انهم لما تركوا عبادته تعالى إلى عبادتها وسموها آلهة شابهت حالهم حال من ~~يعتقد انها ذوات واجبة بالذات قادرة على ان تدفع عنهم بأس الله عز وجل ~~وتمنحهم ما لم يرد الله تعالى بهم من خير فتهكم بهم وشنع عليهم ان جعلوا ~~أندادا لمن يستحيل ان يكون له ند واحد وفي ذلك قال موحد الجاهلية زيد بن ~~عمرو بن نفيل * اربا واحدا أم الف رب * أدين إذا تقسمت الأمور * تركت اللات ~~والعزى جميعا * كذلك يفعل الرجل البصير * وقوله تعالى «وأنتم تعلمون» حال ~~من ضمير لا تجعلوا بصرف التقييد إلى ما افاده النهى من قبح المنهى عنه ~~ووجوب الاجتناب عنه ومفعول تعلمون مطروح بالكلية كأنه قيل لا تجعلوا ذلك ~~فإنه قبيح واجب الاجتناب عنه والحال انكم من أهل العلم بدقائق الأمور ~~وإصابة الرأي أو مقدر حسبما يقتضيه المقام نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك أو ~~تعلمون انه لا يماثله شئ أو تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت أو ~~PageV01P062 # تعلمون انها لا تفعل مثل افعاله كما في قوله تعالى «هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من ms0099 شيء» أو غير ذلك وحاصله تنشيط المخاطبين وحثهم على ~~الانتهاء عما نهوا عنه هذا الذي يستدعيه عموم الخطاب في النهي بجعل المنهى ~~عنه القدر المشترك المنتظم لإنشاء الانتهاء كما هو المطلوب من الكفرة ~~وللثبات عليه كما هو شأن المؤمنين حسبما مر مثله في الامر واما صرف التقييد ~~إلى نفس النهى فيستدعى تخصيص الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك ~~بطريق قصر النهى على حالة العلم ضرورة شمول التكليف للعالم والجاهل المتمكن ~~من العلم بل انما يتأتى بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع بناء على ان ~~تعاطى القبائح من العالمين بقبحها أقبح وذلك انما يتصور في حق الكفرة فمن ~~صرف التقييد إلى نفس النهى مع تعميم الخطاب للمؤمنين أيضا فقد نأى عن ~~التحقيق ان قلت أليس في تخصيصه بالكفرة في الامر والنهى خلاص من أمثال ما ~~مر من التكلفات وحسن انتظام بين السباق والسياق إذ لا محيد في آية التحدي ~~من تجريد الخطاب وتخصيصه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رباء محل المؤمنين ~~ورفع شأنهم عن جبر الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم مستمرون على ~~الطاعة والعبادة حسبما مر في صدر السورة الكريمة مستغنون في ذلك عن الامر ~~والنهى قلت بلى إنه وجه سرى ونهج سوى لا يضل من ذهب اليه ولا يزل من ثبت ~~قدمه عليه فتأمل «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» شروع في تحقيق أن ~~الكتاب الكريم الذي من جملته ما تلى من الآيتين الكريمتين الناطقتين بوجوب ~~العبادة والتوحيد منزل من عند الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~كما ان ما ذكر فيهما من الآيات التكوينية الدالة على ذلك صادرة عنه تعالى ~~لتوضيح اتصافه بما ذكر في مطلع السورة الشريفة من النعوت الجليلة التي من ~~جملتها نزاهته عن أن يعتريه ريب ما والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب مع ~~انهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يعرب عنه قوله تعالى ان كنتم صادقين ~~إما للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم وإن ms0100 كانوا في غاية ما يكون من ~~المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة ~~الاحتمال كما أن تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقه أن يكون ضعيفا ~~مشكوك الوقوع وإما للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال ~~وضوح دلائل الأعجاز ونهاية قوتها وإنما لم يقل وإن ارتبتم فما نزلنا الخ ~~لما أشير اليه فيما سلف من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبه وقوع ~~الريب فيه حسبما نطق به قوله تعالى لا ريب فيه والإشعار بأن ذلك ان وقع فمن ~~جهتهم لا من جهته العالية واعتبار استقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي ~~اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته ~~وكثرته ومن في مما ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لريب وحملها على السببية ~~ربما يوهم كونه محلا للريب في الجملة وحاشاه ذلك وما موصولة كانت أو موصوفة ~~عبارة عن الكتاب الكريم لا عن القدر المشترك بينه وبين ابعاضه ليس معنى ~~كونهم PageV01P063 # في ريب منه ارتيابهم في استقامة معانيه وصحة احكامه بل في نفس كونه وحيا ~~منزلا من عند الله عز وجل وإيثار التنزيل المنبئ عن التدريج على مطلق ~~الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان وتوسيعا ~~للميدان فإنهم كانوا اتخذوا نزوله منجما وسيلة إلى انكاره فجعل ذلك من ~~مبادى الاعتراف به كأنه قيل إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل وتدريج ~~فهاتوا أنتم مثل نوبة فذة من نوبه ونجم فرد من نجومه فإنه أيسر عليكم من أن ~~ينزل جملة واحدة ويتحدى بالكل وهذا كما ترى غاية ما يكون في التبكيت وإزاحة ~~العلل وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير ~~الجلالة من التشريف والتنويه والتنبيه على اختصاصه به عز وجل وانقياده ~~لأوامره تعالى مالا يخفى وقرئ على عبادنا والمراد هو صلى الله عليه وسلم ~~وأمته أو جميع الأنبياء عليهم السلام ففيه إيذان بان الارتياب فيه ارتياب ~~فيما أنزل من قبله لكونه ms0101 مصدقا له ومهيمنا عليه والأمر في قوله تعالى ~~«فأتوا بسورة» من باب التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى «فأت بها من ~~المغرب» والفاء للجواب وسببية الارتياب للأمر أو الإتيان بالمأمور به لما ~~أشير إليه من أنه عبارة عن جزمهم المذكور فإنه سبب للأول مطلقا وللثاني على ~~تقدير الصدق كأنه قيل إن كان الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر فأتوا ~~بمثله لأنكم تقدرون على ما عليه سائر بني نوعكم والسورة الطائفة من القرآن ~~العظيم المترجمة وأقلها ثلاث آيات وواوها أصلية منقولة من سور البلد لأنها ~~محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها أو محتوية على فنون رائقة ~~من العلوم احتواء سور المدينة على ما فيها أو من السورة التي هي الرتبة قال ~~* ولرهط حراب وقذ سورة * في المجد ليس غرابها بمطار * فإن سور القرآن مع ~~كونها في أنفسها رتبا من حيث الفضل والشرف أو من حيث الطول والقصر فهي من ~~حيث إنتظامها مع أخواتها في المصحف مراتب يرتقى إليها القارئ شيئا فشيئا ~~وقيل واوها مبدلة من الهمزة فمعناها البقية من الشئ ولا يخفى ما فيه ومن في ~~قوله «من مثله» بيانية متعلقة بمحذوف وقع صفة لسورة والضمير لما نزلنا أي ~~بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة وسمو الطبقة والنظم الرائق والبيان ~~البديع وحيازة سائر نعوت الإعجاز وجعلها تبعيضية يوهم أن له مثلا محققا قد ~~أريد تعجيزهم عن الإتيان ببعضه كأنه قيل فأتوا ببعض ما هو مثل له يفهم منه ~~كون المماثلة من تتمة المعجوز عنه فضلا عن كونها مدارا للعجز مع أنه المراد ~~وبناء الأمر على المجاراة معهم بحسب حسبانهم حيث كانوا يقولون لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلة الريب فإن ~~مبنى التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفه ولو بغير جد وقيل هي زائدة على ما ~~هو رأي الأخفش بدليل قوله تعالى «فأتوا بسورة مثله» «بعشر سور مثله» وقيل ~~هي ابتدائية فالضمير حينئذ للمنزل عليه حتما لما أن ms0102 رجوعه إلى المنزل يوهم ~~أن له مثلا محققا قد ورد الأمر التعجيزي بالإتيان بشئ منه وقد عرفت ما فيه ~~بخلاف رجوعه إلى المنزل عليه فإن تحقق مثله عليه السلام في البشرية ~~والعربية والأمية يهون الخطب في الجملة خلا أن تخصيص التحدي يفرد يشاركه ~~عليه السلام فيما ذكر من الصفات المنافية للإتيان بالمأمور به لا يدل على ~~عجز من ليس كذلك من علمائهم بل ربما يوهم قدرتهم على ذلك في الجملة فرادى ~~أو مجتمعين مع انه يستدعي عراء المنزل عما فصل من النعوت الموجبة لاستحالة ~~وجود مثله فأين هذا من تحدى أمة جمة وأمرهم بأن يحتشدوا في حلبة المعارضة ~~PageV01P064 # بخيلهم ورجلهم حسبما ينطق به قوله تعالى «وادعوا شهداءكم من دون الله» ~~ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد ~~من أبناء جنسهم والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو ~~الناصر ومعنى دون أدنى مكان من شيء يقال هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا ~~ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو أي في الفضل ~~والرتبة ثم اتسع فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم من غير ~~ملاحظة انحطاط أحدهما عن الآخر فجرى مجرى أداة الاستثناء وكلمة من إما ~~متعلقة بادعوا فتكون لابتداء الغاية والظرف مستقر والمعنى ادعوا متجاوزين ~~الله تعالى للاستظهار من حضركم كائنا من كان أو الحاضرين في مشاهدكم ~~ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم الذين تفزعون إليهم في الملمات وتعولون عليهم ~~في المهمات أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم من أمنائكم المتولين ~~لاستخلاص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة أو القائمين بنصرتكم حقيقة أو ~~زعما من الإنس والجن ليعينوكم وإخراجه سبحانه وتعالى من حكم الدعاء في ~~الأول مع اندراجه في الحضور لتأكيد تناوله لجميع ما عداه لا لبيان استبداده ~~تعالى بالقدرة على ما كلفوه فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم ~~إليه وأما في سائر الوجوه فللتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم ~~في ms0103 عدوة المحادة والمشاقة له قاصرين استظهارهم على ما سواه والالتفات ~~لإدخال الروعة وتربية المهابة وقيل المعنى ادعوا من دون أولياء الله ~~شهداءكم الذين هم وجوه الناس وفرسان المقالة والمناقلة ليشهدوا لكم أن ما ~~اتيتم به مثله إيذانا يأنهم يأبون أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة ما هو بين ~~الفساد وجلي الاستحالة وفيه أنه يؤذن بعدم شمول التحدي لأولئك الرؤساء وقيل ~~المعنى ادعوا شهداءكم فصححوا بهم دعواكم ولا تستشهدوا بالله تعالى قائلين ~~الله يشهد أن ما ندعيه حق فإن ذلك ديدن المحجوج وفيه أنه إن أريد بما يدعون ~~حقية ما هم عليه من الدين الباطل فلا مساس له بمقام التحدي وإن أريد مثلية ~~ما أتوا به للمتحدى به فمع عدم ملاءمته لابتداء التحدي يوهم أنهم قد تصدوا ~~للمعارضة وأتوا بشيء مشتبه الحال متردد بين المثلية وعدمها وأنهم ادعوها ~~مستشهدين في ذلك بالله سبحانه وتعالى إذ عند ذلك تمس الحاجة إلى الأمر ~~بالاستشهاد بالناس والنهي عن الاستشهاد به تعالى وأنى لهم ذلك وما نبض لهم ~~عرق ولا نبسوا ببنت شفة وإما متعلقة بشهداءكم والمراد بهم الأصنام ودون ~~بمعنى التجاوز على أنها ظرف مستقر وقع حالا من ضمير المخاطبين والعامل ما ~~دل عليه شهداءكم أي ادعوا أصنامكم الذين أتخذتموهم آلهة متجاوزين الله ~~تعالى في اتخاذها كذلك وكلمة من ابتدائية فان الاتخاذ ابتداء من التجاوز ~~والتعبير عن الأصنام بالشهداء لتعيين مدار الاستظهار بها بتذكير ما زعموا ~~من انها بمكان من الله تعالى وانها تنفعهم بشهادتها لهم أنهم على الحق فأن ~~ما هذا شانه يجب أن يكون ملاذا لهم في كل أمر مهم وملجأ يأوون إليه في كل ~~خطب ملم كأنه قيل أولئك عدتكم فادعوهم لهذه الداهية التي دهمتكم فوجه ~~الالتفات الايذان بكمال سخافة عقولهم حيث آثروا على عبادة من له الألوهية ~~الجامعة لجميع صفات الكمال ما لا أحقر منه وقيل لفظه دون مستعار من معناها ~~الوضعي الذي هو أدنى مكان من شيء لقدامه كما في قول الأعشى * تريك القذى من ~~دونها وهي دونه * أي تريك ms0104 القذى قدامها وهي قدام القذى فتكون ظرفا لغوا ~~معمولا لشهدائكم لكفاية رائحة الفعل فيه من غير حاجة إلى PageV01P065 # اعتماد ولا إلى تقدير يشهدون أي ادعوا شهداءكم الذين يشهدون لكم بين يدي ~~الله تعالى ليعينوكم في المعارضة وإيرادها بهذا العنوان لما مر من الإشعار ~~بمناط الاستعانة بها ووجه الالتفات تربية المهابة وترشيح ذلك المعنى فإن ما ~~يقوم بهذا الأمر في ذلك المقام الخطير حقه أن يستعان له في كل مرام وفي ~~أمرهم على الوجهين بأن يستظهروا في معارضة القرآن الذي أخرس كل منطيق ~~بالجماد من التهكم بهم مالا يوصف وكلمة من ههنا تبعيضية لما أنهم يقولون ~~جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما طرفان للفعل ومن بين يديه ومن خلفه لأن ~~الفعل إنما يقع في بعض تينك الجهتين كما تقول جئته من الليل تريد بعض الليل ~~وقد يقال كلمة من الداخلة على دون في جميع المواقع بمعنى في كما في سائر ~~الظروف التي لا تتصرف وتكون منصوبة على الظرفية أبدا ولا تنجر إلا بمن خاصة ~~وقيل المراد بالشهداء مداره لقوم ووجوه المحافل والمحاضر ودون ظرف مستقر ~~ومن ابتدائية أي ادعوا الذين يشهدون لكم أن ما أتيتم به مثله متجاوزين في ~~ذلك أولياء الله ومحصلة شهداء مغايرين لهم إيذانا بأنهم أيضا لا يشهدون ~~بذلك وإنما قدر المضاف إلى الله تعالى رعاية للمقابلة فإن أولياء الله ~~تعالى يقابلون أولياء الأصنام كما أن ذكر الله تعالى يقابل ذكر الأصنام ~~بهذا الأمر إرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت كأنه قيل تركنا ~~إلزامكم بشهداء لا ميل لهم إلى أحد الجانبين كما هو المعتاد واكتفينا ~~بشهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضا لا يشهدون لكم حذرا من اللائمة ~~وأنفة من الشهادة البينة البطلان كيف لا وأمر الإعجاز قد بلغ من الظهور إلى ~~حيث لم يبق إلى إنكاره سبيل قطعا وفيه ما مر من عدم الملاءمة لابتداء ~~التحدي وعدم تناوله لأولئك الشهداء وإبهام أنهم تعرضوا لمعارضة وأتوا بشئ ~~احتاجوا في إثبات مثليته للمتحدى به إلى الشهادة وشتان بينهم وبين ms0105 ذلك «إن ~~كنتم صادقين» أي في زعمكم أنه من كلامه عليه السلام وهو شرط حذف جوابه ~~لدلالة ما سبق عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بسورة من مثله الخ واستلزام ~~المقدم للتالي من حيث أن صدقهم في ذلك الزعم يستدعى قدرتهم على الإتيان ~~بمثله بقضية مشاركتهم له عليه السلام في البشرية والعربية مع ما بهم من طول ~~الممارسة للخطب والأشعار وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر والمبالغة في ~~حفظ الوقائع والأيام لا سيما عند المظاهرة والتعاون ولا ريب في أن القدرة ~~على الشئ من موجبات الإتيان به ودواعي الأمر به «فإن لم تفعلوا» أي ما ~~أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود وجاوزتم في ~~الحد كل حد معهود متشبثين بالذيول راكبين متن كل صعب وذلول وإنما لم يصرح ~~به إيذانا بعدم الحاجة إليه بناء على كمال ظهور تهالكهم على ذلك وإنما أورد ~~في حيز الشرط مطلق لفعل وجعل مصدر الفعل المأمور به مفعولا له للإيجاز ~~البديع المغنى عن التطويل والتكرير مع سر سري استقل به المقام وهو الإيذان ~~بالمقصود بالتكليف هو أيقاع نفس الفعل المأمور به لإظهار عجزهم عنه لا ~~لتحصيل المفعول أي المأتى به ضرورة استحالته وأن مناط الجواب في الشرطية ~~اعني الأمر باتقاء النار هو عجزهم عن إيقاعه لا فوت حصول المفعول فإن مدلول ~~لفظ PageV01P066 # الفعل هو أنفس الأفعال الخاصة لازمة كانت أو متعدية من غير اعتبار ~~تعلقاتها بمفعولاتها الخاصة فإذا علق بفعل خاص متعد فإنما يقصد به أيقاع ~~نفس الفعل وإخراجه من القوة إلى الفعل وأما تعلقه بمفعوله المخصوص فهو خارج ~~عن مدلول الفعل المطلق وإنما يستفاد ذلك من الفعل الخاص ولذلك تراهم ~~يتوسلون بذلك إلى تجريد الأفعال المتعدية عن مفعولاتها وتنزيلها منزلة ~~الأفعال اللازمة فيقولون مثلا معنى فلان يعطى ويمنع يفعل الإعطاء والمنع ~~يرشدك إلى هذا قوله تعالى «فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون» ~~بعد قوله تعالى «ائتوني بأخ لكم من أبيكم» فإنه لما كان مقصود يوسف عليه ms0106 ~~السلام بالأمر ومرمى غرضه بالتكليف منه استحضار بنيامين لم يكتف في الشرطية ~~الداعية لهم إلى الجد في الامتثال والسعي في تحقيق المأمور به بالإشارة ~~الاجمالية إلى الفعل الذي ورد به الامر بأن يقول فإن لم تفعلوا بل أعاده ~~بعينه متعلقا بمفعوله تحقيقا لمطلبه وإعرابا عن مقصده هذا وقد قيل أطلق ~~الفعل وأريد به الإتيان مع ما يتعلق به أما على طريقة التعبير عن الأسماء ~~الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذرا من التكرار أو على طريقة ذكر اللازم ~~وإرادة الملزوم لما بينهما من التلازم المصحح للانتقال بمعونة قرائن الحال ~~فتدبروا إيثار كلمة إن المفيدة للشك على إذا مع تحقق الجزم بعدم فعلهم ~~مجاراة معهم بحسب حسبانهم قبل التجربة أو التهكم بهم «ولن تفعلوا» كلمة لن ~~لنفي المستقبل كلا خلا إن في لن زيادة تأكيد وتشديد وأصلها عند الخليل لا ~~إن وعند الفراء لا أبدلت ألفها نونا وعند سيبويه حرف مقتضب للمعنى المذكور ~~وهي إحدى الروايتين عن الخليل والجملة اعتراض بين جزأى الشرطية مقرر لمضمون ~~مقدمها ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها وهذه معجزة باهرة حيث أخبر بالغيب الخاص ~~علمه به عز وجل وقد وقع الأمر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشيء يدانيه في ~~الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف «فاتقوا النار» جواب للشرط على إن اتقاء ~~النار كناية عن الاحتراز من العناد إذ بذلك يتحقق تسببه عنه وترتبه عليه ~~كأنه قيل فإذا عجزتم عن الاتيان بمثله كما هو المقرر فاحترزوا من انكار ~~كونه منزلا من عند الله سبحانه فإنه مستوجب للعقاب بالنار لكن أوثر عليه ~~الكناية المذكورة المبنية على تصوير العناد بصورة النار وجعل الاتصاف به ~~عين الملابسة بها للمبالغة في تهويل شأنه وتفظيع أمره وإظهار كمال العناية ~~بتحذير المخاطبين منه وتنفيرهم عنه وحثهم على الجد في تحقيق المكنى عنه ~~وفيه من الإيجاز البديع مالا يخفى حيث كان الأصل فإن لم تفعلوا فقد صح صدقه ~~عندكم وإذا صح ذلك كان لزومكم العناد وترككم الايمان به سببا لاستحقاكم ~~العقاب بالنار فاحترزوا منه واتقوا النار «التي ms0107 وقودها الناس والحجارة» صفة ~~للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة أعاذنا الله من ذلك والوقود ما يوقد به ~~النار وترفع من الحطب وقرئ بضم الواو وهو مصدر سمى به المفعول مبالغة كما ~~يقال فلان فخر قومه وزين بلده والمعنى أنها من الشدة بحيث لا تمس شيئا من ~~رطب أو يابس إلا أحرقته لا كنيران الدنيا تفتقر في الالتهاب إلى وقود من ~~حطب أو حشيش وإنما جعل هذا الوصف صلة للموصول مقتضيه لكون انتسابها إلى ما ~~نسبت هي إليه معلوم للمخاطب بناء على أنهم سموه من أهل الكتاب قبل ذلك أو ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم أو سمعوا قبل هذه الآية المدنية قوله تعالى ~~«نارا وقودها الناس والحجارة» فأشير ههنا إلى ما سمعوه أولا وكون سورة ~~التحريم مدنية لا يستلزم كون PageV01P067 # جميع آياتها كذلك كما هو المشهور وأما إن الصفة أيضا يجب أن تكون معلومة ~~الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب فالخطب فيه هين لما أن المخاطب هناك ~~المؤمنون وظاهر إنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ~~بالحجارة الأصنام وبالناس أنفسهم حسبما ورد في قوله تعالى «إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم» الآية «أعدت للكافرين» أي هيئت للذين كفروا بما ~~نزلناه وجعلت عدة لعذابهم والمراد اما جنس الكفار والمخاطبون داخلون فيهم ~~دخولا أوليا وأما هم خاصة ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمهم وتعليل الحكم ~~بكفرهم وقرئ اعتدت من العتاد بمعنى العدة وفيه دلالة على أن النار مخلوقة ~~موجودة الآن والجملة استئناف لا محل لها من الاعراب مقررة لمضمون ما قبلها ~~ومؤكدة لإيجاب العمل به ومبينة لمن أريد بالناس دافعة لاحتمال العموم وقيل ~~حال بإضمار قد من النار لا من ضميرها في وقودها لما في ذلك من الفصل بينهما ~~بالخبر وقيل صلة بعد صلة أو عطف على الصلة بترك العاطف «وبشر الذين آمنوا» ~~أي بأنه منزل من عند الله عز وجل وهو معطوف على الجملة السابقة لكن لا على ~~أن المقصود عطف نفس الأمر حتى يطلب له ms0108 مشاكل يصح عطفه عليه بل على أنه عطف ~~قصة المؤمنين بالقرآن ووصف ثوابهم على قصة الكافرين به وكيفية عقابهم جريا ~~على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد وكان تغيير ~~السبك لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين وقرئ وبشر على صيغة الفعل ~~مبنيا للمفعول عطفا على أعدت فيكون استئنافا وتعليق التبشير بالموصول ~~للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الايمان والعمل الصالح لكن لا ~~لذاتهما فإنها لا يكافئان النعم السابقة فضلا من أن يقتضيا ثوابا فيما ~~يستقبل بل بجعل الشارع ومقتضى وعده وجعل صلته فعلا مفيدا للحدوث بعد إيراد ~~الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على أحداث الإيمان وتحذيرهم من ~~الاستمرار على الكفر والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل لكل من يتأتى ~~منه التبشير كما في قوله عليه السلام بشر المشائين إلى المساجد في ظلم ~~الليالي بالنور التام يوم القيامة فإنه عليه السلام لم يأمر بذلك واحدا ~~بعينه بل كل أحد ممن يتأتى منه ذلك وفيه رمز إلى أن الأمر لعظمه وفخامة ~~شأنه حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه والبشارة الخبر السار الذي ~~يظهر به أثر السرور في البشرة وتباشير الصبح أوائل ضوئه «وعملوا الصالحات» ~~الصالحة كالحسنة في الجريان مجرى الاسم وهي كل ما استقام من الاعمال بدليل ~~العقل والنقل واللام للجنس والجمع لإفادة ان المراد بها جملة من الأعمال ~~الصالحة التي أشير إلى أمهاتها في مطلع السورة الكريمة وطائفة منها متفاوتة ~~حسب تفاوت حال المكلفين في مواجب التكليف وفي عطف العمل على الإيمان دلالة ~~على تغايرهما وإشعار بأن مدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين فإن الإيمان ~~أساس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأساس لا بناء به «أن لهم جنات» ~~منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه أو مجرور بإضماره مثل الله لأفعلن ~~والجنة هي المرة من مصدر PageV01P068 # جنة إذا ستره تطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه قال ~~زهير * كأن عيني في غربى مقتله * من النواضح تسقى جنة سحقا * أي نخلا طوالا ~~كأنها ms0109 لفرط تكاثفها والتفافها وتغطيتها لما تحتها بالمرة نفس السترة وعلى ~~الأرض ذات الشجر قال الفراء الجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم فحق ~~المصدر حينئذ أن يكون مأخوذا من الفعل المبني للمفعول وإنما سميت دار ~~الثواب بها مع أن فيها مالا يوصف من الغرفات والقصور لما أنها مناط نعيمها ~~ومعظم ملاذها وجمعها مع التنكير لأنها سبع على ما ذكره ابن عباس رضي الله ~~عنهما جنة الفردوس وجنة عدن وجنة النعيم ودار الخلد وجنة المأوى ودار ~~السلام وعليون وفي كل واحد منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال ~~وأصحابها «تجري من تحتها الأنهار» في حيز النصب على انه صفة جنات فإن أريد ~~بها الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها الأرض المشتملة ~~عليها فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت أشجارها وإن أريد بها مجموع الأرض ~~والأشجار فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة ~~على الكل عن مسروق إن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود واللام في الأنهار ~~للجنس كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب أو عوض عن ~~المضاف إليه كما في قوله تعالى «واشتعل الرأس شيبا» أو للعهد والإشارة إلى ~~ما ذكر في قوله عز وعلا «أنهار من ماء غير آسن» الآية والنهر بفتح الهاء ~~وسكونها المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات والتركيب ~~للسعة والمراد بها ماؤها على الإضمار أو على المجاز اللغوي أو المجاري ~~أنفسها وقد اسند إليها الجريان مجازا عقليا كما في سال الميزاب «كلما رزقوا ~~منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل» صفة أخرى لجنات أخرت عن ~~الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها وهذا وصف لها ~~باعتبار أهلها المتنعمين بها أو خبر مبتدأ محذوف أو جملة مستأنفة كأنه حين ~~وصفت الجنات بما ذكر من الصفة وقع في ذهن السامع أثمارها كثمار جنات الدنيا ~~أولا فبين حالها وكلما نصب على الظرفية ورزقا مفعول به ومن الأولى والثانية ~~للابتداء ms0110 واقعتان موقع الحال كأنه قيل كل وقت رزقوا مرزوقا مبتدأ من الجنات ~~مبتدأ من ثمرة على ان الرزق مقيد بكونه مبتدأ من الجنات وابتداؤه منها مقيد ~~بكونه مبتدأ من ثمرة فصاحب الحال الأولى رزقا وصاحب الثانية ضميره المستكن ~~في الحال ويجوز كون من ثمرة بيانا قدم على المبين كما في قولك رأيت منك ~~أسدا وهذا إشارة إلى ما رزقوا وإن وقعت على فرد معين منه كقولك مشيرا إلى ~~نهر جار هذا الماء لا ينقطع فإنك إن أشرت إلى ما تعاينه بحسب الظاهر لكنك ~~أنما تعني بذلك النوع المعلوم المستمر فالمعنى هذا مثل الذي رزقناه من قبل ~~أي من قبل هذا في الدنيا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته وإنما ~~جعل ثمر الجنة كثمار الدنيا لتميل النفس إليه حين تراه فإن الطباع مائلة ~~إلى المألوف متنفره عن غير معروف وليتبين لها مزيته وكنه النعمة فيه إذ لو ~~كان جنسا غير معهود لظن أنه لا يكون إلا كذلك أو مثل الذي رزقناه من قبل في ~~الجنة لأن طعامها متشابه الصور كما يحكى عن الحسن رضي الله عنه إن أحدهم ~~يؤتى الصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك فيقول ~~الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~والذي نفسي بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي ~~واصلة إلى فيه حتى يبدل PageV01P069 # الله تعالى مكانها مثلها والأول أنسب لمحافظة عموم كلما فإنه يدل على ~~ترديدهم هذه المقالة كل مرة رزقوا لا فيما عدا المرة الأولى يظهرون التبجح ~~وفرط الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذة مع اتحادهما في ~~الشكل واللون كأنهم قالوا هذا عين ما رزقناه في الدنيا فمن أين له هذه ~~الرتبة من اللذة والطيب ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما من ~~أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الاسم فإن ذلك لبيان كمال التفاوت ~~بينهما من حيث ms0111 اللذة والحسن لا لبيان ان لا تشابه بينهما أصلا كيف لا ~~وإطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعا هذا وقد فسرت الآية الكريمة بأن ~~مستلذات أهل الجنة بمقابلة ما رزقوه في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة ~~الحال فيجوز ان يريدوا هذا ثواب الذي رزقناه في الدنيا من الطاعات ولا ~~يساعده تخصيص ذلك بالثمرات فإن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من قبيل ~~الثواب «وأتوا به متشابها» اعتراض مقرر لما قبله والضمير المجرور على الأول ~~راجع إلى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في الدارين كما في قوله تعالى ~~«إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما» أي بجنسى الغنى والفقير وعلى ~~الثاني إلى الرزق «ولهم فيها أزواج مطهرة» أي مما في نساء الدنيا من ~~الأحوال المستقذرة كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق فإن التطهر يستعمل ~~في الأجسام والأخلاق والأفعال وقرئ مطهرات وهما لغتان فصيحتان يقال النساء ~~فعلت وفعلن وهن فاعلة وفواعل قال * وإذا العذارى بالدخان تقنعت * واستعجلت ~~نصب القدور فملت * فالجمع على اللفظ والإفراد على تأويل الجماعة وقرئ مطهرة ~~بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ومطهرة أبلغ من طاهرة ومتطهرة ~~للإشعار بأن مطهرا طهرهن وما هو إلا الله سبحانه وتعالى وأما التطهر فيحتمل ~~أن يكون من قبل أنفسهن كما عند اغتسالهن والزوج يطلق على الذكر والأنثى وهو ~~في الأصل اسم لماله قرين من جنسه وليس في مفهومه اعتبار التوالد الذي هو ~~مدار بقاء النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج أهل الجنة لخلودهم فيها ~~واستغنائهم عن الأولاد كما أن المدارية لبقاء الفرد ليست بمعتبرة في مفهوم ~~اسم الرزق حتى يخل ذلك بإطلاقه على ثمار الجنة «وهم فيها خالدون» أي دائمون ~~والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم ولذلك قيل للأثافي والأحجار ~~الخوالد وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله خلد ولو كان وضعه الدوام لما ~~قيد بالتأبيد في قوله عز وعلا خالدين فيها أبدا ولما استعمل حيث لا دوام ~~فيه لكن المراد ههنا الدوام قطعا لما يفضى به ms0112 من الآيات والسنن وما قيل من ~~أن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية ~~إلى الانحلال والانفكاك مداره قياس ذلك العالم الكامل بما يشاهد في عالم ~~الكون والفساد على أنه يجوز أن يعيدها الخالق تعالى بحيث لا يعتورها ~~الاستحالة ولا يعتريها الانحلال قطعا بأن تجعل أجزاؤها متفاوتة في الكيفيات ~~متعادلة في القوى بحيث لا يقوى شئ منها عند التفاعل على إحالة الآخر ~~متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض وتبقى هذه النسبة منحفظة فيما بينها ~~أبدا يعتريها التغيير بالأكل والشرب والحركات وغير ذلك واعلم أن معظم ~~اللذات الحسية لما كان مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقتضى ~~به الاستقراء وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات إذ كل نعمة وإن جلت حيت ~~كانت في شرف الزوال ومعرض الاضمحلال فإنها منغصة غير صافية من شوائب ~~PageV01P070 # الألم بشر المؤمنين بها وبدوامها تكميلا للبهجة والسرور اللهم وفقنا ~~لمراضيك وثبتنا على ما يؤدى إليها من العقد والعمل «إن الله لا يستحيي أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة» شروع في تنزيه ساحة التنزيل عن تعلق ريب خاص اعتراهم ~~من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبيان لحكمته وتحقيق للحق اثر تنزيهها ~~عما اعتراهم من مطلق الريب بالتحدي وإلقام الحجر وإفحام كافة البلغاء من ~~أهل المدر والوبر روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ان المنافقون ~~طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق وقالوا الله أجل وأعلى ~~من ضرب الأمثال وروى عطاء رضي الله عنه ان هذا الطعن كان من المشركين وروى ~~عنه أيضا انه لما نزل قوله تعالى يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له الآية ~~وقوله تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء الآية قالت اليهود اى قدر ~~للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله تعالى بهما الأمثال وجعلوا ذلك ذريعة إلى ~~انكار كونه من عند الله تعالى مع انه لا يخفى على أحد ممن له تمييز انه ليس ~~مما يتصور فيه التردد فضلا عن النكير بل هو أوضح أدله ms0113 كونه خارجا عن طوق ~~البشر نازلا من عند خلاق القوى والقدر كيف لا وان التمثيل كما مر ليس إلا ~~ابراز المعنى المقصود في معرض الأمر المشهود وتحلية المعقول بحلية المحسوس ~~وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس لاستمالة الوهم واستنزاله عن معارضته ~~للعقل واستعصائه عليه في ادراك الحقائق الخفية وفهم الدقائق الأبية كي ~~يتابعه فيما يقتضيه ويشايعه إلى ما يرتضيه ولذلك شاعت الأمثال في الكتب ~~الإلهية والكلمات النبوية وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء ومن ~~قضية وجوب التماثل بين الممثل والممثل به في مناط التمثيل تمثيل العظيم ~~بالعظيم والحقير بالحقير وقد مثل في الإنجيل غل الصدر بالنخالة ومعارضة ~~السفهاء بإثارة الزنابير وجاء في عبارات البلغاء اجمع من ذره وأجرأ من ~~الذباب واسمع من قراد واضعف من بعوضه إلى غير ذلك ما لا يكاد يحصر والحياء ~~تغير النفس وانقباضها عما يعاب به أو يذم عليه يقال حي الرجل وهو حي ~~واشتقاقه من الحياة اشتقاق شظى وحشى ونسي من الشظى والنسى والحشى يقال شظى ~~الفرس ونسي وحشى إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحيا تعتل قوته ~~الحيوانية وتنتقص واستحيا بمعناه خلا انه يتعدى بنفسه وبحرف الجر يقال ~~استحييته واستحييت منه والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر وقد يحذف منه احدى ~~اليائين ومنه قوله * ألا يستحي منا الملوك ويتقي * محارمنا لا يبوء الدم ~~بالدم * وقوله * إذا ما استحين الماء يعرض نفسه * كرعن بسبت في اناء من ~~الورد * فكما انه إذا اسند اليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله صلى الله ~~عليه وسلم ان الله يستحي من ذي الشيبة المسلم ان يعذبه وقوله عليه السلام ~~ان الله حي كريم يستحي إذا رفع اليه العبد يده ان يردهما صفرا حتى يضع ~~فيهما خيرا يراد به الترك الخاص على طريقة التمثيل حيث مثل فيه PageV01P071 # الحديثين الكريمين تركه تعذيب ذي الشيبة وتخييب العبد من عطائه بترك من ~~يتركهما حياء كذلك إذا نفى عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه الآية ~~الشريفة وفي قوله تعالى «والله لا ms0114 يستحيي من الحق» يراد به سلب ذلك الترك ~~الخاص المضاهي لترك المستحي عنه لا سلب وصف الحياء عنه تعالى رأسا كما في ~~قولك إن الله لا يوصف بالحياء لأن تخصيص السلب ببعض المواد يوهم كون ~~الإيجاب من شأنه تعالى في الجملة فالمراد ههنا عدم ترك ضرب المثل المماثل ~~لترك من يستحي من ضربه وفيه رمز إلى تعاضد الدواعي إلى ضربه وتآخذ البواعث ~~إليه إذ الاستحياء إنما يتصور في الأفعال المقبولة للنفس المرضية عندها ~~ويجوز أن يكون وروده على طريقة المشاكلة فإنهم كانوا يقولون أما يستحي رب ~~محمد أن يضرب مثلا بالأشياء المحقرة كما في قول من قال * من مبلغ أفناء ~~يعرب كلها * أني بنيت الجار قبل المنزل * وضرب المثل استعماله في مضربه ~~وتطبيقه به لا صنعه وإنشاؤه في نفسه والا لكان إنشاء الأمثال السائرة في ~~مواردها ضربا لها دون استعمالها بعد ذلك في مضاربها لفقدان الإنشاء هناك ~~والأمثال الواردة في التنزيل وإن كان استعمالها في مضاربها عين إنشائها في ~~أنفسها لكن التعبير عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار بل بالاعتبار الأول قطعا ~~وهوما وهو مأخوذ إما من ضرب الخاتم بجامع التطبيق فكما أن ضربه تطبيقه ~~بقالبه كذلك استعمال الأمثال في مضاربها تطبيقها بها كأن المضارب قوالب ~~تضرب الأمثال على شاكلتها لكن لا بمعنى أنها تنشأ بحسبها بعد أن لم تكن ~~كذلك بل بمعنى أنها تورد منطبقة عليها سواء كان إنشاؤها حينئذ كعامة ~~الأمثال التنزيلية فإن مضاربها قوالبها أو قبل ذلك كسائر الأمثال السائرة ~~فإنها وإن كانت مصنوعة من قبل إلا أن تطبيقها أي إيرادها منطبقة على ~~مضاربها إنما يحصل عند الضرب وإما من ضرب الطين عى الجدار ليلتزق به بجامع ~~الإلصاق كأن من يستعملها يلصقها بمضاربها ويجعلها ضربة لازب لا تنفك عنها ~~لشدة تعلقها بها ومحل أن يضرب على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصب على ~~المفعولية وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفض بإضمار من وعند ~~سيبويه النصب بافضاء الفعل إليه بعد حذفها ومثلا مفعول ليضرب وما اسمية ~~إبهامية تزيد ms0115 ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاما وشياعا كما في قولك أعطني ~~كتابا ما كأنه قيل مثلا ما من الأمثال أي مثل كان فهي صفة لما قبلها أو ~~حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها كما في قوله تعالى «فبما رحمة من الله» ~~وبعوضة بدل من مثلا أو عطف بيان عند من يجوز في النكرات أو مفعول ليضرب ~~ومثلا حال تقدمت عليها لكونها نكرة أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل ~~والتصيير وقرئ بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف أي هو بعوضة والجملة على ~~تقدير كون ما موصوله صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى «تماما على ~~الذي أحسن» على قراءة الرفع وعلى تقدير كونها موصوفة صفة لها كذلك ومحل ما ~~على الوجهين النصب على أنه بدل من مثلا أو على انه مفعول ليضرب وعلى تقدير ~~كونها إبهامية صفة لمثلا كذلك واما على تقدير كونها استفهامية فهي خبر لها ~~كأنه لما ورد استبعادهم ضرب المثل قيل ما بعوضة وأي مانع فيها حتى لا يضرب ~~بها المثل بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع ~~في قوله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~الكافر منها شربة ماء والبعوض فعول من البعض وهو القطع كالبضع والعضب غلب ~~على هذا النوع كالخموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخدش «فما فوقها» عطف على ~~بعوضة على PageV01P072 # تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولة أو موصوفة صلتها الظرف وأما ~~على تقدير رفعها فهو عطف على ما الأولى على تقدير كونها موصولة أو موصوفة ~~واما على تقدير كونها استفهامية فهو عطف على خبرها اعني بعوضة لا على نفسها ~~كما قيل والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشئ فوقها حتى لا يضرب بها المثل ~~وكذا على تقدير كونها صفة للنكرة أو زائدة وبعوضة خبر للمضمر وذكر البعوضة ~~فما فوقها من بين افراد المثل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيين والتخصيص ~~فلا يخل بالشيوع بل يقرره ويؤكده ms0116 بطريق الأولوية والمراد بالفوقية إما ~~الزيادة في المعنى الذي أريد بالتمثيل اعني الصغر والحقارة وإما الزيادة في ~~الحجم والجثة لكن لا بالغا ما بلغ بل في الجملة كالذباب والعنكبوت وعلى ~~التقدير الأول يجوز ان يكون ما الثانية خاصة استفهامية إنكارية والمعنى ان ~~الله لا يستحيى ان يضرب مثلا ما بعوضة فأي شئ فوقها في الصغر والحقارة فإذن ~~له تعالى ان يمثل بكل ما يريد ونظيره في احتمال الأمرين ما روى ان رجلا ~~بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها حين ذكر لها ذلك سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها الا كتبت ~~له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القلة ~~كنخبة النملة بقوله عليه السلام ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه ~~حتى نخبة النملة وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكى من الحرور «فأما الذين ~~آمنوا» شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم اثر تحقيق حقية ~~صدوره عنه تعالى والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما ~~قبلها كأنه قيل فيضربه فأما الذين الخ وتقديم بيان حال المؤمنين على ما حكى ~~من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب وفي تصدير الجملتين بأما من إحماد ~~امر المؤمنين وذم الكفرة مالا يخفى وهو حرف متضمن لمعنى اسم الشرط وفعله ~~بمنزلة مهما يكن من شئ ولذلك يجاب بالفاء وفائدته توكيد ما صدر به وتفصيل ~~ما في نفس المتكلم من الاقسام فقد تذكر جميعا وقد يقتصر على واحد منها كما ~~في قوله عز وجل من قائل «فأما الذين في قلوبهم زيغ» الخ قال سيبويه أما زيد ~~فذاهب معناه مهما يكن من شئ فهو ذاهب لا محالة وانه منه عزيمة وكان الأصل ~~دخول الفاء على الجملة لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوها ~~الخبر وعوض المبتدأ عن الشرط لفظا والمراد بالموصول فريق المؤمنين ~~المعهودين كما ان المراد بالموصول ms0117 الآتي فريق الكفرة لا من يؤمن بضرب المثل ~~ومن يكفر به لاختلال المعنى أي فأما المؤمنون «فيعلمون أنه الحق من ربهم» ~~كسائر ما ورد منه تعالى والحق هو الثابت الذي يحق ثبوته لا محالة بحيث لا ~~سبيل للعقل إلى إنكاره لا الثابت مطلقا واللام للدلالة على أنه مشهود له ~~بالحقية وأن له حكما ومصالح ومن لابتداء الغاية المجازية وعاملها محذوف وقع ~~حالا من الضمير المستكن في الحق أو من الضمير العائد إلى المثل أو إلى ضربه ~~أي كائنا وصادرا من ربهم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ~~لتشريفهم وللإيذان بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى ~~كمالهم اللائق بهم والجملة سادة مسد مفعولى يعلمون عند الجمهور ومسد مفعوله ~~الأول والثاني محذوف عند الأخفش أي فيعلمون حقيته ثابتة ولعل الاكتفاء ~~بحكاية علمهم المذكور عن حكاية اعترافهم بموجبة كما في قوله تعالى ~~«والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا» للإشعار بقوة ما ~~بينهما من التلازم وظهوره المغنى عن الذكر «وأما الذين كفروا» ممن حكيت ~~PageV01P073 # أقوالهم وأحوالهم «فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا» أوثر يقولون على لا ~~يعلمون حسبما يقتضيه ظاهر قرينه دلالة على كمال غلوهم في الكفر وترامي ~~أمرهم في العتو فإن مجرد عدم العلم بحقيته ليس بمثابة إنكارها والاستهزاء ~~به صريحا وتمهيدا لتعداد ما نعي عليهم في تضاعيف الجواب من الضلال والفسق ~~ونقض العهد وغير ذلك من شنائعهم المترتبة على قولهم المذكور على أن عدم ~~العلم بحقيته لا يعم جميعهم فإن منهم من يعلم بها وإنما يقول ما يقول ~~مكابرة وعنادا وحمله على عدم الإذعان والقبول الشامل للجهل والعناد تعسف ~~ظاهر هذا وقد قيل كان من حقه وأما الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق قرينه ~~ويقابل قسيمه لكن لما كان قولهم هذا دليلا واضحا على جهلهم عدل إليه على ~~سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه فتأمل وكن على الحق المبين وماذا إما ~~مؤلفة من كلمة استفهام وقعت مبتدأ خبره ذا بمعنى الذي وصلته ما بعده ~~والعائد ms0118 محذوف فالأحسن أن يجيء جوابه مرفوعا وإما منزلة منزلة أسم واحد ~~بمعنى أي شيء فالأحسن في جوابه النصب والإرادة نزوع النفس وميلها إلى الفعل ~~بحيث يحملها إليه أو القوة التي هي مبدؤه والأول مع الفعل والثاني قبله ~~وكلاهما مما لا يتصور في حقه تعالى ولذلك اختلفوا في إرادته عز وجل فقيل ~~إرادته تعالى لأفعاله كونه غير ساه فيه ولا مكره ولأفعال غيره أمره بها فلا ~~تكون المعاصي بإرادته تعالى وقيل هي علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ~~والوجه الأصلح فإنه يدعو القادر إلى تحصيله والحق أنها عبارة عن ترجيح أحد ~~طرفي المقدور على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه وهي أعم من ~~الاختيار فإنه ترجيح مع تفضيل وفي كلمة هذا تحقير للمشار إليه واستر ذال له ~~ومثلا نصب على التمييز أو على الحال كما في قوله تعالى «ناقة الله لكم آية» ~~وليس مرادهم بهذه العظيمة استفهام الحكمة في ضرب المثل ولا القدح في ~~اشتماله على الفائدة مع اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا بل غرضهم التنبيه ~~بادعاء أنه من الدناءة والحقارة بحيث لا يليق بأن يتعلق به أمر من الأمور ~~الداخلية تحت إرادته تعالى على استحالة أن يكون ضرب المثل به عنده سبحانه ~~فقوله عز من قائل «يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا» جواب عن تلك المقالة ~~الباطلة ورد لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه ذريعة ~~إلى هداية المستعدين للهداية وإضلال المنهمكين في الغواية فوضع الفعلان ~~موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحقيقهما فإن ~~إرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافيا عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك ~~الإرادة لإيهامه تساويهما في تعلقهما وليس كذلك فإن المراد بالذات من ضرب ~~المثل هو التذكر والاهتداء كما ينبئ عنه قوله تعالى «وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون» ونظائره وأما الإضلال فهو أمر عارض مترتب على سوء ~~اختيارهم وأوثر صيغة الاستقبال إيذانا بالتجدد والاستمرار وقيل وضع الفعلان ~~موضع مصدريهما كأنه قيل أراد إضلال كثير وهداية كثير ms0119 وقدم الإضلال على ~~الهداية مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ليكون أول ما يقرع ~~أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوءهم ويفت في أعضادهم وهو السر في تخصيص ~~هذه الفائدة بالذكر وقيل هو بيان للجملتين المصدرتين بأما وتسجيل بأن العلم ~~بكونه حقا هدى وأن الجهل بوجه إيراده والإنكار لحسن مورده ضلال وفسوق وكثرة ~~كل فريق إنما هي بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابلهم فلا يقدح في ~~PageV01P074 # ذلك أقيلة أهل الهدى بالنسبة إلى أهل الضلال حسبما نطق به قوله تعالى ~~«وقليل من عبادي الشكور» ونحو ذلك واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم ~~الإضافة لتكميل فائدة ضرب المثل وتكثيرها ويجوز أن يراد في الأولين الكثرة ~~من حيث العدد وفي الآخرين من حيث الفضل والشرف كما في قول من قال * إن ~~الكرام كثير في البلاد * وأن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا * وإسناد الإضلال ~~أي خلق الضلال إليه سبحانه مبني على أن جميع الشياء مخلوقة له تعالى وإن ~~كان أفعال العباد من حيث الكسب مستندة إليهم وجعله من قبيل إسناد الفعل إلى ~~سببه يأباه التصريح بالسبب وقرئ يضل به كثير ويهدي به كثير على البناء ~~للمفعول وتكرير به مع جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقرير السببية وتأكيدها ~~«وما يضل به» أي بالمثل أو بضربه «إلا الفاسقين» عطف على ما قبله وتكملة ~~للجواب والرد وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم القبيحة ~~المستتبعة له وإشارة إلى أن ذلك ليس إضلالا ابتدائيا بل هو تثبيت على ما ~~كانوا عليه من فنون الضلال وزيادة فيه وقرئ وما يضل به إلا الفاسقون على ~~البناء للمفعول والفسق في اللغة الخروج يقال فسقت الرطبة عن قشرها والفأرة ~~من جحرها أي خرجت قال رؤية * يذهبن في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها ~~جوائرا * وفي الشريعة الخروج عن طاعة الله عز وجل بارتكاب الكبيرة التي من ~~جملتها الإصرار على الصغيرة وله طبقات ثلاث الأولى التغابي وهو ارتكابها ~~أحيانا مستقبحا لها والثانية الانهماك في تعاطيها والثالثة المثابرة عليها ~~مع جحود قبحها ms0120 وهذه الطبقة من مراتب الكفر فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب ~~عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الايمان ولقوله تعالى «وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» والمعتزلة لما ذهبوا إلى أن الايمان عبارة عن ~~مجموعة تصديق والإقرار والعمل والكفر عن تكذيب الحق وجحوده ولم يتسن لهم ~~ادخال الفاسق في أحدهما فجعلوه قسما بين قسمي المؤمن والكافر لمشاركة كل ~~واحد منهما في بعض أحكامه والمراد بالفاسقين ههنا العاتون الماردون في ~~الكفر الخارجون عن حدوده ممن حكى عنهم ما حكى من انكار كلام الله تعالى ~~والاستهزاء به وتخصيص الاضلال بهم مترتبا على صفة الفسق وما أجرى عليهم من ~~القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن ~~كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوه أنظارهم عن التدبر في ~~حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم ~~فأنكروه وقالوا فيه ما قالوا «الذين ينقضون عهد الله» صفة للفاسقين للذم ~~وتقرير ما هم عليه من الفسق والنقض فسخ التركيب من المركبات الحسية كالحبل ~~والغزل ونحوهما واستعماله في ابطال العهد من حيث استعارة الحبل له لما فيه ~~من ارتباط أحد كلامي المتعاهدين بالآخر فإن شفع بالحبل وأريد به العهد كان ~~ترشيحا للمجاز وإن قرن بالعهد كان رمزا إلى ما هو من روادفه وتنبيها على ~~مكانه وإن المذكور قد استعير له كما يقال شجاع يفترس أقرانه PageV01P075 # وعالم يغترف منه الناس تنبيها على أنه أسد في شجاعته وبحر في إفاضته ~~والعهد الموثق يقال عهد إليه كذا إذا وصاه به ووثقه عليه والمراد ههنا أما ~~العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عبادة الدالة على وجوده ووحدته ~~وصدق رسوله عليه السلام وبه أول قوله تعالى «وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى» أو المعنى الظاهر منه أو المأخوذ من جهة الرسل عليهم السلام على ~~الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ~~أمره وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه كما ينبئ عنه ms0121 قوله عز وجل ~~«وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه» ~~ونظائره وقيل عهود الله تعالى ثلاثة الأول ما أخذه على جميع ذرية آدم عليه ~~السلام بأن يقروا على ربوبيته والثاني ما أخذه على الأنبياء عليهم السلام ~~بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه والثالث ما أخذه على العلماء بأن يبينوا ~~الحق ولا يكتموه «من بعد ميثاقه» الميثاق أما اسم لما يقع به الوثاقة ~~والاحكام وأما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد فعلى الأول إن رجع ~~الضمير إلى العهد كان المراد بالميثاق ما وثقوه به من القبول والالتزام وان ~~رجع إلى لفظ الجلالة يراد به آياته وكتبه وانذار رسله عليهم السلام والمضاف ~~محذوف على الوجهين أي من بعد تحقق ميثاقه وعلى الثاني إن رجع الضمير إلى ~~العهد والميثاق مصدر من المبني للفاعل فالمعنى من بعد ان وثقوه بالقبول ~~والالتزام أو من بعد أن وثقه الله عز وجل بإنزال الكتب وإنذار الرسل وإن ~~كان مصدر من المبني للمفعول فالمعنى من بعد كونه موثقا إما بتوثيقهم إياه ~~بالقبول وإما بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذار الرسل «ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل» يحتمل كل قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه وتعالى كقطع ~~الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في ~~التصديق وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فإنه ~~يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من ~~كل وصل وفصل والأمر هو القول الطالب للفعل مع العلو وقيل بالاستعلاء وبه ~~سمى الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول بالمصدر فإنه مما يؤمر به كما ~~يقال له شأن وهو القصد والطلب لما أنه أثر للشأن وكذا يقال له شيء وهو مصدر ~~شاء لما أنه أثر للمشيئة ومحل أن يوصل أما النصب على أنه بدل من الموصول أو ~~من ضميره والثاني أولى لفظا ومعنى «ويفسدون في الأرض» بالمنع عن الايمان ~~والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي عليها يدور فلك نظام ms0122 العالم وصلاحه ~~«أولئك» إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافهم بما فصل من الصفات القبيحة ~~وفيه ايذان بأنهم متميزون بها أكمل تميز ومنتظمون بسبب ذلك في سلك الأمور ~~المحسوسة وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم في الفساد «هم ~~الخاسرون» الذين خسروا بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة ~~الأبدية واستبدال الانكار والطعن في الآيات بالإيمان بها والتأمل في ~~حقائقها والاقتباس من أنوارها واشتراء النقض بالوفاء والفساد بالصلاح ~~والقطيعة بالصلة والعقاب بالثواب «كيف تكفرون بالله» التفات إلى خطاب ~~المذكورين مبني على ايراد ما عدد من PageV01P076 # قبائحهم السابقة لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع ~~والاستفهام إنكاري لا بمعنى انكار الوقوع كما في قوله تعالى «كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله» الخ بل بمعنى انكار الواقع واستبعاده ~~والتعجيب منه وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الانكار إلى نفس الكفر بأن ~~يقال أتكفرون لأن كل موجود يجب ان يكون وجوده على حال من الأحوال قطعا فإذا ~~انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني وقوله عز وجل ~~«وكنتم أمواتا» إلى آخر الآية حال من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدة للإنكار ~~والاستبعاد بما عدد فيها من الشؤون العظيمة الداعية إلى الإيمان الرادعة عن ~~الكفر من حيث كونها نعمة عامه ومن حيث دلالتها على قدرة تامة كقوله تعالى ~~«وقد خلقكم أطوارا» وكيف منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه وبالحال عند ~~الأخفش أي في أي حال أو على أي حال تكفرون به تعالى والحال انكم كنتم ~~أمواتا أي أجساما لا حياة لها عناصر وأغذية ونطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة ~~والأموات جمع ميت كأقوال جمع قيل وإطلاقها على تلك الأجسام باعتبار عدم ~~الحياة مطلقا كما في قوله تعالى «بلدة ميتا» وقوله تعالى «وآية لهم الأرض ~~الميتة» «فأحياكم» بنفخ الأرواح فيكم والفاء للدلالة على التعقيب فإن ~~الاحياء حاصل اثر كونهم أمواتا وإن توارد عليهم في تلك الحالة أطوار مترتبة ~~بعضها متراخ عن بعض كما أشير اليه آنفا «ثم يميتكم» أي عند انقضاء ms0123 آجالكم ~~وكون الإماتة من دلائل القدرة ظاهر واما كونها من النعم فلكونها وسيلة إلى ~~الحياة الثانية التي هي الحيوان والنعمة العظمى والتراخي المستفاد من كلمة ~~ثم بالنسبة إلى زمان الإحياء دون زمان الحياة فإن زمان الإماتة غير متراخ ~~عنه «ثم يحييكم» بالنشور يوم ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور وأياما كان ~~فهو متراخ من زمان الإماتة وإن كان اثر زمان الموت المستمر «ثم إليه ~~ترجعون» بعد الحشر لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ~~واليه تنشرون من قبوركم للحساب وهذه الافعال وإن كان بعضها ماضيا وبعضها ~~مستقبلا لا يتسنى مقارنة شئ منها لما هو حال منه في الزمان لكن الحال في ~~الحقيقة هو العلم المتعلق بها كأنه قيل كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بهذه ~~الأحوال المانعة منه ومآله التعجيب من وقوعه مع تحقق ما ينفيه وإنما نظم ما ~~ينكرونه من الإحياء الأخير والرجع في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول ~~والإماتة تنزيلا لتمكنهم من العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعة منزلة ~~العلم بذلك بالفعل في إزاحة العلل والأعذار والحياة حقيقة في القوة الحساسة ~~أو ما يقتضيها وبها سمى الحيوان حيوانا مجاز في القوة النامية لكونها من ~~طلائعها وكذا فبما يخص الإنسان من العقل والعلم والإيمان من حيث انه كمالها ~~وغايتها والموت بإزائها يطلق على ما يقابل كل مرتبة من تلك المراتب قال ~~تعالى «قل الله يحييكم ثم يميتكم» وقال تعالى «اعلموا أن الله يحيي الأرض ~~بعد موتها» وقال تعالى «أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس» وعند وصفة تعالى بها يراد صحة اتصافه تعالى بالعلم والقدرة اللازمة ~~لهذه القوة فينا أو معنى قائم بذاته تعالى مقتض لذلك وقرئ ترجعون بفتح ~~التاء والأول هو الأليق بالمقام «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا» ~~PageV01P077 # تقرير للإنكار وتأكيد له من الحيثيتين المذكورتين غير سبكه عن سبك ما ~~قبله مع اتحادهما في المقصود إبانة لما بينهما من التفاوت فإن ما يتعلق ~~بذواتهم ms0124 من الإحياء والإمانة والحشر أدخل في الحث على الإيمان والكف عن ~~الكفر مما يتعلق بمعايشهم وما يجرى مجراها وفي الضمير مبتدأ والموصول خبرا ~~من الدلالة على الجلالة مالا يخفى وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل ~~المسرة ببيان كونه نافعا للمخاطبين وللتشويق إليه كما سلف أي خلق لأجلكم ~~جميع ما في الأرض من الموجودات لتنتفعوا بها في أمور دنياكم بالذات أو ~~بالواسطة وأمور دينكم بالاستدلال بها على شؤون الصانع تعالى شأنه ~~والاستشهاد بكل واحد منها على ما يلائمه من لذات الآخرة وآلامها وما يعم ~~جميع ما في الأرض لا نفسها الا ان يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة ~~العلو نعم يعم كل جزء من اجزائها فإنه من جملة ما فيها ضرورة وجود الجزء في ~~الكل وجميعا حال من الموصول الثاني مؤكدة لما فيه من العموم فإن كل فرد من ~~افراد ما في الأرض بل كل جزء من اجزاء العالم له مدخل في استمراره على ما ~~هو عليه من النظام اللائق الذي عليه يدور انتظام مصالح الناس اما من جهة ~~المعاش فظاهر واما من جهة الدين فلما انه ليس في العالم شئ مما يتعلق به ~~النظر وما لا يتعلق به الا وهو دليل على القادر الحكيم جل جلاله كما مر في ~~تفسير قوله تعالى «رب العالمين» وإن لم يستدل به أحد بالفعل «ثم استوى إلى ~~السماء» أي قصد إليها بإرادته ومشيئته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف ~~يثنيه من إرادة خلق شئ آخر في تضاعيف خلقها أو غير ذلك مأخوذ من قولهم ~~استوى اليه كالسهم المرسل وتخصيصه بالذكر ههنا إما لعدم تحققه في خلق ~~السفليات لما روى من تخلل خلق السماوات بين خلق الأرض ودحوها عن الحسن رضي ~~الله عنه خلق الله تعالى الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ~~يلتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السماوات وامسك الفهر في موضعها وبسط ~~منها الأرضين وذلك قوله تعالى «كانتا رتقا ففتقناهما» وإما لإظهار كمال ~~العناية بإبداع العلويات ms0125 وقيل استوى استولى وملك والأول هو الظاهر وكلمة ثم ~~للإيذان بما فيه من المزية والفضل على خلق السفليات لا للتراخى الزماني فإن ~~تقدمه على خلق ما في الأرض المتأخر عن دحوها مما لا مرية فيه لقوله تعالى ~~«والأرض بعد ذلك دحاها» ولما روى عن الحسن والمراد بالسماء إما الأجرام ~~العلوية فإن القصد إليها بالإرادة لا يستدعي سابقة الوجود وإما جهات العلو ~~«فسواهن» أي أتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونة عن العوج والفطور لا انه ~~تعالى سواهن بعد ان لم يكن كذلك ولا يخفى ما في مقارنة التسوية والاستواء ~~من حسن الموقع وفيه إشارة إلى ان لا تغيير فيهن بالنمو والذبول كما في ~~السفليات والضمير على الوجه الأول للسماء فإنها في معنى الجنس وقيل هي جمع ~~سماءة أو سماوة وعلى الوجه الثاني منهم يفسره قوله تعالى «سبع سماوات» كما ~~في قولهم ربه رجلا وهو على الوجه الأول بدل من الضمير وتأخير ذكر هذا الصنع ~~البديع عن ذكر خلق ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدلالة على كمال ~~القدرة القاهرة كما نبه عليه لما ان المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر ~~وتعلق مصالح الناس بذلك اظهر وان كان في ابداع العلويات أيضا من المنافع ~~الدينية والدنيوية مالا يحصى هذا ما قالوا وسيأتي في حم السجدة مزيد تحقيق ~~وتفصيل بإذن الله تعالى «وهو بكل شيء عليم» اعتراض تذييلى مقرر لما قبله ~~PageV01P078 # من خلق السماوات والأرض وما فيها على هذا النمط البديع المنطوى على الحكم ~~الفائقة والمصالح اللائقة فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها ~~بارزها وكامنها وما يليق بكل واحد منها يستدعي ان يخلق كل ما يخلقه على ~~الوجه الرائق وقرئ وهو بسكون الهاء تشبيها له بعضد «وإذ قال ربك» بيان لأمر ~~آخر من جنس الأمور المتقدمة المؤكدة للإنكار والاستبعاد فإن خلق آدم عليه ~~السلام وما خصه به من الكرامات السنية المحكية من اجل النعم الداعية لذريته ~~إلى الشكر والإيمان الناهية عن الكفر والعصيان وتقرير لمضمون ما قبله من ~~قوله تعالى ms0126 «خلق لكم ما في الأرض جميعا» وتوضيح لكيفية التصرف والانتفاع ~~بما فيها وتلوين الخطاب بتوجيهه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة للإيذان ~~بأن فحوى الكلام ليس مما يهتدى اليه بأدلة العقل كالأمور المشاهدة التي نبه ~~عليها الكفرة بطريق الخطاب بل انما طريقة الوحي الخاص به عليه السلام وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ~~ضميره عليه السلام من الإنباء عن تشريفه عليه السلام ما لا يخفى وإذ ظرف ~~موضوع لزمان نسبة ماضية وقع فيه نسبة أخرى مثلها كما ان إذا موضوع لزمان ~~نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى مثلها ولذلك يجب اضافتهما إلى الجمل وانتصابه ~~بمضمر صرح بمثله في قوله عز وجل «واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم» وقوله ~~تعالى «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد» وتوجيه الامر بالذكر إلى الوقت ~~دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمبالغة في ايجاب ~~ذكرها لما ان ايجاب ذكر الوقت ايجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولان ~~الوقت مشتمل عليها فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا ~~وقيل ليس انتصابه على المفعولية بل على تأويل اذكر الحادث فيه بحذف المظروف ~~وإقامة الظرف مقامه وأياما كان فهو معطوف على مضمر آخر ينسحب عليه الكلام ~~كأنه قيل له عليه السلام غب ما أوحى إليه ما خوطب به الكفرة من الوحي ~~الناطق بتفاصيل الأمور السابقة الزاجرة عن الكفر به تعالى ذكرهم بذلك واذكر ~~لهم هذه النعمة ليتنبهوا بذلك لبطلان ما هم فيه وينتهوا عنه واما ما قيل من ~~أن المقدر هو اشكر النعمة في خلق السماوات والأرض أو تدبر ذلك فغير سديد ~~ضرورة أن مقتضى المقام تذكير المخلين بمواجب الشكر وتنبيههم على ما يقتضيه ~~وأين ذاك من مقامه الجليل صلى الله عليه وسلم وقيل انتصابه بقوله تعالى ~~قالوا ويأباه أنه يقتضى أن يكون هو المقصود بالذات دون سائر القصة وقيل بما ~~سبق من قوله تعالى «وبشر الذين آمنوا» ولا يخفى بعده وقيل بمضمر دل عليه ~~مضمون ms0127 الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقكم إذ قال الخ ولا ريب في أنه لا فائدة ~~في تقييد بدء الخلق بذلك الوقت وقيل بخلقكم أو بأحياكم مضمرا وفيه ما فيه ~~وقيل إذ زائدة ويعزى ذلك إلى أبي عبيد ومعمر وقيل أنه بمعنى قد واللام في ~~قوله عز قائلا «للملائكة» للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد ~~لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من PageV01P079 # الاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما اخر كما مر مرارا أو الملائكة جمع ملك ~~باعتبار أصله الذي هو ملأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل في جمع شمأل ~~والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة واشتقاقه من ملك لما فيه من معنى الشدة والقوة ~~وقيل على أنه مقلوب من مألك من الألوكة وهي الرسالة أي موضع الرسالة أو ~~مرسل على أنه مصدر بمعنى المفعول فإنهم وسائط بين الله تعالى وبين الناس ~~فهم رسله عز وجل أو بمنزلة رسله عليهم السلام واختلف العقلاء في حقيقتهم ~~بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها فذهب أكثر المتكلمين إلى ~~أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسل كانوا ~~يرونهم كذلك عليهم السلام وذهب الحكماء إلى أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس ~~الناطقة في الحقيقة وأنها أكمل منها قوة وأكثر علما تجرى منها مجرى الشمس ~~من الأضواء منقسمة إلى قسمين قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن ~~الاشتغال بغيره كما نعتهم الله عز وجل بقوله «يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون» وهم العليون المقربون وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض حسبما ~~جرى عليه قلم القضاء والقدر وهم المدبرات أمرا فمنهم سماوية ومنهم أرضية ~~وقالت طائفة من النصارى هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان ونقل ~~في شرح كثرتهم أنه عليه السلام قال أطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع ~~قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع وروى أن بني آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات ~~البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة ~~الأرض الموكلين ms0128 وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة ~~السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة ثم كل أولئك في مقابلة ملائكة ~~الكرسي نزر قليل ثم جميع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش ~~التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات ~~والأرض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار ~~شبر إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل ~~هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ثم ~~ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود ~~جبريل عليه السلام لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفيات عباداتهم ~~إلا بارئهم العليم الخبير على ما قال تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو وروى ~~أنه عليه السلام حين عرج به إلى السماء رأى ملائكة في موضع بمنزلة شرف يمشى ~~بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام إلى ~~اين يذهبون فقال جبريل لا أدري الا اني أراهم منذ خلقت ولا أرى واحدا منهم ~~قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذ كم خلقت فقال لا أدري غير ان الله ~~عز وجل يخلق في كل أربعمائة الف سنة كوكبا وقد خلق منذ خلقني أربعمائة الف ~~كوكب فسبحانه من اله ما أعظم قدرة وما أوسع ملكوته واختلف في الملائكة ~~الذين قيل لهم ما قيل فقيل هم ملائكة الأرض وروى الضحاك عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنهم المختارون مع إبليس حين بعثه الله عز وجل لمحاربة الجن حيث ~~كانوا سكان الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء فقتلوهم إلا قليلا قد أخرجوهم ~~من الأرض وألحقوهم بجزائر البحار وقلل الجبال وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى ~~عنهم العبادة وأعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانه الجنة فكان ~~يعبد الله تعالى تارة في الأرض PageV01P080 # وتارة في السماء وأخرى في الجنة فأخذه العجب فكان من امره ms0129 ما كان وقال ~~أكثر الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم في أنهم كل الملائكة لعموم ~~اللفظ وعدم المخصص وقوله تعالى «إني جاعل في الأرض خليفة» في حيز النصب على ~~أنه مقول قال وصيغة الفاعل بمعنى المستقبل ولذلك عملت عمله وفيها ما ليس في ~~صيغة المضارع من الدلالة على انه فاعل ذلك لا محالة وهي من الجعل بمعنى ~~التصيير المتعدى إلى مفعولين فقيل أولهما خليفة وثانيهما الظرف المتقدم على ~~ما هو مقتضى فإن مفعولى التصيير في الحقيقة اسم صار وخبره أولهما الأول ~~وثانيهما الثاني وهما مبتدأ وخبر والأصل في الأرض خليفة ثم قيل صار في ~~الأرض خليفة ثم قيل صار في الأرض خليفة ثم مصير في الأرض خليفة فمعناه بعد ~~اللتيا والتي إني جاعل خليفة من الخلائف أو خليفة بعينه كائنا في الأرض فإن ~~خبر صار في الحقيقة هو الكون المقدر العامل في الظروف ولا ريب في ان ذلك ~~ليس مما يقتضيه المقام أصلا وانما الذي يقتضيه هو الإخبار بجعل آدم خليفة ~~فيها كما يعرب عنه جواب الملائكة عليهم السلام فإذن قوله تعالى خليفة مفعول ~~ثان والظرف متعلق بجاعل قدم على المفعول الصريح لما مر من التشويق إلى ما ~~اخر أو بمحذوف وقع حالا مما بعده لكونه نكرة واما المفعول الأول فمحذوف ~~تعويلا على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى «ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما» حذف فيه المفعول الأول وهو ضمير الأموال ~~لدلالة الحال عليه وكذا في قوله تعالى «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ~~الله من فضله هو خيرا لهم» حيث حذف فيه المفعول الأول لدلالة يبخلون عليه ~~أي لا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيرا لهم ولا ريب في تحقيق القرينة ههنا اما ~~ان حمل على الحذف عند وقوع المحكى فهي واضحة لوقوعه في أثناء ذكره عليه ~~السلام على ما سنفصله كأنه قيل اني خالق بشرا من طين وجاعل في الأرض خليفة ~~واما ان حمل على انه لم يحذف هناك بل قيل مثلا وجاعل إياه ms0130 خليفة في الأرض ~~لكنه حذف عند الحكاية فالقرينة ما ذكر من جواب الملائكة عليهم السلام قال ~~العلامة الزمخشري في تفسير قوله تعالى «إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا ~~من طين» ان قلت كيف صح ان يقول لهم بشرا وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به ~~قلت وجهه ان يكون قد قال لهم اني خالق خلقا من صفته كيت وكيت ولكنه حين ~~حكاه اقتصر على الاسم انتهى فحيث جاز الاكتفاء عند الحكاية عن ذلك التفصيل ~~بمجرد الاسم من غير قرينة تدل عليه فما ظنك بما نحن فيه ومعه قرينة ظاهرة ~~ويجوز ان يكون من الجعل بمعنى الخلق المتعدى إلى مفعول واحد هو خليفة وحال ~~الظرف في التعلق والتقديم كما مر فحينئذ لا يكون ما سيأتي من كلام الملائكة ~~مترتبا عليه بالذات بل بالواسطة فإنه روى انه تعالى لما قال لهم اني جاعل ~~في الأرض خليفة قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة قال تعالى يكون له ذرية ~~يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فعند ذلك قالوا ما قالوا والله ~~تعالى اعلم والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه فعيل بمعنى الفاعل والتاء ~~للمبالغة والمراد به اما آدم عليه السلام وبنوه وانما اقتصر عليه استغناء ~~بذكره عن ذكرهم كما يستغنى عن ذكر القبيلة بذكر أبيها كمضر وهاشم ومنه ~~الخلافة في قريش واما من يخلف أو خلف يخلف فيعمه عليه السلام وغيره من ~~خلفاء ذريته والمراد بالخلافة إما الخلافة من جهته سبحانه في اجراء احكامه ~~وتنفيذ أوامره بين الناس وسياسة الخلق لكن لا لحاجة به تعالى إلى ذلك بل ~~لقصور استعداد المستخلف عليهم وعدم لياقتهم لقبول الفيض بالذات فتختص ~~PageV01P081 # بالخواص من بنية وإما الخلافة ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعم حينئذ ~~الجميع «قالوا» استئناف وقع جوابا عما ينساق اليه الأذهان كأنه قيل فماذا ~~قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا «أتجعل فيها من يفسد فيها» وهو أيضا من ~~الجعل المتعدى إلى اثنين فقيل فيهما ما قيل في الأول والظاهر ان الأول كلمة ~~من والثاني ms0131 محذوف ثقة بما ذكر في الكلام السابق كما حذف الأول ثمة تعويلا ~~على ما ذكر هنا قال قائلهم * لا تخلنا على عزائك انا * طالما قد وشى بنا ~~الأعداء * بحذف المفعول الثاني أي لا تخلنا جازعين على عزائك والمعنى أتجعل ~~فيها من يفسد فيها خليفة والظرف الأول متعلق بتجعل وتقديمه لما مر مرارا ~~والثاني بيفسد وفائدته تأكيد الاستبعاد لما ان في استخلاف المفسد في محل ~~افساده من البعد ما ليس في استخلافه في غيره هذا وقد جوز كونه من الجعل ~~بمعنى الخلق المتعدى إلى المفعول واحد هو كلمة من وأنت خبير بأن مدار ~~تعجبهم ليس خلق من يفسد في الأرض كيف لا وان ما يعقبه من الجملة الحالية ~~الناطقة بدعوى أحقيتهم منه يقضي ببطلانه حتما إذ لا صحة لدعوى الأحقية منه ~~بالخلق وهم مخلوقون بل مداره ان يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها بإجراء احكام ~~الله تعالى وأوامره أو يستخلف مكان المطبوعين على الطاعة من من شأن بني ~~نوعه الإفساد وسفك الدماء وهو عليه السلام وإن كان منزها عن ذلك الا ان ~~استخلافه مستتبع لاستخلاف ذريته التي لا تخلو عنه غالبا وانما اظهروا ~~تعجبهم استكشافا عما خفى عليهم من الحكم التي بدت على تلك المفاسد وألغتها ~~واستخبارا عما يزيح شبهتهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه السلام من ~~الفضائل التي جعلته اهلا لذلك كسؤال المتعلم عما ينقدح في ذهنه لا اعتراضا ~~على فعل الله سبحانه ولا شكا في اشتماله على الحكمة والمصلحة أجمالا ولا ~~طعنا فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه الغيبة فإن منصبهم اجل من ان ~~يظن بهم أمثال ذلك قال تعالى «بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون» وإنما عرفوا ما قالوا إما بإخبار من الله تعالى حسبما نقل من قبل ~~أو بتلق من اللوح أو باستنباط عما ارتكز في عقولهم في اختصاص العصمة بهم أو ~~بقياس لأحد الثقلين على الآخر «ويسفك الدماء» السفك والسفح والسبك والسكب ~~أنواع من الصب والأ ولان مختصان بالدم بل لا يستعمل ms0132 أولهما إلا في الدم ~~المحرم إي يقتل النفوس المحرمة بغير حق والتعبير عنه بسفك الدماء لما أنه ~~أقبح أنواع القتل وأفظعه وقرئ يسفك بضم الفاء ويسفك ويسفك من أسفك وسفك ~~وقرئ يسفك على البناء للمفعول وحذف الراجع إلى من موصوله أو موصوفة أي يسفك ~~الدماء فيهم «ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك» جملة حالي مقررة للتعجب السابق ~~ومؤكدة له على طريقة قول من يجد في خدمة مولاه وهو يأمر بها غيره أتستخدم ~~العصاة وأنا مجتهد فيها كأنه قيل أتستخلف من من شأن ذريته الفساد مع وجود ~~من ليس من شانه ذلك أصلا والمقصود عرض أحقيتهم منهم بالخلافة واستفسار عما ~~رجحهم عليهم مع ما هو متوقع منهم من الموانع لا العجب والتفاخر فكأنهم ~~شعروا بما فيهم من القوة الشهوية التي رذيلتها الإفراطية الفساد في الأرض ~~والقوة الغضبية التي رذيلتها الإفراطية سفك الدماء فقالوا ما قالوا وذهلوا ~~عما إذا سخر تهما القوة العقلية ومرنتهما على الخير يحصل ذلك من علو الدرجة ~~ما يقصر عن البلوغ رتبة القوة العقلية عند انفرادها في أفاعيلها كالإحاطة ~~بتفاصيل أحوال الجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من ~~PageV01P082 # القوة إلى الفعل وغير ذلك مما نيط به أمر الخلافة والتسبيح تنزيه الله ~~تعالى وتبعيده اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه سبحانه من سبح في ~~الأرض والماء إذا أبعد وأمعن ومنه فرس سبوح أي واسع الجرى وكذلك تقديسه ~~تعالى من قدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ويقال قدسه أي طهره فإن مطهر ~~الشئ مبعده عن الأقذار والباء في بحمدك متعلقة بمحذوف وقع حالا من الضمير ~~أي ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من ~~فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لإظهار صفات ~~الجلال والحمد لتذكير صفات الإنعام واللام في لك إما مزيده والمعنى نقدسك ~~وإما صلة للفعل كما في سجدت لله وإما للبيان كما في سقيالك فتكون متعلقة ~~بمحذوف أي نقدس تقديسا لك أي نصفك بما يليق بك من ms0133 العلو والعزة وننزهك عما ~~لا يليق بك وقيل المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك كأنهم قابلوا الفساد ~~الذي أعظمه الإشراك بالتسبيح وسفك الدماء الذي هو تلويث النفس بأقبح ~~الجرائم بتطهير النفس عن الآثام لا تمدحا بذلك ولا إظهار للمنة بل بيانا ~~للواقع «قال» استئناف كما سبق «إني أعلم ما لا تعلمون» ليس المراد بيان أنه ~~تعالى يعلم مالا يعلمونه من الأشياء كائنا ما كان فإن ذلك مما لا شبهة لهم ~~فيه حتى يفتقروا إلى التنبيه عليه لا سيما بطريق التوكيد بل بيان أن فيه ~~عليه الصلاة والسلام معاني مستدعية لاستخلافه إذ هو الذي خفى عليهم وبنوا ~~عليه ما بنوا من التعجب والاستبعاد فما موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن تلك ~~المعاني والمعنى إني أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه وإنما لم ~~يقتصر على بيان تحققها فيه عليه السلام بأن قيل مثلا إن فيه ما يقتضيه من ~~غير تعرض لإحاطته تعالى به وغفلتهم عنه تفخيما لشأنه وإيذانا بابتناء أمره ~~تعالى على العلم الرصين والحكمة المتقنة وصدور قولهم عن الغفلة وقيل معناه ~~إني أعلم من المصالح في استخلافه ما هو خفى عليكم وأن هذا إرشاد للملائكة ~~إلى العلم بأن أفعاله تعالى كلها حسنة وحكمة وإن خفى عليهم وجه الحسن ~~والحكمة وأنت خبير بأنه مشعر بكونهم غير عالمين بذلك من قبل ويكون تعجبهم ~~مبنيا على ترددهم في اشتمال هذا الفعل لحكمة ما وذلك مما لا يليق بشأنهم ~~فإنهم عالمون بان ذلك متضمن لحكمة ما ولكنهم مترددون في أنها ماذا هل هو ~~امر راجع إلى محض حكم الله عز وجل أو إلى فضيلة من جهة المستخلف فبين ~~سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام أن فيه فضائل غائبة عنهم ~~ليستشرفوا إليها ثم أبرز لهم طرفا منها ليعاينوه جهرة ويظهر لهم بديع صنعه ~~وحكمته وينزاح شبهتهم بالكلية «وعلم آدم الأسماء كلها» شروع في تفصيل ما ~~جرى بعد الجواب الإجمالي تحقيقا لمضمونه وتفسيرا لإبهامه وهو عطف على قال ~~والابتداء بحكاية التعليم يدل بظاهرة ms0134 على ان ما مر من المقاولة المحكية ~~إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه وهو الأنسب بوقوف الملائكة على ~~أحواله عليه السلام بأن قيل إثر نفخ الروح فيه إني جاعل إياه خليفة فقيل ما ~~قيل PageV01P083 # كما أشير إليه وإيراده عليه السلام باسمه العلمي لزيادة تعيين المراد ~~بالخليفة ولأن ذكره بعنوان الخلافة لا يلائم مقام تمهيد مباديها وهو اسم ~~أعجمي والأقرب أن وزنه فاعل كشالخ وعاذر وعابر وفالغ لا أفعل والتصدي ~~لاشتقاقه من الأذمة أو الأدمة بالفتح بمعنى الأسوة أو من أديم الأرض بناء ~~على ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض ~~سهلها وحزنها فخلق منها آدم ولذلك اختلفت ألوان ذريته أو من الأدم والأدمة ~~بمعنى الألفة تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس ويعقوب من العقب وإبليس من ~~الإبلاس والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشئ ودليلا يرفعه إلى ~~الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال واستعماله عرفا في اللفظ الموضوع لمعنى ~~مفردا كان أو مركبا مخبرا عنه أو خبرا أو رابطة بينهما واصطلاحا في المفرد ~~الدال على معنى في نفسه غير مقترن بالزمان والمراد ههنا أما الأول أو ~~الثاني وهو مستلزم للأول إذ العلم بالألفاظ من حيث الدلالة على المعاني ~~مسبوق بالعلم بها والتعليم حقيقة عبارة عن فعل يترتب عليه العلم بلا تخلف ~~عنه ولا يحصل ذلك بمجرد إضافة المعلم بل يتوقف على استعداد المتعلم لقبول ~~الفيض وتلقيه من جهته كما مر في تفسير الهدى وهو السر في إيثاره على ~~الإعلام والإنباء فإنهما إنما يتوقفان على سماع الخبر الذي يشترك فيه البشر ~~والملك وبه يظهر أحقيته بالخلافة منهم عليهم السلام لما ان جباتهم غير ~~مستعدة للإحاطة بتفاصيل أحوال الجزئيات الجسمانية خبرا فمعنى تعليمه تعالى ~~إياه ان يخلق فيه إذ ذاك بموجب استعداده علما ضروريا تفصيليا بأسماء جميع ~~المسميات وأحوالها وخواصها اللائقة بكل منها أو يلقى في روعة تفصيلا ان هذا ~~فرس وشأنه كيت وكيت وذاك بعير وحاله ذيت وذيت إلى غير ذلك من أحوال ms0135 ~~الموجودات فيتلقاها عليه السلام حسبما يقتضيه استعداده ويستدعيه قابليته ~~المتفرعة على فطرته المنطوية على طبائع متباينة وقوى متخالفة وعناصر ~~متغايرة قال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير رضي الله عنهم علمه ~~أسماء جميع الأشياء حتى القصعة والقصيعة وحتى الجفنة والمحلب وأنحى منفعة ~~كل شئ إلى جنسه وقيل أسماء ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة وقيل معنى ~~قوله تعالى وعلم آدم الأسماء خلقه من اجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدا ~~لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات ~~وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين ~~الصناعات وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها فيكون ما مر من المقاولة قبل ~~خلقه عليه السلام وقيل التعليم على ظاهره ولكن هناك جملا مطوية عطف عليها ~~المدلول المدكور أي فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح وعلمه الخ (ثم عرضهم على ~~الملائكة) الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء كما في قوله تعالى ~~«واشتعل الرأس شيبا» والتذكير لتغليب العقلاء على غيرهم وقرئ عرضهن وعرضها ~~أي عرض مسمياتهن أو مسمياتها في الحديث انه تعالى عرضهم أمثال الذر ولعله ~~عز وجل عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال ~~البقية واحكامها «فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء» تبكيتا لهم واظهارا لعجزهم عن ~~إقامة ما علقوا به رجاءهم من امر الخلافة فإن التصرف والتدبير وإقامة ~~المعدلة بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ومقادير الحقوق مما لا يكاد يمكن ~~والإنباء اخبار فيه اعلام ولذلك يجرى مجرى كل منهما والمراد ههنا ما خلا ~~عنه وايثاره PageV01P084 # على الإخبار للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها فإن النبأ إنما يطلق ~~على الخبر الخطير والأمر العظيم «إن كنتم صادقين» أي في زعمكم انكم أحقاء ~~بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم والتصديق كما يتطرق إلى الكلام ~~باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من الأخبار فإن أدني مراتب ~~الاستحقاق هو الوقوف على أسماء ما في الأرض وأما ما قيل من أن المعنى في ~~زعمكم أني استخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء فليس مما ms0136 يقتضيه المقام ~~وإن أول بأن يقال في زعمكم أني استخلف من غالب أمره الإفساد وسفك الدماء من ~~غير أن يكون له مزية من جهة أخرى إذ لا تعلق له بأمرهم بالإنباء وجواب ~~الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه «قالوا» استئناف واقع موقع الجواب كأنه ~~قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهده ما كلفوه أولا فقيل قالوا «سبحانك» ~~قيل هو علم للتسبيح ولا يكاد يستعمل الا مضافا وقد جاء غير مضاف على الشذوذ ~~غير منصرف للتعريف والألف والنون المزيدتين كما في قوله * سبحان من علقمة ~~الفاخر * وأما ما في قوله * سبحانه ثم سبحانا نعوذ به * فقيل صرفه للضرورة ~~وقيل إنه مصدر منكر كغفران لا اسم مصدر ومعناه على الأول نسبحك عما لا يليق ~~بشأنك الأقدس من الأمور التي من جملتها خلو أفعالك من الحكم والمصالح وعنوا ~~بذلك تسبيحا ناشئا عن كمال طمأنينة النفس والإيقان باشتمال استخلاف آدم ~~عليه السلام على الحكم البالغة وعلى الثاني تنزهت عن ذلك تنزها ناشئا عن ~~ذاتك وأراد به انهم قالوه عن إذعان لما عملوا إجمالا بأنه عليه السلام يكلف ~~ما كلفوه وأنه يقدر على ما قد عجزوا عنه مما يتوقف عليه الخلافة وقوله عز ~~وعلا «لا علم لنا إلا ما علمتنا» اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه إذ معناه لا ~~علم لنا إلا ما عملتناه بحسب فابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قدرة ~~بنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته ~~علينا وما في ما علمتنا موصولة حذف من صلتها عائدها أو مصدرية ولقد نفوا ~~عنهم العلم بالأسماء على وجه المبالغة حيث لم يقتصروا على بيان عدمه بأن ~~قالوا مثلا لا علم لنا بها بل جعلوه من جملة مالا يعلمونه وأشعروا بأن كونه ~~من تلك الجملة غنى عن البيان «إنك أنت العليم» الذي لا يخفى عليه خافية ~~وهذا إشارة إلى تحقيقهم لقوله تعالى «إني أعلم ما لا تعلمون» «الحكيم» أي ~~المحكم لمصنوعاته الفاعل لها حسبما يقتضيه الحكمة والمصلحة وهو خبر بعد ms0137 خبر ~~أو صفة للأول وأنت ضمير الفصل لا محل له من الإعراب أو له محل منه مشارك ~~لما قبله كما قاله الفراء أو لما بعده كما قاله الكسائي وقيل تأكيد للكاف ~~كما في قولك مررت بك أنت وقيل مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر أن وتلك ~~الجملة تعليل لما سبق من قصر علمهم بما علمهم الله تعالى وما يفهم من ذلك ~~من علم آدم عليه السلام بما خفى عليهم فكأنهم قالوا أنت العالم بكل ~~المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام لما نحن بمعزل من ~~الاستعداد له من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من أنواع المخلوقات ~~التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل ألا ما تقتضيه الحكمة ومن ~~جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل من العلوم الكلية والمعارف الجزئية ~~المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في الأرض وبناء امر الخلافة PageV01P085 # عليها «قال» استئناف كما سلف «يا آدم أنبئهم» أي أعلمهم أوثر على أنبئى ~~كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضا وهو ظهور فضل آدم عليهم ~~عليهم السلام إبانة لما بين الأمرين من التفاوت الجلى وإيذانا بأن علمه ~~عليه السلام بها أمر واضح غير محتاج إلى ما يجرى مجرى الامتحان وأنه عليه ~~السلام حقيق بأن يعلمها وغيره وقرئ بقلب الهمزة ياء وبحذفها أيضا والهاء ~~مكسورة فيهما «بأسمائهم» التي عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصر هممهم عن ~~بلوغ مرتبتها «فلما أنبأهم بأسمائهم» الفاء فصيحة عاطفة للجملة الشرطية على ~~محذوف يقتضيه المقام وينسحب عليه الكلام للإيذان بتقرره وغناه عن الذكر ~~وللإشعار بتحققه في اسرع ما يكون كما في قوله عز وجل «فلما رآه مستقرا ~~عنده» بعد قوله سبحانه «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» واظهار الأسماء ~~في موقع الإضمار لإظهار كمال العناية بشأنها والايذان بأنه عليه السلام ~~أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الإجمال والمعنى فأنبأهم بأسمائهم مفصلة ~~وبين لهم أحوال كل منهم وخواصه واحكامه المتعلقة بالمعاش والمعاد فعلموا ~~ذلك لما رأوا انه عليه ms0138 السلام لم يتلعثم في شئ من التفاصيل التي ذكرها مع ~~مساعدة ما بين الأسماء والمسميات من المناسبات والمشاكلات وغير ذلك من ~~القرائن الموجبة لصدق مقالاته عليه السلام فلما أنبأهم بذلك «قال» عز وجل ~~تقريرا لما مر من الجواب الاجمالي واستحضارا له «ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض» لكن لا لتقرير نفسه كما في قوله تعالى ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا ونظائره بل لتقرير ما يفيده من تحقق دواعي الخلافة في آدم عليه ~~السلام لظهور مصداقه وايراد ما لا يعلمون بعنوان الغيب مضافا إلى السماوات ~~والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط وغاية سعته مع الإيذان بأن ~~ما ظهر من عجزهم وعلم آدم عليه السلام من الأمور المتعلقة بأهل السماوات ~~وأهل الأرض وهذا دليل واضح على ان المراد بما لا تعلمون فيما سبق ما أشير ~~اليه هناك كأنه قيل ألم أقل لكم اني اعلم فيه من دواعي الخلافة مالا ~~تعلمونه فيه هو هذا الذي عاينتموه وقوله تعالى «وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون» عطف على جملة ألم أقل لكم لا على اعلم إذ هو غير داخل تحت القول ~~وما في الموضعين موصولة حذف عائدها أي اعلم ما تبدونه وما تكتمونه وتغيير ~~الأسلوب للإيذان باستمرار كتمهم قيل المراد بما يبدون قولهم أتجعل الخ وبما ~~يكتمون استبطانهم انهم أحقاء بالخلافة وانه تعالى لا يخلق خلقا أفضل منهم ~~روى انه تعالى لما خلق آدم عليه السلام رأت الملائكة فطرته العجيبة وقالوا ~~ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا الا كنا أكرم عليه منه وقيل هو ما اسره ~~إبليس في نفسه من الكبر وترك السجود فإسناد الكتمان حينئذ إلى الجميع من ~~قبيل قولهم بنو فلان قتلوا فلانا والقاتل واحد من بينهم قالوا في الآية ~~الكريمة دلالة على شرف الانسان ومزية العلم وفضله على العبادة وأن ذلك هو ~~المناط للخلافة وأن التعليم يصح إطلاقه على الله تعالى وإن لم يصح إطلاق ~~المعلم عليه لاختصاصه عادة PageV01P086 # بمن يحترف به وأن اللغات توقيفية إذ الأسماء ms0139 تدل على الألفاظ بخصوص أو ~~بعموم وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبينا له معانيها وذلك يستدعي ~~سابقة وضع وما هو إلا من الله تعالى وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم ~~والإلزام التكرار وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة والحكماء منعوا ~~ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا على ذلك قوله تعالى «وما منا إلا له مقام ~~معلوم» وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه عليه السلام أعلم منهم وأنه ~~تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها «وإذ قلنا للملائكة» عطف على الظرف الأول ~~منصوب بما نصبه من المضمر أو بناصب مستقل معطوف على ناصبه عطف القصة على ~~القصة أي واذكر وقت قولنا لهم وقيل بفعل دل عليه الكلام أي أطاعوا وقت ~~قولنا الخ وقد عرفت ما في أمثاله وتخصيص هذا القول بالذكر مع كون مقتضى ~~الظاهر إيراده على منهاج ما قبله من الأقوال المحكية المتصلة به للإيذان ~~بأن ما في حيزه نعمة جليلة مستقلة حقيقة بالذكر والتذكير على حيالها ~~والالتفات إلى التكلم لإظهار الجلالة وتربية المهابة مع ما فيه من تأكيد ~~الاستقلال وكذا إظهار الملائكة في موضع الإضمار والكلام في اللام وتقديمها ~~مع مجرورها على المفعول كما مر وقرئ بضم تاء الملائكة اتباعا لضم الجيم في ~~قوله تعالى «اسجدوا لآدم» كما قرئ بكسر الدال في قوله تعالى «الحمد لله» ~~اتباعا لكسر اللام وهي لغة ضعيفة والسجود في اللغة الخضوع والتطامن وفي ~~الشرع وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة فقيل أمروا بالسجود له عليه ~~السلام على وجه التحية والتكرمة تعظيما له واعترافا بفضله وأداء لحق ~~التعليم واعتذارا عما وقع منهم في شأنه وقيل أمروا بالسجود له تعالى وإنما ~~كان آدم قبلة لسجودهم تفخيما لشأنه أو سببا لوجوبه فكأنه تعالى لما برأه ~~أنموذجا للمبدعات كلها ونسخة منطوية على تعلق العالم الروحاني بالعالم ~~الجسماني وامتزاجها على نمط بديع أمرهم بالسجود له تعالى لما عاينوا من ~~عظيم قدرته فاللام فيه كما في قول حسان رضي الله عنه * أليس أول من صلى ~~لقبلتكم * وأعرف الناس ms0140 بالقرآن والسنن * أو في قوله تعالى «أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس» والأول هو الأظهر وقوله عز وجل «فسجدوا» عطف على قلنا والفاء ~~لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال وعدم تلعثمهم في ذلك روى عن وهب أن أول من ~~سجد جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم سائر الملائكة عليهم السلام ~~وقوله تعالى «إلا إبليس» استثناء متصل لما أنه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف ~~من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا عليه في فسجدوا ثم استثنى استثناء واحد ~~منهم أو لأن من الملائكة جنسا يتوالدون يقال لهم الجن كما روى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما وهو منهم أو لأن الجن أيضا كانوا مأمورين بالسجود له لكن ~~استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم أو منقطع وهو اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف ومن ~~جعله مشتقا من الإبلاس وهو إلباس قال إنه مشبه بالعجمة حيث لم يسم به أحد ~~فكان كالاسم الأعجمي واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة ~~الأعراف من قوله PageV01P087 # تعالى «ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» الآية والتي في ~~سورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه من قوله تعالى «وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا» الآية أن سجود الملائكة إنما ترتب على الأمر التنجيزي ~~الوارد بعد خلقه وتسويته ونفخ الروح فيه البتة كما يلوح به حكاية امتثالهم ~~بعبارة السجود دون الوقوع الذي به ورد الأمر التعليقي ولكن ما في سورة ~~الحجر من قوله عز وعلا «وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من ~~حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون» وما في سورة ص من قوله تعالى «إذ قال ربك للملائكة إني خالق ~~بشرا من طين» إلى آخر الآية يستدعيان بظاهرهما ترتبه على ما فيهما من الأمر ~~التعليقي من غير أن يتوسط بينهما شئ غير ما تفصح عنه الفاء الفصيحة من ~~الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه عليه السلام وقد روى عن وهب أنه كان السجود ~~كما نفخ فيه الروح بلا ms0141 تأخير وتأويل الآيات السابقة يحمل ما فيها من الأمر ~~على حكاية الأمر التعليقي بعد تحقق المعلق به إجمالا فإنه حينئذ يكون في ~~حكم التنجيز يأباه ما في سورة الأعراف من كلمة ثم المنادية بتأخر ورود ~~الأمر عن التصوير المتأخر عن الخلق المتأخر عن الأمر التعليقي والاعتذار ~~بحمل التراخي على الرتبى أو التراخي في الإخبار أو بأن الأمر التعليقي قبل ~~تحقق المعلق به لما كان في عدم إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه ~~إنما حدث بعد تحققه فحكى على صورة التنجيز يؤدى بعد اللتيا واللتي إلى أن ~~ما جرى بينه وبينهم عليهم السلام في شأن الخلافة وما قالوا فيه وما سمعوا ~~إنما جرى بعد السجود المسبوق بمعرفة جلالة منزلته عليه السلام وخروج إبليس ~~من البين باللعن المؤبد لعناده وبعد مشاهدتهم لذلك كله عيانا وهل هو إلا ~~خرق لقضية العقل والنقل والالتجاء في التفصي عنه إلى تأويل نفخ الروح بحمله ~~على ما يعم إفاضة ما به حياة النفوس التي من جملتها تعليم السماء تعسف ينبئ ~~عن ضيق المجال فالذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الأنيق بعد التصفح في ~~مستودعات الكتاب المكنون والتفحص عما فيه من السر المخزون أن سجودهم له ~~عليه السلام إنما ترتب على الأمر التنجيزي المتفرع على ظهور فضله عليه ~~السلام المبنى على المجاورة المسبوقة بالإخبار بخلافته المنتظم جميع ذلك في ~~سلك ما نيط به الأمر التعليقي من التسوية ونفخ الروح إذ ليس من قضيته وجوب ~~السجود عقيب نفخ الروح فيه فإن الفاء الجزائية ليست بنص في وجوب وقوع مضمون ~~الجزاء عقيب وجود الشرط من غير تراخ للقطع بعدم وجوب السعي عقيب النداء ~~لقوله تعالى «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا» الآية وبعدم وجوب ~~إقامة الصلاة غب الاطمئنان لقوله تعالى «فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة» بل ~~إنما الوجوب عند دخول الوقت كيف لا والحكمة الداعية إلى ورود ما نحن فيه من ~~الأمر التعليقي أثر ذي أثير إنما هي حمل الملائكة عليهم السلام على التأمل ~~في شأنه عليه السلام لتدبروا في ms0142 أحواله طرا ويحيطوا بما لديه خبرا ~~ويستفهموا ما عسى يستبهم عليهم في أمره عليه السلام لابتنائه على حكم أبيه ~~وأسرار خفية طويت عن علومهم ويقفوا على جلية الحال قبل ورود الأمر التنجيزي ~~وتحتم الامتثال وقد قالوا بحسب ذلك ما قالوا وعاينوا ما عاينوا وعدم نظم ~~الأمر التنجيزي في سلك الأمور المذكورة في السورتين عند الحكاية لا يستلزم ~~عدم انتظامه فيه عند وقوع المحكى كما أن عدم ذكر الأمر التعليقي عند حكاية ~~الأمر التنجيزي PageV01P088 # في السورة الكريمة المذكورة لا يوجب عدم مسبوقيته به فإن حكاية كلام واحد ~~على أساليب مختلفة حسبما يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام ليست بعزيزة ~~في الكتاب العزيز وناهيك بما نقل في توجيه قوله تعالى بشرا مع عدم سبق ~~معرفة الملائكة عليهم السلام بذلك وحيث صير إليه مع أنه لم يرد به نقل فما ~~ظنك بما قد وقع التصريح به في مواضع عديدة فلعله قد ألقى إليهم ابتداء جميع ~~ما يتوقف عليه الأمر التنجيزي إجمالا بأن قيل مثلا إني خالق بشرا من كذا ~~وكذا وجاعل إياه خليفة في الأرض فإذا سويته ونفخت فيه من روحي وتبين لكم ~~شأنه فقعوا له ساجدين فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح فقالوا عند ذلك ما قالوا ~~أو ألقى إليهم خبر الخلافة بعد تحقق الشرائط المعدودة بأن قيل أثر نفخ ~~الروح فيه إني جاعل هذا خليفة في الأرض فهناك ذكروا في حقه عليه السلام ما ~~ذكروا فأيده الله عز وجل بتعليم الأسماء فشاهدوا منه ما شاهدوا فعند ذلك ~~ورد الأمر التنجيزي اعتناء بشأن المأمور به وتعيينا لوقته وقد حكى بعض ~~الأمور في بعض المواطن وبعضها في بعضها اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما ترك ~~في موطن آخر والذي يحسم مادة الاشتباه أن ما في سورة ص من قوله تعالى «إذ ~~قال ربك للملائكة» الخ بدل من قول تعالى «إذ يختصمون» فيما قبله من قوله ~~تعالى «ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون» أي بكلامهم عند ~~اختصامهم والمراد بالملأ الأعلى وآدم عليهم ms0143 السلام وإبليس حسبما أطبق عليه ~~جمهور الأمة وباختصامهم ما جرى بينهم في شأن خلافة آدم عليه السلام من ~~التقاول الذي من جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء ومن ~~قضية البدلية وقوع الاختصام المذكور في تضاعيف ما ذكر فيه تفصيلا من الأمر ~~التعليقي وما علق به من الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه وما ترتب عليه من ~~سجود الملائكة عليهم السلام وعناد إبليس وما تبعه من لعنه وإخراجه من بين ~~الملائكة وما جرى بعده من الأفعال والأقوال وإذ ليس تمام الاختصام بعد سجود ~~الملائكة ومكابرة إبليس بالأسماء حينئذ فهو إذن بعد نفخ الروح وقبل السجود ~~حتما بأحد الطريقين والله سبحانه أعلم بحقيقة الأمر «أبى واستكبر» استئناف ~~مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل ~~والإباء الامتناع بالاختيار والتكبر أن يرى نفسه أكبر من غيره والاستكبار ~~طلب ذلك بالتشبع أي امتنع عما أمر به واستكبر من ان يعظمه أو يتخذه وصله في ~~عبادة ربه وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسببا عنه لظهوره ووضوح ~~أثره واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاء به وفي سورة الحجر على ذكر ~~الإباء حيث قيل أبي أن يكون مع الساجدين «وكان من الكافرين» أي في علم الله ~~تعالى إذ كان أصله من كفره الجن فلذلك ارتكب ما ارتكبه على ما أفصح عنه ~~قوله تعالى «كان من الجن ففسق عن أمر ربه» فالجملة اعتراضية مقررة لما سبق ~~من الإباء والاستكبار أو صار منهم باستقباح أمره تعالى إياه بالسجود لآدم ~~عليه السلام زعما منه أنه أفضل منه والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالخضوع ~~للمفضول كما يفصح عنه قوله «أنا خير منه» حين قيل له «ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين» لا بترك الواجب وحده فالجملة معطوفة ~~على ما قبلها وإيثار الواو على الفاء للدلالة على أن محض الإباء والاستكبار ~~كفر لا أنهما سببان له كما تفيد الفاء PageV01P089 # «وقلنا» شروع في حكاية ما جرى بينه ms0144 تعالى وبين آدم عليه السلام بعد تمام ~~ما جرى بينه تعالى وبين الملائكة وإبليس من الأقوال والافعال وقد تركت ~~حكاية توبيخ إبليس وجوابه ولعنه واستظهاره وإنظاره اجتزاء بما فصل في سائر ~~السور الكريمة وهو عطف على قلنا للملائكة ولا يقدح في ذلك اختلاف وقتيهما ~~فإن المراد بالزمان المدلول عليه بكلمة إذ زمان ممتد واسع للقولين وقيل هو ~~عطف على إذ قلنا بإضمار إذ وهذا تذكير لنعمة أخرى موجبة للشكر مانعة من ~~الكفر وتصدير الكلام بالنداء في قوله تعالى «يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة» ~~للتنبيه على الاهتمام بتلقي المأمور به وتخصيص أصل الخطاب به عليه السلام ~~للإيذان بأصالته في مباشرة المأمور به واسكن من السكنى وهو اللبث والإقامة ~~والاستقرار دون السكون الذي هو ضد الحركة وأنت ضمير أكد به المستكن ليصح ~~العطف عليه واختلف في وقت خلق زوجه فذكر السدى عن ابن مسعود وابن عباس وناس ~~من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ان الله تعالى لما اخرج إبليس من ~~الجنة واسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله ~~تعالى عليه النوم ثم اخذ ضلعا من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء ~~منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة فسألها ما أنت قالت امرأة قال ولم ~~خلقت قالت لتسكن إلى فقالت الملائكة تجربة لعلمه من هذه قال امرأة قالوا لم ~~سميت امرأة قال لأنها من المرء اخذت فقالوا ما اسمها قال حواء قالوا لم ~~سميت حواء قال لأنها خلقت من شئ حي وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~بعث الله تعالى جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما ~~يحمل الملوك ولباسهما النور حتى ادخلوهما الجنة وهذا كما ترى يدل على خلقها ~~قبل دخول الجنة والمراد بها دار الثواب لأنها المعهودة وقيل هي جنة بأرض ~~فلسطين أو بين فارس وكرمان خلقها الله تعالى امتحانا لآدم عليه السلام وحمل ~~الإهباط على النقل منها إلى ارض الهند كما في قوله تعالى ms0145 اهبطوا مصرا لما ~~ان خلقه عليه السلام كان في الأرض بلا خلاف ولم يذكر في هذه القصة رفعه إلى ~~السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر والتذكير لما انه من أعظم النعم ~~ولأنها لو كانت دار الخلد لما دخلها إبليس وقيل إنها كانت في السماء ~~السابعة بدليل اهبطوا ثم إن الإهباط الأول كان منها إلى السماء الدنيا ~~والثاني منها إلى الأرض وقيل الكل ممكن والأدلة النقلية متعارضة فوجب ~~التوقف وترك القطع «وكلا منها» أي من ثمارها وانما وجه الخطاب اليهما ~~تعميما للتشريف والترفيه ومبالغة في إزالة العلل والاعذار وإيذانا ~~بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام في الاكل ~~بخلاف السكن فإنها تابعة له في «رغدا» صفة للمصدر المؤكد أي اكلا واسعا ~~رافها «حيث شئتما» أي أي مكان اردتما منها وهذا كما ترى اطلاق كلي حيث أبيح ~~لهما الاكل منها على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلل ولم يحضر عليهما ~~بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات حتى لا يبقى PageV01P090 # لهما عذر في تناول ما منعا منه بقوله تعالى «ولا تقربا» بفتح الراء من ~~قربت الشيء بالكسر أقربه بالفتح إذ التيست به وتعرضت له وقال الجوهري قرب ~~بالضم يقرب قربا إذا دنا وقربته بالكسر قربانا دنوت منه «هذه الشجرة» نصب ~~على أنه بدل من اسم الإشارة أو نعت له بتأويلها بمشتق أي هذه الحاضرة من ~~الشجرة أي لا تأكلا منها وانما علق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم ~~الأكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها الحنطة أو العنبة أو التينة وقيل هي ~~شجرة من اكل منها احدث والأولى عدم تعيينها من غير قاطع وقرئ هذا بالياء ~~وبكسر شين الشجرة وتاء تقربا وقرئ الشيرة بكسر الشين وفتح الياء «فتكونا من ~~الظالمين» مجزوم على أنه معطوف على تقربا أو منصوب على أنه جواب للنهي ~~وأياما كان فالقرب أي الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين أي الذين ظلموا ~~أنفسهم بارتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم ~~أو تعدوا حدود ms0146 الله تعالى «فأزلهما الشيطان عنها» أي أصدر زلتهما أي زلقهما ~~وحملهما على الزلة بسببها ونظيره عن هذا ما في قوله تعالى «وما فعلته عن ~~أمري» أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما وابعدهما عنها يقال زل عني كذا إذا ~~ذهب عنك ويعضده قراءة أزالهما وهما متقاربان في المعنى فإن الإزلال أي ~~الإزلاق يقتضي زوال الزال عن موضعه البتة وازلاله قوله لهما هل أدلكم على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى وقوله ما نهاكما ربكما عن الشجرة إلا ان تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين ومقاسمته لهما أني لكما لمن الناصحين وهذه ~~الآيات مشعرة بأنه عليه السلام لم يؤمر بسكنى الجنة على وجه الخلود بل على ~~وجه التكرمة والتشريف لما قلد من خلافة الأرض إلى حين البعث إليها واختلف ~~في كيفية توصله إليهما بعد ما قيل له اخرج منها فإنك رجيم فقيل إنه إنما ~~منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة عليهم السلام ولم يمنع ~~من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء وقيل قام عند الباب فناداهما وقيل ~~تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة وقيل دخل في فم الحية فدخل معها ~~وقيل أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم عند الله سبحانه «فأخرجهما مما كانا ~~فيه» أي من الجنة إن كان ضمير عنها للشجرة والتعبير عنها بذلك للإيذان ~~بفخامتها وجلالتها وملابستهما له أي من المكان العظيم الذي كانا مستقرين ~~فيه أو من الكرامة والنعيم إن كان الضمير للجنة «وقلنا اهبطوا» الخطاب لآدم ~~وحواء عليهما السلام بدليل قوله تعالى «اهبطا منها جميعا» وجمع الضمير ~~لأنهما أصل الجنس فكأنهما الجنس كلهم وقيل لهما وللحية وإبليس على انه اخرج ~~منها ثانية بعد ما كان يدخلها للوسوسة أو يدخلها مسارقة أو اهبط من السماء ~~وقرئ بضم الباء «بعضكم لبعض عدو» حال استغنى فيها عن الواو بالضمير أي ~~متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله أو استئناف لا محل له من الاعراب ~~وافراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض وإما لأن وزانة وازن المصدر كالقبول ~~«ولكم في الأرض» التي ms0147 هي محل الإهباط والظرف متعلق بما تعلق به الخبر اعني ~~لكم من PageV01P091 # الاستقرار «مستقر» أي استقرار أو موضع استقرار «ومتاع» أي تمتع بالعيش ~~وانتفاع به «إلى حين» هو حين الموت على أن المغيا تمتع كل فرد من المخاطبين ~~أو القيامة على أنه تمتع الجنس في ضمن بعض الأفراد والجملة كما قبلها في ~~كونها حالا أي مستحقين للاستقرار والتمتع أو استئنافا «فتلقى آدم من ربه ~~كلمات» أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها ووفق لها وقرئ ~~بنصب آدم ورفع كلمات دلالة على أنها استقبلته بلغته وهي قوله تعالى «ربنا ~~ظلمنا أنفسنا» الآية وقيل سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا ~~اله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي انه لا يغفر الذنوب إلا أنت وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال يا رب ألم تنفخ في ~~من روحك قال بلى قال يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال ألم تسكني جنتك ~~قال بلى قال يا رب اني تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال نعم والفاء ~~للدلالة على أن التوبة حصلت عقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة اليه عليه السلام للتشريف والإيذان ~~بعليته لإلقاء الكلمات المدلول عليه بتلقيها «فتاب عليه» أي رجع عليه ~~بالرحمة وقبول التوبة والفاء للدلالة على ترتبه على تلقي الكلمات المتضمن ~~لمعنى التوبة التي هي عبارة عن الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على عدم ~~العود اليه واكتفى بذكر شأن آدم عليه السلام لما أن حواء تبع له في الحكم ~~ولذلك طوى ذكر النساء في أكثر مواقع الكتاب والسنة «إنه هو التواب» أي ~~الرجاع على عباده بالمغفرة أو الذي يكثر اعانتهم على التوبة واصل التوب ~~الرجوع فإذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية وإذا وصف به الباري عز وعلا ~~أريد به الرجوع عن العقاب إلى المغفرة «الرحيم» المبالغ في الرحمة وفي ~~الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران ms0148 والجملة ~~تعليل لقوله تعالى «فتاب عليه» «قلنا» استئناف مبني على سؤال ينسحب عليه ~~الكلام كأنه قيل فماذا وقع بعد قبول توبته فقيل قلنا «اهبطوا منها جميعا» ~~كرر الأمر بالهبوط إيذانا بتحتم مقتضاه وتحققه لا محالة ودفعا لما عسى يقع ~~في أمنيته عليه السلام من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك واظهار لنوع ~~رأفة به عليه السلام لما بين الأمرين من الفرق النير كيف لا والأول مشوب ~~بضرب سخط مذيل ببيان أن مهبطهم دار بلية وتعاد لا يخلدون فيها والثاني ~~مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح واما ما فيه من وعيد ~~العقاب فليس بمقصود من التكليف قصدا أوليا بل انما هو دائر على سوء اختيار ~~المكلفين قيل وفيه تنبيه على أن الحازم يكفيه بالردع عن مخالفة حكم الله ~~تعالى مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين فكيف بالمقترن بهما فتأمل ~~وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والثاني منها إلى الأرض ويأباه ~~التعرض لاستقرارهم في الأرض في الأول ورجوع الضمير PageV01P092 # إلى الجنة في الثاني وجميعا حال في اللفظ وتأكيد في المعنى كأنه قيل ~~اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعى الاجتماع على الهبوط في زمان واحد كما ~~في قولك جاؤوا جميعا بخلاف قولك جاءوا معا «فإما يأتينكم مني هدى» الفاء ~~لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به وأما مركبه من أن الشرطية ~~وما المزيدة المؤكدة لمعناها والفعل في محل الجزم بالشرط لأنه مبنى لاتصاله ~~بنون التأكيد وقيل معرب مطلقا وقيل مبنى مطلقا والصحيح التفصيل إن باشرته ~~النون بنى وإلا أعرب نحو هل يقومان وتقديم الظرف على الفاعل لما مر غير مرة ~~والمعنى إن يأتينكم منى هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم وجواب ~~الشرط قوله تعالى «فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» كما في قولك ~~إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك وإيراد كلمة الشك مع تحقيق الإتيان لا محالة ~~للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثه الرسل وإنزال الكتب ~~بل يكفى في وجوبه إفاضة ms0149 العقل ونصب الأدلة الآفاقية والأنفسية والتمكين من ~~النظر والاستدلال أو للجرى على سنن العظماء في إيراد عسى ولعل في مواقع ~~القطع والجزم والمعنى أن من تبع هداي منكم فلا خوف عليهم في الدارين من ~~لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوب أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه ~~يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم نفس الخوف ~~والحزن أصلا بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعار الخوف والخشية ~~استعظاما لجلال الله سبحانه وهيبته واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق ~~العبودية من خصائص الخواص والمقربين والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان ~~انتفاء دوامها كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما تقرر ~~في موضعه أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب ~~المقام وإظهار الهدى مضافا إلى ضمير الجلالة لتعظيمه وتأكيد وجوب اتباعه أو ~~لأن المراد بالثاني ما هو أعم من الهدايات التشريعية وما ذكر من إفاضة ~~العقل ونصب الأدلة الآفاقية والأنفسية كما قيل وقرئ هدى على لغة هذيل ولا ~~خوف بالفتح «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا» عطف على من تبع الخ قسيم له كأنه ~~قيل ومن لم يتبعه وإنما أوثر عليه ما ذكر تفظيعا لحال الضلالة وإظهار لكمال ~~قبحها وإيراد الموصول بصيغة الجمع للأشعار بكثرة الكفرة والجمع بين الكفر ~~والتكذيب للإيذان بتنوع الهدى إلى ما ذكر من النوعين وإيراد نون العظمة ~~لتربية المهابة وإدخال الروعة وإضافة الآيات إليها لإظهار كمال قبح التكذيب ~~بها أي والذين كفروا برسلنا المرسلة إليهم وكذبوا بآياتنا المنزلة عليهم ~~وقيل المعنى كفروا بالله وكذبوا بآياته التي أنزلها على الأنبياء عليهم ~~السلام أو أظهرها بأيديهم من المعجزات وقيل كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها ~~لسانا فيكون كلا الفعلين متوجها إلى الجار والمجرور والآية في الأصل ~~العلامة الظاهرة قال النابغة * توهمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا ~~العام سابع * ويقال للمصنوعات من حيث دلالتها على الصانع تعالى وعلمه ~~وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل ms0150 لأنها علامة ~~لانفصال ما قبلها مما بعدها وقيل لأنها تجمع كلمات منه فيكون من قولهم خرج ~~فلان بآيتهم أي PageV01P093 # بجماعتهم قال * خرجنا من البيتين لاحى مثلنا * بآيتنا نزجى النعاج ~~المطافلا * واشتقاقها من أي لأنها تبين أيا من أي أو أوى إليه أي رجع ~~وأصلها أوية أو أية فأبدلت عينها ألفا على غير قياس أو أوية أو أبيه كرمكة ~~فأعلت أو آتية كقائلة فحذفت الهمزة تخفيفا «أولئك» إشارة إلى الموصوف ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب وفيه إشعار بتميزهم ~~بذلك الوصف تميزا مصححا للإشارة الحسية وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم فيه وهو مبتدأ وقوله عز وجل «أصحاب النار» أي ملازموها وملابسوها ~~بحيث لا يفارقونها خبرة والجملة خبر للموصول أو أسم الإشارة بدل من الموصول ~~أو عطف بيان له وأصحاب النار خبر له وقوله تعالى «هم فيها خالدون» في حيز ~~النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله تعالى «أصحاب النار خالدين ~~فيها» وقد جوز كونه حالا من النار لاشتماله على ضميرها والعامل معنى ~~الإضافة أو اللام المقدرة أو في محل الرفع على أنه خبر آخر لأولئك على رأي ~~من جوز وقوع الجملة خبرا ثانيا وفيها متعلق بخالدون والخلود في الأصل المكث ~~الطويل وقد انعقد الاجماع على أن المراد به الدوام «يا بني إسرائيل» تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى طائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأمره بتذكير كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله ~~تعالى «وإذ قال ربك» الخ «وإذ قلنا للملائكة» الخ لأن المعنى كما أشير اليه ~~بلغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفة في الأرض ومسجودا للملائكة ~~عليهم السلام وشرفناه بتعليم الأسماء وقبلنا توبته والابن من البناء لأنه ~~مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال أبو الحرب وبنت فكر وإسرائيل ~~لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية صفوة الله وقيل عبد الله وقرئ ~~إسرائيل بحذف ms0151 الياء واسرال بحذفهما وإسرائيل بقلب الهمزة ياء وإسرائيل ~~بهمزة مفتوحة وإسرائيل بهمزة مكسورة بين الراء واللام وتخصيص هذه الطائفة ~~بالذكر والتذكير لما أنهم أوفر الناس نعمة وأكثرهم كفرا بها «اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم» بالتفكر فيها والقيام بشكرها وفيه اشعار بأنهم قد نسوها ~~بالكلية ولم يخطروها بالبال لا أنهم أهملوا شكرها فقط وإضافة النعمة إلى ~~ضمير الجلالة لتشريفها وإيجاب تخصيص شكرها به تعالى وتقييد النعمة بهم لما ~~أن الإنسان مجبول على حب النعمة فإذا نظر إلى ما فاض عليه من النعم حمله ~~ذلك على الرضا والشكر قيل أريد بها ما أنعم به على آبائهم من النعم التي ~~سيجيء تفصيلها وعليهم من فنون النعم التي أجلها إدراك عصر النبي عليه ~~السلام وقرئ اذكروا من الافتعال ونعمتي بإسكان الياء واسقاطها في الدرج وهو ~~مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها «وأوفوا بعهدي» بالإيمان والطاعة ~~«أوف بعهدكم» بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى كل واحد ممن يتولى طرفيه ولعل ~~الأول مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان ~~والعمل الصالح PageV01P094 # بنصب الدلائل وارسال الرسل وانزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم ~~وللوفاء بهما عرض عريض فأول مراتبه منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ومن الله ~~تعالى حقن الدماء والأموال وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث نغفل ~~عن أنفسنا فضلا عن غيرنا ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم وأما ما روي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ~~أوف بعهدكم في رفع الآصار والأغلال وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك ~~الكبائر أوف بالمغفرة والثواب أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف ~~بالكرامة والنعيم المقيم فبالنظر إلى الوسائط وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول ~~والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من ~~حسن الإثابة وتفصيل العهدين قوله تعالى «ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل» ~~إلى قوله «ولأدخلنكم جنات» الخ وقرئ أوف بالتشديد للمبالغة والتأكيد «وإياي ~~فارهبون» فيما تأتون وما تذرون خصوصا ms0152 في نقض العهد وهو آكد في إفادة ~~التخصيص من إياك نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول والفاء الجزائية ~~الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل ان كنتم راهبين شيئا فارهبوني ~~والرهبة خوف معه تحر زو الآية متضمنة للوعد والوعيد ودالة على وجوب الشكر ~~والوفاء بالعهد وان المؤمن ينبغي ان لا يخاف الا الله تعالى «وآمنوا بما ~~أنزلت» افرد الإيمان بالقرآن بالأمر به لما انه العمدة القصوى في شأن ~~الوفاء بالعهود «مصدقا لما معكم» من التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان ~~بعلمهم بتصديقه لها فإن المعية مئنة لتكرر المراجعة إليها والوقوف على ما ~~في تضاعيفها المؤدى إلى العلم بكونه مصدقا لها ومعنى تصديقه للتوراة انه ~~نازل حسبما نعت فيها أو من حيث انه موافق لها في القصص والمواعيد والدعوة ~~إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهى عن المعاصي والفواحش واما ما يتراءى ~~من مخالفته لها في بعض جزئيات الاحكام المتفاوتة بسبب تفاوت الاعصار فليست ~~بمخالفة في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث ان كلا منها حق بالإضافة إلى ~~عصره وزمانه متضمن للحكم التي عليها يدور فلك التشريع وليس في التوراة ~~دلالة على أبدية احكامها المنسوخة حتى يخالفها ما ينسخها وإنما تدل على ~~مشروعيتها مطلقا من غير تعرض لبقائها وزوالها بل نقول هي ناطقة بنسخ تلك ~~الاحكام فان نطقها بصحة القرآن الناسخ لها نطق بنسخها فإذن مناط المخالفة ~~في الاحكام المنسوخة انما هو اختلاف العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل ~~على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال عليه ~~السلام (لو كان موسى حيا لما وسعه الا اتباعي) وتقييد المنزل بكونه مصدقا ~~لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال بالامر فإن ايمانهم بما معهم مما يقتضي ~~الإيمان بما يصدقه قطعا «ولا تكونوا أول كافر به» أي لا تسارعوا إلى الكفر ~~به فإن وظيفتكم ان تكونوا أول من آمن به لما انكم تعرفون شانه وحقيته بطريق ~~التلقي مما معكم من الكتب الإلهية كما تعرفون أبناءكم وقد كنتم تستفتحون ms0153 به ~~وتبشرون PageV01P095 # بزمانه كما سيجيء فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ويجب عليكم مالا يتوهم ~~صدوره عنكم من كونكم أول كافر به ووقوع أول كافر به خبرا من ضمير الجمع ~~بتأويل أول فريق أو فوج أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أو كافر به كقولك ~~كسانا حلة ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما ~~أن المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلست ~~بجاهل لأن المراد نهيهم عن كونهم أو كافر من أهل الكتاب أو ممن كفر بما ~~عنده فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة ~~وأول أفعل لا فعل له وقيل أصله أو أل من وأل إليه إذا نجا وخلص فأبدلت ~~الهمزة واوا تخفيفا غير قياسي أو أأول من آل فقلبت همزته واوا وأدغمت «ولا ~~تشتروا بآياتي» أي لا تأخذوا لأنفسكم بدلا منها «ثمنا قليلا» من الحظوظ ~~الدنيوية فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ ~~الآخرة بترك الإيمان قيل كانت لهم رياسة في قومهم ورسوم وهدايا فخافوا ~~عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها على الإيمان وإنما ~~عبر عن المشترى الذي هو العمدة في عقود المعاوضة والمقصود فيها بالثمن الذي ~~شأنه أن يكون وسيلة فيها وقرنت الآيات التي حقها أن يتنافس فيها المتنافسون ~~بالباء التي تصحب الوسائل إيذانا بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصد الأصلي ~~وسيلة والوسيلة مقصدا «وإياي فاتقون» بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن ~~حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادى لما في ~~الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى أو لأن الخطاب بها ~~لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين وأما الخطاب ~~بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى «ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل» عطف على ما قبله واللبس الخلط وقد يلزمه الاشتباه بين ~~المختلطين والمعنى لا تخلطوا ms0154 الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه ~~حتى يشتبه أحدهما بالآخر أو لا تجعلوا الحق ملتبسا بسب الباطل الذي تكتبونه ~~في تضاعيفه أو تذكرونه في تأويله «وتكتموا الحق» مجزوم داخل تحت حكم النهى ~~كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع ~~الحق والإخفاء عمن لم يسمعه أو منصوب بإضمار أن على أن الواو للجمع أي لا ~~تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وبين كتمانه ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود ~~وتكتمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه ~~من كتمان الحق وتكرير الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي كتموه وكتبوا مكانه غيره كما سيجيء في قوله ~~تعالى «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم» وإما لزيادة تقبيح المنهى عنه إذ ~~في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره «وأنتم تعلمون» أي كونكم عالمين ~~بأنكم لابسون كاتمون أو وأنتم تعلمون أنه حق أو وأنتم من أهل العلم وليس ~~إيراد الحال لتقييد النهى به كما في قوله تعالى «لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى» بل لزيادة تقبيح حالهم إذ الجاهل عسى يعذر PageV01P096 # «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» أي صلاة المسلمين وزكاتهم فإن غيرهما ~~بمعزل من كونه صلاة وزكاة أمرهم الله تعالى بفروع السلام بعد الأمر بأصوله ~~«واركعوا مع الراكعين» أي في جماعتهم فإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ ~~بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس في المناجاة وعبر عن الصلاة ~~بالركوع احترازا عن صلاة اليهود وقيل الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم ~~الشارع قال الضبط بن قريع السعدي * لا تحقرن الضعيف علك أن * تركع يوما ~~والدهر قد رفعه * «أتأمرون الناس بالبر» تجريد للخطاب وتوجيه له إلى بعضهم ~~بعد توجيه إلى الكل والهمزة فيها تقرير مع توبيخ وتعجيب والبر التوسع في ~~الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع يتناول جميع أصناف الخيرات ولذلك قيل ~~البر ثلاثة بر في عبادة الله تعالى وبر في مراعاة الأقارب وبر في معاملة ms0155 ~~الأجانب «وتنسون أنفسكم» أي تتركونها من البر كالمنسيات عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه طمعا في الهدايا والصلات التي كانت ~~تصل إليهم من أتباعهم وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وقال السدي ~~إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وينهونهم عن معصيته وهم يتركون ~~الطاعة ويقدمون على المعصية وقال ابن جريج كانوا يأمرون الناس بالصلاة ~~والزكاة وهم يتركونهما ومدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة دون ما ~~عطفت هي عليه «وأنتم تتلون الكتاب» تبكيت لهم وتقريح كقوله تعالى «وأنتم ~~تعلمون» أي والحال أنكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى الله عليه وسلم ~~الآمرة بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخير والوعيد على الفساد والعناد وترك ~~البر ومخالفة القول العمل «أفلا تعقلون» أي أتتلونه فلا تعقلون ما فيه أو ~~قبح ما تصنعون حتى ترتدعوا عنه فالإنكار متوجه إلى عدم العقل بعد تحقق ما ~~يوجبه فالمبالغة من حيث الكيف أو ألا تتأملون فلا تعقلون فالإنكار متوجه ~~إلى كلا الأمرين والمبالغة حينئذ من حيث الكم والعقل في الأصل المنع ~~والإمساك ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير إلى ذراعه لحبسه عن الحراك ~~سمى به النور الروحاني الذي به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية لأنه ~~يحسبه عن تعاطى ما يقبح ويعقله على ما يحسن والآية كما ترى ناعية على كل من ~~يعظ غيره ولا يتعظ بسوء صنيعه وعدم تأثره وإن فعله الجاهل بالشرع أو الأحمق ~~الخالي عن العقل والمراد بها كما أشير إليه حثه على تزكية النفس والإقبال ~~عليها بالتكميل لتقوم بالحق فتقيم غيرها لا منع الفاسق عن الوعظ يروى أنه ~~كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوى التصرف في القلوب وكان كثيرا ما يموت ~~من أهل مجلسه واحدا أو اثنان من شدة تأثير وعظه وكان في بلده عجوز لها ابن ~~صالح رقيق القلب سريع الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس ~~الواعظ فحضره يوما على حين غفلة ms0156 منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع ثم أن ~~العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت * لتهدى الأنام PageV01P097 # ولا تهتدى * ألا إن ذلك لا ينفع * فيا حجر الشحذ حتى متى * تسن الحديد ~~ولا تقطع فلما سمعه الواعظ شهق شهقة فخر من فرسه مغشيا عليه فحملوه إلى ~~بيته فتوفي إلى رحمة الله سبحانه «واستعينوا بالصبر والصلاة» متصل بما قبله ~~كأنهم لما كلفوا ما فيه من ترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك ~~والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلا على الله تعالى ~~أو بالصوم الذي هو الصبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس ~~والتوسل في الصلاة والالتجاء إليها فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية ~~والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة ~~والعكوف على العبادة واظهار الخشوع بالجوارح واخلاص النية بالقلب ومجاهدة ~~الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والتكلم بالشهادة وكف النفس عن ~~الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب روى أنه عليه السلام ~~كان إذا حزبه امر فزع إلى الصلاة ويجوز أن يراد بها الدعاء «وإنها» أي ~~الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واشتمالها ~~على ضروب من الصبر كما في قوله تعالى «وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها» أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها «لكبيرة» لثقيلة شاقة كقوله تعالى ~~«كبر على المشركين ما تدعوهم إليه» «إلا على الخاشعين» الخشوع الإخبات ومنه ~~الخشعة للرملة المتطامنة والخضوع اللين والانقياد ولذلك يقال الخشوع ~~بالجوارح والخضوع بالقلب وإنما لم تثقل عليهم لأنهم يتوقعون ما أعد لهم ~~بمقابلتها فتهون عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربهم فلا يدركون ما يجري ~~عليهم من المشاق والمتاعب ولذلك قال عليه السلام وقرة عيني في الصلاة ~~والجملة حالية أو اعتراض تذييلي «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون» أي يتوقعون لقاءه تعالى ونيل ما عنده من المثوبات والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إليهم للإيذان بفيضان احسانه إليهم أو يتيقنون أنهم ~~يحشرون اليه للجزاء فيعملون على حسب ms0157 ذلك رغبة ورهبة وأما الذين لا يوقنون ~~بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب كانت عليهم مشقة خالصة فتثقل ~~عليهم كالمنافقين والمرائين فالتعرض للعنوان المذكور للإشعار بعلية ~~الربوبية والمالكية للحكم ويؤيده ان في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه يعملون ~~وكان الظن لما شابه العلم في الرجحان اطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال * ~~فأرسلته مستيقن الظن إنه * مخالط ما بين الشراسيف جائف * وجعل خبر أن في ~~الموضعين اسما للدلالة على تحقيق اللقاء والرجوع وتقررهما عندهم «يا بني ~~إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» كرر التذكير للتأكيد ولربط ما بعده ~~من الوعيد الشديد به «وأني فضلتكم» عطف على نعمتي عطف الخاص على العام ~~لكماله أي فضلت آباءكم «على العالمين» أي عالمي زمانهم بما منحتهم من العلم ~~والإيمان والعمل الصالح وجعلتهم أنبياء وملوكا مقسطين وهم آباءهم ~~PageV01P098 # الذين كانوا في في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا «واتقوا ~~يوما» أي حساب يوم أو عذاب يوم «لا تجزي نفس عن نفس شيئا» أي لا تقضي عنها ~~شيئا من الحقوق فانتصاب شيئا على المفعولية أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه ~~على المصدرية وقرئ لا تجتزئ أي لا تغني عنها فيتعين النصب على المصدرية ~~وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والإقناط الكلي والجملة صفة يوما ~~والعائد منها محذوف أي لا تجزي فيه ومن لم يجوز الحذف قال اتسع فيه فحذف ~~الجار وأجرى المجرور مجرى المفعول به ثم حذف كما حذف في قول من قال * فما ~~أدرى أغيرهم تناء * وطول العهد أم مال أصابوا * أي أصابوه «ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل» أي من النفس الثانية العاصية أو من الأولى ~~والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فردا فجعله الشفيع شفعا والعدل ~~الفدية وقيل البدل وأصله التسوية سمى به الفدية لأنها تساوي المفدى وتجزى ~~مجزاه «ولا هم ينصرون» أي يمنعون من عذاب الله عز وجل والضمير لما دلت عليه ~~النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة والتذكير ~~لكونها عبارة عن ms0158 العباد والأناسى والنصرة ههنا أخص من المعونة لاختصاصها ~~بدفع الضرر وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه ~~محتمل فإنه إما أن يكون قهرا أولا والأول النصرة والثاني إما أن يكون مجانا ~~أولا والأول الشفاعة والثاني إما أن يكون بأداء عين ما كان عليه وهو أن ~~يجزي عنه أو بأداء غيره وهو أن يعطي عنه عدلا وقد تمسكت المعتزلة بهذه ~~الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر والجواب أنها خاصة بالكفار للآيات ~~الواردة في الشفاعة والأحاديث المروية فيها ويؤيده أن الخطاب معهم ولردهم ~~عما كانوا عليه من اعتقاد أن أباءهم الأنبياء يشفعون لهم «وإذ نجيناكم من ~~آل فرعون» تذكير لتفاصيل ما أجمل في قوله تعالى «نعمتي التي أنعمت عليكم» ~~من فنون النعماء وصنوف الآلاء أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم أي آباءكم فإن ~~تنجيتهم تنجية لأعقابهم وقرئ أنجيتكم وأصل آل أهل لأن تصغيره أهيل وخص ~~بالإضافة إلى أولى الأخطار كالأنبياء عليهم السلام والملوك وفرعون لقب لمن ~~ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس وقيصر لملك الروم وخاقان لملك الترك ولعتوه ~~اشتق منه تفر عن الرجل إذا عتا وتمرد وكان فرعون موسى عليه السلام مصعب بن ~~ريان وقيل ابنه وليدا من بقايا عاد وقيل إنه كان عطارا أصفهانيا ركبته ~~الديون فأفلس فاضطر إلى الخروج فلحق بالشام فلم يتسن له المقام به فدخل مصر ~~فرأى في ظاهره حملا من البطيخ بدرهم وفي نفسه بطيخة بدرهم فقال في نفسه إن ~~تيسر لي أداء الدين فهذا طريقه فخرج إلى السواد فاشترى حملا PageV01P099 # بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقيه من المكاسين أخذوا منه بطيخا فدخل ~~البلد وما معه إلا بطيخة فذة باعها بدرهم ومضى لوجهه ورأى أهل البلد ~~متروكين سدى لا يتعاطى أحد سياستهم وكان قد وقع بهم وباء عظيم فتوجه نحو ~~المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لأوليائه فقال أنا المقابر فلا أدعكم تدفنونه ~~حتى تعطوني خمسة دراهم فدفعوها إليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة ~~أشهر مالا عظيما ولم ms0159 يتعرض له أحد قط إلى أن تعرض يوما لأولياء ميت فطلب ~~منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبوا ذلك فقالوا من نصبك هذا المنصب فذهبوا به ~~إلى فرعون فقال من أنت ومن أقامك بهذا المقام قال لم يقمنى أحد وإنما فعلت ~~ما فعلت ليحضرني أحد إلى مجلسك فأنبهك على اختلال قومك وقد جمعت بهذا ~~الطريق هذا المقدار من المال فأحضره ودفعه إلى فرعون فقال ولنى أمورك ترني ~~أمينا كافيا فولاه إياها فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر واستقامت ~~أحوال الرعية ولبث فبهم دهرا طويلا وترامى أمره في العدل والصلاح فلما مات ~~فرعون أقاموه مقامه فكان من امره ما كان وكان فرعون يوسف ريان وكان بينهما ~~أكثر من أربعمائة سنة «يسومونكم» أي يبغونكم من سامة خسفا إذا أولاه ظلما ~~وأصله الذهاب في طلب الشئ «سوء العذاب» أي أفظعه وأقبحه بالنسبة إلى سائره ~~والسوء مصدر من ساء يسوء ونصبه على المفعوليه ليسومونكم والجلمة حال من ~~الضمير في نجيانكم أو من آل فرعون أو منهما جميعا لاشتمالها على ضميريهما ~~«يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم» بيان ليسومونكم ولذلك ترك العطف بينهما ~~وقرئ يذبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعون رأى في المنام ~~أو أخبره الكهنة أنه سيولد منهم من يذهب بملكة فلم يرد اجتهادهم من قضاء ~~الله عز وجل شيئا قيل قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفا ~~وقد أعطى الله عز وجل نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان ~~يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة «وفي ~~ذلكم» إشارة إلى ما ذكر من التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه وجمع ~~الضمير للمخاطبين فعلى الأول معنى قوله تعالى «بلاء» محنة وبلية وكون ~~استحياء نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنة مع أنه عفو وترك للعذاب لما ~~أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمة وأصل البلاء ~~الاختبار ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه محالا وكان ما يجرى مجرى الاختبار ~~لعباده تارة ms0160 بالمحنة وأخرى بالمنحة أطلق عليهما وقيل يجوز أن يشار بذلكم ~~إلى الجملة ويراد بالبلاء القدر المشترك الشامل لهما «عظيم» صفة لبلاء ~~وتنكيرهما للتفخيم وفي الآية الكريمة تنبيه على أن ما يصيب العبد من السراء ~~والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار «وإذ ~~فرقنا بكم البحر» بيان لسبب التنجية وتصوير لكيفيتها إثر تذكيرها وبيان ~~عظمها وهو لها وقد بين في تضاعيف ذلك نعمة جليلة أخرى هي الإنجاء من الغرق ~~أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو متلبسا بكم كقوله تعالى «تنبت بالدهن» أو ~~بسبب إنجائكم وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت مسالك وقرئ PageV01P100 # بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثنى عشر بعدد الأسباط «فأنجيناكم» أي ~~من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما يلوح به العدول إلى صيغة الأفعال بعد ~~إيراد التخليص من فرعون بصيغة التفعيل وكذا قوله تعالى «وأغرقنا آل فرعون» ~~أريد فرعون وقومه وإنما اقتصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل شخصه ~~كما روى أن الحسن رضى الله عنه كان يقول اللهم صل على آل محمد أي شخصه ~~واستغنى بذكره عن ذكر قومه «وأنتم تنظرون» ذلك أو غرقهم وإطباق البحر عليهم ~~أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل ~~أو ينظر بعضكم بعضا روى أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسرى ببني ~~إسرائيل فخرج بهم فصبحهم فرعون وجنوده وصادفوهم على شاطئ البحر فأوحى الله ~~تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه بها فظهر فيه اثنا عشر طريقا يابسا ~~فسلكوها فقالوا نخاف أن يغرق بعض أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى فيها ~~كوى فتراءوا وتسامعوا حتى عبروا البحر فلما وصل إليه فرعون فرآه منفلقا ~~اقتحمه هو وجنوده فغشيهم ما غشيهم واعلم أن هذه الواقعة كما أنها لموسى ~~معجزة عظيمة تخر لها أطم الجبال ونعمة عظيمة لأوائل بني إسرائيل موجبة ~~عليهم شكرها كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية وتنقاد ms0161 لها النفوس الغبية موجبة ~~لأعقابهم أن يتلقوها بالإذعان فلا تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا ~~تذكرت أو اخرهم بتذكيرها وروايتها فيالها من عصابة ما أعصاها وطائفة ما ~~أطغاها «وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة» لما عادوا إلى مصر بعد مهلك فرعون ~~وعد الله موسى عليه السلام أن يعطيه التوراة وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ~~ذي الحجة وقيل وعد عليه السلام بنى إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم ~~أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون ~~سأل موسى ربه الكتاب فامره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة ثم زاد عشرا من ~~ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى ~~الثلاثي وقيل على أصلها تنزيلا لقبول موسى عليه السلام منزلة الوعد وأربعين ~~ليلة مفعول ثان لواعدنا على حذف المضاف أي بمقام أربعين ليلة وقرئ وعدنا ~~«ثم اتخذتم العجل» بتسويل السامري الها ومعبودا وثم للتراخي الرتبي «من ~~بعده» أي من بعد مضيه إلى الميقات على حذف المضاف «وأنتم ظالمون» بإشراككم ~~ووضعكم للشئ في غير موضعه وهو حال من ضمير اتخذتم أو اعتراض تذييلي أي ~~وأنتم قوم عادتكم الظلم «ثم عفونا عنكم» حين تبتم والعفو محو الجريمة من ~~عفاة درسه وقد يجيء لازما قال * عرفت المنزل الخالي * عفا من بعد أحوال * ~~عفاه كل هتان * كثير الوبل هطال * وقوله تعالى «من بعد ذلك» أي من بعد ~~الاتخاذ الذي هو متناه في القبح للإيذان بكمال بعد العفو بعد تلك المرتبة ~~من الظلم «لعلكم تشكرون» لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على ~~الطاعة PageV01P101 # " وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان» أي التوراة الجامعة بين كونها كتابا ~~وحجة تفرق بين الحق والباطل وقيل أريد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق ~~والمبطل في الدعوى أو بين الكفر والإيمان وقيل الشرع الفارق بين الحلال ~~والحرام أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى يوم الفرقان يريد به ~~يوم بدر «لعلكم تهتدون» لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه «وإذ قال ~~موسى ms0162 لقومه» بيان لكيفية وقوع العفو المذكور «يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل» أي معبودا «فتوبوا» أي فاعزموا على التوبة «إلى بارئكم» أي ~~إلى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور ~~وهيئات مختلفة واصل التركيب الخلوص عن الغير اما بطريق التفصي كما في برئ ~~المريض أو بطريق الإنشاء كما في برأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان ~~البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث ~~تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمته بريئا من التفاوت ~~والتنافر إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة وأن من لم بعرف حقوق ~~منعمه حقيق بأن تسترد هي منه ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب «فاقتلوا ~~أنفسكم» تماما لتوبتكم بالبخع أو بقطع الشهوات وقيل أمروا أن يقتل بعضهم ~~بعضا وقيل أمر من لم يعبد العجل بقتل من عبده يروى أن الرجل كان يرى قريبه ~~فلم يقدر على المضي لأمر الله تعالى فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا ~~يتباصرون بها فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشى حتى دعا موسى وهارون ~~عليهما السلام فكشفت السحابة ونزلت التوبة وكانت القتلى سبعين ألفا والفاء ~~الأولى للتسبيب والثانية للتعقيب «ذلكم» إشارة إلى ما ذكر من التوب والقتل ~~«خير لكم عند بارئكم» لما أنه طهرة عن الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية ~~والبهجة السرمدية «فتاب عليكم» عطف على محذوف على أنه خطاب منه سبحانه على ~~نهج الالتفات من التكلم الذي يقتضيه سباق النظم الكريم وسياقه فإن مبنى ~~الجميع على التكلم إلى الغيبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعل إلى ضمير بارئكم ~~المستتبع للإيذان بعلية عنوان البارئية والخلق والإحياء لقبول التوبة التي ~~هي عبارة عن العفو عن القتل تقديره فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم ~~وإنما لم يقل فتاب عليهم على أن الضمير للقوم لما أن ذلك نعمة أريد التذكير ~~بها للمخاطبين لا لأسلافهم هذا وقد جوز أن يكون فتاب عليكم متعلقا بمحذوف ~~على أنه من كلام موسى عليه السلام لقومه تقديره إن فعلتم ms0163 ما أمرتم به فقد ~~تاب عليكم ولا يخفى أنه بمعزل من اللياقة بجلالة شأن التنزيل كيف لا وهو ~~حينئذ حكاية لوعد موسى عليه السلام قومه بقبول التوبة منه تعالى لا لقبوله ~~تعالى حتما وقد عرفت أن الآية الكريمة تفصيل لكيفية القبول المحكى فيما قبل ~~وأن المراد تذكير المخاطبين بتلك النعمة «إنه هو التواب الرحيم» تعليل ~~PageV01P102 # لما قبله أي أن الذي يكثر توفيق المذنبين لتوبة ويبالغ في قبولها منهم ~~وفي الانعام عليهم «وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك» تذكير لنعمة أخرى عليهم ~~بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمة التي هي اتخاذ العجل أي لن نؤمن ~~لأجل قولك ودعوتك أو لن نقر لك والمؤمن به أعطاء الله إياه التوراة أو ~~تكليمه إياه أو أنه نبي أو انه تعالى جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم «حتى نرى ~~الله جهرة» أي عيانا وهي في الأصل مصدر قولك جهرت بالقراءة استعيرت ~~للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف الا ان الأول في ~~المسموعات والثاني في المبصرات ونصبها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو ~~حال من الفاعل أو المفعول وقرئ بفتح الهاء على أنها مصدر كالغلبة أو جمع ~~كالكتبة فيكون حالا من الفاعل لا غير والقائلون هم السبعون المختارون ~~لميقات التوبة عن عبادة العجل روى أنهم لما ندموا على ما فعلوا وقالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين أمر الله موسى عليه السلام أن ~~يجمع سبعين رجلا ويحضر معهم الطور يظهرون فيه تلك التوبة فلما خرجوا إلى ~~الطور وقع عليه عمود من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى عليه السلام ~~يأمره وينهاه وكان كلما كلمه تعالى أوقع على جبهته نورا ساطعا لا يستطيع ~~أحد من السبعين النظر إليه وسمعوا كلامه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ~~ولا تفعل فعند ذلك طمعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة ~~الأعراف إن شاء الله تعالى وقيل عشرة آلاف من قومه «فأخذتكم الصاعقة» لفرط ~~العناد والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا ms0164 أنه سبحانه وتعالى مما يشبه ~~الأجسام وتتعلق به الرؤية تعلقها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز ~~ولا ريب في استحالته إنما الممكن في شأنه تعالى الرؤية المنزهة عن الكيفيات ~~بالكلية وذلك للمؤمن ين في الآخرة وللأفراد من الأنبياء الذين بلغوا في ~~صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها ~~وتجردوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا قيل جاءت نار من ~~السماء فأحرقتهم وقيل صيحة وقيل جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يوما ~~وليلة وعن وهب أنهم لم يموتوا بل لما رأوا تلك الهيئة الهائلة أخذتهم ~~الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم وأشرفوا على الهلاك فعند ~~ذلك بكى موسى عليه السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم ~~عقولهم ومشاعرهم ولم تكن صعقة موسى عليه السلام موتا بل غشية لقوله تعالى ~~«فلما أفاق» «وأنتم تنظرون» أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره «ثم بعثناكم من ~~بعد موتكم» بتلك الصاعقة قيد البعث به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون ~~من النوم كما في قوله تعالى «ثم بعثناهم لنعلم» الخ «لعلكم تشكرون» أي نعمة ~~البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى «وظللنا عليكم الغمام» أي ~~جعلناها بحيث تلقى عليكم ظلها وذلك أنه تعالى سخر PageV01P103 # لهم السحاب يسير بسيرهم وهم في التيه يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود ~~من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى «وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى» أي الترنجبين والسماني وقيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من ~~الفجر إلى الطلوع لكل إنسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السماني فيذبح الرجل ~~منه ما يكفيه «كلوا» على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم كلوا «من ~~طيبات ما رزقناكم» من مستلذاته وما موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن ~~والسلوى «وما ظلمونا» كلام عدل به عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء ~~جنايات المخاطبين للإعراض عنهم وتعداد قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة ms0165 ~~معطوف على مضمر قد حذف للإيجار والإشعار بأنه أمر محقق غنى عن التصريح به ~~أي فظلموا بأن كفروا تلك النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك «ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون» بالكفران إذ لا يتخطاهم ضرورة وتقديم المفعول للدلالة على القصر ~~الذي يقتضيه النفي السابق وفيه ضرب تهكم بهم والجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر «وإذ قلنا» ~~تذكير لنعمة أخرى من جنابه تعالى وكفرة أخرى لأسلافهم أي واذكروا وقت قولنا ~~لآبائكم أثر ما أنقذناهم من التيه «ادخلوا هذه القرية» منصوبة على الظرفية ~~عند سيبويه وعلى المفعولية عند الأخفش وهي بيت المقدس وقيل أريحا «فكلوا ~~منها حيث شئتم رغدا» أي واسعا هنيئا ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير ~~المخاطبين وفيه دلالة على أن المأمور به الدخول على وجه الإقامة والسكنى ~~فيؤول إلى ما في سورة الأعراف من قوله تعالى «اسكنوا هذه القرية» «وادخلوا ~~الباب» أي باب القرية على ما روى من أنهم دخلوا أريحاء في زمن موسى عليه ~~السلام كما سيجيء في سورة المائدة أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها ~~فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام «سجدا» أي متطامنين ~~مخبتين أو ساجدين لله شكرا على إخراجهم من التيه «وقولوا حطة» أي مسألتنا ~~أو أمرك حطة وهي فعله من الحط كالجلسة وقرئ بالنصب على الأصل بمعنى حط عنا ~~ذنوبنا حطة أو على أنها مفعول قولوا أي قولوا هذه الكلمة وقيل معناه أرنا ~~حطة أي أن نحط رحالنا في هذه القرية ونقيم بها «نغفر لكم خطاياكم» لما ~~تفعلون من السجود والدعاء وقرئ بالياء والتاء على البناء للمفعول وأصل ~~خطايا خطايىء كخضايع فعند سيبويه أبدلت الياء الزائدة همزة لوقوعها بعد ~~الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفا وكانت الهمزة بين ~~ألفين فأبدلت ياء وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ذكر ~~«وسنزيد المحسنين» ثوابا جعل الامتثال توبة للمسئ وسببا لزيادة الثواب ~~للمحسن وأخرج ذلك عن صورة الجواب إلى الوعد ms0166 إيذانا بأن المحسن بصدد ذلك وإن ~~لم يفعله فكيف إذا فعله وأنه يفعله لا محالة PageV01P104 # «فبدل الذين ظلموا» بما أمروا به من التوبة والاستغفار بأن اعرضوا عنه ~~وأوردوا مكانه «قولا» آخر مما لا خير فيه روى انهم قالوا مكان حطة حنطة ~~وقيل قالوا بالنبطية حطا سمقاثا يعنون حنطة حمراء استخفافا بأمر الله عز ~~وجل «غير الذي قيل لهم» نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل ~~بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه «فأنزلنا» أي ~~عقيب ذلك «على الذين ظلموا» بما ذكر من التبديل وانما وضع الموصول موضع ~~الضمير العائد إلى الموصول الأول للتعليل والمبالغة في الذم والتقريع ~~وللتصريح بأنهم بما فعلوا قد ظلموا أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى «رجزا ~~من السماء» أي عذابا مقدرا منها والتنوين للتهويل والتفخيم «بما كانوا ~~يفسقون» بسبب فسقهم المستمر حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~وتعليل إنزال الرجز به بعد الإشعار بتعليله بظلمهم للإيذان بأن ذلك فسق ~~وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع ما ارتكبوه من القبائح لا ~~بعدم توبتهم فقط كما يشعر به ترتيبه على ذلك بالفاء والرجز في الأصل ما ~~يعاف عنه وكذلك الرجس وقرئ بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعون روى انه ~~مات به في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا «وإذ استسقى موسى لقومه» تذكير ~~لنعمة أخرى كفروها وكان ذلك في التيه حين استولى عليهم العطش الشديد وتغيير ~~الترتيب لما أشير اليه مرارا من قصد ابراز كل من الأمور المعدودة في معرض ~~امر مستقل واجب التذكير والتذكر ولو روعى الترتيب الوقوعي لفهم ان الكل امر ~~واحد امر بذكره واللام متعلقة بالفعل أي استسقى لأجل قومه «فقلنا اضرب ~~بعصاك الحجر» روى انه كان حجرا طوريا مكعبا حمله معه وكان ينبع من كل وجه ~~منه ثلاث أعين يسيل كل عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة الف وسعة المعسكر ~~اثنى عشر ميلا أو كان حجرا أهبطه الله تعالى مع آدم عليه السلام من الجنة ms0167 ~~ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه موسى عليه السلام مع العصا أو كان هو ~~الحجر الذي فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى به عما رموه به ~~من الأدرة فأشار اليه جبريل عليه السلام ان يحمله أو كان حجرا من الحجارة ~~وهو الأظهر في الحجة قيل لم يؤمر عليه السلام بضرب حجر بعينه ولكن لما ~~قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى ارض لا حجارة بها حمل حجرا في مخلاته وكان ~~يضربه بعصاه إذا نزل فيتفجر ويضربه إذا ارتحل فييبس فقالوا ان فقد موسى ~~عصاه متنا عطشا فأوحى الله تعالى اليه ان لا تقرع الحجر وكلمه يطعك لعلهم ~~يعتبرون وقيل كان الحجر من رخام حجمه ذراع في ذراع والعصا عشرة اذرع على ~~طوله عليه السلام PageV01P105 # من آس الجنة ولها شعبتان تتقدان في الظلمة «فانفجرت» عطف على مقدر ينسحب ~~عليه الكلام قد حذف للدلالة على كمال سرعة تحقق الانفجار كأنه حصل عقيب ~~الأمر بالضرب أي فضرب فانفجرت «منه اثنتا عشرة عينا» وأما تعلق الفاء ~~بمحذوف أي فإن ضربت فقد انفجرت فغير حقيق بجلالة شأن النظم الكريم كما لا ~~يخفى على أحد وقرئ عشرة بكسر الشين وفتحها وهما أيضا لغتان «قد علم كل ~~أناس» كل سبط «مشربهم» عينهم الخاصة بهم «كلوا واشربوا» على إرادة القول ~~«من رزق الله» هو ما رزقهم من المن والسلوى والماء وقيل هو الماء وحده لأنه ~~يؤكل ما ينبت به من الزروع والثمار ويأباه أن المأمور به أكل النعمة ~~العتيدة لا ما سيطلبونه وإضافته إليه تعالى مع استناد الكل إليه خلقا وملكا ~~إما للتشريف وإما لظهوره بغير سبب عادى وإنما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه ~~قوله تعالى فقلنا الخ إيذانا بأن الأمر بالأكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب ~~بل بواسطة موسى عليه السلام «ولا تعثوا في الأرض» العثى أشد الفساد فقيل ~~لهم لا تتمادوا في الفساد حال كونكم «مفسدين» وقيل إنما قيد به لأن العثى ~~في الأصل مطلق التعدي وإن غلب في الفساد وقد يكون في ms0168 غير الفساد كما في ~~مقابلة الظالم المعتدى بفعله وقد يكون فيه صلاح راجح كقتل الخضر عليه ~~السلام للغلام وخرقه للسفينة ونظيره العبث خلا أنه غالب فيما يدرك حسا «وإذ ~~قلتم» تذكير لجناية أخرى لأسلافهم وكفرانهم لنعمة الله عز وجل وإخلادهم إلى ~~ما كانوا فيه من الدناءة والخساسة وإسناد القول المحكى إلى أخلاقهم وتوجيه ~~التوبيخ إليهم لما بينهم من الاتحاد «يا موسى لن نصبر على طعام واحد» لعلهم ~~لم يريدوا بذلك جمع ما طلبوا مع ما كان لهم من النعمة ولا زوالها وحصول ما ~~طلبوا مكانها إذ يأباه التعرض لوحدة بل أرادوا أن يكون هذا تارة وذاك أخرى ~~روى أنهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة ~~العتيدة لوحدتها النوعية واطرادها وتاقت أنفسهم إلى الشقاء «فادع لنا ربك» ~~أي سله لأجلنا بدعائك إياه والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء والتعرض لعنوان ~~الربوبية لتمهيد مبادى الإجابة «يخرج لنا» أي يظهر لنا ويوجد والجزم لجواب ~~الأمر «مما تنبت الأرض» إسناد مجازي بإقامة القابل مقام الفاعل ومن تبعيضية ~~والتي في قوله تعالى «من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها» بيانية واقعة ~~موقع الحال أي كائنا من بقلها الخ وقيل بدل بإعادة الجار والبقل ما تنبت ~~الأرض من الخضر والمراد أطايبه التي تؤكل كالنعناع والكرفس والكراث ~~وأشباهها والفوم الحنطة وقيل الثوم وقرئ قثائها بضم القاف وهو لغة فيه ~~«قال» أي الله تعالى أو موسى عليه السلام PageV01P106 # إنكارا عليهم وهو استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال لهم ~~فقيل قال «أتستبدلون» أي أتأخذون لأنفسكم وتختارون «الذي هو أدنى» أي أقرب ~~منزلة وأدون قدرا سهل المنال وهين الحصول لعدم كونه مرغوبا فيه وكونه تافها ~~مرذولا قليل القيمة وأصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير ~~البعد للشرف والرفعة فقيل بعيد المحل وبعيد الهمة وقرئ أدنأ من الدناءة وقد ~~حملت المشهورة على أن ألفها مبدلة من الهمزة «بالذي هو خير» أي بمقابلة ما ~~هو خير فإن الباء تصحب الذاهب الزائل دون دون ms0169 الآتي الحاصل كما في التبديل ~~في مثل قوله عز وجل «ومن يتبدل الكفر بالإيمان» وقوله «وبدلناهم بجنتيهم ~~جنتين ذواتي أكل خمط» وليس فيه ما يدل قطعا على أنهم أرادوا زوال المن ~~والسلوى بالمرة وحصول ما طلبوا مكانه كتحقيق الاستبدال فيما مر من صورة ~~المناوبة «اهبطوا مصرا» أمروا به بيانا لدناءة مطلبهم أو إسعافا لمرامهم أي ~~انحدروا إليه من التيه يقال هبط الوادي وقرئ بضم الباء والمصر البلد العظيم ~~وأصله الحد بين الشيئين وقيل أريد به العلم وإنما صرف لسكون وسطه أو ~~لتأويله بالبلد دون المدينة ويؤيده أنه في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه غير ~~منون وقيل أصله مصراييم فعرب «فإن لكم ما سألتم» تعليل للأمر بالهبوط أي ~~فإن لكم فيه ما سألتموه ولعل التعبير عن الأشياء المسئولة بما للاستهجان ~~بذكرها كأنه قيل فإنه كثير فيه مبتذل يناله كل أحد بغير مشقة «وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة» أي جعلتا محيطتين بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقتا ~~بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم من ضرب الطين ~~على الحائط بطريق الاستعارة بالكناية واليهود في غالب الامر أذلاء مساكين ~~إما على الحقيقة وأما لخوف أن تضاعف جزيتهم «وباؤوا» أي رجعوا «بغضب» عظيم ~~وقوله تعالى «من الله» متعلق بمحذوف هو صفة لغضب مؤكد لما أفاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي بغضب كائن من الله تعالى أو صاروا ~~أحقاء به من قولهم باء فلان بفلان أي صار حقيقا بأن يقتل بمقابلته ومنه قول ~~من قال بؤ بشسع نعل كليب وأصل البوء المساواة «ذلك» إشارة إلى ما سلف من ~~ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم «بأنهم» بسبب إنهم «كانوا يكفرون» ~~على الاستمرار «بآيات الله» الباهرة التي هي المعجزات الساطعة الظاهرة على ~~يد موسى عليه السلام مما عدو ما لا يعد «ويقتلون النبيين بغير حق» كشعيا ~~وزكريا ويحيى عليهم السلام وفائدة التقييد مع أن قتل الأنبياء يستحيل أن ~~يكون بحق الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق إذ لم ms0170 يكن أحد معتقدا بحقية ~~قتل أحد منهم عليهم السلام وانما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى ~~والغلو في العصيان والاعتداء كما يفصح عنه قوله تعالى «ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون» أي جرهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر وقتل ~~الأنبياء عليهم السلام فإن صغار الذنوب إذا دووم عليها أدت إلى كبارها كما ~~ان مداومة صغار الطاعات مؤدية إلى تحري كبارها وقيل كررت الإشارة للدلالة ~~على أن ما لحقهم كما أنه بسبب الكفر والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي ~~واعتدائهم حدود الله تعالى وقيل الإشارة إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع ~~ويجوز الإشارة إلى المتعدد بالمفرد بتأويل ما ذكر أو تقدم كما في قول رؤبة ~~بن العجاج * فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق * أي كان ~~ما ذكر والذي حسن ذلك في المضمرات والمبهمات PageV01P107 # أن تثنيتها وجمعها ليسا على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الذين «إن ~~الذين آمنوا» أي بألسنتهم فقط وهم المنافقون بقرينه انتظامهم في سلك الكفرة ~~والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها ~~بالإيمان لا تجديهم نفعا أصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا «والذين ~~هادوا» أي تهودوا من هاد إذا دخل في اليهودية ويهود إما عربي من هاد إذا ~~تاب سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم هائلة ~~واما معرب يهوذا كأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~«والنصارى» جمع نصران كندامى جمع ندمان يقال رجل نصران وامرأة نصرانة ~~والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه ~~السلام أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران فسموا باسمها أو نسبوا ~~إليها والياء للنسبة وقال الخليل واحد النصارى نصرى كمهرى ومهاري ~~«والصابئين» هم قوم بين النصارى والمجوس وقيل أصل دينهم دين نوح عليه ~~السلام وقيل هم عبدة الملائكة وقيل عبدة الكواكب فهو إن كان عربيا فمن صبا ~~إذا خرج من دين إلى آخر وقرئ ms0171 بالياء إما للتخفيف واما لأنه من صبأ إذا مال ~~لما أنهم مالوا من سائر الأديان إلى ما هم فيه أو من الحق إلى الباطل «من ~~آمن بالله واليوم الآخر» أي من أحدث من هذه الطوائف ايمانا خالصا بالمبدأ ~~والمعاد على الوجه اللائق «وعمل» عملا «صالحا» حسبما يقتضيه الإيمان بما ~~ذكر «فلهم» بمقابلة ذلك «أجرهم» الموعود لهم «عند ربهم» أي مالك امرهم ~~ومبلغهم إلى كمالهم اللائق فمن اما في محل الرفع على الابتداء خبره جملة ~~فلهم أجرهم والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط كما في قوله تعالى «إن الذين ~~فتنوا المؤمنين» الآية وجمع الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول كما أن ~~إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه والجملة كما هي خبر إن والعائد إلى اسمها ~~محذوف أي من آمن الخ وإما في محل النصب على البدلية من اسم إن وما عطف عليه ~~وخبرها فلهم اجرهم وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت وفي إضافته ~~إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد لطف بهم وإيذان بأن أجرهم متيقن الثبوت ~~مأمون من الفوات «ولا خوف عليهم» عطف على جملة فلهم اجرهم أي لا خوف عليهم ~~حين يخاف الكفار العقاب «ولا هم يحزنون» حين يحزن المقصرون على تضييع العمر ~~وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما كما ~~يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما مر من ان النفي وان دخل على ~~نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام هذا وقد قيل المراد بالذين ~~آمنوا المتدينون بدين الاسلام المخلصون منهم والمنافقون فحينئذ لا بد من ~~تفسير من آمن بمن اتصف منهم بالايمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الاطلاق ~~سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كإيمان المخلصين أو بطريق إحداثه ~~وانشائه كإيمان من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف وفائدة التعميم ~~للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الايمان ببيان ان تأخيرهم PageV01P108 # في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين في استحقاق الأجر وما ~~يتبعه من الأ من الدائم وأما ما قيل في تفسيره من ms0172 كان منهم في دينه قبل أن ~~ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه فمما لا سبيل إليه ~~أصلا لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام وأما بيان حال من مضى على ~~دين آخر قبل انتساخه فلا ملابسه له بالمقام قطعا بل ربما يخل بمقتضاه من ~~حيث دلالته على حقيته في زمانه في الجملة على أن المنافقين والصابئين لا ~~يتسنى في حقهم ما ذكروا أما المنافقون فإن كانوا من أهل الشرك فالأمر بين ~~وإن كانوا من أهل الكتاب فمن مضى منهم قبل النسخ ليسوا بمنافقين وأما ~~الصابئون فليس لهم دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات ولو سلم أنه كان لهم ~~دين سماوي ثم خرجوا عنه فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه فليسوا من ~~الصابئين فكيف يمكن ارجاع الضمير الرابط بين اسم وإن وخبرها إليهم أو إلى ~~المنافقين وارتكاب إرجاعه إلى مجموعة الطوائف من حيث هو مجموع لا إلى كل ~~واحدة منها قصدا إلى درج الفريق المذكور فيه ضرورة أن من كان من أهل الكتاب ~~عاملا بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع الطوائف بحكم اشتماله على اليهود ~~والنصارى وإن لم يكن من المنافقين والصابئين مما يجب خبرها عين ولا أثر ~~فتأمل وكن على الحق المبين «وإذ أخذنا ميثاقكم» تذكير لجناية أخرى لأسلافهم ~~أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة «ورفعنا فوقكم ~~الطور» عطف على قوله أخذنا أو حال أي أي وقد رفعنا فوقكم الطور كأنه ظلة ~~روى أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف ~~الشاقة كبرت عليهم فأبوا قبولها فأمر جبريل عليه السلام فقلع الطور فظلله ~~عليهم حتى قبلوا «خذوا» على إرادة القول «ما آتيناكم» من الكتاب «بقوة» بجد ~~وعزيمة «واذكروا ما فيه» أي احفظوه ولا تنسوه أو تتفكروا فيه فإنه ذكر ~~بالقلب أو اعملوا به «لعلكم تتقون» لكي تتقوا المعاصي أو لتنجوا من هلاك ~~الدارين أو رجاء منكم أن تنتظموا في سلك المتقين أو طلبا لذلك وقد ms0173 مر ~~تحقيقه «ثم توليتم» أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق «من بعد ذلك» من بعد أخذ ~~ذلك الميثاق المؤكد «فلولا فضل الله عليكم ورحمته» بتوفيقكم لتوبة أو بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم حيث يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه «لكنتم من الخاسرين» ~~أي المغبونين بالانهماك في المعاصي والخبط في مهاوى الضلال عند الفترة وقيل ~~لولا فضل تعالى عليكم بالإمهال وتأخير العذاب لكنتم من الهالكين وهو الأنسب ~~بما بعده وكلمة لولا إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية وحرف النفي ~~ومعناها امتناع الشئ لوجود غيره كما أن لو لامتناعه لامتناع غيره والاسم ~~الواقع بعدها عند سيبويه مبتدأ خبره محذوف وجوبا لدلالة الحال عليه وسد ~~الجواب PageV01P109 # مسده والتقدير لولا فضل الله حاصل وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ~~ثبت فضل الله تعالى عليكم «ولقد علمتم» أي عرفتم «الذين اعتدوا منكم في ~~السبت» روى أنهم أمروا بأن يتمحضوا يوم السبت للعبادة ويتجردوا لها ويتركوا ~~الصيد فاعتدى فيه أناس منهم في زمن داود عليه السلام فاشتغلوا بالصيد ~~وكانوا يسكنون قرية بساحل البحر يقال لها أيلة فإذا كان يوم السبت لم يبق ~~في البحر حوت إلا برز وأخرج خرطومه فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وشرعوا ~~إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد ~~فالمعنى وبالله لقد علمتموهم حين فعلوا من قبيل جناياتكم ما فعلوا فلم ~~نمهلهم ولم نؤخر عقوبتهم بل عجلناها «فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» أي ~~جامعين بين صورة القردة والخسوء وهو الطرد والصغار على أن حاسئين نعت لقردة ~~وقيل حال من اسم كونوا عند من يجيز عمل كان في الظروف والحال وقيل من ~~الضمير المستكن في قردة لأنه في معنى ممسوخين وقال مجاهد ما مسخت صورهم ~~ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى «كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا» والمراد بالأمر بيان سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراده ~~عز وجل وقرئ قردة بفتح القاف وكسر الراء وخاسين بغير همز «فجعلناها» أي ~~المسخة والعقوبة «نكالا» عبرة تنكل المعتبر بها أي تمنعه ms0174 وتردعه ومنه النكل ~~للقيد «لما بين يديها وما خلفها» لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت ~~حالهم في زبر الأولين واشتهرت قصصهم في الآخرين أو لمعاصريهم ومن بعدهم أو ~~لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو ~~لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها «وموعظة للمتقين» من قومهم أو ~~لكل متق سمعها «وإذ قال موسى لقومه» توبيخ آخر لإخلاف بني إسرائيل بتذكير ~~بعض جنايات صدرت عن أسلافهم أي واذكروا وقت قول موسى عليه السلام لأجدادكم ~~«إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» وسببه أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر ~~فقتله بنو عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على باب المدينة ثم جاءوا يطالبون ~~بديته فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيا فيخبرهم ~~بقاتله «قالوا» استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل فماذا ~~صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أو لا فقيل قالوا «أتتخذنا هزوا» بضم الزاء ~~وقلب الهمزة واوا وقرئ بالهمزة مع الضم والسكون أي أتجعلنا مكان هزؤ أو أهل ~~هزؤ أو مهزوءا بنا أو الهزؤ نفسه استبعادا لما قاله واستخفافا به «قال» ~~استئناف كما سبق «أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين» لأن الهزؤ في أثناء ~~تبليغ امر الله سبحانه جهل وسفه نفى عنه عليه السلام PageV01P110 # ما توهموه من قبله على أبلغ وجه وآكده بإخراجه مخرج مالا مكروه وراءه ~~بالاستعاذة منه استفظاعا له واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي ~~شافهوه عليه السلام بها «قالوا» استئناف كما مر كأنه قيل فماذا قالوا بعد ~~ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا «ادع لنا» أي لأجلنا «ربك يبين لنا ما ~~هي» ما مبتدأ وهي خبره والجملة في حيز النصب يبين أي يبين لنا جواب هذا ~~السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ~~ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فإن ما وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة ~~كما في ما الشارحة والحقيقة لكنها قد يطلب بها ms0175 الصفة والحال تقول ما زيد ~~فيقال طبيب أو عالم وقيل كان حقه ان يستفحم بأي لكنهم لما رأوا ما أمروا به ~~على حالة مغايرة لما عليه الجنس أخرجوه عن الحقيقة فجعلوه جنسا على حياله ~~«قال» أي موسى عليه السلام بعدما دعا ربه عز وجل بالبيان وأتاه الوحي «أنه» ~~تعالى «يقول إنها» أي البقرة المأمور بذبحها «بقرة لا فارض ولا بكر» أي لا ~~مسنة ولا فتية يقال فرضت البقرة فروضا أي أسنت من الفرض بمعنى القطع كأنها ~~قطعت سنها وبلغت آخرها وتركيب البكر للأولية ومنه البكرة والباكورة «عوان» ~~أي نصف لا قحم ولا ضرع قال * طوال مثل أعناق الهوادي * نواعم بين أبكار ~~وعون «بين ذلك» إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه بين ~~لاختصاصه بالإضافة إلى المتعدد «فافعلوا» أمر من جهة موسى عليه السلام ~~متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به «ما تؤمرون» أي ما تؤمرونه بمعنى ~~تؤمرون به كما في قوله * أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فإن حذف الجار قد ~~شاع في هذا الفعل حتى لحق بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وهذا الأمر منه ~~عليه السلام لحثهم على الامتثال وزجرهم عن المراجعة ومع ذلك لم يقتنعوا به ~~وقوله تعالى «قالوا» استئناف كما مر كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان ~~الشافي والأمر المكرر فقيل قالوا «ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها» حتى ~~يتبين لنا البقرة المأمور بها «قال» اى موسى عليه السلام بعد المناجاة إلى ~~الله تعالى ومجئ البيان «أنه» تعالى «يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها» ~~إسناد البيان في كل مرة إلى الله عز وجل لإظهار كمال المساعدة في إجابة ~~مسئولهم بقولهم يبين لنا وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة والفقوع نصوع ~~الصفرة وخلوصها ولذلك يؤكد به ويقال اصفر فاقع كما يقال اسود حالك واحمر ~~قانئ وفي اسناده إلى اللون مع كونه من أحوال الملون لملابسته به مالا يخفى ~~من فضل تأكيد كأنه قيل صفراء شديد الصفرة صفرتها كما في جد جده وعن الحسن ~~رضي ms0176 الله عنه سوداء شديدة السواد وبه فسر قوله تعالى PageV01P111 # «جمالة صفر» قيل ولعل التعبير عن السواد بالصفر لما انها من مقدماته وإما ~~لأن سواد الإبل يعلوه صفرة ويأباه وصفها بقوله تعالى «تسر الناظرين» كما ~~يأباه وصفها بفقوع اللون والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه من ~~السر عن علي رضي الله عنه من لبس نعلا صفراء قل همه «قالوا» استئناف ~~كنظائره «ادع لنا ربك يبين لنا ما هي» زيادة استكشاف عن حالها كأنهم سألوا ~~بيان حقيقتها بحيث تمتاز عن جميع ما عداها مما تشاركها في الأوصاف المذكورة ~~والأحوال المشروحة في أثناء البيان ولذلك عللوه بقولهم «إن البقر تشابه ~~علينا» يعنون ان الأوصاف المعدودة يشترك فيها كثير من البقر ولا نهتدي بها ~~إلى تشخيص ما هو المأمور بها بل صادقة على سائر افراد الجنس وقرئ ان الباقر ~~وهو اسم لجماعة البقر والأباقر والبواقر ويتشابه بالياء والتاء ويشابه بطرح ~~التاء والادغام على التذكير والتأنيث وتشابهت مخففا ومشددا وتشبه بمعنى ~~تتشبه وتشبه بالتذكير ومتشابه ومتشابهة ومتشبه ومتشبهة وفيه دلالة على انهم ~~ميزوها عن بعض ما عداها في الجملة وإنما بقي اشتباه بشرف الزوال كما ينبئ ~~عنه قولهم «وإنا إن شاء الله لمهتدون» مؤكدا بوجوه من التوكيد أي لمهتدون ~~بما سألنا من البيان إلى الأمور بذبحها وفي الحديث لو لم يستثنوا لما بينت ~~لهم آخر الأبد «قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث» ~~أي لم تذلل للكراب وسقى الحرث ولا ذلول صفة لبقرة بمعنى غير ذلول ولا ~~الثانية لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ~~وقرئ لا ذلول بالفتح أي حيث هي كقولك مررت برجل لا بخيل ولا جبان أي حيث هو ~~وقرئ تسقى من أسقى «مسلمة» أي سلمها الله تعالى من العيوب أو أهلها من ~~العمل أو خلص لها لونها من سلم له كذا إذا خلص له ويؤيده قوله تعالى «لا ~~شية فيها» أي لا لون فيها يخالف لون جلدها حتى قرنها ms0177 وظلفها وهي في الأصل ~~مصدر وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لونا آخر «قالوا» عند ما سمعوا هذه ~~النعوت «الآن جئت بالحق» أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما ~~عداها ولم يبق لنا في شانها اشتباه أصلا بخلاف المرتين الأوليين فإن ما جئت ~~به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة ولعلهم كانوا قبل ذلك قد رأوها ~~ووجدوها جامعة لجميع ما فصل من الأوصاف المشروحة في المرات الثلاث من غير ~~مشارك لها فيما عد في المرة الأخيرة والا فمن اين عرفوا اختصاص النعوت ~~الأخيرة بها دون غيرها وقرئ آلآن بالمد على الاستفهام والآن بحذف الهمزة ~~وإلقاء حركتها على اللام «فذبحوها» الفاء فصيحة كما في فانفجرت أي فحصلوا ~~البقرة فذبحوها «وما كادوا يفعلون» كاد PageV01P112 # من افعال المقاربة وضع لدنو الخبر من الحصول والجملة حال من ضمير ذبحوا ~~أي فذبحوها والحال انهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه أو اعتراض تذييلي ومآله ~~استثقال استعصائهم واستبطاء لهم وانهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ~~ينتهي خيط إسهابهم فيها قيل مضى من أول الامر إلى الامتثال أربعون سنة وقيل ~~وما كادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها روى انه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له ~~عجلة فأني بها الغيضة وقال اللهم اني استودعتكها لا بني حتى يكبر وكان برا ~~بوالديه فتوفي الشيخ وشبت العجلة فكانت من أحسن البقر وأسمنها فساوموها ~~اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا لما كانت وحيدة بالصفات المذكورة ~~وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير واعلم انه لا خلاف في ان مدلول ظاهر ~~النظم الكريم بقرة مطلقة مبهمة وأن الامتثال في آخر الأمر إنما وقع بذبح ~~بقرة معينة حتى لو ذبحوا غيرها ما خرجوا عن عهدة الأمر لكن اختلف في أن ~~المراد المأمور به اثر ذي أثير هل هي المعينة وقد أخر البيان عن وقت الخطاب ~~أو المبهمة ثم لحقها التغيير إلى المعينة بسبب تثاقلهم في الامتثال ~~وتماديهم في التعمق والاستكشاف فذهب بعضهم إلى الأول تمسكا بأن الضمائر في ~~الأجوبة اعني ms0178 انها بقرة إلى آخر للمعينة قطعا ومن قضيته ان يكون في السؤال ~~أيضا كذلك ولا ريب في ان السؤال إنما هو عن البقرة المأمور بذبحها فتكون هي ~~المعينة وهو مدفوع بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ~~ظنوها معينة خارجه عما عليه الجنس من الصفات والخواص فسألوا عنها فرجعت ~~الضمائر إلى المعينة في زعمهم واعتقادهم فعينها الله تعالى تشديدا عليهم ~~وإن لم يكن المراد من أول الامر هي المعينة والحق انها كانت في أول الامر ~~مبهمة بحيث لو ذبحوا أية بقرة كانت لحصل الامتثال بدلالة ظاهر النظم الكريم ~~وتكرير الأمر قبل بيان اللون وما بعده من كونها مسلمة الخ وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم وروى مثله عن رئيس المفسرين ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم رجع الحكم الأول منسوخا بالثاني ~~والثاني بالثالث تشديدا عليهم لكن لا على وجه ارتفاع حكم المطلق بالكلية ~~وانتقاله إلى المعين بل على طريقة تقييده وتخصصه به شيئا فشيئا كيف لا ولو ~~لم يكن كذلك لما عدت مراجعاتهم المحكية من قبيل الجنايات بل من قبيل ~~العبادة فإن الامتثال بالأمر بدون الوقوف على المأمور به مما لا يكاد يتسنى ~~فتكون سؤالاتهم من باب الاهتمام بالامتثال «وإذ قتلتم نفسا» منصوب بمضمر ~~كما مرت نظائره والخطاب لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإسناد القتل والتدارؤ إليهم لما مر من نسبة جنايات الاسلاف إلى الأخلاف ~~توبيخا وتقريعا وتخصيصهما بالإسناد دون ما مر من هناتهم لظهور قبح القتل ~~وإسناده إلى الغير أي اذكروا وقت قتلكم نفسا محرمة «فادارأتم فيها» أي ~~تخاصمتم في شأنها إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر أو تدافعتم بأن طرح كل ~~واحد قتلها إلى آخر وأصله ئدارأتم فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة ~~الوصل «والله مخرج ما كنتم تكتمون» أي مظهر لما تكتمونه لا محالة والجمع ~~PageV01P113 # بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار وإنما اعمل مخرج لأنه ~~حكاية حال ماضية «فقلنا اضربوه» ms0179 عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض ~~والالتفات لتربية المهابة والضمير للنفس والتذكير باعتبار انها عبارة عن ~~الرجل أو بتأويل الشخص أو القتيل «ببعضها» أي ببعض البقرة أي بعض كان وقيل ~~بأصغريها وقيل بلسانها وقيل بفخذها اليمنى وقيل بأذنها وقيل بعجبها وقيل ~~بالعظم الذي يلي الغضروف وهذا أول القصة كما ينبئ عنه الضمير الراجع إلى ~~البقرة كأنه قيل وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة فاضربوه ~~ببعضها وإنما غير الترتيب عند الحكاية لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع فإن ~~كل واحد من قتل النفس المحرمة والاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والافتيات على امره وترك المسارعة إلى الامتثال به جناية عظيمة حقيقة بأن ~~تنعى عليهم بحيالها ولو حكيت القصة على ترتيب الوقوع لما علم استقلال كل ~~منها بما يخص بها من التوبيخ وإنما حكى الأمر بالذبح عن موسى عليه السلام ~~مع انه من الله عز وجل كالأمر بالضرب لما ان جناياتهم كانت بمراجعتهم اليه ~~عليه السلام والافتيات على رأيه «كذلك يحيي الله الموتى» على إرادة قول ~~معطوف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فضربوه فحيى وقلنا كذلك يحيى الخ ~~فحذفت الفاء الفصيحة في فحيى مع ما عطف بها وما عطف هو عليه لدلالة كذلك ~~على ذلك فالخطاب في كذلك حينئذ للحاضرين عند حياة القتيل ويجوز ان يكون ذلك ~~للحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ إلى تقدير القول بل تنتهي ~~الحكاية عند قوله تعالى ببعضها مع ما قدر بعده فالجملة معترضة أي مثل ذلك ~~الإحياء العجيب يحيي الله الموتى يوم القيامة «ويريكم آياته» ودلائله ~~الدالة على أنه تعالى على كل شئ قدير ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء ~~والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت ~~وأخباره بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة «لعلكم تعقلون» أي لكي ~~تكمل عقولكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها أو ~~تعلم على قضية عقولكم ولعل الحكمة في اشتراط ما اشترط في الأحياء ms0180 مع ظهور ~~كمال قدرته على أحيائه ابتداء بلا واسطة أصلا اشتماله على التقرب إلى الله ~~تعالى وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى ~~والشفقة على الأولاد ونفع بر الوالدين وأن من حق الطالب أن يقدم قربة ومن ~~حق المتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه كما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه ~~ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وأن المؤثر هو الله تعالى وأنما ~~الأسباب أمارات لا تأثير لها وأن من رام أن يعرف أعدى عدوه الساعي في ~~أماتته الموت الحقيقي فطريقة أن يذبح بقرة نفسه التي هي قوته الشهوية حين ~~زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير ~~مذللة في طلب الدنيا مسلمة عن دنسها لا سمة بها من قبائحها بحيث يتصل أثره ~~إلى نفسه فيحيا بها حياة طيبة ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين ~~العقل والوهم من التدارؤ والجدال «ثم قست قلوبكم» الخطاب لمعاصرى النبي صلى ~~الله عليه وسلم والقسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر ~~استعيرت لنبو قلوبهم عن التأثر PageV01P114 # بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور وايراد الفعل ~~المفيد لحدوث القساوة مع أن قلوبهم لم تزل قاسية لما أن المراد بيان بلوغهم ~~إلى مرتبة مخصوصة من مراتب القساوة حادثة واما لأن الاستمرار على سئ بعد ~~ورود ما يوجب الاقلاع عنه أمر جديد وصنع حادث وثم لاستبعاد القسوة بعد ~~مشاهدة ما يزيلها كقوله تعالى «ثم الذين كفروا بربهم يعدلون» «من بعد ذلك» ~~إشارة إلى ما ذكر من إحياء القتيل أو إلى جميع ما عدد من الآيات الموجبة ~~للين القلوب وتوجيهها نحو الحق أي من بعد سماع ذلك وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلته وعلو طبقته وتوحيد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين إما ~~بتأويل الفريق أو لأن المراد مجرد الخطاب لا تعيين المخاطب كما هو المشهور ~~«فهي كالحجارة» في القساوة «أو أشد» منها «قسوة» أي هي في القسوة مثل ~~الحجارة أو زائدة ms0181 عليها فيها أو أنها مثلها أو مثل ما هو أشد منها قسوة ~~كالحديد وحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه ويعضده القراءة بالجر عطفا ~~على الحجارة وايراد الجملة اسمية مع كون ما سبق فعلية للدلالة على استمرار ~~قساوة قلوبهم والفاء اما لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع ~~التشبيه على بيان وجه الشبه في قولك أحمر خده فهو كالورد واما للتعليل كما ~~في قولك اعبد ربك فالعبادة حق له وانما لم يقل أو أقسى منها لما في التصريح ~~بالشدة من زيادة مبالغة ودلالة ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمال ~~المفضل على زيادة واو للتخيير أو للترديد بمعنى ان من عرف حالها شبهها ~~بالحجارة أو بما هو أقسى أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من ~~الحجارة وترك ضمير المفضل عليه للأمن من الالتباس «وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار» بيان لأشدية قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر ~~واستحالة صدور الخير منها يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما ~~يتفجر منه المياه العظيمة «وإن منها لما يشقق» أي يتشقق «فيخرج منه الماء» ~~أي العيون «وإن منها لما يهبط من خشية الله» أي يتردى من الاعلى إلى الأسفل ~~بقضية ما أودعه الله عز وجل فيها من الثقل الداعي إلى المركز وهو مجاز من ~~الانقياد لأمره تعالى والمعنى أن الحجارة ليس منها فرد الا وهو منقاد لأمره ~~عز وعلا آت بما خلق له من غير استعصاء وقلوبهم ليست كذلك فتكون أشد منها ~~قسوة لا محالة واللام في لما لام الابتداء دخلت على اسم إن لتقدم الخبر ~~وقرئ أن على أنها مخففة من الثقيلة واللام فارقة وقرئ يهبط بالضم «وما الله ~~بغافل عما تعملون» عن متعلقة بغافل وما موصلة والعائد محذوف أو مصدرية وهو ~~وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الاعمال ~~السيئة وقرئ بالياء على الالتفات وقوله تعالى PageV01P115 # «أفتطمعون» تلوين للخطاب وصرف له عن اليهود أثر ما عدت هناتهم ms0182 ونعيت ~~عليهم جناياتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين والهمزة ~~لإنكار الواقع واستبعاده كما في قولك أتضرب أباك لا لإنكار الوقوع كما في ~~قوله أأضرب أبي والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه نظام الكلام ~~لكن لا على قصد توجيه الإنكار إلى المعطوفين معا كما في أفلا تبصرون على ~~تقدير المعطوف عليه منفيا أي ألا تنظرون فلا تبصرون فالمنكر كلا الأمرين بل ~~إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب ان يترتب عليه نقيضه كما إذا قدر الأول ~~مثبتا أي أتنظرون فلا تبصرون فالمنكر ترتب الثاني على الأول مع وجوب ان ~~يترتب عليه نقيضه أي أتسمعون أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون ومآل المعنى ~~أبعد ان علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة عنهم تطمعون «أن يؤمنوا» فإنهم ~~متماثلون في شدة الشكيمة والأخلاق الذميمة لا يتأتى من أخلاقهم الا مثل ما ~~أتى من أسلافهم وأن مصدرية حذف عنها الجار والأصل في أن يؤمنوا وهي مع ما ~~في حيزها في محل النصب أو الجر على الخلاف المعروف واللام في لكم لتضمين ~~معنى الاستجابة كما في قوله عز وجل «فآمن له لوط» أي في إيمانهم مستجيبين ~~لكم أو للتعليل أي في أن يحدثوا الايمان لأجل دعوتكم وصلة الايمان محذوفة ~~لظهور ان المراد به معناه الشرعي وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله ~~تعالى «وقد كان فريق منهم» الفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط ~~والقوم والجار والمجرور في محل الرفع أي فريق كائن منهم وقوله تعالى ~~«يسمعون كلام الله» خبر كان وقرئ كلم الله والجملة حالية مؤكدة للإنكار ~~حاسمة لمادة الطمع مثل أحوالهم الشنيعة المحكية فيما سلف على منهاج قوله ~~«وهم لكم عدو» بعد قوله تعالى «أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني» أي والحال ~~ان طائفة منهم قال ابن عباس رضي الله عنهما هم قوم من السبعين المختارين ~~للميقات كانوا يسمعون كلامه تعالى حين كلم موسى عليه السلام بالطور وما أمر ~~به ونهى عنه «ثم يحرفونه» عن مواضعه لا لقصور فهمهم عن ms0183 الإحاطة بتفاصيله ~~على ما ينبغي لاستيلاء الدهشة والمهابة حسبما يقتضيه مقام الكبرياء بل «من ~~بعد ما عقلوه» أي فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم في مضمونه ولا في كونه ~~كلام رب العزة ريبة أصلا فلما رجعوا إلى قومهم أداه الصادقون إليهم كما ~~سمعوا وهؤلاء قالوا سمعنا الله تعالى يقول في آخر كلامه إن استطعتم ان ~~تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس فثم للتراخي زمانا ~~أو رتبة وقال القفال سمعوا كلام الله وعقلوا مراده تعالى منه فأولوه تأويلا ~~فاسدا وقيل هم رؤساء اسلافهم الذين تولوا تحريف التوراة بعد ما أحاطوا بما ~~فيها علما وقيل هم الذين غيروا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في عصره ~~وبدلوا آية الرجم ويأباه الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل الدال على وقوع ~~السماع والتحريف فيما سلف إلا أن يحمل ذلك على تقدمه على زمان نزول الآية ~~الكريمة لا على تقدمه على عهده عليه الصلاة والسلام هذا والأول هو الأنسب ~~بالسماع والكلام إذ PageV01P116 # التوراة وأن كانت كلام الله عز وعلا لكنها باسم الكتاب أشهر وأثر التحريف ~~فيه أظهر ووصف اليهود بتلاوتها أكثر لا سيما رؤساؤهم المباشرون للتحريف فإن ~~وظيفتهم التلاوة دون السماع فكان الأنسب حينئذ أن يقال يتلون كتاب الله ~~تعالى فالمعنى أفتطمعون في أن يؤمن هؤلاء بواسطتكم ويستجيبوا لكم والحال أن ~~أسلافهم الموافقين لهم في خلال السوء كانوا يسمعون كلام الله بلا واسطة ثم ~~يحرفونه من بعد ما علموه يقينا ولا يستجيبون له هيهات ومن ههنا ظهر ما في ~~إيثار لكم على بالله من الفخامة والجزالة وقوله عز وجل «وهم يعلمون» جملة ~~حالية من فاعل يحرفونه مفيدة لكمال قباحة حالهم مؤذنة بأن تحريفهم ذلك لم ~~يكن بناء على نسيان ما عقلوه أو على الخطأ في بعض مقدماته بل كان ذلك حال ~~كونهم عالمين مستحضرين له أووهم يعلمون أنهم كاذبون ومفترون «وإذا لقوا» ~~جملة مستأنفة سيقت إثر بيان ما صدر عن أشباههم لبيان ما صدر عنهم بالذات من ~~الشنائع المؤيسة عن إيمانهم من ms0184 نفاق بعض وعتاب آخرين عليهم أو معطوفة على ~~ما سبق من الجلمة الحالية والضمير لليهود لما ستقف على سره لا لمنافقيهم ~~خاصة كما قيل تحريا لاتحاد الفاعل في فعلى الشرط والجزاء حقيقة «الذين ~~آمنوا» من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «قالوا» أي اللاقون لكن لا بطريق ~~تصدى الكل للقول حقيقة بل بمباشرة منافقهم وسكوت الباقين كما يقال بنو فلان ~~قتلوا فلانا والقاتل واحد منهم وهذا أدخل في تقبيح حال الساكتين أولا ~~العاتبين ثانيا لما فيه من الدلالة على نفاقهم واخلاف أحوالهم وتناقض ~~آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة بتقدير المضاف أي قال منافقوهم ~~«آمنا» لم يقتصروا على ذلك بل عللوه بأنهم وجدوا نعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة وعلموا أنه النبي المبشر به وإنما لم يصرح به تعويلا على ~~شهادة التوبيخ الآتي «وإذا خلا بعضهم» أي بعض المذكورين وهم الساكتون منهم ~~أي إذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين «إلى بعض» آخر منهم ~~وهم منافقوهم بحيث لم يبق معهم غيرهم وهذا نص على اشتراك الساكتين في لقاء ~~المؤمنين كما أشير إليه آنفا إذ الخلو إنما يكون بعد الاشتغال ولأن عتابهم ~~معلق بمحض الخلو ولولا أنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يجعل سماعهم لها ~~من تمام الشرط ولأن فيه زيادة تشنيع لهم على ما أتوا من السكوت ثم العتاب ~~«قالوا» أي الساكتون موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا «أتحدثونهم» يعنون ~~المؤمنين «بما فتح الله عليكم» ما موصولة والعائد محذوف أي بينه لكم خاصة ~~في التوراة من نعت النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه بالفتح للإيذان ~~بأنه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه أحد وتجويز كون هذا التوبيخ من جهة ~~المنافقين لأعقابهم إراءة للتصلب في دينهم كما ذهب إليه عصابة مما لا يليق ~~بشأن التنزيل الجليل واللام في قوله عز وجل «ليحاجوكم به» متعلقة بالتحديث ~~دون الفتح والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ فإن التحديث بذلك وإن كان ~~منكرا في نفسه لكن التحديث به لأجل هذا الغرض PageV01P117 # مما ms0185 لا يكاد يصدر عن العاقل أي أتحدثونهم بذلك ليحتجوا عليكم فيبكتوكم ~~والمحدثون به وإن لم يحوموا حول ذلك الغرض لكن فعلهم ذلك لما كان مستتبعا ~~له البتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور وإظهارا لكمال سخافة عقولهم وركاكة ~~آرائهم «عند ربكم» أي في حكمة وكتابه كما يقال هو عند الله كذا إي في يدفعه ~~إذ هم عالمون بأنهم محجوجون يومئذ حدثوا به أو لم يحدثوا والاعتذار إلزام ~~المؤمنين كتابه وشرعه وقيل عند ربكم يوم القيامة ورد عليه بأن الإخفاء لا ~~إياهم وتبكيتهم بأن يقولوا لهم ألم تحدثونا بما في كتابكم في الدنيا من ~~حقية ديننا وصدق نبينا أفحش فيجوز أن يكون المحذور عندهم هذا الإلزام ~~بإرجاع الضمير في به إلى التحديث دون المحدث به ولا ريب في أنه مدفوع ~~بالإخفاء لا تساعده الآية الكريمة الآتية كما ستقف عليه بإذن الله عز وجل ~~«أفلا تعقلون» من تمام التوبيخ والعتاب والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه ~~الكلام أي ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش أو شيئا من الأشياء ~~التي من جملتها هذا فالمنكر عدم التعقل ابتداء أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون ~~بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون إلى التنبيه عليه فالمنكر حينئذ عدم التعقل ~~بعد الفعل هذا وأما ما قيل من أنه خطاب من جهة الله سبحانه للمؤمنين متصل ~~بقوله تعالى «أفتطمعون» والمعنى أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في ~~إيمانهم فيأباه قوله تعالى «أو لا يعلمون» فإنه إلى آخره تجهيل لهم من من ~~جهته تعالى فيما حكى عنهم فيكون إيراد خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل ~~الفصل بين الشجر ولحائه على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين من التعسف وفي ~~تعميمه للنبي أيضا صلى الله عليه وسلم كما في أفتطمعون من سوء الأدب مالا ~~يخفى والهمزة للإنكار والتوبيخ كما قبلها والواو للعطف على مقدر ينساق إليه ~~الذهن والضمير للموبخين أي أيلومونهم على التحديث المذكور مخافة المحاجة ~~ولا يعلمون «أن الله يعلم ما يسرون» أي يسرونه فيما بينهم من المؤمنين أو ~~ما يضمرونه في ms0186 قلوبهم فيثبت الحكم في ذلك بالطريق الأولى «وما يعلنون» أي ~~يظهرونه للمؤمنين لأصحابهم حسبما سبق فحينئذ يظهر الله تعالى ما أرادوا ~~إخفاءه بواسطة الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتحصل المحاجة ويقع ~~التبكيت كما وقع في آية الرجم وتحريم بعض المحرمات عليهم فأي فائدة في ~~اللوم والعتاب ومن ههنا تبين أن المحذور عندهم هو المحاجة بما فتح الله ~~عليهم وهي حاصلة في الدارين حدثوا به أم لا لا بالتحديث به حتى يندفع ~~بالإخفاء وقيل الضمير للمنافقين فقط أولهم وللموبخين أو لآبائهم المحرفين ~~أي أيفعلون ما يفعلون ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يسرون وما يعلنون ~~ومن جملته إسرارهم الكفر وإظهارهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار ~~غيره وكتم أمر الله وإظهار ما أظهروه افتراء وإنما قدم الإسرار على الإعلان ~~للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر والمبالغة في بيان شمول ~~علمه المحيط لجميع المعلومات كأن علمه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع ~~كونهما في الحقيقة على السوية فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول ~~صورها بل وجود كل شئ في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي PageV01P118 # هذا المعنى لا يختلف الحال بين الشياء البارزة والكامنة ونظيره قوله عز ~~وعلا «قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله» حيث قدم فيه الإخفاء ~~على الإبداء لما ذكر من السر على عكس ما وقع في قوله تعالى «وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله» فإن الأصل في تعلق المحاسبة به هو ~~الأمور البادية دون الخافية ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبه السر ~~متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شئ يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر ~~في القلب يتعلق به الإسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على ~~تعلقه بحالته الثانية «ومنهم أميون» وقرئ بتخفيف الياء جمع أمي وهو من لا ~~يقدر على الكتابة والقراءة واختلف في نسبته فقيل إلى الأم بمعنى أنه شبيه ~~بها في الجهل بالكتابة والقراءة ms0187 فإنهما ليستا من شئوون النساء بل من خلال ~~الرجال أو بمعنى أنه على الحالة التي ولدته أمه في الخلو عن العلم والكتابة ~~وقيل إلى الأمة بمعنى أنه باق على سذاجتها خال عن معرفة الأشياء كقولهم ~~عامي أي على عادة العامة روى عن عكرمة والضحاك أن المراد بهم نصارى العرب ~~وقيل هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين وعن علي ~~رضي الله تعالى عنه هم المجوس والحق الذي لا محيد عنه أنهم جهلة اليهود ~~والجملة مستأنفة مسوقة لبيان قبائحهم إثر بيان شنائع الطوائف السالفة وقيل ~~هي معطوفة على الجملة الحالية وما بعدها فإن الجهل بالكتاب في منافاة ~~الإيمان ليس بمثابة تحريف كلام الله بعد سماعة والعلم بمعانيه كما وقع من ~~الأولين أو النفاق والنهى عن إظهار ما في التوراة كما وقع من الفرقتين ~~الآخريين أي ومنهم طائفة جهلة غير قادرين على الكتابة والتلاوة «لا يعلمون ~~الكتاب» أي لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما في تضاعيفها من دلائل ~~النبوة فيؤمنوا وحمل الكتاب على الكتابة يأباه سباق النظم الكريم وسياقه ~~«إلا أماني» بالتشديد وقرئ بالتخفيف جمع أمنية أصلها أمنوية أفعولة من منى ~~قدر أو بمعنى تلا كتمنى في قوله * تمنى كتاب الله أو ليله * فأعلت إعلال ~~سيد وميت ومعناها على الأول ما يقدره الإنسان في نفسه ويتمناه وعلى الثاني ~~ما يتلوه وعلى التقديرين فالاستثناء منقطع إذ ليس ما يتمنى وما يتلى من جنس ~~علم الكتاب أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أماني حسبما منتهم أحبارهم من ~~ان الله سبحانه يعفو عنهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وغير ذلك من ~~أمانيهم الفارغة المستندة إلى الكتاب على زعم رؤسائهم أو لا يعلمون الكتاب ~~لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر فيه ~~وأما حمل الأماني على الأكاذيب المختلفة على الإطلاق من غير أن يكون لها ~~ملابسة بالكتاب فلا يساعده النظم الكريم «وإن هم إلا يظنون» ما هم إلا قوم ~~قصارى أمرهم الظن والتقليد من غير أن ms0188 يصلوا إلى رتبة العلم فأنى يرجى منهم ~~الإيمان المؤسس على قواعد اليقين ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال ~~الأماني واتباع الظن عقب ببيان حال الذين أو قعوهم في تلك الورطة وبكشف ~~كيفية إضلالهم وتعيين مرجع بالآخر فقيل على وجه الدعاء PageV01P119 # عليهم «فويل» هو وأمثاله من ويح وويس وويب وويه وويك وعول من المصادر ~~المنصوبة بأفعال من غير لفظها لا يجوز إظهارها البتة فإن أضيف نصب نحو ويلك ~~وويحك عن الإضافة رفع نحو ويل له ومعنى الويل شدة الشر قاله الخليل وقال ~~الأصمعي الويل التفجع والويح الترحم وقال سيبويه ويل لمن وقع في الهلكة ~~وويح زجر لمن اشرف على الهلاك وقيل الويل الحزن وهل ويح وويب وويس بذلك ~~المعنى أو بينه وبينها فرق وقيل ويل في الدعاء عليه وويح وما بعده في ~~الترحم عليه وقال ابن عباس رضي الله عنهما الويل العذاب الأليم وعن سفيان ~~الثوري انه صديد أهل جهنم وروى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر ~~أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره وقال سعيد ابن المسيب أنه واد في جهنم لو ~~سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره وقال ابن بريدة جبل قيح ودم وقيل ~~صهريج في جهنم وحكى الزهراوي انه باب من أبواب جهنم وعلى كل حال فهو مبتدأ ~~خبره قوله عز وعلا «للذين يكتبون الكتاب» أي المحرف أو ما كتبوه من ~~التأويلات الزائغة «بأيديهم» تأكيد لدفع توهم المجاز كقولك كتبته بيميني ~~«ثم يقولون هذا» أي جميعا على الأول وبخصوصه على الثاني «من عند الله» روى ~~ان أحبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة فاحتالوا في تعويق أسافل اليهود عن الإيمان فعمدوا إلى ~~صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها حسن الوجه حسن ~~الشعر أكحل العينين ربعة فغيروها وكتبوا مكانها طوال ازرق سبط الشعر فإذا ~~سألهم سفلتهم عن ذلك ms0189 قرءوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالف لصفته عليه السلام ~~فيكذبونه وثم للتراخي الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزايغ إلى الله ~~سبحانه صريحا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل «ليشتروا به» أي يأخذوا ~~لأنفسهم بمقابلته «ثمنا» هو ما اخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف ~~والتأويل وإنما عبر عن المشتري الذي هو المقصود بالذات في عقد المعاوضة ~~بالثمن الذي هو وسيلة فيه إيذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة ~~والوسيلة بالذات «قليلا» لا يعبأ به فإن ذلك وإن جل في نفسه فهو أقل قليلا ~~عندما استوجبوا به من العذاب الخالد «فويل لهم» تكرير لما سبق للتأكيد ~~وتصريح بتعليله بما قدمت أيديهم بعد الإشعار به فيما سلف بإيراد بعضه في ~~حيز الصلة وبعضه في معرض الغرض والفاء للإيذان بترتبه عليه ومن في قوله عز ~~وجل «مما كتبت أيديهم» تعليلية متعلقة بويل أو بالاستقرار في الخبر وما ~~موصولة اسمية والعائد محذوف أي كتبته أو مصدرية والأول أدخل في الزجر عن ~~تعاطي المحرف والثاني في الزجر عن التحريف «وويل لهم مما يكسبون» الكلام ~~فيه كالذي فيما قبله والتكرير لما مر من التأكيد والتشديد إلى التعليل بكل ~~من الجانبين وعدم التعرض لقولهم هذا من عند الله لما أنه من مبادي ترويج ما ~~كتبت أيديهم فهو PageV01P120 # داخل في التعليل به «وقالوا» بيان لبعض آخر من جناياتهم وفصله عما قبله ~~مشعر بكونه من الأكاذيب التي اختلقوها ولم يكتبوها في الكتاب «لن تمسنا ~~النار» في الآخرة «إلا أياما معدودة» قليلة محصورة عدد أيام عبادتهم العجل ~~أربعين يوما مدة غيبة موسى عليه السلام عنهم وحكى الأصمعي عن بعض اليهود أن ~~عدد أيام عبادتهم العجل سبعة وروى عن ابن عباس ومجاهد أن اليهود قالوا عمر ~~الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا وروى الضحاك عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود زعمت أنهم وجدوا في التوراة أن ما ~~بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى ان ينتهوا إلى شجرة الزقوم وأنهم ~~يقطعون في ms0190 كل مسيرة سنة فيكملونها «قل» تبكيتا لهم وتوبيخا «اتخذتم» بإسقاط ~~الهمزة المجتلبة لوقوعها في الدرج وبإظهار الذال وقرئ بإدغامها في التاء ~~«عند الله عهدا» خبرا أو وعدا بما تزعمون فإن ما تدعون لا يكون إلا بناء ~~على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد «فلن يخلف الله عهده» الفاء فصيحة معربة ~~عن شرط محذوف كما في قول من قال * قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم ~~القفول فقد جئنا خراسان * أي أن كان الأمر كذلك فلن يخلفه والجملة اعتراضية ~~وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الإخلاف من قضية الألوهية ~~وإظهار العهد مضافا إلى ضميره عز وجل لكا ذكر أو لأن المراد به جميع عهدوه ~~لعمومه بالإضافة فيدخل فيه العهد المعهود دخولا أوليا وفيه تجاف عن التصريح ~~بتحقق مضمون كلامهم وإن كان معلقا بما لم يكد يشم رائحة الوجود قطعا اعني ~~اتخاذ العهد «أم تقولون» مفترين «على الله ما لا تعلمون» وقوعه وإنما علق ~~التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه مالا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه ~~تعالى من قبيل ما يعلمون عدم وقوعه للمبالغة في التوبيخ والتنكير فإن ~~التوبيخ على الأدنى مستلزم للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأولى وقولهم ~~المحكى وإن لم يكن تصريحا بالافتراء عليه سبحانه لكنه مستلزم له لأن ذلك ~~الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى وأم متصلة والاستفهام للتقرير ~~المؤدى إلى التبكيت لتحقق العلم بالشق الأخير كأنه قيل أم لم تتخذوه بل ~~تتقولون عليه تعالى وأما منقطعة والاستفهام لإنكار الاتخاذ ونفيه ومعنى بل ~~فيها الاضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على اتخاذ العهد إلى ما تفيد ~~همزتها من التوبيخ على التقول على الله سبحانه كما في قوله عز وجل «قل آلله ~~أذن لكم أم على الله تفترون» «بلى» إلى آخره جواب عن قولهم المحكى وأبطال ~~له من جهته تعالى وبيان لحقيقة الحال تفصيلا في ضمن تشريع كلى شامل لهم ~~ولسائر الكفرة بعد إظهار كذبهم إجمالا وتفويض ذلك إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما ان المحاجة والإلزام ms0191 من وظائفه عليه السلام مع ما فيه من الإشعار ~~PageV01P121 # بأنه أمر هين لا يتوقف على التوقيف وبلى حرف إيجاب مختص بجواب النفي خبرا ~~واستفهاما «من كسب سيئة» فاحشة من السيئات أي كبيرة من الكبائر كدأب هؤلاء ~~الكفرة والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على طريقة فبشرهم بعذاب أليم ~~«وأحاطت به» من جميع جوانبه بحيث لم يبق له جانب من قلبه ولسانه وجوارحه ~~إلا وقد اشتملت واستولت عليه «خطيئته» التي كسبها وصارت خاصة من خواصه كما ~~تنبئ عنه الإضافة إليه وهذا إنما يتحقق في الكافر ولذلك فسرها السلف بالكفر ~~حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم وابن جرير ~~عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع وقيل السيئة الكفر والخطيئة ~~الكبيرة وقيل بالعكس وقيل الفرق بينهما أن الأولى قد تطلق على ما يقصد ~~بالذات والثانية تغلب على ما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ وقرئ خطيته ~~وخطياته على القلب والإدغام فيهما وخطيئاته وخطاياه وفي ذلك إيذان بكثرة ~~فنون كفرهم «فأولئك» مبتدأ «أصحاب النار» خبره والجملة خبر للمبتدأ والفاء ~~لتضمنه معنى الشرط وإيراد اسم الإشارة المنبئ عن استحضار المشار إليه بماله ~~من الأوصاف للإشعار بعليتها لصاحبيه النار وما فيه من معنى البعد للتنبيه ~~على بعد منزلتهم في الكفر والخطايا وإنما أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة ~~لجانب المعنى في كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة لما أن ~~ذلك هو المناسب لما أسند إليهم في تينك الحالتين فإن كسب السيئة وأحاطت ~~خطيئته به في حالة الانفراد وصاحبية النار في حالة الاجتماع أي أولئك ~~الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحاب النار أي ~~ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي ~~من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله تعالى وتحريف كلامه والافتراء ~~عليه وغير ذلك وإنما لم يخص الجواب بحالهم بأن يقال مثلا بلى أنهم أصحاب ~~النار الخ لما في التعميم من التهويل وبيان حالهم بالبرهان والدليل مع ما ~~مر ms0192 من قصد الإشعار بالتعليل «هم فيها خالدون» دائما أبدأ فأنى لهم التفصي ~~عنها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا فلا حجة في الآية الكريمة على خلود ~~صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ولا حاجة إلى حمل الخلود على ~~اللبث الطويل على أن فيه تهوين الخطب في مقام التهويل «والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون» جرت السنة الإلهية على شفع ~~الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة ~~والترهيب أخرى والتبشير مرة والإنذار أخرى «وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل» ~~شروع PageV01P122 # في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادى بعدم إيمان أخلافهم ~~وكلمة إذ نصب بإضمار فعل خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ~~ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع عن إيمانهم أو اليهود الموجودون ~~في عهد النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم أي أذكروا إذ أخذنا ميثاقهم ~~«لا تعبدون إلا الله» على إرادة القول أي قلنا أو قائلين لا تعبدون الخ وهو ~~إخبار في معنى النهى كقوله تعالى «ولا يضار كاتب ولا شهيد» وكما يقول تذهب ~~إلى فلان وتقول كيت وكيت وهو أبلغ من صريح النهى لما فيه من إيهام أن ~~المنهى حقه أن يسارع إلى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به ~~الناهي ويؤيده قراءة لا تعبدوا وعطف قولوا عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا ~~الخ فحذف الناصب ورفع الفعل كما في قوله * الا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * ~~وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي * ويعضده قراءة أن لا تعبدوا فيكون بدلا من ~~الميثاق أو معمولا له بحذف الجار وقيل أنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه ~~قيل وحلفناهم لا تعبدون الا الله وقرئ بالياء لأنهم غيب «وبالوالدين ~~إحسانا» متعلق بمضمر أي وتحسنون أو أحسنوا «وذي القربى واليتامى والمساكين» ~~عطف على الوالدين ويتامى جمع يتيم كندامي جمع نديم وهو قليل ومسكين مفعيل ~~من السكون كأن الفقر اسكنه من الحراك وأثخنه عن التقلب «وقولوا للناس حسنا» ms0193 ~~أي قولا حسنا سماه حسنا مبالغة وقرئ كذلك وحسنا بضمتين وهي لغة أهل الحجاز ~~وحسني كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وارشاد «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» ~~هما ما فرض عليهم في شريعتهم «ثم توليتم» أن جعل ناصب الظرف خطابا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بنى إسرائيل جميعا ~~بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكرى كلهم حينئذ على نهج الغيبة فإن ~~الخطابات السابقة لأسلافهم محكية داخلة في حيز القول المقدر قبل لا تعبدون ~~كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت هي عليهم وأن جعل خطابا لليهود ~~المعاصرين للرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا تعميم للخطاب ~~بتنزيل الاسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولى بتنزيل الأخلاف منزلة ~~الأسلاف للتشديد في التوبيخ أي أعرضتم عن المضي على مقتضي الميثاق ورفضتموه ~~«إلا قليلا منكم» وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن ~~الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه «وأنتم معرضون» جملة تذييلية أي ~~وأنتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق أصل الأعراض ~~الذهاب عن المواجهة والإقبال إلى جانب العرض «وإذ أخذنا ميثاقكم» منصوب ~~بفعل مضمر خوطب به اليهود قاطبة على ما ذكر من التغليب ونعى عليهم إخلالهم ~~بمواجب الميثاق المأخوذ منهم في حقوق العباد على طريقة النهى أثر بيان ما ~~فعلوا بالميثاق المأخوذ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجرى مجراها على سبيل ~~الأمر فإن المقصود الأصلي من النهي عن عبادة غير الله تعالى هو الأمر ~~بتخصيص العبادة به تعالى أي واذكروا وقت أخذنا ميثاقكم PageV01P123 # في التوراة وقوله تعالى «لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم» ~~كما قبله أخبار في معنى النهى غير السبك إليه لما ذكر من نكته المبالغة ~~والمراد به النهى الشديد عن تعرض بعض بنى إسرائيل لبعض بالقتل والإجلاء ~~والتعبير عن ذلك بسفك دماء أنفسهم وإخراجها من ديارهم بناء على جريان كل ~~واحد منهم مجرى أنفسهم لما بينهم من الاتصال القوى نسبا ودينا للمبالغة في ~~في الحمل على ms0194 مراعاة حقوق الميثاق بتصوير المنهى عنه بصورة تكرهها كل نفس ~~وتنفر عنه كل طبيعة فضمير أنفسكم للمخاطبين حتما إذ به يتحقق تنزيل ~~المخرجين منزلتهم كما إن ضمير دياركم للمخرجين قطعا إذ المحذور أنما هو ~~أخراجهم من ديارهم لا من ديار المخاطبين من حيث أنهم مخاطبون كما يفصح عنه ~~ما سيأتي من قوله تعالى «من ديارهم» وأنما الخطاب ههنا باعتبار تنزيل ~~ديارهم منزلة ديار المخاطبين بناء على تنزيل أنفسهم منزلتهم لتأكيد ~~المبالغة وتشديد التشنيع وأما ضمير دماءكم فمحتمل لوجهين مفاد الأول كون ~~المسفوك دماءا دعائية للمخاطبين حقيقة ومفاد الثاني كونه دماء حقيقية ~~للمخاطبين ادعاء وهما متقاربان في إفادة المبالغة فتدبر واما ما قيل من أن ~~المعنى لا تباشروا ما يؤدى إلى قتل أنفسكم قصاصا أو ما يبيح سفك دمائكم ~~وإخراجكم من دياركم أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه ~~القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تحرمون به عن الجنة التي هي داركم فإنه ~~الجلاء الحقيقي فمما لا يساعده سياق النظم الكريم بل هو نص فيما قلناه كما ~~ستقف عليه «ثم أقررتم» أي بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه «وأنتم تشهدون» ~~توكيد للإقرار كقولك أقر فلان شاهدا على نفسه وأنتم أيها الحاضرون تشهدون ~~اليوم على إقرار اسلافكم بهذا الميثاق «ثم أنتم هؤلاء» خطاب خاص في ~~الحاضرين فيه توبيخ شديد واستبعاد قوى لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق ~~به والشهادة عليه فأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره ومناط الإفادة اختلاف الصفات ~~المنزل منزلة اختلاف الذات والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون الناقضون ~~المتناقضون حسبما تعرب عنه الجمل الآتية فإن قوله عز وجل «تقتلون أنفسكم» ~~الخ بيان له وتفصيل لأحوالهم المنكرة المندرجة تحت الإشارة ضمنا كأنهم ~~قالوا كيف نحن فقيل تقتلون أنفسكم أي الجارين مجرى أنفسكم كما أسير اليه ~~وقرئ تقتلون بالتشديد للتكثير «وتخرجون فريقا منكم» الضمير أما للمخاطبين ~~والمضاف محذوف أي من أنفسكم واما للمقتولين والخطاب باعتبار أنهم جعلوا ~~أنفس المخاطبين والا فلا يتحقق التكافؤ بين المقتولين والمخرجين في ذلك ~~العنوان الذي عليه ms0195 يدور فلك المبالغة في تأكيد الميثاق حسبما نص عليه ولا ~~يظهر كمال قباحة PageV01P124 # جناياتهم في نقضه «من ديارهم» الضمير للفريق وايثار الغيبة مع جواز ~~الخطاب أيضا بناء على اعتبار العنوان المذكور كما مر في الميثاق للإحتراز ~~عن توهم كون المراد اخراجهم من ديار المخاطبين من حيث هي ديارهم لا من حيث ~~هي ديار المخرجين وقيل هؤلاء موصول والجملتان في حيز الصلة والمجموع هو ~~الخبر لأنتم «تظاهرون عليهم» بحذف احدى التاءين وقرئ باثباتهما وبالادغام ~~وتظهرون بطرح احدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حال من فاعل ~~تخرجون أو من مفعوله أو منهما جميعا مبنية لكيفية الإخراج دافعه لتوهم ~~اختصاص الحرمة بالإخراج بطريق الأصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعاونة ~~«بالإثم» متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي ملتبسين بالإثم وهو الفعل الذي ~~يستحق فاعله الذم واللوم وقيل هو ما ينفر عنه النفس ولا يطمئن إليه القلب ~~«والعدوان» وهو التجاوز في الظلم «وإن يأتوكم أسارى» جمع أسير وهو من يؤخذ ~~قهرا فعيل بمعنى مفعول من الأسر أي الشد أو جمع أسرى وهو جمع أسير كجرحى ~~وجريح وقد قرئ أسرى ومحلة النصب على الحالية «تفادوهم» أي تخرجوهم من الأسر ~~بإعطاء الفداء وقرئ تفدوهم قال السدى أن الله تعالى أخذ على بنى إسرائيل في ~~التوراة الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم ~~وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بنى إسرائيل فاشتروه وأعتقوه وكانت قريظة ~~حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة ~~والشنآن فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم ~~منها ثم إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له مالا فيفدونه فعيرتهم العرب ~~وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ~~ولكن نستحي أن ندل حلفاء نا فذ مهم الله تعالى على المناقضة «وهو محرم ~~عليكم إخراجهم» هو ضمير الشأن وقع مبتدأ ومحرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل ~~وقع خبرا من إخراجهم والجملة خبر لضمير الشأن وقيل محرم خبر ms0196 لضمير الشأن ~~وإخراجهم مرفوع على انه مفعول ما لم يسم فاعلة وقيل الضمير مهم يفسره ~~إخراجهم أو راجع إلى ما يدل عليه تخرجون من المصدر وإخراجهم تأكيدا وبيان ~~والجملة حال من الضمير في تخرجون أو من فريقا أو منهما كما مر بعد اعتبار ~~القيد بالحال السابقة وتخصيص بيان الحرمة ههنا بالإخراج مع كونه قرينا ~~للقتل عند أخذ الميثاق لكونه مظنة للمساهلة في أمره بسبب قلة خطرة بالنسبة ~~إلى القتل ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم ~~معا وذلك مختص بصورة الإخراج حيث لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشئ من دية أو ~~قصاص هو السر في تخصيص التظاهر به فيما سبق واما تأخيره من الشرطية ~~المعترضة مع أن حقه التقديم كما ذكره الواحدي فلأن نظم أفاعيلهم المتناقضة ~~في سمط واحد من الذكر أدخل في إظهار بطلانها «أفتؤمنون ببعض الكتاب» أي ~~التوراة التي أخذ فيها الميثاق المذكور والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء ~~للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو ~~المفاداة «وتكفرون ببعض» وهو حرمة القتال والإخراج مع ان من قضية الإيمان ~~ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من عند الله تعالى داخلا في الميثاق فمناط ~~التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيب النظم الكريم ~~فإن التقديم يستدعى في المقام الخطابي أصالة المقدم وتقدمه بوجه من الوجوه ~~حتما وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكار والتوبيخ عليه وهو باعتبار الوقوع ~~قطعا PageV01P125 # لا إيمانهم بالبعض مع كفرهم بالبعض كما هو المفهوم لو قيل أفتكفرون ببعض ~~الكتاب وتؤمنون ببعض ولا مجرد كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كما يفيده أن ~~يقال أفتجمعون بين الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض أو بالعكس «فما جزاء من ~~يفعل ذلك» ما نافية ومن إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب وإن جعلت ~~موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها وذلك إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع ~~الإيمان ببعض أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى «منكم» ~~حال من فاعل يفعل «إلا خزي» استثناء ms0197 مفرغ وقع خبرا للمبتدأ والخزي الذل ~~والهوان مع الفضيحة والتنكير للتفخيم وهو قتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير ~~إلى أذرعات وأريحا ء من الشام وقيل الجزية «في الحياة الدنيا» في حيز الرفع ~~على أنه صفة خزى أي خزى كائن في الحياة الدنيا أو في حيز النصب على أنه ظرف ~~لنفس الخزي ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعهم الفارغة ~~من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب وإظهار أنه لا أثر له أصلا مع الكفر ببعض ~~«ويوم القيامة يردون» وقرئ بالتاء أوثر صيغة الجمع نظرا إلى معنى من بعد ما ~~أوثر الإفراد نظرا إلى لفظها لما ان الرد إنما يكون بالاجتماع «إلى أشد ~~العذاب» لما أن معصيتهم أشد المعاصي وقيل أشد العذاب بالنسبة إلى ما لهم في ~~الدنيا من الخزي والصغار وإنما غير سبك النظم الكريم حيث لم يقل مثلا وأشد ~~العذاب يوم القيامة للإيذان بكمال التنافي بين جزاءى النشأتين وتقديم يوم ~~القيامة على ما ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول الأمر ~~«وما الله بغافل عما تعملون» من القبائح التي من جملتها هذا المنكر وقرئ ~~بالياء على نهج يردون وهو تأكيد للوعيد «أولئك» الموصوفون بما ذكر من ~~الأوصاف القبيحة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «الذين اشتروا» أي آثروا ~~«الحياة الدنيا» واستبدلوها «بالآخرة» واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها ~~فإن ما ذكر من الكفر ببعض أحكام الكتاب إنما كان لمراعاة جانب حلفائهم لما ~~يعود إليهم منهم من بعض المنافع الدنية الدنيوية «فلا يخفف عنهم العذاب» ~~دنيويا كان أو أخرويا «ولا هم ينصرون» بدفعه عنهم شفاعة أو جبرا والجملة ~~معطوفة على ما قبلها عطف الإسمية على الفعلية أو ينصرون مفسر لمحذوف قبل ~~الضمير فيكون من عطف الفعلية على مثلها «ولقد آتينا موسى الكتاب» شروع في ~~بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به ~~والمراد بالكتاب التوراة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن التوراة لما ~~نزلت جملة واحدة أمر الله تعالى موسى عليه ms0198 السلام بحملها فلم يطق بذلك فبعث ~~الله بكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا بحملها فخففها الله تعالى لموسى عليه ~~السلام فحملها «وقفينا من بعده بالرسل» يقال قفاه به إذا PageV01P126 # أتبعه إياه أي أرسلناهم على أثره كقوله تعالى ثم «أرسلنا رسلنا تترا» وهم ~~يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل والياس ~~واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام «وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات» المعجزات الواضحات من إحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص ~~والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل وعيسى بالسريانية أيشوع ومعناه المبارك ~~ومريم بمعنى الخادم وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وبه فسر قول ~~رؤبة * قلت لزير لم تصله مريمه * ضليل أهواء الصبا تندمه * ووزنه مفعل إذ ~~لم يثبت فعيل «وأيدناه» أي قويناه وقرئ وآيدناه «بروح القدس» بضم الدال ~~وقرئ بسكونها أي بالروح المقدسة وهي روح عيسى عليه السلام كقولك حاتم الجود ~~ورجل صدق وانما وصفت بالقدس لكرامته أو لأنه عليه السلام لم تضمه الأصلاب ~~ولا أرحام الطوامث وقيل بجبريل عليه السلام وقيل بالإنجيل كما قيل في ~~القرآن «روحا من أمرنا» وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره ~~وتخصيصه من بين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفه بما ذكر من إيتاء البينات ~~والتأييد بروح القدس لما أن بعثتهم كانت لتنفيذ أحكام التوراة وتقريرها ~~وأما عيسى عليه السلام فقد نسخ بشرعه كثير من أحكامها ولحسم مادة اعتقادهم ~~الباطل في حقه عليه السلام ببيان حقيته واظهار كمال قبح ما فعلوا به عليه ~~السلام «أفكلما جاءكم رسول» من أولئك الرسل «بما لا تهوى أنفسكم» من الحق ~~الذي لا محيد عنه أي لا تحبه من هوى كفرح إذا أحب والتعبير عنه بذلك ~~للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة ~~لها لا شيء آخر وتوسيط الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من الافعال السابقة ~~لتوبيخهم على تعقيبهم ذلك بهذا وللتعجيب من شأنهم ويجوز كون الفاء للعطف ~~على مقدر يناسب المقام أي ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رسول منهم بما لا ms0199 تهوى ~~أنفسكم «استكبرتم» عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله تعالى ~~«ففريقا» منهم «كذبتم» من غير أن تتعرضوا لهم بشيء آخر من المضار والفاء ~~للسببية أو للتعقيب «وفريقا» آخر منهم «تقتلون» غير مكتفين بتكذيبهم كزكريا ~~ويحيى وغيرهما عليهم السلام وتقديم فريقا في الموضعين للاهتمام وتشويق ~~السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر وايثار صيغة الاستقبال في القتل لاستحضار ~~صورته الهائلة أو للإيماء إلى أنهم بعد على تلك النية حيث هموا مما لم ~~ينالوه من جهته عليه السلام وسحروه وسمموا له الشاة حتى قال صلى الله عليه ~~وسلم ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري «وقالوا» بيان لفن ~~آخر من قبائحهم على طريق الالتفات إلى الغيبة اشعارا بإبعادهم عن رتبة ~~الخطاب لما فصل من مخازيهم الموجبة للاعراض عنهم وحكاية نظائرها لكل من ~~يفهم بطلانها وقباحتها من أهل الحق والقائلون هم الموجودون في عصر النبي ~~عليه الصلاة والسلام «قلوبنا غلف» جمع أغلف مستعار من الأغلف الذي لم يختن ~~أي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولا تفقه كقولهم «قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه» وقيل هو تخفيف غلف ~~جمع غلاف ويؤيده ما روى عن أبي عمرو من القراءة بضمتين يعنون ان قلوبنا ~~أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن PageV01P127 # غيره قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي يعنون أن قلوبنا لا يصل إليها حديث ~~إلا وعته ولو كان في حديثك خير لوعته أيضا «بل لعنهم الله بكفرهم» رد لما ~~قالوه وتكذيب لهم في ذلك والمعنى على الأول بل أبعدهم الله سبحانه عن رحمته ~~بأن خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وإبطالهم لاستعدادهم بسوء ~~اختيارهم بالمرة وكونهم بحيث لا تنفعهم الألطاف أصلا بعد أن خلقهم على ~~الفطرة والتمكن من قبول الحق وعلى الثاني بل أبعدهم من رحمته فأني لهم ~~ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها وعلى الثالث بل أبعدهم من رحمته فلذلك لا ~~يقبلون الحق المؤدي إليها «فقليلا ما يؤمنون» ms0200 ما مزيدة للمبالغة أي فإيمانا ~~قليلا يؤمنون وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل فزمانا قليلا يؤمنون وهو ما ~~قالوا آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره وكلاهما ~~ليس بإيمان حقيقة وقيل أريد بالقلة العدم والفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان ~~«ولما جاءهم كتاب» هو القرآن وتنكيره للتفخيم ووصفه بقوله عز وجل «من عند ~~الله» أي كائن من عنده تعالى للتشريف «مصدق لما معهم» من التوراة عبر عنها ~~بذلك لما ان المعية من موجبات الوقوف على ما في تضاعيفها المؤدى إلى العلم ~~بكونه مصدقا لها وقرئ مصدقا على أنه حال من كتاب لتخصيصه بالوصف «وكانوا من ~~قبل» أي من قبل مجيئه «يستفتحون على الذين كفروا» أي وقد كانوا قبل مجيئه ~~يستفتحون به على المشركين ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر ~~الزمان الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ~~ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم وقال ابن عباس وقتادة والسدي نزلت في بنى ~~قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل مبعثه وقيل معنى يستفتحون يفتتحون عليهم ويعرفونهم بأن نبيا يبعث ~~منهم قد قرب أوانه والسين للمبالغة كما في استعجب أي يسألون من أنفسهم ~~الفتح عليهم أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم وعلى التقديرين فالجملة ~~حالية مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم وقوله عز وعلا «فلما جاءهم» تكرير ~~للأول لطول العهد بتوسط الجملة الحالية وقوله تعالى «ما عرفوا» عبارة عما ~~سلف من الكتاب لأن معرفة من أنزل هو عليه معرفة له والاستفتاح به استفتاح ~~به وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم فإن معرفة ما ~~جاءهم من مبادى الإيمان به ودواعيه لا محالة والفاء للدلالة على تعقيب ~~مجيئه للاستفتاح به من غير أن يتخلل بينهما مدة منسية له وقوله تعالى ~~«كفروا به» جواب لما الأولى كما هو رأي المبرد أو جوابهما معا كما قاله أبو ~~البقاء وقيل جواب الأولى محذوف لدلالة المذكور عليه فيكون قوله تعالى ~~وكانوا ms0201 الخ جملة معطوفة على الشرطية عطف القصة على القصة والمراد بما عرفوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المراد بما كانوا يستفتحون به فالمعنى ~~ولما جاءهم كتاب مصدق لكتابهم كذبوه وكانوا من قبل مجيئه يستفتحون بمن أنزل ~~عليه ذلك الكتاب فلما جاءهم النبي الذي عرفوه كفروا به «فلعنة الله على ~~الكافرين» اللام للعهد PageV01P128 # أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب ~~كفرهم كما ان الفاء للإيذان بترتبها عليه أو للجنس وهم داخلون في الحكم ~~دخولا أولياء إذ الكلام فيهم وأياما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى بل ~~لعنهم الله بكفرهم «بئسما اشتروا به أنفسهم» ما نكرة بمعنى شئ منصوبة مفسرة ~~لفاعل بئس واشتروا صفته أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم وقيل اشتروها به في ~~زعمهم حيث يعتقدون أنهم بما فعلوا خلصوها من العقاب ويأباه أنه لا بد أن ~~يكون المذموم ما كان حاصلا لهم لا ما كان زائلا عنهم والمخصوص بالذم قوله ~~تعالى «أن يكفروا بما أنزل الله» أي بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف ~~على حقيقته وتبديل الإنزال بالمجيء للإيذان به «بغيا» حسدا وطلبا لما ليس ~~لهم وهو علة لأن يكفروا حتما دون اشتروا لما قيل بما هو أجنبي بالنسبة إليه ~~وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذم وفاعلة ولأن البغى مما لا تعلق له ~~بعنوان البيع قطعا لا سيما وهو معلل بما سيأتي من تنزيل الله تعالى من فضله ~~على من يشاؤه وإنما الذي بينه وبينه علاقة هو كفرهم بما أنزل الله والمعنى ~~بئس شيئا باعوا به أنفسهم كفرهم المعلل بالبغي الكائن لأجل «أن ينزل الله ~~من فضله» الذي هو الوحي «على من يشاء» أي يشاؤه ويصطفيه «من عباده» ~~المستأهلين لتحمل أعباء الرسالة ومآله تعليل كفرهم بالمنزل بحسدهم للمنزل ~~عليه وإيثار صيغة التفعيل ههنا للإيذان بتجدد بغيهم حسب تجدد الإنزال ~~وتكثره حسب تكثره «فباؤوا بغضب على غضب» أي رجعوا ملتبسين بغضب كائن على ~~غضب مستحقين له حسب ما اقترفوا من كفر على ms0202 كفر فإنهم كفروا بنبي الحق وبغوا ~~عليه وقيل كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد عيسى وقيل بعد قولهم عزيزا ~~ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك من فنون كفرهم «وللكافرين» أي لهم ~~والإظهار في موقع الإضمار للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم «عذاب مهين» ~~يراد به إهانتهم وإذلالهم لما أن كفرهم بما أنزل الله تعالى كان مبنيا على ~~الحسد المبنى على طمع المنزول عليهم وادعاء الفضل على الناس والاستهانة بمن ~~أنزل عليه عليه السلام «وإذا قيل» من جانب المؤمنين «لهم» أي اليهود وتقديم ~~الجار والمجرور وقد مر وجهة لا سيما في لام التبليغ «آمنوا بما أنزل الله» ~~من الكتب الإلهية جميعا والمراد به الأمر بالإيمان بالقرآن لكن سلك مسلك ~~التعميم إيذانا بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما آمنوا به فيما في حيز ~~الصلة وموافقته له في المضمون وتنبيها على أن الإيمان بما عداه من غير ~~إيمان به ليس بإيمان بما أنزل الله «قالوا نؤمن» أي نستمر على الإيمان «بما ~~أنزل علينا» يعنون به التوراة وما نزل على PageV01P129 # أنبياء بنى إسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه أن ما عدا ذلك غير منزل ~~عليهم ومرادهم بضمير المتكلم إما أنفسهم فمعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما ~~في المنزل من الأحكام وإما أنبياء بنى إسرائيل وهو الظاهر لاشتماله على ~~مزية الإيذان بأن عدم إيمانهم بالفرقان لما مر من بغيهم وحسدهم على نزوله ~~على من ليس منهم ولأن مرادهم بالموصول وإن كان هو التوراة وما في حكمها ~~خاصة لكن إيرادها بعنوان الإنزال عليهم مبنى على ادعاء أن ما عداها ليس ~~كذلك على وجه التعريض كما أشير إليه فلو أريد بالإنزال عليهم ما ذكر من ~~تكليفهم يلزم من مغايرة القرآن لما أنزل عليهم حسبما يعرب عنه قوله عز وجل ~~«ويكفرون بما وراءه» عدم كونهم مكلفين بما فيه كما يلزم عدم كونه نازلا على ~~واحد من بنى إسرائيل على الوجه الأخير وتجريد الموصول عند الإضمار عما ~~عرضوا به تعسف لا يخفى والوراء في الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف ms0203 إلى الفاعل ~~فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو أمامه ~~والجملة حال من ضمير قالوا بتقدير مبتدأ أي ما قالوا وهم يكفرون بما عداه ~~وليس المراد مجرد بيان ان إفراد إيمانهم بما أنزل عليهم بالذكر لنفى ~~إيمانهم بما وراء بل بيان أن ما يدعون من الإيمان ليس بإيمان بما أنزل ~~عليهم حقيقة فإن قوله عز اسمه «وهو الحق» أي المعروف بالحقية الحقيق بأن ~~يخص به اسم الحق على الإطلاق حال من فاعل يكفرون وقوله تعالى «مصدقا» حال ~~مؤكدة لمضمون الجملة صاحبها إما ضمير الحق وعاملها ما فيه من معنى الفعل ~~قاله أبو البقاء وإما ضمير دل عليه الكلام وعاملها فعل مضمر أي أحقه مصدقا ~~«لما معهم» من التوراة والمعنى قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفرون ~~بالقرآن والحال أنه حق مصدق لما آمنوا به فيلزمهم الكفر بما آمنوا به ومآله ~~أنهم ادعوا الإيمان بالتوراة والحال أنهم يكفرون بما يلزم من الكفر بها ~~«قل» تبكيتا لهم من جهة الله عز من قائل ببيان التناقض بين أقوالهم «فلم» ~~أصله لما حذفت عنه الألف فرقا بين الاستفهامية والخبرية «تقتلون أنبياء ~~الله من قبل» الخطاب للحاضرين من اليهود والماضين على طريق التغليب وحيث ~~كانوا مشاركين في العقد والعمل كان الاعتراض على أسلافهم اعتراضا على ~~أخلافهم وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف أي قل ~~لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلأي شيء كنتم تقتلون أنبياء الله ~~من قبل وهو فيها حرام وقرئ أنبياء الله مهموزا وقوله تعالى «إن كنتم ~~مؤمنين» تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهديد أي أن كنتم مؤمنين ~~فلم تقتلون وقد حذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حذف ثقة بما أثبت في ~~الأخرى وقيل لا حذف فيه بل تقديم الجواب على الشرط وذلك لا يتأتى إلا على ~~رأى الكوفيين وأبي زيد وقيل إن نافية ما كنتم مؤمنين وإلا لما قتلتموهم ~~«ولقد جاءكم موسى بالبينات» من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الأمر ms0204 لا ~~تكرير لما قص في تضاعيف تعداد النعم التي من جملتها العفو عن عبادة العجل ~~واللام للقسم أي وبالله لقد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة التي هي ~~العصا واليد والسنون ونقص الثمرات والدم والطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~وفلق البحر وقد عد منها التوراة وليس بواضح فإن المجيء PageV01P130 # بها بعد قصة العجل «ثم اتخذتم العجل» أي إلها «من بعده» أي من بعد مجيئه ~~بها وقيل من بعد ذهابه إلى الطور فتكون التوراة حينئذ من جملة البينات وثم ~~للتراخي في الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما صنعوا «وأنتم ظالمون» حال من ~~ضمير اتخذتم بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته واضعين لها في غير موضعها ~~أو بإخلال بحقوق آيات الله تعالى أو غير اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم ~~«وإذ أخذنا ميثاقكم» توبيخ من جهة الله تعالى وتكذيب لهم في ادعائهم ~~إلإيمان بما أنزل عليهم بتذكير جناياتهم الناطقة بكذبهم أي واذكروا حين ~~أخذنا ميثاقكم «ورفعنا فوقكم الطور» قائلين «خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا» ~~أي خذوا بما أمرتم به في التوراة واسمعوا ما فيها سمع طاعة وقبول «قالوا» ~~استئناف مبنى على سؤال سائل كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا «سمعنا» قولك ~~«وعصينا» امرك فإذا قابل أسلافهم مثل ذلك الخطاب المؤكد مع مشاهدتهم مثل ~~تلك المعجزة الباهرة بمثل هذه العظيمة الشنعاء وكفروا بما في تضاعيف التوبة ~~فكيف يتصور من أخلافهم الإيمان بما فيها «وأشربوا في قلوبهم العجل» على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه للمبالغة أي تداخلهم حبة ورسخ في قلوبهم ~~صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب والشراب ~~أعماق البدن وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب كما في قوله تعالى «إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا» والجملة حال من ضمير قالوا بتقديم قد «بكفرهم» بسبب كفرهم ~~السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه ~~فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري «قل» توبيخا لحاضري اليهود إثر ما تبين ~~من أحوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون في كل ما يأتون ms0205 وما يذرون «بئسما يأمركم ~~به إيمانكم» بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدعون والمخصوص بالذم محذوف ~~أي ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل وفي إسناد الأمر إلى ~~الإيمان تهكم بهم وإضافة الإيمان إليهم للإيذان بأنه ليس بإيمان حقيقة كما ~~ينبئ عنه قوله تعالى «إن كنتم مؤمنين» فإنه قدح في دعواهم الإيمان بما أنزل ~~عليهم من التوراة وإبطال لها وتقريره إن كنتم مؤمنين بها عاملين فيما ذكر ~~من القول والعمل بما فيها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها وإذ لا يسوغ ~~الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا وجواب الشرط كما ترى ~~محذوف لدلالة ما سبق عليه «قل» كرر الأمر مع قرب العهد بالأمر السابق لما ~~أنه أمر بتبكيتهم وإظهار كذبهم في فن آخر من أباطيلهم لكنه لم يحك عنهم قبل ~~الأمر بإبطاله بل اكتفى بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام حيث قيل «إن كانت ~~لكم الدار الآخرة» أي الجنة أو نعيم الدار PageV01P131 # الآخرة «عند الله خالصة» أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدعون أنه لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ونصبها على الحالية من الدار وعند ظرف ~~للاستقرار في الخبر أعنى لكم وقوله تعالى «من دون الناس» في محل النصب ~~بخالصة يقال خلص لي كذا من كذا واللام للجنس أي الناس كافة أو للعهد أي ~~المسلمين «فتمنوا الموت» فإن من أيقن بدخول الجنة اشتاق إلى التخلص إليها ~~من دار البوار وقرارة الأكدار لا سيما إذا كانت خالصة له كما قال على كرم ~~الله وجهه لا أبالي أسقطت على الموت أو سقط الموت على وقال عمار بن ياسر ~~بصفين * الآن ألاقي الأحبة * محمدا وحزبه * وقال حذيفة بن اليمان حين احتضر ~~وقد كان يتمنى الموت قبل * جاء حبيب على فاقة * فلا أفلح اليوم من قد ندم * ~~أي على التمني وقوله تعالى «إن كنتم صادقين» تكرير للكلام لتشديد الإلزام ~~وللتنبيه على أن ترتب الجواب ليس على تحقق الشرط في نفس الأمر فقط بل في ~~اعتقادهم أيضا وأنهم قد ms0206 ادعوا ذلك والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه أي ~~أن كنتم صادقين فتمنوه وقوله تعالى «ولن يتمنوه أبدا» كلام مستأنف غير داخل ~~تحت الأمر سيق من جهته سبحانه لبيان ما يكون منهم من الإحجام عما دعوا إليه ~~الدال على كذبهم في دعواهم «بما قدمت أيديهم» بسبب ما عملوا من المعاصي ~~الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبي عليه السلام والقرآن وتحريف التوراة ~~ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه ومدار أكثر منافعه ~~عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة «والله عليم بالظالمين» أي بهم ~~وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في جميع ~~الأمور التي من جملتها ادعاء ما ليس لهم ونفيه من عيرهم والجملة تذييل لما ~~قبلها مقررة لمضمونه أي عليم بهم وبما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي ~~المفضية إلى أفانين العذاب وبما سيكون منهم من الاحتراز عما يؤدى إلى ذلك ~~فوقع الأمر كما ذكر فلم يتمن منهم موته أحد إذ لو وقع ذلك لنقل واشتهر وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه ~~وما بقي يهودي على وجه الأرض «ولتجدنهم أحرص الناس» من الوجدان العقلي وهو ~~جار مجرى العلم خلا أنه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوهما ومفعولاه الضمير ~~وأحرص والتنكير في قوله تعالى «على حياة» للإيذان بان مرادهم نوع خاص منها ~~وهي الحياة المتطاولة وقرئ بالتعريف «ومن الذين أشركوا» عطف على ما قبله ~~بحسب المعنى كأنه قيل أحرص من الناس ومن الذين أشركوا وإفرادهم بالذكر مع ~~دخولهم في الناس للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرص للمبالغة في توبيخ ~~اليهود فإن حرصهم وهم معترفون بالجزاء لما كان أشد من حرص المشركين ~~المنكرين له دل ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار ويجوز أن يحمل على حذف ~~المعطوف ثقة بأنباء المعطوف عليه عنه أي وأحرص من الذين أشركوا فقوله تعالى ~~PageV01P132 # «يود أحدهم» بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف ويجوز أن يكون في حيز ~~الرفع صفة لمبتدأ محذوف ms0207 خبره الظرف المتقدم على أن يكون المراد بالمشركين ~~اليهود لقولهم عزيز بن الله أي ومنهم طائفة يود أحدهم أيهم كان أي كل واحد ~~منهم «لو يعمر ألف سنة» وهو حكاية لودادتهم كأنه قيل ليتني أعمر وإنما أجري ~~على الغيبة لقوله تعالى يود كما تقول ليفعلن ومحله النصب على أنه مفعول يود ~~إجراء له مجرى القول لأنه فعل قلبي «وما هو بمزحزحه من العذاب» ما حجازية ~~والضمير العائد على أحدهم اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة «أن يعمر» ~~فاعل مزحزحه أي وما أحدهم بمن يزحزحه أي يبعده وينجيه من العذاب تعميره ~~وقيل الضمير لما دل عليه يعمر من المصدر وأن يعمر بدل منه وقيل هو مبهم وأن ~~يعمر مفسرة والجملة حال من أحدهم والعامل يود لا يعمر على أنها حال من ~~ضميره لفساد المعنى أو اعتراض واصل سنة سنوة لقولهم سنوات وسنية وقيل سنهة ~~كجبهة لقولهم سانهته وسنيهة وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون «والله ~~بصير بما يعملون» البصير في كلام العرب العالم بكنه الشئ الخبير به ومنه ~~قولهم فلان بصير بالفقه أي عليم بخفيات اعمالهم فهو مجازيهم بها لا محالة ~~وقرئ بتاء الخطاب التفاتا وفيه تشديد للوعيد «قل من كان عدوا لجبريل» نزل ~~في عبد الله بن صوريا من اخبار فدك حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله ~~عمن نزل عليه الوحي فقال عليه السلام جبريل عليه السلام فقال هو عدونا لو ~~كان غيره لآمنا بك وفي بعض الروايات ورسولنا وميكائيل فلو كان هو الذي ~~يأتيك لآمنا بك وقد عادانا مرارا وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس ~~سيخربه بخت نصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكينا فدفع عنه جبريل ~~عليه السلام وقال أن كان ربكم أمره بهلا ككم فإنه لا يسلطكم عليه وإلا فبأي ~~حق تقتلونه وقيل أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا وروى ~~أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدارس اليهود ~~فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم ms0208 فقالوا يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك ~~فقال والله ما أجيئكم ولا سألكم لشك في ديني وإنما ادخل عليكم لازداد بصيرة ~~في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم ثم سألهم عن جبريل ~~عليه السلام فقالوا ذاك هو عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل خسف ~~وعذاب وميكائيل يجيء بالخصب والسلام فقال لهم وما منزلتهما عند الله تعالى ~~قالوا جبريل أقرب منزلة هو عن يمينه وميكائيل عن يساره وهما متعاديان فقال ~~عمر رضي الله عنه إن كانا كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ~~ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدو للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله سبحانه ~~ثم رجع عمر فوجد جبرئيل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقد وافقك ربك يا عمر فقال عمر رضي الله عنه لقد رأيتني في ديني ~~بعد ذلك أصلب من الحجر وقرئ جبرئيل كسلسبيل وجبريل كجحمرش وجبريل وجبرئل ~~وجبرائيل كجبراعيل وجبرائل كجبراعل PageV01P133 # ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة وقيل معناه عبد الله «فإنه نزله» تعليل ~~لجواب الشرط قائم مقامه والبارز الأول لجبريل عليه السلام والثاني للقرآن ~~أضمر من غير ذكر إيذانا بفخامة شأنه واستغنائه عن الذكر لكمال شهرته ~~ونباهته لا سيما عند ذكر شئ من صفاته «على قلبك» زيادة تقرير للتنزيل ببيان ~~محل الوحي فإنه القائل الأول له ومدار الفهم والحفظ وإيثار الخطاب على ~~التكلم المبنى على حكاية كلام الله تعالى بعينه كما في قوله تعالى «قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم» لما في النقل بالعبارة من زيادة تقرير ~~لمضمون المقالة «بإذن الله» بأمره وتيسيره مستعار من تسهيل الحجاب وفيه ~~تلويح بكمال توجه جبريل عليه السلام إلى تنزيله وصدق عزيمته عليه السلام ~~وهو حال من فاعل نزله وقوله تعالى «مصدقا لما بين يديه» أي من الكتب ~~الإلهية التي معظمها التوراة حال من مفعوله وكذا قوله تعالى «وهدى وبشرى ~~للمؤمنين» والعامل في الكل نزله والمعنى من عادى جبريل من أهل الكتاب ms0209 فلا ~~وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم أو ~~فالسبب في عداوته تنزيله لكتاب مصدق لكتابهم موافق له وهم له كارهون ولذلك ~~حرفوا كتابهم وجحدوا موافقته له لأن الاعتراف بها يوجب الإيمان به وذلك ~~يستدعى انتكاس أحوالهم وزوال رياستهم وقيل إن الجواب فقد خلع ربقة الإنصاف ~~أو فقد كفر بما معه من الكتب أو فليمت غيظا أو فهو عدو لي وأنا عدو له «من ~~كان عدوا لله» أريد بعداوته تعالى مخالفة أمره عنادا والخروج عن طاعته ~~مكابرة أو عداوة خواصه ومقربيه لكن صدر الكلام بذكره الجليل تفخيما لشأنهم ~~وإيذانا بان عداوته عز وعلا كما في قوله عز وجل «والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه» ثم صرح بالمرام فقيل «وملائكته ورسله وجبريل وميكال» وإنما أفردا ~~بالذكر مع أنهما أول من يشمله عنوان الملكية والرسالة لإظهار فضلهما كأنهما ~~عليهما السلام من جنس آخر أشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة ~~التغاير في الجنس وللتنبيه على ان عداوة أحدهما عداوة للآخر حسما لمادة ~~اعتقادهم الباطل في حقهما حيث زعموا أنهما متعاديان وللإشارة إلى أن معاداة ~~الواحد والكل سواء في الكفر واستتباع العدواة من جهة الله سبحانه وأن من ~~عادى أحدهم فكأنما عادى الجميع وقوله تعالى «فإن الله عدو للكافرين» أي لهم ~~جواب الشرط والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشد العقاب وإيثار الاسمية ~~للدلالة على التحقق والثبات ووضع الكافرين موضع المضمر للإيذان بأن عداوة ~~المذكورين كفر وأن ذلك بين لا يحتاج إلى الإخبار به وأن مدار عداوته تعالى ~~لهم وسخطه المستوجب لأشد العقوبة والعذاب وهو كفرهم المذكور وقرئ ميكائيل ~~كميكاعل وميكائيل كميكاعيل وميكئل كميكعل وميكئيل كميكعيل «ولقد أنزلنا ~~إليك آيات بينات» واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند الله عز ~~وجل «وما يكفر بها إلا الفاسقون» أي المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده ~~فإن من PageV01P134 # ليس على تلك الصفة من الكفرة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات قال ~~الحسن إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي ms0210 وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من ~~كفر أو غيره وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال ابن صوريا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشئ نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها ~~فنزلت واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهل الكتاب المحرفون لكتابهم ~~الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا «أو كلما عاهدوا ~~عهدا» الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي اكفروا بها ~~وهي غاية الوضوح وكلما عاهدوا عهدا ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قوله ~~تعالى «وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا» من قولهم للمشركين قد أظل ~~زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم وقرئ بسكون الواو ~~على أن تقدير النظم الكريم وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودهم ~~مرارا كثيرة وقرئ عوهدوا وعهدوا وقوله تعالى عهدا إما مصدر مؤكد لعاهدوا من ~~غير لفظه أو مفعول له على أنه بمعنى أعطوا العهد «نبذه فريق منهم» أي راموا ~~بالزمام ورفضوه وقرئ نقضه وإسناد النبذ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبذه ~~«بل أكثرهم لا يؤمنون» أي بالتوراة وهذا دفع لما يتوهم من أن النابذين هم ~~الأقلون وان من لم ينبذ جهارا فهم يؤمنون بها سرا «ولما جاءهم رسول» هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولتنكير للتفخيم «من عند الله» متعلق بحاء أو ~~بمحذوف وقع صفة لرسول لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما افاده التنكير من ~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية «مصدق لما معهم» من التوراة من حيث أنه ~~صلى الله عليه وسلم قرر صحتها وحقق حقية نبوة موسى عليه الصلاة والسلام بما ~~انزل عليه أو من حيث انه عليه السلام جاء على وفق ما نعت فيها «نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب» اى التوراة وهم اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانوا في عهد ~~سليمان عليه السلام كما قيل لأن ms0211 النبذ عند مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يتصور منهم وإفراد هذا النبذ بالذكر مع اندراجه تحت قوله عز وجل «أو ~~كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم» لأنه معظم جناياتهم ولأنه تمهيد لذكر ~~اتباعهم لما تتلو الشياطين وايثارهم له عليه والمراد بإيتائها اما إيتاء ~~علمها بالدراسة والحفظ والوقوف على ما فيها فالموصول عبارة عن علمائهم واما ~~مجرد إنزالها عليهم فهو عبارة عن الكل وعلى التقديرين فوضعه موضع الضمير ~~لللإيذان بكمال التنافي بين ما أثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من ~~النبذ «كتاب الله» اي الذي أوتوه قال السدى لما جاءهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب ~~آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى «ولما جاءهم رسول ~~من عند الله» الخ وانما عبر عنها بكتاب الله تشريفا لها وتعظيما لحقها ~~عليهم وتهويلا لما اجترؤا عليه من الكفر PageV01P135 # بها وقيل كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول لا سيما بعد ~~ما كانوا يستفتحون به من قبل فإن ذلك قبول له وتمسك به فيكون الكفر به عند ~~مجيئه نبذا له كأنه قيل كتاب الله الذي جاء به فإن مجيء الرسول معرب عن ~~مجيء الكتاب «وراء ظهورهم» مثل لتركهم وإعراضهم عنه بالكلية مثل بما يرمى ~~به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه «كأنهم لا يعلمون» جملة حالية ~~أي نبذوه وراء ظهورهم مشبهين بمن لا يعلمه فإن أريد بهم أحبارهم فالمعنى ~~كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته عليه ~~الصلاة والسلام ففيه إيذان بأن علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا ~~يعلمون أنه كتاب الله أو لا يعلمونه أصلا كما إذا أريد بهم الكل وفي هذين ~~الوجهين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة هذا وإن ~~أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن فالمراد بالعلم النفي في قوله تعالى ~~«كأنهم لا يعلمون» هو العلم بأنه كتاب الله ms0212 ففيه ما في الوجه الأول من ~~الإشعار بأنهم متيقنون في ذلك وإنما يكفرون به مكابرة وعنادا قيل إن جيل ~~اليهود أربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب ~~وهم الأقلون المشار إليهم بقوله عز وجل «بل أكثرهم لا يؤمنون» وفرقة جاهروا ~~بنبذ العهود وتعدى الحدود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله تعالى «نبذه ~~فريق منهم» وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الأكثرون ~~وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية وهم المتجاهلون «واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين» عطف على جواب لما أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحرة التي ~~كانت تقرأها الشياطين وهم المتمردون من الجن وتتلو حكاية حال ماضية والمراد ~~بالاتباع التوغل والتمحض فيه والإقبال عليه بالكلية وإلا فأصل الاتباع كان ~~حاصلا قبل مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتسنى عطفه على جواب لما ~~ولذلك قيل هو معطوف على الجملة وقيل على أشربوا «على ملك سليمان» أي في عهد ~~ملكه قيل كانت الشياطين يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ~~ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في عهد سليمان ~~عليه السلام حتى قيل إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما ~~تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الإنس والجن والطير والريح التي تجرى ~~بأمره وقيل إن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه ~~الله تعالى بها تحت سرير ملكه فلما مضت على ذلك مدة توصل إليها قوم من ~~المنافقين فكتبوا في خلال ذلك أشياء من فنون السحر تناسب تلك PageV01P136 # الأشياء المدفونة من بعض الوجوه ثم بعد موته وإطلاع الناس على تلك الكتب ~~أو هموهم أنه من عمل سليمان عليه السلام وأنه ما بلغ هذا المبلغ إلا بسبب ~~هذه الأشياء «وما كفر سليمان» تنزيه لساحته عليه السلام عن السحر وتكذيب ~~لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به والتعرض لكونه كفرا للمبالغة في ~~إظهار نزاهته عليه لسلام وكذب باهتيه بذلك «ولكن الشياطين» وقرئ بتخفيف لكن ~~ورفع ms0213 الشياطين والواو عاطفة للجملة الاستدراكية على ما قبلها وكون المخففة ~~عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفردا «كفروا» ~~باستعمال السحر وتدوينه «يعلمون الناس السحر» إغواء وإضلالا والجملة في محل ~~النصب على الحالية من ضمير كفروا أو من الشياطين فإن ما في لكن من رائحة ~~الفعل كاف في العمل في الحال أو في محل الرفع على انه خبر ثان للكن أو بدل ~~من الخبر الأول وصيغة الاستقبال للدلالة على استمرار التعليم وتجدده أو ~~جملة مستأنفة هذا على تقدير كون الضمير للشياطين وأما على تقدير رجوعه إلى ~~فاعل اتبعوا فهي إما حال منه وإما استئنافية فحسب واعلم أن السحر أنواع ~~منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ~~ويزعمون انها هي المدبرة لهذا العالم ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة ~~والنحوسة ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية ~~وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لإبطال مقالتهم وهم ~~ثلاث فرق ففرقة منهم يزعمون أن الأفلاك والنجوم واجبة الوجود لذواتها وهم ~~الصائبة وفرقة يقولون بإلهية الأفلاك ويتخذون لكل واحد منها هيكلا ويشتغلون ~~بخدمتها وهم عبدة الأوثان وفرقة أثبتوا للأفلاك وللكواكب فاعلا مختارا ~~لكنهم قالوا إنه أعطاها قوة عالية نافذة في هذا العالم وفوض تدبيره إليها ~~ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية فإنهم يزعمون أن الإنسان تبلغ روحه ~~بالتصفية في القوة والتأثير إلى حيث يقدر على الإيجاد والإعدام والإحياء ~~وتغيير البنية والشكل ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى ~~بالعزائم وتسخير الجن ومنها التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة ولا ~~خلاف بين الأمة في أن من اعتقد الأول فقد كفر وكذا من اعتقد الثاني وهو سحر ~~أصحاب الأوهام والنفوس القوية وإما من اعتقد أن الإنسان يبلغ بالتصفية ~~وقراءة العزائم والرقى إلى حيث يخلق الله سبحانه وتعالى عقيب ذلك على سبيل ~~جريان العادة بعض الخوارق فالمعتزلة اتفقوا على أنه كافر لأنه لا يمكنه ~~بهذا الاعتقاد معرفة صدق الأنبياء والرسل بخلاف غيرهم ولعل التحقيق ان ms0214 ذلك ~~الإنسان إن كان خيرا متشرعا في كل ما يأتي ويذر وكان من يستعين به من ~~الأرواح الخيرة وكانت عزائمه ورقاه غير مخالفة لأحكام الشريعة الشريفة ولم ~~يكن فيما ظهر في يده من الخوارق ضرر شرعي لأحد فليس ذلك من قبيل السحر وإن ~~كان شريرا غير متمسك بالشريعة الشريفة فظاهر أن من يستعين به من الأرواح ~~الخبيثة الشريرة لا محالة ضرورة امتناع تحقق التضام والتعاون بينهما من غير ~~اشتراك في الخبث والشرارة فيكون كافرا قطعا وأما الشعوذة وما يجرى مجراها ~~من إظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب الآلات الهندسية وخفة اليد ~~والاستعانة بخواص الأدوية والأحجار فإطلاق السحر عليها بطريق التجوز أو لما ~~فيها PageV01P137 # من الدقة لأنه في الأصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه أو من الصرف ~~عن الجهة المعتادة لما انه في أصل اللغة الصرف على ما حكاه الأزهري عن ~~الفراء ويونس «وما أنزل على الملكين» عطف على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل ~~عليهما والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو هو نوع أقوى منه أو ~~على ما تتلو وما بينهما اعتراض أي واتبعوا ما أنزل الخ وهما ملكان أنزلا ~~لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس كما ابتلى قوم طالوت بالنهر أو تمييزا ~~بينه وبين المعجزة لئلا يغتر به الناس أو لأن السحرة كثرت في ذلك الزمان ~~واستنبطت أبوابا غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة فبعث الله تعالى هذين ~~الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين ~~وإظهار أمرهم على الناس وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأوا ~~ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم وقالوا لله سبحانه هؤلاء الذين اخترتهم ~~لخلافة الأرض يعصونك فيها فقال عز وجل لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لعصيتموني ~~قالوا سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك قال تعالى فاختاروا من خياركم ملكين ~~فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم وأعبدهم فأهبطا إلى الأرض بعد ما ~~ركب فيهما ما ركب في البشر من الشهوة وغيرها من القوى ليقضيا ms0215 بين الناس ~~نهارا ويعرجا إلى السماء مساء وقد نهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب ~~الخمر والزنا وكانا يقضيان بينهم نهارا فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم ~~فصعدا إلى السماء فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة من أجمل النساء تسمى زهرة ~~وكانت من لخم وقيل كانت من أهل فارس ملكة في بلدها وكانت خصومتها مع زوجها ~~فلما رأياها افتتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها فقالت لا إلا ~~أن تقضيا لي على خصمي ففعلا ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تقتلاه ~~ففعلا ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا أن تشربا الخمر وتسجدا للصنم ففعلا ~~كلا من ذلك بعد اللتيا والتي ثم سألاها ما سألا فقالت لا إلا ان تعلماني ما ~~تصعدان به إلى السماء فعلماها الاسم الأعظم فدعت به وصعدت إلى السماء ~~فمسخها الله سبحانه كوكبا فهما بالعروج حسب عادتهما فلم تطعهما أجنحتهما ~~فعلما ما حل بهما وكان في عهد إدريس عليه السلام فالتجآ إليه ليشفع لهما ~~ففعل فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا الأول ~~لانقطاعه عما قليل فهما معذبان ببابل قيل معلقان بشعورهما وقيل منكوسان ~~يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة فمما لا تعويل عليه لما أن مداره ~~رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل ولعله من مقولة ~~الأمثال والرموز التي قصد بها إرشاد اللبيب الأريب بالترغيب والترهيب وقيل ~~هما رجلان سميا ملكين لصلاحهما ويعضده قراءة الملكين بالكسر «ببابل» الباء ~~بمعنى في وهي متعلقة بأنزل أو بمحذوف وقع حالا من الملكين أو من الضمير في ~~انزل وهي بابل العراق وقال ابن مسعود رضي الله عنه بابل أرض الكوفة وقيل ~~جبل دماوند ومنع الصرف للعجمة والعلمية أو للتأنيث والعلمية «هاروت وماروت» ~~عطف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفهما للعجمية والعلمية ولو كانا من ~~الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا وأما من قرأ الملكين بكسر اللام أو قال ~~كانا رجلين صالحين فقال هما اسمان لهما وقيل هما اسما قبيلتين من الجن هما ~~المراد ms0216 من الملكين بالكسر وقرئ بالرفع على هما هاروت وماروت «وما يعلمان من ~~أحد» من مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراق الذي يفيده أحد لا ~~لإفادة نفس الاستغراق كما في قولك PageV01P138 # ما جاءني من رجل وقرئ يعلمان من الإعلام «حتى يقولا إنما نحن فتنة» ~~الفتنة الاختبار والامتحان وإفرادها مع تعددهما لكونهما مصدرا وحملها ~~عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما ~~يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه أي وما يعلمان ما انزل عليهما ~~من السحر أحدا من طالبيه حتى ينصحاه قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنة ~~وابتلاء من الله عز وجل فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ومن توقى عن ~~العمل به أو اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الأيمان 6 «فلا ~~تكفر» باعتقاد حقيته وجواز العمل به والظاهر أن غاية النفي ليست هذه ~~المقالة فقط بل من جملتها التزام المخاطب بموجب النهي لكن لم يذكر لظهوره ~~وكون الكلام في بيان اعتناء الملكين بشأن النصح والإرشاد والجملة في محل ~~النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا معطوفة عليه كما قيل أي ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ويحملونهم على العمل به ~~إغواء وإضلالا والحال أنهما ما يعلمان أحدا حتى ينهياه عن العمل به والكفر ~~بسببه وأما ما قيل من أن ما في قوله تعالى وما أنزل الخ نافية والجملة ~~معطوفة على قوله تعالى وما كفر سليمان جئ بها لتكذيب اليهود في القصة أي لم ~~ينزل على الملكين إباحة السحر وأن هاروت وماروت بدل من الشياطين على أنهما ~~قبيلتان من الجن خصتا بالذكر لأصالتهما وكون باقي الشياطين أتباعا لهما وان ~~المعنى ما يعلمان أحدا حتى يقولا أنما نحن فتنة فلا تكفر فتكون مثلنا ~~فيأباه أن مقام وصف الشيطان بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصف رؤسائهم ~~بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلام فإن الإبدال ~~في حكم تنحية المبدل منه «فيتعلمون ms0217 منهما» عطف على الجملة المنفية فإنها في ~~قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولهما أنما نحن الخ والضمير لأحد حملا ~~على المعنى كما في قوله تعالى فما منكم من أحد عنه حاجزين «ما يفرقون به» ~~أي بسببه وباستعماله «بين المرء» وقرئ بضم الميم وكسرها مع الهمزة وتشديد ~~الراء بلا همزة «وزوجه» بأن يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك والنشوز ~~عند ما فعلوا ما فعلوا من السحر على حسب جري العادة الإلهية من خلق ~~المسببيات عقيب حصول الأسباب العادية ابتلاء لا أن السحر هو المؤثر في ذلك ~~وقيل فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناس ويعتقدون أنه حق فيكفرون ~~فتبين أزواجهم «وما هم بضارين به» أي بما تعلموه واستعملوه من السحر «من ~~أحد» أي أحدا ومن مزيدة لما ذكر في قوله تعالى وما يعلمان من أحد والمعهود ~~وإن كان زيادتها في معمول فعل منفي إلا أنه حملت الأسمية في ذلك على ~~الفعلية كأنه قيل وما يضرون به من أحد «إلا بإذن الله» لأنه وغيره من ~~الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يحدث عند ~~استعمالهم السحر فعلا من أفعاله ابتلاء وقد لا يحدثه والاستثناء مفرغ ~~والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين أو من مفعوله وإن كان نكرة ~~لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرور في به أي وما يضرون به أحدا إلا ~~مقرونا بإذن الله تعالى وقرئ بضاري على الإضافة بجعل الجار جزءا من المجرور ~~وفصل ما بين المضافين بالظرف «ويتعلمون ما يضرهم» لأنهم يقصدون به العمل أو ~~لأن العلم يجر إلى العمل غالبا «ولا ينفعهم» صرح بذلك إيذانا بأنه ليس من ~~الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لأنهم لا يقصدون به ~~التخلص عن الاغترار بأكاذيب من يدعي النبوة PageV01P139 # مثلا من السحرة أو تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع في الجملة وفيه أن ~~الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى ~~الغواية وإن قال من قال ms0218 * عرفت الشر لا للشر * ر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف ~~الشر * من الناس يقع فيه «ولقد علموا» أي اليهود الذين حكيت جناياتهم «لمن ~~اشتراه» أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله عز وجل واللام الأولى جواب ~~قسم محذوف والثانية لام ابتداء علق به علموا عن العمل ومن موصولة في حيز ~~الرفع بالابتداء واشتراه صلتها وقوله تعالى «ما له في الآخرة من خلاق» أي ~~من نصيب جملة من مبتدأ وخبر ومن مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلق بمحذوف ~~وقع حالا منه ولو أخر عنه لكان صفة له والتقدير ماله خلاق في الآخرة وهذه ~~الجملة في محل الرفع على انها خبر للموصول والجملة في حيز النصب سادة مسد ~~مفعولي علموا إن جعل متعديا إلى اثنين أو مفعوله الواحد إن جعل متعديا إلى ~~واحد فجملة ولقد علموا الخ مقسم عليها دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه ~~الجمهور وهو مذهب سيبويه وقال الفراء وتبعه أبو البقاء أن اللام الأخيرة ~~موطئة للقسم ومن شرطية مرفوعة بالابتداء واشتراه خبرها وماله في الآخرة من ~~خلاق جواب القسم وجواب الشرط محذوف اكتفاء عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع ~~الشرط والقسم يجاب سابقهما غالبا فحينئذ يكون الجملتان مقسما عليهما «ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم» أي باعوها واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف ~~أي وبالله لبئسما باعوا به أنفسهم السحر أو الكفر وفيه إيذان بأنهم حيث ~~نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فقد عرضوا أنفسهم للهلكة وباعوها بما لا ~~يزيدهم إلا تبارا وتجويز كون الشراء بمعنى الاشتراء مما لا سبيل إليه لأن ~~المشترى متعين وهو ما تتلوا الشياطين ولأن متعلق الذم هو المأخوذ لا ~~المنبوذ كما أشير إليه في تفسيره قوله سبحانه بئسما اشتروا به أنفسهم ان ~~يكفروا بما أنزل الله «لو كانوا يعلمون» أي يعملون بعلمهم جعلوا غير عالمين ~~لعدم عملهم بموجب علمهم أو لو كانوا يتفكرون فيه أو يعلمون قبحه على اليقين ~~أو حقيقة ما يتبعه من العذاب عليه على أن المثبت لهم أو لا على ms0219 التوكيد ~~القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي بقبح الفعل أو ترتب العقاب من غير ~~تحقيق وجواب لو محذوف أي لما فعلوا ما فعلوا «ولو أنهم آمنوا» أي بالرسول ~~المومى إليه في قوله تعالى ولما جاءهم رسول من عند الله الخ أو بما أنزل ~~إليه من الآيات المذكورة في قوله تعالى ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون أو بالتوراة التي أريدت بقوله تعالى نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم فإن الكفر بالقرآن والرسول عليه ~~السلام كفر بها «واتقوا» المعاصي المحكية عنهم «لمثوبة من عند الله خير» ~~جواب لو وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم فحذف ~~الفعل وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم دلالة على ثبات المثوبة لهم ~~والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من ان ينسب إليه وتنكير ~~المثوبة للتقليل ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة تشريفية لمثوبة أي لشئ ما من ~~المثوبة كائنة من عنده تعالى خير وقيل جواب لو محذوف أي لأثيبوا وما بعده ~~جملة مستأنفة فإن وقوع PageV01P140 # الجملة الابتدائية جوابا للوغير معهود في كلام العرب وقيل لو للتمنى ~~ومعناه أنهم من فظاعة الحال بحيث يتمنى العارف إيمانهم واتقاءهم تلهفا ~~عليهم وقرئ لمثوبة وإنما سمى الجزاء ثوابا ومثوبة لأن المحسن يثوب إليه «لو ~~كانوا يعلمون» ان ثواب الله خير نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم ~~«يا أيها الذين آمنوا» خطاب للمؤمنين فيه إرشاد لهم إلى الخير وإشارة إلى ~~بعض آخر من جنايات اليهود «لا تقولوا راعنا» المراعاة المبالغة في الرعى ~~وهو حفظ الغير وتدبير أموره وتدارك مصالحة وكان المسلمون إذا ألقى عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من العلم يقولون راعنا يا رسول الله أي ~~راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك ونحفظه وكانت لليهود كلمة عبرانية ~~أو سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهي راعينا قيل معناها اسمع لا سمعت ~~فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترضوه واتخذوه ذريعة إلى مقصدهم فجعلوا ~~يخاطبون ms0220 به النبي صلى الله عليه وسلم يعنون به تلك المسبة أو نسبته صلى ~~الله عليه وسلم إلى الرعن وهو الحمق والهوج روى أن سعد بن عبادة رضي الله ~~عنه سمعها منهم فقال يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن ~~سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه ~~قالوا أو لستم تقولونها فنزلت الآية ونهى فيها المؤمنون عن ذلك قطعا لألسنة ~~اليهود عن التدليس وأمروا بما في معناها ولا يقبل التلبيس فقيل «وقولوا ~~انظرنا» أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظرة إذا ~~انتظره وقرئ أنظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظ وقرئ راعونا على صيغة ~~الجمع للتوقير وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رعن كدارع ولابن لأنه لما ~~أشبه قولهم راعينا وكان سببا للسبب بالرعن اتصف به «واسمعوا» وأحسنوا سماع ~~ما يكلمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقى عليكم من لمسائل بآذان واعية ~~وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعاذة وطلب المراعاة أو واسمعوا ما ~~كلفتموه من النهى والأمر بجد واعتناء حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه أو ~~واسمعوا سماع طاعة وقبول ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا سمعنا ~~وعصينا «وللكافرين» أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم ~~وجعلوه سببا للتهاون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ما قالوا ~~«عذاب أليم» لما اجترءوا عليه من العظيمة وهو تذييل لما سبق فيه وعيد شديد ~~لهم ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه «ما يود الذين كفروا» الود حب الشئ ~~مع تمنيه ولذلك يستعمل في كل منهما ونفيه كناية عن الكراهة ووضع الموصول ~~موضع الضمير للإشعار بعلية ما في حيز الصلة لعدم ودهم ولعل تعلقه بما قبله ~~من حيث أن القول المنهى عنه كثيرا ما كان يقع عند تنزيل الوحي المعبر عنه ~~في هذه الآية بالخير فكأنه أشير إلى أن سبب تحريفهم له إلى ما حكى عنهم ~~لوقوعه في أثناء حصول ما يكرهونه من ms0221 تنزيل الخير وقيل كان فريق من اليهود ~~يظهرون للمؤمنين محبة ويزعمون أنهم يودون لهم الخير فنزلت تكذيبا لهم في ~~ذلك ومن في PageV01P141 # «من أهل الكتاب ولا المشركين» للتبيين كما في قوله عز وعلا «لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين» ولا مزيدة لما ستعرفه «أن ينزل عليكم» في ~~حيز النصب على أنه مفعول يود وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعين الفاعل ~~والتصريح الآتي في قوله تعالى «من خير» هو القائم مقام فاعلة ومن مزيدة ~~للاستغراق والنفي وإن لم يباشره ظاهرا لكنه منسحب عليه معنى والخير الوحي ~~وحمله على ما يعمه وغيره من العلم والنصرة كما قيل يأباه وصفة فيما سيأتي ~~بالاختصاص وتقديم الظرف عليه مع أن حقه التأخير عنه لإظهار كمال العناية به ~~لأنه المدار لعدم ودهم ومن في قوله تعالى «من ربكم» ابتدائية والتعرض ~~لعنوان الربوبية للإشعار بعليته لتنزيل الخير والإضافة إلى ضمير المخاطبين ~~لتشريفهم وليست كراهتهم لتنزيله على المخاطبين من حيث تعبدهم بما قبله ~~وتعرضهم بذلك لسعادة الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة من نزل ~~عليهم الخير بل من حيث وقوع ذلك التنزيل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصيغة الجمع للإيذان بان مدار كراهتهم ليس معنى خاصا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم بل وصف مشترك بين الكل وهو الخلو عن الدراسة عند اليهود وعن الرياسة ~~عند المشركين والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم ويكرهون ~~فيحسدونكم أن ينزل عليكم شئ من الوحي أما اليهود فبناء على أنهم أهل الكتاب ~~وأبناء الأنبياء الناشئون في مهابط الوحي وأنتم أميون وأما المشركون ~~فإدلالا بما كان لهم من الجاه والمال زعما منهم أن رياسة الرسالة كسائر ~~الرياسات الدنيوية منوطة بالأسباب الظاهرة ولذلك قالوا «لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم» ولما كانت اليهود بهذا الداء أشهر لا ~~سيما في أثناء ذكر ابتلائهم به لم يلزم من نفي ودادتهم لما ذكر نفى ودادة ~~المشركين له فزيدت كلمة لا لتأكيد النفي «والله يختص برحمته» جملة ابتدائية ~~سيقت ms0222 لتقرير ما سبق من تنزيل الخير والتنبيه على حكمته وإرغام الكارهين له ~~والمراد برحمته الوحي كما في قوله سبحانه «أهم يقسمون رحمة ربك» عبر عنه ~~باعتبار نزوله على المؤمنين بالخير وباعتبار إضافته إليه تعالى بالرحمة قال ~~علي رضي الله عنه بنبوته خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم فالفعل متعد ~~وصيغته الافتعال للإنباء عن الاصطفاء وإيثاره على التنزيل المناسب للسياق ~~الموافق لقوله تعالى «أن ينزل الله من فضله على من يشاء» لزيادة تشريفه صلى ~~الله عليه وسلم وإقناطهم مما علقوا به أطماعهم الفارغة والباء داخلة على ~~المقصود أي يؤتى رحمته «من يشاء» من عباده ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه ~~الذاتي الفائض عليه بحسب إرادته عز وعلا تفضلا لا تتعداه إلى غيره وقيل ~~الفعل لازم ومن فاعله والضمير العائد إلى من محذوف على التقديرين وقوله ~~تعالى «والله ذو الفضل العظيم» تذييل لما سبق مقرر لمضمونه وفيه إيذان بأن ~~إيتاء النبوة من فضله العظيم كقوله تعالى «إن فضله كان عليك كبيرا» وإن ~~حرمان من حرم ذلك ليس لضيق ساحة فضله بل لمشيئته الجارية على سنن الحكمة ~~البالغة وتصدير الجملتين بالاسم الجليل للإيذان بفخامة مضمونيهما وكون كل ~~منهما مستقلة بشأنها فإن الإضمار في الثانية منبئ عن توقفها على الأولى «ما ~~ننسخ من آية أو ننسها» كلام مستأنف مسوق لبيان سر النسخ الذي هو فرد من ~~أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه أثر تحقيق PageV01P142 # حقيقة الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا قيل نزلت حين قال المشركون أو ~~اليهود ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ~~والنسخ في اللغة الإزالة والنقل يقال نسخت الريح الأثر أي أزالته ونسخت ~~الكتاب أي نقلته ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم ~~المستفاد منها أوبهما جميعا وإنساؤها إذهابها من القلوب وما شرطية جازمة ~~لننسخ منتصبة به على المفعولية وقرئ ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها ~~أو نجدها منسوخة وننسأها من النسء أي نؤخرها وننسها بالتشديد وتنسها وتنسها ~~على خطاب الرسول صلى ms0223 الله عليه وسلم مبنيا للفاعل وللمفعول وقرئ ما ننسخ من ~~آية أو ننسكها وقرئ ما ننسك من آية أو ننسخها والمعنى أن كل آية نذهب بها ~~على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا إلى ~~بدل أو إلى غير بدل «نأت بخير منها» أي نوع آخر هو خير للعباد يحسب الحال ~~في النفع والثواب من الذاهبة وقرئ بقلب الهمزة ألفا «أو مثلها» أي فيما ذكر ~~من النفع والثواب وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار ~~في ما دونها أيضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب والنص كما ترى دال على ~~جواز النسخ كيف لا وتنزيل الآيات التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية إنما ~~هو بحسب ما يقتضيه من الحكم والمصالح وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدل ~~حسب تبدل الأشخاص والأعصار كأحوال المعاش فرب حكم تقتضيه الحكمة في حال ~~تقتضى في حال أخرى نقيضه فلو لم يجز النسخ لاختل ما بين الحكمة والأحكام من ~~النظام «ألم تعلم» الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه «أليس الله بكاف ~~عبده» وقوله تعالى «ألم نشرح لك صدرك» والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ~~وقوله تعالى «إن الله على كل شيء قدير» ساد مسد مفعولى تعلم عند الجمهور ~~ومسد مفعوله الأول والثاني محذوف عند الأخفش والمراد بهذا التقرير ~~الاستشهاد بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو ~~خير من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته ~~سبحانه فمن علم شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا ~~والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة والإشعار بمناط ~~الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من الأحكام الألوهية وكذا الحال في ~~قوله عز سلطانه «ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض» فإن عنوان ~~الألوهية مدار أحكام ملكوتهما والجار والمجرور خبر مقدم وملك السماوات ~~والأرض مبتدأ والجملة خبر لأن إيثاره على أن يقال أن لله ملك السماوات ~~والأرض للقصد إلى تقوى الحكم ms0224 بتكرر الإسناد وهو إما تكرير للتقرير وإعادة ~~للاستشهاد على ما ذكر وإنما لم يعطف أن مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها ~~روما لزيادة التأكيد وإشعارا باستقلال العلم بكل منهما وكفايته في الوقوف ~~على ما هو المقصود وإما تقرير مستقل للاستشهاد على قدرته تعالى على جميع ~~الأشياء أي ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر ~~المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهما إيجادا وإعداما وأمرا ~~ونهيا حسبما تقتضيه مشيئته لا معارض لأمره ولا معقب لحكمه فمن هذا شأنه كيف ~~يخرج عن قدرته شئ من الأشياء وقوله تعالى «وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير» PageV01P143 # ولا نصير) معطوف على الجملة الواقعة خبرا لأن داخل معها تحت تعلق العلم ~~المقرر وفيه إشارة إلى تناول خطابين السابقين للأمة أيضا وإنما افراده عليه ~~السلام بهما لما أن علومهم مستندة إلى علمه عليه السلام ووضع الاسم الجليل ~~موضع الضمير الراجع إلى اسم أن لتربية المهابة والإيذان بمقارنة الولاية ~~والنصرة للقوة والعزة والمراد به الاستشهاد بما تعلق به من العلم على تعلق ~~إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله فإن مجرد ~~قدرته تعالى على ذلك لا يستدعى حصوله البتة وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى ~~مع ذلك وليا ونصيرا لهم فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره على الاستقلال يعلم ~~قطعا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض امره إليه تعالى ولا يخطر ~~بباله ريبة في امر النسخ وغيره أصلا والفرق بين الولي والنصير ان الولي قد ~~يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور وما إما تميمية لاعمل ~~لها ولكم خبر مقدم ومن ولى مبتدأ مؤخر زيدت فيه كلمة من للاستغراق وإما ~~حجازية ولكم خبرها المنصوب عند من يجيز تقديمه واسمها من ولى ومن مزيدة لما ~~ذكر ومن دون الله في حيز النصب على الحالية من اسمها لأنه في الأصل صفة له ~~فلما قدم انتصب حالا ومعناه سوى الله والمعنى أن ms0225 قضية العلم بما ذكر من ~~الأمور الثلاثة هو الجزم والإيقان بأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور ~~دينهم أو دنياهم إلا ما هو خير لهم والعمل بموجبه من الثقة به والتوكل عليه ~~وتفويض الأمر إليه من غير إصغاء إلى أقاويل الكفرة وتشكيكاتهم التي من ~~جملتها ما قالوا في أمر النسخ وقوله تعالى «أم تريدون» تجريد للخطاب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص له بالمؤمنين وأم منقطعة ومعنى بل فيها ~~الإضراب والانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض ~~مخايل المساهلة منهم في ذلك وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة إلى التحذير ~~من ذلك ومعنى الهمزة إنكار وقوع الإرادة منهم واستبعاده لما أن قضية ~~الإيمان وازعة عنها وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها للمبالغة في ~~إنكاره واستبعاده ببيان انه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلا عن صدور ~~نفسه والمعنى بل أتريدون «أن تسألوا» وأنتم مؤمنون «رسولكم» وهو في تلك ~~الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غير واثقين في أموركم بفضل ~~الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم بشئونه سبحانه قيل لعلهم كانوا يطلبون ~~منه عليه الصلاة والسلام بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ وقيل سأله ~~عليه السلام قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كانت للمشركين وهي ~~شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب وقوله تعالى «كما سئل ~~موسى» مصدر تشبيهى أي نعت لمصدر مؤكد محذوف وما مصدرية أي سؤال مشبها بسؤال ~~موسى عليه السلام حيث قيل له أجعل لنا إلها وأرنا الله جهرة وغير ذلك ~~ومقتضى الظاهر أن يقال كما سألوا موسى لأن المشبه هو المصدر من المبنى ~~للفاعل أعنى سائليه المخاطبين لا من المبنى للمفعول أعنى مسؤولية ~~PageV01P144 # الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يشبه بمسئولية موسى عليه السلام فلعله ~~أريد التشبيه فيهما معا ولكنه أوجز النظم فذكر في جانب المشبه السائلية وفي ~~جانب المشبه به المسؤولية واكتفى بما ذكر في كل موضع عما ترك في الموضع ~~الآخر كما ذكر ms0226 في قوله تعالى «وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يردك بخير فلا راد لفضله» وقد جوز ان تكون ما موصولة على أن العائد محذوف ~~أي كالسؤال الذي سئله موسى عليه السلام وقوله تعالى «من قبل» متعلق بسئل ~~جيء به للتأكيد وقرئ سيل بالياء وكسر السين وبتسهيل الهمزة بين بين «ومن ~~يتبدل الكفر» أي يختر ويأخذه لنفسه «بالإيمان» بمقابلته بدلا منه وقرئ ومن ~~يبدل من أبدل وكان مقتضى الظاهر أن يقال ومن يفعل ذلك أي السؤال المذكور أو ~~إرادته وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من ~~جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض وحق بحت واقترح غيرها «فقد ضل سواء ~~السبيل» أي عدل وجار من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم ~~الحق والهدى وتاه في تيه الهوى وتردى في مهاوى الردى وإنما أوثر على ذلك ما ~~عليه النظم الكريم للتصريح من أول الأمر بأنه كفر وارتداد وأن كونه كذلك ~~أمر واضح غني عن الإخبارية بأن يقال ومن يفعل ذلك يكفر حقيق بأن يعد من ~~المسلمات ويجعل مقدما للشرطية روما للمبالغة في الزجر والإفراط في الردع ~~وسواء السبيل من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة ~~الاتصاف كأنه نفس السواء على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة وقيل ~~الخطاب لليهود حين سألوا أن ينزل الله عليهم كتابا من السماء وقيل للمشركين ~~حين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا الخ فإضافة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إليهم على القولين باعتبار أنهم من أمة الدعوة ومعنى تبدل ~~الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك ~~وإيثارهم للكفر عليه «ود كثير من أهل الكتاب» هم رهط من أحبار اليهود روى ~~ان فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان ~~وعمار بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحد ألم تروا ما أصابكم ولو كنتم ~~على الحق ms0227 ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم ~~سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال فإني عاهدت أن لا أكفر ~~بمحمد عليه الصلاة والسلام ما عشت فقالت اليهود أما هذا فقد صبأ وقال حذيفة ~~أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما ~~وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبراه فقال أصبتما خيرا وأفلحتما فنزلت «لو يردونكم» حكاية لو دادتهم ولو ~~في معنى التمني وصيغة الغيبة كما في قوله حلف ليفعلن وقيل هي بمنزلة أن ~~الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا لودوا ~~التقدير ودوا ردكم وقيل هي على حقيقتها وجوابها محذوف تقديره لو يردونكم ~~كفارا لسروا بذلك و «من بعد إيمانكم» PageV01P145 # متعلق بيردونكم وقوله تعالى «كفارا» مفعول ثان له على تضمين الرد معنى ~~التصيير أي يصيرونكم كفارا كما في قوله * رمى الحدثان نسوة آل سعد * بمقدار ~~سمدن له سمودا * فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوههن البيض سودا * وقيل هو ~~حال من مفعوله والأول أدخل لما فيه من الدلالة صريحا على كون الكفر المفروض ~~بطريق القسر وايراد الظرف مع عدم الحاجة اليه ضرورة كون المخاطبين مؤمنين ~~واستحالة تحقق الرد إلى الكفر بدون سبق الايمان مع توسيطه بين المفعولين ~~لإظهار كمال شناعة ما أرادوه وغاية بعده من الوقوع اما لزيادة قبحه الصارف ~~للعاقل عن مباشرته واما لممانعة الايمان له كأنه قيل من بعد ايمانكم الراسخ ~~وفيه من تثبيت المؤمنين مالا يخفى «حسدا» علة لود أو حال أريد به نعت الجمع ~~أي حاسدين لكم والحسد الأسف على من له خير بخيره «من عند أنفسهم» متعلق بود ~~أي ودوا ذلك من أجل تشهيهم وحظوظ أنفسهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ~~ولو على زعمهم أو بحسد أي حسدا منبعثا من أصل نفوسهم بالغا أقصى مراتبه «من ~~بعد ما تبين لهم الحق» بالمعجزات الساطعة وبما عاينوا في التوراة من ~~الدلائل وعلموا أنكم ms0228 متمسكون به وهم منهمكون في الباطل «فاعفوا واصفحوا» ~~العفو ترك المؤاخذة والعقوبة والصفح ترك التثريب والتأنيب «حتى يأتي الله ~~بأمره» الذي هو قتل بني قريظة واجلاء بني النضير وإذ لا لهم بضرب الجزية ~~عليهم أو الإذن في القتال وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه منسوخ بآية ~~السيف ولا يقدح في ذلك ضرب الغاية لأنها لا تعلم الا شرعا ولا يخرج الوارد ~~بذلك من أن يكون ناسخا كأنه قيل فاعفوا واصفحوا إلى ورود الناسخ «إن الله ~~على كل شيء قدير» فينتقم منهم إذا حان حينه وآن أوانه فهو تعليل لما دل ~~عليه ما قبله «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» عطف على فاعفوا أمروا بالصبر ~~والمداراة واللجأ إلى الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية «وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير» كصلاة أو صدقة أو غير ذلك أي أي شيء من الخيرات تقدموه ~~لمصلحة أنفسكم «تجدوه عند الله» أي تجدوا ثوابه وقرئ تقدموا من أقدم «إن ~~الله بما تعملون بصير» فلا يضيع عنده عمل فهو وعد للمؤمنين وقرئ بالياء فهو ~~وعيد للكافرين «وقالوا» عطف على ود والضمير لأهل الكتابين جميعا «لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» أي قالت اليهود لن يدخل الجنة الا من كان ~~هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة الا من كان نصارى فلف بين القولين ثقة أن ~~السامع يرد كلا منهما إلى قائله ونحوه وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ~~وليس مرادهم بأولئك من أقام اليهودية والنصرانية قبل النسخ PageV01P146 # والتحريف على وجهها بل أنفسهم على ما هم عليه لأنهم انما يقولونه لإضلال ~~المؤمنين وردهم إلى الكفر والهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ وبزل جمع بازل ~~والافراد في كان باعتبار لفظ من والجمع في خبره باعتبار معناه وقرئ الا من ~~كان يهوديا أو نصرانيا «تلك أمانيهم» الأماني جميع أمنية وهي ما يتمنى ~~كالأعجوبة والأضحوكة والجملة معترضة مبنية لبطلان ما قالوا وتلك إشارة اليه ~~والجمع باعتبار صدوره عن الجميع وقيل فيه حذف مضاف أي أمثال تلك الأمنية ~~أمانيهم وقيل تلك إشارة ms0229 اليه والى ما قبله من أن لا ينزل على المؤمنين خير ~~من ربهم وأن يردهم كفارا ويرده قوله تعالى «قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين» فإنهما ليسا مما يطلب له البرهان ولا مما يحتمل الصدق والكذب قيل ~~هاتوا أصله آتوا قلبت الهمزة هاء أي أحضروا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ~~ان كنتم صادقين في دعواكم هذا ما يقتضيه المقام بحسب النظر الجليل والذي ~~يستدعيه اعجاز التنزيل ان يحمل الأمر التبكيتي على طلب البرهان على أصل ~~الدخول الذي يتضمنه دعوى الاختصاص به فإن قوله تعالى «بلى» الخ اثبات من ~~جهته تعالى لما نفوه مستلزم لنفي ما أثبتوه وإذ ليس الثابت به مجرد دخول ~~غيرهم الجنة ولو معهم ليكون المنفي مجرد اختصاصهم به مع بقاء أصل الدخول ~~على حاله بل هو اختصاص غيرهم بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تعالى ظهر أن ~~المنفي أصل دخولهم ومن ضرورته أن يكون هو الذي كلفوا إقامة البرهان عليه لا ~~اختصاصهم به ليتحد مورد الاثبات والنفي وانما عدل عن ابطال ما ادعوه وسلك ~~هذا المسلك إبانة لغاية حرمانهم مما علقوا به أطماعهم واظهار لكمال عجزهم ~~عن اثبات مدعاهم لأن حرمانهم من الاختصاص بالدخول وعجزهم عن إقامة البرهان ~~عليه لا يقتضيان حرمانهم من أصل الدخول وعجزهم عن اثباته واما نفس الدخول ~~فحيث ثبت حرمانهم منه وعجزهم عن اثباته فهم من الاختصاص به أبعد وعن اثباته ~~أعجز وانما الفائز به من انتظمه قوله سبحانه «من أسلم وجهه لله» أي اخلص ~~نفسه له تعالى لا يشرك به شيئا عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء ومجمع ~~المشاعر وموضع السجود ومظهر آثار الخضوع الذي هو من أخص خصائص الاخلاص أو ~~توجهه وقصده بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره «وهو محسن» حال من ضمير أسلم ~~أي والحال أنه محسن في جميع اعماله التي من جملتها الاسلام المذكور وحقيقة ~~الاحسان الاتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه ~~الذاتي وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله أن تعبد الله كأنك تراه ms0230 فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك «فله أجره» الذي وعده له على عمله وهو عبارة عن دخول ~~الجنة أو عما يدخل هو فيه دخولا أوليا وأياما كان فتصويره بصورة الاجر ~~للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه وقوله تعالى «عند ربه» ~~حال من أجره والعامل فيه معنى الاستقرار في الظرف والعندية للتشريف ووضع ~~اسم الرب مضافا إلى ضمير من اسلم موضع ضمير الجلالة لإظهار مزيد اللطف به ~~وتقرير مضمون الجملة أي فله أجره PageV01P147 # عتد مالكة ومدبر أموره ومبلغه إلى كماله والجملة جواب من إن كانت شرطية ~~وخبرها إن كانت موصولة والفاء لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله تعالى ~~بلى وحده ويجوز أن يكون من فاعلا لفعل مقدر أي بلى يدخلها من أسلم وقوله ~~تعالى فله أجره معطوف على ذلك المقدر وأيا ما كان فتعلق ثبوت الأجر بما ذكر ~~من الإسلام والإحسان المختصين بأهل الإيمان قاض بأن أولئك المدعين من دخول ~~الجنة بمعزل ومن الاختصاص به بألف معزل «ولا خوف عليهم» في الدارين من لحوق ~~مكروه «ولا هم يحزنون» من فوات مطلوب أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه ~~يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار ~~معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ «وقالت اليهود ليست ~~النصارى على شيء» بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من ~~عداه على وجه العموم نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا فارتفعت أصواتهم فقالوا لهم لستم على شئ ~~أي أمر يعتد به من الدين أو على شئ ما منه أصلا مبالغة في ذلك كما قالوا ~~أقل من لا شئ وكفروا بعيسى والإنجيل «وقالت النصارى ليست اليهود على شيء» ~~على الوجه المذكور وكفروا بموسى والتوراة لا أنهم قالوا ذلك بناء للأمر على ~~منسوخية التوراة «وهم يتلون الكتاب» الواو للحال واللام للجنس أي قالوا ما ~~قالوا والحال أن كل فريق منهم من أهل العلم والكتاب أي ms0231 كان حق كل منهم أن ~~يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه فإن كتب الله تعالى متصادقة ~~«كذلك» أي مثل ذلك الذي سمعت به والكاف في محل النصب إما على أنها نعت ~~لمصدر محذوف قدم على عاملة لإفادة القصر أي قولا مثل ذلك القول بعينه لا ~~قولا مغايرا له «قال الذين لا يعلمون» من عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من ~~الجهلة أي قالوا لأهل كل دين ليسوا على شئ وإما على أنها حال من المصدر ~~المضمر المعرف الدال عليه قال أي قال القول الذين لا يعلمون حال كونه مثل ~~ذلك القول الذي سمعت به «مثل قولهم» إما بدل من محل الكاف وإما مفعول للفعل ~~المنفى قبله أي مثل ذلك القول قال الجاهلون بمثل مقالة اليهود والنصارى ~~وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم أصلا ~~«فالله يحكم بينهم» أي بين اليهود والنصارى فإن مساق النظم لبيان حالهم ~~وإنما التعرض لمقالة غيرهم لإظهار كمال بطلان مقالهم ولأن المحاجة المحوجة ~~إلى الحكم إنما وقعت بينهم «يوم القيامة» متعلق بيحكم وكذا ما قبله وما ~~بعده ولا ضير فيه لاختلاف المعنى «فيما كانوا فيه يختلفون» بما يقسم لكل ~~فريق ما يليق به من العقاب وقيل حكمه بينهم أن يكذبهم وبدخلهم النار والظرف ~~الأخير متعلق بيختلفون قدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي لا بكانوا ~~PageV01P148 # «ومن أظلم ممن منع مساجد الله» إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ~~ذلك أو مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة ونفيها ~~يشهد به العرف الفاشي والاستعمال المطرد فإذا قيل من أكرم من فلان أولا ~~أفضل من فلان فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا ~~الحكم عام لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان وإن كان سبب النزول فعل طائفة ~~معينة في مسجد مخصوص روى أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ~~ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وأن الروم غزوا أهله فخربوه ms0232 وأحرقوا التوراة ~~وقتلوا وسبوا وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن طيطيوس الرومي ملك ~~النصارى وأصحابه غزوا بنى إسرائيل وقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم وأحرقوا ~~التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل ~~خرابا حتى بناه المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه وإنما أوقع المنع على ~~المساجد وإن كان الممنوع هو الناس لما ان فعلهم من طرح الأذى والتخريب ~~ونحوهما متعلق بالمسجد لا بالناس مع كونه على حاله وتعلق الآية الكريمة بما ~~قبلها من حيث انها مبطلة لدعوى النصارى اختصاصهم بدخول الجنة وقيل هو منع ~~المشركين من جملة الجاهلين القائلين لكل من عداهم ليسوا على شئ «أن يذكر ~~فيها اسمه» ثاني مفعولى منع كقوله تعالى «وما منع الناس أن يؤمنوا» وقوله ~~تعالى «وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون» ويجوز ان يكون ~~ذلك بحذف الجار مع أن وأن يكون ذلك مفعولا له أي يذكر فيها اسمه «وسعى في ~~خرابها» بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر «أولئك» المانعون الظالمون ~~الساعون في خرابها «ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين» أي ما كان ينبغي لهم ~~أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها أوما ~~كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيب وارتعاد الفرائص من جهة المؤمنين ~~أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم ~~في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة ~~واستخلاص ما استولوا عليه منهم وقد أنجز الوعد ولله الحمد روى أنه لا يدخل ~~بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة وقيل معناه النهى عن تمكينهم ~~من الدخول في المسجد واختلف الأئمة في ذلك فجوزه أبو حنيفة مطلقا ومنعه ~~مالك مطلقا وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره «ولهم» أي لأولئك ~~المذكورين «في الدنيا خزي» أي خزى فظيع لا يوصف بالقتل والسبي والإذلال ~~بضرب الجزية عليهم «ولهم في الآخرة عذاب عظيم» وهو عذاب النار لما ان سببه ms0233 ~~أيضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك في العظم وتقديم الظرف في الموضعين لتشويق ~~إلى ما يذكر بعده من الخزي والعذاب لما مر من أن تأخير ما حقه التقديم موجب ~~لتوجه النفس إليه فيتمكن فيها عند وروده فضل تمكن كما في PageV01P149 # قوله تعالى «ألم نشرح لك صدرك» «وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج» إلى ~~غير ذلك «ولله المشرق والمغرب» أي له كل الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي ~~المشرق والمغرب لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته ~~مكان منها دون مكان فإن منعتم من إقامة العبادة في المسجد الأقصى أو المسجد ~~الحرام «فأينما تولوا» أي ففي أي مكان فعلتم توليه وجوهكم شطر القبلة «فثم ~~وجه الله» ثم أسم إشارة للمكان البعيد خاصة مبنى على الفتح ولا يتصرف سوى ~~الجر بمن وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على أنها جواب ~~الشرط أي هناك جهته التي أمر بها فإن إمكان التولية غير مختص بمسجد دون ~~مسجد أو مكان دون آخر أو فثم ذاته بمعنى الحضور العلمي أي فهو عالم بما ~~يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك وقرئ بفتح التاء واللأم أي فأينما توجهوا ~~القبلة «إن الله واسع» بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعة على عباده ~~«عليم» بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها والجملة تعليل لمضمون الشرطية ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما نزلت في صلاة المسافرين على الراحلة أينما ~~توجهوا وقيل في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا ~~تبينوا خطأهم وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك ~~وقيل هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود عن أن يكون في جهة «وقالوا اتخذ ~~الله ولدا» حكاية لطرف آخر من مقالاتهم الباطلة المحكية فيما سلف معطوفة ~~على ما قبلها من قوله تعالى وقالت الخ لا على صلة من لما بينهما من الجمل ~~الكثيرة الأجنبية والضمير لليهود والنصارى ومن شاركهم فيما قالوا من الذين ~~لا يعلمون وقرئ بغير واو على ms0234 الاستئناف نزلت حين قالت اليهود عزيز ابن الله ~~والنصارى المسيح ابن الله ومشركو العرب الملائكة بنات الله والاتخاذ إما ~~بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد وإما بمعنى التصيير والمفعول ~~الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولدا «سبحانه» تنزيه وتبرئة له تعالى عما ~~قالوا وسبحان علم للتسبيح كعثمان للرجل وانتصابه على المصدرية ولا يكاد ~~يذكر ناصبة أي أسبح سبحانه أي أنزهه تنزيها لائقا به وفيه من التنزيه ~~البليغ من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب والإبعاد في الأرض ومن جهة ~~النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول إلى المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة لا ~~سيما العلم المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن جهة إقامته مقام ~~المصدر مع الفعل مالا يخفى وقيل هو مصدر كغفران بمعنى التنزه أي تنزه بذاته ~~تنزها حقيقا به ففيه مبالغة من حيث إسناد البراءة إلى الذات المقدسة وإن ~~كان التنزيه اعتقاد نزاهته تعالى عما لا يليق به لا إثباتها له تعالى وقوله ~~تعالى «بل له ما في السماوات والأرض» رد لما زعموا وتنبيه على بطلانه وكلمة ~~بل للإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشئ من ~~المخلوقات ومن سرعة فنائه المحوجة إلى اتخاذ ما يقوم مقامه فإن مجرد ~~الإمكان والفناء لا يوجب ذلك ألا يرى أن الأجرام الفلكية مع إمكانها ~~وفنائها بالآخرة مستغنية PageV01P150 # بدوامها وطول بقائها عما يجرى مجرى الولد من الحيوان أي ليس الأمر كما ~~زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزيز والمسيح والملائكة ~~«كل» التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل ما فيهما كائنا ما كان من أولى ~~العلم وغيرهم «له قانتون» منقادون لا يستعصى شئ منهم على تكوينه وتقديره ~~ومشيئته ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشئ ومن حق الولد أن يكون من ~~جنس الوالد وإنما جيء بما المختصة بغير أولى العلم تحقيرا لشأنهم وإيذانا ~~بكمال بعدهم عما نسبوا إلى بعض منهم وصيغة جمع العقلاء في قانتون للتغليب ~~أو كل من جعلوه لله تعالى ms0235 ولدا له قانتون أي مطيعون عابدون له معترفون ~~بربوبيته تعالى كقوله تعالى «أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة» ~~«بديع السماوات والأرض» أي مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه ولا قانون ~~ينتجه فإن البديع كما يطلق على المبتدع يطلق على المبدع نص عليه أساطين أهل ~~اللغة وقد جاء بدعه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه كما ذكر في القاموس وغيره ~~ونظيره السميع بمعنى المسمع في قوله أمن ريحانة الداعي السميع وقيل هو من ~~إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف بعد نصبه على تشبيهها باسم الفاعل ~~كما هو المشهور أي بديع سماواته من بدع إذا كان على شكل فائق وحسن رائق وهو ~~حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنعاء تقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفعل ~~بانفصال مادته عنه والله سبحانه مبدع الأشياء كلها على الإطلاق منزه عن ~~الانفعال فلا يكون والدا ورفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو بديع الخ ~~وقرئ بالنصب على المدح وبالجر على انه بدل من الضمير في له على رأي من يجوز ~~الإبدال من الضمير المجرور كما في قوله * على جوده لضن بالماء حاتم * «وإذا ~~قضى أمرا» أي أراد شيئا كقوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا وأصل القضاء ~~الأحكام أطلق على الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشئ لإيجابها إياه البتة ~~وقيل الأمر ومنه قوله تعالى «وقضى ربك» الخ «فإنما يقول له كن فيكون» ~~كلاهما من الكون التام أي أحدث فيحدث وليس المراد به حقيقة الأمر والامتثال ~~وإنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات بحسب تعلق مشيئته تعالى وتصوير لسرعة ~~حدوثها بما هو علم في الباب من طاعة المأمور المطيع للآمر المطاع وفيه ~~تقرير لمعنى الإبداع وتلويح لحجة أخرى لإبطال ما زعموه بأن اتخاذ الولد شأن ~~من يفتقر في تحصيل مراده إلى مباد يستدعى ترتيبها مرور زمان وتبدل أطوار ~~وفعله تعالى متعال عن ذلك «وقال الذين لا يعلمون» حكاية لنوع آخر من ~~قبائحهم وهو قدحهم في أمر النبوة بعد حكاية قدحهم في شأن التوحيد بنسبة ~~الولد إليه سبحانه وتعالى واختلف في هؤلاء القائلين ms0236 فقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما اليهود وقال مجاهد هم النصارى ووصفهم بعدم العلم لعدم علمهم بالتوحيد ~~والنبوة كما ينبغي أو لعدم علمهم بموجب عملهم أو لأن ما يحكى عنهم لا يصدر ~~عمن له شائبة علم أصلا وقال قتادة PageV01P151 # وأكثر أهل التفسير هم مشركو العرب لقوله تعالى «فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون» وقالوا «لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا» «لولا يكلمنا ~~الله» أي هلا يكلمنا بلا واسطة أمرا أو نهيا كما يكلم الملائكة أو هلا ~~يكلمنا تنصيصا على نبوتك «أو تأتينا آية» حجة تدل على صدقك بلغوا من العتو ~~والاستكبار إلى حيث أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسول ~~والملك ومن العناد والمكابرة إلى حيث لم يعدوا ما آتاهم من البينات الباهرة ~~التي تخر لها صم الجبال من قبيل الآيات قاتلهم الله أني يؤفكون «كذلك» مثل ~~ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد والفساد «قال الذين من قبلهم» من الأمم ~~الماضية «مثل قولهم» هذا الباطل الشنيع فقالوا «أرنا الله جهرة» قالوا «لن ~~نصبر على طعام واحد» الآية وقالوا هل يستطيع ربك الخ قالوا اجعل لنا إلها ~~الخ «تشابهت قلوبهم» أي قلوب هؤلاء وأولئك في العمى والعناد وإلا لما ~~تشابهت أقاويلهم الباطلة «قد بينا الآيات» أي نزلناها بينة بان جعلناها ~~كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا أنا بيناها ~~بعد أن لم تكن بينه «لقوم يوقنون» أي يطلبون اليقين ويوقنون بالحقائق لا ~~يعتريهم شبهة ولا ريبة وهذا رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها ~~وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح مكان الإتيان الذي طلبوه ما لا يخفى ~~من الجزالة والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم ~~يطلبون الحق واليقين وإنما لم يتعرض لرد قولهم لولا يكلمنا الله إيذانا ~~بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب «إنا أرسلناك بالحق» ~~أي متلبسا بالقرآن كما في قوله تعالى «كذبوا بالحق لما جاءهم» أو بالصدق ~~كما في قوله تعالى «أحق ms0237 هو» وقوله تعالى «بشيرا ونذيرا» حال من مفعول ~~باعتبار تقييده بالحال الأولى أي أرسلناك متلبسا بالقرآن حال كونك بشيرا ~~لمن آمن بما أنزل عليك وعمل به ونذيرا لمن كفر به أو أرسلناك صادقا حال ~~كونك بشيرا لمن صدقك بالثواب ونذيرا لمن كذبك بالعذاب ليختاروا لأنفسهم ما ~~أحبوا لا قاسر لهم على الإيمان فلا عليك إن أصروا وكابروا «ولا تسأل عن ~~أصحاب الجحيم» ما لهم لم يؤمنوا بعد ما بلغت ما أرسلت به وقرئ لن تسأل وما ~~تسأل وقرئ لا تسأل على صيغة النهى إيذانا بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلا ~~لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدر المخبر على إجرائها على لسانه أو لا ~~يستطيع السامع ان يسمع خبرها وحمله على نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~السؤال عن حال أبويه مما لا يساعده النظم الكريم والجحيم المتأجج من النار ~~وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم دون الكفر والتكذيب ونحوهما وعيد شديد لهم ~~وإيذان بأنهم مطبوع عليهم لا يرجى منهم الإيمان قطعا وقوله تعالى «ولن ترضى ~~عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم» بيان لكمال شدة شكيمة هاتين ~~الطائفتين خاصة إثر بيان ما يعمهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه ~~إلى الموت وإيراد لا PageV01P152 # النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال ~~هذه العظائم أشد من النصارى والإشعار بأن رضى كل منهما مباين لرضى الأخرى ~~أي لن ترضي عنك اليهود ولو خليتهم وشأنهم حتى تتبع ملتهم ولا النصارى ولو ~~تركتم ودينهم حتى تتبع ملتهم فأوجز النظم ثقة بظهور المراد وفيه من ~~المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من اسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم ~~حيث لم يرضوا عنه عليه السلام ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا منه صلى ~~الله عليه وسلم مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه عليه السلام لملتهم ~~فكيف يتوهم اتباعهم لملته عليه السلام وهذه حالتهم في أنفسهم ومقالتهم فيما ~~بينهم وأما إنهم أظهروها للنبي صلى الله عليه وسلم وشافهوه بذلك ms0238 وقالوا لن ~~نرضى عنك وإن بالغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا كما قيل فلا يساعده النظم ~~الكريم بل فيه ما يدل على خلافه فإن قوله عز وجل «قل إن هدى الله هو الهدى» ~~صريح في أن ما وقع هذا جوابا عنه ليس عين تلك العبارة بل ما يستلزم مضمونها ~~أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وادعاء أن الاهتداء فيهما ~~كقوله عز وجل حكاية عنهم «كونوا هودا أو نصارى تهتدوا» أي قل ردا عليهم إن ~~هدى الله الذي هو الاسلام هو الهدى بالحق والذي يحق ويصح ان يسمى هدى وهو ~~الهدى كله ليس وراءه هدى وما تدعون اليه ليس بهدى بل هو هوى كما يعرب عنه ~~قوله تعالى «ولئن اتبعت أهواءهم» أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية ~~شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها ~~وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وهو المعني الحقيقي للملة فقد غيروها تغييرا «بعد الذي جاءك من ~~العلم» أي الوحي أو الدين المعلوم صحته «ما لك من الله» من جهته العزيزة ~~«من ولي» يلي أمرك عموما «ولا نصير» يدفع عنك عقابه وحيث لم يستلزم نفي ~~الولي نفي النصير وسط لا بين المعطوفين لتأكيد النفي وهذا باب التهييج ~~والإلهاب والا فأني يتوهم إمكان اتباعه عليه السلام لملتهم وهو جواب للقسم ~~الذي وطأه اللام واكتفى به عن جواب الشرط «الذين آتيناهم الكتاب» هم مؤمنو ~~أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه «يتلونه حق تلاوته» بمراعاة لفظه عن ~~التحريف وبالتدبر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة والخبر ما بعده ~~أو خبر وما بعده مقرر له «أولئك» إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب ~~وتلاوته كما هو حقه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل ~~«يؤمنون به» أي بكتابهم دون المحرفين فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا ~~يجامع الكفر ببعض منه «ومن يكفر به» بالتحريف والكفر بما يصدقه «فأولئك هم ms0239 ~~الخاسرون» حيث اشتروا الكفر بالإيمان «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم» ومن جملتها التوراة وذكر النعمة إنما PageV01P153 # يكون بشكرها وشكرها الإيمان بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن ضرورة الإيمان بها الإيمان به عليه الصلاة والسلام «وأني ~~فضلتكم على العالمين» أفردت هذه النعمة بالذكر مع كونها مندرجة تحت النعمة ~~السالفة لإنافتها فيما بين فنون النعم «واتقوا» إن لم تؤمنوا «يوما لا ~~تجزي» في ذلك اليوم «نفس» من النفوس «عن نفس» أخرى «شيئا» من الأشياء أو ~~شيئا من الجزاء «ولا يقبل منها عدل» أي فدية «ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون» وتخصيصهم بتكرير التذكير وإعادة التحذير للمبالغة في النصح ~~وللإيذان بأن ذلك فذلكة القضية والمقصود من القصة لما أن نعم الله عز وجل ~~عليهم أعظم وكفرهم بها أشد وأقبح «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات» شروع في ~~تحقيق أن هدى الله هو ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد ~~والاسلام الذي هو ملة إبراهيم عليه السلام وأن ما عليه أهل الكتابين أهواء ~~زائغة وأن ما يدعونه من أنهم على ملته عليه الصلاة والسلام فرية بلا مرية ~~ببيان ما صدر عن إبراهيم وأبنائه الأنبياء عليهم السلام من الأقاويل ~~والأفاعيل الناطقة بحقية التوحيد والإسلام وبطلان الشرك وبصحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبكونه ذلك النبي الذي استدعاه إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~الصلاة والسلام بقولهما «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم» الآية فإذ منصوب على ~~المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين أي ~~واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية ~~إلى التوحيد الوازعة عن الشرك فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل ~~وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة ~~بالذات قد مر وجهه في أثناء تفسير قوله عز وجل «وإذ قال ربك للملائكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة» وقيل على الظرفية بمضمر مؤخر أي وإذ ابتلاه كان كيت ms0240 ~~وكيت وقيل بما سيجيء من قوله تعالى قال الخ والأول هو اللائق بجزالة ~~التنزيل ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذكروا خوطب به بنو إسرائيل ~~ليتأملوا فيما يحكى عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وأبنائه عليهم السلام ~~من الأفعال والأقوال فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم والابتلاء في الأصل ~~الاختبار أي تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبا فعله أو ~~تركه وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الأمور وأما من ~~العليم الخبير فلا يكون الا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحد الأمرين ~~قبل أن يرتب عليه شيئا هو من مباديه العادية كمن يختبر عبده ليتعرف حاله من ~~الكياسة فيأمره بما يليق بحاله من مصالحه وإبراهيم اسم أعجمي قال السهيلي ~~كثيرا ما يقع الاتفاق أو التقارب بين PageV01P154 # السرياني والعربي الا يرى أن إبراهيم تفسيره أب راحم ولذلك جعل هو وزوجته ~~سارة كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا إلى يوم القيامة على ما ~~روى البخاري في حديث الرؤيا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة ~~إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس وهو مفعول مقدم لإضافة فاعله إلى ~~ضميره والتعرض لعنوان الربوبية تشريف له عليه السلام وإيذان بأن ذلك ~~الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير والمعنى عامله سبحانه معاملة المختبر ~~حيث كلفه أوامر ونواهي يظهر بحسن قيامه بحقوقها قدرته على الخروج عن عهدة ~~الإمامة العظمى وتحمل أعباء الرسالة وهذه المعاملة وتذكيرها للناس لإرشادهم ~~إلى طريق إتقان الأمور ببنائها على التجربة وللإيذان بأن بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أيضا مبنية على تلك القاعدة الرصينة واقعة بعد ظهور ~~استحقاقه عليه السلام للنبوة العاملة كيف لا وهي التي أجيب بها دعوة ~~إبراهيم عليه السلام كما سيأتي واختلف في الكلمات فقال مجاهد هي المذكورة ~~بعدها ورد بأنه يأباه الفاء في فأتمهن ثم الاستئناف وقال طاوس عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما هي عشر خصال كانت فرضا في شرعه وهن سنة في شرعنا خمس في ~~الرأس المضمضة والاستنشاق وفرق ms0241 الرأس وقص الشارب والسواك وخمس في البدن ~~الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء وفي الخبر ~~أن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب وأول من اختتن وأول من قلم ~~الأظفار وقال عكرمة عن ابن عباس لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا ~~إبراهيم ابتلاه الله تعالى بثلاثين خصلة من خصال الإسلام عشر منها في سورة ~~براءة التائبون الخ وعشر في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات الخ وعشر في ~~المؤمنون وسأل سائل إلى قوله عز وجل والذين هم على صلاتهم يحافظون وقيل ~~ابتلاه الله سبحانه بسبعة أشياء بالشمس والقمر والنجوم والاختتان على الكبر ~~والنار وذبح الولد والهجرة فوفى بالكل وقيل هن محاجته قومه والصلاة والزكاة ~~والصوم والضيافة والصبر عليها وقيل هي مناسك كالطواف والسعي والرمي ~~والإحرام والتعريف وغيرهن وقيل هي قوله عليه السلام «الذي خلقني فهو يهدين» ~~الآيات ثم قيل إنما وقع هذا الابتلاء قبل النبوة وهو الظاهر وقيل بعدها ~~لأنه يقتضي سابقة الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق ~~وقرئ برفع إبراهيم ونصب ربه أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه ~~إليهن أولا «فأتمهن» أي قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير ~~تفريط وتوان كما في قوله تعالى «وإبراهيم الذي وفى» وعلى القراءة الأخيرة ~~فأعطاه الله تعالى ما سأله من غير نقص ويعضده ما روى عن مقاتل أنه فسر ~~الكلمات بما سأل إبراهيم ربه بقوله رب اجعل الآيات وقوله عز وجل «قال» على ~~تقدير انتصاب إذ بمضمر جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام فإن ~~الابتلاء تمهيد لأمر معظم وظهور فضيلة المبتلي من دواعي الإحسان اليه فبعد ~~حكايتها تترقب النفس إلى ما وقع بعدهما كأنه قيل فماذا كان بعد ذلك فقيل ~~قال «إني جاعلك للناس إماما» أو بيان لقوله تعالى ابتلى على رأي من جعل ~~الكلمات عبارة عما ذكر أثره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده وغير ذلك ~~وعلى تقدير انتصاب إذ بقال فالجملة معطوفة على ما قبلها ms0242 عطف القصة على ~~القصة والواو في المعنى داخلة على قال أي وقال ابتلى الخ والجعل بمعنى ~~التصيير أحد مفعوليه الضمير والثاني إماما واسم الفاعل بمعنى المضارع وأوكد ~~منه لدلالته على انه جاعل PageV01P155 # له البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه وللناس متعلق بحاعلك أي لأجل ~~الناس أو بمحذوف وقع حالا من إماما إذ لو تأخر عنه لكان صفة له والإمام اسم ~~لمن يؤتم به وكل نبي إمام لأمته وإمامته عليه السلام عامة مؤبدة إذ لم يبعث ~~بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباع ملته «قال» استئناف مبنى على سؤال ~~مقدر كأنه قيل فماذا قال إبراهيم عليه السلام عنده فقيل قال «ومن ذريتي» ~~عطف على الكاف ومن تبعيضية متعلقة بجاعل أي وجاعل بعض ذريتي كما تقول وزيدا ~~لمن يقول سأكرمك أو بمحذوف أي واجعل فريقا من ذريتي إماما وتخصيص البعض ~~بذلك لبداهة استحالة إمامه الكل وإن كانوا على الحق وقيل التقدير وماذا ~~يكون من ذريتي والذرية نسل الرجل فعولة من ذروت أو ذريت والأصل ذرووة أو ~~ذروية فاجتمع في الأولى واوان زائدة وأصلية فقلبت الأصلية ياء فصارت ~~كالثانية فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت ~~الياء في الياء فصارت ذرية أو فعلية منهما والأصل في الولي ذريوة فقلبت ~~الواو ياء لما سبق من اجتماعهما وسبق إحداهما بالسكون فصارت ذريية كالثانية ~~فأدغمت الياء في مثلها فصارت ذرية أو فعيله من الذرء يمعنى الخلق والأصل ~~ذريئة فخففت الهمزة بإبدالها ياء كهمزة خطيئة ثم أدغمت الياء الزائدة في ~~المبدلة أو فعيلة من الذر بمعنى التفريق والأصل ذريرة قلبت الراء الأخيرة ~~ياء لتوالى الأمثال كما في تسرى وتفضى وتظنى فأدغمت الياء في الياء كما مر ~~أو فعولة منه والأصل ذرورة فقلبت الراء الأخيرة ياء فجاء الإدغام وقرئ بكسر ~~الذال وهي لغة فيها وقرأ أبو جعفر المدني بالفتح وهي أيضا لغة فيها «قال» ~~استئناف مبنى على سؤال ينساق إليه الذهن كما سبق «لا ينال عهدي الظالمين» ~~ليس هذا ردا لدعوته عليه ms0243 السلام بل إجابة خفية لها وعدة إجمالية منه تعالى ~~بتشريف بعض ذريته عليه السلام بنيل عهد الإمامة حسبما وقع في استدعائه عليه ~~السلام من غير تعيين لهم بوصف مميز لهم عن جميع من عداهم فإن التنصيص على ~~حرمان الظالمين منه بمعزل من ذلك التمييز إذ ليس معناه أنه ينال كل من ليس ~~بظالم منهم ضرورة استحالة ذلك كما أشير إليه ولعل إيثار هذه الطريقة على ~~تعيين الجامعين لمبادئ الإمامة من ذريته إجمالا أو تفصيلا وإرسال الباقين ~~لئلا ينتظم المقتدون بالأئمة من الأمة في سلك المحرومين وفي تفصيل كل فرقة ~~من الإطناب مالا يخفى مع ما في هذه الطريقة من تخييب الكفرة الذين كانوا ~~يتمنون النبوة وقطع أطماعهم الفارغة من نيلها وإنما أوثر النيل على الجعل ~~إيماء إلى أن إمامة الأنبياء عليهم السلام من ذريته عليه السلام كإسماعيل ~~وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى ~~وعيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ليست بجعل مستقل بل هي ~~حاصلة في ضمن إمامة إبراهيم عليه السلام تنال كلا منهم في وقت قدر الله عز ~~وجل وقرئ الظالمون على أن عهدي مفعول قدم على الفاعل اهتماما ورعاية ~~للفواصل وفيه دليل على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر على الإطلاق ~~وعدم صلاحية الظالم للإمامة وقوله تعالى «وإذ جعلنا البيت» أي الكعبة ~~المعظمة غلب عليها غلبة النجم على الثريا معطوف PageV01P156 # على إذ ابتلى على أن العامل فيه هو العامل فيه أو مضمر مستقل معطوف على ~~المضمر الأول والجعل إما بمعنى التصيير فقوله عز وجل «مثابة» أي مرجعا يثوب ~~إليه الزوار بعد ما تفرقوا عنه أو أمثالهم أو موضع ثواب يثابون بحجه ~~واعتماره مفعولة الثاني وإما بمعنى الإبداع فهو حال من مفعول واللام في ~~قوله تعالى «للناس» متعلقة بمحذوف وقع صفة لمثابة أي كائنة للناس أو بجعلنا ~~أي جعلناه لأجل الناس وقرئ مثابات باعتبار تعدد الثائبين «وأمنا» أي آمنا ~~كما في قوله تعالى حرما آمنا على إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل ms0244 للمبالغة أو ~~على تقدير المضاف أي ذا أمن أو على الإسناد المجازي أي آمنا من حجه من عذاب ~~الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله أو من دخله من التعرض له بالعقوبة وإن ~~كان جانيا حتى يخرج على ما هو رأى أبي حنفية ويجوز أن يعتبر الأمن بالقياس ~~إلى كل شئ كائنا ما كان ويدخل فيه أمن الناس دخولا أوليا وقد اعتيد فيه أمن ~~الصيد حتى إن الكلب كان يهم بالصيد خارج الحرم فيفر منه وهو يتبعه فإذا دخل ~~الصيد الحرم لم يتبعه الكلب «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» على إرادة قول ~~هو عطف على جعلنا أو حال من فاعله أي وقلنا أو قائلين لهم اتخذوا الخ وقيل ~~هو بنفسه معطوف على الأمر الذي يتضمنه قوله عز وجل مثابة للناس كأنه قيل ~~ثوبوا إليه واتخذوا الخ وقيل على المضمر العامل في إذ وقيل هي جملة مستأنفة ~~والخطاب على الوجوه الأخيرة له عليه السلام ولأمته والأول هو الأليق بجزالة ~~النظم الكريم والأمر صريحا كان أو مفهوما من الحكاية للاستحباب ومن تبعيضه ~~والمقام اسم مكان وهو الحجر الذي عليه أثر قدمه عليه السلام والموضع الذي ~~كان عليه حين قام ودعا الناس إلى الحج أوحين رفع قواعد البيت وهو موضعه ~~اليوم والمراد بالمصلى إما موضع الصلاة أو موضع الدعاء روى أنه صلى الله ~~عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال هذا مقام إبراهيم فقال رضي الله ~~عنه أفلا نتخذه مصلى فقال لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت وقيل المراد ~~به الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام لما فرغ ~~من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفة ركعتين وقرأ واتخذوا على صيغة ~~الماضي عطفا على جعلنا أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به ~~لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبله يصلون إليها «وعهدنا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل» أي أمرناهما أمرا مؤكدا «أن طهرا بيتي» بأن طهراه على أن أن ~~المصدرية حذف عنها الجار ms0245 حذفا مطردا لجواز كون صلتها أمرا ونهيا كما في ~~قوله عز وجل وأن أقم وجهك للدين حنيفا لأن مدار جواز كونها فعلا إنما هو ~~دلالته على المصدر وهي متحققة فيهما ووجوب كونها خبرية في صلة الموصول ~~الأسمى إنما هو لتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا يوصف بها إلا إذا كانت ~~خبرية وأما الموصول الحرفي فليس كذلك ولما كان الخبر والإنشاء في الدلالة ~~على المصدر سواء ساغ وقوع الأمر والنهى صلة حسب وقوع الفعل فيتجرد عند ذلك ~~معنى الأمر والنهى نحو تجرد الصلة الفعلية عن معنى المضي والاستقبال أو أي ~~طهراه على أن أن مفسرة لتضمين العهد معنى القول وإضافة البيت إلى ضمير ~~الجلالة للتشريف وتوجيه الأمر بالتطهير ههنا اليهما عليهما السلام لا ينافي ~~سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم PageV01P157 # عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى «وإذ ~~بوأنا لإبراهيم مكان البيت» وكان إسماعيل عليه السلام حينئذ بمعزل من مثابة ~~الخطاب وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهى وتمام الباء بمباشرته كما ~~ينبئ عنه إيراده أثر حكاية جعله مثابة للناس الخ والمراد تطهيره من الأوثان ~~والأنجاس وطواف الجنب والحائض وغير ذلك مما لا يليق به «للطائفين» حوله ~~«والعاكفين» المجاورين المقيمين عنده أو المعتكفين أو القائمين في الصلاة ~~كما في قوله عز وعلا «للطائفين والقائمين» «والركع السجود» جمع راكع وساجد ~~أي للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود من هيئات المصلى ولتقارب ~~الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما أو أخلصاه لهؤلاء لئلا ~~يغشاه غيرهم وفيه إيماء إلى أن ملابسة غيرهم به وإن كانت مع مقارنة أمر ~~مباح من قبيل تلويثه وتدنيسه «وإذ قال إبراهيم» عطف على ما قبله من قوله ~~وإذ جعلنا الخ إما بالذات أو بعامله المضمر كما مر «رب اجعل هذا بلدا آمنا» ~~ذا أمن كعيشة راضية أو آمنا أهله كليله نائم أي اجعل هذا الوادي من البلاد ~~الامنة وكان ذلك أول ما قدم عليه السلام مكة كما روى سعيد بن جبير عن ms0246 ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك ~~وعاد متوجها إلى الشام تبعته هاجر تقول إلى من تكلنا في هذا البلقع وهو لا ~~يرد عليهما جوابا حتى قالت آلله أمرك بهذا فقال نعم قالت إذن لا يضيعنا ~~فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على الوادي فقال ربنا إني ~~أسكنت الآية وتعريف البلد مع جعله صفة لهذا في سورة إبراهيم إن حمل على ~~تعدد السؤال لما أنه عليه السلام سأل أولا كلا الأمرين البلدية والأمن ~~فاستجيب له في أحدهما وتأخر الآخر إلى وقته المقدر له لما تقتضيه الحكمة ~~الباهرة ثم كرر السؤال حسبما هو المعتاد في الدعاء والابتهال أو كان ~~المسؤول أولا البلدية ومجرد الأمن المصحح للسكنى كما في سائر البلاد وقد ~~أجيب إلى ذلك وثانيا الأمن المعهود أو كان هو المسؤول أولا أيضا وقد أجيب ~~إليه لكن السؤال الثاني لاستدامته والاقتصار على سؤاله مع جعل البلد صفة ~~لهذا لأنه المقصد الأصلي أو لأن المعتاد في البلدية الاستمرار بعد التحقق ~~بخلاف الأمن وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر ~~فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى ذلك ههنا واقتصر هناك على حكاية ~~سؤال الأمن اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال جعل أفئدة الناس تهوى ~~إليه كما سيأتي تفصيله هناك بإذن الله عز وجل «وارزق أهله من الثمرات» من ~~أنواعها بأن تجعل بقرب منه قرى يحصل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطار ~~الشاسعة وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية ~~والخريفية في يوم واحد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الطائف كانت من ~~أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة رفعها الله ~~تعالى فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم وعن الزهري أنه تعالى نقل قرية من ~~PageV01P158 # قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام «من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر» بدل من أهله بدل البعض خصهم بالدعاء إظهارا لشرف ~~الإيمان ms0247 وإبانة لخطره واهتماما بشأن أهله ومراعاة لحسن الأدب وفيه ترغيب ~~لقومه في الإيمان وزجر عن الكفر كما أن في حكايته ترغيبا وترهيبا لقريش ~~وغيرهم من أهل الكتاب «قال» استئناف مبنى على السؤال كما مر مرارا وقوله ~~تعالى «ومن كفر» عطف على مفعول فعل محذوف تقديره أرزق من آمن ومن كفر وقوله ~~تعالى «فأمتعه» معطوف على ذلك الفعل أو في محل رفع بالابتداء قوله تعالى ~~فأمتعه خبره أي فأنا أمتعه وإنما دخلته الفاء تشبيها له بالشرط والكفر وإن ~~لم يكن سببا للتمتيع المطلق لكنه يصلح سببا لتقليله وكونه موصولا بعذاب ~~النار وقيل هو عطف على من آمن عطف تلقين كأنه قيل قل وارزق من كفر فإنه ~~أيضا مجاب كأنه عليه السلام قاس الرزق على الإمامة فنبهه تعالى على أنه ~~رحمة دنيوية شاملة للبر والفاجر بخلاف الإمامة الحاصلة بالخواص وقرئ فأمتعه ~~من أمتع وقرئ فنمتعه «قليلا» تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا «ثم أضطره إلى ~~عذاب النار» أي ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعه به من النعم ~~وقرئ ثم نضطره على وفق قراءة فنمتعه وقرئ فأمتعه قليلا ثم اضطره بلفظ الأمر ~~فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام وفي قال ضميره وإنما فصله عما ~~قبله لكونه دعاء على الكفرة وتغيير سبكه للإيذان بأن الكفر سبب لاضطرارهم ~~إلى عذاب النار وأما رزق من آمن فإنما هو على طريقة التفضيل والإحسان وقرئ ~~بكسر الهمزة على لغة من يكسر حرف المضارعة وأطره بإدغام الضاد في الطاء وهي ~~لغة مرذولة فإن حروف ضم شفر يدغم فيها ما يجاورها بلا عكس «وبئس المصير» ~~المخصوص بالذم محذوف أي بئس المصير النار أو عذابها «وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت» عطف على ما قبله من قوله عز وجلا وإذ قال إبراهيم على ~~أحد الطريقين المذكورين في وإذ جعلنا وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية ~~لاستحضار صورتها العجيبة المنبئة عن المعجزة الباهرة والقواعد جمع قاعدة ~~وهي الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات ولعله مجاز من مقابل القيام ~~ومنه ms0248 قعدك الله ورفعها البناء عليها لأنه ينقلها من هيئة الانخفاض إلى هيئة ~~الارتفاع والمرتفع حقيقة وإن كان هو الذي بنى عليها لكنهما لما التأما صارا ~~شيئا واحدا فكأنها نمت وارتفعت وقيل المراد بها سافات البناء فإن كل ساف ~~قاعدة لما يبنى عليها وبرفعها بناء بعضها على بعض وقيل المراد برفعها رفع ~~مكانة البيت وإظهار شرفه ودعاء الناس إلى حجه وفي إبهامها أولا ثم تبيينها ~~من تفخيم شأنها مالا يخفى وقيل المعنى وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت ~~واستوطأ يعنى يجعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء روى أن ~~الله عز وجل أنزل البيت ياقوته من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي ~~وغربي وقال لآدم أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي فتوجه آدم من أرض ~~الهند إليه ماشيا وتلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا ~~البيت قبلك بألفي عام وحج آدم عليه السلام أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة ~~على رجليه فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة ~~فهو البيت المعمور PageV01P159 # وكان موضعه خاليا إلى زمن إبراهيم عليه السلام فأمره سبحانه ببنائه وعرفه ~~جبريل عليه السلام بمكانه وقيل بعث الله السكينة لتدله عليه فتبعها إبراهيم ~~عليه السلام حتى أتيا مكة المعظمة وقيل بعث الله تعالى سحابة على قدر البيت ~~وسار إبراهيم في ظلها إلى أن وافت مكة المعظمة فوقفت في موضع البيت فنودي ~~أن ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص وقيل بناه من خمسة أجبل طور سيناء وطور ~~زيتا ولبنان والجودي وأسسه من حراء وجاء جبريل عليه السلام بالحجر السود من ~~السماء وقيل تمخض أبو قبيس فانشق عنه وقد خبئ فيه في أيام الطوفان وكان ~~ياقوته بيضاء من يواقيت الجنة فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود وقال ~~الفاسي في مثير الغرام في تاريخ البلد الحرام والذي يتحصل من جملة ما قيل ~~في عدد بناء الكعبة أنها بنيت عشر مرات منها بناء الملائكة عليهم السلام ~~وذكره النووي ms0249 في تهذيب الأسماء واللغات والأزرقي في تاريخه وذكر أنه كان ~~قبل خلق آدم عليه السلام ومنها بناء آدم عليه السلام ذكره البيهقي في دلائل ~~النبوة وروى فيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول اله صلى الله عليه ~~وسلم قال بعث الله عز وجل حبريل إلى آدم عليهما السلام فقال له ولحواء ~~ابنيا لي بيتا فخط جبريل وجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى إذا أصاب ~~الماء نودي من تحته حسبك آدم فلما بنياه أوحى إليه أن يطوف به فقيل له أنت ~~أول الناس وهذا أول بيت وهكذا ذكره الأزرقي في تاريخه وعبد الرزاق في مصنفه ~~ومنها بناء بنى آدم عند ما رفعت الخيمة التي عزى الله تعالى بها آدم عليه ~~السلام وكانت ضربت في موضع البيت فبنى بنوه مكانها بيتا من الطين والحجارة ~~فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم إلى أن مسه الغرق في عهد نوح عليه ~~السلام ذكره الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه ومنها بناء الخليل عليه السلام ~~وهو منصوص عليه في القرآن مشهور في ما بين قاص ودان ومنها بناء العمالقة ~~ومنها بناء جرهم ذكرهما الأزرقي بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~ومنها بناء قصى بن كلاب ذكره الزبير بن بكار في كتاب النسب ومنها بناء قريش ~~وهو مشهور ومنها بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ومنها بناء الحجاج ~~بن يوسف وما كان ذلك بناء لكلها بل لجدار من جدرانها وقال الحافظ السهيلي ~~ان بناءها لم يكن في الدهر إلا خمس مرات الأولى حين بناها شيث عليه السلام ~~انتهى والله سبحانه أعلم «وإسماعيل» عطف على إبراهيم ولعل تأخيره عن ~~المفعول للإيذان بان الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبع له قيل إنه ~~كان يناوله الحجارة وهو يبنيها وقيل كانا يبنيانه من طرفين «ربنا تقبل منا» ~~على إرادة القول أي يقولان وقد قرئ به على أنه حال منهما عليهما السلام ~~وقيل على أنه هو العامل في إذ والجملة معطوفة ms0250 على ما قبلها والتقدير يقولان ~~ربنا تقبل منا إذ يرفعان أي وقت رفعهما وقيل وإسماعيل مبتدأ خبره قول محذوف ~~وهو العامل في ربنا تقبل منا فيكون إبراهيم هو الرافع وإسماعيل هو الداعي ~~والجملة في محل النصب على الحالية أي وإذ يرفع إبراهيم القواعد والحال أن ~~إسماعيل يقول ربنا تقبل منا والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه ~~صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميرها عليهما السلام لتحريك سلسلة الإجابة ~~وترك مفعول تقبل مع ذكره في قوله تعالى ربنا وتقبل دعاء وغيره من القرب ~~والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء كما يعرب عنه جعل الجملة ~~الدعائية حالية «إنك أنت السميع» لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤنا ~~«العلم» بكل PageV01P160 # المعلومات التي من زمرتها نياتنا في جميع أعمالنا والجملة تعليل لاستدعاء ~~التقبل لا من حيث إن كونه تعالى سمعيا لدعائهما عليما بنياتهما مصحح للتقبل ~~في الجملة بل من حيث إن علمه تعالى بصحة نياتهما وإخلاصهما في أعمالهما ~~مستدع له بموجب الوعد تفضلا وتأكيد الجملة لغرض كمال قوة يقينهما بمضمونها ~~وقصر نعتى السمع والعلم عليه تعالى لإظهار اختصاص دعائهما به تعالى وانقطاع ~~رجائهما عما سواه بالكلية واعلم أن الظاهر أن أول ما جرى من الأمور المحكية ~~هو الابتلاء وما يتبعه ثم دعاء البلدية والأمن وما يتعلق به ثم رفع قواعد ~~البيت وما يتلوه ثم جعله مثابة للناس والأمر بتطهيره ولعل تغيير الترتيب ~~الوقوعي في الحكاية لنظم الشؤون الصادرة عن جنابة تعالى في سلك مستقل ونظم ~~الأمور الواقعة من جهة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من الأفعال والأقوال ~~في سلك آخر وأما قوله تعالى ومن كفر الخ فإنما وقع في تضاعيف الأحوال ~~المتعلقة بإبراهيم لاقتضاء المقام واستيجاب ما سبق من الكلام ذلك بحيث لم ~~يكن بد منه أصلا كما أن وقوع قوله عليه السلام ومن ذريتي في خلال كلامه ~~سبحانه لذلك «ربنا واجعلنا مسلمين لك» مخلصين لك أو مستسلمين من أسلم إذا ~~استسلم وانقاد وأياما كان فالمطلوب الزيادة والثبات على ما كان عليه ms0251 من ~~الإخلاص والإذعان وقرئ مسلمين على صيغة الجمع بإدخال هاجر معهما في الدعاء ~~أو لأن التثنية من مراتب الجمع «ومن ذريتنا أمة مسلمة لك» أب وأجعل بعض ~~ذريتنا وإنما خصاهم بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ولأنهم إذا صلحوا صلح ~~الأتباع وإنما خصا به بعضهم لما علما أن منهم ظلمة وأن الحكمة الإلهية لا ~~تقتضى اتفاق لكل على الإخلاص والإقبال الكلى على الله عز وجل فإن ذلك مما ~~يخل بأمر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وقيل أراد بالأمة ~~المسلمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد جوز أن يكون من مبينة قدمت على ~~المبين وفصل بها بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى «ومن الأرض مثلهن» ~~والأصل وأمة مسلمة لك من ذريتنا «وأرنا» من الرؤية بمعنى الإبصار أو بمعنى ~~التعريف أي بصرنا أو عرفنا «مناسكنا» أي متعبداتنا في الحج أو مذابحنا ~~والنسك في الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن ~~العادة وقرئ أرنا قياسا على فخذ في فخذ وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من ~~الهمزة الساقطة دليل عليهما وقرئ بالاختلاس «وتب علينا» استتابه لذريتهما ~~وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان أو توبة لهما عما فرط ~~منهما سهوا ولعلمهما قالاه هضما لأنفسهما وإرشادا لذريتهما «إنك أنت التواب ~~الرحيم» وهو تعليل للدعاء ومزيد استدعاء للإجابة قيل إذا أراد العبد أن ~~يستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته «ربنا وابعث ~~فيهم» أي في الأمة المسلمة PageV01P161 # «رسولا منهم» أي من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم ولم يبعث ~~من ذريتهما غير النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أجيب به دعوتهما عليهما ~~السلام روى أنه قيل له قد استجيب لك وهو في آخر الزمان قال عليه السلام أنا ~~دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي وتخصيص إبراهيم عليه السلام ~~بالاستجابة له لما أنه الأصل في الدعاء وإسماعيل تبع له عليه السلام «يتلو ~~عليهم آياتك» يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى اليه من البينات ms0252 «ويعلمهم» بحسب ~~قوتهم النظرية «الكتاب» أي القرآن «والحكمة» وما يكمل به نفوسهم من أحكام ~~الشريعة والمعارف الحقة «ويزكيهم» بحسب قوتهم العملية أي يطهرها عن دنس ~~الشرك وفنون المعاصي «إنك أنت العزيز» الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد ~~«الحكيم» الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة والجملة تعليل للدعاء ~~وإجابة المسؤول فإن وصف الحكمة مقتض لإفاضة ما تقتضيه الحكمة من الأمور ~~التي من جملتها بعث الرسول ووصف العزة مستدع لامتناع وجود المانع بالمرة ~~«ومن يرغب عن ملة إبراهيم» إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن ~~ملته التي هي الحق الصريح والدين الصحيح أي لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء ~~«إلا من سفه نفسه» أي أذلها واستمهنها واستخف بها وقيل خسر نفسه وقيل أوبق ~~أو أهلك أو جهل نفسه قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم ويشهد ~~له ما ورد في الخبر الكبر أن تسفه الحق وتغمض الناس وقيل معناه ضل من قبل ~~نفسه وقيل أصله سفه نفسه بالرفع فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه ~~ونحو قوله * ونأخذ بعده بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام * وقوله * وما ~~قومي بثعلبة بن سعد * ولا بفزارة الشعر الرقابا * ذلك لأنه إذا رغب عما لا ~~يرغب عنه أحد من العقلاء فقد بالغ في إذلال نفسه وإذالتها وإهانتها حيث ~~خالف بها كل نفس عاقلة روى أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا ~~إلى الإسلام فقال لهما قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ~~ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ~~ملعون فأسلم سلمة وأبي مهاجر فنزلت «ولقد اصطفيناه في الدنيا» أي اخترناه ~~بالنبوة والحكمة من بين سائر الخلق وأصله اتخاذ صفوة الشيء كما أن أصل ~~الاختيار اتخاذ خيره واللام لجواب قسم محذوف والواو اعتراضية والجملة مقررة ~~لمضمون ما قبلها أي وبالله لقد اصطفيناه وقوله تعالى «وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين» أي من ms0253 المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح معطوف ~~عليها داخل في حيز القسم مؤكد لمضمونها مقرر لما تقرره ولا حاجة إلى جعله ~~اعتراضا آخر أو حالا مقدرة فإن من كان صفوة للعباد في الدنيا مشهودا له ~~بالصلاح في الآخرة كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته الا سفيه أو متسفه ~~أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر والتأمل وإيثار الاسمية لما أن انتظامه ~~في زمرة صالحي أهل الآخرة أمر مستمر في الدارين لا أنه PageV01P162 # يحدث في الآخرة والتأكيد بأن واللام لما أن الأمور الأخروية خفية عند ~~المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من الأمور التي تشاهد آثارها وكلمة في ~~متعلقة بالصالحين على أن اللام للتعريف وليست بموصولة حتى يلزم تقديم بعض ~~الصلة عليها على أنه قد يغتفر في الظرف مالا يغتفر في غيره كما في قوله * ~~ربيته حتى إذا تمعددا * كان جزائي بالعصا أن أجلدا * أو بمحذوف من لفظه أي ~~وأنه لصالح في الآخرة لمن الصالحين أو من غير لفظه أي اعني في الآخرة نحو ~~لك بعد رعيا وقيل هي متعلقة باصطفيناه على ان في النظم الكريم تقديما ~~وتأخيرا تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين «إذ قال ~~له» ظرف لاصطفيناه لما أن المتوسط ليس بأجنبي بل هو مقرر له لأن اصطفاءه في ~~الدنيا إنما هو للنبوة وما يتعلق بصلاح الآخرة أو تعليل له أو منصوب باذكر ~~كأنه قيل اذكر ذلك الوقت لتقف على أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة ~~والتقدم وأنه ما نال الا بالمبادرة إلى الإذعان والانقياد لما أمر به ~~واخلاص سره على أحسن ما يكون حين قال له «ربه أسلم» أي لربك «قال أسلمت لرب ~~العالمين» وليس الأمر على حقيقته بل هو تمثيل والمعنى أخطر بباله دلائل ~~التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الاسلام من الكوكب والقمر والشمس ~~وقيل اسلم أي أذعن واطع وقيل أثبت على ما أنت عليه من الاسلام والاخلاص أو ~~استقم وفوض أمورك إلى الله تعالى فالامر على حقيقته والالتفات مع التعرض ~~لعنوان الربوبية والإضافة ms0254 اليه عليه السلام لإظهار مزيد اللطف به والاعتناء ~~بتربيته وإضافة الرب في جوابه عليه الصلاة والسلام إلى العالمين للإيذان ~~بكمال قوة اسلامه حيث أيقن حين النظر بشمول ربوبيته للعالمين قاطبة لا ~~لنفسه وحده كما هو المأمور به «ووصى بها إبراهيم بنيه» شروع في بيان تكميله ~~عليه السلام لغيره اثر بيان كماله في نفسه وفيه توكيد لوجوب الرغبة في ملته ~~عليه السلام والتوصية التقدم إلى الغير بما فيه خير وصلاح للمسلمين من فعل ~~أو قول واصلها الوصلة يقال وصاه إذا وصله وفصاه إذا فصله كأن الموصي يصل ~~فعله بفعل الوصي والضمير في بها للملة أو قوله أسلمت لرب العالمين بتأويل ~~الكلمة كما عبر بها عن قوله تعالى «إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني» ~~في قوله عز وجل «وجعلها كلمة باقية في عقبه» وقرئ أوصي والأول أبلغ ~~«ويعقوب» عطف على إبراهيم أي وصى بها هو أيضا وقرئ بالنصب عطفا على بنيه ~~«يا بني» على اضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصي عند الكوفيين لأنه في ~~معنى القول كما في قوله رجلان من ضبة أخبرانا * انا رأينا رجلا عريانا فهو ~~عند الأولين بتقدير القول وعند الآخرين متعلق بالإخبار الذي هو في معنى ~~القول وقرئ ان يا بني وبنو إبراهيم عليه السلام كانوا أربعة إسماعيل وإسحاق ~~ومدين ومدان وقيل ثمانية وقيل أربعة وعشرين وكان بنو يعقوب اثني عشر روبين ~~وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وزبولون وزوانا وتفتونا PageV01P163 # وكوزا وأوشير وبنيامين ويوسف عليه السلام «إن الله اصطفى لكم الدين» دين ~~الإسلام الذي هو صفوة الأديان ولا دين غيره عنده تعالى «فلا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون» ظاهره النهى عن الموت على خلاف حال الإسلام والمقصود الأمر ~~بالثبات على الإسلام إلى حين الموت أي فاثبتوا عليه ولا تفارقوه ابدا كقولك ~~لا تصل إلا وأنت خاشع وتغيير العبارة للدلالة على ان موتهم لا على الإسلام ~~موت لا خير فيه وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه غاية الحذر ~~ونظيره مت وأنت شهيد روى أن اليهود قالوا ms0255 لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألست تعلم ان يعقوب أوصى باليهودية يوم مات فنزلت «أم كنتم شهداء إذ حضر ~~يعقوب الموت» أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة والخطاب لأهل الكتاب الراغبين عن ~~ملة إبراهيم وشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر وإذ ظرف لشهداء والمراد ~~بحضور الموت حضور أسبابه وتقديم يعقوب عليه السلام للاهتمام به إذ المراد ~~كيفية وصيته لبنيه بعد ما بين ذلك إجمالا ومعنى بل الإضراب والانتقال عن ~~توبيخهم على رغبتهم عن ملة إبراهيم عليه السلام إلى توبيخهم على افترائهم ~~على يعقوب عليه السلام باليهودية حسبما حكى عنهم وأما تعميم الافتراء ههنا ~~لسائر الأنبياء عليهم السلام كما قيل فيأباه تخصيص يعقوب بالذكر وما سيأتي ~~من قوله عز وجل أم تقولون إن إبراهيم الخ ومعنى الهمزة إنكار وقوع الشهود ~~عند اختصاره عليه السلام وتبكيتهم وقوله تعالى «إذ قال» بدل من إذ حضر أي ~~ما كنتم حاضرين عند احتضاره عليه السلام وقوله «لبنيه ما تعبدون من بعدي» ~~أبي أي شئ تعبدونه بعد موتى فمن أين لكم أن تدعوا عليه السلام ما تدعون ~~رجما بالغيب وعند هذا تم التوبيخ والإنكار والتبكيت ثم بين أن الأمر قد جرى ~~حينئذ على خلاف ما زعموا وأنه عليه السلام أراد بسؤاله ذلك تقرير بنيه على ~~التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما إذ به يتم وصيته بقوله ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وما يسأل به عن كل شئ ما لم يعرف فإذا عرف خص ~~العقلاء بمن إذا سئل عن شئ بعينه وإن سئل عن وصفه قيل ما زيد أفقيه أم طبيب ~~فقوله تعالى «قالوا» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عن حكاية سؤال يعقوب ~~عليه السلام كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا «نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق» حسبما كان مراد أبيهم بالسؤال أي نعبد ~~الإله المتفق على وجوده وإلهيته ووجوب عبادته وعد إسماعيل من آبائه تغليبا ~~للأب والجد لقوله عليه الصلاة والسلام عم الرجل صنو أبيه وقوله عليه السلام ~~في العباس ms0256 هذا بقية آبائي وقرئ وقرئ أبيك على أنه جمع بالواو والنون كما في ~~قوله * فلما تبين أصواتنا * بكين وفديننا بالأبينا * وقد سقطت النون ~~بالإضافة أو مفرد وإبراهيم عطف بيان له وإسماعيل وإسحق معطوفان على أبيك ~~«إلها واحدا» بدل من إله آبائك كقوله تعالى بالناصية ناصية كاذبة وفائدته ~~التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشئ من تكرير المضاف لتعذر العطف على ~~المجرور أو نصب PageV01P164 # على الاختصاص «ونحن له مسلمون» حال من فاعل نعبد أو من مفعوله أو منهما ~~معا ويحتمل أن يكون اعتراضا محققا لمضمون ما سبق «تلك أمة» مبتدأ وخبر ~~والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما الموحدين والأمة هي الجماعة التي ~~تؤمها فرق الناس أي يقصدونها ويقتدون بها «قد خلت» صفة للخبر أي مضت بالموت ~~وانفردت عمن عداها وأصله صارت إلى الخلاء وهي الأرض التي لا أنيس بها «لها ~~ما كسبت» جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو صفة أخرى لأمة أوحال من ~~الضمير في خلت وما موصولة أو موصوفة والعائد إليها محذوف أي لها ما كسبته ~~من الأعمال لصالحة المحكية لا تتخطاها إلى غيرها فإن تقديم المسند يوجب قصر ~~المسند إليه كما هو المشهور «ولكم ما كسبتم» عطف على نظيرتها على الوجه ~~الأول وجملة مبتدأة على الوجهين الأخيرين إذ لا رابط فيها ولا بد منه في ~~الصفة ولا مقارنة في الزمان ولابد منها في الحال أي لكم ما كسبتموه لا ما ~~كسبه غيركم فإن تقديم المسند قد يقصد به قصره على المسند إليه كما قيل في ~~قوله تعالى لكم دينكم ولي دين أي ولى ديني لا دينكم وحمل الجملة الأولى على ~~هذا القصر على معنى أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا كما قيل مما لا ~~يساعده المقام إذ لا يتوهم متوهم انتفاعهم بكسب هؤلاء حتى يحتاج إلى بيان ~~امتناعه وإنما الذي يتوهم انتفاع هؤلاء بكسبهم فبين امتناعه بأن أعمالهم ~~الصالحة مخصوصة بهم لا تتخطاهم إلى غيرهم وليس لهؤلاء إلا ما كسبوا فلا ~~ينفعهم انتسابهم إليهم وإنما ينفعهم اتباعهم لهم في ms0257 الأعمال كما قال عليه ~~السلام يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم «ولا تسألون ~~عما كانوا يعملون» ان أجري السؤال على ظاهره فالجملة مقررة لمضمون ما مر من ~~الجملتين تقريرا ظاهرا وان أريد به مسببه اعني الجزاء فهو تتميم لما سبق ~~جار مجرى النتيجة له وأيا ما كان فالمراد تخييب المخاطبين وقطع أطماعهم ~~الفارغة عن الانتفاع بحسنات الأمة الخالية وانما اطلق العمل لإثبات الحكم ~~بالطريق البرهاني في ضمن قاعدة كلية هذا وقد جعل السؤال عبارة عن المؤاخذة ~~والموصول عن السيئات فقيل أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم ~~ولا ريب في أنه مما لا يليق بشأن التنزيل كيف لا وهم منزهون من كسب السيئات ~~فمن أين يتصور تحميلها على غيرهم حتى يتصدى لبيان انتفاعه «وقالوا» شروع في ~~بيان فن آخر من فنون كفرهم وهو اضلالهم لغيرهم اثر بيان ضلالهم في أنفسهم ~~والضمير لأهل الكتابين على طريقة الالتفات المؤذن باستيجاب حالهم لإبعادهم ~~من مقام المخاطبة والإعراض عنهم وتعديد جناياتهم عند غيرهم قالوا للمؤمنين ~~«كونوا هودا أو نصارى» ليس هذا القول مقولا لكلهم أو لأي طائفة كانت من ~~الطائفتين بل هو موزع عليهما على وجه خاص يقتضيه حالهما اقتضاء مغنيا عن ~~التصريح به أي قالت اليهود كونوا هودا والنصارى كونوا نصارى ففعل بالنظم ~~الكريم ما فعل بقوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى ~~اعتمادا على ظهور المرام «تهتدوا» جواب PageV01P165 # للأمر أي إن تكونوا كذلك «قل» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قل لهم ~~على سبيل الرد عليهم وبيان ما هو الحق لديهم وارشادهم اليه «بل ملة ~~إبراهيم» أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهل ملته عليه السلام وقيل بل نتبع ~~ملته عليه السلام وقد جوز ان يكون المعنى بل اتبعوا أنتم ملته عليه السلام ~~أو كونوا أهل ملته وقرئ بالرفع أي بل ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن ملته أي ~~أهل ملته «حنيفا» أي مائلا عن الباطل إلى الحق وهو حال من ms0258 المضاف اليه كما ~~في رأيت وجه هند قائمة أو المضاف كما في قوله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل اخوانا الخ «وما كان من المشركين» تعريض بهم وايذان ببطلان دعواهم ~~اتباعه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ~~«قولوا» خطاب للمؤمنين بعد خطابه عليه السلام برد مقالتهم الشنعاء على ~~الإجمال وارشاد لهم إلى طريق التوحيد والايمان على ضرب من التفصيل أي قولوا ~~لهم بمقابلة ما قالوا تحقيقا وارشاد ضمنيا لهم اليه «آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا» يعني القرآن قدم على سائر الكتب الإلهية مع تأخره عنها نزولا ~~لاختصاصه بنا وكونه سببا للإيمان بها «وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط» الصحف وان كانت نازلة إلى إبراهيم عليه السلام لكن ~~من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها جعلت منزلة إليهم ~~كما جعل القرآن منزلا الينا والأسباط جمع سبط وهو الحافد والمراد بهم حفدة ~~يعقوب عليه السلام أو أبناؤه الا ثنا عشر وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم ~~واسحق «وما أوتي موسى وعيسى» من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرة ~~الظاهرة بأيديهما حسبما فصل في التنزيل الجليل وايراد الايتاء لما أشير ~~اليه من التعميم وتخصيصهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى «وما ~~أوتي النبيون» أي جملة المذكورين وغيرهم «من ربهم» من الآيات البينات ~~والمعجزات الباهرات «لا نفرق بين أحد منهم» كدأب اليهود والنصارى آمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض وانما اعتبروا عدم التفريق بينهم مع ان الكلام فيما أوتوه ~~لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما أوتوه ~~وهمزة أحد اما أصلية فهو اسم موضوع لمن يصلح ان يخاطب يستوي فيه المفرد ~~والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ولذلك صح دخول بين عليه كما في مثل المال ~~بين الناس ومنه ما في قوله صلى الله عليه وسلم ما أحلت الغنائم لأحد سود ~~الرؤوس غيركم حيث وصف بالجمع واما مبدلة من الواو فهو بمعنى واحد وعمومه ~~لوقوعه في حيز النفي وصحة دخول بين عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره ms0259 أي ~~بين أحد منهم وبين غيره كما في قول النابغة * فما كان بين الخير لوجاء ~~سالما * أبو حجر الا ليال قلائل * أي بين الخير وبيني وفيه من الدلالة ~~صريحا على تحقق عدم التفريق بين كل فرد فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ~~ما ليس في ان يقال لا نفرق بينهم والجملة حال من الضمير في آمنا وقوله عز ~~وجل «ونحن له مسلمون» أي مخلصون له ومذعنون حال أخرى منه أو عطف على آمنا ~~PageV01P166 # «فإن آمنوا» الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ما تقدم من إيمان ~~المخاطبين على الوجه المحرر مظنة لإيمان أهل الكتابين لما أنه مشتمل على ما ~~هو مقبول عندهم «بمثل ما آمنتم به» أي بما آمنتم به على الوجه الذي فصل على ~~أن المثل مقحم كما في قوله تعالى وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله أي ~~عليه ويعضده قراءة ابن مسعود بما آمنتم به وقراءة أبي بالذي آمنتم به ويجوز ~~أن تكون الباء للاستعانة على أن المؤمن به محذوف لظهوره بمروره آنفا أو على ~~أن الفعل مجرى مجرى اللازم أي فإن آمنوا بما مر مفصلا أو فإن فعلوا الإيمان ~~بشهادة مثل شهادتكم وإن تكون الأولى زائدة والثانية صلة لآمنتم وما مصدرية ~~أي فإن آمنوا إيمانا مثل إيمانكم بما ذكر مفصلا وأن تكون للملابسة أي فإن ~~آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيمانا ملتبسا بمثل ~~ما آمنتم إيمانا ملتبسا به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياء ~~عليهم السلام فإن ما وجد فيهم وصدر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثل ~~ما للمؤمنين لا عينه بخلاف المؤمن به فإنه لا يتصور فيه التعدد «فقد ~~اهتدوا» إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق وأما ما ~~قيل من ان المعنى فإن تحروا الإيمان بطريق يهدى إلى الحق مثل طريقكم فقد ~~اهتدوا فإن وحدة المقصد لا تأبي تعدد الطريق فيأباه أن مقام تعيين طريق ~~الحق وإرشادهم إليه بعينه لا يلائم تجويز ms0260 أن يكون له طريق آخر وراءه «وإن ~~تولوا» أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلوا بشئ من ذلك كأن ~~آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو دينهم وديدنهم «فإنما هم في شقاق» المشاقة ~~والشقاق من الشق كالمخالفة والخلاف من الخلف والمعاداة والعداء من العدوة ~~أي الجانب فإن أحد المخالفين يعرض عن الآخر صورة أو معنى ويوليه خلفه ويأخذ ~~في شق غير شقة وعدوة غير عدوته والتنوين للتفخيم أي هم مستقرون في خلاف ~~عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ~~ما آمن به المؤمنون والجملة إما جواب الشرط كما هي على أن المراد مشاقتهم ~~الحادثة بعد توليتهم عن الإيمان كجواب الشرطية الأولى وإنما أوثرت الجملة ~~الاسمية لدلالة على ثباتهم واستقرارهم في ذلك وإما بتأويل فاعلموا إنما هم ~~في شقاق هذا هو الذي يستدعيه فخامة شان التنزيل الجليل وقد قيل قوله تعالى ~~فإن آمنوا الخ من باب التعجيز والتبكيت على منهاج قوله تعالى فأتوا بسورة ~~من مثله والمعنى فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مماثلا له في الصحة والسداد ~~فقد اهتدوا وإذ لا إمكان له فلا إمكان لاهتدائهم ولا ريب في أنه مما لا ~~يليق بحمل النظم الكريم عليه ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وأن ~~ذلك مما يؤدى إلى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتفريح المؤمنين بوعد النصر والغلبة وضمان التأييد والإعزاز ~~وعبر بالسين الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل «فسيكفيكهم الله» أي سيكفيك ~~شقاقهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال وقد أنجز عز وجل وعده ~~الكريم بقتل بنى قريظة وسبيهم وإجلاء بنى PageV01P167 # النضير وتلوين الخطاب بتجريده للنبي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك كفاية ~~منه سبحانه للكل لما أنه الأصل والعمدة في ذلك وللإيذان بأن القيام بأمور ~~الحروب وتحمل المؤن والمشاق ومقاساة الشدائد في مناهضة الأعداد من وظائف ~~الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقة عليه السلام أتم وأكمل «وهو ms0261 ~~السميع العليم» تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى أنه تعالى يسمع ~~ما تدعون به ويعلم ما في نيتك من إظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك ~~أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا ~~خير فيه وهو معاقبهم عليه ولا يخفى ما فيه من تأكيد الوعد السابق فإن وعيد ~~الكفرة وعد للمؤمنين «صبغة الله» الصبغة من الصبغ كالجلسة من الجلوس وهي ~~الحالة التي يقع عليها الصبغ عبر بها عن الإيمان بما ذكر على الوجه الذي ~~فصل لكونه تطهيرا للمؤمنين من أوضار الكفر وحلية تزينهم بآثاره الجميلة ~~ومتداخلا في قلوبهم كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك وقيل للمشاركة ~~التقديرية فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ~~ويزعمون أنه تطهير لهم وبه يحق نصرانيتهم وإضافته إلى الله عز وجل مع ~~استناده فيما سلف إلى ضمير المتكلمين للتشريف والإيذان بأنها عطية منه ~~سبحانه لا يستقل العبد بتحصيلها فهي إذن مؤكد لقوله تعالى آمنا داخل معه في ~~حيز قولوا منتصب عنه انتصاب وعد الله عما تقدمه لكونه بمثابة فعله كأنه قيل ~~صبغة الله صبغة وقيل هي منصوبة بفعل الإغراء أي ألزموا صبغة الله وإنما وسط ~~بينهما الشرطيتان وما بعدهما اعتناء ببيان أنه الإيمان الحق وبه الاهتداء ~~ومسارعة إلى تسليته عليه الصلاة والسلام «ومن أحسن من الله» مبتدأ أو خبر ~~والاستفهام للإنكار والنفي وقوله تعالى «صبغة» نصب على تمييز من أحسن منقول ~~من المبتدأ والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين ~~الصبغتين لابين فاعليهما أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى على معنى أنها ~~أحسن من كل صبغة على ما أشير إليه في قوله تعالى ومن أظلم ممن منع الخ وحيث ~~كان مدار التفضيل على تعميم الحسن الحقيقي والفرضي المبنى على زعم الكفرة ~~لم يلزم منه أن يكون في صبغة غيره تعالى حسن في الجملة والجملة اعتراضية ~~مقررة لما في صبغة الله من معنى التبجح والابتهاج «ونحن له» ms0262 أي لله الذي ~~أولانا تلك النعمة الجليلة «عابدون» شكرا لها ولسائر نعمة وتقدير الظرف ~~للاهتمام ورعاية الفواصل وهو عطف على آمنا داخل معه تحت الأمر وإيثار ~~الاسمية للإشعار بدوام العبادة أو على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزموا ~~صبغة الله وقولوا نحن له عابدون فقوله تعالى ومن أحسن من الله صبغة حينئذ ~~يجرى مجرى التعليل للاغراء «قل أتحاجوننا» تجريد الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم عقيب الكلام الداخل تحت الأمر الوارد بالخطاب العام لما أن ~~المأمور به من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام وقرئ بإدغام النون ~~والهمزة للإنكار أي أتجادلوننا «في الله» أي في دينه وتدعون أن دينه الحق ~~هو اليهودية PageV01P168 # والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتارة كونوا هودا أو نصارى تهتدوا «وهو ~~ربنا وربكم» جملة حالية وكذلك ما عطف عليها أي أتجادلوننا والحال أنه لا ~~وجه للمجادلة أصلا لأنه تعالى ربنا أي مالك أمرنا وأمركم «ولنا أعمالنا» ~~الحسنة الموافقة لأمرة «ولكم أعمالكم» السيئة المخالفة لحكمة «ونحن له ~~مخلصون» في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهة فأني لكم المحاجة وادعاء ~~حقية ما أنتم عليه والطمع في دخول الجنة بسببه ودعوة الناس إليه وكلمة أم ~~في قوله تعالى «أم تقولون» إما معادلة للهمزة في قوله تعالى أتحاجوننا ~~داخلة في حيز الأمر على معنى أي الأمرين تأتون إقامة الحجة وتنوير البرهان ~~على حقية ما أنتم عليه والحال ما ذكر أم التشبث بذيل التقليد والافتراء على ~~الأنبياء وتقولون «إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا ~~أو نصارى» فنحن بهم مقتدون والمراد إنكار كلا الأمرين والتوبيخ عليهما وإما ~~منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على الإضراب والانتقال من التوبيخ على ~~المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء عليهم السلام وقرئ أم ~~يقولون على صيغة الغيبة فهي منقطعة لا غير غير داخلة تحت الأمر واردة من ~~جهته تعالى توبيخا لهم وإنكارا عليهم لا من جهته عليه السلام على نهج ~~الالتفات كما ms0263 قيل هذا وأما ما قيل من أن المعنى أتحاجوننا في شأن الله ~~واصطفائه نبيا من العرب دونكم لما روى أن أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم ~~منا فلو كنت نبيا لكنت منا فنزلت ومعنى قوله تعالى «وهو ربنا وربكم ولنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم» أنه لا اختصاص له تعالى بقوم دون قوم يصيب برحمته من ~~يشاء من عباده فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه ~~ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاما وتبكيتا فإن كرامة البنوة إما تفضل من ~~الله تعالى على من يشاء فالكل فيه سواء وإما إفاضة حق على المستحقين لها ~~بالمواظبة على الطاعة والتجلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها ~~الله تعالى في إعطائها فلنا أيضا أعمال ونحن له مخلصون أي لا أنتم فمع عدم ~~ملاءمته لسياق النظم الكريم وسياقه لا سيما على تقدير كون كلمة أم معادلة ~~للهمزة غير صحيح في نفسه لما أن المراد بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه ~~من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب في أن أمر الصلاح والسوء يدور على ~~موافقة الدين المبنى على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في ~~استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم على البعثة بمراتب «قل أأنتم أعلم أم ~~الله» إعادة الأمر ليست لمجرد تأكيد التوبيخ وتشديد الإنكار عليهم بل ~~للإيذان بأن ما بعده ليس متصلا بما قبله بل بينهما كلام للمخاطبين مترتب ~~على ما سبق مستتبع لما لحق قد ضرب عنه الذكر صفحا لظهوره وهو تصريحهم بما ~~وبخوا عليه من الافتراء على الأنبياء عليهم السلام كما في قوله عز وجل قال ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون وقوله عز ~~قائلا قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت على فإن تكرير قال ~~في الموضعين وتوسيطه بين قولي قائل واحد PageV01P169 # للإيذان بأن بينهما كلاما لصاحبة متعلقا بالأول والثاني بالتبعية ~~والاستتباع كما حرر في محله أي كذبهم في ذلك وبكتهم قائلا إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون وقد نفى عن إبراهيم ms0264 عليه السلام كلا الأمرين حيث قال ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا واحتج عليه بقوله تعالى وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل الا من بعده وهؤلاء المعطوفون عليه عليه السلام اتباعه في الدين ~~وفاقا فكيف تقولون ما تقولون سبحان الله عما تصفون «ومن أظلم» انكار لأن ~~يكون أحد اظلم «ممن كتم شهادة» ثابتة «عنده» كائنة «من الله» وهي شهادته ~~تعالى له عليه السلام بالحنيفية والبراءة من اليهودية والنصرانية حسبما تلى ~~آنفا فعنده صفة لشهادة وكذا من الله جيء بهما لتعليل الانكار وتأكيده فإن ~~ثبوت الشهادة عنده وكونها من جناب الله عز وجل من أقوى الدواعي إلى اقامتها ~~وأشد الزواجر عن كتمانها وتقديم الأول مع أنه متأخر في الوجود لمراعاة ~~طريقة الترقي من الأدنى إلى الأعلى والمعنى أنه لا أحد أظلم من أهل الكتاب ~~حيث كتموا هذه الشهادة وأثبتوا نقيضها بما ذكر من الافتراء وتعليق الأظلمية ~~بمطلق الكتمان للإيماء إلى أن مرتبة من يردها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة ~~عن دائرة البيان أولا أحد أظلم منا لو كتمناها فالمراد بكتمها عدم اقامتها ~~في مقام المحاجة وفيه تعريض بغاية أظلمية أهل الكتاب على نحو ما أشير إليه ~~وفي إطلاق الشهادة مع أن المراد بها ما ذكر من الشهادة المعنية تعريض ~~بكتمانهم شهادة الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل ~~«وما الله بغافل عما تعملون» من فنون السيئات فيدخل فيها كتمانهم لشهادته ~~سبحانه وافتراؤهم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دخولا أوليا أي هو ~~محيط بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب وقرئ عما يعملون على ~~صيغة الغيبة فالضمير إما لمن كتم باعتبار المعنى وإما لأهل الكتاب وقوله ~~تعالى ومن أظلم إلى آخر الآية مسوق من جهته تعالى لوصفهم بغاية الظلم ~~وتهديدهم بالوعيد «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون ~~عما كانوا يعملون» تكرير للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخار ~~بالآباء والاتكال على أعمالهم وقيل الخطاب السابق لهم وهذا لنا تحذير عن ~~الاقتداء ms0265 بهم وقيل المراد بالأمة الأولى الأنبياء عليهم السلام وبالثانية ~~أسلاف اليهود «سيقول السفهاء» أي الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد ~~والإعراض عن التدبر والنظر من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقيل ~~السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم وقيل الظلوم الجهول والمراد ~~بالسفهاء هم اليهود على ما روى عن ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهم قالوه ~~إنكارا للنسخ وكراهة للتحويل حيث كانوا يأنسون بموافقته عليه الصلاة ~~والسلام لهم في القبلة وقيل هم المنافقون وهو الأنسب بقوله عز وعلا ألا ~~إنهم هم السفهاء وإنما قالوه لمجرد الاستهزاء والطعن لا لاعتقادهم حقية ~~القبلة الأولى وبطلان الثانية إذ ليس PageV01P170 # كلهم من اليهود وقيل هم المشركون ولم يقولوه كراهة للتحويل إلى مكة بل ~~طعنا في الدين فإنهم كانوا يقولون رغب عن قبلة آبائه ثم رجع وليرجعن إلى ~~دينهم أيضا وقيل هم القادحون في التحويل منهم جميعا فيكون قوله تعالى «من ~~الناس» أي الكفرة لبيان ان ذلك القول المحكى لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك ~~الطوائف الثلاث بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في فنون الفساد وهو الأظهر ~~إذ لو أريد بهم طائفة مخصوصة منهم لما كان لبيان كونهم من الناس مزيد فائدة ~~وتخصيص سفهائهم بالذكر لا يقتضي تسليم الباقين للتحويل وارتضاءهم إياه بل ~~عدم التفوه بالقدح مطلقا أو بالعبارة المحكية «ما ولاهم» أي أي شئ صرفهم ~~والاستفهام للإنكار والنفي «عن قبلتهم» القبلة فعلة من المقابلة كالوجهة من ~~المواجهة وهي الحال التي يقابل الشئ غيره عليها كالجلسة للحالة التي يقع ~~عليها الجلوس يقال لا قبلة له ولا دبرة إذا لم يهتد لجهة أمره غلبت على ~~الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة والمراد بها ههنا بيت المقدس ~~وإضافتها إلى ضمير المسلمين ووصفها بقوله تعالى «التي كانوا عليها» أي ~~ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيقتها لتأكيد الإنكار ~~فإن الاختصاص بالشئ والاستمرار عليه باعتقاد حقيته مما ينافي الانصراف عنه ~~فإن أريد بالقائلين اليهود فمدار الإنكار كراهتهم للتحويل عنها وزعمهم انه ~~خطأ وإن أريد بهم ms0266 المشركون فمداره مجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في ~~أحكامه وإظهار أن كلا من التوجه إليها والانصراف عنها واقع بغير داع إليه ~~لا لكراهتهم الانصراف عنها أو التوجه إلى مكة وتعليق الإنكار بما يوليهم ~~عنها لا بما يوجههم إلى غيرهما مع تلازمها في الوجود لما ان ترك الدين ~~القديم ابعد عند العقول وإنكار سببه ادخل لا للإيذان بأن المنكرين هم ~~اليهود بناء على أن المنكر عندهم هو التحويل عن خصوصية بيت المقدس الذي هو ~~القبلة الحقة عندهم لا التوجه إلى خصوصية قبلة أخرى أو هم المشركون بناء ~~على أن المنكر عندهم ترك القبلة القديمة على وجه الطعن والقدح لا التوجه ~~إلى الكعبة لأنه الحق عندهم فإنه بمعزل عن ذلك كيف لا والمنافقون من أحد ~~الفريقين لا محالة والإخبار بذلك قبل الوقوع مع كونه من دلائل النبوة حيث ~~وقع كما اخبر لتوطين النفوس واعداد ما يبكتهم فإن مفاجأة المكروه على النفس ~~أشق وأشد والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أرد وقوله عز وجل «قل لله المشرق ~~والمغرب» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل الخ ~~أي لله تعالى ناحيتا الأرض أي الجهات كلها ملكا وملكا وتصرفا فلا اختصاص ~~لناحية منها لذاتها بكونها قبلة بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ~~ومشيئته «يهدي من يشاء» أن يهديه مشيئة تابعة للحكم الخفية التي لا يعلمها ~~إلا هو «إلى صراط مستقيم» موصل إلى سعادة الدارين وقد هدانا إلى ذلك حيث ~~أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة والى الكعبة أخرى حسبما تقتضيه مشيئته ~~المقارنة لحكم أبيه ومصالح خفية «وكذلك جعلناكم» توجيه للخطاب إلى المؤمنين ~~PageV01P171 # بين الخطابين المختصين بالرسول صلى الله عليه وسلم لتأييد ما في مضمون ~~الكلام من التشريف وذلك إشارة إلى مصدر جعلناكم لا إلى جعل آخر مفهوم مما ~~سبق كما قيل وتوحيد الكاف مع القصد إلى المؤمنين لما أن المراد مجرد الفرق ~~بين الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو درجة ms0267 المشار اليه وبعد منزلته في الفضل وكمال تميزه وانتظامه بسببه في ~~سلك الأمور المشاهدة والكاف لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحلها ~~في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف وأصل التقدير جعلناكم أمة وسطا ~~جعلا كائنا مثل ذلك الجعل فقدم على الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة ~~للنكتة المذكورة فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتا له أي ذلك الجعل البديع ~~جعلناكم «أمة وسطا» لا جعلا آخر أدنى منه والوسط في الأصل اسم لما يستوي ~~نسبة الجوانب اليه كمركز الدائرة ثم استعير للخصال المحمودة البشرية لكن لا ~~لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعواز والأوساط محمية محوطة كما قيل ~~واستشهد عليه بقول ابن أوس الطائي * كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت * بها ~~الحوادث حتى أصبحت طرفا * فإن تلك العلاقة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام ~~إذ لا ملابسة بينها وبين أهلية الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور بل ~~لكون تلك الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الافراط ~~والتفريط كالعفة التي طرفاها الفجور والخمود وكالشجاعة التي طرفاها الظهور ~~والجبن وكالحكمة التي طرفاها الجربزة والبلادة وكالعدالة التي هي كيفية ~~متشابهة حاصلة من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلق على المتصف ~~بها مبالغة كأنه نفسها وسوى فيه بين المفرد والجمع والمذكر والمؤنث رعاية ~~لجانب الأصل كدأب سائر الأسماء التي يوصف بها وقد روعيت ههنا نكتة رائقة هي ~~ان الجعل المشار اليه عبارة عما تقدم ذكره من هدايته تعالى إلى الحق الذي ~~عبر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق ~~الجائرة عن القصد إلى الجوانب فإنا إذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين ~~متقابلتين فالخط المستقيم انما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية ~~ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة كون الأمة المهدية اليه أمة وسطا ~~بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفة بالخصال الحميدة خيارا ~~وعدولا مزكين بالعلم والعمل «لتكونوا شهداء على الناس» بان الله عز وجل قد ~~أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ms0268 ونصحوا وذكروا فهل من مدكر وهي غاية للجعل ~~المذكور مترتبة عليه فإن العدالة كما أشير اليه حيث كانت هي الكيفية ~~المتشابهة المتألفة من العفة التي هي فضيلة القوة الشهوية البهيمية ~~والشجاعة التي هي فضيلة القوة الغضبية السبعية والحكمة التي هي فضيلة القوة ~~العقلية الملكية المشار إلى رتبتها بقوله عز وعلا ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا كأن المتصف بها واقفا على الحقائق المودعة في الكتاب المبين ~~المنطوي على أحكام الدين وأحوال الأمم أجمعين حاويا لشرائط الشهادة عليهم ~~روى أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء عليهم السلام فيطالبهم ~~الله تعالى بالبينة وهو أعلم إقامة للحجة على المنكرين وزيادة لخزيهم بأن ~~كذبهم من بعدهم من الأمم فيؤتي بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فيقول ~~الأمم من اين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق ~~على لسان نبيه الصادق فيؤتى عند ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسأل عن ~~حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله عز قائلا «ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا» وكلمة PageV01P172 # الاستعلاء لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمن وقيل لتكونوا شهداء على ~~الناس في الدنيا فيما لا يقبل فيه الشهادة إلا من العدول الأخيار وتقديم ~~الظرف لدلالة على اختصاص شهادته عليه السلام بهم «وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها» جرد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم رمزا إلى أن مضمون الكلام ~~من الأسرار الحقيقة بأن يخص معرفته به عليه السلام وليس الموصول صفة للقبلة ~~بل هو مفعول ثان للجعل وما قيل من أن الجعل تحويل الشئ من حاله إلى أخرى ~~فالملتبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني كما في قولك جعلت الطين خزفا ~~فينبغي أن يكون المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة فكلام صناعي ~~ينساق إليه الذهن بحسب النظر الجليل ولكن التأمل اللائق يهدى إلى العكس فإن ~~المقصود إفادته ليس جعل الجهة قبلة لا غير كما يفيده ما ذكر بل هو جعل ~~القبلة المحققة الوجود هذه الجهة دون غيرها والمراد بالموصول هي الكعبة ~~فإنه ms0269 عليه الصلاة والسلام كان يصلى إليها أولا ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى ~~الصخرة تألفا لليهود أو هي الصخرة لما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما من ~~أن قبلته عليه السلام بمكة كانت بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه ~~وبينه وعلى هذه الرواية لا يمكن أن يراد بالقبلة الأولى الكعبة وأما الصخرة ~~فيتأتى إرادتها على الروايتين والمعنى على الأول وما جعلنا القبلة الجهة ~~التي كنت عليها آثر ذي أثير وهي الكعبة وعلى الثاني وما جعلناها التي كنت ~~عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة «إلا لنعلم» استثناء مفرغ من أعم العلل أي ~~وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إلا لنمتحن الناس أي نعاملهم معاملة من ~~يمتحنهم ونعلم حينئذ «من يتبع الرسول» في التوجه إلى ما أمر به من الدين أو ~~القبلة والالتفات إلى الغيبة مع إيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإشعار ~~بعلة الاتباع «ممن ينقلب على عقبيه» يرتد عن دين الإسلام أو لا يتوجه إلى ~~القبلة الجديدة أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه وما كان لعارض ~~يزول بزواله وعلى الأول ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لنعلم الثابت على ~~الإسلام والناكص على عقبيه لقلقة وضعف إيمانه والمراد بالعلم ما يدور عليه ~~فلك الجزاء من العلم الحالي أي ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل وقيل المراد ~~علم الرسول عليه السلام والمؤمنين وإسناده إليه سبحانه لما أنهم خواصه ~~وليتميز الثابت عن المتزلزل كقوله تعالى «ليميز الله الخبيث من الطيب» فوضع ~~العلم موضع التمييز الذي هو مسبب عنه ويشهد له قراءة ليعلم على بناء ~~المجهول من صيغة الغيبة والعلم إما بمعنى المعرفة أو متعلق بما في من من ~~معنى الاستفهام أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لنعلم من يتبع الرسول ~~متميزا ممن ينقلب على عقبيه «وإن كانت لكبيرة» أي شاقة ثقيلة وإن هي ~~المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر واللأم هي الفارقة بينها ~~وبين النافية كما في قوله تعالى إن كان وعد ربنا لمفعولا وزعم ms0270 الكوفيون ~~أنها نافية واللأم بمعنى إلا أي ما كانت إلا كبيرة والضمير الذي هو اسم كان ~~راجع إلى ما دل عليه قوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها من الجعلة ~~أو التولية أو التحويلة أو الردة أو القبلة وقرئ لكبيرة بالرفع على أن كان ~~مزيده كما في قوله * واخوان لنا كانوا كرام * وأصله وإن هي لكبيرة كقوله إن ~~زيد لمنطلق «إلا على الذين هدى الله» أي إلى سر الأحكام الشرعية المبنية ~~على الحكم والمصالح إجمالا وتفصيلا وهم المهديون إلى الصراط المستقيم ~~الثابتون على الإيمان واتباع الرسول عليه السلام «وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم» أي ما صح وما استقام له PageV01P173 # أن يضيع ثباتكم على الإيمان بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم وقيل ~~إيمانكم بالقبلة المنسوخة وصلاتكم إليها لما روى أنه عليه السلام لما توجه ~~إلى الكعبة قالوا كيف حال إخواننا الذين مضوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ~~فنزلت واللأم في ليضيع أما متعلقة بالخبر المقدر لكان كما هو رأى البصرية ~~وانتصاب الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريدا أو متصديا لأن يضيع ~~الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل تأكيد ومبالغة ليس في توجهه إلى نفسه ~~وأما مزيدة للتأكيد ناصبة للفعل بنفسها كما هو رأى الكوفية ولا يقدح في ذلك ~~زيادتها كما لا يقدح زيادة حروف الجر في عملها وقوله تعالى «إن الله بالناس ~~لرؤوف رحيم» تحقيق وتقرير للحكم وتعليل له فإن اتصافه عز وجل بهما يقتضى لا ~~محالة أن لا يضيع أجورهم ولا يدع ما فيه صلاحهم والباء متعلقة برءوف ~~وتقديمه على رحيم مع كونه أبلغ منه لما مر في وجه تقديم الرحمن على الرحيم ~~وقيل أكثر من الرأفة في الكمية والرأفة أقوى منها في الكيفية لأنها عبارة ~~عن إيصال النعم الصافية عن الآلام والرحمة إيصال النعمة مطلقا وقد يكون مع ~~الألم كقطع العضو المتآكل وقرئ رؤوف بغير مد كندس «قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء» أي تردده وتصرف نظرك في جهتها تطلعا للوحي وذلك أن ms0271 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقع في روعة ويتوقع من ربه عز وجل أن يحوله إلى الكعبة ~~لأنها قبلة إبراهيم وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم ~~ولمخالفة اليهود فكان يراعى نزول جبريل بالوحي بالتحويل «فلنولينك قبلة» ~~الفاء للدلالة على سببيه ما قبلها لما بعدها وهي في الحقيقة داخلة على قسم ~~محذوف يدل عليه اللام أي فو الله لنولينك أي لنعطينكها ولنمكننك من ~~استقبالها من قولك وليته كذا أي صيرته واليا له أو لنجعلنك تلى جهتها أو ~~لنحولنك على أن نصب قبله بحذف الجار أي إلى قبلة وقيل هو متعد إلى مفعولين ~~«ترضاها» تحبها وتشتاق إليها لمقاصد دينية وافقت مشيئته تعالى وحكمته «فول ~~وجهك» الفاء لتفريع الأمر بالتولية على الوعد الكريم وتخصيص التولية بالوجه ~~لما أنه مدار التوجه ومعياره وقيل المراد به كل البدن أي فاصرفه «شطر ~~المسجد الحرام» أي نحوه وهو نصب على الظرفية من ول أو على نزع الخافض أو ~~على مفعول ثان له وقيل الشطر في الأصل اسم لما انفصل من الشئ ودار شطور إذا ~~كانت منفصله عن الدور ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل كالقطر والحرام المحرم ~~أي محرم فيه القتال أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوا له وفي ذكر المسجد ~~الحرام دون الكعبة إيذان بكفاية مراعاة الجهة لأن في مراعاة العين من ~~البعيد حرجا عظيما بخلاف القريب روى عن البراء بن عازب أن نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشرة شهرا ثم وجه إلى ~~الكعبة وقيل كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبيل قتال بدر بشهرين ورسوله ~~الله صلى الله عليه وسلم في PageV01P174 # مسجد بنى سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة ~~واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمى المسجد ~~مسجد القبلتين «وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره» خص الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالخطاب تعظيما لجنابه وإيذان بإسعاف مرامه ثم عمم الخطاب للمؤمنين مع ~~التعرض لاختلاف ms0272 أماكنهم تأكيدا للحكم وتصريحا بعمومه لكافة العباد من كل ~~حاضر باد وحثا للأمة على المتابعة وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزم بها ~~وقوله تعالى فولوا جوابها وتكون هي منصوبة على الظرفية بكنتم نحو قوله ~~تعالى أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى «وإن الذين أوتوا الكتاب» من فريقي ~~اليهود والنصارى «ليعلمون أنه» أي التحويل أو التوجه المفهوم من التولية ~~«الحق» لاغير لعلمهم بان عادته سبحانه وتعالى جارية على تخصيص كل شريعة ~~بقبلة ومعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه عليه الصلاة والسلام يصلى ~~إلى القبلتين كما يشعر بذلك التعبير عنهم بالاسم الموصول بإيتاء الكتاب وإن ~~مع اسمها وخبرها ساد مسد مفعولى يعلمون أو مسد مفعوله الواحد على أن العلم ~~بمعنى المعرفة وقوله تعالى «من ربهم» متعلق بمحذوف وقع حالا من الحق أي ~~كائنا من ربهم أو صفة له على رأى من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي ~~الكائن من ربهم «وما الله بغافل عما تعملون» وعد ووعيد للفريقين والخطاب ~~للكل تغليبا وقرئ على صيغة الغيبة فهو وعيد لأهل الكتاب «ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب» وضع الموصول موضع المضمر للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد ~~مع تحقق ما يرغمهم منه من الكتاب الناطق بحقية ما كابروا في قبوله «بكل ~~آية» أي حجة قطعية دالة على حقيقة التحويل واللام موطئة للقسم وقوله تعالى ~~«ما تبعوا قبلتك» جواب للقسم المضمر ساد مسد جواب الشرط والمعنى أنهم ما ~~تركوا قبلتك لشبهة تزيلها الحجة وإنما خالفوك مكابرة وعنادا وتجريد الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بعد تعميمه للأمة لما أن المحاجة والإتيان بالآية ~~من الوظائف الخاصة به عليه السلام وقوله تعالى «وما أنت بتابع قبلتهم» جملة ~~معطوفة على الجملة الشرطية لا على جوابها مسوقة لقطع أطماعهم الفارغة حيث ~~قالت اليهود لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره ~~تغريرا له عليه الصلاة والسلام وطمعا في رجوعه وإيثار الجملة الاسمية ~~للدلالة على دوام مضمونها واستمراره وإفراد قبلتهم مع تعددها باعتبار ~~اتحادها في البطلان ms0273 ومخالفة الحق ولئلا يتوهم أن مدار النفي هو التعدد وقرئ ~~يتابع قبلتهم على الإضافة «وما بعضهم بتابع قبلة بعض» فإن اليهود تستقبل ~~الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب ~~كل فريق فيما هو فيه «ولئن اتبعت أهواءهم» الزائغة المتخالفة «من بعد ما ~~جاءك من العلم» ببطلانها وحقية ما أنت عليه وهذه الشرطية الفرضية وارده على ~~منهاج التهييج والإلهاب للثبات على الحق أي ولئن اتبعت أهواءهم فرضا «إنك ~~إذا لمن الظالمين» وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن PageV01P175 # متابعة الهوى فإن من ليس من شأنه ذلك إذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما ~~رتب من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك وإذن حرف ~~جواب وجزاء توسطت بين اسم إن وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة إذ كان ~~حقها أن تتقدم أو تتأخر فلم تتقدم لئلا يتوهم أنها لتقرير النسبة التي بين ~~الشرط وجوابه المحذوف لأن المذكور جواب القسم ولم تتأخر لرعاية الفواصل ~~ولقد بولغ في التأكيد من وجوه تعظيما للحق المعلوم وتحريضا على اقتفائه ~~وتحذيرا عن متابعة الهوى واستعظاما لصدور الذنب من الأنبياء عليهم السلام ~~«الذين آتيناهم الكتاب» أي علماءهم إذ هم العمدة في إيتائه ووضع الموصول ~~موضع المضمر مع قرب العهد للإشعار بعلية ما في حيز الصلة للحكم والضمير ~~المنصوب في قوله تعالى «يعرفونه» للرسول صلى الله عليه وسلم والالتفات إلى ~~الغيبة للإيذان بان المراد ليس معرفتهم له عليه السلام من حيث ذاته ونسبه ~~الزاهر بل من حيث كونه مسطورا في الكتاب منعوتا فيه بالنعوت التي من جملتها ~~أنه عليه السلام يصلى إلى القبلتين كأنه قيل الذين آتيناهم الكتاب يعرفون ~~من وصفناه فيه وبهذا يظهر جزالة النظم الكريم وقيل هو إضمار قبل الذكر ~~للإشعار بفخامة شأنه عليه الصلاة والسلام أنه علم معلوم بغير إعلام فتأمل ~~وقيل الضمير للعلم أو سببه الذي هو الوحي أو القرآن أو التحويل ويؤيد الأول ~~قوله عز وجل «كما يعرفون أبناءهم» أي يعرفونه عليه الصلاة ms0274 والسلام بأوصافه ~~الشريفة المكتوبة في كتابهم ولا يشتبه عليهم كما لا يشتبه أبناؤهم وتخصيصهم ~~بالذكر دون ما يعم البنات لكونهم أعرف عندهم منهن بسبب كونهم أحب إليهم عن ~~عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال أنا أعلم به منى بابنى قال ولم قال لأني لست أشك فيه ~~أنه نبي فأما ولدى فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه رضي الله عنهما «وإن ~~فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون» هم الذين كابروا وعاندوا الحق ~~والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يظهرون الحق ولا يكتمونه وأما الجهلة ~~منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما في تضاعيفه فما هم بصدد الإظهار ولا ~~بصدد الكتم وإنما كفرهم على وجه التقليد «الحق» بالرفع على أنه مبتدأ وقوله ~~تعالى «من ربك» خبره واللام للعهد والإشارة إلى ما عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو إلى الحق الذي يكتمونه أو للجنس والمعنى أن الحق ما ثبت أنه ~~من الله تعالى كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب أو على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق وقوله تعالى من ربك إما حال أو خبر بعد خبر ~~وقرئ بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول ليعلمون وفي التعرض لوصف ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطف به عليه السلام ~~ما لا يخفى «فلا تكونن من الممترين» أي الشاكين في كتمانهم الحق عالمين به ~~وقيل في أنه من ربك وليس المراد به نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك ~~فيه لأنه غير متوقع PageV01P176 # منه عليه السلام وليس بقصد واختيار بل إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك ~~فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ ~~«ولكل» أي ولكل أمة من الأمم على أن التنوين عوض من المضاف إليه «وجهه» أي ~~قبلة وقد قرئ كذلك أو لكل قوم من المسلمين جانب من جوانب الكعبة «هو ~~موليها» ms0275 أحد المفعولين محذوف أي موليها وجهة أو الله موليها إياه وقرئ ولكل ~~وجهة بالإضافة والمعنى ولكل وجهة الله موليها أهلها واللام مزيدة للتأكيد ~~وجبر ضعف العامل وقرئ مولاها أي مولى تلك الجهة قد وليها «فاستبقوا ~~الخيرات» أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله * ثنائي عليكم آل حرب ~~ومن يمل * سواكم فإني مهتد غير مائل * وهو أبلغ من الأمر بالمسارعة لما فيه ~~من الحث على إحراز قصب السبق والمراد بالخيرات جميع أنواعها من أمر القبلة ~~وغيره مما ينال به سعادة الدارين أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة ~~للكعبة «أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا» أي في أي موضع تكونوا من موافق ~~أو مخالف مجتمع الأجزاء أو متفرقها يحشركم الله تعالى إلى المحشر للجزاء أو ~~أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض أرواحكم أو أينما تكونوا من ~~الجهات المختلفة المتقابلة يجعل صلواتكم كأنها صلاة إلى جهة واحدة «إن الله ~~على كل شيء قدير» فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع فهو تعليل للحكم ~~السابق «ومن حيث خرجت» تأكيد التحويل وتصريح بعدم تفاوت الأمر في حالتي ~~السفر والحضر ومن متعلقة بقوله تعالى «فول» أو بمحذوف عطف هو عليه أي من أي ~~مكان خرجت إليه للسفر فول «وجهك» عند صلاتك «شطر المسجد الحرام» أو افعل ما ~~أمرت به من أي مكان خرجت إليه فول الخ «وإنه» أي هذا الأمر «للحق من ربك» ~~أي الثابت الموافق للحكمة «وما الله بغافل عما تعملون» فيجازيكم بذلك أحسن ~~جزاء فهو وعد للمؤمنين وقرئ يعملون على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين «ومن ~~حيث خرجت» إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة «فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام» الكلام فيه كما مر آنفا «وحيث ما كنتم» من أقطار الأرض ~~مقيمين أو مسافرين حسبما يعرب عنه إيثار PageV01P177 # كنتم على خرجتم فإن الخطاب عام لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من ~~الحاضرين والمسافرين فلو قيل وحيثما خرجتم لما تناول الخطاب المقيمين في ~~الأماكن المختلفة من حيث إقامتهم فيها «فولوا وجوهكم» من محالكم ms0276 «شطره» ~~والتكرير لما أن القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة ~~فبالحري أن يؤكد أمرها مرة غب أخرى مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة ~~«لئلا يكون للناس عليكم حجة» متعلق بقوله تعالى فولوا وقيل بمحذوف يدل عليه ~~الكلام كأنه قيل فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التولية عن الصخرة تدفع ~~احتجاج اليهود بان المنعوت في التوراة من أوصافه أنه يحول إلى الكعبة ~~واحتجاج المشركين بأنه يدعى ملة إبراهيم يخالف قبلته «إلا الذين ظلموا ~~منهم» وهم أهل مكة أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم ~~الذين يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده أو بدا ~~له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء ~~حجة مع انها أفحش الأباطيل من قبيل ما في قوله تعالى حجتهم داحضة حيث كانوا ~~يسوقونها مساق الحجة وقيل الحجة بمعنى مطلق الاحتجاج وقيل الاستثناء ~~للمبالغة في نفى الحجة رأسا كالذي في قوله * ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * ~~بهن فلول من قراع الكتائب * ضرورة أن لا حجة للظالم وقرئ ألا الذين بحرف ~~التنبيه على أنه استئناف «فلا تخشوهم» فإن مطاعنهم لا تضركم شيئا «واخشوني» ~~فلا تخالفوا أمرى «ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون» علة لمحذوف يدل عليه ~~النظم الكريم أي وأمرتكم بما مر لإتمام النعمة عليكم لما أنه نعمة جليلة ~~ولإرادتي اهتدائكم لما أنه صراط مستقيم مؤد إلى سعادة الدارين كما أشير ~~إليه في قوله عز وجل يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم وفي التعبير عن الإرادة ~~بكلمة لعل الموضوعة للترجي على طريقة الاستعارة التبعية من الدلالة على ~~كمال العناية بالهداية مالا يخفى أو عطف على علة مقدرة أي واخشوني لأحفظكم ~~عنهم وأتم الخ أو على قوله تعالى لئلا يكون وتوسط قوله تعالى فلا تخشوهم ~~الخ بينهما للمسارعة إلى التسلية والتثبيت وفي الخبر تمام النعمة دخول ~~الجنة وعن علي رضي الله عنه تمام النعمة الموت على الاسلام «كما أرسلنا ms0277 ~~فيكم رسولا منكم» متصل بما قبله والظرف الأول متعلق بالفعل قدم على مفعوله ~~الصريح لما في صفاته من الطول والظرف الثاني متعلق بمضمر وقع صفة لرسولا ~~مبينة لتمام النعمة أي ولأتم نعمتي عليكم في امر القبلة أو في الآخرة ~~اتماما كائنا كإتمامي لها بإرسال رسول كائن منكم فإن إرسال الرسول لا سيما ~~المجانس لهم نعمة لا يكافئها نعمة قط وقيل متصل بما بعده أي كما ذكرتم ~~بالإرسال فاذكروني الخ وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد فيما قبله ~~افتنان وجريان على سنن الكبرياء «يتلو عليكم آياتنا» صفة ثانية لرسول كاشفة ~~لكمال النعمة «ويزكيكم» عطف على يتلو أي يحملكم على ما تصيرون به أزكياء ~~«ويعلمكم الكتاب والحكمة» صفة أخرى مترتبة في الوجود على التلاوة وانما وسط ~~بينهما التزكية التي PageV01P178 # هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على ~~تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان ~~بأن كلا من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر فلو روعى ~~ترتيب الوجود كما في قوله تعالى وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم لتبادر إلى الفهم ~~كون الكل نعمة واحدة كما مر نظيره في قصة البقرة وهو السر في التعبير عن ~~القرآن تارة بالآيات وأخرى بالكتاب والحكمة رمزا إلى انه باعتبار كل عنوان ~~نعمة على حدة ولا يقدح فيه شمول الحكمة لما في تضاعيف الأحاديث الشريفة من ~~الشرائع وقوله عز وجل «ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون» صريح في ذلك فإن ~~الموصول مع كونه عبارة عن الكتاب والحكمة قطعا قد عطف تعليمه على تعليمهما ~~وما ذلك الا لتفصيل فنون النعم في مقام يقتضيه كما في قوله تعالى ونجيناهم ~~من عذاب غليظ عقيب قوله تعالى نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~والمراد بعدم علمهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغير ذلك من ~~طرق العلم لانحصار الطريق في الوحي «فاذكروني» الفاء للدلالة على ترتب ~~الأمر على ما قبله من ms0278 موجباته أي فاذكروني بالطاعة «أذكركم» بالثواب وهو ~~تحريض على الذكر مع الاشعار بما يوجبه «واشكروا لي» ما أنعمت به عليكم من ~~النعم «ولا تكفرون» بجحدها وعصيان ما أمرتكم به «يا أيها الذين آمنوا» ~~وصفهم بالإيمان اثر تعداد ما يوجبه ويقتضيه تنشيطا لهم وحثا على مراعاة ما ~~يعقبه من الأمر «استعينوا» في كل ما تأتون وما تذرون «بالصبر» على الأمور ~~الشاقة على النفس التي من جملتها معاداة الكفرة ومقابلتهم المؤدية إلى ~~مقاتلتهم «والصلاة» التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة رب ~~العالمين «إن الله مع الصابرين» تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما ~~أنه المحتاج إلى التعليل واما الصلاة فحيث كانت عند المؤمنين اجل المطالب ~~كما ينبئ عنه قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني في الصلاة لم يفتقر الأمر ~~بالاستعانة بها إلى التعليل ومعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة للنصرة ~~وإجابة الدعوة ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشرون للصبر حقيقة فهم ~~متبوعون من تلك الحيثية «ولا تقولوا» عطف على استعينوا الخ مسوق لبيان ان ~~لا غائلة للمأمور به وأن الشهادة التي ربما يؤدي إليها الصبر حياة أبدية ~~«لمن يقتل في سبيل الله أموات» أي هم أموات «بل أحياء» أي بل هم احياء ~~«ولكن لا تشعرون» بحياتهم وفيه رمز إلى انها ليست مما يشعر به بالمشاعر ~~الظاهرة من الحياة الجسمانية وانما هي امر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي ~~وعن الحسن رحمه الله أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم ~~فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على آل فرعون غدوا وعشيا فيصل ~~إليهم الألم والوجع قلت رأيت في المنام سنة PageV01P179 # تسع وثلاثين وتسعمائة اني أزور قبور شهداء أحد رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين وانا أتلوا هذه الآية وما في سورة آل عمران وأرددهما متفكرا في ~~امرهم وفي نفسي ان حياتهم روحانية لا جسمانية فبينما أنا على ذلك إذ رأيت ~~شابا منهم قاعدا في قبره تام الجسد كامل الخلقة في أحسن ما يكون من الهيئة ~~والمنظر ليس عليه شيء من اللباس ms0279 قد بدا منه ما فوق السرة والباقي في القبر ~~خلا اني اعلم يقينا ان ذلك أيضا كما ظهر وانما لا يظهر لكونه عورة فنظرت ~~إلى وجهه فرأيته ينظر إلى مبتسما كأنه ينبهني على ان الأمر بخلاف رأيي ~~فسبحان من علت كلمته وجلت حكمته وقيل الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة ~~عشر وفيها دلالة على ان الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من ~~البدن تبقي بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين وبه نطقت الآيات والسنن وعلى هذا فتخصيص الشهداء بذلك ~~لما يستدعيه مقام التحريض على مباشرة مبادي الشهادة ولاختصاصهم بمزيد القرب ~~من الله عز وعلا «ولنبلونكم» لنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم أتصبرون على ~~البلاء وتستسلمون للقضاء «بشيء من الخوف والجوع» أي بقليل من ذلك فإن ما ~~وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيب به معانديهم ~~وانما اخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم ~~له حسبما اخبر به وليعلموا انه شيء يسير له عاقبة حميدة «ونقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات» عطف على شيء وقيل على الخوف وعن الشافعي رحمه الله الخوف ~~خوف الله والجوع صوم رمضان ونقص من الأموال الزكاة والصدقات ومن الأنفس ~~الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد وعن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات ولد ~~العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم روح ولد عبدي فيقولون نعم فيقول عز ~~وجل اقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون ~~حمدك واسترجع فيقول الله عز وعلا ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت ~~الحمد «وبشر الصابرين» «الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون» الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة ~~والمصيبة ما يصيب الانسان من مكروه لقوله عليه السلام كل شيء يؤذي المؤمن ~~فهو له مصيبة وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بأن يتصور ما خلق ~~له وأنه راجع إلى ربه ويتذكر ms0280 نعم الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه ~~اضعاف ما استرده منه فيهون ذلك على نفسه ويستسلم والمبشر به محذوف دل عليه ~~ما بعده «أولئك» إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت ~~ومعنى البعد فيه للإيذان بعلو رتبتهم «عليهم صلوات من ربهم ورحمة» ~~PageV01P180 # الصلاة من الله سبحانه المغفرة والرأفة وجمعها للتنبيه على كثرتها ~~وتنوعها والجمع بينهما وبين الرحمة للمبالغة كما في قوله تعالى رأفة ورحمة ~~رؤوف رحيم والتنوين فيهما للتفخيم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت ~~الجليلة عليهم فنون الرأفة الفائضة من مالك أمورهم ومبلغهم إلى كمالاتهم ~~اللائقة بهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم من استرجع عند المصيبة جبر الله ~~مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه «وأولئك» إشارة إليهم اما ~~بالاعتبار السابق والتكرير لإظهار كمال العناية بهم واما باعتبار حيازتهم ~~لما ذكر من الصلوات والرحمة المترتب على الاعتبار الأول فعلى الأول المراد ~~بالاهتداء في قوله عز وجل «هم المهتدون» هو الاهتداء للحق والصواب مطلقا لا ~~الاهتداء لما ذكر من الاسترجاع والاستسلام خاصة لما أنه متقدم عليهما فلا ~~بد لتأخيره عما هو نتيجة لهما من داع يوجبه وليس بظاهر والجملة اعتراض مقرر ~~لمضمون ما قبله كأنه قيل وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك ~~استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز ~~بالمطالب والمعنى أولئك هم الفائزون بمباغيهم الدينية والدنيوية فإن من نال ~~رأفة الله تعالى ورحمته لم يفته مطلب «إن الصفا والمروة» علمان لجبلين بمكة ~~المعظمة كالصمان والمقطم «من شعائر الله» من أعلام مناسكه جمع شعيرة وهي ~~العلامة «فمن حج البيت أو اعتمر» الحج في اللغة القصد والاعتمار الزيارة ~~غلبا في الشريعة على قصد البيت وزيارته على الوجهين المعروفين كالبيت ~~والنجم في الأعيان وحيث أظهر البيت وجب تجريده عن التعلق به «فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما» أي في ان يطوف بهما أصله يتطوف قلبت التاء طاء فأدغمت الطاء ms0281 ~~في الطاء وفي ايراد صيغة التفعل ايذان بأن من حق الطائف ان يتكلف في الطواف ~~ويبذل فيه جهده وهذا الطواف واجب عندنا والشافعي وعن مالك رحمهما الله أنه ~~ركن وايراده بعدم الجناح المشعر بالتخيير لما أنه كان في عهد الجاهلية على ~~الصفا صنم يقال له اساف وعلى المروة آخر اسمه نائلة وكانوا إذا سعوا بينهما ~~مسحوا بهما فلما جاء الاسلام وكسر الأصنام تحرج المسلمون ان يطوفوا بينهما ~~لذلك فنزلت وقيل هو تطوع ويعضده قراءة ابن مسعود فلا جناح عليه ان لا يطوف ~~بهما «ومن تطوع خيرا» أي فعل طاعة فرضا كان أو نفلا أو زاد على ما فرض عليه ~~من حج أو عمرة أو طواف وخيرا حينئذ نصب على انه صفة لمصدر محذوف أي تطوعا ~~خيرا أو على حذف الجار وايصال الفعل اليه أو على تضمين معنى فعل وقرئ يطوع ~~واصله يتطوع مثل يطوف وقرئ ومن يتطوع بخير «فإن الله شاكر» أي مجاز على ~~الطاعة عبر عن ذلك بالشكر مبالغة في الاحسان إلى العباد «عليم» مبالغ في ~~العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئا ~~وهو علة لجواب الشرط قائم مقامه كأنه قيل ومن تطوع خيرا جازاه الله وأثابه ~~فإن الله شاكر عليم PageV01P181 # «إن الذين يكتمون» قيل نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ما في التوراة ~~من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام وعن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والحسن والسدي والربيع والأصم أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى وقيل نزلت في كل من كتم شيئا من احكام الدين لعموم الحكم للكل ~~والأقرب هو الأول فإن عموم الحكم لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك ~~إظهار الشيء قصدا مع مساس الحاجة اليه وتحقق الداعي إلى اظهار وذلك قد يكون ~~بمجرد ستره واخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر في موضعه وهو الذي فعله ~~هؤلاء «ما أنزلنا من البينات» من الآيات الواضحة الدالة على أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم «والهدى» أي والآيات ms0282 الهادية إلى كنه أمره ووجوب اتباعه ~~والايمان به عبر عنها بالمصدر مبالغة ولم يجمع مراعاة للأصل وهي المرادة ~~بالبينات أيضا والعطف لتغاير العنوان كما في قوله عز وجل هدى للناس وبينات ~~الخ وقيل المراد بالهدى الأدلة العقلية ويأباه الإنزال والكتم «من بعد ما ~~بيناه للناس» متعلق بيكتمون والمراد بالناس الكل لا الكاتمون فقط واللام ~~متعلقة ببيناه وكذا الظرف في قوله تعالى «في الكتاب» فإن تعلق جارين بفعل ~~واحد عند اختلاف المعنى مما لا ريب في جوازه أو الأخير متعلق بمحذوف وقع ~~حالا من مفعوله أي كائنا في الكتاب وتبيينه لهم تلخيصه وايضاحه بحيث يتلقاه ~~كل أحد منهم من غير ان يكون له فيه شبهة وهذا عنوان مغاير لكونه بينا في ~~نفسه وهدى مؤكد لقبح الكتم أو تفهيمه لهم بواسطة موسى عليه السلام والأول ~~انسب بقوله تعالى في الكتاب والمراد بكتمه إزالته ووضع غيره في موضعه فإنهم ~~محوا نعته عليه الصلاة والسلام وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ذكرناه في تفسير ~~قوله عز وعلا فويل للذين يكتبون الكتاب الخ «أولئك» إشارة إليهم باعتبار ما ~~وصفوا به للإشعار بعليته لما حاق بهم وما فيه من معنى البعد للإيذان يترامى ~~أمرهم وبعد منزلتهم في الفساد «يلعنهم الله» أي يطردهم ويبعدهم من رحمته ~~والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات الجامع للصفات لتربية المهابة ~~وادخال الروعة والاشعار بأن مبدأ صدور اللعن عنه سبحانه صفة الجلال ~~المغايرة لما هو مبدأ الانزال والتبيين من وصف الجمال والرحمة «ويلعنهم ~~اللاعنون» أي الذين يتأتى منهم اللعن أي الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ~~ومؤمني الثقلين والمراد بيان دوام اللعن واستمراره وعليه يدور الاستثناء ~~المتصل في قوله تعالى «إلا الذين تابوا» أي عن الكتمان «وأصلحوا» أي ما ~~أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرف وكتبوا مكانه ما كانوا ازالوه عند التحريف ~~«وبينوا» للناس معانيه فإنه غير الاصلاح المذكور أو بينوا لهم ما وقع منهم ~~أولا وآخرا فإنه أدخل في ارشاد الناس إلى الحق وصرفهم عن طريق الضلال الذي ~~كانوا أوقعوهم فيه أو بينوا توبتهم ms0283 ليمحوا به سمة ما كانوا فيه ويقتدي بهم ~~أضرابهم PageV01P182 # وحيث كانت هذه التوبة المقرونة بالإصلاح والتبيين مستلزمة للتوبة عن ~~الكفر مبنية عليها لم يصرح بالإيمان وقوله تعالى «أولئك» إشارة إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة للإشعار بعليته للحكم والفاء لتأكيد ذلك ~~«أتوب عليهم» أي بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة وقوله تعالى «وأنا التواب ~~الرحيم» أي المبالغ في قبول التوب ونشر الرحمة اعتراض تذييلي محقق لمضمون ~~ما قبله والالتفات إلى التكلم للافتنان في النظم الكريم مع ما فيه من ~~التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعليه تعالى السابق واللاحق ~~«إن الذين كفروا» جملة مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء ~~وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين حسبما يفيده الكلام والاقتصار على ~~ذكر الكفر في الصلة من غير تعرض لعدم التوبة والإصلاح والتبيين مبني على ما ~~أشير إليه فكما أن وجود تلك الأمور الثلاثة مستلزم للأيمان الموجب لعدم ~~الكفر كذلك وجود الكفر مستلزم لعدمها جميعا أي إن ذلك استمرار على الكفر ~~المستتبع للكتمان وعدم التوبة «وماتوا وهم كفار» لا يرعوون عن حالتهم ~~الأولى «أولئك» الكلام فيه كما فيما قبله «عليهم» أي مستقر عليهم «لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين» ممن يعتد بلعنتهم وهذا بيان لدوامها الثبوتي ~~بعد بيان دوامها التجددي وقيل الأول لعنتهم أحياء وهذا لعنتهم أمواتا وقرئ ~~والملائكة والناس أجمعون عطفا على محل اسم الله لأنه فاعل في المعنى كقولك ~~أعجبني ضرب زيد وعمرو تريد من أن ضرب زيد وعمر وكأنه قيل أولئك عليهم أن ~~لعنهم الله والملائكة الخ وقيل هو فاعل لفعل مقدر أي ويلعنهم الملائكة ~~«خالدين فيها» أي في اللعنة أو في النار على انها أضمرت من غير ذكر تفخيما ~~لشأنها وتهويلا لأمرها «لا يخفف عنهم العذاب» إما مستأنف لبيان كثرة عذابهم ~~من حيث الكيف إثر بيان كثرته من حيث الكم أو حال من الضمير في خالدين على ~~وجه التداخل أو من الضمير في عليهم على طريقة الترادف «ولا هم ينظرون» عطف ~~على ما قبله ms0284 جار فيه ما جرى فيه وإيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي ~~واستمراره أي لا يمهلون ولا يؤجلون أو لا ينتظرون ليعتذروا أو لا ينظر ~~إليهم نظر رحمة «وإلهكم» خطاب عام لكافة الناس أي المستحق منكم للعبادة ~~«إله واحد» أي فرد في الإلهية لا صحة لتسمية غيره إلها أصلا «لا إله إلا ~~هو» خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو اعتراض وأياما كان فهو مقرر ~~للوحدانية ومزيح لما عسى يتوهم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة ~~«الرحمن الرحيم» خبران آخران لمبتدأ محذوف وهو تقرير للتوحيد فإنه تعالى ~~حيث كان موليا لجميع النعم أصولها وفروعها جليلها ودقيقها وكان ما سواه ~~كائنا ما كان مفتقرا إليه في وجوده وما تتفرع عليه من كمالاته تحققت ~~وحدانيته بلا ريب وانحصر استحقاق العبادة فيه تعالى قطعا قيل كان للمشركين ~~PageV01P183 # حول الكعبة المكرمة ثلاثمائة وستون صنما فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا أو ~~قالوا إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت «إن في خلق السماوات ~~والأرض» أي في إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من التعاجيب العبر ~~وبدائع صنائع يعجز عن فهمها عقول البشر وجمع السماوات لما هو المشهور من ~~أنها طبقات متخالفة الحقائق دون الأرض «واختلاف الليل والنهار» أي ~~اعتقابهما وكون كل منهما خلفا للآخر كقوله تعالى وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ازديادا وانتقاصا على ما قدره ~~الله تعالى «والفلك التي تجري في البحر» عطف على ما قبله وتأنيثه إما ~~بتأويل السفينة أو بأنه جمع فإن ضمه الجمع مغايرة لضمه الواحد في التقدير ~~إذا الأولى كما في حمر والثانية كما في قفل وقرئ بضم اللام «بما ينفع ~~الناس» أي متلبسه بالذي ينفعهم مما يحمل فيها من أنواع المنافع أو بنفعهم ~~«وما أنزل الله من السماء من ماء» عطف على الفلك وتأخيره عن ذكرها مع كونه ~~أعم منها نفعا لما فيه من مزيد تفصيل وقيل المقصود الاستدلال بالبحر ~~وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر لأنه سبب ms0285 الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ولذلك ~~قدم على ذكر المطر والسحاب لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ومن الأولى ~~ابتدائية والثانية بيانية أو تبعيضية وأياما كان فتأخيرها لما مر مرارا من ~~التشويق والمراد بالسماء الفلك أو السحاب أو جهة العلو «فأحيا به الأرض» ~~بأنواع النبات والأزهار وما عليها من الأشجار «بعد موتها» باستيلاء اليبوسة ~~عليها حسبما تقتضيه طبيعتها كما يوزن به إيراد الموت في مقابلة الإحياء ~~«وبث فيها» أي فرق ونشر «من كل دابة» من العقلاء وغيرهم والجملة معطوفة على ~~أنزل داخلة تحت حكم الصلة وقوله تعالى فأحيا الخ متصل بالمعطوف عليه بحيث ~~كانا في حكم شئ واحد كأنه قيل وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها الخ أو ~~على أحيا بحذف الجار والمجرور العائد إلى الموصول وإن لم يتحقق الشرائط ~~المعهودة كما قي قوله * وإن لساني شهدة يشتفى بها * ولكن على من صبه الله ~~علقم * أي علقم عليه وقوله * لعل الذي أصعدتنى أن يردني * إلى الأرض إن لم ~~يقدر الخير قادرة * على معنى فأحيا بالماء الأرض وبث فيها من كل دابة فإنهم ~~ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا «وتصريف الرياح» عطف على ما أنزل أي تقليبها ~~من مهب إلى آخر أومن حال إلى أخرى وقرئ على الإفراد «والسحاب» عطف على ~~تصريف أو الرياح وهو اسم جنس واحده سحابة سمى بذلك لانسحابه في الجو ~~«المسخر بين السماء والأرض» صفة للسحاب باعتبار لفظه وقد يعتبر معناه فيوصف ~~بالجمع كما في قوله تعالى سحابا ثقالا وتسخيره تقليبه في الجو بواسطة ~~الرياح حسبما تقتضيه مشيئة الله تعالى ولعل تأخير تصريف الرياح وتسخير ~~السحاب في الذكر عن جريان الفلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجي ~~لما مر في قصة البقرة من الإشعار باستقلال كل من الأمور المعدودة في ~~PageV01P184 # كونها آية ولو روعى الترتيب الخارجي لربما توهم كون المجموع المترتب بعضه ~~على بعض آية واحدة «لآيات» اسم إن دخلته اللام لتأخره عن خبرها والتنكير ~~للتفخيم كما وكيفا أي آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة والحكمة الباهرة ms0286 ~~والرحمة الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به سبحانه «لقوم يعقلون» أي ~~يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول وفيه تعريض بجهل المشركين الذين ~~اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم آية تصدقه في قوله تعالى وإلهكم إله ~~واحد وتسجيل عليهم بسخافة العقول والا فمن تأمل في تلك الآيات وجد كلا منها ~~ناطقة بوجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفاته الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة ~~به تعالى واستغنى بها عن سائرها فإن كل واحد من الأمور المعدودة قد وجد على ~~وجه خاص من الوجوه الممكنة دون ما عداه مستتبعا لآثار معينة وأحكام مخصوصة ~~من غير أن تقتضى ذاته وجوده فضلا عن وجوده على نمط معين مستتبع لحكم مستقل ~~فإذن لا بدله حتما من موجد قادر حكيم يوجده حسبما تقتضيه حكمته وتستدعيه ~~مشيئته متعال عن معارضة الغير إذ لو كان معه آخر يقدر على ما يقدر عليه لزم ~~إما اجتماع المؤثرين على أثر واحد أو التمانع المؤدى إلى فساد العالم «ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله» بيان لكمال ركاكة آراء المشركين أثر تقرير ~~وحدانيته سبحانه وتحرير الآيات الباهرة الملجئة للعقلاء إلى الاعتراف بها ~~الفائضة باستحالة أن يشاركه شئ من الموجودات في صفة من صفات الكمال فضلا عن ~~المشاركة في صفة الألوهية والكلام في إعرابه كما فصل في قوله تعالى ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر الخ ومن دون الله متعلق بيتخذ أي ~~من الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحد الذي ذكرت شؤونه الجليلة وإيثار ~~الاسم الجليل لتعيينه تعالى بالذات غب تعيينه بالصفات «أندادا» أي أمثالا ~~وهم رؤساؤهم الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون لا سيما في الأوامر ~~والنواهي كما يفصح عنه ما سيأتي من وصفهم بالتبري من المتبعين وقيل هي ~~الأصنام وإرجاع ضمير العقلاء إليها في قوله عز وعلا «يحبونهم» مبنى على ~~آرائهم الباطلة في شانها من وصفهم بمالا يوصف به الا العقلاء والمحبة ميل ~~القلب من الحب استعير لحبة القلب ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها ~~والفعل منها حب ms0287 على حد مد لكن الاستعمال المستفيض على أحب حبا ومحبة فهو ~~محب وذاك محبوب ومحب قليل وحاب أقل منه ومحبة العبد لله سبحانه إرادة طاعته ~~في أوامره ونواهيه والاعتناء بتحصيل مراضيه فمعنى يحبونهم يطيعونهم ~~ويعظمونهم والجملة في حيز النصب إما صفة لأندادا أو حالا من فاعل يتخذ وجمع ~~الضمير باعتبار معنى من كما أن إفراده باعتبار لفظها «كحب الله» مصدر ~~تشبيهي أي نعت لمصدر مؤكد للفعل السابق ومن قضية كونه مبنيا للفاعل كونه ~~أيضا كذلك والظاهر اتحاد فاعلهما فإنهم كانوا يقرون به تعالى أيضا ويتقربون ~~إليه فالمعنى يحبونهم حبا كائنا كحبهم لله تعالى أي يسوون بينه تعالى ~~وبينهم في الطاعة والتعظيم وقيل فاعل الحب المذكور هم PageV01P185 # المؤمنون فالمعنى حبا كائنا كحب المؤمنين له تعالى فلا بد من اعتبار ~~المشابهة بينهما في أصل الحب لا في وصفه كما أو كيفا لما سيأتي من التفاوت ~~البين وقيل هو مصدر من المبنى للمفعول أي كما يحب الله تعالى ويعظم وإنما ~~استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملبس وأنت خبير بأنه لا مشابهة بين محبيتهم ~~لأندادهم وبين محبوبيته تعالى فالمصير حينئذ ما أسلفناه في تفسير قوله عز ~~قائلا كما سئل موسى من قبل وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية ~~المهابة وتفخيم المضاف وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه «والذين آمنوا أشد حبا ~~لله» جملة مبتدأة جئ بها توطئة لما يعقبها من بيان رخاوة حبهم وكونه حسرة ~~عليهم والمفضل عليه محذوف أي المؤمنين أشد حبا له تعالى منهم لأندادهم ~~ومآله ان حب أولئك له تعالى أشد من حب هؤلاء لأندادهم فيه من الدلالة على ~~كون الحب مصدرا من المبنى للفاعل مالا يخفى وإنما لم يجعل المفضل عليه حبهم ~~لله تعالى لما أن المقصود بيان انقطاعه وانقلابه بغضا وذلك إنما يتصور في ~~حبهم لأندادهم لكونه منوطا بمبان فاسدة ومباد موهومة يزول بزوالها قيل ~~ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشدائد إلى الله سبحانه وكانوا يعبدون صنما ~~أياما فإذا وجدوا آخر رفضوه إليه وقد اكلت باهله إلهها ms0288 عام المجاعة وكان من ~~حيس وأنت خبير بأن مدار ذلك اعتبار اختلال حبهم لها في الدنيا وليس الكلام ~~فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهور حقيقة الحال ومعاينة الأهوال كما ~~سيأتي بل اعتباره مخل بما يقتضيه مقام المبالغة في بيان كمال قبح ما ~~ارتكبوه وغاية عظم ما اقترفوه وإيثار الإظهار في موضع الإضمار لتفخيم الحب ~~والإشعار بعلته «ولو يرى الذين ظلموا» أي باتخاذ الأنداد ووضعها موضع ~~المعبود «إذ يرون العذاب» المعد لهم يوم القيامة أي لو علموا إذا عاينوه ~~وإنما أوثر صيغة المستقبل لجريانها مجرى الماضي في الدلالة على التحقيق في ~~إخبار علام الغيوب «أن القوة لله جميعا» ساد مسد مفعولي يرى «وأن الله شديد ~~العذاب» عطف عليه وفائدته المبالغة في تهويل الخطب وتفظيع الأمر فإن اختصاص ~~القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه وجواب ~~لو محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان إما لعدم الإحاطة بكنهه وإما لضيق ~~العبارة عنه وإما لإيجاب ذكره مالا يستطيعه المعبر أو المستمع من الضجر ~~والتفجع عليه أي لو علموا إذ رأوا العذاب قد حل بهم ولم ينقذهم منه أحد من ~~اندادهم ان القوة لله جميعا ولا دخل لاحد في شئ أصلا لوقعوا من الحسرة ~~والندم فيما لا يكاد يوصف وقرئ ولو ترى بالتاء الفوقانية على ان الخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب فالجواب حينئذ لرأيت ~~امرا لا يوصف من الهول والفظاعة وقرئ إذ يرون على البناء للمفعول «وأن الله ~~شديد العذاب» على الاستئناف وإضمار القول «إذ تبرأ الذين اتبعوا» بدل من إذ ~~يرون أي إذ تبرأ الرؤساء «من الذين اتبعوا» من الاتباع بأن اعترفوا ببطلان ~~ما كانوا يدعونه في الدنيا ويدعونهم اليه من فنون الكفر والضلال واعتزلوا ~~عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس اني كفرت بما أشر كتموني من قبل ~~وقرئ بالعكس أي تبرأ الاتباع من الرؤساء والواو في قوله عز وجل «ورأوا ~~العذاب» PageV01P186 # العذاب) حالية وقد مضمرة وقيل عاطفة على ms0289 تبرأ والضمير في رأوا للموصوفين ~~جميعا «وتقطعت بهم الأسباب» والوصل التي كانت بينهم من التبعية والمتبوعية ~~والاتفاق على الملة الزائغة والاغراض الداعية إلى ذلك واصل السبب الحبل ~~الذي يرتقى به الشجر ونحوه معطوفة على تبرأ وتوسيط الحال بينهما للتنبيه ~~على علة التبري وقد جوز عطفها على الجملة الحالية «وقال الذين اتبعوا» حين ~~عاينوا تبرؤ الرؤساء منهم وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم في الدنيا ~~«لو أن لنا كرة» أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا «فنتبرأ منهم» هناك «كما ~~تبرؤوا منا» اليوم «كذلك» إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده لا إلى شئ آخر ~~مفهوم مما سبق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار اليه وبعد ~~منزلته مع كمال تميزه عما عداه وانتظامه في سلك الأمور المشاهدة والكاف ~~مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله النصب على المصدرية أي ~~ذلك الإراء الفظيع «يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم» أي ندامات شديدة فإن ~~الحسرة شدة الندم والكمد وهي تألم القلب وانحساره عما يؤلمه واشتقاقها من ~~قولهم بعير حسير أي منقطع القوة وهي ثالث مفاعيل يرى ان كان من رؤية القلب ~~والا فهي حال والمعنى أن اعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا حسرات ~~مكان أعمالهم «وما هم بخارجين من النار» كلام مستأنف لبيان حالهم بعد ~~دخولهم النار والأصل وما يخرجون والعدول إلى الاسمية لإفادة دوام نفي ~~الخروج والضمير للدلالة على قوة أمرهم فيما اسند إليهم كما في قوله * هم ~~يفرشون اللبد كل طمرة * واجرد سباق يبذ المغاليا * «يا أيها الناس كلوا مما ~~في الأرض» أي بعض ما فيها من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرمتموه ~~افتراء على الله من الحرث والانعام قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في ~~قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعه وخزاعة وبني مدلج حرموا على أنفسهم ما ~~حرموه من الحرث والبحائر والسوائب والوصائل والحام وقوله تعالى «حلالا» حال ~~من الموصول أي كلوه حال كونه حلالا أو مفعول لكلوا على أن من ابتدائية ms0290 وقد ~~جوز كونه صفة لمصدر مؤكد أي اكلا حلالا ويؤيد الأولين قوله تعالى «طيبا» ~~فإنه صفة له ووصف الاكل به غير معتاد وقيل نزلت في قوم من المؤمنين حرموا ~~على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ويرده قوله عز وجل «ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان» أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى فإنه صريح في أن الخطاب للكفرة ~~كيف لا وتحريم الحلال على نفسه تزهدا ليس من باب اتباع خطوات الشيطان فضلا ~~عن كونه تقولا وافتراء على الله تعالى وإنما نزل فيهم ما في PageV01P187 # سورة المائدة من قوله تعالى بأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم الآية وقرئ خطوات بسكون الطاء وهما لغتان في جمع خطوة وهي ما بين ~~قدمي الخاطى وقرئ بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو ~~وبفتحتين على أنها جمع خطوة وهي المرة من الخطو «إنه لكم عدو مبين» تعليل ~~للنهي أي ظاهر العدواة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الولاية لمن يغويه ~~ولذلك سمى وليا في قوله تعالى أولياؤهم الطاغوت «إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء» استئناف لبيان كيفية عداوته وتفصيل لفنون شره وإفساده وانحصار ~~معاملته معهم في ذلك والسوء في الأصل مصدر ساءه يسوؤه سوءا ومساءة إذا ~~أحزنه يطلق على جميع المعاصي سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب ~~لاشتراك كلها في انها تسوء صاحبها والفحشاء أقبح أنواعها وأعظمها مساءة ~~«وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» عطف على الفحشاء أي وبأن تفتروا على ~~الله بأنه حرم هذا وذاك ومعنى مالا تعلمون مالا تعلمون ان الله تعالى أمر ~~به وتعليق أمره بتقولهم على الله تعالى مالا يعلمون وقوعه منه تعالى لا ~~بتقولهم عليه ما يعلمون عدم وقوعه منه تعالى مع أن حالهم ذلك للمبالغة في ~~الزجر فإن التحذير من الأول مع كونه في القبح والشناعة دون الثاني تحذير عن ~~الثاني على أبلغ وجه وآكده وللإيذان بأن العاقل يجب عليه أن لا يقول على ~~الله تعالى مالا يعلم وقوعه منه تعالى مع الاحتمال فضلا عن ms0291 أن يقول عليه ما ~~يعلم عدم وقوعه منه تعالى قالوا وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأسا ~~وأما اتباع المجتهد لما أدى اليه ظنه فمستند إلى مدرك شرعي فوجوبه قطعي ~~والظن في طريقة «وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله» التفات إلى الغيبة ~~تسجيلا بكمال ضلالهم وإيذانا بإيجاب تعداد ما ذكر من جناياتهم لصرف الخطاب ~~عنهم وتوجيهه إلى العقلاء وتفصيل مساوى أحوالهم لهم على نهج المباثة أي إذا ~~قيل لهم على وجه النصيحة والإرشاد اتبعوا كتاب الله الذي انزله «قالوا» لا ~~نتبعه «بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا» أي وجدناهم عليه إما على ان الظرف ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من آباءنا والفينا متعد إلى واحد واما على انه مفعول ~~ثان له مقدم على الأول نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما انزل ~~الله تعالى من الحجج الظاهرة والبينات الباهرة فجنحوا للتقليد والموصول إما ~~عبارة عما سبق من اتخاذ الأنداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك وإما باق على ~~عمومه وما ذكره داخل فيه دخولا أوليا وقيل نزلت في طائفة من اليهود دعاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا لأنهم ~~كانوا خيرا منا واعلم فعلى هذا يعم ما انزل الله تعالى التوراة لأنها أيضا ~~تدعو إلى الإسلام وقوله عز وجل «أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون» استئناف مسوق من جهته تعالى ردا لمقالتهم الحمقاء وإظهارا لبطلان ~~آرائهم والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والتعجيب منه لا PageV01P188 # لإنكار الوقوع كالتي في قوله تعالى أو لو كنا كارهين وكلمة لو في أمثال ~~هذا المقام ليست لبيان انتفاء الشئ في الزمان الماضي لانتفاء غيره فيه فلا ~~يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه بل هي لبيان تحقق ما يفيده ~~الكلام السابق بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال ~~مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها ~~منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه ms0292 مع ما عداه من ~~الأحوال بطريق الأولية لما أن الشئ متى تحقق مع المنافى القوى فلأن يتحقق ~~مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شئ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو ~~العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة ~~لها وهذا معنى قولهم إنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال وهذا المعنى ~~ظاهر في الخبر الموجب والمنفى والأمر والنهى كما في قولك فلان جواد يعطى ~~ولو كان فقيرا وبخيل لا يعطى ولو كان غنيا وقولك أحسن إليه ولو أساء إليك ~~ولا تهنه ولو أهانك لبقائه على حاله وأما فيما نحن فيه نوع خفاء ناشئ من ~~ورود الإنكار عليه لكن الأصل في الكل واحد إلا أن كلمة لو في الصور ~~المذكورة متعلقة بنفس الفعل المذكور قبلها وأن ما يقصد بيان تحققه على كل ~~حال هو نفس مدلوله وأن الجملة حال من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيز ~~لو باق على ما هو عليه من الاستبعاد غالبا بخلاف ما نحن فيه لما أن كلمة لو ~~متعلقة فيه بفعل مقدر يقتضيه المذكور وأن ما يقصد بيان تحققه على كل حال ~~مدلوله لا مدلول المذكور من حيث هو مدلولة وأن الجملة حال مما يتعلق به لا ~~مما يتعلق بالمذكور من حيث هو متعلق به وأن المقصود الأصلي إنكار مدلوله ~~باعتبار مقارنته للحالة المذكورة وأما تقدير مقارنته لغيرها فلتوسيع ~~الدائرة وإن ما في حيز لو لا يقصد استبعاده في نفسه بل يقصد الإشعار بأنه ~~أمر محقق إلا أنه أخرج مخرج الاستبعاد معاملة مع المخاطبين على معتقدهم ~~لئلا يلبسوا من التصريح بنسبة آبائهم إلى كمال الجهالة والضلالة جلد النمر ~~فيركبوا متن العناد ومبالغة في الإنكار من جهة اتباعهم لآبائهم حيث كان ~~منكرا مستقبحا عند احتمال كون آبائهم كما ذكر احتمالا بعيدا فلان يكون ~~منكرا عند تحقق ذلك أولى والتقدير أيتبعون ذلك لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب ولو كانوا كذلك فالجملة في حيز النصب على ms0293 ~~الحالية من آبائهم على طريقة قوله تعالى أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا كأنه ~~قيل أيتبعون دين آبائهم حال كونهم غافلين وجاهلين ضالين إنكارا لما أفاده ~~كلامهم من الاتباع على أي حالة كانت من الحالتين غير أنه اكتفى بذكر الحالة ~~الثانية تنبيها على أنها هي الواقعة في نفس الأمر وتعويلا على اقتضائها ~~للحالة الأولى اقتضاء بينا فإن اتباعهم الذي تعلق به الإنكار حيث تحقق مع ~~كونه آبائهم جاهلين ضالين فلأن يتحقق مع كونهم عاقلين ومهتدين أولى أن قلت ~~الإنكار المستفاد من الاستفهام الإنكاري بمنزلة النفي ولا ريب في أن ~~الأولوية في صورة النفي معتبرة بالنسبة إلى النفي ألا يرى أن الأولى ~~بالتحقق فيما ذكر من مثال النفي عند الحالة المسكوت عنها أعنى عدم الغني هو ~~عدم الإعطاء لا نفسه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق فيما نحن فيه عند ~~الحالة المسكوت عنها وهي حالة كون آبائهم عاقلين ومهتدين إنكار الا تباع لا ~~نفسه إذ هو الذي يدل عليه أيتبعون ا الخ فلم اختلفت الحال بينهما قلت لما ~~أن مناط الأولوية هو الحكم الذي أريد بيان تحققه على كل حال وذلك ~~PageV01P189 # في مثال النفي عدم الإعطاء المستفاد من الفعل المنفى المذكور وأما فيما ~~نحن فيه فهو نفس الاتباع المستفاد من الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه ~~الكلام السابق أعنى قولهم بل نتبع الخ وأما الاستفهام فخارج عنه وارد عليه ~~الإنكار ما يفيده واستقباح ما يقتضيه لا أنه تمامه كما في الصورة النفي ~~وكذا الحال فيما إذا كانت الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه مع كونه بمنزلة صريح ~~النفي كما سيأتي تحقيقه في قوله تعالى أولو كنا كارهين وقيل الواو حالية ~~ولكن التحقيق أن المعنى يدور على معنى العطف في سائر اللغات أيضا «ومثل ~~الذين كفروا» جملة ابتدائية واردة لتقرير ما قبلها بطريق التصوير وفيها ~~مضاف قد حذف لدلالة مثل عليه ووضع الموصول موضع الضمير الراجع إلى ما يرجع ~~إليه الضمائر السابقة لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعلة ما أثبت لهم من ~~الحكم والتقدير ms0294 مثل ذلك القائل وحاله الحقيقة لغرابتها بأن تسمى مثلا وتسير ~~في الآفاق فيما ذكر من دعوته إياهم إلى اتباع الحق وعدم رفعهم إليه رأسا ~~لانهماكهم في التقليد وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلالة وعدم فهمهم من ~~جهة الداعي إلى الدعاء من غير أن يلقوا أذهانهم إلى ما يلقى عليهم «كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء» من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوت ~~الراعي وهتفه بها من غير فهم لكلامه أصلا وقيل إنما حذف المضاف من الموصول ~~الثاني لدلالة كلمة ما عليه فإنها عبارة عنه مشعرة مع ما في حيز الصلة بما ~~هو مدار التمثيل أي مثل الذين كفروا فيما ذكر من انهماكهم فيما هم فيه وعدم ~~التدبر فيما ألقى إليهم من الآيات كمثل بهائم الذي ينعق بها وهي لا تسمع ~~منه إلا جرس النغمة ودوى الصوت وقيل المراد تمثيلهم في اتباع آبائهم على ~~ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته ~~وقيل تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه وهو تصويته على البهائم ~~وهذا غنى عن الإضمار لكن لا يساعده قوله إلا دعاء ونداء فإن الأصنام بمعزل ~~من ذلك وقد عرفت أن حسن التمثيل فيما إذا تشابه أفراد الطرفين «صم بكم عمي» ~~بالرفع على الذم أي هم صم الخ «فهم لا يعقلون» شيئا لأن طريق التعقل هو ~~التدبر في مبادى الأمور المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك أنما يحصل ~~باستماع آيات الله ومشاهدة حججه الواضحة والمفاوضة مع من يؤخذ منه العلوم ~~فإذا كانوا صما بكما عميا فقد انسد عليهم أبواب التعقل وطرق الفهم بالكلية ~~«يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم» أي مستلذاته «واشكروا لله» ~~الذي رزقكموها والالتفات لتربية المهابة «إن كنتم إياه تعبدون» فإن عبادته ~~تعالى لا تتم الا بالشكر له وعن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل ~~اني والانس والجن في نبأ عظيم اخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري ~~PageV01P190 # «إنما حرم عليكم الميتة» أي اكلها والانتفاع ms0295 بها وهي التي ماتت على غير ~~ذكاة والسمك والجراد خارجان عنها بالعرف أو استثناء الشرع وخرج الطحال من ~~الدم «والدم ولحم الخنزير» انما خص لحمه مع ان سائر أجزائه أيضا في حكمه ~~لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه بمنزلة التابع له «وما أهل به ~~لغير الله» أي رافع به الصوت عند ذبحه للصنم والإهلال أصله رؤية الهلال لكن ~~لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عندها سمى ذلك إهلالا ثم قيل لرفع ~~الصوت وان كان لغيره «فمن اضطر غير باغ» بالاستئثاء على مضطر آخر «ولا عاد» ~~سد الرمق والجوعة وقيل غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق وعلى هذا لا ~~يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله «فلا إثم ~~عليه» في تناوله «إن الله غفور» لما فعل «رحيم» بالرخصة ان قيل كلمة انما ~~تفيد قصر الحكم على ما ذكروكم من حرام لم يذكر قلنا المراد قصر الحرمة على ~~ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا أو قصر حرمته على حالة الاختيار كأنه قيل انما ~~حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها «إن الذين يكتمون ما أنزل الله ~~من الكتاب» المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات ~~والمحرمات حسبما ذكر آنفا وقال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في رؤساء ~~اليهود حين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم «ويشترون به» أي يأخذون ~~بدله «ثمنا قليلا» عوضا حقيرا وقد مر سر التعبير عن ذلك الثمن الذي هو ~~وسيلة في عقود المعاوضة وقوله تعالى «أولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار ~~اتصافه بما في حيز الصلة من الوصفين الشنيعين المميزين لهم عمن عداهم أكمل ~~تمييز الجاعلين إياهم بحيث كأنهم حضار مشاهدون على ما هم عليه وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بغاية بعد منزلتهم في الشر والفساد وهو مبتدأ خبره قوله ~~تعالى «ما يأكلون في بطونهم إلا النار» والجملة خبر لأن أو اسم الإشارة ~~مبتدأ ثان أو بدل من الأول والخبر ما يأكلون الخ ومعنى أكلهم ms0296 النار أنهم ~~يأكلون في الحال ما يستتبع النار ويستلزمها فكأنه عين النار وأكله أكلها ~~كقوله اكلت دما ان لم أرعك بضرة * بعيدة مهوي القرط طيبة النشر * أو يأكلون ~~في المآل يوم القيامة عين النار عقوبة على أكلهم الرشا في الدنيا وفي ~~بطونهم متعلق بيأكلون وفائدته تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقر المأكول وقيل ~~معناه ملء بطونهم كما في قولهم أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه ومنه كلوا في ~~بعض بطنكم تعفوا فلا بد من الالتجاء إلى تعليقه بمحذوف وقع حالا مقدرة من ~~النار مع تقديمه على حرف الاستثناء وإلا فتعليقه بيأكلون يؤدي إلى قصر ما ~~يأكلونه إلى الشبع على النار والمقصود قصر ما يأكلونه مطلقا عليها ~~PageV01P191 # «ولا يكلمهم الله يوم القيامة» عبارة عن غضبة العظيم عليهم وتعريض بحر ~~مانهم ما أتيح للمؤمنين من فنون الكرامات السنية والزلفى «ولا يزكيهم» ~~لايثنى عليهم «ولهم» مع ما ذكر «عذاب أليم» مؤلم «أولئك» إشارة إلى ما أشير ~~إليه بنظيره بالاعتبار المذكور خاصة لا مع ما يتلوه من أحوالهم الفظيعة إذ ~~لا دخل لها في الحكم الذي يراد إثباته ههنا فإن المقصود تصوير ما باشروه من ~~المعاملة بصورة قبيحة تنفر منها الطباع ولا يتعاطاها عاقل أصلا ببيان حقيقة ~~ما نبذوه وإظهار كنه ما أخذوه وإبداء فظاعة تبعاته وهو مبتدأ خبره الموصول ~~أي أولئك المشترون بكتاب الله عز وجل ثمنا قليلا ليسوا بمشترين للثمن وإن ~~قل بل هم «الذين اشتروا» بالنسبة إلى الدنيا «الضلالة» التي ليست مما يمكن ~~أن يشتري قطعا «بالهدى» الذي ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شئ وإن جل ~~«والعذاب» أي اشتروا إلى الآخرة العذاب الذي لا يتوهم كونه مما يشتري ~~«بالمغفرة» التي يتنافس فيها المتنافسون «فما أصبرهم على النار» تعجيب من ~~حالهم الهائلة التي هي ملابستهم بما يوجب النار إيجابا قطعيا كأنه عينها ~~وما عند سيبويه نكره تامة مفيدة لمعنى التعجب مرفوعة بالابتداء وتخصصها ~~كتخصص شر في أهر ذا ناب خبرها ما بعدها أي شئ ما عظيم جعلهم صابرين على ~~النار وعند ms0297 الفراء استفهامية وما بعدها خبرها أي أي شئ أصبرهم على النار ~~وقيل هي موصولة وقيل موصوفة بما بعدها والخبر محذوف أي الذي أصبرهم على ~~النار أو شئ أصبرهم على النار أمر عجيب فظيع «ذلك» العذاب «بأن الله نزل ~~الكتاب» أي جنس الكتاب «بالحق» أي ملتبسا به فلا جرم يكون من يرفضه ~~بالتكذيب والكتمان ويركب متن الجهل والغواية مبتلي بمثل هذا من أفانين ~~العذاب «وإن الذين اختلفوا في الكتاب» أي في جنس الكتاب الإلهى بان آمنوا ~~ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها أو في التوراة بأن آمنوا ببعض آياتها ~~وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على أمر بعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ونعوته الكريمة فمعنى الاختلاف التخلف عن الطريق الحق أو الاختلاف في ~~تأويلها أو في القرآن بأن قال بعضهم أنه سحر وبعضهم أنه شعر وبعضهم أساطير ~~الأولين كما حكى عن المفسرين «لفي شقاق بعيد» عن الحق والصواب مستوجب لأشد ~~العذاب «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب» PageV01P192 # البر اسم جامع لمراضى الخصال والخطاب لأهل الكتابين فإنهم كانوا أكثروا ~~الخوض في أمر القبلة حين حولت إلى الكعبة وكان كل فريق يدعى خيرية التوجه ~~إلى قبلته من القطرين المذكورين وتقديم المشرق على المغرب مع تأخر زمان ~~الملة النصرانية إما لرعاية ما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق ~~والغروب وإما لأن توجه اليهود إلى المغرب ليس لكونه مغربا بل لكون بيت ~~المقدس من المدينة المنورة واقعا في جانب الغرب فقيل لهم ليس البر ما ذكرتم ~~من التوجه إلى تينك الجهتين على أن البر خبر ليس مقدما على اسمها كما في ~~قوله * سلى أن جهلت الناس عنى وعنهم * فليس سواء عالم وجهول * وقوله * أليس ~~عظيما أن تلم ملمة * وليس علينا في الخطوب مقول * وإنما أخر ذلك أن المصدر ~~المؤول أعرف من المحلى باللام لأنه يشبه الضمير من حيث أنه لا يوصف ولا ~~يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولا فلو روعى الترتيب المعهود ~~لفات تجاوب أطراف النظم الكريم وقرئ برفع ms0298 البر على أنه اسمها وهو أقوى بحسب ~~المعنى لأن كل فريق يدعى أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقا لدعواهم وما ~~ذلك إلا بكون البر اسما كما يفصح عنه جعله مخبرا عنه في الاستدراك بقوله عز ~~وجل «ولكن البر من آمن بالله» وهو تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل وتفصيل ~~لخصال البر مما لا يختلف باختلاف الشرائع وما يختلف باختلافها أي ولكن البر ~~المعهود الذي يحق أن يهتم بشأنه ويجد في تحصيله بر من آمن بالله وحده ~~إيمانا بريئا من شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى والمشركين بقولهم ~~عزيز ابن الله وقولهم المسيح ابن الله «واليوم الآخر» أي على ما هو عليه لا ~~كما يزعمون من أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة وأن آباءهم الأنبياء ~~يشفعون لهم ففيه تعريض بان إيمان أهل الكتابين حيث لم يكن كما ذكر من الوجه ~~الصحيح لم يكن إيمانا وفي تعليق البر بهما من أول الأمر عقيب نفيه عن ~~التوجه إلى المشرق والمغرب من الجزالة مالا يخفى كأنه قيل ولكن البر هو ~~التوجه إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة ~~«والملائكة» أي وآمن بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه تعالى وبين ~~أنبيائه بإلقاء الوحي وإنزال الكتب «والكتاب» أي بجنس الكتاب الذي من ~~افراده الفرقان الذي نبذوه وراء ظهورهم وفيه تعريض بكتمانهم نعوت النبي صلى ~~الله عليه وسلم واشترائهم بما انزل الله تعالى ثمنا قليلا «والنبيين» جميعا ~~من غير تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين ووجه توسيط الكتاب بين ~~حملة الوحي وبين النبيين واضح وسيأتي في قوله تعالى كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله «وآتى المال على حبه» حال من الضمير في آتي والضمير المجرور ~~للمال أي آتاه كائنا على حب المال في قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل أي ~~الصدقة أفضل لان تؤتيه وأنت صحيح شحيح وقول ابن مسعود رضي الله عنه أن ~~تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت ~~الحلقوم قلت ms0299 لفلان كذا ولفلان كذا وقيل الضمير لله تعالى أي آتاه كائنا على ~~محبته تعالى لا على قصد الشر والفساد ففيه نوع تعريض لباذلي الرشي وآخذيها ~~لتغيير التوراة وقيل للمصدر أي كائنا على حب الإيتاء «ذوي القربى» مفعول ~~أول لآتي قدم عليه مفعوله الثاني أعنى المال للاهتمام به أو لأن في الثاني ~~مع ما عطف عليه طولا لو روعى الترتيب لفات تجاوب الأطراف PageV01P193 # في الكلام وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضا وقيل هو المفعول الثاني ~~«واليتامى» أي المحاويج منهم على ما يدل عليه الحال وتقديم ذوى القربى ~~عليهم لما أن إيتاءهم صدقة وصلة «والمساكين» جمع مسكين وهو الدائم السكون ~~لما أن الخلة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون إلى الناس «وابن ~~السبيل» أي المسافر سمى به لملازمته إياه كما سمى القاطع ابن الطريق وقيل ~~الضيف «والسائلين» الذين ألجأتهم الحاجة والضرورة إلى السؤال قال عليه ~~الصلاة والسلام أعطوا السائل ولو على فرس «وفي الرقاب» أي وضعه في فك ~~الرقاب بمعاونه المكاتبين حتى يفكوا رقابهم وقيل في فك الأسارى وقيل في ~~ابتياع الرقاب وإعتاقها وأيا ما كان فالعدول عن ذكرهم بعنوان مصحح للمالكية ~~كالذين من قبلهم إما للإيذان بعدم قرار ملكهم فيما أوتوا كما في الوجهين ~~الأولين أو بعدم ثبوته رأسا كما في الوجه الأخير وإما للإشعار برسوخهم في ~~الاستحقاق والحاجة لما أن في للظرفية المنبئة عن محليتهم لما يؤتى «وأقام ~~الصلاة» أي المفروضة منها «وآتى الزكاة» أي المفروضة على أن المراد بما مر ~~من إيتاء المال التنفل بالصدقات قدم على الفريضة مبالغة في الحث عليه أو ~~المراد بهما المفروضة والأول لبيان المصارف والثاني لبيان وجوب الأداء ~~«والموفون بعهدهم» عطف على من آمن فإنه في قوة أن يقال ومن أوفوا بعهدهم ~~وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء والمراد بالعهد مالا ~~يحرم حلالا ولا يحلل حراما من العهود الجارية فيما بين الناس وقوله تعالى ~~«إذا عاهدوا» للإيذان بعدم كونه من ضروريات الدين «والصابرين» نصب على ~~الاختصاص غير سبكه عما قبله ms0300 تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته وهو في الحقيقة ~~معطوف على ما قبله قال أبو علي إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولف في بعضها ~~الإعراب فقد خولف للافتنان ويسمى ذلك قطعا لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ~~ترغيب في استماع المذكور ومزيد اهتمام بشأنه كما مر في صدر السورة وقد قرئ ~~والصابرون كما قرىء والموفين «في البأساء» أي في الفقر والشدة «والضراء» أي ~~المرض والزمانة «وحين البأس» أي وقت مجاهدة العدو في مواطن الحرب وزيادة ~~الحين للإشعار بوقوعه أحيانا وسرعة انقضائه «أولئك» إشارة إلى المذكورين ~~باعتبار اتصافهم بالنعوت الجميلة المعدودة وما فيه من معنى البعد لما مر ~~مرارا من التنبيه على علو طبقتهم وسمو رتبتهم «الذين صدقوا» أي في الدين ~~واتباع الحق وتحرى البر حيث لم تغيرهم الأحوال ولم تزلزلهم الأهوال «وأولئك ~~هم المتقون» عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الإشارة لزيادة تنويه شأنهم ~~وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآية الكريمة كما ترى ~~حاوية لجميع الكمالات البشرية برمتها تصريحا أو تلويحا لما أنها مع تكثر ~~فنونها وتشعب شجونها منحصرة في خلال ثلاث صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة مع ~~العباد وتهذيب النفس وقد أشير إلى الأولى بالايمان بما فصل وإلى الثانية ~~بإيتاء المال وإلى الثالثة بإقامة الصلاة الخ ولذلك وصف الحائزون لها ~~بالصدق نظرا إلى إيمانهم واعتقادهم وبالتقوى اعتبارا بمعاشرتهم مع الخلق ~~ومعاملتهم مع الحق وإليه يشير قوله صلى الله عليه وسلم من PageV01P194 # عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان «يا أيها الذين آمنوا» شروع في بيان ~~بعض الأحكام الشرعية على وجه التلافي لما فرط من المخلين بما ذكر من أصول ~~الدين وقواعده التي عليها بنى أساس المعاش والمعاد «كتب عليكم» أي فرض ~~وألزم عند مطالبة صاحب الحق فلا يقدح فيه قدرة الولي على العفو فإن الوجوب ~~إنما اعتبر بالنسبة إلى الحكام والقاتلين «القصاص في القتلى» أي بسبب قتلهم ~~كما في قوله صلى الله عليه وسلم إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها أي بسبب ~~ربطها إياها «الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ms0301 بالأنثى» كان في الجاهلية ~~بين حيين من أحياء العرب دماء وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن ~~الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت فأمرهم أن يتبوءوا وليس فيها دلالة على عدم قتل ~~الحر بالعبد عند الشافعي أيضا لأن اعتبار المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص ~~بالذكر وجه سوى اختصاص الحكم بالمنطوق وقد رأيت الوجه ههنا وإنما يتمسك في ~~ذلك هو ومالك رحمهما الله بما روى علي رضي الله عنه أن رجلا قتل عبده فجلده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده وبما روى عنه رضي الله ~~عنه أنه قال من السنة أن لا يقتل مسلم بذى عهد ولا حر بعبد وبان أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير ~~نكير وبالقياس على الأطراف وعندنا يقتل الحر بالعبد لقوله تعالى أن النفس ~~بالنفس فإن شريعة من قبلنا إذا قصت علينا من غير دلالة على نسخها فالعمل ~~بها واجب على أنها شريعة لنا ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي ~~بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما وقرئ كتب على البناء للفاعل ونصب القصاص ~~«فمن عفي له من أخيه شيء» أي شئ من العفو لأن عفا لازم وفائدته الإشعار بان ~~بعض العفو بمنزلة كله في إسقاط القصاص وهو الواقع أيضا في العادة إذ كثيرا ~~ما يقع العفو من بعض الأولياء فهو شئ من العفو وقيل معنى عفى ترك وشئ مفعول ~~به وهو ضعيف إذ لم يثبت عفاه بمعنى تركه بل أعفاه وحمل العفو على المحو كما ~~في قول من قال * ديار عفاها جور كل معاند * وقوله * عفاها كل حنان * كثير ~~الوبل هطال * فيكون المعنى فمن محى له من أخيه شئ صرف للعبارة المتداولة في ~~الكتاب والسنة عن معناها المشهور المعهود إلى ما ليس بمعهود فيهما وفي ~~استعمال الناس فإنهم لا يستعملون العفو في باب الجنايات إلا فيما ذكر من ~~قبل وعفا يعدى ms0302 بعن إلى الجاني والذنب قال تعالى عفا الله عنك وقال عفا الله ~~عنها فإذا تعدى إلى الذنب قيل عفوت لفلان عما جنى كأنه قيل فمن عفى له عن ~~جنايته من جهة أخيه يعنى ولى الدم وإيراده بعنوان الأخوة الثابتة بينهما ~~بحكم كونهما من بنى آدم عليه السلام لتحريك سلسلة الرقة والعطف عليه ~~«فاتباع» بالمعروف فالأمر اتباع أو فليكن اتباع والمراد PageV01P195 # وصية العافي بالمسامحة ومطالبة الدية بالمعروف من غير تعسف وقوله عز وجل ~~«وأداء إليه بإحسان» حث المعفو عنه على أن يؤديها بإحسان من غير مما طلة ~~وبخس «ذلك» أي ما ذكر من الحكم «تخفيف من ربكم ورحمة» لما فيه من التسهيل ~~والنفع وقيل كتب على اليهود القصاص وحده وحرم عليهم العفو والدية وعلى ~~النصارى العفو على الإطلاق وحرم عليهم القصاص والدية وخبرات هذه الأمة بين ~~الثلاث تيسيرا عليهم وتنزيلا للحكم على حسب المنازل «فمن اعتدى بعد ذلك» ~~بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ ~~الدية «فله» باعتدائه «عذاب أليم» أما في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير ~~حق وأما في الآخرة فبالنار «ولكم في القصاص حياة» بيان لمحاسن الحكم ~~المذكور على وجه بديع لا تناله غايته حيث جعل الشئ محلا لضده وعرف القصاص ~~ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعا من الحياة عظيما لا يبلغه الوصف ~~وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل فيتسبب لحياة نفسين ولأنهم كانوا ~~يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الفتنة بينهم فإذا اقتص من ~~القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سببا لحياتهم وعلى الأول فيه إضمار وعلى ~~الثاني تخصيص وقيل المراد بالحياة هي الأخروية فإن القاتل إذا اقتص منه في ~~الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة والظرفان إما خبران لحياة أو أحدهما خبر ~~والآخر صلة له أو حال من المستكن فيه وقرئ في القصص أي فيما قص عليكم من ~~حكم القتل حياة أو القرآن حياة للقلوب «يا أولي الألباب» أي ذوى العقول ~~الخالصة عن شوب الأوهام ms0303 خوطبوا بذلك بعد ما خوطبوا بعنوان الإيمان تنشيطا ~~لهم إلى التأمل في حكمة القصاص «لعلكم تتقون» أي تقون أنفسكم من المساهلة ~~في أمره والإهمال في المحافظة عليه والحكم به والإذعان أو في القصاص فتكفوا ~~عن القتل المؤدى إليه «كتب عليكم» بيان لحكم آخر من الأحكام المذكورة «إذا ~~حضر أحدكم الموت» أي حضر أسبابه وظهر أماراته أو دنا نفسه من الحضور وتقديم ~~المفعول لإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها «إن ترك خيرا» ~~أي مالا وقيل مالا كثيرا لما روى عن علي رضي الله عنه أن مولى له أراد أن ~~يوصى وله سبعمائة درهم فمنعه وقال قال الله تعالى إن ترك خيرا وإن هذا لشئ ~~يسير فاتركه لعيالك وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أراد الوصية وله عيال ~~وأربعمائة دينار فقالت ما أرى فيه فضلا وأراد آخر أن يوصى فسألته كم مالك ~~فقال ثلاثة آلاف درهم قالت كم عيالك قال أربعة قالت إنما قال الله تعالى إن ~~ترك خيرا وإن هذا لشئ يسير فاتركه لعيالك «الوصية للوالدين والأقربين» ~~مرفوع بكتب أخر عما بينهما لما مر مرار وإيثار تذكير الفعل مع جواز تأنيثه ~~أيضا للفعل أو على تأويل أن يوصى أو الإبصار ولذلك ذكر الضمير في قوله ~~تعالى فمن بدله بعد ما سمعه وإذا ظرف محض والعامل فيه كتب لكن لامن حيث ~~PageV01P196 # صدور الكتب عنه تعالى بل من حيث تعلقه بهم تعلقا فعليا مستتبعا لوجوب ~~الأداء كما ينبئ عنه البناء للمفعول وكلمة الإيجاب ولا مساغ لجعل العامل هو ~~الوصية لتقدمه عليها وقيل هو مبتدأ خبره للوالدين والجملة جواب الشرط ~~بإضمار الفاء كما في قوله * من يفعل الحسنات الله يشكرها * ورد بأنه إن صح ~~فمن ضرورة الشعر ومعنى كتب فرض وكان هذا الحكم في بدء الإسلام ثم نسخ عند ~~نزول آية المواريث بقوله عليه السلام إن الله قد أعطى كل ذي حقه ألا لا ~~وصية لوارث فإنه وإن كان من أخبار الآحاد لكن حيث تلقته الأمة بالقبول ~~انتظم في سلك ms0304 المتواتر في صلاحيته للنسخ عند أئمتنا على أن التحقيق أن ~~الناسخ حقيقة هي آية المواريث وإنما الحديث مبين لجهة نسخها ببيان أنه ~~تعالى كان قد كتب عليكم أن تؤدوا إلى الوالدين والأقربين حقوقهم بحسب ~~استحقاقهم من غير تبيين لمراتب استحقاقهم ولا تعيين لمقادير أنصبائهم بل ~~فوض ذلك إلى آرائكم حيث قال «بالمعروف» أي بالعدل فالآن قد رفع ذلك الحكم ~~عنكم لتبيين طبقات استحقاق كل واحد منهم وتعيين مقادير حقوقهم بالذات وأعطى ~~كل ذي حق منهم حقة الذي يستحقه بحكم القرابة من غير نقص ولا زيادة ولم يدع ~~ثمة شيئا فيه مدخل لرأيكم أصلا حسبما يعرب عنه الجملة المنفية بلا النافية ~~للجنس وتصويرها بكلمة التنبيه إذا تحققت هذا ظهر لك أن ما قيل من أن آية ~~المواريث لا تعارضه بل تحققه وتؤكده من حيث أنها تدل على تقديم الوصية ~~مطلقا والحديث من الآحاد وتلقى الأمة إياه بالقبول لا يلحقه بالمتواتر ~~ولعلة احترز عنه من فسر الوصية بما أوصى به الله عز وجل من توريث الوالدين ~~والأقربين بقوله تعالى يوصيكم الله أو بايصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى ~~به الله تعالى عليهم بمعزل من التحقيق وكذا ما قيل من أن الوصية للوارث ~~كانت واجبة بهذه الآية من غير تعيين لأنصبائهم فلما نزلت آية المواريث ~~بيانا للانصباء فهم منها بتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد هذه ~~الوصية التي كانت واجبة كأنه قيل إن الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصية ولم ~~يفوضها إليكم فقام الميراث مقام الوصية فكان هذا معنى للنسخ لا أن فيها ~~دلالة على رفع ذلك الحكم فإن مدلول آية الوصية حيث كان تفويضا للأمر إلى ~~آراء المكلفين على الإطلاق وتسنى الخروج عن عهده التكليف بأداء ما أدى إليه ~~آراؤهم بالمعروف فتكون آية المواريث الناطقة بمراتب الاستحقاق وتفاصيل ~~مقادير الحقوق القاطعة بامتناع الزيادة والنقص بقوله تعالى فريضة من الله ~~ناسخة لها رافعة لحكمها مما لا يشتبه على أحد وقوله تعالى «حقا على ~~المتقين» مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا «فمن ms0305 بدله» أي غيره من الأوصياء والشهود ~~«بعد ما سمعه» أي بعد ما وصل إليه وتحقق لديه «فإنما إثمه» أي إثم الإيصاء ~~المغير أو إثم التبديل «على الذين يبدلونه» لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع ~~ووضع الموصول في موضع الضمير الراجع إلى من لتأكيد الإيذان بعلية ما في حيز ~~الصلة الأولى وإيثار الجمع للإشعار بتعداد المبدلين أنواعا أو كثرتهم ~~افرادا والإيذان بشمول الإثم لجميع الأفراد «إن الله سميع عليم» وعيد شديد ~~للمبدلين PageV01P197 # «فمن خاف من موص» أي توقع وعلم من قولهم أخاف أن يرسل السماء وقرئ من موص ~~«جنفا» أي ميلا بالخطأ في الوصية «أو إثما» أي تعمدا للجنف «فأصلح بينهم» ~~أي بين الموصى لهم بإجرائهم على منهاج الشريعة الشريفة «فلا إثم عليه» أي ~~في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأول «إن الله غفور رحيم» ~~وعد للمصلح وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم «يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام» بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية ~~وتكرير النداء لإظهار مزيد الاعتناء والصيام والصوم في اللغة الإمساك عما ~~تنزع إليه النفس ومنه قوله تعالى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم الآية وقيل ~~هو الإمساك عن الشئ مطلقا ومنه صامت الريح إذا أمسكت عن الهبوب والفرس إذا ~~أمسكت عن العدو قال * خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك ~~اللجما * وفي الشريعة هو الإمساك نهارا مع النية عن المفطرات المعهودة التي ~~هي معظم ما تشتهيه الأنفس «كما كتب» في حيز النصب على أنه نعت للمصدر ~~المؤكد أي كتابا كائنا كما كتب أو على أنه حال من المصدر المعرفة أي كتب ~~عليكم الصيام الكتب مشبها بما كتب فما على الوجهين مصدرية أو على أنه نعت ~~لمصدر من لفظ الصيام أي صوما مماثلا للصوم المكتوب على من قبلكم فما موصولة ~~أو على أنه حال من الصيام أي حال كونه مماثلا لما كتب «على الذين من قبلكم» ~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم من لدن آدم عليه السلام ms0306 وفيه ~~تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين به فإن الشاق إذا عم سهل ~~عمله والمراد بالمماثلة إما المماثلة في أصل الوجوب وأما في الوقت والمقدار ~~كما يروى أن صوم رمضان كان مكتوبا على اليهود والنصارى أما اليهود فقد ~~تركته وصامت يوما من السنة زعموا أنه يوم غرق فرعون وكذبوا في ذلك فإنه كان ~~يوم عاشوراء وأما النصارى فإنهم صاموا رمضان حتى صادفوا حرا شديدا فاجتمعت ~~آراء علمائهم على تعيين فصل واحد بين الصيف والشتاء فجعلوه في الربيع ~~وزادوا عليه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين ثم مرض ملكهم أو وقع ~~فيهم موتان فزادوا عشرة أيام فصار خمسين «لعلكم تتقون» أي المعاصي فإن ~~الصوم يكسر الشهوة الداعية إليها كما قال عليه الصلاة والسلام فعليه بالصوم ~~فإن الصوم له وجاء أو تتقون الإخلال بأدائه لأصالته أو تصلون بذلك إلى رتبة ~~التقوى «أياما معدودات» موقتات بعدد معلوم أو قلائل فإن القليل من المال ~~يعد عدا والكثير يهال هيلا والمراد بها إما رمضان أو ما وجب في بدء الاسلام ~~ثم نسخ به من صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وانتصابه PageV01P198 # ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي بل بمضمر دل هو عليه اعني ~~صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعا وقيل بقوله تعالى كتب على أحد ~~الوجهين وفيه أن الأيام ليست محلا له بل للمكتوب فلا تتحقق الظرفية ولا ~~المفعولية المتفرعة عليها اتساعا «فمن كان منكم مريضا» أي مرضا يضره الصوم ~~أو يعسر معه «أو على سفر» مستمرين عليه وفيه تلويح ورمز إلى أن من سافر في ~~أثناء اليوم لم يفطر «فعدة» أي عليه صوم عدة أيام المرض والسفر «من أيام ~~أخر» إن أفطر فحذف الشرط والمضاف ثقة بالظهور وقرئ بالنصب أي فليصم عدة ~~وهذا على سبيل الرخصة وقيل على الوجوب واليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو ~~هريرة رضي الله عنه «وعلى الذين يطيقونه» أي وعلى المطيقين للصيام وإن ~~أفطروا «فدية» أي إعطاء فدية وهي «طعام مسكين» وهو نصف صاع ms0307 من بر أو من ~~غيره عند أهل العراق ومد عند أهل الحجاز وكان ذلك في بدء الاسلام لما أنه ~~قد فرض عليهم الصوم وما كانوا متعودين له فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار ~~والفدية وقرئ يطيقونه أي يكلفونه أو يقلدونه ويتطوقونه ويطوقونه بإدغام ~~التاء في الطاء ويطيقونه بمعنى يتطيقونه وأصلهما يطوقونه ويتطوقونه من فعيل ~~وتفعيل من الطوق فأدغمت الياء في الواو وبعد قلبها ياء كقولهم تدبر المكان ~~وما بها ديار وفيه وجهان أحدهما نحو معنى يطيقونه والثاني يكلفونه أو ~~يتكلفونه على جهد منهم وعسروهم الشيوخ والعجائز وحكم هؤلاء الافطار والفدية ~~وهو حينئذ غير منسوخ ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه أي يصومونه جهدهم ~~وطاقتهم ومبلغ وسعهم «فمن تطوع خيرا» فزاد في الفدية «فهو» أي التطوع أو ~~الخير الذي تطوعه «خير له وأن تصوموا» أيها المطيقون أو المطوقون وتحملوا ~~على أنفسكم وتجهدوا طاقتكم أو المرخصون في الإفطار من المرضى والمسافرين ~~«خيرا لكم» من الفدية أو من تطوع الخير أو منهما أو من التأخير إلى أيام ~~أخر والالتفات إلى الخطاب للهز والتنشيط «إن كنتم تعلمون» أي ما في صومكم ~~مع تحقق المبيح للإفطار من الفضيلة والجواب محذوف ثقة بظهوره أي اخترتموه ~~أو سارعتم اليه وقيل معناه ان كنتم من أهل العلم والتدبير علمتم ان الصوم ~~خير من ذلك «شهر رمضان» مبتدأ سيأتي خبره أو خبر لمبتدأ محذوف أي ذلك شهر ~~رمضان أو بدل من الصيام على حذف المضاف أي صيام شهر رمضان وقرئ بالنصب على ~~اضمار صوموا أو على أنه مفعول تصوموا أو بدل من أياما معدودات ورمضان مصدر ~~رمض أي احترق من الرمضاء فأضيف اليه الشهر وجعل علما ومنع الصرف للتعريف ~~والألف والنون كما قيل ابن داية للغراب فقوله عليه السلام من صام رمضان ~~الحديث وأراد على حذف المضاف للأمن من الالتباس وانما سمي بذلك اما ~~لإرتماضهم فيه من الجوع والعطش أو لإرتماض الذنوب في الصيام فيه أو لوقوعه ~~في أيام رمض الحر عند PageV01P199 # نقل أسماء الشهور عن اللغة القديمة «الذي ms0308 أنزل فيه القرآن» خبر للمبتدأ ~~على الوجه الأول وصفة لشهر رمضان على الوجوه الباقية ومعنى إنزاله فيه أنه ~~ابتدى إنزاله فيه وكان ذلك ليلة القدر أو أنزل فيه جملة إلى السماء الدنيا ~~ثم نزل منجما إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئة الربانية أو أنزل في شانه ~~القرآن وهو قوله عز وجل كتب عليكم وعن النبي صلى الله عليه وسلم نزلت صحف ~~إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث ~~عشرة منه والقرآن لأربع وعشرين «هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» حالان ~~من القرآن أي أنزل حال كونه هدية للناس بما فيه من الإعجاز وغيره وآيات ~~واضحة مرشدة إلى الحق فارقة بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام ~~«فمن شهد منكم الشهر» أي حضر فيه ولم يكن مسافرا ووضع الظاهر موضع الضمير ~~للتعظيم والمبالغة في البيان والفاء للتفريع والترتيب أو لتضمن المبتدأ ~~معنى الشرط أو زائده على تقدير كون شهر رمضان مبتدأ والموصول صفة له وهذه ~~الجملة خبر له وقيل هي جزائية كأنه قيل لما كتب عليكم الصيام في ذلك الشهر ~~فمن حضر فيه «فليصمه» إي فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور ~~أتساعا وقيل من شهد منكم هلال الشهر فليصمه على أنه مفعول به كقولك شهدت ~~الجمعة أي صلاتها فيكون ما بعده مخصصا له كأنه قيل «ومن كان مريضا» وإن كان ~~مقيما حاضرا فيه «أو على سفر» وإن كان صحيحا «فعدة من أيام أخر» أي فعليه ~~صيام أيام آخر لأن المريض والمسافر ممن شهد الشهر ولعل التكرير لذلك أو ~~لئلا يتوهم نسخة كما نسخ قرينه «يريد الله» بهذا الترخيص «بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر» لغاية رأفته وسعة رحمته «ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ولعلكم تشكرون» علل لفعل محذوف يدل عليه ما سبق أي ولهذه الأمور ~~شرع ما مر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص لهم بمراعاة عدة ما أفطر ~~فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله تعالى لتكلموا علة الأمر بمراعاة ms0309 ~~العدة ولتكبروا علة ما علمه من كيفية القضاء ولعلكم تشكرون علة الترخيص ~~والتيسير وتعدية فعل التكبير بعلى لتضمنه معنى الحمد كأنه ولتكبروا الله ~~حامدين على ما هداكم ويجوز أن يكون معطوفة على علة مقدرة مثل ليسهل عليكم ~~أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا الخ ويجوز عطفها على اليسر أي يريد بكم ~~لتكلموا الخ كقوله تعالى يريدون ليطفئوا الخ والمعنى بالتكبير تعظيمه تعالى ~~بالحمد والثناء عليه وقيل تكبير يوم العيد وقيل التكبير عند الإهلال وما ~~تحتمل المصدرية والموصولة أي على هدايته إياكم أو على الذي هداكم إليه وقرئ ~~ولتكملوا بالتشديد «وإذا سألك عبادي عني» في تلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تشريفه ورفع محلة «فإني قريب» أي ~~فقل لهم إني قريب وهو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد وأقوالهم واطلاعه على ~~أحوالهم بحال من قرب مكانه روى أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت «أجيب دعوة الداع إذا دعان» ~~PageV01P200 # تقرير للقرب وتحقيق له ووعد للداعي بالإجابة «فليستجيبوا لي» إذا دعوتهم ~~للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم «وليؤمنوا بي» أمر بالثبات ~~على ما هم عليه «لعلهم يرشدون» راجين إصابة الرشد أي الحق وقرئ بفتح الشين ~~وكسرها ولما أمرهم الله تعالى بصوم الشهر ومرعاة العدة وحثهم على القيام ~~بوظائف التكبير عقبه بهذه الآية الكريمة الدالة على أنه تعالى خبير ~~بأحوالهم سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيدا له وحثا ~~عليه ثم شرع في بيان أحكام الصيام فقال «أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم» روى أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى ~~أن يصلوا العشاء الأخيرة أو يرقدوا ثم إن عمر رضي الله عنه باشر بعد العشاء ~~فندم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه فقام رجال فاعترفوا بما ~~صنعوا بعد العشاء فنزلت وليلة الصيام الليلة التي يصبح منها صائما والرفث ~~كناية عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو من رفث وهو ms0310 الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ~~وعدى بإلى لتضمنه معنى الإفضاء والإنهاء وإيثاره ههنا لاستقباح ما ارتكبوه ~~ولذلك سمى خيانة وقرئ الرفوث وتقديم الظرف على القائم مقام الفاعل لما مر ~~مرارا من التشويق فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة إليه ~~فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» استئناف ~~مبين لسبب الإحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة ~~بهن وجعل كل من الرجل والمرأة لباسا للآخر لاعتناقهما واشتمال كل منهما على ~~الآخر بالليل قال * إذا ما الضجيع ثنى عطفها * تثنت فكانت عليه لباسا * أو ~~لأن كلا منهما يستر حال صاحبة ويمنعه من الفجور «علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم» استئناف آخر مبين لما ذكر من السبب والاختيان أبلغ من ~~الخيانة كالاكتساب من الكسب ومعنى تختانون تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص ~~حظها من الثواب «فتاب عليكم» عطف على علم أي تاب عليكم لما تبتم مما ~~اقترفتموه «وعفا عنكم» أي محا أثره عنكم «فالآن» لما نسخ التحريم «باشروهن» ~~المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة كنى بها عن الجماع الذي يستلزمها وفيه دليل ~~على جواز نسخ الكتاب للسنة «وابتغوا ما كتب الله لكم» أي واطلبوا ما قدره ~~الله لكم وقرره في اللوح من الولد وفيه أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه ~~الولد فإنه الحكمة في خلق الشهوة وشرع النكاح لا قضاء الشهوة وقيل فيه نهى ~~عن العزل وقيل عن غير المأتى والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب PageV01P201 # الله لكم «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر» شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه عن غلس ~~الليل بخيطين الأبيض والأسود واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله تعالى من ~~الفجر عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى ~~التمثيل ويجوز أن يكون من للتبعيض فإن ما يبدوا بعض الفجر وما روى من أنها ~~نزلت ولم ينزل من الفجر فعمد رجال إلى خيطين أبيض وأسود وطفقوا يأكلون ~~ويشربون ms0311 حتى يتبينا لهم فنزلت فلعل ذلك كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان ~~إلى وقت الحاجة جائز أو اكتفى أو لا باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما ~~التبس على بعضهم وفي تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل ~~إليه وصحة صوم من أصبح جنبا «ثم أتموا الصيام إلى الليل» بيان لآخر وقته ~~«ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد» أي معتكفون فيها والمراد بالمباشرة ~~الجماع وعن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا ~~عن ذلك وفيه دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد غير مختص ببعض دون بعض ~~وأن الوطء فيه حرام ومفسد له لأن النهى في العبادات يوجب الفساد «تلك حدود ~~الله» أي الأحكام المذكورة حدود وضعها اله تعالى لعباده «فلا تقربوها» فضلا ~~عن تجاوزها نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل مبالغة في النهى عن ~~تخطيها كما قال صلى الله عليه وسلم أن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن ~~رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ويجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ~~ومناهيه «كذلك» أي مثل ذلك التبيين البليغ «يبين الله آياته» الدالة على ~~الأحكام التي شرعها «للناس لعلهم يتقون» مخالفة أوامره ونواهيه «ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل» نهى عن أكل بعضهم أموال بعض على خلاف حكم الله ~~تعالى بعد النهى عن أكل أموال أنفسهم في نهار رمضان أي لا يأكل بعضكم أموال ~~بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى وبين نصب على الظرفية أو الحالية من ~~أموالكم «وتدلوا بها إلى الحكام» عطف على المنهى عنه أو نصب بإضمار أن ~~والإدلاء الإلقاء أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام «لتأكلوا» بالتحاكم ~~إليهم «فريقا من أموال الناس بالإثم» بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين ~~الفاجرة أو متلبسين بالإثم «وأنتم تعلمون» أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعاصي ~~مع العلم بها أقبح روى أن عبدان الحضرمي ادعى على امرئ القيس الكندي قطعة ~~ارض ولم يكن له بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ms0312 يحلف امرؤ ~~القيس فهم به فقرأ عليه الصلاة والسلام إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ~~ثمنا قليلا الآية فارتدع عن اليمين فسلم الأرض إلى عبدان فنزلت وروى أنه ~~اختصم اليه خصمان فقال عليه السلام إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلى ~~ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له ~~بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار فبكيا فقال كل واحد منهما حقي ~~لصاحبي PageV01P202 # فقال اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه «يسألونك عن ~~الأهلة» سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا ما بال الهلال يبدو رقيقا ~~كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ «قل هي مواقيت ~~للناس والحج» كانوا قد سألوه عليه الصلاة والسلام عن الحكمة في اختلاف حال ~~القمر وتبدل أمره فأمره الله العزيز الحكيم أن يجيبهم بأن الحكمة الظاهرة ~~في ذلك أن تكون معالم للناس في عبادتهم لا سيما الحج فإن الوقت مراعى فيه ~~أداء وقضاء وكذا في معاملاتهم على حسب ما يتفقون عليه والمواقيت جمع ميقات ~~من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة ~~الفلك من مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة إلى الماضي والحال ~~والمستقبل والوقت الزمان المفروض لأمر «وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها» كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه وإنما ~~يدخلون ويخرجون من نقب أو فرجة وراءها ويعدون ذلك برا فبين لهم أنه ليس ببر ~~فقيل «ولكن البر من اتقى» أي بر من اتقى المحارم والشهوات ووجه اتصاله بما ~~قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيت للحج ذكر عقيبة ما ~~هو من أفعالهم في الحج استطرادا أو أنهم لما سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق ~~بعلم النبوة فإنه عليه الصلاة والسلام مبعوث لبيان الشرائع لا لبيان حقائق ~~الأشياء وتركوا السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم الرسالة عقب بذكره جواب ما ms0313 ~~سألوا عنه تنبيها على أن اللائق بهم ان يسألوا عن أمثال ذلك ويهتموا بالعلم ~~بها أو أريد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال وكونه من قبيل دخول البيت من ~~ورائه والمعنى وليس البر بأن تعكسوا في مسائلكم ولكن البر من اتقى ذلك ولم ~~يجترئ على مثله «وأتوا البيوت من أبوابها» إذ ليس في العدول بر أو باشروا ~~الأمور من وجوهها «واتقوا الله» في تغيير أحكامه أو في جميع أموركم أمر ~~بذلك صريحا بعد بيان أن البر بر من اتقى إظهارا لزيادة الاعتناء بشأن ~~التقوى وتمهيدا لقوله تعالى «لعلكم تفلحون» أي لكي تظفروا بالبر والهدى ~~«وقاتلوا في سبيل الله» أي جاهدوا لإعزاز دينه وإعلاء كلمته وتقديم الظرف ~~على المفعول الصريح لإبراز كمال العناية بشأن المقدم «الذين يقاتلونكم» قيل ~~كان ذلك قبل ما أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين وقيل ~~معناه الذين يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ ~~والصبيان والرهابنة والنساء أو الكفرة جميعا فإن الكل بصدد قتال المسلمين ~~ويؤيد الأول ما روى أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة شرفها الله تعالى ~~ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء فخاف المسلمون ان لا يفوا لهم ويقاتلوهم في ~~الحرم والشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت ويعضده إيراده في أثناء بيان أحكام ~~الحج «ولا تعتدوا» بابتداء PageV01P203 # القتال أو بقتال المعاهد والمفاجأة به من غير دعوة أو بالمثلة وقتل من ~~نهيتم عن قتله من النساء والصبيان ومن يجري مجراهم «إن الله لا يحب ~~المعتدين» أي لا يريد بهم الخير وهو تعليل للنهي «واقتلوهم حيث ثقفتموهم» ~~أي حيث وجدتموهم من حل أو حرم وأصل الثقف الحذق في ادراك الشيء علما أو ~~عملا وفيه معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال * فإما تثقفوني فاقتلوني * ~~فمن أثقف فليس إلى خلود * «وأخرجوهم من حيث أخرجوكم» أي من مكة وقد فعل بهم ~~ذلك يوم الفتح بمن لم يسلم من كفارها «والفتنة أشد من القتل» أي المحنة ms0314 ~~التي يفتتن بها الانسان كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وبقاء ~~تألم النفس بها وقيل شركهم في الحرم وصدهم لكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه ~~«ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام» أي لا تفاتحوهم بالقتل هناك ولا تهتكوا ~~حرمة المسجد الحرام «حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم» ثمة «فاقتلوهم» فيه ولا ~~تبالوا بقتالهم ثمة لأنهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا أشد العذاب وفي ~~العدول عن صيغة المفاعلة التي بها ورد النهي والشرط عدة بالنصر والغلبة ~~وقرئ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم فاقتلوهم والمعنى حتى يقتلوا ~~بعضكم كقولهم قتلتنا بنو أسد «كذلك جزاء الكافرين» يفعل بهم مثل ما فعلوا ~~بغيرهم «فإن انتهوا» عن القتال والكفر بعد ما رأوا قتالكم «فإن الله غفور ~~رحيم» يغفر لهم ما قد سلف «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» أي شرك «ويكون الدين ~~لله» خالصا ليس للشيطان فيه نصيب «فإن انتهوا» بعد مقاتلتكم عن الشرك «فلا ~~عدوان إلا على الظالمين» أي فلا تعتدوا عليهم إذ لا يحسن الظلم الا لمن ظلم ~~فوضع العلة موضع الحكم وتسمية الجزاء بالعدوان للمشاكلة كما في قوله عز وجل ~~فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه أو أنكم ان تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين ~~وتنعكس الحال عليكم والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء «الشهر الحرام ~~بالشهر الحرام» قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة فقيل لهم عند ~~خروجهم لعمرة القضاء في ذي القعدة أيضا وكراهتهم القتال فيه هذا الشهر ~~الحرام بذلك الشهر الحرام وهتكه بهتكه فلا تبالوا به «والحرمات قصاص» أي كل ~~حرمة وهي ما يجب المحافظة عليه يجري فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم ~~بالصد فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة فاقتلوهم ان قاتلوكم كما قال ~~تعالى «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» PageV01P204 # عليكم اعتدوا بمثل ما اعتدى عليكم) وهو فذلكة مقررة لما قبلها «واتقوا ~~الله» في شأن الانتصار واحذروا أن تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم «واعلموا أن ~~الله مع المتقين» فيحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين «وأنفقوا في سبيل ~~الله» ms0315 أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالأنفس أي ولا تمسكوا كل الامساك ~~«ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» بالاسراف وتضييع وجه المعاش أو بالكف عن ~~الغزو والانفاق فيه فإن ذلك مما يقوى العدو ويسلطهم عليكم ويؤيده ما روى عن ~~أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال لما أعز الله الاسلام وكثر أهله ~~رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت أو بالامساك وحب المال ~~فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد ولذلك سمى البخل هلاكا وهو في الأصل انتهاء ~~الشيء في الفساد والالقاء طرح الشيء وتعديته بإلى لتضمنه معنى الانتهاء ~~والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس والتهلكة مصدر كالتنصرة والتسترة وهي ~~والهلك والهلاك واحد أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك وقيل معناه لا تجعلوها ~~آخذة بأيديكم أولا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها فحذف المفعول «وأحسنوا» أي ~~اعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على الفقراء «إن الله يحب المحسنين» أي يريد ~~بهم الخير وقوله تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» بيان لوجوب اتمام ~~افعالهما عند التصدي لأدائهما وارشاد للناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من ~~العوارض المخلة بذلك من الاحصار ونحوه من غير تعرض لحالها في أنفسهما من ~~الوجوب وعدمه كما في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فإنه بيان لوجوب ~~مد الصيام إلى الليل من غير تعرض لوجوب أصله وانما هو بقوله تعالى كتب ~~عليكم الصيام الآية كما أن وجوب الحج بقوله تعالى ولله على الناس حج البيت ~~الآية فإن الأمر بإتمام فعل من الأفعال ليس أمرا بأصله ولا مستلزما له أصلا ~~فليس فيه دليل على وجوب العمرة قطعا وادعاء أن الأمر بإتمامهما أمر ~~بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءة وأقيموا الحج والعمرة وأن الأمر ~~للوجوب ما لم يدل على خلافه دليل مما لا سداد له ضرورة أن ليس البيان ~~مقصورا على أفعال الحج المفروض حتى يتصور ذلك بل الحق ان تلك القراءة أيضا ~~محمولة على المشهورة ناطقة بوجوب إقامة افعالهما كما ينبغي من غير تعرض ~~لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر افعالهما ~~المعروفة ms0316 شرعا لوجه الله تعالى من غير اخلال منكم بشيء منها هذا وقد قيل ~~اتمامهما ان تحرم PageV01P205 # بهما من دويرة أهلك روى ذلك عن علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم ~~وقيل أن تفرد لكل واحد منها سفرا كما قال محمد حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل ~~وقيل هو جعل نفقتهما حلالا وقيل أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشئ من ~~الأعراض الدنيوية وأيا ما كان فلا تعرض في الآية الكريمة لوجوب العمرة أصلا ~~وأما ما روى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال إن العمرة لقرينة الحج وقول ~~عمر رضي الله عنه هديت لسنة نبيك حين قال له رجل وجدت الحج العمرة مكتوبين ~~على أهللت بهما وفي رواية فأهللت بهما جميعا فبمعزل من إفادة الوجوب مع ~~كونه معارضا بما روى عن جابر أنه قال يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج ~~قال لا ولكن أن تعتمر خير لك وبقوله عليه السلام الحج جهاد والعمرة تطوع ~~فتدبر «فإن أحصرتم» أي منعتم من الحج يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ~~ومنعه من المضي لوجهه مثل صده وأصده والمراد منع العدو عند مالك والشافعي ~~رضي الله عنهما لقوله تعالى فإذا أمنتم ولنزوله في الحديبية ولقول ابن عباس ~~لا حصر إلا حصر العدو وكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة رضي ~~الله عنه لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج فعليه الحج من ~~قابل «فما استيسر من الهدي» أي فعليكم أو فالواجب ما استيسر أو فاهدوا ما ~~استيسر والمعنى أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدى تيسر عليه ~~من بدنه أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر وعندنا يبعث به إلى الحرم ~~ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل لقوله تعالى ~~«ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله» أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدى ~~المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وحمل الأولون ms0317 بلوغ الهدى ~~محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلا كان حرما ومرجعهم في ذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل قلنا كان محصرة عليه ~~الصلاة والسلام طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم وعن الزهري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هدية في الحرم وقال الواقدي الحديبية هي ~~طرف الحرم على تسعة أميال من مكة والمحل بالكسر يطلق على المكان والزمان ~~والهدى جمع هدية كجدى وجدية وقرئ من الهدى جمع هدية كمطى ومطية «فمن كان ~~منكم مريضا» مرضا محوجا إلى الحلق «أو به أذى من رأسه» كجراحة أو قمل ~~«ففدية» أي فعليه فديه إن حلق «من صيام أو صدقة أو نسك» بيان الجنس الفدية ~~وأما قدرها فقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة لعلك آذاك هو ~~أمك قال نعم يا رسول الله قال أحلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة ~~مساكين أو أنسك شاة والفرق ثلاثة آصع «فإذا أمنتم» أي الاحصار أو كنتم في ~~حال أمن أو سعة «فمن تمتع بالعمرة إلى الحج» أي فمن انتفع بالتقرب إلى الله ~~تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره وقيل من استمتع بعد ~~التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج «فما استيسر ~~من الهدي» أي فعليه دم استيسر عليه بسبب التمتع وهو دم جبران يذبحه إذا ~~أحرم بالحج ولا يأكل منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية «فمن لم يجد» أي ~~الهدى «فصيام ثلاثة أيام في الحج» أي في أشهره بين الإحرامين وقال الشافعي ~~في أيام الاشتغال بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل والأحب أن يصوم سابع ذي ~~الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم النحر وأيام التشريق «وسبعة إذا رجعتم» أي ~~نفرتم وفرغتم من PageV01P206 # أعماله وفي أحد قولي الشافعي إذا رجعتم إلى أهليكم وقرئ وسبعة بالنصب ~~عطفا على محل ثلاثة أيام «تلك عشرة» فذلكة الحساب وفائدتها أن لا يتوهم أن ~~الواو بمعنى ms0318 أو كما في قولك جالس الحسن وابن سيرين وأن يعلم العدد جملة كما ~~علم تفصيلا فإن أكثر العرب لا يعرف الحساب وأن المراد بالسبعة هو العدد ~~المخصوص دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضا «كاملة» صفة مؤكدة لعشرة تفيد ~~المبالغة في المحافظة على العدد أو مبينة لكمال العشرة فإنها أول عدد كامل ~~إذ به ينتهي الآحاد ويتم مراتبها أو مقيدة تفيد كمال بدليتها من الهدى ~~«ذلك» إشارة إلى التمتع عندنا والى الحكم المذكور عند الشافعي «لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام» وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عند ~~الشافعي ومن كان مسكنه وراء الميقات عندنا وأهل الحل عند طاوس وغير أهل مكة ~~عند مالك «واتقوا الله» في المحافظة على أوامره ونواهيه لا سيما في الحج ~~«واعلموا أن الله شديد العقاب» لمن لم يتقه كي يصدكم العلم به عن العصيان ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة «الحج» ~~أي وقته «أشهر معلومات» معروفات بين الناس هي شوال وذو القعدة وعشر ذي ~~الحجة عندنا وتسعة بليلة النحر عند الشافعي وكله عند مالك ومدار الخلاف أن ~~المراد بوقته وقت إحرامه أو وقت اعماله ومناسكه أو مالا يحسن فيه غيره من ~~المناسك مطلقا فإن مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة وأبو حنيفة وإن صحح ~~الإحرام به قبل شوال فقد استكرهه وإنما سمى شهرين وبعض شهر أشهرا إقامة ~~للبعض مقام الكل أو إطلاقا للجمع على ما فرق الواحد وصيغة جمع المذكر في ~~غير العقلاء تجئ بالألف والتاء «فمن فرض فيهن الحج» أي أوجبه على نفسه ~~بالإحرام فيهن أو بالتلبية أو بسوق الهدى «فلا رفث ولا فسوق» أي لا جماع أو ~~فلا فحش من الكلام ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات وقيل بالسباب ~~والتنابذ بالألقاب «ولا جدال» أي لا مراء مع الخدم والرفقة «في الحج» أي في ~~أيامه والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه والإشعار بعلة ~~الحكم فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله عز ms0319 وجل من موجبات ترك ~~الأمور المذكورة وإيثار النفي للمبالغة في النهى والدلالة على أن ذلك حقيق ~~بأن لا يكون فإن ما كان منكرا مستقبحا في نفسه ففي تضاعيف الحج أقبح كلبس ~~الحرير في الصلاة والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة ~~إلى محض العبادة وقرئ الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رفث ولا فسوق ~~والثالث بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج وذلك أن قريشا ~~كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام فارتفع الخلاف بأن أمروا بأن ~~يقفوا أيضا بعرفات «وما تفعلوا من خير يعلمه الله» فيجزى به خير جزاء وهو ~~حث على فعل الخير إثر النهى عن الشر «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى» أي ~~تزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير زاد وقيل نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ~~ولا يتزودون ويقولون PageV01P207 # نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإبرام في ~~السؤال والتثقيل على الناس «واتقون يا أولي الألباب» فإن قضية اللب استشعار ~~خشية الله عز وجل وتقواه حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بذلك ~~هو الله تعالى فيتبرءوا من كل شئ سواه وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب ~~الهوى فلذلك خص بهذا الخطاب أولوا الألباب «ليس عليكم جناح أن تبتغوا» أي ~~في أن تبتغوا أي تطلبوا «فضلا من ربكم» عطاء ورزقا منه أي الربح بالتجارة ~~وقيل كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها أيام مواسم ~~الحج وكانت معايشهم منها فلما جاء الإسلام تأثموا منه فنزلت «فإذا أفضتم من ~~عرفات» أي دفعتم منها بكثرة من أفضت الماء إذا صببته بكثرة وأصله أفضتم ~~أنفسكم فحذف المفعول حذفه من دفعت من البصرة وعرفات جمع سمى به كأذرعات ~~وإنما نون وكسر وفيه علمية وتأنيث لما ان تنوين الجمع تنوين المقابلة لا ~~تنوين التمكن ولذلك يجمع مع اللام وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير ~~عوض لعدم الصرف وههنا ليس كذلك أو لان التأنيث إما بالتاء المذكورة وهي ~~ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف ms0320 التي قبلها علامة جمع المؤنث أو بتاء ~~مقدرة كما في سعاد ولا سبيل اليه لان المذكور تأبى تقديرها لما انها كالبدل ~~منها لاختصاصها بالمؤنث كتاء بنت وإنما سمى الموقف عرفة لأنه نعت لإبراهيم ~~عليه السلام فلما أبصره عرفه أو لان جبريل عليه السلام كان يدور به في ~~المشاعر فلما رآه قال عرفت أو لان آدم وحواء التقيا فيه فتعارفا أو لان ~~الناس يتعارفون فيه وهي من الأسماء المرتجلة الا من يجعلها جمع عارف قيل ~~وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لان الإفاضة لا تكون الا بعده وهي مأمور بها ~~بقوله تعالى ثم أفيضوا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن ~~أدرك عرفة فقد أدرك الحج أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظر إذ الذكر غير ~~واجب والأمر به غير مطلق «فاذكروا الله» بالتلبية والتهليل والدعاء وقيل ~~بصلاة العشاءين «عند المشعر الحرام» هو جبل يقف عليه الإمام ويسمى قزح وقيل ~~ما بين مأزمى عرفة ووادي محسر ويؤيد الأول ما روى جابر انه عليه الصلاة ~~والسلام لما صلى الفجر يعنى بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى اتى المشعر ~~الحرام فدعا فيه وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفرو إنما سمى مشعرا لأنه ~~معلم العبادة ووصف بالحرام لحرمته ومعنى عند المشعر الحرام ما يليه ويقرب ~~منه فإنه أفضل والا فالمزدلفة كلها موقف الا وادي محسر «واذكروه كما هداكم» ~~أي كما علمكم أو اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها ~~وما مصدرية أو كافة «وإن كنتم من قبله» من قبل ما ذكر من هدايته إياكم «لمن ~~الضالين» غير العاملين بالإيمان والطاعة وإن هي المخففة واللام هي الفارقة ~~وقيل هي نافية واللام بمعنى إلا كما في قوله عز وعلا وإن نظنك لمن الكاذبين ~~«ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس» PageV01P208 # من حيث أفاض الناس) أي من عرفة لا من المزدلفة والخطاب لقريش لما كانوا ~~يقفون بجمع وسائر الناس بعرفه ويرون ذلك ترفعا عليهم فأمروا بأن يساووهم ~~وثم لتفاوت ما بين الإفاضتين ms0321 كما في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن الا ~~إلى كريم وقيل من مزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفة إليها والخطاب عام ~~وقرئ الناس بكسر السين أي الناسي على ان يراد به آدم عليه السلام من قوله ~~تعالى فنسى والمعنى أن الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه «واستغفروا ~~الله» من جاهليتكم في تغيير المناسك «إن الله غفور رحيم» يغفر ذنب المستغفر ~~وينعم عليه فهو تعليل للاستغفار أو للأمر به «فإذا قضيتم مناسككم» عباداتكم ~~المتعلقة بالحج وفرغتم منها «فاذكروا الله كذكركم آباءكم» أي فأكثروا ذكره ~~تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم وكانت العرب ~~إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخر آبائهم ~~ومحاسن أيامهم «أو أشد ذكرا» اما مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على ~~المجاز والمعنى فاذكروا الله ذكرا كائنا مثل ذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه ~~وأبلغ أو على ما أضيف اليه بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا أو منصوب ~~بالعطف على آباءكم وذكرا من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشد مذكور من ~~آبائكم أو بمضمر دل عليه تقديره أو كونوا أشد ذكرا لله منكم لآبائكم «فمن ~~الناس» تفصيل للذاكرين إلى من لا يطلب بذكر الله الا الدنيا والى من يطلب ~~به خير الدارين والمراد به الحث على الاكثار والانتظام في سلك الآخرين «من ~~يقول» أي في ذكره «ربنا آتنا في الدنيا» أي اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا ~~خاصة «وما له في الآخرة من خلاق» أي من حظ ونصيب لاقتصار همه على الدنيا ~~فهو بيان لحاله في الآخرة أو من طلب خلاق فهو بيان لحاله في الدنيا وتأكيد ~~لقصر دعائه على المطالب الدنيوية «ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة» ~~هي الصحة والكفاف والتوفيق للخير «وفي الآخرة حسنة» هي الثواب والرحمة ~~«وقنا عذاب النار» بالعفو والمغفرة وروى عن على رضى الله عنه أن الحسنة في ~~الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار امرأة السوء وعن ~~الحسن ان ms0322 الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة وقنا عذاب ~~النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلى النار «أولئك» إشارة ~~إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة وما فيه من ~~معنى البعد لما مر مرارا من الإشارة إلى علو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل ~~وقيل إليهما معا فالتنوين في قوله تعالى «لهم نصيب مما كسبوا» على الأول ~~للتفخيم وعلى الثاني للتنويع أي لكل منهم نوع نصيب PageV01P209 # من جنس ما كسبوا أو من أجله كقوله تعالى مما خطيئاتهم أغرقوا أو مما دعوا ~~به نعطيهم منه ما قدرناه وتسمية الدعاء كسبا لما أنه من الأعمال «والله ~~سريع الحساب» يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة فاحذروا ~~من الإخلال بطاعة من هذا شأن قدرته أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس ~~فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات «واذكروا الله» أي كبروه في أعقاب ~~الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها «في أيام معدودات» هي أيام ~~التشريق «فمن تعجل» أي استعجل في النفر أو النفر فإن التفعل والاستفعال ~~يجيئان لازمين ومتعديين يقال تعجل في الأمر واستعجل فيه وتعجله وأستعجله ~~والأول أوفق للتأخر كما في قوله * قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون من ~~المستعجل الزلل * «في يومين» أي في تمام يومين بعد يوم النحر هو يوم النحر ~~ويوم الرؤس واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار «ومن تأخر» في النفر ~~حتى رمي في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده وعند الشافعي بعده فقط «فلا ~~إثم عليه» بما صنع من التأخر والمراد التخيير بين التعجل والتأخر ولا يقدح ~~فيه أفضلية الثاني وإنما ورد بنفي الإثم تصريحا بالرد على أهل الجاهلية حيث ~~كانوا مختلفين فمن مؤثم للمتعجل ومؤثم للمتأخر «لمن اتقى» خبر لمبتدأ محذوف ~~أي الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر أو من الأحكام لمن ~~أتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما ~~يهمه منهما «واتقوا الله» في مجامع أموركم بفعل ms0323 الواجبات وترك المحضورات ~~ليعبأ بكم وتنظموا في سلك المغتنمين بالاحكام المذكورة والرخص أو احذروا ~~الإخلال بما ذكر من الاحكام وهو الأنسب بقوله عز وجل «واعلموا أنكم إليه ~~تحشرون» أي للجزاء على أعمالكم بعد الإحياء والبعث واصل الحشر الجمع وضم ~~المتفرق وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به فإن من علم بالحشر ~~والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى «ومن الناس ~~من يعجبك قوله» تجريد للخطاب وتوجيه له اليه عليه الصلاة والسلام وهو كلام ~~مبتدأ سيق لبيان تحزب الناس في شأن التقوى إلى حزبين وتعيين مآل كل منهما ~~ومن موصولة أو موصوفة وإعرابه كما بين في قوله تعالى ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله واليوم الآخر أي ومنهم من يروقك كلامه ويعظم موقعه في نفسك لما ~~تشاهد فيه من ملاءمه الفحوى ولطف الأداء والتعجب حيرة تعرض للإنسان بسبب ~~عدم الشعور بسبب ما يتعجب منه «في الحياة الدنيا» متعلق يقوله أي ما يقوله ~~في حق الحياة الدنيا ومعناها فإنها الذي يريده بما يدعيه من الإيمان ومحبة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى أن له قولا آخر ليس بهذه الصفة ~~أو بيعجبك أي يعجبك قوله في الدنيا بحلاوته PageV01P210 # وفصاحته لا في الآخرة لما أنه يظهر هناك كذبه وقبحه وقيل لما يرهقه من ~~الحبسة واللكنة وأنت خبير بأنه لا مبالغة حينئذ في سوء حاله فإن مآله بيان ~~حسن كلامه في الدنيا وقبحه في الآخرة وقيل معنى في الحياة الدنيا مدة ~~الحياة الدنيا أي لا يصدر منه فيها إلا القول الحسن «ويشهد الله على ما في ~~قلبه» أي بحسب إدعائه حيث يقول الله يعلم أن ما في قلبي موافق لما في لساني ~~وهو عطف على يعجبك وقرئ ويشهد الله فالمراد بما في قلبه ما فيه حقيقة ~~ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله عنهما والله يشهد على ما في قلبه على أن ~~كلمة على لكون المشهود به مضرا له فالجملة اعتراضية وقرئ ويستشهد الله «وهو ~~ألد الخصام» أي شديد العداوة والخصومة ms0324 للمسلمين على أن الخصام مصدر وإضافة ~~ألد اليه بمعنى في كقولهم ثبت العذر أو أشد الخصوم لهم خصومة على أنه جمع ~~خصم كصعب وصعاب قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان حسن المنظر حلو ~~المنطق يوالى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعى الإسلام والمحبة وقيل في ~~المنافقين والجملة حال من الضمير المجرور في قوله أو من المستكن في يشهد ~~وعطف على ما قبلها على القراءتين المتوسطتين «وإذا تولى» أي من مجلسك وقيل ~~إذا صار واليا «سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل» كما فعله ~~الأخنس بثقيف حيث بيتهم وأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم أو كما يفعله ولاة ~~السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤمه القطر فيهلك ~~الحرث والنسل وقرئ ويهلك الحرث والنسل على إسناد الهلاك إليهما عطفا على ~~سعى وقرئ بفتح اللام وهي لغة وقرئ على البناء للمفعول من الإهلاك «والله لا ~~يحب الفساد» أي لا يرتضيه ويبعضه ويغضب على من يتعاطاه وهو اعتراض تذييلي ~~«وإذا قيل له» على نهج العظة والنصيحة «اتق الله» واترك ما تباشره من ~~الفساد أو النفاق واحذر سوء مغبته «أخذته العزة بالإثم» أي حملته الأنفة ~~وحمية الجاهلية على الإثم الذي نهى عنه لجاجا وعنادا من قولك أخذته بكذا ~~إذا حملته عليه أو ألزمته إياه «فحسبه جهنم» مبتدأ وخبر أي كافيه جهنم وقيل ~~جهنم فاعل لحسبه ساد مسد خبره وهو مصدر بمعنى الفاعل وقوى لاعتماده على ~~الفاء الرابطة للجملة بما قبلها وقيل حسب اسم فعل ماض أي كفته جهنم «ولبئس ~~المهاد» جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف لظهوره وتعينه والمهاد الفراش ~~وقيل ما يوطأ للجنب والجملة اعتراض «ومن الناس من يشري نفسه» مبتدأ وخبر ~~كما مر أي يبيعها ببذلها في الجهاد ومشاق الطاعات وتعريضها للمهالك في ~~الحروب أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن ترتب عليه القتل «ابتغاء ~~مرضات الله» أي طالبا لرضاه وهذا كمال التقوى وإيراده قسيما للأول من حيث ~~أن ذلك يأنف من الأمر بالتقوى وهذا يأمر بذلك وإن ms0325 أدى إلى الهلاك وقيل نزلت ~~في صهيب بن سنان الرومي أخذه المشركون وعذبوه ليرتد فقال إني شيخ كبير ~~PageV01P211 # لا أنفعكم إن كنت معكم ولا أضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا ~~مالي فقبلوا منه ماله فأتى المدينة فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال ~~على صورة الشرى «والله رؤوف بالعباد» ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ~~والجملة اعتراض تذييلى «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم» أي الاستسلام ~~والطاعة وقيل الإسلام وقرئ بفتح السين وهي لغة فيه بفتح اللام أيضا وقوله ~~تعالى «كافة» حال من الضمير في ادخلوا أو من السلم أو منهما معا كما في ~~قوله * خرجت بها تمشى تجر وراءنا * على أثرينا ذيل مرط مرجل * وهي في الأصل ~~اسم لجماعة تكف مخالفها ثم استعملت في معنى جميعا وتاؤها ليست للتأنيث حتى ~~يحتاج إلى جعل السلم مؤنثا مثل الحرب كما في قوله عز وجل وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها وفي قوله * السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من ~~أنفاسها جرع * وإنما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا ~~لله تعالى وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا والخطاب للمنافقين أو ادخلوا في ~~الإسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره والخطاب لمؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا ~~يراعون بعض أحكام دينهم القديم بعد إسلامهم أو شرائع الله تعالى كلها ~~بالإيمان بالأنبياء عليهم السلام والكتب جميعا والخطاب لأهل الكتاب كلهم ~~ووصفهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم أو ~~في شعب الإسلام واحكامه كلها فلا يخلوا بشئ منها والخطاب للمسلمين وإنما ~~خوطب أهل الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصح الإيمان إلا بما كلفوه الآن ~~إيذانا بأن ما يدعونه لا يتم بدونه «ولا تتبعوا خطوات الشيطان» بالتفرق ~~والتفريق أو بمخالفة ما أمرتم به «إنه لكم عدو مبين» ظاهر العداوة أو مظهر ~~لها وهو تعليل للنهي أو الانتهاء «فإن زللتم» أي عن الدخول في السلم وقرئ ~~بكسر اللام وهي لغة فيه «من بعد ما جاءتكم» الآيات «البينات» والحجج ~~القطعية الدالة ms0326 على حقيقته الموجبة للدخول فيه «فاعلموا أن الله عزيز» غالب ~~على أمره لا يعجزه الانتقام منكم «حكيم» لا يترك ما تقتضيه الحكمة من ~~مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره «هل ينظرون» استفهام إنكاري في معنى ~~النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة في الامتثال بما أمروا ~~به والانتهاء عما نهوا عنه «إلا أن يأتيهم الله» أي أمره وبأسه أو يأتيهم ~~الله بأمره وبأسه فحذف المأتى به لدلالة الحال عليه والالتفات إلى الغيبة ~~للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم وحكاية جنايتهم لمن عداهم من أهل ~~الإنصاف على طريقة المباثة وإيراد الانتظار للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما ~~هم فيه من موجبات العقوبة PageV01P212 # كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها «في ظلل» جمع ظلة كقلل في جمع قلة وهي ~~ما أظلك وقرئ في ظلال كقلال في جمع قلة «من الغمام» أي السحاب الأبيض وإنما ~~أتاهم العذاب فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى منه العذاب كان أفظع وأقطع ~~للمطامع فإن إتيان الشر من حيث لا يحتسب صعب فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه ~~الخير «والملائكة» عطف على الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط ~~في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما ~~للإيذان بأن الآتي أو لا من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما ~~الملائكة وأن كان إتيانهم مقارنا لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق ~~الاعتياد وقرئ بالجر عطفا على ظلل أو الغمام «وقضي الأمر» أي أتم امر ~~إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار وانما عدل إلى ~~صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان أو جملة مستأنفة جيء بها إنباء ~~عن وقوع مضمونها وقرئ وقضاء الأمر عطفا على الملائكة «وإلى الله» لا إلى ~~غيره «ترجع الأمور» بالتأنيث على البناء للمفعول من الرجع وقرئ بالتذكير ~~وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من الرجوع «سل بني إسرائيل» الخطاب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل أحد من أهل الخطاب والمراد بالسؤال تبكيتهم وتقريعهم ms0327 ~~بذلك وتقرير لمجيء البينات «كم آتيناهم من آية بينة» معجزة ظاهرة على أيدي ~~الأنبياء عليهم السلام وآية ناطقة بحقية الاسلام المأمور بالدخول فيه وكم ~~خبرية أو استفهامية مقررة ومحلها النصب على المفعوليه أو الرفع بالابتداء ~~على حذف العائد من الخبر وآية مميزها «ومن يبدل نعمة الله» التي هي آياته ~~الباهرة فإنها سبب للهدى الذي هو أجل النعم وتبديلها جعلها سببا للضلالة ~~وازدياد الرجس أو تحريفها أو تأويلها الزائغ «من بعد ما جاءته» ووصلت اليه ~~وتمكن من معرفتها والتصريح بذلك مع أن التبديل لا يتصور قبل المجيء للإشعار ~~بأنهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفصيلها كما في قوله عز وجل ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون قيل تقديره فبذلوها ومن يبدل وإنما حذف للإيذان ~~بعدم الحاجة إلى التصريح به لظهوره «فإن الله شديد العقاب» تعليل للجواب ~~كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة فإنه شديد العقاب واظهار ~~الاسم الجليل لتربية المهابة وادخال الروعة «زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا» أي حسنت في أعيانهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها ~~وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها والتزيين من حيث الخلق والإيجاد مستند إلى ~~الله سبحانه كما يعرب عنه القراءة على البناء للفاعل إذا ما من شيء إلا وهو ~~خالقه وكل من الشيطان والقوي الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهية ~~والأشياء الشهية مزين بالعرض «ويسخرون من الذين آمنوا» عطف على زين وإيثار ~~صيغة الاستقبال للدلالة PageV01P213 # على استمرار السخرية منهم وهم فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب رضي الله ~~عنهم كانوا يسترذلونهم ويستهزءون بهم على رفضهم الدنيا واقبالهم على العقبى ~~ومن ابتدائية فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم «والذين اتقوا» هم الذين ~~آمنوا بعينهم وانما ذكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا ~~للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم إلى جناب القدس شاغلة عنهم «فوقهم يوم ~~القيامة» لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل سافلين أو لأنهم في أوج الكرامة ~~وهم في حضيض الذل والمهانة أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون ms0328 منهم ~~كما سخروا منهم في الدنيا والجملة معطوفة على ما قبلها وايثار الاسمية ~~للدلالة على دوام مضمونها «والله يرزق من يشاء» أي في الدارين «بغير حساب» ~~بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى كان الناس أمة ~~واحدة متفقين على كلمة الحق ودين الاسلام وكان ذلك بين آدم وإدريس أو نوح ~~عليهم السلام أو بعد الطوفان «فبعث الله النبيين» أي فاختلفوا فبعث الخ وهي ~~قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وقد حذف تعويلا على ما يذكر عقيبه «مبشرين ~~ومنذرين» عن كعب الذي علمته من عدد الأنبياء عليهم السلام مئة وأربعة ~~وعشرون ألفا والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن ثمانية ~~وعشرون وقيل كان الناس أمة واحدة متفقة على الكفر والضلال في فترة إدريس أو ~~نوح فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول هو الأنسب بالنظم الكريم ~~«وأنزل معهم الكتاب» أي جنس الكتاب أو مع كل واحد منهم ممن له كتاب كتابه ~~الخاص به لا مع كل واحد منهم على الاطلاق إذ لم يكن لبعضهم كتاب وانما ~~كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعموم النبيين لا ينافي خصوص الضمير العائد ~~اليه بمعونة المقام «بالحق» حال من الكتاب أي ملتبسا بالحق أو متعلقا بأنزل ~~كقوله عز وعلا وبالحق أنزلناه وبالحق نزل «ليحكم» أي الكتاب أو الله سبحانه ~~وتعالى أو كل واحد من النبيين «بين الناس» أي المذكورين والاظهار في موضع ~~الاضمار لزيادة التعيين «فيما اختلفوا فيه» أي في الحق الذي اختلفوا فيه أو ~~فيما التبس عليهم «وما اختلف فيه» أي في الحق أو في الكتاب المنزل ملتبسا ~~به والواو حالية «إلا الذين أوتوه» أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف ~~وإزاحة الشقاق والتعبير عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه من أول الأمر على كمال ~~تمكنهم من الوقوف على ما في تضاعيفه من الحق فإن الإنزال لا يفيد تلك ~~الفائدة أي عكسوا الأمر حيث جعلوا ما أنزل لإزالة الاختلاف سببا لإستحكامه ~~ورسوخه «من بعد ما جاءتهم البينات» أي رسخت في عقولهم ومن متعلقة بمحذوف ~~يدل عليه الكلام ms0329 أي فاختلفوا وما اختلف فيه الخ وقيل بالملفوظ بناء على عدم ~~منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيد يوم PageV01P214 # الجمعة «بغيا بينهم» متعلق بما تعلقت به من أي اختلفوا بغيا وتهالكا على ~~الدنيا «فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه» أي للحق الذي أختلف فيه من ~~أختلف «من الحق» بيان لما وفي إبهامه أولا وتفسيره ثانيا ما لا يخفى من ~~التفخيم «بإذنه» بأمره أو بتيسيره ولطفه «والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم» موصل إلى الحق وهو اعتراض مقرر لمضمون ما سبق «أم حسبتم» خوطب به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حثا لهم على الثبات على ~~المصابرة على مخالفة الكفرة وتحمل المشاق من جهتهم إثر بيان اختلاف الأمم ~~على الأنبياء عليهم السلام وقد بين فيه مآل اختلافهم وما لقي الأنبياء ومن ~~معهم من قبلهم من مكابدة الشدائد ومقاساة الهموم وان عاقبة أمرهم النصر وأم ~~منقطعة والهمزة فيها للإنكار والاستبعاد أي بل حسبتم «أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم» من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين أي ~~والحال انه لم يأتكم مثلهم بعد ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال ~~الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر «مستهم» استئناف ~~وقع جوابا عما ينساق إليه الذهن كأنه قيل كيف كان مثلهم فقيل مستهم ~~«البأساء» أي الشدة من الخوف والفاقة «والضراء» أي الآلام والأمراض ~~«وزلزلوا» أي أزعجوا إزعاجا شديدا بما دهمهم من الأهوال والإفزاع «حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه» أي انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر ~~إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى وأوثقهم بنصره ~~والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره «متى» أي متى يأتي «نصر ~~الله» طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء وقرئ حتى يقول بالرفع ~~على أنه حكاية حال ماضية وهذا كما ترى غاية الغايات القاصية ونهاية ~~النهايات النائية كيف لا والرسل مع علو كعبهم في الثبات والاصطبار حيث عيل ~~صبرهم ms0330 وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضجيج علم أن الأمر بلغ إلى غاية لا ~~مطمح وراءها «ألا إن نصر الله قريب» على تقدير القول أي فقيل لهم حينئذ ذلك ~~إسعافا لمرامهم بالقرب القرب الزماني وفي إيثار الجملة الاسمية على الفعلية ~~المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق ~~مضمونها وتقريره مالا يخفى واختيار حكاية الوعد بالنصر لنا أنها في حكم ~~إنشاء الوعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتصار على حكايتها دون ~~حكاية نفس النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجة إلى ذلك لاستحالة الخلف ~~ويجوز أن يكون هذا واردا من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا ~~واردا عند وقوع المحكى وفيه رمز إلى أن الوصول إلى جناب القدس لا يتسنى إلا ~~برفض اللذات ومكايدة المشاق كما ينبئ عنه قوله صلى الله عليه وسلم حضت ~~الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات «يسألونك PageV01P215 # ماذا ينفقون) أي من أصناف أموالهم «قل ما أنفقتم من خير» ما إما شرطية ~~وأما موصوله حذف العائد إليها أي ما أنفقتموه من خير أي خير كان ففيه تجويز ~~الإنفاق من جميع أنواع الأموال وبيان لما في السؤال إلا أنه جعل من جملة ما ~~في حيز الشرط أو الصلة وأبرز في معرض بيان المصرف حيث قيل «فللوالدين ~~والأقربين» للإيذان بأن الأهم بيان المصارف المعدودة لأن الاعتداد بالإنفاق ~~بحسب وقوعه في موقعه وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه جاء عمرو بن الجموح ~~وهو شيخ هرم له مال عظيم فقال يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا أين نضعها ~~فنزلت «واليتامى» أي المحتاجين منهم «والمساكين وابن السبيل» ولم يتعرض ~~للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأخر وإما بناء على ~~دخولهم تحت عموم قوله تعالى «وما تفعلوا من خير» فإنه شامل لكل خير واقع في ~~أي مصرف كان «فإن الله به عليم» فيوفى ثوابه وليس في الآية ما ينافيه فرض ~~الزكاة لينسخ له كما نقل عن السدى «كتب عليكم القتال» ببناء الفعل للمفعول ~~ورفع القتال أي ms0331 قتال الكفرة وقرئ ببنائه للفاعل وهو الله عز وجل ونصب ~~القتال وقرئ كتب عليكم القتل أي قتل الكفرة والواو في قوله تعالى «وهو كره ~~لكم» حالية أي والحال أنه مكروه لكم طبعا على أن الكره مصدر وصف به المفعول ~~مبالغة أو بمعنى المفعول كالخبز بمعنى المخبوز وقرئ بالفتح على انه بمعنى ~~المضموم كالضعف والضعف أو على أنه بمعنى الإكراه مجازا كأنهم أكرهوا عليه ~~لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم» وهو جميع ~~ما كلفوه من الأمور الشاقة التي من جملتها القتال فإن النفوس تكرهه وتنفر ~~عنه والجملة اعتراضية دالة على أن في القتال خيرا لهم «وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم» وهو جميع ما نهوا عنه من الأمور المستلذة وهو معطوف على ما ~~قبله لا محل لهما من الإعراب «والله يعلم» ما هو خير لكم فلذلك يأمركم به ~~«وأنتم لا تعلمون» أي لا تعلمونه ولذلك تكرهونه أو والله يعلم ما هو خير ~~وشر لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيكم وامتثلوا بأمره تعالى ~~«يسألونك عن الشهر الحرام» روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد ~~الله بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصدوا عيرا ~~لقريش فيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين ~~واستاقوا العير بما فيها من تجارة الطائف وكان ذلك أول يوم من رجب وهم ~~يظنونه من جمادى PageV01P216 # الآخرة فقالت قريش وقد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يامن فيه الخائف ~~ويبذعر فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير ~~وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا ورد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العير والأسارى وعن ابن عباس رضي الله عنهما لما نزلت ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة والمعنى يسألك الكفار أو ~~المسلمون عن القتال في الشهر الحرام على أن قوله عز وجل «قتال فيه» بدل ~~اشتمال من الشهر ms0332 وتنكيره لما أن سؤالهم كان عن مطلق القتال الواقع في الشهر ~~الحرام لا عن القتال المعهود ولذلك لم يقل يسألونك عن القتال في الشهر ~~الحرام وقرئ عن قتال فيه بتكرير العامل كما في قوله تعالى للذين استضعفوا ~~لمن آمن منهم وقرئ قتل «قل» في جوابهم «قتال فيه كبير» جملة من مبتدأ وخبر ~~محلها النصب بقل وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصه أما بالوصف ~~إن تعلق الظرف بمحذوف وقع صفة له أي قتال كائن فيه وإما بالعمل أن تعلق به ~~وإنما أوثر التنكير احترازا عن توهم التعيين وإيذانا بأن المراد مطلق ~~القتال الواقع فيه أي قتال كان عن عطاء أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام ~~فحلف بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن ~~يقاتلوا فيه وما نسخت وأكثر الأقاويل أنها منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم «وصد عن سبيل الله» مبتدأ قد تخصص بالعمل فيما بعده ~~أي ومنع عن الإسلام الموصل للعبد إلى الله تعالى «وكفر به» عطف على صد عامل ~~فيما بعده مثله أي وكفر بالله تعالى وحيث كان الصد عن سبيل الله فردا من ~~افراد الكفر به تعالى لم يقدح العطف المذكور في حسن عطف قوله تعالى ~~«والمسجد الحرام» على سبيل الله لأنه ليس بأجنبي محض وقيل هو أيضا معطوف ~~على صد بتقدير المضاف أي وصد المسجد الحرام «وإخراج أهله» وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنون «منه» أي من المسجد الحرام وهو عطف على وكفر به ~~«أكبر عند الله» خبر للأشياء المعدودة أي كبائر السائلين أكبر عند الله مما ~~عنوا بالسؤال وهو ما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن وافعل يستوى فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث «والفتنة» أي ما أرتكبوه من الإخراج والشرك ~~وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء «أكبر من القتل» أي أفظع من قتل الحضرمي ~~«ولا يزالون يقاتلونكم» بيان لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في ~~الدين «حتى يردوكم عن دينكم» الحق إلى دينهم الباطل ms0333 وإضافة الدين إليهم ~~لتذكير تأكد ما بينهما من العلاقة الموجبة لامتناع الافتراق «إن استطاعوا» ~~إشارة إلى تصلبهم في الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأني لهم ذلك «ومن ~~يرتدد منكم عن دينه» تحذير من الارتداد أي ومن يفعل ذلك بإضلالهم وإغوائهم ~~«فيمت وهو كافر» بأن لم يرجع إلى الإسلام وفيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام ~~بعد الارتداد «فأولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة ~~من الارتداد والموت عليه وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في ~~الشر والفساد والجمع للنظر إلى المعنى أي أولئك المصرون على الارتداد إلى ~~حين الموت «حبطت أعمالهم» الحسنة التي كانوا عملوها في حالة الإسلام حبوطا ~~لا تلافى له قطعا «في الدنيا والآخرة» بحيث لم يبق لها حكم من الأحكام ~~الدنيوية والأخروية «وأولئك» الموصوفون بما ذكر سابقا ولاحقا من القبائح ~~«أصحاب النار» أي ملابسوها وملازموها «هم فيها خالدون» كدأب PageV01P217 # 218 سائر الكفرة «إن الذين آمنوا» نزلت في أصحاب السرية لما ظن بهم أنهم ~~أن سلموا من الإثم فلا أجر لهم «والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله» كرر ~~الموصول مع أن المراد بهما واحد لتفخيم شان الهجرة والجهاد فكأنهما مستقلان ~~في تحقيق الرجاء «أولئك» المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة «يرجعون» بما ~~لهم من مبادئ الفوز «رحمة الله» أي ثوابه أثبت لهم الرجاء دون الفوز ~~بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر وإنما هو على طريق ~~التفضل منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباها «والله غفور» مبالغ في مغفرة ما ~~فرط من عباده خطأ «رحيم» يجزل لهم الأجر والثواب والجملة اعتراض محقق ~~لمضمون ما قبلها «يسألونك عن الخمر والميسر» تواردت في شأن الخمر أربع آيات ~~نزلت بمكة ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا فطفق ~~المسلمون بشربونها ثم أن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين قالوا أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل فنزلت ~~هذه الآية فشربها قوم وتركها آخرون ثم دعا عبد الرحمن بن ms0334 عوف ناسا منهم ~~فشربوا فسكروا فأقام أحدهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الآية فقل من يشربها ثم دعا عتبان بن مالك ~~سعد بن أبي وقاص في نفر فلما سكروا تفاخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه ~~هجاء الأنصار فضربه أنصارى بلحى بعير فشجه موضحة فشكا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت إنما الخمر ~~والميسر إلى قوله تعالى فهل أنتم منتهون فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا ~~رب وعن علي رضي الله عنه لو وقعت قطرة منها في بئر فبنيت في مكانها منارة ~~لم أؤذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه وعن ابن عمر ~~رضي الله الله عنهما لو أدخلت إصبعي فيها لم تتبعني وهذا هو الإيمان والتقى ~~حقا رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والخمر مصدر خمره أي ستره سمى به من ~~عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس ~~الستر كما سميت سكرا لأنها تسكرهما أي تحجزهما والميسر مصدر ميمي من يسر ~~كالموعد والمرجع يقال يسرته إذا قمرته واشتقاقه إما من اليسر لأنه أخذ ~~المال بيسر من غير كد وإما من اليسار لأنه سلب له وصفته أنه كانت لهم عشرة ~~أقداح هي الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل ~~والمعلى والمنيح والسفيح والوغد لكل منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ~~ويجزئونها عشرة أجزاء وقيل ثمانية وعشرين إلا الثلاثة هي المنيح والسفيح ~~والوغد للفذ سهم وللتوأم PageV01P218 # سهمان وللرقيب ثلاثة وللحلس أربعة وللنافس خمسة وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ~~يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده ~~فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب ~~المعين لها ومن خرج له من تلك الثلاثة غرم ثمن الجزور مع حرمانه وكانوا ~~يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون ms0335 من ~~لا يدخل فيه ويسمونه البرم وفي حكمه جميع أنواع القمار من النرد والشطرنج ~~وغيرهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إياكم وهاتين اللعبتين ~~المشئومتين فإنهما مياسر العجم وعن علي كرم الله وجهه أن النرد والشطرنج من ~~الميسر وعن ابن سيرين كل شيء فيه خطر فهو من الميسر والمعنى يسألونك عن ~~حكمهما وعما في تعاطيهما «قل فيهما إثم كبير» أي في تعاطيهما ذلك لما أن ~~الأول مسلبة للعقول التي هي قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة ~~للأموال «ومنافع للناس» من كسب الطرب واللذة ومصاحبة الفتيان وتشجيع الجبان ~~وتقوية الطبيعة وقرئ إثم كثير بالمثلثة وفي تقديم بيان إثمه ووصفه بالكبر ~~وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصهما بالناس من الدلالة على غلبة الأول مالا يخفى ~~على ما نطق به قوله تعالى «وإثمهما أكبر من نفعهما» أي المفاسد المترتبة ~~على تعاطيهما أعظم من الفوائد المترتبة عليه وقرئ أقرب من نفعهما «ويسألونك ~~ماذا ينفقون» عطف على يسألونك عن الخمر الخ عطف القصة على القصة أي أي شيء ~~ينفقونه قيل هو عمرو بن الجموح أيضا سأل أولا لا من أي جنس ينفق من أجناس ~~الأموال فلما بين جواز الإنفاق من جميع الأجناس سأل ثانيا من أي أصنافها ~~ننفق أمن خيارها أم من غيرها أو سأل عن مقدار ما ينفقه منه فقيل «قل العفو» ~~بالنصب أي ينفقون العفو أو انفقوا العفو وقرئ بالرفع على أن ما استفهامية ~~وذا موصولة صلتها ينفقون أي الذي ينفقونه العفو قال الواحدي أصل العفو في ~~اللغة الزيادة وقال القفال العفو ما سهل وتيسر مما فضل من الكفاية وهو قول ~~قتادة وعطاء والسدي وكانت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يكسبون ~~المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل وروى أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال خذها مني صدقة فأعرض ~~عنه فكرر ذلك مرارا حتى قال عليه السلام مغضبا هاتها فأخذها فخذفها عليه ~~خذفا لو أصابته لشجته ثم قال يأتي أحدكم ms0336 بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف ~~الناس إنما الصدقة عن ظهر غني «كذلك» إشارة إلى مصدر الفعل الآتي وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار اليه في الفضل مع كمال تميزه ~~وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة والكاف لتأكيد ما أفاده اسم ~~الإشارة من الفخامة وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل أو ~~الفريق أو لعدم القصد إلى تعيين المخاطب كما مر ومحله النصب على أنه نعت ~~لمصدر محذوف أي مثل ذلك البيان الواضح الذي هو عبارة عما مضى في أجوبة ~~الأسئلة المارة «يبين الله لكم الآيات» الدالة على الاحكام الشرعية ~~المذكورة لا بيانا أدنى منه وقد مر تمام تحقيقه في قوله تعالى وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا أنه ~~تعالى يبينها بعد أن كانت مشتبهة ملتبسة وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة ~~«لعلكم تتفكرون» لكي تتفكروا فيها PageV01P219 # 220 وتقفوا على مقاصدها وتعملوا بما في تضاعيفها وقوله تعالى «في الدنيا ~~والآخرة» متعلق اما بيبين أي يبين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات ~~واما بمحذوف وقع حالا من الآيات أي يبينها لكم كائنة فيهما أي مبينة ~~لأحوالكم المتعلقة بهما وانما قدم عليه التعليل لمزيد الاعتناء بشأن التفكر ~~واما بقوله تعالى تتفكرون أي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة ~~في الاحكام الواردة في أجوبة الأسئلة المارة فتختارون منها ما يصلح لكم ~~فيهما وتجتنبون عن غيره وهذا التخصيص هو المناسب لمقام تعداد الاحكام ~~الجزئية ويجوز التعميم لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة فذلك حينئذ ~~إشارة إلى ما مر من البيانات كلا أو بعضا لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ ~~فعل مستقل ليس عن تلك البيانات والمراد بالآيات غير ما ذكر والمعنى مثل ذلك ~~البيان الوارد في الأجوبة المذكورة يبين الله لكم الآيات والدلائل لعلكم ~~تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعكم ~~فيهما وتذرون ما يضركم حسبما تقتضيه تلك الآيات المبينة «ويسألونك عن ~~اليتامى» عطف على ما قبله من نظيره روى أنه ms0337 لما نزلت ان الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما الآية تحامي الناس عن مخالطة اليتامى وتعهد أموالهم فشق عليهم ~~ذلك فذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت «قل إصلاح لهم خير» أي التعرض ~~لأحوالهم وأموالهم على طريق الاصلاح خير من مجانبتهم اتقاء «وإن تخالطوهم» ~~وتعاشروهم على وجه ينفعهم «فإخوانكم» أي فهم إخوانكم أي في الدين الذي هو ~~أقوى من العلاقة النسبية ومن حقوق الاخوة ومواجبها المخالطة بالاصلاح ~~والنفع وقد حمل المخالطة على المصاهرة «والله يعلم المفسد من المصلح» العلم ~~بمعنى المعرفة المتعدية إلى واحد ومن لتضمينه معنى التمييز أي يعلم من يفسد ~~في أمورهم عند المخالطة أو من يقصد بمخالطته الخيانة والافساد مميزا له ممن ~~يصلح فيها أو يقصد الاصلاح فيجازي كلا منهما بعمله ففيه وعد ووعيد خلا أن ~~في تقديم المفسد مزيد تهديد وتأكيد للوعيد «ولو شاء الله لأعنتكم» أي لو ~~شاء أن يعنتكم أي يكلفكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوز ~~لكم مداخلتهم «أن الله عزيز» غالب على أمره لا يعز عليه امر من الأمور التي ~~من جملتها إعناتكم فهو تعليل لمضمون الشرطية وقوله عز وجل «حكيم» أي فاعل ~~لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة ~~دليل على ما تفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها «ولا تنكحوا المشركات» أي لا ~~تتزوجوهن وقرئ بضم التاء من الانكاح أي لا تزوجوهن PageV01P220 # من المسلمين «حتى يؤمن» والمراد بهن اما ما يعم الكتابيات أيضا حسبما ~~يقتضيه عموم التعليلين الآتيين لقوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله إلى قوله سبحانه عما يشركون فالآية منسوخة ~~بقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم واما غير الكتابيات ~~فهي ثابتة وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين وكان يهوى امرأة في الجاهلية ~~اسمها عناق فأتته فقالت الا تخلو فقال ويحك ان الاسلام حال بيننا فقال هل ~~لك ان تتزوج ms0338 بي قال نعم ولكن ارجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأستأمره ~~فنزلت «ولأمة مؤمنة» تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيب في مواصلة المؤمنات ~~صدر بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل ~~على الانزجار واصل أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوض منه تاء التأنيث ~~ودليل كون لامها واوا رجعوها في الجمع قال الكلابي * اما الإماء فلا ~~يدعونني ولدا * إذا تداعى بنو الأموات بالعار * وظهورها في المصدر يقال هي ~~أمة بينة الأموة وأقرت له بالأموة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء ~~والوصف أي ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر «خير» بحسب ~~الدين والدنيا «من مشركة» أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة ~~الشأن «ولو أعجبتكم» قد مر أن كلمة لو في أمثال هذه المواقع ليست لبيان ~~انتفاء الشيء في الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف ثقة ~~بدلالة ما قبلها عليه من انصباب المعنى على تقديره بل هي لبيان تحقق ما ~~يفيده الكلام السابق من الحكم على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على ~~الاجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته معه ثبوته ~~مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما ان الشيء متى تحقق مع المنافي ~~القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ~~ويكتفي عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها المتناولة ~~لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولهم انها لاستقصاء الأحوال على وجه ~~الاجمال كأنه قيل لو لم تعجبكم ولو أعجبتكم والجملة في حيز النصب على ~~الحالية من مشركة إذ المآل ولأمة مؤمنة خير من امرأة مشركة حال عدم إعجابها ~~وحال إعجابها إياكم بجمالها ومالها ونسبها وبغير ذلك من مبادي الاعجاب ~~وموجبات الرغبة فيها أي على كل حال وقد اقتصر على ذكر ما هو أشد منافاة ~~للخيرية تنبيها على أنها حيث تحققت معه فلأن تتحقق مع غيره أولى وقيل الواو ms0339 ~~حالية وليس بواضح وقيل اعتراضية وليس بسديد والحق انها عاطفة مستتبعة لما ~~ذكر من الاعتبار اللطيف نعم يجوز أن تكون الجملة الأولى مع ما عطف عليها ~~مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها فتدبر «ولا تنكحوا المشركين» من الانكاح ~~والمراد بهم الكفار على الاطلاق لما مر أي لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن ~~حرائر أو إماء «حتى يؤمنوا» ويتركوا ما هم فيه من الكفر «ولعبد مؤمن» مع ما ~~به من ذل المملوكية «خير من مشرك» مع ماله من عز المالكية «ولو أعجبكم» مما ~~فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعة إلى ذاته وصفاته «أولئك» استئناف مقرر ~~لمضمون التعليلين المارين أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين ~~«يدعون» من يقارنهم ويعاشرهم «إلى النار» أي إلى ما يؤدي إليها من الكفر ~~والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم «والله يدعو» بواسطة ~~عباده PageV01P221 # المؤمنين من يقارنهم «إلى الجنة والمغفرة» أي إلى الاعتقاد الحق والعمل ~~الصالح الموصلين إليهما وتقديم الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن تقدم ~~على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداء «بإذنه» متعلق بيدعو أي يدعو ~~ملتبسا بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقارنيهم إلى الخير ونصيحتهم ~~إياهم فهم أحقاء بالمواصلة «ويبين آياته» المستملة على الأحكام الفائقة ~~والحكم الرائقة «للناس لعلهم يتذكرون» أي لكي يتذكروا ويعملوا بما فيها ~~فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران هذا وقد قيل معنى والله يدعوا ~~وأولياء الله يدعون وهم المؤمنون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ~~تشريفا لهم وأنت خبير بان الضمير في المعطوف على الخبر أعنى قوله تعالى ~~ويبين لله تعالى فيلزم التفكيك وقيل معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى ~~الجنة والمغفرة فإنها موصلة لمن عمل بها إليهما وهذا وإن كان مستدعيا ~~لاتحاد مرجع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبرا ~~للمبتدأ لكن يفوت حينئذ حسن المقابلة بينه وبين قوله تعالى أولئك يدعون إلى ~~النار ولعل الطريق الأسلم ما أوضحناه أولا وإيراد التذكر ههنا للإشعار بأنه ~~واضح لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة «ويسألونك ms0340 عن المحيض» عطف ~~على ما تقدم من مثله ولعل حكاية هذه الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوع الكل عند ~~السؤال عن الخمر وحكاية ما عداها بغير عطف لوقوع كل من ذلك في وقت على حدة ~~والمحيض مصدر من حاضت المرأة كالمجئ والمبيت روى ان أهل الجاهلية كانوا لا ~~يساكنون الحيض ولا يؤاكلونهن كدأب اليهود والمجوس واستمر الناس على ذلك إلى ~~ان سأل عن ذلك أبو الدحاح في نفر من الصحابة رضوان الله عليهم فنزلت «قل هو ~~أذى» أي شئ يستقذر منه ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة له «فاعتزلوا النساء ~~في المحيض» أي فاجتنبوا مجامعتهن في حالة المحيض قيل لأخذ المسلمون بظاهر ~~الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناس من الأعراب يا رسول الله البرد شديد ~~والثياب قليلة فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت وإن استأثرنا بها هلكت الحيض ~~فقال صلى الله عليه وسلم إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم ~~يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم وقيل أن النصارى كانوا يجامعونهن ~~ولا يبالون بالحيض واليهود كانوا يفرطون في الاعتزال فأمر المسلمون ~~بالاقتصاد بين الأمرين «ولا تقربوهن حتى يطهرن» تأكيد لحكم الاعتزال وتنبيه ~~على أن المراد به عدم قربانهن لا عدم القرب منهن وبيان لغايته وهو انقطاع ~~الدم عند أبي حنيفة رحمه الله فإن كان ذلك في أكثر المدة حل القربان كما ~~انقطع والا فلا بد من الاغتسال أو من مضى وقت صلاة وعند الشافعي رحمه الله ~~أن يغتسلن بعد الانقطاع كما تفصح عنه القراءة بالتشديد ويبنى عنه قوله عز ~~وجل «فإذا تطهرن» فإن التطهر هو الاغتسال «فأتوهن من حيث أمركم الله» من ~~المأتى الذي حلله لكم وهو القبل «إن الله يحب التوابين» مما عسى يندر منهم ~~من ارتكاب بعض ما نهوا عنه ومن سائر الذنوب «ويحب المتطهرين» المتنزهين عن ~~الفواحش والأقذار وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض ~~الناس لما PageV01P222 # نهوا عنه وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر «نساؤكم حرث لكم» أي ~~مواضع حرث لكم شبهن بها لما بين ms0341 ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من ~~المشابهة من حيث أن كلا منهما مادة لما يحصل منه «فأتوا حرثكم» لما عبر ~~عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بيان لقوله تعالى فاتوهن من حيث ~~أمركم الله «أنى شئتم» من أي جهة شئتم روى أن اليهود كانوا يزعمون أن من ~~أتى امرأته في قبلها من دبرها يأتي ولده أحول فذكر ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت «وقدموا لأنفسكم» أي ما يدخر لكم من الثواب وقيل هو طلب ~~الولد قيل هو التسمية عند المباشرة «واتقوا الله» بالاجتناب عن معاصيه التي ~~من جملتها ما عد من الأمور «واعلموا أنكم ملاقوه» فتعرضوا لتحصيل ما ~~تنتفعون به حينئذ واجتنبوا اقتراف ما تفتضحون به «وبشر المؤمنين» الذين ~~تلقوا ما خوطبوا به من الأوامر والنواهي بحسن القبول والامتثال بما يقصر ~~عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم أو بكل ما يبشر به من الأمور التي ~~تسر بها القلوب وتقر بها العيون وفيه مع ما في تلوين الخطاب وجعل المبشر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبالغة في تشريف المؤمنين مالا يخفى ~~«ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم» قيل نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن ~~لا يكلم ختنه بشير بن النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته وقيل في الصديق رضي ~~الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح لخوضه في حديث الإفك والعرضة فعله ~~بمعنى مفعول كالقبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشئ فيصير حاجزا عنه ~~كما يقال فلان عرضة للخير وعلى المعرض للأمر كما في قوله * فلا تجعلوني ~~عرضة للوائم * فالمعنى على الوجه الأول لا تجعلوا الله مانعا للأمور الحسنة ~~التي تحلفون على تركها وعبر عنها بالإيمان لملابستها بها كما في قوله عليه ~~السلام لعبد الله بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت ~~الذي هو خير وكفر عن يمينك وقوله تعالى «أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس» عطف بيان لإيمانكم أو بدل منها لما عرفت أنها عبارة ms0342 عن الأمور ~~المحلوف عليها واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعرضه لما فيها من معنى ~~الاعتراض أي لا تجعلوا الله لبركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس عرضة أي ~~برزخا حاجزا بان تحلفوا به تعالى على تركها أولا تجعلوه تعالى عرضة أي شيئا ~~يعترض الأمور المذكورة ويحجزها بما ذكر من الحلف به تعالى على تركها وقد ~~جوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ان تبروا الخ بالفعل أو بعرضه فيكون ~~الايمان بمعناها وأنت خبير بأنه يؤدى إلى الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ~~وعلى الوجه الثاني لا تجعلوا الله معرضا لإيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به ~~ولذلك ذم من نزلت فيه ولا تطع كل حلاف مهين بأشنع المذام وجعل الحلاف ~~مقدمتها وأن تبروا حينئذ علة للنهي أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن ~~الحلاف مجترئ على الله سبحانه غير معظم له فلا يكون برا متقيا ثقة ~~PageV01P223 # بين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ذات البين «والله سميع» يسمع ~~أيمانكم «عليم» يعلم نياتكم فحافظوا على ما كلفتموه «لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم» اللغو ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار والمراد به في ~~الإيمان مالا عقد معه ولا قصد كما ينبئ عنه قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الإيمان وهو المعنى بقوله عز وجل «ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم» وقد ~~اختلف فيه فعندنا هو ان يحلف على شئ يظنه على ما حلف عليه ثم يظهر خلافة ~~فإنه لا قصد فيه إلى الكذب وعند الشافعي رحمه الله هو قول العرب لا والله ~~وبلى مما يؤكدون به كلامهم من غير إخطار الحلف بالبال فالمعنى على الأول لا ~~يؤاخذكم الله أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم ظانا أنه صادق ~~فيه ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد إلى الكذب في اليمين ~~وذلك في الغموس وعلى الثاني لا يلزمكم الكفارة بما لا قصد معه إلى اليمين ~~ولكن يلزمكموها بما نوت قلوبكم وقصدت به اليمين ولم يكن كسب اللسان فقط ~~«والله غفور» حيث لم يؤاخذكم باللغو ms0343 مع كونه ناشئا من عدم التثبت وقلة ~~المبالاة «حليم» حيث لم يعجل بالمؤاخذة والجملة اعتراض مقر لمضمون قوله ~~تعالى لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذان بان المراد بالمؤاخذة المعاقبة لا إيجاب ~~الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرة والحلم دونه «للذين يؤلون من نسائهم» ~~الإيلاء الحلف وحقة أن يستعمل بعلى واستعماله بمن لتضمينه معنى البعد أي ~~للذين يحلفون متباعدين من نسائهم ويحتمل أن يراد لهم من نسائهم «تربص أربعة ~~أشهر» كقولك لي منك كذا وقرئ آلوا من نسائهم وقرئ يقسمون من نسائهم ~~والإيلاء من المرأة أن يقول والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا على التقييد ~~بالأشهر أولا أقربك على الإطلاق ولا يكون فيما دون ذلك وحكمة انه إن فاء ~~إليها في المدة بالوطء إن أمكن أو بالقول أن عجز عنه صح الفئ وحنث القادر ~~ولزمته كفارة اليمين ولا كفارة على العاجز وأن مضت الأربعة بانت بتطليقه ~~والتربص الانتظار والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعا أي لهم أن ينتظروا في هذه ~~المدة من غير مطالبة بفئ أو طلاق «فإن فاؤوا» أي رجعوا عن اليمن بالحنث ~~والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم ~~إلى آخره والألم أبث إلا ريثا أتحول «فإن الله غفور رحيم» يغفر للمولى ~~بفيئته التي هي كتوبته إثم حنثه عند تكفيره أو ما قصد بالإيلاء من ضرار ~~المرأة «وإن عزموا الطلاق» وأجمعوا عليه «فإن الله سميع» بما جرى منهم من ~~الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولة التي لا تخلوا عنها الحال عادة ~~«عليم» بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفيئة ما لا يخفى ~~PageV01P224 # «والمطلقات» أي ذوات الأقراء من الحرائر المدخول بهن لما قد بين أن لا ~~عدة على غير المدخول بها وأن عدة من لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل بالأشهر ~~ووضع الحمل وأن عدة الأمة قرءان أو شهران «يتربصن» خبر في معنى الأمر مفيد ~~للتأكيد بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى الإيتان به ~~فكأنهن امتثلن بالأمر فتخبر ms0344 به موجودا متحققا وبناؤه على المبتدأ مفيد ~~لزيادة تأكيد «بأنفسهن» الباء للتعدية أي يقمعنها ويحملنها على ما لا ~~تشتهيه بل يشق عليها من التربص وفيه مزيد حث لهن على ذلك لما فيه من ~~الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفن منه من كون نفوسهن طوامح إلى الرجال ~~فيحملهن ذلك على الإقدام على الإتيان بما أمرن به «ثلاثة قروء» نصب على ~~الظرفية أو المفعولية بتقدير مضاف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء أو يتربصن مضى ~~ثلاثة قروء وهو جمع قرء والمراد به الحيض بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ~~دعى الصلاة أيام أقرائك وقوله صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة تطليقتان ~~وعدتها حيضتان وقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر ولأن المقصود الأصلي من العدة استبراء الرحم ومداره ~~الحيض دون الطهر ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن ~~معناه مستقبلات لعدتهن وهي الحيض الثلاث وإيراد جمع الكثرة في مقام جمع ~~القلة بطريق الاتساع فإن ايراد كل من الجمعين مكان الآخر شائع ذائع وقرئ ~~ثلاثة قرو بغير همز «ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن» من ~~الحيض والولد استعجالا في العدة وإبطالا لحق الرجعة وفيه دليل على قبول ~~قولهن في ذلك نفيا وإثباتا «إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر» جواب الشرط ~~محذوف يدل عليه ما قبلة دلالة واضحة أي فلا يجترئن على ذلك فإن قضية ~~الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر الذي يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له ~~قطعا «وبعولتهن» البعولة جمع بعل وهو في الأصل السيد المالك والتاء لتأنيث ~~الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدر بتقدير مضاف أي أهل بعولتهن أي ~~أزواجهن الذين طلقوهن طلاقا رجعيا كما ينبئ عنه التعبير عنهم بالبعولة ~~والضمير لبعض افراد المطلقات «أحق بردهن» إلى ملكهم بالرجعة إليهن «في ذلك» ~~أي في زمان التربص وصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا أراد الرجعة والمرأة ~~تأباها وجب إيثار قوله على قولها لا أن لها أيضا حقا في الرجعة «إن أرادوا» ~~أي ms0345 الأزواج بالرجعة «إصلاحا» لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن ولم يريدوا ~~مضارتهن وليس المراد به شرطية قصد الإصلاح بصحة الرجعة بل هو الحث عليه ~~والزجر عن قصد الضرار «ولهن» عليهم من الحقوق «مثل الذي» لهم «عليهن ~~بالمعروف» من الحقوق التي يجب مراعاتها ويتحتم المحافظة عليها «وللرجال ~~عليهن درجة» أي زيادة في الحق لأن حقوقهم في أنفسهن وحقوقهن في المهر ~~PageV01P225 # والكفاف وترك الضرار ونحوها أو مزية في الفضل لما أنهم قوامون عليهن حراس ~~لهن ولما في أيديهن يشاركونهن فيما هو الغرض من الزواج ويستبدون بفضيلة ~~الرعاية والإنفاق «والله عزيز» يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه «حكيم» ~~تنطوى شرائعه على الحكم والمصالح «الطلاق» هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى ~~التسليم والمراد به الرجعى لما أنه السابق الأقرب حكمة ولما روى لأنه صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن الثالثة فقال صلى الله عليه وسلم أو تسريح بإحسان ~~وهو مبتدأ بتقدير مضاف خبره ما بعده أي عدد الطلاق الذي يستحق الزوج فيه ~~الرد والرجعة حسبما بين آنفا مرتان أي ثبان وإيثار ما ورد به النظم الكريم ~~عليه للإيذان بأن حقهما أن يقعا مرة بعد مرة لا دفعة واحدة وإن كان حكم ~~الرد ثابتا حينئذ أيضا «فإمساك» أي فالحكم بعدهما إمساك لهن بالرجعة ~~«بمعروف» أي بحسن عشرة ولطف معاملة «أو تسريح بإحسان» بالطلقة الثالثة كما ~~روى عنه صلى الله عليه وسلم أو بعدم الرجعة إلى أن تنقضى العدة فتبين وقيل ~~المراد به الطلاق الشرعي وبالمرتين مطلق التكرير لا التثنية بعينها كما في ~~قوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين أي كرة والمعنى أن التطليق الشرعي تطليقة ~~بعد تطليقة على التفريق دون الجمع بين الطلقتين أو الثلاث فإن ذلك بدعة ~~عندنا فقوله تعالى فإمساك الخ حكم مبتدأ وتخيير مستأنف والفاء فيه للترتيب ~~على التعليم كأنه قيل إذا علمتم كيفية التطليق فأمركم أحد الأمرين «ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا» منهن بمقابلة الطلاق «مما آتيتموهن» أي من الصدقات وتخصيصها ~~بالذكر وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة أو للتنبيه ms0346 على ~~أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما آتوهن بمقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم ~~فلأن لا يحل أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى «شيئا» أي نزرا ~~يسيرا فضلا عن الكثير وتقديم الظرف عليه لما مر مرارا أو الخطاب مع الحكام ~~وإسناد الأخذ والإيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند المرافعة وقيل مع ~~الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظم الكريم على القراءة ~~المشهورة «إلا أن يخافا» أي الزوجان وقرئ يظنا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن ~~«ألا يقيما حدود الله» أي أن لا يراعيا مواجب أحكام الزوجية وقرئ يخافا على ~~البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال وقرئ تخافا وتقيما ~~بتاء الخطاب «فإن خفتم» أيها الحكام «ألا يقيما» أي على الزوجين «حدود ~~الله» بمشاهدة بعض الأمارات والمخايل «فلا جناح عليهما» أي على الزوجين ~~«فيما افتدت به» لا على الزوج في أخذ ما افتدت به ولا عليهما في إعطائه ~~إياه وروى أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول كانت تبعض زوجها ثابت بن ~~قيس فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ~~ورأسه شئ والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكن أكره الكفر بعد الإسلام ~~ما أطيقه بغضا أني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم ~~سوادا PageV01P226 # وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة كان أصدقها إياها ~~«تلك» أي الأحكام المذكور «حدود الله فلا تعتدوها» بالمخالفة والرفض «ومن ~~يتعد حدود الله فأولئك» المتعدون والجمع باعتبار معنى الموصول «هم ~~الظالمون» أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه ووضع الاسم الجليل ~~في المواقع الثلاثة الأخيرة موقع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة ~~وتعقيب النهى بالوعيد للمبالغة في التهديد «فإن طلقها» أي بعد الطلقتين ~~«فلا تحل» هي «له من بعد» أي من بعد هذا الطلاق «حتى تنكح زوجا غيره» أي ~~تتزوج غيره فإن النكاح أيضا يسند إلى كل منهما وتعلق بظاهرة من اقتصر ms0347 على ~~العقد والجمهور على اشتراط الإصابة لما روى أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير ~~تزوجني وأن ما معه مثل هدبة الثوب فقال صلى الله عليه وسلم أتريدين إن ~~ترجعي إلى رفاعة قالت نعم قال صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تذوقى عسيلته ~~ويذوق عسيلتك وبمثله تجوز الزيادة على الكتاب وقيل النكاح بمعنى الوطء ~~والعقد مستفاد من لفظ الزوج والحكمة من هذا التشريع الردع عن المسارعة إلى ~~الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثا والرغبة فيها والنكاح بشرط التحليل مكروه ~~عندنا ويروى عدم الكراهة فيما لم يكن الشرط مصرحا به وفاسد عند الأكثرين ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له «فإن طلقها» أي الزوج ~~الثاني «فلا جناح عليهما» أي على الزوج الأول والمرأة «أن يتراجعا» أن يرجع ~~كل منهما إلى الآخر بالعقد «إن ظنا أن يقيما حدود الله» التي أوجب مراعاتها ~~على الزوجين من الحقوق ولا وجه لتفسير الظن بالعلم لما ان العواقب غير ~~معلومة ولأن أن الناصية للتوقع المنافى للعلم ولذلك لا يكاد يقال علمت أن ~~يقوم زيد «وتلك» إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا «حدود الله» أي احكامه ~~المعينة المحمية من التعرض لها بالتغير والمخالفة «يبينها» بهذا البيان ~~اللائق أو سيبينها فيما سيأتي بناء على أن بعضها يلحقه زيادة كشف وبيان ~~بالكتاب والسنة والجملة خبر ثان عند من يجوز كونه جملة كما في قوله تعالى ~~فإذا هي حية تسعى أو حال من حدود الله والعامل معنى الإشارة «لقوم يعلمون» ~~أي يفهمون وتخصيصهم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغ لما انهم المنتفعون ~~بالبيان أو لأن ما سيلحق بعض النصوص من البيان لا يقف عليه إلا الراسخون في ~~العلم «وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن» أي آخر عدتهن فإن الأجل كما ينطلق ~~PageV01P227 # على المدة ينطلق على منتهاها والبلوغ هو الوصول إلى الشئ وقد يقال للدنو ~~منه اتساعا وهو المراد ههنا لقوله عز وجل «فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ms0348 ~~بمعروف» إذ لا مكان للإمساك بعد تحقق بلوغ الأجل أي فراجعوهن بغير ضرار أو ~~خلوهن حتى ينقضى أجلهن بإحسان من غير تطويل وهذا كما ترى إعادة للحكم في ~~بعض صوره اعتناء بشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه «ولا تمسكوهن ضرارا» ~~تأكيد للأمر بالإمساك بمعروف وتوضيح لمعناه وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه ~~أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن كان المطلق يترك المعتدة حتى إذا شارفت ~~انقضاء الأجل يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطول عليها العدة فنهى عنه بعد ما ~~أمر بضده لما ذكر وضرارا نصب على العلية أو الحالية أي لا تمسكوهن للمضارة ~~أو مضارين واللام في قوله «لتعتدوا» متعلقة بضرارا أي لتظلموهن بالإلجاء ~~إلى الإفتداء «ومن يفعل ذلك» أي ما ذكر من الامساك المؤدى إلى الظلم وما ~~فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلته في الشر والفساد «فقد ظلم نفسه» ~~في ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب «ولا تتخذوا آيات الله» المنطوية على ~~الأحكام المذكورة أو جميع آياته وهي داخلة فيها دخولا أوليا «هزوا» أي ~~مهزوا بها بأن تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة على ما في تضاعيفها من ~~الأحكام والحدود من قولهم لمن لم يجد في الأمر أنت هازئ كأنه نهى عن الهزؤ ~~بها وأريد ما يستلزمه من الأمر بضده أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها ~~وارعوها حق رعايتها والا فقد أخذتموها هزؤا ولعبا ويجوز أن يراد به النهى ~~عن الإمساك ضرارا فإن الرجعة بلا رغبة فيها عمل بموجب آيات الله تعالى بحسب ~~الظاهر دون الحقيقة وهو معنى الهزء وقيل كان الرجل ينكح ويطلق ويعتق ثم ~~يقول إنما كنت ألعب فنزلت ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد ~~وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتاق «واذكروا نعمة الله عليكم» حيث هداكم إلى ~~ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها ~~والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا من نعمة الله أي كائنة عليكم أو صفة لها على ~~رأى من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي الكائنة عليكم ms0349 ويجوز أن يتعلق ~~بنفسها أن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله ~~تاء التأنيث لأنه مبنى عليها كما في قوله * فلولا رجاء النصر منك ورهبة * ~~عقابك قد كانوا لنا كالموارد * وما انزل عليكم عطف على نعمة الله وما ~~موصوله حذف عائدها من الصلة ومن في قوله عز وجل «من الكتاب والحكمة» بيانية ~~أي من القرآن والسنة أو القرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغاير ~~الوصفين كما في قوله * إلى الملك القرم وابن الهمام * وفي إبهامه أولا ثم ~~بيانه من التفخيم مالا يخفي وفي افراده بالذكر مع كونه أول ما دخل في ~~النعمة المأمور بذكرها إبانة بخطره ومبالغة في البعث على مرعاة ما ذكر قبله ~~من الأحكام «يعظكم به» أي بما أنزل حال من فاعل أنزل أو مفعوله أو منهما ~~معا «واتقوا الله» في شان المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة «واعلموا ~~أن الله بكل شيء عليم» فلا يخفى عليه شئ مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم ~~بأفانين العقاب PageV01P228 # «وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن» بيان لحكم ما كانوا يفعلونه ~~عند بلوغ الأجل حقيقة بعد بيان حكم ما كانوا يفعلونه عند المشارفة إليه ~~والعضل الحبس والتضييق ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها ولم يخرج والمراد ~~المنع والخطاب إما للأولياء لما روى أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل ~~أخته جملا أن ترجع إلى زوجها الأول بالنكاح وقيل نزلت في جابر بن عبد الله ~~حين عضل ابنة عم له وإسناد التطليق إليهم لتسببهم فيه كما ينبى عنه تصديهم ~~للعضل ولعل التعرض لبلوغ الأجل مع جواز التزوج بالزوج الأول قبله أيضا ~~لوقوع العضل المذكور حينئذ وليس فيه دلالة على أن ليس للمرأة أن تزوج نفسها ~~والا لما احتيج إلى نهى الأولياء عن العضل لما أن النهى لدفع الضرر عنهن ~~فإنهن وإن قدرن على تزويج أنفسهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة ~~وإما للأزواج حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم ولا يدعونهن يتزوجن ظلما وقسرا ~~لحمية الجاهلية وإما للناس ms0350 كافة فإن اسناد ما فعله واحد منهم إلى الجميع ~~شائع مستفيض والمعنى إذا وجد فيكم طلاق فلا يقع فيما بينكم عضل سواء كان ~~ذلك من قبل الأولياء أو من جهة الأزواج أو من غيرهم وفيه تهويل لأمر العضل ~~وتحذير منه وإيذان بان وقوع ذلك بين ظهرانهم وهم ساكتون عنه بمنزلة صدوره ~~عن الكل في استتباع اللائمة وسراية الغائلة «أن ينكحن» أي من أن ينكحن ~~فمحله النصب عند سيبويه والفراء والجر عند الخليل على الخلاف المشهور وقيل ~~هو بدل اشتمال من الضمير المنصوب في تعضلوهن وفيه دلالة على صحة النكاح ~~بعبارتهن «أزواجهن» إن أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ما كان وإما ~~باعتبار ما يكون والا فبالاعتبار الأخير «إذا تراضوا» ظرف للا تعضلوا وصيغة ~~التذكير باعتبار تغليب الخطاب على النساء والتقييد به لأنه المعتاد لا ~~لتجويز المنع قبل تمام التراضي وقيل ظرف لأن ينكحن وقوله تعالى «بينهم» ظرف ~~للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه «بالمعروف» الجميل عند الشرع المستحسن عند ~~الناس والباء اما متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا أو نعتا لمصدر ~~محذوف أي تراضيا كائنا بالمعروف واما بتراضوا أي يتراضوا بما يحسن في الدين ~~والمروءة وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفؤ أو بما دون مهر المثل ~~ليس من باب العضل «ذلك» إشارة إلى ما فصل من الأحكام وما فيه من معنى البعد ~~لتعظيم المشار اليه والخطاب لجميع المكلفين كما فيما بعده والتوحيد اما ~~باعتبار كل واحد منهم واما بتأويل القبيل والفريق واما لأن الكاف لمجرد ~~الخطاب والفرق بين الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين أو للرسول صلى الله ~~عليه وسلم كما في قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء للدلالة على ~~أن حقيقة المشار اليه أمر لا يكاد يعرفه كل أحد «يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر» فيسارع إلى الامتثال بأوامر ونواهيه إجلالا له وخوفا ~~من عقابه وقوله تعالى PageV01P229 # منكم إما متعلق بكان عند من يجوز عملها في الظروف وشبهها وإما بمحذوف وقع ~~حالا من فاعل ms0351 يؤمن أي كائنا منكم «ذلكم» أي الاتعاظ به والعمل بمقتضاه ~~«أزكى لكم» أي أنمى وأنفع «وأطهر» من أدناس الآثام وأوضار الذنوب «والله ~~يعلم» ما فيه من الزكاة والطهر «وأنتم لا تعلمون» ذلك أو والله يعلم ما فيه ~~صلاح أموركم من الأحكام والشرائع التي من جملتها ما بينه ههنا وأنتم لا ~~تعلمونها فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كل ما تأتون وما تذرون ~~«والوالدات يرضعن أولادهن» شروع في بيان الأحكام المتعلقة بأولادهن خصوصا ~~واشتراكا وهو أمر أخرج مخرج الخبر مبالغة في الحمل على تحقيق مضمونه ومعناه ~~الندب أو الوجوب إن خص بمادة عدم قبول الصبي ثدي الغير أو فقدان الظئر أو ~~عجز الوالد عن الاستئجار والتعبير عنهن بالعنوان المذكور لهز عطفهن نحو ~~أولادهن والحكم عام للمطلقات وغيرهن وقيل خاص بهن إذ الكلام فيهن «حولين ~~كاملين» التأكيد بصفة الكمال لبيان ان التقدير تحقيقي لا تقريبي مبني على ~~المسامحة المعتادة «لمن أراد أن يتم الرضاعة» بيان لمن يتوجه اليه الحكم أي ~~ذلك لمن أراد اتمام الرضاعة وفيه دلالة على جواز النقص وقيل اللام متعلقة ~~بيرضعن فإن الأب يجب عليه الارضاع كالنفقة والأم ترضع له كما يقال أرضعت ~~فلانة لفلان ولده «وعلى المولود له» أي الوالد فإن الولد يولد له وينسب ~~اليه وتغيير العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضى لوجوب الإرضاع ومؤنة ~~المرضعة عليه «رزقهن وكسوتهن» أجرة لهن واختلف في استئجار الأم وهو غير ~~جائز عندنا ما دامت في النكاح أو العدة جائز عند الشافعي رحمه الله ~~«بالمعروف» حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعه «لا تكلف نفس إلا وسعها» تعليل ~~لإيجاب المؤن بالمعروف أو تفسير للمعروف وهو نص على أنه تعالى لا يكلف ~~العبد مالا يطيقه وذلك لا ينافي إمكانه «لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ~~بولده» تفصيل لما قبله وتقرير له أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر مالا ~~يطيقه ولا يضاره بسبب ولده وقرئ لا تضار بالرفع بدلا من لا تكلف وأصله على ~~القراءتين لا تضارر بالكسر على البناء للفاعل وبالفتح ms0352 على البناء للمفعول ~~وعلى الوجه الأول يجوز ان يكون بمعنى تضر والباء من صلته أي لا يضر ~~الوالدان بالولد فيفرط في تعهده ويقصر فيما ينبغي له وقرئ لا تضار بالسكون ~~مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يضيره وإضافة ~~الولد إلى كل منهما لاستعطافهما اليه وللتنبيه على أنه جدير بأن يتفقا على ~~استصلاحه ولا ينبغي أن يضرابه أو يتضارا بسببه «وعلى الوارث مثل ذلك» ~~PageV01P230 # مثل ذلك) عطف على قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن الخ وما بينهما تعليل ~~أو تفسير معترض والمراد به وارث الصبي ممن كان ذا رحم محرم منه وقيل عصباته ~~وقال الشافعي رحمه الله هو وارث الأب وهو الصبي أي تمان المرضعة من ماله ~~عند موت الأب ولا نزاع فيه وانما الكلام فيما إذا لم يكن للصبي مال وقيل ~~الباقي من الأبوين من قوله عليه الصلاة والسلام واجعله الوارث منا وذلك ~~إشارة إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوة «فإن أرادا» أي الوالدان ~~«فصالا» أي فطاما عن الرضاع قبل تمام الحولين والتنكير للإيذان بأنه فصال ~~غير معتاد «عن تراض» متعلق بمحذوف ينساق اليه الذهن أي صادرا عن تراض ~~«منهما» أي من الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضر بالولد ~~بأن تمل المرأة الإرضاع ويبخل الأب بإعطاء الأجرة «وتشاور» في شأن الولد ~~وتفحص عن أحواله واجماع منهما على استحقاقه للفطام والتشاور من المشورة وهي ~~استخراج الرأي من شرت العسل إذا استخرجته وتنكيرهما للتفخيم «فلا جناح ~~عليهما» في ذلك لما أن تراضيهما انما يكون بعد استقرار رأيهما أو اجتهادهما ~~على أن صلاح الولد في الفطام وقلما يتفقان على الخطأ «وإن أردتم» بيان لحكم ~~عدم اتفاقهما على الفطام والالتفات إلى خطاب الآباء لهزهم إلى الامتثال بما ~~أمروا به «أن تسترضعوا أولادكم» بحذف المفعول الأول استغناء عنه أي أن ~~تسترضعوا المراضع لأولادكم يقال أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها إياه وقيل ~~انما يتعدى إلى الثاني بحرف الجر يقال استرضعت المرأة للصبي أي أن تسترضعوا ms0353 ~~المراضع لأولادكم فحذف حرف الجر أيضا كما في قوله تعالى وإذا كالوهم أي ~~كالوا لهم «فلا جناح عليكم» أي في الاسترضاع وفيه دلالة على أن للأب أن ~~يسترضع للولد ويمنع الأم من الارضاع «إذا سلمتم» أي إلى المراضع «ما آتيتم» ~~أي ما أردتم ايتاءه كما في قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقرئ ~~ما أتيتم من أتى اليه إحسانا إذا فعله وقرئ ما أوتيتم أي من جهة الله عز ~~وجل كما في قوله تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه وفيه مزيد بعث لهم ~~إلى التسليم «بالمعروف» متعلق بسلمتم أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعا ~~وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه وليس التسليم بشرط للصحة والجواز بل ~~هو ندب إلى ما هو الأليق والأولى فإن المراضع إذا أعطين ما قدر لهن ناجزا ~~يدا بيد كان ذلك أدخل في استصلاح شؤون الأطفال «واتقوا الله» في شأن مراعاة ~~الأحكام المذكورة «واعلموا أن الله بما تعملون بصير» فيجازيكم بذلك واظهار ~~الاسم في موضع الاضمار لتربية المهابة وفيه من الوعيد والتهديد مالا يخفى ~~«والذين» على حذف المضاف أي وأزواج الذين «يتوفون منكم» أي تقبض أرواحهم ~~بالموت فإن التوفى هو القبض يقال توفيت مالي من فلان واستوفيته منه أي ~~أخذته وقبضته والخطاب لكافة الناس بطريق التلوين «ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا» أو على حذف العائد إلى المبتدأ في الخبر ~~PageV01P231 # أي يتربصن بعدهم كما في قولهم السمن منوان بدرهم أي منوان منه وقرئ ~~يتوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالهم وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها ~~غرر الشهور والأيام ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون التذكير في مثله أصلا ~~حتى أنهم يقولون صمت عشرا ومن البين في ذلك قوله تعالى ان لبثتم الا عشرا ~~ثم ان لبثتم إلا يوما ولعل الحكمة في هذا التقدير ان الجنين إذا كان ذكرا ~~يتحرك غالبا لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتبر أقصى الأجلين ~~وزيد عليه العشر استظهارا إذ ربما تضعف الحركة فلا يحس بها وعموم اللفظ ~~يقتضي تساوي المسلمة والكتابية ms0354 والحرة والأمة في هذا الحكم ولكن القياس ~~اقتضى التنصيف في الأمة وقوله عز وجل وأولات الأحمال خص الحامل منه وعن علي ~~وابن عباس رضي الله عنهم انها تعتد بأبعد الأجلين احتياطا «فإذا بلغن ~~أجلهن» أي انقضت عدتهن «فلا جناح عليكم» أيها الحكام والمسلمون جميعا «فيما ~~فعلن في أنفسهن» من التزين والتعرض للخطاب وسائر ما حرم على المعتدة ~~«بالمعروف» بالوجه الذي لا ينكره الشرع وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ~~ينكره الشرع فعليهم ان يكفوهن عن ذلك والا فعليهم الجناح «والله بما تعملون ~~خبير» فلا تعملوا خلاف ما أمرتم به «ولا جناح عليكم» خطاب للكل «فيما عرضتم ~~به» التعريض والتلويح ابهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا كقول ~~السائل جئتك لأسلم عليك واصله إمالة الكلام عن نهجه إلى عرض منه أي جانب ~~والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه كقولك طويل النجاد ~~للطويل وكثير الرماد للمضياف «من خطبة النساء» الخطبة بالكسر كالقعدة ~~والجلسة ما يفعله الخاطب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل فقيل هي مأخوذة ~~من الخطب أي الشأن الذي له خطر لما أنها شأن من الشؤون ونوع من الخطوب وقيل ~~من الخطاب لأنها نوع مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة والمراد ~~بالنساء المعتدات للوفاة والتعريض لخطبتهن ان يقول لها انك لجميلة أو صالحة ~~أو نافعة ومن غرضي ان أتزوج ونحو ذلك مما يوهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس ~~نفسها عليه ان رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح «أو أكننتم في أنفسكم» أي أضمرتم ~~في قلوبكم فلم تذكروه تصريحا ولا تعريضا «علم الله أنكم ستذكرونهن» ولا ~~تصبرون على السكوت عنهن وعن اظهار الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ لهم على قلة ~~التثبت «ولكن لا تواعدوهن سرا» استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن أي ~~فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض ~~والتعبير عن النكاح بالسر لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر به وإيثاره على ~~اسمه للإيذان بأنه مما ينبغي أن يسر به ويكتم وحمله ms0355 على الوطء ربما يوهم ~~الرخصة في المحظور الذي هو التصريح بالنكاح وقيل انتصاب سرا على الظرفية أي ~~لا تواعدوهن في السر على ان المراد بذلك PageV01P232 # المواعدة بما يستهجن وفيه ما فيه «إلا أن تقولوا قولا معروفا» استثناء ~~مفرغ مما يدل عليه النهي أي لا تواعدهن مواعدة ما الا مواعدة معروفة غير ~~منكرة شرعا وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح أو إلا مواعدة بقول معروف ~~أو لا تواعدوهن بشيء من الأشياء الا بأن تقولوا قولا معروفا وقيل هو ~~استثناء منقطع من سرا وهو ضعيف لأدائه إلى جعل التعريض موعودا وليس كذلك ~~«ولا تعزموا عقدة النكاح» من عزم الأمر إذا قصده قصدا جازما وحقيقته القطع ~~بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل وروى ~~لمن لم يبيت الصيام والنهي عنه للمبالغة في النهي عن مباشرة عقد النكاح أي ~~لا تعزموا عقد عقدة النكاح «حتى يبلغ الكتاب أجله» أي العدة المكتوبة ~~المفروضة آخرها وقيل معناه لا تقطعوا عقدة النكاح أي لا تبرموها ولا ~~تلزموها ولا تقدموا عليها فيكون نهيا عن نفس الفعل لا عن قصده «واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم» من ذوات الصدور التي من جملتها العزم على ما نهيتم ~~عنه «فاحذروه» بالاجتناب عن العزم ابتداء أو إقلاعا عنه بعد تحققه «واعلموا ~~أن الله غفور» يغفر لمن يقلع عن عزمه خشية منه تعالى «حليم» لا يعاجلكم ~~بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما ~~يستتبع المؤاخذة واظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لإدخال الروعة «لا ~~جناح عليكم» أي لا تبعة من مهر وهو الأظهر وقيل من وزر إذ لا بدعة في ~~الطلاق قبل المسيس وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر النهي عن الطلاق ~~فظن ان فيه جناحا فنفى ذلك «إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن» أي ما لم ~~تجامعوهن وقرئ تماسوهن بضم التاء في جميع المواقع أي مدة عدم مساسكم إياهن ~~على ان ما مصدرية ظرفية بتقدير المضاف ms0356 ونقل أبو البقاء انها شرطية بمعنى ان ~~فيكون من باب اعتراض الشرط على الشرط فيكون الثاني قيدا للأول كما في قولك ~~ان تأتني ان تحسن إلى أكرمك أي ان تأتني محسنا إلى والمعنى ان طلقتموهن غير ~~ما سين لهن وهذا المعنى أقعد من الأول لما ان ما الظرفية انما يحسن موقعها ~~فيما إذا كان المظروف امرا ممتدا منطبقا على ما أضيف إليها من المدة أو ~~الزمان كما في قوله تعالى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وقوله تعالى ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ولا يخفى ان التطليق ليس كذلك وتعليق الظرف ~~بنفي الجناح ربما يوهم امكان المسيس بعد الطلاق فالوجه ان يقدر الحال مكان ~~الزمان والمدة «أو تفرضوا لهن فريضة» أي الا ان تفرضوا لهن أو حتى تفرضوا ~~لهن عند العقد مهرا على ان فريضة فعلية بمعنى مفعول والتاء لنقل اللفظ من ~~الوصفية إلى الاسمية وانتصابه على المفعولية ويجوز ان يكون مصدرا صيغة ~~واعرابا والمعنى انه لا تبعه على المطلق بمطالبة المهر أصلا إذا كان الطلاق ~~قبل المسيس على كل حال الا في حال تسمية المهر فإن عليه حينئذ نصف المسمى ~~وفي حال عدم تسميته عليه المتعة لانصف مهر المثل واما إذا كان بعد المساس ~~فعليه في صورة التسمية تمام المسمى وفي صورة عدمها تمام مهر المثل وقيل ~~كلمة أو عاطفة لمدخولها على PageV01P233 # 237 البقرة ما قبلها من الفعل المجزوم على معنى ما لم يكن منكم مسيس ولا ~~فرض مهر «ومتعوهن» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فطلقوهن ومتعوهن ~~والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق وهي درع وملحفة وخمار على حسب ~~الحال كما يفصح عنه قوله تعالى «على الموسع قدره وعلى المقتر قدره» أي ما ~~يليق بحال كل منهما وقرئ بسكون الدال وهي جملة مستأنفة لا محل لها من ~~الإعراب مبينة لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلق أيسارا وإقتارا أو حال ~~من فاعل متعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ أو على جعل الألف ~~واللام عوضا ms0357 من المضاف إليه عند من يجوزه أي على موسعكم الخ وهذا إذا لم ~~يكن مهر مثلها أقا من ذلك فإن كان أقل فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن ~~المتعة ولا ينقص عن خمسة دراهم «متاعا» أي تمتيعا «بالمعروف» أي بالوجه ~~الذي تستحسنه الشريعة والمروءة «حقا» صفة لمتاعا أو مصدر مؤكد أي حق ذلك ~~حقا «على المحسنين» أي الذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو ~~إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتبارا للمشاركة ~~وترغيبا وتحريضا «وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن» قبل ذلك ~~«فريضة» أي وإن طلقتموهن من قبل المسيس حال كونكم مسمين لهن فيما سبق أي ~~عند النكاح مهرا على أن الجملة حال من فاعل طلقتموهن ويجوز أن تكون حالا من ~~مفعوله لتحقيق الرابط بالنسبة إليهما ونفس الفرض من المبنى للفاعل أو ~~للمفعول وإن لم يقارن حالة التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق ~~مما لا ريب في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضا لها ~~فيما سبق «فنصف ما فرضتم» أي فلهن نصف ماسميتم لهن من المهر أو فالواجب ~~عليكم ذلك وهذا صريح في أن المنفى في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر ~~وقرئ بالنصب أي فأدوا نصف ما فرضتم ولعل تأخير حكم التسمية مع أنها الأصل ~~في العقد والأكثر في الوقوع لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصارى تزوج ~~امرأة من بنى حنيفة وكانت مفوضة فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم عند إظهار أن لا شئ له ~~متعها بقلنسوتك «إلا أن يعفون» استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي فلهن نصف ~~المفروض معينا في كل حال إلا حال عفوهن فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه ~~وظاهر الصيغة في نفسها يحتمل التذكير والتأنيث وإنما الفرق في الاعتبار ~~والتحقيق فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع وفي الثانية لام ~~الفعل والنون ضمير والفعل مبنى لذلك لم يؤثر فيه أن تأثيره ms0358 فيما عطف على ~~محلة من قوله تعالى «أو يعفو» بالنصب وقرئ بسكون الواو «الذي بيده عقدة ~~النكاح» أي يترك الزوج المالك لعقدة وحلة ما يعود إليه من نصف المهر الذي ~~ساقه إليها كاملا على ما هو المعتاد تكرما فإن ترك حقه عليها عفو بلا شبهة ~~أو سمى ذلك عفوا في صورة عدم السوق PageV01P234 # مشاكلة أو تغليبا لحال السوق على حال عدمه فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع ~~الزيادة في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه أي ~~فلهن هذا القدر زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه ~~حينئذ لا يكون لهن القدر المذكور بل ينتفى ذلك أو ينحط أو في حال عفو الزوج ~~فإنه حينئذ يكون لهن الزيادة على ذلك القدر هذا على التفسير الأول وأما على ~~التفسير الثاني فلا بد من المصير إلى جعل الاستثناء منقطعا لأن في صورة عفو ~~الزوج لا يتصور الوجوب عليه هذا عندنا وفي القول القديم للشافعي رحمه الله ~~أن المراد عفو الولي الذي بيده عقده نكاح الصغيرة وهو ظاهر المأخذ خلا أن ~~الأولى أنسب بقوله تعالى «وأن تعفوا أقرب للتقوى» إلى آخره فإن أسقاط حق ~~الصغير ليس في شئ من التقوى وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل ~~الدخول وأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو وقرئ بالياء «ولا تنسوا الفضل ~~بينكم» أي لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض كالشئ المنسى وقرئ بكسر الواو ~~والخطاب في الفعلين للرجال والنساء جميعا بطريق التغليب «إن الله بما ~~تعملون بصير» فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والاحسان «حافظوا على ~~الصلوات» أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير اخلال بشيء منها كما تنبئ ~~عنه صيغة المفاعلة المفيدة للمبالغة ولعل الأمر بها في تضاعيف بيان أحكام ~~الأزواج والأولاد قبل الاتمام للإيذان بأنها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها ~~والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأنهم بل بشأن أنفسهم أيضا كما يفصح ~~عنه الامر بها في حالة الخوف ولذلك امر بها ms0359 في خلال بيان ما يتعلق بهم من ~~الأحكام الشرعية المتشابكة الآخذ بعضها بحجزة بعض «والصلاة الوسطى» أي ~~المتوسطة بينها أو الفضلى منها وهي صلاة العصر لقوله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله تعالى بيوتهم ~~نارا وقال صلى الله عليه وسلم انها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود ~~عليهما الصلاة والسلام وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم ~~ومكاسبهم واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار حينئذ وقيل هي صلاة الظهر ~~لأنها في وسط النهار وكانت أشق الصلوات عليهم لما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يصليها بالهاجرة فكانت أفضلها لقوله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العبادات أحمزها وقيل هي صلاة الفجر لأنها بين صلاتي الليل والنهار ~~والواقعة في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودة كصلاة العصر وقيل هي صلاة ~~المغرب لأنها متوسطة من حيث العدد ومن حيث الوقوع بين صلاتي النهار والليل ~~ووتر النهار ولا تنقص في السفر وقيل هي صلاة العشاء لأنها بين الجهريتين ~~الواقعتين في طرفي الليل وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر فتكون حينئذ احدى الأربع قد ~~خصت بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل وقرئ وعلى الصلاة الوسطى وقرئ بالنصب ~~على المدح وقرئ الوسطى «وقوموا لله» أي في الصلاة «قانتين» ذاكرين له تعالى ~~في القيام لأن القنوت هو الذكر فيه وقيل هو اكمال الطاعة واتمامها بغير ~~اخلال بشيء من أركانها وقيل خاشعين وقال ابن المسيب المراد به القنوت في ~~الصبح PageV01P235 # 239 «فإن خفتم» أي من عدو أو غيره «فرجالا» جمع راجل كقيام وقائم أو رجل ~~بمعنى راجل وقرئ بضم الراء مع التخفيف وبضمها مع التشديد أيصا وقرئ فرجلا ~~أي راجلا «أو ركبانا» جمع راكب أي فصلوا راجلين أو راكبين حسبما يقتضيه ~~الحال له ولا تخلوا بها ما أمكن الوقوف في الجملة وقد جوز الشافعي رحمه ~~الله أداءها حال المسايفة أيصا «فإذا أمنتم» بزوال الخوف «فاذكروا الله» أي ~~فصلوا ms0360 صلاة الأمن عبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها «كما علمكم» متعلق ~~بمحذوف وقع وصفا لمصدر محذوف أي ذكرا كائنا كما علمكم أي كتعليمه إياكم «ما ~~لم تكونوا تعلمون» من كيفية الصلاة والمراد بالتشبيه أن تكون الصلاة ~~المؤداة موافقة لما علمه الله تعالى وإيرادها بذلك العنوان لتذكير النعمة ~~أو اشكروا الله تعالى شكرا يوازي تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من ~~الشرائع والأحكام التي من جملتها كيفية إقامة الصلاة حالتي الخوف والأمن ~~هذا وفي إيراد الشرطية الأولى بكلمة أن المفيدة لمشكوكية وقوع الخوف وندرته ~~وتصدير الشرطية الثانية بكلمة إذا المنبئة عن تحقيق وقوع الأمن وكثرته مع ~~الإيجاز في جواب الولي والإطناب في جواب في جواب الثانية المبنيين على ~~تنزيل مقام وقوع المأمور به فيهما منزلة مقام وقوع الأمر تنزيلا مستدعيا ~~لإجراء مقتضى المقام الأول في كل منهما مجرى مقتضى المقام الثاني من ~~الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولى البصار «والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا» عود إلى بيان بقية الأحكام المفصلة فيما سلف أثر بيان أحكام ~~وسطت بينهما لما أشير إليه من الحكمة الداعية إلى ذلك «وصية لأزواجهم» أي ~~يوصون أو ليوصوا أو كتب الله عليهم وصية ويؤيد من قرأ كتب عليكم الوصية ~~لأزواجكم وقرئ بالرفع على تقدير مضاف في المبتدأ أو الخبر أي حكم الذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم أو والذين يتوفون أهل وصية ~~لأزواجهم أو كتب عليهم وصية أو عليهم وصية وقرئ مناع لأزواجهم بدل وصية ~~«متاعا إلى الحول» منصوب بيوصون أن أضمرته وإلا فبالوصية أو بمتاع على ~~القراءة الأخيرة «غير إخراج» بدل منه أو مصدر مؤكد كما في قولك هذا القول ~~غير ما تقول أو حال من أزواجهم أي غير مخرجات والمعنى يجب على الذين يتوفون ~~أن يوصوا قبل الاختصار لأزواجهم بان يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى وكان ~~ذلك أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله تعالى أربعة أشهر وعشرا فإنه وإن كان ~~متقدما في التلاوة متأخر في النزول وسقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن ~~وكذلك السكنى ms0361 عندنا وعند الشافعي هي باقية «فإن خرجن» عن منزل الأزواج ~~باختيارهن «فلا جناح عليكم» أيها الأئمة «فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف» لا ~~ينكره الشرع كالتزين والتطيب وترك الحداد والتعرض للخطاب وفيه دلالة على ان ~~المحظور إخراجها عند إرادة القرار وملازمة مسكن الزوج والحداد من غير أن ~~يجب PageV01P236 # عليها ذلك وأنها كانت مخيرة بين الملازمة مع أخذ النفقة وبين الخروج مع ~~تركها «والله عزيز» غالب على أمره يعاقب من خالفة «حكيم» يراعى في أحكامه ~~مصالح عبادة «وللمطلقات» سواء كن مدخولا بهن أولا «متاع» أي مطلق المتعة ~~الشاملة للواجبة والمستحبة وأوجبها سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري للكل ~~وقيل المراد بالمتاع نفقة العدة وقيل اللام للعهد والمراد غير المدخول بهن ~~والتكرير للتأكيد «بالمعروف» شرعا وعادة «حقا على المتقين» أي مما ينبغي ~~«كذلك» أي مثل ذلك البيان الواضح «يبين الله لكم آياته» الدالة على أحكامه ~~التي شرعها لعباده «لعلكم تعقلون» لكي تفهموا ما فيها وتعلموا بموجبها «ألم ~~تر» تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار وتعجيب من شأنهم ~~البديع فإن سماعهم لها بمنزلة الرؤية النظرية أو العلمية أو لكل أحد من له ~~حظ من الخطاب إيذانا بان قصتهم من الشهرة والشيوع بحيث يحق لكل أحد أن يحمل ~~على الإقرار برؤيتهم وسماع قصتهم ويعجب بها وإن لم يكن رآهم أو سمع بقصتهم ~~فإن هذا الكلام قد جرى مجرى المثل في مقام التعجيب لما أنه شبه حال غير ~~الرائي لشئ عجيب بحال الرائي له بناء على ادعاء ظهور أمره وجلائه بحيث ~~استوى في إدراكه الشاهد والغائب ثم اجرى الكلام معه كما يجرى مع الرائي ~~قصدا إلى المبالغة في شهرته وعراقته في التعجب وتعدية الرؤية بإلى في قولة ~~تعالى «إلى الذين خرجوا من ديارهم» على تقدير كونها بمعنى الابصار باعتبار ~~معنى النظر وعلى تقدير كونها إ دراكا قلبيا لتضمين معنى الوصول والانتهاء ~~على معنى ألم ينته علمك إليهم «وهم ألوف» اى ألوف كثيرة قيل عشرة آ لاف ~~وقيل ثلاثون وقيل سبعون ألفا والجملة حال ms0362 من ضمير خرجوا وقوله عز وجل «حذر ~~الموت» مفعول له روى أن أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيهم الطاعون فخرجوا ~~منها هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أن لا مفر من حكم ~~الله عز سلطانه وقضائه وقيل مر عليهم حز قيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم ~~وتفرقت أوصالهم فلوى شدقيه وأصابعه تعجبا مما رأى من أمرهم فأوحى إليه ناد ~~فيهم أن قوموا بإذن الله فنادى فإذا هم قيام يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا ~~اله الا أنت وقيل هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا ~~حذرا من الموت فأماتهم الله تعالى ثمانية أيام ثم أحياهم وقوله عز وجل ~~«فقال لهم الله موتوا» إما عبارة عن تعلق إرادته تعالى بموتهم دفعة وإما ~~تمثيل لأماتته تعالى إياهم ميتة نفس واحدة في أقرب وقت وأدناه واسرع زمان ~~وأوحاه بأمر آمر مطاع لمأمور مطيع كما في قوله تعالى PageV01P237 # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «ثم أحياهم» عطف إما على ~~مقدر يستدعيه المقام أي فماتوا ثم أحياهم وإنما حذف للدلالة على الاستغناء ~~عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن ارادته وإما على قال لما انه عبارة ~~عن الإماتة وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض لأسباب الشهادة وأن ~~الموت حيث لم يكن منه بد ولم ينفع منه المفر فأولى أن يكون في سبيل الله ~~تعالى «إن الله لذو فضل» عظيم «على الناس» قاطبة أما أولئك فقد أحياهم ~~ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى وأما الذين سمعوا قصتهم ~~فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار «ولكن أكثر الناس لا يشكرون» أي لا ~~يشكرون فضله كما ينبغي ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار وإظهار ~~الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع «وقاتلوا في سبيل الله» عطف على مقدر ~~يعينه ما قبله كأنه قيل فاشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في ~~سبيله لما علمتم أن الفرار لا ينجى من الحمام وأن المقدر لا مرد له فإن كان ~~قد حان الاجل ms0363 فموت في سبيل الله عز وجل وإلا فنصر عزيز وثواب «واعلموا أن ~~الله سميع» يسمع مقالة السابقين والمتخلفين «عليم» بما يضمرونه في أنفسهم ~~وهو من وراء الجزاء خيرا وشرا فسارعوا إلى الامتثال واحذروا المخالفة ~~والمساهلة «من ذا الذي يقرض الله» من استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء وذا ~~خبره والموصول صفة له أو بدل منه وإقراض الله تعالى مثل لتقديم العمل ~~العاجل طلبا للثواب الآجل والمراد ههنا إما الجهاد الذي هو عبارة عن بذل ~~النفس والمال في سبيل الله عز وجل ابتغاء لمرضاته وإما مطلق العمل الصالح ~~المنتظم له انتظاما أوليا «قرضا حسنا» أي إقراضا مقرونا بالإخلاص وطيب ~~النفس أو مقرضا حلالا طيبا «فيضاعفه له» بالنصب على جواب الاستفهام حملا ~~على المعنى فإنه في معنى أيقرضه وقرئ بالرفع أي يضاعف اجره وجزاءه جعل ذلك ~~مضاعفة له بناء على ما بينهما من المناسبة بالسببية ظاهرا وصيغة المفاعلة ~~للمبالغة وقرئ فيضعفه بالرفع وبالنصب «أضعافا» جمع ضعف ونصبه على انه حال ~~من الضمير المنصوب أو مفعول بأن يضمن المضاعفة معي التصيير أو مصدر مؤكد ~~على أن الضعف اسم للمصدر والجمع للتنوين «كثيرة» لا يعلم قدرها الا الله ~~تعالى وقيل الواحد بسبعمائة «والله يقبض ويبسط» أي يقتر على بعض ويوسع على ~~بعض أو يقتر تارة ويوسع أخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم ~~والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كي لا يبدل أحوالكم ولعل تأخير ~~البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى انه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء ~~وقرئ يبصط بالصاد لمجاورة الطاء «وإليه ترجعون» فيجازيكم على ما قدمتم من ~~الاعمال خيرا وشرا PageV01P238 # ألم تر» تقرير وتعجيب كما سبق قطع عنه للإيذان باستقلاله في التعجب مع أن ~~له مزيد ارتباط بما وسط بينهما من الامر بالقتال «إلى الملإ من بني ~~إسرائيل» الملأ من القوم وجوههم وأشرافهم وهو اسم للجماعة لا واحد له من ~~لفظه كالرهط والقوم سموا بذلك لما أنهم يملئون العيون مهابة والمجالس بهاء ~~أو لأنهم مليئون بما يبتغي منهم ومن تبعيضية ومن في ms0364 قوله تعالى «من بعد ~~موسى» ابتدائية وعاملها مقدر وقع حالا من الملأ أي كائنين بعض بني إسرائيل ~~من بعد وفاة موسى ولا ضير في اتحاد الحرفين لفظا عند اختلافهما معنى «إذ ~~قالوا» منصوب بمضمر يستدعيه المقام أي ألم تر إلى قصة الملأ أو حديثهم حين ~~قالوا «لنبي لهم» هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهما السلام وقيل ~~شمعون بن صعبة بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب عليهما السلام وقيل وقيل ~~اشمويل بن بال بن علقمة وهو بالعبرانية إسماعيل قال مقاتل هو من نسل هارون ~~عليه السلام وقال مجاهد اشمويل بن هلقايا «ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل ~~الله» أي انهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير امر الحرب عن رأيه وقرئ ~~نقاتل بالرفع على أنه حال مقدرة أي ابعثه لنا مقدرين القتال أو استئناف ~~مبني على السؤال وقرئ يقاتل بالياء مجزوما ومرفوعا على الجواب للأمر والوصف ~~لملكا «قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن كأنه قيل فماذا ~~قال لهم النبي حينئذ فقيل قال «قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا» فصل بين عسى وخبره بالشرط للاعتناء به أي هل قاربتم ان لا ~~تقاتلوا كما أتوقعه منكم والمراد تقرير ان المتوقع كائن وانما لم يذكر في ~~معرض الشرط ما التمسوه بأن قيل هل عسيتم ان بعثت لكم ملكا الخ مع أنه اظهر ~~تعلقا بكلامهم بل ذكر كتابة القتال عليهم للمبالغة في بيان تخلفهم عنه ~~فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضية القتال عليهم بإيجاب الله تعالى فلأن لا ~~يقاتلوا عند عدم فرضيته أولى ولأن إيراد ما ذكروه ربما يوهم ان سبب تخلفهم ~~عن القتال هو المبعوث لا نفس القتال وقرئ عسيتم بكسر السين وهي ضعيفة ~~«قالوا» استئناف كما سبق «وما لنا ألا نقاتل» أي أي سبب لنا في ان لا نقاتل ~~«في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» أي والحال أنه قد عرض لنا ما ~~يوجب القتال ايجابا قويا من الاخراج عن الديار ms0365 والأوطان والاغتراب من الأهل ~~والأولاد وافراد الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسباب القتال وذلك ان جالوت ~~رأس العمالقة وملكهم وهو جبار من أولاد عمليق بن عاد كان هو ومن معه من ~~العمالقة يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وظهروا على بني إسرائيل ~~وأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة PageV01P239 # وأربعين نفسا وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم «فلما كتب عليهم ~~القتال» بعد سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبعث الملك «تولوا» أي ~~اعرضوا وتخلفوا لكن لا في ابتداء الأمر بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته ~~كما سيجئ تفصيله وإنما ذكر ههنا مآل أمرهم إجمالا إظهار لما بين قولهم ~~وفعلهم من التنافي والتباين «إلا قليلا منهم» وهم الذين اكتفوا بالغرفة من ~~النهر وجاوزوه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر «والله عليم ~~بالظالمين» وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك الجهاد وتنافي ~~أقوالهم وأفعالهم والجملة اعتراض تذييلي «وقال لهم نبيهم» شروع في تفصيل ما ~~جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال إثر الإشارة الإجمالية ~~إلى مصير حالهم أي قال لهم بعد ما أوحى إليه ما أوحى «إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا» طالوت علم عبرى كداود وجعله فعلوتا من الطول يأباه منع صرفه ~~وملكا حال منه روى أنه عليه السلام لما دعا ربه أن يجعل لهم ملكا أتى بعصا ~~يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت «قالوا» استئناف كما مر «أنى ~~يكون له الملك علينا» أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك «ونحن أحق بالملك منه ~~ولم يؤت سعة من المال» الواو الأولى حالية والثانية عاطفة جامعة للجملتين ~~في الحكم أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق ~~منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال وسبب هذا الاستبعاد ان النبوة كانت ~~مخصوصة بسبط معين من أسباط بنى إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب عليه السلام ~~وسبط المملكة بسبط يهودا ومنه داود وسليمان عليهما السلام ولم يكن طالوت ms0366 من ~~أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين قيل كان راعيا وقيل دباغا وقيل سقاء ~~«قال إن الله اصطفاه عليكم» لما استبعدوا تملكة بسقوط نسبه وبفقره رد عليهم ~~ذلك أولا ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم ~~بالمصالح منكم وثانيا بان العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور ~~السياسة وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ~~ومكابدة الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر وذلك قوله عز وجل «وزاده ~~بسطة في العلم» أي العلم المتعلق بالملك أو به وبالديانات أيضا وقيل قد ~~أوحى إليه ونبئ «والجسم» قيل بطول القامة فإنه كان أطول من غيره برأسه ~~ومنكبيه حتى أن الرجل القائم كان يمد يده فينال رأسه وقيل بالجمال وقيل ~~بالقوة «والله يؤتي ملكه من يشاء» لما انه مالك الملك والملكوت فعال لما ~~يريد فله أن يؤتيه من يشاء من عبادة «والله واسع» يوسع على الفقير ويغنيه ~~«عليم» بمن يليق بالملك ممن لا يليق به وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة ~~PageV01P240 # «وقال لهم نبيهم» توسيطه فيما بين قوليه المحكيين عنه عليه السلام ~~للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر وتخلل كلام من جهة المخاطبين متفرع على ~~السابق مستتبع للاحق كأنهم طلبوا منه عليه السلام آية تدل على أنه تعالى ~~اصطفى طالوت وملكة عليهم روى أنهم قالوا ما آية ملكة فقال «إن آية ملكه أن ~~يأتيكم التابوت» أي الصندوق وهو فعلوت من التوب الذي هو الرجوع لما أنه لا ~~يزال يرجع إليه ما يخرج منه وتاؤه مزيدة لغير التأنيث كملكوت ورهبوت ~~والمشهور أن يوقف على تائه من غير أن تقلب هاء ومنهم من يقلبها إياها ~~والمراد به صندوق التوراة وكان قد رفعه الله عز وجل بعد وفاة موسى عليه ~~السلام سخطا على بنى إسرائيل لما عصوا واعتدوا فلما طلب القوم من نبيهم آية ~~تدل على ملك طالوت قال لهم أن آية ملكه ان يأتيكم التابوت من السماء ~~والملائكة يحفظونه فأتاهم كما وصف والقوم ينظرون إليه حتى ms0367 نزل عند طالوت ~~وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال أرباب الأخبار إن الله تعالى أنزل ~~على آدم تابوتا فيه تماثيل الأنبياء عليهم السلام من أولاده وكان من عود ~~الشمشاد نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين فكان عند آدم عليه السلام إلى أن ~~توفى فتوارثه أولاده واحد بعد واحد إلى ان وصل إلى يعقوب عليه السلام ثم ~~بقي في أيدي بنى إسرائيل إلى ان وصل إلى موسى عليه السلام فكان علية الصلاة ~~والسلام يضع فيه التوراة وكان إذا قاتل قدمه فكانت تسكن إليه نفوس بنى ~~إسرائيل وكان عنده إلى ان توفى ثم تداولته أيدي بنى إسرائيل وكانوا إذا ~~اختلفوا في شئ تحاكموا إليه فيكلمهم ويحكم بينهم وكانوا إذا حضروا القتال ~~يقدمونه بين أيديهم ويستفتحون به على عدوهم وكانت الملائكة تحملة فوق ~~العسكر ثم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر فلما ~~عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه ~~في موضع البول والغائط فلما أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم ~~البلاء حتى أن كل من بال عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن ~~فعلم الكفار أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورين ~~فأقبل الثوران يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ~~حتى أتوا منزل طالوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال لهم النبي ~~أن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره فلما وجدوه عنده يقنوا بملكه «فيه ~~سكينة من ربكم» أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة كائنة من ربكم أو في ~~التابوت ما تسكنون إليه وهو التوراة المودعة فيه بناء على ما مر من أن موسى ~~عليه السلام إذا قاتل قدمه فتسكن إليه نفوس بنى إسرائيل وقيل السكينة صورة ~~كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهر وذنبه وجناحان فتئن ~~فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر ~~وعن علي رضي الله عنه كان لها وجه ms0368 كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة «وبقية مما ~~ترك آل موسى وآل هارون» PageV01P241 # هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه من التوراة وكان قد رفعه الله تعالى ~~بعد وفاة موسى عليه السلام وآلهما أبناؤهما أو أنفسهما والآل مقحم لتفخيم ~~شأنهما أو أنبياء بنى إسرائيل «تحمله الملائكة» حال من التابوت أي إن آية ~~ملكه إتيانه حال كونه محمولا للملائكة وقد مر كيفية ذلك ولعل حمل الملائكة ~~على الرواية الأخيرة عبارة عن سوقهم للثورين الحاملين له «إن في ذلك» إشارة ~~إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلام النبي عليه السلام لقومه أو ~~إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء كلام من جهة الله تعالى جيء به قبل تمام ~~القصة اظهارا لكمال العناية به وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على ~~التقديرين بتأويل الفريق أو غيره كما سلف «لآية» عظمة «لكم» دالة على ملك ~~طالوت أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما ~~هي عليه من غير سماع من البشر «إن كنتم مؤمنين» أي مصدقين بتمليكه عليكم أو ~~بشيء من الآيات وان شرطية والجواب محذوف ثقة بما قبله وقيل هي بمعنى إذ ~~«فلما فصل طالوت بالجنود» أي انفصل بهم عن بيت المقدس والأصل فصل نفسه ولما ~~اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر ~~كانفصل وقيل فصل فصولا وقد جوز كونه أصلا برأسه ممتازا من المتعدي بمصدره ~~كوقف وقوفا ووقفه وقفا وكصد صدودا ورجع رجوعا ورجعه رجعا والباء متعلقة ~~بمحذوف وقع حالا من طالوت أي ملتبسا بهم ومصاحبا لهم روى أنه قال لقومه لا ~~يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ولا متزوج ~~بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي الا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع اليه ممن ~~اختاره ثمانون ألفا وكان الوقت قيظا وسلكوا مفازة فسألوا أن يجري الله ~~تعالى لهم نهرا فبعد ما ظهر له ما تعلقت به مشيئته تعالى من جهة النبي عليه ~~السلام أو بطريق الوحي عند ms0369 من يقول بنبوته «قال إن الله مبتليكم بنهر» بفتح ~~الهاء وقرئ بسكونها «فمن شرب منه» أي ابتدأ شربه من النهر بأن كرع لأنه ~~الشرب منه حقيقة «فليس مني» أي من جملتي وأشياعي المؤمنين وقيل ليس بمتصل ~~بي ومتحد معي من قولهم فلان مني كأنه بعضه لكمال اختلاطهما «ومن لم يطعمه» ~~أي لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا أو غيرهما قال * ~~وان شئت حرمت النساء سواكم * وان شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا * أي نوما ~~«فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده» استثناء من قوله تعالى فمن شرب منه فليس ~~مني وانما اخر عن الجملة الثانية لإبراز كمال العناية بها ومعناه الرخصة في ~~اغتراف الغرفة باليد دون الكروع والغرفة ما يغرف وقرئ بفتح الغين على أنها ~~مصدر والباء متعلقة باغترف أو بمحذوف وقع صفة لغرفة أي غرفة كائنة بيده ~~يروى أن الغرفة كانت PageV01P242 # تكفي الرجل لشربه وأدواته ودوابه واما الذين شربوا منه فقد اسودت شفاههم ~~وغلبهم العطش «فشربوا منه» عطف على مقدر يقتضيه المقام أي فابتلوا به ~~فشربوا منه «إلا قليلا منهم» وهو المشار إليهم فيما سلف بالاستثناء من تولى ~~وقرئ إلا قليل منهم ميلا إلى جانب المعنى وضربا عن عدوة اللفظ جانبا فإن ~~قوله تعالى فشربوا منه في قوة أن يقال فلم يطيعوه فحق أن يرد المستثني ~~مرفوعا كما في قول الفرزدق * وعض الزمان يا ابن مروان لم يدع * من المال ~~إلا مسحت أو مجلف * فإن قوله لم يدع في حكم لم يبق «فلما جاوزه» أي النهر ~~«هو» أي طالوت «والذين آمنوا معه» عطف على الضمير المتصل المؤكد بالمنفصل ~~والظرف متعلق بجاوز لا بآمنوا وقيل الواو حالية والظرف متعلق بمحذوف وقع ~~خبرا من الموصول كأنه قيل فلما جاوزه والحال أن الذين آمنوا كائنون معه وهم ~~أولئك القليل وفيه إشارة إلى أن من عداهم بمعزل من الإيمان «قالوا» أي بعض ~~من معه من المؤمنين لبعض «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده» أي بمحاربتهم ~~ومقاومتهم فضلا عن ms0370 أن يكون لنا غلبة عليهم لما شاهدوا منهم من الكثرة ~~والشدة قيل كانوا مائة ألف مقاتل شاكي السلاح «قال» استئناف مبنى على ~~السؤال كأنه قيل فماذا قال مخاطبهم فقيل قال «الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله» قيل أي الخلص منهم الذين يتيقنون لقاء الله تعالى بالبعث ويتوقعون ~~ثوابه وإفرادهم بذلك الوصف لا ينافي إيمان الباقين فإن درجات المؤمنين في ~~التيقن والتوقع متفاوتة أو الذين يعلمون أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون ~~الله تعالى وقيل الموصول عبارة عن المؤمنين كافة والضمير في قالوا ~~للمنخذلين عنهم كأنهم قالوه اعتذارا عن التخلف والنهر بينهما «كم من فئة» ~~أي فرقة وجماعة من الناس من فأوت رأسه إذا شققتها أو من فاء إليه إذا رجع ~~فوزنها على الأول فعه وعلى الثاني فلة «قليلة غلبت فئة كثيرة» وكم خبرية ~~كانت أو استفهامية مفيدة للتكثير وهي في حيز الرفع بالابتداء خبرها غلبت أي ~~كثير من الفئات القليلة غلبت الفئات الكثيرة «بإذن الله» أي بحكمه وتيسيره ~~فإن دوران كافة الأمور على مشيئته تعالى فلا يذل من نصره وإن قل عدده ولا ~~يعز من خذله وإن كثر أسبابه وعدده وقد روعى في الجواب نكتة بديعة حيث لم ~~يقل أطاقت بفئة كثيرة حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغة في رد مقالتهم ~~وتسكين قلوبهم وهذا كما ترى جواب ناشئ من كمال ثقتهم بنصر الله تعالى ~~وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاء الله تعالى بالبعث لا سيما بالاستشهاد فإن ~~العلم به ربما يورث اليأس من الغلبة ولا لتوقع ثوابه تعالى ولا ريب في أن ~~ما ذكر في حيز الصلة ينبغي ان يكون مدارا للحكم الوارد على الموصول فلا أقل ~~من أن يكون وصفا ملائما له فلعل المراد بلقائه تعالى لقاء نصره وتأييده عبر ~~عنه بذلك مبالغة كما عبر عن مقارنة نصره تعالى بمقارنته سبحانه حيث قيل ~~«والله مع الصابرين» فإن المراد به معية نصره وتوفيقه حتما وحملها على ~~المعية بالإثابة كما فعل يأباه أنهم إنما قالوه تتميما لجوابهم وتأكيدا له ~~بطريق الاعتراض التذييلي ms0371 تشجيعا لأصحابهم وتثبيتا لهم على الصبر المؤدى إلى ~~الغلبة ولا تعلق له بما ذكر من المعية بالإثابة قطعا وكذا الحال إذا جعل ~~ذلك ابتداء كلام من جهة الله تعالى جئ به تقريرا لكلامهم والمعنى قال الذين ~~يظنون أو يعلمون من جهة النبي أو من جهة التابوت والسكينة أنهم ملاقو نصر ~~العزيز كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله تعالى فنحن نغلب جالوت ~~وجنوده وإيراد خبر أن اسما مع أن اللقاء PageV01P243 # مستقبل للدلالة على تقرره وتحققه «ولما برزوا» أي ظهر طالوت ومن معه من ~~المؤمنين وصاروا إلى براز من الأرض في موطن الحرب «لجالوت وجنوده» وشاهدوا ~~ما هم عليه من العدد والعدد وأيقنوا انهم غير مطيقين بهم عادة «قالوا» أي ~~جميعا عند تقوى قلوب الفريق الأول منهم بقول الفريق الثاني متضرعين إلى ~~الله تعالى مستعينين به «ربنا أفرغ علينا صبرا» على مقاساة شدائد الحرب ~~واقتحام موارده الصعبة الضيقة وفي التوسل بوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ ~~إلى الكمال وإيثار الإفراغ المعرب عن الكثرة وتنكير الصبر المفصح عن ~~التفخيم من الجزالة مالا يخفى «وثبت أقدامنا» في مداحض القتال ومزال النزال ~~وثبات القدم عبارة عن كمال القوة والرسوخ عند المقارعة وعدم التزلزل وقت ~~المقاومة لا مجرد التقرر في حيز واحد «وانصرنا على القوم الكافرين» بقهرهم ~~وهزمهم ووضع الكافرين في موضع الضمير العائد إلى جالوت وجنوده للإشعار بعلة ~~النصر عليهم ولقد راعوا في الدعاء ترتيبا بديعا حيث قدموا سؤال إفراغ الصبر ~~الذي هو ملاك الأمر ثم سؤال تثبيت القدم المتفرع عليه ثم سؤال النصر الذي ~~هو الغاية القصوى «فهزموهم» أي كسروهم بلا مكث «بإذن الله» بنصره وتأييده ~~إجابة لدعائهم وإيثار هذه الطريقة على طريقة قوله عز وجل فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا الخ للمحافظة على مضمون قولهم غلبت فئة كثيرة بإذن الله «وقتل داود ~~جالوت» كان أيشى أبو داود في عسكر طالوت معه ستة من بنيه وكان داود عليه ~~السلام سابعهم وكان صغيرا يرعى الغنم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي ~~يقتل جالوت ms0372 فطلبه من أبيه فجاء وقد مر في طريقة بثلاثة أحجار قال له كل ~~منها أحملنا فإنك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته قيل لما أبطأ على أبيه ~~خبر إخوته في المصاف أرسل داود إليهم ليأتيه بخبرهم فأتاهم وهم في القراع ~~وقد برز جالوت بنفسه إلى البراز ولا يكاد يبارزه أحد وكان ظلة ميلا فقال ~~داود لأخوته اما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف فزجروه فنحا ناحية أخرى ليس ~~فيها إخوته وقد مر به طالوت وهو يحرض الناس على القتال فقال له داود ما ~~تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف قال طالوت أنكحه بنتي وأعطيه شطر مملكتي فبرز ~~له داود فرماه بما معه من الأحجار بالمقلاع فأصابه في صدره فنفذ الأحجار ~~منه وقتلت بعده ناسا كثيرا وقيل إنما كلمته الأحجار عند بروزه لجالوت في ~~المعركة فأنجز له طالوت ما وعده وقيل إنه حسده وأخرجه من مملكته ثم ندم على ~~ما صنعه فذهب يطلبه إلى أن قتل وملك داود عليه السلام وأعطى النبوة وذلك ~~قوله تعالى «وآتاه الله الملك» أي ملك بنى إسرائيل في مشارق الأرض المقدسة ~~ومغاربها «والحكمة» أي البنوة ولم يجتمع في بنى إسرائيل الملك والنبوة قبله ~~إلا له بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط PageV01P244 # آخر وما اجتمعوا قبله على ملك قط «وعلمه مما يشاء» أي مما يشاء الله ~~تعالى تعليمه إياه لا مما يشاء داود عليه السلام كما قيل لأن معظم ما علمه ~~تعالى إياه مما لا يكاد يخطر ببال أحد ولا يقع في أمنية بشر ليتمكن من طلبه ~~ومشيئته كالسرد بالإنة الحديد ومنطق الطير والدواب ونحو ذلك من الأمور ~~الخفية «ولولا دفع الله الناس بعضهم» الذين يباشرون الشر والفساد «ببعض» ~~آخر منهم بردهم عما هم عليه بما قدر الله تعالى من القتل كما في القصة ~~المحكية أو غيره وقرئ دفاع الله على أن صيغة المبالغة للمبالغة «لفسدت ~~الأرض» وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض ~~ويصلحها وقيل لولا أن الله ينصر المسلمين على ms0373 الكافرين لفسدت الأرض بعيثهم ~~وقتلهم المسلمين أولو لم يدفعهم بالمسلمين لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل ~~أهل الأرض قاطبة «ولكن الله ذو فضل» عظيم لا يقادر قدره «على العالمين» ~~كافة وهذا إشارة إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض ~~التالي خلا أنه قد وضع ما يستتبعه ويستوجبه أعنى كونه تعالى ذا فضل على ~~العالمين إيذانا بأنه تعالى متفضل في ذلك الدفع من غير أن يجب عليه ذلك وأن ~~فضله تعالى غير منحصر فيه بل هو فرد من أفراد فضله العظيم كأنه قيل ولكنه ~~تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتظم به مصالح العالم وتنصلح ~~أحوال الأمم «تلك» إشارة إلى ما سلف من حديث الألوف وخبر طالوت على التفصيل ~~المرقوم وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه «آيات الله» ~~المنزلة من عنده تعالى والجملة مستأنفة وقوله تعالى «نتلوها عليك» أي ~~بواسطة جبريل عليه السلام إما حال من الآيات والعامل معنى الإشارة وإما ~~جملة مستقلة لا محل لها من الإعراب «بالحق» في حيز النصب على أنه حال من ~~مفعول نتلوها أي ملتبسة باليقين الذي لا يرتاب فيه أحد من أهل الكتاب ~~وأرباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما في في كتبهم أو من فاعلة أي نتلوها ~~عليك ملتبسين بالحق والصواب أو من الضمير المجرور أي ملتبسا بالحق والصدق ~~«وإنك لمن المرسلين» أي من جملة الذين أرسلوا إلى الأمم لتبيلغ رسالاتنا ~~وإجراء أوامرنا وأحكامنا عليهم فإن هذه المعاملة لا تجرى بيننا وبين غيرهم ~~فهي شهادة منه سبحانه برسالته عليه الصلاة والسلام إثر بيان ما يستوجبها ~~والتأكيد من مقتضيات مقام الجاحدين بها «تلك الرسل» استئناف فيه رمز إلى ~~أنه عليه الصلاة والسلام من PageV01P245 # أفاضل الرسل العظام عليهم الصلاة والسلام وإثر بيان كونه من جملتهم ~~والإشارة إلى الجماعة الذين من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم فاللام في ~~المآل للاستغراق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم ~~وقيل إلى الذين ثبت علمه صلى الله عليه وسلم ms0374 بهم «فضلنا بعضهم على بعض» في ~~مراتب الكمال بأن خصصناه حسبما تقتضيه مشيئتنا بمآثر جليله خلا عنها غيره ~~منهم من كلم الله تفصيل للتفضيل المذكور اجمالا أي فضله بأن كلمه تعالى ~~بغير سفير وهو موسى عليه الصلاة والسلام حيث كلمه تعالى ليلة الخيرة وفي ~~الطور وقرئ كلم الله بالنصب وقرئ كالم الله من المكالمة فإنه كلم الله ~~تعالى كما انه تعالى كلمه ويؤيده كليم الله بمعنى مكالمه وايراد الاسم ~~الجليل بطريق الالتفات لتربية المهابة والرمز إلى ما بين التكليم والرفع ~~وبين ما سبق من مطلق التفضيل وما لحق من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس ~~من التفاوت «ورفع بعضهم درجات» أي ومنهم من رفعه على غيره من الرسل ~~المتفاوتين في معارج الفضل بدرجات قاصية ومراتب نائبه وتغيير الأسلوب ~~لتربية ما بينهم من اختلاف الحال في درجات الشرف والظاهر انه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما ينبئ عنه الإخبار بكونه عليه الصلاة والسلام منهم فإن ~~ذلك في قوة بعضهم فإنه قد خص بالدعوة العامة والحجج الجمة والمعجزات ~~المستمرة والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهور والفضائل العلمية والعملية ~~الفائتة للحصر والإبهام لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلم الفرد الغنى عن ~~التعيين وقيل انه إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث خصه تعالى بكرامة الخلة ~~وقيل إدريس عليه السلام حيث رفعه مكانا عليا وقيل أولو العزم من الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام وآتينا عيسى ابن مريم البينات الآيات الباهرة ~~والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص والأخبار ~~بالمغيبات أو الإنجيل «وأيدناه» اى قويناه «بروح القدس» بضم الدال وقرئ ~~بسكونها اى بالروح المقدسة كقولك رجل صدق وهو روح عيسى وانما وصفت بالقدس ~~للكرامة أو لأنه عليه السلام لم تضمه الأصلاب والأرحام والطوامث وقيل ~~بجبريل وقيل بالإنجيل كما مر وافراده عليه السلام بما ذكر لرد ما بين أهل ~~الكتابين في شأنه عليه السلام من التفريط والإفراط والآية ناطقه بأن ~~الأنبياء عليهم السلام متفاوتة الأقدار فيجوز تفضيل بعضهم على بعض ولكن ~~بقاطع «ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم» أي ms0375 جاءوا من بعد الرسل من ~~الأمم المختلفة أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين ~~على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق فمفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون ~~الجزاء على القاعدة المعروفة وقيل تقديره ولو شاء هدى الناس جميعا ما اقتتل ~~الخ وليس بذاك «من بعد ما جاءتهم» من جهة أولئك الرسل «البينات» المعجزات ~~الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقية الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن ~~الإعراض عن سننهم المؤدي إلى الاقتتال فمن متعلقة باقتتل «ولكن اختلفوا» ~~استدراك من الشرطية أشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها ~~منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وضع فيه الاختلاف موضع نقيض المقدم المترتب ~~عليه للإيذان بان الاقتتال ناشئ من قبلهم لا من جهته تعالى ابتداء كأنه قيل ~~ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافا فاحشا «فمنهم من آمن» بما ~~جاءت به أولئك الرسل من البينات وعلموا به «ومنهم من كفر» بذلك كفرا لا ~~ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة PageV01P246 # عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء أحوالهم «ولو شاء ~~الله» عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين ~~للاقتتال بحسب العادة «ما اقتتلوا» وما نبض منهم عرق التطاول والتعادى لما ~~ان الكل تحت ملكوته تعالى فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن بل للتنبيه على ان ~~اختلافهم ذلك ليس موجب لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من ~~وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم ~~اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله عز وجل «ولكن الله يفعل ~~ما يريد» أي من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم ~~اقتتالهم فإن الترك أيضا من جملة الافعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من ~~غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع وفيه دليل بين على ان الحوادث ~~تابعة لمشيئته سبحانه خيرا كان أو شرا إيمانا كان أو كفرا «يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا» في سبيل ms0376 الله «مما رزقناكم» أي شيئا مما رزقناكموه على أن ما ~~موصولة حذف عائدها والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الإنفاق كما في قوله ~~تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه والمراد به الإنفاق الواجب بدلالة ما ~~بعده من الوعيد «من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» كلمة من ~~متعلقة بما تعلقت به أختها ولا ضمير فيه لاختلاف معنييهما فإن الأولى ~~تبعيضية وهذه لابتداء الغاية أي أنفقوا بعض ما رزقناكم من قبل ان يأتي يوم ~~لا تقدرون على تلافي ما فرطتم فيه إذ لا تبايع فيه حتى تتبايعوا ما تنفقونه ~~أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يسامحكم به أخلاؤكم أو يعينوكم عليه ~~ولا شفاعة إلا لمن اذن له الرحمن ورضي له قولا حتى تتوسلوا بشفعاء يشفعون ~~لكم في حط ما في ذمتكم وإنما رفعت الثلاثة مع قصد التعميم لأنها في التقدير ~~جواب هل فيه بيع أو خلة أو شفاعة وقرئ بفتح الكل «والكافرون» أي والتاركون ~~للزكاة وإشارة عليه للتغليظ والتهديد كما في قوله تعالى ومن كفر مكان ومن ~~لم يحج وللإيذان بأن ترك الزكاة من صفات الكفار قال تعالى وويل للمشركين ~~الذين لا يؤتون الزكاة «هم الظالمون» أي الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها ~~للعقاب ووضعوا المال في غير موضعه وصرفوه إلى غير وجهه «الله لا إله إلا ~~هو» مبتدأ وخبر أي هو المستحق للمعبودية لا غير وفي اضمار خبر لا مثل في ~~الوجود أو يصح ان يوجد خلاف للنحاة معروف «الحي» الباقي الذي لا سبيل عليه ~~للموت والفناء وهو اما خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من لا اله الا هو ~~أو بدل من الله أو صفة له ويعضده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت ~~«القيوم» فيعول من قام بالأمر إذا حفظه أي دائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ~~وقيل PageV01P247 # هو القائم بذاته المقيم لغيره «لا تأخذه سنة ولا نوم» السنة ما يتقدم ~~النوم من الفتور قال عدي بن الرقاع العاملي * وسنان أقصده النعاس فرنقت ms0377 * ~~في عينه سنة وليس بنائم * والنوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب ~~الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف المشاعر الظاهرة عن الاحساس ~~رأسا والمراد بيان انتفاء اعتراء شيء منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه ~~تعالى لا لأنهما قاصران بالنسبة إلى القوة الإلهية فإنه بمعزل من مقام ~~التنزيه فلا سبيل إلى حمل النظم الكريم على طريقة المبالغة والترقي بناء ~~على أن القادر على دفع السنة قد لا يقدر على دفع النوم القوي كما في قولك ~~فلان يقظ لا تغلبه سنة ولا نوم وانما تأخير النوم للمحافظة على ترتيب ~~الوجود الخارجي وتوسيط كلمة لا للتنصيص على شمول النفي لكل منهما كما في ~~قوله عز وجل ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة الآية واما التعبير عن عدم ~~الاعتراء والعروض بعدم الأخذ فلمراعاة الواقع إذ عروض السنة والنوم ~~لمعروضهما انما يكون بطريق الاخذ والاستيلاء وقيل هو من باب التكميل ~~والجملة تأكيد لما قبلها من كونه تعالى حيا قيوما فإن من يعتر به أحدهما ~~يكون موقوف الحياة قاصرا في الحفظ والتدبير وقيل استئناف مؤكد لما سبق وقيل ~~حال مؤكدة من الضمير المستكن في القيوم «له ما في السماوات وما في الأرض» ~~تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج به على تفرده في الألوهية والمراد بما فيهما ~~ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة ~~فيهما من العقلاء وغيرهم «من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه» بيان لكبرياء ~~شأنه وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده شفاعة وضراعة فضلا عن أن ~~يدافعه عنادا أو مناصبة «يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم» أي ما قبلهم وما ~~بعدهم أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي أو أمور الدنيا وأمور ~~الآخرة أو بالعكس أوما يحسونه وما يعقلونه أو ما يدركونه ومالا يدركونه ~~والضمير لما في السماوات والأرض بتغليب ما فيهما من العقلاء على غيرهم أو ~~لما دل عليه من ذا الذي من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام «ولا ~~يحيطون بشيء من علمه» أي من ms0378 معلوماته «إلا بما شاء» ان يعلموه وعطفه على ما ~~قبله لما أنهما جميعا دليل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام الدال على ~~وحدانيته «وسع كرسيه السماوات والأرض» الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن ~~مقعد القاعد وكأنه منسوب إلى الكرس الذي هو الملبد وليس ثمة كرسي ولا قاعد ~~وانما هو تمثيل لعظمة شأنه عز وجل وسعة سلطانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة ~~على طريقة قوله عز قائلا وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه وقيل كرسيه مجاز عن علمه أخذا من كرسي ~~العالم وقيل عن ملكه أخذا من كرسي الملك فإن الكرسي كلما كان أعظم تكون ~~عظمة القاعد أكثر وأوفر فعبر عن شمول علمه أو عن بسطة ملكه وسلطانه بسعة ~~كرسيه واحاطته بالأقطار العلوية والسفلية وقيل هو جسم بين يدي العرش محيط ~~بالسموات السبع لقوله صلى الله عليه وسلم ما السماوات السبع والأرضون السبع ~~مع الكرسي الا كحلقة في فلان وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على ~~تلك الحلقة ولعله الفلك الثامن وعن الحسن البصري أنه العرش «ولا يؤوده» أي ~~لا يثقله ولا يشق عليه «حفظهما» أي حفظ السماوات والأرض وانما لم يتعرض ~~لذكر ما فيهما لما أن حفظتهما مستتبع لحفظه «وهو العلي» المتعالى بذاته عن ~~الأشياء والأنداد «العظيم» PageV01P248 # الذي يستحقر بالنسبة اليه كل ما سواه ولما ترى من انطواء هذه الآية ~~الكريمة على أمهات المسائل الإلهية المتعلقة بالذات العلية والصفات الجلية ~~فإنها ناطقة بأنه تعالى موجود متفرد بالإلهية متصف بالحياة واجب الوجود ~~لذاته موجد لغيره لما أن القيوم هو القائم بذاته المقيم لغيره منزه عن ~~التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا ~~يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ~~ذو البطش الشديد لا يشفع عنده الا من أذن له فيه العالم وحده بجميع الأشياء ~~جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه أن يملك ~~ويقدر عليه لا يشق عليه شاق ولا ms0379 يشغله شأن عن شأن متعال عما تناله الأوهام ~~عظيم لا تحدق به الافهام تفردت بفضائل رائقة وخواص فائقة خلت عنها أخواتها ~~قال صلى الله عليه وسلم ان أعظم آية في القرآن آية الكرسي من قرأها بعث ~~الله تعالى ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة ~~وقال عليه الصلاة والسلام ما قرئت هذه الآية في دار الا هجرتها الشياطين ~~ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة يا علي علمها ولدك ~~وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها وقال صلى الله عليه وسلم من قرأ آية ~~الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت ولا يواظب ~~عليها الا صديق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنة الله تعالى على نفسه ~~وجاره وجار جاره والابيات حوله وقال عليه الصلاة والسلام سيد البشر آدم ~~وسيد العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة ~~بلال وسيد الجبال الطور وسيد الأيام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد ~~القرآن سورة البقرة وسيد البقرة آية الكرسي وتخصيص سيادته صلى الله عليه ~~وسلم للعرب بالذكر في أثناء تعداد السيادات الخاصة لا يدل على نفي ما دلت ~~عليه الاخبار المستفيضة وانعقد عليه الاجماع من سيادته صلى الله عليه وسلم ~~لجميع افراد البشر «لا إكراه في الدين» جملة مستأنفة جاء بها اثر بيان ~~تفرده سبحانه وتعالى بالشؤون الجليلة الموجبة للإيمان به وحده ايذانا بأن ~~من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والالزام بل يختار الدين الحق من غير ~~تردد وتلعثم وقيل هو خبر في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين فقيل منسوخ ~~بقوله تعالى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وقيل خاص بأهل الكتاب حيث ~~حصنوا أنفسهم بأداء الجزية وروى انه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان ~~قد تنصرا قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما ~~وقال والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصموا إلى رسول الله ms0380 صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت فخلاهما «قد تبين الرشد من الغي» استئناف تعليلي صدر بكلمة ~~التحقيق لزيادة تقرير مضمونه كما في قوله عز وجل قد بلغت من لدني عذرا أي ~~إذ قد تبين بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك غيره في شيء ~~منهما الايمان الذي هو الرشد الموصل إلى السعادة الأبدية من الكفر الذي هو ~~الغي المؤدي إلى الشقاوة السرمدية «فمن يكفر بالطاغوت» PageV01P249 # با الطاغوت) هو بناء مبالغة من الطغيان كالملكوت والجبروت قلب مكان عينه ~~ولامه فقيل هو في الأصل مصدر وإليه ذهب الفارسي وقيل اسم جنس مفرد مذكر ~~وإنما الجمع والتأنيث لإرادة الآلهة وهو رأي سيبويه وقيل هو جمع وهو مذهب ~~المبرد وقيل يستوى فيه المفرد والجمع والتذكير والتأنيث أي فمن يعمل أثر ما ~~تميز الحق من الباطل بموجب الحجج الواضحة والآيات البينة ويكفر بالشيطان أو ~~بالأصنام أو بكل ما عبد من دون الله تعالى أو صد عن عبادته تعالى لما تبين ~~له كونه بمعزل من استحقاق العبادة «ويؤمن بالله» وحدة لما شاهد من نعوته ~~الجليلة المقتضية لاختصاص الألوهية به عز وجل الموجبة للإيمان والتوحيد ~~وتقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخلية ~~متقدمة على التحلية «فقد استمسك بالعروة الوثقى» أي بالغ في التمسك بها ~~كأنه وهو ملتبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه «لا انفصام لها» ~~الفصم الكسر بغير إبانة كما ان القصم هو الكسر بإبانة ونفى الأول يدل على ~~انتفاء الثاني بالأولوية والجملة إما استئناف مقرر لما قبلها من وثاقة ~~العروة وإما حال من العروة والعامل استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ~~ولها في حيز الخبر أي كائن لها والكلام تمثيل مبنى على تشبيه الهيئة ~~العقلية المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذي لا يحتمل النقيض أصلا ~~لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل ~~المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة في المفردات ويجوز أن تكون العروة ~~الوثقى مستعارة للاعتقاد الحق الذي هو الإيمان والتوحيد لا للنظر الصحيح ms0381 ~~المؤدى إليه كما قيل فإنه غير مذكور في حيز الشرط والاستمساك بها مستعارا ~~لما ذكر من الملازمة أو ترشيحا للاستعارة الأولى «والله سميع» بالأقوال ~~«عليم» بالعزائم والعقائد والجملة اعتراض تذييلي حامل على الإيمان رادع عن ~~الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد «الله ولي الذين آمنوا» أي معينهم ~~أو متولى أمورهم والمراد بهم الذين ثبت في علمه تعالى إيمانهم في الجملة ~~مآلا أو حالا «يخرجهم» تفسير للولاية أو خبر ثان عند من يجوز كونه جملة أو ~~حال من الضمير في ولى «من الظلمات» التي هي أعم من ظلمات الكفر والمعاصي ~~وظلمات الشبة بل مما في بعض مراتب العلوم الاستدلالية من نوع ضعف وخفاء ~~بالقياس إلى مراتبها القوية الجلية بل مما في جميع مراتبها بالنظر إلى ~~مرتبة العيان كما ستعرفه «إلى النور» الذي يعم نور الإيمان ونور الإيقان ~~بمراتبه ونور العيان أي يخرج بهدايته وتوفيقه كل واحد منهم من الظلمة التي ~~وقع فيها إلى ما يقابلها من النور وإفراد النور لوحده الحق كما أن جمع ~~الظلمات لتعدد فنون الضلال «والذين كفروا» أي الذين ثبت في علمه تعالى ~~كفرهم «أولياؤهم» أي الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق فالموصول مبتدأ ~~وأولياؤهم مبتدأ ثان والطاغوت خبره والجملة خبر للأول والجملة معطوفة على ~~ما قبلها ولعل تغيير السبك للإحتراز عن وضع الطاغوت في PageV01P250 # مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيمان إلى ~~التباين بين الفريقين من كل وجه حتى من جهة التعبير أيضا «يخرجونهم» ~~بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء «من النور» الفطري الذي جبل عليه ~~الناس كافه أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتنزيل تمكنهم من الاستضاءة بها منزلة نفسها «إلى الظلمات» ظلمات ~~الكفر والانهماك في الغي وقيل نزلت في قوم ارتدوا عن الإسلام والجملة تفسير ~~لولاية الطاغوت أو خبر ثان كما مر وإسناد الإخراج من حيث السببية إلى ~~الطاغوت لا يقدح في استناده من حيث الخلق إلى قدرته سبحانه «أولئك» إشارة ~~إلى الموصول باعتبار اتصافه ms0382 بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح «أصحاب ~~النار» أي ملابسوها وملازموها بسبب مالهم من الجرائم «هم فيها خالدون» ما ~~كثون ابدا «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه» استشهاد على ما ذكر من أن ~~الكفرة أولياؤهم الطاغوت وتقرير له على طريقة قوله تعالى ألم تر أنهم في كل ~~واد يهيمون كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير لها ~~وإنما بدىء بهذا الرعاية الاقتران بينه وبين مدلوله ولاستقلاله بأمر عجيب ~~حقيق بان يصدر به المقال وهو اجتراؤه على المحاجة في الله عز وجل وما اتى ~~بها في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال حماقته ولأن فيما بعده تعددا ~~وتفصيلا يورث تقديمه انتشار النظم على انه قد أشير في تضاعيفه إلى هداية ~~الله تعالى أيضا بواسطة إبراهيم عليه السلام فان ما يحكى عنه من الدعوة إلى ~~الحق وادحاض حجة الكفار من آثار ولايته تعالى وهمزة الاستفهام لإنكار النفي ~~وتقرير المنفي أي ألم تنظر أو ألم ينته علمك إلى هذا الطاغوت المارد كيف ~~تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات أي قد تحققت الرؤية ~~وتقررت بناء على أن أمره من الظهور بحيث لا يكاد يخفي على أحد ممن له حظ من ~~الخطاب فظهر أن الكفرة أولئك الطاغوت وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريف له وإيذان بتأييده في المحاجة «أن ~~آتاه الله الملك» أي لأن آتاه إياه حيث أبطره ذلك وحمله على المحاجة أو ~~حاجة لأجله وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من ~~الشكر كما يقال عاديتني لأن أحسنت إليك أو وقت أن آتاه الله وهو حجة على من ~~منع إيتاء الله الملك للكافر «إذ قال إبراهيم» ظرف لحاج أو بدل من آتاه على ~~الوجه الأخير «ربي الذي يحيي ويميت» بفتح ياء ربي وقرئ بحذفها روى أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه فقال من ربك الذي تدعو إليه ~~قال ربي الذي يحيي ويميت ms0383 أي يخلق الحياة والموت في الأجساد «قال» استئناف ~~مبني على السؤال كأنه قيل كيف حاجة في هذه المقالة القوية الحقة فقيل قال ~~«أنا أحيي وأميت» روى أنه دعا برجلين فقتل أحد هما وأطلق الآخر فقال ذلك ~~«قال إبراهيم» استئناف كما سلف كأنه قيل PageV01P251 # فماذا قال إبراهيم لمن في هذه المرتبة من الحماقة وبماذا أفحمه فقيل قال ~~«فإن الله يأتي بالشمس من المشرق» حسبما تقتضيه مشيئته «فأت بها من المغرب» ~~إن كنت قادرا على مثل مقدوراته تعالى لم يلتفت عليه السلام إلى إبطال مقالة ~~اللعين إيذانا بأن بطلانها من الجلاء والظهور بحيث لا يكاد يخفي على أحد ~~وأن التصدي لإبطالها من قبيل السعي في تحصيل الحاصل وأتى بمثال لا يجد ~~اللعين فيه مجالا للتمويه والتلبيس «فبهت الذي كفر» أي صار مبهوتا وقرئ على ~~بناء الفاعل على أن الموصول مفعوله أي فغلب إبراهيم الكافر وأسكته وإيراد ~~الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفرا ~~«والله لا يهدي القوم الظالمين» تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي لا يهدي ~~الذين ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب إعراضهم عن قبول الهداية ~~إلى مناهج الاستدلال أو إلى سبيل النجاة أو إلى طريق الجنة يوم القيامة «أو ~~كالذي مر على قرية» استشهاد على ما ذكر من ولايته تعالى للمؤمنين وتقرير له ~~معطوف على الموصول السابق وإيثار أو الفارقة على الواو الجامعة للاحتراز عن ~~توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الامر والكاف إما اسمية كما اختاره قوم ~~جيئ بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما في قولك ~~الفعل الماضي مثل نصر واما زائده كما ارتضاه آخرون والمعنى أولم ترى إلى ~~مثل الذي أو إلى الذي مر على قرية كيف هداه الله تعالى واخرجه من ظلمة ~~الاشتباه إلى نور العيان والشهود اى قد رأيت ذلك وشاهدت فإذن لا ريب في ان ~~الله ولي الذين آمنوا الخ هذا واما جعل الهمزة لمجرد التعجيب على ان يكون ~~المعنى في الأول ألم تنظر إلى الذي ms0384 حاج الخ أي انظر اليه وتعجب من امره وفي ~~الثاني أو أرأيت مثل الذي مر الخ إيذانا بأن حاله وما جرى عليه في الغرابة ~~بحيث لا يرى له مثل كما استقر عليه رأى الجمهور فغير خليق بجزالة التنزيل ~~وفخامة شأنه الجليل فتدبر والمار هو عزير بن شرخيا قاله قتادة والربيع ~~وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن يزيد والضحاك والسدي رضي الله عنهم وقيل ~~هو أرميا بن حلقيا من سبط هارون عليه السلام قاله وهب وعبيد الله بن عمير ~~وقيل ارميا هو الخضر بعينه قال مجاهد كان المار رجلا كافرا بالبعث وهو بعيد ~~والقرية بيت المقدس قاله وهب وعكرمة والربيع وقيل هي دير هرقل على شط دجلة ~~قال الكلبي هي دير سابر آباد وقال السدي هي ديار سلما باد والأول هو الأظهر ~~والأشهر روى ان بني إسرائيل لما بالغوا في تعاطي الشر والفساد وجاوزوا في ~~العتو والطغيان كل حد معتاد سلط الله تعالى عليهم بختنصر البابلي فسار ~~إليهم في ستمائة ألف راية حتى وطئ الشام وخرب بيت المقدس وجعل بني إسرائيل ~~أثلاثا ثلث منهم قتلهم وثلث منهم أقرهم بالشام وثلث منهم سباهم وكانوا مائة ~~ألف PageV01P252 # غلام يافع وغير يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك ~~منهم أربعة غلمة وكان عزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مر ~~بحماره على بيت المقدس فرآه على أفظع مرأى وأوحش منظر وذلك قوله عز وجل ~~«وهي خاوية على عروشها» أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروش ثم الحيطان من ~~خوى البيت إذا سقط أو من خوت الأرض اى تهدمت والجملة حال من ضمير مر أومن ~~قرية عند من يجوز الحال من النكرة مطلقا «قال» اى تلهفا عليها وتشوقا إلى ~~عمارتها مع استشعار اليأس عنها «أنى يحيي هذه الله» وهي على ما يرى من ~~الحالة العجيبة المباينة للحياة وتقديمها على الفاعل للاعتناء بها من حيث ~~أن الاستعباد ناشىء من جهتها لامن جهة الفاعل وأني نصب على الظرفية إن كانت ~~بمعنى ms0385 متى وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف والعامل يحيي وأيا ما كان ~~فالمراد استبعاد عمارتها بالبناء والسكان من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيدي ~~سبأ ومن غيرهم وانما عبر عنها بالإحياء الذي هو علم في البعد عن الوقوع ~~عادة تهويلا للخطاب وتأكيدا للاستبعاد كما انه لأجله عبر عن خرابها بالموت ~~حيث قيل «بعد موتها» وحيث كان هذا التعبير معربا عن استبعاد الإحياء بعد ~~الموت على أبلغ وجه وآكده أراه الله عز وجل آثر ذي أثير أبعد الأمرين في ~~نفسه ثم في غيره ثم أراه ما استبعده صريحا مبالغة في إزاحة ما عسى يختلج في ~~خلده وأما حمل إحيائها على إحياء أهلها فيأباه التعرض لحال القرية دون ~~حالهم والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم ترابا وعظاما مع كونه أدخل في ~~الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق ~~إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستحيط به ~~خبرا «فأماته الله» وألبثه على الموت «مائة عام» روى أنه لما دخل القرية ~~ربط حماره فطاف بها ولم ير بها أحدا فقال ما قال وكانت أشجارها قد أثمرت ~~فتناول من التين والعنب وشرب من عصيره ونام فأماته الله تعالى في منامه وهو ~~شاب وأمات حماره وبقية تينه وعنبه وعصيره عنده ثم أعمى الله تعالى عنه عيون ~~المخلوقات فلم يره أحد فلما مضى من موته سبعون سنه وجه الله عز وعلا ملكا ~~عظيما من ملوك فارس يقال له يوشك إلى بيت المقدس ليعمره ومعه ألف قهرمان ~~ثلاثمائة ألف عامل فجعلوا يعمرونه وأهلك الله تعالى بخت نصر ببعوضة دخلت ~~دماغه ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس وتراجع ~~إليه من تفرق منهم في الأكناف فعمروه ثلاثين سنة وكثروا وكانوا كأحسن ما ~~كانوا عليه فلما تمت المائة من موت عزير أحياه الله تعالى وذلك قوله تعالى ~~«ثم بعثه» وإيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على البارئ ~~تعالى كأنه بعثه من النوم للإيذان ms0386 بأنه اعاده كهيئته يوم موته عاقلا فاهما ~~مستعدا للنظر والاستدلال «قال» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال ~~له بعد بعثه فقيل قال «كم لبثت» ليظهر له عجزة عن الإحاطة بشؤنه تعالى وأن ~~إحيائه ليس بعد مدة يسيرة ربما يتوهم أنه هين في الجملة بل بعد مدة طويلة ~~وينحسم به مادة استبعاده بالمرة ويطلع في تضاعيفه على امر آخر من بدائع ~~آثار قدرته تعالى وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع على ما كان ~~عليه دهرا طويلا من غير تغير ما وكم نصب على الظرفية مميزها محذوف أي كم ~~وقتا لبثت والقائل هو الله تعالى أو ملك مأمور بذلك من قبله تعالى قيل نودي ~~من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت «قال لبثت يوما أو بعض يوم» ~~PageV01P253 # بعض يوم) قاله بناء على التقريب والتخمين أو استقصارا لمدة لبثه وأما ما ~~يقال من أنه مات ضحي وبعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس ~~يوما فالتفت إليها فرأى منها بقية فقال أو بعض يوم على وجه الإضراب فبمعزل ~~من التحقيق إذ لاوجه للجزم بتمام اليوم ولو بناء على حسبان الغروب لتحقق ~~النقصان من أوله «قال» استئناف كما سلف «بل لبثت مائة عام» عطف على مقدر أي ~~ما لبثت ذلك القدر بل هذا المقدار «فانظر» لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا ~~«إلى طعامك وشرابك لم يتسنه» اى لم يتغير في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه ~~إلى الفساد روى انه وجد تينه وعنبه كما جنى وعصيره كما عصر والجملة المنفية ~~حال بغير واو كقوله تعالى لم يمسسهم سوء اما من الطعام والشراب وافراد ~~الضمير لجريانهما مجرى الواحد كالغذاء واما من الأخير اكتفاء بدلالة حاله ~~على حال الأول ويؤيده قراءة من قرأ وهذا شرابك لم يتسنه والهاء أصلية أو ~~هاء سكت واشتقاقه من السنة لما ان لامها هاء أو واو وقيل أصله لم يتسنن من ~~الحما المسنون فقلبت نونه حرف علة كما في تقضي البازي وقد جوز أن يكون معنى ms0387 ~~لم يتسنه لم يمر عليه السنون التي مرت لا حقيقة بل تشبيها أي هو على حاله ~~كأنه لم يلبث مائة عام وقرئ لم يسنه بإدغام التاء في السين وانظر إلى حمارك ~~كيف نخرت عظامه وتفرقت وتقطعت أوصاله وتمزقت ليتبين لك ما ذكر من اللبث ~~المديد وتطمئن به نفسك وقوله عز وجل «ولنجعلك آية للناس» عطف على مقدر ~~متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق أي فعلنا ما ~~فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل ~~ولنجعلك آية للناس الموجودين في هذا القرن بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرون ~~الخالية ويأخذوا منك ما طوى عنهم منذ أحقاب من علم التوراة كما سيأتي أو ~~متعلق بفعل مقدر بعده أي ولنجعلك آية لهم على الوجه المذكور فعلنا ما فعلنا ~~فهو على التقديرين دليل على ما ذكر من اللبث المديد ولذلك فرق بينه وبين ~~الأمر بالنظر إلى حماره وتكرير الأمر في قوله تعالى «وانظر إلى العظام» مع ~~أن المراد عظام الحمار أيضا لما أن المأمور به أولا هو النظر إليها من حيث ~~دلالتها على ما ذكر من اللبث المديد وثانيا هو النظر إليها من حيث تعتريها ~~الحياة ومباديها أي وانظر إلى عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء في غيرك ~~بعد ما شاهدت نفسه في نفسك «كيف ننشزها» بالزاي المعجمة أي نرفع بعضها إلى ~~بعض ويردها إلى أما كنها من الجسد فتركبها تركيبا لائقا بها وقال الكسائي ~~نليها ونعظمها ولعل من فسره بنحييها أراد بالإحياء هذا المعنى وكذا من قرأ ~~ننشرها بالراء من أنشر الله تعالى الموتى أي أحياها لا معناه الحقيقي لقوله ~~تعالى «ثم نكسوها لحما» أي نسترها به كما يستر الجسد باللباس وأما من قرأ ~~ننشرها بفتح النون وضم الشين فلعله أراد به ضد الطي كما قال الفراء فالمعنى ~~كيف نبسطها والجملة إما حال من العظام أي وانظر إليها مركبة مكسوة لحما أو ~~بدل اشتمال أي وانظر إلى العظام كيفية إنشازها وبسط اللحم عليها ولعل ms0388 عدم ~~التعرض لكيفية نفخ الروح لما أنها مما لا تقتضى الحكمة بيانه روى أنه نودي ~~أيتها العظام البالية إن الله يأمرك يأمرك أن تجتمعي فاجتمع كل جزء من ~~أجزائها التي ذهب بها الطير والسباع وطارت بها الرياح من كل سهل وجبل فانظم ~~بعضها إلى بعض والتصق كل عضو بما يليق به الضلع بالضلع والذراع بمحلها ~~والرأس بموضعها ثم الأعصاب والعروق ثم انبسط عليه اللحم PageV01P254 # ثم الجلد ثم خرجت منه الشعور ثم نفخ فيه الروح فإذا هو قائم ينهق «فلما ~~تبين له» أي ما دل عليه الأمر بالنظر إليه من كيفية الأحياء بمباديه والفاء ~~للعطف على مقدر يستدعيه الأمر المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققه ~~واستغنائه عن الذكر وللإشعار بسرعة وقوعه كما في قوله عز وجل فلما رآه ~~مستقرا عنده بعد قوله أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك كأنه قيل فأنشزها ~~الله تعالى وكساها لحما فنظر إليها فتبين له كيفيته فلما تبين له ذلك أي ~~اتضح اتضاحا تاما «قال أعلم أن الله على كل شيء» من الأشياء التي من جملتها ~~ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيب الآثار «قدير» لا يستعصى عليه أمر من ~~الأمور وإيثار صيغة المضارع للدلالة على أن علمه بذلك مستمر نظرا إلى ان ~~أصله لم يتغير ولم يتبدل بل إنما تبدل بالعيان وصفة إشعار بأنه إنما قال ما ~~قال بناء على الاستبعاد العادي واستعظاما للأمر وقد قيل فاعل تبين مضمر ~~يفسره مفعول أعلم أي فلما تبين له ان الله على كل شئ قدير قال أعلم أن الله ~~على كل شئ قدير فتدبر وقرئ تبين له على صيغة المجهول وقرئ قال اعلم على ~~صيغة الأمر روى أنه ركب حمارة واتى محلته وأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر ~~المنازل فانطلق على وهم منه حتى أتى منزلة فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد ~~أدركت زمن عزيز فقال لها عزيز يا هذه هذا منزل عزيز قالت نعم وأين ذكرى ~~عزير قد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال ms0389 فإني عزير قالت سبحان ~~الله اني يكون ذلك قال قد أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت إن عزيزا كان ~~مستجاب الدعوة فادع الله لي يرد على بصري حتى أراك فدعا ربه ومسح بيده ~~عينيها فصحتا فأخذ بيدها فقال لها قومي بإذن الله فقامت صحيحة كأنها نشطت ~~من عقال فنظرت إليه فقالت أشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بنى إسرائيل وهم ~~في أنديتهم وكان في المجلس ابن لعزير قد بلغ مائة وثماني عشرة سنة وبنو ~~بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت انظروا فإني بدعائه رجعت ~~إلى هذه الحالة فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين ~~كتفيه مثل الهلال فكسف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بخت نصر ببيت المقدس من ~~قراء التوراة أربعين ألف رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا أحد ~~يعرف التوراة فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخرم منها حرفا فقال رجل ~~من أولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد مهلك بخت نصر حدثني أبي عن جدى ~~أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها ~~لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزيز عن ~~ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد فعند ذلك قالوا هو ابن الله تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا «وإذ قال إبراهيم» دليل آخر على ولايته تعالى للمؤمنين ~~وإخراجه لهم من الظلمات إلى النور وإنما لم يسلك به مسلك PageV01P255 # الاستشهاد كما قبله بأن يقال أو كالذي قال رب الخ لجريان ذكره عليه ~~السلام في أثناء المحاجة ولأنه لادخل لنفسه عليه السلام في أصل الدليل كدأب ~~عزير عليه السلام فإن ما جرى عليه من إحيائه بعد مائة عام من جملة الشواهد ~~على قدرته تعالى وهدايته والظرف منتصب بمضمر صرح بمثله في نحو قوله تعالى ~~واذكروا إذ جعلنكم خلفاء أي واذكر وقت قوله عليه السلام وما وقع حينئذ من ~~تعاجيب صنع الله تعالى لتقف ms0390 على ما مر من ولايته تعالى وهدايته وتوجيه ~~الأمر بالذكر في أمثال هذه المواقع إلى الوقت دون ما وقع فيه من الواقعات ~~مع أنها المقصودة بالتذكير لما ذكر غير مرة من المبالغة في إيجاب ذكرها لما ~~ان إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقت ~~مشتمل عليها مفصلة فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها بحيث لا يشذ عنها شئ ~~مما ذكر عند الحكاية أو لم يذكر كأنها مشاهدة عيانا «رب» كلمة استعطاف قدمت ~~بين يدي الدعاء مبالغة في استدعاء الإجابة «أرني» من الرؤية البصرية ~~المتعدية إلى واحد وبدخول همزة النقل طلبت مفعولا آخر هو الجملة ~~الاستفهامية المعلقة لها فإنها تعلق كما يعلق النظر البصري أي اجعلني مبصرا ~~«كيف تحيي الموتى» بان تحييها وأنا أنظر إليها وكيف في محل نصب على التشبيه ~~بالظرف عند سيبويه وبالحال عند الأخفش والعامل فيها تحيى أي في أي حال أو ~~على أي حال تحيى قال القرطبي الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حال شئ متقرر ~~الوجود عند السائل والمسؤول فالاستفهام ههنا عن هيئة الإحياء المتقرر عند ~~السائل أي بصرني كيفية إحيائك للموتى وإنما سأله عليه السلام ليتأيد إيقانه ~~بالعيان ويزداد قلبه اطمئنانا على اطمئنان وأما ما قيل من أن نمرود لما قال ~~أنا أحي وأميت قال إبراهيم عليه السلام إن إحياء الله تعالى برد الأرواح ~~إلى الأجساد فقال نمرود هل عاينته فلم يقدر على أن يقول نعم فانتقل إلى ~~تقرير آخر ثم سأل ربه أن يريه ذلك فيأباه تعليل السؤال بالاطمئنان «قال» ~~استئناف كما مر غير مرة «أو لم تؤمن» عطف على مقدر أي ألم تعلم ولم تؤمن ~~بأنى قادر على الإحياء كيف أشاء حتى تسألني إراءته قاله عز وعلا وهو أعلم ~~بأنه عليه السلام أثبت الناس إيمانا وأقواهم يقينا ليجيب بما أجاب به فيكون ~~ذلك لطفا للسامعين «قال بلى» علمت وآمنت بأنك قادر على الإحياء على أي ~~كيفية شئت «ولكن» سألت ما سألت «ليطمئن قلبي» بمضامة العيان إلى الإيمان ~~والإيقان وأزداد ms0391 بصيرة بمشاهدته على كيفية معينة «قال فخذ» الفاء لجواب شرط ~~محذوف أي إن أردت ذلك فخذ «أربعة من الطير» قيل هو اسم لجمع طائر كركب وسفر ~~وقيل جمع له كتاجر وتجر وقيل هو مصدر سمى به الجنس وقيل هو تخفيف طير بمعنى ~~طائر كهين في هين ومن متعلقة بخذ أو بمحذوف وقع صفة لأربعة أي أربعة كائنة ~~من الطير قيل هي طاوس وديك وغراب وحمامة وقيل نسر بدل الأخير وتخصيص الطير ~~بذلك لأنه أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتى ما يفعل به ~~من التجزئة والتفريق وغير ذلك «فصرهن» من صاره يصوره أي أماله وقرئ بكسر ~~الصاد من صاره يصيره أي أملهن واضممهن وقرئ فصرهن بضم الصاد وكسرها وتشديد ~~الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وقرئ فصرهن من التصرية بمعنى الجمع أي ~~اجمعهن «إليك» لتتأملها وتعرف شياتها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء ان جزءا ~~من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلا روى انه أمر بان يذبحها وينتف ~~ريشها ويقطعها ويفرق PageV01P256 # أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها ويمسك رءوسها ثم امر بأن يجعل ~~أجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى «ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا» أي ~~جزئهن وفرق أجزاءهن على ما بحضرتك من الجبال قيل كانت أربعة أجبل وقيل سبعة ~~فجعل على كل جبل ربعا أو سبعا من كل طائر وقرئ جزؤا بضمتين وجزا بالتشديد ~~بطرح همزته تخفيفا ثم تشديده عند الوقف ثم إجراء الوصل مجرى الوقف «ثم ~~أدعهن يأتينك» في حيز الجزم على أنه جواب الأمر ولكنه بنى لاتصاله بنون جمع ~~مؤنث «سعيا» أي ساعيات مسرعات أو ذوات سعى طيرانا أو مشيا وإنما اقتصر على ~~حكاية أوامره عز وجل من غير تعرض لامتثاله عليه السلام ولا لما ترتب عليه ~~من عجائب آثار قدرته تعالى كما روى انه عليه السلام نادى فقال تعالين بإذن ~~لله فجعل كل جزء منهن يطير إلى صاحبة حتى صارت جثثا ثم أقبلن إلى رؤوسهن ~~فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن ms0392 إلى ما كانت عليه من الهيئة ~~للإيذان بان ترتب تلك الأمور على الأوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من ~~الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلا وناهيك بالقصة دليلا على ~~فضل الخليل ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال حيث أراه الله ~~تعالى ما سأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه وأرى عزيرا ما أراه بعد ~~ما أماته مائة عام «واعلم أن الله عزيز» غالب على أمره لا يعجزه شئ عما ~~يريده «حكيم» ذو حكمة بالغة في أفاعيله فليس بناء أفعاله على الأسباب ~~العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخر خارق للعادات بل لكونه متضمنا للحكم ~~والمصالح «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله» أي في وجوه الخيرات من ~~الواجب والنفل «كمثل حبة» لابد من تقرير مضاف في أحد الجانبين أي مثل ~~نفقتهم كمثل حبة أو مثلهم كمثل باذر حبة «أنبتت سبع سنابل» أي أخرجت ساقا ~~تشعب منها سبع لكل واحدة منها سنبلة «في كل سنبلة مائة حبة» كما يشاهد ذلك ~~في الذرة والدخن في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك وإسناد الإنبات إلى ~~الحبة مجازى كإسناده إلى الأرض والربيع وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ~~حاضرة بين يدي الناظر «والله يضاعف» تلك المضاعفة أو فوقها إلى ما شاء الله ~~تعالى «لمن يشاء» أن يضاعف له بفضله على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه ~~ولذلك تفاوتت مراتب الأعمال في مقادير الثواب «والله واسع» لا يضيق عليه ما ~~يتفضل به من الزيادة «عليم» بنية المنفق ومقدار إنفاقه وكيفية تحصيل ما ~~انفقه «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله» جملة مبتدأ جئ بها لبيان كيفية ~~الإنفاق الذي بين فضله بالتمثيل المذكور «ثم لا يتبعون ما أنفقوا» ~~PageV01P257 # لا يتبعون ما أنفقوا) أي ما أنفقوه أو إنفاقهم «منا ولا أذى» المن أن ~~يعتد على من أحسن ألية بإحسانه ويريه أنه أوجب بذلك عليه حقا والأذى أن ~~يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه وإنما قدم المن لكثرة وقوعه وتوسيط كلمة لا ~~للدلالة على شمول النفي ms0393 لاتباع كل واحد منهما وثم لإظهار علو رتبة المعطوف ~~قيل نزلت في عثمان رضي الله عنه حين جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها ~~وأحلاسها وعبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه حين اتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأربعة آلاف درهم صدقة ولم يكد يخطر ببالهما شئ من المن والأذى «لهم ~~أجرهم» اى حسبما وعد لهم في ضمن التمثيل وهو جملة مبتدأ وخبر وقعت خبرا عن ~~الموصول وفي تكرير الاسناد وتقييد الأجر بقوله عند ربهم من التأكيد ~~والتشريف ما لا يخفى وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما ~~بعدها للإيذان بأن ترتب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المن ~~والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية وأما إبهام أنهم أهل لذلك ~~وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقام الترغيب في الفعل والحث عليه ~~«ولا خوف عليهم» في الدارين من لحوق مكروه من المكاره «ولا هم يحزنون» ~~لفوات مطلوب من المطالب قل أو جل أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ~~ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوف وحزن أصلا بل ~~يستمرون على النشاط والسرور كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال ~~الله وهيبته واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خواص الخواص ~~والمقربين والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انفاء دوامهما كما يوهمه ~~كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا لما ان النفي وإن دخل على نفس المضارع ~~يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام «قول معروف» أي كلام جميل تقبله القلوب ~~ولا تنكره يرد به السائل من غير إعطاء شئ «ومغفرة» أي ستر لما وقع من ~~السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسؤول وصفح عنه وإنما ~~صح الابتداء بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو ~~بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسؤول «خير» أي للسائل «من صدقة ~~يتبعها أذى» لكونها مشوبة بضرر ما يتبعها وخلوص الأولين من الضرر والجملة ~~مستأنفة مقررة لاعتبار ترك اتباع ms0394 المن والأذي وتفسير المغفرة بنيل مغفرة من ~~الله تعالى بسبب الرد الجميل أو بعفو السائل بناء على اعتبار الخيرية ~~بالنسبة إلى المسؤول يؤدى إلى أن يكون في الصدقة الموصوفة بالنسبة إليه خير ~~في الجملة مع بطلانها بالمرة «والله غني» لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة ~~المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى «حليم» لا يعاجل أصحاب المن والأذى ~~بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما والجملة تذييل لما قبلها مشتمل على ~~الوعد والوعيد مقرر لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعا «يا أيها ~~الذين آمنوا» PageV01P258 # أقبل عليهم بالخطاب إثر بيان ما بين بطريق الغيبة مبالغة في إيجاب العمل ~~بموجب النهى «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى» أي لا تحبطوا أجرها بواحد ~~منهما «كالذي» في محل النصب إما على أنه نعت لمصدر محذوف أي لا تبطلوها ~~إبطالا كإبطال الذي «ينفق ماله رئاء الناس» وإما على أنه حال من فاعل لا ~~تبطلوا أي لا تبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يبطل إنفاقه بالرياء وقيل ~~من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأى سيبويه وانتصاب رئاء إما على أنه علة ~~لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حال من فاعله أي ينفق ماله مرائيا والمراد ~~به المنافق لقوله تعالى «ولا يؤمن بالله واليوم الآخر» حتى يرجوا ثوابا أو ~~يخشى عقابا «فمثله» الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في ~~الإنفاق وحالته العجيبة «كمثل صفوان» أي حجر أملس «عليه تراب» أي شئ يسير ~~منه «فأصابه وابل» أي مطر عظيم القطر «فتركه صلدا» ليس عليه شئ من الغبار ~~أصلا «لا يقدرون على شيء مما كسبوا» لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون ~~له ثوابا قطعا كقوله تعالى فجعلناه هباء منثورا والجملة استئناف مبنى على ~~السؤال كأنه قيل فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل لا يقدرون الخ ومن ضرورة كون ~~مثلهم كما ذكر كون مثل من يشبههم وهم أصحاب المن والأذى كذلك والضميران ~~الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله عز وجل وخضتم كالذي خاضوا لما ~~أن المراد به ms0395 الجنس أو الجمع أو الفريق كما أن الضمائر الأربعة السابقة له ~~باعتبار اللفظ «والله لا يهدي القوم الكافرين» إلى الخير والرشاد والجملة ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه تعريض بأن كلا من الرياء والمن والأذى من ~~خصائص الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها «ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضات الله» أي لطلب رضاه «وتثبيتا من أنفسهم» أي ولتثبيت بعض ~~أنفسهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم هز من عطفه وحرك من نشاطه فإن ~~المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ~~ماله وروحه فقد ثبتها كلها أو وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل ~~أنفسهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى حسدا من عند أنفسهم ويحتمل أن يكون ~~المعنى وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ~~ويعضده قراءة من قرأ وتبيينا من أنفسهم وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق ~~للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذي هو رأس كل خطيئة «كمثل جنة ~~بربوة» الربوة بالحركات الثلاث وقد قرئت بها المكان المرتفع أي مثل نفقتهم ~~في الزكاة كمثل بستان كائن بمكان مرتفع مأمون من أن يصطلمه البرد للطافة ~~هوائه بهبوب الرياح الملطفة له فإن أشجار الربا تكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا ~~وأما الأراضي المنخفضة فقلما تسلم ثمارها من البرد لكثافة هوائها بركود ~~الرياح وقرئ كمثل حبة «أصابها وابل» مطر عظيم القطر «فآتت أكلها» ثمرتها ~~وقرئ بسكون الكاف تخفيفا «ضعفين» أي مثلي ما كانت تثمر في سائر الأوقات ~~بسبب ما أصابها من PageV01P259 # الوابل والمراد بالضعف المثل وقيل أربعة أمثال ونصبه على الحال من أكلها ~~أي مضاعفا «فإن لم يصبها وابل فطل» أي فطل يكفيها لجودتها وكرم منبتها ~~ولطافة هوائها وقيل فيصيبها طل وهو المطر الصغير القطر وقيل فالذي يصيبها ~~طل والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وان كانت ~~تتفاوت باعتبار ما يقارنها من الأحوال ويجوز أن يعتبر التمثيل بين حالهم ~~باعتبار ما صدر عنهم من النفقة ms0396 الكثيرة والقليلة وبين الجنة المعهودة ~~باعتبار ما أصابها من المطر الكثير واليسير فكما أن كل واحد من المطرين ~~يضعف أكلها فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية ~~زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند الله «والله بما تعملون بصير» لا يخفى عليه ~~شئ منه وهو ترغيب في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه «أيود أحدكم» الود ~~حب الشئ مع تمنيه ولذلك يستعمل استعمالها والهمزة لإنكار الوقوع كما في ~~قوله أأضرب أبي لا لإنكار الواقع كما في قولك أتضرب أباك على ان مناط ~~الإنكار ليس جميع ما تعلق به الود بل إنما هو إصابة الإعصار وما يتبعها من ~~الاحتراق «أن تكون له جنة» وقرئ جنات «من نخيل وأعناب» أي كائنة منهما على ~~أن يكون الأصل والركن فيها هذين الجنسين الشريفين الجامعين لفنون المنافع ~~والباقي من المستتبعات لا على أن يكون فيها غيرهما كما ستعرفه والجنة تطلق ~~على الأشجار الملتفة المتكاثفة قال زهير * كأن عيني في غربي مفتلة * من ~~النواضح تسفى جنة سحقا * وعلى الأرض المشتملة عليها والأول هو الأنسب بقوله ~~عز وجل تجرى من تحتها الأنهار إذ على الثاني لا بد من تقدير مضاف أي من تحت ~~وشجارها وكذا لابد من جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازيا والجملة ~~في محل الرفع على أنها صفة جنة كما أن قوله تعالى من نخيل وأعناب كذلك أو ~~في محل النصب على أنها حال منها لأنها موصوفة «له فيها من كل الثمرات» ~~الظرف الأول خبر والثاني حال والثالث مبتدأ أي صفة للمبتدأ قائمة مقامه أي ~~له رزق من كل الثمرات كما في قوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم أي وما ~~منا أحد إلا له الخ وليس المراد بالثمرات العموم بل إنما هو التكثير كما في ~~قوله تعالى وأوتيت من كل شئ «وأصابه الكبر» أي كبر السن الذي هو مظنة شدة ~~الحاجة إلى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك أسباب المعايش والواو حالية ~~أي وقد أصابه الكبر «وله ms0397 ذرية ضعفاء» حال من الضمير في أصابة أي أصابة ~~الكبر والحال أن له ذرية صغار لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادى المعاش ~~وقرئ ضعاف «فأصابها إعصار» أي ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ~~ساطعة إلى السماء على هيئة العمود «فيه نار» شديدة «فاحترقت» عطف على ~~فأصابها وهذا كما ترى تمثيل لحال من يعمل أعمال البر والحسنات ويضم إليها ~~ما يحبطها من القوادح ثم يجدها يوم القيامة عند كمال حاجته إلى ثوابها هباء ~~منثورا في التحسر PageV01P260 # والتأسف عليها «كذلك» توحيد الكاف مع كون المخاطب جمعا قد مر وجهه مرارا ~~أي مثل البيان الواضح الجاري في الظهور مجرى الأمور المحسوسة «يبين الله ~~لكم الآيات لعلكم تتفكرون» كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر ~~وتعملوا بموجبها «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم» بيان لحال ~~ما ينفق منه إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته أي أنفقوا من حلال ما كسبتم ~~وجياده لقوله تعالى «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» «ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض» أي من طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادن فحذف ~~لدلالة ما قبله عليه «ولا تيمموا» بفتح التاء أصله ولا تتيمموا وقرئ بضمها ~~وقرئ ولا تأمموا والكل بمعنى القصد أي لا تقصدوا «الخبيث» أي الردئ الخسيس ~~وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تذكر موصوفاتها «منه تنفقون» الجار ~~متعلق بتنفقون والضمير للخبيث والتقديم للتخصيص والجملة حال من فاعل تيمموا ~~أي لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه أو من الخبيث أي مختصا به الإنفاق ~~وأياما كان فالتخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من أنفاق الخبيث خاصة لا ~~لتسويغ إنفاقه مع الطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يتصدقون ~~بحشف التمر وشرارة فنهوا عنه وقيل متعلق بمحذوف وقع حالا من الخبيث والضمير ~~للمال المدلول عليه بحسب المقام أو للموصولين على طريقة قوله * كأنه في ~~الجلد توليع البهق * أو للثاني وتخصيصه بذلك لما أن التفاوت فيه أكثر ~~وتنفقون حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصدوا ms0398 الخبيث كائنا من المال أو مما ~~كسبتم وما أخرجنا لكم أو مما أخرجنا لكم منفقين إياه وقوله تعالى «ولستم ~~بآخذيه» حال على كل حال من واو تنفقون أي والحال أنكم لا تأخذونه في ~~معاملاتكم في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه «إلا أن تغمضوا فيه» أي إلا ~~وقت إغماضكم فيه أو إلا بإغماضكم فيه وهو عبارة عن المسامحة بطريق الكتابة ~~أو الاستعارة يقال أغمض بصره إذا غضه وقرئ على البناء للمفعول على معنى إلا ~~أن تحملوا على الإغماض وتدخلوا فيه أو توجدوا مغمضين وقرئ تغمضوا وتغمضوا ~~بضم الميم وكسرها وقيل تم الكلام عند قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث ثم ~~استؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع منه تنفقون والحال أنكم لا تأخذونه ~~إلا إذا أغمضتم فيه ومآله الاستفهام الإنكاري فكأنه قيل أمنه تنفقون الخ ~~«واعلموا أن الله غني» عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لمنفعتكم وفي الأمر بأن ~~يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث ~~وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى فإن إعطاء مثله إنما يكون عادة ~~عند اعتقاد المعطى أن الآخذ محتاج إلى ما يعطيه بل مضطر إليه «حميد» مستحق ~~للحمد على نعمة العظام وقيل حامد بقبول الجيد والإثابة عليه «الشيطان يعدكم ~~الفقر» الوعد هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر مترتبا PageV01P261 # على شئ من زمان أو غيره يستعمل في الشر استعماله في الخير قال تعالى ~~النار وعدها الله الذين كفروا أي يعدكم في الإنفاق الفقر ويقول إن عاقبة ~~إنفاقكم ان تفتقروا وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يضف مجئ ~~الفقر إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئه كأنه نزوله في ~~تقرر الوقوع منزلة أفعاله الواقعة بحسب إرادته أو لوقوعه في مقابلة وعده ~~تعالى على طريقة المشاكلة وقرئ بضم الفاء والسكون وبضمتين وبفتحتين ~~«ويأمركم بالفحشاء» أي بالخصلة الفحشاء أي ويغريكم على البخل ومنع الصدقات ~~إغراء الآمر للمأمور على فعل المأمور به والعرب تسمى البخيل فاحشا قال طرفة ms0399 ~~بن العبد * أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد * ~~وقيل بالمعاصي والسيئات «والله يعدكم» أي في الإنفاق «مغفرة» لذنوبكم ~~والجار في قوله تعالى «منه» متعلق بمحذوف هو صفة لمغفرة مؤكدة لفخامتها ~~التي أفادها تنكيرها أي مغفرة أي مغفرة مغفرة كائنة منه عز وجل «وفضلا» صفة ~~محذوفة لدلالة المذكور عليها كما في قوله تعالى فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل ونظائره أي وفضلا كائنا منه تعالى أي خلفا مما أنفقتم زائدا عليه في ~~الدنيا وفيه تكذيب للشيطان وقيل ثوابا في الآخرة «والله واسع» قدرة وفضلا ~~فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه «عليم» مبالغ في العلم ~~فيعلم إنفاقكم فلا يكاد يضيع أجركم أو يعلم ما سيكون من المغفرة والفضل فلا ~~احتمال للخلف في الوعد والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله «يؤتي الحكمة» ~~قال مجاهد الحكمة هي القرآن والعلم والفقه روى عن ابن نجيح أنها الإصابة في ~~القول والعمل وعن إبراهيم النخعي انها معرفة معاني الأشياء وفهمها وقيل هي ~~معرفة حقائق الأشياء وقيل هي الإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة وعن مقاتل ~~أنها تفسر في القرآن بأربعة أوجه فتارة بمواعظ القرآن وأخرى بما فيه من ~~عجائب الأسرار ومرة بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة ولعل الأنسب بالمقام ما ~~ينتطم الأحكام المبينة في تضاعيف الآيات الكريمة من أحد الوجهين الأولين ~~ومعنى إيتائها تبيينها والتوفيق للعلم والعمل بها أي بينها ويوفق للعلم ~~والعمل بها «من يشاء» من عبادة ان يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه ~~كما آتاكم ما بينه في ضمن الآي من الحكم البالغة التي يدور عليها فلك ~~منافعكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها والموصول مفعول أول ليؤتى قدم ~~عليه الثاني للعناية به والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها «ومن يؤت ~~الحكمة» على بناء المفعول وقرئ على البناء للفاعل أي ومن يؤته الله الحكمة ~~واظهار في مقام الإضمار لإظهار الاعتناء بشأنها وللإشعار بعلة الحكم «فقد ~~أوتي خيرا كثيرا» أي أي خير كثير فإنه قد خير له خير الدارين «وما يذكر» أي ~~وما ms0400 يتعظ بما أوتى من الحكمة أو وما يتفكر فيها «إلا أولوا الألباب» أي ~~العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى مشايعة الهوى وفيه من الترغيب ~~في المحافظة على الأحكام الواردة في شأن الإنفاق مالا يخفى والجملة إما حال ~~أو اعتراض تذييلي PageV01P262 # «وما أنفقتم من نفقة» بيان لحكم كلي شامل أفراد النفقات وما في حكمها إثر ~~بيان حكم ما كان منها في سبيل الله وما إما شرطية أو موصولة حذف عائدها من ~~الصلة أي وما أنفقتموه من نفقة أي أي نفقة كانت في حق أو باطل في سر أو ~~علانية قليلة أو كثيرة «أو نذرتم» النذر عقد الضمير على شئ والتزامه وفعله ~~كضرب ونصر «من نذر» أي نذر كان في طاعة أو معصية بشرط أو بغير شرط متعلق ~~بالمال أو بالأفعال كالصيام والصلاة ونحوهما «فإن الله يعلمه» الفاء على ~~الأول داخلة على الجواب وعلى الثاني مزيدة في الخبر وتوحيد الضمير مع تعدد ~~متعلق العلم لاتحاد المرجع بناء على كون العطف بكلمة أو كما في قولك زيد أو ~~عمرو أكرمته ولا يقال أكرمتهما ولهذا صير إلى التأويل في قوله عز وعلا وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وأخرى إلى المؤخر رعاية للقرب كما في هذه ~~الآية الكريمة وفي قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا وحمل ~~النظم على تأويلها بالمذكور ونظائره أو على حذف الأول ثقة بدلالة الثاني ~~عليه كما في قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله وقوله * نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف * ونحوهما ~~مما عطف فيه بالواو الجامعة تعسف مستغنى عنه نعم يجوز إرجاع الضمير إلى ما ~~على تقدير كونها موصولة وتصدير الجملة بأن لتأكيد مضمونها إفادة لتحقيق ~~الجزاء فإنه تعالى يجازيكم عليه البتة إن خيرا فخير وإن شرا فشر فهو ترغيب ~~وترهيب ووعد ووعيد «وما للظالمين» بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع ~~الصدقات وعدم الوفاء بالنذر أو بإنفاق الخبيث أو بالرياء والمن والأذى وغير ~~ذلك ما ms0401 ينتظمه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشئ في غير موضعه الذي يحق ~~أن يوضع فيه «من أنصار» أي أعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابه لا شفاعة ولا ~~مدافعة وإيراد صيغة الجمع لمقابلة الظالمين أي وما لظالم من الظالمين نصير ~~من الأنصار والجملة استئناف مقرر لما فيما قبله من الوعيد مفيد لفظاعة حال ~~من يفعل ما يفعل من الظالمين لتحصيل الأعواز ورعاية الخلان «إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي» نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية وبيان له ولذلك ترك ~~العطف بينهما أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها بعد أن لم يكن رياء ~~وسمعه وقرئ بفتح النون وكسر العين على الأصل وقرئ بكسر النون وسكون العين ~~وقرئ بكسر النون وإخفاء حركة العين وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة ~~التطوع فالإخفاء أفضل وهي التي أريدت بقوله تعالى «وإن تخفوها» أي تعطوها ~~خفية «وتؤتوها الفقراء» ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه واجب في ~~الإبداء أيضا لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن الغنى ربما يدعى ~~الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا PageV01P263 # يفعل ذلك عند الناس «فهو خير لكم» أي فالإخفاء خير لكم من الإبداء وهذا ~~في التطوع ومن لم يعرف بالمال وأما في الواجب فالأمر بالعكس لدفع التهمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا ~~وصدقة الفريضة علا نيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا «ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم» أي والله يكفر أو الإخفاء ومن تبعيضية أي شيئا من سيئاتكم كما ~~سترتموها وقيل مزيدة على رأي الأخفش وقرئ بالتاء مرفوعا ومجزوما على ان ~~الفعل للصدقات وقرئ بالنون مرفوعا عطفا على محل ما بعد الفاء أو على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر أو على أنها جملة مبتدأة من فعل وفاعل وقرئ ~~مجزوما عطفا على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط «والله بما تعملون» من ~~الإسرار والإعلان «خبير» فهو ترغيب في الإسرار «ليس عليك هداهم» أي لا يجب ~~عليك أن تجعلهم ms0402 مهدبين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما ~~نهوا عنه من القبائح المعدودة وإنما الواجب عليك الإرشاد إلى الخير والحث ~~عليه والنهى عن الشر والردع عنه بما أوحى إليك من الآيات والذكر الحكيم ~~«ولكن الله يهدي» هداية خاصة موصلة إلى المطلوب حتما «من يشاء» هدايته إلى ~~ذلك ممن يتذكر بما ذكر ويتبع الحق ويختار الخير والجملة معترضة جيء بها على ~~تلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى ~~الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال ~~فإن الإخبار بعدم وجوب تدارك أمرهم على النبي صلى الله عليه وسلم مؤذن ~~بوجوبه عليهم حسبما ينطق به ما بعده من الشرطية وقيل لما كثر فقراء ~~المسلمين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على ~~المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت أي ليس عليك هدى من ~~خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفات حينئذ في ~~الكلام وضمير الغيبة للمعهودين من فقراء المشركين بل فيه تلوين فقط وقوله ~~تعالى «وما تنفقوا من خير» على الأول التفات من الغيبة إلى خطاب المكلفين ~~لزيادة هزهم نحو الامتثال وعلى الثاني تلوين للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعولية ~~ومن تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لاسم الشرط مبينة ومخصصة له أي أي شئ ~~تنفقوا كائن من مال «فلأنفسكم» أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا ~~على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث أو فنفعه الديني لكم لا ~~لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدين من فقراء ~~المشركين «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله» استثناء من أعم العلل أو أعم ~~الأحوال أي ليست نفقتكم لشئ من الأشياء إلال ابتغاء وجه الله أو ليست في ~~حال من الأحوال إلا حال ابتغاء وجه الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون ~~الخبيث الذي لا يوجد ms0403 مثله إلى الله تعالى وقيل هو في معنى النهى «وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم» أي أجره وثوابه أضعافا مضاعفة حسبما فصل فيما قبل ~~فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه PageV01P264 # على أحسن الوجوه وأجملها فهو تأكيد وبيان للشرطية السابقة أو يوف إليكم ~~ما يخلفه وهو من نتائج دعائه عليه السلام بقوله اللهم اجعل للمنفق خلفا ~~وللمسك تلفا وقيل حجت أسماء بنت أبي بكر فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت ~~أن تعطيها وعن سعيد بن جبير أنهم كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من ~~المشركين وروى أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع كانوا ~~ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم فنزلت وهذا في غير ~~الواجب وأما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكافر وأن كان ذميا «وأنتم لا ~~تظلمون» لا تنقصون شيئا مما وعدتم من الثواب المضاعف أو من الخلف «للفقراء» ~~متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام كما في قوله عز وجل «في تسع آيات إلى ~~فرعون» أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتكم للفقراء ~~«الذين أحصروا في سبيل الله» بالغزو والجهاد «لا يستطيعون» لاشتغالهم به ~~«ضربا في الأرض» أي ذهابا فيها للكسب والتجارة وقيل هم أهل الصفة كانوا رضي ~~الله عنهم نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون ~~أوقاتهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «يحسبهم الجاهل» بحالهم «أغنياء من التعفف» أي من أجل ~~تعففهم عن المسألة «تعرفهم بسيماهم» أي تعرف فقرهم واضطرارهم بما تعاين ~~منهم من الضعف ورثاثة الحال والخطاب للرسول عليه السلام أو لكل أحد ممن له ~~حظ من الخطاب مبالغة في بيان وضوح فقرهم «لا يسألون الناس إلحافا» أي ~~إلحاحا وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفنى من فضل لحافه ~~أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى لا يسألونهم شيئا وإن سألوا لحاجة ~~اضطرتهم إليه لم يلحوا وقيل هو نفي لكلا الأمرين جميعا على طريقة ms0404 قوله * ~~على لا حب لا يهتدى لمنارة * أي لا منار ولا اهتداء «وما تنفقوا من خير فإن ~~الله به عليم» فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو ترغيب في التصدق لا سيما على ~~هؤلاء «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية» أي يعمون الأوقات ~~والأحوال بالخير والصدقة وقيل نزلت في شأن الصديق رضي الله عنه حيث تصدق ~~بأربعين ألف دينار عشرة آلاف منه بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة ~~علانية وقيل في علي رضي الله عنه حين لم يكن عنده إلا أربعة دراهم فتصدق ~~بكل واحد منها على وجه من الوجوه المذكورة ولعل تقديم الليل على النهار ~~والسر على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار وقيل في رباط الخيل ~~والإنفاق عليها «فلهم أجرهم عند ربهم» خبر للموصول والفاء للدلالة على ~~سببية ما قبلها لما بعدها وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ~~ولذلك جوز PageV01P265 # 275 الوقف على علانية «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» تقدم تفسيره «الذين ~~يأكلون الربا» أي يأخذونه والتعبير عنه بالأكل لما انه معظم ما قصد به ~~ولشيوعه في المطعومات مع ما فيه من زيادة تشنيع لهم وهو الزيادة في المقدار ~~أو الأجل حسبما فصل في كتب الفقه وإنما كتب بالواو كالصلاة على لغة من يفخم ~~في أمثالها وزيدت الألف تشبيها بواو الجمع «لا يقومون» أي من قبورهم إذا ~~بعثوا «إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان» أي إلا قياما كقيام المصروع وهو ~~وارد على ما يزعمون ان الشيطان يخبط الإنسان فيصرع والخبط الضرب بغير ~~استواء خبط العشواء «من المس» أي الجنون وهذا أيضا من زعماتهم أن الجنى ~~يمسه فيختلط عقله فلذلك يقال جن الرجل وهو متعلق بما قبله من الفعل المنفى ~~أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكلهم الربا أو بيقوم أو بيتخبطه فيكون ~~نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم بل لأن الله تعالى أربي في ~~بطونهم ما اكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون تلك سيماهم ~~يعرفون بها عند أهل الموقف «ذلك» إشارة إلى ms0405 ما ذكر من حالهم وما في اسم ~~الإشارة من معنى البعد للإيذان بفظاعة المشار إليه «بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربا» أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد ~~لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه كاستحلاله وقالوا يجوز بيع درهم بدرهمين كما ~~يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين بل جعلوا الربا أصلا في الحل وقاسوا به ~~البيع مع وضوح الفرق بينهما فإن أحد الدرهمين في الأول ضائع حتما وفي ~~الثاني منجبر بمساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقع رواجها «وأحل الله البيع ~~وحرم الربا» إنكار من جهة الله تعالى لتسويتهم وإبطال للقياس لوقوعه في ~~مقابلة النص مع ما أشير إليه من عدم الاشتراك في المناط والجملة ابتدائية ~~لا محل لها من الإعراب «فمن جاءه موعظة» أي فمن بلغه وعظ وزجر كالنهى عن ~~الربا وقرئ جاءته «من ربه» متعلق بجاءه أو بمحذوف وقع صفة لموعظة والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء الموعظة للتربية «فانتهى» ~~عطف على جاءه فاتعظ بلا تراخ وتبع النهى «فله ما سلف» أي ما تقدم أخذه قبل ~~التحريم ولا يسترده منه وما مرتفع بالظرف إن جعلت من موصولة وبالابتداء أن ~~جعلت شرطية على رأى سيبويه لعدم اعتماد الظرف على ما قبله «وأمره إلى الله» ~~يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية وقيل يحكم في شأنه ~~ولا اعتراض لكم عليه «ومن عاد» أي إلى تحليل الربا «فأولئك» إشارة إلى من ~~عاد والجمع باعتبار المعنى كما ان الإفراد في عاد باعتبار اللفظ وما فيه من ~~معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الشر والفساد «أصحاب النار» أي ~~ملازموها «هم فيها خالدون» ما كثون فيها أبدا والجملة مقررة لما قبلها ~~PageV01P266 # «يمحق الله الربا» أي يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه «ويربي ~~الصدقات» يضاعف ثوابها ويبارك فيها ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ~~ويربيها كما يربى أحدكم مهره وعنه عليه الصلاة والسلام ما نقصت زكاة من مال ~~قط «والله لا يحب» أي لا يرضى لأن الحب مختص ms0406 بالتوابين «كل كفار» مصر على ~~تحليل المحرمات «أثيم» منهمك في ارتكابه «إن الذين آمنوا» بالله ورسوله ~~وبما جاءهم «وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة» تخصيصهما بالذكر ~~مع اندراجهما في الصالحات لانافتهما على سائر الأعمال الصالحة على طريقة ~~ذكر جبريل وميكال عقيب الملائكة عليهم السلام «لهم أجرهم» جملة من مبتدأ ~~وخبر واقعة خبرا لأن أي لهم أجرهم الموعود لهم وقوله تعالى «عند ربهم» حال ~~من أجرهم وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإفاضة إلى ضميرهم مزيد لطف ~~وتشريف لهم «ولا خوف عليهم» من مكروه آت «ولا هم يحزنون» من محبوب فات «يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله» أي قوا أنفسكم عقابه «وذروا ما بقي من الربا» ~~أي واتركوا بقايا ما شرطتم منه على الناس تركا كليا «إن كنتم مؤمنين» على ~~الحقيقة فغن ذلك مستلزم لامتثال ما أمرتم به البتة وهو شرط حذف جوابه ثقة ~~بما قبله أي أن كنتم مؤمنين فاتقوا وذروه الخ روى أنه كان لثقيف مال على ~~بعض قريش فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت «فإن لم تفعلوا» أي ما ~~أمرتم به من الاتقاء وترك البقايا إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف بها ~~«فأذنوا بحرب من الله ورسوله» أي فاعلموا بها من أذن بالشئ إذا علم به أما ~~على الأول فكحرب المرتدين وأما على الثاني فكحرب البغاة وقرئ فآذنوا أي ~~فاعلموا غيركم قيل هو من الأذان وهو الاستماع فإنه من طرق العلم وقرئ ~~فأيقنوا وهو مؤيد لقراءة العامة وتنكير حرب للتفخيم ومن متعلقة بمحذوف وقع ~~صفة لها مؤكدة لفخامتها أي بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره كائن من عند ~~الله ورسوله روى أنه لما نزلت قالت ثقيف لابد لنا بحرب الله ورسوله «وإن ~~تبتم» من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعد ما سمعتموه من الوعيد «فلكم رؤوس ~~أموالكم» تأخذونها كملا «لا تظلمون» غرماءكم بأخذ الزيادة والجملة إما ~~مستأنفة لا محل لها من الإعراب أو حال من الضمير في لكم والعامل ما تضمنه ~~الجار من الاستقرار «ولا تظلمون» عطف على ms0407 ما قبله أي لا تظلمون أنتم من ~~قبلهم بالمطل PageV01P267 # والنقص ومن ضرورة تعليق هذا الحكم بتوبتهم عدم ثبوته عند عدمها لأن عدمها ~~إن كان مع إنكار الحرمة فهم مرتدون وما لهم المكسوب في حال الردة فيء ~~للمسلمين عند أبي حنيفة رضي الله عنه وكذا سائر أموالهم عند الشافعي وعندنا ~~هو لورثتهم ولا شئ لهم على حال وإن كان مع الاعتراف بها فإن كان لهم شوكة ~~فهم على شرف القتل لم تسلم لهم رؤوسهم فكيف برءوس أموالهم وإلا فكذلك عند ~~ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يقول من عامل الربا يستتاب وإلا ضرب عنقه ~~وأما عند غيره فهم محبوسون إلى أن تظهر توبتهم لا يمكنون من التصرفات أصلا ~~فما لم يتوبوا لم يسلم لهم شئ من أموالهم بل إنما يسلم بموتهم لورثتهم «وإن ~~كان ذو عسرة» أي إن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة على أن كان تامة وقرئ ذا ~~عسرة على أنها ناقصة «فنظرة» أي فالحكم نظرة أو فعليكم نظرة أو فلتكن نظرة ~~وهي الإنظار والإمهال وقرئ فناظره فالمستحق ناظره أي منتظره أو فصاحب نظرته ~~على طريق النسب وقرئ فناظره أمرا من المفاعلة أي فسامحه بالنظرة «إلى ~~ميسرة» أي إلى يسار وقرئ بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشارقة وقرئ بهما ~~مضافين بحذف التاء عند الإضافة كما في قوله * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا ~~* «وأن تصدقوا» بحذف إحدى التاءين وقرئ بتشديد الصاد أي وأن تتصدقوا على ~~معسرى غرمائكم بالإبراء «خير لكم» أي أكثر ثوابا من الإنظار أو خير مما ~~تأخذونه لمضاعفة ثوابه ودوامه فهو ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم كلا أو ~~بعضا على غرمائهم المعسرين كقوله تعالى «وأن تعفوا أقرب للتقوى» وقيل ~~المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا ~~كان له بكل يوم صدقة «إن كنتم تعلمون» جوابه محذوف أي أن كنتم تعلمون أنه ~~خير لكم عملتموه «واتقوا يوما» هو يوم القيامة وتنكيره للتفخيم والتهويل ~~وتعليق الاتقاء به للمبالغة في التحذير عما فيه من ms0408 الشدائد والأهوال ~~«ترجعون فيه» على البناء للمفعول من الرجع وقرئ على البناء للفاعل من ~~الرجوع والأول أدخل في التهويل وقرئ بالباء على طريق الالتفات وقرئ تردون ~~وكذا تصيرون «إلى الله» لمحاسبة أعمالكم «ثم توفى كل نفس» من النفوس ~~والتعميم للمبالغة في تهويل اليوم أي تعطى كملا «ما كسبت» أي جزاء ما عملت ~~من خير أو شر «وهم لا يظلمون» حال من كل نفس تفيد أن المعاقبين وإن كانت ~~عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما انه من قبل أنفسهم وجمع الضمير لأنه ~~أنسب بحال الجزاء كما ان الإفراد أوفق بحال الكسب عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال ضعها في رأس المائتين ~~والثمانين من البقرة وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وعشرين ~~يوما وقيل أحدا وثمانين وقيل سبعة أيام وقيل ثلاث ساعات PageV01P268 # «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين» شروع في بيان حال المداينة ~~الواقعة في تضاعيف المعاوضات الجارية فيما بينهم ببيع السلع بالنقود بعد ~~بيان حال الربا أي إذا داين بعضكم بعضا وعاملة نسيئة معطيا أو آخذا وفائدة ~~ذكر الدين دفع توهم كون التداين بمعنى المجازاة أو التنبيه على تنوعه إلى ~~الحال والمؤجل وأنه الباعث على الكتبة وتعين المرجع للضمير المنصوب المتصل ~~بالأمر «إلى أجل» متعلق بتداينتم أو بمحذوف وقع صفة لدين «مسمى» بالأيام أو ~~الأشهر ونظائرهما مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحصاد والدياس ونحوهما ~~مما لا يرفعها «فاكتبوه» أي الدين بأجله لأنه أوثق وأرفع النزاع والجمهور ~~على استحبابه وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد به السلم وقال لما حرم ~~الله الربا أباح في السلف «وليكتب بينكم كاتب» بيان لكيفية الكتابة المأمور ~~بها وتعيين لمن يتولاها إثر الأمر بها إجمالا وحذف المفعول اما لتعينه أو ~~للقصد إلى ايقاع نفس الفعل أي الكتابة وقوله تعالى بينكم للإيذان بأن ~~الكاتب ينبغي أن يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ولا يكتفي بكلام ~~أحدهما وقوله تعالى «بالعدل» متعلق بمحذوف هو ms0409 صفة لكاتب أي كاتب كائن ~~بالعدل أي وليكن المتصدى للكتابة من شانه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى ~~أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقص وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين ~~حتى يجيء كتابه موثوقا به معدلا بالشرع ويجوز أن يكون حالا منه أي ملتبسا ~~بالعدل وقيل متعلق بالفعل أي وليكتب بالحق «ولا يأب كاتب» أي ولا يمتنع أحد ~~ن الكتاب «أن يكتب» كتاب الدين «كما علمه الله» على طريقة ما علمه من كتبه ~~الوثاق أو كما بينه بقوله تعالى بالعدل أولا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما ~~نفعه الله تعالى بتعليم الكتابة كقوله تعالى وأحسن كما «أحسن الله إليك» ~~«فليكتب» تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهى عن إبائها تأكيدا لها ~~ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر على أن يكون النهى عن الامتناع منها مطلقة ثم ~~الأمر بها مقيدة «وليملل الذي عليه الحق» PageV01P269 # عليه الحق) الإملال هو الإملاء أي وليكن المملى من عليه الحق لأنه ~~المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر «وليتق الله ربه» جمع ما بين الاسم ~~الجليل والنعت الجميل للمبالغة في التحذير أي وليتق المملى دون الكاتب كما ~~قيل لقوله تعالى «ولا يبخس منه» أي من الحق الذي يمليه على الكاتب «شيئا» ~~فإنه الذي يتوقع منه البخس خاصة وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع ~~منه النقص فلو أريد نهيه لنهى عن كليهما وقد فعل ذلك حيث أمر بالعدل وإنما ~~شدد في تكليف المملى حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهى عن البخس لما ~~فيه من الدواعي إلى المنهى عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه ~~وتخفيف ما في ذمته بما أمكن «فإن كان الذي عليه الحق» صرح بذلك في موضع ~~الإضمار لزيادة الكشف والبيان لا لأن الأمر والنهى لغيره «سفيها» ناقص ~~العقل مبذرا مجازفا «أو ضعيفا» صبيا أو شيخا مختلا «أو لا يستطيع أن يمل ~~هو» أي غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس أو عي أو جهل أو غير ذلك من العوارض ~~«فليملل ms0410 وليه» أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم أو وكيل أو مترجم ~~«بالعدل» أي من غير نقص ولا زيادة لم يكلف بعين ما كلف به من عليه الحق ~~لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس «واستشهدوا شهيدين» أي ~~اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكم من المداينة وتسميتها شهيدين ~~لتنزيل المشارف منزلة الكائن «من رجالكم» متعلق باستشهدوا ومن ابتدائية أو ~~بمحذوف وقع صفة لشهيدين ومن تبعيضية أي شهيدين كائنين من رجال المسلمين ~~الأحرار إذ الكلام في معاملاتهم فإن خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق ~~العبارة كما بين في موضعه واما إذا كانت المداينة بين الكفرة أو كان من ~~عليه الحق كافرا فيجوز استشهاد الكافر عندنا «فإن لم يكونا» أي الشهيدان ~~جميعا على طريقة نفي الشمول لا شمول النفي «رجلين» إما لإعوازهما أو لسبب ~~آخر من الأسباب «فرجل وامرأتان» أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان ~~يكفون وهذا فيما عدا الحدود والقصاص عندنا وفي الأموال خاصة عند الشافعي ~~«ممن ترضون» متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون مرضيين عندكم ~~وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به ~~وقيل نعت لشهيدين أي كائنين ممن ترضون ورد بأنه يلزم الفصل بينهما بالأجنبي ~~وقيل بدل من رجالكم بتكرير العامل ورد بما ذكر من الفصل وقيل متعلق بقوله ~~تعالى فاستشهدوا فيلزم الفصل بين اشتراط المرأتين وبين تعليله وقوله عز وجل ~~«من الشهداء» متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول ~~أي ممن ترضونهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم وادراج ~~النساء في الشهداء بطريق التغليب «أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» ~~تعليل لاعتبار العدد في النساء والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن الضلال ~~لما كان سببا له نزل منزلته كما في قولك أعددت السلاح ان يجيء عدو فأدفعه ~~كأنه قيل أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ولعل إيثار ما ~~عليه النظم الكريم على أن يقال ان تضل إحداهما فتذكرها الأخرى ms0411 لتأكيد ~~الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاص الضلال بإحداهما بعينها ~~والتذكير بالأخرى وقرئ فتذكر من الأذكار وقرئ فتذاكر وقرئ أن تضل على الشرط ~~فتذكر بالرفع كقوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه «ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا» لأداء PageV01P270 # الشهادة أو لتحملها وتسميتهم شهداء قبل التحمل لما مر من تنزيل المشارف ~~منزلة الواقع وما مزيدة عن قتادة أنه كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه ~~القوم فلا يتبعه منهم أحد فنزلت «ولا تسأموا» أي لا تملوا من كثرة ~~مدايناتكم «أن تكتبوه» أي الدين أو الحق أو الكتاب وقيل كنى به عن الكسل ~~الذي هو صفة المنافق كما ورد في قوله تعالى وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول المؤمن كسلت «صغيرا أو ~~كبيرا» حال من الضمير أي حال كونه صغيرا أو كبيرا أي قليلا أو كثيرا أو ~~مجملا أو مفصلا «إلى أجله» متعلق بمحذوف وقع حالا من الهاء في تكتبوه أي ~~مستقرا في الذمة إلى وقت حلوله الذي أقربه المديون «ذلكم» إشارة إلى ما امر ~~به من الكتب والخطاب للمؤمنين «أقسط» أي أعدل «عند الله» أي في حكمه تعالى ~~«وأقوم للشهادة» أي أثبت لها وأعون على إقامتها وهما مبنيان من أقسط واقام ~~فإنه قياسي عند سيبويه أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم وإنما صحت الواو في ~~أقوم كما صحت في التعجيب لجموده «وأدنى ألا ترتابوا» وأقرب إلى انتفاء ~~ريبكم في جنس الدين وقدره واجله وشهوده ونحو ذلك «إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم» استثناء منقطع من الأمر بالكتاب أي لكن وقت كون تداينكم أو ~~تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيهما يدا بيد «فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها» أي فلا بأس بأن لا تكتبوها لبعده عن التنازع ~~والنسيان وقرئ برفع تجارة على انها أسم كان وحاضرة صفتها وتديرونها خبرها ~~أو على أنها تامة «وأشهدوا إذا تبايعتم» أي هذا التبايع أو مطلقا لأنه أحوط ~~والأوامر الواردة في الآية الكريمة ms0412 للندب عند الجمهور وقيل للوجوب ثم أختلف ~~في أحكامها ونسخها «ولا يضار كاتب ولا شهيد» نهى عن المضارة محتمل للبناءين ~~كما ينبأ عنه قراءة من قرأ ولا يضارر في الكسر والفتح وهو نهيهما عن ترك ~~الإجابة والتغيير والتحريف في الكتبة والشهادة أو نهى الطالب عن الضرار ~~بهما بأن يعجلهما عن مهمهما أو يكلفهما الخروج عما حد لهما أو لا يعطي ~~الكاتب جعله وقرئ في الرفع على أنه نفي في معنى النهى «وإن تفعلوا» ما ~~نهيتم عنه من الضرار «فإنه» أي فعلكم ذلك «فسوق بكم» أي خروج عن الطاعة ~~ملتبس بكم «واتقوا الله» في مخالفة أوامره ونواهية التي من جملتها نهيه عن ~~المضارة «ويعلمكم الله» أحكامه المتضمنة لمصالحكم «والله بكل شيء عليم» فلا ~~يكاد يخفي عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك كرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث ~~لإدخال الروعة وتربية المهابة وللتنبيه على استقلال كل منها بمعنى على ~~حياله فإن الأولى حث على التقوى والثانية وعد بالإنعام والثالثة تعظيم ~~لشأنه تعالى «وإن كنتم على سفر» أي مسافرين أو متوجهين إليه «ولم تجدوا ~~كاتبا» في المداينة وقرئ كتابا وكتبا وكتابا «فرهان مقبوضة» أي فالذي ~~يستوثق به أو PageV01P271 # فعليكم أو فليؤخذ أو فالمشروع رهان مقبوضة وليس هذا التعليق لاشتراط ~~السفر في شرعية الارتهان كما حسبه مجاهد والضحاك لأنه صلى الله عليه وسلم ~~رهن درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير أخذه لأهله بل لإقامة ~~التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتبة في السفر الذي هو مظنة إعوازها وإنما ~~لم يتعرض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقا وإعوازا والجمهور على ~~وجوب القبض في تمام الرهن غير مالك وقرئ فرهن كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى ~~مرهون وقرئ بسكون الهاء تخفيفا «فإن أمن بعضكم بعضا» أي بعض الدائنين بعض ~~المديونين لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان وقرئ فإن أومن بعضكم أي ~~آمنه الناس ووصفوه بالأمانة قيل فيكون انتصاب بعضا حينئذ على نزع الخافض أي ~~على متاع بعض «فليؤد الذي اؤتمن» وهو المديون وإنما عبر ms0413 عنه بذلك العنوان ~~لتعينه طريقا للإعلام ولحمله على الأداء «أمانته» أي دينه وإنما سمى أمانة ~~لائتمانه بترك الارتهان به وقرئ أيتمن بقلب الهمزة ياء وقرئ بإدغام الياء ~~في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها «وليتق ~~الله ربه» في رعاية حقوق الأمانة وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة ~~الربوبية من التأكيد والتحذير مالا يخفى «ولا تكتموا الشهادة» أيها الشهود ~~أو المدينون أي شهادتكم على أنفسكم عند المعاملة «ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه» آثم خبر أن وقلبه مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل يأثم قلبه أو مرتفع ~~بالابتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبر أن وإسناد الإثم إلى القلب لأن ~~الكتمان مما اقترفه ونظيره نسبة الزنا إلى العين والأذن أو للمبالغة لأنه ~~رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال كأنه قيل تمكن الإثم في نفسه وملك أشرف ~~مكان فيه وفاق سائر ذنوبه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أكبر الكبائر ~~الإشراك بالله لقوله تعالى «فقد حرم الله عليه الجنة» وشهادة الزور وكتمان ~~الشهادة وقرئ قلبه بالنصب كما في سفه نفسه وقرئ أثم قلبه أي جعله آثما ~~«والله بما تعملون عليم» فيجازيكم به إن خيرا فخير وإن شرا فشر «لله ما في ~~السماوات وما في الأرض» من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما ~~المتمكنة فيهما من أولى العلم وغيرهم أي كلها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا ~~لا شركة لغيره في شئ منها بوجه من الوجوه «وإن تبدوا ما في أنفسكم» من ~~السوء والعزم عليه بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل «أو تخفوه» بأن ~~تكتموه منهم ولا تظهروه بأحد الوجهين ولا يندرج فيه مالا يخلو عنه البشر من ~~الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقد ولا عزيمة فيها إذ التكليف بحسب الوسع ~~«يحاسبكم به الله» يوم القيامة وهو حجة على منكري الحساب من المعتزلة ~~والروافض وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به وأما تقديم الإبداء ~~على الإخفاء على عكس ما في قوله عز وجل قل ان تخفوا ما في صدوركم أو ms0414 تبدوه ~~يعلمه الله فلما أن المعلق بما في أنفسهم ههنا هو المحاسبة والأصل فيها ~~الأعمال البادية وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ~~PageV01P272 # كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته متعال عن أن يكون بطريق حصول الصور بل ~~وجود كل شئ في نفسه في أي طور كان علم بالنسبة إليه تعالى وهذا لا يختلف ~~الحال بين الأشياء البارزة والكامنة خلا أن مرتبه الإخفاء متقدمة على مرتبة ~~الإبداء إذ ما من شئ يبدي إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق ~~علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية وقد مر في تفسير ~~قوله تعالى أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون «فيغفر» بالرفع ~~على الاستئناف أي فهو يغفر بفضله «لمن يشاء» أن يغفر له «ويعذب» بعدله «من ~~يشاء» أن يعذبه حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح وتقديم ~~المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه وقرئ بجزم الفعلين عطفا على جواب ~~الشرط وقرئ بالجزم من غير فاء على أنهما بدل من الجواب بدل البعض أو ~~الاشتمال ونظيره الجزم على البدلية من الشرط في قوله * متى تأتنا تلمم ~~بنافي ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا * وإدغام الراء في اللام لحن ~~«والله على كل شيء قدير» تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته تعالى ~~على جميع الأشياء موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه ~~من المغفرة والتعذيب «آمن الرسول» لما ذكر في فاتحة السورة الكريمة أن ما ~~انزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الشأن هدى للمتصفين ~~بما فصل هناك من الصفات ألفا ضلة التي من جملتها الإيمان به وبما انزل قبله ~~من الكتب الإلهية وأنهم حائزون لإثرتى الهدى والفلاح من غير تعيين لهم ~~بخصوصهم ولا تصريح بتحقيق اتصافهم بها إذ ليس فيما يذكر في حيز الصلة حكم ~~بالفعل وعقب ذلك ببيان حال من كفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شرح في ~~تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظ والحكم وأخبار سوالف ms0415 الأمم ~~وغير ذلك ما تقتضى الحكمة شرحة عين في خاتمتها المتصفون بها وحكم باتصافهم ~~بها على طريق الشهادة لهم من جهته عز وجل بكمال الإيمان وحسن الطاعة وذكر ~~صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكر هناك بطريق الخطاب لما أن حق ~~الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض ههنا ~~لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذانا ~~بأنه أمر محقق غنى عن التصريح به لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده ~~صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه صلى الله عليه وسلم ~~صاحب كتاب مجيد وشرع جديد تمهيد لما يعقبه من قوله تعالى «بما أنزل إليه» ~~ومزيد توضيح لاندراجه في الرسل المؤمن بهم عليهم السلام والمراد بما انزل ~~إليه ما يعم كله وكل جزء من أجزائه ففيه تحقيق لكيفية إيمانه صلى الله عليه ~~وسلم وتعيين لعنوانه أي آمن عليه السلام بكل ما أنزل إليه «من ربه» والكتب ~~وغير ذلك من حيث أنه منزل منه تعالى وإما الإيمان بحقية أحكامه وصدق أخباره ~~ونحو ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة وفي هذا الإجمال إجلال ~~لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعار بأن تعلق إيمانه بتفاصيل ما أنزل إليه ~~وإحاطته بجميع ما انطوى PageV01P273 # عليه من الظهور بحيث لا حاجة إلى ذكره أصلا وكذا في التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تشريف له وتنبيه على أن إنزاله ~~إليه تربية وتكميل له عليه السلام «والمؤمنون» أي الفريق المعروفون بهذا ~~الاسم فاللام عهدية لا موصلة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ ~~وقوله عز وجل «كل» مبتدأ ثان وقوله تعالى «آمن» خبره والجملة خبر للمبتدأ ~~الأول والرابط بينهما الضمير الذي ناب منابه التنوين وتوحيد الضمير في آمن ~~مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير ~~اعتبار الاجتماع كما اعتبر ذلك في قوله تعالى «وكل أتوه داخرين» وتغيير سبك ms0416 ~~النظم الكريم عما قبله لتأكيد الإشعار بما بين إيمانه عليه السلام المبني ~~على المشاهدة والعيان وبين إيمانهم الناشئ عن الحجة والبرهان من التفاوت ~~البين والاختلاف الجلي كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب الدال ~~عليهما وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على ~~الوجه الآتي من نوع خفاء محوج إلى التقوية والتأكيد أي كل واحد منهم آمن ~~«بالله» وحده من غير شريك له في الألوهية والمعبودية «وملائكته» أي من حيث ~~انهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال ~~الكتب والقاء الوحي فإن مدار الايمان بهم ليس من خصوصيات ذواتهم في أنفسهم ~~بل هو من إضافتهم اليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلوح به الترتيب في ~~النظم «وكتبه ورسله» أي من حيث مجيئهما من عنده تعالى لإرشاد الخلق إلى ما ~~شرع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على الاطلاق بل على أن كل واحد ~~من تلك الكتب منزل منه تعالى إلى رسول معين من أولئك الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام حسبما فصل في قوله تعالى «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم» الآية ولا على ان مناط الايمان خصوصية ذلك الكتاب أو ~~ذلك الرسول بل على ان الايمان بالكل مندرج في الايمان بالكتاب المنزل إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومستند اليه لما تلى من الآية الكريمة ولا على ~~ان أحكام الكتب السالفة وشرائعها باقية بالكلية ولا على ان الباقي منها ~~معتبر بالإضافة إليها بل على ان احكام كل واحد منها كانت حقة ثابتة إلى ~~ورود كتاب آخر ناسخ له وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والاحكام ~~ثابتة من حيث انها من احكام هذا الكتاب المصون عن النسخ إلى يوم القيامة ~~وانما لم يذكر ههنا الايمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى «ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر ms0417 والملائكة والكتاب والنبيين» لاندراجه في ~~الايمان بكتبه وقرئ وكتابه على أن المراد به القرآن أو جنس الكتاب كما في ~~قوله تعالى «فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب» والفرق ~~بينه وبين الجمع أنه شائع في أفراد الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل الكتاب ~~أكثر من الكتب وهذا نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى «بما أنزل إليه من ~~ربه» اقتصر عليه ايذانا بكفايته في الايمان الاجمالي المتحقق في كل فرد من ~~أفراد المؤمنين من غير نفي لزيادة ضرورة اختلاف طبقاتهم وتفاوت ايمانهم ~~بالأمور المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتا فاحشا فإن الاجمال في الحكاية لا ~~يوجب الاجمال في المحكى كيف لا وقد أجمل في حكاية ايمانه عليه السلام بما ~~أنزل اليه من ربه مع بداهة كونه متعلقا بتفاصيل ما فيه من الجلائل والدقائق ~~ثم إن الأمور المذكورة PageV01P274 # حيث كانت من الأمور الغيبية التي لا يوقف عليها الا من جهة العليم الخبير ~~كان الايمان بها مصداقا لما ذكر في صدر السورة الكريمة من الايمان بالغيب ~~واما الايمان بكتبه تعالى فإشارة إلى ما في قوله تعالى يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك هذا هو اللائق بشأن التنزيل والحقيق بمقداره الجليل ~~وقد جوز أن يكون قوله تعالى والمؤمنون معطوفا على الرسول فيوقف عليه ~~والضمير الذي عوض عنه التنوين راجع إلى المعطوفين معا كأنه قيل آمن الرسول ~~والمؤمنون بما أنزل اليه من ربه ثم فصل ذلك وقيل كل واحد من الرسول ~~والمؤمنين آمن بالله الخ خلا أنه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناء بشأنه ~~وإيذانا بأصالته عليه السلام في الايمان به ولا يخفى أنه مع خلوه عما في ~~الوجه الأول من كمال اجلال شأنه عليه السلام وتفخيم ايمانه مخل بجزالة ~~النظم الكريم لأنه ان حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه عليه السلام ~~من حيث الذات ومن حيث التعلق بالتفاصيل استحال اسنادهما إلى غيره عليه ~~السلام وضاع التكرير وان حملا على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطا ~~لرتبته العلية ms0418 عليه السلام وأما حملهما على ما يليق بكل واحد ممن نسبا إليه ~~من الآحاد ذاتا وتعلقا بأن يحملا بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على ~~الإيمان المكتسب من جهته عليه السلام اللائق بحالهم في الإجمال والتفصيل ~~فاعتساف بين ينبغي تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله وقوله تعالى «لا نفرق بين ~~أحد من رسله» في حيز النصب بقول مقدر على صيغة الجمع رعاية لجانب المعنى ~~منصوب على أنه حال من ضمير آمن أو مرفوع على أنه خبر آخر لكل أي يقولون لا ~~نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض منهم ونكفر بآخرين بل نؤمن بصحة رسالة كل واحد ~~منهم قيدوا به إيمانهم تحقيقا للحق وتخطئة لأهل الكتابين حيث أجمعوا على ~~الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم واستقلت اليهود بالكفر بعيسى عليه السلام ~~أيضا على أن مقصودهم الأصلي إبراز إيمانهم بما كفروا به من رسالته عليه ~~السلام لا لإظهار موافقتهم لهم فيما آمنوا به وهذا كما ترى صريح في أن ~~القائلين آحاد المؤمنين خاصة إذ لا يمكن أن يسند إليه عليه السلام أن يقول ~~لا أفرق بين أحد من رسله وهو يريد به إظهار إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في ~~دعواها وعدم التعرض لنفى التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم ~~يعكس مع تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصلي في تفريق المفرقين هو الرسل ~~وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم وقرئ بالياء على إسناد الفعل إلى كل ~~وقرئ لا يفرقون حملا على المعنى كما في قوله تعالى «وكل أتوه داخرين» ~~فالجملة نفسها حال من الضمير المذكور وقيل خبر ثان لكل كما قيل في القول ~~المقدر فلا بد من اعتبار الكلية بعد النفي دون العكس إذ المراد شمول النفي ~~لا نفى الشمول والكلام في همزة أحد وفي دخول بين عليه قد مر تفصيله عند ~~قوله تعالى «لا نفرق بين أحد منهم» وفيه من الدلالة صريحا على تحقق عدم ~~التفريق بين كل فرد فرد منهم ms0419 وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في ان يقال ~~لا نفرق بين رسله وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله ~~تعالى «وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم» إما للاحتراز عن ~~توهم اندارج الملائكة في الحكم أو للإشعار بعلة عدم التفريق أو للإيماء إلى ~~عنوانه لأن المعتبر عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات الخاصة ~~«وقالوا» عطف على آمن وصيغة الجمع باعتبار جانب المعنى وهو حكاية لامتثالهم ~~بالأوامر إثر حكاية PageV01P275 # إيمانهم «سمعنا» أي فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته «وأطعنا» ما فيه ~~من الأ وامر والنواهي وقيل سمعنا أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك «غفرانك ربنا» أي ~~اغفر لنا غفرانك أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة أو مالا يخلو عنه البشر ~~من التقصير في مراعاة حقوقك وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما ~~أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إليهم للمبالغة في التضرع والجؤار «وإليك المصير» أي ~~الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك وهو تذييل لما قبلة مقرر للحاجة إلى ~~المغفرة لما أن الرجوع للحساب والجزاء وقولة تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها» جملة مستقلة جئ بها إثر حكاية تلقيهم لتكاليفه تعالى بحسن الطاعة ~~إظهارا لما له تعالى عليهم في ضمن التكليف من محاسن آثار الفضل والرحمة ~~ابتداء لا بعد السؤال كما سيجئ هذا وقد روى أنه لما نزل قوله تعالى وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية اشتد ذلك على أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوه علية السلام ثم بركوا على الركب فقالوا ~~أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصوم والحج والجهاد وقد ~~انزل إليك هذه الآية ولا نطيقها فقال أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا ~~سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فقرأها القوم فأنزل الله عز وجل آمن ~~الرسول ms0420 بما انزل الية من ربة إلى قولة تعالى ربنا واليك المصير فمسئولهم ~~الغفران المعلق بمشيئته عز وجل في قولة فيغفر لمن يشاء ثم انزل الله تعالى ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها تهوينا للخطب عليهم بيان ان المراد بما في ~~أنفسهم ما عزموا علية من السوء خاصة لا ما يعم الخواطر التي لا يستطاع ~~الاحتراز عنها والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة والوسع ما يسع الانسان ولا ~~يضيق عليه أي سنته تعالى أنه لا يكلف نفسا من النفوس الا ما يتسع فيه طوقها ~~ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود منة رحمة لهذه الأمة كقوله تعالى ~~«يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» وقرئ وسعها بالفتح وهذا يدل على ~~عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه وقولة تعالى «لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت» للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها ~~بيان إن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته ~~منفعة زائدة وانها تعود إليها لا إلى غيرها ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق ~~بها لا بغيرها فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعلة من أقوى الدواعي إلى تحصيله ~~وإقتصار مضرته علية من أشد الزواجر عن مباشرته أي لها ثواب ما كسبت من ~~الخير والذي كلفت فعلة لا لغيرها استقلالا أو اشتراكا ضرورة شمول كلمة ما ~~لكل جزء من اجزاء مكسوبها وعليها لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين ~~عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركة وايراد PageV01P276 # الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل ~~الشر وسعيها في طلبه «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» شروع في حكاية ~~بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف أي لا تؤاخذنا بما صدر عنا من الأمور ~~المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة ونحوهما مما يدخل تحت ~~التكليف أو بأنفسهما من حيث ترتبهما على ما ذكر أو مطلقا إذ لا امتناع في ~~المؤاخذة بهما عقلا فإن المعاصي كالسموم فكما أن تناولها ولو سهوا ms0421 أو أخطأ ~~مؤد إلى الهلاك فتعاطى المعاصي أيضا لا يبعد أن يفضى إلى العقاب وأن لم يكن ~~عن عزيمة ووعده تعالى بعدمه لا يوجب استحالة وقوعه فإن ذلك من آثار فضله ~~ورحمته كما ينبئ عنه الرفع في قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وقد روى أن اليهود كانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة فدعاؤهم بعد العلم ~~بتحقق الموعود للاستدامة والاعتداد بالنعمة في ذلك كما في قوله تعالى «ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك» «ربنا ولا تحمل علينا إصرا» عطف على ما قبله ~~وتوسيط النداء بينهما لإبراز مزيد الضراعة والإصر العبء الثقيل الذي يأصر ~~صاحبة أي يحبسه مكانه والمراد به التكاليف الشاقة وقيل الإصر الذنب الذي لا ~~توبة له فالمعنى اعصمنا من اقترافه وقرئ آصار أو قرئ ولا تحمل بالتشديد ~~للمبالغة «كما حملته على الذين من قبلنا» في حيز النصب على أنه صفة لمصدر ~~محذوف أي حملا مثل حملك إياه على من قبلنا أو على أنه صفة لإصرا أي إصرا ~~مثل الإصر الذي حملته على من قبلنا وهو ما كلفه بنو إسرائيل من بخع النفس ~~في التوبة وقطع موضع النجاسة وخمسين صلاة في يوم وليلة وصرف ربع المال ~~للزكاة وغير ذلك من التشديدات فإنهم كانوا إذا اتوا بخطيئة حرم عليهم من ~~الطعام بعض ما كان حلالا لهم قال الله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم وقد عصم الله عز وجل بفضله ورحمته هذه الأمة عن أمثال ~~ذلك وأنزل في شأنهم ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وقال صلى ~~الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السهلة السمحة وعن العقوبات التي عوقب بها ~~الأولون من المسخ والخسف وغير ذلك قال صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي ~~الخسف والمسخ والغرق «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» عطف على ما قبله ~~واستعفاء عن العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء عما يؤدى إليها التفريط ~~فيه من التكاليف الشاقة التي لا يكاد من كلفها يخلو عن التفريط ms0422 فيها كأنه ~~قيل لا تكلفنا تلك التكاليف ولا تعاقبنا بتفريطنا في المحافظة عليها فيكون ~~التعبير عن إنزال العقوبات بالتحميل باعتبار ما يؤدى إليها وقيل هو تكرير ~~للأول وتصوير للإصر بصورة مالا يستطاع مبالغة وقيل هو استعفاء عن التكليف ~~بما لا تفي به الطاقة البشرية حقيقة فيكون دليلا على جواره عقلا وإلا لما ~~سئل التخلص عنه والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثان «واعف عنا» أي ~~آثار ذنوبنا «واغفر لنا» واستر عيوبنا ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد ~~«وارحمنا» وتعطف بنا وتفضل علينا وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة ~~لما ان التخلية سابقة على التحلية «أنت مولانا» سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا ~~أو متولى أمورنا «فانصرنا على القوم الكافرين» فإن من حق المولى أن ينصر ~~عبده ومن يتولى امره على الأعداء والمراد به عامة الكفرة وفيه إشارة إلى ان ~~إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله تعالى حسبما أمر في تضاعيف السورة ~~الكريمة غاية مطالبهم روى أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا PageV01P277 # بهذه الدعوات قيل له عند كل دعوة قد فعلت وعنه صلى الله عليه وسلم أنزل ~~الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق بألفي عام من ~~قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل وعنه صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ آيتين من سورة البقرة كفتاه وهو حجة على من استكره أن يقول سورة ~~البقرة وقال ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة كما قال صلى الله ~~عليه وسلم السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها ~~بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل وما البطلة قال صلى الله عليه ~~وسلم السحرة. # (تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران) PageV01P278 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الثاني الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV02P001 # سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية 1، 2 «بسم ms0423 الله الرحمن الرحيم» «ألم ~~الله لا إله إلا هو» قد سلف أن مالا تكون من هذه الفواتح مفردة كصاد وقاف ~~ونون ولا موازنة لمفرد كحاميم وطاسين وياسين الموازنة لقابيل وهابيل ~~وكطاسين ميم الموازنة لدارا بجرد حسبما ذكره سيبويه في الكتاب فطريق التلفظ ~~بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء أو مسرودة على ~~نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعا ~~فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها ثم يبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي ~~الله عنه رواية عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورة فإنما ~~هي حركة همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطها ~~للدرج بل للتخفيف فهي ببقاء حركتها في حكم الثابت المبتدأ به والميم بكون ~~الحركة لغيرها في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم واعترض بأنه ~~غير معهود في الكلام وقيل هي حركة لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ~~ولام الجلالة بعد سقوط همزتها وأنت خبير بأن سقوطها مبنى على وقوعها في ~~الدرج وقد عرفت أن سكون الميم وقفى موجب لانقطاعها عما بعدها مستدع لثبات ~~الهمزة على حالها لا كما في الحروف والأسماء المبنية على السكون فإن حقها ~~الاتصال بما بعدها وضعا واستعمالا فتسقط بها همزة الوصل وتحرك أعجازها ~~لالتقاء الساكنين ثم أن جعلت مسرودة على نمط التعديد فلا محل لها من ~~الإعراب كسائر الفواتح وإن جعلت اسما للسورة فمحلها إما الرفع على أنها خبر ~~مبتدأ محذوف وإما النصب على إضمار فعل يليق بالمقام ذكر أو اقرأ أو نحوهما ~~وأما الرفع بالابتداء أو النصب بتقدير فعل القسم أو الجر بتقدير حرفه فلا ~~مساغ لشئ منها لما أن ما بعدها غير صالح للخيرية ولا للإقسام عليه فإن ~~الاسم الجليل مبتدأ وما بعده خبره والجملة مستأنفة أي هو المستحق للمعبودية ~~لا غير وقوله عز وجل «الحي القيوم» خبر آخر له أو لمبتدأ محذوف أي هو الحي ~~القيوم لا غيره وقيل هو صفة ms0424 للمبتدأ أو بدل منه أو من الخبر الأول أو هو ~~الخبر وما قبله اعتراض بين المبتدأ مقرر لما يفيده الاسم الجليل أو حال منه ~~وإياه ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى ~~لما مر من أن معنى الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ومعنى ~~القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه ومن ضرورة اختصاص ذينك الوصفين به ~~تعالى اختصاص استحقاق المعبودية به تعالى لاستحالة PageV02P002 # تحققه بدونهما وقد روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اسم الله ~~الأعظم في ثلاث سور في سورة البقرة الله لا إله إلا هو الحي القيوم وفي آل ~~عمران ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وفي طه وعنت الوجوه للحي القيوم ~~وروى ان بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم قال الحي ~~القيوم ويروى ان عيسى عليه السلام كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا ~~قيوم ويقال إن آصف بن برخيا حين أتى بعرش بلقيس دعا بذلك وقرئ الحي القيام ~~وهذا رد على من زعم ان عيسى عليه السلام كان ربا فإنه روى ان وفد نجران ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ستين راكبا فيهم أربعة عشر ~~رجلا من اشرافهم ثلاثة منهم أكابر إليهم يؤول أمرهم أحدهم أميرهم وصاحب ~~مشورتهم العاقب واسمه عبد المسيح وثانيهم وزيرهم ومشيرهم السيد واسمه ~~الأيهم وثالثهم حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم أبو حارثة بن علقمة أحد بني ~~بكر بن وائل وقد كان ملوك الروم شرفوه ومولوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه ~~واجتهاده في دينهم وبنوا له كنائس فلما خرجوا من نجران ركب أبو حارثة بغلته ~~وكان أخوه كرز بن علقمة إلى جنبه فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال ~~كرز تعسا للأبعد يريد به رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة بل ~~تعست أمك فقال كرز ولم يا أخي قال إنه والله النبي الذي كنا ننتظره فقال له ~~كرز فما يمنعك ms0425 عنه وأنت تعلم هذا قال لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة ~~وأكرمونا فلو آمنا به لأخذوا منا كلها فوقع ذلك في قلب كرز وأضمره إلى أن ~~أسلم فكان يحدث بذلك فأتوا المدينة ثم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد صلاة العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية فاخرة يقول بعض من رآهم ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم ~~فقاموا ليصلوا في المسجد فقال عليه السلام دعوهم فصلوا إلى المشرق ثم تكلم ~~أولئك الثلاثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا تارة عيسى هو الله ~~لأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة ~~الطير فينفخ فيه فيطير وتارة أخرى هو ابن الله إذ لم يكن له أب يعلم وتارة ~~أخرى إنه ثالث ثلاثة لقوله تعالى فعلنا وقلنا ولو كان واحدا لقال فعلت وقلت ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلموا قالوا أسلمنا قبلك قال صلى ~~الله عليه وسلم كذبتم يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولدا قالوا إن أم ~~يكن ولدا لله فمن أبوه فقال صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون انه لا يكون ~~ولد إلا ويشبه أباه فقالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن ~~عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال عليه السلام ألستم تعلمون أن ربنا ~~قيوم على كل شيء يحفظه ويرزقه قالوا بلى قال عليه السلام فهل يملك عيسى من ~~ذلك شيئا قالوا لا فقال عليه السلام ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء قالوا بلى قال عليه السلام فهل يعلم عيسى ~~من ذلك إلا ما علم قالوا بلى قال عليه السلام ألستم تعلمون أن ربنا صور ~~عيسى في الرحم كيف شاء وان ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث قالوا بلى قال ~~عليه السلام ألستم تعلمون ان عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما ~~تضع المرأة ولدها ثم ms0426 غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ~~ويحدث الحدث قالوا بلى قال عليه السلام فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا ~~وأبوا إلا جحودا فأنزل الله عز وجل من أول السورة إلى نيف وثمانين آية ~~تقريرا لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب PageV02P003 # به عن شبههم وتحقيقا للحق الذي فيه يمترون «نزل عليك الكتاب» أي القرآن ~~عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات ~~الجنس كأنه هو الحقيق بان يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح به ~~التصريح باسمي التوراة والإنجيل وصيغة التفعيل للدلالة على التنجيم وتقديم ~~الظرف على المفعول لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والجملة ~~إما مستأنفة أو خبر آخر عن الاسم الجليل أو هي الخبر وقوله تعالى لا إله ~~إلا هو اعتراض أو حال وقوله عز وجل الحي القيوم صفة أو بدل كما مر وقرئ نزل ~~عليك الكتاب بالتخفيف ورفع الكتاب فالظاهر حينئذ أن تكون مستأنفة وقيل يجوز ~~كونها خبرا بحذف العائد أي نزل الكتاب من عنده «بالحق» حال من الفاعل أو ~~المفعول أي نزله محقا في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبسا بالعدل في أحكامه ~~أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبر التوحيد وما يليه وفي وعده ووعيده ~~أو بما يحقق انه من عند الله تعالى من الحجج البينة «مصدقا» حال من الكتاب ~~بالاتفاق على تقدير كون قوله تعالى بالحق حالا من فاعل نزل وأما على تقدير ~~حاليته من الكتاب فهو عند من يجوز تعدد الحال بلا عطف ولا بدلية حال منه ~~بعد حال وأما عند من يمنعه فقد قيل إنه حال من محل الحال الأولى على ~~البدلية وقيل من المستكن في الجار والمجرور لأنه حينئذ يتحمل ضميرا لقيامه ~~مقام عامله المتحمل له فيكون حالا متداخلة وعلى كل حال فهي حال مؤكدة ~~وفائدة تقييد التنزيل بها حث أهل الكتابين على الإيمان بالمنزل وتنبيههم ~~على وجوبه فإن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه حتما ms0427 «لما بين يديه» ~~مفعول لمصدقا واللام دعامة لتقوية العمل نحو فعال لما يريد أي مصدقا لما ~~قبله من الكتب السالفة وفيه إيماء إلى حضورها وكمال ظهور امرها بين الناس ~~وتصديقه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله عز وجل عما لا ~~يليق بشأنه الجليل والأمر بالعدل والإحسان وكذا في انباء الأنبياء والأمم ~~الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع التي لا ~~تختلف باختلاف للأمم والأعصار ظاهر لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة ~~باختلافهما فمن حيث إن أحكام كل واحد منها واردة حسبما تقتضيه الحكمة ~~التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفة بها مشتملة على المصالح ~~اللائقة بشأنهم «وأنزل التوراة والإنجيل» تعيين لما بين يديه وتبيين لرفعة ~~محله تأكيدا لما قبله وتمهيدا لما بعده إذ بذلك يترقى شأن ما يصدقه رفعة ~~ونباهة ويزداد في القلوب قبولا ومهابة ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة ~~واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام أي أنزلهما جملة على موسى ~~وعيسى عليهما السلام وإنما لم يذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزلا ~~عليه وهما اسمان أعجميان الأول عبري والثاني سرياني ويعضده القراءة بفتح ~~همزة الإنجيل فإن أفعيل ليس من أبنية العرب والتصدي لإشتقاقهما من الورى ~~والنجل تعسف «من قبل» متعلق بأنزل PageV02P004 # أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب والتصريح به مع ظهور الأمر للمبالغة في ~~البيان «هدى للناس» في حيز النصب على أنه علة للإنزال أي أنزلهما لهداية ~~الناس أو على أنه حال منهما أي أنزلهما حال كونهما هدى لهم والإفراد لما ~~أنه مصدر جعلا نفس الهدى مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذوى هدى ثم إن أريد ~~هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع فالمراد بالناس الأمم الماضية من ~~حين نزولهما إلى زمان نسخهما وأن أريد هدايتهما على الإطلاق وهو الأنسب ~~بالمقام فالناس على عمومه لما أن هدايتهما بما عد الشرائع المنسوخة من ~~الأمور التي يصدقهما القرآن فيها ومن جملتها البشارة بنزوله وبمبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms0428 تعم الناس قاطبة «وأنزل الفرقان» الفرقان في الأصل مصدر ~~كالغفران أطلق على الفاعل مبالغة والمراد به ههنا أما جنس الكتب إلهية عبر ~~عنها بوصف شامل لما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم إثر ~~تخصيص بعض مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل فأنبتنا فيها حبا وعنبا إلى ~~قوله تعالى وفاكهة وإما نفس الكتب المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر ~~فيما سبق على طريقة العطف بتكرير لفظ الإنزال تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة ~~التغاير الذاتي كما في قوله سبحانه ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وإما الزبور فإنه مشتمل على المواعظ ~~الفارقة بين الحق والباطل الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرة عن الشر ~~والفساد وتقديم الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولا لقوة مناسبته للتوراة في ~~الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوع اقترانهما في الذكر وإما القرآن نفسه ~~ذكر بنعت مادح له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيما لشأنه ورفعا لمكانة وقد بين ~~أولا تنزيله التدريجي إلى الأرض وثانيا إنزاله الدفعي إلى السماء الدنيا أو ~~أريد بإنزال القدر المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمه وإما المعجزات ~~المقرونة بإنزال الكتب المذكورة الفارقة بين المحق والمبطل «إن الذين كفروا ~~بآيات الله» وضع موضع الضمير العائد إلى ما فصل من الكتب المنزلة أو منها ~~ومن المعجزات وآيات مضافة إلى الاسم الجليل تعيينا لحيثية كفرهم وتهويلا ~~لأمرهم وتأكيدا لاستحقاقهم العذاب الشديد وإيذانا بأن ذلك الاستحقاق لا ~~يشترط فيه الكفر بالكل بل يكفى فيه الكفر ببعض منها والمراد بالموصول إما ~~أهل الكتابين وهو الأنسب بمقام المحاجة معهم أو جنس الكفرة وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا أي ان الذين كفروا بما ذكر من آيات الله الناطقة بالحق لا سيما ~~بتوحيده تعالى وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل كلا أو بعضا مع ما بها من ~~النعوت الموجبة للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالة وبسائر الكتب الإلهية ~~تبعا لما ان تكذيب المصدق موجب لتكذيب ما يصدقه حتما وأصالة أيضا بأن كذبوا ms0429 ~~بآياتها الناطقة بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزول القرآن ومبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وغيروها «لهم» بسبب كفرهم بها «عذاب» مرتفع إما ~~على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء والجملة خبر أن والتنوين ~~للتفخيم أي أي عذاب «شديد» لا يقادر قدره وهو وعيد جئ به إثر تقرير أمر ~~التوحيد الذاتي والوصفى والإشارة إلى ما ينطق بذلك من الكتب الإلهية حملا ~~على القبول والإذعان وزجرا عن الكفر والعصيان «والله عزيز» لا يغالب يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يرد «ذو انتقام» عظيم خارج عن أفراد جنسه وهو افتعال من ~~النقمة وهي السطورة والتسلط يقال انتقم منه إذا عاقبه بجنايته والجملة ~~اعتراض تذييلى مقرر للوعيد PageV02P005 # ومؤكد له «إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء» استئناف ~~كلام سيق لبيان سعة علمه تعالى وإحاطته بجميع ما في العالم من الأشياء التي ~~من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوق سرا وجهرا إثر بيان كمال قدرته ~~وعزته تربية لما قبله من الوعيد وتنبيها على أن الوقوف على بعض المغيبات ~~كما كان في عيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبة الصفات الآلهية وإنما عبر ~~من علمه عز وجل بما ذكر بعدم خفائه عليه كما في قوله سبحانه وما يخفي على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء إيذانا بأن علمه تعالى بمعلوماته وإن ~~كانت في أقصى الغايات الخفية ليس من شأنه أن يكون على وجه يمكن أن يقارنه ~~شائبه خفاء بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين بل هو في غاية الوضوح ~~والجلاء والجملة المنفية خبر لأن وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وكلمة في ~~متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيىء مؤكدة لعمومه المستفادة من وقوعه في سياق ~~النفي أي لا يخفي عليه شئ ما كائن في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ~~ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل متعلقة بيخفى وإنما عبر ~~بهما عن كل العالم لأنهما قطراه وتقديم الأرض على السماء لإظهار الاعتناء ~~بشأن أحوال أهلها وتوسيط حرف ms0430 النفي بينهما للدلالة على الترقي من الأدنى ~~إلى الاعلى باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى ~~علومنا وقوله عز وجل «هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء» جملة مستأنفة ~~ناطقة ببعض أحكام قيوميته تعالى وجريان أحوال الخلق في أطوار الوجود حسب ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة مقررة لكمال علمه مع زيادة بيان لتعلقه ~~بالأشياء قبل دخولها تحت الوجود ضرورة وجوب علمه تعالى بالصور المختلفة ~~المترتبة على التصوير المترتب على المشيئة قبل تحققها بمراتب وكلمة في ~~متعلقة بيصوركم أو بمحذوف وقع حالا من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في ~~الأرحام مضغ وكيف معمول ليشاء والجملة في محل النصب على الحالية إما من ~~فاعل يصوركم أي يصوركم كائنا على مشيئته تعالى أي مريدا أو من مفعوله أي ~~يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من ~~كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا غير مخلقة ثم مخلقة وفي الاتصاف بالصفات ~~المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك من الصفات وفيه من ~~الدلالة على بطلان زعم من زعم ربوبية عيسى عليه السلام وهو من جملة أبناء ~~النواسيت المتقلبين في هذه الأطوار على مشيئة الباري عز وجل وكمال ركاكة ~~عقولهم مالا يخفي وقرئ تصوركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوركم لنفسه ~~وعبادته «لا إله إلا هو» إذ لا يتصف بشيء مما ذكر من الشؤون العظيمة الخاصة ~~بالألوهية أحد ليتوهم ألوهيته «العزيز الحكيم» المتناهي في القدرة والحكمة ~~ولذلك يخلقكم على ما ذكر من النمط البديع PageV02P006 # «هو الذي أنزل عليك الكتاب» شروع في إبطال شبههم الناشئة عما نطق به ~~القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف إثر بيان اختصاص الربوبية ~~ومناطها به سبحانه وتعالى تارة بعد أخرى وكون كل من عداه مقهورا تحت ملكوته ~~تابعا لمشيئته قيل إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألست ~~تزعم يا محمد أن عيسى كلمة الله وروح منه قال صلى الله عليه وسلم بلى قالوا ~~فحسبنا ذلك فنعى عليهم زيغهم وفتنتهم ms0431 وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة ~~وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه من الضلال والمراد ~~بالإنزال القدر المشترك المجرد عن الدلالة على قيد التدريج وعدمه ولام ~~الكتاب للعهد وتقديم الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناء بشأن ~~بشارته عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أنزل فإن النفس ~~عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما بعد الإشعار برفعه شانه أو بمنفعته تبقى ~~مترقبة له فيتمكن لديها عند وروده عليها فضل تمكن وليتصل به تقسيمه إلى ~~قسيمه «منه آيات» الظرف خبر وآيات مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في ~~قوله تعالى ومن الناس من يقول الآية والأول أوفق بقواعد الصناعة والثاني ~~ادخل في جزالة المعنى إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين ~~المعهودين لا كونهما من الكتاب فتذكر والجملة مستأنفة أو في حيز النصب على ~~الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتاب كائنا على هذه الحال أي منقسما ~~إلى محكم ومتشابه أو الظرف هو الحال وحده وآيات مرتفع به على الفاعلية ~~«محكمات» صفة آيات أي قطعية الدلالة على المعنى المراد محكمة العبارة ~~محفوظة من الاحتمال والاشتباه «هن أم الكتاب» أي أصل فيه وعمدة يرد إليها ~~غيرها فالمراد بالكتاب كله والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرة لا بمعنى ~~اللام فإن ذلك يؤدى إلى كون الكتاب عبارة عما عدا المحكمات والجملة إما صفة ~~لما قبلها أو مستأنفة وإنما افرد الام مع تعدد الآيات لما ان المراد بيان ~~أصلية كل واحدة منها أو بيان ان الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى ~~وجعلناها وابنها آية للعالمين وقيل اكتفى بالمفرد عن الجمع كما في قول ~~الشاعر * بها جيف الحصري فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب * أي وأما ~~جلودها «وأخر» لمحذوف معطوف على آيات أي وآيات أخر وهي جمع أخرى وإنما لم ~~ينصرف لأنه وصف معدول عن الأخر أو عن آخر من «متشابهات» صفة لأخر وفي ~~الحقيقة صفة للمحذوف أي محتملات لمعان متشابهة لا ms0432 يمتاز بعضها من بعض في ~~استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق والتأمل الأنيق ~~فالتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال ~~بوصف المدلول وقيل لما كان من شان الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن ~~التمييز بينها سمى كل ما لا يهتدى إليه العقل متشابها وإن لم يكن ذلك بسبب ~~التشابه PageV02P007 # كما أن المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق ~~على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة وإنما جعل ذلك كذلك ليظهر فضل ~~العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم التي نيط بها ~~استنباط ما أريد بها من الأحكام الحقة فينالوا بها وبإتعاب القرائح في ~~استخراج مقاصدها الرائفة ومعانيها اللائقة المدارج العالية ويعرجوا ~~بالتوفيق بينها وبين المحكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصية ~~وأما قوله عز وجل «الر كتاب أحكمت آياته» فمعناه أنها حفظت من اعتراء الخلل ~~أو من النسخ أو أيدت بالحجج القاطعة الدالة على حقيتها أو جعلت حكيمة ~~لانطوائها على جلائل الحكم البالغة ودقائقها وقوله تعالى كتابا متشابها ~~مثاني معناه متشابه الأجزاء أي يشبه بعضها بعضا في صحة المعنى وجزالة النظم ~~وحقية المدلول «فأما الذين في قلوبهم زيغ» أي ميل عن الحق إلى الأهواء ~~الباطلة قال الراغب الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين وفي جعل ~~قلوبهم مقرا للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر ~~والفساد «فيتبعون ما تشابه منه» معرضين عن المحكمات أي يتعلقون بظاهر ~~المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطل لا تحريا للحق بعد الإيمان بكونه من عند ~~الله تعالى بل «ابتغاء الفتنة» أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك ~~والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه كما نقل عن الوفد «وابتغاء تأويله» أي ~~وطلب أن يؤلوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغة والحال أنهم بمعزل من ~~تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم» فإنه حال من ضمير فيتبعون باعتبار العلة ms0433 الأخيرة أي يتبعون المتشابه ~~لابتغاء تأويله والحال أنه مخصوص به تعالى وبمن وفقه له من عباده الراسخين ~~في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال الأقدام في ~~تعليل الاتباع بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف ~~بالصحة أو الحقية إيذان بأنهم ليسوا من التأويل في شئ وأن ما يبتغونه ليس ~~بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبة ومن وقف على الا الله فسر ~~المتشابه بما استأثر الله عز وعلا بعلمه كمده بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ~~وخواص الاعداد كعدد الزبانية أو بما دل القاطع على عدم إرادة ظاهرة ولم يدل ~~على ما هو المراد به «يقولون آمنا به» أي بالمتشابه وعدم التعرض لإيمانهم ~~بالمحكم لظهوره أو بالكتاب والجملة على الأول استئناف موضح لحال الراسخين ~~أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى والراسخون وقوله تعالى «كل من عند ~~ربنا» من تمام المقول مقرر لما قبله ومؤكد له أي كل واحد منه ومن المحكم أو ~~كل واحد من متشابهه ومحكمه منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما أو آمنا به ~~وبحقيته على مراده تعالى «وما يذكر» حق التذكر «إلا أولوا الألباب» أي ~~العقول الخالصة عن الركون إلى الأهواء الزائغة وهو تذييل سيق من جهته تعالى ~~مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر وإشارة إلى ما به استعدوا للاهتداء ~~إلى تأويله من تجرد العقل عن غواشى الحس وتعلق الآية الكريمة بما قبلها من ~~حيث إنها جواب عما تشبث به النصارى من نحو قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه على وجه الإجمال وسيجئ الجواب المفصل بقوله تعالى إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون PageV02P008 # «ربنا لا تزغ قلوبنا» من تمام مقاله الراسخين أي لا تزغ قلوبنا عن نهج ~~الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه قال صلى الله عليه وسلم قلب ابن ~~آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه ms0434 عنه ~~وقيل معناه لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا «بعد إذ هديتنا» أي إلى الحق ~~والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نصب بلا تزغ على الظرف وإذ ~~في محل الجر بإضافته إليه خارج من الظرفية أي بعد وقت هدايتك إيانا وقيل ~~إنه بمعنى أن «وهب لنا من لدنك» كلا الجارين متعلق بهب وتقديم الأول لما مر ~~مرارا ويجوز تعلق الثاني بمحذوف هو حال من المفعول أي كائنة من لدنك ومن ~~لابتداء الغاية المجازية ولدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان أو مكان أو ~~غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد وليست مرادفة لعند إذ قد تكون فضلة وكذا ~~لدى وبعضهم يخصها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله * تنتفض ~~الرعدة في ظهيرى * من لدن الظهر إلى العصير * ولا تقطع عن الإضافة بحال ~~وأكثر ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أن وصلتها كما في قوله * ولم تقطع ~~أصلا من لدن أن وليتنا * قرابة ذي رحم ولا حق مسلم * أي من لدن ولايتك ~~أيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسمية كما في قوله * تذكر نعماه لدن أنت يافع ~~* وإلى الجملة الفعلية أيضا كما في قوله * لزمنا لدن سالمتمونا وفاتكم * ~~فلا يك منكم للخلاف جنوح * وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين ~~«رحمة» واسعة تزلفنا إليك ونفور بها عندك أو توفيقا للثبات على الحق وتأخير ~~المفعول الصريح عن الجارين لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة لوروده لا سيما عند ~~الإشعار بكونه من المنافع باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضل تمكن «إنك أنت ~~الوهاب» تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول وأنت إما مبتدأ أو فصل أو تأكيد ~~لاسم أن وإطلاق الوهاب ليتناول كل موهوب وفيه دلالة على أن الهدى والضلال ~~من قبله تعالى وأنه متفضل بما ينعم به على عباده من غير أن يجب عليه شئ ~~«ربنا إنك جامع الناس ليوم» أي الحساب يوم أو الجزاء يوم حذف ms0435 المضاف وأقيم ~~مقامه المضاف إليه تهويلا له وتفظيعا لما يقع فيه «لا ريب فيه» أي في وقوعه ~~ووقوع ما فيه من الحشر والحساب والجزاء ومقصودهم بهذا عرض كمال افتقارهم ~~إلى الرحمة وأنها المقصد الأسنى عندهم والتأكيد لإظهار ما هم عليه من كمال ~~الطمأنينة وقوة اليقين بأحوال الآخرة «إن الله لا يخلف الميعاد» تعليل ~~لمضمون الجملة المؤكدة أو لانتفاء الريب والتأكيد لما مر وإظهار الاسم ~~الجليل مع الالتفات لإبراز كمال التعظيم والإجلال الناشئ من ذكر اليوم ~~المهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقام طلب الإنعام كما ~~سيأتي وللإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية منافية للإخلاف وقد جوز أن تكون ~~الجملة مسوقة من جهته تعالى لتقرير قول الراسخين والميعاد مصدر كالميقات ~~واستدل به الوعيدية PageV02P009 # وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو بدلائل مفصلة كما هو مشروط بعدم ~~التوبة وفاقا «إن الذين كفروا» إثر ما بين الدين الحق والتوحيد وذكر أحوال ~~الكتب الناطقة به وشرح شأن القرآن العظيم وكيفية إيمان العلماء الراسخين به ~~شرع في بيان حال من كفر به والمراد بالموصول جنس الكفرة الشامل لجميع ~~الأصناف وقيل وفد نجران أو اليهود من قريظة والنضير أو مشركو العرب «لن ~~تغني عنهم» أي لن تنفعهم وقرئ بالتذكير وبسكون الياء جدا في استثقال الحركة ~~على حروف اللين «أموالهم» التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار «ولا ~~أولادهم» الذين بهم ينتصرون في الأمور المهمة وعليهم يعولون في الخطوب ~~الملمة وتأخير الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة ~~الأولاد في كشف الكروب أو لأن الأموال أول عدة يفزع إليها عند نزول الخطوب ~~«من الله» من عذابه تعالى «شيئا» أي شيئا من الأغنياء وقيل كلمة من بمعنى ~~البدل والمعنى بدل رحمة الله أو بدل طاعته كما في قوله تعالى ان الظن لا ~~يغنى من الحق شيئا أي بدل الحق ومنه قوله ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي لا ~~ينفعه جده بدلك أي بدل رحمتك كما في قوله تعالى وما أموالكم ولا أولادكم ms0436 ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى وأنت خبير بان احتمال سد أموالهم وأولادهم مسد ~~رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطر ببال أحد حتى يتصدى لنفيه والأول ~~الأليق بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسب بما بعده من قوله تعالى ~~«وأولئك هم وقود النار» ومن قوله تعالى فأخذهم الله أي أولئك المتصفون ~~بالكفر حطب النار وحصبها الذي تسعر به فإن أريد بيان حالهم عند التسعير ~~فإيثار الجملة الاسمية للدلالة على تحقق الأمر وتقرره وإلا فهو للإيذان بان ~~حقيقة حالهم ذلك وان أحوالهم الظاهرة بمنزلة العدم فهم حال كونهم في الدنيا ~~وقود النار بأعيانهم وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار مالا يخفى ~~وهم يحتمل الابتداء وأن يكون ضمير الفصل والجملة وإما مستأنفة مقررة لعدم ~~الأغنياء أو معطوفة على خبر أن وأيا ما كان ففيها تعيين للعذاب الذي بين أن ~~أموالهم وأولادهم لا تغنى عنهم منه شيئا وقرئ وقود النار بضم الواو وهو ~~مصدر أي أهل وقودها «كدأب آل فرعون» الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه ~~وتعب غلب استعماله في معنى الشأن والحال والعادة ومحل الكاف الرفع على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف وقد جوز لنصب بلن تغنى أو بالوقود أي لن تغنى عنهم كما لم ~~تغن عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم وأنت خبير بان المذكور في ~~تفسير الدأب إنما هو التكذيب والأخذ من غير تعرض لعدم الإغناء لا سيما على ~~تقدير كون من بمعنى البدل كما هو رأى المجوز ولا لإيقاد النار فيحمل على ~~التعليل وهو خلاف PageV02P010 # الظاهر على أنه يلزم الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي على تقدير النصب ~~بلن تغني وهو قوله تعالى وأولئك هم وقود النار إلا أن يجعل استئنافا معطوفا ~~على خبر إن فالوجه هو الرفع على الخبرية أي دأب هؤلاء في الكفر وعدم النجاة ~~من أخذ الله تعالى وعذابه كدأب آل فرعون «والذين من قبلهم» أي من قبل آل ~~فرعون من الأمم الكافرة فالموصول في محل الجر عطفا على ما قبله وقوله تعالى ms0437 ~~«كذبوا بآياتنا» بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريق الاستئناف المبني ~~على السؤال كأنه قيل كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا وقوله تعالى «فأخذهم ~~الله» تفسير لدأبهم الذي فعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس ~~الله تعالى محيصا فدأب هؤلاء الكفرة أيضا كدأبهم وقيل كذبوا الخ حال من آل ~~فرعون والذين من قبلهم على إضمار قد أي دأب هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ ~~وأما كونه خبر عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النطم الكريم والالتفات ~~إلى التكلم أولا للجري على سنن الكبرياء وإلى الغيبة ثانيا بإظهار الجلالة ~~لتربية المهابة وإدخال الروعة «بذنوبهم» إن أريد بها تكذيبهم بالآيات ~~فالباء للسببية جئ بها تأكيدا لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها ~~وإن أريد بها سائر ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ~~ذنوبا أخر أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها كما في قوله تعالى ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون والذنب في الأصل التلو والتابع وسمي الجريمة ذنبا ~~لأنها تتلو أي تتبع عقابها فاعلها «والله شديد العقاب» تذييل مقرر لمضمون ~~ما قبله من الأخذ وتكملة له «قل للذين كفروا» المراد بهم اليهود لما روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود المدينة لما شاهدوا غلبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المشركين يوم بدر قالوا والله إنه النبي الأمي الذي ~~بشرنا به موسى وفي التوراة نعته وهموا باتباعه فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ~~ننظر إلى واقعة له أخرى فلما كان يوم أحد شكوا وقد كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوه وانطلق كعب بن الأشرف في ستين ~~راكبا إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت وعن سعيد بن جبير وعكرمة وعن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما أصاب قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق ~~بني قينقاع فحذرهم ان ينزل بهم ms0438 ما نزل بقريش فقالوا لا يغرنك أنك لقيت قوما ~~أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ~~فنزلت أي قل لهم «ستغلبون» البتة عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز وجل ~~وعده بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم ~~وهو من أوضح شواهد النبوة واما ما روى عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن ~~الموصول عبارة عن مشركي مكة ولذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم وبئس المهاد فيؤدي إلى انقطاع الآية ~~الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر «وتحشرون» أي في الآخرة «إلى جهنم» ~~وقرئ الفعلان بالياء على أنه عليه السلام أمر بأن يحكي لهم ما أخبر الله ~~تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل أد إليهم هذا القول «وبئس المهاد» إما ~~من تمام ما يقال لهم أو استئناف لتهويل جهنم وتفظيع حال أهلها والمخصوص ~~بالذم PageV02P011 # محذوف أي وبئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم «قد كان لكم» جواب قسم ~~محذوف وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير مضمون ما قبله وتحقيقه ~~والخطاب لليهود أيضا والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين ~~اسمها ترك التأنيت كما في قوله * إن امرأ غره منكن واحدة * بعدي وبعدك في ~~الدنيا لمغرور * على ان التأنيث ههنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها ~~تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ~~ما أخر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعددهم «آية» عظيمة دالة ~~على صدق ما أقول لكم إنكم ستغلبون «في فئتين» أي فرقتين أو جماعتين فإن ~~المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقيها ما لقيها ~~فسيصيبكم ما يصيبكم ومحل الظرف الرفع على أنه صفة لآية وقيل النصب على ~~خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف وقع حالا من آية «التقتا» في حيز الجر ~~على أنه ms0439 صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر «فئة» بالرفع خبر مبتدأ محذوف ~~أي إحداهما فئة كما في قوله * إذا مت كان الناس حزبين شامت * وآخر مثن ~~بالذي كنت أصنع * أي أحدهما شامت والآخر مثن وقوله * حتى إذا ما استقل ~~النجم في غلس * وغودر البقل ملوي ومحصود * والجملة مع ما عطف عليها مستأنفة ~~لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى «تقاتل في سبيل الله» في محل ~~الرفع على أنه صفة فئة كاملة كأنه قيل فئة مؤمنة ولكن ذكر مكانه من أحكام ~~الإيمان ما يليق بالمقام مدحا لهم واعتدادا بقتالهم وإيذانا بأنه المدار في ~~تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيرا وقرئ يقاتل على تأول الفئة بالقوم أو ~~الفريق «وأخرى» نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي ~~وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس ~~المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى «كافرة» خبر ~~المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى ~~إسقاطا لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذانا بأنهم لم يتصدوا للقتال لما ~~اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل كل من المتعاطفين بدل من الضمير في التقتا ~~وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوف عائد إلى المبدل منه مسوغ لوصف البدل ~~بالجملة العارية عن ضميره أي فئة منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة ويجوز ان ~~يكون كل منهما مبتدأ وما بعدهما خبرا أي فئة منهما تقاتل الخ وفئة أخرى ~~كافرة وقيل كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة تقاتل الخ وقرئ فئة ~~بالجر على البدلية من فئتين بدل بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد ~~إلى المبدل منه ويسمى بدلا تفصيليا كما في قول كثير عزة * وكنت كذي رجلين ~~رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلت * وقرئ فئة الخ بالنصب على المدح أو ~~الذم أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل التقتا مؤمنة وكافرة فيكون ~~فئة وأخرى توطئة لما هو الحال حقيقة إذ ms0440 المقصود بالذكر وصفاهما كما في قولك ~~جاءني زيد رجلا صالحا «يرونهم» أي يرى الفئة الأخيرة الفئة الأولى وإيثار ~~PageV02P012 # صيغة الجمع للدلالة على شمول الرؤية لكل واحد واحد من آحاد الفئة والجملة ~~في محل الرفع على أنها صفة للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبينة لكيفية الآية ~~«مثليهم» أي مثلي عدد الرائين قريبا من ألفين إذ كانوا قريبا من ألف كانوا ~~تسعمائة وخمسين مقاتلا رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وفيهم أبو سفيان ~~وأبو جهل وكان فيهم من الخيل والإبل مائة فرس وسبعمائة بعير ومن أصناف ~~الأسلحة عدد لا يحصى عن محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال أسر ~~المشركون رجلا من المسلمين فسألوه كم كنتم قال ثلاثمائة وبضعة عشر قالوا ما ~~كنا نراكم إلا تضعفون علينا أو مثلي عدد المرئيين أي ستمائة ونيفا وعشرين ~~حيث كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومأتان ~~وستة وثلاثون من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وكان صاحب راية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي وكان في العسكر تسعون بعيرا ~~وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو والآخر لمرثد بن أبي مرثد وست أدرع وثمانية ~~سيوف وجميع من استشهد يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين ~~وثمانية من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أراهم الله عز وجل كذلك ~~مع قلتهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم مددا لهم منه سبحانه كما أمدهم ~~بالملائكة عليهم السلام وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قللهم في ~~أعينهم عند ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهربوا من أول الأمر حين ينجيهم ~~الهرب وقيل يرى الفئة الأولى الفئة الأخيرة مثلي أنفسهم مع كونهم ثلاثة ~~أمثالهم ليثبتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مأتين والأول هو الأولى لأن رؤية المثلين غير المتعينة من ~~جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤية المثل بل أقل منه أيضا فإنه روى ms0441 أن ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم ~~نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ثم قللهم الله تعالى أيضا ~~في أعينهم حتى رأتهم عددا يسيرا أقل من أنفسهم قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال أراهم ~~مائة فأسرنا منهم رجلا فقلنا كم كنتم قال ألفا فلو أريد رؤية المؤمنين ~~المشركين أقل من عددهم في نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتهم ~~إياهم أقل من أنفسهم أحق بالذكر في كونها آية من رؤيتهم مثليهم على أن ~~إبانة آثار قدرة الله تعالى وحكمته للكفرة بإراءتهم القليل كثيرا والضعيف ~~قويا وإلقاء الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخل في كونها آية لهم وحجة عليهم ~~وأقرب إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتهم الكفرة المشاهدين للحال ~~وكذا تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعل أقرب المذكورين ~~السابقين فاعلا وابعدهما مفعولا سواء جعل الجملة صفة أو مستأنفة أولى من ~~العكس هذا ما تقتضيه جزالة التنزيل على قراءة الجمهور ولا ينبغي جعل الخطاب ~~لمشركي مكة كما قيل أما إن جعل الوعيد عبارة عن هزيمة بدر كما صرحوا به ~~فظاهر لا سترة به وأما إن جعل عبارة عن هزيمة أخرى فلأن الفئة التي شاهدت ~~تلك الآية الهائلة هم المخاطبون حينئذ فالتعبير عنهم بفئة مبهمة تارة ~~وموصوفة أخرى ثم إسناد المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبين أوقع ~~في إلزام الحجة وأدخل في التبكيت مما لا داعي إليه وبهذا يتبين حال جعل ~~الخطاب الثاني للمؤمنين وأما قراءة ترونهم بتاء PageV02P013 # الخطاب فظاهرها وإن اقتضى توجيه الخطاب الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص ~~في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذور الأخير فالأول باق بحاله فلعل رؤية ~~المشركين نزلت منزلة رؤية اليهود لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق ~~في الكلمة لا سيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد ~~والميثاق فأسندت الرؤية إليهم مبالغة في ms0442 البيان وتحقيقا لعروض مثل تلك ~~الحالة لهم فتدبر وقيل المراد جميع الكفرة ولا ريب في صحته وسداده وقرئ ~~يرونهم وترونهم على البناء للمفعول من الإرادة أي يريهم أو يريكم الله ~~تعالى كذلك «رأي العين» مصدر مؤكد ليرونهم إن كانت الرؤية بصرية أو مصدر ~~تشبيهى إن كانت قلبية أي رؤية ظاهرة مكشوفة جارية مجرى رؤية العين «والله ~~يؤيد» أي يقوى «بنصره من يشاء» أن يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما ~~أيد الفئة المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القول المأمور ~~به «إن في ذلك» إشارة إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيرا المستتبعة لغلبة ~~القليل العديم العدة على الكثير الشاكي السلاح وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل «لعبرة» العبرة فعلة من العبور ~~كالركبة من الركوب والجلسة من الجلوس والمراد بها الاتعاظ فإنه نوع من ~~العبور أي لعبرة عظيمة كائنة «لأولي الأبصار» لذوي العقول والبصائر وقيل ~~لمن أبصرهم وهو إما من تمام الكلام الداخل تحت القول مقرر لما قبله بطريق ~~التذييل وإما وارد من جهته تعالى تصديقا لمقالته عليه الصلاة والسلام «زين ~~للناس» كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيد ~~للناس فيها وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى إثر بيان عدم نفعها للكفرة ~~الذين كانوا يتعززون بها والمراد بالناس الجنس «حب الشهوات» الشهوة نزوع ~~النفس إلى ما تريده والمراد ههنا المشتهيات عبر عنها بالشهوات مبالغة في ~~كونها مشتهاة مرغوبا فيها كأنها نفس الشهوات أو إيذانا بأنهما كهم في حبها ~~بحيث أحبوا شهواتها كما في قوله تعالى «إني أحببت حب الخير» أو استرذالا ~~لها فإن الشهوة مسترذلة مذمومة من صفات البهائم والمزين هو الباري سبحانه ~~وتعالى إذ هو الخالق لجميع الأفعال والدواعي والحكمة في ذلك ابتلاؤهم قال ~~تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم الآية فإنها ذريعة لنيل ~~سعادة الدارين عند كون تعاطيها على نهج الشريعة الشريفة وسيلة إلى بقاء ~~النوع وإيثار صيغة المبنى للمفعول للجرى على ms0443 سنن الكبرياء وقرئ على البناء ~~للفاعل وقيل المزين هو الشيطان لما أن مساق الآية الكريمة على ذمها وفرق ~~الجبائي بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى وبين المحرمات فنسب تزيينها ~~إلى الشيطان «من النساء والبنين» في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي ~~مفسرة لها في المعنى وقيل من لبيان الجنس وتقديم النساء على البنين ~~لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائل الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم ~~الاطراد في حبهن «والقناطير المقنطرة» جمع قنطار وهو المال الكثير وقيل ~~مائة الف دينار وقيل ملء مسك ثور وقيل PageV02P014 # سبعون ألفا وقيل أربعون الف مثقال وقيل ثمانون ألفا وقيل مائة رطل وقيل ~~ألف ومائتا مثقال وقيل ألفا دينار وقيل مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ~~ومائة درهم وقيل دية النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال ولفظ المقنطرة ~~مأخود منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة وقيل المقنطرة المحكمة المحصنة وقيل ~~الكثيرة المنضدة بعضها على بعض أو المدفونة وقيل المضروبة المنقوشة «من ~~الذهب والفضة» بيان للقناطير أو حال «والخيل» عطف على القناطير قيل هي جمع ~~لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط الواحد فرس وقيل واحدة خائل وهو مشتق من ~~الخيلاء «المسومة» أي المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام ~~الدابة وسومها إذا أرسلها وسيبها للرعي أو المطهمة التامة الخلق «والأنعام» ~~أي الإبل والبقر والغنم «والحرث» أي الزرع مصدر بمعنى المفعول «ذلك» أي ما ~~ذكر من الأشياء المعهودة «متاع الحياة الدنيا» أي ما يتمتع به في الحياة ~~الدنيا أياما قلائل فتفنى سريعا «والله عنده حسن المآب» حسن المرجع وفيه ~~دلالة على أن ليس فيما عدد عاقبة حميدة وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة ~~مبتدأ وإسناد الجملة الظرفية إليه زيادة تأكيد وتفخيم ومزيد اعتناء ~~بالترغيب فيما عند الله عز وجل من النعم المقيم والتزهيد في ملاذ الدنيا ~~وطيباتها الفانية «قل أؤنبئكم بخير من ذلكم» إثر ما بين شان مزخرفات الدنيا ~~وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتفاصيل ms0444 ذلك المجمل للناس مبالغة في الترغيب والخطاب للجميع والهمزة ~~للتقرير أي أأخبركم بما هو خير مما فصل من تلك المستلذات المزينة لكم ~~وإبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق إليه وقوله تعالى «للذين اتقوا عند ربهم ~~جنات» استئناف مبين لذلك المبهم على أن جنات مبتدأ والجار والمجرور خبر أو ~~على أن جنات مرتفع به على الفاعلية عند من لا يشترط في ذلك اعتماد الجار ~~على ما فصل في محلة والمراد بالتقوى هو التبتل إلى الله تعالى والإعراض عما ~~سواه على ما تنبىء عنه النعوت الآتية وتعليق حصول الجنات وما بعدها من فنون ~~الخيرات به للترغيب في تحصيله والثبات عليه وعند نصب على الحالية من جنات ~~أو متعلق بما تعلق به الجار من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات ~~وسمو طبقتها والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار ~~مزيد اللطف بهم وقيل اللام متعلقة بخير وكذا الظرف وجنات خبر مبتدأ محذوف ~~والجملة مبينة لخير ويؤيده قراءة جنات بالجر على البدلية من خير ولا يخفى ~~أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك خيرا آخر ~~لآخرين «تجري» في محل الرفع والجر صفة لجنات على حسب القراءتين «من تحتها ~~الأنهار» متعلق بتجرى فإن أريد بالجنات نفس الأشجار كما هو الظاهر فجريانها ~~من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر ~~كما مر تفصيله مرارا «خالدين فيها» حال مقدرة من المستكن في للذين والعامل ~~ما فيه من معنى الاستقرار «وأزواج مطهرة» عطف على جنات أي مبرأة مما يستقذر ~~من النساء من PageV02P015 # الأحوال البدنية والطبيعية «ورضوان» التنوين للتفخيم وقوله تعالى «من ~~الله» متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة أي ~~رضوان وأي رضوان لا يقادر قدره كائن من الله عز وجل وقرئ بضم الراء «والله ~~بصير بالعباد» وبأعمالهم فيثيب ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين ~~اتقوا ولذلك أعد لهم ما ذكر وفيه إشعار بأنهم المستحقون للتسمية باسم العبد ~~«الذين يقولون ms0445 ربنا إننا آمنا» في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه ~~قيل من أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل هم الذين الخ أو ~~النصب على المدح أو الجر على أنه تابع للمتقين نعتا أو بدلا أو للعباد كذلك ~~والأول أظهر وقوله تعالى «والله بصير بالعباد» حينئذ معترضة وتأكيد الجملة ~~لإظهار أن إيمانهم ناشئ من وفور الرغبة وكمال النشاط وفي ترتيب الدعاء ~~بقولهم «فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار» على مجرد الإيمان دلالة على ~~كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار «الصابرين» هو على تقدير كون ~~الموصول في محل الرفع منصوب على المدح بإضمار أعنى وأما تقدير كونه في محل ~~النصب أو الجر فهو نعت له والمراد بالصبر هو الصبر على مشاق الطاعات وعلى ~~البأساء والضراء وحين البأس «والصادقين» في أقوالهم ونياتهم وعزائمهم ~~«والقانتين» المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات «والمنفقين» ~~أموالهم في سبيل الله تعالى «والمستغفرين بالأسحار» قال مجاهد وقتادة ~~والكلبي أي المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم هم الذين يصلون الصبح في ~~جماعة وقال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا وقال نافع كان ابن عمر ~~رضي الله عنه يحيى الليلة ثم يقول يا نافع أسحرنا فأقول لا فيعاود الصلاة ~~فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح وعن الحسن كانوا يصلون في أول ~~الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار وتخصيص الأسحار ~~بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة إذ العبادة حينئذ أشق والنفس ~~أصفى والروح أجمع لا سيما للمجتهدين وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة ~~للدلالة على استقلال كل منها وكما لهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها «شهد ~~الله أنه» بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه «لا إله إلا هو» أي بين وحدانيته ~~بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزال الآيات التشريعية الناطقة ~~بذلك عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذانا بقوته في أثبات المطلوب ~~وإشعارا بإنكار المنكر وقرئ إنه بكسر الهمزة إما بإجراء شهد مجرى قال وإما ~~بجعل الجملة اعتراضا وإيقاع ms0446 الفعل على قوله تعالى إن الدين الخ على قراءة ~~أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرئ شهداء لله بالنصب على أنه PageV02P016 # حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ومآله ~~الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو ~~جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر «والملائكة» عطف على الاسم الجليل بحمل ~~الشهادة على معنى مجازى شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا ~~بذلك «وأولو العلم» أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية ~~والتشريعية قيل المراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل المهاجرون ~~والأنصار وقيل علماء مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه وقيل جميع ~~علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة وارتفاعهما ~~على القراءتين الأخيرتين قيل بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل ~~بينهما وأنت خبير بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدى إلى تقييد حال ~~المذكورين بشهادة الملائكة وأولى العلم وليس فيه كثير فائدة فالوجه كون ~~ارتفاعهما بالابتداء والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأو لو ~~العلم شهداء بذلك ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصبا ورفعا فحينئذ يحسن ~~العطف على المستتر على كل حال وقوله تعالى «قائما بالقسط» أي مقيما للعدل ~~في جميع أموره بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته ~~وانتصابه على الحالية من الله كما في قوله تعالى وهو الحق مصدقا وإنما جاز ~~افراده مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكبا لعدم اللبس كقوله تعالى «ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة» ولعل تأخيره عن المعطوفين للدلالة على علو رتبتهما ~~وقرب منزلتهما والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناء بشأنه ورفعا لمحله ~~والسر في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في ~~الشهادة به كما مر في قوله تعالى «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه» أو من ~~هو وهو الأوجه والعامل فيها معنى الجملة أي تفردا وأحقه لأنها حال مؤكدة أو ~~على المدح وقيل ms0447 على انه صفة للمنفى أي لا اله قائما الخ والفصل بينهما من ~~قبيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالا من الضمير أو ~~نصبا على المدح منه وقرئ القائم بالقسط على البدلية من هو فيلزم الفصل ~~بينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف وقرئ قيما بالقسط «لا إله ~~إلا هو» تكرير للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد ~~إقامة الحجة وليجرى عليه قوله تعالى «العزيز الحكيم» فيعلم أنه المنعوت ~~بهما ووجه الترتيب تقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعهما على ~~البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد أو الخبرية لمبتدأ مضمر وقد روى في ~~فضلها أنه عليه السلام قال يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله عز وجل أن ~~لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من وفي بالعهد أدخلوا عبدي الجنة وهو دليل ~~على فضل علم أصول الدين وشرف أهله وروى عن سعيد بن جبير أنه كان حول البيت ~~ثلاثمائة وستون صنما فلما نزلت هذه الآية الكريمة خررن سجدا وقيل نزلت في ~~نصارى نجران وقال الكلبي قدم النبي صلى الله عليه وسلم حبران من أحبار ~~الشام فلما أبصر المدينة قال أحدهما ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي ~~الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بالصفة فقالا له ~~عليه السلام أنت محمد قال صلى الله عليه وسلم نعم قالا وأنت أحمد قال عليه ~~السلام أنا محمد وأحمد قالا فإنا نسألك عن شئ فإن أخبرتنا به آمنا بك ~~وصدقناك قال عليه السلام سلا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز ~~وجل فأنزل PageV02P017 # الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان «إن الدين عند الله الإسلام» ~~جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو ~~التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة وعن قتادة أنه شهادة أن لا إله إلا الله ~~والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وقرئ أن الدين عند الله للإسلام وقرئ ~~إن ms0448 الدين الخ على أنه بدل من أنه بدل الكل إن فسر الإسلام بالإيمان أو بما ~~يتضمنه وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد واقع عليه على تقدير ~~قراءة إنه بالكسر كما أشير إليه «وما اختلف الذين أوتوا الكتاب» نزلت في ~~اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنكروا نبوته والتعبير عنهم بالموصول وجعل إيتاء الكتاب صلة له لزيادة ~~تقبيح حالهم فأن الاختلاف ممن أوتى ما يزيله ويقطع شأفته في غاية القبح ~~والسماحة وقوله تعالى «إلا من بعد ما جاءهم العلم» استثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال أو أعم الأوقات أي وما اختلفوا في حال من الأحوال أو في وقت من ~~الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه أو بعد أن علموا ~~حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالحجج النيرة والآيات الباهرة وفيه من ~~الدلالة على ترامى حالهم في الضلالة ما لا مزيد عليه فان الاختلاف بعد حصول ~~تلك المرتبة قما لا يصدر عن العاقل وقوله تعالى «بغيا بينهم» أي حسدا كائنا ~~بينهم وطلبا للرياسة لا لشبهة وخفاء في الأمر تشنيع «ومن يكفر بآيات الله» ~~أي بآياته الناطقة بما ذكر من أن الدين عند الله تعالى هو الإسلام ولم يعمل ~~بمقتضاها أو بأية آية كانت من آياته تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه ~~دخولا أوليا «فإن الله سريع الحساب» قائم مقام جواب الشرط علة له أي ومن ~~يكفر بآياته تعالى يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريع الحساب أي يأتي حسابه ~~عن قريب أو يتم ذلك بسرعة وإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة وفى ~~ترتيب العقاب على مطلق الكفر بآياته تعالى من غير تعرض لخصوصية حالهم من ~~كون كفرهم بعد إيتاء الكتاب وحصول الاطلاع على ما فيه وكون ذلك للبغى دلالة ~~على كمال شدة عقابهم «فإن حاجوك» أي في كون الدين عند الله الإسلام أو ~~جادلوك فيه بعد ما أقمت عليهم الحجج «فقل أسلمت وجهي» أي أخلصت نفسي وقلبي ms0449 ~~وجملتى وانما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى ~~والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة وبه يحصل التوجه ~~إلى كل شئ «لله» لا أشرك به فيها غيره وهو الدين القويم الذي قامت عليه ~~الحجج ودعت اليه الآيات والرسل عليهم السلام «ومن اتبعن» عطف على المتصل في ~~أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل الجاري PageV02P018 # مجرى التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه «وقل للذين أوتوا ~~الكتاب» أي من اليهود والنصارى وضع الموصول موضع الضمير لرعاية التقابل بين ~~وصفى المتعاطفين «والأميين» أي الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب «أأسلمتم» ~~متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا ~~محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أو أنتم على كفركم بعد كما يقول من لخص ~~لصاحبه المسألة ولم يدع من طرق التوضيح والبيان مسلكا إلا سلكه فهل فهمتها ~~على منهاج قولة تعالى «فهل أنتم منتهون» إثر تفصيل الصوارف عن تعاطى الخمر ~~والميسر وفيه من استقصارهم وتعييرهم بالمعاندة وقلة الإنصاف وتوبيخهم ~~بالبلادة وكلة القريحة مالا يخفى «فإن أسلموا» أي كما أسلمتم وأنما لم يصرح ~~به كما في قولة تعالى «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به» حسما لباب أطلاق اسم ~~الإسلام على شئ آخر بالكلية «فقد اهتدوا» أي فازوا بالحظ الأوفر ونجوا عن ~~مهاوى الضلال «وإن تولوا» أي اعرضوا عن الاتباع وقبول الإسلام «فإنما عليك ~~البلاغ» قائم مقام الجواب أي لم يضروك شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ وقد فعلت ~~على أبلغ وجه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على ~~أهل الكتاب قالوا أسلمنا فقال علية السلام لليهود أتشهدون أن عيسى كلمة ~~الله وعبده ورسوله فقالوا معاذ الله وقال عليه الصلاة والسلام للنصارى ~~أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله فقالوا معاذ الله أن يكون عيسى عبدا وذلك ~~قوله عز وجل وأن تولوا «والله بصير بالعباد» عالم بجميع أحوالهم وهو تذييل ~~فيه وعد ووعيد «إن الذين يكفرون بآيات الله» ms0450 أي آية كانت فيدخل فيهم ~~الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام على الوجه الذي مر تفصيله دخولا ~~أوليا «ويقتلون النبيين بغير حق» هم أهل الكتاب قتل أولوهم الأنبياء عليهم ~~السلام وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا قاتلهم الله تعالى ~~حائمين حول قتل النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن عصم الله تعالى ساحته ~~المنيعة وقد أشير إليه بصيغة الاستقبال وقرئ بالتشديد للتكثير والتقييد ~~بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضا بغير حق «ويقتلون الذين يأمرون بالقسط ~~من الناس» أي بالعدل ولعل تكرير الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت ~~أو باختلافها في الوقت عن أبى عبيدة بن الجراح قلت يا رسول الله أي الناس ~~أشد عذابا يوم القيامة قال رجل قتل نبيا أو رجلا امر بمعروف ونهى عن المنكر ~~ثم قرأها ثم قال يا ابا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبي من أول ~~النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فأمروا ~~قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار وقرئ ~~ويقاتلون الذين «فبشرهم بعذاب أليم» خبر أن والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط ~~فإنها بالنسخ لا تغير معنى الابتداء بل تزيده تأكيدا وكذا الحال في النسخ ~~بأن المفتوحة كما في قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ~~وكذا النسخ بلكن كما في قوله تعالى واعلموا انما غنمتم من شيء فأن لله خمسة ~~وكذا النسخ بلكن كما في قوله فو الله ما فارقتكم عن ملالة * ولكن ما يقضى ~~فسوف يكون * وأنما يتغير معنى الابتداء PageV02P019 # في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش إلى منع دخول الفاء عند النسخ ~~مطلقا فالخبر عندهما قوله تعالى «أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة» كما في قولك الشيطان فاحذر عدو مبين وعلى الأول هو استئناف واسم ~~الإشارة مبتدأ وما فيه من معنى البعد للدلالة على ترامى أمرهم في الضلال ~~وبعد منزلتهم في فظاعة الحال والموصول بما في حيز صلته خبره أي أولئك ~~المتصفون بتلك ms0451 الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالهم ~~التي عملوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم ~~اللعنة والخزي في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة «وما لهم من ناصرين» ~~ينصرونهم من بأس الله وعذابه في إحدى الدارين وصيغة الجميع لرعاية ما وقع ~~في مقابلته لا لنفى تعدد الأنصار من كل واحد منهم كما في قوله تعالى «وما ~~للظالمين من أنصار» «ألم تر» تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~من يتأتى منه الرؤية من حال أهل الكتاب وسوء صنيعهم وتقرير لما سبق من أن ~~اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقيقة أي ألم تنظر «إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب» أي التوراة على أن اللام للعهد وحمله على جنس ~~الكتب الإلهية تطويل للمسافة إذ تمام التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها ~~لأن مدار التشنيع والتعجيب انما هو اعراضهم عن المحاكمة إلى ما دعوا اليه ~~وهم لم يدعوا الا إلى التوراة والمراد بما أوتوه منها ما بين لهم فيها من ~~العلوم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحقية الاسلام والتعبير عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصه بهم وكونه حقا ~~من حقوقهم التي يجب مراعاتها والعمل بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم ~~وحمله على التحقير لا يساعده مقام المبالغة في تقبيح حالهم «يدعون إلى كتاب ~~الله» الذي أوتوا نصيبا منه وهو التوراة والاظهار في مقام الاضمار لإيجاب ~~الإجابة واضافته إلى الاسم الجليل لتشريفه وتأكيد وجوب المراجعة اليه ~~والجملة استئناف مبين لمحل التعجيب مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه ~~قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يدعون إلى كتاب الله تعالى وقيل حال ~~من الموصول «ليحكم بينهم» وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ~~مدارسهم فدعاهم إلى الايمان فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد على أي دين ~~أنت قال عليه الصلاة والسلام على ملة إبراهيم قالا ان إبراهيم كان يهوديا ms0452 ~~فقال صلى الله عليه وسلم لهما ان بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها فأبيا ~~وقيل نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل كتاب الله القرآن فإنهم قد علموا ~~أنه كتاب الله ولم يشكوا فيه وقرئ ليحكم على بناء المجهول فيكون الاختلاف ~~بينهم بأن أسلم بعضهم كعبد الله بن سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون «ثم يتولى ~~فريق منهم» استبعاد لتوليهم بعد علمهم بوجوب الرجوع اليه «وهم معرضون» اما ~~حال من فريق لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم أو ~~اعتراض أي وهم قوم ديدنهم الاعراض عن الحق والاصرار على الباطل PageV02P020 # «ذلك» إشارة إلى ما مر من التولي والاعراض وهو مبتدأ خبره قوله تعالى ~~«بأنهم» أي حاصل بسبب أنهم «قالوا لن تمسنا النار» باقتراف الذنوب وركوب ~~المعاصي «إلا أياما معدودات» وهي مقدار عبادتهم العجل ورسخ اعتقادهم على ~~ذلك وهونوا عليهم الخطوب «وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون» من قولهم ذلك ~~وما أشبهه من قولهم ان آباءنا الأنبياء يشفعون لنا أو إن الله تعالى وعد ~~يعقوب عليه السلام ان لا يعذب أولاده الا تحلة القسم ولذلك ارتكبوا ما ~~ارتكبوا من القبائح «فكيف» رد لقولهم المذكور وابطال لما غرهم باستعظام ما ~~سيد همهم وتهويل ما سيحيق بهم من الأهوال أي فكيف يكون حالهم «إذا جمعناهم ~~ليوم» أي لجزاء يوم «لا ريب فيه» أي في وقوعه ووقوع ما فيه روى ان أول راية ~~ترفع يوم القيامة من رايات الكفر راية اليهود فيفضحهم الله عز وجل على رؤوس ~~الاشهاد ثم يأمر بهم إلى النار «ووفيت كل نفس ما كسبت» أي جزاء ما كسبت من ~~غير نقص أصلا كما يزعمون وانما وضع المكسوب موضع جزائه للإيذان بكمال ~~الاتصال والتلازم بينهما كأنهما شيء واحد وفيه دلالة على أن العبادة لا ~~تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار لأن توفية جزاء ايمانه وعمله لا تكون في ~~النار ولا قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاص منها «وهم» أي كل الناس المدلول ~~عليهم بكل نفس «لا يظلمون» بزيادة عذاب أو بنقص ms0453 ثواب بل يصيب كلا منهم ~~مقدار ما كسبه «قل اللهم» الميم عوض عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا ~~من خصائص الاسم الجليل كدخوله عليه مع حرف التعريف وقطع همزته ودخول تاء ~~القسم عليه وقيل أصله يا الله امنا بخير أي أقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ~~ومتعلقات الفعل وهمزته «مالك الملك» أي مالك جنس الملك على الاطلاق ملكا ~~حقيقيا بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء ايجادا وإعداما واحياء وإماتة وتعذيبا ~~وإثابة من غير مشارك ولا ممانع وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده ~~تمنع الوصفية «تؤتي الملك» بيان لبعض وجوه التصرف الذي تستدعيه مالكية ~~الملك وتحقيق لاختصاصها به تعالى حقيقة وكون مالكية غيره بطريق المجاز كما ~~ينبئ عنه ايثار الايتاء الذي هو مجرد الاعطاء على التمليك المؤذن بثبوت ~~المالكية حقيقة «من تشاء» أي ايتاءه إياه «وتنزع الملك ممن تشاء» أي نزعه ~~منه فالملك الأول حقيقي عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ~~ونسبتهما إلى صاحبهما مجازية وقيل الملك الأول عام والآخران بعضان منه ~~فتأمل وقيل المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى آخرين «وتعز من ~~تشاء» ان تعزه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق «وتذل من ~~تشاء» ان تذله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعة من الغير ولا مدافعة ~~«بيدك الخير» تعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخير ~~كله لا بقدرة أحد غيرك تتصرف PageV02P021 # فيه قبضا وبسطا حسبما تقتضيه مشيئتك وتخصيص الخير بالذكر لما أنه مقضي ~~بالذات واما الشر فمقضي بالعرض إذ ما من شر جزئي الا وهو متضمن لخير كلي أو ~~لأن في حصول الشر دخلا لصاحبه في الجملة لأنه من أجزية اعماله واما الخير ~~ففضل محض أو لرعاية الأدب أو لأن الكلام فيه فإنه روى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة من أهل المدينة ~~أربعين ذراعا واخذوا يحفرونه خرج من بطن الخندق صخرة كالتل لم تعمل فيها ~~المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول ms0454 الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء عليه ~~السلام واخذ منه المعول فضربها ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين ~~لابتيها لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال أضاءت لي ~~منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب ثم ضرب الثانية فقال أضاءت لي منها ~~القصور الحمر من أرض الروم ثم ضرب الثالثة فقال أضاءت لي قصور صنعاء ~~وأخبرني جبريل ان أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا فقال المنافقون الا تعجبون ~~يمينكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ~~وأنها تفتح لكم وأنتم انما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ~~فنزلت «إنك على كل شيء قدير» تعليل لما سبق وتحقيق له «تولج الليل في ~~النهار» أي تدخله فيه بتعقيبه إياه أو بنقص الأول وزيادة الثاني «وتولج ~~النهار في الليل» على أحد الوجهين «وتخرج الحي من الميت» أي تنشئ الحيوانات ~~من موادها أو من النطفة وقيل تخرج المؤمن من الكافر «وتخرج الميت من الحي» ~~أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل تخرج الكافر من المؤمن «وترزق من تشاء بغير ~~حساب» قال أبو العباس المقري ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه ~~بمعنى التعب قال تعالى «وترزق من تشاء بغير حساب» وبمعنى العدد قال تعالى ~~«إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» وبمعنى المطالبة قال تعالى «فامنن أو ~~أمسك بغير حساب» والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق أو من مفعوله ~~وفيه دلالة على أن من قدر على أمثال هاتيك الأفاعيل العظام المحيرة للعقول ~~والافهام فقدرته على ان ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم ~~أهون من كل هين عن على رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ان فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين من آل عمران شهد الله أنه لا اله ~~الا هو إلى قوله تعالى ان الدين عند الله الاسلام وقل اللهم مالك الملك إلى ~~قوله بغير حساب معلقات ما بينهن وبين الله تعالى حجاب قلن ms0455 يا رب تهبطنا إلى ~~أرضك والى من يعصيك قال الله تعالى اني حلفت انه لا يقرؤكن أحد دبر كل صلاة ~~الا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه وأسكنته في حظيرة القدس ونظرت اليه ~~بعيني كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة واعذته من كل ~~عدو وحاسد ونصرته عليهم وفي بعض الكتب انا الله ملك الملوك قلوب الملوك ~~ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وان العباد عصوني جعلتهم ~~عليهم عقوبة فلا PageV02P022 # تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم وهو معنى قوله عليه ~~السلام كما تكونوا يول عليكم «لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء» نهوا عن ~~موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوهما من أسباب المصادقة والمعاشرة كما ~~في قوله سبحانه «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء» وقوله ~~تعالى «لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء» حتى لا يكون حبهم ولا بغضهم إلا ~~لله تعالى أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية «من دون ~~المؤمنين» في موضع الحال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا ~~وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة ~~الكفرة «ومن يفعل ذلك» أي اتخاذهم أولياء والتعبير عنه بالفعل للاختصار أو ~~لإيهام الاستهجان بذكره «فليس من الله» أي من ولايته تعالى «في شيء» يصح أن ~~يطلق عليه اسم الولاية فإن موالاة المتعاديين مما لا يكاد يدخل تحت الوقوع ~~قال * تود عدوى ثم تزعم أنني * صديقك ليس النوك عنك بعازب * والجملة ~~اعتراضية وقوله تعالى «إلا أن تتقوا» على صيغة الخطاب بطريق الالتفات ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال والعامل فعل النهى معتبرا فيه الخطاب كأنه قيل ~~لا تتخذوهم أولياء ظاهرا أو باطنا في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم ~~«منهم» أي من جهتهم «تقاة» أي انقاء أو شيئا يجب اتقاؤه على أن المصدر واقع ~~موقع المفعول فإنه يجوز إظهار الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعدواة ~~والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار ما في الضمير كما قال ms0456 ~~عيسى عليه السلام كن وسطا وامش جانبا وأصل تقاة وقية ثم أبدلت الواو تاء ~~كتخمة وتهمة وقلبت إلياء ألفا وقرئ تقية «ويحذركم الله نفسه» أي ذاته ~~المقدسة فإن جواز إطلاق لفظ النفس مرادا به الذات عليه سبحانه بلا مشاكلة ~~مما لا كلام فيه عند المتقدمين وقد صرح بعض محققي المتأخرين بعدم الجواز ~~وإن أريد به الذات إلا مشاكلة وفيه من التهديد ما لا يخفى عظمه وذكر النفس ~~للإيذان بأن له عقابا هائلا لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة «وإلى الله ~~المصير» تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتما «قل إن تخفوا ما في ~~صدوركم» من الضمائر التي من جملتها ولاية الكفرة «أو تبدوه» فيما بينكم ~~«يعلمه الله» فيؤاخذكم بذلك عند مصيركم إليه وتقديم الإخفاء على الإبداء قد ~~مر سره في تفسير قوله تعالى «وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه» وقوله تعالى ~~«يعلم ما يسرون وما يعلنون» «ويعلم ما في السماوات وما في الأرض» كلام ~~مستأنف غير معطوف على جواب الشرط وهو من باب إيراد العام بعد الخاص تأكيدا ~~له وتقريرا «والله على كل شيء قدير» فيقدر على عقوبتكم بما لا مزيد عليه إن ~~لم تنتهوا عما نهيتم عنه وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية ~~المهابة وتهويل PageV02P023 # الخطب وهو تذييل لما قبله مبين لقوله تعالى ويحذركم الله نفسه بأن ذاته ~~المقدسة المتميزة عن سائر الذوات المتصفة بما لا يتصف به شئ منها من العلم ~~الذاتي المتعلق بجميع المعلومات متصفة بالقدرة الذاتية الشاملة لجميع ~~المقدورات بحيث لا يخرج من ملكوته شئ قط «يوم تجد كل نفس» أي من النفوس ~~المكلفة «ما عملت من خير محضرا» عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ~~ليس في حاضرا «وما عملت من سوء» عطف على ما عملت والإحضار معتبر فيه أيضا ~~إلا أنه خص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مرادا بالذات وكون إحضار ~~الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية «تود» عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى ~~يوم تجد صحائف أعمالها من ms0457 الخير والشر أو أجزيتها محضرة «لو أن بينها ~~وبينه» أي بين ذلك اليوم «أمدا بعيدا» لغاية هوله وفي إسناد الودادة إلى كل ~~نفس سواء كان لها عمل سئ أو لا بل كانت متمحضة في الخير من الدلالة على ~~كمال فظاعة ذلك اليوم وهول مطلعه مالا يخفى اللهم إنا نعوذ بك من ذلك ويجوز ~~أن يكون انتصاب يوم على المفعولية بإضمار اذكروا وتود أما حال من كل نفس أو ~~استئناف مبنى على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير شر محضرا ~~وادة أن بينها وبينه أمدا بعيدا أو كأن سائلا قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم ~~فماذا يكون إذ ذاك فقيل تود لو أن بينها الخ أو تجد مقصور على ما عملت من ~~خير وتود خبر ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرئ ودت ~~فحينئذ يجوز كونها شرطية لكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنها حكاية حال ~~ماضية وأوفق للقراءة المشهورة «ويحذركم الله نفسه» تكرير لما سبق وإعادة له ~~لكن لا للتأكد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل «والله رؤوف بالعباد» من ~~أن تحذيره تعالى من رأفته بهم ورحمته الواسعة أو أن رأفته بهم لا تمنع ~~تحقيق ما حذرهموه من عقابه وأن تحذيره ليس مبنيا على تناسى صفة الرأفة بل ~~هو متحقق مع تحققها أيضا كما في قوله تعالى «يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم» فالجملة على الأول اعتراض وعلى الثاني حال وتكرير الاسم الجليل ~~لتربية المهابة «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني» المحبة ميل النفس إلى ~~الشئ لكمال أدركته فيه بحيث يحملها على ما يقر بها إليه والعبد إذا علم أن ~~الكمال الحقيقي ليس إلا لله عز وجل وأن كل ما يراه كما لا من نفسه أو من ~~غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبة إلا لله وفي الله وذلك مقتضى ~~إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة ~~وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول ms0458 صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرص على ~~مطاوعته «يحببكم الله» أي يرض عنكم «ويغفر لكم ذنوبكم» أي يكشف الحجب عن ~~قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزة ويبوئكم في جوار قدسه ~~عبر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة «والله غفور رحيم» أي لمن ~~يتحبب إليه بطاعته ويتقرب إليه PageV02P024 # باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام فهو تذييل مقرر لما قبله مع زيادة وعد ~~الرحمة ووضع الاسم الجليل موضع الضمير للإشعار باستتباع وصف الألوهية ~~للمغفرة والرحمة روى أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه ~~وقيل نزلت في وفد نجران لما قالوا إنا نعبد المسيح حبا لله تعالى وقيل في ~~أقوام زعموا على عهده عليه الصلاة والسلام أنهم يحبون الله تعالى فأمروا أن ~~يجعلوا لقولهم مصداقا من العمل وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون ~~للأصنام وقد علقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش لقد خالفتم ملة إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما الصلاة والسلام فقالت قريش إنما نعبدها حبا لله تعالى ليقربونا إلى ~~الله زلفى فقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام قل إن كنتم تحبون ~~الله تعالى وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه فاتبعوني أي اتبعوا شريعتي وسنتي ~~يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم «قل أطيعوا الله والرسول» اي في ~~جميع الأوامر والنواهي فيدخل في ذلك الطاعة في اتباعه عليه الصلاة والسلام ~~دخولا أوليا وإيثار الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية ~~الإطاعة والإشعار بعلتها فإن الإطاعة المأمور بها إطاعته عليه الصلاة ~~والسلام من حيث أنه رسول الله لا من حيث ذاته ولا ريب في أن عنوان الرسالة ~~من موجبات الإطاعة ودواعيها «فإن تولوا» إما من تمام مقول القول فهي صيغة ~~المضارع المخاطب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرع عليه مسوق من ~~جهته تعالى فهي صيغة الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة ms0459 كما في قوله ~~تعالى فإن أسلموا تلويح إلى أنه غير محتمل منهم «فإن الله لا يحب الكافرين» ~~نفى المحبة كناية عن بغضه تعالى لهم وسخطه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثنى ~~عليهم وإيثار الإظهار على الإضمار لتعميم الحكم لكل الكفرة والإشعار بعلته ~~فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولي عن الطاعة كفر وبأن ~~محبته عز وجل مخصوصة بالمؤمنين «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين» لما بين الله تعالى أن الدين المرضى عنده هو الإسلام ~~والتوحيد وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغى والحسد وأن الفوز ~~برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته شرع ~~في تحقيق رسالته وكونه من أهل بيت النبوة القديمة فبدأ ببيان جلالة أقدار ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام كافة وأتبعه ذكر مبدأ أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام وأمة وكيفية دعوته للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقا للحق وإبطالا ~~لما عليه أهل الكتابين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بين بطلان محاجتهم ~~في إبراهيم عليه الصلاة والسلام وادعائهم الانتماء إلى ملته ونزة ساحته ~~العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميع الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام دعاة إلى عبادة الله عز وجل وحده وطاعته منزهون عن احتمال ~~الدعوة إلى عبادة PageV02P025 # أنفسهم أو غيرهم من الملائكة والنبيين وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان ~~بمن جاءهم من رسول مصدق لما معهم تحقيقا لوجوب الإيمان برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكتابه المصدق لما بين يدية من التوراة والإنجيل وتحتم الطاعة له ~~حسبما سيأتي تفصيله وتخصيص آدم عليه الصلاة والسلام بالذكر لأنه أبو البشر ~~ومنشأ النبوة وكذا حال نوح عليه السلام فإنه آدم الثاني وإما ذكر آل ~~إبراهيم فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم واستمالتهم نحو الاعتراف باصطفائه بواسطة كونه من زمرتهم مع ما مر من ~~التنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام عريقا في النبوة من زمرة المصطفين ~~الأخيار وأما ما ذكر آل ms0460 عمران مع اندراجهم في آل إبراهيم فلإظهار مزيد ~~الاعتناء بتحقيق أمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخ الخلاف في شانه ~~فإن نسبة الاصطفاء إلى الأب الأقرب أدل على تحققه في الآل وهو الداعي إلى ~~إضافة الآل إلى إبراهيم دون نوح وآدم عليهم الصلاة والسلام والاصطفاء أخذ ~~ما صفا من الشئ كالاستصفاء مثل به اختياره تعالى إياهم النفوس القدسية وما ~~يليق بها من الملكات الروحانية والكمالات الجسمانية المستتبعة للرسالة في ~~نفس المصطفى كما في كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام أو فيمن يلابسه وينشأ ~~منه كما في مريم وقيل اصطفى آدم عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بيده في أحسن ~~تقويم وبتعليم الأسماء وإسجاد الملائكة إياه وإسكان الجنة واصطفى نوحا عليه ~~الصلاة والسلام بكونه أول من نسخ الشرائع إذ لم يكن قبل ذلك تزويج المحارم ~~حراما وبإطالة عمره وجعل ذريته هم الباقين واستجابة دعوته في حق الكفرة ~~والمؤمنين وحملة على متن الماء والمراد بآل إبراهيم إسماعيل وإسحق ~~والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم وأما ~~اصطفاء نفسه عليه الصلاة والسلام فمفهوم من اصطفائهم بطريق الأولوية وعدم ~~التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرة أمره في الخلة وكونه إمام ~~الأنبياء قدوة الرسل عليهم الصلاة والسلام وكون اصطفاء آله بدعوته بقوله ~~«ربنا وابعث فيهم رسولا منهم» الآية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام أنا ~~دعوة أبي إبراهيم وبآل عمرآن عيسى وأمه مريم ابنة عمرآن بن ماثان بن عازار ~~بن أبي بور بن رب بابل بن ساليان بن يوحنا بن يوشيان بن أمون بن منشا بن ~~حزقيا بن أحز بن يوثم بن عزياهو بن يهورام بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن ~~سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ابن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون ~~بن نحشون بن عميوذب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام وقيل موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وبين ms0461 العمرانين ألف وثمانمائة ~~سنة فيكون اصطفاء عيسى عليه الصلاة والسلام حينئذ بالاندارج في آل إبراهيم ~~عليه السلام والأول هو الأظهر بدليل تعقيبه بقصة مريم واصطفاء موسى وهارون ~~عليهما الصلاة والسلام بالإنتظام في سلك آل إبراهيم عليه السلام انتظاما ~~ظاهرا والمراد بالعالمين أهل زمان كل واحد منهم أي اصطفى كل واحد منهم على ~~عالمي زمانه «ذرية» نصب على البدلية من الآلين أو على الحالية منهما وقد مر ~~بيان اشتقاقها في قوله تعالى ومن ذريتي وقوله PageV02P026 # تعالى «بعضها من بعض» في محل النصب على أنه صفة لذرية أي اصطفى الآلين ~~حال كونهم ذرية متسلسلة متشعبة البعض من البعض في النسب كما ينبئ عنه ~~التعرض لكونه ذرية وقيل بعضها من بعض في الدين فالاستمالة على الوجه الأول ~~تقريبيه وعلى الثاني برهانية «والله سميع» لأقوال العباد «عليم» بأعمالهم ~~البادية والخافية فيصطفى من بينهم لخدمته من تظهر استقامته قولا وفعلا على ~~نهج قوله تعالى الله اعلم حيث يجعل رسالته والجملة تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبلها «إذ قالت امرأة عمران» في حيز النصب على المفعولية بفعل مقدر على ~~طريقة الاستئناف لتقرير اصطفاء آل عمران وبيان كيفيته أي اذكر لهم وقت ~~قولها ومر مرارا وجه توجيه التذكير إلى الأوقات مع أن المقصود تذكير ما وقع ~~فيها من الحوادث وقيل هو منصوب على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكى ~~عليم بضميرها المنوى وقيل هو ظرف لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى ~~المذكور كأنه قيل واصطفى آل عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجمل على الجمل ~~دون عطف المفردات على المفردات ليلزم كون اصطفاء الكل في ذلك الوقت وامرأة ~~عمران هي حنة بنت فاقوذا جدة عيسى عليه الصلاة والسلام وكانت لعمران بن ~~يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام فظن ان ~~المراد زوجته وليس بذاك فإن قضية كفالة زكريا عليه الصلاة والسلام قاضية ~~بأنها زوجة عمران بن ماثان لأنه عليه الصلاة والسلام كان معاصرا له وقد ~~تزوج إيشاع أخت حنة أم يحيى علية الصلاة ms0462 والسلام وأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام هما ابنا خالة فقيل ~~تأويله أن الأخت كثيرا ما تطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما ~~الصلاة والسلام ابني خالة وقيل كانت إيشاع أخت حنة من الأم وأخت مريم من ~~الأب على ان عمران نكح أولا أم حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناء على حل ~~نكاح الربائب في شريعتهم فولدت مريم فكانت إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها ~~من الأم لأنها أخت حنة من الأم روى أنها كانت عجوزا عاقرا فبينما هي ذات ~~يوم في ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخة خنت إلى الولد وتمنته وقالت اللهم ~~أن لك على نذر أن رزقتني ولدا ان أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته ~~وكان هذا النذر مشروعا عندهم في الغلمان ثم هلك عمران وهي حامل وحينئذ ~~فقولها «رب إني نذرت لك ما في بطني» لا بد من حملة على التكرير لتأكيد ~~نذرها وإخراجه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز والتعرض لوصف الربوبية ~~المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة ~~الإجابة ولذلك قيل إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله بما ~~يناسبه من أسمائه وصفاته وتأكيدا الجملة لإبراز وفور الرغبة في مضمونها ~~وتقديم الجار والمجرور لكمال الاعتناء به وإنما عبر عن الولد بما لإبهام ~~أمره وقصوره عن درجة العقلاء «محررا» أي معتقا لخدمة بيت المقدس لا يشغله ~~شأن آخر أو مخلصا للعبادة ونصبه PageV02P027 # على الحالية من الموصول فيه نذرت وقيل من ضميره في الصلة والعامل معنى ~~الاستقرار فإنها في قوة ما استقر في بطني ولا يخفى أن المراد تقييد فعلها ~~بالتحرير ليحصل به التقرب إليه تعالى لا تقييد مالا دخل لها فيه من ~~الاستقرار في بطنها «فتقبل مني» أي ما نذرته والتقبل أخذ الشئ على وجه ~~الرضا وهذا في الحقيقة استدعاء للولد إذ لا يتصور القبول بدون تحقق المقبول ~~بل للولد الذكر لعدم قبول الأنثى «إنك ms0463 أنت السميع» لجميع المسموعات التي من ~~جملتها تضرعي ودعائي «العليم» بكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري ~~لاغير وهو تعليل لاستدعاء القبول لا من حيث أن كونه تعالى سميعا لدعائها ~~عليما بما في ضميرها مصحح للتقبل في الجملة بل من حيث أن علمه تعالى بصحة ~~نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلا وإحسانا وتأكيد الجملة لعرض قوة يقينها ~~بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائها به تعالى ~~وانقطاع حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال «فلما ~~وضعتها» أي ما في بطنها وتأنيث الضمير العائد إليه لما ان المقام يستدعى ~~ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب لما أعنى قوله تعالى ~~«قالت رب إني وضعتها أنثى» لا على وضع ولد ما كأنه قيل فلما وضعت بنتا قالت ~~الخ وقيل تأنيثه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤول ~~بالحبلة أو النفس أو النسمة وأنت خبير بأن اعتبار شئ مما ذكر في حيز الشرط ~~لا يكون مدارا لترتب الجواب عليه وقوله تعالى أنثى حال مؤكدة من الضمير أو ~~بدل منه وتأنيثه للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء أو لما مر من ~~التأويل بالحبلة أو النسمة فالحال حينئذ مبينة وإنما قالته تحزنا وتحسرا ~~على خيبة رجائها وعكس تقديرها لما كانت ترجو أن تلد ذكرا ولذلك نذرته محررا ~~للسدانة والتأكيد المرد على اعتقادها الباطل «والله أعلم بما وضعت» تعظيم ~~من جهته تعالى لموضوعها وتفخيم لشأنه وتجهيل لها بقدرة أي والله أعلم بالشئ ~~الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور وجعله وابنه آية للعالمين وهي غافلة ~~عن ذلك والجملة اعتراضية وقرئ وضعت على خطاب الله تعالى لها أي أنك لا ~~تعلمين قدر هذا الموهوب وما أودع الله فيه من علو الشان وسمو المقدار وقرئ ~~وضعت على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة إظهارا لغاية ~~الإجلال فيكون ذلك منها اعتذارا إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما ms0464 ~~نذرته من السدانة أو تسلية لنفسها على معنى لعل الله تعالى فيه سرا وحكمة ~~ولعل هذه الأنثى خير من الذكر فوجه الالتفات حينئذ ظاهر وقوله تعالى «وليس ~~الذكر كالأنثى» اعتراض آخر مبين لما في الأول من تعظيم الموضوع ورفع منزلته ~~واللام في الذكر والأنثى للعهد أي ليس الذكر الذي كانت تطلبه وتتخيل فيه ~~كما لا قصاراه ان يكون كواحد من السدانة كالأنثى التي وهبت لها فإن دائرة ~~علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيه من جلائل الأمور هذا على القراءتين ~~الأوليين وأما على التفسير الأخير للقراءة PageV02P028 # الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها وأما على ~~التفسير الأول لها فمعناه تأكيد الاعتذار ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في ~~الفضيلة والمزية وصلاحية خدمة المتعبدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللام للجنس ~~وقوله تعالى «وإني سميتها مريم» عطف على أني وضعتها أنثى وغرضها من عرضها ~~على علام الغيوب التقرب إليه تعالى واستدعاء العصمة لها فإن مريم في لغتهم ~~بمعنى العابدة قال القرطبي معناه خادم الرب وإظهار أنها غير راجعة عن نيتها ~~وإن كان ما وضعته أنثى وأنها ان لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من ~~العابدات فيه «وإني أعيذها بك» عطف على أني سميتها وصيغة المضارع للدلالة ~~على الاستمرار أي أجيرها بحفظك وقرئ بفتح ياء المتكلم في المواضع التي ~~بعدها همزة مضمومة إلا في موضعين بعهدي أوف آتوني أفرغ «وذريتها» عطف على ~~الضمير وتقديم الجار والمجرور عليه لإبراز كمال العناية به «من الشيطان ~~الرجيم» أي المطرود وأصل الرجم الرمي بالحجارة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه الا مريم ~~وابنها ومعناه ان الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه الا مريم ~~وابنها فإن الله عصمهما ببركة هذه الاستعاذة «فتقبلها» أي أخذ مريم ورضي ~~بها في النذر مكان الذكر «ربها» مالكها ومبلغها إلى كمالها اللائق وفيه من ~~تشريفها مالا يخفى «بقبول حسن» قيل الباء زائدة والقبول ms0465 مصدر مؤكد للفعل ~~السابق بحذف الزوائد أي تقبلها قبولا حسنا وانما عدل عن الظاهر للإيذان ~~بمقارنة التقبل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعل ~~مشعرة بحسب أصل الوضع بالتكلف وكون الفعل على خلاف طبع الفاعل وان كان ~~المراد بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوة الفعل وكثرته وقيل ~~القبول ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلد وهو اختصاصه ~~تعالى إياها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى أو بأن ~~تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة روى أن حنة حين ~~ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ~~وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة وقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا ~~فيها لأنها كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فإن بني ماثان كانت رؤوس بني ~~إسرائيل وملوكهم وقيل لأنهم وجدوا أمرها وأمر عيسى عليه الصلاة والسلام في ~~الكتب الإلهية فقال زكريا عليه الصلاة والسلام انا أحق بها عندي خالتها ~~فأبو الا القرعة وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم ~~فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها وقيل هو مصدر وفيه مضاف مقدر أي ~~فتقبلها بذي قبول أي بأمر ذي قبول حسن وقيل تقبل بمعنى استقبل كتقصى بمعنى ~~استقصى وتعجل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن ~~«وأنبتها» مجاز عن PageV02P029 # تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها «نباتا حسنا» مصدر مؤكد للفعل ~~المذكور بحذف الزوائد وقيل بل لفعل مضمر موافق له تقديره فنبتت نباتا حسنا ~~«وكفلها زكريا» أي جعله عليه الصلاة والسلام كافلا لها وضامنا لمصالحها ~~قائما بتدبير أمورها لا على طريقة الوحي بل على ما ذكر من التفصيل فإن ~~رغبته عليه الصلاة والسلام في كفالتها وطفو قلمه ورسوب أقلامهم وغير ذلك من ~~الأمور الجارية بينهم كلها من آثار قدرته تعالى وقرئ أكفلها وقرئ زكرياء ~~بالنصب والمد وقرئ بتخفيف الفاء وكسرها ورفع زكرياء ممدودا وقرئ وتقبلها ~~ربها وانبتها وكفلها على صيغة الامر ms0466 في الكل ونصب ربها على الدعاء اى ~~فاقبلها يا ربها وربها تربية حسنة واجعل زكريا كافلا لها فهو تعيين لجهة ~~التربية قيل بنى عليه الصلاة والسلام لها محرابا في المسجد أي غرفة يصعد ~~إليها بسلم وقيل المحراب اشرف المجالس ومقدمها كأنها وضعت في اشرف موضع من ~~بيت المقدس وقيل كانت مساجدهم تسمى المحاريب روى أنه كان لا يدخل عليها الا ~~هو وحده وإذا خرج غلق عليها سبعة أبواب «كلما دخل عليها زكريا المحراب» ~~تقديم الظرف على الفاعل لإظهار كمال العناية بأمرها ونصب المحراب على ~~التوسع وكلمه كلما ظرف على أن ما مصدرية والزمان محذوف أو نكرة موصوفة ~~معناها الوقت والعائد محذوف والعامل فيها جوابها أي كل زمان دخوله عليها أو ~~كل وقت دخل عليها فيه «وجد عندها رزقا» أي نوعا منه غير معتاد إذ كان ينزل ~~ذلك من الجنة وكان يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء وفي الشتاء فاكهة الصيف ~~ولم ترضع ثديا قط «قال» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال زكريا ~~عليه الصلاة والسلام عند مشاهدة هذه الآية فقيل قال «يا مريم أنى لك هذا» ~~أي من اين يجيء لك هذا الذي لا يشبه أرزاق الدنيا والأبواب مغلقة دونك وهو ~~دليل على جواز الكرامة للأولياء ومن أنكرها جعل هذا إرهاصا وتأسيسا لرسالة ~~عيسى عليه الصلاة والسلام واما جعله معجزة لزكريا عليه الصلاة والسلام ~~فيأباه اشتباه الامر عليه عليه السلام وانما خاطبها عليه الصلاة والسلام ~~بذلك مع كونها بمعزل من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده انها مؤيدة من عند ~~الله بالعلم والقدرة «قالت» استئناف كما قبله كأنه قيل فماذا صنعت مريم وهي ~~صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب فقيل قالت «هو من عند الله» ~~فلا تعجب ولا تستبعد «إن الله يرزق من يشاء» ان يرزقه «بغير حساب» أي بغير ~~تقدير لكثرته أو بغير استحقاق تفضلا منه تعالى وهو تعليل لكونه من عند الله ~~اما من تمام كلامهما فيكون في محل النصب واما من كلامه ms0467 عز وجل فهو مستأنف ~~روى أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها فقال هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو ~~مملوء خبزا ولحما فقال لها اني لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من ~~يشاء بغير حساب فقال عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة ~~بني إسرائيل ثم جمع عليا والحسن والحسين وجميع أهل بيته رضوان الله عليهم ~~أجمعين فأكلوا وشبعوا وبقى الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها «هنالك» كلام ~~مستأنف وقصة مستقلة سيقت في تضاعيف PageV02P030 # حكاية مريم لما بينهما من قوة الارتباط وشدة الاشتباك مع ما في إيرادها ~~من تقرير ما سيقت له حكايتها من بيان اصطفاء آل عمران فإن فضائل بعض ~~الأقرباء أدلة على فضائل الآخرين وهنا ظرف مكان واللام للدلالة على البعد ~~والكاف للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك ~~الوقت إذ يستعار هنا وثمة وحيث للزمان «دعا زكريا ربه» لما رأى كرامة مريم ~~على الله ومنزلتها منه تعالى رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد حنة ~~في النجابة والكرامة على الله تعالى وأن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت خنة ~~كذلك وقيل لما رأى الفواكه في غير أبانها تنبه لجواز ولادة العجوز العاقر ~~من الشيخ الفاني فأقبل على الدعاء من غير تأخير كما ينبئ عنه تقديم الظرف ~~على الفعل لا على معنى أن ذلك كان هو الموجب للإقبال على الدعاء فقط بل كان ~~جزءا أخيرا أخيرا من العلة التامة التي من جملتها كبر سنة عليه الصلاة ~~والسلام وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم «قال» تفسير للدعاء ~~وبيان لكيفيته لا محل له من الإعراب ر «رب هب لي من لدنك» كلا الجارين ~~متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجازا أي ~~أعطني من محض قدرتك من غير وسط معتاد «ذرية طيبة» كما ms0468 وهبتها لحنة ويجوز أن ~~يتعلق من بمحذوف وقع حالا من ذرية أي كائنة من لدنك والذرية النسل تقع على ~~الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد فالتأنيث في الصفة ~~لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال * أبوك خليفة ولدته أخرى * وأنت ~~خليفة ذاك الكمال * وهذا إذا لم يقصد به واحد معين أما إذا قصد به المعين ~~امتنع اعتبار اللفظ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال جاءت طلحة وذهبت حمزة ~~«إنك سميع الدعاء» أي مجيبه وهو تعليل لما قبله وتحريك لسلسلة الإجابة ~~«فنادته الملائكة» كان المنادى جبريل عليه الصلاة والسلام كما تفصح عنه ~~قراءة من قرأ فناداه جبريل والجمع كما في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس ~~الثياب وماله غير فرس وثوب قال الزجاج أي أتاه النداء من هذا الجنس الذين ~~هم الملائكة وقيل لما كان جبرائيل عليه الصلاة والسلام رئيسهم عبر عنه باسم ~~الجماعة تعظيما له وقيل الرئيس لا بد له من اتباع فأسند النداء إلى الكل مع ~~كونه صادرا عنه خاصة وقرئ فناداه بالإمالة «وهو قائم» جملة حالية من مفعول ~~النداء مقرر لما أفاده الفاء من حصول البشارة عقيب الدعاء وقوله تعالى ~~«يصلي» إما صفة لقائم أو خبر ثان عند من يرى تعدده عند كون الثاني جملة كما ~~في قوله تعالى فإذا هي حية تسعى أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ~~ولا بدلية أو حال من المستكن في قائم وقوله تعالى «في المحراب» أي في ~~المسجد أو في غرفة مريم متعلق بيصلى أو بقائم على تقدير كون يصلى حالا من ~~ضمير قائم لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شئ واحد فلا يلزم الفصل بالأجنبي ~~كما يلزم على التقادير الباقية «أن الله يبشرك بيحيى» أي بأن الله وقرئ ~~بكسر الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مجراه لكونه PageV02P031 # نوعا منه وقرئ يبشرك من الإبشار ويبشرك من الثلاثي وأيا ما كان ينبغي أن ~~يكون هذا الكلام إلى آخره محكيا بعبارته عن الله عز وجل على منهاج ms0469 قوله ~~تعالى «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة» الآية كما ~~يلوح به مراجعته عليه الصلاة والسلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا ~~بواسطة الملك والعدول عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة ~~مريم للجرى على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء أمير المؤمنين يرسم لك ~~بكذا وللإيذان بأن ما حكى هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من ~~المحاورة كان كل ذلك بتوسط الملك بطريق الحكاية عنه سبحانه لا بالذات كما ~~هو المتبادر وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ويحيى ~~اسم أعجمي وإن جعل عربيا فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل روى عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما إنما سمى يحيى لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه وقال قتادة لأنه ~~تعالى أحيا قلبه بالإيمان قال القرطبي كان اسمه في الكتاب الأول حيا ولا بد ~~من تقدير مضاف يعود إليه الحال أي بولادة يحيى فإن التبشير لا يتعلق ~~بالأعيان «مصدقا» حال مقدرة من يحيى «بكلمة من الله» أي بعيسى عليه الصلاة ~~والسلام وإنما سمى كلمة لأنه وجد بكلمة كن من غير أب فشابه البديعيات التي ~~هي عالم الأمر ومن لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة أي ~~بكلمة كائنة منه تعالى قيل هو أول من آمن به وصدق بأنه كلمة الله وروح منه ~~وقال السدي لقيت أم يحيى أم عيسى فقالت يا مريم أشعرت بحبلى فقالت مريم ~~وأنا أيضا حبلى قالت فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله ~~تعالى مصدقا بكلمة الخ وقال ابن عباس رضي الله عنهما أن يحيى كان أكبر من ~~عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر وقيل بثلاث سنين وقتل قبل رفع عيسى ~~عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرة وعلى كل تقدير يكون بين ولادة يحيى وبين ~~البشارة بها زمان مديد لما ان مريم ولدت وهي بنت ثلاث عشرة سنة أو بنت عشر ~~سنين وقيل بكلمة من الله أي بكتاب الله سمى كلمة كما ms0470 قيل كلمة الحويدرة ~~لقصيدته «وسيدا» عطف على مصدقا أي رئيسا يسود قومه ويفوقهم في الشرف وكان ~~فائقا للناس قاطبة فإنه لم يلم بخطيئة ولم يهم بمعصية فيا لها من سيادة ما ~~أسناها «وحصورا» عطف على ما قبله أي مبالغا في حصر النفس وحبسها عن الشهوات ~~مع القدرة روى أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت ~~«ونبيا» عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة «من الصالحين» ~~أي ناشئا منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائنا ~~من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى «وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين» والمراد بالصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة ~~البتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام «وأدخلني برحمتك ~~في عبادك الصالحين» «قال» استئناف مبنى على السؤال كأنه قيل فماذا قال ~~زكريا عليه الصلاة والسلام حينئذ فقيل قال «رب» لم يخاطب الملك المنادى له ~~بملابسة أنه المباشر للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى ~~على نهج دعائه السابق مبالغة في التضرع والمناجاة وجدا في التبتل إليه ~~تعالى واحترازا عما عسى يوهم PageV02P032 # خطاب الملك من توهم أن علمه سبحانه بما يصدر عنه يتوقف على توسطه كما ~~يتوقف وقوف البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسطه في عامة الأحوال وإن لم ~~يتوقف عليه في بعضها «أنى يكون لي غلام» فيه دلالة على أنه قد أخبر بكونه ~~غلاما عند التبشير كما في قوله تعالى «إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى» وأنى ~~بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام متعلقتان بها وتقديم الجار على ~~الفاعل لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أي كيف أو من ~~أين يحدث لي غلام ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف وقع حالا من غلام إذ لو تأخر ~~لكان صفة له أو ناقصة واسمها ظاهر وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما ~~مر أو هو الخبر ms0471 وأنى منصوب على الظرفية «وقد بلغني الكبر» حال من ياء ~~المتكلم أي أدركني كبر السن وأثر في كقولهم أدركته السن وأخذته السن وفيه ~~دلالة على ان كبر السن من حيث كونه من طلائع الموت طالب للإنسان لا يكاد ~~يتركه قيل كان له تسع وتسعون سنة وقيل اثنتان وتسعون وقيل مائة وعشرون وقيل ~~ستون وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل خمس وسبعون وقيل خمس وثمانون ولامرأته ~~ثمان وتسعون «وامرأتي عاقر» أي ذات عقر وهو أيضا حال من ياء لي عند من يجوز ~~تعدد الحال أو من ياء بلغني أي كيف يكون لي ذلك والحال أني وامرأتي على ~~حالة منافية له كل المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائه ~~بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لا سيما بعد مشاهدته عليه الصلاة ~~والسلام للشواهد السالفة استعظاما لقدرة الله سبحانه وتعجيبا منها واعتدادا ~~بنعمته عز وجل عليه في ذلك لا استبعادا له وقيل بل كان ذلك للاستبعاد حيث ~~كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة وكان قد نسي دعاءه وهو بعيد وقيل كان ذلك ~~استفهاما عن كيفية حدوثه «قال» استئناف كما سلف «كذلك» إشارة إلى مصدر يفعل ~~في قوله عز وجل «الله يفعل ما يشاء» أي ما يشاء أن يفعله من تعاجيب ~~الأفاعيل الخارقة للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على ~~انها في الأصل نعت لمصدر محذوف أي الله يفعل ما يشاء أن يفعله فعلا مثل ذلك ~~الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد من شيخ فإن وعجوز عاقر فقدم ~~على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت ~~الكاف مقحمة لتأكيد ما إفادة اسم الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في ~~تفسير قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أو على أنها حال من ضمير المصدر ~~المقدر معرفة أي يفعل الفعل كائنا مثل ذلك أو في محل الرفع على أنها خبر ~~والجلالة مبتدأ أي على نحو هذا الشأن البديع شأن الله تعالى ويفعل ما ms0472 يشاء ~~بيان لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقوله ~~تعالى الله يفعل ما يشاء بيان له «قال رب اجعل لي آية» أي علامة تدلني على ~~تحقق المسؤول ووقوع الحبل وإنما سألها لان العلوق أمر خفى لا يوقف عليه ~~فأراد أن يطلعه الله تعالى ليتلقى تلك النعمة الجليلة من حين حصولها بالشكر ~~ولا PageV02P033 # يؤخره إلى أن يظهر ظهورا معتادا ولعل هذا السؤال وقع بعد البشارة بزمان ~~مديد إذ به يظهر ما ذكر من كون التفاوت بين سنى يحيى وعيسى عليهما الصلاة ~~والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين لأن ظهور العلامة كان عقيب تعيينها لقوله ~~تعالى في سورة مريم «فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم» الآية اللهم ~~إلا أن تكون المجاوبة بين زكريا ومريم في حالة كبرها وقد عدت من جملة من ~~تكلم في الصغر بموجب قولها المحكى والجعل إبداعى واللام متعلقة به والتقديم ~~لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أو بمحذوف وقع حالا ~~من آية وقيل هو بمعنى التصيير المستدعى لمفعولين أولهما آية وثانيهما لي ~~والتقديم لأنه لا مسوغ لكون آية مبتدأ عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر ~~سوى تقديم الجار فلا يتغير حالهما بعد دخول الناسخ «قال آيتك ألا تكلم ~~الناس» أي أن لا تقدر على تكليمهم «ثلاثة أيام» أي متوالية لقوله تعالى في ~~سورة مريم «ثلاث ليال سويا» مع القدرة على الذكر والتسبيح وإنما جعلت آيته ~~ذلك لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاء لحق النعمة كأنه قيل آية حصول ~~المطلوب ووصول النعمة ان تحبس لسانك إلا عن شكرها وأحسن الجواب ما اشتق من ~~السؤال «إلا رمزا» أي إشارة بيد أو رأس أو نحوهما وأصله التحرك يقال ارتمز ~~أي تحرك ومنه قيل للبحر الراموز وهو استثناء منقطع لأن الإشارة ليست من ~~قبيل الكلام أو متصل على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في ~~كون الرمز من ذلك القبيل وقرئ رمزا بفتحتين على انه جمع رامز ms0473 كخدم وبضمتين ~~على انه جمع رموز كرسل على انه حال منه ومن الناس معا بمعنى مترامزين كقوله ~~* متى ما تلقنى فردين ترجف * روانف أليتيك وتستطارا * «واذكر ربك» أي في ~~أيام الحبسة شكرا لحصول التفضل والإنعام كما يؤذن به التعرض لعنوان ~~الربوبية «كثيرا» أي ذكرا كثيرا أو زمانا كثيرا «وسبح» أي سبحه تعالى أو ~~أفعل التسبيح «بالعشي» أي من الزوال إلى الغروب وقيل من العصر إلى ذهاب صدر ~~الليل «والإبكار» من طلوع الفجر إلى الضحى قيل المراد بالتسبيح الصلاة ~~بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى «فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون» وقيل الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر القلبي وقرئ ~~الإبكار بفتح الهمزة على انه جمع بكر كسحر وأسحار «وإذ قالت الملائكة» شروع ~~في شرح بقية أحكام اصطفاء آل عمران إثر الإشارة إلى نبذ من فضائل بعض ~~أقاربهم أعنى زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقام إياهما ~~حسبما أشير إليه وقرئ بتذكير الفعل والمراد بالملائكة جبريل علية الصلاة ~~والسلام وقد مر ما فيه من الكلام وإذ منصوب بمضمر معطوف على المضمر السابق ~~عطف القصة على القصة وقيل معطوف على الظرف السابق أعنى قوله إذ قالت امرأة ~~عمران منصوب بناصبه فتدبر أي واذكر أيضا من شواهد اصطفائهم وقت قول ~~الملائكة عليهم الصلاة والسلام «يا مريم» وتكرير التذكير للإشعار بمزيد ~~الاعتناء بما يحكى من أحكام الاصطفاء والتنبيه على استقلالها وانفرادها عن ~~الاحكام السابقة فإنها من أحكام التربية الجسمانية اللائقة بحال صغر مريم ~~وهذه من باب التربية PageV02P034 # الروحانية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها قيل كلموها شفاها كرامة ~~لها أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام لمكان الاجماع على أنه تعالى ~~لم يستنئ امرأة وقيل ألهموها «إن الله اصطفاك» أولا حيث تقبلك من أمك بقبول ~~حسن ولم يتقبل غيرك أنثى ورباك في حجر زكريا عليه السلام ورزقك من رزق ~~الجنة وخصك بالكرامات السنية «وطهرك» أي مما يستقذر من الأحوال والأفعال ~~ومما قذفك به اليهود بإنطاق الطفل «واصطفاك» آخرا «على نساء العالمين» بأن ~~وهب ms0474 لك عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء ~~وجعلكما آية للعالمين فعلى هذا ينبغي أن يكون تقديم حكاية هذه المقاولة على ~~حكاية بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام لما مر مرارا من التنبيه على أن ~~كلا منهما مستحق للاستقلال بالتذكير ولو روعى الترتيب الخارجي لتبادر كون ~~الكل شيئا واحدا وقيل المراد بالاصطفاءين واحد والتكرير للتأكيد وتبيين من ~~اصطفاها عليهن فحينئذ لا اشكال في ترتيب النظم الكريم إذ يحمل حينئذ ~~الاصطفاء على ما ذكر أولا وتجعل هذه المقاولة قبل بشارتها بعيسى عليه ~~الصلاة والسلام إيذانا بكونها قبل ذلك متوفرة على الطاعات والعبادات حسبما ~~أمرت بها مجتهدة فيها مقبلة على الله تعالى متبتلة اليه تعالى منسلخة عن ~~احكام البشرية مستعدة لفيضان الروح عليها «يا مريم» تكرير النداء للإيذان ~~بأن المقصود بالخطاب ما يرد بعده وأن ما قبله من تذكير النعم كان تمهيدا ~~لذكره وترغيبا في العمل بموجبه «اقنتي لربك» أي قومي في الصلاة أو أطيلي ~~القيام فيها له تعالى والتعرض لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوب ~~الامتثال بالأمر «واسجدي واركعي مع الراكعين» أمرت بالصلاة بالجماعة بذكر ~~أركانها مبالغة في ايجاب رعايتها وإيذانا بفضيلة كل منها وإصالته وتقديم ~~السجود على الركوع اما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك واما لكون السجود أفضل ~~أركان الصلاة وأقصى مراتب الخضوع ولا يقتضي ذلك كون الترتيب الخارجي كذلك ~~بل اللائق به الترقي من الأدنى إلى الاعلى واما ليقترن اركعي بالراكعين ~~للإشعار بأن من لا ركوع في صلاتهم ليسوا مصلين واما ما قيل من أن الواو لا ~~توجب الترتيب فغايته التصحيح لا الترجيح وتجريد الامر بالركنين الأخيرين ~~عما قيد به الأول لما أن المراد تقييد الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد ~~به الركن الأول منها وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعات كما في قوله تعالى ~~أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما وبالسجود الصلاة لما مر من أنه أفضل ~~أركانها وبالركوع الخشوع والاخبات قيل لما أمرت بذلك قامت في الصلاة حتى ~~ورمت قدماها ms0475 وسالت دما وقيحا «ذلك» إشارة إلى ما سلف من الأمور البديعة وما ~~فيه من معنى البعد للتنبيه على علو شأن المشار اليه وبعد منزلته في الفضل ~~وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «من أنباء الغيب» أي من الأنباء المتعلقة بالغيب ~~PageV02P035 # والجملة مستأنفة لا محل لها من الاعراب وقوله تعالى «نوحيه إليك» جملة ~~مستقلة مبينة للأولى وقيل الخبر هو الجملة الثانية ومن أنباء الغيب اما ~~متعلق بنوحيه أو حال من ضميره أي نوحي من أنباء الغيب أو نوحيه حال كونه من ~~جملة أنباء الغيب وصيغة الاستقبال للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد «وما كنت ~~لديهم» أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربية مريم وهو تقرير وتحقيق ~~لكونه وحيا على طريقة التهكم بمنكريه كما في قوله تعالى وما كنت بجانب ~~الغربي الآية وما كنت ثاويا في أهل مدين الآية فإن طريق معرفة أمثال هاتيك ~~الحوادث والواقعات اما المشاهدة واما السماع وعدمه محقق عندهم فبقى احتمال ~~المعاينة المستحيلة ضرورة فنفيت تهكما بهم «إذ يلقون أقلامهم» ظرف ~~للاستقرار العامل في لديهم وأقلامهم أقداحهم التي اقترعوا بها وقيل اقترعوا ~~بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركا «أيهم يكفل مريم» متعلق ~~بمحذوف دل عليه يلقون أقلامهم أي يلقونها ينظرون أو ليعلموا أيهم يكفلها ~~«وما كنت لديهم إذ يختصمون» أي في شأنها تنافسا في كفالتها حسبما ذكر فيما ~~سبق وتكرير ما كنت لديهم مع تحقق المقصود بعطف إذ يختصمون على إذ يلقون كما ~~في قوله عز وجل «نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى» ~~للدلالة على أن كل واحد من عدم حضوره عليه الصلاة والسلام عند القاء ~~الأقلام وعدم حضوره عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته عليه الصلاة ~~والسلام لا سيما إذا أريد باختصامهم تنازعهم قبل الاقتراع فإن تغيير ~~الترتيب في الذكر مؤكد له «إذ قالت الملائكة» شروع في قصة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام وهو بدل من وإذ قالت الملائكة منصوب بناصبه وما بينهما اعتراض جيء ~~به تقريرا لما سبق وتنبيها على استقلاله وكونه ms0476 حقيقا بأن يعد على حياله من ~~شواهد النبوة وترك العطف بينهما بناء على اتحاد المخاطب وإيذانا بتقارن ~~الخطابين أو تقاربهما في الزمان وقيل منصوب بمضمر معطوف على ناصبه وقيل بدل ~~من إذ يختصمون كأنه قيل وما كنت حاضرا في ذلك الزمان المديد الذي وقع في ~~طرف منه الاختصام وفي طرف آخر هذا الخطاب اشعارا بإحاطته عليه الصلاة ~~والسلام بتفاصيل أحوال مريم من أولها إلى آخرها والقائل جبريل عليه الصلاة ~~والسلام وايراد صيغة الجمع لما مر «يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه» من ~~لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لكلمة أي بكلمة كائنة منه عز ~~وجل «اسمه» ذكر الضمير الراجع إلى الكلمة لكونها عبارة عن مذكر وهو مبتدأ ~~خبره «المسيح» وقوله تعالى «عيسى» بدل منه أو عطف بيان وقيل خبر آخر وقيل ~~خبر مبتدأ محذوف وقيل منصوب بإضمار اعني مدحا وقوله تعالى «ابن مريم» صفة ~~لعيسى وقيل المراد بالاسم ما به يتميز المسمى عمن سواه فالخبر حينئذ مجموع ~~الثلاثة إذ هو المميز له عليه الصلاة والسلام تمييزا عن جميع من عداه ~~والمسيح لقبه عليه الصلاة والسلام وهو من الألقاب PageV02P036 # المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك وعيسى معرب من ~~أيشوع والتصدي لاشتقاقهما من المسح والعيس وتعليله بأنه عليه الصلاة ~~والسلام مسح بالبركة أو بما يطهره من الذنوب أو مسحه جبريل عليهما الصلاة ~~والسلام أو مسح الأرض ولم يقم في موضع أو كان عليه الصلاة والسلام يمسح ذا ~~العاهة فيبرأ وبأنه كان في لونه عيس أي بياض يغلوه حمرة من قبيل الرقم على ~~الماء وانما قيل ابن مريم مع كون الخطاب لها تنبيها على أنه يولد من غير أب ~~فلا ينسب الا إلى أمه وبذلك فضلت على نساء العالمين «وجيها في الدنيا ~~والآخرة» الوجيه ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف وهو حال مقدرة من كلمة ~~فإنها وان كانت نكرة لكنها صالحة لأن ينتصب بها الحال وتذكيرها باعتبار ~~المعنى والوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس وفي الآخرة الشفاعة ~~وعلو الدرجة ms0477 في الجنة «ومن المقربين» أي من الله عز وجل وقيل هو إشارة إلى ~~رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة وهو عطف على الحال الأولى وقد عطف عليه ~~قوله تعالى «ويكلم الناس في المهد وكهلا» أي يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا ~~كلام الأنبياء من غير تفاوت والمهد مصدر سمى به ما يمهد للصبي أي يسوي من ~~مضجعه وقيل انه شاربا رفع والمراد وكهلا بعد نزوله وفي ذكر أحواله المختلفة ~~المتنافية إشارة إلى أنه بمعزل من الألوهية «ومن الصالحين» حال أخرى من ~~كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضمير في يكلم «قالت» استئناف مبني ~~على السؤال كأنه قيل فماذا قالت مريم حين قالت لها الملائكة ما قالت فقيل ~~قالت متضرعة إلى ربها «رب أنى يكون» أي كيف يكون أو من أين يكون «لي ولد» ~~على وجه الاستبعاد العادي والتعجب واستعظام قدرة الله عز وجل وقيل على وجه ~~الاستفهام والاستفسار بأنه بالتزوج أو بغيره ويكون إما تامة وأنى واللام ~~متعلقتان بها وتأخير الفاعل عن الجار والمجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر ويجوز أن تتعلق اللام بمحذوف وقع حالا من ولد إذ لو ~~تأخر لكان صفة له وإما ناقصة واسمها ولد وخبرها إما أنى واللام متعلقة ~~بمضمر وقع حالا كما مر أو خبر وأني نصب على الظرفية وقوله تعالى «ولم ~~يمسسني بشر» جملة حالية محققة للاستبعاد أي والحال أنى على حالة منافية ~~للولادة «قال» استئناف كما سلف والقائل هو الله تعالى أو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام «كذلك الله يخلق ما يشاء» الكلام في إعرابه كما مر في قصة زكريا ~~بعينه خلا أن إيراد يخلق ههنا مكان يفعل هناك لما أن ولادة العذراء من غير ~~أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ فان فكان الخلق المنبئ ~~عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل ولذلك عقب ببيان كيفيته فقيل ~~«إذا قضى أمرا» من الأمور أي أراد شيئا كما في قوله تعالى «إنما أمره إذا ~~أراد شيئا» واصل القضاء ms0478 الإحكام أطلق على الإرادة الإلهية القطعية المتعلقة ~~بوجود الشئ لإيجابها إياه PageV02P037 # البتة وقيل الأمر ومنه قوله تعالى وقضى ربك «فإنما يقول له كن» لا غير ~~«فيكون» من غير ريث وهو كما ترى تمثيل لكمال قدرته تعالى وسهولة تأتى ~~المقدورات حسبما تقتضيه مشيئته وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم فيها من ~~طاعة المأمور المطيع للآمر القوى وبيان لأنه تعالى كما يقدر على خلق ~~الأشياء مدرجا بأسباب ومواد معتادة يقدر على خلقها دفعة من غير حاجة إلى شئ ~~من الأسباب والمواد «ويعلمه الكتاب» أي الكتابة أو جنس الكتب الإلهية ~~«والحكمة» أي العلوم وتهذيب الأخلاق «والتوراة والإنجيل» إفرادهما بالذكر ~~على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة لزيادة فضلهما وإناقتها ~~على غيرها والجملة عطف على يبشرك أو على وجيها أو على يخلق أو هو كلام ~~مبتدأ سيق تطييبا لقلبها وإزاحة لما أهمها من خوف اللائمة لما علمت أنها ~~تلد من غير زوج وقرئ ونعلمه بالنون «ورسولا إلى بني إسرائيل» منصوب بمضمر ~~يعود إليه المعنى معطوف على يعلمه أي ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل أي كلهم ~~وقال بعض اليهود إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين ثم قيل كان رسولا حال ~~الصبا وقيل بعد البلوغ وكان أول أنبياء بنى إسرائيل يوسف عليه الصلاة ~~والسلام وقوله تعالى «أني قد جئتكم» معمول لرسولا لما فيه من معنى النطق أي ~~رسولا ناطقا بأنى الخ وقيل منصوب بمضمر معمول لقول مضمر معطوف على من يعلمه ~~أي ويقول أرسلت رسولا بأنى قد جئتكم الخ وقيل معطوف على الأحوال السابقة ~~ولا يقدح فيه كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في حكم التكلم لما عرفت من أن ~~فيه معنى النطق كأنه قيل حال كونه وجيها ورسولا ناطقا بأنى الخ وقرئ ورسول ~~بالجر عطفا على كلمة والباء في قوله تعالى «بآية» متعلقة بمحذوف وقع حالا ~~من فاعل الفعل على أنها للملابسة والتنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها ~~وكثرتها وقرئ بآيات أو بجئتكم على أنها للتعدية ومن في قوله تعالى «من ~~ربكم» لابتداء ms0479 الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لآية إي قد جئتكم ملتبسا ~~بآية عظيمة كائنة من ربكم أو أتيتكم بآية عظيمة كائنة منه تعالى والتعرض ~~لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب الامتثال بما ~~سيأتي من الأوامر وقوله تعالى «أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير» بدل من ~~قوله تعالى «أني قد جئتكم» ومحله النصب على نزع الجار عند سيبويه والفراء ~~والجر على رأى الخليل والكسائي أو بدل من آية وقيل منصوب بفعل مقدر أي أعنى ~~أبى الخ وقيل مرفوع على أنه خبر مبتدأ أي هي أنى أخلق لكم وقرئ بكسر الهمزة ~~على الاستئناف أي أقدر لكم أي لإجل تحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي من ~~PageV02P038 # الطين شيئا مثل صورة الطير «فأنفخ فيه» الضمير للكاف أي في ذلك الشئ ~~المماثل لهيئة الطير وقرئ فأنفخ فيها على أن الضمير للهيئة المقدرة أي أخلق ~~لكم من الطين هيئة كهيئة الطير فأنفخ فيها «فيكون طيرا» حيا طيارا كسائر ~~الطيور «بإذن الله» بأمره تعالى أشار عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن ~~إحياءه من الله تعالى لا منه قيل لم يخلق غير الخفاش روى انه عليه الصلاة ~~والسلام لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات طالبوه بخلق الخفاش فأخذ طينا ~~وصورة ونفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض قال وهب كان يطير ما دام ~~الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز من خلق الله تعالى ~~قيل إنما طلبوا خلق الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا وأبلغ دلالة على القدرة ~~لأن له ثديا وأسنانا وهي تحيض وتطهر وتلد كسائر الحيوان وتضحك كما يضحك ~~الإنسان وتطير بغير ريش ولا تبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ~~ترى في ساعتين ساعة بعد الغروب وساعة بعد طلوع الفجر وقيل خلق أنواعا من ~~الطير «وأبرئ الأكمه» أي الذي ولد أعمى أو الممسوح العين «والأبرص» المبتلى ~~بالبرص لم تكن العرب تنفر من شئ نفرها منه ويقال له الوضح أيضا وتخصيص هذين ~~الداءين لأنهما مما أعيا الأطباء وكانوا في ms0480 غاية الحذاقة في زمنه عليه ~~الصلاة والسلام فأراهم الله تعالى المعجزة من ذلك الجنس روى انه عليه ~~الصلاة والسلام ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن ~~لم يطق أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداويه إلا بالدعاء «وأحيي ~~الموتى بإذن الله» كرره مبالغة في دفع وهم من توهم فيه اللاهوتية قال ~~الكلبي كان عليه الصلاة والسلام يحيى الموتى بيا حي يا قيوم أحيا عازر وكان ~~صديقا له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره ~~حيا ورجع إلى أهله وبقى وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك فقالوا ~~إنك تحيى من كان قريب العهد من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتة ~~فأحى لنا سام بن نوح فقال دلوني على قبره ففعلوا فقام على قبره فدعا الله ~~عز وجل فقام من قبره وقد شاب رأسه فقال عليه السلام كيف شبت ولم يكن في ~~زمانكم شيب قال يا روح الله لما دعوتني سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت ~~ان الساعة قد قامت فمن هول ذلك شبت فسأله عن النزع قال يا روح الله إن ~~مرارته لم تذهب من حنجرتي وكان بينه وبين موته أكثر من أربعة آلاف سنة وقال ~~للقوم صدقوه فإنه نبي الله فآمن به بعضهم وكذبه آخرون فقالوا هذا سحر فأرنا ~~آية فقال يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبئ لك كذا وذلك قوله تعالى «وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم» أي بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون ~~فيها وقرئ تذخرون بالذال والتخفيف «إن في ذلك» إشارة إلى ما ذكر من الأمور ~~العظام «لآية» عظيمة وقرئ لآيات «لكم» دالة على صحة رسالتي دلالة واضحة «إن ~~كنتم مؤمنين» جواب الشرط محذوف لإنصباب المعنى إليه أو دلالة المذكور عليه ~~أي انتفعتم بها أو إن كنتم ممن يتأتى منهم الإيمان دلتكم على صحة رسالتي ~~والإيمان بها «ومصدقا لما بين يدي من التوراة» PageV02P039 # عطف على المضمر الذي تعلق به ms0481 قوله تعالى بآية أي قد جئتكم ملتبسا بآية ~~الخ «ومصدقا لما بين يدي» الخ أو على رسولا على الأوجه الثلاثة فإن مصدقا ~~فيه معنى النطق كما في رسولا أي ويجعله مصدقا ناطقا بأني أصدق الخ أو ويقول ~~أرسلت رسولا بأني قد جئتكم الخ ومصدقا الخ أو حال كونه مصدقا ناطقا بأني ~~أصدق الخ أو منصوب بإضمار فعل دل عليه قد جئتكم أي وجئتكم مصدقا الخ وقوله ~~من التوراة إما حال من الموصول والعامل مصدقا وإما من ضميره المستتر في ~~الظرف الواقع صلة والعامل الاستقرار المضمر في الظرف أو نفس الظرف لقيامه ~~مقام الفعل «ولأحل لكم» معمول لمضمر دل عليه ما قبله أي وجئتكم لأحل الخ ~~وقيل عطف على معنى مصدقا كقولهم جئته معتذرا ولأجتلب رضاه كأنه قيل قد ~~جئتكم لأصدق ولأحل الخ وقيل عطف على بآية أي قد جئتكم بآية من ربكم ولأحل ~~لكم «بعض الذي حرم عليكم» أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام من الشحوم ~~والثروب والسمك ولحوم الإبل والعمل في السبت قيل أحل لهم من السمك والطير ~~مالا صئصئة له واختلف في إحلال السبت وقرئ حرم على تسمية الفاعل وهو ما بين ~~يدي أو الله عز وجل وقرئ حرم بوزن كرم وهذا يدل على أن شرعه كان ناسخا لبعض ~~أحكام التوراة ولا يخل ذلك بكونه مصدقا لها لما أن النسخ في الحقيقة بيان ~~وتخصيص في الأزمان وتأخير المفعول عن الجار والمجرور لما مر مرارا من ~~المبادرة إلى ذكر ما يسر المخاطبين والتشويق إلى ما أخر «وجئتكم بآية من ~~ربكم» شاهدة على صحة رسالتي وقرئ بآيات «فاتقوا الله» في عدم قبولها ~~ومخالفة مدلولها «وأطيعون» فيما أمركم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك ~~الآية هي قولي «إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم» فإنه الحق ~~الصريح الذي أجمع عليه الرسل قاطبة فيكون آية بينة على انه عليه الصلاة ~~والسلام من جملتهم وقرئ ان الله بالفتح بدلا من آية أو قد جئتكم بآية على ~~أن الله ربي وربكم ms0482 وقوله فاتقوا الله وأطيعون اعتراض والظاهر أنه تكرير لما ~~سبق أي قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرت لكم من خلق الطير وإبراء الأكمه ~~والأبرص والإحياء والإنباء بالخفيات ومن غيره من ولادتي بغير أب ومن كلامي ~~في المهد ومن غير ذلك والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ~~ولذلك رتب عليه بالفاء قوله فاتقوا الله أي لما جئتكم بالمعجزات الباهرة ~~والآيات الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعون فيما أدعوكم إليه ومعنى ~~قراءة من فتح ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى لإيلاف قريش الخ ثم ~~شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال إن الله ربي وربكم إشارة إلى ~~أن استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد وقال فاعبدوه ~~إشارة إلى استكمال القوة العملية فإنه يلازم الطاعة التي هي الإتيان ~~بالأوامر والانتهاء عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بين ان الجمع بين الأمرين هو ~~الطريق المشهود له بالإستقامة ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام قل آمنت ~~بالله ثم استقم «فلما أحس عيسى منهم الكفر» شروع في بيان مآل PageV02P040 # أحواله عليه السلام إثر ما أشير إلى طرف منها بطريق النقل عن الملائكة ~~والفاء فصيحة تفصح عن تحقق جميع ما قالته الملائكة وخروجه من القوة إلى ~~الفعل حسبما شرحته كما في قوله تعالى فلما رآه مستقرا عنده بعد قوله تعالى ~~«أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» كأنه قيل فحملته فولدته فكان كيت وكيت ~~وقال ذيت وذيت وإنما لم يذكر اكتفاء بحكاية الملائكة وإيذانا بعدم الخلف ~~وثقة بما فصل في المواضع الأخر وأما عدم نظم بقية أحواله عليه الصلاة ~~السلام في سلك النقل فإما للاعتناء بأمرها أو لعدم مناسبتها لمقام البشارة ~~لما فيها من ذكر مقاساته عليه الصلاة والسلام للشدائد ومعاناته للمكايد ~~والمراد بالإحساس الإدراك القوي الجاري مجرى المشاهدة وبالكفر اصرارهم عليه ~~وعتوهم ومكابرتهم فيه مع العزيمة على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبئ ~~عنه الإحساس فإنه انما يستعمل في أمثال هذه المواقع عند كون متعلقه أمرا ~~محذورا مكروها كما في ms0483 قوله عز وجل فلما أحسوا بأسنا إذا هم منا يركضون ~~وكلمة من متعلقة بأحس والضمير المجرور لبني إسرائيل أي ابتدأ الإحساس من ~~جهتهم وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة من ~~الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقيل متعلقة بمحذوف وقع حالا من ~~الكفر «قال» أي لخص لأصحابه لا لجميع بني إسرائيل لقوله تعالى «كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين» الآية وقوله تعالى «فآمنت طائفة من بني إسرائيل ~~وكفرت طائفة» ليس بنص في توجيه الخطاب إلى الكل بل يكفى فيه بلوغ الدعوة ~~إليهم «من أنصاري» الأنصار جمع نصير كأشراف جمع شريف «إلى الله» متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من الياء أي من أنصاري متوجها إلى الله ملتجئا إليه أو ~~بأنصاري متضمنا معنى الإضافة كأنه قيل من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله عز ~~وجل ينصرونني كما ينصرني وقيل إلى بمعنى في أي في سبيل الله وقيل بمعنى ~~اللام وقيل بمعنى مع «قال» استئناف مبني على سؤال ينساق إليه الذهن كأنه ~~قيل فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام فقيل قال «الحواريون» جمع ~~حواري يقال فلان حواري فلان أي صفوته وخالصته من الحور وهو البياض الخالص ~~ومنه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن ونقائهن سمي به أصحاب عيسى عليه ~~الصلاة والسلام لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم وقيل لما عليهم من آثار العبادة ~~وأنوارها وقيل كانوا ملوكا يلبسون البيض وذلك أن واحدا من الملوك صنع طعاما ~~وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على قصعة لا يزال يأكل منها ~~ولا تنقص فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فقال له من أنت ~~قال عيسى ابن مريم فترك ملكه وتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون وقيل ~~كانوا صيادين يصطادون السمك يلبسون الثياب البيض فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ~~فمر بهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم أنتم تصيدون السمك فإن ~~اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية قالوا من أنت قال عيسى ~~ابن مريم عبد الله ورسوله فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك ms0484 ~~الليلة فما اصطاد شيئا فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في الماء ~~مرة أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادت تتمزق واستعانوا بأهل ~~سفينة أخرى وملئوا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام وقيل كانوا ~~اثنى عشر رجلا آمنوا به عليه الصلاة والسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا ~~قالوا جعنا يا روح الله فيضرب بيده الأرض فيخرج منها لكل واحد رغيفان وإذا ~~عطشوا قالوا PageV02P041 # عطشنا فيضرب بيده الأرض فيخرج منها الماء فيشربون فقالوا من أفضل منا قال ~~عليه الصلاة والسلام أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون ~~الثياب بالأجرة فسموا حواريين وقيل إن أمه سلمته إلى صباغ فأراد الصباغ ~~يوما أن يشتغل ببعض مهماته فقال له عليه الصلاة والسلام ههنا ثياب مختلفة ~~قد جعلت لكل واحد منها علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان فغاب فجعل عليه ~~الصلاة والسلام كلها في جب واحد وقال كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ ~~فسأله فأخبره بما صنع فقال أفسدت على الثياب قال قم فانظر فجعل يخرج ثوبا ~~أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر إلى أن أخرج الجميع على أحسن ما يكون حسبما كان ~~يريد فتعجب منه الحاضرون وآمنوا به عليه الصلاة والسلام وهم الحواريون قال ~~القفال ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك وبعضهم من ~~صيادي السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين والكل سموا بالحواريين ~~لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانه والمخلصين في طاعته ~~ومحبته «نحن أنصار الله» أي أنصار دينه ورسوله «آمنا بالله» استئناف جار ~~مجرى العلة لما قبله فإن الإيمان به تعالى موجب لنصرة دينه والذب عن ~~أوليائه والمحاربة مع أعدائه «واشهد بأنا مسلمون» مخلصون في الايمان ~~منقادون لما تريد منا من نصرتك طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادة بذلك ~~يوم القيامة يوم يشهد الرسل عليهم الصلاة والسلام لأممهم وعليهم إيذانا بأن ~~مرمى غرضهم السعادة الأخروية «ربنا آمنا بما أنزلت» تضرع إلى الله عز وجل ~~وعرض لحالهم عليه تعالى بعد عرضها على الرسول ms0485 مبالغة في اظهار امرهم ~~«واتبعنا الرسول» أي في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين فيدخل فيه الاتباع ~~في النصرة دخولا أوليا «فاكتبنا مع الشاهدين» أي مع الذين يشهدون بوحدنيتك ~~أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام ~~فإنهم شهداء على الناس قاطبة وهو حال من مفعول اكتبنا «ومكروا» أي الذين ~~علم عيسى عليه الصلاة والسلام كفرهم من اليهود بأن وكلوا به من يقتله غيلة ~~«ومكر الله» بأن رفع عيسى عليه الصلاة والسلام وألقى شبهه على من قصد ~~اغتياله حتى قتل والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة ~~لا يمكن إسناده اليه سبحانه الا بطريق المشاكلة روى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن ملك بني إسرائيل لما قصد قتله عليه الصلاة والسلام أمره جبريل ~~عليه الصلاة والسلام أن يدخل بيتا فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة ~~إلى السماء فقال الملك لرجل خبيث منهم ادخل عليه فاقتله فدخل البيت فألقى ~~الله عز وجل شبهه عليه فخرج يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وقيل ~~إنه عليه الصلاة والسلام جمع الحواريين ليلة وأوصاهم ثم قال ليكفرن بي ~~أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود ~~تطلبه فنافق أحدهم فقال لهم ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا ~~PageV02P042 # له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه فألقى الله عز وجل عليه شبه عيسى عليه ~~الصلاة والسلام ورفعه إلى السماء فأخذوا المنافق وهو يقول أنا دليلكم فلم ~~يلتفتوا إلى قوله وصلبوه ثم قالوا وجهه يشبه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن ~~صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين عيسى فوقع بينهم ~~قتال عظيم وقيل لما صلب المصلوب جاءت مريم ومعها امرأة أبرأها الله تعالى ~~من الجنون بدعاء عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلتا تبكيان على المصلوب فأنزل ~~الله تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام فجاءهما فقال علام تبكيان فقالتا عليك ~~فقال إن الله تعالى رفعني ولم يصبني إلا ms0486 خير وإن هذا شئ شبه لهم قال محمد ~~بن إسحق إن اليهود عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام ولقوا ~~منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلا ~~من بنى إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى ~~وإبراء الأكمة والأبرص وفعل وفعل فقال لو علمت ذلك ما خليت بينهم وبينه ثم ~~بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها ثم غزا ~~بنى إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ثم جاء ~~بعده ملك آخر يقال له ططيوس وغزا بيت المقدس بعد رفع عيسى عليه الصلاة ~~والسلام بنحو من أربعين سنة فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا ~~على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز قال أهل التواريخ حملت مريم ~~بعيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنت ثلاث عشرة سنة وولدته ببيت لحم من أرض ~~أورشليم لمضى خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل وأوحى الله ~~تعالى إليه على رأس ثلاثين سنة ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر ~~رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين «والله خير ~~الماكرين» أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا ~~يحتسب وإظهار الجلالة في موقع الإضمار لتربية المهابة والجملة تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبله «إذ قال الله» ظرف لمكر الله أو لمضمر نحو وقع ذلك «يا عيسى ~~إني متوفيك» أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصما لك من قتلهم أو ~~قابضك من الأرض من توفيت مالي أو متوفيك نائما إذ روى أنه رفع وهو نائم ~~وقيل مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن أو مميتك من الشهوات ~~العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت وقيل أماته الله تعالى سبع ساعات ثم ~~رفعه إلى السماء وإليه ذهبت ms0487 النصارى قال القرطبي والصحيح أن الله تعالى ~~رفعه من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد وهو اختيار الطبري وهو ~~الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصل القصة أن اليهود لما عزموا على ~~قتله عليه الصلاة والسلام اجتمع الحواريون وهم إثنا عشر رجلا في غرفة فدخل ~~عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر بهم إبليس جميع اليهود فركب ~~PageV02P043 # منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة فقال المسيح للحواريين أيكم يخرج ~~ويقتل ويكون معي في الجنة فقال واحد منهم أنا يا نبي الله فألقى عليه مدرعة ~~من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازة وألقى عليه شبه عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى عليه الصلاة والسلام ~~فكساه الله الريش والنور وألبسه النور وقطع عنه شهوة المطعم والمشرب وذلك ~~قوله تعالى إني متوفيك فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأوا ذلك تفرقوا ~~ثلاث فرق فقالت فرقة كان الله فينا ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية وقالت ~~فرقة أخرى كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطورية ~~وقالت فرقة أخرى منهم كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله ~~إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم فلم يزل ~~الإسلام منطمسا إلى أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم «ورافعك ~~إلي» أي إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي «ومطهرك من الذين كفروا» أي من سوء ~~جوارهم وخبث صحبتهم ودنس معاشرتهم «وجاعل الذين اتبعوك» قال قتادة والربيع ~~والشعبي ومقاتل والكلبي هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من النصارى «فوق ~~الذين كفروا» وهم الذين مكروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من ~~اليهود فإن أهل الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة وقيل هم ~~الحواريون فينبغي أن تحمل فوقيتهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحاد في ~~الإسلام والتوحيد وقيل هم الروم وقيل هم النصارى فالمراد بالأتباع ms0488 مجرد ~~الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرة بمعزل من اتباعه عليه الصلاة والسلام ~~«إلى يوم القيامة» غاية للجعل أو للاستقرار المقدر في الظرف لا على معنى ان ~~الجعل أو الفوقية تنتهي حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى ان ~~المسلمين يعلونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد ~~«ثم إلي مرجعكم» أي رجوعكم بالبعث وثم للتراخي وتقديم الجار والمجرور للقصر ~~المفيد لتأكيد الوعد والوعيد والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام وغيره من ~~المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب في ضمن الالتفات ~~فإنه أبلغ في التبشير والإنذار «فأحكم بينكم» يومئذ إثر رجوعكم إلي «فيما ~~كنتم فيه تختلفون» من أمور الذين وفيه متعلق بتختلفون وتقديمه عليه لرعاية ~~الفواصل «فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا» تفسير للحكم الواقع بين ~~الفريقين وتفصيل لكيفيته والبداية ببيان حال الكفرة لما أن مساق الكلام ~~لتهديدهم وزجرهم عما هم عليه من الكفر والعناد وقوله تعالى «في الدنيا ~~والآخرة» متعلق بأعذبهم لا بمعنى إيقاع كل واحد من التعذيب في الدنيا ~~والتعذيب في الآخرة وإحداثهما يوم القيامة بل بمعنى إتمام مجموعهما يومئذ ~~وقيل أن المرجع أعم من الدنيوي والأخروي وقوله تعالى إلى يوم القيامة غاية ~~للفوقية لا للجعل والرجوع متراخ عن الجعل وهو غير محدود لا عن الفوقية ~~المحدودة على نهج قولك سأعيرك سكنى هذا البيت شهرا ثم أخلع عليك خلعة فيلزم ~~تأخر الخلع عن الإعارة لا عن الشهر «وما لهم من ناصرين» يخلصونهم من عذاب ~~الله تعالى في الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع أي PageV02P044 # ليس لواحد منهم ناصر واحد «وأما الذين آمنوا» بما أرسلت به «وعملوا ~~الصالحات» كما هو ديدن المؤمنين «فيوفيهم أجورهم» أي يعطيهم إياها كاملة ~~ولعل الالتفات إلى الغيبة للإيذان بما بين مصدري التعذيب والإثابة من ~~الاختلاف من حيث الجلال والجمال وقرئ فنوفيهم جريا على سنن العظمة ~~والكبرياء «والله لا يحب الظالمين» أي يبغضهم فإن هذه الكناية فاشية في ~~جميع اللغات جارية مجرى الحقيقة وإيراد الظلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدون ms0489 ~~متجاوزون على الحدود واضعون للكفر مكان الشكر والإيمان والجملة تذييل لما ~~قبله مقرر لمضمونه «ذلك» إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى عليه الصلاة والسلام ~~وما فيه من معنى البعد للدلالة على عظم شأن المشار إليه وبعد منزلته في ~~الشرف وعلى كونه في ظهور الامر ونباهة الشأن بمنزلة المشاهد المعاين وهو ~~مبتدأ وقوله عز وجل «نتلوه» خبره وقوله تعالى «عليك» متعلق بنتلوه وقوله ~~تعالى «من الآيات» حال من الضمير المنصوب أو خبر بعد خبر أو هو الخبر وما ~~بينهما حال من أسم الإشارة أو ذلك خبر لمبتدأ مضمر أي الأمر ذلك ونتلوه حال ~~كما مر وصيغة الاستقبال إما لاستحضار الصورة أو على معناها إذ التلاوة لم ~~تتم بعد «والذكر الحكيم» أي المشتمل على الحكم أو المحكم الممنوع من تطرق ~~الخلل إليه والمراد به القرآن فمن تبعيضية أو بعض مخصوص منه فمن بيانية ~~وقيل هو اللوح المحفوظ فمن ابتدائية «إن مثل عيسى» أي شأنه البديع المنتظم ~~لغرابته في سلك الأمثال «عند الله» أي في تقديره وحكمه «كمثل آدم» أي كحاله ~~العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب ولا ينازع فيها منازع «خلقه من تراب» ~~تفسير لما أبهم في المثل وتفصيل لما أجمل فيه وتوضيح للتمثيل ببيان وجه ~~الشبه بينهما وحسم لمادة شبه الخصوم فإن إنكار خلق عيسى عليه الصلاة ~~والسلام بلا أب من أعترف بخلق آدم عليه الصلاة والسلام بغير أب وأم مما لا ~~يكاد يصح والمعنى خلق قالبه من تراب «ثم قال له كن» أي أنشأه بشرا كما في ~~قوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه ويجوز كون ~~ثم لتراخي الإخبار لا لتراخي المخبر به «فيكون» حكاية حال ماضيه روى أن وفد ~~نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالك تشتم صاحبنا قال وما أقول ~~قالوا تقول إنه عبد قال أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء ~~البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت أنسانا من غير أب فحيث سلمت أنه لا أب له ms0490 من ~~البشر وجب أن يكون أبوه هو الله فقال عليه الصلاة والسلام إن آدم عليه ~~الصلاة والسلام ما كان له أب ولا أم ولم يلزم من ذلك كونه أبنا لله سبحانه ~~وتعالى فكذا حال عيسى عليه الصلاة والسلام «الحق من ربك» خبر مبتدأ محذوف ~~أي هو الحق أي ما قصصنا عليك من نبأ عيسى من عليه الصلاة والسلام ~~PageV02P045 # وأمه والظرف إما حال أي كائنا من ربك أو خبر ثان أي كائن منه تعالى وقيل ~~هما مبتدأ وخبر أي الحق المذكور من الله تعالى والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضمير المخاطب لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإيذان بأن تنزيل ~~هذه الآيات الحقة الناطقة بكنه الأمر تربية له عليه الصلاة والسلام ولطف به ~~«فلا تكن من الممترين» في ذلك والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~طريقة الإلهاب والتهييج لزيادة التثبيت والأشعار بأن الإمتراء في المحذورية ~~بحيث ينبغي أن ينهى عنه من لا يكاد يمكن صدوره عنه فكيف بمن هو بصدد ~~الامتراء وإما لكل من له صلاحية الخطاب «فمن حاجك» أي من النصارى إذ هم ~~المتصدون للمحاجة «فيه» أي في شأن عيسى عليه السلام وأمه زعما منهم أنه ليس ~~على الشأن المحكى «من بعد ما جاءك من العلم» أي ما يوجبه إيجابا قطعيا من ~~الآيات البينات وسعوا ذلك منك فلم يرعوو أعماهم عليه من الغى والضلال «فقل» ~~لهم «تعالوا» أي هلموا بالرأي والعزيمة «ندع أبناءنا وأبناءكم» اكتفى بهم ~~عن ذكر البنات لظهور كونهم أعز منهن وأما النساء فتعلقهن من جهة أخرى ~~«ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم» أي ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله ~~وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحملهم عليها وتقديمهم على النفس في إثناء ~~المباهلة التي هي من باب المهالك ومضان التلف مع أن الرجل يخاطر لهم بنفسه ~~ويحارب دونهم للإيذان بكمال أمنه عليه الصلاة والسلام وتمام ثقته بأمره ~~وقوة يقينه بأنه لن يصيبهم في ذلك شائبة مكروه أصلا وهو السر في تقديم ~~جانبه عليه السلام على جانب المخاطبين في كل ms0491 من المقدم والمؤخر مع رعاية ~~الأصل في الصيغة فإن غير المتكلم تبع «ثم نبتهل» أي نتباهل بأن نلعن الكاذب ~~منا والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصلها الترك له في الإسناد من قولهم بهلت ~~الناقة أي تركتها بلاصرار «فنجعل لعنة الله على الكاذبين» عطف على نبتهل ~~مبين لمعناه روى أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما ~~تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى فقال والله لقد ~~عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ~~والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن ~~فإن أبيتم إلا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا ~~إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين أخذا ~~بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلى خلفها رضي الله عنهم أجمعين وهو يقول إذا ~~أنا دعوت فأمنوا فقال أسقف نجران يا معشر النصارى إني لأري وجوها لو سألوا ~~الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يقي على ~~وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك ~~وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا قال صلى الله عليه وسلم فإذا أبيتم ~~المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا قال ~~عليه الصلاة والسلام فإني أناجزكم فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن ~~نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك ~~كل عام ألفي حلة PageV02P046 # ألفا في صفر وألفا في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد فصالحهم على ذلك ~~وقال والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لا عنوا لمسخوا ~~قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران وأهله حتى ~~الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا «إن هذا» ~~أي ما قص من نبأ ms0492 عيسى وأمه عليهما السلام «لهو القصص الحق» دون ما عداه من ~~أكاذيب النصارى فهو ضمير الفصل دخلته اللام لكونه أقرب إلى المبتدأ من ~~الخبر وأصلها أن تدخل المبتدأ وقرئ لهو بسكون الهاء والقصص خبر إن والحق ~~صفته أو هو مبتدأ والقصص خبره والجملة خبر لأن «وما من إله إلا الله» صرح ~~فيه بمن الإستغراقية تأكيد للرد على النصارى في تثليثهم «وإن الله لهو ~~العزيز» القادر على جميع المقدورات «الحكيم» المحيط بالمعلومات لا أحد ~~يشاركه في القدرة والحكمة ليشاركه في الألوهية «فإن تولوا» عن التوحيد ~~وقبول الحق الذي قص عليك بعد ما عاينوا تلك الحجج المنيرة والبراهين ~~الساطعة «فإن الله عليم بالمفسدين» أي بهم وإنما وضع موضعه ما وضع للإيذان ~~بان الإعراض عن التوحيد والحق الذي لا محيد عنه بعدما قامت به الحجج إفساد ~~للعالم وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفي «قل يا أهل الكتاب» أمر بخطاب أهل ~~الكتابين وقيل بخطاب وفد نجران وقيل بخطاب يهود المدينة «تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم» لا يختلف فيها الرسل والكتب وهي «ألا نعبد إلا الله» أي ~~نوحده بالعبادة ونخلص فيها «ولا نشرك به شيئا» ولا نجعل غيره شريكا له في ~~استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لأن يعبد «ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله» بأن نقول عزير ابن الله والمسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما ~~أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا روى انه لما نزلت ~~«اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» قال عدي بن حاتم ما كنا ~~نعبدهم يا رسول الله فقال عليه السلام أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون ~~فتأخذون بقولهم قال نعم قال عليه السلام هو ذاك «فإن تولوا» عما دعوتهم ~~إليه من التوحيد وترك الإشراك «فقولوا» أي قل لهم أنت والمؤمنون «اشهدوا ~~بأنا مسلمون» أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترفوا بأنكم ~~كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل عليهم السلام تنبيه انظر إلى ~~ما روعى في هذه القصة من ms0493 المبالغة في الإرشاد وحسن التدرج في المحاجة حيث ~~بين أولا أحوال عيسى عليه السلام وما توارد عليه من الأطوار المنافية ~~للإلهية ثم ذكر كيفية دعوته للناس إلى التوحيد والإسلام فلما ظهر عنادهم ~~دعوا إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرضوا عنها وإنقادوا بعض ~~الانقياد دعوا إلى ما اتفق PageV02P047 # عليه عيسى عليه السلام والإنجيل وسائر الأنبياء عليهم السلام والكتب ثم ~~لما ظهر عدم إجدائه أيضا أمر بأن يقال لهم اشهدوا بأنا مسلمون «يا أهل ~~الكتاب» من اليهود والنصارى «لم تحاجون في إبراهيم» أي في ملته وشريعته ~~تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم عليه السلام وزعم كل منهم أنه عليه ~~السلام منهم وترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت والمعنى لم ~~تدعون أنه عليه السلام كان منكم «وما أنزلت التوراة» على موسى عليه الصلاة ~~والسلام «والإنجيل» على عيسى عليه الصلاة والسلام «إلا من بعده» حيث كان ~~بينه وبين موسى عليهما السلام ألف سنة وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألفا ~~سنة فكيف يمكن أن يتفوه به عاقل «أفلا تعقلون» أي ألا تتفكرون فلا تعقلون ~~بطلان مذهبكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه «ها أنتم هؤلاء» جملة من ~~مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بينت بجملة مستأنفة إشعارا بكمال غفلتهم ~~أي أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى حيث «حاججتم فيما لكم به علم» في الجملة حيث ~~وجدتموه في التوراة والإنجيل «فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم» أصل إذ ~~لاذكر لدين إبراهيم في أحد الكتابين قطعا وقيل هؤلاء بمعنى الذي وحاججتم ~~صلته وقيل هأنتم أصله أأنتم على على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزة هاء ~~«والله يعلم» ما حاججتم فيه أو كل شيء فيدخل فيه ذلك دخولا أوليا «وأنتم لا ~~تعلمون» أي محل النزاع أو شيئا من الأشياء التي من جملتها ذلك «ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا» تصريح بما نطق به البرهان المقرر «ولكن كان ~~حنيفا» أي مائلا عن العقائد الزائغة كلها «مسلما» أي منقادا لله تعالى وليس ~~المراد انه كان على ملة الإسلام وإلا ms0494 لإشترك الإلزام «وما كان من المشركين» ~~تعريض بأنهم مشركون بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله ورد لإدعاء ~~المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام «إن أولى الناس ~~بإبراهيم» أي أقربهم إليه وأخصهم به «للذين اتبعوه» أي في زمانه «وهذا ~~النبي والذين آمنوا» لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة وقرئ ~~والنبي بالنصب عطفا على الضمير في اتبعوه وبالجر عطفا على إبراهيم «والله ~~ولي المؤمنين» ينصرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم وتخصيص المؤمنين بالذكر ~~ليثبت الحكم في النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة النص «ودت طائفة من أهل ~~الكتاب لو يضلونكم» PageV02P048 # أهل الكتاب لو يضلونكم) نزلت في اليهود حين دعوا حذيفة وعمارا ومعادا إلى ~~اليهودية ولو بمعنى أن «وما يضلون إلا أنفسهم» جملة حالية جيء بها للدلالة ~~على كمال رسوخ المخاطبين وثباتهم على ما هم عليه من الدين القويم أي وما ~~يتخطاهم الإضلال ولا يعود وباله إلا إليهم لما أنه يضاعف به عذابهم وقيل ~~وما يضلون إلا أمثالهم ويأباه قوله تعالى «وما يشعرون» أي باختصاص وباله ~~وضرره بهم «يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله» أي بما نطقت به التوراة ~~والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم «وأنتم تشهدون» أي والحال ~~أنكم تشهدون أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو ~~تعلمون بالمعجزات انه حق «يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل» بتحريفكم ~~وإبراز الباطل في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما وقرئ تلبسون ~~بالتشديد وتلبسون نفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كما في قوله عليه ~~السلام كلابس ثوبي زور «وتكتمون الحق» أي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونعته «وأنتم تعلمون» أي حقيته «وقالت طائفة من أهل الكتاب» وهم رؤساؤهم ~~ومفسدون لأعقابهم «آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا» أي أظهروا الإيمان ~~بالقرآن المنزل عليهم «وجه النهار» أي أوله «واكفروا» أي أظهروا ما أنتم ~~عليه من الكفر به «آخره» مرائين لهم إنكم آمنتم به بادئ الرأي من غير تأمل ~~ثم تأملتم فيه فوقفتم ms0495 على خلل رأيكم الأول فرجعتم عنه «لعلهم» أي المؤمنين ~~«يرجعون» عما هم عليه من الإيمان به كما رجعتم والمراد بالطائفة كعب بن ~~الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة آمنوا بما أنزل ~~عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم صلوا إلى الصخرة ~~آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون وقيل هم إثنا عشر رجلا من ~~أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا ~~في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمدا بالنعت الذي ورد في التوراة لعل ~~أصحابه يشكون فيه «ولا تؤمنوا» أي لا تقروا بتصديق قلبي «إلا لمن تبع ~~دينكم» أي لأهل دينكم أولا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على ~~دينكم من قبل فإن رجوعهم أرجى وأهم «قل إن الهدى هدى الله» يهدي به من يشاء ~~إلى الإيمان ويثبته عليه «أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم» متعلق بمحذوف أي ~~PageV02P049 # دبرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا ~~إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا تفشوه إلى المسلمين ~~لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله تعالى قل ~~إن الهدى هدى الله اعتراض مفيد لكون كيدهم غير مجد لطائل أو خبر إن على أن ~~هدى الله بدل من الهدى وقرئ أأن يؤتي على الاستفهام التقريعي وهو مؤيد ~~للوجه الأول أي ألأن يؤتي أحد الخ دبرتم وقرئ أن على أنها نافية فيكون من ~~كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتي أحد مثل ~~ما أوتيتم «أو يحاجوكم عند ربكم» عطف على أن يؤتي على الوجهين الأولين وعلى ~~الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم والواو ضمير أحد لأنه في ~~معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم «قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله واسع عليم» رد لهم وإبطال لما زعموه بالحجة الباهرة «يختص برحمته» أي ~~يجعل رحمته مقصورة ms0496 على «من يشاء والله ذو الفضل العظيم» كلاهما تذييل لما ~~قبله مقرر لمضمونه «ومن أهل الكتاب» شروع في بيان خيانتهم في المال بعد ~~بيان خيانتهم في الدين والجار والمجرور في محل الرفع على الابتداء حسبما مر ~~تحقيقه في تفسير قوله تعالى «ومن الناس من يقول» الخ خبره قوله تعالى «من ~~إن تأمنه بقنطار يؤده إليك» على ان المقصود بيان اتصافهم بمضمون الجملة ~~الشرطية لا كونهم ذوات المذكورين كأنه قيل بعض أهل الكتاب بحيث إن تأمنه ~~بقنطار أي بمال كثير يؤده إليك كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي ~~أوقية ذهبا فأداه إليه «ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك» كفنحاص بن ~~عازوراء أستودعه قرشي آخر دينارا فجحده وقيل المأمونون على الكثير النصارى ~~إذ الغالب فيهم الأمانة والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب فيهم الخيانة ~~«إلا ما دمت عليه قائما» استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات أي لا ~~يؤده إليك في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامك ~~أو في وقت دوام قيامك على رأسه مبالغا في مطالبته بالتقاضي وإقامة البينة ~~«ذلك» إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله تعالى لا يؤده وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بكمال غلوهم في الشر والفساد «بأنهم» أي بسبب انهم ~~«قالوا ليس علينا في الأميين» اى في شأن من ليس من أهل الكتاب «سبيل» اى ~~عتاب ومؤاخذة «ويقولون على الله الكذب» بادعائهم ذلك «وهم يعلمون» أنهم ~~كاذبون مفترون على الله تعالى وذلك لأنهم إستحلوا أظلم من خالفهم وقالوا لم ~~يجعل في التوراة في حقهم حرمة وقيل عامل اليهود رجالا من قريش فلما أسلموا ~~تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها كذب أعداء الله PageV02P050 # ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤادة إلى ~~البر والفاجر «بلى» إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل وقوله تعالى ms0497 «من ~~أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين» استئناف مقرر للجملة التي سد بلى ~~مسدها والضمير المجرور لمن أو لله تعالى وعموم المتقين نائب مناب الراجع من ~~الجزاء إلى من ومشعر بأن التقوى ملاك الأمر عام للوفاء وغيره من أداء ~~الواجبات والاجتناب عن المناهي «إن الذين يشترون» أي يستبدلون ويأخذون ~~«بعهد الله» أي بدل ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~والوفاء بالأمانات «وأيمانهم» وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ~~ولننصرنه «ثمنا قليلا» هو حطام الدنيا «أولئك» الموصوفون بتلك الصفات ~~القبيحة «لا خلاق» لا نصيب «لهم في الآخرة» من نعيمها «ولا يكلمهم الله» أي ~~بما يسرهم أو بشيء أصلا وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخ والتقريع في ~~أثناء الحساب من الملائكة عليهم السلام أولا ينتفعون بكلمات الله تعالى ~~وآياته والظاهر أنه كناية عن شدة غضبه وسخطه نعوذ بالله من ذلك لقوله تعالى ~~«ولا ينظر إليهم يوم القيامة» فإنه مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم ~~متفرع على الكناية في حق من يجوز عليه النظر لأن من أعتد بالإنسان ألتفت ~~إليه وأعاره نظر عينيه ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم ~~يكن ثمة نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرد المعنى الإحسان مجازا عما ~~وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر ويوم القيامة متعلق بالفعلين وفيه ~~تهويل للوعيد «ولا يزكيهم» أي لا يثني عليهم أو لا يطهرهم من أوضار الأوزار ~~«ولهم عذاب أليم» على ما فعلوه من المعاصي قيل أنها نزلت في أبي رافع ~~ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب حرفوا التوراة وبدلوا نعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واخذوا الرشوة على ذلك وقيل نزلت في الأشعث بن قيس حيث كان ~~بينه وبين رجل نزاع في بئر فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~له شاهداك أو يمينه فقال الأشعث أذن يحلف ولا يبالي فقال صلى الله عليه ~~وسلم من حلف على يمين يستحق بها ما لا ms0498 هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه ~~غضبان وقيل في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها ~~به «وإن منهم» أي من اليهود المحرفين «لفريقا» ككعب بن الأشرف ومالك بن ~~الصيف وأضرابهما «يلوون ألسنتهم بالكتاب» أي يفتلونها بقراءته فيميلونها عن ~~المنزل إلى المحرف أو يعطفونها بشبه الكتاب وقرئ يلوون بالتشديد ويلون بقلب ~~الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها ~~PageV02P051 # من الساكن «لتحسبوه» أي المحرف المدلول عليه بقوله تعالى يلوون الخ وقرئ ~~بالياء والضمير للمسلمين «من الكتاب» أي من جملته وقوله تعالى «وما هو من ~~الكتاب» حال من الضمير المنصوب أي والحال أنه ليس منه في نفس الأمر وفي ~~اعتقادهم أيضا «ويقولون» مع ما ذكر من اللي والتحريف على طريقة التصريح لا ~~بالتورية والتعريض «هو» أي المحرف «من عند الله» أي منزل من عند الله «وما ~~هو من عند الله» حال من ضمير المبتدأ في الخبر أي والحال انه ليس من عنده ~~تعالى في اعتقادهم أيضا وفيه من المبالغة في تشنيعهم وتقبيح أمرهم وكمال ~~جراءتهم ما لا يخفى وإظهار الاسم الجليل والكتاب في محل الاضمار لتهويل ما ~~أقدموا عليه من القول «ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون» انهم كاذبون ~~ومفترون على الله تعالى وهو تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله والتعمد ~~فيه وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف ~~وغيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم اخذت قريظة ما كتبوا فخلطوه بالكتاب الذي عندهم «ما كان لبشر» بيان ~~لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجران إن عيسى عليه ~~السلام أمرنا أن نتخذه ربا حاشاه عليه السلام وإبطال له إثر بيان افترائهم ~~على الله سبحانه وإبطاله أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل لبشر إشعارا ~~بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي اسنده الكفرة إليهم «أن يؤتيه ~~الله الكتاب» الناطق بالحق الآمر بالتوحيد الناهي عن الإشراك ms0499 «والحكم» ~~الفهم والعلم أو الحكمة وهي السنة والنبوة «ثم يقول» ذلك البشر بعدما شرفه ~~الله عز وجل بما ذكر من التشريفات وعرفه الحق وأطلعه على شؤونه العالية ~~«للناس كونوا عبادا لي» الجار متعلق بمحذوف هو صفة عبادا اي عبادا كائنين ~~«من دون الله» متعلق بلفظ عبادا لما فيه من معنى الفعل أو صفة ثانية له ~~ويحتمل الحالية لتخصيص النكرة بالوصف أي متجاوزين الله تعالى سواء كان ذلك ~~استقلالا أو اشتراكا فإن التجاوز متحقق فيهما حتما قيل إن ابا رافع القرظي ~~والسيد النجراني قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتريد أن نعبدك ونتخذك ~~ربا فقال عليه السلام معاذ الله أن يعبد غير الله تعالى وأن نأمر بعبادة ~~غيره تعالى فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت وقيل قال رجل من المسلمين ~~يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك قال عليه ~~السلام لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا ~~الحق لأهله «ولكن كونوا» أي ولكن يقول كونوا «ربانيين» الرباني منسوب إلى ~~الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل ~~الشديد التمسك بطاعة الله عز وجل ودينه «بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون» أي بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته أي قراءته فإن جعل خبر ~~كان مضارعا لإفادة الاستمرار التجددي وتكرير بما كنتم للإيذان باستقلال كل ~~من استمرار التعليم واستمرار PageV02P052 # القراءة بالفضل وتحصيل الربانية وتقديم التعليم على الدراسة لزيادة شرفه ~~عليها أو لأن الخطاب الأول لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرئ تعلمون بمعنى ~~عالمين وتدرسون من التدريس وتدرسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى ~~كرم ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى على تقدير بما ~~تدرسونه على الناس «ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا» بالنصب ~~عطفا على ثم يقول ولا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله تعالى «ما كان لبشر» ~~أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله تعالى ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر ~~باتخاذ ms0500 الملائكة والنبيين أربابا وتوسيط الاستدراك بين المعطوفين للمسارعة ~~إلى تحقيق الحق ببيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه إثر تنزيهه عما لا يليق ~~بشأنه ويمتنع صدوره عنه وأما ما قيل من أنها غير مزيدة على معنى أنه ليس له ~~ان يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ أكفائه أربابا بل ينهى عنه وهو أدنى من ~~العبادة فيقضى بفساده ما ذكر من توسيط الاستدراك بين الجملتين المتعاطفتين ~~ضرورة أنهما حينئذ في حكم جملة واحدة وكذا قوله تعالى «أيأمركم بالكفر» ~~فإنه صريح في أن المراد بيان انتفاء كلا الأمرين قصدا لا بيان انتفاء الأول ~~لانتفاء الثاني ويعضده قراءة الرفع على الاستئناف وتجويز الحالية بتقدير ~~المبتدأ أي وهو لا يأمركم إلى آخره بين الفساد لما عرفته آنفا وقوله تعالى ~~«بعد إذ أنتم مسلمون» يدل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون للسجود له ~~عليه السلام «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين» منصوب بمضمر خوطب به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي أذكر وقت أخذه تعالى ميثاقهم «لما آتيتكم من كتاب وحكمة ~~ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه» قيل هو على ظاهرة وإذا ~~كان هذا حكم الأنبياء عليهم السلام كان الأمم بذلك أولى وأحرى وقيل معناه ~~أخذ الميثاق من النبيين وأممهم واستغنى بذكرهم عن ذكرهم وقيل إضافة الميثاق ~~إلى النبيين إضافة إلى الفاعل والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه ~~الأنبياء على أممهم وقيل المراد أولاد النبيين على حذف المضاف وهم بنو ~~إسرائيل أو سماهم نبيين تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا واللام في لما ~~موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ~~ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية وقرئ لما بالكسر على ان ما ~~مصدرية أي لأجل إيتائى إياكم بعض الكتاب ثم لمجئ رسول مصدق أخذ الله لميثاق ~~لتؤمنن به ولتنصرنه أو موصوله والمعنى أخذه الذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق ~~له وقرئ لما بمعنى حين آتيتكم ms0501 أو لمن أجل ما آتيتكم على ان أصله لمن ما ~~بالإدغام فحذف أحدى الميمات الثلاث استثقالا «قال» أي الله تعالى بعد ما ~~اخذ الميثاق «أأقررتم» بما ذكر «وأخذتم على ذلكم إصري» PageV02P053 # أي عهدي سمى به لأنه يؤصر أي يشد وقرئ بضم الهمزة إما لغة كعبر وعبر أو ~~جمع إصار وهو ما يشد به «قالوا» استئناف مبنى على السؤال كأنه قيل فماذا ~~قالوا عند ذلك فقيل قالوا «أقررنا» وإنما لم يذكر أخذهم الإصر اكتفاء بذلك ~~«قال» تعالى «فاشهدوا» أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار وقيل الخطاب فيه ~~للملائكة «وأنا معكم من الشاهدين» أي وأنا أيضا على إقراركم ذلك وتشاهدكم ~~شاهد وإدخال مع على المخاطبين لما أنهم المباشرون للشهادة حقيقة وفيه من ~~التأكيد والتحذير مالا يخفى «فمن تولى» أي أعرض عما ذكر «بعد ذلك» الميثاق ~~والتوكيد بالإقرار والشهادة فمعنى البعد في اسم الإشارة لتفخيم الميثاق ~~«فأولئك» إشارة إلى من والجمع باعتبار المعنى كما أن الإفراد في تولى ~~باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البعد للدلالة على ترامى أمرهم في السوء ~~وبعد منزلتهم في الشر والفساد أي فأولئك المتولون المتصفون بالصفات القبيحة ~~«هم الفاسقون» المتمردون الخارجون عن الطاعة من الكفرة فإن الفاسق من كل ~~طائفة من كان متجاوزا عن الحد «أفغير دين الله يبغون» عطف على مقدر أي ~~أيتولون فيبغون غير دين الله وتقديم المفعول لأنه المقصود إنكاره أو على ~~الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإنكار وقرئ بتاء الخطاب على تقدير ~~وقل لهم «وله أسلم من في السماوات والأرض» جملة حالية مفيدة لوكادة الإنكار ~~«طوعا وكرها» اى طائعين بالنظر واتباع الحجة وكارهين بالسيف ومعاينة ما ~~يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت أو مختارين ~~كالملائكة والمؤمنين ومسخرين كالكفرة فإنهم لا يقدرون على الامتناع عما قضى ~~عليهم «وإليه يرجعون» أي من فيهما والجمع باعتبار المعنى وقرئ بتاء الخطاب ~~والجملة إما معطوفة على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفة سيقت ~~للتهديد والوعيد «قل آمنا بالله» أمر للرسول صلى الله عليه وسلم ms0502 بأن يخبر ~~عن نفسه ومن معه من المؤمنين بالإيمان بما ذكر وجمع الضمير في قوله تعالى ~~«وما أنزل علينا» وهو القرآن لما أنه منزل عليهم أيضا بتوسط تبليغه إليهم ~~أو لأن المنسوب إلى واحد من الجماعة قد ينسب إلى الكل أو عن نفسه فقط وهو ~~الأنسب بما بعده والجمع لإظهار جلالة قدره عليه السلام ورفعه محلة بأمره ~~بأن يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك ويجوز أن يكون الأمر عاما والأفراد ~~لتشريفه عليه السلام والإيذان بأنه عليه السلام أصل في ذلك كما في قوله ~~تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء «وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط» من الصحف والنزول كما يعدى بإلى لانتهائه إلى ~~الرسل يعدى بعلى لأنه من PageV02P054 # فوق ومن رام بأن على لكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى لكون ~~الخطاب للمؤمنين فقد تعسف ألا يرى إلى قوله تعالى «بما أنزل إليك» الخ ~~وقوله «آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا» الخ وإنما قدم المنزل على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على ما أنزل على سائر الرسل عليهم السلام مع تقدمه عليه ~~نزولا لأنه المعروف له والعيار عليه والأسباط جمع سبط وهو الحافد والمراد ~~بهم حفدة يعقوب عليه السلام وأبناؤه الاثنا عشر وذراريهم فإنهم حفدة ~~إبراهيم عليه السلام «وما أوتي موسى وعيسى» من التوراة والإنجيل وسائر ~~المعجزات الظاهرة بأيديهما كما ينبئ عنه إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص ~~بالكتاب وتخصيصهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى «والنبيون» عطف ~~على موسى وعيسى عليهما السلام أي وما أوتى النبيون من المذكورين وغيرهم «من ~~ربهم» من الكتب والمعجزات «لا نفرق بين أحد منهم» كدأب اليهود والنصارى ~~آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بصحة نبوة كل منهم وبحقية ما أنزل إليهم في ~~زمانهم وعدم التعرض لنفى التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وقد مر ~~تفصيله في تفسير قوله تعالى «لا نفرق بين أحد من رسله» وهمزة أحد إما أصلية ~~فهو اسم موضوع لمن يصلح أن يخاطب يستوى فيه المفرد والمثنى ms0503 والمجموع ~~والمذكر والمؤنث ولذلك صح دخول بين عليه كما في مثل المال بين الناس وإما ~~مبدلة من الواو فهو بمعنى واحد وعمومه لوقوعه في حيز النفي وصحة دخول بين ~~عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره أي بين أحد منهم وغيره كما في قول ~~النابغة * فما كان بين الخير إذ جاء سالما * أبو حجر إلا ليال قلائل * أي ~~بين الخير وبيني «ونحن له مسلمون» أي منقادون أو مخلصون له تعالى أنفسنا لا ~~نجعل له شريكا فيها وفيه تعريض بإيمان أهل الكتاب فإنه بمعزل من ذلك «ومن ~~يبتغ غير الإسلام» أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى كدأب المشركين ~~صريحا والمدعين للتوحيد مع إشراكهم كاهل الكتابين «دينا» ينتحل إليه وهو ~~نصب على انه مفعول ليبتغ وغير الإسلام حال منه لما أنه كان صفة له فلما ~~قدمت عليه انتصبت حالا أو هو المفعول ودينا وتمييز لما فيه من الإبهام أو ~~بدل من غير الإسلام «فلن يقبل» ذلك «منه» أبدا بل يرد أشد رد وأقبحه وقوله ~~تعالى «وهو في الآخرة من الخاسرين» إما حال من الضمير المجرور أو استئناف ~~لا محل له من الإعراب أي من الواقعين في الخسران والمعنى أن المعرض عن ~~الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة ~~التي فطر الناس عليها وفي ترتيب الرد والخسران على مجرد الطلب دلالة على أن ~~حال من تدين بغير الإسلام واطمأن بذلك أفظع وأقبح واستدل به على أن الإيمان ~~هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل والجواب أنه ينفى قبول كل دين يغايره لا ~~قبول كل ما يغايره «كيف يهدي الله» إلى الحق PageV02P055 # «قوما كفروا بعد إيمانهم» قيل هم عشرة رهط ارتدوا بعد ما آمنوا ولحقوا ~~بمكة وقيل هم يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مبعثه «وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات» استبعاد لأن يهديهم الله تعالى فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له ~~منهمك في الضلال ms0504 بعيد عن الرشاد وقيل نفى وإنكار له وذلك يقتضى أن لا تقبل ~~توبة المرتد وقوله تعالى وشهدوا عطف على إيمانهم باعتبار انحلاله إلى جملة ~~فعلية كما في قوله تعالى «إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله» الخ فإنه في ~~قوة أن يقال بعد أن آمنوا أو حال من ضمير كفروا بإضمار قد وهو دليل على أن ~~الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان «والله لا يهدي القوم الظالمين» أي ~~الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإيمان فكيف من جاءه ~~الحق وعرفه ثم اعرض عنه والجملة اعتراضية أو حالية «أولئك» إشارة إلى ~~المذكورين باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البعد ~~لما مر مرارا وهو مبتدأ وقوله تعالى «جزاؤهم» مبتدأ ثان وقوله تعالى «أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» خبره والجملة خبر لأولئك وهذا ~~يدل بمنطوقه على جواز لعنهم وبمفهومه ينفى جواز لعن غيرهم ولعل الفرق بينهم ~~وبين غيرهم انهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون عن الهدى آيسون من الرحمة رأسا ~~بخلاف غيرهم والمراد بالناس المؤمنون أو الكل فإن الكافر أيضا يلعن منكر ~~الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه «خالدين فيها» في اللعنة أو ~~العقوبة أو النار وإن لم تذكر لدلالة الكلام عليها «لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينظرون» أي يمهلون «إلا الذين تابوا من بعد ذلك» أي من بعد الارتداد ~~«وأصلحوا» أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح «فإن الله غفور رحيم» فيقبل ~~توبتهم ويتفضل عليهم وهو تعليل لما دل عليه الاستثناء وقيل نزلت في الحرث ~~بن سويد حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن يسألوا هل لي من توبة فأرسل ~~إليه أخوه الحلاس الآية فرجع إلى المدينة فتاب «إن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~ثم ازدادوا كفرا» كاليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد الإيمان ~~بموسى عليه السلام والتوراة ثم ازدادوا كفرا حيث كفروا بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام والقرآن أو كفروا به عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثه ثم ~~ازدادوا كفرا ms0505 بالإصرار عليه والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق أو ~~كقوم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفرا بقولهم نتربص به ريب المنون أو ~~نرجع إليه فننافقه بإظهار الإيمان «لن تقبل توبتهم» لأنهم لا يتوبون إلا ~~عند إشرافهم على الهلاك فكنى عن PageV02P056 # عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال ~~الآيسين من الرحمة أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم ~~كفرا ولذلك لم تدخل فيه الفاء «وأولئك هم الضالون» الثابتون على الضلال «إن ~~الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى ~~به» لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية زيدت الفاء ههنا ~~للإشعار به وملء الشئ ما يملأ به وذهبا تمييز وقرئ بالرفع على أنه بدل من ~~ملء أو خبر لمحذوف ولو افتدى محمول على المعنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم ~~فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في ~~الآخرة أو المراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى «ولو أن للذين ظلموا ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه» والمثل يحذف ويراد كثيرا لأن المثلين في حكم شئ ~~واحد «أولئك» إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات الشنيعة ~~المذكورة «لهم عذاب أليم» مؤلم اسم الإشارة مبتدأ والظرف خبره ولاعتماده ~~على المبتدأ ارتفع به عذاب أليم على الفاعلية «وما لهم من ناصرين» في دفع ~~العذاب عنهم أو في تخفيفه ومن مزيدة للاستغراق وصيغة الجمع لمراعاة الضمير ~~أي ليس لواحد منهم ناصر واحد «لن تنالوا البر» من ناله نيلا إذا أصابه ~~والخطاب للمؤمنين وهو كلام مستأنف سيق لبيان ما ينفع المؤمنين ويقبل منهم ~~إثر بيان مالا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي ~~يتنافس فيه المتنافسون ولن تدركوا شأوه ولن تلحقوا بزمرة الأبرار أو لن ~~تنالوا بر الله تعالى وهو ثوابه ورحمته ورضاه وجنته «حتى تنفقوا» ms0506 أي في ~~سبيل الله عز وجل رغبة فيما عنده ومن في قوله تعالى «مما تحبون» تبعيضية ~~ويؤيده قراءة من قرأ بعض ما تحبون وقيل بيانية وما موصوله أو موصوفة أي مما ~~تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم كما في قوله تعالى أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم أو مما يعمها وغيرها من الأعمال والمهجة على ان المراد ~~بالإنفاق مطلق البذل وفيه من الإيذان بعزة منال البر مالا يخفى وكان السلف ~~رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئا جعلوه لله عز وجل وروى أنها لما نزلت جاء أبو ~~طلحة فقال يا رسول الله أن أحب أموالي إلى بير حاء فضعها يا رسول الله حيث ~~أراك الله فقال عليه السلام بخ بخ ذاك مال رايح أو رابح وإني أرى أن تجعلها ~~في الأقربين فقسمها في أقاربه وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال ~~هذه في سبيل الله فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فكأن ~~زيدا وجد في نفسه وقال إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أما إن الله تعالى قد قبلها منك قيل وفيه دلالة على أن انفاق أحب ~~الأموال على أقرب الأقارب أفضل وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ~~أن يشتري له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى فلما جاءت اليه ~~أعجبته PageV02P057 # فقال إن الله تعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها ~~وروى أن عمر بن عبد العزيز كانت لزوجته جارية بارعة الجمال وكان عمر راغبا ~~فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطها إياه ثم لما ولى الخلافة زينتها ~~وأرسلتها إليه فقالت قد وهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك قال من أين ~~ملكتها قالت جئت بها من بيت أبي عبد الملك ففتش عن كيفية تملكه إياها فقيل ~~إنه كان على فلان العامل ديون فلما توفي أخذت من تركته ففتش عن حال العامل ~~وأحضر ورثته وأرضاهم جميعا بإعطاء المال ثم توجه إلى ms0507 الجارية وكان يهواها ~~هوى شديدا فقال أنت حرة لوجه الله تعالى فقالت لم يا أمير المؤمنين وقد ~~أزحت عن أمرها كل شبهة قال لست إذن ممن نهى النفس عن الهوى «وما تنفقوا من ~~شيء» ما شرطية جازمة لتنفقوا منتصبة به على المفعوليه ومن تبعيضية متعلقة ~~بمحذوف هو صفة لاسم الشرط أي أي شئ تنفقوا كائنا من الأشياء فإن المفرد في ~~مثل هذا الموضع واقع موقع الجمع وقيل محل الجار والمجرور النصب على التمييز ~~أي أي شيء تنفقوا طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه «فإن الله به عليم» تعليل ~~لجواب الشرط واقع موقعه أي فمجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى ~~عليم بكل شيء تنفقونه علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شيء من ذاته وصفاته ~~وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل وفيه من الترغيب في انفاق الجيد ~~والتحذير عن انفاق الرديء مالا يخفى «كل الطعام» أي كل أفراد المطعوم أو كل ~~أنواعه «كان حلا لبني إسرائيل» أي حلالا لهم فإن الحل مصدر نعت به ولذلك ~~استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كما في قوله تعالى «لا هن حل لهم» ~~«إلا ما حرم إسرائيل على نفسه» استثناء متصل من اسم كان أي كان كل ~~المطعومات حلالا لبني إسرائيل الا ما حرم إسرائيل أي يعقوب عليه السلام على ~~نفسه وهو لحوم الإبل وألبانها قيل كان به وجع النسا فنذر لئن شفى لا يأكل ~~أحب الطعام اليه وكان ذلك أحبه اليه وقيل فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء ~~واحتج به من جوز للنبي الاجتهاد وللمانع أن يقول كان ذلك بإذن من الله ~~تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداء «من قبل أن تنزل التوراة» متعلق بقوله تعالى ~~كان حلا ولا ضير في توسيط الاستثناء بينهما وقيل متعلق بحرم وفيه أن تقييد ~~تحريمه عليه السلام بقبلية تنزيل التوراة ليس فيه مزيد فائدة أي كان ما عدا ~~المستثنى حلالا لهم قبل أن تنزل التوراة مشتملة على تحريم ما حرم عليهم ~~لظلمهم وبغيهم عقوبة لهم وتشديدا وهو رد على اليهود في ms0508 دعواهم البراءة عما ~~نعى عليهم قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ~~وقوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآيتين بأن قالوا لسنا أول ~~من حرمت عليه وانما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى ~~الأمر الينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا وتبكيت لهم في منع النسخ ~~والطعن في دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم موافقته لإبراهيم عليه السلام ~~بتحليله لحوم الإبل وألبانها «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها» PageV02P058 # فاتلوها) أمر عليه السلام بأن يحاجهم بكتابهم الناطق بأن تحريم ما حرم ~~عليهم تحريم حادث مترتب على ظلمهم وبغيهم كلما ارتكبوا معصية من المعاصي ~~التي اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم ويكلفهم إخراجه وتلاوته ~~ليبكتهم ويلقمهم الحجر ويظهر كذبهم وإظهار اسم التوراة لكون الجملة كلاما ~~مع اليهود منقطعا عما قبله وقوله تعالى «إن كنتم صادقين» أي في دعواكم أنه ~~تحريم قديم وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها فإن صدقكم مما يدعوكم إلى ذلك البتة روى أنهم لم يجسروا ~~على إخراج التوراة فبهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجواز النسخ الذي يجحدونه مالا يخفى والجملة ~~مستأنفة مقررة لما قبلها «فمن افترى على الله الكذب» أي اختلقه عليه سبحانه ~~بزعمه أنه حرم ما ذكر قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن تقدمهم من ~~الأمم «من بعد ذلك» من بعد ما ذكر من أمرهم بإحضار التوراة وتلاوتها وما ~~ترتب عليه من التبكيت والإلزام والتقييد به للدلالة على كمال القبح ~~«فأولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة والجمع ~~باعتبار معناه كما أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظه وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتهم في الضلال والطغيان أي فأولئك المصرون على الافتراء ~~بعد ما ظهرت حقيقة الحال وضافت عليهم حلبة المحاجة والجدال «هم الظالمون» ~~المفرطون في الظلم والعدوان المبعدون فيهما والجملة مستأنفة لا محل لها ms0509 من ~~الاعراب مسوقة من جهته تعالى لبيان كمال عتوهم وقيل هي في محل النصب داخلة ~~تحت القول عطفا على قوله تعالى فأتوا بالتوراة «قل صدق الله» أي ظهر وثبت ~~صدقه تعالى فيما أنزل في شان التحريم وقيل في قوله تعالى «ما كان إبراهيم ~~يهوديا» الخ أو صدق في كل شأن من الشؤون وهو داخل في ذلك دخولا أوليا وفيه ~~تعريض بكذبهم الصريح «فاتبعوا ملة إبراهيم» أي ملة الإسلام التي هي في ~~الأصل ملة إبراهيم عليه السلام فإنكم ما كنتم متبعين لملته كما تزعمون أو ~~فاتبعوا مثل ملته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف ~~والمكابرة وتلفيق الأكاذيب لتسوية الأغراض الدنيئة الدنيوية وألزمتكم تحريم ~~طيبات محللة لإبراهيم عليه السلام ومن تبعه والفاء للدلالة على أن ظهور ~~صدقة تعالى موجب للاتباع وترك ما كانوا عليه «حنيفا» أي مائلا عن الأديان ~~الزائغة كلها «وما كان من المشركين» أي في أمر من أمور دينه أصلا وفرعا ~~وفيه تعريض بإشراك اليهود وتصريح بأنه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقة ~~دينية قطعا والغرض بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم عليه ~~السلام في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سواه ~~سبحانه وتعالى والجملة تذييل لما قبلها «إن أول بيت وضع للناس» شروع في ~~بيان كفرهم ببعض آخر PageV02P059 # من شعائر ملته عليه السلام إثر بيان كفرهم بكون كل المطعومات حلا له عليه ~~السلام روى أنهم قالوا بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي ~~الأرض المقدسة وقال المسلمين بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت أي أن أول بيت وضع للعبادة وجعل متعبدا لهم والواضع هو ~~الله تعالى ويؤيده القراءة على البناء للفاعل وقوله تعالى «للذي ببكة» خبر ~~لأن وإنما أخبر بالمعرفة مع كون اسمها نكرة لتخصصها بسببين الإضافة والوصف ~~بالجملة بعدها أي للبيت الذي ببكة أي فيها وفي ترك الموصوف من التفخيم مالا ~~يخفى وبكة لغة في مكة فإن العرب تعاقب ms0510 بين الباء والميم كما في قولهم ضربة ~~لازب ولازم والنميط والنبيط في اسم موضع بالدهناء وقولهم أمر راتب وراتم ~~وسبد رأسه وسمدها واغبطت الحمى وأغمطت وهي علم للبلد الحرام من بكة إذا ~~زحمة لازدحام الناس فيه وعن قتادة يبك الناس بعضهم بعضا أو لأنها تبك أعناق ~~الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله عز وجل وقيل بكة اسم لبطن ~~مكة وقيل لموضع البيت وقيل للمسجد نفسه ومكة اسم للبلد كله وأيد هذا بأن ~~التباك وهو الازدحام إنما يقع عند الطواف وقيل مكة اسم للمسجد والمطاف وبكة ~~اسم للبلد لقوله تعالى «للذي ببكة مباركا» روى أنه عليه السلام سئل عن أول ~~بيت وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما فقال ~~أربعون سنة وقيل أول من بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقيل آدم عليه ~~السلام وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة وقيل أول بيت وضع ~~بالشرف لا بالزمان «مباركا» كثير الخير والنفع لما يحصل لمن حجه واعتمره ~~واعتكف دونه وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب وهو حال من المستكن في ~~الظرف لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه ما قدر في الظرف من فعل ~~الاستقرار «وهدى للعالمين» لأنه قبلتهم ومتعبدهم ولأن فيه آيات عجيبة دالة ~~على عظيم قدرته تعالى وبالغ حكمته كما قال «فيه آيات بينات» واضحات كانحراف ~~الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ومخالطة ضوارى السباع الصيود في ~~الحرم من غير تعرض لها وقهر الله تعالى لكل جبار قصدة بسوء كأصحاب الفيل ~~والجملة مفسرة للهدى أو حال أخرى «مقام إبراهيم» أي أثر قدميه عليه السلام ~~في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقت رفع الحجارة لبناء الكعبة ~~عند ارتفاعه أو عند غسل رأسه على ما روى أنه عليه السلام جاء زائرا من ~~الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام أنزل حتى أغسل رأسك فلم ~~ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الإيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق ms0511 ~~رأسه ثم حولته إلى شقة الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقى اثر قدميه عليه وهو ~~اما مبتدأ حذف خبره أي منها مقام إبراهيم أو بدل من آيات بدل البعض من الكل ~~أو عطف بيان إما وحدة باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة ~~دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه PageV02P060 # الصلاة والسلام كقوله تعالى «إن إبراهيم كان أمة قانتا» أو باعتبار ~~اشتماله على آيات كثيرة فإن كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء وغوصه فيها ~~إلى الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض وإبقائه دون سائر آيات الأنبياء ~~عليهم السلام وحفظه مع كثرة الأعداء ألوف سنة آية مستقلة ويؤيده القراءة ~~على التوحيد وإما بما يفهم من قوله عز وجل «ومن دخله كان آمنا» المعنى فإنه ~~وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية لكنها في قوة أن يقال وأمن من دخله ~~فتكون بحسب المعنى والمآل معطوفة على مقام إبراهيم ولا يخفى أن الاثنين نوع ~~من الجمع فيكتفي بذلك أو يحمل على أنه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوى ذكر ~~ما عداهما دلالة على كثرتها ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله ~~تعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وذلك بدعوة ~~إبراهيم عليه السلام رب اجعل هذا البلد آمنا وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم ~~لجأ إلى الحرم لم يطلب وعن عمر رضي الله عنه لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما ~~مسسته حتى يخرج منه ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى من لزمه القتل في ~~الحل بقصاص أو ردة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ~~ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج وقيل أمنه من النار وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا وعنه ~~عليه الصلاة والسلام الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما ~~مقبرتا مكة والمدينة عن ابن مسعود رضي ms0512 الله عنه وقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال يبعث الله تعالى من ~~هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون ~~الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه ~~جهنم مسيرة مائتي عام «ولله على الناس حج البيت» جملة من مبتدأ هو حج وخبر ~~هو لله وقوله تعالى على الناس متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار أو ~~بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار والعامل فيه ذلك الاستقرار ويجوز ~~أن يكون على الناس هو الخبر ولله متعلق بما تعلق به الخبر ولا سبيل إلى أن ~~يتعلق بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في على الناس لاستلزامه تقديم الحال ~~على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغ له عند الجمهور وقد جوزة ابن مالك إذا ~~كانت هي ظرفا أو حرف جر وعاملها كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان ~~على عاملهما المعنوي واللام في البيت للعهد وحجة قصده للزيارة على الوجه ~~المخصوص المعهود وكسر الحاء لغة نجد وقيل هو اسم للمصدر وقرئ بفتحها «من ~~استطاع إليه سبيلا» في محل الجر على انه بدل من الناس بدل البعض من الكل ~~مخصص لعمومه فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف أي من استطاع منهم وقيل ~~بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع فلا حاجة إلى الضمير وقيل ~~في محل الرفع على انه خبر مبتدأ مضمر أي هم من استطاع الخ وقيل في حيز ~~النصب بتقدير أعنى وقيل كلمة من شرطية والجزاء محذوف لدلالة المذكور عليه ~~وكذا العائد إلى الناس أي من استطاع منهم إليه سبيلا فلله عليه حج البيت ~~وقد رجح هذا بكون ما بعده شرطية والضمير المجرور في إليه راجع إلى البيت أو ~~إلى حج والجار متعلق بالسبيل قدم عليه اهتماما بشأنه كما في قوله ms0513 عز وجل ~~فهل إلى خروج من سبيل وهل إلى مرد من سبيل لما فيه من معنى PageV02P061 # الإفضاء والإيصال كيف لا وهو عبارة عن الوسيلة من مال أو غيره فإنه قد ~~روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال السبيل الزاد ~~والراحلة وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله ما السبيل ~~قال الزاد والرحلة وهو المراد بما روى أنه عليه السلام فسر الاستطاعة ~~بالزاد والراحلة وهكذا روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وعليه أكثر ~~العلماء خلا أن الشافعي أخذ بظاهرة فأوجب الاستنابة على الزمن القادر على ~~اجره من ينوب عنه والظاهر أن عدم تعرضه عليه السلام لصحة البدن لظهور الأمر ~~كيف لا والمفسر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت وذا ~~لا يتصور بدون الصحة وعن ابن الزبير أنه على قدر القوة ومذهب مالك أن الرجل ~~إذا وثق بقوته لزمه وعنه ذلك على قدر الطاقة وقد يجد الزاد والراحلة من لا ~~يقدر على السفر وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد وعن الضحاك أنه إذا ~~قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع «ومن كفر» وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا ~~لوجوبه وتشديدا على تاركه ولذلك قال عليه السلام من مات ولم يحج فليمت إن ~~شاء يهوديا أو نصرانيا وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه عليه ~~السلام قال في خطبته أيها الناس إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا ~~ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا «فإن الله ~~غني عن العالمين» وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلا فيها دخولا ~~أوليا اكتفى بذلك عن الضمير الرابط بين الشرط والجزاء ولقد حازت الآية ~~الكريمة من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد ~~على تاركه مالا مزيد عليه حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق أو برزت ~~في صورة الجملة ms0514 الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار على وجه يفيد أنه حق ~~واجب لله سبحانه في ذمم الناس لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته ~~وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص والإبهام ثم التبيين والإجمال ثم التفصيل ~~لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير وعبر عن تركه بالكفر الذي لا قبيح وراءه ~~وجعل جزاءه استغناءه تعالى المؤذن بشدة المقت وعظم السخط لا عن تاركه فقط ~~فإنه قد ضرب عنه صفحا إسقاطا له عن درجة الاعتبار واستهجانا بذكره بل عن ~~جميع العالمين ممن فعل وترك ليدل على نهاية شدة الغضب هذا وقال ابن عباس ~~والحسن وعطاء رضي الله عنهم ومن كفر أي جحد فرض الحج وزعم انه ليس بواجب ~~وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا الحج إلى مكة غير واجب وروى ~~انه لما نزل قوله تعالى «ولله على الناس حج البيت» جمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ~~فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا لا نؤمن به ولا ~~نصلى إليه ولا نحجه فنزل ومن كفر وعن النبي صلى الله عليه وسلم حجوا قبل أن ~~لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع إلى السماء في الثالثة وروى حجوا ~~قبل أن يمنع البر جانبه وعن ابن مسعود حجوا هذا البيت قبل ان ينبت في ~~البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت وعن عمر رضي الله عنه لو ترك ~~الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا «قل يا أهل الكتاب» هم اليهود والنصارى ~~PageV02P062 # وإنما خوطبوا بعنوان أهليه الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدقه من ~~القرآن العظيم مبالغة في تقبيح حالهم في كفرهم بها وقوله عز وجل «لم تكفرون ~~بآيات الله» توبيخ وإنكار لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب وتحقيق لما ~~يوجب الاجتناب عنه بالكلية والمراد بآياته تعالى ما يعم الآيات القرآنية ~~التي من جملتها ما تلى في شأن الحج وغيره وما في التوراة والإنجيل ms0515 من شواهد ~~نبوته عليه السلام وقوله تعالى «والله شهيد على ما تعملون» حال من فاعل ~~تكفرون مفيدة لتشديد التوبيخ وتأكيد الإنكار وإظهار الجلالة في موقع ~~الإضمار لتربية المهابة وتهويل الخطب وصيغة المبالغة في شهيد للتشديد في ~~الوعيد وكلمة ما إما عبارة عن كفرهم أو هي على عمومها وهو داخل فيها دخولا ~~أوليا والمعنى لأي سبب تكفرون بآياته عز وجل والحال أنه تعالى مبالغ في ~~الاطلاع على جميع أعمالكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريب في أن ذلك يسد جميع ~~أنحاء ما تأتونه ويقطع أسبابه بالكلية «قل يا أهل الكتاب» أمر بتوبيخهم ~~بالإضلال إثر توبيخهم بالضلال والتكرير للمبالغة في حمله عليه السلام على ~~تقريعهم وتوبيخهم وترك عطفه على الأمر السابق للإيذان باستقلالهم كما ان ~~قطع فوله تعالى «لم تصدون» عن قوله تعالى لم تكفرون للإشعار بأن كل واحد من ~~كفرهم وصدهم شناعة على حيالها مستقلة في استتباع اللأئمة والتقريع وتكرير ~~الخطاب بعنوان أهلية الكتاب لتأكيد الاستقلال وتشديد التشنيع فإن ذلك ~~العنوان كما يستدعى الإيمان بما هو مصدق لما معهم يستدعى ترغيب الناس فيه ~~فصدهم عنه في أقصى مراتب القباحة ولكون صدهم في بعض الصور بتحريف الكتاب ~~والكفر بالآيات الدالة على نبوته عليه السلام وقرئ تصدون من أصده «عن سبيل ~~الله» أي دينه الحق الموصل إلى السعادة الأبدية وهو التوحيد وملة الإسلام ~~«من آمن» مفعول لتصدون قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام به كانوا يفتنون ~~المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ويقولون إن ~~صفته عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدمت البشارة به عندهم وقيل أتت ~~اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات ~~والحروب ليعودوا إلى ما كانوا فيه «تبغونها» على إسقاط الجار وإيصال الفعل ~~إلى الضمير كما في قوله * فتولى غلامهم ثم نادى * أظليما أصيدكم أم حمارا * ~~بمعنى أصيد لكم أي تطلبون لسبيل الله التي هي أقوم السبل «عوجا» اعوجاجا ~~بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه ميلا عن الحق بنفي النسخ وتغيير صفة ~~الرسول ms0516 صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك والجملة حال من فاعل تصدون ~~وقيل من سبيل الله «وأنتم شهداء» حال من فاعل تصدون باعتبار تقييده بالحال ~~الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحال أنكم شهداء تشهدون بأنها سبيل الله لا ~~يحوم حولها شائبة اعوجاج وأن الصد عنها إضلال قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~اى شهداء ان في التوراة ان دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام أو وأنتم ~~عدول فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا PageV02P063 # وعظائم الأمور «وما الله بغافل عما تعملون» اعتراض تذييلي فيه تهديد ~~ووعيد شديد قيل لما كان صدهم للمؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما ~~يحسم مادة حيلتهم من إحاطة علمه تعالى بأعمالهم كما ان كفرهم بآيات الله ~~تعالى لما كان بطريق العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما ~~يعملون «يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم ~~بعد إيمانكم كافرين» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى المؤمنين تحذيرا لهم عن ~~طاعة أهل الكتاب والافتتان بفتنتهم إثر توبيخهم بالإغواء والإضلال ردعا لهم ~~عن ذلك وتعليق الرد بطاعة فريق منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجاب ~~الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة ان يقال لا تطيعوا فريقا الخ كما ~~أن تعميم التوبيخ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزول ~~فإنه روى أن نفرا من الأوس والخزرج كانوا جلوسا يتحدثون فمر بهم شاس بن قيس ~~اليهودي وكان عظيم الكفر شديد الحسد للمسلمين فغاظه ما رأى منهم من تألف ~~القلوب واتحاد الكلمة واجتماع الرأي بعد ما كان بينهم من العداوة والشنآن ~~فأمر شابا يهوديا كان معه بأن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وكان ذلك يوما ~~عظيما اقتتل فيه الحيان وكان الظفر فيه للأوس وينشدهم ما قيل فيه من ~~الأشعار ففعل فتفاخر القوم وتغاضبوا حتى تواثبوا وقالوا السلاح السلاح ~~فاجتمع من القبيلتين خلق عظيم فعند ذلك جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فقال أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم ms0517 بعد ان أكرمكم الله تعالى ~~بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم فعلموا انها نزغة من ~~الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الإمام الواحدي اصطفوا للقتال فنزلت ~~الآية إلى قوله تعالى لعلكم تهتدون فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام ~~بين الصفين فقرأهن ورفع صوته فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنصتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا ~~وجعلوا يبكون وقوله تعالى كافرين إما مفعول ثان ليردوكم على تضمين الرد ~~معنى التصيير كما في قوله * رمى الحدثان نسوة آل سعد * بمقدار سمدن له ~~سمودا * فرد شعورهن السود بيضا ورد وجوههن البيض سودا * أو حال من مفعول ~~والأول أدخل في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح ~~بكون الكفر المفروض بطريق القسر وإيراد الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورة سبق ~~الخطاب بعنوان المؤمنين واستحالة تحقق الرد إلى الكفر بدون سبق الإيمان مع ~~توسيطه بين المفعولين لإظهار كمال شناعة الكفر وغاية بعده من الوقوع إما ~~لزيادة قبحه الصارف العاقل عن مباشرته أو لممانعة الإيمان له كأنه قيل بعد ~~إيمانكم الراسخ وفيه من تثبيت المؤمنين مالا يخفى PageV02P064 # «وكيف تكفرون» استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع كما في قوله تعالى «كيف ~~يكون للمشركين عهد» الخ لا بمعنى إنكار الواقع كما في قوله تعالى كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا الخ وفي توجيه الإنكار والاستبعاد إلى كيفية ~~الكفر من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال أتكفرون لأن كل ~~موجود لا بد أن يكون وجوده على حال من الأحوال فإذا أنكر ونفى جميع أحوال ~~وجوده فقد انتفى وجوده بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى «وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله» جملة وقعت حالا من ضمير المخاطبين في تكفرون مؤكدة ~~للإنكار والاستبعاد بما فيها من الشؤون الداعية إلى الثبات على الإيمان ~~الوازعة عن الكفر وقوله تعالى «وفيكم رسوله» معطوف عليها داخل ms0518 في حكمها فإن ~~تلاوة آيات الله تعالى عليهم وكون رسوله عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم ~~يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم بتحقيق الحق وإزاحة الشبة من أقوى الزواجر ~~عن الكفر وعدم إسناد التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان ~~باستقلال كل منهما في الباب «ومن يعتصم بالله» أي ومن يتمسك بدينه الحق ~~الذي بينه بآياته على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام وهو الإسلام والتوحيد ~~المعبر عنه فيما سبق بسبيل الله «فقد هدي» جواب للشرط وقد لإفادة معنى ~~التحقيق كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا ومعنى التوقع فيه ظاهر فإن ~~المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما ان قاصد الكريم متوقع للندى «إلى صراط ~~مستقيم» موصل إلى المطلوب والتنوين للتفخيم والوصف بالاستقامة للتصريح ~~بالرد على الذين يبغون له عوجا وهذا وإن كان هو دينه الحق في الحقيقة ~~والاهتداء إليه هو الاعتصام به بعينه لكن لما اختلف الاعتباران وكان ~~العنوان الأخير مما يتنافس فيه المتنافسون ابرز في معرض الجواب للحث ~~والترغيب على طريقة قوله تعالى «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز» ~~«يا أيها الذين آمنوا» تكرير الخطاب بعنوان الإيمان تشريف إثر تشريف «اتقوا ~~الله» الاتقاء افتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة «حق تقاته» أي حق تقواه ~~وما يجب منها وهو استفراغ الوسع في القيام بالموجب والاجتناب عن المحارم ~~كما في قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وعن ابن مسعود رضي الله عنه هو ~~ان يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر وقد روى مرفوعا إليه عليه ~~السلام وقيل هو ان لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه ~~أو ابنه أو أبيه وقيل هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع ~~المجازاة وقد مر تحقيق الحق في ذلك عند قوله عز وجل «هدى للمتقين» والتقاة ~~من اتقى كالتؤدة من اتأد وأصلها وقية قلبت واوها المضمومة تاء كما في تهمة ~~وتخمة وياؤها المفتوحة ألفا «ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» أي مخلصون نفوسكم ~~PageV02P065 # لله تعالى ms0519 لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا كما في قوله تعالى ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تموتن على ~~حال من الأحوال الا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه كما ينبئ عنه الجملة ~~الاسمية ولو قيل إلا مسلمين لم يفد فائدتها والعامل في الحال ما قبل إلا ~~بعد النقض وظاهر النظم الكريم وإن كان نهيا عن الموت المقيد بقيد هو الكون ~~على أي حال من غير حال الإسلام لكن المقصود هو النهى عن ذلك القيد عند ~~الموت المستلزم للأمر بضده الذي هو الكون على حال الإسلام حينئذ وحيث كان ~~الخطاب للمؤمنين كان المراد إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت وتوجيهه ~~النهى إلى الموت للمبالغة في النهى عن قيده المذكور فإنه النهى عن المقيد ~~في أمثاله نهى عن القيد ورفع له من أصله بالكلية مفيد لما لا يفيده النهى ~~عن نفس القيد فإن قولك لا تصل إلا وأنت خاشع يفيد من المبالغة في إيجاب ~~الخشوع في الصلاة مالا يفيده قولك لا تترك الخشوع في الصلاة لما أن هذا نهى ~~عن ترك الخشوع فقط وذاك نهى عنه وعما يقارنه ومفيد لكون الخشوع هو العمدة ~~في الصلاة وأن الصلاة بدونه حقها أن لا تفعل وفيه نوع تحذير عما وراء الموت ~~وقوله عز وجل «واعتصموا بحبل الله» أي بدين الإسلام أو بكتابه لقوله عليه ~~الصلاة والسلام القرآن حبل الله المتين لا تنقضى عجائبه ولا يخلق من كثرة ~~الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم إما ~~تمثيل للحالة الحاصلة من استظهارهم به ووثوقهم بحمايته بالحالة الحاصلة من ~~تمسك المتدلى من مكان رفيع بحبل وثيق مأمون الانقطاع من غير اعتبار مجاز في ~~المفردات وإما استعارة للحبل لما ذكر من الدين أو الكتاب والاعتصام ترشيح ~~لها أو مستعار للوثوق به والاعتماد عليه «جميعا» حال من فاعل اعتصموا أي ~~مجتمعين في الاعتصام «ولا تفرقوا» أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف ms0520 ~~بينكم كأهل الكتاب أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضا أو لا ~~تحدثوا ما يوجب التفريق ويزيل الألفة التي أنتم عليها «واذكروا نعمة الله» ~~مصدر مضاف إلى الفاعل وقوله تعالى «عليكم» متعلق به أو بمحذوف وقع حالا منه ~~وقوله تعالى «إذ كنتم» ظرف له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامه ~~عليكم أو اذكروا إنعامه مستقرا عليكم وقت كونكم «أعداء» في الجاهلية بينكم ~~إلا من والعداوات والحروب المتواصلة وقيل هم الأوس والخزرج كانا أخوين لأب ~~وأم فوقعت بين أولادهما العداوة والبغضاء وتطاولت الحروب فيما بينهم مائة ~~وعشرين سنة «فألف بين قلوبكم» بتوفيقكم للإسلام «فأصبحتم» أي فصرتم ~~«بنعمته» التي هي ذلك التأليف «إخوانا» خبر أصبحتم أي إخوانا متحابين ~~مجتمعين على الأخوة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحق وقيل ~~معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقة بمحذوف وقع حالا من ~~الفاعل وكذا إخوانا أي فأصبحتم PageV02P066 # ملتبسين حال كونكم إخوانا «وكنتم على شفا حفرة من النار» شفا الحفرة ~~وشفتها حرفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفرهم إذ لم أدرككم ~~الموت على تلك الحالة لوقعتهم فيها «فأنقذكم» بأن هداكم للإسلام «منها» ~~الضمير للحفرة أو للنار أو للشفا والتأنيث للمضاف إليه كما في قوله * كما ~~شرقت صدر القناة من الدم * أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها ~~جانبها كالجانب وأصله شفو قلبت الواو ألفا في المذكر وحذفت في المؤنث ~~«كذلك» إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده وما فيه من معني البعد بعلو درجة ~~المشار اليه وبعد منزلته في الفضل وكمال تميزه به عما عداه وانتظامه بسببه ~~في سلك الأمور المشاهدة والكاف مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من ~~الفخامة ومحلها النصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي مثل ذلك التبيين الواضح ~~«يبين الله لكم آياته» أي دلائله «لعلكم تهتدون» طلبا لثباتكم على الهدى ~~وازديادكم فيه «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير» أمرهم الله سبحانه بتكميل ~~الغير وإرشاده إثر أمرهم بتكميل النفس وتهذيبها بما قبله من الأوامر ms0521 ~~والنواهي تثبيتا للكل على مراعاة ما فيها من الأحكام بان يقوم بعضهم ~~بمواجبها ويحافظ على حقوقها وحدودها ويذكرها الناس كافة ويردعهم عن الإخلال ~~بها والجمهور على إسكان لام الأمر وقرئ بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ~~ومن تبعيضية متعلقة بالأمر أو بمحذوف وقع حالا من الفاعل وهو أمة ويدعون ~~صفتها اى لتوجد منكم أمة داعية إلى الخير والأمة هي الجماعة التي يؤمها فرق ~~الناس اى يقصدنها ويقتدون بها أو من الناقصة وأمة اسمها ويدعون خبرها أي ~~لتكن منكم أمة داعين إلى الخير وأيا ما كان فتوجيه الخطاب إلى الكل مع ~~إسناد الدعوة إلى البعض لتحقيق معنى فرضيتها على الكفاية وانها واجبة على ~~الكل لكن بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين ولو أخل بها الكل أثموا ~~جميعا لا بحيث يتحتم على الكل إقامتها على ما ينبئ عنه قوله عز وجل وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة الآية ولأنها من عظائم الأمور وعزائمها التي لا ~~يتولاها إلا العلماء باحكامه تعالى ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها فإن من ~~لا يعلمها يوشك أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف ويغلظ في مقام اللين ويلين في ~~مقام الغلظة وينكر على من لا يزيده الإنكار إلا التمادي والإصرار وقيل من ~~بيانية كما في قوله تعالى «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم» ~~الآية والأمر من كان الناقصة والمعنى كونوا أمة يدعون الآية كقوله تعالى ~~«كنتم خير أمة أخرجت للناس» الآية ولا يقتضى ذلك كون الدعوة فرض عين فإن ~~الجهاد من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطابات العامة والدعاء إلى الخير عبارة ~~عن الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي فعطف الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر عليه بقوله تعالى «ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» مع اندراجهما ~~فيه من باب عطف الخاص على العام لإظهار فضلهما وإنافتهما على سائر الخيرات ~~كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام وحذف المفعول الصريح من ~~الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدعون الناس ويأمرونهم وينهونهم ~~PageV02P067 # وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل كما في ms0522 قولك فلان يعطى ويمنع أي يفعلون ~~الدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «وأولئك» إشارة إلى ~~الأمة المذكورة باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الفاضلة وكمال تميزهم ~~بذلك عمن عداهم وانتظامهم بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضل والإفراد في كاف الخطاب ~~اما لأن المخاطب كل من يصلح للخطاب وأما لأن التعيين غير مقصود أي أولئك ~~الموصوفون بتلك الصفات الكاملة «هم المفلحون» أي هم الأخصاء بكمال الفلاح ~~وهم ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص المسند ~~بالمسند إليه أو مبتدأ خبره المفلحون والجملة خبر لأولئك وتعريف المفلحون ~~إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين روى عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن خير الناس فقال آمرهم بالمعروف وأنهاهم ~~عن المنكر وأتقاهم الله وأوصلهم للرحم وعنه عليه السلام من أمر بالمعروف ~~ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه وعنه ~~عليه السلام والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن ~~الله ان يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم وعن على رضي ~~الله عنه أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومن شنأ الفاسقين ~~وغضب لله غضب الله له والأمر بالمعروف في الوجوب والندب تابع للمأمور به ~~وأما النهى عن المنكر فواجب كله فإن جميع ما أنكره الشرع حرام والعاصي يجب ~~عليه النهى عما أرتكبه إذ يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب ~~شئ منهما والتوبيخ في قوله تعالى أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم إنما ~~هو على نسيان أنفسهم لا على أمرهم بالبر وعن السلف مروا بالخير وإن لم ~~تفعلوا «ولا تكونوا كالذين تفرقوا» هم أهل الكتابين حيث تفرقت اليهود فرقا ~~والنصارى فرقا «واختلفوا» باستخراج التأويلات الزائغة وكتم الآيات الناطقة ~~وتحريفها بما أخلدوا إليه من حطام الدنيا الدنيئة «من بعد ما جاءهم ~~البينات» أي الآيات الواضحة المبينة للحق ms0523 الموجبة للاتفاق عليه واتحاد ~~الكلمة فالنهي متوجه إلى المتصدين للدعوة أصالة وإلى أعقابهم تبعا ويجوز ~~تعميم الموصول للمختلفين من الأمم السالفة المشار إليهم بقوله عز وجل «وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات» وقيل هم المبتدعة من ~~هذه الأمة وقيل هم الحرورية وعلى كل تقدير فالمنهى عنه انما هو الاختلاف في ~~الأصول دون الفروع الا ان يكون مخالفا للنصوص البينة أو الاجماع لقوله عليه ~~الصلاة والسلام اختلاف أمتي رحمه وقوله عليه السلام من اجتهد فأصاب فله ~~اجران ومن أخطأ فله اجر واحد وأولئك اشاره إلى المذكورين باعتبار اتصافهم ~~بما في حيز الصلة وهو مبتدأ وقوله تعالى «لهم» خبره وقوله تعالى «عذاب ~~عظيم» مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ أو مبتدأ والظرف ~~خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول وفيه من التأكيد والمبالغة في وعيد ~~المتفرقين والتشديد في تهديد المشبهين بهم مالا يخفى PageV02P068 # (يوم تبيض وجوه» أي وجوه كثيرة تبياض «وتسود وجوه» كثيرة وقرئ تسواد وعن ~~عطاء تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بنى قريظة والنضير ويوم ~~منصوب على أنه ظرف للاستقرار في لهم أي لثبوت العذاب العظيم لهم أو على انه ~~مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة التفريق بعد مجئ البينات ~~وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكروا يوم تبيض الخ وبياض الوجه ~~وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه وقيل يوسم أهل الحق ~~ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعى النور بين يديه وبيمينه وأهل ~~الباطل بأضداد ذلك «فأما الذين اسودت وجوههم» تفصيل لأحوال الفريقين بعد ~~الإشارة إليها إجمالا وتقديم بيان هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن ~~التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم ~~الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك عند الإجمال «أكفرتم بعد إيمانكم» ~~على إرادة القول أي فيقال لهم ذلك والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم ~~والظاهر أنهم أهل الكتابين وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد إيمان ms0524 أسلافهم أو إيمان أنفسهم به قبل مبعثه عليه الصلاة ~~والسلام أو جميع الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يوم الميثاق أو ~~بعد ما تمكنوا من الايمان بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البنية ~~وقيل المرتدون وقيل أهل البدع والأهواء والفاء في قوله عز وعلا «فذوقوا ~~العذاب» أي العذاب المعهود الموصوف بالعظم الدلالة على ان الأمر بذوق ~~العذاب على طريق الإهانة مترتب على كفرهم المذكور كما ان قوله تعالى «بما ~~كنتم تكفرون» صريح في أن نفس الذوق معلل بذلك والجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل للدلالة على استمرار كفرهم أو على مضيه في الدنيا «وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله» أعنى الجنة والنعيم المخلد عبر عنها بالرحمة ~~تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل ~~الجنة إلا برحمته تعالى وقرئ ابياضت كما قرئ اسوادت «هم فيها خالدون» ~~استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل كيف يكونون فيها فقيل هم ~~فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس ~~الآي «تلك» إشارة إلى الآيات المشتملة على تنعيم الأبرار وتعذيب الكفار ~~ومعنى البعد للإيذان بعلو شأنها وسمو مكانها في الشرف وهو مبتدأ وقوله ~~تعالى «آيات الله» خبرة وقوله تعالى «نتلوها» جملة حالية من الآيات والعامل ~~فيها معنى الإشارة أو هي الخبر وآيات الله بدل من اسم الإشارة والالتفات ~~إلى التكلم PageV02P069 # بنون العظمة مع كون التلاوة على لسان جبريل عليه السلام لإبراز كمال ~~العناية بالتلاوة وقرئ يتلوها على إسناد الفعل إلى ضميره تعالى وقوله تعالى ~~«عليك» متعلق بنتلوها وقوله تعالى «بالحق» حال مؤكدة من فاعل نتلوها أو من ~~مفعوله أي ملتبسين أو ملتبسة بالحق والعدل ليس في حكمها شائبة جور بنقص ~~ثواب المحسن أو بزيادة عقاب المسئ أو بالعقاب من غير جرم بل كل ذلك موفى ~~لهم حسب استحقاقهم بأعمالهم بموجب الوعد والوعيد وقوله تعالى «وما الله ~~يريد ظلما للعالمين» تذييل مقرر لمضمون ما قبله على أبلغ وجه وآكده فإن ~~تنكير الظلم ms0525 وتوجيه النفي إلى إرادته بصيغة المضارع دون نفسه وتعليق الحكم ~~بآحاد الجمع المعرف والالتفات إلى الاسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان ~~لكمال نزاهته عز وجل عن الظلم بما لا مزيد عليه أي ما يريد فردا من افراد ~~الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلا عن أن يظلمهم فإن ~~المضارع كما يفيد الاستمرار في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقام كما أن ~~الجملة الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت وعند دخول حرف النفي تدل ~~على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام وفي سبك الجملة نوع إيماء إلى ~~التعريض بأن الكفرة هم الظالمون ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد كما ~~في قوله تعالى «إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون» ~~«ولله ما في السماوات وما في الأرض» أي له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما ~~فيهما من المخلوقات الفائتة للحصر ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا ~~وإيراد كلمة ما أما لتغليب غير العقلاء على العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة ~~غيرهم إظهارا لحقارتهم في مقام بيان عظمته تعالى «وإلى الله» أي إلى حكمه ~~وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالا «ترجع الأمور» أي أمورهم فيجازى كلا ~~منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط فالجملة مقررة لمضمون ما ~~ورد في جزاء الفريقين وقيل هي معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه فإن كون ~~العالمين عبيده تعالى ومخلوقه ومرزوقه يستدعى إرادة الخير بهم «كنتم خير ~~أمة» كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق ~~والدعوة إلى الخير وكنتم من كان الناقصة التي تدل على تحقق شئ بصفة في ~~الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق كما في قوله تعالى «وكان ~~الله غفورا رحيما» وقيل كنتم كذلك في علم الله أو في اللوح أو فيما بين ~~الأمم السالفة وقيل معناه أنتم خير أمة «أخرجت للناس» صفة لأمة واللام ~~متعلقة بأخرجت أي أظهرت لهم وقيل بخير أمة أي كنتم ms0526 خير الناس فهو صريح في ~~أن الخيرية بمعنى النفع للناس وإن فهم ذلك من الإخراج لهم أيضا أي أخرجت ~~لأجلهم ومصلحتهم قال أبو هريرة رضي الله عنه معناه كنتم خير الناس تأتون ~~بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإسلام وقال قتادة هم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لم يؤمر نبي PageV02P070 # قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيدخلونهم في الإسلام فهم خير أمة للناس ~~«تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» استئناف مبين لكونم خير أمة كما يقال ~~زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو خبر ثان لكنتم وصيغة ~~الاستقبال للدلالة على الاستمرار وخطاب المشافهة وإن كان خاصا بمن شاهد ~~الوحي من المؤمنين لكن حكمة عام للكل قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج أصل هذا الخطاب لأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يعم سائر أمته وروى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن ~~جده انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى «كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس» أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى ~~وظاهر أن المراد بكل أمة أوائلهم وأواخرهم لا أوائلهم فقط فلا بد ان تكون ~~أعقاب هذه الأمة أيضا داخلة في الحكم وكذا الحال فيما روى ان مالك بن الصيف ~~ووهب ابن يهوذا اليهوديين مرا بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ~~ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة رضوان الله عليهم ~~فقالا لهم نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعوننا إليه وروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما كنتم خير أمة الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة وروى عن الضحاك أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين امر الله المسلمين بطاعتهم «وتؤمنون بالله» ~~أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء وإنما ~~لم يصرح به تفصيلا ms0527 لظهور أنه الذي يؤمن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو ~~الإيمان بالله تعالى حقيقة وأن ما خلا عن شئ من ذلك كإيمان أهل الكتاب ليس ~~من الإيمان به تعالى في شئ قال تعالى «ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا» وإنما أخر ذلك عن ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة لأن دلالتهما ~~على خيريتهم للناس أظهر من دلالته عليها وليقترن به قوله تعالى «ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم» أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيرا لهم مما هم ~~عليه من الرياسة واستتباع العوام ولازدادت رياستهم وتمتعهم بالحظوظ ~~الدنيوية مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين وقيل مما هم ~~فيه من الكفر فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم وفيه ضرب تهكم بهم وإنما لم ~~يتعرض للمؤمن به أصلا للإشعار بظهور أنه الذي يطلق عليه اسم الإيمان لا ~~يذهب الوهم إلى غيره ولو فصل المؤمن به ههنا أو فيما قبل لربما فهم أن لأهل ~~الكتاب أيضا إيمانا في الجملة لكن إيمان المؤمنين خير منه وهيهات ذلك «منهم ~~المؤمنون» جملة مستأنفة سيقت جوابا عما نشأ من الشرطية الدالة على انتفاء ~~الخيرية لانتفاء الإيمان عنهم كأنه قيل هل منهم من آمن أو كلهم على الكفر ~~فقيل منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه «وأكثرهم الفاسقون» المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود «لن ~~يضروكم إلا أذى» استثناء مفرغ من المصدر العام أي لن يضروكم أبدا ضررا ما ~~الا ضرر أذى لا يبالي به من طعن وتهديد لا أثر له «وإن يقاتلوكم يولوكم ~~الأدبار» أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئا من قتل أو أسر «ثم لا ~~ينصرون» عطف PageV02P071 # على الشرطية وثم للتراخي في الرتبة أي لا ينصرون من جهة أحد ولا يمنعون ~~منكم قتلا وأخذا وفيه تثبيت لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم ~~وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم وبشارة لهم بأنهم لا يقدرون على أن ms0528 يتجاوزوا ~~الأذى بالقول إلى ضرر يعبأ به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم ~~وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل وانما لم يعطف نفي منصوريتهم على الجزاء لأن ~~المقصود هو الوعد بنفي النصر مطلقا ولو عطف عليه لكان مقيدا بمقاتلتهم ~~كتولية الأدبار وكم بين الوعدين كأنه قيل ثم شأنهم الذي أخبركم عنه وأبشركم ~~به أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعد ذلك بجناح ولا ~~يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمر وكان كذلك حيث لقى بنو قريظة والنضير ~~وبنو قينقاع ويهود خيبر ما لقوا «ضربت عليهم الذلة» أي هدر النفس والمال ~~والأهل أو ذل التمسك بالباطل «أينما ثقفوا» أي وجدوا «إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس» استثناء من أعم الأحوال أي ضربت عليهم الذلة ضرب القبة على ~~من هي عليه في جميع الأحوال الا حال كونهم معتصمين بذمة الله أو كتابه الذي ~~أتاهم وذمة المسلمين أو بذمة الاسلام واتباع سبيل المؤمنين «وباؤوا بغضب من ~~الله» أي رجعوا مستوجبين له والتنكير للتفخيم والتهويل ومن متعلقة بمحذوف ~~وقع صفة لغضب مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة والهول أي كائن من الله ~~عز وجل «وضربت عليهم المسكنة» فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم واليهود كذلك ~~في غالب الحال مساكين تحت أيدي المسلمين والنصارى «ذلك» إشارة إلى ما ذكر ~~من ضرب الذلة والمسكنة عليهم والبوء بالغضب العظيم «بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله» أي ذلك الذي ذكر كائن بسبب كفرهم المستمر بآيات الله الناطقة ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتحريفهم لها وبسائر الآيات القرآنية ~~«ويقتلون الأنبياء بغير حق» أي في اعتقادهم أيضا واسناد القتل مع أنه فعل ~~اسلافهم لرضاهم به كما أن التحريف مع كونه من افعال أحبارهم ينسب إلى كل من ~~يسير بسيرتهم «ذلك» إشارة إلى ما ذكر من الكفر والقتل «بما عصوا وكانوا ~~يعتدون» أي كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى على الاستمرار فإن ~~الاصرار على الصغائر يفضي إلى مباشرة الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى ~~الكفر وقيل معناه أن ms0529 ضرب الذلة والمسكنة في الدنيا واستيجاب الغضب في ~~الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم من حيث ~~أنهم مخاطبون بالفروع من حيث المؤاخذة «ليسوا سواء» جملة مستأنفة سيقت ~~تمهيدا لتعداد محاسن مؤمني أهل الكتاب وتذكيرا لقوله تعالى «منهم المؤمنون» ~~والضمير في ليسوا لأهل الكتاب جميعا لا للفاسقين منهم خاصة وهو اسم ليس ~~وخبره سواء وانما أفرد لأنه في الأصل مصدر PageV02P072 # والمراد بنفي المساواة نفى المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح المذكورة لا ~~نفى المساواة في مراتب الاتصاف بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصاف بها أي ~~ليس جميع أهل الكتاب متشاركين في الاتصاف بما ذكر من القبائح والابتلاء بما ~~يترتب عليها من العقوبات وقوله تعالى «من أهل الكتاب أمة قائمة» استئناف ~~مبين لكيفية عدم تساويهم ومزيل لما فيه من الإبهام كما ان ما سبق من قوله ~~تعالى «تأمرون بالمعروف» الآية مبين لقوله تعالى «كنتم خير أمة» الخ ووضع ~~أهل الكتاب موضع الضمير العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراك بين الفريقين ~~والإيذان بان تلك الأمة ممن أوتى نصيبا وافرا من الكتاب لا من أرذالهم ~~والقائمة المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام بمعنى استقام وهم الذين ~~أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن عبيد وأضرابهم وقيل ~~هم أربعون رجلا من أهل نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثلاثة من الروم ~~كانوا على دين عيسى وصدقوا محمدا عليهما الصلاة والسلام وكان من الأنصار ~~فيهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أسعد بن زرارة والبراء بن ~~معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس صرمة ابن أنس كانوا موحدين يغتسلون من ~~الجنابة ويقومون بما يعرفون من شرائع الحنيفية حتى بعث الله النبي صلى الله ~~عليه وسلم فصدقوه ونصروه وقوله تعالى «يتلون آيات الله» في محل الرفع على ~~أنه صفة أخرى لأمة وقيل في محل النصب على انه حال منها لتخصصها بالنعت ~~والعامل فيه الاستقرار الذي يتضمنه الجار أو من ضميرها في قائمة أو من ~~المستكن في الجار ms0530 لوقوعه خبرا لأمة والمراد بآيات الله القرآن وقوله تعالى ~~«آناء الليل» ظرف ليتلون أي في ساعاته جمع أنى بزنة عصا أو أنى بزنة معي أو ~~أنى بزنة ظبي أو أنى بزنة نحى أو أنو بزنة جرو «وهم يسجدون» أي يصلون إذ لا ~~تلاوة في السجود قال صلى الله عليه وسلم ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا ~~وتخصيص السجود بالذكر من بين سائر أركان الصلاة لكونه أدل على كمال الخضوع ~~والتصريح بتلاوتهم آيات الله في الصلاة مع انها مشتملة عليها قطعا لزيادة ~~تحقيق المخالفة وتوضيح عدم المساواة بينهم وبين الذين وصفوا آنفا بالكفر ~~بها وهو السر في تقديم هذا النعت على نعت الإيمان والمراد بصلاتهم التهجد ~~إذا هو ادخل في مدحهم وفيه يتسنى لهم التلاوة فإنها في المكتوبة وظيفة ~~الإمام واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح وهو الأنسب ~~بالعدول عن إيرادها باسم الجنس المتبادر منه الصلاة المكتوبة وبالتعبير عن ~~وقتها بالآناء المبهمة وقيل صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها لما روى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخرها ليلة ثم خرج فإذا الناس ينتظرون ~~الصلاة فقال إما أنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم ~~وقرأ هذه الآية وإيراد الجملة اسمية للدلالة على الاستمرار وتكرير الإسناد ~~لتقوية الحكم وتأكيده وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والجملة حال من ~~فاعل يتولون وقيل هي مستأنفة والمعنى أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى يبتغون ~~الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله عز وجل كما في قوله ~~تعالى والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما وقيل المراد بالسجود هو الخضوع كما ~~في قوله تعالى «ولله يسجد من في السماوات والأرض» PageV02P073 # «يؤمنون بالله واليوم الآخر» صفة أخرى لأمة مبينة لمباينتهم اليهود من ~~جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطق به الشرع والإطلاق للإيذان ~~بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يطلق عليه الإيمان بهما لا يذهب الوهم ~~إلى غيره وللتعريض بان إيمان اليهود بهما مع قولهم عزير ms0531 ابن الله وكفرهم ~~ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في ~~شئ أصلا ولو قيد بما ذكر لربما توهم أن المنتفى عنهم هو القيد المذكور مع ~~جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات «ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر» صفتان أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في ~~الفضائل المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص المتعلقة ~~بتكميل النفس وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال ~~الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهى عن بالمعروف «ويسارعون في ~~الخيرات» صفة أخرى لأمة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير ~~والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليته ~~والقيام به وآثر الفور على التراخي اى يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف ~~الخيرات اللازمة والمتعدية وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل بمبادتهم إلى ~~الشرور وإيثار كلمة في على ما وقع في قوله تعالى «وسارعوا إلى مغفرة» الخ ~~للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات ~~الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها «وأولئك» إشارة إلى الأمة باعتبار ~~اتصافهم بما فصل من النعوت الجليلة وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو ~~درجتهم وسمو طبقتهم في الفضل وإيثاره على الضمير للإشعار بعلة الحكم والمدح ~~أي أولئك المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة بسبب اتصافهم بها «من الصالحين» أي ~~من جملة من صلحت أحوالهم عند الله عز وجل واستحقوا رضاه وثناءه «وما يفعلوا ~~من خير» كائنا ما كان مما ذكر أو لم يذكر «فلن يكفروه» أي لن يعدموا ثوابه ~~البتة عبر عنه بذلك كما عبر عن توفية الثواب بالشكر اظهارا لكمال تنزهه ~~سبحانه وتعالى عن ترك إثابتهم بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من ~~القبائح وتعديته إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمان وايثار صيغة البناء ~~للمفعول للجرى على سنن الكبرياء وقرئ الفعلان على صيغة الخطاب «والله عليم ~~بالمتقين» تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن علمه تعالى بأحوالهم يستدعي ms0532 توفية ~~أجورهم لا محالة والمراد بالمتقين اما الأمة المعهودة وضع موضع الضمير ~~العائد إليهم مدحا لهم وتعيينا لعنوان تعلق العلم بهم واشعارا بمناط ~~إثابتهم وهو التقوى المنطوي على الخصائص السالفة واما جنس المتقين عموما ~~وهم مندرجون تحت حكمه اندارجا أوليا PageV02P074 # «إن الذين كفروا» أي بما يجب أن يؤمن به قال ابن عباس رضي الله عنهما هم ~~بنو قريظة والنضير فإن معاندتهم كانت لأجل المال وقيل هم مشركو قريش فإن ~~ابا جهل كان كثير الافتخار بماله وقيل أبو سفيان وأصحابه فإنه انفق مالا ~~كثيرا على الكفار يوم بدر واحد وقيل هم الكفار كافة فإنهم فاخروا بالأموال ~~والأولاد حيث قالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين فرد الله عز ~~وجل عليهم وقال «لن تغني عنهم» أي لن تدفع عنهم «أموالهم ولا أولادهم من ~~الله» أي من عذابه تعالى «شيئا» أي شيئا يسيرا منه أو شيئا من الإغناء ~~«وأولئك أصحاب النار» أي مصاحبوها على الدوام وملازموها «هم فيها خالدون» ~~أبدا «مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا» بيان لكيفية عدم إغناء أموالهم ~~التي كانوا يعولون عليها في جلب المنافع ودفع المضار ويعلقون بها أطماعهم ~~الفارغة وما موصولة اسمية حذف عائدها أي حال ما ينفقه الكفرة قربة أو ~~مفاخرة وسمعة أو المنافقون رياء وخوفا وقصته العجيبة التي مجرى المثل في ~~الغرابة «كمثل ريح فيها صر» أي برد شديد فإنه في الأصل مصدر وإن شاع إطلاقه ~~على الريح الباردة كالصر صر وقيل كلمة في تجريدية كما في قوله تعالى «لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة» «أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم» بالكفر ~~والمعاصي فباءوا بغضب من الله وإنما وصفوا بذلك لأن الإهلاك عن سخط أشد ~~وأفظع «فأهلكته» عقوبة لهم ولم تدع منه أثرا ولا عثيرا والمراد تشبيه ما ~~أنفقوا في ضياعه وذهابه بالكلية من غير أن يعود إليهم نفع ما بحرث كفار ~~ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما بوجه من الوجوه وهو من ~~التشبيه المركب الذي مر تفصيله في تفسير ms0533 قوله تعالى «كمثل الذي استوقد ~~نارا» ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه الريح دون الحرث ويجوز أن يراد ~~مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو ~~الحرث وقرئ تنفقون «وما ظلمهم الله» بما بين من ضياع ما أنفقوا من الأموال ~~«ولكن أنفسهم يظلمون» لما أنهم أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي وتقديم ~~المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص إذ الكلام في الفعل باعتبار تعلقه ~~بالفاعل لا بالمفعول أي ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم وصيغة المضارع ~~للدلالة على التجدد والاستمرار وقد جوز ان يكون المعنى وما ظلم الله تعالى ~~أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة ~~ويأباه أنه قد مر التعرض له تصريحا وإشعارا وقرئ ولكن بالتشديد على أن ~~أنفسهم اسمها ويظلمون خبرها والعائد محذوف للفاصلة أي ولكن أنفسهم يظلمونها ~~وأما تقدير ضمير الشأن فلا سبيل إليه لاختصاصه بالشعر ضرورة كما في قوله * ~~ولكن من يبصر جفونك يعشق * PageV02P075 # «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة» بطانة الرجل ووليجته من يعرفه ~~أسراره ثقة به شبه ببطانة الثوب كما شبه بالشعار قال صلى الله عليه وسلم ~~الأنصار شعار والناس دثار قال ابن عباس رضي الله عنهما كان رجال من ~~المؤمنين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف فأنزل الله ~~تعالى هذه الآسية وقال مجاهد نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يواصلون ~~المنافقين فنهوا عن ذلك ويؤيده قوله تعالى «وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا ~~خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ» وهي صفة المنافق وأيا ما كان فالحكم عام ~~للكفرة كافة «من دونكم» أي من دون المسلمين وهو متعلق بلا تتخذوا أو بمحذوف ~~وقع صفة لبطانة أي كائنة من دونكم مجاوزة لكم «لا يألونكم خبالا» جملة ~~مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى الاجتناب عنهم أو صفة بطانة يقال الا في ~~الأمر إذا قصر فيه ثم استعمل معدي إلى المفعولين في قولهم لا آلوك نصحا ولا ~~آلوك جهدا على تضمين معنى المنع والنقص والخبال الفساد ms0534 أي لا يقصرون لكم في ~~الفساد «ودوا ما عنتم» أي تمنوا عنتكم أي مشقتكم وشدة ضرركم وهو أيضا ~~استئناف مؤكد للنهي موجب لزيادة الاجتناب عن المنهي عنه «قد بدت البغضاء من ~~أفواههم» استئناف آخر مفيد لمزيد الاجتناب عن المنهي عنه أي قد ظهرت ~~البغضاء في كلامهم لما أنهم لا يتمالكون مع مبالغتهم في ضبط أنفسهم ~~وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين وقرئ قد بدا ~~البغضاء والأفواه جمع فم وأصله فوه فلامه هاء يدل على ذلك جمعه على أفواه ~~وتصغيره على فويه والنسبة اليه فوهي «وما تخفي صدورهم أكبر» مما بدا لأن ~~بدوه ليس عن روية واختيار «قد بينا لكم الآيات» الدالة على وجوب الاخلاص في ~~الدين وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين «إن كنتم تعقلون» أي ان كنتم من ~~أهل العقل أو إن كنتم تعقلون ما بين لكم من الآيات والجواب محذوف لدلالة ~~المذكور عليه «ها أنتم أولاء» جملة من مبتدأ وخبر صدرت بحرف التنبيه اظهارا ~~لكمال العناية بمضمونها أي أنتم أولاء المخطئون في موالاتهم وقوله تعالى ~~«تحبونهم ولا يحبونكم» بيان لخطئهم في ذلك وهو خبر ثان لأنتم أو خبر لأولاء ~~والجملة خبر لأنتم كقولك أنت زيد تحبه أو صلة له أو حال والعامل معنى ~~الإشارة ويجوز أن ينتصب أولاء بفعل يفسره ما بعده وتكون الجملة خبرا ~~«وتؤمنون بالكتاب كله» أي بجنس الكتب جميعا وهو حال من ضمير المفعول في لا ~~يحبونكم والمعنى لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم ~~وهم لا يؤمنون بكتابكم وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم «وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا» نفاقا «وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ» أي من ~~أجله تأسفا وتحسرا حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلا «قل موتوا بغيظكم» دعاء ~~عليهم بدوام الغيظ PageV02P076 # وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله إلى أن يهلكوا به أو باشتداده إلى ان ~~يهلكهم «إن الله عليم بذات الصدور» فيعلم ما في صدوركم من العداوة والبغضاء ~~والحنق وهو يحتمل أن يكون من ms0535 المقول أي وقل لهم إن الله تعالى عليم بما هو ~~أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظا وأن يكون خارجا عنه بمعنى لا تتعجب من ~~إطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بذات الصدور وقيل هو أمر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله تعالى أن ~~يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به من غير أن يكون ثمة قول كأنه قيل ~~حدث نفسك بذلك «إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها» بيان ~~لتناهي عداوتهم إلى حد حسد وأمانا لهم من خير ومنفعة وشمتوا بما أصابهم من ~~ضر وشدة وذكر المس مع الحسنة والإصابة مع السيئة إما للإيذان بأن مدار ~~مساءتهم أدنى مراتب إصابة الحسنة ومناط فرحهم تمام إصابة السيئة وإما لأن ~~المس مستعار لمعنى الإصابة «وإن تصبروا» أي على عداتهم أو على مشاق ~~التكاليف «وتتقوا» ما حرم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه «لا يضركم كيدهم» ~~مكرهم وحيلتهم التي دبروها لأجلكم وقرئ لا يضركم بكسر الضاد وجزم الراء على ~~جواب الشرط من ضاره يضيره بمعنى ضره يضره وضمه الراء في القراءة المشهورة ~~للاتباع كضمة مد «شيئا» نصب على المصدرية أي لا يضركم شيئا من الضرر بفضل ~~الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المجد في الأمر المتدرب ~~بالاتقاء والصبر يكون جريئا على الخصم «إن الله بما يعملون» في عداوتكم من ~~الكيد «محيط» علما فيعاقبهم على ذلك وقرئ بالتاء الفوقانية أي بما تعملون ~~من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهله «وإذ غدوت» كلام مستأنف سيق ~~للاستشهاد بما فيه من استتباع عدم الصبر والتقوى للضرر على أن وجودهما ~~مستتبع لما وعد من النجاة من مضرة كيد الأعداء وإذ نصب على المفعولية بمضمر ~~خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطاب فيما قبله وما بعده ~~له وللمؤمنين لاختصاص مضمون الكلام به عليه السلام أي واذكر لهم وقت غدوك ~~ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئة عن عدم الصبر فيعلمون أنهم إن ~~لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم ms0536 كيد الكفرة وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ~~دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ~~ذكرها واستحضار الحادثة بتفاصيلها كما سلف بيانه في تفسير قوله تعالى «وإذ ~~قال ربك للملائكة» الخ والمراد به خروجه عليه السلام إلى أحد وكان ذلك من ~~منزل عائشة رضي الله عنها وهو المراد بقوله تعالى «من أهلك» أي من عند أهلك ~~«تبوئ المؤمنين» أي تنزلهم أو تهيئ وتسوى لهم «مقاعد» ويؤيد قراءة من قرأ ~~تبوئ للمؤمنين والجملة حال من فاعل غدوت لكن لا على أنها حال مقدرة أي ~~ناويا وقاصدا للتبوئة كما قيل PageV02P077 # بل على أن المقصود تذكير الزمان الممتد المتسع لابتداء الخروج والتبوئة ~~وما يترتب عليها إذ هو المذكر للقصة وإنما عبر عنه بالغدو الذي هو الخروج ~~غدوة مع كون خروجه عليه السلام بعد صلاة الجمعة كما ستعرفه إذ حينئذ وقعت ~~التبوئة التي هي العمدة في الباب إذ المقصود بتذكير الوقت تذكير مخالفتهم ~~لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتزايلهم عن أحيازهم المعينة لهم عند ~~التبوئة وعدم صبرهم وبهذا يتبين خلل رأى من احتج به على جواز أداء صلاة ~~الجمعة قبل الزوال واللام في قوله تعالى «للقتال» إما متعلقة بتبوىء أي ~~لأجل القتال وإما بمحذوف وقع صفة لمقاعد أي كائنة ومقاعد القتال أماكنه ~~ومواقفه فإن استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان اتساعا شائع ذائع كما في ~~قوله تعالى «في مقعد صدق» وقوله تعالى «قبل أن تقوم من مقامك» روى أن ~~المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يكن دعاه قبل ذلك فاستشاره فقال ~~عبد الله وأكثر الأنصار يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ~~ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف ~~وأنت فينا فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في ~~وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال بعضهم ms0537 ~~يا رسول الله أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم فقال صلى ~~الله عليه وسلم أني قد رأيت في منامي بقرا مذبحة حولى فأولتها خيرا ورأيت ~~في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها ~~المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة فتدعوهم فقال رجال من المسلمين قد ~~فاتتهم بدر وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ أخرج بنا إلى أعدائنا وقال ~~النعمان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه يا رسول الله لا تحرمني الجنة ~~فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة ثم قال بقولي أشهد ان لا إله إلا الله وأنى ~~لا أفر من الزحف فلم يزالوا به عليه السلام حتى دخل فلبس لأمته فلما رأوه ~~كذلك ندموا وقالوا بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه وقالوا ~~اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال ما ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى ~~يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت ~~للنصف من شوال لسنة ثلاث من الهجرة فمشى على رجليه فجعل يصف أصحابه للقتال ~~فكأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال تأخر وكان نزوله في عدوة ~~الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال ~~لهم انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا من مكانكم فلن نزال ~~غالبين ما ثبتم مكانكم «والله سميع» لأقوالكم «عليم» بضمائركم والجملة ~~اعتراض للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال مالا ينبغي ~~صدوره عنهم «إذ همت» بدل من إذ غدوت مبين لما هو المقصود بالتذكير أو ظرف ~~لسميع عليم على معنى أنه تعالى جامع بين سماع الأقوال والعلم بالضمائر في ~~ذلك الوقت إذ لا وجه لتقييد كونه تعالى سميعا عليما بذلك الوقت قال الفراء ~~معنى قولك ضربت وأكرمت زيدا أن زيدا منصوب بهما تسلطا عليه معا «طائفتان ~~منكم أن تفشلا» متعلق بهمت والباء محذوفة أي بأن تفشلا أي تجبنا وتضعفا ~~وهما حيان من ms0538 PageV02P078 # الأنصار بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما الجناحان من عسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ألف رجل وقيل تسعمائة وخمسين وعدهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح أن صبروا فلما قاربوا عسكر الكفرة ~~وكانوا ثلاثة آلاف انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس فقال يا قوم علام نقتل ~~أنفسنا وأولادنا فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال أنشدكم الله في نبيكم ~~وأنفسكم فقال عبد الله لو نعلم قتالا لأتبعناكم فهم الحيان باتباع عبد الله ~~فعصمهم الله تعالى فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أضمروا أن يرجعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا والظاهر أنها ~~ما كانت إلا همة وحديث نفس قلما تخلو النفس عنه عند الشدائد «والله وليهما» ~~أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطرة والجملة اعتراض ويجوز أن تكون حالا من فاعل ~~همت أو من ضميره في تفشلا مفيدة لاستبعاد فشلهما أو همهما به مع كونهما في ~~ولاية الله تعالى وقرئ والله وليهم كما في قوله تعالى «وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا» «وعلى الله» وحده دون ما عداه مطلقا استقلالا أو اشتراكا ~~«فليتوكل المؤمنون» في جميع أمورهم فإنه حسبهم وإظهار الاسم الجليل للتبرك ~~والتعليل فإن الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى واللام في المؤمنين ~~للجنس فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من ~~دواعي التوكل وموجباته «ولقد نصركم الله ببدر» جملة مستأنفة سيقت لإيجاب ~~الصبر والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر اثر تذكير ما ترتب على ~~عدمهما من الضرر وقيل لإيجاب التوكل على الله تعالى بتذكير ما يوجبه وبدر ~~اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر بن كلدة فسمي باسمه وقيل سمي ~~به لصفائه كالبدر واستدارته وقيل هو اسم الموضع أو الوادي وكانت وقعة بدر ~~في السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة «وأنتم أذلة» حال من ~~مفعول نصركم وأذلة جمع ذليل وإنما جمع جمع قلة للإيذان بإتصافهم حينئذ ms0539 ~~بوصفي القلة والذلة إذ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر وكان ضعف حالهم في الغاية ~~خرجوا على النواضح يتعقب النفر منهم على البعير الواحد ولم يكن في العسكر ~~إلا فرس واحد وقيل فرسان للمقداد ومرثد وتسعون بعيرا وست أدرع وثمانية سيوف ~~وكان العدو زهاء ألف ومعهم مائة فرس وشكة وشوكة «فاتقوا الله» اقتصر على ~~الأمر بالتقوى مع كونه مشفوعا بالصبر فيما سبق وما لحق للإشعار بإصالته ~~وكون الصبر من مباديه اللازمة له ولذلك قدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمر ~~بالتقوى على الإخبار بالنصر إيذان بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم أي ~~إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ «لعلكم تشكرون» أي راجين ~~أن تشكروا ما ينعم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم فيما قبل أو لعلكم ~~ينعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل فوضع الشكر موضع سببه الذي هو ~~الإنعام «إذ تقول» تلوين للخطاب بتخصيصه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتشريفه والإيذان بأن وقوع النصر كان ببشارته عليه السلام وإذ ظرف لنصركم ~~قدم عليه الأمر PageV02P079 # بالتقوى لإظهار كمال العناية به والمراد به الوقت الممتد الذي وقع فيه ما ~~ذكر بعده وما طوى ذكره تعويلا على شهادة الحال مما يتعلق به وجود النصر ~~وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لإستحضار صورتها أي نصركم وقت قولك ~~«للمؤمنين» حين أظهروا العجز عن المقاتلة قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كرز ~~بن جابر الحنفي يريد ان يمد المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم ~~حكى ههنا «ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف» الكفاية سد الخلة والقيام ~~بالأمر والإمداد في الأصل إعطاء الشئ حالا بعد حال قال المفضل ما كان منه ~~بطريق التقوية والإعانة يقال فيه أمده يمده إمدادا وما كان بطريق الزيادة ~~يقال فيه مده يمده مدا ومنه والبحر يمده من بعده سبعة أبحر وقيل المد في ~~الشر كما في قوله تعالى «ويمدهم في طغيانهم يعمهون» وقوله «ونمد له من ~~العذاب مدا» والإمداد في الخير كما في قوله تعالى ms0540 «وأمددناكم بأموال وبنين» ~~والتعرض لعنوان الربوبية ههنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ~~لإظهار العناية بهم والإشعار بعلة الإمداد والمعنى إنكار عدم كفاية الإمداد ~~بذلك المقدار ونفيه وكلمة لن للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر ~~لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم «من الملائكة» بيان أو صفة لآلاف أو لما ~~أضيف إليه أي كائنين من الملائكة «منزلين» صفة لثلاثة آلاف وقيل حال من ~~الملائكة وقرئ منزلين بالتشديد للتكثير أو للتدريج قيل أمدهم الله تعالى ~~أولا بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف وقرئ مبنيا للفاعل من الصيغتين ~~أي منزلين النصر «بلى» إيجاب لما بعد لن وتحقيق له أي بلى يكفيكم ذلك ثم ~~وعد لهم الزيادة بشرط الصبر والتقوى حثا لهم عليهما وتقوية لقلوبهم فقال ~~«إن تصبروا» على لقاء العدو ومناهضتهم «وتتقوا» معصية الله ومخالفة نبيه ~~عليه الصلاة والسلام «ويأتوكم» أي المشركين «من فورهم هذا» أي من ساعتهم ~~هذه وهو في الأصل مصدر فارت القدر أي اشتد غليانها ثم استعير للسرعة ثم ~~اطلق على كل حالة لا ريث فيها أصلا ووصفه بهذا لتأكيد السرعة بزيادة تعيينه ~~وتقريبه ونظم إتيانهم بسرعة في سلك شرطي الإمداد المستتبعين له وجودا وعدما ~~أعنى الصبر والتقوى مع تحقق الإمداد لا محالة سواء أسرعوا أو أبطئوا لتحقيق ~~سرعة الإمداد لا لتحقيق أصله أو لبيان تحققه على أي حال فرض على أبلغ وجه ~~وآكده بتعليقه بأبعد التقادير ليعلم تحققه على سائرها بالطريق الأولى فإن ~~هجوم الأعداء وإتيانهم بسرعة من مظان عدم لحوق المدد عادة فعلق به تحقق ~~الإمداد إيذانا بأنه حيث تحقق مع ما ينافيه عادة فلأن يتحقق بدونه أولى ~~وأحرى كما إذا أردت وصف درع بغاية الحصانة تقول أن لبستها وبارزت بها ~~الأعداء فضربوك بأيد شداد وسيوف حداد لم تتأثر منها قطعا «يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين» من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء أي ~~معلمين أنفسهم أو خيلهم فقد روى أنهم كانوا بعمائم بيض إلا جبريل عليه ~~السلام فإنه كان بعمامة صفراء على ms0541 مثال الزبير بن العوام وروى PageV02P080 # أنهم كانوا على خيل باق قال عروة بن الزبير كانت الملائكة على خيل بلق ~~عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم وقال هشام بن عروة عمائم صفر وقال ~~قتادة والضحاك وكانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها روى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه تسوموا فإن الملائكة قد تسومت وقرئ ~~مسومين على البناء للمفعول ومعناه معلمين من جهته سبحانه وقيل مرسلين من ~~التسويم بمعنى الإسامة «وما جعله الله» كلام مبتدأ غير داخل في حيز القول ~~مسوق من جنابه تعالى لبيان ان الأسباب الظاهرة بمعزل من التأثير وإن حقيقة ~~النصر مختص به عز وجل ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه ~~وأماراته معطوف على فعل مقدر ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام فإن ~~الأخبار بوقوع النصر على الإطلاق وتذكير وقته وحكاية الوعد بوقوعه على وجه ~~مخصوص هو الإمداد بالملائكة مرة بعد أخرى وتعيين وقته فيما مضى يقضي بوقوعه ~~حينئذ قضاء قطعيا لكن لم يصرح به تعويلا على تعاضد الدلائل وتآخذ الإمارات ~~والمخايل وإيذانا بكمال الغنى عنه بل احترازا عن شائبة التكرير أو عن إيهام ~~احتمال الخلف في الوعد المحتوم كأنه قيل عقيب قوله تعالى «يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين» فأمدكم بهم «وما جعله الله» الخ والجعل ~~متعد إلى واحد وهو الضمير العائد إلى مصدر ذلك الفعل المقدر وأما عودة إلى ~~المصدر المذكور أعني قوله تعالى أن يمدكم أو إلى المصدر المدلول عليه بقوله ~~تعالى يمددكم كما قيل فغير حقيق بجزالة التنزيل لأن الهيئة البسيطة متقدمة ~~على المركبة فبيان العلة الغائبة لوجود الإمداد كما هو المراد بالنظم ~~الكريم حقه ان يكون بعد بيان وجوده في نفسه ولا ريب في ان المصدر بن ~~المذكورين غير معتبرين من حيث الوجود والوقوع كمصدر الفعل المقدر حتى يتصدى ~~لبيان أحكام وجودهما بل الأول معتبر من حيث الكفاية والثاني من حيث الوعد ~~على أن الأول هو الإمداد بثلاثة آلاف والواقع هو الإمداد بخمسة آلاف وقوله ~~تعالى ms0542 «إلا بشرى لكم» استثناء مفرغ من أعم العلل وتلوين الخطاب لتشريف ~~المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البشارة وتسكين القلوب بتوفيق ~~الأسباب الظاهرة وان رسول الله صلى الله عليه وسلم غني عنه بماله من ~~التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة عيانا لشيء من ~~الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تنصرون «ولتطمئن قلوبكم به» أي بالإمداد ~~وتسكن إليه كما كانت السكينة لبني إسرائيل كذلك فكلاهما علة غائية للجعل ~~وقد نصب الأول لاجتماع شرائطه من اتحاد الفاعل والزمان وكونه مصدرا مسوقا ~~للتعليل وبقي الثاني على حاله لفقدانها وقيل للإشارة أيضا إلى أصالته في ~~العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى «والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة» وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بأن الملائكة عليهم السلام ~~لم يباشروا يومئذ القتال وانما كان إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين بتكثير ~~السواد ونحوه كما هو رأي بعض السلف رضي الله عنه وقيل الجعل متعد إلى ~~PageV02P081 # اثنين وقوله عز وجل إلا بشرى لكم استثناء من أعم المفاعيل أي وما جعله ~~الله تعالى شيئا من الأشياء إلا بشارة لكم فاللام في قوله تعالى ولتطمئن ~~متعلقة بمحذوف تقديره ولتطمئن قلوبكم به فعل ذلك «وما النصر» أي حقيقة ~~النصر على الإطلاق فيندرج في حكمه النصر المعهود إندراجا أوليا «إلا من عند ~~الله» أي إلا كائن من عنده تعالى من غير ان يكون فيه شركة من جهة الأسباب ~~والعدد وإنما هي مظاهر له بطريق جريان سنته تعالى أو وما النصر المعهود إلا ~~من عنده تعالى لا من عند الملائكة فإنهم بمعزل من التأثير وإنما قصارى ~~أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب «العزيز» أي الذي لا يغالب في حكمه ~~وأقضيته وإجراء هذا الوصف عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاص النصر به تعالى ~~كما أن وصفه بقوله «الحكيم» أي الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة للإيذان بعلة جعل النصر بإنزال الملائكة فأن ذلك من مقتضيات الحكم ~~البالغة «ليقطع» متعلق بقوله تعالى ولقد نصركم وما بينهما تحقيق لحقيقته ~~وبيان لكيفية وقوعه والمقصور ms0543 على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان ~~إنما هو الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح ذلك في تعليل أصل ~~النصر بالقطع وما عطف عليه أو بما تعلق به الخبر في قوله عز وعلا وما النصر ~~إلا من عند الله على تقدير كونه عبارة عن النصر المعهود وقد أشير إلى أن ~~المعلل بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر ~~المعنوي الذي هو ملاك الأمر وأما تغلقه بنفس النصر كما قيل فمع ما فيه من ~~الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر مخل بسداد المعنى كيف لا ومعناه ~~قصر النصر المخصوص المعلل بعلل معينة على الحصول من جهته تعالى وليس المراد ~~إلا قصر حقيقة النصر أو النصر المعهود على ذلك والمعنى لقد نصركم الله ~~يومئذ أو وما النصر الظاهر عند إمداد الملائكة إلا ثابت من عند الله ليقطع ~~أي يهلك وينقص «طرفا من الذين كفروا» أي طائفة منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك ~~حيث قتل من رؤسائهم وصناديدهم سبعون وأسر سبعون «أو يكبتهم» أي يخزيهم ~~ويغيطهم بالهزيمة فإن الكبت شدة غيظ أو وهن يقع في القلب من كبته بمعنى ~~كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة وقيل الكبت الإصابة بمكروه وقيل هو الصرع ~~للوجه واليدين فالتاء حينئذ غير مبدلة وأو للتنويع «فينقلبوا خائبين» أي ~~فينهزموا منقطعي الآمال غير فائزين من مبتغاهم بشئ كما في قوله تعالى «ورد ~~الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا» «ليس لك من الأمر شيء» اعتراض وسط ~~بين المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا ~~تأثير للمنثورين إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول صلى ~~الله عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره ~~بالطريق الأولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من ~~مظان ان يكون فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتال مدخل ~~في الجملة «أو يتوب عليهم أو يعذبهم» عطف على يكبتهم PageV02P082 # والمعنى أن مالك أمرهم ms0544 على الإطلاق هو الله عز وجل نصركم عليهم ليهلكهم ~~أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم ~~شيء إنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم والمراد بتعذيبهم التعذيب السديد ~~الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفرا وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقق في ~~الفريقين الأولين أيضا ونظم التوبة والتعذيب المذكور في سلك العلة الغائبة ~~للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث إن قبول توبتهم فرع تحققها الناشئ من ~~علمهم بحقية الإسلام بسبب غلبة أهله المترتبة على النصر وان تعذيبهم ~~بالعذاب المذكور مترتب على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه ~~المذكور هذا وقيل إن عتبة بن أبي وقاص شج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد وكسر رباعيته فجعل صلى الله عليه وسلم يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى ~~حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو ~~يدعوهم إلى ربهم فنزلت «ليس لك من الأمر شيء» الآية كأنه نوع معاتبة على ~~إنكاره عليه السلام لفلاحهم وقيل أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى ~~لعلمه بأن منهم من يؤمن فقوله تعالى «أو يتوب عليهم» حينئذ معطوف على الأمر ~~أو على شيء بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم ~~شيء أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذبهم ونقل عن الفراء وابن ~~الأنباري ان أو بمعنى الا ان والمعنى ليس لك من امرهم شئ إلا أن يتوب الله ~~عليهم فتفرح به أو يعذبهم فتشفى منهم وأيا ما كان فهو كلام مستأنف سيق ~~لبيان بعض الأمور المتعلقة بغزوة أحد إثر بيان بعض ما يتعلق بغزوة بدر لما ~~بينهما من التناسب الظاهر لأن كلا منهما مبني على اختصاص الأمر كله بالله ~~تعالى ومنبئ عن سلبه عمن سواه وأما تعلق كل القصة بغزوة أحد على أن قوله ~~تعالى إذ تقول بدل ثان من إذ غدوت وإن ما حكى عن رسول الله صلى الله ms0545 عليه ~~وسلم قد وقع يوم أحد وأن الإمداد الموعود كان مشروطا بالصبر والتقوى فلما ~~لم يفعلوا لم يتحقق الموعود كما قيل فلا يساعده النظم الكريم اما أولا فلأن ~~المشروط بالصبر والتقوى إنما هو الإمداد بخمسة آلاف لا بثلاثة آلاف مع أنه ~~لم يقع الإمداد يومئذ ولا بملك واحد وأما ثانيا فلأنه كان ينبغي حينئذ أن ~~ينعى عليهم جناياتهم وحرمانهم بسببها تلك النعمة الجليلة ودعوى ظهوره مع ~~عدم دلالة السباق والسياق عليه بل مع دلالتهما على خلافه مما لا يكاد يسمع ~~واما ثالثا فلأنه لا سبيل إلى جعل الضمير في قوله تعالى وما جعله الله الخ ~~عائدا إلى الإمداد الموعود لأنه لم يتحقق فكيف يبين علته الغائية ولا إلى ~~الوعد به على معنى أنه تعالى إنما جعل ذلك الوعد لبشارتكم واطمئنان قلوبكم ~~فلم تفعلوا ما شرط عليكم من الصبر والتقوى فلم يقع إنجاز الموعود لما أن ~~قوله تعالى وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم صريح في أنه قد وقع ~~الإمداد الموعود لكن أثره إنما هو مجرد البشارة والاطمئنان وقد حصلا واما ~~النصر الحقيقي فليس ذلك إلا من عنده تعالى وجعله استئنافا مقررا لعدم وقوع ~~الإمداد على معنى أن النصر الموعود مخصوص به تعالى فلا ينصر من خالف امره ~~بترك الصبر والتقوى اعتساف بين يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله على ان قوله ~~تعالى ليقطع طرفا الآية متعلق حينئذ بما تعلق به قوله تعالى من عند الله من ~~الثبوت والاستقرار وضرورة أن تعلقه بقوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر الآية ~~مع كون ما بينهما من التفصيل متعلقا بوقعة أحد من قبيل الفصل بين الشجر ~~ولحائه فلا بد من اعتبار وجود النصر قطعا لأن تفصيل الأحكام المترتبة على ~~وجود شيء PageV02P083 # بصدد بيان انتفائه مما لم يعهد في كلام الناس فضلا عن الكلام المجيد ~~فالحق الذي لا محيد عنه أن قوله تعالى إذ تقول ظرف لنصركم وأن ما حكى في ~~أثنائه إلى قوله تعالى خائبين متعلق بيوم بدر قطعا وما بعده محتمل الوجهين ms0546 ~~المذكورين وقوله تعالى «فإنهم ظالمون» تعليل على كل حال لقوله تعالى أو ~~يعذبهم مبين لكون ذلك من جهتهم وجزاء لظلمهم «ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض» كلام مستأنف سيق لبيان اختصاص ملكوت كل الكائنات به عز وجل إثر بيان ~~اختصاص طرف من ذلك به سبحانه تقريرا لما سبق وتكمله له وتقديم الجار للقصر ~~وكلمة ما شاملة للعقلاء أيضا تغليبا أي له ما فيهما من الموجودات خلقا ~~وملكا لا مدخل فيه لأحد أصلا فله الأمر كله «يغفر لمن يشاء» أن يغفر له ~~مشيئة مبنية على الحكم والمصالح «ويعذب من يشاء» أن يعذبه بعمله مشيئة كذلك ~~وإيثار كلمة من في الموضعين لاختصاص المغفرة والتعذيب بالعقلاء وتقديم ~~المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمته تعالى غضبه وبأنها من مقتضيات ~~الذات دونه فإنه من مقتضيات سيئات العصاة وهذا صريح في نفي وجوب التعذيب ~~والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له «والله غفور رحيم» تذييل مقرر لمضمون ~~قوله تعالى يغفر لمن يشاء مع زيادة وفي تخصيص التذييل به دون قرينة من ~~الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربا» كلام مبتدأ مشتمل على ما هو ملاك الأمر في كل باب لا سيما في باب ~~الجهاد من التقوى والطاعة وما بعدهما من الأمور المذكورة على نهج الترغيب ~~والترهيب جيء به في تضاعيف القصة مسارعة إلى إرشاد المخاطبين إلى ما فيه ~~وإيذانا بكمال وجوب المحافظة عليه فيما هم فيه من الجهاد فإن الأمور ~~المذكورة فيه مع كونها مناطا للفوز في الدارين على الإطلاق عمدة في أمر ~~الجهاد عليها يدور فلك النصرة والغلبة كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى ~~وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما لقوا ما لقوا ولعل إيراد النهي عن ~~الربا في أثنائها لما ان الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته ~~الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة ~~الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها الربا فنهوا عن ذلك والمراد بأكله أخذه ~~وإنما عبر ms0547 عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد بالأخذ ولشيوعه في المأكولات مع ~~ما فيه من زيادة تشنيع وقوله عز وجل «أضعافا مضاعفة» ليس لتقييد النهي به ~~بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة توبيخا لهم بذلك إذ كان الرجل يربي إلى ~~أجل فإذا حل قال للمدين زدني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعل وهكذا عند ~~محل كل أجل فيستغرق بالشيء الطفيف ماله بالكلية ومحله النصب على الحالية من ~~الربا وقرئ مضعفة «واتقوا الله» فيما نهيتم عنه من الأمور التي من جملتها ~~الربا «لعلكم تفلحون» راجين للفلاح «واتقوا النار التي أعدت للكافرين» ~~PageV02P084 # بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطونه كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى ~~يقول هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين ~~إن لم يتقوه في اجتناب محارمه «وأطيعوا الله» في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ~~«والرسول» الذي يبلغكم أوامره ونواهيه «لعلكم ترحمون» راجين لرحمته عقب ~~الوعيد بالوعد ترهيبا عن المخالفة وترغيبا في الطاعة وإيراد لعل في ~~الموضعين للإشعار بعزة منال الفلاح والرحمة قال محمد بن اسحق هذه الآية ~~معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين امرهم بما امرهم يوم ~~أحد «وسارعوا» عطف على أطيعوا وقرئ بغير واو على وجه الاستئناف أي بادروا ~~وأقبلوا وقرئ سابقوا «إلى مغفرة من ربكم وجنة» أي إلى ما يؤدي إليهما وقيل ~~إلى الإسلام وقيل إلى التوبة وقيل إلى الإخلاص وقيل إلى الجهاد وقيل إلى ~~أداء جميع الواجبات وترك جميع المنهيات فيدخل فيها ما مر من الأمور المأمور ~~بها والمنهي عنها دخولا أوليا وتقديم المغفرة على الجنة لما ان التخلية ~~متقدمة على التحلية ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لمغفرة أي كائنة من ربكم ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف ~~بهم وقوله تعالى «عرضها السماوات والأرض» أي كعرضهما صفة لجنة وتخصيص العرض ~~بالذكر للمبالغة في وصفها بالسعة والبسطة على طريقة التمثيل فإن العرض في ~~العادة أدنى من الطول وعن ابن عباس رضي ms0548 الله عنهما كسبع سماوات وسبع أرضين ~~لو وصل بعضها ببعض «أعدت للمتقين» في حيز الجر على انه صفة أخرى لجنة أو في ~~محل النصب على الحالية منها لتخصصها بالصفة أي هيئت لهم وفيه دليل على ان ~~الجنة مخلوقة الآن وانها خارجة عن هذا العالم «الذين ينفقون» في محل الجر ~~على انه نعت للمتقين مادح لهم أو بدل منه أو بيان أو في حيز النصب أو الرفع ~~على المدح ومفعول ينفقون محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق أو متروك ~~بالكلية كما في قولك يعطي ويمنع «في السراء والضراء» في حالتي الرخاء ~~والشدة واليسر والعسر أو في الأحوال كلها إذ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو ~~مضرة أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير ~~«والكاظمين الغيظ» عطف على الموصول والعدول إلى صيغة الفاعل للدلالة على ~~الاستمرار واما الإنفاق فحيث كان أمرا متجددا عبر عنه بما يفيد الحدوث ~~والتجدد والكظم الحبس يقال كظم غيظه أي حبسه قال المبرد تأويله أنه كتمه ~~على امتلائه منه يقال كظمت السقاء إذا ملأته وشددت عليه أي الممسكين عليه ~~الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه وعن النبي صلى الله عليه وسلم من كظم ~~غيظا وهو قادر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا «والعافين عن الناس» ~~PageV02P085 # أي التاركين عقوبة من استحق مؤاخذته روى انه ينادي مناد يوم القيامة أين ~~الذين كانت أجورهم على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفا وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله وقد كانوا كثيرا في الأمم ~~التي مضت وفي هذين الوصفين إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام ~~عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا مخالفة أمره عليه السلام وندب له عليه ~~السلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله ~~عنه حيث قال حين رآه قد مثل به لأمثلن بسبعين مكانك «والله يحب المحسنين» ~~اللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا ms0549 أوليا وإما للعهد عبر عنهم بالمحسنين ~~إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على ~~الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره عليه ~~السلام بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك والجملة ~~تذييل مقرر لمضمون ما قبلها «والذين» مرفوع على الابتداء وقيل مجرور معطوف ~~على ما قبله من صفات المتقين وقوله تعالى «والله يحب المحسنين» اعتراض ~~بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى من ~~درجة هؤلاء وحظهم أوفى من حظهم أو على نفس المتقين فيكون التفاوت أكثر ~~وأظهر «إذا فعلوا فاحشة» أي فعلة بالغة في القبح كالزنا «أو ظلموا أنفسهم» ~~بأن أتوا ذنبا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة أو ~~الفاحشة ما يتعدى إلى الغير وظلم النفس ما ليس كذلك قيل قال المؤمنون يا ~~رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله تعالى منا كان أحدهم إذا أذنب ~~أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره افعل كذا فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وقيل إن نبهان التمار أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا فقال لها هذا ~~التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه ~~وقبلها فقالت له إتق الله فتركها وندم على ذلك وأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذكر له ذلك فنزلت وقيل جرى مثل هذا بين أنصاري وامرأة ورجل ثقفي كان ~~بينهما مؤاخاة فندم الأنصاري وحثا على رأسه التراب وهام على وجهه وجعل يسيح ~~في الجبال تائبا مستغفرا ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت وأيا ما ~~كان فإطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الزناة انتظاما أوليا «ذكروا الله» تذكروا ~~حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء أو وعيده أو حكمه وعقابه ~~«فاستغفروا لذنوبهم» بالتوبة والندم والفاء للدلالة على أن ذكره تعالى ~~مستتبع للاستغفار لا محالة «ومن يغفر الذنوب» استفهام إنكاري والمراد ~~بالذنوب جنسها كما في قولك فلان يلبس الثياب ويركب الخيل لا ms0550 كلها حتى يخل ~~بما هو المقصود من استحالة صدور مغفرة فرد منها عن غيره تعالى وقوله تعالى ~~«إلا الله» بدل من الضمير المستكن في يغفر أي لا يغفر جنس الذنوب أحد إلا ~~الله خلا أن دلالة الاستفهام على الانتفاء أقوى وأبلغ لإيذانه بأن كل أحد ~~ممن له حظ من الخطاب يعرف ذلك الانتفاء فيسارع إلى الجواب به والمراد به ~~وصفه سبحانه بغاية سعة الرحمة وعموم المغفرة والجملة معترضة بين المعطوفين ~~أو PageV02P086 # بين الحال وصاحبها لتقرير الاستغفار والحث عليه والإشعار بالوعد بالقبول ~~«ولم يصروا» عطف على فاستغفروا وتأخيره عنه مع تقدم عدم الإصرار على ~~الاستغفار رتبة لإظهار الاعتناء بشأن الاستغفار واستحقاقه للمسارعة إليه ~~عقيب ذكره تعالى أو حال من فاعله أي ولم يقيموا أو غير مقيمين «على ما ~~فعلوا» أي ما فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلما أو على فعلهم روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين ~~مرة وأنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار «وهم يعلمون» حال من ~~فاعل يصروا أي لم يصيروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه والنهي عنه والوعيد ~~عليه والتقييد بذلك لما أنه قد يعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن عن تقصير في ~~تحصيل العلم به «أولئك» إشارة إلى المذكورين آخرا باعتبار اتصافهم بما مر ~~من الصفات الحميدة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم ~~في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى «جزاؤهم» بدل اشتمال منه وقوله تعالى ~~«مغفرة» خبر له أو جزاؤهم مبتدأ ثان ومغفرة خبر له والجملة خبر لأولئك وهذه ~~الجملة خبر لقوله تعالى والذين إذا فعلوا الخ على الوجه الأول وهو الأظهر ~~الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على الوجهين ~~الأخريين يكون قوله تعالى أولئك الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها كاشفة عن ~~حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر من أوصاف الأولين ما فيه ~~شائبة الذنب حتى يذكر في ms0551 مطلع الجزاء الشامل لها المغفرة وتخصيص الإشارة ~~بالآخرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسف ظاهر «من ربهم» متعلق ~~بمحذوف وقع صفة لمغفرة مؤكدة لما إفادة التنوين من الفخامة الذاتية ~~بالفخامة الإضافية أي كائنة من جهته تعالى والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحكم والتشريف «وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار» عطف على مغفرة والتنكر المشعر بكونها أدنى من الجنة مما يؤيد ~~رجحان الوجه الأول «خالدين فيها» حال مقدرة من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعول ~~به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها ولا مساغ لأن يكون ~~حالا من جنات في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير ~~«ونعم أجر العاملين» المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك أي ما ~~ذكر من المغفرة والجنات والتعبير عنهما بالأجر المشعر بأنهما يستحقان ~~بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضل لمزيد الترغيب في الطاعات والزجر عن ~~المعاصي والجملة تذييل مختص بالتائبين حسب اختصاص التذييل السابق بالأولين ~~وناهيك مضمونها دليلا على ما بين الفريقين من التفاوت النير والتباين البين ~~شتان بين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبين العاملين الحائزين ~~لأجرتهم وعمالتهم «قد خلت من قبلكم سنن» رجوع إلى تفصيل بقية القصة بعد ~~تمهيد مبادئ الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح PageV02P087 # والخلو المضي والسنن والوقائع وقيل الأمم والظرف إما متعلق بخلت أو ~~بمحذوف وقع حالا من سنن أي قد مضت من قبل زمانكم أو كائنة من قبلكم وقائع ~~سنها الله تعالى في الأمم المكذبة كما في قوله تعالى وقتلوا تقتيلا سنة ~~الله في الذين خلوا الخ والفاء في قوله تعالى «فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين» للدلالة على سببية خلوها للسير والنظر أو للأمر بهما ~~وقيل المعنى على الشرط أي إن شككتم فسيروا الخ وكيف خبر مقدم لكان معلق ~~لفعل النظر والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار ~~«هذا» إشارة إلى ما سلف من قوله تعالى «قد خلت» ms0552 إلى آخره «بيان للناس» أي ~~تبيين لهم على أن اللام متعلقة بالمصدر أو كائن لهم على انها متعلقة بمحذوف ~~وقع صفة له وتعريف الناس للعهد وهم المكذبون أي هذا إيضاح لسوء عاقبة ما هم ~~عليه من التكذيب فإن الأمر بالسير والنظر وإن كان خاصا بالمؤمنين لكن العمل ~~بموجبه غير مختص بواحد دون واحد ففيه حمل للمكذبين أيضا على أن ينظروا في ~~عواقب من قبلهم من أهل التكذيب ويعتبروا بما يعاينون من أثار دمارهم وإن لم ~~يكن الكلام مسوقا لهم «وهدى وموعظة» أي وزيادة بصيرة وموعظة لكم وإنما قيل ~~«للمتقين» للإيذان بعلة الحكم فإن مدار كونه هدى وموعظة لهم إنما هو تقواهم ~~ويجوز أن يراد بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى والموعظة على ظاهرهما ~~أي هذا بيان لمآل أمر الناس وسوء مغبته وهداية لمن اتقى منهم وزجر لهم عما ~~هم عليه من التكذيب وان يراد به ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل ويراد ~~بالهدى والموعظة أيضا ما يعم ابتداءهما والزيادة فيهما وإنما قدم كونه ~~بيانا للمكذبين مع أنه غير مسوق له على كونه هدى وموعظة للمتقين مع أنه ~~المقصود بالسياق لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهور حال ~~أخلافهم وأما زيادة الهدى أو أصله فأمر مترتب عليه وتخصيص البيان للناس مع ~~شموله للمتقين أيضا لما أن المراد به مجرد البيان العاري عن الهدى والعظة ~~والاقتصار عليهما في جانب المتقين مع ترتبهما على البيان لما انهما المقصد ~~الأصلي ويجوز أن يكون تعريف الناس للجنس أي هذا بيان للناس كافة وهدى ~~وموعظة للمتقين منهم خاصة وقيل كلمة هذا إشارة إلى ما لخص من أمر المتقين ~~والتائبين والمصرين وقوله تعالى قد خلت الآية اعتراض للبعث على الإيمان وما ~~يستحق به ما ذكر من أجر العاملين وأنت خبير بأن الاعتراض لا بد أن يكون ~~مقررا لمضمون ما وقع في خلالة ومعاينة آثار هلاك المكذبين مما لا تعلق له ~~بحال أحد الأصناف الثلاثة للمؤمنين وإن كان باعثا على الإيمان زاجرا عن ~~التكذيب وفيل إشارة ms0553 إلى القرآن ولا يخفى بعده «ولا تهنوا ولا تحزنوا» تشجيع ~~للمؤمنين وتقوية لقلوبهم وتسلية عما أصابهم يوم أحد من القتل والقرح وكان ~~قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب ~~راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبه PageV02P088 # رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن الأنصار سبعون رجلا رضي الله عنهم أي ~~لا تضعفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على من قتل منكم ~~«وأنتم الأعلون» جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال انكم الأعلون ~~الغالبون دون عدوكم فإن مصير امرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من أحوال ~~اسلافهم فهو تصريح بالوعد بالنصر والغلبة بعد الإشعار به فيما سبق أو وأنتم ~~المعهودون بغاية علوا الشأن لما انكم على الحق وقتالكم لله عز وجل وقتلاكم ~~في الجنة وهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار وقيل وأنتم ~~الأعلون حالا منهم حيث أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم «إن ~~كنتم مؤمنين» متعلق بالنهى أو بالأعلون وجوابه محذوف لدلالة ما تعلق به ~~عليه أي إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فإن الإيمان يوجب قوة القلب ~~والثقة بصنع الله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه أو ان كنتم مؤمنين فأنتم ~~الأعلون فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة أو إن كنتم مصدقين بوعد الله ~~تعالى فأنتم الأعلون وأيا ما كان فالمقصود تحقيق المعلق بناء على تحقيق ~~المعلق به كما في قول الأجير إن كنت عملت لك فأعطني أجري ولذلك قيل معناه ~~إذ كنتم مؤمنين وقيل معناه إن بقيتم على الإيمان «إن يمسسكم قرح فقد مس ~~القوم قرح مثله» القرح بالفتح والضم لغتان كالضعف والضعف وقد قرئ بهما وقيل ~~هو بالفتح والجراح وبالضم ألمها وقرئ بفتحين وقيل القرح والقرح كالطرد ~~والطرد والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم ~~يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم ms0554 بالقتال فأنتم أحق بأن لا تضعفوا ~~فإنكم ترجون من الله مالا يرجون وقيل كلا المسلمين كان يوم أحد فإن ~~المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا منهم صاحب لوائهم وجرحوا عددا كثيرا وعقروا ~~عامة خيلهم بالنبل «وتلك الأيام» إشارة إلى الأيام الجارية فيما بين الأمم ~~الماضية والآتية كافة لا إلى الأيام المعهودة خاصة من يوم بدر ويوم أحد بل ~~هي داخلة فيها دخولا أوليا والمراد بها أوقات الظفر والغلبة «نداولها بين ~~الناس» نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقول من قال * فيوما ~~علينا * ويوما لنا ويوما نساء ويوما نسر * والمداولة كالمعاورة يقال داولته ~~بينهم فتداولوه أي عاورته فتعاوره واسم الإشارة مبتدأ والأيام إما صفة له ~~أو بدل منه أو عطف بيان له فنداولها خبره أو خبر فنداولها حال من الأيام ~~والعامل معنى اسم الإشارة أو خبر بعد خبر وصيغة المضارع الدالة على التجدد ~~والاستمرار للإيذان بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة ~~سابقتها ولاحقتها وفيه ضرب من التسلية وقوله عز وجل «وليعلم الله الذين ~~آمنوا» إما من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين ~~الثابتين على الإيمان من غيرهم أو العلم فيه مجاز عن التمييز بطريق إطلاق ~~اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله ~~تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز PageV02P089 # الخبيث من الطيب أو هو على حقيقته معتبر من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث ~~إنه موجود بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلك الجزاء لا من حيث إنه موجود ~~بالقوة وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه للإيذان بأن ~~أسم الإيمان لا ينطلق على غيره والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى أسم الذات ~~المستجمع للصفات لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد ~~التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معين من صفاته تعالى مغاير لمنشأ ~~الآخر والجملة ms0555 عله لما هو فرد من أفراد مطلق المداولة التي نطق بها قوله ~~تعالى نداولها بين الناس من المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين ~~والكافرين واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد بالوقوع بين ~~الفريقين المذكورين أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما والجملة ~~معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص والتعيين محذوفة لدلالة ~~المذكورة عليها لكونها من مباديها كأنه قيل نداولها بينكم وبين عدوكم ليظهر ~~امركم وليعلم الخ فإن ظهور أعمالهم وخروجها من القوة إلى الفعل من مبادى ~~تمييزهم عن غيرهم ومواجب تعلق العلم الأزلي بها من تلك الحيثية وكذا الحال ~~في باب التمثيل فتأمل وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير ~~منحصرة فيها عدد من الأمور وأن العبد يسوءه ما يجرى عليه من النوائب ولا ~~يشعر بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفية مالا يخطر بالبال ~~كأنه قيل نداولها بينكم ليكون من المصالح كيت وكيت وليعلم الخ وفيه من ~~تأكيد التسلية ومزيد التبصرة مالا يخفى وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من ~~مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية فيما بين بقية الأمم تعيينا أو ~~إبهاما لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة ~~عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالا إلى أن كل فرد من أفرادها له علة داعية ~~إليه كأنه قيل نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى ~~تلك الافراد وليعلم الخ فاللام الأولى متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده ~~بتلك الأفراد والثانية باعتبار تقييده بالفرد المعهود وقيل هي متعلقة ~~بمحذوف مؤخر تقديره وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك «ويتخذ منكم شهداء» ~~جمع شهيد أي ويكرم ناسا منكم بالشهادة وهم شهداء أحد فمن ابتدائية أو ~~تبعيضية متعلقة بيتخذ أو بمحذوف وقع حالا من شهداء أو جمع شاهد أي ويتخذ ~~منكم شهودا معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبر على الشدائد ~~وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة فمن بيانية لأن ms0556 تلك ~~الشهادة وظيفة الكل دون المستشهدين فقط وأيا ما كان ففي لفظ الاتخاذ المنبئ ~~عن الاصطفاء والتقريب من تشريفهم وتفخيم شأنهم مالا يخفى وقوله تعالى ~~«والله لا يحب الظالمين» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله ونفى المحبة كناية عن ~~البغض وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم والمراد بهم ~~إما غير الثابتين على الإيمان فالتقرير من حيث أن بغضه تعالى لهم من دواعي ~~إخراج المخلصين المصطفين للشهادة من بينهم وإما الكفرة الذين أديل لهم ~~فالتقرير من حيث إن ذلك ليس بطريق النصرة لهم فإنها مختصة بأوليائه تعالى ~~بل لما ذكر من الفوائد العائدة إلى المؤمنين وقوله تعالى «وليمحص الله ~~الذين آمنوا» أي ليصفيهم ويطهرهم من PageV02P090 # الذنوب عطف على يتخذ وتكرير اللام لتذكير التعليل لوقوع الفصل بينهما ~~بالاعتراض وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لإبراز مزيد الاعتناء بشأن ~~التمحيص وهذه الأمور الثلاثة علل للمداولة المعهودة باعتبار كونها على ~~المؤمنين قدمت في الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان ولعل تأخير العلة ~~الأخيرة عن الاعتراض لئلا يتوهم اندراج المذنبين في الظالمين أو ليقترن ~~بقوله عز وجل «ويمحق الكافرين» فإن التمحيص فيه محو الآثار وإزالة الأوضار ~~كما أن المحق عبارة عن النقص والإذهاب قال المفضل وهو أن يذهب الشئ بالكلية ~~حتى لا يرى منه شئ ومنه قوله تعالى يمحق الله الربا أي يستأصله وهذه علة ~~للمداولة باعتبار كونها على الكافرين والمراد بهم الذين حاربوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر وقد محقهم الله عز وجل جميعا ~~«أم حسبتم» كلام مستأنف سيق لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة ~~والنتيجة لما ذكر من تمييز المخلصين وتمحيصهم واتخاذ الشهداء وإظهار عزة ~~منالها والخطاب للذين انهزموا يوم أحد وأم منقطعة وما فيها من كلمة بل ~~للإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من ~~مبادى الفوز بالمطلب الأسنى والهمزة للإنكار والاستبعاد أي بل أحسبتم «أن ~~تدخلوا الجنة» وتفوزوا بنعيمها وقوله تعالى «ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم» حال من ms0557 ضمير تدخلوا مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر بغير عمل ممن يعلم ~~أنه منوط به مستبعد عند العقول وعدم العلم كناية عن عدم المعلوم لما بينهما ~~من اللزوم المبنى على لزوم تحقق الأول لتحقق الثاني ضرورة استحالة تحقق شئ ~~بدون علمه تعالى به وإيثارها على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد ~~فإنها إثبات لعدم جهادهم بالبرهان وللإيذان بأن مدار ترتب الجزاء على ~~الأعمال إنما هو علم الله تعالى بها كأنه قيل والحال أنه لم يوجد الذين ~~جاهدوا منكم وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفى هو الوصف فقط وكان ~~يكفى أن يقال ولما يعلم الله جهادكم كناية عن معنى ولما تجاهدوا للمبالغة ~~في بيان انتفاء الوصف وعدم تحققه أصلا وفي كلمة لما إيذان بان الجهاد متوقع ~~منهم فيما يستقبل إلا أنه غير معتبر في تأكيد الإنكار وقرئ يعلم بفتح الميم ~~على أن أصله يعلمن فحذفت النون أو على طريقة اتباع الميم لما قبلها في ~~الحركة لإبقاء تفخيم اسم الله تعالى ومنكم حال من الذين «ويعلم الصابرين» ~~منصوب بإضمار أن على أن الواو للجمع كما في قولك لا تأكل السمك وتشرب اللبن ~~أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما وإيثار اسم الفاعل ~~على الموصول للدلالة على أن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على ~~الفواصل وقيل مجزوم معطوف على المجزوم قبله قد حرك لالتقاء الساكنين بالفتح ~~للخفة والاتباع كما مر ويؤيده القراءة بالكسر على ما هو الأصل في تحريك ~~الساكن وقرئ يعلم بالرفع على ان الواو للحال وصاحبها الموصول والمبتدأ ~~محذوف أي وهو يعلم الصابرين كأنه قيل ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ~~PageV02P091 # «ولقد كنتم تمنون الموت» أي تتمنون الحرب فإنها من مبادئ الموت أو الموت ~~بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يشهدوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة ~~فألحوا على رسول الله صلى ms0558 الله عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك ~~«من قبل أن تلقوه» متعلق بتمنون مبين لسبب إقدامهم على التمني من قبل أن ~~تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته وقرئ تلاقوه «فقد رأيتموه» أي ما تتمنونه من ~~أسباب الموت أو الموت بمشاهدة أسبابه وقوله تعالى «وأنتم تنظرون» حال من ~~ضمير المخاطبين وفي إيثار الرؤية على الملاقاة وتقييدها بالنظر مزيد مبالغة ~~في مشاهدتهم له والفاء فصيحة كأنه قيل إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد ~~رأيتموه معاينين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم ~~أن تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ~~ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة بناء على تضمنها لغلبة الكفار لما ~~أن مطلب من يتمناها نيل كرامة الشهداء من غير أن يخطر بباله شئ غير ذلك فلا ~~يستحق العتاب من تلك الجهة «وما محمد إلا رسول» مبتدأ وخبر ولا عمل لما ~~بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا وقوله تعالى «قد خلت من قبله الرسل» صفة لرسول ~~منبئة عن كونه في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوة ~~عليه الصلاة والسلام لا محالة كأنه قيل قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما ~~خلوا والقصر قلبي فإنهم لما انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه عليه ~~الصلاة والسلام رسول لا كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا ويحب التمسك ~~بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدهم فرد عليهم بأنه ليس إلا رسولا ~~كسائر الرسل فسيخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه كما يجب التمسك بدينهم وقيل ~~هو قصر إفراد فإنهم لما استعظموا عدم بقائه عليه الصلاة والسلام لهم نزلوا ~~منزلة المستبعدين لهلاكه كأنهم يعتقدون فيه عليه الصلاة والسلام وصفين ~~الرسالة والبعد عن الهلاك فرد عليهم بأنه مقصور على الرسالة لا يتجاوزها ~~إلى البعد عن الهلاك فلا بد حينئذ من جعل قوله تعالى قد خلت الخ كلاما ~~مبتدأ مسوقا لتقرير عدم براءته عليه الصلاة والسلام من الهلاك وبيان كونه ~~أسوة لمن ms0559 قبله من الرسل عليهم السلام وأيا ما كان فالكلام يخرج على خلاف ~~مقتضى الظاهر «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» إنكار لارتدادهم ~~وانقلابهم عن الدين بخلوة بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء ~~دينهم متمسكا به وقيل الفاء للسببية والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل ~~قبله سببا لانقلابهم بعد وفاته مع كونه سببا في الحقيقة لثباتهم على الدين ~~وإيراد الموت بكلمة أن مع علمهم به البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين ~~فيه لما ذكر من استعظامهم إياه وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة إن في ~~كلام الله تعالى لا تجرى على ظاهرها قط ضرورة علمه تعالى بالوقوع ~~PageV02P092 # أو اللا وقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع أو أمر آخر يناسب المقام ~~وتقديم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي ثار منه الفتنة وعظم فيه ~~المحنة لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على ~~التثبيت هناك أهم ولأن الوصف الجامع بينه وبين الرسل عليهم السلام هو الخلو ~~بالموت دون القتل روى أنه لما التقى الفئتان حمل أبو دجانة في نفر من ~~المسلمين على المشركين فقاتل قتالا شديدا وقاتل على بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قتالا عظيما حتى التوى سيفه وكذا سعد بن أبي وقاص فقتلوا جماعة من ~~المشركين وهزموهم فلما نظر الرماة إليهم ورأوا أنهم قد انهزموا أقبلوا على ~~النهب ولم يلتفتوا إلى نهى أميرهم عبد الله بن جبير فلم يبق منهم عنده إلا ~~ثمانية نفر فلما رآهم خالد بن الوليد قد اشتغلوا بالغنيمة حمل عليهم في ~~مائتين وخمسين فارسا من المشركين من قبل الشعب وقتلوا من بقي من الرماة ~~ودخلوا خلف أقفية المسلمين ففرقوهم وهزموهم وحملوا على أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقاتلوهم حتى أصيب هناك نحو ثلاثين رجلا كل منهم يجثوا بين ~~يديه ويقول وجهي لوجهك وقاء ونفسي لنفسك فداء وعليك سلام الله غير مودع ~~ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0560 بحجر فكسر ~~رباعيته وشج وجهه الكريم فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وكان صاحب ~~الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يزعم أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~قتلت محمدا وصارخ قيل إنه إبليس ألا إن محمدا قد قتل فانكفأ الناس وجعل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عباد الله قال كعب بن مالك كنت أول من ~~عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين فناديت بأعلى صوتي يا معشر ~~المسلمين هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه ~~وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون وقال بعضهم ليت بن أبي يأخذ ~~لنا أمانا من أبي سفيان وقال ناس من المنافقين لو كان نبيا لما قتل ارجعوا ~~إلى إخوانكم وإلى دينكم فقال أنس بن النضر وهو عم أنس بن مالك يا قوم إن ~~كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا كراما على ما مات عليه ثم ~~قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم ~~شد بسيفه وقاتل حتى قتل وتجويزهم لقتله عليه الصلاة والسلام مع قوله تعالى ~~«والله يعصمك من الناس» لما أن كل آية ليس يسمعها كل أحد ولا كل من يسمعها ~~يستحضرها في كل مقام لا سيما في مثل ذلك المقام الهائل وقد غفل عمر رضى ~~الله عنه عن هذه الآية الكريمة عند وفاته عليه الصلاة والسلام وقام في ~~الناس فقال إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~توفى وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب ~~عن قومه أربعين ليلة ثم رجع والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم ~~يزل يكرر ذلك إلى أن قام أبو ms0561 بكر رضي الله عنه فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ~~ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله ~~فإن الله حي لا يموت ثم تلا «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل» ~~الآية قال الراوي والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر وقال عمر رضي الله عنه والله ما ~~هو إلا أن سمعت أبا بكر رضي الله عنه يتلو فعقرت حتى ما تحملني رجلاى وعرفت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات «ومن ينقلب على عقبيه» بإدباره عما ~~كان يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الجهاد وغيره ~~PageV02P093 # وقيل بارتداده عن الإسلام وما ارتد يومئذ أحد من المسلمين إلا ما كان من ~~المنافقين «فلن يضر الله» بما فعل من الانقلاب «شيئا» أي شيئا من الضرر ~~وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب «وسيجزي الله الشاكرين» أي الثابتين ~~على دين الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف سموا بذلك لأن الثبات عليه ~~شكر له وعرفان لحقه وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين وروى عن ابن عباس رضى ~~الله عنهما أن المراد بهم الطائعون لله تعالى من المهاجرين والأنصار وعن ~~على رضي الله عنه أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم وعنه رضي الله عنه أنه قال ~~أبو بكر من الشاكرين ومن أحباء الله تعالى وإظهار الاسم الجليل في موقع ~~الإضمار لإبراز مزيد الاعتناء بشأن جزائهم «وما كان لنفس أن تموت» كلام ~~مستأنف سيق للتنبيه على خطئهم فيما فعلوا حذرا من قتلهم وبناء على الإرجاف ~~بقتله عليه الصلاة والسلام ببيان أن موت كل نفس منوط بمشيئة الله عز وجل لا ~~يكاد يقع بدون تعلقها به وإن خاضت موارد الخوف واقتحمت مضايق كل هول مخوف ~~وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقة بموتهم في الوقت الذي حذروه فيه ~~ولذلك لم يقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتال ms0562 وكلمة كان ناقصة اسمها ~~أن تموت وخبرها الظرف على انه متعلق بمحذوف وقوله تعالى «إلا بإذن الله» ~~استثناء مفرغ من أعم الأسباب أي وما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس بسبب ~~من الأسباب إلا بمشيئته تعالى على ان الإذن مجاز منها لكونها من لوازمه أو ~~إلا بإذنه لملك الموت في قبض روحها وسوق الكلام مساق التمثيل بتصوير الموت ~~بالنسبة إلى النفوس بصورة الأفعال الاختيارية التي لا يتسنى للفاعل إيقاعها ~~والإقدام عليها بدون إذنه تعالى أو بتنزيل إقدامها على مباديه أعنى القتال ~~منزلة الإقدام على نفسه للمبالغة في تحقيق المرام فإن موتها حيث استحال ~~وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند ~~عدم ذلك أولى وأظهر وفيه من التحريض على القتال مالا يخفى «كتابا» مصدر ~~مؤكد لمضمون ما قبله أي كتبه الله كتابا «مؤجلا» موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ~~ولا يتأخر ولو ساعة وقرئ موجلا بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف وبعد ~~تحقيق أن مدار الموت والحياة محض مشيئة الله عز وجل من غير أن يكون فيه ~~مدخل لأحد أصلا أشير إلى أن توفية ثمرات الأعمال دائرة على إرادتهم ~~ليصرفوها عن الأغراض الدنية إلى المطالب السنية فقيل «ومن يرد» أي بعمله ~~«ثواب الدنيا نؤته» بنون العظمة على طريق الالتفات «منها» أي من ثوابها ما ~~نشاء أن نؤتيه إياه كما في قوله عز وجل من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ~~ما نشاء لمن نريد وهو تعريض بمن شغلتهم الغنائم يومئذ وقد مر تفصيله «ومن ~~يرد» أي بعمله «ثواب الآخرة نؤته منها» أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف ~~حسبما جرى به الوعد الكريم «وسنجزي الشاكرين» نعمة الإسلام الثابتين عليه ~~الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من ~~طاعة الله تعالى لا يلويهم PageV02P094 # عن ذلك صارف أصلا والمراد بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداء وغيرهم ~~وإما جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أوليا والجملة اعتراض مقرر لمضمون ~~ما قبله ووعد بالمزيد ms0563 عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد ~~والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يقصر عنه البيان مالا يخفى وقرئ ~~الأفعال الثلاثة بالياء «وكأين» كلام مبتدأ ناع عليهم تقصيرهم وسوء صنيعهم ~~في صدودهم عن سنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسل الخالية عليهم ~~السلام وكأين لفظة مركبة من كاف التشبيه وأي حدث فيها بعد التركيب معنى ~~التكثير كما حدث في كذا وكذا والنون تنوين أثبتت في الخط على غير قياس ~~وفيها خمس لغات هي إحداهن والثانية كائن مثل كاعن والثالثة كأين مثل كعين ~~والرابعة كيئن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلب ما قبلها والخامسة كأن ~~مثل كعن وقد قرئ بكل منها ومحلها الرفع بالابتداء وقوله تعالى «من نبي» ~~تمييز لها لأنها مثل كم الخبرية وقد جاء تمييزها منصوبا كما في قوله * أطرد ~~اليأس بالرجاء فكأين * أملاحم يسره بعد عسره * وقوله تعالى «قاتل معه ربيون ~~كثير» خبر لها على أن الفعل مسند إلى الظاهر والرابط هو الضمير المجرور في ~~معه وقرئ قتل وقتل على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة والربي منسوب إلى ~~الرب كالرباني وكسر الراء من تغييرات النسب وقرئ بضمها وبفتحها أيضا على ~~الأصل وقيل هو منسوب إلى الربة وهي الجماعة أي كثير من الأنبياء قاتل معه ~~لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه علماء أتقياء أو عابدون أو جماعات كثيرة ~~فالظرف متعلق بقاتل أو بمحذوف وقع حالا من فاعله كما في القراءتين ~~الأخيرتين إذ لا احتمال فيهما لتعلقه بالفعل أي قتلوا أو قتلوا كائنين معه ~~في القتال لا في القتل قال سعيد بن جبير ما سمعنا بنبي قتل في القتال وقال ~~الحسن البصري وجماعة من العظماء لم يقتل نبي في حرب قط وقيل الفعل مسند إلى ~~ضمير النبي والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا منه والرابط هو الضمير المجرور ~~الراجع إليه وهذا واضح على القراءة المشهورة بلا خلاف أي كم من نبي قاتل ~~كائنا معه في القتال ربيون كثير واما على القراءتين الأخيرتين فغير ظاهر لا ~~سيما على قراءة ms0564 التشديد وقد جوزه بعضهم وأيده بان مدار التوبيخ انخذالهم ~~للإرجاف بقتله عليه السلام أي كم من نبي قتل كائنا معه في القتل أو في ~~القتال ربيون الخ وقوله تعالى «فما وهنوا» عطف عل قاتل على أن المراد به ~~عدم الوهن المتوقع من القتال كما في قولك وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ينزجر ~~فإن الإتيان بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمرارا عليه ~~بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة صنع جديد مصحح لدخول الفاء المرتبة له على ~~ما قبله أي فما فتروا وما انكسرت همتهم «لما أصابهم» في أثناء القتال وهو ~~علة للمنفي دون النفي نعم يشعر بعلته قوله تعالى «في سبيل الله» فإن كون ~~ذلك في سبيله عز وجل مما يقوي قلوبهم ويزيل وهنهم وما موصولة أو موصوفة فإن ~~جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من الجراح وسائر ~~المكاره المعترية PageV02P095 # للكل وإن جعلا للبعض الباقين بعد ما قتل الآخرون كما هو الأنسب بمقام ~~توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء فهي عبارة عما ذكر مع ما اعتراهم من ~~قتل إخوانهم من الخوف والحزن وغير ذلك هذا على القراءة المشهورة وأما على ~~القراءتين الأخيرتين فإن أسند الفعل إلى الربيين فالضميران للباقين منهم ~~حتما وإن أسند إلى ضمير النبي كما هو النسب بالتوبيخ على الإنخذال بسبب ~~الإرجاف بقتله عليه الصلاة والسلام فهما للباقين أيضا إن اعتبر كون الربيين ~~مع النبي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال «وما ضعفوا» عن ~~العدو وقيل عن الجهاد وقيل في الدين «وما استكانوا» أي وما خضعوا للعدو ~~وأصله استكن من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده والألف من ~~إشباع الفتحة أو استكون من الكون لأنه يطلب ان يكون لمن يخضع له وهذا تعريض ~~بما أصابهم من الوهن والانكسار عند استيلاء الكفرة عليهم والإرجاف بقتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم ~~لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي المنافق في طلب ms0565 الأمان من أبي سفيان ~~«والله يحب الصابرين» أي على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيل الله ~~فينصرهم ويعظهم قدرهم والمراد بالصابرين إما المعهودون والإظهار في موضع ~~الإضمار للثناء عليهم بحسن الصبر والإشعار بعلة الحكم وإما الجنس وهم ~~داخلون فيه دخولا أوليا والجملة تذييل لما قبلها «وما كان قولهم» كلام مبين ~~لمحاسنهم القولية معطوف على ما قبله من الجمل المبينة لمحاسنهم الفعلية ~~وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها أن وما بعدها في قوله تعالى «إلا أن قالوا» ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء ما كان قولا لهم عند أي لقاء للعدو واقتحام ~~مضايق الحرب وإصابة ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال شئ من الأشياء إلا ~~ان قالوا «ربنا اغفر لنا ذنوبنا» أي صغائرنا «وإسرافنا في أمرنا» أي ~~تجاوزنا الحد في ركوب الكبائر أضافوا الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ~~ربانيين برءاء من التفريط في جنب الله تعالى هضما لها واستقصارا لهممهم ~~وإسنادا لما أصابهم إلى أعمالهم وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الأهم ~~بحسب الحال من الدعاء بقولهم «وثبت أقدامنا» أي في مواطن الحرب بالتقوية ~~والتأييد من عندك أو ثبتنا على دينك الحق «وانصرنا على القوم الكافرين» ~~تقريبا له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء ~~وطهارة أقرب إلى الاستجابة والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من ~~غير أن يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والخور والتزلزل في مواقف الحرب ~~ومراصد الدين وفيه من التعريض بالمهزمين مالا يخفى وقرا ابن كثير وعاصم في ~~رواية عنهما برفع قولهم على أنه الاسم والخبر أن وما في حيزها أي ما كان ~~قولهم حينئذ شيئا من الأشياء الا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسن وهذا ~~كما ترى أقعد بحسب المعني وأوفق بمقتضي المقام لما ان الإخبار بكون قولهم ~~المطلق خصوصية قولهم المحكى عنهم مفصلا كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة ~~للسامع PageV02P096 # من الأخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع ~~البيان في الجمل الخبرية هو الخبر فالأحق بالخبرية ما هو أكثر ms0566 إفادة وأظهر ~~دلالة على الحدث وأوفر اشتمالا على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ~~ذهن السامع ولا يخفى أن ذلك ههنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل وأما ما ~~تفيده الإضافة من لنسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجا ~~وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة جمالية وتجعل عنوانا للموضوع لا مقصودا ~~بالذات في باب البيان وإنما اختار الجمهور ما اختاره لقاعدة صناعية هي أنه ~~إذا اجتمع معرفتان فالأعراف منهما أحق بالاسمية ولا ريب في أعرفية أن قالوا ~~لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث أنه لا يوصف ~~ولا يوصف به وقولهم مضاف إلى مضمر فهو بمنزلة العلم فتأمل «فآتاهم الله» ~~بسبب دعائهم ذلك «ثواب الدنيا» أي النصر والغنيمة والعز والذكر الجميل ~~«وحسن ثواب الآخرة» أي وثواب الآخرة الحسن وهو الجنة والنعيم المخلد وتخصيص ~~وصف الحسن به للإيذان بفضله ومزيته وإنه المعتد به عنده تعالى «والله يحب ~~المحسنين» تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن محبة الله تعالى للعبد عبارة عن ~~رضاه عنه وإرادة الخير به فهي مبدأ لكل سعادة واللام إما للعهد وإنما وضع ~~المظهر موضع ضمير المعهودين للإشعار بان ما حكى عنهم من الأفعال والأقوال ~~من باب الإحسان وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا وهذا أنسب بمقام ~~ترغيب المؤمنين في تحصيل ما حكى عنهم من المناقب الجليلة «يا أيها الذين ~~آمنوا» شروع في زجرهم عن متابعة الكفار ببيان استتباعها لخسران الدنيا ~~والآخرة أثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان ~~إفضائه إلى فوزهم بسعادة الدارين وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار ~~الاعتناء بما في حيزه ووصفهم بالإيمان لتذكير حالهم وتثبيتهم عليها بإظهار ~~مباينتها لحال أعدائهم كما أن وصف المنافقين بالكفر في قوله تعالى «إن ~~تطيعوا الذين كفروا» لذلك قصدا إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم ~~قال على رضي الله عنه نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا ~~إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم فوقوع قوله تعالى «يردوكم على أعقابكم» ms0567 جوابا ~~للشرط مع كونه في قوة أن يقال إن تطيعوهم في قولهم ارجعوا إلى إخوانكم ~~وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم باعتبار كونه تمهيدا لقوله تعالى ~~«فتنقلبوا خاسرين» أي للدنيا والآخرة غير فائزين بشئ منهما واقعين في ~~العذاب الخالد على أن الارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في ~~الحور بعد الكور وقيل المراد بهم اليهود والنصارى حيث كانوا يستغوونهم ~~ويوقعون لهم الشبة في الدين ويقولون لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه ~~وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما عليه ويوما ~~له وقيل أبو سفيان وأصحابه والمراد بطاعتهم استئمانهم والاستكانة لهم وقيل ~~الموصول على عمومه والمعنى نهى المؤمنين عن طاعتهم في أمر من الأمور حتى لا ~~يستجروهم إلى الإرتداد عن الدين PageV02P097 # فلا حاجة على هذه التقادير إلى ما مر من البيان «بل الله مولاكم» إضراب ~~عما يفهم من مضمون الشرطية كأنه قيل فليسوا أنصاركم حتى تطيعوهم بل الله ~~ناصركم لا غيره فأطيعوه واستغنوا به عن موالاتهم وقرئ بالنصب كأنه قيل فلا ~~تطيعوهم بل أطيعوا الله ومولاكم نصب على أنه صفة له «وهو خير الناصرين» ~~فخصوه بالطاعة والاستعانة «سنلقي» بنون العظمة على طريقة الالتفات جريا على ~~سنن الكبرياء لتربية المهابة وقرئ بالياء والسين لتأكيد الإلقاء «في قلوب ~~الذين كفروا الرعب» بسكون العين وقرئ بضمها على الصل وهو ما قذف في قلوبهم ~~من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب ولهم القوة والغلبة ~~وقيل ذهبوا إلى مكة فلما كانوا ببعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا قتلنا منهم ~~ثم نركناهم ونحن قاهرون ارجعوا فاستأصلوهم فعند ذلك ألقى الله تعالى في ~~قلوبهم الرعب فأمسكوا فلا بد من كون نزول الآية في تضاعيف الحرب أو عقيب ~~انقضائه وقيل هو ما ألقى في قلوبهم من الرعب يوم الأحزاب «بما أشركوا ~~بالله» متعلق بنلقى دون الرعب وما مصدرية أي بسبب إشراكهم به تعالى فإنه من ~~موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم وكلاهما من دواعي الرعب «ما لم ms0568 ينزل ~~به» أبي إشراكه «سلطانا» أي حجة سميت به لوضوحها وإنارتها أو لقوتها أو ~~لحدتها ونفوذها وذكر عدم تنزيلها مع استحالة تحققها في نفسها من قبيل قوله ~~* ولا ترى الضب بها ينجر * أي لاضب ولا انحجار وفيه إيذان بأن المتبع في ~~الباب هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة «ومأواهم» بيان ~~لأحوالهم في الآخرة إثر بيان أحوالهم في الدنيا وهي الرعب أي ما يأوون إليه ~~في الآخرة «النار» لا ملجأ لهم غيرها «وبئس مثوى الظالمين» أي مثواهم وإنما ~~وضع موضعه المظهر المذكور للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ~~ظالمون واضعون للشئ في غير موضعه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى ~~الظالمين النار وفي جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم نوع رمز إلى خلودهم فيها ~~فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث وأما المأوى فهو المكان الذي ~~يأوى إليه الإنسان «ولقد صدقكم الله وعده» نصب على أنه مفعول ثان لصدق ~~صريحا وقيل بنزع الجار أي في وعده نزلت حين قال ناس من المؤمنين عند رجوعهم ~~إلى المدينة من أين أصابنا وقد وعدنا الله تعالى بالنصر وهو ما وعدهم على ~~لسان نبيه غليه السلام من النصر حيث قال للرماة لا تبرحوا مكانكم ~~PageV02P098 # فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وفي رواية أخرى لا تبرحوا عن هذا المكان ~~فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان وقد كان كذلك فإن المشركين لما ~~أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ~~والمسلمين على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا وذلك قوله تعالى «إذ تحسونهم» أي ~~تقتلونهم قتلا كثيرا فاشيا من حسه إذا أبطل حسه وهو ظرف لصدقكم وقوله تعالى ~~«بإذنه» أي بتيسيره وتوفيقه لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر ~~وقيل هو ما وعدهم بقوله تعالى «إن تصبروا وتتقوا» الآية وقد مر تحقيق أن ~~ذلك كان يوم بدر كيف لا والموعود بما ذكر إمداده عز وجل بإنزال الملائكة ~~عليهم السلام وتقييد صدق وعده تعالى بوقت قتلهم بإذنه تعالى صريح في أن ~~الموعود هو النصر ms0569 المعنوي والتيسير لا الإمداد بالملائكة وقيل هو ما وعده ~~تعالى بقوله سنلقى الخ وأنت خبير بأن ألقاء الرعب كان عند تركهم القتال ~~ورجوعهم من غير سبب أو بعد ذلك في الطريق على اختلاف الروايتين وأيا ما كان ~~فلا سبيل إلى كونه مغيا بقوله تعالى «حتى إذا فشلتم» أي جبنتم وضعف رأيكم ~~أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف القلب «وتنازعتم في الأمر» فقال بعض ~~الرماة حين انهزم المشركون وولوا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلا وضربا ~~فما موقفنا ههنا بعد هذا وقال أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه لا ~~نخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فثبت مكانه في نفر دون العشرة من ~~أصحابه ونفر الباقون للنهب وذلك قوله تعالى «وعصيتم من بعد ما أراكم ما ~~تحبون» أي من الظفر والغنيمة وانهزام العدو فلما رأى المشركون ذلك حملوا ~~عليهم من قبل الشعب وقتلوا أمير الرماة ومن معه من أصحابه حسبما فصل في ~~تفسير قوله تعالى «أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» وجواب إذا محذوف ~~وهو منعكم نصره وقيل هو امتحنكم ويرده جعل الابتداء غاية للصرف المترتب على ~~منع النصر وقيل هو انقسمتم إلى قسمين كما ينبئ عنه قوله تعالى «منكم من ~~يريد الدنيا» وهم الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب «ومنكم من يريد ~~الآخرة» وهم الذين ثبتوا مكانهم حتى نالوا شرف الشهادة هذا على تقدير كون ~~إذا شرطية وحتى ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية وقيل إذا اسم كما في ~~قولهم إذا يقوم زيد يقوم عمرو وحتى حرف جر بمعنى إلى متعلقة بقوله تعالى ~~صدقكم باعتبار تضمنه لمعنى النصر كأنه قيل لقد نصركم الله إلى وقت فشلكم ~~وتنازعكم الخ وعلى هذا فقوله تعالى «ثم صرفكم عنهم» عطف على ذلك وعلى الأول ~~عطف على الجواب المحذوف كما أشير إليه والجملتان الظرفيتان اعتراض بين ~~المتعاطفين أي كفكم عنهم حتى حالت الحال ودالت الدولة وفيه من اللطف ~~بالمسلمين مالا يخفى «ليبتليكم» أي يعاملكم معاملة من يمتحنكم بالمصائب ~~ليظهر ثباتكم على الإيمان ms0570 عندها «ولقد عفا عنكم» تفضلا ولما علم من ندمكم ~~على المخالفة «والله ذو فضل على المؤمنين» تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومؤذن ~~بأن ذلك العفو بطريق التفضل والإحسان لا بطريق الوجوب عليه أي شأنه أن ~~يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال أديل لهم أو اديل ~~عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة والتنكير للتفخيم والمراد بالمؤمنين إما ~~المخاطبون والإظهار في موقع الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم وإما ~~الجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليا PageV02P099 # «إذ تصعدون» متعلق بصرفكم أو بقوله تعالى ليبتليكم أو بمقدر كما ذكروا ~~والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض وقرئ تصعدون من الثلاثي أي في الجبل ~~وقرئ تصعدون من التفعل بطرح إحدى التاءين وقرئ يصعدون بالالتفات إلى الغيبة ~~«ولا تلوون على أحد» أي لا تلتفتون إلى ماوراءكم ولا يقف واحد منكم لواحد ~~وقرئ تلون بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفا وقرئ يلوون ~~كيصعدون «والرسول يدعوكم» كان عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى عباد الله ~~إلى عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة وايراده عليه السلام بعنوان ~~الرسالة للإبذان بأن دعوته عليه السلام كانت بطريق الرسالة من جهته سبحانه ~~إشباعا في توبيخ المنهزمين «في أخراكم» في ساقتكم وجماعتكم الأخرى ~~«فأثابكم» عطف على صرفكم اى فجازاكم الله تعالى بما صنعتم «غما» موصولا ~~«بغم» من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإرجاف بقتل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وفوت الغنيمة فالتنكير للتكثير أو غما بمقابلة غم أذقتموه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له «لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ~~ما أصابكم» أي لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع فات أو ضر ~~آت وقيل لا زائدة والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما ~~أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم وقيل الضمير في أثابكم للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أي واساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما ~~نزل عليه ولم يثر بكم على عصيانكم تسلية لكم وتنفيسا عنكم ms0571 لئلا تحزنوا على ~~ما فاتكم من النصر وما أصابكم من الجراح وغير ذلك «والله خبير بما تعملون» ~~أي عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها «ثم أنزل عليكم» عطف على قوله تعالى ~~فأثابكم والخطاب للمؤمنين حقا «من بعد الغم» أي الغم المذكور والتصريح ~~بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان وتذكير ~~عظم النعمة كما في قوله تعالى ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا الآية «أمنة» أي ~~أمنا نصب على المفعولية وقوله تعالى «نعاسا» بدل منها أو عطف بيان وقيل ~~مفعول له أو هو المفعول وأمنه حال منه متقدمة عليه أو مفعول له أو حال من ~~المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوى أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة وقرئ ~~بسكون الميم كأنها مرة من الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر ~~PageV02P100 # غير مرة من الاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر وتخصيص الخوف من ~~بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم حينئذ لما أن المشركين لما ~~انصرفوا كانوا يتوعدون المسلمين بالرجوع فلم يأمنوا كرتهم وكانوا تحت الحجف ~~متأهبين للقتال فأنزل الله تعالى عليهم الأمنة فأخذهم النعاس قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما أمنهم يومئذ بنعاس تغشاهم بعد خوف وإنما ينعس من أمن ~~والخائف لا ينام وقال الزبير رضي الله عنه كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين اشتد الخوف فأنزل الله علينا النوم والله لأسمع قول معتب بن قشير ~~والنعاس يغشاني ما أسمعه الا كالحلم يقول لو كان لنا من الأمر شيء ما قلنا ~~إني ههنا وقال أبو طلحة رضى الله عنه رفعت رأسي يوم أحد فجعلت لا أرى أحدا ~~من القوم إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس قال وكنت ممن ألقى عليه النعاس ~~يومئذ فكان السيف يسقط من يدي فآخذه ثم يسقط السوط من يدي فآخذه وفيه دلالة ~~على أن من المؤمنين من لم يلق عليه النعاس كما ينبئ عنه قوله عز وجل «يغشى ~~طائفة منكم» قال ابن عباس هم المهاجرون وعامة الأنصار ms0572 ولا يقدح ذلك في عموم ~~الإنزال للكل والجملة في محل النصب على انها صفة لنعاسا وقرئ بالتاء على ~~أنها صفة لأمنه وفيه أن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا ~~يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون ~~المبدل منه «وطائفة قد أهمتهم أنفسهم» أي أوقعتهم في الهموم والأحزان أو ما ~~بهم إلا هم أنفسهم وقصد خلاصها من قولهم همني الشئ أي كان من همتي وقصدى ~~والقصر مستفاد بمعونة المقام وطائفة مبتدأ وما بعدها اما خبرها وإنما جاز ~~ذلك مع كونها نكرة لاعتمادها على واو الحال كما في قوله * سرينا ونجم قد ~~أضاء فمذ بدا * محياك أخفى ضوءه كل شارق * أو لوقوعها في موضع التفصيل كما ~~في قوله * إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق * وشق عندنا لم يحول * وإما ~~صفتها والخبر محذوف أي ومعكم طائفة أو وهناك وقيل تقديره ومنكم طائفة وفيه ~~أنه يقتضى دخول المنافقين في الخطاب بإنزال الأمنة وأيا ما ما كان فالجملة ~~إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه كما في قوله ~~تعالى «أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم» وإما ~~مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين وقوله عز وجل «يظنون بالله» حال من ضمير ~~أهمتهم أو من طائفة لتخصصها بالصفة أو صفة أخرى لها أو خبر بعد خبر أو ~~استئناف مبين لما قبله وقوله تعالى «غير الحق» في حكم المصدر أي يظنون به ~~تعالى غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه وقوله تعالى «ظن الجاهلية» ~~بدل منه وهو الظن المختص بالملة الجاهلية والإضافة كما في حاتم الجود ورجل ~~صدق وقوله تعالى «يقولون» بدل من يظنون لما ان مسئلتهم كانت صادرة عن الظن ~~أي يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد «هل لنا من ~~الأمر» أي من أمر الله تعالى ووعده من النصر والظفر «من شيء» أي من نصيب قط ~~أو هل لنا من التدبير ms0573 من شئ وقوله تعالى «قل إن الأمر كله لله» أي الغلبة ~~بالآخرة لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون أو ان التدبير كله ~~لله فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له وقرئ كله ~~بالرفع على الابتداء وقوله تعالى «يخفون في أنفسهم» أي يضمرون فيها أو ~~يقولون فيما بينهم بطريق الخفية «ما لا يبدون لك» استئناف أو حال من ضمير ~~يقولون وقوله تعالى إن الأمر الخ اعتراض بين الحال وصاحبها PageV02P101 # أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار ~~والتكذيب وقوله تعالى «يقولون» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله ~~كأنه قيل أي شئ يخفون فقيل يحدثون أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض فيما بينهم ~~خفية «لو كان لنا من الأمر شيء» كما وعد محمد عليه الصلاة والسلام من ان ~~الغلبة لله تعالى ولأوليائه وأن الأمر كله لله أو لو كان لنا من التدبير ~~والرأي شئ «ما قتلنا ها هنا» أي ما غلبنا أو ما قتل من قتل منا في هذه ~~المعركة على أن النفي راجع إلى نفس القتل لا إلى وقوعه فيها فقط ولما برحنا ~~من منازلنا كما رآه ابن أبي ويؤيده تعيين مكان القتل وكذا قوله تعالى «قل ~~لو كنتم في بيوتكم» أي لو لم تخرجوا إلى أحد وقعدتم بالمدينة كما يقولون ~~«لبرز الذين كتب عليهم القتل» أي في اللوح المحفوظ بسبب من الأسباب الداعية ~~إلى البروز «إلى مضاجعهم» إلى مصارعهم التي قدر الله تعالى قتلهم فيها ~~وقتلوا هنالك البتة ولم تنفع العزيمة على الإقامة بالمدينة قطعا فإن قضاء ~~الله تعالى لا يرد وحكمه لا يعقب وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة حيث لم ~~يقتصر على تحقيق نفس القتل كما في قوله عز وجل أينما تكونوا يدرككم الموت ~~بل عين مكانه أيضا ولا ريب في تعين زمانه أيضا لقوله تعالى «فإذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» روى أن ملك الموت حضر مجلس سليمان عليه ~~الصلاة والسلام فنظر إلى ms0574 رجل من أهل المجلس نظرة هائلة فلما قام قال الرجل ~~من هذا فقال سليمان عليه السلام ملك الموت قال ارسلني مع الريح إلى عالم ~~آخر فإني رأيت منه مرأى هائلا فأمرها عليه السلام فألقته في قطر سحيق من ~~أقطار العالم فما لبث أن عاد ملك الموت إلى سليمان عليه السلام فقال كنت ~~أمرت بقبض روح ذلك الرجل في هذه الساعة في أرض كذا فلما وجدته في مجلسك قلت ~~متى يصل هذا إليها وقد أرسلته بالريح إلى ذلك المكان فوجدته هناك فقضى أمر ~~الله عز وجل في زمانه ومكانه من غير إخلال بشئ من ذلك وقرئ كتب على البناء ~~للفاعل ونصب القتل وقرئ كتب عليهم القتال وقرئ لبرز بالتشديد على البناء ~~للمعفول «وليبتلي الله ما في صدوركم» أي ليعاملكم معاملة من يبتلى ما في ~~صدوركم من الإخلاص والنفاق ويظهر ما فيها من السرائر وهو علة لفعل مقدر ~~قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل ~~لمصالح جمة وليبتلى الخ وجعلها عللا لبرز يأباه الذوق السليم فإن مقتضى ~~المقام بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز ~~المفروض أو لفعل مقدر بعدها أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا لعدم ~~العناية بأمر المؤمنين ونحو ذلك وتقدير الفعل مقدما خال عن هذه المزية ~~«وليمحص ما في قلوبكم» من مخفيات الأمور ويكشفها أو يخلصها من الوساوس ~~«والله عليم بذات الصدور» أي السرائر والضمائر الخفية التي لا تكاد تفارق ~~الصدور بل تلازمها وتصاحبها والجمة إما اعتراض للتنبيه على أن الله تعالى ~~غنى إن الابتلاء وإنما يبرز صورة الابتلاء لتمرين المؤمنين وإظهار حال ~~المنافقين أو حال من متعلق الفعلين اي فعل ما فعل للابتلاء والتمحيص والحال ~~أنه تعالى غنى عنهما محيط بخفيات الأمور وفيه وعد ووعيد PageV02P102 # «إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان» وهم الذين انهزموا يوم أحد ~~حسبما مرت حكايتهم «إنما استزلهم الشيطان» أي إنما كان سبب انهزامهم أن ~~الشيطان طلب منهم الزلل «ببعض ما ms0575 كسبوا» من الذنوب والمعاصي التي هي مخالفة ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة ~~فحرموا التأييد وقوة القلب وقيل استزلال الشيطان توليهم وذلك بذنوب تقدمت ~~لهم فإن المعاصي يجر بعضها إلى بعض كالطاعة وقيل استزلهم بذنوب سبقت منهم ~~وكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة «ولقد عفا الله عنهم» ~~لتوبتهم واعتذارهم «إن الله غفور» للذنوب «حليم» لا يعاجل بعقوبة المذنب ~~ليتوب والجملة تعليل لما قبلها على سبيل التحقيق وفي إظهار الجلالة تربية ~~للمهابة وتأكيد للتعليل «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا» وهم ~~المنافقون القائلون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا وإنما ذكر في صدر ~~الصلة كفرهم تصريحا بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيرا عن مماثلتهم أثر ~~ذي أثير وقوله تعالى «وقالوا لإخوانهم» تعيين لوجه الشبه والمماثلة التي ~~نهوا عنها أي قالوا لأجلهم وفي حقهم ومعنى أخوتهم اتفاقهم نسبا أو مذهبا ~~«إذا ضربوا في الأرض» أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها وإيثار إذا ~~المفيدة لمعنى الاستقبال على إذا المفيدة المعنى لحكاية الحال الماضية إذ ~~المراد بها الزمان المستمر المنتظم للحال الذي عليه يدور أمر استحضار ~~الصورة قال الزجاج إذا ههنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعنى أنها ~~لمجرد الوقت أو يقصد بها الاستمرار وظرفيتها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع ~~فيها بل التحقيق أنها ظرف له لا لقولهم كأنه قيل قالوا لأجل ما أصاب ~~إخوانهم حين ضربوا الخ «أو كانوا» أي إخوانهم «غزى» جمع غاز كعفى جمع عاف ~~قال * ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى * لها قلب عفى الحياض أجون * وقرئ بتخفيف ~~الزاي على حذف التاء من غزاة وإفراد كونهم غزاة بالذكر مع اندراجه تحت ~~الضرب في الأرض لأنه المقصود بيانه في المقام وذكر الضرب في الأرض توطئة له ~~وتقديمه لكثرة وقوعه على أنه قد يوجد بدون الضرب في الأرض إذ المراد به ~~السفر البعيد وإنما لم يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم ~~غزاة أو بانقضاء ذلك ms0576 أي كانوا غزاة فيما مضى وقوله تعالى «لو كانوا عندنا» ~~أي مقيمين «ما ماتوا وما قتلوا» مفعول لقالوا ودليل على أن هناك مضمرا قد ~~حذف ثقة به أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزا فقتلوا وليس المقصود ~~بالنهى عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم ~~بموجبه كما أنه المنكر على قائليه ألا يرى إلى قوله عز وجل «ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم» فإنه الذي جعل حسرة فيها قطعا وإليه أشير كما نقل عن ~~الزجاج أنه إشارة إلى ظنهم أنهم لو لم يحضروا القتال لم يقتلوا وتعلقه ~~بقالوا ليس باعتبار نطقهم بذلك القول بل باعتبار ما فيه من الحكم والاعتقاد ~~واللام PageV02P103 # لام العاقبة كما في قوله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا أي قالوا ذلك ~~واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم والمراد بالتعليل المذكور بيان عدم ترتب ~~فائدة ما على ذلك أصلا وقيل هو تعليل للنهي بمعنى لا تكونوا مثلهم في النطق ~~بذلك القول واعتقاده ليجعله الله تعالى حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها ~~قلوبكم فذلك كما مر إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد ويجوز أن يكون ~~إشارة إلى ما دل عليه النهى أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم ~~مثلهم حسرة في قلوبهم فإن مضادتكم لهم في القول والاعتقاد مما يغمهم ~~ويغيظهم «والله يحيي ويميت» رد لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي هو المؤثر ~~في الحياة والممات وحده من غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخل في ذلك فإنه ~~تعالى قد يحيى المسافر والغازى مع اقتحامهما لموارد الحتوف ويميت المقيم ~~والقاعد مع حيازتهما لأسباب السلامة «والله بما تعملون بصير» تهديد ~~للمؤمنين على أن يماثلوهم وقرئ بالياء على أنه وعيد للذين كفروا وما يعملون ~~عام متناول لقولهم المذكور ولمنشئه الذي هو اعتقادهم ولما ترتب على ذلك من ~~الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان السمع وإظهار الاسم الجليل في ~~موقع الإضمار لتربية المهابة وإلقاء الروعة والمبالغة في التهديد والتشديد ~~في الوعيد «ولئن قتلتم ms0577 في سبيل الله أو متم» شروع في تحقيق أن ما يحذرون ~~ترتبه على الغزو والسفر من القتل والموت في سبيل الله تعالى ليس مما ينبغي ~~أن يحذر بل مما يجب أن يتنافس المتنافسون إثر إبطال ترتبه عليهما واللام هي ~~الموطئة للقسم وما في قوله تعالى «لمغفرة من الله ورحمة» لام الابتداء ~~والتنوين في الموضعين للتقليل ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة للمبتدأ وقد حذفت ~~صفة رحمة لدلالة المذكور عليها والجملة جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط ~~والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الأجل أصلا ولئن وقع ذلك ~~بأمر الله تعالى لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ~~ذلك «خير مما يجمعون» أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء وقرئ بالتاء أي مما ~~تجمعونه أنتم لو لم تموتوا والاقتصار على بيان خيريتهما من ذلك بلا تعرض ~~للإخبار بحصولهما لهم للإيذان بعدم الحاجة إليه بناء على استحالة التخييب ~~منه تعالى بعد الأطماع وقد قيل لا بد من حذف آخر أي لمغفرة لكم من الله الخ ~~وحينئذ يكون أيضا إخراج المقدر مخرج الصفة دون الخبر لنحو ما ذكر من ادعاء ~~الظهور والغنى عن الإخبار به وتغيير الترتيب الواقع في قولهم ما ماتوا وما ~~قتلوا المبنى على كثرة الوقوع وقلته للمبالغة في الترغيب في الجهاد ببيان ~~زيادة مزية القتل في سبيل الله وإنافته في استجلاب المغفرة والرحمة وفيه ~~دلالة واضحة على ما مر من أن المقصود بالنهى إنما هو عدم مماثلتهم في ~~الاعتقاد بمضمون القول المذكور والعمل بموجبه لا في النطق به وإضلال الناس ~~به «ولئن متم أو قتلتم» أي على أي وجه أتفق هلاككم حسب تعلق الإرادة ~~الإلهية وقرئ متم بكسر الميم من مات PageV02P104 # يمات «لإلى الله» أي إلى المعبود بالحق العظيم الشأن الواسع الرحمة ~~الجزيل الإحسان «تحشرون» لا إلى غيره فيوفيكم أجوركم ويجزل لكم عطاءكم ~~والكلام في لامي الجملة كما مر في أختها «فبما ms0578 رحمة من الله لنت لهم» تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون ~~الكلام على ما ينبئ عنه السياق من استحقاقهم اللأئمة والتعنيف بموجب الجبلة ~~البشرية أو من سعة ساحة مغفرته تعالى ورحمته والباء متعلقة بلنت قدمت عليه ~~للقصر وما مزيدة للتوكيد أو نكرة ورحمة بدل منها مبين لإبهامها والتنوين ~~للتفخيم ومن متعلقه بمحذوف وقع صفة لرحمة أي فبرحمة عظيمة لهم كائنة من ~~الله تعالى وهي ربطه على جأشه وتخصيصه بمكارم الأخلاق كنت لين الجانب لهم ~~وعاملتهم بالرفق والتلطف بهم حيث اغتممت لهم بعد ما كان منهم ما كان من ~~مخالفة أمرك وإسلامك للعدو «ولو» لم تكن كذلك بل «كنت فظا» جافيا في ~~المعاشرة قولا وفعلا وقال الراغب الفظ هو الكريه الخلق وقال الواحدي هو ~~الغليظ الجانب السئ الخلق «غليظ القلب» قاسية وقال الكلبي فظا في القول ~~غليظ القلب في الفعل «لانفضوا من حولك» لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا إليك ~~وتردوا في مهاوى الردى والفاء في قوله عز وجل «فاعف عنهم» لترتيب العفو أو ~~الأمر به على ما قبله أي إذا كان الأمر كما ذكر فاعف عنهم فيما يتعلق ~~بحقوقك كما عفا الله عنهم «واستغفر لهم» الله فيما يتعلق بحقوقه تعالى ~~إتماما للشفقة عليهم وإكمالا للبر بهم «وشاورهم في الأمر» أي في أمر الحرب ~~إذ هو المعهود أو فيه وفي أمثاله مما تجرى فيه المشاورة عادة استظهارا ~~بآرائهم وتطييبا لقلوبهم وتمهيدا لسنة المشاورة للأمة وقرئ وشاورهم في بعض ~~الأمر «فإذا عزمت» أي عقيب المشاورة على شئ وأطمأنت به نفسك «فتوكل على ~~الله» في إمضاء أمرك على ما هو أرشد لك وأصلح فإنه علمه مختص به سبحانه ~~وتعالى وقرئ فإذا عزمت على صيغة التكلم أي عزمت لك على شئ وأرشدتك إليه ~~فتوكل على ولا تشاور بعد ذلك أحدا والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل ~~أو الأمر به فإن عنوان الألوهية الجامعة لجميع صفات الكمال مستدع للتوكل ~~عليه تعالى أو الأمر به «إن الله يحب المتوكلين» عليه ms0579 تعالى فينصرهم ~~ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم وصلاح والجملة تعليل للتوكل عليه تعالى وقوله ~~تعالى «إن ينصركم الله فلا غالب لكم» جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب ~~تشريفا للمؤمنين لإيجاب توكلهم عليه تعالى وحثهم على اللجأ إليه وتحذيرهم ~~عما يفضى إلى خذلانه أي إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم على ~~طريق نفى الجنس المنتظم لنفى جميع أفراد الغالب ذاتا وصفة ولو قيل فلا ~~يغلبكم أحد لدل على نفى الصفة فقط ثم المفهوم من ظاهر النظم PageV02P105 # الكريم وإن كان نفى مغلوبيتهم من غير تعرض لنفى المساواة أيضا وهو الذي ~~يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهما قطعيا هو نفى المساواة وإثبات الغالبية ~~للمخاطبين فإذا قلت لا أكرم من فلان أولا أفضل منه فالمفهوم منه حتما أنه ~~أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص ~~له بالنفي لصريح بل هو مطرد فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري كما في ~~قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا في مواقع كثيرة من التنزيل ~~ومما هو نص قاطع فيما ذكرنا ما وقع في سورة هود حيث قيل بعده في حقهم لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون فإن كونهم أخسر من كل خاسر يستدعى قطعا ~~كونهم أظلم من كل ظالم «وإن يخذلكم» كما فعل يوم أحد وقرئ يخذلكم من أخذله ~~إذا جعله مخذولا «فمن ذا الذي ينصركم» استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر ~~ذاتا وصفة بطريق المبالغة «من بعده» أي من بعد خذلانه تعالى أو من بعد الله ~~تعالى على معنى إذا جاوزتموه «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» تقديم الجار ~~والمجرور على الفعل لإفادة قصره عليه تعالى والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر ~~به على ما مر من غلبة المخاطبين على تقدير نصرته تعالى لهم ومغلوبيتهم على ~~تقدير خذلانه تعالى إياهم فإن العلم بذلك مما يقتضى قصر التوكل عليه تعالى ~~لا محالة والمراد بالمؤمنين إما الجنس والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا ~~واما هم خاصة بطريق ms0580 الالتفات وأيا ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الايمان ~~اشتراكا أو استقلالا وتعليل لتحتم التوكل عليه تعالى فإن وصف الايمان مما ~~يوجبه قطعا «وما كان لنبي» أي وما صح لنبي من الأنبياء ولا استقام له «أن ~~يغل» أي يخون في المغنم فإن النبوة تنافيه منافاة بينه يقال غل شيئا من ~~المغنم يغل غلولا وأغل إغلالا إذا أخذه خفية والمراد اما تنزيه ساحة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز ~~وأفاضوا في الغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أخذ شيئا فهو له ولا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ~~فقالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال عليه السلام بل ظننتم أنا نغل ولا ~~نقسم بينكم واما المبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ~~روى أنه بعث طلائع فغنم النبي صلى الله عليه وسلم بعدهم غنائم فقسمها بين ~~الحاضر ولم يترك للطلائع شيئا فنزلت والمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوما من ~~العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية وعبر عن حرمان بعض ~~الغزاة بالغلول تغليظا وأما ما قيل من أن المراد تنزيهه عليه السلام عما ~~تفوه به بعض المنافقين إذ روى أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض ~~المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فبعيد جدا وقرئ على ~~البناء للمفعول والمعنى ما كان له أن يوجد غالا أو ينسب إلى الغلول «ومن ~~يغلل يأت بما غل يوم القيامة» يأت بالذي غله بعينه يحمله على عنقه كما ورد ~~في الحديث الشريف وروى أنه عليه السلام قال ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير ~~له رغاء وببقرة لها خوار وبشارة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا ~~أملك لك من الله شيئا فقد بلغتك أو يأت PageV02P106 # بما احتمل من اثمه ms0581 ووباله «ثم توفى كل نفس ما كسبت» أي تعطى وافيا جزاء ~~ما كسبت خيرا أو شرا كثيرا أو يسيرا ووضع المكسوب موضع جزائه تحقيقا للعدل ~~ببيان ما بينهما من تمام التناسب كما وكيفا كأنهما شيء واحد وفي اسناد ~~التوفية إلى كل كاسب وتعليقها بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند ~~اتيانه بما غله يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم وهول مطلعه ~~والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال مالا يخفى فإنه حيث وفى كل كاسب جزاء ما ~~كسبه ولم ينقص منه شيء وان كان جرمه في غاية القلة والحقارة فلأن لا ينقص ~~من جزاء الغال شيء وجرمه من أعظم الجرائم وأظهر وأجلى «وهم» أي كل الناس ~~المدلول عليهم بكل نفس «لا يظلمون» بزيادة عقاب أو بنقص ثواب «أفمن اتبع ~~رضوان الله» أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه حيثما كان بفعل الطاعات وترك ~~المنكرات كالنبي ومن يسير بسيرته «كمن باء» أي رجع «بسخط» عظيم لا يقادر ~~قدره كائن «من الله» تعالى بسبب معاصيه كالغال ومن يدين بدينه والمراد ~~تأكيد نفي الغلول عن النبي عليه الصلاة والسلام وتقريره بتحقيق المباينة ~~الكلية بينه وبين الغال حيث وصف كل منهما ما وصف به الآخر فقوبل رضوانه ~~تعالى بسخطه والاتباع بالبوء والجمع بين الهمزة والفاء لتوجيه الانكار إلى ~~ترتب توهم المماثلة بينهما والحكم بها على ما ذكر من حال الغال كأنه قيل ~~أبعد ظهور حاله يكون من ترقي إلى أعلى عليين كمن تردى إلى أسفل سافلين ~~واظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لإدخال الروعة وتربية المهابة «ومأواه ~~جهنم» اما كلام مستأنف مسوق لبيان مآل أمر من باء بسخطه تعالى واما معطوف ~~على قوله تعالى باء بسخط عطف الصلة الاسمية على الفعلية وأيا ما كان فلا ~~محل له من الاعراب «وبئس المصير» اعتراض تذييلي والمخصوص بالذم محذوف أي ~~وبئس المصير جهنم والفرق بينه وبين المرجع أن الأول يعتبر فيه الرجوع على ~~خلاف الحالة الأولى بخلاف الثاني «هم» راجع إلى الموصولين باعتبار المعنى ~~«درجات ms0582 عند الله» أي طبقات متفاوتة في علمه تعالى وحكمه شبهوا في تفاوت ~~الأحوال وتباينها بالدرجات مبالغة وايذانا بأن بينهم تفاوتا ذاتيا كالدرجات ~~أو ذوو درجات «والله بصير بما يعملون» من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها ~~«لقد من الله» جواب قسم محذوف أي والله لقد من أي أنعم «على المؤمنين» أي ~~من قومه عليه السلام «إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم» أي من نسبهم أو من ~~جنسهم عربيا مثلهم ليفقهوا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق ~~والأمانة مفتخرين به وفي ذلك شرف لهم عظيم قال الله تعالى وانه لذكر لك ~~ولقومك وقرئ من أنفسهم أي أشرفهم فإنه عليه السلام PageV02P107 # كان من أشرف قبائل العرب وبطونها وقرئ لمن من الله على المؤمنين إذ بعث ~~الخ على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي منه إذ بعث الخ أو على أن إذ في محل الرفع ~~على الابتداء بمعنى لمن من الله على المؤمنين من وقت بعثه وتخصيصهم ~~بالامتنان مع عموم نعمة البعثة للأسود والأحمر لما مر من مزيد انتفاعهم بها ~~وقوله تعالى من أنفسهم متعلق بمحذوف وقع صفة لرسولا أي كائنا من أنفسهم ~~وقوله تعالى «يتلو عليهم آياته» صفة أخرى أي يتلو عليهم القرآن بعدما كانوا ~~أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي «ويزكيهم» عطف على يتلو أي يطهرهم ~~من دنس الطبائع وسوء العقائد وأوضار الأوزار «ويعلمهم الكتاب والحكمة» أي ~~القرآن والسنة وهو صفة أخرى لرسولا مترتبة في الوجود على التلاوة وإنما وسط ~~بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها ~~المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على ~~التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها ~~مستوجبة للشكر فلو روعى ترتيب الوجود كما في قوله تعالى ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم لتبادر إلى ~~الفهم عد الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن بالآيات تارة ~~وبالكتاب والحكمة أخرى رمزا إلى أنه باعتبار كل عنوان ms0583 نعمة على حدة ولا ~~يقدح في ذلك شمول الحكمة لما في مطاوي الأحاديث الكريمة من الشرائع كما سلف ~~في سورة البقرة «وإن كانوا من قبل» أي من قبل بعثته عليه السلام وتزكيته ~~وتعليمه «لفي ضلال مبين» أي بين لا ريب في كونه ضلالا وان هي المخففة من ~~المثقلة وضمير الشأن محذوف واللام فارقة بينها وبين النافية والظرف الأول ~~لغو متعلق بكان والثاني خبرها وهي مع خبرها خبر لأن المخففة التي حذف اسمها ~~اعني ضمير الشأن وقيل هي نافية واللام بمعنى الا أي وما كانوا من قبل الا ~~في ضلال مبين وأيا ما كان فالجملة اما حال من الضمير المنصوب في يعلمهم أو ~~مستأنفة وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة وتمامها «أو لما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا» كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما صدر ~~عنهم من الظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة الناشئة منها إثر إبطال بعض آخر ~~منها والهمزة للتقريع والتقرير والواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها ولما ~~ظرف لقلتم مضاف إلى ما بعده وقد أصبتم في محل الرفع على أنه صفة لمصيبة ~~والمراد بها ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم وبمثليها ما أصاب ~~المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين وأنى هذا مقول قلتم وتوسيط ~~الظرف وما يتعلق به بينه وبين الهمزة مع أنه المقصود إنكاره والمعطوف ~~بالواو حقيقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع فإن فعل القبيح في غيره وقته ~~أقبح والإنكار على فاعله أدخل والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصف ما قد ~~أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من أين أصابنا هذا وقد تقدم الوعد بالنصر ~~على توجيه الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم في PageV02P108 # ذلك الوقت خاصة بناء على عدم كونه مظنة له داعيا إليه بل على كونه داعيا ~~إلى عدمه فإن كون مصيبة عدوهم ضعف مصيبتهم مما يهون الخطب ويورث السلوة أو ~~أفعلتم ما فعلتم ولما أصابتكم غائلته أنى هذا على توجيه الإنكار إلى ~~استبعادهم الحادثة مع مباشرتهم لسببها وتذكير ms0584 اسم الإشارة في أنى هذا مع ~~كونه إشارة إلى المصيبة ليس لكونها عبارة عن القتل ونحوه بل لما أن إشارتهم ~~ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غير أن يخطر ببالهم ~~تسميته باسم ما فضلا عن تسميته باسم المصيبة وإنما هي عند الحكاية وقوله عز ~~وجل «قل هو من عند أنفسكم» أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عن ~~سؤالهم الفاسد إثر تحقيق فساد بالإنكار والتقريع ويبكتهم أن ما نالهم إنما ~~نالهم من جهتهم بتركهم المركز وحرصهم على الغنيمة وقيل باختيارهم الخروج من ~~المدينة ويأباه أن الوعد بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند قوله تعالى ولقد ~~صدقكم الله وعده الآية وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع ~~الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان ممن ~~أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة وقيل ~~بأخذهم الفداء يوم بدر قبل أن يؤذن لهم والأول هو الأظهر الأقوى وإنما ~~يعضده توسيط خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخطابين المتوجهين إلى ~~المؤمنين وتفويض التبكيت إليه عليه السلام فإن توبيخ الفاعل على الفعل إذا ~~كان ممن نهاه عنه كان أشد تأثيرا «إن الله على كل شيء قدير» ومن جملته ~~النصر عند الطاعة والخذلان عند المخالفة وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه ~~تعالى ما أصابكم والجملة تذييل والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها داخل ~~تحت الأمر «وما أصابكم» رجوع إلى خطاب المؤمنين إثر خطابه عليه السلام بسر ~~يقتضيه وإرشاد لهم إلى طريق الحق فيما سألوا عنه وبيان لبعض ما فيه من ~~الحكم والمصالح ودفع لما عسى أن يتوهم من قوله تعالى هو من عند أنفسكم من ~~استقلالهم في وقوع الحادثة والعدول عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادة ~~التقرير ببيان وقته بقوله تعالى «يوم التقى الجمعان» أي جمعكم وجمع ~~المشركين «فبإذن الله» أي فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار سمى ذلك إذنا ~~لكونها من لوازمه ms0585 «وليعلم المؤمنين» عطف على قوله تعالى فبإذن الله عطف ~~المسبب على السبب والمراد بالعلم التمييز والإظهار فيما بين الناس «وليعلم ~~الذين نافقوا» عطف على ما قبله من مثله وإعادة الفعل لتشريف المؤمنين ~~وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم بحسب ~~التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق وبالمنافقين ~~على وجه جديد وهو السر في إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن ~~الاستمرار والآخرين بموصول صلته فعل دال على الحدث والمعنى وما PageV02P109 # أصابكم يومئذ فهو كائن لتمييز الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاق ~~«وقيل لهم» عطف على نافقوا داخل معه في حيز الصلة أو كلام مبتدأ قال ابن ~~عباس رضى الله عنهما هم عبد الله بن أبي وأصحابه حيث انصرفوا يوم أحد عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام أذكركم ~~الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى «تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا» قال السدى ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا ~~إن لم تقاتلوا معنا وقيل أو ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحريمكم إن لم تقاتلوا ~~في سبيل الله تعالى وترك العطف بين تعالوا وقاتلوا لما أن المقصود بهما ~~واحد وهو الثاني وذكر الأول توطئة له وترغيب فيه لما فيه من الدلالة على ~~التظاهر والتعاون «قالوا» استئناف وقع جوابا عن سؤال ينسحب عليه الكلام ~~كأنه قيل فماذا صنعوا حين خيروا بين الخصلتين المذكورتين فقيل قالوا «لو ~~نعلم قتالا لاتبعناكم» أي لو نحسن قتالا ونقدر عليه وإنما قالوه دغلا ~~واستهزاء وإنما عبر عن نفى القدرة على القتال بنفي العلم به لما أن القدرة ~~على الأفعال الاختيارية مستلزمة للعلم بها أو لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا ~~لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلا وإنما هو إلقاء النفس إلى ~~التهلكة وفي جعلهم التالي مجرد الاتباع دون القتال الذي هو المقصود بالدعوة ~~دليل على كمال تثبيطهم عن القتال حيث لا ترضي نفوسهم بجعله تاليا لمقدم ms0586 ~~مستحيل الوقوع «هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان» الضمير مبتدأ وأقرب خبره ~~واللام في للكفر وللإيمان متعلقة به وكذا يومئذ ومنهم وعدم جواز تعلق حرفين ~~متحدين لفظا ومعنى بعامل واحد بلا عطف أو بدلية إنما هو فيما عدا أفعل ~~التفضيل من العوامل لاتحاد حيثية عملها وأما أفعل التفضيل فحيث دل على أصل ~~الفعل وزيادته جرى مجرى عاملين كأنه قيل قربهم للكفر زائدة على قربهم ~~للإيمان وقيل تعلق الجارين به لشبههما بالظرفين أي هم للكفر يوم إذ قالوا ~~ما قالوا أقرب منهم للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان وما ~~ظهرت منهم أمارة مؤذنة بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما ~~قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر وقيل هم لأهل ~~الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليل سواد المسلمين بالانخذال ~~تقوية للمشركين وقوله تعالى يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم جمله مستأنفه ~~مقرره لمضمون ما قبلها وذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفه ~~ظاهرهم لباطنهم وما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في ~~اللسان وتارة وفي القلب أخرى فالمثبت والمنفى متحدان ذاتا وإن اختلفا مظهرا ~~وإما القول الملفوظ فقط فالمنفى حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلا ~~وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال أي يتفوهون بقول لا وجود ~~له أو لمنشئه في قلوبهم أصلا من الأباطيل التي من جملتها ما حكى عنهم آنفا ~~فأنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شئ منهما أحدهما عدم العلم بالقتال ~~والآخر الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذبا بينا حيث كانوا ~~عالمين به غير ناوين للاتباع بل كانوا مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين ~~على الارتداد وقوله عز وجل «والله أعلم بما يكتمون» زيادة تحقيق لكفرهم ~~ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر ~~بيان خلوها عما يوافقها وصيغة التفضيل لما أن بعض ما يكتمونه من أحكام ~~النفاق وذم المؤمنين وتخطئة آرائهم والشماتة بهم وغير ms0587 ذلك يعلمه المؤمنون ~~على وجه الإجمال وأن تفاصيل ذلك PageV02P110 # وكيفياته مختصة بالعلم الإلهى «الذين قالوا» مرفوع على أنه بدل من واو ~~يكتمون أو خبر لمبتدأ محذوف وقيل مبتدأ خبره قل فادرؤا بحذف العائد تقديره ~~قل لهم الخ أو منصوب على الذم أو على أنه نعت للذين نافقوا أو بدل منه وقيل ~~مجرور على أنه بدل من ضمير أفواهم أو قلوبهم كما في قوله * على جوده لضن ~~بالماء حاتم * والمراد بهم عبد الله بن أبي وأصحابه «لإخوانهم» أي لأجلهم ~~وهم من قتل يوم أحد من جنسهم أو من أقاربهم فيندرج فيهم بعض الشهداء ~~«وقعدوا» حال من ضمير قالوا بتقدير قد أي قالوا وقد قعدوا عن القتال ~~بالانخذال «لو أطاعونا» أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك «ما قتلوا» كما ~~لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا وأغووهم كما غووا ~~وحمل القعود على ما استصوبه ابن أبي عند المشاورة من الإقامة بالمدينة ~~ابتداء وجعل الإطاعة عبارة عن قبول راية والعمل به يرده كون الجملة حالية ~~فإنها لتعيين ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبى ليس من القاعدين فيها ~~بذلك المعنى على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ينادى باختصاص الأمر أيضا ~~بهم فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم عند المشاورة ~~«قل» تبكيتا لهم وإظهار لكذبهم «فادرؤوا عن أنفسكم الموت» جواب لشرط قد حذف ~~تعويلا على ما بعده من قوله تعالى «إن كنتم صادقين» كما أنه شرط حذف جوابه ~~لدلالة الجواب المذكور عليه أي أن كنتم صادقين فيما ينبئ عنه قولكم من أنكم ~~قادرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت الذي كتب عليكم ~~معلقا بسبب خاص موقتا بوقت معين بدفع سببه فإن أسباب الموت في إمكان ~~المدافعة بالحيل وامتناعها سواء وأنفسكم أعز عليكم من إخوانكم وأمرها أهم ~~لديكم من أمرهم والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم لا ~~بسبب أنكم دفعتموه بالقعود ودمع كتابته عليكم فإن ذلك ms0588 مما لا سبيل اليه بل ~~قد يكون القتال سببا للنجاة والقعود مؤديا إلى الموت روى انه مات يوم قالوا ~~ما قالوا سبعون منافقا وقيل أريد إن كنتم صادقين في مضمون الشرطية والمعنى ~~انهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين فقوله تعالى ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت حينئذ استهزاء بهم أي إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب ~~الموت فادرءوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا كما درأتم في زعمكم هذا السبب ~~الخاص «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا» كلام مستأنف مسوق لبيان ~~أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر بل هو من أجل ~~المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون إثر بيان أن الحذر لا يجدى ولا يغني ~~وقرئ ولا تحسبن بكسر السين والمراد بهم شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة ~~من المهاجرين حمزة بن عبد المطالب ومصعب بن عمير وعثمان بن شهاب وعبد الله ~~بن جحش وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب وقرئ بالياء على ~~PageV02P111 # الإسناد إلى ضميره عليه السلام أو ضمير من يحسب وقيل إلى الذين قتلوا ~~والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة والتقدير ~~ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا على ~~أن المراد من توجيه النهي إليهم تنبيه السامعين على أنهم أحقاء بأن يسلوا ~~بذلك ويبشروا بالحياة الأبدية والكرامة السنية والنعيم المقيم لكن لا في ~~جميع أوقاتهم بل عند ابتداء القتل إذ بعد تبين حالهم لهم لا يبقى لاعتبار ~~تسليتهم وتبشيرهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه وقرئ قتلوا ~~بالتشديد لكثرة المقتولين «بل أحياء» أي بل هم احياء وقرئ منصوبا أي بل ~~أحسبهم احياء على أن الحسبان بمعنى اليقين كما في قوله * حسبت التقى والمجد ~~خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا * أو على انه وارد على طريق ~~المشاكلة «عند ربهم» في محل الرفع على أنه خبر ثان ms0589 للمبتدأ المقدر أو صفة ~~لأحياء أو في محل النصب على انه حال من الضمير في أحياء وقيل هو ظرف لأحياء ~~أو للفعل بعده والمراد بالعندية التقرب والزلفى وفي التعرض لعنوان الربوبية ~~المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة ~~لهم «يرزقون» أي من الجنة وفيه تأكيد لكونهم احياء وتحقيق لمعنى حياتهم قال ~~الإمام الواحدي الأصح في حياة الشهداء ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون وروى عنه ~~عليه السلام أنه قال لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور ~~خضر تدور في أنهار الجنة وروى ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من ~~الجنة حيث شاءت وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش وفيه دلالة على ~~أن روح الإنسان جسم لطيف لا يفنى بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه ~~والتذاذه ومن قال بتجريد النفوس البشرية يقول المراد أن نفوس الشهداء تتمثل ~~طيورا خضرا أو تتعلق بها فتلتذ بما ذكر وقيل المراد انها تتعلق بالأفلاك ~~والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال «فرحين بما آتاهم الله من فضله» وهو ~~شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله عز وجل والتمتع ~~بالنعيم المخلد عاجلا «ويستبشرون» يسرون بالبشارة «بالذين لم يلحقوا بهم» ~~أي بإخوانهم الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله فيلحقوا بهم «من خلفهم» ~~متعلق بيلحقوا والمعنى انهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم أو بمحذوف وقع حالا ~~من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلفين عنهم باقين في الدنيا ~~«ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون» بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون ~~استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم وأن هي المخففة من أن واسمها ضمير الشأن ~~المحذوف وخبرها الجملة المنفية أي ويستبشرون بما تبين لهم من حسن حال ~~إخوانهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف ~~وقوع محذور ولا حزن فوات مطلوب أو لا خوف عليهم ms0590 في الدنيا من القتل فإنه ~~عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلا PageV02P112 # عن أن تخاف وتحذر أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا انه يعتريهم ذلك لكنهم لا ~~يخافون ولا يحزنون والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء ~~دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل ~~على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام «يستبشرون بنعمة» كرر ~~لبيان أن الاستبشار المذكور ليس بمجرد عدم الخوف والحزن بل به وبما يقارنه ~~من نعمة عظيمة لا يقادر قدرها وهي ثواب اعمالهم وقد جوز أن يكون الأول ~~متعلقا بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم بيانا لبعض ما أجمل في قوله تعالى ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله «من الله» متعلق بمحذوف وقع صفة لنعمة مؤكدة ~~لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة منه ~~تعالى «وفضل» أي زيادة عظيمة كما في قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~«وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين» بفتح أن عطف على فضل منتظم معه في سلك ~~المستبشر به والمراد بالمؤمنين إما الشهداء والتعبير عنهم بالمؤمنين ~~للإيذان بسمو رتبة الإيمان وكونه مناطا لما نالوه من السعادة وإما كافة أهل ~~الإيمان من الشهداء وغيرهم ذكرت توفية أجورهم على ايمانهم وعدت من جملة ما ~~يستبشر به الشهداء بحكم الأخوة في الدين وقرئ بكسرها على أنه استئناف معترض ~~دال على أن ذلك اجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة ~~لا أجر لها وفيه من الحث على الجهاد والترغيب في الشهادة والبعث على ازدياد ~~الطاعة وبشرى المؤمنين بالفلاح ما لا يخفى «الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد ما أصابهم القرح» صفة مادحة للمؤمنين لا مخصصة أو نصب على المدح أو رفع ~~على الابتداء والخبر قوله تعالى «للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم» ~~بجملته ومن للبيان والمقصود من الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا ~~التقييد لأن المستجيبين كلهم محسنون ومتقون روى أن ابا سفيان وأصحابه لما ~~انصرفوا من أحد ms0591 فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في ~~طلب أبي سفيان وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج صلى الله ~~عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال ~~وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الاجر والقى الله ~~تعالى الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت «الذين قال لهم الناس» يعني ~~الركب الذين PageV02P113 # استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي وإطلاق الناس عليه لما ~~أنه من جنسهم وكلامه كلامهم يقال فلان يركب الخيل ويلبس الثياب وماله سوى ~~فرس فرد وغير ثوب واحد أو لأنه انضم اليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه «إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» روى أن ابا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا ~~محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه السلام ان شاء الله تعالى ~~فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله ~~تعالى في قلبه الرعب وبدا له أن يرجع فمر به ركب من بنى عبد قيس يريدون ~~المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين وقيل لقى نعيم ~~بن مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل وضمنها منه ~~سهيل بن عمرو فخرج نعيم ووجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم أتوكم في ~~دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد أفترون ان تخرجوا وقد جمعوا لكم ففروا ~~فقال عليه السلام والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في ~~سبعين راكبا كلهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل قيل هي الكلمة التي قالها ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقى في النار «فزادهم إيمانا» الضمير ~~المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده والمعنى أنهم ~~لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله تعالى وازداد اطمئنانهم وأظهروا ms0592 ~~حمية الإسلام وأخلصوا النية عنده وهو دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ~~ونقصانا فإن ازدياد اليقين بالإلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج مما لا ريب ~~فيه ويعضده قول ابن عمر رضي الله عنهما قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد ~~وينقص قال نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار ~~«وقالوا حسبنا الله» أي محسبنا الله وكافيا من أحسبه إذا كفاه والدليل على ~~أنه بمعنى المحسب أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفا في قولك هذا رجل حسبك ~~«ونعم الوكيل» أي نعم الموكول إليه والمخصوص بالمدح محذوف أي الله عز وجل ~~«فانقلبوا» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي فخرجوا إليهم ووافوا الموعد ~~روى أنه عليه الصلاة والسلام وافى بجيشه بدرا وأقام بها ثماني ليال وكانت ~~معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا كثيرا والباء في قوله تعالى «بنعمة» ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من الضمير في فانقلبوا والتنوين للتفخيم أي فرجعوا ~~من مقصدهم ملتبسين بنعمة عظيمة لا يقادر قدرها وقوله عز وجل «من الله» ~~متعلق بمحذوف وقع صفة لنعمة مؤكدة لفخامتها الذاتية التي يفيدها التنكير ~~بالفخامة الإضافية أي كائنة من الله تعالى وهي العافية والثبات على الإيمان ~~والزيادة فيه وحذر العدو منهم «وفضل» أي ربح في التجارة وتنكيره أيضا ~~للتفخيم «لم يمسسهم سوء» حال أخرى من الضمير في فانقلبوا أومن المستكن في ~~الحال كأنه قيل منعمين حال كونهم سالمين عن السوء والحال إذا كان مضارعا ~~منفيا بلم وفيه ضمير ذي الحال جاز فيه دخول الواو كما في قوله تعالى أو قال ~~أوحى إلى ولم يوح إليه شئ وعدمه كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى ~~ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا «واتبعوا» في كل ما اتوا من ~~قول وفعل «رضوان الله» الذي هو مناط الفوز بخير الدارين «والله ذو فضل ~~عظيم» حيث تفضل عليهم PageV02P114 # بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين ~~وإظهار الجراءة على العدو وحفظهم عن كل ما يسوءهم مع إصابة النفع الجليل ~~وفيه تحسير لمن ms0593 تخلف عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به ~~هؤلاء وروى أنهم قالوا هل يكون هذا غزوا فأعطاهم الله تعالى ثواب الغزو ~~ورضى عنهم «إنما ذلكم» إشارة إلى المثبط أو إلى من حمله على التثبيط ~~والخطاب للمؤمنين وهو مبتدأ وقوله تعالى «الشيطان» إما خبره وقوله تعالى ~~«يخوف أولياءه» جملة مستأنفة مبينة لشيطنته أو حال كما في قوله تعالى فتلك ~~بيوتهم خاوية الخ وإما صفته والجملة خبره ويجوز أن تكون الإشارة إلى قوله ~~على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان أي إبليس والمستكن في يخوف إما ~~المقدار وإما الشيطان بحذف الراجع إلى المقدر أي يخوف به والمراد بأوليائه ~~إما أبو سفيان وأصحابه فالمفعول الأول محذوف أي يخوفكم أولياءه كما هو ~~قراءة ابن عباس وابن مسعود ويؤيده قوله تعالى «فلا تخافوهم» أي أولياءه ~~«وخافون» في مخالفة أمرى وإما القاعدون فالمفعول الثاني محذوف أي يخوفهم ~~الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والضمير البارز في فلا تخافوهم ~~للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعدوا عن القتال وتجنبوا وخافوني فجاهدوا مع ~~رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به والخطاب لفريقى الخارجين والقاعدين والفاء ~~لترتيب النهى أو الانتهاء على ما قبلها فغن كون المخوف شيطانا مما يوجب عدم ~~الخوف والنهى عنه «إن كنتم مؤمنين» فإن الإيمان يقتضى إيثار خوف الله تعالى ~~على خوف غيره ويستدعى الأمن من شر الشيطان وأوليائه «ولا يحزنك» تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه ~~بالتسلية والإيذان بأصالته في تدبير أمور الدين والاهتمام بشئونه «الذين ~~يسارعون في الكفر» أي يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه ~~وإيثار كلمة في على ما وقع في قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة الآية للإشعار ~~باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في ~~قوله تعالى أولئك يسارعون في الخيرات فإن ذلك مؤذن بملابستهم للخيرات ~~وتقلبهم في فنونها في طرفي المسارعة وتضاعيفها وأما إيثار كلمة إلى في قوله ~~تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ms0594 ربكم وجنة الخ فلأن المغفرة والجنة منتهى ~~المسارعة وغايتها والمراد بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفة من ~~اليهود حسبما عين في قوله تعالى «يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا» وقيل ~~قوم ارتدوا عن الإسلام والتعبير عنهم بذلك للإشارة بما في حيز الصلة إلى ~~مظنة وجود المنهى عنه واعترائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لا يحزنوك ~~بمسارعتهم في الكفر ومبادرتهم إلى تمشية أحكامه ومظاهرتهم لأهله وتوجيه ~~النهى إلى جهتهم مع ان المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم ~~للمبالغة في ذلك لما ان PageV02P115 # النهى عن التأثير نهى عن التأثر بأصله ونفى له بالمرة وقد يوجه النهى إلى ~~اللازم والمراد هو النهى عن الملزوم كما في قولك لا أرينك ههنا وقرأ لا ~~يحزنك من أحزن المنقول من حزن بكسر الزاي والمعنى واحد وقيل معنى حزنه جعل ~~فيه حزنا كما في دهنه أي جعل فيه دهنا ومعنى أحزنه جعله حزينا وقيل معنى ~~حزنه أحدث له الحزن ومعنى أحزنه عرضه للحزن «إنهم لن يضروا الله» تعليل ~~للنهي وتكميل للتسلية بتحقيق نفى ضررهم أبدا أي لن يضروا بذلك أولياء الله ~~البتة وتعليق نفى الضرر به تعالى لتشريفهم والإيذان بان مضارتهم بمنزلة ~~مضارته سبحانه وفيه مزيد مبالغة في التسلية وقوله تعالى «شيئا» في حيز ~~النصب على المصدرية أي شيئا من الضرر والتنكير لتأكيد ما فيه من القلة ~~والحقارة وقيل على نزع الجار أي بشئ ما أصلا وقيل المعنى لن ينقصوا بذلك من ~~ملكه تعالى وسلطانه شيئا كما روى أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال يقول الله تعالى لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى ~~قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا والأول هو الأنسب ~~بمقام التسلية والتعليل «يريد الله ألا يجعل لهم حظا ms0595 في الآخرة» استئناف ~~مبين لسر ابتلائهم بما هم فيه من الانهماك في الكفر وفي ذكر الإرادة من ~~الإيذان بكمال خلوص الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم حيث تعلقت بهما إرادة أرحم ~~الراحمين مالا يخفى وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها ~~أي يريد الله بذلك ان لا يجعل لهم في الآخرة حظأ من الثواب ولذلك تركهم في ~~طغيانهم يعمهون إلى أن يهلكوا على الكفر «ولهم» مع ذلك الحرمان الكي «عذاب ~~عظيم» لا يقادر قدرة قيل ما دلت المسارعة في الشئ على عظم شأنه وجلالة قدره ~~عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعاية للمناسبة وتنبيها على حقارة ما سارعوا ~~فيه وخساسته في نفسه والجملة إما مبتدأة مبينة لحظهم من العقاب إثر بيان أن ~~لا شئ لهم من الثواب وإما حال من الضمير في لهم أي يريد الله حرمانهم من ~~الثواب معدا لهم عذاب عظيم «إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان» أي أخذوه بدلا ~~منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه وقد مر تحقيق القول في هذه ~~الاستعارة في تفسير قوله عز وجل «أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى» ~~مستوفى «لن يضروا الله شيئا» تفسيره كما مر غير أن فيه تعريضا ظاهرا ~~باقتصار الضرر عليهم كأنه قيل وإنما يضرون أنفسهم فإن جعل الموصول عبارة عن ~~المسارعين المعهودين بأن يراد باشتراء الكفر بالإيمان إيثاره عليه إما ~~بأخذه بدلا من الإيمان الحاصل بالفعل كما هو حال المرتدين أو بالقوة ~~القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة كما هو شأن اليهود ~~ومنافقيهم فالتكرير لتقرير الحكم وتأكيده ببيان علته بتغيير عنوان الموضوع ~~فإن ما ذكر في حيز الصلة من الاشتراء المذكور صريح في لحوق ضرره بأنفسهم ~~وعدم تعديه إلى غيرهم أصلا كيف لا وهو علم في الخسران الكلى والحرمان ~~الأبدي دال على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم فكيف يتأتى منهم ما يتوقف ~~على قوة الحزم ورزانة الرأي ورصانة التدبير من مضارة حزب الله تعالى وهي ~~أعز من الأبلق الفرد وأمنع من عقاب الجو وإن أجرى الموصول على PageV02P116 # عمومه بأن يراد بالاشتراء ms0596 المذكور القدر المشترك الشامل للمعنيين ~~المذكورين ولأخذ الكفر بدلا مما نزل منزلة نفس الإيمان من الاستعداد القريب ~~له الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق وملاحظة الدلائل المنصوبة في الآفاق ~~والأنفس كما هو دأب جميع الكفرة فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقرير ~~القواعد الكلية لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام هذا وقد جوز كون الموصول ~~الأول عاما للكفار والثاني خاصا بالمعهودين وأنت خبير بأنه مع خلوه عن ~~النكت المذكورة مما لا يليق بفخامة شأن التنزيل لما ان صدور المسارعة في ~~الكفر بالمعنى المذكور وكونها مظنة لإيراث الحزن لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما يفهم من النهى عنه إنما يتصور ممن علم اتصافه بها وإما من لا يعرف ~~حاله من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدة فإسناد المسارعة المذكورة ~~إليهم باعتبار كونها من مبادى حزنه عليه السلام ومما لا وجه له وقوله تعالى ~~«ولهم عذاب أليم» جملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة عذابهم بذكر غاية إيلامه ~~بعد ذكر نهاية عظمه قيل لما جرت العادة باغتباط المشترى بما اشتراه وسروره ~~بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالإيلام ~~مراعاة لذلك «ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم» عطف على ~~قوله تعالى ولا يحزنك الذين الآية والفعل مسند إلى الموصول وأن بما في ~~حيزها سادة مسد مفعولية عند سيبويه لتمام المقصود بها وهو تعلق الفعل ~~القلبي بالنسبة بين المبتدأ والخبر أو مسد أحدهما والآخر محذوف عند الأخفش ~~وما مصدرية أو موصولة حذف عائدها ووصلها في الكتابة لاتباع الإمام أي لا ~~يحسبن الكافرون إن إملاءنا لهم أو أن ما نمليه لهم خير لأنفسهم أولا يحسبن ~~الكافرون خيرية إملائنا لهم أو خيرية ما نمليه لهم ثابتة أو واقعة ومآله ~~نهيهم عن السرور بظاهر إملائه تعالى لهم بناء على حسبان خيريته لهم ~~وتحسيرهم ببيان أنه شر بحت وضرر محض كما أن مآل المعطوف عليه نهى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن الحزن بظاهر حال الكفرة بناء على توهم الضرر من ~~قبلهم وتسليته عليه السلام ms0597 ببيان عجزهم عن ذلك بالكلية والمراد بالموصول ~~إما جنس الكفرة فيندرج تحت حكمة الكلى أحكام المعهودين اندراجا أوليا وإما ~~المعهود دون خاصة فإيثار الإظهار على الإضمار لرعاية المقارنة الدائمة بين ~~الصلة وبين الإملاء الذي هو عبارة عن إمهالهم وتخليتهم وشأنهم دهرا طويلا ~~فإن المقارن له دائما إنما هو الكفر المستمر لا المسارعة المذكورة ولا ~~الاشتراء المذكور فإنهما من الأحوال المتجددة المنقضية في تضاعيف الكفر ~~المستمر وقرئ لا تحسبن بالتاء والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الأنسب بمقام التسلية أو لكل من يتأتى منه الحسبان قصدا إلى إشاعة فظاعة ~~حالهم والموصول مفعول وإنما نملى لهم إما بدل منه وحيث كان التعويل على ~~البدل وهو ساد مسد المفعولين كما في قوله تعالى أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~اقتصر على مفعول واحد كما في قولك جعلت المتاع بعضه فوق بعض وإما مفعول ثان ~~بتقدير مضاف إما فيه أي لا تحسبن PageV02P117 # الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم أو في المفعول الأول أي لا ~~تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم ومعنى التفضيل باعتبار زعمهم ~~«إنما نملي لهم ليزدادوا إثما» استئناف مبين لحكمة الإملاء وما كافة واللام ~~لام الإرادة وعند المعتزلة لام العاقبة وقرئ بفتح الهمزة ههنا على ايقاع ~~الفعل عليه وكسرها فيما سبق على انه اعتراض بين الفعل ومعموله مفيد لمزيد ~~الاعتناء بإبطال الحسبان ورده على معنى لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم ~~لازدياد الإثم حسبما هو شأنهم بل إنما هو لتلافى ما فرط منهم بالتوبة ~~والدخول في الإيمان «ولهم» في الآخرة «عذاب مهين» لما تضمن الإملاء التمتيع ~~بطيبات الدنيا وزينتها وذلك مما يستدعى التعزز والتجبر وصف عذابهم بالإهانة ~~ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا والجملة إما مبتدأة مبينة لحالهم إثر بيان حالهم ~~في الدنيا وإما حال من الواو ليزدادوا إثما معدا لهم عذاب مهين وهذا متعين ~~على القراءة الأخيرة «ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه» كلام ~~مستأنف مسوق لوعده المؤمنين ووعيده المنافقين بالعقوبة الدنيوية التي هي ~~الفضيحة والخزي ms0598 إثر بيان عقوبتهم الأخروية والمراد بالمؤمنين المخلصون وأما ~~الخطاب فقد قيل إنه لجمهور المصدقين من أهل الإخلاص وأهل النفاق ففيه ~~التفات في ضمن التلوين والمراد بما هم عليه اختلاط بعضهم بعضا واستواؤهم في ~~إجراء أحكام الإسلام عليهم إذ هو القدر المشترك بين الفريقين وقيل أنه ~~للكفار والمنافقين وهو قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين ~~ففيه تلوين فقط ولعل المنافقين عطف تفسيري للكفار وإلا فلا شركة بين ~~المؤمنين والمنافقين في أمر من الأمور والمراد بما هم عليه ما مر من القدر ~~المشترك فإنه كما يجوز نسبته إلى الفريقين معا يجوز نسبته إلى كل منهما لا ~~الكفر والنفاق كما قيل فإن المؤمنين ما كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا ~~يتركوا عليه وقيل إنه للمؤمنين خاصة وهو قول أكثر أهل المعاني ففيه تلوين ~~والتفات كما مر والتعرض لإيمانهم قبل الخطاب للإشعار بعلة الحكم والمراد ~~بما هم عليه ما مر غيره مرة والأول هو الأقرب وإليه جنح المحققون من أهل ~~التفسير لكونه صريحا في كون المراد بما هم عليه ما ذكر من القدر المشترك ~~بين الفريقين من حيث هو مشترك بينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل ~~من ذلك كيف لا والمفهوم مما عليه المنافقين هو الكفر والنفاق ومما عليه ~~المؤمنون هو الإيمان والإخلاص لا القدر المشترك بينهما ولئن فهم ذلك فإنما ~~يفهم من حيث الانتساب إلى أحدهما لا من حيث الانتساب إليهما معا وعليه يدور ~~أمر الاختلاط المحوج إلى الإفراز واللام في ليذر إما متعلقة بالخبر المقدر ~~لكان كما هو رأى البصرية وانتصاب الفعل بعدها بان المقدرة أي ما كان الله ~~مريدا أو متصديا لأن يذر المؤمنين الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل ~~تأكيد ومبالغة ليست في توجيهه إلى نفسه PageV02P118 # وإما مزيدة للتأكيد ناصبة للفعل بنفسها كما هو رأى الكوفية ولا يقدح في ~~ذلك زيادتها كما لا يقدح زيادة حروف الجر في عملها وقوله عز وجل «حتى يميز ~~الخبيث من الطيب» غاية لما يفيده النفي المذكور كأنه قيل ما يتركهم ms0599 الله ~~تعالى على ذلك الاختلاط بل يقدر الأمور ويرتب الأسباب حتى يعزل المنافق من ~~المؤمن وفي التعبير عنهما بما ورد به النظم الكريم تسجيل على كل منهما بما ~~يليق به وإشعار بعلة الحكم وإفراد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل منهما ~~وتكثره لا سيما بعد ذكر ما أريد بأحدهما أعنى المؤمنين بصيغة الجمع للإيذان ~~بأن مدار إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ~~ذاتهما وتعدد آحادهما كما في مثل قوله تعالى «ذلك أدنى ألا تعولوا» ونظيره ~~قوله تعالى «تذهل كل مرضعة عما أرضعت» حيث قصد الدلالة على الاتصاف بالوصف ~~من غير تعرض لكون الموصوف من العقلاء أو غيرهم وتعليق الميز بالخبيث المعبر ~~به عن المنافق مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط ~~تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما ~~بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال مغايرة للأولى مع بقاء ~~المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان وإن ظهر مزيد إخلاصهم لا ~~بالتصرف فيهم وتغييرهم من حال إلى حال أخرى مع بقاء المنافقين على ما هم ~~عليه من الاستتار ولأن فيه مزيد تأكيد للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى ~~«والله يعلم المفسد من المصلح» وإنما لم ينسب عدم الترك إليهم لما أنه مشعر ~~بالاعتناء بشأن من نسب إليه فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ~~ملائمة كما يشهد به الذوق السليم وقرئ حتى يميز من التمييز وقوله تعالى ~~«وما كان الله ليطلعكم على الغيب» تمهيد لبيان الميز الموعود على طريق ~~تجريد الخطاب للمخلصين تشريفا لهم وقوله عز وجل «ولكن الله يجتبي من رسله ~~من يشاء» إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال وإظهار الاسم الجليل في ~~الموضعين لتربية المهابة فالمعنى ما كان الله ليترك المخلصين على الاختلاط ~~بالمنافقين بل يرتب المبادئ حتى يخرج المنافقين من بينهم وما يفعل ذلك ~~بإطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاق ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله ~~عليه ms0600 السلام فيخبره بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حكى عنهم ~~بعضه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الإشهاد ويخلصكم من خسة الشركاء وسوء ~~جوارهم والتعرض للاجتباء للإيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ~~لا يتأتي إلى ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل تقاصرت عنه همم الأمم واصطفاه ~~على الجماهير لإرشادهم وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة ~~على أن شأنه عليه السلام في هذا الباب أمر متين له أصل أصيل جار على سنة ~~الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل الخالية عليهم السلام وتعميم الأمر في ~~قوله تعالى «فآمنوا بالله ورسله» مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني والإشعار بأن ذلك ~~مستلزم للإيمان بالكل لأنه مصدق لما بين يديه من الرسل وهم شهداء بصحة ~~نبوته عليه الصلاة والسلام والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة ~~والسلام فيدخل فيه تصديقه عليه السلام فيما أخبر به من أحوال المنافقين ~~دخولا أوليا هذا هو الذي يقتضيه جزالة النظم الكريم وقد جوز أن يكون المعنى ~~لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بان يكلفكم التكاليف الصعبة ~~التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله تعالى قلوبهم كبذل الأرواح ~~في الجهاد وإنفاق الأموال في سبيل الله تعالى PageV02P119 # فيجعل ذلك عيارا على عقائدكم وشاهدا بضمائركم حتى يعلم بعضكم بما في قلب ~~بعض بطريق الاستدلال لا من جهة الوقوف على ذات الصدور فإن ذلك مما استأثر ~~الله تعالى به وأنت خبير بأن الاستدراك باجتباء الرسل المنبئ عن مزيد ~~مزيتهم وفضل معرفتهم على الخلق إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على خفايا ~~السرائر صريح في ان المراد إظهار تلك السرائر بطريق الوحي لا بطريق التكليف ~~بما يؤدى إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء وأقرب من ذلك حمل الآية الكريمة ~~على أن تكون مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم ~~فالمعنى ما كان الله ليذر المخلصين على الاختلاط أبدا كما تركهم ms0601 كذلك إلى ~~الآن لسر يقتضيه بل يفرز عنهم المنافقين ولذلك فعله يومئذ حيث خلى الكفرة ~~وشأنهم فأبرز لهم صورة الغلبة فأظهر من في قلوبهم مرض ما فيها من الخبائث ~~وافتضحوا على رؤوس الأشهاد وقيل قال الكافرون إن كان محمد صادقا فليخبرنا ~~من يؤمن منا ومن يكفر فنزلت «وإن تؤمنوا» أي بما ذكر حق الإيمان «وتتقوا» ~~أي عدم مراعاة حقوقه أو النفاق «فلكم» بمقابلة ذلك الإيمان والتقوى أجر ~~عظيم لا يبلغ كنهه ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا ~~لهم بيان لحال البخل ووخامة عاقبته وتخطئة لأهله في توهم خيريته حسب بيان ~~حال الإملاء وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله ~~للمبالغة في بيان سوء صنيعهم فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله كما في قوله ~~تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه والفعل مسند إلى الموصول والمفعول ~~الأول محذوف لدلالة الصلة عليه وضمير الفصل راجع إليه أي لا يحسبن الباخلون ~~بما آتاهم الله من فضله من غير أن يكون لهم مدخل فيه أو استحقاق له هو خيرا ~~لهم من إنفاقه وقيل الفعل مسند إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ~~ضمير من يحسب والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف والثاني ما ذكر كما هو ~~كذلك على قراءة الخطاب أي ولا يحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم «بل هو شر لهم» التنصيص على شريته لهم مع انفهامها من نفى ~~خيريته للمبالغة في ذلك والتنوين للتفخيم وقوله تعالى «سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيامة» بيان لكيفية شريته أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ~~على أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للإيذان بكمال المناسبة بينهما ~~وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من رجل لا يؤدى زكاة ماله إلا ~~جعل الله له شجاعا في عنقه يوم القيامة وقيل يجعل ما بخل به من الزكاة حية ~~في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه ms0602 وتنقر رأسه وتقول أنا مالك «ولله» وحده لا ~~لأحد غيره استقلالا أو اشتراكا «ميراث السماوات والأرض» أي ما يتوارثه ~~أهلهما من مال وغيره من الرسالات التي يتوارثها أهل السماوات والأرض فما ~~لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله أو أنه يرث منهم ما يمسكونه ~~ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والندامة «والله ~~بما تعملون» من المنع والبخل «خبير» فيجازيكم على ذلك وإظهار الاسم الجليل ~~في موضع الإضمار PageV02P120 # لتربية المهابة والالتفات للمبالغة في الوعيد والإشعار باشتداد غضب ~~الرحمن الناشئ من ذكر قبائحهم وقرئ بالياء على الظاهر «لقد سمع الله قول ~~الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء» قالته اليهود لما سمعوا قوله تعالى ~~«من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا» وروى انه عليه السلام كتب مع أبي بكر رضي ~~الله عنه إلى يهود بنى قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فقال فنحاص إن الله فقير حتى سألنا القرض ~~فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه وقال لولا الذي بيننا وبينكم من العهد ~~لضربت عنقك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله فنزلت ~~والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخف ~~عليه تعالى واعد له من العذاب كفأه والتعبير عنه بالسماع للإيذان بأنه من ~~الشناعة والسماحة بحيث لا يرضى قائله بأن يسمعه سامع والتوكيد القسمي ~~للتشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد «سنكتب ما قالوا» أي سنكتب ما ~~قالوه من العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ~~ننساه ولا نهمله كما يثبت المكتوب والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبدا تدوينه ~~وإثباته لكونه في غاية العظم والهول كيف لا وهو كفر بالله تعالى واستهزاء ~~بالقرآن العظيم والرسول الكريم ولذلك عطف عليه قوله تعالى «وقتلهم ~~الأنبياء» إيذانا بأنهما في العظم أخوان وتنبيها على أنه ليس بأول جريمة ~~ارتكبوها بل لهم فيه سوابق وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم ms0603 يستبعد منه ~~أمثال هذه العظائم والمراد بقتلهم الأنبياء رضاهم بفعل أسلافهم وقوله تعالى ~~«بغير حق» متعلق بمحذوف وقع حالا من قتلهم أي كائنا بغير حق في اعتقادهم ~~أيضا كما هو في نفس الأمر وقرئ سيكتب على البناء للفاعل وسيكتب على البناء ~~للمفعول وقتلهم بالرفع «ونقول ذوقوا عذاب الحريق» أي وننتقم منهم بعد ~~الكتبة بأن نقول لهم ذوقوا العذاب المحرق كما أذقتم المسلمين الغصص وفيه من ~~المبالغات مالا يخفى وقرئ ويقول بالياء ويقال على البناء للمفعول «ذلك» ~~إشارة إلى العذاب المذكور وما فيه من معنى البعد للدلالة على عظم شأنه وبعد ~~منزلته في الهول والفظاعة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «بما قدمت أيديكم» أي ~~بسبب ما اقترفتموه من قتل الأنبياء والتفوه بمثل تلك العظيمة وغيرها من ~~المعاصي والتعبير عن الأنفس بالأيدي لما ان عامة أفاعيلها تزاول بهن ومحل ~~أن في قوله تعالى «وأن الله ليس بظلام للعبيد» الرفع على انه خبر مبتدأ ~~محذوف والجملة اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبلها أي والأمر أنه تعالى ليس ~~بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع ان تعذيبهم ~~بغير ذنب ليس بظلم ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما بالغا ~~لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه ~~من الظلم كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال على الأعمال بإضاعتها مع ان ~~الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها صياغها وصيغة PageV02P121 # المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة ~~المبالغة في الظلم وقيل هي لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده ~~وظلام لعبيده على أنها للمبالغة كما لا كيفا هذا وقد قيل محل أن الجر ~~بالعطف على ما قدمت وسببيته للعذاب من حيث أن نفى الظلم مستلزم للعدل ~~المقتضى لإثابة المحسن ومعاقبة المسئ وفساده ظاهر فإن ترك التعذيب من ~~مستحقه ليس بظلم شرعا ولا عقلا حتى ينتهض نفى الظلم سببا للتعذيب حسبما ~~ذكره القائل ms0604 في سورة الأنفال وقيل سببية ذنوبهم لعذابهم مقيدة بانضمام ~~انتفاء ظلمه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم وأنت خبير ~~بأن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء ~~الكفرة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه وإنما يحتاج إلى ذلك أن ~~لو كان المدعى أن جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين «الذين قالوا» ~~نصب أو رفع على الذم وهم كعب بن الأشرف ومالك بن صيفي وحيي بن أخطب وفنحاص ~~بن عازوراء ووهب بن يهوذا «إن الله عهد إلينا» أي أمرنا في التوراة وأوصانا ~~«ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار» كما كان عليه أمر أنبياء ~~بنى إسرائيل حيث كان يقرب بالقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من السماء ~~فتأكله أي تحيله إلى طبعها بالإحراق وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم فإن أكل ~~النار القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات سواء ~~ولما كان محصل كلامهم الباطل أن عدم إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعدم إتيانه بما قالوا ولو تحقق الإتيان به لتحقق الإيمان رد عليهم بقوله ~~تعالى «قل» أي تبكيتا لهم وإظهارا لكذبهم «قد جاءكم رسل» كثيرة العدد كبيرة ~~المقدار «من قبلي بالبينات» أي المعجزات الواضحة «وبالذي قلتم» بعينه من ~~القربان الذي تأكله النار «فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين» فيما يدل عليه ~~كلامكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وغيرهم ~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم مع معجزات أخر فما ~~لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم «فإن كذبوك» شروع في تسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إثر ما أوحى إليه ما يحزنه عليه الصلاة والسلام من ~~مقالات الكفرة من المشركين واليهود وقوله تعالى «فقد كذب رسل من قبلك» ~~تعليل لجواب الشرط أي فتسل فقد كذب الخ ومن متعلقة بكذب أو بمحذوف صفة لرسل ~~أي كائنة من قبلك «جاؤوا بالبينات» أي المعجزات الواضحات صفة لرسل «والزبر» ~~هو جمع ms0605 زبور وهو الكتاب المقصود على الحكم من زبرته إذا حسنته وقيل زبر ~~المواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته والكتاب قيل أي التوراة والإنجيل ~~والزبور والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب ~~والحكمة متعاطفين في عامة وقرئ وبالزبر بإعادة الجار دلالة على أنها مغايرة ~~بالذات PageV02P122 # للبينات «كل نفس ذائقة الموت» وعد ووعيد للمصدق والمكذب وقرئ ذائقة الموت ~~بالتنوين وعدمه كما في قوله * ولا ذاكر الله إلا قليلا «وإنما توفون ~~أجوركم» أي تعطون أجزية أعمالكم على التمام والكمال «يوم القيامة» أي يوم ~~قيامكم من القبور وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله ~~كما ينبئ عنه قوله عليه الصلاة والسلام القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة ~~من حفر النيران «فمن زحزح عن النار» أي بعد عنها يومئذ ونجى والزحزحة في ~~الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة «وأدخل الجنة فقد فاز» بالنجاة ونيل ~~المراد والفوز الظفر بالبغية وعن النبي صلى الله عليه وسلم من أحب ان يزحزح ~~عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى ~~الناس ما يحب أن يؤتى إليه «وما الحياة الدنيا» أي لذاتها وزخارفها «إلا ~~متاع الغرور» شبهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه وهذا ~~لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ والغرور إما ~~مصدر أو جمع غار «لتبلون» شروع في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~معه من المؤمنين عما سيلقونه من جهة الكفرة من المكاره إثر تسليتهم عما قد ~~وقع منهم ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ويستعدوا للقائه ويقابلوه ~~بحسن الصبر والثبات فإن هجوم الأوجال مما يزلزل أقدام الرجال والاستعداد ~~للكروب مما يهون الخطوب وأصل الابتلاء الاختبار أي تطلب الخبرة بحال ~~المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبا ملابسته ومقارفته وذلك إنما يتصور ~~حقيقة مما لا وقوف له على عواقب الأمور وأما من جهة العليم الخبير فلا يكون ~~إلا مجازا من تمكينه للعبد من ms0606 اختيار أحد الأمرين أو الأمور قبل أن يرتب ~~عليه شيئا هو من مباديه العادية كما مر والجملة جواب قسم محذوف أي والله ~~لتبلون أي لتعاملن معاملة معملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق ~~والأعمال الحسنة وفائدة التوكيد إما تحقيق معنى الابتلاء تهوينا للخطب وإما ~~تحقيق وقوع المبتلى به مبالغة في الحث على ما أريد منهم من التهيئو ~~والاستعداد «في أموالكم» بما يقع فيها من ضروب الآفات المؤدية إلى هلاكها ~~وإما إنفاقها في سبيل الخير مطلقا فلا يليق نظما في سلك الابتلاء لما أنه ~~من باب الأضعاف لا من قبيل الاتلاف «وأنفسكم» بالقتل والأسر والجراح وما ~~يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ونحو ذلك وتقديم الأموال ~~لكثرة وقوع الهلكة فيها ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم أي من قبل ~~إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى عبر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاق ~~والإيذان بأن بعض ما يسمعونه منهم مستند على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله ~~تعالى «إن PageV02P123 # الله عهد إلينا» الخ والتصريح بالقبلية لتأكيد الإشعار وتقوية المدار فإن ~~قدم نزول كتابهم مما يؤيد تمسكهم به «ومن الذين أشركوا أذى كثيرا» من الطعن ~~في الدين الحنيف والقدح في أحكام الشرع الشريف وصد من أراد أن يؤمن وتخطئة ~~من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتحريض المشركين ~~على مضادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لا خير فيه «وإن ~~تصبروا» أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها وتقابلوها بحسن التجمل ~~«وتتقوا» أي تتبتلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث ~~يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه «فإن ذلك» إشارة إلى الصبر ~~والتقوى وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهما وبعد منزلتهما وتوحيد ~~حرف الخطاب إما باعتبار كل واحد من المخاطبين وإما لأن المراد بالخطاب مجرد ~~التنبيه من غير ملاحظة خصوصية أحوال المخاطبين «من عزم الأمور» من ~~معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون أي مما يحب أن يعزم عليه كل أحد ms0607 لما ~~فيه من كمال المزية والشرف أو مما عزم الله تعالى عليه وأمر به وبالغ فيه ~~يعنى أن ذلك عزمه من عزمات الله تعالى لا بد أن تصبروا وتتقوا والجملة ~~تعليل لجواب الشرط واقع موقعه كأنه قيل وإن تصبروا وتتقوا فهو خير لكم أو ~~فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ ويجوز أن يكون ذلك إشارة ~~إلى صبر المخاطبين وتقواهم فالجملة حينئذ جواب الشرط وفي إبراز الأمر ~~بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعبادة ما لا يخفى ~~«وإذ أخذ الله» كلام مستأنف سيق لبيان بعض أذياتهم وهو كتمانهم ما في ~~كتابهم من شواهد نبوته عليه الصلاة والسلام وغيرها وإذ منصوب على المفعولية ~~بمضمر أمر به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بطريق تجريد الخطاب إثر الخطاب ~~الشامل له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لكون مضمونه من الوظائف الخاصة به ~~عليه الصلاة والسلام وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من ~~الحوادث مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها على ما مر بيانه ~~في تفسير قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل الخ أي اذكر وقت اخذه ~~تعالى «ميثاق الذين أوتوا الكتاب» وهم علماء اليهود والنصارى ذكروا بعنوان ~~إيتاء الكتاب مبالغة في تقبيح حالهم «لتبيننه» حكاية لما خوطبوا به والضمير ~~للكتاب وهو جواب لقسم ينبئ عنه أخذ الميثاق كأنه قيل لهم بالله لتبيننه ~~«للناس» وتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها امر نبوته ~~عليه الصلاة والسلام وهو المقصود بالحكاية وقرئ بالياء لأنهم غيب «ولا ~~تكتمونه» عطف على الجواب وإنما لم يؤكد بالنون لكونه منفيا كما في قولك ~~والله لا يقوم زيد وقيل اكتفى بالتأكيد في الأول لأنه تأكيد له وقيل هو حال ~~من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدأ بعد الواو أي وأنتم لا تكتمونه وإما ~~على رأى من جوز دخول الواو على المضارع المنفى عند وقوعه حالا أي لتبيننه ~~غير كاتمين والنهى عن الكتمان بعد الأمر بالبيان PageV02P124 # وإما ms0608 للمبالغة في إيجاب المأمور به وإما المراد بالبيان المأمور به ذكر ~~الآيات الناطقة بنبوته عليه الصلاة والسلام وبالكتمان المنهى عنه إلقاء ~~التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة وقرئ بالياء كما قبله «فنبذوه» النبذ ~~الرمي والإبعاد أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق الموثق بفنون التأكيد ~~وألقوه «وراء ظهورهم» ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلا فإن نبذ الشئ وراء ~~الظهر مثل في الاستهانة به والإعراض عنه بالكلية كما أن جعله نصب العين علم ~~في كمال العناية به وفيه من الدلالة على تحتم بيان الحق على علماء الدين ~~وإظهار ما منحوه من العلم للناس أجمعين وحرمه كتمانه لغرض من الأغراض ~~الفاسدة أو لطمع في عرض من الأعراض الفانية الكاسدة مالا يخفى وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار وعن طاوس أنه ~~قال لوهب بن منبه إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب وقال والله لو كنت ~~نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك وعن محمد بن كعب لا يحل ~~لأحد من العماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل ان يسكت على جهلة حتى يسأل ~~وعن على رضي الله عنه ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على ~~أهل العلم أن يعلموا «واشتروا به» أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن ~~كتمانه فإن ذكر نبذ الميثاق يدل على ذلك دلالة واضحة وإيقاع الفعل على الكل ~~مع ان المراد به كتم بعضه كدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ونحوها لما أن ~~ذلك كتم للكل إذ به يتم الكتاب كما أن رفض بعض أركان الصلاة رفض لكلها أو ~~بمنزلة كتم الكل من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله ~~تعالى «وإن لم تفعل فما بلغت رسالته» والاشتراء مستعار لاستبدال متاع ~~الدنيا بما كتموه أي تركوا ما أمروا به وأخذوا بدله «ثمنا قليلا» أي شيئا ~~تافها حقيرا من حطام الدنيا وأعراضها وفي تصوير هذه المعاملة بعقد المعاوضة ~~لا سيما بالاشتراء المؤذن بالرغبة ms0609 في المأخوذ والإعراض عن المعطى والتعبير ~~عن المشترى الذي هو العمدة في العقد والمقصود بالمعاملة بالثمن الذي شأنه ~~أن يكون وسيلة إليه وجعل الكتاب الذي حقه أن يتنافس فيه المتنافسون مصحوبا ~~بالباء الداخلة على الالآت والوسائل من نهاية الجزالة والدلالة على كمال ~~فظاعة حالهم وغاية قبحها بإيثارهم الدنئ الحقير على الشريف الخطير وتعكيسهم ~~بجعلهم المقصد الأصلي وسيلة والوسيلة مقصدا ما لا يخفى جلالة شأنه ورفعه ~~مكانه «فبئس ما يشترون» ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس ويشترون صفته ~~والمخصوص بالذم محذوف أي بئس يشترونه ذلك الثمن «لا تحسبن» الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح له «الذين يفرحون بما أتوا» ~~أي بما فعلوا كما في قوله تعالى إنه كان وعده مأتيا ويدل عليه قراءة أبي ~~يفرحون بما فعلوا وقرئ بما آتوا بمعنى أعطوا وبما أوتوا أي أي بما أوتوه من ~~علم التوراة قال ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود حرفوا التوراة وفرحوا ~~بذلك وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل روى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سأل اليهود عن شئ مما في التوراة فكتموا PageV02P125 # الحق وأخبروه بخلافة وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما ~~فعلوا وقيل فرحوا بكتمان النصوص الناطقة بنبوته عليه الصلاة والسلام وأحبوا ~~أن يحمدوا بأنهم متبعون ملة إبراهيم عليه السلام فالموصول عبارة عن ~~المذكورين أو عن مشاهيرهم وضع موضع ضميرهم والجملة مسوقة لبيان ما تستتبعه ~~أعمالهم المحكية من العقاب الأخروى إثر بيان قباحتها وقد أدمج فيها بيان ~~بعض آخر من شنائعهم وهو إصرارهم على ما هم عليه من القبائح وفرحهم بذلك ~~ومحبتهم لأن يوصفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلة وقد نظم ذلك في سلك ~~الصلة التي حقها أن تكون معلومة الثبوت للموصول عند المخاطب إيذانا بشهرة ~~اتصافهم بذلك وقيل هم قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم أو المصلحة في ~~ذلك واستحمدوا به وقيل هم المنافقون كافة وهو الأنسب بظاهر قوله تعالى ~~«ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا» لشهرة أنهم ms0610 كانوا يفرحون بما فعلوا من ~~إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم ~~عن فعله بألف معزل وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من ~~العداوة فالموصول عبارة عن طائفة معهودة من المذكورين وغيرهم فإن أكثر ~~المنافقين كانوا من اليهود ولعل الأولى إجراء الموصول على عمومه شاملا لكل ~~من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو ~~عار منه من الفضائل منتظما للمعهودين انتظاما أولياء وأيا ما كان فهو مفعول ~~أول لتحسبن وقوله تعالى «فلا تحسبنهم» تأكيد له والفاء زائدة والمفعول ~~الثاني قوله تعالى «بمفازة من العذاب» أي ملتبسين بنجاة منه على أن المفازة ~~مصدر ميمي ولا يضر تأنيثها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على ~~الوحدة كما في قوله * فلولا رجاء النصر منك ورهبة * عقابك قد كانوا لنا ~~بالموارد * ولا سبيل إلى جعلها اسم مكان على أن الجار متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لها أي بمفازة كائنة من العذاب لأنها ليست من العذاب وتقدير فعل خاص ليصح ~~به المعنى أي بمفازة منجية من العذاب مع كونه خلاف الأصل تعسف مستغنى عنه ~~وقرئ بضم الباء في الفعلين على أن الخطاب شامل للمؤمنين أيضا وقرئ بياء ~~الغيبة وفتح الباء فيهما على أن الفعل له عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ~~ممن يتأتى منه الحسبان ومفعولاه كما ذكر وقرئ بضم الباء في الثاني فقط على ~~أن الفعل للموصول والمفعول الأول محذوف لكونه عين الفاعل والثاني بمفازة أي ~~لا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم فائزين وقوله تعالى فلا يحسبنهم تأكيد للأول ~~والفاء زائدة كما مر ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا ~~اختصارا لدلالة مفعولى الثاني عليهما على عكس ما في قوله * بأي كتاب أو ~~بأية سنة * ترى حبهم عارا على وتحسب * حيث حذف فيه مفعولا الثاني لدلالة ~~مفعولى الأول عليهما أو على ان الفعل الأول للرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~لكل حاسب ومفعوله الأول الموصول والثاني محذوف لدلالة مفعول الفعل الثاني ms0611 ~~عليه والفعل الثاني مسند إلى ضمير الموصول والفاء للعطف لظهور تفرع عدم ~~حسبانهم على عدم حسبانه عليه السلام ومفعولاه الضمير المنصوب وقوله تعالى ~~بمفازة وتصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور للتنبيه على بطلان آرائهم ~~الركيكة وقطع أطماعهم الفارغة حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من ~~عذاب الآخرة كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية وعليه كان مبنى فرحهم وأما ~~نهيه عليه السلام فللتعريض بحسبانهم المذكور لا لاحتمال وقوع الحسبان من ~~جهته عليه السلام «ولهم عذاب أليم» بعد ما أشير PageV02P126 # إلى عدم نجاتهم من مطلق العذاب حقق ان لهم فردا منه لا غاية له في المدة ~~والشدة كما تلوح به الجملة الاسمية والتنكير التفخيمى والوصف «ولله» أي ~~خاصة «ملك السماوات والأرض» أي السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما ~~وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد إيجادا وإعداما إحياء وإماته تعذيبا وإثابة ~~من غير أن يكون لغيره شائبة دخل في شئ من ذلك بوجه من الوجوه فالجملة مقررة ~~لما قبلها وقوله تعالى «والله على كل شيء قدير» تقرير لاختصاص ملك العالم ~~الجثماني المعبر عنه بقطرية به سبحانه وتعالى فإن كونه تعالى قادرا على ~~الكل بحيث لا يشذ من ملكوته شئ من الأشياء يستدعى كون ما سواه كائنا ما كان ~~مقدورا له ومن ضرورته اختصاص القدرة به تعالى واستحالة أن يشاركه شئ من ~~الأشياء في القدرة على شئ من الأشياء فضلا عن المشاركة في ملك السماوات ~~والأرض وفيه تقريره لما مر من ثبوت العذاب الأليم لهم وعدم نجاتهم منه أثر ~~تقرير وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة والإشعار بمناط ~~الحكم فإن شمول القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألولهية مع ما فيه من ~~الإشعار باستقلال كل من الجملتين بالتقرير «إن في خلق السماوات» جملة ~~مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهر والقدرة ~~التامة صدرت بكلمة التأكيد اعتناء بتحقيق مضمونها أي في إنشائها على ما هي ~~عليه في ذواتها وصفاتها من الأمور التي يحار في فهم أجلاها العقول «والأرض» ~~على ما هي ms0612 عليه ذاتا وصفة «واختلاف الليل والنهار» أي في تعاقبهما في وجه ~~الأرض وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لحركات ~~السماوات وسكون الأرض أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر ~~وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب ~~الأزمنة أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما في الطول والقصر فإن ~~البلاد القريبة من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية ~~أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها وإما في أنفسها فإن كرية الأرض ~~تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلا وفي مقابلة نهارا وفي بعضها ~~صباحا وفي بعضها ظهرا أو عصرا أو غير ذلك والليل قيل أنه اسم جنس يفرق بين ~~واحده وجمعه بالتاء كتمر وتمرة والليالي جمع جمع والصحيح أنه مفرد ولا يحفظ ~~له جمع والليالي جمع ليلة وهو جمع غريب كأنهم توهموا أنها ليلاه كما في ~~كيكة وكياكى كأنها جمع كيكاة والنهار اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس ~~قاله الراغب وقال ابن فارس هو ضياء ما بينهما وتقديم الليل على النهار إما ~~لأنه الأصل فإن غرر الشهور تظهر في الليالي وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ~~ينبئ عنه قوله تعالى وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أي نزيلة منه فيخلفه ~~«لآيات» اسم إن دخلته اللام لتأخره عن خبرها والتنكير للتفخيم كما وكيفا أي ~~لآيات كثيرة عظيمة لا يقادر قدرها دالة على تعاجيب شؤونه التي من جملتها ما ~~مر من اختصاص الملك العظيم والقدرة التامة به سبحانه وعدم PageV02P127 # التعرض لما ذكر في سورة البقرة من الفلك والمطر وتصريف الرياح والسحاب ~~لما أن المقصود ههنا بيان استبداده تعالى بما ذكر من الملك والقدرة فاكتفى ~~بمعظم الشواهد الدالة على ذلك وأما هناك فقد قصد في ضمن بيان اختصاصه تعالى ~~بالألوهية بيان اتصافه تعالى بالرحمة الواسعة فنظمت دلائل الفضل والرحمة في ~~سلك دلائل التوحيد فإن ما فصل هناك من آيات رحمته تعالى كما أنه آيات ~~ألوهيته ووحدته «لأولي الألباب» أي لذوي العقول المجلوة الخالصة ms0613 عن شوائب ~~الحس والوهم المتجردين عن العلائق النفسانية المتخلصين من العوائق ~~الظلمانية المتأملين في أحوال الحقائق وأحكام النعوت المراقبين في أطوار ~~الملك وأسرار الملكوت المتفكرين في بدائع صنائع الملك الخلاق المتدبرين في ~~روائع حكمه المودعة في الأنفس والآفاق الناظرين إلى العالم بعين الاعتبار ~~والشهود المتفحصين عن حقيقة سر الحق في كل موجود المثابرين على مراقبته ~~وذكراه غير ملتفتين إلى شئ مما سواه إلا من حيث إنه مرآة لمشاهدة جماله ~~وآله لملاحظة صفات كماله فإن كل ما ظهر في مظاهر الإبداع وحضر محاضر ~~التكوين والاختراع سبيل سوى إلى عالم التوحيد ودليل قوى على الصانع المجيد ~~ناطق بآيات قدرته فهل من سامع واع ومخبر بأنباء علمه وحكمته فهل له من داع ~~يكلم الناس على قدر عقولهم ويرد جوابهم بحسب مقولهم يحاور تارة بأوضح عبارة ~~ويلوح أخرى بألطف إشارة مراعيا في الحوار وإبهامهم وتصريحهم وإن من شئ إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم فتأمل في هذه الشؤون والأسرار إن في ذلك ~~لعبرة لأولى البصار عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال هل لك يا عائشة أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربى فقلت يا رسول ~~الله أنى لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك فقام إلى قربة من ماء في البيت ~~فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ثم قام يصلى فقرأ من القرآن وجعل يبكى حتى بلغ ~~الدموع حقويه ثم جلس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وجعل يبكى ثم رفع يديه ~~يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكى ~~فقال له يا رسول الله أتبكى وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ~~يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ثم قال وما لي لا أبكى وقد أنزل الله تعالى ~~على في هذه الليلة «إن في خلق السماوات والأرض» الخ ثم قال ويل لمن قرأها ~~ولم يتفكر فيها وروى ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها وعن على ms0614 رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسول ثم ينظر إلى ~~السماء ثم يقول «إن في خلق السماوات والأرض» «الذين يذكرون الله» الموصول ~~إما موصول بأولى الألباب مجرور على أنه نعت كاشف له بما في حيز الصلة وإما ~~مفصول عنه مرفوع أو منصوب على المدح أو مرفوع على انه خبر لمبتدأ محذوف ~~وقيل هو مرفوع على الابتداء والخبر هو القول المقدر قبل قوله تعالى ربنا ~~وفيه من تفكيك النظم الجليل مالا يخفى وأيا ما ما كان فقد أشير بما في حيز ~~صلته أن PageV02P128 # المراد بهم الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامة أوقاتهم لاطمئنان قلوبهم ~~بذكره واستغراق سرائرهم في مراقبته لما أيقنوا بان كل ما سواه فائض منه ~~وعائد إليه فلا يشاهدون حالا من الأحوال في أنفسهم وإليه أشير بقوله عز وجل ~~«قياما وقعودا وعلى جنوبهم» ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم ~~يعاينون في ذلك شأنا من شؤونه تعالى فالمراد به ذكره تعالى مطلقا سواء كان ~~ذلك من حيث الذات أو من حيث الصفات والأفعال وسواء قارنه الذكر اللساني ~~أولا وأما ما يحكى عن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة رضى الله عنهم من ~~أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضهم إما ~~قال الله تعالى «الذين يذكرون الله قياما وقعودا» فقاموا يذكرون الله على ~~أقدامهم فليس مرادهم به تفسير الآية وتحقيق مصداقها على التعيين وإنما ~~أرادوا به التبرك بنوع موافقة لها في ضمن الإيتان بفرد من افراد مدلولها ~~واما حمل الذكر على الصلاة في هذه الأحوال حسب الاستطاعة كما قال عليه ~~السلام لعمران بن الحصين صل قائما فإن لم تستطع فعلى جنب تومئ إيماء فمما ~~لا يساعده سباق لنظم الجليل ولا سياقة ولا قيام والقعود جمع قائم وقاعد ~~كنيام ورقود جمع نائم وانتصابهما على الحالية من ضمير يذكرون أي يذكرونه ~~قائمين وقاعدين وقوله تعالى وعلى جنوبهم متعلق بمحذوف معطوف على الحالين أي ~~وكائنين على جنوبهم ms0615 أي مضطجعين والمراد تعميم الذكر للأوقات كما مر وتخصيص ~~الأحوال المذكورة بالذكر ليس لتخصيص الذكر بها بل لأنها الأحوال المعهودة ~~التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا «ويتفكرون في خلق السماوات» عطف على ~~يذكرون منتظم معه في حيز الصلة فلا محل له من الإعراب وقيل محله النصب على ~~أنه معطوف على الأحوال السابقة وليس بظاهر وهو بيان لتفكرهم في أفعاله ~~سبحانه إثر بيان تفكرهم في ذاته تعالى على الإطلاق وإشارة إلى نتيجته التي ~~يؤدى إليها من معرفة أحوال المعاد حسبما نطقت به ألسنة الرسل وآيات الكتب ~~فكما أنها آيات تشريعية هادية للخلق إلى معرفته تعالى ووجوب طاعته كذلك ~~المخلوقات آيات تكوينية مرشدة لهم إلى ذلك فالأولى منبهات لهم على الثانية ~~ودواع إلى الاستشهاد بها كهذه الآية الكريمة ونحوها مما ورد في مواضع غير ~~محصورة من التنزيل والثانية مؤيدات للأولى وشواهد دالة على صحة مضمونها ~~وحقية مكنونها فإن من تأمل في تضاعيف خلق العالم على هذا النمط البديع قضى ~~باتصاف خالقه تعالى بجميع ما نطقت به الرسل والكتب من الوجوب الذاتي ~~والوحدة الذاتية والملك القاهر والقدرة التامة والعلم الشامل والحكمة ~~البالغة وغير ذلك من صفات الكمال وحكم بأن من قدر على إنشائه بلا مثال ~~يحتذيه أو قانون ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدر وحكم بان ذلك ليس إلا ~~لحكمة باهرة هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم أي علومهم ~~واعتقاداتهم التابعة لأنظارهم فيما نصب لهم من الحجج والدلائل والأمارات ~~والمخايل وسائر أعمالهم المتفرعة على ذلك فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ~~بل متناول للعمل القلبي بل هو أشرف أفراده لما أن لكل من القلب والقالب ~~عملا خاصا به ومن قضية كون الأول أشرف من الثاني كون عمله أيضا أشرف من ~~عمله كيف ولا ولا عمل بدون معرفته تعالى التي هي أول الواجبات على العباد ~~والغاية PageV02P129 # القصوى من الخلق على ما نطق به عز وجل «وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون» أي ليعرفون كما أعرب عنه قوله عليه الصلاة والسلام يقول الله ~~تعالى ms0616 كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف وإنما طريقها النظر ~~والتفكر فيما ذكر من شؤونه تعالى وقد روى عنه عليه السلام انه قال لا ~~تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض قالوا ~~وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام لا عبادة ~~مثل التفكر وقد عرفت أنه مستتبع لتحقيق ما جاءت به الشريعة الحقة وإلا لما ~~فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى «وهو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا» بقوله عليه الصلاة ~~والسلام أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله تعالى فإن التورع عن محارمه ~~سبحانه موقوف على معرفة الحلال والحرام المنوط بالكتاب والسنة فحينئذ ~~تتصادق الآيات التكوينية وتتوافق الأدلة السمعية والعقلية وهو السر في نظم ~~ما حكى عن المتفكرين من الأمور المستدعية للإيمان بالشريعة في سلك نتيجة ~~تفكرهم كما ستقف عليه وإظهار خلق السماوات والأرض مع كفاية الإضمار لإبراز ~~كمال العناية ببيان حالهم والإيذان بكون تفكرهم على وجه التحقيق والتفصيل ~~وعدم التعرض لإدراج اختلاف الملوين في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف إما ~~للإيذان بظهور اندراجه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعة لأحوال السماوات ~~والأرض كما أشير إليه وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحكم بالنتيجة بمجرد ~~تفكرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعض آخر منها في إثبات المطلوب ~~والخلق مصدر على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب ~~المصنوعات وقيل بمعنى المخلوق على أن الإضافة بمعنى في أي يتفكرون فيما خلق ~~فيهما أعم من أن يكون بطريق الجزئية منهما أو بطريق الحلول فيهما أو على ~~انها بيانية «ربنا ما خلقت هذا باطلا» كلمة هذا إشارة إلى السماوات والأرض ~~متضمنة لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ~~والتذكير لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى المخلوق وباطلا إما ~~صفة لمصدر مؤكد محذوف ms0617 أو حال من المفعول به أي ما خلقت هذا المخلوق البديع ~~العظيم الشأن عبثا عاريا عن الحكمة خاليا عن المصلحة كما ينبئ عنه أوضاع ~~الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه بل منتظما لحكم جليلة ومصالح عظيمة ~~من جملتها أن يكون مدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال ~~المبدأ والمعاد حسبما أفصحت عنه الرسل والكتب الإلهية كما تحققته مفصلا ~~والجملة بتمامها في حيز النصب بقول مقدر هو على تقدير كون الموصول نعتا ~~لأولى الألباب استئناف مبين لنتيجة التفكر ومدلول الآيات ناشئ مما سبق فإن ~~النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم بأولى الألباب ثم ~~وصفهم بذكر الله تعالى والتفكر في محال الآيات تبقى مترقبة لما يظهر منهم ~~من آثارها وأحكامها كأنه قيل فماذا يكون عند تفكرهم في ذلك وماذا يترتب ~~عليه من النتيجة فقيل يقولون كيت وكيت مما ينبئ عن وقوفهم على سر الخلق ~~المؤدى إلى معرفة صدق الرسل وحقية الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية ~~على التفصيل الذي وقفت عليه هذا وأما جعله حالا من المستكن في الفعل كما ~~أطبق عليه الجمهور فمما لا يساعده النظم الكريم لما أن ما في حيز الصلة وما ~~هو قيد له حقه أن يكون من مبادى PageV02P130 # الحكم الذي أجرى على الموصول ودواعي ثبوته له كذكرهم الله عز وجل في عامة ~~أوقاتهم وتفكرهم في خلق السماوات والأرض فإنهما مما يؤدى إلى اجتلاء تلك ~~الآيات والاستدلال بها على المطلوب ولا ريب في أن قولهم ذلك ليس من مبادى ~~الاستدلال المذكور بل من نتائجه المترتبة عليه فاعتباره قيدا لما في حيز ~~الصلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل نعم هو حال من ذلك على تقدير كون ~~الموصول مرفوعا أو منصوبا على المدح أو مرفوعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف إذ ~~لا اشتباه في أن قولهم ذلك من مبادى مدحهم ومحاسن مناقبهم وفي إبراز هذا ~~القول في معرض الحال دون الخبر إشعار بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وتردد ~~في ذلك وقوله تعالى «سبحانك» أي تنزيها ms0618 لك عما لا يليق بك من الأمور التي ~~من جملتها خلق مالا حكمة فيه اعتراض مؤكدة لمضمون ما قبله وممهد لما بعده ~~من قوله تعالى «فقنا عذاب النار» فإن معرفة سر خلق العالم وما فيه من ~~الحكمة البالغة والغاية الحميدة والقيام بما تقتضيه من الأعمال الصالحة ~~وتنزيه الصانع تعالى عن العبث من دواعي الاستعاذة مما يحيق بالمخلين بذلك ~~من وجهين أحدهما الوقوف على تحقق العذاب فالفاء لترتيب الدعاء على ما ذكر ~~والثاني الاستعداد لقبول الدعاء فالفاء لترتيب المدعو أعنى الوقاية على ذلك ~~كأنه قيل وإذ قد عرفنا سرك وأطعنا أمرك ونزهناك عما لا ينبغي فقنا عذاب ~~النار الذي هو جزاء الذين لا يعرفون ذلك «ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته» مبالغة في استدعاء الوقاية وبيان لسببه وتصدير الجملة بالنداء ~~للمبالغة في التضرع والجؤار وتأكيدها لإظهار كمال اليقين بمضمونها والإيذان ~~بشدة الخوف وإظهار النار في موضع الإضمار لتهويل أمرها وذكر الإدخال في ~~مورد العذاب لتعيين كيفيته وتبيين غاية فظاعته قال الواحدي للإخزاء معان ~~متقاربة يقال أخزاه الله أي أبعده وقيل إهانة وقيل أهلكه وقيل فضحة قال ابن ~~الأنباري الخزي لغة الهلاك بتلف أو بانقطاع حجة أو بوقوع في بلاء والمعنى ~~فقد أخزيته خزيا لا غاية وراءه كقولهم من أدرك مرعى الضمان فقد أدرك أي ~~المرعى الذي لا مري على بعده وفيه من الإشعار بفظاعة العذاب الروحاني مالا ~~يخفى وقوله تعالى «وما للظالمين من أنصار» تذييل لإظهار نهاية فظاعة حالهم ~~ببيان خلود عذابهم بفقدان من ينصرهم ويقوم بتخليصهم وغرضهم تأكيد الاستدعاء ~~ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار ~~بظلمهم ووضعهم الأشياء في غير مواضعها وجمع الأنصار بالنظر إلى جمع ~~الظالمين أي ما لظالم من الظالمين نصير من الأنصار والمراد به من ينصر ~~بالمدافعة والقهر فليس في الآية دلالة على نفى الشفاعة على أن المراد ~~بالظالمين هم الكفار «ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان» حكاية لدعاء ~~آخر لهم مبنى على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبنى ms0619 ~~على التفكر في الأدلة العقلية وتصدير مقدمة الدعاء بالنداء لإظهار كمال ~~الضراعة والابتهال PageV02P131 # والتأكيد للإيذان بصدور المقال عنهم بوفور الرغبة وكمال النشاط والمراد ~~بالنداء الدعاء وتعديتهما بإلى لتضمنهما معنى الإنهاء وباللام لاشتمالهما ~~على معنى الاختصاص والمراد بالمنادى الرسول صلى الله عليه وسلم وتنوينه ~~للتفخيم وإيثاره على الداعي للدلالة على كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها ~~إلى الداني والقاصى لما فيه من الإيذان برفع الصوت وينادى صفة لمناديا عند ~~الجمهور كما في قولك سمعت رجلا يقول كيت وكيت ولو كان معرفة لكان حالا منه ~~كما إذا قلت سمعت زيدا يقول الخ ومفعول ثان لسمعنا عند الفارسي وأتباعه ~~وهذا أسلوب بديع يصار إليه للمبالغة في تحقيق السماع والإيذان بوقوعه بلا ~~واسطة عند صدور المسموع عن المتكلم وللتوسل إلى تفصيله واستحضار صورته وقد ~~اختص النظم الكريم بمزية زائدة على ذلك حيث عبر عن المسموع منه بالمنادى ثم ~~وصف بالنداء للإيمان على طريقة قولك سمعت متكلما يتكلم بالحكمة لما أن ~~التفسير بعد الإبهام والتقييد بعد الإطلاق أوقع عند النفس وأجدر بالقبول ~~وقيل المنادى القرآن العظيم «أن آمنوا» أي آمنوا على أن أن تفسيرية أو بأن ~~آمنوا على أنها مصدرية «بربكم» بما لكم ومتولى أموركم ومبلغكم ومبلغكم إلى ~~الكمال وفي إطلاق الإيمان ثم تقييده تفخيم لشأنه «فآمنا» أي فامتثلنا بأمره ~~وأجبنا نداءه «ربنا» تكرير للتضرع وإظهار لكمال الخضوع وعرض للاعتراف ~~بربوبيته مع الإيمان به والفاء في قوله تعالى «فاغفر لنا» لترتيب المغفرة ~~أو الدعاء بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي ~~المغفرة والدعاء بها «ذنوبنا» أي كبائرها فإن الإيمان يجب ما قبله «وكفر ~~عنا سيئاتنا» أي صغائرنا فإنها مكفرة عن مجتنب الكبائر «وتوفنا مع الأبرار» ~~أي مخصوصين بصحبتهم مغتنمين لجوارهم معدودين من زمرتهم وفيه إشعار بأنهم ~~كانوا يحبون لقاء الله ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه والأبرار جمع بار ~~أو بر كأصحاب وأرباب «ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك» حكاية لدعاء آخر لهم ~~مسبوق بما قبله معطوف عليه لتأخر التحلية عن ms0620 التخلية وتكرير النداء لما مر ~~مرارا والمراد بالموعود الثواب وعلى إما متعلقة بالوعد كما في قولك وعد ~~الله الجنة على الطاعة أي وعدتنا على تصديق رسلك أو بمحذوف وقع صفة لمصدر ~~مؤكد محذوف أي وعدتنا وعدا كائنا على ألسنة رسلك وقيل التقدير منزلا على ~~رسلك أو محمولا على رسلك ولا يخفى أن تقدير الأفعال الخاصة في مثل هذه ~~المواقع تعسف وجمع الرسل مع ان المنادى هو الرسول صلى الله عليه وسلم وحده ~~لما ان دعوته عليه السلام لا سيما في باب التوحيد وما اجمع عليه الكل من ~~الشرائع منطوية على دعوة الكل فتصديقه تصديق لهم عليهم السلام كيف لا وقد ~~أخذ منهم الميثاق بالإيمان به عليه السلام لقوله تعالى «وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب» الآية وكذا الموعود على لسانه من الثواب موعود ~~على ألسنة الكل وإيثار الجمع لإظهار كمال الثقة بانجاز الموعود بناء على ~~كثرة الشهود «ولا تخزنا يوم القيامة» قصدوا بذلك تذكير وعده تعالى بقوله ~~يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه مظهرين أنهم ممن آمن معه رجاء ~~للانتظام في سلكهم يومئذ وقوله تعالى «إنك لا تخلف الميعاد» تعليل لتحقيق ~~ما نظموا في سلك الدعاء وهذه الدعوات وما في تضاعيفها من كمال الضراعة ~~PageV02P132 # والابتهال ليست لخوفهم من أخلاف الميعاد بل لخوفهم من أن لا يكونوا من ~~جملة الموعودين بتغير الحال وسوء الخاتمة والمآل فمرجعها إلى الدعاء ~~بالتثبيت أو للمبالغة في التعبد والخشوع والميعاد الوعد وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه البعث بعد الموت وفي الآثار عن جعفر الصادق من حزبه أمر ~~فقال ربنا خمس مرات أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ هذه الآية ~~«فاستجاب لهم ربهم» الاستجابة بمعنى الإجابة وقال تاج القراء الإجابة عامة ~~والاستجابة خاصة بإعطاء المسؤول وتتعدى باللام وبنفسها كما في قوله * فلم ~~يستجبه عند ذاك مجيب * وهو عطف على الاستئناف المقدر فيما سلف مترتب على ما ~~في حيزه من الأدعية كما أن قوله عز وجل ثم قيل للذين ms0621 ظلموا الخ عطف على قيل ~~المقدر قبل آلآن أي قيل لهم آلآن آمنتم به ثم قيل الآية وكما أن قوله تعالى ~~في سورة الأعراف على قلوبهم معطوف على ما دل عليه معنى أو لم يهد الخ كأنه ~~قيل يغفلون عن الهداية ونطبع ونطيع الخ ولا ضير في اختلافهما صيغة لما أن ~~صيغة المستقبل هناك للدلالة على الاستمرار المناسب لمقام الدعاء وصيغة ~~الماضي ههنا للإيذان بتحقق الاستجابة وتقررها كما لا ضير في الاختلاف بين ~~قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم وبين ما عطف عليه من قوله تعالى فاستجاب لكم ~~كما سيأتي ويجوز أن يكون معطوفا على مضمر ينساق اليه الذهن أي دعوا بهذه ~~الأدعية فاستجاب الخ واما على تقرير كون المقدر حالا فهو عطف على يتفكرون ~~باعتبار مقارنته لما وقع حالا من فاعله أعني قوله تعالى ربنا ربنا الخ فإن ~~الاستجابة مترتبة على دعواتهم لا على مجرد تفكرهم وحيث كانت هي من أوصافهم ~~الجميلة المترتبة على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظام في سلك محاسنهم ~~المعدودة في أثناء مدحهم وأما على تقدير كون الموصول نعتا لأولى الألباب ~~فلا مساغ لهذا العطف أصلا لما عرفت من أن حق ما في حيز الصلة أن يكون من ~~مبادي جريان الحكم على الموصول وقد عرفت أن دعواتهم السابقة ليست كذلك فأين ~~الاستجابة المتأخرة عنها وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ ~~إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم من تشريفهم واظهار اللطف بهم مالا يخفى ~~«أني لا أضيع عمل عامل منكم» أي بأني وهكذا قرأ أبي رضي الله عنه والباء ~~للسببية كأنه قيل فاستجاب لهم ربهم بسبب لأنه لا يضيع عمل عامل منهم أي ~~سنته السنية مستمرة على ذلك والالتفات إلى التكلم والخطاب لإظهار كمال ~~الاعتناء بشأن الاستجابة وتشريف الداعين بشرف الخطاب والمراد تأكيدها ببيان ~~سببها والاشعار بأن مدارها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجرد الدعاء ~~وتعميم الوعد لسائر العاملين وان لم يبلغوا درجة أولى الألباب لتأكيد ~~استجابة الدعوات المذكورة والتعبير عن ترك الإثابة بالإضاعة مع أنه ليس ms0622 ~~بإضاعة حقيقية إذ الأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه PageV02P133 # عنها ضياعها لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل ~~صدوره عنه من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه وقرئ ~~بكسر الهمزة على إرادة القول أي قائلا أنى الخ فلا التفات حينئذ وقرئ لا ~~أضيع بالتشديد ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لعامل أي عامل كائن منكم وقوله ~~تعالى «من ذكر أو أنثى» بيان لعامل وتأكيد لعمومه وقوله تعالى «بعضكم من ~~بعض» جملة معترضة مبينة لسبب انتظام النساء في سلك الرجال في الوعد فإن كون ~~كل منهما من الآخر لتشعبهما من أصل واحد أو لفرط الاتصال بينهما أو ~~لاتفاقهما في الدين والعمل مما يستدعي الشركة والاتحاد في ذلك روى أن أم ~~سلمة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسمع الله ~~تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت وقوله تعالى «فالذين ~~هاجروا» ضرب تفصيل لما أجمل في العمل وتعداد لبعض أحاسن أفراده على وجه ~~المدح والتعظيم أي فالذين هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين وقوله ~~تعالى «وأخرجوا من ديارهم» على الأول عبارة عن نفس الهجرة وعلى الثاني عن ~~كيفيتها وكونها بالقسر والاضطرار «وأوذوا في سبيلي» أي بسبب إيمانهم بالله ~~ومن أجله وهو متناول لكل أذية نالتهم من قبل المشركين «وقاتلوا» أي الكفار ~~في سبيل الله تعالى «وقتلوا» استشهدوا في القتال وقرئ بالعكس لما أن الواو ~~لا تستدعي الترتيب أو لأن المراد قتل بعضهم وقتال آخرين إذ ليس المعنى على ~~اتصاف كل فرد من أفراد الموصول المذكور بكل واحد مما ذكر في حيز الصلة بل ~~على اتصاف الكل بالكل في الجملة سواء كان ذلك باتصاف كل فرد من الموصول ~~بواحد من الأوصاف المذكورة أو باثنين منها أو بأكثر إما بطريق التوزيع أو ~~بطريق حذف بعض الموصولات من البين كما هو رأي الكوفيين كيف لا ولو أدير ~~الحكم على اتصاف كل فرد بالكل لكان قد أضيع عمل من اتصف بالبعض وقرئ وقتلوا ms0623 ~~بالتشديد «لأكفرن عنهم سيئاتهم» جواب قسم محذوف أي والله لأكفرن والجملة ~~القسمية خبر للمبتدأ الذي هو الموصول وهذا تصريح بوعد ما سأله الداعون ~~بخصوصه بعد ما وعد ذلك عموما وقوله تعالى «ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار» إشارة إلى ما عبر عنه الداعون فيما قبل بقولهم وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك وتفسير له «ثوابا» مصدر مؤكد لما قبله فإن تكفير السيئات وإدخال ~~الجنة في معنى الإثابة وقوله تعالى «من عند الله» متعلق بمحذوف هو صفة له ~~مبينة لشرفه أي لأثيبنهم إثابة كائنة أو تثويبا كائنا من عنده تعالى بالغا ~~إلى المرتبة القاصية من الشرف وقوله تعالى «والله عنده حسن الثواب» اعتراض ~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبله والاسم الجليل مبتدأ خبره عنده وحسن الثواب ~~مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ وهو مبتدأ ثان والظرف خبره ~~والجملة خبر للمبتدأ الأول والعندية عبارة عن الاختصاص به تعالى مثل كونه ~~بقدرته تعالى وفضله بحيث لا يقدر عليه غيره بحال شيء يكون بحضرة أحد لا يد ~~عليه لغيره فالإختصاص مستفاد من التمثيل سواء جعل عنده خبرا مقدما لحسن ~~الثواب أولا وفي تصدير الوعد الكريم بعدم إضاعة العمل ثم تعقيبه بمثل هذا ~~الإحسان الذي لا يقادر قدره من لطف المسلك المنبئ عن عظم شان المحسن ما لا ~~يخفى PageV02P134 # «لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد» بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ ~~الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من ~~الثواب والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المراد تثبيته على ما هو ~~عليه كقوله تعالى «فلا تطع المكذبين» أو على أن المراد نهي المؤمنين كما ~~يوجه الخطاب إلى مداره القوم ورؤسائهم والمراد أفناؤهم أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب من المؤمنين والنهي للمخاطب وإنما جعل للتقلب مبالغة أي لا تنظر إلى ~~ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط ~~في المكاسب والمتاجر والمزارع روى أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين ms0624 في ~~رخاء ولين عيش فيقولون إن أعداء الله تعالى فيما نرى من الخير وقد هلكنا من ~~الجوع والجهد فنزلت وقرئ ولا يغرنك بالنون الخفيفة «متاع قليل» خبر لمبتدأ ~~محذوف أي هو متاع قليل لا قدر له في جنب ما ذكر من ثواب الله تعالى قال ~~عليه السلام ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ~~فلينظر بم يرجع فإذن لا يجدي وجوده لواجديه ولا يضر فقدانه لفاقديه «ثم ~~مأواهم» أي مصيرهم الذي يأوون إليه لا يبرحونه «جهنم» التي لا يوصف عذابها ~~وقوله تعالى «وبئس المهاد» ذم لها وإيذان بأن مصيرهم إليها مما جنته أنفسهم ~~وكسبته أيديهم والمخصوص بالذم محذوف أي بئس ما مهدوا لأنفسهم جهنم «لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» بيان لكمال ~~حسن حال المؤمنين غب بيان وتكرير له إثر قرير مع زيادة خلودهم في الجنات ~~ليتم بذلك سرورهم ويزداد تبجحهم ويتكامل به سوء حال الكفرة وإيراد التقوى ~~في حيز الصلة للإشعار بكون الخصال المذكورة من باب التقوى والمراد به ~~الاتقاء من الشرك والمعاصي فالموصول مبتدأ والظرف خبره وجنات مرتفع به على ~~الفاعلية لاعتماده على المبتدأ أو الظرف خبر لجنات والجملة خبر للموصول ~~وخالدين فيها أي في الجنات حال مقدرة من الضمير أو من جنات لتخصصها بالوصف ~~والعامل ما في الظرف من معنى الاستقرار «نزلا من عند الله» وقرئ بسكون ~~الزاي وهو ما يعد للنازل من طعام وشراب وغيرهما قال أبو الشعر الضبي * وكنا ~~إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا * وانتصابه على ~~الحالية من جنات لتخصصها بالوصف والعامل فيه ما في الظرف من معنى الاستقرار ~~وقيل هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقا أو عطاء من عند الله «وما عند الله خير» ~~مبتدأ وخبر وقوله تعالى «للأبرار» متعلق بمحذوف هو صفة لخير أي ما عنده ~~تعالى من الأمور المذكورة الدائمة خير كائن للأبرار أي مما يتقلب فيه ~~الفجار من المتاع القليل الزائل والتعبير عنهم بالأبرار للإشعار بأن ms0625 الصفات ~~المعدودة من أعمال البر كما أنها من قبيل التقوى والجملة تذييل لما قبلها ~~PageV02P135 # «وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله» جملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل ~~الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك بل ~~منهم من له مناقب جليلة قيل هم عبد الله ابن سلام وأصحابه وقيل هم أربعون ~~من أهل نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى ~~فأسلموا وقيل المراد به أصحمه النجاشي فإنه لما مات نعاه جبريل إلى النبي ~~عليه السلام فقال عليه السلام اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم فخرج ~~إلى البقيع فنظر إلى ارض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه واستغفر له ~~فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط وليس على ~~دينه فنزلت وإنما دخلت لام الابتداء على اسم إن لفصل الظرف بينهما كما في ~~قوله تعالى وإن منكم لمن ليبطئن «وما أنزل إليكم» من القرآن «وما أنزل ~~إليهم» من الكتابين وتأخير إيمانهم بهما عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن ~~الأمر بالعكس في الوجود لما انه عيار ومهيمن عليهما فإن إيمانهم بهما إنما ~~يعتبر بتبعية إيمانهم به إذ لا عبرة بأحكامهما المنسوخة وما لم ينسخ منها ~~إنما يعتبر من حيث ثبوته بالقرآن ولتعلق ما بعده بهما والمراد بإيمانهم ~~بهما إيمانهم بهما من غير تحريف ولا كتم كما هو ديدن المحرفين وأتباعهم من ~~العامة «خاشعين لله» حال من فاعل يؤمن والجمع باعتبار المعنى «لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا» تصريح بمخالفتهم للمحرفين والجملة حال كما قبله ~~ونظمها في سلك محاسنهم ليس من حيث عدم الإشتراء فقط بل لتضمن ذلك لإظهار ما ~~في الكتابين من شواهد نبوته عليه السلام «أولئك» إشارة إليهم من حيث ~~اتصافهم بما عد من صفاتهم الحميدة وما فيه من معنى البعد للدلالة على علو ~~رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضيلة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «لهم» ~~وقوله «أجرهم» أي المختص بهم الموعود لهم بقوله تعالى «أولئك ms0626 يؤتون أجرهم ~~مرتين» وقوله تعالى «يؤتكم كفلين من رحمته» مرتفع بالظرف على الفاعلية أو ~~على الابتداء والظرف خبره والجلة خبره لأولئك وقوله تعالى «عند ربهم» نصب ~~على الحالية من أجرهم والمراد به التشريف كالصفة «إن الله سريع الحساب» ~~لنفوذ علمه بجميع الأشياء فهو عالم بما يستحقه كل عامل من الأجر من غير ~~حاجة إلى تأمل والمراد بيان سرعة وصول الأجر الموعود إليهم «يا أيها الذين ~~آمنوا» إثر ما بين في تضاعيف السورة الكريمة فنون الحكم والأحكام ختمت بما ~~يوجب المحافظة عليها فقيل «اصبروا» أي على مشاق الطاعات وغير ذلك من ~~المكاره والشدائد «وصابروا» أي غالبوا أعداء الله تعالى بالصبر في مواطن ~~الحروب وأعدى عدوكم بالصبر على مخالفة الهوى وتخصيص المصابرة بالأمر بعد ~~الأمر بمطلق الصبر لكونها أشد منه وأشق «ورابطوا» أي أقيموا في الثغور ~~رابطين خيلكم فيها مترصدين للغزو مستعدين له قال تعالى «ومن رباط ~~PageV02P136 # الخيل ترهبون به عدو الله» «وعدوكم» وعن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه ولا يفطر ولا ~~ينفتل عن صلاته إلا لحاجة «واتقوا الله» في مخالفة أمره على الإطلاق فيندرج ~~فيه ما ذكر في تضاعيف السورة الكريمة اندراجا أوليا «لعلكم تفلحون» كي ~~تنتظموا في زمرة المفلحين الفائزين بكل مطلوب الناجين من كل الكروب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة آل عمران أعطى بكل آية منها أمانا ~~على جسر جهنم وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ السورة التي يذكر فيها آل ~~عمران يوم الجمعة صلى عليه وملائكته حتى تحجب الشمس والله أعلم سورة النساء ~~مدنية وهي مائة وست وسبعون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها الناس» ~~خطاب يعم حكمة جميع المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم من الموجودين ~~حينئذ والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة عند انتظامهم فيه لكن لا بطريق ~~الحقيقة فإن خطاب المشافهة لا يتناول القاصرين عن درجة التكليف إلا عند ~~الحنابلة بل إما بطريق تغليب الفريق ms0627 الأول على الأخيرين وإما بطريق تعميم ~~حكمه لهما بدليل خارجي فإن الإجماع منعقد على أن آخر الأمة مكلف بما كلف به ~~أولها كما ينبئ عنه قوله عليه السلام الحلال ما جرى على لساني إلى يوم ~~القيامة والحرام ما جرى على لساني إلى يوم القيامة وقد فصل في موضعه وأما ~~الأمم الدارجة قبل النزول فلاحظ لهم في الخطاب لاختصاص الأوامر والنواهي ~~بمن يتصور منه الامتثال وأما اندراجهم في خطاب ما عداهما مما له دخل في ~~تأكيد التكليف وتقوية الإيجاب فستعرف حالة ولفظ الناس ينتظم الذكور والإناث ~~حقيقة وأما صيغة جمع المذكر في قوله تعالى «اتقوا ربكم» فواردة على طريقة ~~التغليب لعدم تناولها حقيقة للإناث عند غير الحنابلة وإما إدخالهن في الأمر ~~بالتقوى بما ذكر من الدليل الخارجي وإن كان فيه مراعاة جانب الصيغة لكنه ~~يستدعى تخصيص لفظ الناس ببعض أفراده والمأمور به إما مطلق التقوى التي هي ~~التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك وإما التقوى فيما يتعلق بحقوق أبناء ~~الجنس أي اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق أو في مخالفة تكاليفه ~~الواردة ههنا وأيا ما كان فالتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية ~~والتربية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمر وتأكيد إيجاب ~~الامتثال به على طريقة الترغيب PageV02P137 # والترهيب وكذا وصف الرب بقوله تعالى «الذي خلقكم من نفس واحدة» فإن خلقه ~~تعالى إياهم على هذا النمط البديع لإنبائه عن قدرة شاملة لجميع المقدورات ~~التي من جملتها عقابهم على معاصيهم وعن نعمة كاملة لا يقادر قدرها من أقوى ~~الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته وأتم الزواجر عن كفران نعمته وكذا ~~جعله تعالى إياهم صنوانا مفرغة من أرومة واحدة هي نفس آدم عليه السلام من ~~موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة وتعميم الخطاب ~~في ربكم وخلقكم للأمم السالفة أيضا مع اختصاصه فيما قبل بالمأمورين بناء ~~على أن تذكير شمول ربوبيته تعالى وخلقه للكل من مؤكدات الأمر بالتقوى ~~وموجبات الامتثال به تفكيك للنظم الكريم مع الاستغناء عنه ms0628 لأن خلقه تعالى ~~للمأمورين من نفس آدم عليه السلام حيث كان بواسطة ما بينهم وبينه عليه ~~السلام من الآباء والأمهات كان التعرض لخلقهم متضمنا للتعرض لخلق الوسايط ~~جميعا وكذا التعرض لربوبيته تعالى لأصولهم قاطبة لا سيما وقد نطق بذلك قوله ~~عز وجل «وخلق منها زوجها» فإنه مع ما عطف عليه صريح في ذلك وهو معطوف إما ~~على مقدر ينبئ عنه سوق الكلام لأن تفريع الفروع من أصل واحد يستدعي إنشاء ~~ذلك الأصل لا محالة كأنه قيل خلقكم من نفس واحدة خلقها أولا وخلق منها ~~زوجها الخ وهو استئناف مسوق لتقرير وحدة المبدأ وبيان كيفية خلقهم منه ~~وتفصيل ما أجمل أولا أو صفة لنفس مفيدة لذلك وإما على خلقكم داخل معه في ~~حيز الصلة مقرر ومبين لما ذكر وإعادة الفعل مع جواز عطف مفعوله على مفعول ~~الفعل الأول كما في قوله تعالى «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم» الخ لإظهار ما بين الخلقين من التفاوت فإن الأول بطريق ~~التفريع من الأصل والثاني بطريق الإنشاء من المادة فإن تعالى خلق حواء من ~~ضلع آدم عليه السلام روى أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ~~ألقي عليه النوم فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه ~~اليسرى فلما أنتبه وجدها عنده وتأخير ذكر خلقها عن ذكر خلقهم لما أن تذكير ~~خلقهم أدخل في تحقيق ما هو المقصود من حملهم على الامتثال بالأمر بالتقوى ~~من تذكير خلقها وتقديم الجار والمجرور للاعتناء ببيان مبدئيته عليه السلام ~~لها مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر مرارا وإيرادها بعنوان الزوجية ~~تمهيد لما بعده من التناسل «وبث منهما» أي نشر من تلك النفس وزوجها ~~المخلوقة منها بطريق التوالد والتناسل «رجالا كثيرا» نعت لرجالا مؤكدة لما ~~أفاده التنكير من الكثرة والإفراد باعتبار معنى الجمع أو العدد وقيل هو نعت ~~لمصدر مؤكد للفعل أي بثا كثيرا «ونساء» أي كثيرة وترك التصريح بها للاكتفاء ~~بالوصف المذكور وإيثارهما على ذكورا وإناثا ms0629 لتأكيد الكثرة والمبالغة فيها ~~بترشيح كل فرد من الأفراد المبثوثة لمبدئية غيره وقرئ وخالق وباث على حذف ~~المبتدأ أي وهو خالق وباث «واتقوا الله الذي تساءلون به» تكرير للأمر ~~وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به فإن سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى ~~بان يقولوا أسألك بالله وأنشدك الله على سبيل الاستعطاف يقتضى الاتقاء من ~~مخالفة أوامره ونواهيه وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد ~~والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة لوقوع ~~التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته وتساءلون أصله تتساءلون فطرحت ~~إحدى التاءين تخفيفا وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس ~~PageV02P138 # وقرئ تسألون من الثلاثي أي تسألون به غيركم وقد فسر به القراءة الأولى ~~والثانية وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع كما في قولك رأيت الهلال ~~وتراءيناه وبه فسر عم يتساءلون على وجه وقرئ تسلون بنقل حركة الهمزة إلى ~~السين «والأرحام» بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور كقولك مررت بزيد ~~وعمرا وينصره قراءة تساءلون به وبالأرحام فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال ~~والمناشدة بالله عز وجل ويقولون أسالك بالله وبالرحم أو عطفا على الاسم ~~الجليل أي اتقوا الله والأرحام وصلوها ولا تقطعوها فإن قطيعتها مما يجب أن ~~يتقى وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك والفراء والزجاج وقد جوز الواحدي ~~نصبه على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها وقرئ بالجر عطفا على الضمير ~~المجرور بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك أي مما ~~يتقى أو يتساءل به ولقد نبه سبحانه وتعالى حيث قرنها باسمه الجليل على أن ~~صلتها بمكان منه كما في قوله تعالى «ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا» وعنه عليه السلام الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن ~~قطعني قطعة الله «إن الله كان عليكم رقيبا» أي مراقبا وهي صيغة مبالغة من ~~رقب يرقب رقبا إذا أحد النظر لأمر يريد تحقيقه أي حافظا مطلعا على جميع ما ~~يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا ~~لمجازاتكم بذلك ms0630 وهو تعليل للأمر ووجوب الامتثال به وإظهار الاسم الجليل ~~لتأكيده وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل «وآتوا اليتامى أموالهم» ~~شروع في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه بتكليف ما يقابلها أمرا ونهيا عقيب ~~الأمر ينفسه مرة بعد أخرى وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية ~~بأمرهم ولملابستهم بالأرحام إذ الخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض ~~الوصاية إلى الأجانب واليتيم من مات أبوه من اليتم وهو الانفراد ومنه الدرة ~~اليتيمة وجمعه على يتامى إما لأنه لما جرى مجرى السماء جمع على يتأتم ثم ~~قلب فقيل يتامى أو لأنه لما كان من وادى الآفات جمع على يتمى ثم جمع يتمى ~~على يتامى والاشتقاق يقتضى صحة إطلاقه على الكبار أيضا واختصاصه بالصغار ~~مبنى على العرف وأما قوله عليه السلام لا يتم بعد الحلم فتعليم للشريعة لا ~~تعيين لمعنى اللفظ أي لا يجرى على اليتيم بعده حكم الأيتام والمراد بإيتاء ~~أموالهم قطع المخاطبين أطماعهم الفارغة عنها وكف أكفهم الخاطفة عن اختزالها ~~وتركها على حالها غير متعرض لها بسوء حتى تأتيهم وتصل إليهم سالمة كما ينبئ ~~عنه ما بعده من النهى عن التبدل والأكل لا الإعطاء بالفعل فإنه مشروط ~~بالبلوغ وإيناس الرشد على ما ينطق به قوله تعالى «حتى إذا بلغوا» الآية ~~وإنما عبر عما ذكر بالإيتاء مجازا للإيذان بأنه ينبغي ان يكون مرادهم بذلك ~~إيصالها إليهم لا مجرد ترك التعرض لها فالمراد بهم إما الصغار على ما هو ~~المتبادر والأمر خاص بمن يتولى أمرهم من الأولياء والأوصياء وشمول حكمة ~~لأولياء من كان بالغا عند نزول الآية بطريق الدلالة دون العبارة وإما من ~~جرى عليه اليتم في الجملة مجازا أعم من PageV02P139 # أن يكون كذلك عند النزول أو بالغا فالأمر شامل أولياء الفريقين صيغة موجب ~~عليهم ما ذكر من حفظ أموالهم والتحفظ عن إضاعتها مطلقا وأما وجوب الدفع إلى ~~الكبار فمستفاد مما سيأتي من الأمر به وقيل المراد بهم الصغار وبالإيتاء ~~الإعطاء في الزمان المستقبل وقيل أطلق اسمهم على الكبار بطريق الإتساع لقرب ~~عهدهم باليتم حثا للأولياء على المسارعة إلى ms0631 دفع أموالهم إليهم أول ما ~~بلغوا قبل أن يزول عنهم اسمهم المعهود فالإيتاء بمعنى الإعطاء بالفعل ~~ويأباهما ما سيأتي من قوله تعالى «وابتلوا اليتامى» الخ فإن ما فيه من ~~الأمر بالدفع وارد على وجه التكليف الابتدائي لا على وجه تعيين وقته أو ~~بيان شرطه فقط كما هو مقتضى القولين وأما تعميم الاسم للصغار والكبار مجازا ~~بطريق التغليب مع تعميم الإيتاء للإيتاء حالا وللإيتاء مآلا وتعميم الخطاب ~~لأولياء كلا الفريقين على أن من بلغ منهم فوليه مأمور بالدفع إليه بالفعل ~~وأن من لم يبلغ بعد فوليه مأمور بالدفع إليه عند بلوغه رشيدا فمع ما سبق ~~تكلف لا يخفى فالأنسب ما تقدم من حمل إيتاء أموالهم إليهم على ما يؤدى إليه ~~من ترك التعرض لها بسوء كما يلوح به التعبير عن الإعطاء بالفعل بالدفع سواء ~~أريد باليتامى الصغار أوما يعم الصغار والكبار حسبما ذكر آنفا وإما ما روى ~~من ان رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له فلما بلغ طلب منه ماله ~~فمنعه فنزلت فلما سمعها قال أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب ~~الكبير فغير قادح في ذلك لما أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب «ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب» نهى عن أخذ مال اليتيم على الوجه المخصوص بعد النهى ~~الضمني عن أخذه على الإطلاق وتبدل الشئ بالشئ واستبداله به أخذ الأول بدل ~~الثاني بعد ان كان حاصلا له أو في شرف الحصول يستعملان أبدا بإفضائهما إلى ~~الحاصل بأنفسهما وإلى الزائل بالباء كما في قوله تعالى «ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان» الخ وقوله تعالى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وإما ~~التبديل فيستعمل تارة كذلك كما في قوله تعالى وبدلناهم بجنتيهم جنتين الخ ~~وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما نص ~~عليه الأزهري وتارة أخرى بإفضائه إلى مفعولية بنفسه كما في قوله تعالى يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات والمراد بالخبيث والطيب إن كان هو الحرام والحلال ~~فالمنهى عنه استبدال مال اليتيم بمال أنفسهم ms0632 مطلقا كما قاله الفراء والزجاج ~~وقيل معناه لا تذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموالهم فالمنهى عنه ~~أكل ماله مكان ما لهم المحقق أو المقدر وقيل هو اختزال ما له مكان حفظه ~~وأيا ما كان فأنما عبر عنهما بهما تنفيرا عما أخذوه وترغيبا فيما أعطوه ~~وتصويرا لمعاملتهم بصورة مالا يصدر عن العاقل وإن كان هو الردئ والجيد ~~فمورد النهى ما كانوا عليه من أخذ الجيد من مال اليتيم وإعطاء الردئ من مال ~~أنفسهم وبه قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي وتخصيص هذه المعاملة ~~بالنهى لخروجها مخرج العادة لا لإباحة ما عداها وأما التعبير عنها بتبدل ~~الخبيث بالطيب مع أنها تبديله به أو تبدل الطيب بالخبيث فللإيذان بأن ~~الأولياء حقهم أن يكونوا في المعاوضات عاملين لليتيم لا لأنفسهم مراعين ~~لجانبه قاصدين لجلب المجلوب إليه مشترى كان أو ثمنا لا لسلب المسلوب عنه ~~«ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم» نهى عن منكر آخر كانوا يتعاطونه أي لا ~~تأكلوها مضمومة إلى أموالكم ولا تسووا بينهما وهذا حلال وذاك حرام وقد خص ~~من ذلك مقدار أجر المثل عند كون PageV02P140 # الولي فقيرا «أنه» أي الاكل المفهوم من النهي «كان حوبا» أي ذنبا عظيما ~~وقرئ بفتح الحاء وهو مصدر حاب حوبا وقرئ حابا وهو أيضا مصدر كقال قولا ~~وقالا «كبيرا» مبالغة في بيان عظم ذنب الاكل المذكور كأنه قيل من كبار ~~الذنوب العظيمة لا من إفنائها «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى» الإقساط ~~العدل وقرئ بفتح التاء فقيل هو من قسط أي جار ولا مزيدة كما في قوله تعالى ~~لئلا يعلم وقيل هو بمعنى أقسط فإن الزجاج حكى أن قسط يستعمل استعمال أقسط ~~والمراد بالخوف العلم كما في قوله تعالى «فمن خاف من موص جنفا» عبر عنه ~~بذلك ايذانا بكون المعلوم مخوفا محذورا لا معناه الحقيقي لأن الذي علق به ~~الجواب هو العلم بوقوع الجور المخوف لا الخوف منه والا لم يكن الأمر شاملا ~~لمن يصر على الجور ولا يخافه وهذا شروع في النهي عن منكر ms0633 آخر كانوا ~~يباشرونه متعلق بأنفس اليتامى اصالة وبأموالهم تبعا عقيب النهى عما يتعلق ~~بأموالهم خاصة وتأخيره عنه لقلة وقوع المنهي عنه بالنسبة إلى الأول ونزوله ~~منه بمنزلة المركب من المفرد وذلك أنهم كانوا يتزوجون من تحل لهم من ~~اليتامى اللاتي يلونهن لكن لا لرغبة فيهن بل في مالهن ويسيئون في الصحبة ~~والمعاشرة ويتربصون بهن ان يمتن فيرثوهن وهذا قول الحسن وقيل هي اليتيمة ~~تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة ~~نسائها فنهوا أن ينكحوهن الا أن يقسطوا لهن في اكمال الصداق وأمروا ان ~~ينحكوا ما سواهن من النساء وهذا قول الزهري رواية عن عروة عن عائشة رضي ~~الله عنها واما اعتبار اجتماع عدد كثير منهن كما أطبق عليه أكثر أهل ~~التفسير حيث قالوا كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال ويكون وليها ~~فيتزوجها ضنا بها عن غيره فربما اجتمعت عنده عشر منهن الخ فلا يساعده الأمر ~~بنكاح غيرهن فإن المحذور حينئذ يندفع بتقليل عددهن وان خفتم ألا تعدلوا في ~~حق اليتامى إذا تزوجتم بهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق «فانكحوا ما طاب ~~لكم» ما موصولة أو موصوفة ما بعدها صلتها أو صفتها أو أوثرت على من ذهابا ~~إلى الوصف وايذانا بأنه المقصود بالذات والغالب في الاعتبار لا بناء على ان ~~الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء لإخلاله بمقام الترغيب فيهن وقرأ ~~ابن أبي عبلة من طاب ومن في قوله تعالى «من النساء» بيانية وقيل تبعيضية ~~والمراد بهن غير اليتامى بشهادة قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتها ~~نفوسكم من الأجنبيات وفي ايثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع ~~أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك فإن النفس مجبولة على ~~الحرص على ما منعت منه كما ان وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير اليه ~~فيه مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن ~~نكاح اليتامى وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح المترقب مع ان ms0634 سبب ~~النزول هو النكاح المحقق لما فيه من المسارعة إلى دفع الشر قبل وقوعه ~~PageV02P141 # فرب واقع لا يرفع والمبالغة في بيان حال النكاح المحقق فإن محظورية ~~المترقب حيث كانت للجور المترقب فيه فمحظورية المحقق مع تحقق الجور فيه ~~أولى وقيل المراد بالطيب الحل أي ما حل لكم شرعا لأن ما استطابوه شامل ~~للمحرمات ولا مخصص له بمن عداهن وفيه فرار من محذور من محذور ووقوع فيما هو ~~أفضع منه لأن ماحل لهم مجمل وقد تقرر أن النص إذا تردد بين الإجمال ~~والتخصيص يحمل على الثاني لأن العالم المخصوص حجة في غير محل التخصيص ~~والمجمل ليس بحجة قبل ورود البيان أصلا ولئن جعل قوله تعالى حرمت عليكم الخ ~~دالا على التفصيل بناء على ادعاء تقدمه في التنزيل فليجعل دالا على التخصيص ~~«مثنى وثلاث ورباع» معدولة عن أعداد مكررة غير منصرفة لما فيها من العدلين ~~عدلها عن صيغها وعدلها عن تكررها وقيل للعدل والصفة فإنها بنيت صفات وإن لم ~~تكن أصولها كذلك وقرئ وثلث وربع على القصر من ثلاث ورباع ومحلهن النصب على ~~أنها حال من فاعل طاب مؤكدة لما إفادة وصف الطيب من الترغيب فيهن ~~والاستمالة إليهن بتوسيع دائرة الإذن أي فانحكوا الطيبات لكم معدودات هذا ~~العدد ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا حسبما تريدون على معنى أن لكل ~~واحد منهم ان يختار أي عدد شاء من الأعداد المذكورة لا أن بعضها لبعض منهم ~~وبعضها لبعض آخر كما في قولك اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين وثلاثا ~~ثلاثا وأربعة أربعة ولو أفردت لفهم منه تجويز الجمع بين تلك الأعداد دون ~~التوزيع ولو ذكرت بكلمة أو لفات تجويز الاختلاف في العدد هذا وقد قيل في ~~تفسير الآية الكريمة لما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من ~~الحوب الكبير أخذ الأولياء يتحرجون من ولايتهم خوفا من لحوق الجوب بترك ~~الإقساط مع انهم كانوا لا يتحرجون من ترك العدل في حقوق النساء حيث كان تحت ~~الرجل منهم عشر منهن فقيل لهم إن خفتم ms0635 ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم ~~منها فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج ~~من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرج ولا تائب عنه وقيل كانوا ~~لا يتحرجون من الزنى وهم يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل إن خفتم الجور في ~~حق اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحرموا حول ~~المحرمات ولا يخفى أنه لا يساعدهما جزالة النظم الكريم لابتنائهما على تقدم ~~نزول الآية الأولى وشيوعها بين الناس مع ظهور توقف حكمها على ما بعدها من ~~قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله تعالى وكفى بالله حسيبا ~~«فإن خفتم ألا تعدلوا» أي فيما بينهن ولو في أقل الأعداد المذكورة كما ~~خفتموه في حق اليتامى أو كما لو تعدلوا في حقهن أو كما لم تعدلوا فيما فوق ~~هذه الأعداد «فواحدة» أي فالزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجميع بالكلية ~~وقرئ بالرفع أي فالمقنع واحدة أو فحسبكم واحدة «أو ما ملكت أيمانكم» أيمن ~~السراري بالغة ما بلغت من مراتب العدد وهو عطف على واحده على ان اللزوم ~~والاختيار فيه بطريق التسري لا بطريق النكاح كما فيما عطف عليه لا ستلزمه ~~ورود ملك النكاح على ملك اليمين بموجب اتحاد المخاطبين في الموضعين بخلاف ~~ما سيأتي من قوله تعالى «ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم» فإن المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين ~~وإنما سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين السراري من غير حصر في ~~عدد لقلة تبعتهن PageV02P142 # وخفة مؤنتهن وعدم وجوب القسم فيهن وقرئ أو من ملكت أيمانكم وما في ~~القراءة المشهورة للإيذان بقصور رتبتهن عن رتبة العقلاء «ذلك» إشارة إلى ~~اختيار الواحدة والتسرى «أدنى ألا تعولوا» العول الميل من قولهم عال ~~الميزان عولا إذا مال وعال في الحكم أي جار والمراد هنا الميل المحظور ~~المقابل للعدل أي ما ذكر من اختيار الواحدة والتسرى أقرب بالنسبة إلى ما ~~عداهما من ان لا ms0636 تميلوا ميلا محظورا لانتفائه رأسا بانتفاء محله في الأول ~~وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر فإن الميل المحظور ~~متوقع فيه لتحقق المحل والخطر ومن ههنا تبين أن مدار الأمر هو عدم العول لا ~~تحقق العدل كما قيل وقد فسر بأن لا يكثر عيالكم على أنه من عال الرجل عياله ~~يعولهم أي مانهم فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤنة على طريقة الكناية ~~ويؤيده قراءة أن لا تعيلوا من أعال الرجل إذا كثر عياله ووجه كون التسري ~~مظنة قلة العيال مع جواز الاستكثار من السراري أنه يجوز العزل عنهن بغير ~~رضاهن ولا كذلك المهائر والجملة مستأنفة جارية مما قبلها مجرى التعليل ~~«وآتوا النساء» أي اللاتي أمر بنكاحهن «صدقاتهن» جمع صدقة كسمرة وهي المهر ~~وقرئ بسكون الدال على التخفيف وبضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة كغرفة ~~وبضمها على التوحيد وهو تثقيل صدقة كظلمة في ظلمة «نحلة» قال ابن عباس ~~وقتادة وابن جريج وابن زيد فريضة من الله لأنها مما فرضه الله في النحلة أي ~~الملة والشرعة والديانة فانتصابها على الحالية من الصدقات أي أعطوهن مهورهن ~~حال كونها فريضة منه تعالى وقال الزجاج تدينا فانتصابها على أنها مفعول له ~~أي أعطوهن ديانة وشرعة وقال الكلبي نحلة أي هبة وعطية من الله تعالى وتفضلا ~~منه عليهن فانتصابه على الحالية منها أيضا وقيل عطية من جهة الأزواج من ~~نحلة كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا والتعبير عن ~~إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة على الأزواج لإفادة معنى الإيتاء عن ~~كمال الرضا وطيب الخاطر وانتصابها على المصدرية لأن الإيتاء والنحلة بمعنى ~~الإعطاء كأنه قيل وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة ~~أنفسكم أو على الحالية من ضمير آتوا أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس ~~بالإعطاء أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس فالخطاب للأزواج ~~وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم وكانوا يقولون هنيئا لك ~~النافجة لمن يولد له بنت يعنون تأخذ مهرها فتنفج ms0637 به مالك أي تعظمه «فإن طبن ~~لكم عن شيء منه» الضمير للصدقات وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فإنه قد يشار به ~~إلى المتعدد كما في قوله عز وجل قل أؤنبئكم بخير من ذلكم بعد ذكر الشهوات ~~المعدودة وقد روى عن رؤية أنه حين قيل له في قوله * فيها خطوط من سواد وبلق ~~* كأنه في الجلد توليع البهق * إن أردت الخطوط ينبغي أن تقول كأنها وإن ~~أردت السواد والبلق ينبغي أن تقول كأنهما قال لكني أردت كأن ذلك أو للصداق ~~الواقع موقعه صدقاتهن كأنه قيل وآتوا النساء صداقهن كما في قوله تعالى ~~«فأصدق وأكن» حيث عطف أكن على ما دل عليه المذكور ووقع موقعه كأنه قيل ان ~~أخرتنى أصدق وأكن واللام متعلقة بالفعل وكذا عن لكن PageV02P143 # بتضمينه معنى التجافي والتجاوز ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة لشئ أي كائن من ~~الصداق وفيه بعث لهن على تقليل الموهوب «نفسا» تمييز والتوحيد لما أن ~~المقصود بيان الجنس أي وإن وهبن لكم شيئا من الصداق متجافيا عنه نفوسهن ~~طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم لكن ~~عدل عن لفظ الهبة والسماحة إلى ما عليه النظم الكريم إيذانا بأن العمدة في ~~الأمر إنما هو طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة «فكلوه» أي فخذوا ذلك ~~الشئ الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه تملكا وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم ~~وجوه التصرفات المالية «هنيئا مريئا» صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان ~~سائغا لا تنغيص فيه وقيل الهنئ الذي يلذه الأكل والمرئ ما يحمده عاقبته ~~وقيل ما ينساغ في مجراه الذي هو المرء وهو ما بين الحلقوم إلى فم المعدة ~~سمي بذلك لمروء الطعام فيه أي إنسياغه ونصبهما على أنهما صفتان للمصدر أي ~~أكلا هنيئا مريئا أو على انهما حالان من الضمير المنصوب أي كلوة وهو هنئ ~~مرئ وقد يوقف على كلوة ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء وعلى انهما صفتان ~~أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل هنأ ومرأ وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة ~~في الإباحة وإزالة ms0638 التبعية وروى أن ناسا كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من ~~زوجته شيئا مما ساقه إليها فنزلت «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» رجوع إلى ~~بيان بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وتفصيل ما أجمل فيما سبق من شرط ~~إيتائها ووقته وكيفيته إثر بيان بعض الأحكام المتعلقة بأنفسهن أعني نكاحهن ~~وبيان بعض الحقوق المتعلقة بغيرهن من الأجنبيات من حيث النفس ومن حيث المال ~~استطرادا والخطاب للأولياء نهوا أن يؤتوا المبذرين من اليتامى أموالهم ~~مخافة أن يضيعوها وإنما أضيفت إليهم وهي لليتامى لا نظرا إلى كونها تحت ~~ولايتهم كما قيل فإنه غير مصحح لإتصافها بالوصف الآتي بل تنزيلا لاختصاصها ~~بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم ~~وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي مبالغة في حملهم على المحافظة عليها كما ~~في قوله تعالى «ولا تقتلوا أنفسكم» أي لا يقتل بعضكم بعضا حيث عبر عن بني ~~نوعهم بأنفسهم مبالغة في زجرهم عن قتلهم فكأن قتلهم قتل أنفسهم وقد أيد ذلك ~~حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء فقيل ~~«التي جعل الله لكم قياما» أي جعلها الله شيئا تقومون به وتنتعشون على حذف ~~المفعول الأول فلو ضيعتموه لضعتم ثم زيد في المبالغة حتى جعل ما به القيام ~~قياما فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم وقيل إنما أضيفت إلى الأولياء ~~لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم حيث لم يقصد بها الخصوصية الشخصية ~~بل الجنسية التي هي معنى ما يقام به المعاش وتميل إليه القلوب ويدخر لأوقات ~~الاحتياج وهي بهذا الاعتبار لا تختص باليتامى وأنت خبير بأن ذلك بمعزل من ~~حمل الأولياء على المحافظة المذكورة كيف لا والوحدة الجنسية المالية ليست ~~مختصة بما بين أموال اليتامى وأموال PageV02P144 # الأولياء بل هي متحققة بين أموالهم وأموال الأجانب فإذن لا وجه لاعتبارها ~~أصلا وقرئ اللاتي واللواتي وقرئ قيما بمعنى قياما كما جاء عوذا بمعنى عياذا ~~وقرئ قواما بكسر القاف وهو ما يقام به الشيء أو مصدر قاوم وقرئ بفتحها ~~«وارزقوهم فيها واكسوهم» أي واجعلوها مكانا لرزقهم ms0639 وكسوتهم بأن تتجروا ~~وتتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال وقيل الخطاب لكل أحد ~~كائنا من كان والمراد نهيه عن أن يفوض أمر ماله إلى من لا رشد له من نسائه ~~وأولاده ووكلائه وغير ذلك ولا يخفى أن ذلك مخل بجزالة النظم الكريم «وقولوا ~~لهم قولا معروفا» أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم وعن سعيد بن جبير ومجاهد ~~وابن جريج عدوهم عدة جميلة بأن تقولوا إذا صلحتم ورسدتم سلمنا إليكم ~~أموالكم وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل فهو ~~معروف وما أنكرته لقبحه شرعا أو عقلا فهو منكر «وابتلوا اليتامى» شروع في ~~تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على ~~الإطلاق والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء أي واختبروا من ليس منهم بين ~~السفه قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في صلاح الدين والاهتداء إلى ضبط المال ~~وحسن التصرف فيه وجربوهم بما يليق بحالهم فإن كانوا من أهل التجارة فبأن ~~تعطوهم من المال ما يتصرفون فيه بيعا وابتياعا وإن كانوا ممن له ضياع وأهل ~~وخدم فبأن تعطوهم منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدهم وخدمهم وأجرائهم وسائر ~~مصارفهم حتى تتبين لكم كيفية أحوالهم «حتى إذا بلغوا النكاح» بأن يحتلموا ~~لأنهم يصلحون عنده للنكاح «فإن آنستم» أي شاهدتم وتبينتم وقرئ أحستم بمعنى ~~أحسستم كما في قول من قال * خلا أن العتاق من المطايا * أحسن به وهن إليه ~~شوس * «منهم رشدا» أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير عجز وتبذير وتقديم ~~الجار والمجرور على المفعول للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو ~~للاعتداد بمبدئيته له والتنوين للدلالة على كفاية رشد في الجملة وقرئ بفتح ~~الراء والشين وبضمها «فادفعوا إليهم أموالهم» من غير تأخير عن حد البلوغ ~~وفي إيثار الدفع على الإيتاء الوارد في أول الأمر إيذان بتفاوتهما بحسب ~~المعنى كما أشير إليه فيما سلف ونظم الآية الكريمة أن حتى هي التي تقع ~~بعدها الجمل كالتي في قوله * فما زالت القتلى تمج دماءها * بدجلة ms0640 حتى ماء ~~دجلة أشكل * وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للإبتلاء وفعل الشرط بلغوا ~~وجوابه الشرطية الثانية كأنه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم ~~واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد وظاهر الآية الكريمة أن من ~~بلغ غير رشيد إما بالتبذير أو بالعجز لا يدفع إليه ماله أبدا وبه أخذ أبو ~~يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة ينتظر إلى خمس وعشرين سنة لأن البلوغ بالسن ~~ثماني عشرة سنة فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في أحوال الإنسان ~~لما قاله عليه الصلاة PageV02P145 # والسلام مروهم بالصلاة لسبع دفع إليه ماله أونس منه رشد أو لم يؤنس «ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا» أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لإسرافكم ~~ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر ~~اليتامى فينتزعوها من أيدينا والجملة تأكيد للأمر بالدفع وتقرير لها وتمهيد ~~لما بعدها من قوله تعالى «ومن كان غنيا فليستعفف» الخ أي من كان من ~~الأولياء والأوصياء غنيا فليتنزه عن أكلها وليقنع بما آتاه الله تعالى من ~~الغنى والرزق إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله «ومن كان» من الأولياء ~~والأوصياء «فقيرا فليأكل بالمعروف» بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته ~~وفي لفظ الإستعفاف والأكل بالمعروف ما يدل على أن للوصي حقا لقيامه عليها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا قال له إن في حجري يتيما أفآكل من ~~ماله قال بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن ولي يتيم قال له أفأشرب من لبن إبله قال إن كنت تبغي ضالتها ~~وتلوط حوضها وتهنأ جر باها وتسقيها يوم ورودها فاشرب غير مضل بنسل ولا ناهك ~~في الحلب وعن محمد بن كعب يتقرم كما تتقرم البهيمة وينزل نفسه منزلة الأجير ~~فيما لابد منه وعن الشعبي يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه وعنه كالميتة ~~يتناول عند الضرورة ويقضي وعن مجاهد يستسلف فإذا أيسر أدى وعن سعيد بن جبير ~~إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ms0641 ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا ~~يجاوزه فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أني أنزلت نفسي من مال الله تعالى منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن ~~افتقرت أكلت بالمعروف وإذا أيسرت قضيت واستعف أبلغ من عف كأنه يطلب زيادة ~~العفة «فإذا دفعتم إليهم أموالهم» بعد ما راعيتم الشرائط المذكورة وتقديم ~~الجار والمجرور عن المفعول الصريح للاهتمام به «فأشهدوا عليهم» بأنهم ~~تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم لما أن ذلك أبعد من التهمة وأنفى للخصومة ~~وادخل في الأمانة وبراءة الساحة وإن لم يكن ذلك واجبا عند أصحابنا فإن ~~الوصي مصدق في الدفع مع اليمين خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله «وكفى ~~بالله حسيبا» أي محاسبا فلا تخالفوا ما أمركم به ولا تجاوزا ما حد لكم ~~«للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون» شروع في بيان أحكام المواريث بعد ~~بيان احكام أموال اليتامى المنتقلة إليهم بالإرث والمراد بالأقربين ~~المتوارثون منهم ومن في مما متعلقة بمحذوف وقع صفة لنصيب أي لهم نصيب كائن ~~مما ترك وقد جوز تعلقها بنصيب «وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون» ~~إيراد حكمهن على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكامهم بأن يقال للرجال ~~والنساء الخ للاعتناء بأمرهن والإيذان بأصالتهن في استحقاق الإرث والإشارة ~~من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين والمبالغة في إبطال حكم ~~الجاهلية فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون إنما يرث من يحارب ~~ويذب عن الحوزة روى أن أوس بن ثابت الأنصاري PageV02P146 # خلف زوجته أم كحة وثلاث بنات فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ~~ميراثه عنهن على سنة الجاهلية فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فشكت إليه فقال ارجعي حتى أنظر ما يحدثه الله تعالى فنزلت فأرسل ~~إليهما إن الله قد جعل لهن نصيبا ولم يبين فلا تفرقا من مال أوس شيئا حتى ~~يبين فنزل يوصيكم الله الخ فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي لا ~~بنى العم وهو ms0642 دليل على جواز تأخير البيان عن الخطاب وقوله تعالى «مما قل ~~منه أو كثر» بدل من ما الأخيرة بإعادة الجار وإليها يعود الضمير المجرور ~~وهذا البدل مراد في الجملة الأولى أيضا محذوف للتعويل على المذكور وفائدته ~~دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال وتحقيق ~~أن لكل من الفريقين حقا من كل ما جل ودق «نصيبا مفروضا» نصب على أنه مصدر ~~مؤكد كقوله تعالى «فريضة من الله» كأنه قيل قسمة مفروضة أو على الحالية إذ ~~المعنى ثبت لهم نصيب كائن مما ترك الوالدان والأقربون حال كونه مفروضا أو ~~على الاختصاص أي اعني نصيبا مقطوعا مفروضا واجبا لهم وفيه دليل على ان ~~الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه «وإذا حضر القسمة» أي قسمة التركة ~~وإنما قدمت مع كونها مفعولا لأنها المبحوث عنها ولأن في الفاعل تعددا فلو ~~روعى الترتيب يفوت أطراف الكلام «أولوا القربى» ممن لا يرث «واليتامى ~~والمساكين» من الأجانب «فارزقوهم منه» أي أعطوهم شيئا من المال المقسوم ~~المدلول عليه بالقسمة وقيل الضمير لما وهو امر ندب كلف به البالغون من ~~الورثة تطييبا لقلوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم وقيل أمر وجوب ثم اختلف ~~في نسخة «وقولوا لهم قولا معروفا» وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ~~ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم «وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم» أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر ~~اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم أو لمن ~~حضر المريض من العواد عند الايصاء بان يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ~~ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم ~~أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين ~~متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم ~~أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزها صلة ~~للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم ms0643 أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ورثة ~~ضعافا خافوا عليهم الضياع وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود إلى ~~المقصود منه والعلة فيه وبعث على PageV02P147 # الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاد نفسه وتهديد للمخالف بحال ~~أولاده وقرئ ضعفاء وضعافى وضعافى «فليتقوا الله» في ذلك والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها «وليقولوا قولا سديدا» أمرهم بالتقوى التي هي غاية ~~الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى إذ لا نفع للأول بدون ~~الثاني ثم أمرهم بان يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن ~~الأدب أو للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة ويذكره التوبة ~~وكلمة الشهادة أو لحاضرى القسمة عذرا ووعدا حسنا أو يقولوا في الوصية مالا ~~يؤدى إلى تجاوز الثلث وقوله تعالى «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» أي ~~على وجه الظلم أو ظالمين استئناف جئ به لتقرير مضمون ما فصل من الأوامر ~~والنواهي «إنما يأكلون في بطونهم» أي ملء بطونهم «نارا» أي ما يجر إلى ~~النار ويؤدى إليها وعن أبي بردة أنه صلى الله عليه وسلم قال يبعث الله ~~تعالى قوما من قبورهم تتأجج أفواههم نارا فقيل من هم فقال عليه السلام ألم ~~تر أن الله يقول إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا «وسيصلون سعيرا» أي سيدخلون نارا هائلة مبهمة الوصف وقرئ بضم الياء ~~مخففا ومشددا من الإصلاء والتصلية يقال صلى النار قاسى حرها وصليته شويته ~~وأصليته ألقيته فيها والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا ألهبتها ~~روى ان آكل مال اليتم يبعث يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه ~~وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا وروى انه لما ~~نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية فصعب ~~الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى وإن تخالطوهم الآية «يوصيكم الله» شروع ~~في تفصيل أحكام المواريث المجملة في قوله تعالى «للرجال نصيب» الخ وأقسام ~~الورثة ثلاثة قسم لا يسقط ms0644 بحال وهم الآباء والأولاد والأزواج فهؤلاء قسمان ~~والثالث الكلالة أي يأمركم ويعهد إليكم «في أولادكم» أولاد كل واحد منكم أي ~~في شأن ميراثهم بدئ بهم لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثرهم بقاء بعد ~~المورث «للذكر مثل حظ الأنثيين» جملة مستأنفة جئ بها لتبيين الوصية ~~وتفسيرها وقيل محلها النصب بيوصيكم على أن المعنى يفرض عليكم ويشرع لكم هذا ~~الحكم وهذا قريب مما رآه الفراء فإنه يجرى ما كان بمعنى القول من الأفعال ~~مجراه في حكاية الجملة بعده ونظيره PageV02P148 # قوله تعالى «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة» الآية ~~وقوله تعالى للذكر لا بد له من ضمير عائد إلى الأولاد محذوف ثقة بظهوره كما ~~في قولهم السمن منوان بدرهم أي للذكر منهم وقيل الألف واللام قائم مقامي ~~والأصل لذكرهم ومثل صفة لموصوف محذوف أي للذكر منهم حظ مثل حظ الأنثيين ~~والبداءة ببيان حكم الذكر لإظهار مزيته على الأنثى كما انها المناط في ~~تضعيف حظة وايثار اسمى الذكر والأنثى على ما ذكر أولا من الرجال والنساء ~~للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل ~~للبلوغ والكبر في ذلك أصلا كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون ~~الأطفال كالنساء «فإن كن» أي الأولاد والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله ~~تعالى «نساء» أي خلصا ليس معهن ذكر «فوق اثنتين» خبر ثان أو صفة لنساء أي ~~نساء زائدات على اثنتين «فلهن ثلثا ما ترك» أي المتوفى المدلول عليه بقرينة ~~المقام «وإن كانت» أي المولودة «واحدة» أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت ~~وعدم التعرض للموصوف لظهوره مما سبق «فلها النصف» مما ترك وقرئ واحدة على ~~كان التامة واختلف في الثنتين فقال ابن عباس حكمهما حكم الواحدة لأنه تعالى ~~جعل الثلثين لما فوقهما وقال الجمهور حكمهما حكم ما فوقهما لأنه تعالى لما ~~بين حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان اقتضى ذلك أن ~~فرضهما الثلثان ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد رد ذلك ms0645 بقوله ~~تعالى «فإن كن نساء فوق اثنتين» ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت ~~الثلث مع أخيها الأقوى منها في الاستحقاق فلأن تستحقه مع مثلها أولى وأحرى ~~وأن البنتين أمس رحما من الأختين وقد فرض الله لهما الثلثين حيث قال تعالى ~~«فلهما الثلثان مما ترك» «ولأبويه» أي لأبوى الميت غير النظم الكريم لعدم ~~اختصاص حكمه بما قبله من الصور «لكل واحد منهما» بدل منه بتكرير العامل وسط ~~بين المبتدأ الذي هو قوله تعالى «السدس» وبين خبره الذي هو لأبويه ونقل ~~الخبرية إليه تنصيصا على استحقاق كل منهما السدس وتأكيدا له بالتفصيل بعد ~~الإجمال وقرئ السدس بسكون الدال تخفيفا وكذلك الثلث والربع والثمن «مما ~~ترك» متعلق بمحذوف وقع حالا من السدس والعامل الاستقرار المعتبر في الخبر ~~أي كائنا مما ترك المتوفى «إن كان له ولد» أو ولد ابن ذكرا كان أو أنثى ~~واحدا أو متعددا غير أن الأب في صورة الأنوثة بعد ما أخذ فرضه المذكور يأخذ ~~ما بقي من ذوى الفروض بالعصوبة «فإن لم يكن له ولد» ولا ولد ابن «وورثه ~~أبواه» فحسب «فلأمه الثلث» مما ترك والباقي للأب وإنما لم يذكر لعدم الحاجة ~~إليه لأنه لما فرض انحصار الوارث في أبويه وعين نصيب الأم علم أن الباقي ~~للأب وتخصيص جانب الأم بالذكر وإحالة جانب الأب على دلالة الحال مع حصول ~~البيان بالعكس أيضا لما أن حظها أخصر واستحقاقه أتم وأوفر أو لأن استحقاقه ~~بطريق العصوبة دون الفرض هذا إذا لم يكن معهما أحد الزوجين أما إذا كان ~~معهما ذلك فللأم ثلث ما بقي بعد فرض أحدهما لا ثلث الكل كما قاله ابن عباس ~~رضى الله عنهما فإنه يفضى إلى تفضيل الأم على الأب مع كونه أقوى منها في ~~الإرث بدليل أضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين وكونه صاحب فرض ~~وعصبة وذلك خلاف وضع الشرع «فإن كان له إخوة» أي عدد ممن له أخوة من غير ~~اعتبار التثليث سواء كانت من جهة الأبوين أو من جهة أحدهما وسواء كانوا ms0646 ~~ذكورا أو إناثا PageV02P149 # مختلطين وساء كان لهم ميراث أو كانوا محجوبين بالأب «فلأمه السدس» وأما ~~السدس الذي حجبوها عنه فهو للأب عند وجوده ولهم عند عدمه وعليه الجمهور ~~وعند ابن عباس رضي الله عنهما أنه لهم على كل حال خلا أن هذا الحجب عنده لا ~~يتحقق بما دون الثلاث وبالأخوات الخلص وقرئ فلأمه بكسر الهمزة اتباعا لما ~~قبلها «من بعد وصية» خبر مبتدأ محذوف والجملة متعلقة بما تقدم جميعا لا بما ~~يليها وحده أي هذه الأنصباء للورثة من بعد إخراج وصية «يوصي بها» أي الميت ~~وقرئ مبنيا للمفعول مخففا ومبنيا للفاعل مشددا وفائدة الوصف الترغيب في ~~الوصية والندب إليها أو دين عطف على وصيه إلا أنه غير مقيد بما قيدت به من ~~الوصف بل هو مطلق يتناول ما ثبت بالبينة أو الإقرار في الصحة وإيثار أو ~~المفيدة للإباحة على الواو للدلالة على تساويهما في الوجوب وتقدمهما على ~~القسمة مجموعين أو منفردين وتقديم الوصية على الدين ذكرا مع تأخرها عنه ~~حكما لإظهار كمال العناية بتنفيذها لكونها مظنة للتفريط في أدائها ~~ولاطرادها بخلاف الدين «آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا» ~~الخطاب للورثة فآباؤكم مبتدأ وأبناؤكم عطف عليه ولا يدرون خبره وأيهم مبتدأ ~~وأقرب خبره ونفعا نصب على التمييز منه وهو منقول من الفاعلية كأنه قيل أيهم ~~أقرب لكم نفعة والجملة في حيز النصب بلا تدرون والجملة الكبيرة اعتراضية ~~مؤكدة لوجوب تنفيذ الوصية أي أصولكم وفروعكم الذين يتوفون لا تدرون أيهم ~~أنفع لكم أمن يوصى ببعض ماله فيعرضكم لثواب الآخرة بتنفيذ وصيته أم من لا ~~يوصى بشئ فيوفر عليكم عرض الدنيا وليس المراد بنفي الدراية عنهم بيان ~~اشتباه الأمر عليهم وكون أنفعية كل من الأول والثاني في حيز الاحتمال عندهم ~~من غير رجحان أحدهما على الآخر كما في قوله عليه الصلاة والسلام مثل أمتي ~~مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره فإن ذلك بمعزل من إفادة التأكيد ~~المذكور والترغيب في تنفيذ الوصية بل تحقيق أنفعية الأول في ضمن التعريض ~~بأن ms0647 لهم اعتقادا بأنفعية الثاني مبنيا على عدم الدراية وقد أشير إلى ذلك ~~حيث عبر عن الأنفعية بأقربية النفع تذكير المناط زعمهم وتعيينا لمنشأ خطئهم ~~ومبالغة في الترغيب المذكور بتصوير الثواب الآجل بصورة العاجل لما أن ~~الطباع مجبولة على حب الخير الحاضر كأنه قيل لا تدرون أيهم أنفع لكم ~~فتحكمون نظرا إلى ظاهر الحال وقرب المنال بأنفعية الثاني مع ان الأمر ~~بخلافة فإن ثواب الآخرة لتحقق وصوله إلى صاحبه ودوام تمتعه به مع غاية قصر ~~مدة ما بينهما من الحياة الدنيا أقرب وأحضر وعرض الدنيا لسرعة نفاده وفنائه ~~أبعد وأقصى وقيل الخطاب للمورثين والمعنى لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم ~~من أصولكم وفروعكم عاجلا وآجلا فتحروا في شأنهم ما أوصاكم الله تعالى به ~~ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمان بعض روى أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع ~~درجة من الآخر في الجنة سأل الله تعالى أن يرفع إليه صاحبه فيرفع إليه ~~بشفاعته قيل فالجملة الاعتراضية حينئذ مؤكدة لأمر القسمة وأنت خبير بأنه ~~مشعر بأن مدار الإرث ما ذكر من أقربيه النفع مع أنه العلاقة النسبية «فريضة ~~من الله» نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف أي فرض الله ذلك فرضا أو لقوله ~~تعالى «يوصيكم الله» فإنه في معنى يأمركم ويفرض عليكم «إن الله كان عليما» ~~أي بالمصالح والرتب «حكيما» في كل ما قضى وقدر فيدخل فيه الأحكام المذكورة ~~دخولا أوليا PageV02P150 # «ولكم نصف ما ترك أزواجكم» من المال شروع في بيان أحكام القسم الثاني من ~~الورثة ووجه تقديم حكم ميراث الرجال مما لا حاجة إلى ذكره «إن لم يكن لهن ~~ولد» أي ولد وارث من بطنه أو من صلب بنيها أو بنى بنيها وإن سفل ذكرا كان ~~أو أنثى واحدا كان أو متعددا لأن لفظ الولد ينتظم الجميع منكم أو من غيركم ~~والباقي لورثهتن من ذوى الفروض والعصبات أو غيرهم ولبيت المال إن لم يكن ~~لهن وارث آخر أصلا «فإن كان لهن ولد» على نحو ما فصل والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ms0648 ما قبلها فإن ذكر تقدير عدم الولد وبيان حكمه مستتبع لتقدير ~~وجوده وبيان حكمه «فلكم الربع مما تركن» من المال والباقي لباقي الورثة «من ~~بعد وصية» متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده «يوصين بها» في محل الجر ~~على انه صفة لوصية وفائدتها ما مر من ترغيب الميت في الوصية وحث الورثة على ~~تنفيذها «أو دين» عطف على وصية سواء كان ثبوته بالبينة أو بالإقرار وإيثار ~~أو على الواو لما ذكر من إبراز كمال العناية بتنفيذها «ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد» على التفصيل المذكور آنفا والباقي لبقية ورثتكم ~~من أصحاب الفروض والعصبات أو ذوى الأرحام أو لبيت المال إن لم يكن لكم وارث ~~آخر أصلا «فإن كان لكم ولد» على النحو الذي فصل «فلهن الثمن مما تركتم» من ~~المال للباقين «من بعد وصية توصون بها أو دين» الكلام فيه كما فصل في ~~نظيريه فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما فرض للمرأة كما في النسب لمزيته عليها ~~وشرفه الظاهر ولذلك اختص بتشريف الخطاب وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في ~~الجهة ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة وتستوى الواحدة ~~والعدد منهن في الربع والثمن «وإن كان رجل» شروع في بيان أحكام القسم ~~الثالث من الورثة المحتمل للسقوط ووجه تأخيره عن الأولين بين والمراد ~~بالرجل الميت وقوله تعالى «يورث» على البناء للمفعول من ورث لامن أورث خبر ~~كان أي يورث منه «كلالة» الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب ~~القوة من الإعياء استعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها ~~بالإضافة إلى قرابتهما وتطلق على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس ~~بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة كما تطلق القرابة على ذوى ~~القرابة وقد جوز كونها صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق فنصبها إما على أنها ~~مفعول له أي يورث منه لأجل القرابة المذكورة أو على انها حال من ضمير ~~PageV02P151 # يورث أي حال كونه ذا كلالة أو على أنها خبر لكان ويورث ms0649 صفة لرجل أي إن ~~كان رجل موروث ذا كلالة ليس له والد ولا ولد وقرئ يورث على البناء للفاعل ~~مخففا ومشددا فانتصاب كلالة إما على أنها حال من ضمير الفعل والمفعول محذوف ~~أي يورث لأجل الكلالة «أو امرأة» عطف على رجل مقيد بما قيد به أي أو امرأة ~~تورث كذلك ولعل فصل ذكرها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالته في الأحكام «وله» ~~أي للرجل ففيه تأكيد للإيذان المذكور حيث لم يتعرض لها بعد جريان ذكرها ~~أيضا وقيل الضمير لكل منهما «أخ أو أخت» أي من الأم فحسب وقد قرئ كذلك فإن ~~أحكام بنى الأعيان والعلات هي التي ذكرت في آخر السورة الكريمة والجملة في ~~محل النصب على أنها حال من ضمير يورث أو من رجل على تقدير كون يورث صفة له ~~ومساقها لتصوير المسألة وذكر الكلالة لتحقيق جريان الحكم المذكور وإن كان ~~مع من ذكر ورثة أخرى بطريق الكلالة وأما جريانه في صورة وجود الأم أو الجدة ~~مع ان قرابتهما ليست بطريق الكلالة فبالإجماع «فلكل واحد منهما» من الأخ ~~والأخت «السدس» من غير تفضيل للذكر على الأنثى لأن الإدلاء إلى الميت بمحض ~~الأنوثة «فإن كانوا أكثر من ذلك» أي أكثر من الأخ أو الأخت المنفردين بواحد ~~أو بأكثر والفاء لما مر من أن ذكر احتمال الانفراد مستتبع لذكر احتمال ~~التعدد «فهم شركاء في الثلث» يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثة من ~~أصحاب الفروض والعصبات هذا وأما تجويز أن يكون يورث في القراءة المشهورة ~~مبنيا للمفعول من أورث على أن المراد به الوارث والمعنى وإن كان رجل يجعل ~~وارثا لأجل الكلالة أو ذا كلالة ة أي غير والده أو ولده ولذلك الوارث أخ أو ~~أخت فلكل واحد من ذلك الوراث وأخيه أو أخته السدس فإن كانوا أكثر من ذلك أي ~~من الاثنين بأن كانوا ثلاثة أو أكثر فهم شركاء في الثلث الموزع للاثنين لا ~~يزاد عليه شئ فبمعزل من السداد اما أولا فلأن المعتبر على ذلك التقدير إنما ~~هي الأخوة بين الوارث وبين ms0650 شريكه في الإرث من أخيه أو أخته لا ما بينه وبين ~~مورثه من الأخوة التي عليها يترتب حكم الإرث وبها يتم تصوير المسألة وإنما ~~المعتبر بينهما الوراثة بطريق الكلالة وهي عامة لجميع صور القرابات التي لا ~~تكون بالولادة فلا يكون نصيبه ولا نصيب شريكه مما ذكر بعينه ومن ادعى ~~اختصاصها بالأخوة لأم متمسكا بالإجماع على أن المراد بالكلالة ههنا أولاد ~~الأم فقد اعترف ببطلان راية من حيث لا يحتسب كيف لا ومبناه إنما هو الإجماع ~~على أن المراد بالأخوة في قوله تعالى «وله أخ أو أخت» هو الأخوة لأم خاصة ~~حسبما شهدت به القراءة المحكية والآية الآتية في آخر السورة الكريمة ولولا ~~ان الرجل عبارة عن الميت والأخوة معتبرة بينه وبين ورثته لما أمكن كون الكل ~~أولاد الأم ثم إن الكلالة كما نبهت عليه باقية على إطلاقها ليس فيها شائبة ~~اختصاص بأولاد الأم فضلا عن الإجماع على ذلك وإلا لاقتصر البيان على حكم ~~صورة انحصار الورثة فيهم وإنما الإجماع فيما ذكر من أن المراد بالأخ والأخت ~~من كان لأم خاصة وأنت خبير بأن ذلك في قوة الإجماع على أن يورث من ورث لا ~~من أورث فتدبروا أما ثانيا فلأنه يقتضى أن يكون المعتبر في استحقاق الورثة ~~في الفرض المذكور اخوة بعضهم لبعض من جهة الأم لما ذكر من الإجماع مع ~~PageV02P152 # ثبوت الاستحقاق على تقدير الأخوة من الجهتين وإما ثالثا فلأن حكم صورة ~~انفراد الوارث عن الأخ والأخت يبقى حينئذ غير مبين وليس من ضرورة كون حظ كل ~~منهما السدس عند الإجماع كونه كذلك عند الانفراد إلا يرى أن حظ كل من ~~الأختين الثلث عند الاجتماع والنصف عند الانفراد وأما رابعا فلأن تخصيص أحد ~~الورثة بالتورث وجعل غيره تابعا له فيه مع اتحاد الكل في الإدلاء إلى ~~المورث مما لا عهد به «من بعد وصية يوصي بها أو دين» الكلام فيه كالذي مر ~~في نظائره خلا ان الدين ههنا موصوف بوصف الوصية جريا على قاعدة تقييد ~~المعطوف بما قيد به المعطوف ms0651 عليه لاتفاق الجمهور على اعتبار عدم المضارة ~~فيه أيضا وذلك إنما يتحقق فيما ثبوته بالإقرار في المرض كأنه قيل أو دين ~~يوصى به «غير مضار» حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور وما حذف من ~~المعطوف اعتمادا عليه كما أن رجال في قوله تعالى «يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال رجال» على قراءة المبنى للمفعول فاعل لفعل ينبى عنه المذكور ومن ~~فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاء به على قراءة البناء للفاعل أي يوصى ~~بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مضار للورثة أي بأن يوصى بما زاد ~~على الثلث أو تكون الوصية لقصد الإضرار بهم دون القربة وبأن يقر في المرض ~~بدين كاذبا وتخصيص هذا القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت ~~في حقهم «وصية من الله» مصدر مؤكد لفعل محذوف وتنوينه للتفخيم ومن متعلقة ~~بمضمر وقع صفة له مؤكدة لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية أي يوصيكم بذلك ~~وصية كائنة من الله كقوله تعالى «فريضة من الله» ولعل السر في تخصيص كل ~~منهما بمحله الإشعار بما بين الأحكام المتعلقة بالأصول والفروع وبين ~~الأحكام المتعلقة بغيرهم من التفاوت حسب تفاوت الفريضة والوصية وإن كانت ~~كلتاهما واجبة المراعاة أو منصوب بغير مضار على انه مفعول به فإنه اسم فاعل ~~معتمد على ذي الحال أو منفى معنى فيعمل في المفعول الصريح ويعضده القراءة ~~بالإضافة أي غير مضار لوصية الله وعهده لا في شأن الأولاد فقط كما قيل إذ ~~لا تعلق لهم بالمقام بل في شأن الورثة المذكورة ههنا فإن الأحكام المفصلة ~~كلها مندرجة تحت قوله تعالى «يوصيكم الله» جارية مجرى تفسيره وبيانه ~~ومضارتها الإخلال بحقوقهم ونقصها بما ذكر من الوصية بما زاد على الثلث ~~والوصية لقصد الإضرار دون القربة والإقرار بالدين كاذبا وإيقاعها على ~~الوصية مع أنها واقعة على الورثة حقيقة كما في قوله يا سارق الليلة أهل ~~الدار للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مخرج مضارة أمر الله تعالى ومضادته ~~وجعل الوصية عبارة عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضى ان يكون ms0652 غير مضار حالا ~~من ضمير الفعل المتعلق بالوصية فقط وذلك يؤدى إلى الفصل بين الحال وعاملها ~~بأجنبي هو المعطوف على وصية مع أنه لا تنحسم به مادة المضارة لبقاء الإفرار ~~بالدين على إطلاقة «والله عليم» بالمضار وغيره «حليم» لا يعاجل بالعقوبة ~~فلا يغتر بالإمهال وإيراد الاسم الجليل مع كفاية الإضمار لادخال الروعة ~~وتربية المهابة «تلك» إشارة إلى الأحكام التي تقدمت في شؤون اليتامى ~~والمواريث وغير PageV02P153 # ذلك «حدود الله» أي شرائعه المحدودة التي لا تجوز مجاوزتها «ومن يطع الله ~~ورسوله» في جميع الأوامر والنواهي التي من جملتها ما فصل ههنا وإظهار الاسم ~~الجليل لما ذكر آنفا «يدخله جنات» نصب على الظرفية عند الجمهور وعلى ~~المفعولية عند الأخفش «تجري من تحتها الأنهار» صفة لجنات منصوبة حسب ~~انتصابها «خالدين فيها» حال مقدرة من مفعول يدخله وصيغة الجمع بالنظر إلى ~~جمعية من بحسب المعنى كما ان إفراد الضمير بالنظر إلى إفراده لفظا «وذلك» ~~إشارة إلى ما مر من دخول الجنات الموصوفة بما ذكر على وجه الخلود وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان بكمال علو درجته «الفوز العظيم» الذي لا وصف وراءه ~~وصف الفوز وهو الظفر بالخير بالعظيم إما باعتبار متعلقة أو باعتبار ذاته ~~فإن الفوز بالعظيم عظيم والجملة اعتراض «ومن يعص الله ورسوله» ولو في بعض ~~الأوامر والنواهي قال مجاهد فيما اقتص من المواريث وقال عكرمة عن ابن عباس ~~من لم يرض بقسم الله تعالى ويتعد ما قاله الله تعالى وقال الكلبي يعنى ومن ~~يكفر بقسمة الله المواريث ويتعد حدوده استحلالا والإظهار في موقع الإضمار ~~للمبالغة في الزجر بتهويل الأمر وتربية المهابة «ويتعد حدوده» شرائعه ~~المحدودة في جميع الأحكام فيدخل فيها ما نحن فيه دخولا أوليا «يدخله» وقرئ ~~بنون العظمة في الموضعين «نارا» أي عظيمة هائلة لا يقادر قدرها «خالدا ~~فيها» حال كما سبق ولعل إيثار الإفراد ههنا نظرا إلى ظاهر اللفظ واختيار ~~الجمع هناك نظرا إلى المعنى للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة ~~الاجتماع أجلب للأنس كما أن الخلود في دار العذاب ms0653 بصفة الانفراد أشد في ~~استجلاب الوحشة «وله عذاب مهين» أي وله مع عذاب الحريق الجسماني عذاب آخر ~~مبهم لا يعرف كنهه وهو العذاب الروحاني كما يؤذن به وصفه والجملة حالية ~~«واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم» شروع في بيان بعض آخر من الأحكام ~~المتعلقة بالنساء إثر بيان أحكام المواريث واللآتى جمع التي بحسب المعنى ~~دون اللفظ وقيل جمع على غير قياس والفاحشة الفعلة القبيحة أريد بها الزنا ~~لزيادة قبحه والإتيان الفعل والمباشرة يقال أتى الفاحشة أي فعلها وباشرها ~~وكذا جاءها ورهقها وغشيها وقرئ بالفاحشة فالإتيان بمعناه المشهور ومن ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل يأتين أي اللآتى يفعلن الزنا كائنات من ~~نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى «والذين يظاهرون من نسائهم» وقوله ~~تعالى «من نسائكم اللاتي دخلتم بهن» وبه قال السدى «فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم» خبر للموصول والفاء للدلالة على سببية ما في حيز الصلة للحكم أي ~~فاطلبوا أن يشهد عليهن بإتيانها أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم «فإن ~~شهدوا» عليهن بذلك «فأمسكوهن في البيوت» أي فاحبسوهن فيها واجعلوها سجنا ~~عليهن «حتى يتوفاهن» أي إلى ان يستوفى أرواحهن «الموت» وفيه تهويل للموت ~~وإبراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح PageV02P154 # وتوفيها أو يتوفاهن ملائكة الموت «أو يجعل الله لهن سبيلا» أي يشرع لهن ~~حكما خاصا بهن ولعل التعبير عنه بالسبيل للإيذان بكونه طريقا مسلوكا فليس ~~فيه دلالة على كونه أخف من الحبس كما قاله أبو مسلم واللذان يأتيانها منكم ~~هما الزاني والزانية بطرق التغليب قال السندي أريد بهما البكران منهما كما ~~ينبئ عنه كون عقوبتها أخف من الحبس المخلد وبذلك يندفع التكرار خلا أنه ~~يبقى حكم الزاني المحصن مبهما لاختصاص العقوبة الأولى بالمحصنات وعدم ظهور ~~الحاقه بأحد الحكمين دلالة لخفاء الشركة في المناط «فآذوهما» أي بالتوبيخ ~~والتقريع وقيل بالضرب بالنعال أيضا وظاهر أن إجراء هذا الحكم أيضا إنما ~~يكون بعد الثبوت لكن ترك ذكره تعويلا على ما ذكر آنفا «فإن تابا» عما فعلا ~~من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجر ms0654 الأذية وقوارع التوبيخ كما ينبئ عنه ~~الفاء «وأصلحا» أي أعمالهما «فأعرضوا عنهما» بقطع الأذية والتوبيخ فإن ~~التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب وقد جوز أن يكون الخطاب ~~للشهود الواقفين على هناتهما ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما ~~بالرفع إلى الولاة وبالإعراض عنهما ترك التعرض لهما بالرفع إليهما قيل كانت ~~عقوبة الفريقين المذكورين في أوائل الإسلام على ما مر من التفصيل ثم نسخ ~~بالحد لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل ~~الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد وقيل هذه الآية سابقة على الأولى ~~نزولا وكانت عقوبة الزناة مطلقا الأذى ثم الحبس ثم الجلد ثم الرجم وقد جوز ~~ان يكون الأمر بالحبس غير منسوخ بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب ~~والسنة ويوصى بإمساكهن في البيوت بعد إقامة الحد صيانة لهن عن مثل ما جرى ~~عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ولا يخفى أنه مما لا يساعده ~~النظم الكريم وقال أبو مسلم وقد عزاه إلى مجاهد أن الأولى في السحاقات وهذه ~~في اللواطين وما في سورة النور في الزناة والزواني متمسكا بأن المذكور في ~~الولي صيغة الإناث خاصة وفي الثانية صيغة الذكور ولا ضرورة إلى المصير إلى ~~التغليب على انه لا إمكان له في الأولى ويأباه الأمر باستشهاد الأربعة فإنه ~~غير معهود في الشرع فيما عدا الزنا «إن الله كان توابا» مبالغا في قبول ~~التوبة «رحيما» واسع الرحمة وهو تعليل للأمر بالإعراض «إنما التوبة على ~~الله» استئناف مسوق لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ليس على إطلاقه كما ~~ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه توابا رحيما بل هو مقيد بما سينطق به النص ~~الكريم فقوله تعالى التوبة مبتدأ وقوله تعالى «للذين يعملون السوء» خبره ~~وقوله تعالى على الله متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار فإن تقديم ~~الجار والمجرور على عاملة المعنوي مما لا نزاع في جوازه وكذا الظرف أو ~~بمحذوف وقع حالا من ضمير المبتدأ المستكن فيما تعلق به الخبر على ms0655 رأى من ~~جوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند كونها ظرفا PageV02P155 # أو حرف جر كما سبق في تفسير قوله تعالى «ولله على الناس حج البيت» وأيا ~~ما كان فمعنى كون التوبة عليه سبحانه صدور القبول عنه تعالى وكلمة على ~~للدلالة على التحقيق البتة بحكم جرى العادة وبسق الوعد حتى كأنه من ~~الواجبات عليه سبحانه وهذا مراد من قال كلمة على بمعنى من وقيل هي بمعنى ~~عند وعن الحسن يعني التوبة التي يقبلها الله تعالى وقيل هي التوبة التي ~~أوجب الله تعالى على نفسه بفضله قبولها وهذا يشير إلى أن قوله تعالى على ~~الله صفة للتوبة بتقدير متعلقة معرفة على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض ~~صلته أي إنما التوبة الكائنة على الله والمراد بالسوء المعصية صغيرة كانت ~~أو كبيرة وقيل الخبر على الله وقوله تعالى للذين متعلق بما تعلق به الخبر ~~أو بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في متعلق الخبر وليس فيه ما في الوجه ~~الأول من تقديم الحال على العامل المعنوي إلا أن الذي يقتضيه المقام ~~ويستدعيه النظام هو الأول لما أن ما قبله من وصفة تعالى بكونه توابا رحيما ~~إنما يقتضي بيان اختصاص قبول التوبة منه تعالى بالمذكورين وذلك إنما يكون ~~بجعل قوله تعالى للذين الخ خبرا إلا يرى إلى قوله عز وجل «وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات» الخ فإنه ناطق بما قلنا كأنه قيل إنما التوبة لهؤلاء ~~لا لهؤلاء «بجهالة» متعلق يمحذوف وقع حالا من فاعل يعملون أي يعملون السوء ~~ملتبسين بها أي جاهلين سفهاء أو بيعملون على أن الباء سببية أي يعملونه ~~بسبب الجهالة لأن ارتكاب الذنب مما يدعو إليه الجهل وليس المراد به عدم ~~العلم بكونه سوءا بل عدم التفكر في العاقبة كما يفعله الجاهل قال قتادة ~~اجتمع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شئ عصى به ربه فهو ~~جهالة عمدا كان أو خطأ وعن مجاهد من عصى الله تعالى فهو جاهل حتى ينزع عن ~~جهالته وقال الزجاج يعنى بقوله ms0656 بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة ~~الباقية «ثم يتوبون من قريب» أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ~~ينبى عنه ما سيأتي من قوله تعالى حتى إذا حضر أحدهم الموت الخ فإنه صريح في ~~أن وقت الاختصار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقى ما وراءه في حيز ~~القبول وعن ابن عباس رضى الله عنهما قبل أن ينزل به سلطان الموت وعن الضحاك ~~كل توبة قبل الموت فهو قريب وعن إبراهيم النخعي ما لم يؤخذ بكظمه وهو مجرى ~~النفس وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقبل توبة ~~العبد ما لم يغرغر وعن عطاء ولو قبل موته بفواق ناقة وعن الحسن أن إبليس ~~قال حين أهبط إلى الأرض وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده فقال ~~تعالى وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر ومن تبعيضية أي يتوبون ~~بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ~~ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب «فأولئك» إشارة إلى المذكورين ~~من حيث اتصافهم بما ذكر وما فيه من معنى البعد باعتبار كونهم بانقضاء ذكرهم ~~في حكم البعيد والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «يتوب الله عليهم» وما فيه من تكرير ~~الإسناد لتقوية الحكم وهذا وعد بقبول توبتهم إثر بيان أن التوبة لهم والفاء ~~للدلالة على سببيتها للقبول «وكان الله عليما حكيما» مبالغا في العلم ~~والحكمة فيبنى أحكامه وأفعاله على أساس الحكمة والمصلحة والجملة اعتراضية ~~مقررة لمضمون ما قبلها وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإشعار بعلة ~~الحكم فإن الألوهية منشأ لاتصافه تعالى بصفات الكمال PageV02P156 # «وليست التوبة للذين يعملون السيئات» تصريح بما فهم من قصر القبول على ~~توبة من تاب من قريب وزيادة تعيين له ببيان أن توبة من عداهم بمنزلة العدم ~~وجمع السيئات باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد ms0657 لا لأن المراد جميع ~~أنواعها وبما مر من السوء نوع منها «حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن» حتى حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليس قبول ~~التوبة للذين يعملون السيئات إلى حضور موتهم وقولهم حينئذ إني تبت الآن ~~وذكر الآن لمزيد تعيين الوقت وإيثار قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة ~~الاعتبار والتحاشى عن تسميته توبة «ولا الذين يموتون وهم كفار» عطف على ~~الموصول الذي قبله أي ليس قبول التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء وإنما ذكر هؤلاء ~~مع أنه لا توبة لهم رأسا مبالغة في بيان عدم قبول توبة المسوفين وإيذانا ~~بأن وجودها كعدمها بل في تكرير حرف النفي في المعطوف إشعار خفى بكون حال ~~المسوفين في عدم استتباع الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر ~~والمراد بالموصولين إما الكفار خاصة وإما الفساق وحدهم وتسميتهم في الجملة ~~الحالية كفارا للتغليظ كما في قوله تعالى «ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين» وإما ما يعم الفريقين جميعا فالتسمية حينئذ للتغليب ويجوز أن ~~يراد بالأول الفسقة وبالثاني الكفرة ففيه مبالغة أخرى «أولئك» إشارة إلى ~~الفريقين وما فيه من معنى البعد للإيذان بترامى حالهم في الفظاعة وبعد ~~منزلتهم في السوء وهو مبتدأ خبره «اعتدنا لهم» أي هيأنا لهم «عذابا أليما» ~~تكرير الإسناد لما مر من تقوية الحكم وتقديم الجار والمجرور على المفعول ~~الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب معدا لهم وتنكير العذاب ووصفه للتفخيم ~~الذاتي والوصفى «يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها» كان ~~الرجل إذا مات قريبه يلقى ثوبه على إمرأتة أو على خبائها ويقول أرث امرأته ~~كما أرث ماله فيصير بذلك أحق بها من كل أحد ثم أن شاء تزوجها بلا صداق غير ~~الصداق الأول وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا وأن شاء ~~عضلها لتفتدى بما ورثت من زوجها وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل إلقاء الثوب ~~فهي أحق بنفسها فنهوا عن ذلك وقيل لهم لا يحل لكم ms0658 ان تأخذوا بطريق الإرث ~~على زعمكم كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه وقرئ لا تحل ~~بالتاء الفوقانية على أن ان ترثوا بمعنى الوراثة وقرئ كرها بضم الكاف وهي ~~لغة كالضعف والضعف وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع ~~سوء العشرة والقهر وضيق عليها PageV02P157 # لتفتدى منه بما لها وتختلع فقيل لهم «ولا تعضلوهن» عطفا على ترثوا ولا ~~لتأكيد النفي والخطاب للأزواج والعضل الحبس والتضييق ومنه عضلت المرأة ~~بولدها إذا اختنقت رحمها فخرج بعضه وبقى بعضه أي ولا أن تضيقوا عليهن ~~«لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» أي من الصداق بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا ~~فتأخذوه منهن وإنما لم يتعرض لفعلهن إيذانا بكونه بمنزلة العدم لصدوره عنهن ~~اضطرارا وإنما عبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ ولا بالإذهاب للمبالغة في ~~تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ والإذهاب منهن لأنه ~~عبارة عن الذهاب مستصحبا به «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة» على صيغة الفاعل ~~من بين بمعنى تبين وقرئ على صيغة المفعول وعلى صيغة الفاعل من أبان بمعنى ~~تبين أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهلة بالبذاء ~~والسلاطة ويعضده قراءة أبي إلا أن يفحشن عليكم وقيل الفاحشة الزنا وهو ~~استثناء من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أو أعم العلل أي ولا يحل لكم عضلهن ~~في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات أو لعلة من العلل إلا في حال ~~إتيانهن بفاحشة أو إلا في وقت إتيانهن أو إلا لإتيانهن بها فإن السبب حينئذ ~~يكون من جهتهن وأنتم معذورن في طلب الخلع «وعاشروهن بالمعروف» خطاب للذين ~~يسيئون العشرة معهن والمعروف مالا ينكره الشرع والمروءة والمراد ههنا ~~النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في المقال ونحو ذلك «فإن كرهتموهن» ~~وسئمتم صحبتهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك من ~~الأمور المذكورة فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس واصبروا على معاشرتهن ~~«فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا» علة للجزاء أقيمت ms0659 مقامه ~~للإيذان بقوة استلزامها إياه كأنه قيل فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع ~~الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه وعسى تامة رافعة ~~لما بعدها مستغنية عن تقدير الخبر أبي فقد قربت كراهتكم شيئا وجعل الله فيه ~~خيرا كثيرا فإن النفس ربما تكره ما هو أصلح في الدين وأحمد عاقبة وأدنى إلى ~~الخير وتحب ما هو بخلافة فليكن نظركم إلى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى ~~أنفسكم وذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه وانحصار العلية في الثاني للتوسل ~~إلى تعميم مفعوله ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصا ~~بمكروه دون مكروه بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق حسب اقتضاء الحكمة وان ~~ما نحن فيه مادة من موادها وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة ~~وتعميم الإرشاد ما لا يخفي وقرى ويجعل مرفوعا على أنه خبر لمبتدأ محذوف ~~والجملة حالية تقديره وهو أي ذلك الشئ يجعل الله فيه خيرا كثيرا وقيل ~~تقديره والله يجعل بوضع المظهر موضع المضمر وتنوين خيرا لتفخيمه الذاتي ~~ووصفه بالكثرة لبيان فخامته الوصفية والمراد به ههنا الولد الصالح وقيل ~~الألفة والمحبة «وإن أردتم استبدال زوج» أي تزوج امرأة ترغبون فيها «مكان ~~زوج» ترغبون عنها بأن تطلقوها «وآتيتم إحداهن» أي أحدى الزوجات فإن المراد ~~بالزوج هو الجنس PageV02P158 # والجملة حالية بإضمار قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون ~~أن تطلقوها «قنطارا» أي مالا كثيرا «فلا تأخذوا منه» أي من ذلك القنطار ~~«شيئا» يسيرا فضلا عن الكثير «أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا» استئناف مسوق ~~لتقرير النهي والتنفير عن المنهي عنه والاستفهام للإنكار والتوبيخ أي ~~أتأخذونه باهتين وآثمين أو للبهتان والاثم فإن أحدهم كان إذا تزوج امرأة ~~بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى ~~تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ويدهشه ~~وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر ههنا بالظلم وقوله عز وجل «وكيف ~~تأخذونه» انكار لأخذه اثر انكار وتنفير ms0660 عنه غب تنفير وقد بولغ فيه حيث وجه ~~الانكار إلى كيفية الأخذ ايذانا بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوع ~~أصلا لأن ما يدخل تحت الوجود لابد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن ~~لشيء حال أصلا لم يكن له حظ من الوجود قطعا وقوله عز وجل «وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض» حال من فاعل تأخذونه مفيدة لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد أي على ~~أي حال أو في أي حال تأخذونه والحال أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية ~~له من الخلوة وتقرر المهر وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك «وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا» عطف على ما قبله داخل في حكمه أي أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق ~~الصحبة والمعاشرة أو ما أوثق الله تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان أو ما أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى «ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم» شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم وانما خص ~~هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر ~~عنه حيث كانوا مصرين على تعاطيه قال ابن عباس وجمهور المفسرين كان أهل ~~الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك واسم الآباء ينتظم الأجداد ~~مجازا فتثبت حرمة ما نكحوها نصا واجماعا ويستقل في اثبات هذه الحرمة نفس ~~النكاح إذا كان صحيحا واما إذا كان فاسدا فلا بد في اثباتها من الوطء أو ما ~~يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة ونحوهما بل هو المثبت لها في الحقيقة ~~حتى لو وقع شيء من ذلك بحكم ملك اليمين أو بالوجه المحرم تثبت به الحرمة ~~عندنا خلافا للشافعي في المحرم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم وايثار ما ~~على من للذهاب إلى الوصف وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر «من ~~النساء» بيان لما نكح على الوجهين «إلا ما قد سلف» استثناء مما نكح مفيد ~~للمبالغة في ms0661 التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال على طريقة قوله * ~~ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب * والمعنى لا ~~تنكحوا حلائل آبائكم الا من ماتت منهن والمقصود سد طريق الإباحة بالكلية ~~ونظيره قوله تعالى «حتى يلج الجمل في سم الخياط» وقيل هو استثناء مما ~~يستلزمه النهي ويستوجبه مباشرة المنهي عنه PageV02P159 # كأنه قيل لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجب للعقاب الا ما قد ~~مضى فإنه معفو عنه وقيل هو استثناء منقطع معناه لكن ما قد سلف لا مؤاخذة ~~عليه لا أنه مقرر ويأباهما قوله تعالى «إنه كان فاحشة ومقتا» فإنه تعليل ~~للنهي وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح مبغوضا أشد البغض وأنه لم يزل ~~في حكم الله تعالى وعلمه موصوفا بذلك ما رخص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم ~~أن يوسط بينهما ما يهون أمره من ترك المؤاخذة على ما سلف منه «وساء سبيلا» ~~في كلمة ساء قولان أحدهما أنها جارية مجرى بئس في الذم والعمل ففيها ضمير ~~مبهم يفسره ما بعده والمخصوص بالذم محذوف تقديره وساء سبيلا سبيل ذلك ~~النكاح كقوله تعالى بئس الشراب أي ذلك الماء وثانيهما أنها كسائر الأفعال ~~وفيها ضمير يعود إلى ما عاد اليه ضمير أنه وسبيلا تمييز والجملة اما ~~مستأنفة لا محل لها من الاعراب أو معطوفة على خبر كان محكية بقول مضمر هو ~~المعطوف في الحقيقة تقديره ومقولا في حقه ساء سبيلا فإن ألسنة الأمم كافة ~~لم تزل ناطقة بذلك في الاعصار والأمصار قيل مراتب القبح ثلاث القبح الشرعي ~~والقبح العقلي والقبح العادي وقد وصف الله تعالى هذا النكاح بكل ذلك فقوله ~~تعالى فاحشة مرتبة قبحه العقلي وقوله تعالى ومقتا مرتبة قبحه الشرعي وقوله ~~تعالى وساء سبيلا مرتبة قبحه العادي وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ ~~أقصى مراتب القبح «حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت» ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن وما يقصد ~~به من التمتع بهن وبيان امتناع ورود ms0662 ملك النكاح عليهن وانتفاء محليتهن له ~~رأسا واما حرمة التمتع بهن بملك اليمين في المواد التي يتصور فيها قرار ~~الملك كما في بعض المعطوفات على تقدير رقهن فثابتة بدلالة النص لاتحاد ~~المدار الذي هو عدم محلية أبضاعهن للملك لا بعبارته بشهادة سباق النظم ~~الكريم وسياقه وانما لم يوجب المدار المذكور امتناع ورود ملك اليمين رأسا ~~ولا حرمة سببه الذي هو العقد أو ما يجري مجراه كما أوجب حرمة عقد النكاح ~~وامتناع ورود حكمه عليهن لأن مورد ملك اليمين ليس هو البضع الذي هو مورد ~~ملك النكاح حتى يفوت بفوات محليته له كملك النكاح فإنه حيث كان مورده ذلك ~~فات بفوات محليته له قطعا وانما مورده الرقبة الموجودة في كل رقيق فيتحقق ~~بتحقق محله حتما ثم يزول بوقوع العتق في المواد التي سبب حرمتها محض ~~القرابة النسبية كالمذكورات ويبقى في البواقي على حاله مستتبعا لجميع ~~PageV02P160 # أحكامه المقصودة منه شرعا وأما حل الوطء فليس من تلك الأحكام فلا ضير في ~~تخلفه عنه كما في المجوسية والأمهات تعم الجدات وإن علون والبنات تتناول ~~بناتهن وإن سفلن والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث وكذا الباقيات ~~والعمة كل أنثى ولدها من ولد والدك والخالة كل أنثى ولدها من ولد والدتك ~~قريبا أو بعيدا وبنات الأخ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى «وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة» نزل الله تعالى الرضاعة منزلة النسب ~~حتى سمى المرضعة أما للرضيع والمراضعة أختا وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه ~~جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته ~~وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته وكل من ولد من هذا الزوج فهم ~~إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولدها من غيره فهم أخوته وأخواته لأمه ومنه ~~قوله عليه السلام يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وهو حكم كلى جار على ~~عمومه وأما أم أخيه لأب وأخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب ~~فليست حرمتهن من جهة النسب حتى يحل بعمومة ms0663 ضرورة حلهن في صور الرضاع بل من ~~جهة المصاهرة ألا يرى ان الأولى موطوءة أبيه والثانية بنت موطوءته والثالثة ~~أم موطوءته والرابعة موطوءة جده الصحيح والخامسة موطوءة جده الفاسد «وأمهات ~~نسائكم» شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة ~~الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب والمراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق ~~سواء كن مدخولا بهن أولا وعليه جمهور العلماء روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه لا بأس بأن ~~يتزوج ابنتها ولا يحل له أن يتزوج أمها وعن عمر وعمران بن الحصين رضى الله ~~عنهما أن الأم تحرم بنفس العقد وعن مسروق هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله ~~وعن ابن عباس أبهموا ما أبهم الله خلا أنه روى عنه وعن على وزيد وابن عمر ~~وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قرءوا وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن وعن ~~جابر روايتان وعن سعيد بن المسيب عن زيد أنه إذا ماتت عنده فاخذ ميراثها ~~كره أن يخلف على أمها وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل أقام الموت ~~في ذلك مقام الدخول كما قام مقامه في باب المهر والعدة ويلحق بهن الموطوءات ~~بوجه من الوجوه المعدودة فيما سبق والممسوسات ونظائرهن والأمهات تعم ~~المرضعات كما تعم الجدات حسبما ذكر «وربائبكم اللاتي في حجوركم» الربائب ~~جمع ربيبة فعيل بمعنى مفعول والتاء للنقل إلى الاسمية والربيب ولد المرأة ~~من آخر سمى به لأنه يربه غالبا كما يرب ولده وإن لم يكن ذلك أمرا مطردا وهو ~~المعنى بكونهن في الحجور فإن شأنهن الغالب المعتاد أن يكن في حضانة أمهاتهن ~~تحت حماية أزواجهن لا كونهن كذلك بالفعل وفائدة وصفهن بذلك تقوية علة ~~الحرمة وتكميلها كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء ~~فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن وفي شرف التقلب في حجورهم وتحت حمايتهم ~~وتربيتهم مما يقوى الملابسة والشبه بينهن وبين أولادهم ويستدعى إجراءهن ~~مجرى بناتهم لا تقييد ms0664 الحرمة بكونهن في حجورهم بالفعل كما روى عن على رضي ~~الله عنه وبه أخذ داود ومذهب جمهور العلماء ما ذكر أولا بخلاف ما في قوله ~~تعالى «من نسائكم اللاتي دخلتم بهن» فإنه لتقييدها به قطعا فإن PageV02P161 # كلمة من متعلقة بمحذوف وقع حالا من ربائبكم أو من ضميرها المستكن في ~~الظرف لأنه لما وقع صلة تحمل ضميرا أي وربائبكم اللآتى استقررن في حجوركم ~~كائنات من نسائكم الخ ولا مساغ لجعله حالا من أمهات أو مما أضيفت هي إليه ~~خاصة وهو بين لا سترة به ولا مع ما ذكر أولا ضرورة ان حاليته من ربائبكم أو ~~من ضمير ما تقتضى كون كلمة من ابتدائية وحاليته من أمهات أو من نسائكم ~~تستدعى كونها بيانية وادعاء كونها اتصالية منتظمة لمعنى الابتداء والبيان ~~أو جعل الموصول صفة للنساء مع اختلاف عامليهما مما يجب تنزيه ساحة التنزيل ~~عن أمثاله مع أنه سعى في إسكات ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم واتفق ~~عليه الجمهور حسبما ذكر فيما قبل وأما ما نقل من القراءة فضعيفة الرواية ~~وعلى تقدير الصحة محمولة على النسخ ومعنى الدخول بهن إدخالهن الستر والباء ~~للتعدية وهي كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب وفي حكمة ~~اللمس ونظائرها كما مر «فإن لم تكونوا» أي فيما فبل «دخلتم بهن» أصلا «فلا ~~جناح عليكم» أي في نكاح الربائب وهو تصريح بما أشعر به ما قبله والفاء ~~الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن بيان حكم الدخول مستتبع لبيان حكم ~~عدمه «وحلائل أبنائكم» أي زوجاتهم سميت الزوجة حليلة لحلها للزوج أو ~~لحلولها في محله وقيل لحل كل منهما إزار صاحبه وفي حكمهن مزنياتهم ومن ~~يجرين مجراهن من الممسوسات ونظائرهن وقوله تعالى «الذين من أصلابكم» لإخراج ~~الأدعياء دون أبناء الأولاد والأبناء من الرضاع فإنهم وإن سفلوا في حكم ~~الأنباء الصلبية «وأن تجمعوا بين الأختين» في حيز الرفع عطفا على ما قبله ~~من المحرمات والمراد به جمعهما في النكاح لا في ملك اليمن وأما جمعهما ms0665 في ~~الوطء بملك اليمن فملحق به بطريق الدلالة لاتحادهما في المدار ولقوله عليه ~~الصلاة والسلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم ~~أختين بخلاف نفس ملك اليمين فإنه ليس في معنى النكاح في الإفضاء إلى الوطء ~~ولا مستلزما له ولذلك يصح شراء المجوسية دون نكاحها حتى لو وطئهما لا يحل ~~له وطء إحداهما حتى يحرم عليه وطء الأخرى بسبب من الأسباب وكذا لو تزوج أخت ~~أمته الموطوءة لا يحل له وطء إحداهما حتى يحرم عليه الأخرى لأن المنكوحة ~~موطوءة حكما فكأنه جمعهما وطأ وإسناد الحرمة إلى جمعهما لا إلى الثانية ~~منهما بأن يقال وأخوات نسائكم للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبدة كما في ~~المحرمات السابقة ولكونه بمعزل من الدلالة على حرمة الجمع بينهما على سبيل ~~المعية ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها بل أولى فإن ~~العمة والخالة بمنزلة الأم فقوله عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها من قبيل بيان التفسير لا ~~بيان التغيير وقيل هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب «إلا ما قد سلف» ~~استثناء منقطع أي لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به ولا سبيل إلى جعله متصلا ~~بقصد التأكيد والمبالغة كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى «إن الله كان غفورا ~~رحيما» تعليل لما أفاده الاستثناء فيتحتم الانقطاع وقال عطاء والسدي معناه ~~إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه قد جمع بين ليا أم يهوذا وبين راحيل ~~أم يوسف عليه الصلاة والسلام ولا يساعده التعليل لأن ما فعله يعقوب عليه ~~السلام كان حلالا في شريعته وقال ابن عباس رضي الله عنهما أهل الجاهلية ~~يحرمون ما حرم الله PageV02P162 # تعالى امرأة الأب والجمع بين الأختين وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن ~~الحسن أنه قال كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات إلا اثنتين نكاح امرأة ~~الأب والجمع بين الأختين ألا يرى أنه قد عقب النهى عن كل منهما بقوله ms0666 تعالى ~~إلا ما قد سلف وهذا يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سنن واحد ويأباه ~~اختلاف التعليلين «والمحصنات» بفتح الصاد وهن ذوات الأزواج أحصنهن التزوج ~~أو الأزواج أو الأولياء أعفهن عن الوقوع في الحرام وقرئ على صيغة اسم ~~الفاعل فإنهن أحصن فروجهن عن غير أزواجهن أو أحصن أزواجهن وقيل الصيغة ~~للفاعل على القراءة الأولى أيضا وفتح الصاد محمول على الشذوذ كما في نظيريه ~~ملقح ومسهب من القح وأسهب قيل ورد الإحصان في القرآن بإزاء أربعة معان ~~الأول التزوج كما في هذه الآية الكريمة الثاني العفة كما في قوله تعالى ~~محصنين غير مسافحين الثالث الحرية كما في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات والرابع الإسلام كما في قوله تعالى فإذا أحصن قيل في ~~تفسيره أي أسلمن وهي معطوفة على المحرمات السابقة وقوله تعالى «من النساء» ~~متعلق بمحذوف وقع حالا منها أي كائنات من النساء وفائدته تأكيد عمومها لا ~~دفع توهم شمولها للرجال بناء على كونها صفة للأنفس كما توهم «إلا ما ملكت ~~أيمانكم» استثناء من المحصنات استثناء النوع من الجنس أي ملكتموه وإسناد ~~الملك إلى الإيمان لما أن سببه الغالب هو الصفة الواقعة بها وقد أشتهر ذلك ~~في الأرقاء لا سيما في إناثهم وهن المرادات ههنا رعاية للمقابلة بينه وبين ~~ملك النكاح الوارد على الحرائر والتعبير عنهن بما لإسقاطهن بما فيهن من ~~قصور الرق عن رتبة العقلاء وهي إما عامة حسب عموم صلتها فالاستثناء حينئذ ~~ليس لإخراج جميع أفرادها من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفى ~~الشمول المستلزم لإخراج بعضها أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا ~~المحصنات اللآتى ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا ~~يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسببات بغير أزواجهن أو مطلقا حسب اختلاف ~~الرأيين وإما خاصة بالمذكورات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللآتى سبين ~~فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين ~~فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لما ms0667 عرفت من أن مساق النظم ~~الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح وإنما ثبوت ~~حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمن بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجرى فيه ~~الاستثناء قطعا وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين ~~أزواجهن قطعا بالتباين أو بالسبى على اختلاف الرأيين فمبنى على اعتقاد ~~الناس حيث كانوا حينئذ غافلين عن الفرقة ألا يرى إلى ما روى عن أبي سعيد ~~الخدري رضى الله عنه من أنه قال أصبنا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج فكرهنا أن ~~تقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية عنه قلنا يا رسول ~~الله كيف نقع على PageV02P163 # نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن فنزلت والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~إيمانكم فاستحللناهن وفي رواية أخرى عنه ونادى منادى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض فأباح وطأهن بعد ~~الاستبراء وليس في ترتيب هذا الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على ~~كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالة ~~على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها هذا وقد روى عن أبي سعيد رضى الله عنه ~~أنه قال أنها نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى عن نكاحهن ~~فالمحصنات حينئذ عبارة عن مهاجرات يتحقق أو يتوقع من أزواجهن الإسلام ~~والمهاجرة ولذلك لم يزل عنهن اسم الإحصان والنهى لتحريم المحقق وتعرف حال ~~المتوقع وإلا فما عداهن بمعزل من الحرمة واستحقاق إطلاق الاسم عليهن كيف لا ~~وحين انقطعت العلاقة بين المسببة وزوجها مع اتحادهما في الدين فلأن تنقطع ~~ما بين المهاجرة وزوجها أحق وأولى كما يفصح عنه قوله عز وجل فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولاهم يحلون لهن الآية «كتاب ~~الله» مصدر مؤكد أي كتب الله «عليكم» تحريم هؤلاء كتابا وفرضة فرضا وقيل ~~منصوب على ms0668 الإغراء بفعل مضمر أي مؤكد أي الزموا كتاب الله وعليكم متعلق إما ~~بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالا منه وقيل هو إغراء آخر مؤكد لما قبله قد حذف ~~مفعوله لدلالة المذكور عليه أو بنفس عليكم على رأى من جوز تقديم المنصوب في ~~باب الإغراء كما في قوله * يا أيها المائح دلوى دونكا * أنى رأيت الناس ~~يحمدونكا * وقرئ كتب الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم وقرئ كتب ~~الله بلفظ الفعل «وأحل لكم» عطف على حرمت عليكم الخ وتوسيط قوله تعالى كتاب ~~الله عليكم بينهما للمبالغة في الحمل على المحافظة على المحرمات المذكورة ~~وقرئ على صيغة المبنى للفاعل فيكون معطوفا على الفعل المقدر وقيل بل على ~~حرمت الخ فإنهما جملتان متقابلتان مؤسستان للتحريم والتحليل المنوطين بأمر ~~الله تعالى ولا ضير في اختلاف المسند إليه بحسب الظاهر لا سيما بعد ما أكدت ~~الأولى بما يدل على أن المحرم هو الله تعالى «ما وراء ذلكم» إشارة إلى ما ~~ذكر من المحرمات المعدودة أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا ولعل ~~إيثار اسم الإشارة المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه على الضمير المتعرض ~~للذات فقط لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم ~~الحرمة فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة فإن حرمة الجمع ~~بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها ليست بطريق العبارة بل بطريق الدلالة ~~كما سلف وقيل ليس المراد بالإحلال الإحلال مطلقا أي على جميع الأحوال حتى ~~يرد انه يلزم منه حل الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها بل إنما ~~هو إحلالهن في الجملة أي على بعض الأحوال ولا ريب في حل نكاحهن بطريق ~~الانفراد ولا يقدح في ذلك حرمته بطريق الجمع إلا يرى أن حرمة نكاح المعتدة ~~والمطلقة ثلاثا والخامسة ونكاح الأمة على الحرة ونكاح الملاعنة لا تقدح في ~~حل نكاحهن بعد العدة وبعد التحليل وبعد تطليق الرابعة وانقضاء العدة وبعد ~~تطليق الحرة وبعد إكذاب الملاعن نفسه وأنت خبير بان الحل يجب أن يتعلق ms0669 ههنا ~~بما تعلق به الحرمة فيما سلف وقد تعلق ههنا بالجمع فلا بد أن يتعلق الحل به ~~أيضا «أن تبتغوا» متعلق بالفعلين المذكورين على أنه PageV02P164 # مفعول له لكن باعتبار ذاتهما بل باعتبار بيانهما وإظهارهما أي بين لكم ~~تحريم المحرمات المعدودة وإحلال ما سواهن إرادة أن تبتغوا بأموالكم ~~والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء أو متروك أي تفعلوا الابتغاء «بأموالكم» ~~بصرفها إلى مهورهن أو بدا اشتمال مما وراء ذلكم بتقدير ضمير المفعول ~~«محصنين» حال من فاعل تبتغوا والاحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما ~~يوجب اللوم والعقاب «غير مسافحين» حال ثانية منه أو حال من الضمير في ~~محصنين والسفاح الزنا والفجور من السفح الذي هو صب المني سمى به لأنه الغرض ~~منه ومفعول الفعلين محذوف أي محصنين فروجكم غير مسافحين الزواني وهي في ~~الحقيقة حال مؤكدة لأن المحصن غير مسافح البتة وما في قوله تعالى «فما ~~استمتعتم به منهن» اما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعلى ~~التقديرين فهي اما شرطية ما بعدها شرطها واما موصولة ما بعدها صلتها وأيا ~~ما كان فهي مبتدأ خبرها على تقدير كونها شرطية اما فعل الشرط أو جوابه أو ~~كلاهما على الخلاف المعروف وعلى تقدير كونها موصولة قوله تعالى «فآتوهن ~~أجورهن» والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير كونها عبارة عن ~~النساء فالعائد إلى المبتدأ هو الضمير المنصوب في فآتوهن سواء كانت شرطية ~~أو موصولة ومن بيانية أو تبعيضية محلها النصب على الحالية من الضمير ~~المجرور في به والمعنى فأي فرد استمتعتم به أو فالفرد الذي استمتعتم به حال ~~كونه من جنس النساء أو بعضهن فآتوهن أجورهن وقد روعي تارة جانب اللفظ فأفرد ~~الضمير أولا وأخرى جانب المعنى فجمع ثانيا وثالثا واما على تقدير كونها ~~عبارة عما يتعلق بهن فمن ابتدائية متعلقة بالاستمتاع والعائد إلى المبتدأ ~~محذوف والمعنى أي فعل استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوة أو نحوهما أو ~~فالفعل الذي استمتعتم به من قبلهن من الأفعال المذكورة فآتوهن أجورهن ms0670 لأجله ~~أو بمقابلته والمراد بالأجور المهور فإنها أجور ابضاعهن «فريضة» حال من ~~الأجور بمعنى مفروضة أو نعت لمصدر محذوف أي إيتاء مفروضا أو مصدر مؤكد أي ~~فرض ذلك فريضة أي لهن عليكم «ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به» أي لا اثم ~~عليكم فيما تراضيتم به من الحط عن المهر أو الابراء منه على طريقة قوله ~~تعالى «فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه» اثر قوله تعالى «وآتوا النساء ~~صدقاتهن» وقوله تعالى «إلا أن يعفون» وتعميمه للزيادة على المسمى لا يساعده ~~رفع الجناح عن الرجال لأنها ليست مظنة الجناح الا ان يجعل الخطاب للأزواج ~~تغليبا فإن أخذ الزيادة على المسمى مظنة الجناح على الزوجة وقيل فيما ~~تراضيتم به من نفقة ونحوها وقيل من مقام أو فراق ولا يساعده قوله تعالى «من ~~بعد الفريضة» إذ لا تعلق لهما بالفريضة الا أن يكون الفراق بطريق المخالعة ~~وقيل نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم من يوم أو أكثر سميت ~~بذلك لأن الغرض منها مجرد الاستمتاع بالمرأة واستمتاعها بما يعطى وقد أبيحت ~~ثلاثة أيام حين فتحت مكة شرفها الله تعالى ثم نسخت لما روى أنه عليه السلام ~~أباحها ثم أصبح يقول يا أيها الناس اني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه ~~النساء الا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة وقيل أبيح مرتين وحرم مرتين ~~وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجع عن القول بجوازه عند موته وقال ~~اللهم اني أتوب إليك من قولي بالمتعة وقولي في الصرف «إن الله كان عليما» ~~في مصالح العباد «حكيما» فيما شرع لهم من الأحكام ولذلك شرع لكم هذه ~~الأحكام اللائقة بحالكم PageV02P165 # «ومن لم يستطع منكم» من اما شرطية ما بعدها شرطها أو موصولة ما بعدها ~~صلتها والظرف متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يستطع أي حال كونه منكم وقوله ~~تعالى «طولا» أو غنى وسعة أي اعتلاء ونيلا وأصله الزيادة أي اعتلاء والفضل ~~مفعول ليستطع وقوله عز وجل «أن ينكح المحصنات المؤمنات» اما مفعول ms0671 صريح ~~لطولا فإن اعمال المصدر المنون شائع ذائع كما في قوله تعالى أو اطعام في ~~يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة كأنه قيل ومن لم يستطع منكم أن ينال نكاحهن ~~واما بتقدير حرف الجر أي ومن لم يستطع منكم غني إلى نكاحهن أو لنكاحهن ~~فالجار في محل النصب صفة لطولا أي طولا موصلا اليه أو كائنا له أو على ~~نكاحهن على أن الطول بمعنى القدرة في القاموس الطول والطائل والطائلة الفضل ~~والقدرة والغنى والسعة ومحل أن بعد حذف الجار نصب عند سيبويه والفراء وجر ~~عند الكسائي والأخفش واما بدل من طولا لأن الطول فضل والنكاح قدرة واما ~~مفعول ليستطع وطولا مصدر مؤكد له لأنه بمعناه إذ الاستطاعة هي الطول أو ~~تمييز أي ومن لم يستطع منكم نكاحهن استطاعته أو من جهة الطول والغنى أي لا ~~من جهة الطبيعة والمزاج فإن عدم الاستطاعة من تلك الجهة لا تعلق له بالمقام ~~والمراد بالمحصنات الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات فإن حريتهن أحصنتهن ~~عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان وقوله عز وجل «فمن ~~ما ملكت أيمانكم» اما جواب للشرط أو خبر للموصول والفاء لتضمنه معنى الشرط ~~والجار متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله وما موصولة أي فلينكح امرأة أو أمة من ~~النوع الذي ملكته ايمانكم وهو في الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك ~~المفعول المحذوف ومن تبعيضية أي فلينكح امرأة كائنة من ذلك النوع وقيل من ~~زائدة والموصول مفعول للفعل المقدر أي فلينكح ما ملكته ايمانكم وقوله تعالى ~~«من فتياتكم المؤمنات» في محل النصب على الحالية من الضمير المقدر ملكت ~~الراجع إلى ما وقيل هو المفعول للفعل المقدر على زيادة من ومما ملكت متعلق ~~بنفس الفعل ومن لابتداء الغاية أو بمحذوف وقع حالا من فتياتكم ومن للتبعيض ~~أي فلينكح فتياتكم كائنات بعض ما ملكت ايمانكم والمؤمنات صفة لفتياتكم على ~~كل تقدير وقيل هو المفعول للفعل المقدر ومما ملكت على ما تقدم آنفا ومن ~~فتياتكم حال من العائد المحذوف وظاهر النظم الكريم يفيد عدم ms0672 جواز نكاح ~~الأمة للمستطيع كما ذهب اليه الشافعي رحمه الله تعالى وعدم جواز نكاح الأمة ~~الكتابية أصلا كما هو رأي أهل الحجاز وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى ~~متمسكا بالعمومات فمحمل الشرط والوصف هو الأفضلية ولا PageV02P166 # نزاع فيها لأحد وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال ومما وسع ~~الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسرا وقوله ~~تعالى «والله أعلم بإيمانكم» جملة معترضة جئ بها لتأنيسهم بنكاح الإماء ~~واستنزالهم من رتبة الاستنكاف منه ببيان أن مناط التفاضل ومدار التفاخر هو ~~الإيمان دون الأحساب والأنساب على ما نطق به قوله عز قائلا «يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم» والمعنى أنه تعالى اعلم منكم بمراتبكم في الإيمان الذي به ~~تنتظم أحوال العباد وعليه يدور فلك المصالح في المعاش والمعاد ولا تعلق له ~~بخصوص الحرية والرق فرب أمة يفوق إيمانها إيمان الحرائر وقوله تعالى «بعضكم ~~من بعض» إن أريد به الاتصال من حيث الدين فهو بيان لتناسبهم من تلك الحيثية ~~إثر بيان تفاوتهم في ذلك وإن أريد به الاتصال من حيث النسب فهو اعتراض آخر ~~مؤكد للتأنيس من جهة أخرى والخطاب في الموضعين إما لمن كما في الخطاب الذي ~~يعقبه قد روعى فيما سبق جانب اللفظ وههنا جانب المعنى والالتفات للاهتمام ~~بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين كالخطابات السابقة لحصول ~~الترغيب بخطابهم أيضا وأياما كان فإعادة الأمر بالنكاح على وجه الخطاب في ~~قوله تعالى «فانكحوهن» مع انفهامه من قوله تعالى «فمن ما ملكت أيمانكم» ~~حسبما ذكر لزيادة الترغيب في نكاحهن وتقييده بقوله تعالى «بإذن أهلهن» ~~وتصديره بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي وإذ قد وقفتم على جلية الأمر ~~فانكحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن وفي اشتراط إذن الموالى دون ~~مباشرتهم للعقد إشعار بجواز مباشرتهن له «وآتوهن أجورهن» أي مهورهن ~~«بالمعروف» متعلق بآتوهن أي أدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار والجاء إلى ~~الاقتضاء واللز حسبما ms0673 يقتضيه الشرع والعادة ومن ضرورته ان يكون الأداء ~~إليهن بإذن الموالى فيكون ذكر إيتائهن لبيان جواز الأداء إليهن لا لكون ~~المهور لهن وقيل أصله آتوا مواليهن فحذف المضاف وأوصل الفعل إلى المضاف ~~إليه «محصنات» حال من مفعول فانكحوهن أي حال كونهن عفائف عن الزنا «غير ~~مسافحات» حال مؤكدة أي غير مجاهرات به «ولا متخذات أخدان» عطف على مسافحات ~~ولا لتأكيد ما في غير من معنى النفي الخدن الصاحب قال أبو زيد الأخدن ~~الأصدقاء على الفاحشة والواحد خدن وخدين والجمع للمقابلة بالانقسام على ~~معنى ان لا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى أن لا يكون لها أخدان أي غير ~~مجاهرات بالزنا ولا مسرات له وكان الزنا في الجاهلية منقسما إلى هذين ~~القسمين «فإذا أحصن» أي بالتزويج وقرئ على البناء للفاعل أي أحصن فروجهن أو ~~أزواجهن «فإن أتين بفاحشة» أي فعلن فاحشة وهى الزنا «فعليهن» فثابت عليهن ~~شرعا «نصف ما على المحصنات» أي الحرائر الأبكار «من العذاب» من الحد الذي ~~هو جلد مائة فنصفه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصان فالمراد بيان عدم تفاوت ~~حدهن بالاحصان كتفاوت حد الحرائر فالفاء في فإن أتين جواب إذا والثانية ~~جواب أن والشرط الثاني مع جوابه مترتب على وجود الأول كما في قولك إذا ~~اتيتنى فإن لم أكرمك فعبدى حر «ذلك» أي نكاح الإماء «لمن خشي العنت منكم» ~~أي لمن خاف وقوعه في الإثم الذي تؤدى إليه غلبة الشهوة وأصل العنت انكسار ~~العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعترى الإنسان بعد PageV02P167 # صلاح حاله ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح وقيل أريد ~~به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد والأول هو اللائق بحال المؤمن ~~دون الثاني لإبهامه أن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه «وإن تصبروا» أي عن ~~نكاحهن متعففين كافين أنفسكم عما تشتهيه من المعاصي «خير لكم» من نكاحهن ~~وإن سبقت كلمة الرخصة فيه لما فيه من تعريض الولد للرق قال عمر رضى الله ~~عنه إيما حر تزوج بأمة ms0674 فقد أرق نصفه وقال سعيد بن جبير ما نكاح الأمة من ~~الزنا إلا قريب ولأن حق المولى فيها أقوى فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر ولأن ~~المولى يقدر على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضر وعلى بيعها للحاضر ~~والبادى وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده مالا مزيد عليه ولأنها ممتهنة ~~مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله ذل ومهانة سارية إلى الناكح والعزة هي اللائقة ~~بالمؤمنين ولأن مهرها لمولاها فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج ~~فلا ينتظم أمر المنزل وقد قال صلى الله عليه وسلم الحرائر صلاح البيت ~~والإماء هلاك البيت «والله غفور» مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن ~~نكاحهن ما في ذلك من الأمور المنافية لحال المؤمنين «رحيم» مبالغ في الرحمة ~~ولذلك رخص لكم في نكاحهن «يريد الله ليبين لكم» استئناف مسوق لتقرير ما سبق ~~من الأحكام وبيان كونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين ~~قيل أصل النظم الكريم يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام لتأكيد معنى ~~الاستقبال اللازم للإرداة ومفعول يبين محذوف ثقة بشهادة السباق والسياق اى ~~يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم أو ما ~~تعبدكم به من الحلال والحرام وقيل مفعول يريد محذوف تقديره يريد الله تشريع ~~ما شرع من التحريم والتحليل لأجل التبيين لكم وهذا مذهب البصريين ويعزى إلى ~~سيبويه وقيل إن اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار ان وهي وما بعدها ~~مفعول للفعل المتقدم فإن اللام قد تقام مقام ان في فعل الإرادة والأمر ~~فيقال أردت لأذهب وأن أذهب وأمرتك لتقوم وإن تقوم قال تعالى «يريدون ~~ليطفئوا نور الله» وفي موضع «يريدون أن يطفئوا» وقال تعالى «وأمرنا لنسلم» ~~وفي موضع «وأمرت أن أسلم» وفي آخر «وأمرت لأعدل بينكم» اى ان أعدل بينكم ~~وهذا مذهب الكوفيين ومنعه البصريون وقالوا إن وظيفة اللام هي الجر والنصب ~~فيما قالوا بإضمار أن أي أمرنا بما أمرنا لنسلم ويريدون ما يريدون ليطفئوا ~~وقيل يؤول الفعل الذي قبل اللام ms0675 بمصدر مرفوع بالابتداء ويجعل ما بعده خبرا ~~له كما في تسمع بالمعيدى خير من ان تراه أي ان تسمع به ويعزى به هذا الرأي ~~إلى بعض البصريين «ويهديكم سنن الذين من قبلكم» من الأنبياء والصالحين ~~لتقتدوا بهم «ويتوب عليكم» إذا تبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير ~~والتفريط في مراعاة ما كلفتموه من الشرائع فإن المكلف قلما يخلو من تقصير ~~يستدعى تلافيه بالتوبة ويغفر لكم ذنوبكم أو يرشدكم إلى ما يردعكم عن ~~المعاصي ويحثكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم وليس الخطاب ~~لجميع المكلفين حتى يتخلف مراده تعالى عن إرادته فيمن لم يتب منهم بل ~~لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة «والله عليم» مبالغ في العلم بالأشياء ~~التي من جملتها PageV02P168 # ما شرع لكم من الأحكام «حكيم» مراع في جميع أفعالة الحكمة والمصلحة ~~«والله يريد أن يتوب عليكم» جملة مبتدأة مسوقة لبيان كمال منفعة ما أراده ~~الله تعالى وكمال مضرة ما يريد الفجرة لا لبيان إراداته تعالى لتوبته عليهم ~~حتى يكون من باب التكرير للتقرير ولذلك غير الأسلوب إلى الجملة الاسمية ~~دلالة على دوام الإرادة ولم يفعل ذلك في قوله تعالى «ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات» للإشارة إلى الحدوث وللإيماء إلى كمال المباينة مضمونى الجملتين ~~كما مر في قوله تعالى «الله ولي الذين آمنوا» الآية والمراد بمتبعى الشهوات ~~الفجرة فإن اتباعها الائتمار بها وأما المتعاطى لما سوغه الشرع من المشهيات ~~دون غيره فهو متبع له لا لها وقيل هم اليهود والنصارى وقيل هم المجوس حيث ~~كانوا يحلون الأخوات من الأب وبنات الخ وبنات الأخت فلما حرمهن الله تعالى ~~قالوا فإنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة مع أن العمة والخالة عليكم حرام ~~فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت «أن تميلوا» عن الحق بموافقتهم على اتباع ~~الشهوات واستحلال المحرمات وتكونوا زناة مثلهم وقرئ بالياء التحتانية ~~والضمير للذين يتبعون الشهوات «ميلا عظيما» أي بالنسبة إلى ميل من اقترف ~~خطيئة على ندرة بلا استحلال «يريد الله أن يخفف عنكم» بما مر من الرخص ما ms0676 ~~في عهدتكم من مشاق التكاليف والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب «وخلق ~~الإنسان ضعيفا» عاجزا عن مخالفة هواه غير قادر على مقابلة دواعيه وقواه حيث ~~لا يصبر عن اتباع الشهوات ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات وعن الحسن أن ~~المراد ضعف الخلقة ولا يساعده المقام فإن الجلمة اعتراض تذييلى مسوق لتقرير ~~ما قبله من التخفيف بالرخصة في نكاح الإماء وليس لضعف البنية مدخل في ذلك ~~وإنما الذي يتعلق به التخفيف في العبادات الشاقة وقيل المراد به ضعفه في ~~أمر النساء خاصة حيث لا يصبر عنهن وعن سعيد بن المسيب ما أيس الشيطان من ~~بنى آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء فقد اتى على ثمانون سنة وذهبت إحدى ~~عيني وانا أعشوا بالأخرى وإن أخوف ما أخاف على فتنة النساء وقرأ ابن عباس ~~رضى الله عنهما وخلق الإنسان على البناء للفاعل والضمير له عز وجل وعنه رضى ~~الله عنه ثماني آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس ~~وغربت «يريد الله ليبين لكم» «والله يريد أن يتوب عليكم» «يريد الله أن ~~يخفف عنكم» «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» «إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» «إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها» «ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه» «ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم» «للناس لعلهم يتقون ولا تأكلوا أموالكم PageV02P169 # بينكم بالباطل» شروع في بيان بعض الحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر ~~بيان الحرمات المتعلقة بالأبضاع وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار ~~كمال العناية بمضمونه والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالغصب والسرقة ~~والخيانة والقمار وعقود الربا وغير ذلك مما لم يبحه الشرع أي لا يأكل بعضكم ~~أموال بعض بغير طريق شرعي «إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم» استثناء منقطع ~~وعن متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة أي إلا ان تكون التجارة تجارة صادرة عن ~~تراض كما في قوله * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا * أي إذا كان ms0677 اليوم يوما ~~الخ أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة وقرئ تجارة بالرفع على أن كان تامة ~~أي ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض أي وقوعها أو ولكن وجود تجارة عن تراض ~~غير منهى عنه وتخصيصها بالذكر من بيان سائر أسباب الملك لكونها معظمها ~~وأغلبها وقوعا وأوافقها لذوي المروءات والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين ~~فيما تعاقدا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الشافعي ~~رحمه الله حالة الاقتراق عن مجلس العقد «ولا تقتلوا أنفسكم» أي من كان من ~~جنسكم من المؤمنين فإن كلهم كنفس واحدة وعن الحسن لا تقتلوا إخوانكم ~~والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورة ما لا ~~يكاد يفعله عاقل أولا تهلكوا أنفسكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يفضى إليه ~~فإنه القتل الحقيقي لها كما يشعر به إيراده عقيب النهى عن أكل الحرام فيكون ~~مقررا للنهي السابق وقيل لا تقتلوا أنفسكم بالبخع كما يفعله بعض الجهلة أو ~~بارتكاب ما يؤدى إلى القتل من الجنايات وقيل بإلقائها في التهلكة وأيد بما ~~روى عن عمر بن العاص انه تأوله بالتيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقرئ ولا تقتلوا بالتشديد للتكثير وقد جمع في التوصية بين ~~حفظ النفس وحفظ المال لما أنه شقيقها من حيث أنه سبب لقوامها وتحصيل ~~كمالاته واستيفاء فضائلها وتقديم النهى عن التعرض له لكثرة وقوعه «إن الله ~~كان بكم رحيما» تعليل للنهي بطريق الاستئناف أي مبالغا في الرحمة والرأفة ~~ولذلك نهاكم عما نهى فإن ذلك رحمة عظيمة لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم ~~في معرض التعرض لهم بحفظ أموالهم وأنفسهم وقيل معناه إنه كان بكم يا أمة ~~محمد رحيما حيث امر بنى إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا ~~لخطاياهم ولم يكلفكم تلك التكاليف الشاقة «ومن يفعل ذلك» إشارة إلى القتل ~~خاصة أو لما قبله من أكل الأموال وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهما في الفساد «عدوانا وظلما» أي إفراطا في التجاوز عن الحد وإتيانا ~~بما لا ms0678 يستحقه وقيل أريد بالعدوان التعدي على الغير بالظلم الظلم على النفس ~~بتعريضها للعقاب ومحلها النصب على الحالية أو على العلية أي معتديا وظالما ~~أو للعدوان والظلم وقرئ عدوانا بكسر العين «فسوف نصليه» جواب للشرط أي ~~ندخله وقرئ بالتشديد من صلى وبفتح النون من صلاة يصليه ومنه شاة مصلية ~~ويصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث إنه سبب للصلى «نارا» أي ~~نارا مخصوصة هائلة شديدة العذاب «وكان ذلك» أي إصلاؤه النار «على الله ~~يسيرا» لتحقق الداعي وعدم الصارف وإظهار الاسم الجليل بطريق الالتفات ~~لتربية المهابة وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلى PageV02P170 # «إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه» أي كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها ~~مما ذكر ههنا وما لم يذكر وقرئ كبير على إرادة الجنس «نكفر عنكم» بنون ~~العظمة على طريقة الالتفات وقرئ بالياء بالإسناد إليه تعالى والتكفير إماطة ~~المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة أي نغفر لكم «سيئاتكم» صغائركم ~~ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى ~~رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر واختلف في الكبائر ~~والأقرب ان الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد أو صرح بالوعيد وقيل ما ~~علم حرمته بقاطع وعن النبي صلى الله عليه وسلم انها سبع الإشراك بالله ~~تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم ~~والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وعن على رضى الله عنه التعقب بعد ~~الهجرة مكان عقوق الوالدين وزاد ابن عمر رضى الله عنهما السحر واستحلال ~~البيت الحرام وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا قال له الكبائر سبع قال ~~هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع روى عنه إلى سبعين إذ لا صغيرة مع ~~الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وقيل أريد به أنواع الشرك لقوله تعالى «إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» وقيل صغر الذنوب ~~وكبرها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها وبحسب فاعلها بل بحسب الأوقات ~~والأماكن أيضا ms0679 فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغار حديث النفس وما بينهما ~~وسايط يصدق عليه الأمر أن فمن عن له أمر أن منها ودعت نفسه إليهما بحيث لا ~~يتمالك فكفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه لما استحق على اجتناب الأكبر من ~~الثواب «وندخلكم مدخلا» بضم الميم اسم مكان هو الجنة «كريما» أي حسنا مرضيا ~~أو مصدر ميمى أي ادخالا مع كرامة وقرئ بفتح الميم وهو أيضا يحتمل المكان ~~والمصدر ونصبه على الثاني بفعل مقدر مطاوع للمذكور أي ندخلكم فتدخلون مدخلا ~~أو دخولا كريما كما في قوله * وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع * من المال إلا ~~مسحت أو مجلف * أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت الخ «ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض» أي عليكم ولعل إيثار الإبهام عليه للتفادى عن المواجهة بما ~~يشق عليهم قال القفال لما نهاهم الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل ~~وقتل الأنفس عقبة بالنهى عما يؤدى إليه من الطمع في أموالهم وتمنيها وقيل ~~نهاهم أولا عن التعرض لأموالهم بالجوارح ثم عن التعرض لها بالقلب على سبيل ~~الحسد لتطهير أعمالهم الظاهرة والباطنة فالمعنى لا تتمنوا ما أعطاه الله ~~تعالى بعضكم من الأمور الدنيوية كالجاه والمال وغير ذلك مما يجرى فيه ~~التنافس دونكم فإن ذلك قسمة من الله تعالى صادرة عن تدبير لائق بأحوال ~~العباد مترتب على الإحاطة بجلائل شؤونهم ودقائقها فعلى كل أحد من المفضل ~~عليهم أن يرضى بما قسم الله له ولا يتمنى حظ المفضل ولا يحسده عليه لما أنه ~~معارضة لحكم القدر المؤسس على PageV02P171 # الحكم البالغة لا لأن عدمه خير له ولا لأنه لو كان خلافة لكان مفسدة له ~~كما قيل إذ لا يساعده ما سيأتي من الأمر بالسؤال من فضله تعالى فإنه ناطق ~~بأن المنهى عنه تمنى نصيب الغير لاتمنى ما زاد على نصيبه مطلقا هذا وقد قيل ~~لما جعل الله تعالى في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء نحن أحوج ~~أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم واحد لأنا ضعفاء ms0680 وهم أقوياء وأقدر على طلب ~~المعاش منا فنزلت وهذا هو الأنسب بتعليل النهى بقوله عز وجل «للرجال نصيب ~~مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن» فإنه صريح في جريان التمني بين فريقى ~~الرجال والنساء ولعل صيغة المذكر في النهى لما عبر عنهن بالبعض والمعنى لكل ~~من الفريقين في الميراث نصيب معين المقدار مما أصابه بحسب استعداده وقد عبر ~~عنه بالاكتساب على طريقة الاستعارة التبعية المبنية على تشبيه اقتضاء حاله ~~لنصيبه باكتسابه إياه تأكيدا لاستحقاق كل منهما لنصيبه وتقوية لاختصاصه به ~~بحيث لا يتخطاه إلى غيره فإن ذلك مما يوجبه الانتهاء عن التمني المذكور ~~وقوله تعالى «واسألوا الله من فضله» عطف على النهى وتوسيط التعليل بينهما ~~لتقرير الانتهاء مع ما فيه من الترغيب في الامتثال بالأمر كأنه قيل لا ~~تتمنوا ما يختص بغيركم من نصيبه المكتسب له واسألوا الله تعالى من خزائن ~~نعمة التي لانفاد لها وحذف المفعول الثاني للتعميم أي واسألوه ما تريدون ~~فإنه تعالى يعطيكموه أو لكونه معلوما من السياق أي واسألوه مثله وقيل من ~~زائدة والتقدير وأسألوه فضله وقد جاء في الحديث لا يتمنين أحدكم مال أخيه ~~ولكن ليقل اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل ~~وأفضل العبادة انتظار الفرج وحمل النصيب على الأجر الأخروي وإبقاء الاكتساب ~~على حقيقته بجعل سبب النزول ما روى أن أم سلمة رضي الله عنها قالت ليت الله ~~كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم على ~~أن المعنى لكل من الفريقين نصيب خاص به من الأجر مترتب على عمله فللرجال ~~أجر بمقابلة ما يليق بهم من الأعمال كالجهاد ونحوه وللنساء أجر بمقابلة ما ~~يليق بهن من الأعمال كحفظ حقوق الأزواج ونحوه فلا تتمنى النساء خصوصية أجر ~~الرجال وليسألن من خزائن رحمته تعالى ما يليق بحالهن من الأجر لا يساعده ~~سياق النظم الكريم المتعلق بالمواريث وفضائل الرجال «إن ms0681 الله كان بكل شيء ~~عليما» ولذلك جعل الناس على طبقات ورفع بعضهم على بعض درجات حسب مراتب ~~استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على الحكم الأبية «ولكل ~~جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون» جملة مبتدأة مقررة لمضمون ما ~~قبلها ولكل مفعول ثان لجعلنا قدم عليه لتأكيد الشمول ودفع توهم تعلق الجهل ~~بالبعض دون البعض كما في قوله تعالى «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» أي ولكل ~~تركة جعلنا ورثة متفاوتة في الدرجة يلونها ويحرزون منها أنصباءهم بحسب ~~استحقاقهم المنوط بما بينهم وبين المورث من العلاقة ومما ترك بيان لكل قد ~~فصل بينهما بما عمل فيه PageV02P172 # كما فصل في قوله تعالى «قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض» ~~بين لفظ الجلالة وبين صفته بالعامل فيما أضيف إليه أعنى غير أو ولكل قوم ~~جعلناهم موالى اى وراثا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين مما ترك الوالدان ~~والأقربون على أن جعلنا موالى صفة لكل والضمير الراجع إليه محذوف والكلام ~~مبتدأ وخبر على طريقة قولك لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله أي حظ منه ~~واما ما قيل من أن المعنى لكل أحد جعلنا موالى مما ترك اى وراثا منه على أن ~~من صلة موالى لأنه في معنى الوارث ضمير مستكن عائد إلى كل وقوله تعالى ~~«الوالدان والأقربون» استئناف مفسر للموالى كأنه قيل من هم فقيل الوالدان ~~الخ ففيه تفكيك للنظم الكريم لأن ببيان الموالى بما ذكر يفوت الإبهام ~~المصحح لاعتبار التفاوت بينهم وبه يتحقق الانتظام كما أشير إليه في تقرير ~~الوجهين الأولين مع ما فيه من خروج الأولاد من الموالى إذ لا يتناولهم ~~الأقربون كما لا يتناول الوالدين «والذين عقدت أيمانكم» هم موالى الموالاة ~~كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على ~~ان يرثه ويعقل عنه صح وعليه عقله وله إرثه إن لم يكن له وارث أصلا وإسناد ~~العقد إلى الإيمان لأن ms0682 المعتاد هو المماسحة بها عند العقد والمعنى عقدت ~~أيمانكم وماسحتموه وهو مبتدأ مضمن لمعنى الشرط ولذلك صدر الخبر أعنى قوله ~~تعالى «فآتوهم نصيبهم» بالفاء أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقولك زيدا ~~فاضربه أو مرفوع معطوف على الوالدان والأقربون وقوله تعالى فآتوهم الخ جمله ~~مبينة للجملة قبلها ومؤكدة لها والضمير للموالى «إن الله كان على كل شيء» ~~من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع «شهيدا» ففيه وعد ووعيد «الرجال ~~قوامون على النساء» كلام مستأنف مسوق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في ~~الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا وإيراد الجملة اسميه ~~والخبر على صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم في الاتصاف بما أسند إليهم ~~ورسوخهم فيه أي شأنهم القيام عليهن بالأمر والنهى قيام الولاة على الرعية ~~وعلل ذلك بأمرين وهبى وكسبى فقيل «بما فضل الله بعضهم على بعض» الباء سببية ~~متعلقة بقوامون أو بمحذوف وقع حالا من ضميره وما مصدرية والضمير البارز ~~لكلا الفريقين تغليبا أي قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن ~~أو ملتبسين بتفضيله تعالى الخ ووضع البعض موضع الضميرين للإشعار بغاية ظهور ~~الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه أصلا ولمثل ذلك لم ~~يصرح بما به التفضيل من صفات كماله التي هي كمال العقل وحسن التدبير ورزانة ~~الرأي ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة ~~والولاية وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا ووجوب الجهاد والجمعة ~~وغير ذلك «وبما PageV02P173 # أنفقوا من أموالهم» الباء متعلقة بما تعلقت به الأولى وما مصدرية أو ~~موصولة حذف عائدها من الصلة ومن تبعيضية أو ابتدائية متعلقة بأنفقوا أو ~~بمحذوف وقع حالا من العائد المحذوف أي وبسبب إنفاقهم من أموالهم أو بسبب ما ~~أنفقوه من أموالهم أو كائنا من أموالهم وهو ما أنفقوه من المهر والنفقة روى ~~أن سعد ابن الربيع أحد نقباء الأنصار رضي الله عنهم نشزت عليه امرأته حبيبة ~~بنت زيد بن أبي زهير فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشكا فقال عليه السلام لتقتص ms0683 منه فنزلت فقال عليه السلام أردنا أمرا ~~وأراد الله أمرا والذي أراده الله خير «فالصالحات» شروع في تفصيل أحوالهن ~~وبيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن أي فالصالحات منهن «قانتات» ~~أي مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج «حافظات للغيب» أي لموجب الغيب ~~أي لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة الأزواج من الفروج والأموال عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك ~~وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها وتلا الآية وقيل لأسرارهم وإضافة ~~المال إليها ى للإشعار بأن ماله في حق التصرف في حكم مالها كما في قوله ~~تعالى ولا تؤتوا السفاء أموالكم الآية «بما حفظ الله» ما مصدرية أي بحفظه ~~تعالى إياهم بالأمر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له أو ~~موصولة أي بالذي حفظ الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب ~~عنهن وقرئ بما حفظ الله بالنصب على حذف المضاف أي بالأمر الذي حفظ حق الله ~~تعالى وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرحال «واللاتي تخافون نشوزهن» خطاب ~~للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن والخوف حالة تحصل في القلب عند ~~حدوث أمر مكروه أو عند الظن أو العلم بحدوثه وقد يراد به أحدهما أي تظنون ~~عصيانهن وترفعهن عن مطاوعتكم من النشز وهو المرتفع من الأرض «فعظوهن» ~~فانصحوهن بالترغيب والترهيب «واهجروهن» بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة ~~«في المضاجع» أي في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون ~~كناية عن الجمع وقيل المضاجع المبايت أي لا تبايتوهن وقرئ في المضجع وفي ~~المضطجع «واضربوهن» أن لم ينجح ما فعلتم من العظة والهجران ضربا غير مبرح ~~ولا شائن «فإن أطعنكم» بذلك كما هو الظاهر لأنه منتهى ما يعد زاجرا «فلا ~~تبغوا عليهن سبيلا» بالتوبيخ والأذية أي فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما ~~كان منهن كأنه لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له «إن الله كان عليا ~~كبيرا» فاحذروه فإنه تعالى أقدر عليكم منكم على من ms0684 تحت أيديكم أو أنه تعالى ~~على علو شانه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم عند توبتكم فأنتم أحق بالعفو ~~عن أزواجكم عند إطاعتهن لكم أو أنه يتعالى ويكبر أن يظلم أحدا أو ينقص حقه ~~وعدم التعرض لعدم إطاعتهن لهم للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يتحقق أو ~~يفرض تحققه وأن الذي يتوقع منهن ويليق بشأنهن لا سيما بعد ما كان من ~~الزواجر هو الإطاعة ولذلك صدرت الشرطية بالفاء المنبئة عن سببية ما قبلها ~~لما بعدها «وإن خفتم شقاق بينهما» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الحكام وارد ~~على بناء PageV02P174 # الأمر على التقدير المسكوت عنه اعني عدم الإطاعة المؤدى إلى المخاصمة ~~والمرافعة إليهم والشقاق المخالفة إما لأن كلا منهما يريد ما يشق على الآخر ~~وإما لأن كلا منهما في شق أي جانب غير شق الآخر والخوف ههنا بمعنى العلم ~~قاله ابن عباس والجزم بوجود الشقاق لا ينافي بعث الحكمين لأنه لرجاء إزالته ~~لا لتعرف وجوده بالفعل وقيل بمعنى الظن وضمير الثنية للزوجين وإن لم يجر ~~لهما ذكر لجرى ما يدل عليها وإضافة الشقاق إلى الظرف إما على إجرائه مجرى ~~المفعول به كما في قوله * يا سارق الليلة * أو مجرى الفاعل كما في قولك ~~نهاره صائم أي إن علمتم أو ظننتم تأكد المخالفة بحيث لا يقدر الزوج على ~~إزالتها «فابعثوا» أي إلى الزوجين لإصلاح ذات البين «حكما» رجلا وسطا صالحا ~~للحكومة والإصلاح «من أهله» من أهل الزوج «وحكما» آخر على صفة الأول «من ~~أهلها» فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح وهذا على وجه ~~الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز واختلف في أنهما هل يليان الجمع ~~والتفريق إن رأيا ذلك فقيل لهما ذلك وهو المروى عن على رضى الله عنه وبه ~~قال الشعبي وعن الحسن يجمعان ولا يفرقان وقال مالك لهما أن يتخالعا إن كان ~~الصلاح فيه «إن يريدا» أي الحكمان «إصلاحا» أي إن قصدا إصلاح ذات البين ~~وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى «يوفق الله بينهما» ~~يوقع بين الزوجين الموافقة ms0685 والألفة وألقى في نفوسهما المودة والرأفة وعدم ~~التعرض لذكر عدم إرادتهما الإصلاح لما ذكر من الإيذان بان ذلك ليس مما ~~ينبغي أن يفرض صدوره عنهما وأن الذي يليق بشأنهما ويتوقع صدوره عنهما هو ~~إرادة الإصلاح وفيه مزيد ترغيب للحكمين في الإصلاح وتحذير عن المساهلة كيلا ~~ينسب اختلال الأمر إلى عدم إرادتهما فإن الشرطية الناطقة بدور أن وجود ~~التوفيق على وجود الإرادة منبئة عن دوران عدمه على عدمها وقيل كلا الضميرين ~~للحكمين أي إن قصد الإصلاح يوفق الله بينهما فتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما ~~وقيل كلاهما للزوجين أي إن أرادا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله ~~تعالى بينهما الألفة والوفاق وفيه تنبيه على ان من أصلح نيته فيما يتوخاه ~~وفقه الله لمبتغاه «إن الله كان عليما خبيرا» بالظواهر والبواطن فيعلم كيف ~~يرفع الشقاق ويوقع الوفاق «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا» كلام مبتدأ ~~مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقارب ونحوهم أثر بيان ~~الأحكام المتعلقة بحقوق الأزواج صدر بما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي ~~آكد الحقوق وأعظمهما تنبيها على جلالة شأن حقوق الوالدين بنظمها في سلكها ~~كما في سائر المواقع وشيئا نصب على أنه مفعول أي لا تشركوا به شيئا من ~~الأشياء صنما أو غيره أو على أنه مصدر أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك ~~جليا أو خفيا «وبالوالدين إحسانا» أي أحسنوا بهما إحسانا PageV02P175 # «وبذي القربى» أي بصاحب القرابة من أخ أو عم أو خال أو نحو ذلك «واليتامى ~~والمساكين» من الأجانب «والجار ذي القربى» أي الذي قرب جواره وقيل الذي له ~~مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وقرئ بالنصب على الاختصاص تعظيما لحق ~~الجار ذي القربى «والجار الجنب» أي البعيد أو الذي لا قرابة له وعنه عليه ~~الصلاة والسلام الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة ~~وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام وجار له حق واحد وهو حق ~~الجوار وهو الجار من أهل الكتاب وقرئ والجار الجنب «والصاحب بالجنب» أي ms0686 ~~الرفيق في امر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فإنه صحبك وحصل بجانبك ومنهم من ~~قعد بجنبك في مسجد أو مجلس أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه وقيل ~~هي المرأة «وابن السبيل» هو المسافر المنقطع به أو الضيف «وما ملكت ~~أيمانكم» من العبيد والإماء «إن الله لا يحب من كان مختالا» أي متكبرا يأنف ~~عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم «فخورا» يتفاخر عليهم والجملة ~~تعليل للآمر السابق «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» بضم الباء وسكون ~~الخاء وقرئ بفتح الأول وبفتحهما وبضمهما والموصول بدل من قوله تعالى من كان ~~أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم الذين أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين ~~يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقاء بكل ملامة «ويكتمون ما آتاهم الله من فضله» ~~أي من المال والغنى أو من نعوته عليه السلام التي بينها لهم في التوراة وهو ~~أنسب بأمرهم للناس بالبخل فإن أحبارهم كانوا يكتمونها ويأمرون أعقابهم ~~بكتمها «وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا» وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن ~~من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى ومن كان كافرا بنعمة الله تعالى فله ~~عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء والآية نزلت في طائفة من ~~اليهود وكانوا يقولون للأنصار بطريق النصيحة لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى ~~عليكم الفقر وقيل في الذين كتموا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والجملة ~~اعتراض تذييلى مقرر لما قبلها «والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس» اى ~~للفخار وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا لابتغاء وجه الله تعالى وهو عطف على ~~الذين يبخلون أو على الكافرين وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل ~~والسرف الذي هو الإنفاق فيما لا ينبغي من حيث أنهما طرفا تفريط وإفراط سواء ~~في القبح واستتباع اللائمة والذم ويجوز أن يكون العطف بناء على إجراء ~~التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي كما في قوله * إلى الملك القرم وابن ~~الهمام * وليث الكتائب في المزدحم * أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه قوله ~~تعالى ومن يكن الخ كأنه قيل ms0687 والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس «ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر» PageV02P176 # ليتحروا بالإنفاق مراضيه تعالى وثوابه وهم مشركو مكة المنفقون أموالهم في ~~عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل المنافقون «ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا» أي فقرينهم الشيطان وإنما حذف للإيذان بظهوره واستغنائه ~~عن التصريح به والمراد به إبليس وأعوانه حيث حملوها على تلك القبائح ~~وزينوها لهم كما في قوله تعالى «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين» ويجوز ~~ان يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار «وماذا عليهم» أي على من ~~ذكر من الطوائف «لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا من ما رزقهم الله» أي ~~ابتغاء لوجه الله تعالى وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل السابق ~~واكتفاء بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر فإنه يقتضى أن يكون الأنفاق ~~لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة أي ما الذي عليهم أو وأي تبعه ووبال ~~عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان ~~المنفعة والاعتقاد في الشئ بخلاف ما هو عليه وتحريض على التفكر لطلب الجواب ~~لعله يؤدى بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة ~~وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا فكيف ~~إذا كان فيه منافع لا تحصى وتقديم الإيمان بهما لأهمية في نفسه ولعدم ~~الاعتداد بالإنفاق بدونه وإما تقديم إنفاقهم رئاء الناس على عدم إيمانهم ~~بهما مع كون المؤخر أقبح من المقدم فلرعاية المناسبة بين إنفاقهم ذلك وبين ~~ما قبله من بخلهم وأمرهم للناس به «وكان الله بهم» وبأحوالهم المحققة ~~«عليما» فهو وعيد لهم بالعقاب أو بأعمالهم المفروضة فهو بيان لإثابته تعالى ~~إياهم لو كانوا قد آمنوا وأنفقوا كما ينبئ عنه قوله تعالى «إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة» المثقال مفعال من الثقل كالمقدار من القدر وانتصابه على أنه نعت ~~للمفعول قائم مقامه سواء كان الظلم بمعنى النقص أو بمعنى وضع الشئ في غير ~~موضعه أي لا ينقص من الأجر ولا يزيد ms0688 في العقاب شيئا مقدار ذرة أو على انه ~~نعت للمصدر المحذوف نائب منابه أي لا يظلم ظلما مقدار ذرة وهي النملة ~~الصغيرة أو كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة وهو الأنسب بمقام المبالغة فإن ~~قلته في الثقل أظهر من قلة النملة فيه وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه ~~أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال كل واحد من هؤلاء ذرة «وإن تك حسنة» أي ~~وإن تك مثقال ذرة حسنة أنث لتأنيث الخبر أو لإضافته إلى الذرة وحذف النون ~~من غير قياس تشبيها بحروف العلة وتخفيفا لكثرة الاستعمال وقرئ حسنة بالرفع ~~على أن كان تامة «يضاعفها» أي يضاعف ثوابها جعل ذلك مضاعفة لنفس الحسنة ~~تنبيها على كمال الاتصال بينهما كأنهما شئ واحد وقرئ يضعفها وكلاهما بمعنى ~~واحد وقرئ نضاعفها بنون العظمة على طريقة الالتفات عن عثمان النهدي أنه قال ~~لأبى هريرة رضى الله عنه بلغني عنك انك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن الله تعالى يعطى عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة قال أبو ~~هريرة لابل سمعته صلى الله عليه وسلم يقول PageV02P177 # يعطيه ألفي ألف حسنة ثم تلا هذه الآية الكريمة والمراد الكثرة لا التحديد ~~«ويؤت من لدنه» ويعط صاحبها من عنده على نهج التفضل زائدا على ما وعده في ~~مقابلة العمل «أجرا عظيما» عطاء جزيلا وإنما سماه اجرا لكونه تابعا للأجر ~~مزيدا عليه «فكيف» محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف وإما النصب ~~بفعل محذوف على التشبيه بالحال كما هو رأى سيبويه أو على التشبيه بالظرف ~~كما هو رأى الأخفش أي فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم أو ~~كيف يصنعون «إذا جئنا» يوم القيامة من كل أمة من الأمم «بشهيد» يشهد عليهم ~~بكا كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال وهو نبيهم كما في قوله ~~تعالى «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم» والعامل في الظرف مضمون المبتدأ ~~والخبر من هول الأمر وعظم الشأن أو الفعل المقدر ومن متعلقة بجئنا «وجئنا ms0689 ~~بك» يا محمد «على هؤلاء» إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر «شهيدا» ~~تشهد على صدقهم لعلمك بعقائدهم لاستجماع شرعك لمجامع قواعدهم وقيل إلى ~~المكذبين المستفهم عن حالهم تشهد عليهم بالكفر والعصيان كما يشهد سائر ~~الأنبياء على أممهم وقيل إلى المؤمنين كما في قوله تعالى «لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» «يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول» ~~استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله تعالى فكيف فإن ~~أريد بهم المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالتعبير عنهم بالموصول ~~لا سيما بعد الإشارة إليهم بهولاء لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما ~~اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل وإيراده عليه السلام بعنوان ~~الرسالة لتشريفة وزيادة تقبيح حال مكذبيه فإن حق الرسول أن يؤمن به ويطاع ~~لا أن يكفر به ويعصى وإن أريد بهم جنس الكفرة فهم داخلون في زمرتهم دخولا ~~أولياء والمراد بالرسول حينئذ الجنس المنتظم للنبي عليه السلام انتظاما ~~أوليا وأيا ما كان ففيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال مالا يقادر قدره وقوله ~~تعالى وعصوا عطف على كفروا داخل معه في الصلة والمراد معاصيهم المغايرة ~~لكفرهم ففيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة ~~وقيل حال من ضمير كفروا وقيل صلة لموصول آخر أي يود في ذلك اليوم الذين ~~جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول أو الذين كفروا وقد عصوا الرسول أو الذين ~~كفروا والذين عصوا الرسول ولو في قوله تعالى «لو تسوى بهم الأرض» إن جعلت ~~مصدرية فالجملة مفعول ليود أي يودون ان يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى ~~وقيل يودون انهم لم يبعثوا أو لم يحلقوا وكأنهم والأرض سواء وقيل تصير ~~البهائم ترابا فيودون حالها وإن جعلت جارية على بابها فالمفعول محذوف ~~لدلالة الجملة عليه اى يودون تسوية الأرض وجواب لو أيضا محذوف إيذانا بغاية ~~ظهوره أي لسروا بذلك وقوله تعالى «ولا يكتمون الله حديثا» عطف على يود أي ~~ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم وقيل الواو للحال ~~PageV02P178 # أي ms0690 يودون ان يدفنون في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثا ولا يكذبونه ~~بقولهم والله رنبا ما كنا مشركين إذ روى أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على ~~أفواهم فتشهد عليهم جوارحهم فيشتد الامر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض ~~وقرئ تسوى على أن أصله تتسوى فأدغم التاء في السين وقرئ تسوى بحذف التاء ~~الثانية يقال سويته فتسوى «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون» لما نهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا ~~ههنا عما يؤدى إليه من حيث لا يحتسبون فإنه روى أن عبد الرحمن بن عوف رضى ~~الله عنه صنع طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فدعا نفرا من الصحابة رضى ~~الله عنهم فأكلوا وشربوا حتى ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلى ~~بهم فقرأ أعبد ما تعبدون فنزلت وتصدير الكلام بحر في النداء والتنبية ~~للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهى عن قربان المساجد لقوله عليه ~~السلام جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ويأباه قوله تعالى حتى تعلموا ما ~~تقولون فالمعنى لا تقيموها في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه ~~إذ بتلك التجربة يظهر انهم يعلمون ما سيقرءونه في الصلاة وحمل ما تقولون ~~على ما في الصلاة يستدعى تقدم الشروع فيها على غاية النهى وحمل العلم على ~~ما بالقوة على معنى حتى تكونوا بحيث تعلمون ما ستقرءون في الصلاة تطويل بلا ~~طائل لأن تلك الحيثية إنما تظهر بما ذكر من التجربة على إيثار ما تقولون ~~على ما تقرءون حينئذ يكون عاريا عن الداعي وقيل المراد بالسكر سكر النعاس ~~وغلبة النوم وأيا ما كان فليس مرجع النهى هو المقيد مع كأنه قيل يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسكروا في أوقات الصلاة وقد روى انهم كانوا بعد ما نزلت ~~الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون ~~إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون «ولا جنبا» عطف على قوله تعالى ~~وأنتم سكارى فإنه في حيز ms0691 النصب كأنه قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا ~~والجنب من أصابه الجنابة يستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع لجريانه ~~مجرى المصدر «إلا عابري سبيل» استثناء مفرغ من أعم الأحوال محلة النصب على ~~أنه حال من ضمير لا تقربوا باعتبار تقيده بالحال الثانية دون الأولى ~~والعامل فيه فعل النهى أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الحوال إلا حال ~~كونكم مسافرين على معنى أن في حالة السفر ينتهى حكم النهى لكن لا بطريق ~~شمول النفي لجميع صورها بل بطريق نفى الشمول في الجلمة من غير دلالة على ~~انتفاء خصوصية البعض المنتفى ولا على بقاء خصوصية PageV02P179 # البعض الباقي ولا على ثبوت نقيضه لا كليا ولا جزئيا فإن الاستثناء لا يدل ~~على ذلك عبارة نعم يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية ~~يكتفى بها في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية فإن ملاك ~~الأمر في ذلك إنما هو الدليل وقد ورد عقيبه على طريقة البيان وقيل هو صفة ~~لجنبا على أن إلى بعني غير أي وإلا جنبا غير عابري سبيل ومن حمل الصلاة على ~~مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها وجوز للجنب عبور المسجد وبه قال الشافعي ~~رحمة الله وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه وقيل إن ~~رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ~~ممرا إلا في المسجد فرخص لهم ذلك «حتى تغتسلوا» غاية للنهي عن قربان الصلاة ~~حالة الجنابة ولعل تقديم الاستثناء عليه للإيذان من أول الأمر بأن حكم ~~النهى في هذه الصورة ليس على الإطلاق كما في صورة السكر تشويقا إلى البيان ~~وروما لزبادة تقرره في الأذهان وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلى حقه ~~أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه وأن يزكى نفسه عما يدنسها ولا يكتفى بأدنى ~~مراتب التزكية عند إمكان أعاليها «وإن كنتم مرضى» شروع في تفصيل ما أجمل في ~~الاستئناف وبيان ما هو في حكم المستثنى من الأعذار والاقتصار فيما قبل على ms0692 ~~استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر ~~الغالب المنبئ عن الضرورة التي عليها يدور أمر الرخصة كأنه قيل ولا جنبا ~~الا مضطرين وإليه مرجع ما قيل من انه جعل عابري سبيل كناية عن مطلق ~~المعذورين والمراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقا سواء كان ذلك ~~بتعذر الوصول التي اليه أو بتعذر استعماله «أو على سفر» عطف على مرضى أي أو ~~كنتم على سفر ما طال أو قصر وإيراده صريحا مع سبق ذكره بطريق الاستثناء ~~لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته فإن الاستثناء كما أشير اليه بمعزل ~~من الدلالة على ثبوته فضلا عن الدلالة على كيفيته وتقديم المرض عليه ~~للإيذان بأصالته واستقلاله بأحكام لا توجد في غيره كالاشتداد باستعمال ~~الماء ونحوه «أو جاء أحد منكم من الغائط» هو المكان الغائر المطمئن والمجئ ~~منه كناية عن الحدث لأن المعتاد أن من يريده يذهب اليه ليواري شخصه عن أعين ~~الناس وإسناد المجئ منه إلى واحد منهم من المخاطبين دونهم للتفادى عن ~~التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح به وكذلك إيثار ~~الكناية فيما عطف عليه من قوله عز وجل «أو لامستم النساء» على التصريح ~~بالجماع ونظمهما في سلك سببي سقوط الطهارة والمصير إلى التيمم مع كونهما ~~سببي وجوبها ليس باعتبار أنفسهما بل باعتبار قيدهما المستفاد من قوله تعالى ~~«فلم تجدوا ماء» بل هو السبب في الحقيقة وإنما ذكرا تمهيدا له وتنبيها على ~~أنه سبب للرخصة بعد انعقاد سبب الطهارة الصغرى والكبرى كأنه قيل أو لم ~~تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما ~~يوجب استعماله وتخصيص ذكره بهذه الصورة مع أنه معتبر في صورة المرض والسفر ~~أيضا لندرة وقوعه فيها واستغنائهما عن ذكره إما لان الجنابة معتبرة فيهما ~~قطعا فيعلم من حكمها حكم الحدث الأصغر بدلالة النص لان تقدير النظم لا ~~تقربوا الصلاة في حال الجناية إلا حال كونكم مسافرين فإن كنتم كذلك أو كنتم ~~مرضى الخ وإما لما ms0693 قيل من أن عموم إعواز الماء في حق المسافر غالب والعجز ~~عن استعمال الماء القائم مقام عدمه في حق المريض مغن عن ذكره لفظا وما قيل ~~من أن هذا القيد راجع إلى الكل وأن قيد وجوب التطهر المكنى عنه بالمجئ من ~~الغائط والملامسة PageV02P180 # معتبر في الكل مما لا يساعده النظم الكريم «فتيمموا صعيدا طيبا» فتعمدوا ~~شيئا من وجه الأرض طاهرا قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا أو غيره وإن ~~كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله وعند الشافعي رحمه الله لا بد أن يعلق باليد شئ ~~من التراب «فامسحوا بوجوهكم وأيديكم» أي إلى المرفقين لما روى أنه صلى الله ~~عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه ولأنه بدل من الوضوء فيتقدر بقدره «إن ~~الله كان عفوا غفورا» تعليل للترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن من عادته ~~المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسرا لا معسرا ~~وقيل هو كناية عنهما فإن الترفيه والمسامحة من روادف العفو وتوابع الغفران ~~«ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب» كلام مستأنف مسوق لتعجيب ~~المؤمنين من سوء حالهم والتحذير عن موالاتهم والخطاب لكل من يتأتى منه ~~الرؤية من المؤمنين وتوجيهه إليه ههنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معا ~~للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها ~~كل من يراها والرؤية بصرية أي ألم تنظر إليهم فإنهم أحقا أن تشاهدهم وتتعجب ~~من أحوالهم وتجويز كونها قلبية على أن إلى لتضمنها معنى الانتهاء لما فعلوه ~~يأباه مقام تشهير شنائعهم ونظمها في سلك الأمور المشاهدة والمراد بهم أحبار ~~اليهود روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت في حبرين من أحبار اليهود ~~كانا يأتيان رأس المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه يثبطانهم عن الإسلام وعنه ~~رضى الله عنه أيضا أنها نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم كانا إذا تكلم ~~رسول الله صلى ms0694 الله عليه وسلم لويا لسانهما وعاباه والمراد بالكتاب هو ~~التوراة وحمله على جنس الكتاب المنتظم لها انتظاما أوليا تطويل للمسافة ~~وبالذي أوتوه ما بين لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه ~~من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة الإسلام والتعبير عنه بالنصيب ~~المنبئ عن كونه حقا من حقوقهم التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان ~~بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا وتنوينه تفخيمي مؤيد للتشنيع عليهم ~~والتعجيب من حاله فالتعبير عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على ~~كمال شناعتهم والإشعار بمكان ما طوى ذكره في المعاملة المحكية عنهم من ~~الهدى الذي هو أحد العوضين وكلمه من متعلقة إما بأوتوا أو بمحذوف وقع صفة ~~لنصيبا مبينة لفخامته الإضافيه إثر بيان فخامته الذاتية أي نصيبا كائنا من ~~الكتاب وقوله تعالى «يشترون الضلالة» قيل هو حال مقدرة من واو أوتوا ولا ~~ريب في أن اعتبار تقدير اشترائهم وأنت خبير بأنه خال عن إفادة أن مادة ~~التشنيع والتعجيب هو الاشتراء المذكور وما عطف عليه والذي تقتضيه جزالة ~~النظم الكريم أنه استئناف مبين لمناط التشنيع ومدار التعجيب المفهومين من ~~صدر الكلام على وجه الإجمال والإبهام مبنى على سئوال نشأ منه كأنه قيل ماذا ~~يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهداية ~~وإنما طوى المتروك لغاية ظهور الأمر لا سيما بعد الإشعار المذكور والتعبير ~~عن ذلك بالاشتراء الذي هو عبارة عن PageV02P181 # استبدال السلعة بالثمن أي أخذها بدلا منه أخذا ناشئا عن الرغبة فيها ~~والإعراض عنه للإيذان بكمال رغبتهم في الضلالة التي حقها أن يعرض عنها كل ~~الإعراض وإعراضهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون وفيه من التسجيل ~~على نهاية سخافة عقولهم وغاية ركاكة آرائهم ما لا يخفى حيث صورت حالهم ~~بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز وليس المراد بالضلالة ~~جنسها الحاصل لهم من قبل حتى يخل بمعنى الاشتراء المنبئ عن تأخرها عنه بل ~~هو فردها الكامل وهو عنادهم وتماديهم في الكفر بعد ما علموا ms0695 بشأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتيقنوا بحقية دينه وأنه هو النبي العربي المبشر به في ~~التوراة ولا ريب في أن هذه الرتبة لم تكن حاصلة لهم قبل ذلك وقد مر في ~~أوائل سورة البقرة «ويريدون» عطف على يشترون شريك له في بيان محل التشنيع ~~والتعجيب وصيغة المضارع فيهما للدلالة على الاستمرار التجددي فإن تجدد حكم ~~اشترائهم المذكور وتكرر العمل بموجبه في قوة تجدد نفسه وتكرره أي لا يكتفون ~~بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا من كتمان نعوته عليه السلام «أن تضلوا» ~~أنتم أيضا أيها المؤمنون «السبيل» المستقيم الموصل إلى الحق «والله أعلم» ~~أي منكم «بأعدائكم» جميعا ومن جملتهم هؤلاء وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما ~~يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم أو هو أعلم بحالهم ومآل ~~أمرهم والجملة معترضة لتقرير ارادتهم المذكورة «وكفى بالله وليا» في جميع ~~أموركم ومصالحكم «وكفى بالله نصيرا» في كل المواطن فثقوا به واكتفوا ~~بولايته ونصرته ولا تتولوا ولا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء فإنه ~~تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم ففيه وعد ووعيد والباء مزيدة في فاعل كفى لتأكيد ~~الاتصال الإسنادي بالاتصال الإضافي وتكرير الفعل في الجملتين مع إظهار ~~الجلالة في مقام الإضمار لا سيما في الثاني لتقوية استقلالها المناسب ~~للإعتراض وتأكيد كفايته عز وجل في كل من الولاية والنصرة والإ شعار ~~بعليتهما فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة «من الذين هادوا» قيل هو بيان ~~لأعدائكم وما بينهما اعتراض وفيه أنه لا وجه لتخصيص علمه سبحانه بطائفة من ~~أعدائهم لا سيما في معرض الاعتراض الذي حقه العموم والإطلاق وانتظام ما هو ~~المقصود في المقام إنتظاما أوليا كما أشير اليه وقيل هو صلة لنصير أي ~~ينصركم من الذين هادوا كما في قوله تعالى «فمن ينصرني من الله» وفيه ما فيه ~~من تحجير واسع نصرته عز وجل مع أنه لا داعي إلى وضع الموصول موضع ضمير ~~الأعداء لأن ما في حيز الصلة ليس بوصف ملائم للنصر وقيل هو خبر مبتدأ محذوف ~~وقع قوله تعالى «يحرفون الكلم ms0696 عن مواضعه» صفة له أي من الذين هادوا قوم أو ~~فريق يحرفون الخ وفيه أنه يقتضي كون الفريق السابق بمعزل من التحريف الذي ~~هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة فالذي يليق بشأن PageV02P182 # التنزيل الجليل أنه بيان للموصول الأول المتناول بحسب المفهوم لأهل ~~الكتابين قد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب ~~والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم وتحذيرهم عن مخالطتهم والاهتمام بحملهم ~~على الثقة بالله عز وجل والاكتفاء بولايته ونصرته وأن قوله تعالى يحرفون ~~وما عطف عليه بيان لإشترائهم المذكور وتفصيل لفنون ضلالتهم وقدر وعيت في ~~النظم الكريم طريقة التفسير بعد الإبهام والتفصيل إثر الإجمال وما لزيادة ~~تقرير يقتضيه الحال والكلم اسم جنس واحده كلمة كتمر وتمرة وتذكير ضميره ~~باعتبار أفراده لفظا وجمعية مواضعه باعتبار تعدده معنى وقرئ بكسر الكاف ~~وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة وقرئ يحرفون الكلام والمراد به ههنا إما ~~ما في التوراة خاصة وإما ما هو أعم منه ومما سيحكى عنهم من الكلمات ~~المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا مساغ لإرادة تلك الكلمات خاصة بأن يجعل عطف قوله تعالى «ويقولون سمعنا ~~وعصينا» الخ على ما قبله عطفا تفسيريا لما ستقف على سره فإن أريد به الأول ~~كما هو رأي الجمهور فتحريفه إزالته عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من ~~التوراة كتحريفهم في نعت النبي صلى الله عليه وسلم أسمر ربعة عن موضعه في ~~التوراة بأن وضعوا مكانه آدم طوال وكتحريفهم الرجم بوضعهم بدله الحد أو ~~صرفه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى مالا صحة له بالتأويلات ~~الزائغة الملائمة لشهواتهم الباطلة وإن أريد به الثاني فلا بد من أن يراد ~~بمواضعه ما يليق به مطلقا سواء كان ذلك بتعيينه تعالى صريحا كمواضع ما في ~~التوراة أو بتعيين العقل أو الدين كمواضع غيره وأياما كان فقولهم سمعنا ~~وعصينا ينبغي ان يجري على إطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ولا تخصيص ~~بمادة دون مادة بل وأن ms0697 يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقي ومما يترجم عنه ~~عنادهم ومكابرتهم ليندرج فيه ما نطقت به ألسنة حالهم عند تحريف التوراة فإن ~~من لا يتفوه بتلك العظيمة لا يكاد يتجاسر على مثل هذه الجناية وإلا فحمله ~~على ما قالوه في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم من القبائح خاصة يستدعي ~~اختصاص حكم الشرطية الآتية وما بعدها بهن من غير تعرض لتحريفهم التوراة مع ~~أنه معظم جنايتهم المعدودة ومن ههنا انكشف لك السر الموعود فتأمل أي يقولون ~~في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أولا بلسان المقال أو الحال سمعنا وعصينا عنادا وتحقيقا للمخالفة وقوله ~~تعالى «واسمع غير مسمع» عطف على سمعنا وعصينا داخل تحت القول أي ويقولون ~~ذلك في أثناء مخاطبته صلى الله عليه وسلم خاصة وهو كلام ذو وجهين محتمل ~~للشر بأن يحمل على معنى اسمع حال كونك غير مسمع كلاما أصلا بصمم أو موت أي ~~مدعوا عليك بلا سمعت أو غير مسمع كلاما ترضاه فحينئذ يجوز أن يكون نصبه على ~~المفعولية وللخير بأن يحمل على اسمع منا غير مسمع مكروها كانوا يخاطبون به ~~النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به مظهرين له صلى الله عليه وسلم إرادة ~~المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول مطمئنون به «وراعنا» عطف ~~على اسمع غير مسمع أي ويقولون في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا ~~أيضا يوردون كلا من العظائم الثلاث في مواقعها وهي أيضا كلمة ذات وجهين ~~محتملة للخير بحملها على معنى ارقبنا وانظرنا نكلمك وللشر يحملها على السب ~~بالرعونة أي الحمق أو بإجرائها مجرى ما يشبهها من كلمة عبرانية أو سريانية ~~كانوا يتسابون بها وهي راعينا كانوا يخاطبونه صلى الله عليه وسلم بذلك ~~ينوون الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والاحترام ومصيرهم إلى مسلك النفاق ~~في PageV02P183 # القولين الأخيرين مع تصريحهم بالعصيان في الأول لما قالوا من أن جميع ~~الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء ~~وقيل كانوا ms0698 يقولون الأول فيما بينهم وقيل يجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم ~~لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به «ليا بألسنتهم» أي فتلا بها وصرفا ~~للكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا أسمعت مكروها ~~وأجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا أو فتلا بها وضما لما يظهرونه ~~من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير «وطعنا في الدين» أي ~~قدحا فيه بالإستهزاء والسخرية وانتصابهما على العلية ليقولون باعتبار تعلقه ~~بالقولين الأخيرين أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن وجهه إلى السب والطعن في ~~الدين أو على الحالية أي لاوين وطاعنين في الدين «ولو أنهم» عندما سمعوا ~~شيئا من أوامر الله تعالى ونواهيه «قالوا» بلسان المقال أو بلسان الحال ~~مكان قولهم سمعنا وعصينا «سمعنا وأطعنا» إنما أعيد سمعنا مع أنه متحقق في ~~كلامهم وإنما الحاجة إلى وضع أطعنا مكان عصينا لا للتنبيه على عدم اعتباره ~~بل على اعتبار عدمه كيف لا وسماعهم سماع الرد ومرادهم بحكايته إعلام ~~عصيانهم للأمر بعد سماعه والوقوف عليه فلا بد من إزالته وإقامة سماع القبول ~~مقامه «واسمع» أي لو قالوا عند مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بدل قولهم ~~اسمع غير مسمع اسمع «وانظرنا» أي ولو قالوا ذلك بدل قولهم راعنا ولم يدسوا ~~تحت كلامهم شرا وفسادا أي لو ثبت أنهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال ~~«لكان» قولهم ذلك «خيرا لهم» مما قالوا «وأقوم» أي أعدل وأسد في نفسه وصيغة ~~التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفضل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم ~~أو بطريق التهكم وإما بمعنى اسم الفاعل وإنما قدم في البيان حاله بالنسبة ~~إليهم على حاله في نفسه لأن هممهم مقصورة على ما ينفعهم «ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم» أي ولكن لم يقولوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم الله تعالى ~~وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم بذلك «فلا يؤمنون» بعد ذلك «إلا قليلا» قيل أي ~~إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل أو إلا زمانا ms0699 ~~قليلا وهو زمان الاحتضار فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمان قال تعالى وإن ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته وكلاهما ليس بإيمان قطعا وقد جوز أن ~~يراد بالقلة العدم بالكلية على طريقة قوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى أي إن كان الإيمان المعدوم إيمانا فهم يحدثون شيئا من ~~الإيمان فهو في المعنى تعليق بالمحال وأنت خبير بأن الكل يأباه ما يعقبه من ~~الأمر بالإيمان بالقرآن الناطق بهذا لإفضائه إلى التكليف بالمحال الذي هو ~~إيمانهم بعدم إيمانهم المستمر أما على الوجه الأخير فظاهر واما على الأولين ~~فلأن أمرهم بالإيمان المنجز بجميع الكتب والرسل تكليف لهم بإيمانهم بعدم ~~إيمانهم إلى وقت الاحتضار فالوجه أن يحمل القليل على من يؤمن بعد ذلك لكن ~~لا يجعل المستثنى منه ضمير الفاعل في لا يؤمنون لإفضائه إلى وقوع إيمان من ~~لعنة الله تعالى وخذله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير ~~المختار بل بجعله ضمير المفعول في لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا ~~قليلا فإنه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليهم باب الإيمان وقد آمن بعد ذلك ~~فريق من الأحبار كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما كما سيأتي PageV02P184 # «يا أيها الذين أوتوا الكتاب» تلوين للخطاب وتوجيه له إما إلى من حكيت ~~أحوالهم وأقوالهم خاصة بطريق الالتفات ووصفهم تارة بإيتاء الكتاب أي ~~التوراة وأخرى بإيتاء نصيب منها لتوفيه كل من المقامين حقه فإن المقصود ~~فيما سبق بيان اخذهم الضلالة وإزالة ما أوتوه بمقابلتها بالتحريف وليس ما ~~أزالوه بذلك كلها حتى يوصفوا بإيتائه بل هو بعضها فوصفوا بإيتائه وأما ههنا ~~فالمقصود تأكيد إيجاب الامتثال بالأمر الذي يعقبه والتحذير عن مخالفته من ~~حيث إن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه والكفر بالثاني مقتض للكفر ~~بالأول قطعا ولا ريب في ان المحذور عندهم إنما هو لزوم الكفر بالتوراة ~~نفسها لا ببعضها وذلك إنما يتحقق بجعل القرآن مصدقا لكلها وإن كان مناط ~~التصديق بعضا منها ضرورة أن مصدق البعض مصدق للكل المتضمن ms0700 له حتما وإما ~~إليهم وإلى غيرهم قاطبة وهو الأظهر وأياما كان فتفصيل ما فصل لما كان من ~~مظان إقلاع كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة عقب ذلك بالأمر ~~بالمبادرة إلى سلوك محجة الهداية مشفوعا بالوعيد الشديد على المخالفة فقيل ~~«آمنوا بما نزلنا» من القرآن عبر عنه بالموصول تشريفا له بما في حيز الصلة ~~وتحقيقا لكونه من عنده عز وجل «مصدقا لما معكم» من التوراة عبر عنها بذلك ~~للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال فإن المعية المستدعية لدوام تلاوتها ~~وتكرير المراجعة إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدي إلى ~~العلم بكون القرآن مصدقا لها ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها ~~أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين ~~الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات ~~الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عين ~~الموافقة من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي عليها ~~يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم ~~نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لو كان موسى ~~حيا لما وسعه إلا اتباعي «من قبل أن نطمس وجوها» متعلق بالأمر مفيد ~~للمسارعة إلى الامتثال به والجد في الانتهاء عن مخالفته بما فيه من الوعيد ~~الشديد الوارد على أبلغ وجه وآكده حيث لم يعلق وقوع المتوعد به بالمخالفة ~~ولم يصرح بوقوعه عندها تنبيها على أن ذلك أمر محقق غني عن الإخبار به وانه ~~على شرف الوقوع متوجه نحو المخاطبين وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل ~~للخطب وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان وأصل الطمس ~~محو الآثار وإزالة الأعلام أي آمنوا من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونزيل ~~آثارها قال ابن عباس رضي الله عنهما نجعلها كخف البعير أو كحافر الدابة ~~وقال قتادة والضحاك نعميها كقوله تعالى «فطمسنا أعينهم» وقيل نجعلها منابت ~~الشعر ms0701 كوجوه القردة «فنردها على أدبارها» فنجعلها على هيئة أدبارها ~~وأقفائها مطموسة مثلها فالفاء للتسبيب أو ننكسها بعد الطمس فنردها إلى موضع ~~PageV02P185 # الأقفاء والأقفاء إلى موضعها وقد اكتفى بذكر أشدهما فالفاء للتعقيب وقيل ~~المراد بالوجوه الوجهاء على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير أي من قبل أن نغير ~~أحوال وجهائهم فنسلب إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارا وأدبارا أو نردهم من ~~حيث جاءوا منه وهي أذرعات الشأم فالمراد بذلك إجلاء بني النضير ولا يخفى ~~أنه لا يساعده مقام تشديد الوعيد وتعميم التهديد للجميع فالوجه ما سبق من ~~الوجوه وقد اختلف في أن الوعيد هل كان بوقوعه في الدنيا أو في الآخرة فقيل ~~كان بوقوعه في الدنيا ويؤيده ما روى أن عبد الله ابن سلام رضي الله تعالى ~~عنه لما قدم من الشأم وقد سمع هذه الآية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يأتي أهله فأسلم وقال يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى ~~يتحول وجهي إلى قفاي وفي رواية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويده على ~~وجهه وأسلم وقال ما قال وكذا ما روى أن عمر رضي الله عنه قرأ هذه الآية على ~~كعب الأحبار فقال كعب يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها ثم ~~اختلفوا فقيل إنه منتظر بعد ولابد من طمس في اليهود ومسخ وهو قول المبرد ~~وفيه أن انصراف العذاب الموعود عن أوائلهم وهم الذين باشروا أسباب نزوله ~~وموجبات حلوله حيث شاهدوا شواهد النبوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكذبوها وفي التوراة فحرفوها وأصروا على الكفر والضلالة وتعلق بهم خطاب ~~المشافهة بالوعيد ثم نزوله على من وجد بعد مئات من السنين من أعقابهم ~~الضالين بإضلالهم العالمين بما مهدوا من قوانين الغواية بعيد من حكمة الله ~~تعالى العزيز الحكيم وقيل إن وقوعه كان مشروطا بعدم الإيمان وقد آمن من ~~أحبارهم المذكوران وأضرابهما فلم يقع وفيه أن إسلام بعضهم إن لم يكن سببا ~~لتأكد نزول العذاب على الباقين لتشديدهم النكير ms0702 والعناد بعد ازدياد الحق ~~وضوحا وقيام الحجة عليهم بشهادة أماثلهم العدول فلا أقل من أن لا يكون سببا ~~لرفعه عنهم وقيل كان الوعيد بوقوع أحد الأمرين كما ينطق به قوله تعالى «أو ~~نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت» فإن لم يقع الأمر الأول فلا نزاع في وقوع ~~الثاني كيف لا وهم ملعونون بكل لسان في كل زمان وتفسير اللعن بالمسخ ليس ~~بمقرر البتة وأنت خبير بأن المتبادر من اللعن المشبه بلعن أصحاب السبت هو ~~المسخ وليس في عطفه على الطمس والرد على الأدبار شائبة دلالة على عدم إرادة ~~المسخ ضرورة أنه تغيير مغاير لما عطف عليه على أن المتوعد به لا بد أن يكون ~~أمرا حادثا مترتبا على الوعيد محذورا عندهم ليكون مزجرة عن مخالفة الأمر ~~ولم يعهد أنه وقع عليهم لعن بهذا الوصف إنما الواقع عليهم ما تداولته ~~الألسنة من اللعن المستمر الذي ألفوه وهو بمعزل من صلاحية ان يكون حكما ~~لهذا الوعيد أو مزجرة للعنيد وقيل إنما كان الوعيد بوقوع ما ذكر في الآخرة ~~عند الحشر وسيقع فيها لا محالة أحد الأمرين أو كلاهما على سبيل التوزيع ~~وأما ما روي عن عبد الله بن سلام وكعب فمبني على الاحتياط اللائق بشأنهما ~~والحق أن النظم الكريم ليس بنص في أحد الوجهين بل المتبادر منه بحسب المقام ~~هو الأول لأنه أدخل في الزجر وعليه مبني ما روي عن الحبرين لكن لما لم يتضح ~~وقوعه علم ان المراد هو الثاني والله تعالى اعلم وأيا ما كان فلعل السر في ~~تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات مراعاة المشاكلة بينهما وبين ما ~~أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والله هو العليم الخبير «وكان ~~أمر الله» أي ما أمر به كائنا ما كان أو أمره بإيقاع شئ ما من الأشياء ~~«مفعولا» نافذا كائنا لا محالة فيدخل فيه ما أوعدتم به PageV02P186 # دخولا أوليا فالجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق ووضع الاسم الجليل موضع ~~الضمير بطريق الالتفات لتربية المهابة وتعليل الحكم وتقوية ما في الاعتراض ~~من ms0703 الاستقلال «إن الله لا يغفر أن يشرك به» كلام مستأنف مسوق لتقرير ما ~~قبله من الوعيد وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ببيان استحالة ~~المغفرة بدونه فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة ~~كما في قوله تعالى «فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى» ~~أي على التحريف «ويقولون سيغفر لنا» والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم ~~لكفر اليهود انتظاما أوليا فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة ~~وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار ونزوله في حق اليهود كما قال مقاتل وهو ~~الأنسب بسياق النظم الكريم وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم بل يكفي اندراجه ~~فيه قطعا بل لا وجه له أصلا لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من ~~أنواع الكفر أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأن الحكمة ~~التشريعية مقتضية لسد باب الكفر وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ~~ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان فمن لم يكن له إيمان لم ~~يغفر له شيء من الكفر والمعاصي «ويغفر ما دون ذلك» عطف على خبر إن وذلك ~~إشارة إلى الشرك وما فيه من معنى البعد مع قربه في الذكر للإيذان ببعد ~~درجته وكونه في أقصى مراتب القبح أي ويغفر ما دونه في القبح من المعاصي ~~صغيرة كانت أو كبيرة تفضلا من لدنه وإحسانا من غير توبة عنها لكن لا لكل ~~أحد بل «لمن يشاء» أي لمن يشاء أن يغفر له ممن اتصف به فقط لا بما فوقه فإن ~~مغفرتهما لمن اتصف بهما سواء في استحالة الدخول تحت المشيئة المبنية على ~~الحكمة التشريعية فإن اختصاص مغفرة المعاصي من غير توبة بأهل الإيمان من ~~الترغيب فيه والزجر عن الكفر ومن علق المشيئة بكلا الفعلين وجعل الموصول ~~الأول عبارة عمن لم يتب والثاني عمن تاب فقد ضل سواء الصواب كيف لا وأن ~~مساق النظم الكريم لإظهار كمال عظم جريمة الكفر وامتيازه عن سائر المعاصي ~~ببيان استحالة مغفرته وجواز مغفرتها ms0704 فلو كان الجواز على تقدير التوبة لم ~~يظهر بينهما فرق للإجماع على مغفرتهما بالتوبة ولم يحصل ما هو المقصود من ~~الزجر البليغ عن الكفر والطغيان والحمل على التوبة والإيمان «ومن يشرك ~~بالله» إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لزيادة تقبيح الإشراك وتفظيع ~~حال من يتصف به «فقد افترى إثما عظيما» أي افترى واختلق مرتكبا إثما لا ~~يقادر قدره ويستحقر دونه جميع الآثام فلا تتعلق به المغفرة قطعا «ألم تر ~~إلى الذين يزكون أنفسهم» تعجيب من حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر ~~والطغيان والمراد بهم اليهود الذين يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وقيل ناس ~~من اليهود جاءوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هل على ~~هؤلاء ذنب فقال صلى الله عليه وسلم لا قالوا ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا ~~بالنهار كفر PageV02P187 # عنا بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار أي انظر إليهم فتعجب من ~~ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم عليه من الكفر والإثم العظيم ~~أو من ادعائهم التكفير مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه ~~وفيه تحذير من إعجاب المرء بنفسه وبعمله «بل الله يزكي من يشاء» عطف على ~~مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل هم لا يزكونها في الحقيقة لكذبهم وبطلان ~~اعتقادهم بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهلها من المرتضين من عباده ~~المؤمنين إذ هو العليم الخبير بما ينطوي عليه البشر من المحاسن والمساوى ~~وقد وصفهم الله بما هم متصفون به من القبائح وأصل التزكية نفى ما يستقبح ~~بالفعل أو القول «ولا يظلمون» عطف على جملة قد حذفت تعويلا على دلالة الحال ~~عليها وإيذانا بأنها غنية عن الذكر أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا ~~يظلمون في ذلك العقاب «فتيلا» أي أدنى ظلم وأصغره وهو الخيط الذي في شق ~~النواة يضرب به المثل في القلة والحقارة وقيل التقدير يثاب المزكون ولا ~~ينقص من ثوابهم شيء أصلا ولا يساعده مقام الوعيد «انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب» كيف ms0705 نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال على الخلاف المشهور بين ~~سيبويه والأخفش والعامل يفترون وبه تتعلق على أي في أي حال أو على أي حال ~~يفترون عليه تعالى الكذب والمراد بيان شناعة تلك الحال وكمال فظاعتها ~~والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض والنظر متعلق بها وهو تعجيب إثر تعجيب ~~وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجب ادعاؤهم ~~الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه وافتراؤهم على الله سبحانه فإن ادعاءهم ~~الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه إياهم تعالى عن ذلك ~~علوا كبير ولكون هذا أشنع من الأول جرما وأعظم قبحا لما فيه من نسبته ~~سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده ~~ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه وجه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع ~~وتأكيدا للتعجيب والتصريح بالكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا للمبالغة ~~في تقبيح حالهم «وكفى به» أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع ~~قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام «إثما مبينا» ~~ظاهرا بينا كونه إثما والمعنى كفى ذلك وحده في كونهم أشد إثما من كل كفار ~~أثيم أو في استحقاقهم لأشد العقوبات لما مر سره وجعل الضمير لزعمهم مما لا ~~مساغ له لإخلاله بتهويل أمر الافتراء فتدبر «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب» تعجيب من حال أخرى لهم ووصفهم بما ذكر من إيتاء النصيب لما مر ~~من منافاته لما صدر عنهم من القبائح وقوله عز وجل «يؤمنون بالجبت والطاغوت» ~~استئناف مبين لمادة التعجب مبنى على سؤال ينساق إليه الكلام كأنه قيل ماذا ~~يفعلون حين ينظر إليهم فقيل يؤمنون الخ والجبت الأصنام وكل ما عبد من دون ~~الله تعالى فقيل أصله الجبس وهو الذي PageV02P188 # لا خير عنده فأبدل السين تاء وقيل الجبت الساحر بلغة الحبشة والطاغوت ~~الشيطان قيل هو في الأصل كل ما يطغى الإنسان روى أن حيي بن أخطب وكعب بن ~~الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة في سبعين راكبا ms0706 من اليهود ليحالفوا قريشا ~~على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم ~~وبينه صلى الله عليه وسلم فقالوا أنتم أهل الكتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم ~~إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم ~~بالجبت والطاغوت لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا وقال أبو ~~سفيان لكعب أنك أمرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا اهدى ~~طريقا نحن أم محمد فقال ماذا يقول محمد قال يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن ~~الشرك قال ومادينكم قالوا نحن ولاة البيت نسقى الحاج ونقرئ الضيف ونفك ~~العاني وذكروا أفعالهم فقال أنتم أهدى سبيلا وذلك قوله تعالى «ويقولون ~~للذين كفروا» أي لأجلهم وفي حقهم «هؤلاء» يعنونهم «أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا» أي أقوم دينا وأرشد طريقة وإيرادهم بعنوان الإيمان ليس من قبل ~~القائلين بل من جهة الله تعالى تعريفا لهم بالوصف الجميل وتخطئة لمن رجح ~~عليهم المتصفين بأقبح القبائح «أولئك» إشارة إلى القائلين وما فيه من معنى ~~البعد مع قربهم في الذكر للإشعار ببعد منزلتهم في الضلال وهو مبتدأ خبره ~~قوله تعالى «الذين لعنهم الله» أي أبعدهم عن رحمته وطردهم والجملة مستأنفة ~~لبيان حالهم وإظهار مصيرهم ومآلهم «ومن يلعن الله» أي يبعده عن رحمته «فلن ~~تجد له نصيرا» يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويا لا بشفاعة ولا بغيرها ~~وفيه تنصيص على حرمانهم مما طلبوا من قريش وفي كلمة لن وتوجيه الخطاب إلى ~~كل أحد ممن يتسنى له الخطاب وتوحيد النصر منكرا والتعبير عن عدمه بعدم ~~الوجدان المنبئ عن سبق الطلب مسندا إلى المخاطب العام من الدلالة على ~~حرمانهم الأبدي بالكلية ما لا يخفى «أم لهم نصيب من الملك» شروع في تفصيل ~~بعض آخر من قبائحهم وأم منقطعة وما فيها من بل للإضراب والانتقال من ذمهم ~~بتزكيتهم أنفسهم وغيرها مما حكى عنهم إلى ذمهم بادعائهم نصيبا من الملك ~~وبخلهم المفرط وشحهم البالغ والهمزة لإنكار أن يكون لهم ما يدعونه وإبطال ~~ما زعموا أن الملك ms0707 سيصير إليهم وقوله تعالى «فإذا لا يؤتون الناس نقيرا» ~~بيان لعدم استحقاقهم له بل لاستحقاقهم الحرمان منه بسب أنهم من البخل ~~والدناءة بحيث لو أوتوا شيئا من ذلك لما أعطوا الناس منه أقل قليل ومن حق ~~من أوتى الملك أن يؤثر الغير بشئ منه فالفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف ~~أي إن جعل لهم نصيب منه فإذن لا يؤتون الناس مقدار ونقير وهو ما في ظهر ~~النواة من النقرة ويضرب به المثل في القلة والحقارة وهذا هو البيان الكاشف ~~عن كنه حالهم وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهو أذلاء متفاقرون ~~ويجوز أن لا تكون الهمزة لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ عليه أي ~~لعدة منكرا غير لائق بالوقوع على أن الفاء للعطف والإنكار متوجه إلى مجموع ~~المعطوفين على معنى ألهم نصيب وافر من الملك حيث PageV02P189 # كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك فلا يؤتون الناس مع ذلك ~~نقيرا كما تقول لغنى لا يراعى أباه ألك هذا القدر من المال فلا تنفق على ~~أبيك شيئا وفائدة إذن تأكيد الإنكار والتوبيخ حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا ~~للمنع مع كونه سببا للإعطاء وهى ملغاة عن العمل كأنه قيل فلا يؤتون الناس ~~إذن وقرئ فإذن لا يؤتون بالنصيب على إعمالها «أم يحسدون الناس» منقطعة أيضا ~~مفيدة للانتقال من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شر الرذائل ~~وأقبحها لا سيما على ما هم بمعزل من استحقاقه واللام في الناس للعهد ~~والإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وحمله على الجنس ~~إيذانا بحيازتهم الكمالات البشرية قاطبة فكأنهم هم الناس لا غيره لا يلائمه ~~ذكر حديث آل إبراهيم فإن ذلك لتذكير ما بين الفريقين من العلامة الموجبة ~~لاشتراكهما في استحقاق الفضل والهزة لإنكار الواقع واستقباحه فأنهم كانوا ~~يطمعون أن يكون النبي الموعود منهم فلما خص الله تعالى بتلك الكرامة غيرهم ~~حسدوهم أي بل أيحسدونهم «على ما آتاهم الله من فضله» يعنى النبوة والكتاب ~~وازدياد العز والنصر يوما فيوما وقوله تعالى ms0708 تعالى «فقد آتينا» تعليل ~~للإنكار والاستقباح وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم وحسم لمادة حسدهم ~~واستبعادهم المبنيين على توهم عدم استحقاق المحسود لما أوتى من الفضل ببيان ~~استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر وإجراء الكلام على سنن الكبرياء ~~بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر والمعنى أن حسدهم المذكور في ~~غاية القبح والبطلان فإنا قد آتينا من قبل هذا «آل إبراهيم» الذين هم أسلاف ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو أبناء أعمامه «الكتاب والحكمة» أي النبوة ~~«وآتيناهم» مع ذلك «ملكا عظيما» لا يقادر قدره فكيف يستبعدون نوبته صلى ~~الله عليه وسلم ويحسدونه على إيتائها وتكرير الإيتاء لما يقتضيه مقام ~~التفضيل مع الإشعار بما بين النبوة والملك من المغايرة فإن أريد به الإيتاء ~~بالذات فالمراد بآل إبراهيم أنبياؤهم خاصة والضمير المنصوب في الفعل الثاني ~~لبعضهم إما بحذف المضاف أو بطريق الاستخدام لما أن الملك لم يؤت كلهم قال ~~ابن عباس رضى الله عنهما الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان عليهم ~~السلام وإن أريد به ما يعمه وغيره من الإيتاء بالواسطة وهو اللائق بالمقام ~~والأوفق لما قبله من نسبة إيتاء الفضل إلى الناس فالمراد بآل إبراهيم كلهم ~~فإن تشريف البعض بما ذكر من إيتاء النبوة والملك تشريف للكل لاعتنائهم ~~بآثاره واقتباسهم من أنواره وفي تفصيل ما أوتوه وتكرير الفعل ووصف الملك ~~بالعظم وتنكيره التفخيمى منن تأكيد الإلزام وتشديد الإنكار مالا يخفى هذا ~~هو المتبادر من النظم الكريم وإليه جنح جمهور أئمة التفسير لكن الظاهر ~~حينئذ أن يكون قوله تعالى «فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه» حكاية لما صدر ~~عن أسلافهم عقيب وقع المحكى من غير ان يكون له دخل في الإلزام الذي سيق له ~~الكلام أي فمن جنس PageV02P190 # هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما اوتى آل إبراهيم ومنهم من أعرض عنه ~~وأما جعل الضميرين لما ذكر من حديث آل إبراهيم فيستدعى تراخى الآية الكريمة ~~عما قبلها نزولا كيف لا وحكاية إيمانهم بالحديث المذكور وإعراضهم عنه بصيغة ~~الماضي إنما ms0709 يتصور بعد وقوع الإيمان والإعراض المتأخرين عن سماع الحديث ~~المتأخر عن نزوله وكذا جعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ الظاهر بيان ~~حالهم بعد هذا الإلزام وحملة على حكاية حالهم السابقة لا تساعده الفاء ~~المرتبة لما بعدها على ما قبلها ولا يبعد كل البعد ان تكون الهمزة لتقرير ~~حسدهم وتوبيخهم بذلك ويكون قوله تعالى فقد آتينا الآية تعليلا له بدلالته ~~على إعراضهم عما أوتى آل إبراهيم وإن لم يذكر كونه بطريق الحسد كأنه قيل بل ~~أيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ولا يؤمنون به وذلك ديدنهم ~~المستمر فإنا قد آتينا آل إبراهيم ما آتينا فمنهم أي من جنسهم من آمن بما ~~آتيناهم ومنهم من أعرض عنه ولم يؤمن به والله سبحانه أعلم وفيه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «وكفى بجهنم سعيرا» نارا مسعرة يعذبون بها والجملة ~~تذييل لما قبلها «إن الذين كفروا بآياتنا» إن أريد بهم الذين كفروا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فالمراد بالآيات إما القرآن أوما يعم كله وبعضه أو ~~ما يعم سائر معجزاته أيضا وان أريد بهم الجنس المتناول لهم تناولا أوليا ~~فالمراد بالآيات ما يعم المذكورات وسائر الشواهد التي أوتيها الأنبياء ~~عليهم السلام «سوف نصليهم نارا» قال سيبويه سوف كلمة تذكر للتهديد والوعيد ~~وينوب عنها السين وقد يذكران في الوعد فيفيدان التأكيد اى ندخلهم نارا ~~عظيمة هائلة «كلما نضجت جلودهم» أي احترقت وكلما ظرف زمان والعامل فيه ~~«بدلناهم جلودا غيرها» من قبيل بدله بخوفه أمنا لا من قبيل يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا ~~مغايرا للمحترق صورة وإن كان عينه مادة بأن يزال عنه الاحتراق ليعود إحساسه ~~للعذاب والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير نصليهم وقد جوز كونها ~~ضفة لنارا على حذف العائد أي كلما نضجت فيها جلودهم فمعنى قوله تعالى ~~«ليذوقوا العذاب» ليدوم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله وقيل يخلق ~~مكانه جلدا آخر والعذاب للنفس العاصية ms0710 لا لآلة إدراكها قال ابن عباس رضى ~~الله تعالى عنهما يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس وروى أن هذه الآية ~~قرئت عند عمر رضى الله تعالى عنه فقال للقارئ أعدها فأعادها وكان عنده معاذ ~~بن جبل فقال معاذ عندي تفسيرها يبدل في ساعة مائة مرة فقال عمر رضى الله ~~عنه هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقال الحسن تأكلهم النار ~~كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا وروى ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة ~~أيام للراكب المسرع وعن أبى هريرة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ~~والتعبير عن إدراك العذاب بالذوق ليس لبيان قلته بل PageV02P191 # لبيان أن أحساسهم بالعذاب في كل مرة كإحساس الذائق بالمذوق من حيث إنه لا ~~يدخله نقصان لدوام الملابسة أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه أو للتنبيه ~~على شدة تأثيره من حيث إن القوة الذائقة أشد الحواس تأثيرا أو على سرايته ~~للباطن ولعل السر في تبديل الجلود مع قدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب ~~وذوقه بحاله مع الاحتراق ومع إبقاء أبدانهم على حالها مصونة عن الاحتراق أن ~~النفس ربما تتوهم زوال الإدراك بالاحتراق ولا تستبعد كل الاستبعاد أن تكون ~~مصونه عن التألم والعذاب بصيانة بدنها عن الاحتراق «إن الله كان عزيزا» لا ~~يمتنع عليه ما يريده ولا يمانعه أحد «حكيما» يعاقب من يعاقبه على وفق حكمته ~~والجملة تعليل لما قبلها من الإصلاء والتبديل وإظهار الاسم الجليل بطريق ~~الالتفات لتهويل الأمر وتربية المهابة وتعليل الحكم فإن عنوان الألوهية ~~مناط لجميع صفات كماله تعالى «والذين آمنوا وعملوا الصالحات» عقب بيان سوء ~~حال الكفرة بيان ببيان حسن حال المؤمنين تكميلا لمساءة الأولين ومسرة ~~الآخرين أي الذين أمنوا بآياتنا وعملوا بمقتضياتها وهو مبتدأ خبره قوله ~~تعالى «سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار» وقرئ سيدخلهم بالياء ردا على ~~الاسم الجليل ms0711 وفي السين تأكيد للوعد «خالدين فيها أبدا» حال مقدرة من ~~الضمير المنصوب في سندخلهم وقوله عز وعلا «لهم فيها أزواج مطهرة» أي مما في ~~نساء الدنيا من الأحوال المستقذرة البدنية والأدناس الطبيعية في محل النصب ~~على أنه حال من جنات أو حال ثانية من الضمير المنصوب أو على انه صفة لجنات ~~بعد صفة أو في محل الرفع على أنه خبر للموصول بعد خبر «وندخلهم ظلا ظليلا» ~~أي فينانا لا جوب فيه دائما لا تنسخه شمس اللهم ارزقنا ذلك بفضلك وكرمك يا ~~أرحم الراحمين والظليل صفة مشتقة من لفظ الظل للتأكيد كما في ليل أليل ويوم ~~أيوم وقرئ يدخلهم بالياء وهو عطف على سيدخلهم لا على أنه غير الإدخال الأول ~~بالذات بل بالعنوان كما في قوله تعالى «ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ» «إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها» في تصدير الكلام بكلمه التحقيق وإظهار الاسم الجليل ~~وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به ~~والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه وهو خطاب يعم حكمه المكلفين ~~قاطبة كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذمهم من حقوق الله تعالى ~~وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية وإن ورد في شأن عثمان ~~بن طلحة ابن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان رضى الله عنه باب الكعبة وصعد ~~السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال لو علمت أنه رسول الله لم ~~PageV02P192 # أمنعه فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية ~~والسدانة فنزلت فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلى ~~أكرهت وآذيت ثم جئت ترفو فقال لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا فقرأ عليه ~~الآية فقال عثمان أشهد أن ms0712 لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فهبط ~~جبريل عليه الصلاة والسلام وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة ~~في أولاد عثمان أبدا وقرئ الأمانة على التوحيد والمراد الجنس لا المعهود ~~وقيل هو أمر للولاة بأداء الحقوق المتعلقة بذمهم من المناصب وغيرها إلى ~~مستحقها كما أن قوله تعالى «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» أمر ~~لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها وحيث كان المأمور به ~~ههنا مختصا بوقت المرافعة قيد به بخلاف المأمور به أو لا فإنه لما لم يتعلق ~~بوقت دون وقت أطلق إطلاقا فقوله تعالى ان تحكموا عطف على ان تؤدوا قد فصل ~~بين العاطف والمعطوف بالظرف المعمول له عند الكوفيين والمقدر يدل هو عليه ~~عند البصريين لأن ما بعد ان لا يعمل فيما قبلها عندهم اى وان تحكموا إذا ~~حكمتم الخ وقوله تعالى بالعدل متعلق بتحكموا أو بمقدر وقع حالا من فاعله اى ~~ملتبسين بالعدل والإنصاف «إن الله نعما يعظكم به» ما إما منصوبه موصوفه ~~بيعظكم به أو مرفوعه موصوله به كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به أو نعم الشئ ~~الذي يعظكم به والمخصوص بالمدح محذوف اى نعما يعطكم به ذلك وهو المأمور به ~~من أداء الأمانات والعدل في الحكومات وقرئ نعما بفتح النون والجملة مستأنفه ~~مقرره لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى ~~الامتثال بالامر واظهار الاسم الجليل لتربية المهابة «إن الله كان سميعا» ~~لأقوالكم «بصيرا» بأفعالكم فهو وعد ووعيد واظهار الجلالة لما ذكر آنفا فإن ~~فيه تأكيدا لكل من الوعد والوعيد «يا أيها الذين آمنوا» بعد ما أمر الولاة ~~بطريق العموم أو بطريق الخصوص بأداء الأمانات والعدل في الحكومات أمر سائر ~~الناس بطاعتهم لكن لا مطلقا بل في ضمن طاعة الله تعالى وطاعة رسول اله صلى ~~الله عليه وسلم حيث قيل «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» وهم ~~أمراء الحق وولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدى بهم من المهتدين وأما ~~أمراء الجور فبمعزل من ms0713 استحقاق العطف على الله تعالى والرسول صلى الله عليه ~~وسلم في وجوب الطاعة لهم وقيل هم علماء الشرع لقوله تعالى «ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» ويأباه قوله ~~تعالى «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله» إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد ~~في حكمه إلا أن يجعل الخطاب لأولى الأمر بطريق الالتفات وفيه بعد وتصدير ~~الشرطية بالفاء لترتبها على ما قبلها فإن بيان حكم طاعة أولى الأمر عند ~~موافقتها لطاعة الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يستدعى بيان ~~حكمها عند المخالفة أي إن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في أمر من أمور ~~الدين فراجعوا فيه إلى كتاب الله «والرسول» أي إلى سنته وقد استدل ~~PageV02P193 # به منكرو القياس وهو في الحقيقة دليل على حجيته كيف لاورد المختلف فيه ~~إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو المعنى بالقياس ~~ويؤيده الأمر به بعد الأمر بطاعة الله تعالى وبطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة ثابت بالكتاب وثابت بالسنة وثابت بالرد ~~إليهما بالقياس «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر» متعلق بالأمر الأخير ~~الوارد في محل النزاع إذ هو المحتاج إلى التحذير من المخالفة وجواب الشرط ~~محذوف عند جمهور البصريين ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر فردوه إلخ فإن الإيمان بهما يوجب ذلك إما الإيمان بالله تعالى ~~فظاهر وأما الإيمان باليوم الآخر فلما فيه من العقاب على المخالفة «ذلك» اى ~~الرد المأمور به «خير» لكم وأصلح «وأحسن» في نفسه «تأويلا» أي عاقبة ومآلا ~~وتقديم خيريته لهم على أحسنيته في نفسه لما مر من تعلق أنظارهم بما ينفعهم ~~والمراد بيان اتصافه في نفسه بالخيرية الكاملة في حد ذاته من غير اعتبار ~~فضله على شئ يشاركه في أصل الخيرية والحسن كما ينبئ عنه التحذير السابق ~~«ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك» ~~تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى ms0714 الله عليه وسلم تعجيبا له من حال ~~الذين يخالفون ما مر من الأمر المحتوم ولا يطيعون الله ولا رسوله ووصفهم ~~بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله أعنى التوراة لتأكيد التعجيب ~~وتشديد التوبيخ والاستقباح ببيان كمال المباينة بين دعواهم وبين ما صدر ~~عنهم وقرئ الفعلان على البناء للفاعل وقوله عز وجل «يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت» استئناف سيق لبيان محل التعجيب مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام ~~كأنه قيل ماذا يفعلون فقيل يريدون الخ روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن ~~منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم ودعاه ~~المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقضى لليهودي فلم يرض به المنافق فدعاه إلى عمر بن الخطاب رضى الله ~~عنه فقال اليهودي قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضى بقضائه ~~فقال عمر للمنافق أهكذا قال نعم فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل ~~فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال هكذا أقضى لمن ~~لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام وقال ~~إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ~~الفاروق فالطاغوت كعب بن الأشرف سمى به لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه أو جعل ~~اختيار التحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكما ~~إلى الشيطان وقال الضحاك المراد بالطاغوت كهنة اليهود وسحرتهم وعن الشعبي ~~ان المنافق دعا خصمه إلى كاهن في جهينة فتحاكما إليه وعن السدى أن الحادثة ~~وقعت في قتيل بين بنى قريظة والنضير فتحاكم المسلمون من الفريقين إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبى المنافقون منهما إلا التحاكم إلى أبى بردة الكاهن ~~الأسلمي فتحاكموا إليه فيكون الاقتصار حينئذ PageV02P194 # في معرض التعجيب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم دون نفسه مع ms0715 وقوعه ~~أيضا للتنبيه على ان إرادته مما يقضى منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت ~~الوقوع فما ظنك بنفسه وهذا أنسب بوصف المنافقين بادعاء الإيمان بالتوراة ~~فإنه كما يقتضى كونهم من منافقى اليهود يقتضى كون ما صدر عنهم من التحاكم ~~ظاهر المنافاة لا دعاء الإيمان بالتوراة وليس التحاكم إلى كعب بن الأشرف ~~بهذه المثابة من الظهور وأيضا فالمتبادر من قوله تعالى «وقد أمروا أن ~~يكفروا به» كونهم مأمورين بكفره في الكتابين وما ذاك إلا الشيطان وأولياؤه ~~المشهورون بولاته كالكهنة ونظائرهم لا من عداهم ممن لم يشتهر بذلك وقرئ أن ~~يكفروا بها على أن الطاغوت جمع كما في قوله تعالى «أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم» والجملة حال من ضمير يريدون مفيدة لتأكيد التعجيب وتشديد ~~الاستقباح كالوصف السابق وقوله عز وجل «ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا» عطف على يريدون داخل في حكم التعجيب فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم ~~وإعراضهم عمن يريد هدايتهم أعجب من كل عجيب وضلالا وإما مصدر مؤكد للفعل ~~المذكور بحذف الزوائد كما في قوله تعالى وأنبتها نباتا حسنا أي إضلالا ~~بعيدا وإما مصدر مؤكد لفعله المدلول عليه بالفعل المذكور أي فيضلوا إضلالا ~~وأياما كان فوصفه بالبعد الذي هو نعت موصوفه للمبالغة وقوله تعالى «وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول» تكملة لمادة التعجيب ببيان ~~إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله إثر بيان إعراضهم عن ~~ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت وقرئ تعالوا بضم اللام على أنه حذف لام ~~الفعل تخفيفا كما في قولهم ما باليت بالة أصلها بالية كعافية وكما قالوا في ~~آية إن أصلها أيية فحذفت اللام ووقعت واو الجمع بعد اللام في تعالى فضمت ~~فصار تعالوا ومنه قول أهل مكة للمرأة تعالى بكسر اللام وعليه قول أبى فراس ~~الحمداني * أيا جارتي ما أنصف الدهر بيننا * تعالى أقاسمك الهموم تعالى * ~~«رأيت المنافقين» إظهار المنافقين في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق ~~وذمهم به والإشعار بعلة الحكم والرؤية بصرية وقوله تعالى «يصدون عنك» حال ~~من ms0716 المنافقين وقيل الرؤية قلبية والجملة مفعول ثان لها والأول وهو الأنسب ~~بظهور حالهم وقوله تعالى «صدودا» مصدر مؤكد لفعله أي يعرضون عنك إعراضا واي ~~إعراض وقيل هو اسم للمصدر الذي هو الصد والأظهر أنه مصدر لصد اللازم والصد ~~مصدر للمتعدى يقال صد عنه صدودا أي أعرض عنه وصده عنه صدا أي منعه منه ~~وقوله تعالى «فكيف» شروع في بيان غائلة جنايتهم المحكية ووخامة عاقبتها اى ~~كيف يكون حالهم «إذا أصابتهم مصيبة» أي وقت إصابة المصيبة إياهم بافتضاحهم ~~بظهور نفاقهم «بما قدمت أيديهم» بسبب ما عملوا من الجنايات التي من جملتها ~~التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك «ثم جاؤوك» للاعتذار عما صنعوا ~~PageV02P195 # من القبائح وهو عطف على أصابتهم والمراد تفظيع حالهم وتهويل مادهمهم من ~~الخطب واعتراهم من شدة الأمر عند إصابة المصيبة وعند المجئ للاعتذار ~~«يحلفون بالله» حال من فاعل جاءوك «إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا» أي ما ~~أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم ~~نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك فلا تؤاخذنا بما فعلنا وهذا وعيد لهم على ما ~~فعلوا وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم ولا يغنى عنهم الاعتذار وقيل ~~جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله تعالى فقالوا ما أردنا أي ~~ما أراد صاحبنا المقتول بالتحاكم إلى عمر رضى الله عنه تعالى إلا أن يحسن ~~إليه ويوفق بينه وبين خصمه «أولئك» إشارة إلى المنافقين وما فيه من معنى ~~البعد للتنبيه على بعد منزلتهم في الكفر والنفاق وهو مبتدأ خبره «الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم» أي من فنون الشرور والفسادات المنافية لما اظهروا ~~لك من الأكاذيب «فأعرض عنهم» جواب شرط محذوف أي إذا كان حالهم كذلك فأعرض ~~عن قبول معذرتهم وقيل عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم ولا تظهر لهم علمك بما ~~في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجل وحذر «وعظهم» اى أزجرهم عن ~~النفاق والكيد «وقل لهم في أنفسهم» في حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية ~~على الشرور التي يعلمها ms0717 الله تعالى أو في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم ~~مسارا بالنصيحة لأنها في السر انجع «قولا بليغا» مؤثرا واصلا إلى كنه ~~المراد مطابقا لما سيق له من المقصود فالظرف على التقديرين متعلق بالأمر ~~وقيل متعلق ببليغا على رأى من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف أي قل ~~لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتنمون به اغتناما ويستشعرون ~~منه الخوف استشعارا وهو التوعد بالقتل والاستئصال والإيذان بأن ما في ~~قلوبهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على الله تعالى وأن ذلك مستوجب ~~لأشد العقوبات وإنما هذه المكافأة والتأخير لإظهارهم الإيمان والطاعة ~~وإضمارهم الكفر ولئن أظهروا الشقاق وبرزوا بأشخاصهم من نفق النفاق ليمسنهم ~~العذاب إن الله شديد العقاب (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) كلام ~~مبتدأ جئ به تمهيدا لبيان خطئهم في الاشتغال بستر جنايتهم بالاعتذار ~~بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة أي وما أرسلنا رسولا من الرسل لشئ من ~~الأشياء إلا ليطاع بسبب إذنه تعالى في طاعته وأمره المرسل إليهم بان يطيعوه ~~ويتبعوه لأنه مؤد عنه تعالى فطاعته طاعة الله تعالى ومعصيته معصيته تعالى ~~من يطع الرسول فقد أطاع الله أو بتيسير الله تعالى وتوفيقه في طاعته «ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم» وعرضوها لعذاب على عذاب النفاق بترك طاعتك والتحاكم ~~إلى غيرك «جاؤوك» من غير تأخير كما يفصح عنه تقديم الظرف متوسلين بك في ~~التنصل عن جنايتهم القديمة والحادثة ولم يزدادوا جناية على جناية بالقصد ~~إلى سترها PageV02P196 # بالاعتذار الباطل والإيمان الفاجر «فاستغفروا الله» بالتوبة والإخلاص ~~وبالغوا في التضرع إليك حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله تعالى واستغفرت لهم ~~وإنما قيل «واستغفر لهم الرسول» على طريقة لالتفات تفخيما لشأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعته في حيز القبول ~~«لوجدوا الله توابا رحيما» لعلموه مبالغا في القبول توبتهم والتفضل عليهم ~~بالرحمة وإن فسر الوجدان بالمصادفة كان قوله تعالى توابا حالا ورحيما بدل ~~منه أو حالا من الضمير فيه وأيا ما كان ففيه فضل ترغيب ms0718 للسامعين في ~~المسارعة إلى التوبة والاستغفار ومزيد تنديم لأولئك المنافقين على ما صنعوا ~~لما أن ظهور تباشير قبول التوبة وحصول الرحمة لهم ومشاهدتهم لآثارهما نعمة ~~زائدة عليهما موجبة لكمال الرغبة في تحصيلها وتمام الحسرة على فواتها «فلا ~~وربك» أي فوربك ولا مزيده لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد النفي في جوابه أعنى ~~قوله «لا يؤمنون» لأنها تزاد في الإثبات أيضا كما في قوله تعالى «فلا أقسم ~~بمواقع النجوم» ونظائره «حتى يحكموك» أي يتحاكموا إليك ويترافعوا إليك ~~وإنما جئ بصيغة التحكيم مع أنه صلى الله عليه وسلم حاكم بأمر الله سبحانه ~~إيذانا بان حقهم أن يجعلوه حكما فيما بينهم ويرضوا بحكمه وإن قطع النظر عن ~~كونه حاكما على الإطلاق «فيما شجر بينهم» أي فيما اختلف بينهم من الأمور ~~واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه «ثم لا يجدوا» عطف على مقدر ينساق إليه ~~الكلام اى فتقضى بينهم ثم لا يجدوا «في أنفسهم حرجا» ضيقا «مما قضيت» أي ~~مما قضيت به أو من قضائك وقيل شكا من أجله إذا الشاك في ضيق من أمره ~~«ويسلموا» أي ينقادوا لأمرك ويذعنوا له «تسليما» تأكيد للفعل بمنزلة تكريره ~~أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم يقال سلم لأمر الله وأسلم له بمعنى وحقيقته ~~سلم نفسه له إذا جعلها سالمة له خالصة أي ينقادوا لحكمك انقيادا لا شبهة ~~فيه بظاهرهم وباطنهم وقيل نزلت في شأن المنافق واليهودي وقيل في شان الزبير ~~ورجل من الأنصار حين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من ~~الحرة كانا يسقيان بها النخل فقال صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسل ~~الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال لأن كان ابن عمتك فتغير وجه رسول الله ~~ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله ~~إلى جارك كان قد أشار على الزبير برأي فيه سعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستوعب للزبير حقه في صريح الحكم ثم خرجا فمرا على ms0719 ~~المقدار بن السود فقال لمن القضاء فقال الأنصاري قضى لابن عمته ولوى شدقه ~~ففطن يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم ~~يتهمونه في قضاء يقضى بينهم وأيم الله لقد اذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى ~~فدعانا إلى التوبة منه وقال اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا ~~في طاعة ربنا حتى رضى عنا فقال ثابت بن قيس بن شماس اما والله إن الله ~~ليعلم منى الصدق لو أمرني محمد أن اقتل نفسي لقتلتها وروى انه قال ذلك ثابت ~~وابن مسعود وعمار بن ياسر PageV02P197 # رضى الله عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن من ~~أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي فنزلت في شأن هؤلاء ~~«ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم» أي لو أوجبنا ~~عليهم مثل ما أوجبنا على نبي إسرائيل من قتلهم أنفسهم أو خروجهم من ديارهم ~~حين استتابتهم من عبادة العجل وأن مصدرية أو مفسرة لأن كتبنا في معنى أمرنا ~~«ما فعلوه» أي المكتوب المدلول عليه بكتبنا أو أحد مصدري الفعلين «إلا قليل ~~منهم» أي إلا أناس قليل منهم وهم المخلصون من المؤمنين وروى عن عمر رضى ~~الله عنه أنه قال والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ~~ذلك وقيل معنى اقتلوا أنفسكم تعرضوا بها للقتل بالجهاد وهو بعيد وقرئ إلا ~~قليلا بالنصب على الاستثناء أو إلا فعلا قليلا «ولو أنهم فعلوا ما يوعظون ~~به» من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يراه ويحكم ~~به ظاهرا وباطنا وسميت أوامر الله تعالى ونواهيه مواعظ لاقترانهما بالوعد ~~والوعيد «لكان» أي فعلهم ذلك «خيرا لهم» عاجلا وآجلا «وأشد تثبيتا» لهم على ~~الإيمان وأبعد من الاضطراب فيه وأشد تثبيتا لثواب أعمالهم «وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما» جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت ~~فقيل وإذن لو ثبتوا لآتيناهم فإن إذن جواب وجزاء «ولهديناهم صراطا ms0720 مستقيما» ~~يصلون بسلوكه إلى عالم القدس ويفتح لهم أبواب الغيب قال صلى الله عليه وسلم ~~من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم «ومن يطع الله والرسول» ~~كلام مستأنف فيه فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها ~~أقصى ما ينتهى إليه همم الأمم وأرفع ما يمتد إليه أعناق عزائمهم من مجاورة ~~أعظم الخلائق مقدارا وأرفعهم منارا متضمن لتفسير ما أبهم في جواب الشرطية ~~السابقة وتفصيل ما أجمل فيه والمراد بالطاعة هو الانقياد التام والامتثال ~~الكامل لجميع الأوامر والنواهي «فأولئك» إشارة إلى المطيعين والجمع باعتبار ~~معنى من كما أن الإفراد في فعل الشرط باعتبار لفظها وما فيه من معنى البعد ~~مع القرب في الذكر للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف وهو مبتدأ ~~خبره «مع الذين أنعم الله عليهم» والجملة جواب الشرط وترك ذكر المنعم به ~~للإشعار بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه «من النبيين» بيان للمنعم عليهم ~~والتعرض لمعية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع ان الكلام في بيان ~~حكم طاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لجريان ذكرهم في PageV02P198 # سبب النزول مع ما فيه من الإشارة إلى أن طاعته صلى الله عليه وسلم متضمنة ~~لطاعتهم لاشتمال شريعته على شرائعهم التي لا تتغير بتغير الأعصار روى أن ~~نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا نبي الله إن صرنا إلى ~~الجنة تفضلنا بدرجات النبوة فلا نراك وقال الشعبي جاء رجل من الأنصار إلى ~~رسول الله وهو يبكي فقال ما يبكيك يا فلان فقال يا رسول الله بالله الذي لا ~~إله إلا هو لأنت أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي وولدي وإني لأذكرك وأنا في ~~أهلي فيأخذني مثل الجنون حتى أراك وذكرت موتي وإنك ترقع مع النبيين وإني إن ~~أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت وروى أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له ~~عليه الصلاة والسلام قليل الصبر ms0721 عنه فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه ~~وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال يا ~~رسول الله ما بي من وجع غير أني إذا لم أراك اشتقت إليك واستوحشت وحشة ~~شديدة حتى ألقاك فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني عرفت انك ترفع مع ~~النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزلة دون منزلك وإن لم أدخل فذاك حين لا ~~أراك أبدا فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى ~~أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين وحكى ذلك عن جماعة ~~من الصحابة رضي الله عنهم وروى أن أنسا قال يا رسول الله الرجل يحب قوما ~~ولما يلحق بهم قال عليه الصلاة والسلام المرء مع من أحب «والصديقين» أي ~~المتقدمين في تصديقهم المبالغين في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال وهم ~~أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم المقربين كأبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه «والشهداء» الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله ~~تعالى وإعلاء كلمته «والصالحين» الصارفين أعمارهم في طاعته وأموالهم في ~~مرضاته وليس المراد بالمعية الاتحاد في الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول ~~الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى ~~أراد وإن بعد ما بينهما من المسافة «وحسن أولئك رفيقا» الرفيق الصاحب مأخوذ ~~من الرفق وهو لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولا وفعلا فإن جعل أولئك ~~إشارة إلى النبيين ومن بعدهم على أن ما فيه من معنى البعد لما مر مرارا ~~فرفيقا إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من وجهة كونهم رفقاء ~~للمطيعين أو حال كونهم رفقاء لهم وإفراده لما أنه كالصديق والخليط والرسول ~~يستوي فيه الواحد والمتعدد أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم رفيقا وإن جعل ~~إشارة إلى المطيعين فهو تمييز على معنى إنهم وصفوا بحسن الرفيق من النبيين ~~ومن بعدهم لا بنفس الحسن فلا يجوز دخول من عليه كما يجوز في ms0722 الوجه الأول ~~والجملة تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق قيل فيه معنى التعجب ~~كأنه قيل وما أحسن أولئك رفيقا ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ وحسن بسكون ~~السين «ذلك» إشارة إلى ما للمطيعين من عظيم الأجر ومزيد الهداية ومرافقة ~~هؤلاء المنعم عليهم أو إلى فضلهم ومزيتهم وما فيه من معنى البعد للإشعار ~~بعلو رتبته وبعد منزلته في الشرف وهو مبتدأ وقوله تعالى «الفضل» صفته وقوله ~~تعالى «من الله» خبره أي ذلك الفضل العظيم من الله PageV02P199 # تعالى لا من غيره أو الفضل خبره ومن الله متعلق بمحذوف وقع حالا منه ~~والعامل فيه معنى الإشارة أي ذلك الذي ذكر الفضل كائنا من الله تعالى لا أن ~~أعمال المكلفين توجبه «وكفى بالله عليما» بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل ~~واستحقاق أهله «يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم» الحذر والحذر واحد كالأثر ~~والأثر والشبه والشبه أي تيقظوا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم ~~يقال أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها ~~نفسه وقيل هو ما يحذر به من السلاح والحزم أي استعدوا للعدو «فانفروا» بكسر ~~الفاء وقرئ بضمها أي اخرجوا إلى الجهاد عند خروجكم «ثبات» جمع ثبة وهي ~~الجماعة من الرجال فوق العشرة ووزنها في الأصل فعلة كحطمة حذفت لامها وعوض ~~عنها تاء التأنيث وهل هي واو أو ياء فيه قولان قيل إنها مشتقة من ثبا يثبو ~~كحلا يحلو أي اجتمع وقيل من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه كأنك جمعت ~~محاسنه ويجمع أيضا على ثبين جبرا لما حذف من عجزه ومحلها النصب على الحالية ~~أي انفروا جماعات متفرقة سرية بعد سرية «أو انفروا جميعا» أي مجتمعين كوكبة ~~واحدة ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة «وإن منكم لمن ليبطئن» أي ~~ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد من بطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم والخطاب ~~لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم المؤمنين منهم والمنافقين ~~والمبطئون منافقوهم الذين تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد أو ليبطئن غيره ~~ويثبطنه من بطأ منقولا من ms0723 بطؤ كثقل من ثقل كما بطأ ابن أبي ناسا يوم أحد ~~والأول أنسب لما بعده واللام الأولى للابتداء دخلت على اسم إن للفصل بالخبر ~~والثانية جواب قسم محذوف والقسم بجوابه صلة من والراجع إليه ما استكن في ~~ليبطئن والتقدير وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن «فإن أصابتكم مصيبة» كقتل ~~وهزيمة «قال» أي المبطئ فرحا بصنعه وحامدا لرأيه «قد أنعم الله علي» أي ~~بالقعود «إذ لم أكن معهم شهيدا» أي حاضرا في المعركة فيصيبني ما أصابهم ~~والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما قبلها فإن ذكر التبطئة مستتبع ~~لذكر ما يترتب عليها كما ان نفس التبطئة مستدعية لشئ ينتظر المبطئ وقوعه ~~«ولئن أصابكم فضل» كفتح وغنيمة «من الله» متعلق بأصابكم أو بمحذوف وقع صفة ~~لفضل أي كائن من الله تعالى ونسبة إصابة الفضل إلى جناب الله تعالى دون ~~إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية كما في قوله سبحانه وإذا مرضت ~~فهو يشفين وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق وأثر نفاقهم ~~فيها أظهر «ليقولن» ندامة على تثبطه وقعوده وتهالكا على حطام الدنيا وتحسرا ~~على فواته وقرئ ليقولن بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى من وقوله تعالى ~~«كأن لم تكن PageV02P200 # بينكم وبينه مودة» اعتراض وسط بين الفعل ومفعوله الذي هو «يا ليتني كنت ~~معهم فأفوز فوزا عظيما» لئلا يفهم من مطلع كلامه ان تمنيه لمعية المؤمنين ~~لنصرتهم ومظاهرتهم حسبما يقتضيه ما في البين من المودة بل هو للحرص على ~~المال كما ينطق به آخره وليس إثبات المودة في البين بطريق التحقيق بل بطريق ~~التهكم وقيل الجملة التشبيهية حال من ضمير ليقولن أي ليقولن مشبها بمن لا ~~مودة بينكم وبينه وقيل هي داخلة في المقول أي ليقولن المثبط من المنافقين ~~وضعفه المؤمنين كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستصحبكم في الغزو ~~حتى تفوزوا بما فاز يا ليتني كنت معهم وغرضه إلقاء العدواة بينهم وبينه ~~عليه الصلاة والسلام وتأكيدها وكأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشان وهو ~~محذوف وقرئ لم ms0724 يكن بالياء والمنادى في يا ليتني محذوف أي يا قوم قيا يا ~~أطلق للتنبيه على الاتساع وقوله تعالى فأفوز نصب على جواب التمني وقرئ ~~بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فأنا أفوز في ذلك الوقت أو على أنه ~~معطوف على كنت داخل معه تحت التمني «فليقاتل في سبيل الله» قدم الظرف على ~~الفاعل للاهتمام به «الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة» أي يبيعونها بها ~~وهم المؤمنون فالفاء جواب شرط مقدر أي إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل ~~المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشترونها ويختارونها على ~~الآخرة وهم المبطئون فالفاء للتعقيب أي ليتركوا ما كانوا عليه من التثبيط ~~والنفاق وليعقبوه بالقتال في سبيل الله «ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه» بنون العظمة التفاتا «أجرا عظيما» لا يقادر قدرة وتعقيب ~~القتال بأحد الأمرين للإشعار بأن المجاهد حقه أن يوطن نفسه بإحدى الحسنيين ~~ولا يخطر بباله القسم الثالث أصلا وتقديم القتل للإيذان بتقدمه في استتباع ~~الأجر روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيله وتصديق ~~كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر ~~وغنيمة «وما لكم» خطاب للمأمورين بالقتال على طريقة الالتفات مبالغة في ~~التحريض عليه وتأكيدا لوجوبه وهو مبتدأ وخبر وقوله عز وجل «لا تقاتلون في ~~سبيل الله» حال عاملها ما في الظرف من معنى الفعل والاستفهام للإنكار ~~والنفي أي أي شئ لكم غير مقاتلين أي لا عذر لكم في ترك المقاتلة ~~«والمستضعفين» عطف على اسم الله أي في سبيل المستضعفين وهو تخليصهم من ~~الأسر وصونهم عن العدو أو على السبيل بحذف المضاف أي في PageV02P201 # خلاص المستضعفين ويجوز نصبه على الاختصاص فإن سبيل الله يعم أبواب الخير ~~وتخليص ضعفه المؤمنين من أيدي الكفرة أعظمها وأخصها «من الرجال والنساء ~~والولدان» بيان للمستضعفين أو حال منهم وهم المسلمون الذين بقوا ms0725 بمكة لصد ~~المشركين أو لضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتهنين وإنما ذكر الولدان معهم ~~تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة وتنبيها على تناهى ظلم المشركين بحيث ~~بلغ أذاهم الصبيان لإرغام آبائهم وأمهاتهم وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي ~~واقتراب زمان الخلاص ببيان شركتهم في التضرع إلى الله تعالى كل ذلك ~~للمبالغة في الحث على القتال وقيل المراد بالولدان العبيد والإماء إذ يقال ~~لهما الوليد والوليدة وقد غلب الذكور على الإناث فاطلق الولدان على الولائد ~~أيضا «الذين» محله الجر على أنه صفة للمستضعفين أو لما في حيز البيان أو ~~النصب على الاختصاص «يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها» ~~بالشرك الذي هو ظلم عظيم وبأذية المسلمين وهى مكة والظالم صفتها وتذكيره ~~لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجرى على غير من هو له ~~كان كالفعل في التذكير والتأنيث بحسب ما عمل فيه واجعل لنا من لدنك وليا ~~كلا الجارين متعلق باجعل لاختلاف معنييهما وتقديم المجرورين على المفعول ~~الصريح لإظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في المؤخر بتقديم أحواله فإن ~~تأخير ما حقه التقديم عما هو من أحواله المرغبة فيه كما يورث شوق السامع ~~إلى وروده ينبئ عن كمال رغبة المتكلم فيه واعتنائه بحصوله لا محالة وتقديم ~~اللام على من للمسارعة إلى إبراز كون المسؤول نافعا لهم مرغوبا فيه لديهم ~~ويجوز أن تتعلق كلمة من بمحذوف وقع حالا من وليا قدمت عليه لكونه نكرة وكذا ~~الكلام في قوله تعالى «واجعل لنا من لدنك نصيرا» قال ابن عباس رضى الله ~~عنهما أي ول علينا واليا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ~~ديننا وشرعنا وينصرنا على أعدائنا ولقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث يسر ~~لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولى وأعز ناصر ففتح مكة ~~على يدي نبيه صلى الله عليه وسلم فتولاهم أي تول ونصرهم آية نصرة ثم استعمل ~~عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها وقيل المراد واجعل ~~لنا من لدنك ولاية ونصرة أي كن أنت ms0726 ولينا وناصرنا وتكرير الفعل ومتعلقيه ~~للمبالغة في التضرع والابتهال «الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله» كلام ~~مبتدأ سيق لترغيب المؤمنين في القتال وتشجيعهم ببيان كمال قوتهم بإمداد ~~الله تعالى ونصرته وغاية ضعف أعدائهم أي المؤمنون إنما يقاتلون في دين الله ~~الحق الموصل لهم إلى الله عز وجل وفي أعلاء كلمته فهو وليهم وناصرهم لا ~~محالة «والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت» أي فيما يوصلهم إلى الشيطان ~~فلا ناصر لهم سواه والفاء في قوله تعالى «فقاتلوا أولياء الشيطان» لبيان ~~استتباع ما قبلها لما بعدها وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة ~~لقتالهم في سبيل الشيطان والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن ~~قتالهم في سبيله وكل PageV02P202 # ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه فإن ولاية الله ~~تعالى علم في العزة والقوة كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف كأنه ~~قيل إذا كان الأمر كذلك فقاتلوا يا أولياء الله أولياء الشيطان ثم صرح ~~بالتعليل فقيل «إن كيد الشيطان كان ضعيفا» أي في حد ذاته فكيف بالقياس إلى ~~قدرة الله تعالى ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى إيذانا بظهورها قالوا ~~فائدة إدخال كان في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان كان كذلك ~~فالمعنى إن كيد الشيطان منذ كان موصوفا بالضعف «ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم» تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من إحجامهم عن القتال مع ~~أنهم كانوا قبل ذلك راغبين فيه حراصا عليه بحيث كادوا يباشرونه كما ينبئ ~~عنه الأمر بكف الأيدي فإن ذلك مشعر بكونهم بصدد بسطها إلى العدو بحيث ~~يكادون يسطون بهم قال الكلبي إن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون ~~الجمحي وسعد بن أبى وقاص الزهري رضى اله تعالى عنهم كانوا يلقون من مشركي ~~مكة قبل الهجرة أذى شديدا فيشكون ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ~~أئذن لنا في قتالهم ويقول ms0727 لهم النبي صلى الله عليه وسلم كفوا أيديكم ~~«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» فإني لم أومر بقتالهم وبناء القول للمفعول ~~مع أن القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم للإيذان بكون ذلك بأمر الله ~~سبحانه وتعالى ولأن المقصود بالذات والمعتبر في التعجيب إنما هو كمال ~~رغبتهم في القتال وكونهم بحيث احتاجوا إلى النهى عنه وإنما ذكر في حيز ~~الصلة الأمر بكف الأيدي لتحقيقه وتصويره على طريقة الكناية فلا يتعلق ببيان ~~خصوصية الآمر غرض وكانوا في مدة إقامتهم بمكة مستمرين على تلك الحالة فلما ~~هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمروا بالقتال في ~~وقعة بدر كرهه بعضهم وشق ذلك عليه لكن لا شكا في الدين ولا رغبة بل نفورا ~~عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت بموجب الجبلة البشرية وذلك قوله تعالى ~~«فلما كتب عليهم القتال» الخ وهو عطف على قيل لهم كفوا أيديكم باعتبار ~~مدلوله الكنائي إذ حينئذ يتحقق التباين بين مدلولى المعطوفين وعليه يدور ~~أمر التعجيب كأنه قيل ألم تر إلى الذين كانوا حراصا على القتال فلما كتب ~~عليهم كرهه بعضهم وقوله تعالى «إذا فريق منهم يخشون الناس» جواب لما على أن ~~فريق مبتدأ ومنهم متعلق بمحذوف وقع صفة له ويخشون خبره وتصديره بإذا ~~المفاجأة لبيان مسارعتهم إلى الخشية آثر ذي أثير من غير تلعثم وتردد أي ~~فاجأ فريق منهم أن يخشوا الكفار أن يقتلوهم ولعل توجيه التعجيب إلى الكل مع ~~صدور الخشية عن بعضهم للإيذان بأنه ما كان ينبغي أن يصدر عن أحدهم ما ينافي ~~حالتهم الأولى وقوله تعالى «كخشية الله» مصدر مضاف إلى المفعول محله النصب ~~على أنه حال من فاعل يخشون أي يخشونهم مشبهين لأهل خشية الله تعالى وقوله ~~تعالى «أو أشد خشية» عطف عليه بمعنى أو أشد خشية من أهل PageV02P203 # خشية الله أو على أنه مصدر مؤكد على جعل الخشية ذات خشية مبالغة كما في ~~جد جده أي يخشونهم خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وأيا ~~ما كان ms0728 فكلمه أو أما للتنويع على معنى أن خشية بعضهم كخشية الله وخشية ~~بعضهم أشد منها وإما للإبهام على السامع وهو قريب مما في قوله تعالى ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون يعنى ان من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو ~~يزيدون «وقالوا» عطف على جواب لما أي فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم ~~خشية الناس وقالوا «ربنا لم كتبت علينا القتال» في هذا الوقت لا على وجه ~~الاعتراض على حكمه تعالى والإنكار لإيجابه بل على طريق تمنى التخفيف «لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب» استزادة في مدة الكف واستمهال إلى وقت آخر حذرا من ~~الموت وقد جوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم من غير أن يتفوهوا به ~~صريحا «قل» أي تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيبا ~~فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي «متاع الدنيا» أي ما يتمتع وينتفع ~~به في الدنيا «قليل» سريع التقضى وشيك الانصرام وإن أخرتم إلى ذلك الأجل ~~«والآخرة» أي ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالقتال «خير» أي لكم من ~~ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات وإنما قيل «لمن ~~اتقى» حثا لهم على اتقاء العصيان والإحلال بمواجب التكليف «ولا تظلمون ~~فتيلا» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي تجزون فيها ولا تنقصون أدنى شئ ~~من أجور أعمالكم التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال فلا ترغبوا عنه ~~والفتيل ما في شق النواة من الخيط يضرب به المثل في القلة والحقارة وقرئ ~~يظلمون بالياء إعادة للضمير إلى ظاهر من «أينما تكونوا يدرككم الموت» كلام ~~مبتدأ مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المخاطبين اعتناء بالزامهم أثر بيان حقارة الدنيا وعلو شأن ~~الآخرة بواسطته صلى الله عليه وسلم فلا محل له من الإعراب أو في محل النصب ~~داخل تحت القول المأمور به اى أينما تكونوا في الحضر والسفر يدرككم الموت ~~الذي لأجله تكرهون القتال زعما منكم أنه من مظانه وتحبون ms0729 القعود عنه على ~~زعم انه منجاه منه وفي لفظ الادراك إشعار بأنهم في الهرب من الموت وهو مجد ~~في طلبهم وقرئ بالرفع على حذف الفاء كما في قوله * من يفعل الحسنات الله ~~يشكرها * أو على اعتبار وقوع أينما كنتم في موقع أينما تكونوا أو على أنه ~~كلام مبتدأ وأينما تكونوا متصل بلا تظلمون أي لا تنقصون شيئا مما كتب من ~~آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحروب ومعارك الخطوب «ولو كنتم في بروج ~~مشيدة» في حصون رفيعة أو قصور محصنة وقال السدى وقتادة بروج السماء يقال ~~شاد البناء وأشاده وشيده رفعه وقرئ مشيدة بكسر الياء وصف لها بفعل فاعلها ~~مجازا كما في قصيدة شاعرة ومشيدة من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو ~~الجص وجواب لو محذوف اعتمادا على دلالة PageV02P204 # ما قبله عليه أي ولو كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت والجملة معطوفة على ~~أخرى مثلها أي لو لم تكونوا في بروج مشيدة ولو كنتم الخ وقد اطرد حذفها ~~لدلالة المذكور عليها دلالة واضحة فإن الشئ إذا تحقق المانع فلأن يتحقق عند ~~عدمه أولى وعلى هذه النكتة يدور ما في لو الوصلية من التأكيد والمبالغة وقد ~~مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~«وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله» كلام مبتدأ جئ به عقيب ما حكى عن ~~المسلمين لما بينهما من المناسبة في اشتمالها على إسناد ما يكرهونه إلى بعض ~~الأمور وكراهتهم له بسبب ذلك والضمير لليهود والمنافقين روى أنه كان قد بسط ~~عليهم الرزق فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فدعاهم إلى الإيمان ~~فكفروا أمسك عنهم بعض الإمساك فقالوا ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ~~ومزارعنا منذ قدم هذا الرجل وأصحابه وذلك قوله تعالى «وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك» أي وإن تصبهم نعمة ورخاء نسبوها إلى الله تعالى وإن ~~تصبهم بلية من جدب وغلاء أضافوها إليك كما حكى عن أسلافهم بقوله تعالى «وإن ~~تصبهم سيئة ms0730 يطيروا بموسى ومن معه» فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد ~~زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر ببيان إسناد الكل إليه تعالى ~~على الإجمال إذ لا يجترئون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل «قل كل من ~~عند الله» اى كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقا وإيجادا ~~من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شئ منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون بل ~~وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى ~~بها عقوبة كما سيأتي بيانه فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل ردا على ~~أسلافهم من قوله تعالى «ألا إنما طائرهم عند الله» أي أنما سبب خيرهم وشرهم ~~أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم عند الله تعالى لا عند غيره حتى ~~يسندوها إليه ويطيروا به وقوله تعالى «فما لهؤلاء القوم» الخ كلام معترض ~~بين المبين وبيانه مسوق من جهته تعالى لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم ~~والتعجيب من كمال غباوتهم والفاء لترتيبه على ما قبله وقوله تعالى «لا ~~يكادون يفقهون حديثا» حال من هؤلاء والعامل فيها ما في الظرف من معنى ~~الاستقرار أي وحيث كان الأمر كذلك فأي شئ حصل لهم حال كونهم بمعزل من أن ~~يفقهوا حديثا أو استئناف مبني على سؤال نشأ من الاستفهام كأنه قيل ما بالهم ~~وماذا يصنعون حتى يتعجب منه أو يسأل عن سببه فقيل لا يكادون يفقهون حديثا ~~من الأحاديث أصلا فيقولون ما يقولون إذ لو فقهوا شيئا من ذلك لفهموا هذا ~~النص وما في معناه وما هو أوضح منه من النصوص القرآنية الناطقة بان الكل ~~فائض من عند الله تعالى وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان ~~والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد لا سيما النص الوارد عليهم في صحف ~~موسى وإبراهيم الذي وفي لا تزر وازرة وزر أخرى ولم يسندوا جناية أنفسهم إلى ~~غيرهم وقوله تعالى «ما أصابك من حسنة» الخ بيان للجواب المجمل المأمور به ~~واجراؤه PageV02P205 # على لسان النبي صلى ms0731 الله عليه وسلم ثم سوق البيان من جهته عز وجل بطريق ~~تلوين الخطاب وتوجيهه إلى كل واحد من الناس والالتفات لمزيد الاعتناء به ~~والاهتمام برد مقالتهم الباطلة والإيذان بأن مضمونه مبنى على حكمة دقيقة ~~حقيقية بأن يتولى بيانها علام الغيوب وتوجيه الخطاب إلى كل واحد منهم دون ~~كلهم كما في قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم للمبالغة في ~~التحقيق بقطع احتمال سببية معصية بعضهم لعقوبة الآخرين أي ما أصابك من نعمة ~~من النعم «فمن الله» أي فهي منه تعالى بالذات تفصيلا وإحسانا من غير ~~استيجاب لها من قبلك كيف لا وأن كل ما يفعله المرء من الطاعات التي يفرض ~~كونها ذريعة إلى إصابة نعمة ما فهي بحيث لا تكاد تكافئ نعمة حياته المقارنة ~~لأدائها ولا نعمة إقداره تعالى إياه على أدائها فضلا عن استيجابها لنعمة ~~أخرى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى ~~قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا «وما أصابك من سيئة» أي بلية من ~~البلايا «فمن نفسك» أي فهي منها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها وإن ~~كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى نازلة من عنده عقوبة كقوله تعالى ~~«وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير» وعن عائشة رضي الله ~~عنها ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله ~~إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قبله وما بعده لكن لا لبيان حاله صلى الله عليه وسلم بل لبيان حال ~~الكفرة بطريق التصوير ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم والإشعار ~~بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب لا سيما بمثل هذه ~~الحكمة الأنيقة «وأرسلناك للناس رسولا» بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه ~~وسلم ومكانته عند الله عز وجل بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه صلى الله ~~عليه وسلم بناء على جهلهم بشأنه الجليل وتعريف ms0732 الناس للاستغراق والجار إما ~~متعلق برسولا قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم اى مرسلا لكل الناس ~~لا لبعضهم فقط كما في قوله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس» وإما بالفعل ~~فرسولا حال مؤكدة وقد جوز أن يكون مصدرا مؤكدا كما في قوله * لقد كذب ~~الواشون ما فهت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول * أي بإرسال بمعنى رسالة ~~«وكفى بالله شهيدا» أي على رسالتك بنصب المعجزات التي من جملتها هذا النص ~~الناطق والوحي الصادق والالتفات لتربية المهابة وتقوية الشهادة والجملة ~~اعتراض تذييلى «من يطع الرسول فقد أطاع الله» بيان لأحكام رسالته صلى الله ~~عليه وسلم إثر بيان تحققها وثبوتها وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي في ~~الحقيقة هو الله تعالى وإنما هو صلى الله عليه وسلم مبلغ لأمره ونهيه فمرجع ~~الطاعة وعدمها هو الله سبحانه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال من أحبني فقد ~~أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون ألا تسمعون إلى ما يقول ~~هذا الرجل لقد قارف الشرك وهو ينهي أن يعبد غير الله ما يريد إلا أن نتخذه ~~ربا كما اتخذت النصارى عيسى فنزلت والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بالرسول ~~دون الخطاب للإيذان بأن مناط كون طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة له تعالى ~~ليس خصوصية ذاته صلى الله عليه وسلم بل من حيثية رسالته وإظهار الجلالة ~~لتربية المهابة وتأكيد وحوب الطاعة بذكر عنوان الألوهية وحمل الرسول على ~~الجنس المنتظم له صلى الله عليه وسلم انتظاما أوليا يأباه تخصيص الخطاب ~~PageV02P206 # به صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى «ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا» ~~وجواب الشرط محذوف والمذكور تعليل له أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه إنما ~~أرسلناك رسولا مبلغا لا حفيظا مهيمنا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها ~~وتعاقبهم بحسبها وحفيظا حال من الكاف وعليهم متعلق به قدم عليه رعاية ~~للفاصلة وجمع الضمير باعتبار معنى من كما أن الإفراد في تولى باعتبار لفظه ~~«ويقولون» شروع في بيان معاملتهم مع الرسول صلى الله ms0733 عليه وسلم بعد بيان ~~وجوب طاعته أي يقولون إذا أمرتهم بشئ «طاعة» أي أمرنا وشأننا طاعة أو منا ~~طاعة والأصل النصب على المصدر والرفع للدلالة على الثبات كسلام «فإذا برزوا ~~من عندك» أي خرجوا من مجلسك «بيت طائفة منهم» أي من القائلين المذكورين وهم ~~رؤساؤهم «غير الذي تقول» أي زورت طائفة منهم وسوت خلاف ما قالت لك من ~~القبول وضمان الطاعة لأنهم مصرون على الرد والعصيان وإنما يظهرون ما يظهرون ~~على وجه النفاق أو خلاف ما قلت لها والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء ~~الأمر وتدبيره بالليل يقال هذا أمر بيت بليل وإما من بيت الشعر لأن الشاعر ~~يدبره ويسوبه وتذكير الفعل لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي وقرئ بادغام التاء ~~في الطاء لقرب المخرج وإسناده إلى طائفة منهم لبيان أنهم المتصدون له ~~بالذات والباقون أتباع لهم في ذلك لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة «والله ~~يكتب ما يبيتون» أي يكتبه في جمله ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا ~~يحسبوا أن مكرهم يخفى عليكم فيجدوا بذلك إلى الإصرار بكم سبيلا أو يثبته في ~~صحائفهم فيجازيهم عليه وأيا ما كان فالجملة اعتراضية «فأعرض عنهم» أي لا ~~تبال بهم وبما صنعوا أو تجاف عنهم ولا تتصد للانتقام منهم والفاء لسببية ما ~~قبلها لما بعدها «وتوكل على الله» في كل ما تأتى وما تذر لا سيما في شأنهم ~~وإظهار الجلالة في مقام الإضمار للإشعار بعلة الحكم «وكفى بالله وكيلا» ~~فيكفيك معرفتهم وينتقم لن منهم والإظهار ههنا أيضا لما مر والتنبية على ~~استقلال الجملة واستغنائها عما عداها من كل وجه «أفلا يتدبرون القرآن» ~~إنكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن وإعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات ~~الإيمان وتدبر الشئ تأمله والنظر في أدباره وما يؤول إليه في عاقبته ~~ومنتهاه ثم استعمل في كل تفكر ونظر والفاء للعطف على مقدر أي أيعرضون عن ~~القرآن فلا يتأملون فيه ليعلموا كونه من عند الله تعالى بمشاهدة ما فيه من ~~الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق ms0734 بنفاقهم المحكى على ~~ما هو عليه «ولو كان» أي القرآن «من عند غير الله» كما يزعمون «لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا» بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع إذ لا علم با لأمور ~~الغيبية ماضية كانت أو مستقبلة لغيره سبحانه وحيث كانت مطابقة للواقع تعين ~~كونه من عنده تعالى قال الزجاج ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من ~~الإخبار بالغيب مما يسره المنافقون وما يبيتونه مختلفا بعضه حق وبعضه ~~PageV02P207 # باطل لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى وقال أبو بكر الأصم إن هؤلاء ~~المنافقين كانوا يتواطؤون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر وكان ~~الله تعالى يكلع الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ويخبره بها مفصله فقيل ~~لهم إن ذلك لو ما لم يحصل بأخبار الله تعالى لما أطرد الصدق فيه ولوقع فيه ~~الاختلاف فلما لم يقع ذلك قط علم أنه بإعلامه تعالى هذا هو الذي يستدعيه ~~جزالة النظم الكريم وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في البلاغة ~~بان كان بعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني وبعضه على معنى فاسد ~~غير ملتئم وبعضه بالغا حدا لإعجاز وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته كما جنح ~~إليه الجمهور فمما لا يساعده السباق ولا السياق ومن رام التقريب وقال لعل ~~ذكره ههنا للتنبيه على ان اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل ~~لاختلاف في الحكم والمصالح المقتضية لذلك فقد أبعد عن الحق بمراحل «وإذا ~~جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به» يقال أذاع السر وأذاع أي أشاعه ~~وأفشاه وقيل معنى أذاعوا به فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه هو كلام ~~مسوق لدفع ما عسى يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناء على عدم فهم ~~المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه وذلك ~~أن ناسا من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحى إليه من وعد ms0735 بالظفر أو تخويف من الكفرة ~~يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ~~ويحملونه عليه من المحامل وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطا بأمور تفوت ~~بالإذاعة فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف فنعى عليهم ~~ذلك وقيل «ولو ردوه» أي ذلك الأمر الذي جاءهم «إلى الرسول» أي عرضوه على ~~راية صلى الله عليه وسلم مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير ~~والالتفات لما ان عنوان الرسالة من موجبات الرد والمراجعة إلى رأيه صلى ~~الله عليه وسلم «وإلى أولي الأمر منهم» وهم كبراء الصحابة البصراء في ~~الأمور رضى الله تعالى عنهم «لعلمه» أي لعلم الرادون معناه وتدبيره وإنما ~~وضع موضع ضميرهم الموصول فقيل «الذين يستنبطونه منهم» للإيذان بأنه ينبغي ~~أن يكون قصدهم برده إليهم استكشاف معناه واستيضاح فحواه أي لعلمه أولئك ~~الرادون الذين يستبطونه أي يتلقونه ويستخرجون علمه وتدبيره منهم أي من جهة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر من صحابته رضوان الله عليهم أجمعين ~~ولما فعلوا في حقه ما فعلوا فلم يقع ما وقع من الاشتباه وتوهم الاختلاف ~~وقيل لعلمه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ~~ومكايدها فكلمة من في منهم بيانية وقيل أنهم كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت ~~إذاعتهم مفسدة ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ~~أولى الأمر لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي بستخرجون تدبيره ~~بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها وقيل PageV02P208 # كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر على أمن ووثوق ~~بالظهور على بعض الأعداء أو على خوف فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود ~~إذاعتهم مفسدة ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وفوضوه إليهم وكانوا ~~كأن لم يسمعوا العلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون وما ~~يذرون فيه وقيل كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر ms0736 عن السرايا ~~مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه فيعود ذلك وبالا على المؤمنين ولو ردوه ~~إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولى الأمر وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ~~ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع لعلم صحته وهل مما يذاع أولا يذاع هؤلاء ~~المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولى الأمر أي يتلقونه منهم ~~ويستخرجون علمه من جهتهم فمساق النظم الكريم حينئذ لبيان جناية تلك الطائفة ~~وسوء تدبيرهم إثر بيان جناية المنافقين ومكرهم والخطاب في قوله تعالى ~~«ولولا فضل الله عليكم ورحمته» للطائفة المذكورة على طريقة الالتفات أي ~~لولا فضله تعالى عليكم ورحمته بإرشادكم إلى طريق الحق الذي هو المراجعة في ~~مظان الاشتباه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر «لاتبعتم ~~الشيطان» وعملتم بآراء المنافقين فيما تأتون وما تذرون ولم تهتدوا إلى سنن ~~الصواب «إلا قليلا» وهم أولو الأمر الواقفون على أسرار الكتاب الراسخون في ~~معرفة أحكامه فالاستثناء منقطع وقيل ولولا فضله تعالى عليكم ورحمته بإرسال ~~الرسول وإنزال الكتاب لاتبعتم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلا ~~منكم قد تفضل عليه بعقل راجح اهتدى به إلى طريق الحق والصواب وعصمه من ~~متابعة الشيطان كقس ابن ساعدة الأيادى وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ~~وأضرابهم فالخطاب للكل والاستثناء متصل وقيل المراد بالفضل والرحمة النصرة ~~والظفر بالأعداء أي ولولا حصول النصر والظفر على التواتر والتتابع لاتبعتم ~~الشيطان وتركتم الدين إلا قليلا منكم وهم أولوا البصائر الناقدة والنيات ~~القوية والعزائم الماضية من أفاضل المؤمنين الواقفين على حقية الدين ~~البالغين إلى درجة حق اليقين المستغنين عن مشاهدة آثار حقيته من الفتح ~~والظفر وقيل إلا اتباعا قليلا «فقاتل في سبيل الله» تلوين للخطاب وتوجيه له ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الالتفات وهو جواب شرط محذوف ينساق ~~إليه النظم الكريم أي إذا كان الأمر كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم ~~وتقصير الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما ~~فعلوا وقوله تعالى «لا تكلف إلا ms0737 نفسك» أي إلا فعل نفسك استئناف مقرر لما ~~قبله فإن اختصاص تكليفه صلى الله عليه وسلم بفعل نفسه من موجبات مباشرته ~~للقتال وحده وفيه دلالة على أن ما فعلوا من التثبيط لا يضره صلى الله عليه ~~وسلم ولا يؤاخذ به وقيل هو حال من فاعل قاتل أي فقاتل غير مكلف إلا نفسك ~~وقرئ لا تكلف بالجزم على النهى وقيل على جواب الأمر وقرئ بنون العظمة أي لا ~~نكلفك إلا فعل نفسك لا على معنى لا نكلف أحدا إلا نفسك «وحرض المؤمنين» عطف ~~على الأمر السابق داخل في حكمه فإن كون حال الطائفتين كما PageV02P209 # حكى سبب للأمر بالقتال وحده وبتحريض خلص المؤمنين التحريض على الشئ الحث ~~عليه والترغيب فيه قال الراغب كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو مالا خير فيه ~~ولا يعتد به أي رغبهم في القتال ولا تعنف بهم وإنما لم يذكر المحرض عليه ~~لغاية ظهوره وقوله تعالى «عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا» عدة منه سبحانه ~~وتعالى محققة الإنجاز بكف شدة الكفرة ومكرهم فإن ما صدر بلعل وعسى مقرر ~~الوقوع من جهته عز وجل وقد كان كذلك حيث روى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأعد ابا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ ~~الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سبعين راكبا ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين ~~كفروا الرعب فرجعوا من مر الظهران وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وافى بجيشه بدرا وأقام بها ثماني ليال وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا ~~خيرا كثيرا وقد مر في سورة آل عمران «والله أشد بأسا» أي من قريش «وأشد ~~تنكيلا» أي تعذيبا وعقوبة تنكل من يشاهدها عن مباشرة ما يؤدي إليها والجملة ~~اعتراض تذييلي مقرر لما قبلها وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل ~~الحكم وتقوية استقلال الجملة وتكرير الخبر لتأكيد التشديد وقوله تعالى «من ~~يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ms0738 منها» أي من ثوابها جملة مستأنفة سيقت لبيان ~~أن له صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من تحريض المؤمنين حظا موفورا فإن ~~الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو ~~الأخروية أو خلاصه من مضرة ما كذلك من الشفع كأن المشفوع له كان فردا فجعله ~~الشفيع شفعا والحسنة منها ما كانت في أمر مشروع روعي بها حق مسلم ابتغاء ~~لوجه الله تعالى من غير أن يتضمن غرضا من الأغراض الدنيوية وأي منفعة أجل ~~مما قد حصل للمؤمنين بتحريضه صلى الله عليه وسلم على الجهاد من المنافع ~~الدنيوية والأخروية وأي مضرة أعظم مما تخلصوا منه بذلك منه بذلك من التثبط ~~عنه ويندرج فيها الدعاء للمسلم فإنه شفاعة إلى الله سبحانه وعليه مساق آية ~~التحية الآتية روى أنه صلى الله عليه وسلم قال من دعا لأخيه المسلم بظهر ~~الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك وهذا بيان لمقدار النصيب ~~الموعود «ومن يشفع شفاعة سيئة» وهي ما كانت بخلاف الحسنة «يكن له كفل منها» ~~أي نصيب من وزرها مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شئ «وكان الله ~~على كل شيء مقيتا» أي مقتدرا من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه أو شهيدا ~~حفيظا واشتقاقه من القوت فإنه يقوى البدن ويحفظه والجملة تذييل مقرر لما ~~قبلها على كلا المعنيين «وإذا حييتم بتحية» ترغيب في فرد شائع من أفراد ~~الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة ~~السيئة وإرشاد إلى توفية حق الشفيع وكيفية أدائه فإن تحية الإسلام من ~~المسلم شفاعة منه لأخيه إلى الله تعالى والتحية مصدر حيى أصلها تحيية ~~كتسمية من سمى PageV02P210 # وأصل الأصل تحيي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها تاء التأنيث وأدغمت ~~الأولى في الثانية بعد نقل حركتها إلى الحاء قال الراغب أصل التحية الدعاء ~~بالحياة وطولها ثم استعملت في كل دعاء وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول ~~حياك الله ثم استعملها الشرع في ms0739 السلام وهي تحية الإسلام قال تعالى «تحيتهم ~~فيها سلام» وقال «تحيتهم يوم يلقونه سلام» وقال «فسلموا على أنفسكم تحية من ~~عند الله» قالوا في السلام مزية على التحية لما أنه دعاء بالسلامة من ~~الآفات الدينية والدنيوية وهي مستلزمة لطول الحياة وليس في الدعاء بطول ~~الحياة ذلك ولأن السلام من أسمائه تعالى فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ~~ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين «فحيوا بأحسن منها» أي بتحية أحسن ~~منها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله إن اقتصر المسلم على الأول وبأن ~~تزيدوا وبركاته إن جمعها المسلم وهي النهاية لإنتظامها لجميع فنون المطالب ~~التي هي السلامة عن المضار ونيل المنافع ودوامها ونماؤها «أو ردوها» أي ~~أجيبوها بمثلها روى أن رجالا قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~السلام عليك فقال وعليك السلام ورحمة الله وقال الآخر السلام عليك ورحمة ~~الله فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وقال الآخر السلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته فقال وعليك فقال الرجل نقصتني فأين ما قال الله تعالى وتلا ~~الآية فقال صلى الله عليه وسلم إنك لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله وجواب ~~التسليم واجب وإنما التخيير بين الزيادة وتركها وعن النخعي ان السلام سنة ~~والرد فريضة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الرد واجب وما من رجل يمر ~~على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع الله منهم روح القدس ~~وردت عليه الملائكة ولا يرد في الخطبة وتلاوة القرآن جهرا ورواية الحديث ~~وعند دراسة العلم والأذان والإقامة ولا يسلم على لاعب النرد والشطرنج ~~والمغني والقاعد لحاجته ومطير الحمام والعاري في الحمام وغيره قالوا ويسلم ~~الرجل على امرأته لا على الأجنبية والسنة أن يسلم الماشي على القاعد ~~والراكب على الماشي وراكب الفرس على راكب الحمار والصغير على الكبير ~~والقليل على الكثير وإذا التقيا ابتدرا وعن أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجهر ~~بالرد يعني الجهر الكثير وعن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب ms0740 فقولوا وعليكم أي وعليكم ما قلتم حيث كان يقول بعضهم السلام عليكم ~~وروى لا تبدأ اليهودي بالسلام وإذا بدأك فقل وعليك وعن الحسن أنه يجوز أن ~~يقول للكافر وعليك السلام دون الزيادة وقيل التحية بالأحسن عند كون المسلم ~~مسلما ورد مثلها عند كونه كافرا «إن الله كان على كل شيء حسيبا» فيحاسبكم ~~على كل شئ من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية فحافظوا على ~~مراعاتها حسبما أمرتم به «الله لا إله إلا هو» مبتدأ وخبر وقوله تعالى ~~«ليجمعنكم إلى يوم القيامة» جواب قسم محذوف أي والله ليحشرنكم من قبوركم ~~إلى يوم القيامة وقيل إلى بمعنى في والجملة القسمية إما مستأنفة لا محل لها ~~من الإعراب أو خبر ثان للمبتدأ أو هي الخبر ولا إله إلا هو اعتراض وقوله ~~تعالى «لا ريب فيه» أي في يوم القيامة أو في الجمع حال من اليوم أو صفة ~~للمصدر أي جمعا لا ريب فيه «ومن أصدق من الله حديثا» إنكار لأن يكون أحد ~~أصدق منه تعالى في وعده وسائر PageV02P211 # أخباره وبيان لاستحالته كيف لا والكذب محال عليه سبحانه دون غيره «فما ~~لكم» مبتدأ وخبر والاستفهام للإنكار والنفي والخطاب لجميع المؤمنين لكن ما ~~فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم وقوله تعالى «في المنافقين» متعلق إما ~~بما تعلق به الخبر أي أي شئ كائن لكم فيهم أي في أمرهم وشأنهم فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه وإما بما يدل عليه قوله تعالى «فئتين» من معنى ~~الافتراق أي فما لكم تفترقون في المنافقين وإما بمحذوف وقع حالا من فئتين ~~أي كائنتين في المنافقين لأنه في الأصل صفة فلما قدمت انتصبت حالا كما هو ~~شأن صفات النكرات على الإطلاق أو من الضمير في تفترقون وانتصاب فئتين عند ~~البصريين على الحالية من المخاطبين والعامل ما في لكم من معنى الفعل كما في ~~قوله تعالى «فما لهم عن التذكرة معرضين» وعند الكوفيين على خبرية كان مضمرة ~~أي فما لكم في المنافقين كنتم فئتين والمراد إنكار أن ms0741 يكون للمخاطبين شئ ~~مصحح لاختلافهم في أمر المنافقين وبيان وجوب بت القول بكفرهم وإجرائهم مجرى ~~المجاهرين بالكفر في جميع الأحكام وذكرهم بعنوان النفاق باعتبار وصفهم ~~السابق روى أنهم قوم من المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الخروج إلى البدو معتلين بإجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين ~~مرحلة فمرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون في امرهم وقيل هم قوم ~~هاجروا من مكة إلى المدينة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى ~~بلدنا وقيل هم ناس اظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة وقيل هم قوم خرجوا مع ~~الرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم رجعوا ويأباه ما سيأتي من جعل ~~هجرتهم غاية للنهي عن تولهم وقيل هم العرنيون الذين أغاروا على السرح ~~وقتلوا راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرده ما سيأتي من الآيات ~~الناطقة بكيفية المعاملة معهم من السلم والحرب وهؤلاء قد اخذوا وفعل بهم ما ~~فعل من المثلة والقتل ولم ينقل في أمرهم اختلاف المؤمنين «والله أركسهم» ~~حال من المنافقين مفيدة لتأكيد الإنكار السابق واستبعاد وقوع المنكر ببيان ~~وجود الباقي بعد بيان عدم الداعي وقيل من ضمير المخاطبين والرابط هو الواو ~~أي أي شئ يدعوكم إلى الاختلاف في كفرهم مع تحقق ما يوجب اتفاقكم على كفرهم ~~وهو ان الله تعالى قد ردهم في الكفر كما كانوا «بما كسبوا» بسبب ما كسبوه ~~من الارتداد واللحوق بالمشركين والاحتيال على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والعائد إلى الموصول محذوف وقيل ما صدرية أي بكسبهم وقيل معنى أركسهم نكسهم ~~بأن صيرهم للنار وأصل الركس رد الشئ مقلوبا وقرئ ركسهم مشددا وركسهم أيضا ~~مخففا «أتريدون أن تهدوا من أضل الله» تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين ~~بإيمانهم من الفئتين وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك وإشعار بأنه يؤدى إلى محاولة ~~المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء ~~اهتدائهم وهم ms0742 بمعزل من ذلك سعى في هدايتهم وإرادة لها ووضع الموصول موضع ~~ضمير المنافقين لتشديد الإنكار PageV02P212 # وتأكيد استحالة الهداية بما ذكر في حيز الصلة وتوجيه الإنكار إلى الإرادة ~~لا إلى متعلقها بأن يقال أتهدون الخ للمبالغة في إنكاره ببيان أنه مما لا ~~يمكن إرادته فضلا عن إمكان نفسه وحمل الهداية والإضلال على الحكم بهما ~~يأباه قوله تعالى «ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا» أي ومن يخلق فيه الضلال ~~كائنا من كان فلن تجد له سبيلا من السبل فضلا عن أن تهديه إليه وفيه من ~~الإفصاح عن كمال الاستحالة ما ليس في قوله تعالى «ومن يضلل الله فما له من ~~هاد» ونظائره وحمل إضلاله تعالى على حكمه وقضائه بالضلال مخل بحسن المقابلة ~~بين الشرط والجزاء وتوجيه الخطاب إلى كل واحد من المخاطبين للإشعار بشمول ~~عدم الوجدان للكل على طريق التفصيل والجملة إما حال من فاعل تريدون أو ~~تهتدوا والرابط هو الواو أو اعتراض تذييلى مقرر للإنكار السابق ومؤكده ~~لاستحالة الهداية فحينئذ يجوز أن يكون الخطاب لكل أحد ممن يصلح له من ~~المخاطبين أولا ومن غيرهم «ودوا لو تكفرون» كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم ~~وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم ~~وكلمة لو مصدرية غنية عن الجواب وهى مع ما بعدها نصب على المفعولية أي ودوا ~~أن تكفروا وقوله تعالى «كما كفروا» نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي كفر مثل ~~كفرهم أو حال من ضمير ذلك المصدر كما هو رأى سيبويه وقوله تعالى «فتكونون ~~سواء» عطف على تكفرون داخل في حكمه أي ودوا أن تكفروا فتكونوا سواء مستوين ~~في الكفر والضلال وقيل كلمة لو على بابها وجوابها محذوف كمفعول ودوا لتقدير ~~ودوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسروا بذلك «فلا تتخذوا منهم أولياء» الفاء ~~جواب شرط محذوف وجمع أولياء لمراعاة جمع المخاطبين فإن المراد نهى ان يتخذ ~~واحد من المخاطبين وليا واحدا منهم أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم ~~فلا توالوهم «حتى يهاجروا ms0743 في سبيل الله» أي حتى يؤمنوا ويحققوا إيمانهم ~~بهجرة كائنة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لغرض من أغراض الدنيا ~~«فإن تولوا» أي عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة «فخذوهم» أي ~~إذا قدرتم عليهم «واقتلوهم حيث وجدتموهم» من الحل والحرم فإن حكمهم حكم ~~سائر المشركين أسرا وقتلا «ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا» أي جانبوهم ~~مجانبة كلية ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة أبدا «إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق» استثناء من قوله تعالى «فخذوهم واقتلوهم» أي إلا الذين ~~يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ولم يحاربوكم وهم الأسلميون كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقت PageV02P213 # خروجه من مكة قد وادع هلال بن عويمر الأسلمي على أنه لا يعينه ولا يعين ~~عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال وقيل ~~هم بنو بكر بن زيد مناة وقيل هم خزاعة «أو جاؤوكم» عطف على الصلة أي أو ~~الذين جاءوكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم ~~فريقان أحدهما من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين والآخر من اتى المؤمنين ~~وكف عن قتال الفريقين أو على صفة قوم كأنه قيل إلا الذين يصلون إلى قوم ~~معاهدين أو إلى قوم كافين عن القتال لكم والقتال عليكم والأول هو الأظهر ~~لما سيأتي من قوله تعالى «فإن اعتزلوكم» الخ فإنه صريح في أن كفهم عن ~~القتال أحد سببي استحقاقهم لنفى التعرض لهم وقرئ جاءوكم بغير عاطف على أنه ~~صفة بعد صفة أو بيان ليصلون أو استئناف «حصرت صدورهم» حال بإضمار قد بدليل ~~أنه قرئ حصرة صدورهم وحصرات صدورهم وحاصرات صدورهم وقيل صفة لموصوف محذوف ~~هو حال من فاعل جاءوا أي أو جاءوكم قوما حصرت صدورهم وقيل هو بيان لجاءوكم ~~وهم بنو مدلج جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مقاتلين والحصر الضيق ~~والانقباض «أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم» أي من أن يقاتلوكم أو لأن ~~يقاتلوكم أو كراهة ان يقاتلوكم الخ ولو شاء ms0744 الله لسلطهم عليكم جملة مبتدأة ~~جارية مجرى التعليل لاستثناء الطائفة الأخيرة من حكم الأخذ والقتل ونظمهم ~~في سلك الطائفة الأولى الجارية مجرى المعاهدين مع عدم تعلقهم بنا ولا بمن ~~عاهدونا كالطائفة الأولى أي ولو شاء الله لسلطهم عليكم ببسط صدورهم وتقوية ~~قلوبهم وإزالة الرعب عنها «فلقاتلوكم» عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم واللام جواب ~~لو على التكرير أو الإبدال من الأولى وقرئ فلقتلوكم بالخفيف والتشديد «فإن ~~اعتزلوكم» ولم يتعرضوا لكم «فلم يقاتلوكم» مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك ~~بمشيئة الله عز وجل «وألقوا إليكم السلم» أي الانقياد والاستسلام وقرئ ~~بسكون اللام «فما جعل الله لكم عليهم سبيلا» طريقا بالأسر أو بالقتل فإن ~~مكافتهم عن قتالكم وأن يقاتلوا قومهم أيضا وإلقاءهم إليكم السلم وإن لم ~~يعاهدوكم كافية في استحقاقهم لعدم تعرضكم لهم «ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم» هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة ~~أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ~~ليأمنوا قومهم وقيل هم بنو عبد الدار وكان ديدنهم ما ذكر «كل ما ردوا إلى ~~الفتنة» أي دعوا إلى الكفر وقتال المسلمين «أركسوا فيها» قلبوا فيها أقبح ~~قلب وأشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير «فإن لم يعتزلوكم» بالكف عن ~~التعرض لكم بوجه ما «ويلقوا إليكم السلم» أي لم يلقوا إليكم الصلح والعهد ~~بل نبذوه إليكم «ويكفوا أيديهم» أي لم يكفوها عن قتالكم «فخذوهم واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم» أي تمكنتم منهم «وأولئكم» الموصوفون بما عدد من PageV02P214 # الصفات القبيحة «جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا» حجة واضحة في الإيقاع بهم ~~قتلا وسببا لظهور عدواتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر وإضرارهم بأهل ~~الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في أخذهم وقتلهم «وما كان لمؤمن» اى ~~وما صح له ولا لاق بحاله «أن يقتل مؤمنا» بغير حق فإن الإيمان زاجر عن ذلك ~~«إلا خطأ» فإنه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة ~~البشرية وانتصابه إما على أنه حال أي وما كان له أن ms0745 يقتل مؤمنا في حال من ~~الأحوال إلا في حال الخطأ أو على أنه مفعول له أي وما كان له أن يقتله لعلة ~~من العلل إلا للخطأ أو على أنه صفة للمصدر أي إلا قتلا خطأ وقيل إلا بمعنى ~~ولا والتقدير وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا ولا خطأ وقيل ما كان نفى في ~~معنى النهى والاستثناء منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر والخطأ ~~مالا يقارنه القصد إلى الفعل أو إلى الشخص أولا يقصد به زهوق الروح غالبا ~~أو لا يقصد به محظور كرمى مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه وقرئ خطأ ~~بالمد وخطا كعصا بتخفيف الهمزة روى أن عياش بن أبى ربيعة وكان أخا أبى جهل ~~لأمه أسلم وهاجر إلى المدينة خوفا من أهله وذلك قبل هجرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يأويها سقف حتى يرجع فخرج أبو ~~جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبى أنيسه فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في ~~الذروة والغارب وقال أليس محمد يحثك على صلة الرحم انصرف وبر أمك وأنت على ~~دينك حتى نزل وذهب معهما فلما فسحا من المدينة كتفاه وجلده فقال للحرث هذا ~~أخي فمن أنت يا حرث لله على إن وجدتك خاليا ان أقتلك وقدما به على أمه ~~فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد ففعل بلسانه ثم هاجر بعد ذلك واسلم الحرث وهاجر ~~فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله ثم أخبر بإسلامه ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلته ولم أشعر بإسلامه فنزلت «ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة» أي فعلية أو فموجبة تحرير رقبة أي إعتاق نسمة ~~عبر عنها بها كما يعبر عنها بالرأس «مؤمنة» أي محكوما بإسلامها وإن كانت ~~صغيرة «ودية مسلمة إلى أهله» مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث ~~لقول ضحاك بن سفيان الكلابي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني ~~أن أورث امرأة أشيم الضبابي ms0746 من عقل زوجها «إلا أن يصدقوا» اى إلا أن يتصدق ~~أهله عليه سمى العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كل معروف صدقة وقرئ إلا أن يتصدقوا وهو متعلق بعلية أو ~~بمسلمة أي تجب الدية أو يسلمها إلى أهله إلا وقت تصدقهم عليه فهو في محل ~~النصب على الظرفية أو الإ حال كونهم متصدقين عليه فهو حال من الأهل أو ~~القاتل «فإن كان» أي المقتول «من قوم عدو لكم» كفار محاربين «وهو مؤمن» ولم ~~يعلم به القاتل لكونه بين اظهر قومه PageV02P215 # بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم أو بأن أتاهم بعد ما فارقهم لمهم من ~~المهمات «فتحرير رقبة مؤمنة» أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ لا وراثة ~~بينه وبين أهله لأنهم محاربون «وإن كان» أي المقتول المؤمن «من قوم» كفرة ~~«بينكم وبينهم ميثاق» أي عهد مؤقت أو مؤبد «فدية» أي فعلى قاتله دية «مسلمة ~~إلى أهله» من أهل الإسلام إن وجدوا ولعل تقديم هذا الحكم ههنا مع تأخيره ~~فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق ~~«وتحرير رقبة مؤمنة» كما هو حكم سائر المسلمين ولعل إفراده بالذكر مع ~~اندراجه في حكم ما سبق من قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ الخ لبيان أن كونه ~~فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه فيما بين المحاربين ~~وقيل المراد بالمقتول الذمي أو المعاهد لئلا يلزم التكرار بلا فائدة ولا ~~التوريث بين المسلم والكافر وقد عرفت عدم لزومها «فمن لم يجد» أي رقبة ~~ليحررها بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها من الثمن «فصيام» أي فعليه ~~صيام «شهرين متتابعين» لم يتخلل بين يومين من أيامهما إفطار «توبة» نصب على ~~أنه مفعول له أي شرع لكم ذلك توبة أي قبولا لها من تاب الله عليه إذا قبل ~~توبته أو مصدر مؤكد لفعل محذوف أي تاب عليكم توبة وقيل على أنه حال من ~~الضمير المجرور في عليه بحذف المضاف أي ms0747 فعليه صيام شهرين ذا توبة وقوله ~~تعالى «من الله» متعلق بمحذوف وقع صفة لتوبة أي كائنة منه تعالى «وكان الله ~~عليما» بجميع الأشياء التي من جملتها حاله «حكيما» في كل ما شرع وقضى من ~~الشرائع والأحكام التي من جملتها ما شرعه في شأنه «ومن يقتل مؤمنا متعمدا» ~~لما بين حكم القتل خطأ وفصل أقسامه الثلاثة عقب ذلك ببيان القتل عمدا خلا ~~أن حكمه الدنيوي لما بين في سورة البقرة اقتصر ههنا على حكمه الأخروي روى ~~أن مقيس بن ضبابة الكناني وكان قد أسلم هو وأخوه هشام وجد أخاه قتيلا في ~~بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له القصة فأرسل عليه ~~السلام معه زبير بن عياض الفهري وكان من أصحاب بدر إلى بني النجار يأمرهم ~~بتسليم القاتل إلى مقيس ليقتص منه إن علموه وبأداء الدية إن لم يعلموه ~~فقالوا سمعا وطاعة لله تعالى ولرسوله عليه السلام ما نعلم له قاتلا ولكنا ~~نؤدي ديته فأتوه بمائة من الإبل فانصرفا راجعين إلى المدينة حتى إذا كانا ~~ببعض الطريق أتي الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال أتقبل دية أخيك فيكون مسبه ~~عليك أقتل الذي معك فيكون نفسا بنفس وفضل الدية فتغفل الفهري فرماه بصخرة ~~فشدخه ثم ركب بعيرا من الإبل وأستاق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا وهو يقول * ~~قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أصحاب قارع * وأدركت ثأري ~~وأضطجعت موسدا * وكنت إلى الأوثان أول راجع * فنزلت وهو الذي استثناه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ممن آمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ~~وقوله تعالى معتمدا حال من فاعل يقتل وروى عن الكسائي سكون التاء كأنه فر ~~من توالي الحركات «فجزاؤه» الذي يستحقه بجنايته PageV02P216 # «جهنم» وقوله تعالى «خالدا فيها» حال مقدرة من فاعل فعل مقدر يقتضيه ~~المقام كأنه قيل فجزاؤه أن يدخل جهنم خالدا فيها وقيل هو حال من ضمير ~~يجزاها وقيل من مفعول جازه وأيد ذلك بأنه أنسب بعطف ما بعده عليه لموافقته ~~له صيغة ولا يخفى ms0748 أن ما يقدر للحال أو العطف عليه حقه أن يكون مما يقتضيه ~~المقام اقتضاء ظاهرا ويدل عليه الكلام دلالة بينه وظاهر أن كون جزائه ما ~~ذكر لا يقتضي وقوع الجزاء البتة كما ستقف عليه حتى يقدر يجزاها أو جازاه ~~بطريق الإخبار عن وقوعه وأما قوله تعالى «وغضب الله عليه» فعطف على مقدر ~~يدل عليه الشرطية دلالة واضحة كأنه قيل بطريق الاستئناف تقريرا وتأكيدا ~~لمضمونها حكم الله بأن جزاءه ذلك وغضب عليه أي انتقم منه «ولعنه» أي أبعده ~~عن الرحمة بجعل جزائه ما ذكر وقيل هو وما بعده معطوف على الخبر بتقدير أن ~~وحمل الماضي على معنى المستقبل كما في قوله تعالى «ونفخ في الصور» ونظائره ~~أي فجزاؤه جهنم وأن يغضب الله عليه الخ «وأعد له» في جهنم «عذابا عظيما» لا ~~يقادر قدره ولما ترى في الآية الكريمة من التهديد الشديد والوعيد الأكيد ~~وفنون الإبراق والإرعاد وقد تأيدت بما روى من الأخبار الشداد كقوله صلى ~~الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مؤمن ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضى بالمغرب لأشرك ~~في دمه وقوله صلى الله عليه وسلم من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء ~~يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى وبنحو ذلك من القوارع ~~تمسكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمدا في النار ولا ~~متمسك لهم فيها إلا لما قيل من أنها في حق المستحل كما هو رأى عكرمة ~~وأضرابه بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد حسبما مرت حكايته ~~فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بل لأن المراد بالخلود هو المكث ~~الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ~~وما روى عن أبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا ~~وكذا ما روى عن سفيان أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا لا توبة له محمول ~~على ms0749 الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ وعليه يحمل ما روى عن ~~أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي الله أن يجعل ~~لقاتل المؤمن توبة كيف لا وقد روى عن أبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ~~رجلا سأله القاتل المؤمن توبة قال لا وسأله آخر القاتل المؤمن توبة فقال ~~نعم فقيل له قلت لذلك كذا ولهذا كذا قال كان الأول لم يقتل بعد فقلت ما قلت ~~كيلا يقتل وكان هذا قد قتل فقلت له ما قلت لئلا ييأس وقد روى عنه جواز ~~المغفرة بلا توبة أيضا حيث قال في قوله تعالى فجزاؤه جهنم الآية هي جزاؤه ~~فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له وروى مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال هو جزاؤه أن جازاه وبه قال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح ~~قالوا قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ثم ~~إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا قال الواحدي والأصل في ذلك أن الله ~~عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن أمتنع أن يخلف الوعد بهذا وردت السنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال من وعده الله تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له ومن أوعده على ~~عمله عقابا فهو بالخيار والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع PageV02P217 # ما نحن فيه على الأصل المذكور لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا ~~بأنه يجزيه بذلك كيف لا وقد قال الله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها ولو كان ~~هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارض قوله تعالى «ويعفو عن ~~كثير» «يا أيها الذين آمنوا» إثر ما بين حكم القتل بقسميه وأن ما يتصور ~~صدوره عن المؤمن إنما هو القتل خطأ شرع في التحذير عما يؤدي إليه من قلة ~~المبالاة في الأمور «إذا ضربتم في سبيل ms0750 الله» أي سافرتم في الغزو ولما في ~~إذا من معنى الشرط صدر قوله تعالى «فتبينوا» بالفاء أي فاطلبوا بيان الأمر ~~في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية وقرئ فتثبتوا أي ~~أطلبوا إثباته وقوله تعالى «ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام» نهى عما هو ~~نتيجة لترك المأمور به وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين ~~وقرئ السلم بغير ألف وبكسر السين وسكون اللام أي لا تقولوا بغير تأمل لمن ~~حياكم بتحية الإسلام أو لمن ألقى إليكم مقاليد الاستسلام والانقياد «لست ~~مؤمنا» وإنما أظهرت ما أظهرت متعوذا بل أقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه ~~وقرئ مؤمنا بالفتح أي مبذولا لك الأمان وهذا انسب بالقراءتين الأخرتين ~~والاقتصار على ذكر تحية الإسلام في القراءة الأولى مع كونها مقرونة بكلمتى ~~الشهادة كما سيأتي في سبب النزول للمبالغة في النهى والزجر والتنبيه على ~~كمال ظهور خطئهم ببيان أن تحية الإسلام كانت كافية في المكافة والانزجار عن ~~التعرض لصاحبها فكيف وهي مقرونة بهما وقوله تعالى «تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا» حال من فاعل لا تقولوا منبئ عما يحملهم على العجلة وترك التأنى لكن ~~لا على أن يكون النهى راجعا إلى القيد فقط كما في قولك لا تطلب العلم تبتغى ~~به الجاه بل إليهما جميعا أي لا تقولوا له ذلك حال كونكم طالبين لماله الذي ~~هو حطام سريع النفاذ وقوله تعالى «فعند الله مغانم كثيرة» تعليل للنهي عن ~~ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمني كأنه قيل لا تبتغوا ماله فعند الله ~~مغانم كثيرة يغنمكموها فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه وقوله تعالى «كذلك ~~كنتم من قبل فمن الله عليكم» تعليل للنهي عن القول المذكور ولعل تأخيره لما ~~فيه من نوع تفصيل ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم مع ما فيه من ~~مراعاة المقارنة بين التعليل السابق وبين ما علل به كما في قوله تعالى «يوم ~~تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم» الخ وتقديم خبر كان للقصر ~~المفيد لتأكيد المشابهة ms0751 بين طرفي التشبيه وذلك إشارة إلى الموصول باعتبار ~~اتصافه بما في حيز الصلة والفاء في فمن للعطف على كنتم أي مثل ذلك الذي ~~ألقى إليكم السلام كنتم أنتم أيضا في مبادى إسلامكم لا يظهر منكم للناس غير ~~ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها فمن الله عليكم بأن قبل منكم تلك ~~المرتبة وعصم بها دماءكم وأموالكم ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم والفاء في ~~قوله تعالى «فتبينوا» PageV02P218 # فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله ~~بحالكم وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم من قبول ظاهر الحال من غير ~~وقوف على تواطؤ الظاهر والباطن هذا هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل وتستدعيه ~~فخامة شأنه الجليل ومن حسب أن المعنى أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من ~~أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على ~~مواطأة قلوبكم لألسنتكم فمن الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان ~~والتقدم فيه وإن صرتم أعلاما فيه فعليكم ان تفعلوا بالداخلين في الإسلام ~~كما فعل بكم وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة ولا تقولوا الخ فقد أبعد ~~عن الحق لأن المراد كما عرفت أن تحصين الدماء والأموال حكم مترتب على ما ~~فيه المماثلة بينه وبينهم من مجرد التفوه بكلمة الشهادة وإظهار أن ترتبه ~~عليه في حقهم يقتضى ترتبه عليه في حقه أيضا إلزاما لهم وإظهارا لخطئهم ولا ~~يخفى أن ذلك إنما يتأتى بتفسير منه تعالى عليهم المترتب على كونهم مثله ~~بتحصين دمائهم وأموالهم حسبما ذكر حتى يظهر عندهم وجوب تحصين دمه وماله ~~أيضا بحكم المشاركة فيما يوجبه وحيث لم يفعل ذلك بل فسره بما فسره به لم ~~يبق في النظم الكريم ما يدل على ترتب تحصين دمائهم وأموالهم على ما ذكر فمن ~~أين له أن يقول فحصنت دماءكم وأموالكم حتى يتأتى البيان وارتكاب تقديره ~~بناء على اقتضاء ما ذكر في تفسير المن إياه بناء على أساس واه كيف لا وإنما ~~ذكره بصدد التفسير وإن كان أمرا متفرعا على ما فيه ms0752 المماثلة مبنيا عليه في ~~حقهم لكنه ليس بحكم أريد إثباته في وجوب بناء على ثبوته في حقهم كالتحصين ~~المذكور حتى يستحق أن يتعرض له ولا بأمر له دخل في وجوب اعتبار ظاهر ~~الإسلام من الداخلين فيه حتى يصح نظمه في سلك ما فرع عليه قوله فعليكم أن ~~تفعلوا الخ وحمل الكلام على معنى أنكم في أول الأمر كنتم مثله في قصور ~~الرتبة في الإسلام فمن الله عليكم وبلغتم هذه الرتبة العالية منه فلا ~~تستقصروا حالته نظرا إلى حالتكم هذه بل اعتدوا بها نظرا إلى حالتكم السابقة ~~يرده أن قتله لم يكن لاستقصار إسلامه بل لتوهم عدم مطابقة قلبه للسانه فإن ~~الآية الكريمة نزلت في شأن مرداس ابن نهيك من أهل فدك وكان قد أسلم ولم ~~يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم غالب ~~ابن فضالة الليثي فهربوا وبقى مرداس لثقته بإسلامه فلما رأى الخيل ألجأ ~~غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا وأكبر وقال لا أله إلا ~~الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه فأخبروا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال قتلتموه إرادة ما معه ~~فقال أسامة بن زيد إنه قال بلسانه دون قلبه وفي رواية أنما قالها خوفا من ~~السلاح فقال صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه وفي رواية أفلا شققت عن ~~قلبه ثم قرأ الآية على أسامة فقال يا رسول الله استغفر لي فقال كيف بلا إله ~~ألا الله قال أسامة فما زال صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت أن لم أكن ~~أسلمت إلا يومئذ ثم استغفر لي وقال اعتق رقبة وقيل نزلت في رجل قال يا رسول ~~الله كنا نطلب القوم وقد هزمهم الله تعالى فقصدت رجلا فلما أحس بالسيف قال ~~إني مسلم فقتلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقتلت مسلما قال إنه ~~كان متعوذا فقال صلى الله عليه وسلم أفلا شققت عن قلبه «إن ms0753 الله كان بما ~~تعملون» من الأعمال الظاهرة والخفية وبكيفياتها «خبيرا» فيجازيكم بحسبها إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر فلا تتهاونوا في القتل واحتاطوا فيه والجملة تعليل ~~لما قبلها بطريق الاستئناف وقرئ بفتح PageV02P219 # أن على أنها معمولة لتبينوا أو على حذف لام التعليل «لا يستوي القاعدون» ~~بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب تفاوت درجات مساعيهم في الجهاد بعد ما مر ~~من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه عن انحطاط ~~رتبته فيهتزله رغبة في ارتفاع طبقته والمراد بهم الذين إذن لهم في القعود ~~عن الجهاد اكتفاء بغيرهم قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما هم القاعدون عن ~~بدر والخارجون إليها وهو الظاهر الموافق لتاريخ النزول لا ما روى عن مقاتل ~~من أنهم الخارجون إلى تبوك فإنه مما لا يوافقه التاريخ ولا يساعده الحال إذ ~~لم يكن للمتخلفين يومئذ هذه الرخصة وقوله تعالى «من المؤمنين» متعلق بمحذوف ~~وقع حالا من القاعدين أي كائنين من المؤمنين وفائدتها الإيذان من أول الأمر ~~بعدم إخلال وصف القعود بإيمانهم والإشعار بعلة استحقاقهم لما سيأتي من ~~الحسنى «غير أولي الضرر» صفة للقاعدون لجريانه مجرئ النكرة حيث لم يقصد به ~~قوم بأعيانهم أو بدل منه وقرئ بالنصب على أنه حال منه أو استثناء وبالجر ~~على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه والضرر المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو ~~زمانه أو نحوها وفي معناه العجز عن الأهبة عن زيد بن ثابت رضى الله تعالى ~~عنه أنه قال كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة ~~فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سرى عنه فقال اكتب فكتبت لا ~~يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى يا ~~رسول الله وكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين فغشيته السكينة كذلك ثم ~~سرى عنه فقال اكتب «لا» يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ~~«والمجاهدون» إيرادهم بهذا العنوان دون الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه ~~كما وقع في عبارة ابن ms0754 عباس رضى الله تعالى عنهما وكذا تقييد المجاهدة ~~بكونها «في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم» لمدحهم بذلك والإشعار بعلة ~~استحقاقهم لعلو المرتبة مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود ~~وتقديم القاعدين في الذكر والإيذان من أول الأمر بان القصور الذي ينبئ عنه ~~عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم فإن مفهوم عدم الاستواء بين ~~الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن ~~المتبادر اعتباره بحسب قصور القاصر وعليه قوله تعالى «هل يستوي الأعمى ~~والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور» إلى غير ذلك وإما قوله تعالى «هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة ~~لصلة المفضول وقوله عز وجل «فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة» استئناف مسوق لتفضيل ما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ~~ذكر عدم استوائهما إجمالا ببيان كيفيته وكميته مبنى على سؤال ينساق إليه ~~المقال كأنه قيل كيف وقع ذلك فقيل الله الخ وأما تقدير ما لهم لا يستوون ~~فإنما يليق بجعل الاستئناف PageV02P220 # تعليلا لعدم الاستواء مسوقا لإثباته وفيه تعكيس ظاهر فإن الذي يحق أن ~~يكون مقصودا بالذات إنما هو بيان تفاضل الفريقين على درجات متفاوتة وأما ~~عدم استوائهما فقصارى أمره أن يكون توطئه لذكره ولام المجاهدين والقاعدين ~~للعهد فقيد كون الجهاد في سبيل الله معتبر في الأول كما أن قيد عدم الضرر ~~معتبر في الثاني ودرجة نصب على المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل أي ~~فضل الله تفضيله أو على نزع الخافض أي بدرجة وقيل على التمييز وقيل على ~~الحالية من المجاهدين أي ذوي درجة وتنوينها للتفخيم وقوله تعالى «وكلا» ~~مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإفادة القصر تأكيدا للوعد أي كل واحد من ~~المجاهدين والقاعدين «وعد الله الحسنى» أي المثوبة الحسنى وهي الجنة لا ~~أحدهما فقط كما في قوله تعالى وأرسلناك للناس رسولا على أن اللام متعلقة ~~برسولا والجملة اعتراض جئ به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على ~~الآخر من ms0755 حرمان المفضول وقوله عز وجل «وفضل الله المجاهدين على القاعدين» ~~عطف على قوله تعالى فضل الله الخ واللام في الفريقين مغنية لهما عن ذكر ~~القيود التي تركت على سبيل التدريج وقوله تعالى «أجرا عظيما» مصدر مؤكد ~~لفضل على انه بمعنى اجر وإيثار على ما هو مصدر من فعله للإشعار بكون ذلك ~~التفضيل أجرا لأعمالهم أو مفعول ثان له بتضمينه معنى الإعطاء أي أعطاهم ~~زيادة على القاعدين أجرا عظيما وقيل هو منصوب بنزع الخافض أي فضلهم بأجر ~~عظيم وقوله تعالى «درجات» بدل من أجرا بدل الكل مبين لكمية التفضيل وقوله ~~تعالى «منه» متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات دالة على فخامتها وجلالة قدرها أي ~~درجات كائنة منه تعالى قال ابن محير يزهي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو ~~الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا وقال السدى هي سبعمائة درجة وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجنة مائة درجة أعدها ~~الله تعالى للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ~~ويجوز أن يكون انتصاب درجات على المصدرية كما في قولك ضربه أسواطا أي ضربات ~~كأنه قيل فضلهم تفضيلات وقوله تعالى «ومغفرة» بدل من أجرا بدل البعض لأن ~~بعض الأجر ليس من باب المغفرة أي مغفرة لما يفرط منهم من الذنوب التي لا ~~سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون أيضا حتى تعد من خصائصهم وقوله تعالى ~~«ورحمة» بدل الكل من أجرا مثل درجات ويجوز أن يكون انتصابهما بإضمار فعلهما ~~أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة هذا ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ ~~عن المغايرة وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه ~~حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن النظام إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين ~~التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزله الاختلاف الذاتي تمهيدا لسلوك طريق ~~الإبهام ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير كما في قوله تعالى فلما ~~جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ ~~كأنه قيل فضل ms0756 الله المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها ولا يبلغ ~~كنهها وحيث كان تحقق هذا البون البعيد بينهما موهما لحرمان القاعدين قيل ~~وكلا وعد الله الحسنى ثم أريد تفسير ما أفاده PageV02P221 # التنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة فقيل ما قيل ولله در ~~شأن التنزيل وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات على ~~أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة ~~والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة وبالتفضيل الثاني ما أنعم به ~~في الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر كما ينبئ عنه تقديم الأول ~~وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما كأنه قيل وفضلهم عليهم في الدنيا ~~درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط ~~بينهما في الوجود أعني الواعد بالجنة توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية ~~المفضول والله سبحانه اعلم هذا ما بين المجاهدين وبين القاعدين غير أولى ~~الضرر وأما أولوا الضرر فهم مساوون للمجاهدين عند القائلين بمفهوم الصفة ~~وبأن الاستثناء من النفي إثبات وأما عند من لا يقول بذلك فلا دلالة لعبارة ~~النص عليه وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد خلفتم في المدينة ~~أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم وهم الذين صحت نياتهم ~~ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد وبهم ما يمنعهم من المسير من ~~ضرار أو غيره وبعبارة أخرى إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا ~~قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال نعم ~~وهم بالمدينة حبسهم العذر قالوا هذه المساواة مشروطة بشريطة أخرى سوى الضرر ~~قذ ذكرت في قوله تعالى «ليس على الضعفاء ولا على المرضى» إلى قوله «إذا ~~نصحوا لله ورسوله» وقيل القاعدون الأول هم الأضراء والثاني غيرهم وفيه من ~~تفكيك النظم الكريم ما لا يخفى ولا ريب في أن الأضراء من غيرهم درجة كما لا ~~ريب في أنهم دون المجاهدين بحسب الدرجة الدنيوية ms0757 «وكان الله غفورا رحيما» ~~تذليل مقرر لما وعد من المغفرة والرحمة «إن الذين توفاهم الملائكة» بيان ~~لحال القاعدين عن الهجرة إثر بيان حال القاعدين عن الجهاد وتوفاهم يحتمل أن ~~يكون ماضيا ويؤيده قرأ توفتهم وأن يكون مضارعا قد حذف منه احدى التاءين ~~واصله تتوفاهم على حكاية الحال الماضية والقصد إلى استحضار صورتها ويعضده ~~قراءة من قرأ توفاهم على مضارع وفيت بمعنى أن الله تعالى يوفى الملائكة ~~أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها «ظالمي أنفسهم» حال من ~~ضمير توفاهم فإنه وإن كان مضافا إلى المعرفة الا أنه نكرة في الحقيقة لأن ~~المعنى على الانفصال وان كان موصولا في اللفظ كما في قولة تعالى غير محلى ~~الصيد وهديا بالغ الكعبة وثاني عطفه أي محلين الصيد وبالغا الكعبة وثانيا ~~عطفه كأنه قيل ظالمين أنفسهم وذلك بترك الهجرة واختيار مجاورة الكفرة ~~الموجبة للإخلال بأمور الدين فإنها نزلت في ناس من مكة قد اسلموا ولم ~~يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة «قالوا» أي الملائكة للمتوفين تقريرا لهم ~~بتقصيرهم في إظهار إسلامهم وإقامة احكامه من الصلاة ونحوها وتوبيخها لهم ~~بذلك «فيم كنتم» أي في أي شئ كنتم من أمور دينكم «قالوا» استئناف مبنى على ~~سؤال نشأ من حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل فماذا قالوا في الجواب فقيل ~~قالوا متجانفين عن الإقرار PageV02P222 # الصريح بما هم فيه من التقصير متعللين بما يوجبه على زعمهم «كنا مستضعفين ~~في الأرض» أي في أرض مكة عاجزين عن القيام بمواجب الدين فيما بين أهلها ~~«قالوا» إبطالا لتعللهم وتبكيتا لهم «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها» إلى قطر آخر منها تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعله من هاجر ~~إلى المدينة وإلى الحبشة وأما حمل تعللهم على إظهار العجز عن الهجرة وجعل ~~جواب الملائكة تكذيبا لهم في ذلك فيردوه أن سبب العجز عنها لا ينحصر في ~~فقدان دار الهجرة بل قد يكون لعدم الاستطاعة للخروج بسب الفقر أو لعدم ~~تمكين الكفرة منه فلا يكون بيان سعة الأرض تكذيبا لهم وردا عليهم ms0758 بل لا بد ~~من بيان استطاعتهم أيضا حتى يتم التبكيت وقيل كانت الطائفة المذكورة قد ~~خرجوا مع المشركين إلى بدر منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد ~~بن المغيرة وأشباههما فقتلوا فيها فضربت الملائكة وجوهم وأدبارهم وقالوا ~~لهم ما قالوا فيكون ذلك منهم تقريعا وتوبيخا لهم بما كانوا فيه من مساعدة ~~الكفرة وانتظامهم في عسكرهم ويكون جوابهم بالاستضعاف تعللا بأنهم كانوا ~~مقهورين تحت أيديهم وأنهم أخرجوا كارهين فرد عليهم بأنهم كانوا بسبيل من ~~الخلاص عن قهرهم متمكنين من المهاجرة «فأولئك» الذين حكيت أحوالهم الفظيعة ~~«مأواهم» أي في الآخرة «جهنم» كما أن مأواهم في الدنيا دار الكفر لتركهم ~~الفريضة المحتومة فمأواهم مبتدأ وجهنم خبره والجملة خبر لأولئك وهذه الجملة ~~خبر إن والفاء فيه لتضمن اسمها معنى الشرط وقوله تعالى قالوا فيم كنتم حال ~~من الملائكة بإضمار قد عند من يشترطه أو هو الخبر والعائد منه محذوف أي ~~قالوا لهم والجملة المصدرة بالفاء معطوفة عليه مستنتجة منه ومما في حيزه ~~«وساءت مصيرا» أي مصيرهم أي جهنم وفي الآية الكريمة إرشاد إلى وجوب ~~المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل من إقامة أمور دينه بأي سبب كان وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض ~~استوجبت له الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم «إلا ~~المستضعفين» استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإشارة إليه ~~ومن في قوله تعالى «من الرجال والنساء والولدان» متعلقة بمحذوف وقع حالا من ~~المستضعفين أي كائنين منهم وذكر الولدان أن أريد بهم المماليك أو المراهقون ~~ظاهر وأما إن أريد بهم الأطفال فللمبالغة في أمر الهجرة وإبهام انها بحيث ~~لو استطاعها غير المكلفين لوجبت عليهم والإشعار بأنهم لا محيص لهم عنها ~~البتة عليهم كما بلغوا حتى كأنها واجبة عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا وأن ~~قومهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت وقوله تعالى «لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا» صفة للمستضعفين فإن ما فيه ms0759 من اللام ليس للتعريف أو حال ~~منه أو من الضمير المستكن فيه وقيل تفسير لنفس المستضعفين لكثرة وجوه ~~الاستضعاف واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة ومباديها واهتداء السبيل ~~معرفة طريق الموضع المهاجر إليه بنفسه أو بدليل «فأولئك» PageV02P223 # إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر من صفات العجز «عسى الله أن يعفو ~~عنهم» جئ بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأن الهجرة من تأكد الوجوب بحيث ~~ينبغي أن يعد تركها ممن تحقق عدم وجوبها عليه ذنبا يجب طلب العفو رجاء ~~وطمعا لا جزما وقطعا «وكان الله عفوا غفورا» تذييل مقرر لما قبله «ومن ~~يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا» ترغيب في المهاجرة وتأنيس ~~لها أي يجد فيها متحولا ومهاجرا وإنما عبر عنه بذلك تأكيد للترغيب لما فيه ~~من الإشعار بكون ذلك المتجول بحيث يصل فيه المهاجر من الخير والنعمة إلى ما ~~يكون سببا لرغم آنف قومه الذين هاجروهم والرغم الذل والهوان وأصله لصوق ~~الآنف بالرغام وهو التراب وقيل يجد فيها طريقا يراغم بسلوكه قومه أي ~~يفارقهم على رغم أنوفهم «وسعة» أي من الرزق «ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت» أي قبل أن يصل إلى المقصد وإن كان ذلك خارج ~~بابه كما ينبئ عنه إيثار الخروج من بيته على المهاجرة وهو عطف على فعل ~~الشرط وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وقيل هو حركة الهاء نقلت إلى ~~الكاف على نية الوقف كما في قوله * من عنزى سبني لم أضربه * عجيب والدهر ~~كثير عجبه وقرى بالنصب على إضمار أن كما في قوله وألحق بالحجاز فأستريحا ~~«فقد وقع أجره على الله» أي ثبت ذلك عنده تعالى ثبوت الأمر الواجب روى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث بالآيات المتقدمة إلى مسلمى مكة قال ~~جندب بن ضمرة لبنيه وكان شيخا كبيرا احملونى فإني لست من المستضعفين وإني ~~لأهتدى الطريق والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى ~~المدينة فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق ms0760 بيمينه على شماله ثم قال ~~اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك رسولك فمات حميدا فبلغ خبره ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لو توفى بالمدينة لكان أتم أجرا ~~فنزلت قالوا كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي ~~هجرة إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم «وكان الله غفورا» ~~مبالغا في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن ~~الهجرة إلى وقت الخروج «رحيما» مبالغا في الرحمة فيرحمه بإكمال ثواب هجرته ~~«وإذا ضربتم في الأرض» شروع في بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر ~~ولقاء العدو والمرض والمطر وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على المهاجرة وترغيب ~~له فيها لما فيه من تخفيف المؤنة أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت ولذلك لم ~~يقيد بما قيد به المهاجرة «فليس عليكم جناح» أي حرج أو اثم «أن تقصروا» أي ~~في أن تقصروا والقصر خلاف المد يقال قصرت الشئ اى جعلته قصيرا بحذف بعض ~~أجزائه أو أوصافه فمتعلق القصر حقيقة إنما هو ذلك الشئ لا بعضه فإنه متعلق ~~الحذف دون القصر وعلى هذا فقوله تعالى PageV02P224 # «من الصلاة» ينبغي أن يكون مفعولا لتقصروا على زيادة من حسبما رآه الأخفش ~~وأما على تقدير ان تكون تبعيضية ويكون المفعول محذوفا كما هو رأى سيبويه أي ~~شيئا من الصلاة فينبغي أن يصار إلى وصف الجزء بصفة الكل أو يراد بالقصر ~~معنى الحبس يقال قصرت الشئ إذا حبسته أو يراد بالصلاة الجنس ليكون المقصور ~~بعضا منها وهى الرباعيات اى فليس عليكم جناح في أن تقصروا بعض الصلاة ~~بتنصيفها وقرئ تقصروا من الإقصار وتقصروا من التقصير والكل بمعنى وأدنى مدة ~~السفر الذي يتعلق به القصر عند أبى حنيفة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسير ~~الإبل ومشى الإقدام بالاقتصاد وعند الشافعي مسيرة يومين وظاهر الآية ~~الكريمة التخيير وأفضلية الإتمام وبه تعلق الشافعي وبما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه أتم ms0761 في السفر وعن عائشة رضى الله عنها أنها أتمت تارة ~~وقصرت أخرى وعن عثمان رضى الله عنه أنه كان يتم ويقصر وعندنا يجب القصر لا ~~محالة خلا أن بعض مشايخنا سماه عزيمة وبعضهم رخصه إسقاط بحيث لا مساغ ~~للإتمام لا رخصة ترفية إذ لا معنى للتخيير بين الأخف والأثقل وهو قول عمر ~~وعلى وابن عباس وابن عمر وجابر ورضوان الله عليهم وبه قال الحسن وعمر بن ~~عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك وقد روى عن عمر رضى الله عنه صلاة السفر ~~ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وعن أنس رضى الله ~~عنه خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلى ~~ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة وعن عمران بن حصين رضى الله عنه ما ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلى في السفر إلا ركعتين وصلى بمكة ركعتين ~~ثم قال أتموا فإنا قوم سفر وحين سمع بن مسعود ان عثمان رضى الله عنه صلى ~~بمنى أربع ركعات أسترجع ثم قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ~~ركعتين وصليت مع أبى بكر رضى الله عنه بمنى ركعتين وصليت مع عمر رضى الله ~~عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان وقد أعتذر عثمان ~~رضي الله عنه عن إتمامه بأنه تأهل بمكة وعن الزهري أنه إنما أتم لأنه أزمع ~~الإقامة بمكة وعن عائشة رضى الله عنها أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ~~ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر وفي صحيح البخاري أنها قالت فرض الله ~~الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في ~~صلاة الحضر وأما ما روى عنها من الإتمام فقد اعتذرت عنه وقالت أنا أم ~~المؤمنين فحيث حللت فهي دارى وإنما ورد ذلك بنفي الجناح لما أنهم ألفوا ~~الإتمام فكانوا مظنة أن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فصرح بنفي ~~الجناح عنهم لتطيب به نفوسهم ويطمئنوا إليه كما ms0762 في قوله تعالى فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما مع أن ذلك الطواف واجب عندنا ركن عند ~~الشافعي وقوله تعالى «إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا» جوابه محذوف لدلالة ~~ما قبله عليه أي إن خفتم ان يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيره فليس ~~عليكم جناح الخ وهو شرط معتبر في شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة ~~بالجماعة وأما في حق مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على ~~مشروعيته حسبما وقفت على تفصيلها وقد ذكر الطحاوي في شرح الآثار مسندا إلى ~~يعلى بن أمية أنه قال قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه إنما قال الله «فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا» وقد ~~PageV02P225 # أمن الناس فقال عمر رضى الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وفيه دليل على ~~عدم جواز الإكمال لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد ~~كما حقق في موضعه ولا يتوهمن أنه مخالف للكتاب لأن التقييد بالشرط عندنا ~~إنما يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط وأما عدمه عند عدمه فساكت عنه فإن ~~وجد له دليل ثبت عنده أيضا وإلا يبقى على حاله لعدم تحقق دليله لا لتحقق ~~دليل عدمه وناهيك بما سمعت من الأدلة الواضحة وأما عند القائلين بالمفهوم ~~فلأنه إنما يدل على نفي الحكم عند عدم الشرط إذا لم يكن له فائدة أخرى وقد ~~خرج الشرط ههنا مخرج الأغلب كما في قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا بل نقول ان الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر ~~وكيفيته وفي حق ما يتعلق به من الصلوات وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به ~~القصر فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الامن من وتخصيصه ~~بالرباعيات على وجه التصنيف وبالضرب في المدة المعينة بيان ms0763 لإجمال الكتاب ~~وقد قيل إن قوله تعالى إن خفتم الخ متعلق بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما ~~قبله فإنه روى عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه انه قال نزل قوله تعالى ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ثم سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد حول فنزل إن خفتم الخ أي إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا فليس عليكم جناح الخ وقد قرئ من الصلاة أن يفتنكم بغير ان خفتم ~~على انه مفعول له لما دل عليه الكلام كأنه قيل شرع لكم ذلك كراهة أن يفتنكم ~~الخ فإن استمرار الاشتغال بالصلاة مظنة لاقتدارهم على ايقاع الفتنة وقوله ~~تعالى «إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا» تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ~~ذكر أو لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال عداوتهم للمؤمنين ~~من موجبات التعرض لهم بسوء وقوله تعالى «وإذا كنت فيهم» بيان لما قبله من ~~النص المجمل الوارد في مشروعية القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند ~~الضرورة التامة وتخصيص البيان بهذه الصورة مع الاكتفاء فيما عداها بالبيان ~~بطريق السنة لمزيد حاجتها اليه لما فيها من كثرة التغيير عن الهيئة الأصلية ~~ومن ههنا ظهر لك ان مورد النص الشريف على المقصورة وحكم ما عداها مستفاد من ~~حكمها والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد وبظاهره يتعلق ~~من لا يرى صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم ولا يخفى ان الأئمة بعده ~~نوابه صلى الله عليه وسلم قوام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب ~~الوارد له صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وقد ~~روى ان سعيد بن العاص لما أراد PageV02P226 # أن يصلي بطبرستان صلاة الخوف قال من شهد منكم صلاة الخوف مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقام حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فوصف له ذلك فصلى ~~بهم كما وصف وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكره أحد فحل ms0764 محل ~~الإجماع وروى في السنن انهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة بابل فصلى بهم صلاة ~~الخوف «فأقمت لهم الصلاة» أي أردت أن تقيم بهم الصلاة «فلتقم طائفة منهم ~~معك» بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم ~~منهم وإنما لم يصرح به لظهوره «وليأخذوا» أي الطائفة القائمة معك «أسلحتهم» ~~أي لا يضعوها ولا يلقوها وإنما عبر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء ~~باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء «فإذا سجدوا» أي القائمون معك وأتموا ~~الركعة «فليكونوا من ورائكم» أي فلينصرفوا إلى مقابلة العدو للحراسة «ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا» بعد وهي الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة وإنما لم ~~تعرف لما أنها لم تذكر فيما قبل «فليصلوا معك» الركعة الباقية ولم يبين في ~~الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين وقد بين ذلك بالسنة حيث ~~روى عن ابن عمرو ابن مسعود رضى الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في ~~الآية الكريمة ثم جاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت ~~الأولى الركعة الأخيرة بلا قراءة وسلموا ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا ~~الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان «وليأخذوا» أي هذه الطائفة ~~«حذرهم وأسلحتهم» لعل زيادة الأمر بالحذر في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف ~~الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل ~~وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحرب وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر لما ~~أن الاشتغال بالصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها ومئنة لهجوم ~~العدو كما ينطق به قوله تعالى «ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة» فإنه استئناف مسوق لتعليل الأمر ~~المذكور والخطاب للفريقين بطريق الالتفات اى تمنوا أن ينالوا غرة وينتهزوا ~~فرصة فيشدوا عليكم شدة واحدة والمراد بالأمتعة ما يتمتع به في الحرب لا ~~مطلقا وهذا الأمر الموجوب لقوله تعالى «ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من ms0765 ~~مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم» حيث رخص لهم في وضعها إذا ثقل عليهم ~~استصحابها بسبب المطر أو مرض وأمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط فقيل «وخذوا ~~حذركم» لئلا يهجم العدو عليكم غيلة روى الكلبي عن أبى صالح ان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم غزا محاربا وبنى إنما فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا ~~فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضع ~~سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه صلى الله عليه وسلم ~~وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصر به غورث بن الحرث ~~المحاربي فقال قتلني الله إن لم أقتلك ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم ~~يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه وقد سل سيفه ~~من غمده فقال يا محمد من يعصمك منى الآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الله عز وجل ثم قال اللهم اكفنى غورث بن الحرث بما شئت ثم أهوى بالسيف إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها بين كتفيه ~~فبدر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال يا غورث من ~~يمنعك منى الآن قال لا أحد قال صلى الله عليه وسلم تشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك قال لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا ~~أعين عليك عدوا PageV02P227 # فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غورث والله لأنت خير منى ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أحق بذلك منك فرجع غورث إلى أصحابه ~~فقص عليهم قصته فآمن بعضهم قال وسكن الوادي فقطع عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أصحابه وأخبرهم بالخبر وقوله تعالى «إن الله أعد للكافرين ~~عذابا مهينا» تعليل للأمر بأخذ الحذر أعد لهم عذابا مهينا بأن يخذلهم ~~وينصركم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل ms0766 بهم ~~عذابه بأيديكم وقيل لما كان الأمر بالحذر من العدو موهما لتوقع غلبته ~~واعتزازه نفى ذلك الإيهام بان الله تعالى ينصرهم ويهين عدوهم لتقوى قلوبهم ~~«فإذا قضيتم الصلاة» أي صلاة الخوف أي أديتموها على الوجه المبين وفرغتم ~~منها «فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم» أي فداوموا على ذكر الله ~~تعالى وحافظوا على مراقبته ومناجاته ودعائه في جميع الأحوال حتى في حال ~~المسايفة والقتال كما في قوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون «فإذا اطمأننتم» سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم بعد ما ~~وضعت الحرب أوزارها «فأقيموا الصلاة» أي الصلاة التي دخل وقتها حينئذ أي ~~أدوها بتعديل أركانها ومراعاة شرائطها وقيل المراد بالذكر في الأحوال ~~الثلاثة الصلاة فيها أي فإذ أردتم أداء الصلاة فصلوا قياما عند المسايفة ~~وقعودا جاثين على الركب عند المراماة وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح فإذا ~~اطمأننتم في الجملة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق ~~والانزعاج وهو رأى الشافعي رحمه الله وفيه من البعد مالا يخفى «إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» أي فرضا مؤقتا قال مجاهد وقته الله عليهم ~~فلا بد من إقامتها في حالة الخوف أيضا على الوجه المشروح وقيل مفروضا مقدرا ~~في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما قدر ~~فيه «ولا تهنوا في ابتغاء القوم» أي لا تضعفوا ولاتتوانوا في طلب الكفار ~~بالقتال والتعرض لهم بالحراب وقوله تعالى «إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون» تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ~~تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم أنهم يصبرون على ~~ذلك فما لكم لا تصبرون مع أنكم أولى به منهم حيث ترجون من الله من إظهار ~~دينكم على سائر الأديان ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم وقرئ أن ~~تكونوا بفتح الهمزة أي لا تهنوا لأن تكونوا تألمون وقوله تعالى فإنهم تعليل ~~للنهي عن الوهن لأجله والآية نزلت ms0767 في بدر الصغرى «وكان الله عليما» مبالغا ~~في العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم «حكيما» فيما يأمر وينهى فجدوا في ~~الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة PageV02P228 # «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق» روى أن رجلا من الأنصار يقال له طعمة بن ~~أبيرق من بنى ظفر سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان في جراب دقيق فجعل ~~الدقيق ينتثر من خرق فيه فخبأها عند زيد بن السمين اليهودي فالتمست الدرع ~~عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق ~~حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من ~~اليهود فقالت بنو ظفر انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ~~أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة اليهودي فهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يفعل فنزلت وروى ان طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ~~ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله وقيل نزل على رجل من بنى سليم من أهل ~~مكة يقال له الحجاج بن علاط فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع الدخول ولا ~~الخروج فأخذ ليقتل فقيل دعه فإنه قد لجأ إليك فتركه وأخرجوه من مكة فالتحق ~~بتجار من قضاعة نحو الشام فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب فأخذوه ورجموه ~~بالحجارة حتى قتلوه وقيل إنه ركب سفينة إلى جده فسرق فيها كيسا فيه دنانير ~~فأخذ وألقى في البحر «لتحكم بين الناس بما أراك الله» أي بما عرفك وأوحى به ~~إليك «ولا تكن للخائنين» أي لأجلهم والذب عنهم وهم طعمة ومن يعينه من قومه ~~أو هو ومن يسير بسيرته «خصيما» مخاصما للبرآء أي لا تخاصم اليهود لأجلهم ~~والنهى معطوف على أمر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل فاحكم به ولا تكن ~~الخ «واستغفر الله» مما هممت به تعويلا على شهادتهم «إن الله كان غفورا ~~رحيما» مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره «ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم» أي يخونونها بالمعصية كقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون ms0768 ~~أنفسكم جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها لرجوع ~~ضررها إليهم والمراد بالموصول إما طعمة وأمثاله وإما هو ومن عاونه وشهد ~~ببراءته من قومه فإنهم شركاء له في الإثم والخيانة «إن الله لا يحب من كان ~~خوانا» مفرطا في الخيانة مصرا عليها «أثيما» منهمكا فيه وتعليق عدم المحبة ~~الذي هو كناية عن البغض والسخط بالمبالغ في الخيانة والإثم ليس لتخصيصه به ~~بل لبيان إفراط طعمه وقومه فيهما «يستخفون من الناس» يستترون منهم حياء ~~وخوفا من ضررهم «ولا يستخفون من الله» أي لا يستحيون منه سبحانه وتعالى وهو ~~أحق بان يستحيا منه ويخاف من عقابه «وهو معهم» عالم بهم وبأحوالهم فلا طريق ~~إلى PageV02P229 # الاستخفاء سوى ترك ما يستقبحه ويؤاخذ به «إذ يبيتون» يدبرون ويزورون «ما ~~لا يرضى من القول» من رمى البرئ والحلف الكاذب وشهادة الزور «وكان الله بما ~~يعملون» من الأعمال الظاهرة والخافية «محيطا» لا يعزب عنه شئ منها ولا يفوت ~~«ها أنتم هؤلاء» تلوين للخطاب وتوجيه له إليهم بطريق الالتفات إيذانا بان ~~تعديد جنايتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع والجملة مبتدأ وخبر وقوله ~~تعالى «جادلتم عنهم في الحياة الدنيا» جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا ويجوز ~~أن يكون أولاء اسما موصولا بمعنى الذين وجادلتم الخ صلة له والمجادلة أشد ~~المخاصمة والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وأمثاله في الدنيا «فمن يجادل ~~الله عنهم يوم القيامة» فمن يخاصم عنهم يومئذ عند تعذيبهم وعقابهم «أم من ~~يكون عليهم وكيلا» حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وانتقامه «ومن يعمل ~~سوءا» قبيحا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي «أو يظلم نفسه» بما ~~يختص به كالحلف الكاذب وقيل السوء مادون الشرك والظلم الشرك وقيل هما ~~الصغيرة والكبيرة «ثم يستغفر الله» بالتوبة الصادقة «يجد الله غفورا» ~~لذنوبه كائنة ما كانت «رحيما» متفضلا عليه وفيه مزيد ترغيب لطعمة وقومه في ~~التوبة والاستغفار لما أن مشاهدة التائب لآثار المغفرة والرحمة نعمة زائدة ~~كما مر «ومن يكسب إثما» من الآثام «فإنما يكسبه على نفسه» حيث ms0769 لا يتعدى ~~ضرره ووباله إلى غيره فليحترز عن تعريضها للعقاب والعذاب عاجلا وآجلا «وكان ~~الله عليما» مبالغا في العلم «حكيما» مراعيا للحكمة في كل ما قدر وقضى ~~ولذلك لا يحمل وازرة وزر أخرى «ومن يكسب خطيئة» صغيرة أو مالا عمد فيه من ~~الذنوب وقرئ ومن يكسب بكسر الكاف وتشديد السين وأصله يكتسب «أو إثما» كبيرة ~~أو ما كان من عمد «ثم يرم به» أي يقذف به ويسنده وتوحيد الضمير مع تعدد ~~المرجع لمكان أو وتذكيره لتغليب الإثم على الخطيئة كأنه قيل ثم يرم بأحدهما ~~وقرئ يرم بهما وقيل الضمير للكسب المدلول عليه بقوله تعالى يكسب وثم ~~للتراخى في الرتبة «بريئا» اى مما رماه به ليحمله عقوبته العاجلة كما فعله ~~طعمة بزيد «فقد احتمل» أي بما فعل من تحميل جريرته على البرئ «بهتانا» وهو ~~الكذب على الغير بما يبهت منه ويتحير عند سماعه لفظاعته وهوله وقيل هو ~~الكذب الذي يتحير في عظمة «وإثما مبينا» أي بينا فاحشا وهو صفة لإثما وقد ~~اكتفى في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمى PageV02P230 # كأنه قيل بهتانا لا يقادر قدره وإثما مبينا على أن وصف الإثم بما ذكر ~~بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن امر واحد هو رمى البرئ بجناية نفسه ~~قد عبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله فمدار العظم والفخامة كون ~~المرمى به للرامي فإن رمى البرئ بجناية ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم ~~في نفسه أما كونه بهتانا فظاهر وأما كونه إثما فلأن كون الذنب بالنسبة إلى ~~من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه إلى البرئ منه أيضا ~~كذلك بل لا يجوز ذلك قطعا كيف لا وهو كذب محرم في جميع الأديان فهو في نفسه ~~بهتان وإثم لا محالة وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا ~~لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة إلى رمى البرئ وإلا لكان الرمي بغير جناية ~~مثله في العظم ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي ~~بغير جناية مع تبرئة ms0770 نفسه كذلك في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته ~~على البرئ وأجراء عقوبتها عليه كما ينبئ عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ~~ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره على ما فيه من الإشعار بثقل الوزر ~~وصعوبة الأمر نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه إلى رمى البرئ تزداد ~~الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم «ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته» بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق وقيل بالنبوة والعصمة ~~«لهمت طائفة منهم» أي من بني ظفر وهم الذابون عن طعمة وقد جوز إن يكون ~~المراد بالطائفة كلهم ويكون الضمير راجعا إلى الناس وقيل هم وفد بني ثقيف ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا جئناك لنبايعك على أن لا ~~تكسر أصنامنا ولا تعشرنا فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن يضلوك» أي ~~بأن يضلوك عن القضاء بالحق مع علمهم بكنه الأمر والجملة جواب لولا وإنما ~~نفى همهم مع إن المنفي إنما هو تأثيره فقط إيذانا بانتفاء تأثيره بالكلية ~~وقيل المراد هو الهم المؤثر ولا ريب في انتفائه حقيقة وقيل الجواب محذوف أي ~~لأضلوك وقوله تعالى لهمت جملة مستأنفة أي لقد همت طائفة الخ «وما يضلون إلا ~~أنفسهم» لاقتصار وبال مكرهم عليهم من غير أن يصيبك منهم شئ والجملة اعتراض ~~وقوله تعالى «وما يضرونك من شيء» عطف عليه ومحل الجار والمجرور النصب على ~~المصدرية أي وما يضرونك شيئا من الضرر لما أنه تعالى عاصمك وأما ما خطر ~~ببالك فكان عملا منك بظاهر الحال ثقة بأقوال القائلين من غير أن يخطر ببالك ~~أن الحقيقة على خلاف ذلك «وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة» أي القرآن ~~الجامع بين العنوانين وقيل المراد بالحكمة السنة «وعلمك» بالوحي من خفيات ~~الأمور التي من جملتها وجوه إبطال كيد المنافقين أو من أمور الدين وأحكام ~~الشرع «ما لم تكن تعلم» ذلك إلى وقت التعليم «وكان فضل الله عليك عظيما» إذ ~~لا فضل أعظم من النبوة العامة والرياسة التامة PageV02P231 # «لا خير ms0771 في كثير من نجواهم» أي في كثير من تناجي الناس «إلا من أمر» أي ~~إلا في نجوى من أمر «بصدقة أو معروف» وقيل المراد بالنجوى المتناجون بطريق ~~المجاز وقيل النجوى جمع نجى نقله الكرماني وأيا ما كان فالاستثناء متصل ~~ويجوز الانقطاع أيضا على معنى لكن من أمر بصدقة الخ ففي نجواه الخير ~~والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل فينتظم أصناف الجميل وفنون ~~اعمال البر وقد فسر ههنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع على أن المراد ~~بالصدقة الواجبة «أو إصلاح بين الناس» عند وقوع المشاقة والمعاداة بينهم من ~~غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف وبين إما متعلق بنفس إصلاح يقال ~~أصلحت بين القوم أو بمحذوف هو صفة له أي كائن بين الناس عن أبي أيوب ~~الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له الا ~~أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم فقال بلى يا رسول الله قال تصلح بين ~~الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا قالوا ولعل السر في إفراد هذه ~~الاقسام الثلاثة بالذكر أن عمل الخير المتعدي إلى الناس إما لإيصال المنفعة ~~أو لدفع المضرة والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال واليه الإشارة إلى قوله ~~تعالى الا من امر بصدفة وأما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف وأما ~~دفع الضرر فقد أشير اليه بقوله تعالى أو إصلاح بين الناس «ومن يفعل ذلك» ~~إشارة إلى الأمور المذكورة اعني الصدقة والمعروف والإصلاح فإنه يشاربه إلى ~~متعدد وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بها للإيذان ببعد منزلتها ورفعة ~~شأنها وترتيب الوعد على فعلها إثر بيان خيرية الأمر بها لما أن المقصود ~~الأصلي هو الترغيب في الفعل وبيان خيرية الأمر به للدلالة على خيريته ~~بالطريق الأولى لما أن مدار حسن الأمر وقبحه حسن المأمور به وقبحه فحيث ثبت ~~خيرية الأمر بالأمور المذكورة فخيرية فعلها أثبت وفيه تحريض للآمر بها على ~~فعلها أو إشارة إلى الأمر بها كأنه قيل ومن يأمر بها والكلام ms0772 في ترتيب ~~الوعد على فعلها كالذي مر في الخيرية فإن استتباع الأمر بها للأجر العظيم ~~إنما هو لكونه ذريعة إلى فعلها فاستتباعه له أولى وأحق «ابتغاء مرضات الله» ~~علة للفعل والتقييد به لأن الأعمال بالنيات وأن من فعل خيرا لغير ذلك لم ~~يستحق به غير الحرمان «فسوف نؤتيه» بنون العظمة على الالتفات وقرئ بالياء ~~«أجرا عظيما» يقصر عنه الوصف «ومن يشاقق الرسول» التعرض لعنوان الرسالة ~~لإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه من المشاقة والمخالفة وتعليل الحكم ~~الآتي بذلك «من بعد ما تبين له الهدى» ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات ~~الدالة على نبوته «ويتبع غير سبيل المؤمنين» أي غير ما هم مستمرون عليه من ~~عقد وعمل وهو الدين القيم «نوله PageV02P232 # ما تولى» أي نجعله واليا لما تولاه من الضلال ونخذله بان نخلى بينه وبين ~~ما اختاره «ونصله جهنم» أي ندخله إياها وقرئ بفتح النون من صلاه «وساءت ~~مصيرا» أي جهنم وفيها دلالة على حجية الإجماع وحرمة مخالفته «إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» قد مر تفسيره فيما سبق وهو ~~تكرير للتأكيد والتشديد أو لقصة طعمة وقد مر موته كافرا وروى عن ابن عباس ~~رضى الله تعالى عنهما ان شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أنى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته ~~وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جراءة على الله تعالى ~~وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما ترى ~~حالي عند الله تعالى فنزلت «ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا» عن الحق ~~فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء ~~وإثم عظيم ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية فقد ضل الخ وفيما سبق فقد افترى ~~إثما عظيما حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه «إن يدعون من دونه» أي ~~ما يعبدون من دونه عز وجل «إلا إناثا» ms0773 يعنى اللات والعزى ومناة ونحوها عن ~~الحسن أنه لم يكن من أحياء العرب حي إلا كان لهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى ~~بنى فلان قيل لأنهم كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله وقيل لأنهم كانوا ~~يلبسونها أنواع الحلى ويزينونها على هيئات النسوان وقيل المراد الملائكة ~~لقولهم الملائكة بنات الله وقيل تسميتها إناثا لتأنيث أسمائها أو لأنها في ~~الأصل جماد والجمادات تؤنث من حيث إنها ضاهت الإناث لانفعالها وإيرادها ~~بهذا الاسم للتنبيه على فرط حماقة عبدتها وتناهى جهلهم والإناث جمع أنثى ~~كرباب وربى وقرئ على التوحيد وأنثا أيضا على أنه جمع أنيث كقليب وقلب أو ~~جمع إناث كثمار وثمر وقرئ وثنا واثنا بالتخفيف والتثقيل جمع وثن كقولك أسد ~~وأسد وآسد على الأصل وقلب الواو ألفا نحو أجوه في وجوه «وإن يدعون» وما ~~يعبدون بعبادتها «إلا شيطانا مريدا» إذ هو الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم ~~عليها فكانت طاعتهم له عبادة والمريد والمارد هو الذي لا يعلق بخير وأصل ~~التركيب للملاسة ومنه صرح ممرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها «لعنة الله» ~~صفة ثانية لشيطانا «وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا» عطف على الجملة ~~المتقدمة أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع الصادر ~~عنه عند اللعن ولقد برهن على أن عبادة الأصنام غاية الضلال بطريق التعليل ~~بان ما يعبدونها ينفعل ولا PageV02P233 # يفعل فعلا اختياريا وذلك ينافي الألوهية غاية المنافاة ثم استدل عليه بان ~~ذلك عبادة للشيطان وهو أفظع الضلال من وجوه ثلاثة الأول أنه منهمك في الغى ~~لا يكاد يعلق بشئ من الخير والهدى فتكون طاعته ضلالا بعيدا عن الحق والثاني ~~أنه ملعون لضلالة فلا تستتبع مطاوعته سوى اللعن والضلال والثالث أنه في ~~غاية السعي في إهلاكهم وإضلالهم فموالاة من هذا شأنه غاية الضلال فضلا عن ~~عبادته والمفروض المقطوع أي نصيبا قدر لي وفرض من قولهم فرض له في العطاء ~~«ولأضلنهم ولأمنينهم» الأماني الباطلة كطول الحياة وأن لا بعث ولا عقاب ~~ونحو ذلك «ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام» أي فليقطعنها بموجب أمرى ويشقنها ms0774 ~~من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير وذلك ما كانت العرب تفعله فيه بالبحائر ~~والسوائب «ولآمرنهم فليغيرن» ممتثلين به «خلق الله» عن نهجة صورة أو صفة ~~وينتظم فيه ما قيل من فقء عين الحامي وخصاء العبيد والوشم والوشر ونحو ذلك ~~وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا لكن الفقهاء رخصوا في البهائم لمكان الحاجة ~~وهذه الجمل المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا وما فيها من ~~اللامات كلها للقسم والمأمور به في الموضعين محذوف ثقة بدلالة النظم عليه ~~«ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله» بإيثار ما يدعوا إليه على ما امر الله ~~تعالى به ومجاوزته عن طاعة الله تعالى إلى طاعته «فقد خسر خسرانا مبينا» ~~لأنه ضيع رأس ماله بالكلية واستبدل بمكانه من الجنة مكانة من النار «يعدهم» ~~أي مالا يكاد ينجزه «ويمنيهم» أي الأماني الفارغة أو يفعل لهم الوعد ~~والتمنية على طريقة فلان يعطى ويمنع والضميران لمن والجمع باعتبار معناها ~~كما أن الإفراد في يتخذ وخسر باعتبار لفظها «وما يعدهم الشيطان إلا غرورا» ~~وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد إما بإلقاء الخواطر الفاسدة أو ~~بألسنة أوليائه وغرورا إما مفعول ثان للوعد أو مفعول لأجله أو نعت لمصدر ~~محذوف اى وعدا ذا غرور أو مصدر على غير لفظ المصدر لأن يعدهم في قوة يغرهم ~~بوعده والجملة اعتراض وعدم التعرض للتمنية لأنها باب من الوعد «أولئك» ~~إشارة إلى أولياء الشيطان وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في ~~الخسران وهو مبتدأ وقوله تعالى «مأواهم» مبتدأ ثان وقوله تعالى «جهنم» خبر ~~للثاني والجملة خبر للأول «ولا يجدون عنها محيصا» أي معدلا ومهربا من حاص ~~الحمار إذا عدل وقيل خلص ونجا وقيل الحيص هو الروغان بنفور وعنها متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من محيصا أي كائنا عنها ولا مساغ لتعلقه بمحيصا أما إذا ~~كان اسم مكان فظاهر وأما إذا كان مصدرا فلأنه لا يعمل فيما قبله ~~PageV02P234 # «والذين آمنوا وعملوا الصالحات» مبتدأ خبره قوله تعالى «سندخلهم جنات ~~تجري من تحتها ms0775 الأنهار خالدين فيها أبدا» قرن وعيد الكفرة بوعد المؤمنين ~~زيادة لمسرة هؤلاء ومساءة أولئك «وعد الله حقا» أي وعده وعدا وحق ذلك حقا ~~فالأول مؤكد لنفسه لأن مضمون الجملة الاسمية وعد والثاني مؤكد لغيره ويجوز ~~أن ينتصب الموصول بمضمر يفسره ما بعده وينتصب وعد الله بقوله تعالى سندخلهم ~~لأنه في معنى نعدهم ادخال جنات الخ وحقا على أنه حال من المصدر «ومن أصدق ~~من الله قيلا» جملة مؤكدة بليغة والمقصود من الآية معارضة مواعيد الشيطان ~~الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه والمبالغة في تأكيده ترغيبا ~~للعباد في تحصيله والقيل مصدر كالقول والقال وقال ابن السكيت القيل والقال ~~اسمان لا مصدران ونصبه على التمييز وقرئ بإشمام الصاد وكذا كل صاد ساكنة ~~بعدها دال «ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب» أي ليس ما وعد الله تعالى ~~من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وانما يحصل ~~بالإيمان والعمل الصالح ولعل نظم أماني أهل الكتاب في سلك أماني المسلمين ~~مع ظهور حالها للإيذان بعدم اجداء أماني المسلمين أصلا كما في قوله تعالى ~~ولا الذين يموتون وهم كفار كما سلف وعن الحسن ليس الايمان بالتمني ولكن ما ~~وقر في القلب وصدقه العمل ان قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من ~~الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به ~~لأحسنوا العمل وقيل ان المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا ~~قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله تعالى منكم فقال المسلمون ~~نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة فنزلت ~~وقيل الخطاب للمشركين ويؤيده تقدم ذكرهم أي ليس الأمر بأماني المشركين وهو ~~قولهم لا جنة ولا نار وقولهم ان كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم ~~وأحسن حالا وقولهم لأوتين مالا وولدا ولا أماني أهل الكتاب وهو قولهم لن ~~يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى وقولهم لن تمسنا النار الا أياما ~~معدودة ثم قرر ذلك بقوله تعالى «من يعمل سوءا ms0776 يجز به» عاجلا أو آجلا لما ~~روى أنه لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه فمن ينجو مع هذا يا رسول ~~الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما تحزن أو تمرض أو يصيبك البلاء ~~قال بلى يا رسول الله قال هو ذاك «ولا يجد له من دون الله» أي مجاوزا ~~لموالاة الله ونصرته «وليا» يواليه «ولا نصيرا» ينصره في دفع العذاب عنه ~~PageV02P235 # «ومن يعمل من الصالحات» أي بعضها أو شيئا منها فإن كل أحد لا يتمكن من ~~كلها وليس مكلفا بها «من ذكر أو أنثى» في موضع الحال من المستكن في يعمل ~~ومن للبيان أو من الصالحات فمن للابتداء أي كائنة من ذكر الخ «وهو مؤمن» ~~حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا ~~اعتداد به دونه «فأولئك» إشارة إلى من بعنوان اتصافه بالايمان والعمل ~~الصالح والجمع باعتبار معناها كما أن الافراد فيما سبق باعتبار لفظها وما ~~فيه من معنى البعد لما مر غير مرة من الاشعار بعلو رتبة المشار اليه وبعد ~~منزلته في الشرف «يدخلون الجنة» وقرئ يدخلون مبنيا للمفعول من الادخال «ولا ~~يظلمون نقيرا» لا ينقصون شيئا حقيرا من ثواب اعمالهم فإن النقير علم في ~~القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى ~~وأحرى كيف لا والمجازي أرحم الراحمين وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب ~~الثواب «ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله» أي أخلص نفسه له تعالى لا يعرف ~~له ربا سواه وقيل بذل وجهه له في السجود وقيل أخلص عمله له عز وجل وقيل فوض ~~أمره اليه تعالى وهذا انكار واستبعاد لأن يكون أحد أحسن دينا ممن فعل ذلك ~~أو مساويا له وان لم يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة ونفيها يرشدك ~~اليه العرف المطرد والاستعمال الفاشي فإنه إذا قيل من أكرم من فلان أولا ~~أفضل من فلان فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وعليه ms0777 ~~مساق قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى ونظائره ودينا نصب على التمييز من أحسن ~~منقول من المبتدأ والتقدير ومن دينه أحسن من دين من أسلم الخ فالتفضيل في ~~الحقيقة جار بين الدينين لا بين صاحبيهما ففيه تنبيه على أن ذلك أقصى ما ~~تنتهى اليه القوة البشرية «وهو محسن» أي آت بالحسنات تارك للسيئات أو آت ~~بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها ~~الذاتي وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك والجملة حال من فاعل اسلم «واتبع ملة إبراهيم» الموافقة ~~لدين الاسلام المتفق عل صحتها وقبولها «حنيفا» مائلا عن الأديان الزائغة ~~وهو حال من فاعل اتبع أو من إبراهيم «واتخذ الله إبراهيم خليلا» اصطفاه ~~وخصه بكرامات تشبه كرامات الخليل عند خليله واظهاره صلى الله عليه وسلم في ~~مواقع الاضمار لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه الممدوح وتأكيد استقلال الجملة ~~الاعتراضية والخلة من الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها وقيل من الخلل فإن ~~كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر أو من الخل وهو الطريق في الرمل فإنهما ~~يتوافقان في الطريقة أو من الخلة PageV02P236 # بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال وفائدة الاعتراض جملة من جملتها ~~الترغيب في اتباع ملته عليه السلام فإن من بلغ من الزلفى عند الله تعالى ~~مبلغا مصححا لتسميته خليلا حقيق بان يكون اتباع طريقته أهم ما يمتد إليه ~~أعناق الهمم وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم قيل إنه عليه الصلاة والسلام ~~بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله لو كان ~~إبراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها للأضياف وقد أصابنا ما أصاب ~~الناس من الشدة فرجع غلمانه عليه الصلاة والسلام فاجتازوا ببطحاء لينة ~~فملئوا منها الغرائر حياء من الناس وجاؤا بها إلى منزل إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وألقوها فيه وتفرقوا وجاء أحدهم فأخبر إبراهيم بالقصة فاغتم لذلك ~~غما شديدا لا سيما لاجتماع الناس ببابه رجاء الطعام فغلبه عيناه ms0778 وعمدت سارة ~~إلى الغرائر فإذا فيها أجود ما يكون من الحوارى فاختبزت وفي رواية فأطعمت ~~الناس وانتبه إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز فقال من أين لكم قالت ~~سارة من خليلك المصري فقال بل من عند خليلي الله عز وجل فسماه الله تعالى ~~خليلا «ولله ما في السماوات وما في الأرض» جملة مبتدأة سيقت لتقرير وجوب ~~طاعة الله تعالى على أهل السماوات والأرض ببين أن جميع ما فيهما من ~~الموجودات له تعالى خلقا وملكا لا يخرج عن ملكوته شئ منها فيجازى كلا بموجب ~~أعماله خيرا وشرا وقيل لبيان أن اتخاذه عز وجل لإبراهيم عليه السلام خليلا ~~ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين فإن مدار ~~خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم بل لمجرد تكرمته وتشريفه عليه ~~السلام وقيل لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية وقيل لبيان أن ~~اصطفاءه عليه السلام للخلة بمحض مشيئته تعالى أي تعالى ما فيهما جميعا ~~يختار منهما ما يشاء وقوله عز وجل «وكان الله بكل شيء محيطا» تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبله على الوجوه المذكورة فإن إحاطته تعالى علما وقدرة بجميع ~~الأشياء التي من جملتها ما فيهما من المكلفين وأعمالهم مما يقرر ذلك أكمل ~~تقرير «ويستفتونك في النساء» أي في حقهن على الإطلاق كما ينبئ عنه الأحكام ~~الآتية لا في حق ميراثهن خاصة فإنه صلى الله عليه وسلم قد سئل عن أحوال ~~كثيرة مما يتعلق بهن فما بين حكمة فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك ~~من الكتاب وما لم يبين حكمه بعد ههنا وذلك قوله تعالى «قل الله يفتيكم فيهن ~~وما يتلى عليكم في الكتاب» بإسناد الإفتاء الذي هو تبيين المبهم وتوضيح ~~المشكل إليه تعالى وإلى ما تلى من الكتاب فيما سبق باعتبارين على طريقة ~~قولك أغنانى زيد وعطاؤه بعطف ما على المبتدأ أو ضميره في الخبر لمكان الفصل ~~بالمفعول والجار PageV02P237 # والمجرور وإيثار صيغة المضارع للإيذان باستمرار التلاوة ودوامها في ~~الكتاب إما متعلق بيتلى ms0779 أو بمحذوف وقع حالا من المستكن فيه أي يتلى كائنا ~~فيه ويجوز ان يكون ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره على أن المراد به ~~اللوح المحفوظ والجملة معترضة مسوقة لبيان عظم شأن المتلو عليهم وأن العدل ~~في الحقوق المبينة فيه من عظائم الأمور التي تجب مراعاتها والمحافظة عليها ~~فما يتلى حينئذ متناول لما تلى وما سيتلى ويجوز أن يكون مجرورا على القسم ~~المنبئ عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل قل الله يفتيكم فيهن وأقسم بما ~~يتلى عليكم في الكتاب فالمراد بقوله تعالى يفتيكم بيانه السابق واللاحق ولا ~~مساغ لعطفه على المجرور من فيهن لاختلاله لفظا ومعنى وقوله تعالى «في يتامى ~~النساء» على الوجه الأول وهو الأظهر متعلق بيتلى أي ما يتلى عليكم في شأنهن ~~وعلى الأخيرين بدل من فيهن وهذه الإضافة بمعنى من لأنها إضافة الشئ إلى ~~جنسه وقرئ ييامى على قلب همزة أيامى ياء «اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن» أي ~~ما فرض لهن من الميراث وغيره «وترغبون» عطف على الصلة عطف جملة مثبتة على ~~جملة منفية وقيل حال من فاعل تؤتونهن بتأويل وأنتم ترغبون ولا ريب في أنه ~~لا يظهر لتقييد عدم الإيتاء بذلك فائدة إلا إذا أريد بما كتب لهن صداقهن ~~«أن تنكحوهن» أي في ان تنكحوهن لا لأجل التمتع بهن بل لأكل ما لهن أوفي أن ~~تنكحوهن بغير إكمال الصداق وذلك ما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها من ~~أنها اليتيمة تكون في حجر وليها هو وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد ان ~~ينكحها بأدنى من سنة نسائها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال ~~الصداق أو عن أن تنكحوهن وذلك ما روى عنها رضى الله عنها انها يتيمة يرغب ~~وليها عن نكاحها ولا ينكحها فيعضلها طمعا في ميراثها وفي رواية عنها رضى ~~الله عنه هو الرجل يكون عنده يتيمة ووارثها وشريكها في المال حتى في العذق ~~فيرغب ان ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها ~~فالمراد ms0780 بما كتب لهن على الوجه الأول والأخير ميراثهن وبما يتلى في حقهن ~~قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم وقوله تعالى ولا تأكلوها ونحوهما من ~~النصوص الدالة على عدم التعرض لأموالهم وعلى الوجه الثاني صداقهن وبما يتلى ~~فيهن قوله تعالى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى الآية «والمستضعفين من ~~الولدان» عطف على يتامى النساء وما يتلى في حقهم قوله تعالى يوصيكم الله ~~الخ وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء وإنما يورثون ~~الرجال القوام بالأمور روى أن عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال أخبرنا بأنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف وإنما كنا ~~نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال صلى الله عليه وسلم كذلك أمرت «وأن ~~تقوموا لليتامى بالقسط» بالجر عطف على ما قبله وما يتلى في حقهم قوله تعالى ~~ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ونحو ذلك مما لا ~~يكاد يحصر هذا على تقدير كون في يتامى النساء متعلقا بيتلى وأما على تقدير ~~كونه بدلا من فيهن فالوجه نصبه عطفا على موضع فيهن أي يفتيكم أن تقوموا ~~ويجوز نصبه بإضمار فعل أي ويأمركم وهو خطاب للولاة أو للأولياء والأوصياء ~~«وما تفعلوا» في حقوق المذكورين «من خير» حسبما أمرتم به أو ما تفعلوه من ~~خير على الإطلاق فيندرج فيه ما يتعلق بهم اندراجا أوليا «فإن الله كان به ~~عليما» فيجازيكم بحسبه PageV02P238 # «وإن امرأة خافت» شروع في بيان ما لم يبين فيما سلف من الأحكام أي إن ~~توقعت امرأة «من بعلها نشوزا» أي تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها كراهة لها ~~ومنعا لحقوقها «أو إعراضا» بأن يقل محادثتها ومؤانستها لما يقتضي ذلك من ~~الدواعي والأسباب «فلا جناح عليهما» حينئذ «أن يصلحا بينهما صلحا» أي في أن ~~يصلحا بينهما بأن تحط له المهر أو بعضه أو القسم كما فعلت سودة بنت زمعة ~~حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبت يومها لعائشة رضي ~~الله عنها أو بأن تهب ms0781 له شيئا تستميله وقرئ يصالحا من يتصالحا ويصلحا من ~~يصطلحا ويصالحا من المفاعلة وصلحا إما منصوب بالفعل المذكور على كل تقدير ~~على أنه مصدر منه بحذف الزوائد وقد يعبر عنه باسم المصدر كأنه قيل إصلاحا ~~أو تصلحا أو اصطلاحا حسبما قرئ الفعل أو بفعل مترتب على المذكور أي فيصلح ~~حالهما صلحا وبينهما ظرف للفعل أو حال من صلحا والتعرض لنفي الجناح عنهما ~~مع أنه ليس من جانبها الأخذ الذي هو المظنة للجناح لبيان أن هذا الصلح ليس ~~من قبيل الرشوة المحرمة للمعطى والآخذ «والصلح خير» أي من الفرقة أو من سوء ~~العشرة أو من الخصومة فاللام للعهد أو هو خير من الخيور فاللام للجنس ~~والجملة اعتراض مقرر لما فبله وكذا قوله تعالى «وأحضرت الأنفس الشح» أي ~~جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبدا فلا المرأة تسمح بحقوقها من ~~الرجل ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها فإن فيه تحقيقا للصلح ~~وتقريرا له بحث كل منهما عليه لكن لا بالنظر إلى حال نفسه فإن ذلك يستدعي ~~التمادي في المماكسة والشقاق بل بالنظر إلى حال صاحبه فإن شح نفس الرجل ~~وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض ~~حقوقها إليه لاستمالته وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقتنع ~~من قبلها بشيء يسير ولا يكلفها بذل الكثير فيتحقق بذلك الصلح «وإن تحسنوا» ~~في العشرة «وتتقوا» النشوز والإعراض وإن تعاضدت الأسباب الداعية إليهما ~~وتصبروا على ذلك مراعاة لحقوق الصحبة ولم تضطروهن إلى بذل شئ من حقوقهن ~~«فإن الله كان بما تعملون» أي من الإحسان والتقوى أو بما تعملون جميعا ~~فيدخل ذلك فيه دخولا أوليا «خبيرا» فيجازيكم ويثيبكم على ذلك البتة ~~لاستحالة أن يضيع أجر المحسنين وفي خطاب الأزواج بطريق الالتفات والتعبير ~~عن رعاية حقوقهن بالإحسان ولفظ التقوى المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما ~~يتوقى منه وترتيب الوعد الكريم عليه من لطف الاستمالة والترغيب في حسن ~~المعاملة مالا يخفى روى أنها نزلت في عمرة بنت ms0782 محمد بن مسلمة وزوجها سعد بن ~~الربيع تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر تزوج شابة وآثرها عليها وجفاها ~~فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكت إليه ذلك وقيل نزلت في أبي السائب ~~كانت له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج غيرها فقالت ~~لا تطلقني ودعني على أولادي فأقسم لي من كل شهرين إن شئت وإن شئت فلا تقسم ~~لي فقال إن كان PageV02P239 # يصلح ذلك فهو أحب إلي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ~~فنزلت «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء» أي محال أن تقدروا على أن ~~تعدلوا بينهن بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتة ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول اللهم ~~هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك وفي رواية وأنت أعلم ~~بما لا أملك يعنى فرط محبته لعائشة رضى الله عنها «ولو حرصتم» أي على إقامة ~~العدل وبالغتم في ذلك «فلا تميلوا كل الميل» أي فلا تجوروا على المرغوب ~~عنها كل الجور واعدلوا ما استطعتم فإن عجزكم عن حقيقة العدل إنما يصحح عدم ~~تكليفكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلة تحت استطاعتكم «فتذروها» اى ~~التي ملتم عنها «كالمعلقة» التي ليست ذات بعل أو مطلقة وقرئ كالمسجونة وفي ~~الحديث من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ~~«وإن تصلحوا» ما كنتم تفسدون من أمورهن «وتتقوا» الميل فيما يستقبل «فإن ~~الله كان غفورا» يغفر لكم ما فرط منكم من الميل «رحيما» يتفضل عليكم برحمته ~~«وإن يتفرقا» وقرئ يتفارقا أي وإن يفارق كل منهما صاحبه بأن لم يتفق بينهما ~~وفاق بوجه ما من الصلح وغيره «يغن الله كلا» منهما أي يجعله مستغنيا عن ~~الآخر ويكفيه مهماته «من سعته» من غناه وقدرته وفيه زجر لهما عن المفارقة ~~رغما لصاحبه «وكان الله واسعا حكيما» مقتدرا متقنا في أفعاله وأحكامه وقوله ~~تعالى ms0783 «ولله ما في السماوات وما في الأرض» أي من الموجودات كائنا ما كان من ~~الخلائق وأرزاقهم وغير ذلك جملة مستأنفة منبهة على كمال سعته وعظم قدرته ~~«ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم» أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهود ~~والنصارى ومن قبلهم من الأمم واللام في الكتاب للجنس ومن متعلقة بوصينا أو ~~بأوتوا «وإياكم» عطف على الموصول «أن اتقوا الله» أي وصينا كلا منكم بان ~~اتقوا الله على أن أن مصدرية حذف عنها الجار ويجوز أن تكون مفسرة لأن ~~التوصية في معنى القول فقوله تعالى «وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما ~~في الأرض» حينئذ من تتمة القول المحكى أي ولقد قلنا لهم ولكم اتقوا الله ~~وإن تكفروا إلى آخر الآية وعلى تقدير كون أن مصدرية مبنى الكلام إرادة ~~القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا الآية وقيل هي ~~جملة مستأنفة خوطب بها هذه الأمة وأيما ما كان فالمترتب على كفرهم ليس ~~مضمون قوله تعالى فإن لله الآية بل هو الأمر بعلمه كأنه قيل وإن تكفروا ~~فاعلموا أن لله ما في السماوات وما في الأرض PageV02P240 # من الخلائق قاطبة مفتقرون إليه في الوجود وسائر النعم المتفرعة عليه لا ~~يستغنون عن فيضه طرفة عين فحقه أن يطاع ولا يعصى ويتقى عقابه ويرجى ثوابه ~~وقد قرر ذلك بقوله تعالى «وكان الله غنيا» اى عن الخلق وعبادتهم «حميدا» ~~محمودا في ذاته حمدوه أو لم يحمدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع ~~بشكرهم وتقواهم وإنما وصاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته «ولله ما في السماوات ~~وما في الأرض» كلام مبتدأ مسوق للمخاطبين توطئة لما بعده من الشرطية غير ~~داخل تحت القول المحكى اى له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقا وملكا يتصرف ~~فيهم كيفما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة «وكفى بالله وكيلا» في تدبير ~~أمور الكل وكل الأمور فلا بد من أن يتوكل عليه لا على أحد سواه «إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس» أي يفنكم ويستأصلكم بالمرة «ويأت بآخرين» اى يوجد ms0784 دفعة ~~مكانكم قوما آخرين من البشر أو خلقا آخرين مكان الإنس ومفعول المشيئة محذوف ~~لكونه مضمون الجزاء أي أن يشأ إفناءكم وإيجاد آخرين يذهبكم الخ يعنى ان ~~إبقاءكم على أما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم ولعدم ~~تعلق مشيئته المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم لا لعجزه سبحانه تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا «وكان الله على ذلك» أي على إفناءكم بالمرة وإيجاد آخرين ~~دفعة مكانكم «قديرا» بليغ القدرة وفيه لا سيما في توسيط الخطاب بين الجزاء ~~وما عطف عليه من تشديد التهديد ما لا يخفى وقيل هو خطاب لمن عادى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من العرب أي إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه ~~فمعناه هو معنى قوله تعالى وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ~~ظهر سلمان وقال إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس «من كان يريد ثواب الدنيا» ~~كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة «فعند الله ثواب الدنيا والآخرة» أي فعنده ~~تعالى ثوابهما له إن أراده فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أو ليطلب أشرفهما فإن من جاهد خالصا ~~لوجه الله تعالى لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شئ أي ~~فعند الله ثواب الدارين فيعطى كلا ما يريده كقوله تعالى من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه الآية «وكان الله سميعا بصيرا» عالما بجميع ~~المسموعات والمبصرات فيندرج فيها ما صدر عنهم من الأقوال والأعمال المتعلقة ~~بمراداتهم اندراجا أوليا PageV02P241 # «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط» مبالغين في العدل وإقامة ~~القسط في جميع الأمور مجتهدين في ذلك حق الاجتهاد «شهداء لله» بالحق تقيمون ~~شهاداتكم لوجه الله تعالى وهو خبر ثان وقيل حال «ولو على أنفسكم» أي ولو ~~كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها على أن الشهادة عبارة عن الإخبار ~~بحق الغير سواء كان ذلك ms0785 عليه أو على ثالث بأن يكون الشهادة مستتبعة لضرر ~~ينالكم من جهة المشهود عليه «أو الوالدين والأقربين» أي ولو كان على ~~والديكم وأقاربكم «إن يكن» أي المشهود عليه «غنيا» ينبغي في العادة رضاه ~~ويتقى سخطه «أو فقيرا» يترحم عليه غالبا وقرئ إن يكن غنى أو فقير على أن ~~كان تامة وجواب الشرط محذوف لدلالة قوله تعالى «فالله أولى بهما» عليه أي ~~فلا تمنعوا عنها طلبا لرضا الغنى أو ترحما على الفقير فإن الله تعالى أولى ~~بجنسى الغنى والفقير المدلول عليهما بما ذكر ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة ~~لهما لما شرعها وقرئ أولى بهم «فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا» أي مخافة أن ~~تعدلوا عن الحق فإن اتباع الهوى من مظان الجور الذي حقه أن يخاف ويحذر وقيل ~~كراهة أن تعدلوا بين الناس أو إرادة ان تعدلوا عن الحق «وإن تلووا» أي ~~ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل بأن تأتوا بها لا على وجهها وقرئ وإن ~~تلوا من الولاية والتصدي أي وإن وليتم إقامة الشهادة «أو تعرضوا» أي عن ~~إقامتها رأسا «فإن الله كان بما تعملون» من لي الألسنة والإعراض بالكلية أو ~~من جميع الأعمال التي من جملتها ما ذكر «خبيرا» فيجازيكم لا محالة على ذلك ~~فهو على القراءة المشهورة وعيد محض وعلى القراءة الأخيرة متضمن للوعيد «يا ~~أيها الذين آمنوا» خطاب لكافة المسلمين فمعنى قوله تعالى «آمنوا بالله ~~ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل» اثبتوا على ~~الإيمان بذلك وداوموا عليه وازدادوا فيه طمأنينة ويقينا أو آمنوا بما ذكر ~~مفصلا بناء على أن إيمان بعضهم إجمالى والمراد بالكتاب الثاني الجنس ~~المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى وكتبه بالإيمان به الإيمان بأن ~~كل كتاب من تلك الكتب منزل منه تعالى على رسول معين لإرشاد أمته إلى ما شرع ~~لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكن لا على أن مدار الإيمان بكل واحد من ~~تلك الكتب خصوصية ذلك الكتاب ولا على أن أحكام تلك الكتب وشرائعها باقية ~~بالكلية ولا ms0786 على أن الباقي منها معتبر بالإضافة إليها بل على أن الإيمان ~~بالكل PageV02P242 # مندرج تحت الإيمان بالكتاب المنزل على رسوله وأن أحكام كل منها كانت حقه ~~ثابتة إلى ورود ما نسخها وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ~~ثابتة من حيث أنها من أحكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ والتبديل ~~كما مر في تفسير خاتمة سورة البقرة وقرئ نزل وأنزل على البناء للمفعول وقيل ~~هو خطاب لمؤمني أهل الكتاب لما أن عبد الله بن سلام وابن أخته سلامة وابن ~~أخيه سلمة وأسدا وأسيدا ابني كعب وثعلبة بن قيس ويامين بن يامين أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالوا يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى ~~والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فقال صلى الله عليه وسلم بل ~~آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله فقالوا لا نفعل ~~فنزلت فآمنوا كلهم فامرهم بالإيمان بالكتاب المتناول للتوراة مع أنهم ~~مؤمنون بها من قبل ليس لكون المراد بالإيمان ما يعم إنشاءه والثبات عليه ~~ولا لأن متعلق الأمر حقيقة هو الإيمان بما عداها كأنه قيل آمنوا بالكل ولا ~~تخصوه بالبعض بل لأن المأمور به إنما هو الإيمان بها في ضمن الإيمان ~~بالقرآن على الوجه الذي أشير إليه آنفا لا إيمانهم السابق ولأن فيه حملا ~~لهم على التسوية بينهما وبين سائر الكتب في التصديق لاشتراك الكل فيما ~~يوجبه وهو النزول من عند الله تعالى وقيل خطاب لأهل الكتابين فالمعنى آمنوا ~~بالكل لا ببعض دون بعض وأمر كل طائفة بالإيمان بكتابه في ضمن الأمر ~~بالإيمان بجنس الكتاب لما ذكر وقيل هو للمنافقين فالمعنى آمنوا بقلوبكم لا ~~بألسنتكم فقط «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر» أي بشئ ~~من ذلك «فقد ضل ضلالا بعيدا» عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقة وزيادة ~~الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق ~~الإيمان أصلا وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو برسول ms0787 كفر بالكل ~~وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه وتقديم ~~الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسايط بين الله عز وجل وبين الرسل في ~~إنزال الكتب «إن الذين آمنوا» قال قتادة هم اليهود آمنوا بموسى «ثم كفروا» ~~بعبادتهم العجل «ثم آمنوا» عند عودة إليهم «ثم كفروا» بعيسى والإنجيل «ثم ~~ازدادوا كفرا» بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل هم قوم تكرر منهم ~~الارتداد وأصروا على الكفر وازدادوا تماديا في الغى «لم يكن الله ليغفر لهم ~~ولا ليهديهم سبيلا» لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على ~~الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم ~~أهون شئ وأدونه لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم وخبر ~~كان محذوف أي مريدا ليغفر لهم وقوله عز وجل «بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما» يدل على أن المراد بالمذكورين الذين آمنوا في الظاهر نفاقا وكفروا ~~في السر مرة بعد أخرى ثم ازدادوا كفرا ونفاقا ووضع PageV02P243 # بشر موضع أنذر تهكما بهم «الذين يتخذون الكافرين أولياء» في محل النصب أو ~~الرفع على الذم بمعنى أريد بهم الذين أوهم الذين وقيل نصب على انه صفة ~~للمنافقين وقوله تعالى «من دون المؤمنين» حال من فاعل يتخذون أي يتخذون ~~الكفرة أنصارا متجاوزين ولاية المؤمنين وكانوا يوالونهم ويقول بعضهم لبعض ~~لا يتم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فتولوا اليهود «أيبتغون عندهم العزة» ~~إنكار لرأيهم وإبطال له وبيان لخيبة رجائهم وقطع لأطماعهم الفارغة والجملة ~~معترضة مقررة لما قبلها أي أيطلبون بموالاة الكفرة القوة والغلبة قال ~~الواحدي أصل العزة الشدة ومنه قيل للأرض الشديدة الصلبة عزاز وقوله تعالى ~~«فإن العزة لله جميعا» تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكارى من بطلان رأيهم ~~وخيبة رجائهم فإن انحصار جميع أفراد العزة في جنابة عز وعلا بحيث لا ينالها ~~إلا أولياؤه الذين كتب لهم العزة والغلبة قال تعالى ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين يقضى ببطلان التعزز بغيره سبحانه وتعالى واستحالة الانتفاع به ~~وقيل هو جواب ms0788 شرط محذوف كأنه قيل إن يبتغوا عندهم عزة فإن العزة لله وجميعا ~~حال من المستكن في قوله تعالى لله لاعتماده على المبتدأ «وقد نزل عليكم» ~~خطاب للمنافقين بطريق الالتفات مفيد لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تعداد ~~جناياتهم وقرئ مبنيا للمفعول من التنزيل والإنزال ونزل أيضا مخففا والجملة ~~حال من ضمير يتخذون أيضا مفيدة لكمال قباحة حالهم ونهاية استعصائهم عليه ~~سبحانه ببيان أنهم فعلوا ما فعلوا من موالاة الكفرة مع تحقق ما يمنعهم من ~~ذلك وهو وردود النهى الصريح عن مجالستهم المستلزم للنهي عن موالاتهم على ~~أبلغ وجه وآكده إثر بيان انتفاء ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة كأنه قيل ~~تتخذونهم أولياء والحال أنه تعالى قد نزل عليكم قبل هذا بمكة «في الكتاب» ~~أي القرآن الكريم «أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره» وذلك قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا فأعرض عنهم الآية وهذا يقتضى الانزجار عن مجالستهم في تلك الحالة ~~القبيحة فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم وأن هي المخففة من ان وضمير الشأن ~~الذي هو اسمها محذوف والجملة الشرطية خبرها وقوله تعالى يكفر بها حال من ~~آيات الله وقوله تعالى ويستهزأ بها عطف عليه داخل في حكم الحالية وإضافة ~~الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة خطرها وتهويل أمر الكفر بها أي ~~نزل عليكم في الكتاب أنه إذا سمعتم آيات الله مكفورا بها ومستهزأ بها وفيه ~~دلالة على أن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وإن خوطب به خاصة منزل ~~على الأمة وأن مدار الإعراض عنهم هو العلم بخوضهم في الآيات ولذلك عبر عن ~~ذلك تارة بالرؤية PageV02P244 # وأخرى بالسماع وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم لا ~~الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط والضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله ~~تعالى يكفر بها ويستهزأ بها «إنكم إذا مثلهم» جملة مستأنفة سيقت لتعليل ~~النهى غير داخلة تحت التنزيل وإذن ملغاة عن العمل لوقوعها بين المبتدأ ~~والخبر أي لا تقعدوا معهم في ذلك ms0789 الوقت إنكم إن فعلتموه كنتم مثلهم في ~~الكفر واستتباع العذاب وإفراد المثل لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإضافة ~~إلى الجمع وقرئ شاذا مثلهم بالفتح لإضافته إلى غير متمكن كما في قوله تعالى ~~مثل ما أنكم تنطقون وقيل هو منصوب على الظرفية اى في مثل حالهم وقوله تعالى ~~«إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا» تعليل لكونهم مثلهم في ~~الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب والمراد بالمنافقين إما ~~المخاطبون وقد وضع موضع ضميرهم المظهر تسجيلا بنفاقهم وتعليلا للحكم بمأخذ ~~الاشتقاق وإما الجنس وهم داخلون تحته دخولا أوليا وتقديم المنافقين على ~~الكافرين لتشديد الوعيد على المخاطبين ونصب جميعا مثل ما قبله «الذين ~~يتربصون بكم» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى المؤمنين بتعديد بعض آخر من ~~جنايات المنافقين وقبائحهم وهو إما بدل من الذين يتخذون أو صفة للمنافقين ~~فقط إذ هم المتربصون دون الكافرين أو مرفوع أو منصوب على الذم أي ينتظرون ~~أمركم وما يحدث لكم من ظفر أو إخفاق والفاء في قوله تعالى «فإن كان لكم فتح ~~من الله» لترتيب مضمونه على ما قبلها فإن حكاية تربصهم مستتبعة لحكاية ما ~~يقع بعد ذلك كما ان نفس التربص يستدعى شيئا ينتظر المتربص وقوعه «قالوا» أي ~~لكم «ألم نكن معكم» أي مظاهرين لكم فأسهموا لنا في الغنيمة «وإن كان ~~للكافرين نصيب» من الحرب فإنها سجال «قالوا» أي للكفرة «ألم نستحوذ عليكم» ~~أي ألم نغلبكم ونتمكن من قتالكم وأسركم فأبقينا عليكم «ونمنعكم من ~~المؤمنين» بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم ومرضوا في قتالكم ~~وتوانينا في مظاهرتهم وإلا لكنتم نهبة للنوائب فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم ~~وتسمية ظفر المسلمين فتحا وما للكافرين نصيبا لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس ~~حظ الكافرين وقرئ ونمنعكم بإضمار أن «فالله يحكم بينكم يوم القيامة» حكما ~~يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب وأما في الدنيا فقد أجرى على من تفوه ~~بكلمة الإسلام حكمه ولم يضع السيف على من تكلم بها نفاقا «ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين ms0790 سبيلا» حينئذ كما قد يجعل ذلك في الدنيا بطريق ~~الابتلاء والاستدراج أو في الدنيا على ان المراد بالسبيل الحجة «إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم» كلام مبتدأ سيق لبيان طرف PageV02P245 # آخر من قبائح أعمالهم أي يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطال ~~نقيضه والله فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومى ~~الدماء والأموال وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار وقد مر التحقيق ~~في صدر سورة البقرة وقيل يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون ~~بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم ~~«وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى» متثاقلين كالمكره على الفعل وقرئ بفتح ~~الكاف وهما جمعا كسلان «يراؤون الناس» ليحسبوهم مؤمنين والمراءاة مفاعلة ~~بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو للمقابلة فإن المرئى يرى غيره عمله وهو يريه ~~استحسانه والجملة اما استئناف مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل فماذا ~~يريدون بقيامهم إليها كسالى فقيل يراءون الخ أو حال من ضمير قاموا «ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا» عطف على يراءون أي لا يذكرونه سبحانه إلا ذكرا ~~قليلا وهو ذكرهم باللسان فإنه بالإضافة إلى الذكر بالقلب قليل أو إلا زمانا ~~قليلا أو لا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون إلا بمر أي من الناس وذلك قليل ~~وقيل لا يذكرونه تعالى في الصلاة إلا قليلا عند التكبير والتسليم «مذبذبين ~~بين ذلك» حال من فاعل يراءون أو منصوب على الذم وذلك إشارة إلى الإيمان ~~والكفر المدلول عليهما بمعونة المقام أي مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم ~~الشيطان وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى وقرئ ~~بكسر الذال أي مذبذبين قلوبهم أو رأيهم أو دينهم أو هو بمعنى متذبذبين كما ~~جاء صلصل بمعنى تصلصل وفي مصحف ابن مسعود رضى الله عنه متذبذبين وقرئ ~~مدبدبين بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة أي طريقة ~~وأخرى في أخرى «لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» اى لامنسوبين إلى ms0791 المؤمنين ولا ~~منسوبين إلى الكافرين أولا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخرين فمحله النصب ~~على أنه حال من ضمير مذبذبين أو على أنه بدل منه أو بيان وتفسير له «ومن ~~يضلل الله» لعدم استعداده للهداية والتوفيق «فلن تجد له سبيلا» موصلا إلى ~~الحق والصواب فضلا عن أن تهديه إليه والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان ~~«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين» نهوا عن ~~موالاة الكفرة صريحا وإن كان في بيان حال المنافقين مزجرة عن ذلك مبالغة في ~~الزجر والتحذير «أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا» أي أتريدون ~~بذلك أن تجعلوا لله عليكم حجة بينه على أنكم منافقون فإن موالاتهم أوضح ~~أدلة النفاق أو سلطانا يسلط عليكم عقابه وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون ~~متعلقها بأن يقال أتجعلون المبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا ~~يصدر عن العاقل أرادته فضلا عن صدور نفسه كما في قوله عز وجل أم تريدون أن ~~تسألوا رسولكم PageV02P246 # «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» وهو الطبقة التي في قعر جهنم ~~وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام ~~وأهله وخداعهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن ~~صام وصلى وزعم انه مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ونحوه ~~فمن باب التشديد والتهديد والتغليظ مبالغة في الزجر وتسمية طبقاتها السبع ~~دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض وقرئ بفتح الراء وهو لغة ~~كالسطر والسطر ويعضده أن جمعه أدراك «ولن تجد لهم نصيرا» يخلصهم منه ~~والخطاب كما سبق «إلا الذين تابوا» أي عن النفاق وهو استثناء من المنافقين ~~بل من ضميرهم في الخبر «وأصلحوا» ما أفسدوا من أحوالهم في حال النفاق ~~«واعتصموا بالله» أي وثقوا به وتمسكوا بدينه «وأخلصوا دينهم» أي جعلوه ~~خالصا «لله» لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه «فأولئك» إشارة إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى ms0792 البعد للإيذان ببعد ~~المنزلة وعلو الطبقة «مع المؤمنين» أي المؤمنين المعهودين الذين لم يصدر ~~عنهم نفاق أصلا منذ آمنوا وإلا فهم أيضا مؤمنون أي معهم في الدرجات العالية ~~من الجنة وقد بين ذلك بقوله تعالى «وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما» لا ~~يقادر قدره فيساهمونهم فيه «ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم» استئناف ~~مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم لا شئ آخر فيكون ~~مقررا لما قبله من إثابتهم عن توبتهم وما استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ ~~وجه وآكده اى أي شئ يفعل الله سبحانه بتعذيبكم أيتشفى به من الغيظ أم يدرك ~~به الثأر أم يستجلب به نفعا أم يستدفع به ضررا كما هو شان الملوك وهو الغنى ~~المتعالى عن أمثال ذلك وإنما هو أمر يقتضيه كفركم فإذا زال ذلك بالإيمان ~~والشكر انتفى التعذيب لا محالة وتقديم الشكر على الإيمان لما أنه طريق موصل ~~إليه فإن النظر يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكرا ~~مبهما ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به وجواب الشرط محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه «وكان الله شاكرا» الشكر من الله سبحانه هو الرضا باليسير من ~~طاعة عباده وإضعاف الثواب بمقابلته «عليما» مبالغا في العلم بجميع ~~المعلومات التي من جملتها شكركم وإيمانكم فيستحيل أن لا يوفيكم أجوركم «لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول» عدم محبته تعالى لشيء كناية عن سخطه ~~والباء متعلقة بالجهر 148 ومن بمحذوف وقع حالا من السوء أي لا يحب الله ~~تعالى أن يجهر أحد بالسوء كائنا من القول «إلا من PageV02P247 # ظلم» أي إلا جهر من ظلم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه ~~من السوء فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه وقيل هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على ~~الشاتم ولمن انتصر بعد ظلمه الآية وقيل ضاف رجلا قوما فلم يطعموه فاشتكاهم ~~فعوتب على الشكاية فنزلت وقرئ إلا من ظلم على البناء للفاعل فالاستثناء ~~منقطع أي ولكن الظالم يرتكب مالا يحبه الله ms0793 تعالى فيجهر بالسوء «وكان الله ~~سميعا» لجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم «عليما» بجميع ~~المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم فالجملة تذييل مقرر لما ~~يفيده الاستثناء «إن تبدوا خيرا» أي خير كان من الأقوال والأفعال «أو تخفوه ~~أو تعفوا عن سوء» مع ما سوغ لكم من مؤاخذة المسئ والتنصيص عليه مع اندراجه ~~في إبداء الخير وإخفائه لما انه الحقيق بالبيان وإنما ذكر إبداء الخير ~~وإخفاؤه بطريق التسبيب له كما ينبئ عنه قوله عز وجل «فإن الله كان عفوا ~~قديرا» فإن إيراده في معرض جواب الشرط يدل على أن العمدة هو العفو مع ~~القدرة أي كان مبالغا في العفو مع كمال قدرته على المؤاخذة وقال الحسن يعفو ~~عن الجانين مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى وقال ~~الكلبي هو أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب من ظلمكم وقيل عفوا عمن ~~عفا قديرا على إيصال الثواب إليه «إن الذين يكفرون بالله ورسله» أي يؤدى ~~إليه مذهبهم ويقتضيه رأيهم لا أنهم يصرحون بذلك كما ينبئ عنه قوله تعالى ~~«ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله» أي بأن يؤمنوا به تعالى ويكفروا بهم ~~لكن لا بان يصرحوا بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبة بل بطريق الاستلزام ~~كما يحكيه قوله تعالى «ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض» أي نؤمن ببعض ~~الأنبياء ونكفر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراة وعزير ونكفر ~~بما وراء ذلك وما ذاك إلا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله تعالى ~~ورسله في الإيمان لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم ~~السلام وما من نبي من الأنبياء إلا وقد أخبر قومه بحقية دين نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل وبالله ~~تعالى أيضا من حيث لا يحتسب «ويريدون» بقولهم ذلك «أن يتخذوا بين ذلك» أي ~~بين الإيمان والكفر «سبيلا» يسلكونه مع انه لا واسطة بينهما قطعا إذ الحق ~~لا يختلف وماذا بعد الحق إلا الضلال «أولئك» الموصوفون ms0794 بالصفات القبيحة «هم ~~الكافرون» الكاملون في الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه إيمانا أصلا «حقا» ~~مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك أي كونهم كاملين في الكفر حقا أو صفة ~~لمصدر الكافرين اى هم الذين كفروا حقا أي PageV02P248 # ثابتا يقينا لا ريب فيه «وأعتدنا للكافرين» أي لهم وإنما وضع المظهر مكان ~~المضمر ذما وتذكيرا لوصفهم أو لجميع الكافرين وهم داخلون في زمرتهم دخولا ~~أولياء «عذابا مهينا» سيذوقونه عند حلوله «والذين آمنوا بالله ورسله» أي ~~على الوجه الذي بين في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ~~ورسوله الآية «ولم يفرقوا بين أحد منهم» بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين ~~كما فعله الكفرة ودخول بين على أحد قد مر تحقيقه في سورة البقرة بما لا ~~مزيد عليه «أولئك» المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة «سوف يؤتيهم أجورهم» ~~الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة ~~وإن تراخى وقرئ نؤتيهم بنون العظمة «وكان الله غفورا» لما فرط منهم «رحيما» ~~مبالغا في الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم «يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء» نزلت في أحبار اليهود حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه الصلاة ~~والسلام وقيل كتابا محررا بخط سماوي على اللوح كما نزلت التوراة أو كتابا ~~نعاينه حين ينزل أو كتابا إلينا بأعياننا بأنك رسول الله وما كان مقصدهم ~~بهذه العظيمة إلا التحكم والتعنت قال الحسن ولو سألوه لكي يتبينوا الحق ~~أعطاهم وفيما آتاهم كفاية «فقد سألوا موسى أكبر من ذلك» جواب شرط مقدر أي ~~إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى شيئا أكبر وقيل تعليل للجواب أي ~~فلا تبال بسؤالهم فقد سألوا موسى أكبر وهذه المسألة وإن صدرت عن أسلافهم ~~لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون وما يذرون أسندت إليهم والمعنى ~~أن لهم في ذلك عرقا راسخا وأن ما اقترحوا عليك ليس أول جهالاتهم «فقالوا ~~أرنا الله ms0795 جهرة» أي أرناه نره جهرة أي عيانا أو مجاهرين معاينين له والفاء ~~تفسيرية «فأخذتهم الصاعقة» أي النار التي جاءت من السماء فأهلكتهم وقرئ ~~الصعقة «بظلمهم» أي بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك ~~الحالة التي كانوا عليها وذلك لا يقتضى امتناع الرؤية مطلقا «ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات» أي المعجزات التي أظهرها لفرعون من العصا ~~واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها لا التوراة لأنها لم تنزل عليهم بعد ~~«فعفونا عن ذلك» ولم نستأصلهم وكانوا أحقاء به قيل هذا استدعاء لهم إلى ~~التوبة كأنه قيل إن أولئك أجرموا تابوا فعفونا عنهم فتوبوا أنتم أيضا حتى ~~نعفو عنكم «وآتينا موسى سلطانا مبينا» سلطانا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بأن ~~يقتلوا PageV02P249 # أنفسهم توبة عن معصيتهم «ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم» أي بسبب ميثاقهم ~~ليعطوه على ما روى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى ~~عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روى أنهم هموا بنقضه ~~فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي ~~من قوله عز وجل وأخذنا منهم ميثاقا غليظا «وقلنا لهم» على لسان موسى عليه ~~السلام والطور مظل عليهم «ادخلوا الباب» قال قتادة كنا نحدث أنه باب من ~~أبواب بيت المقدس وقيل هو إيليا وقيل هو أريحا وقيل هو اسم قرية وقيل باب ~~القبة التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ~~عليه السلام «سجدا» أي متطامنين خاضعين «وقلنا لهم لا تعدوا» أي لا تظلموا ~~باصطياد الحيتان «في السبت» وقرئ لا تعتدوا بفتح العين وتشديد الدال على أن ~~أصله تعتدوا فأدغمت التاء في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى ~~العين «وأخذنا منهم» على الامتثال بما كلفوه «ميثاقا غليظا» مؤكدا وهو ~~العهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة قيل إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن ~~هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد «فبما ~~نقضهم ميثاقهم» ما مزيدة للتأكيد أو نكرة تامة ms0796 ونقضهم بدل منها والباء ~~متعلقة بفعل محذوف أي فبسبب نقضهم ميثاقهم ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن ~~والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم أو على أعقابهم روى انهم اعتدوا ~~في السبت في عهد داود عليه السلام فلعنوا ومسخوا قردة وقيل متعلقة بحرمنا ~~على أن قوله تعالى فبظلم بدل من قوله تعالى فيما وما عطف عليه فيكون ~~التحريم معللا بالكل ولا يخفى أن قولهم إنا قتلنا المسيح وقولهم على مريم ~~البهتان متأخر عن التحريم ولا مساغ لتعلقها بما دل عليه قوله تعالى بل طبع ~~الله عليها بكفرهم لأنه رد لقولهم قلوبنا غلف فيكون من صلة قوله تعالى ~~وقولهم المعطوف على المجرور فلا يعمل في جاره «وكفرهم بآيات الله» أي ~~بالقرآن أو بما في كتابهم «وقتلهم الأنبياء بغير حق» كزكريا ويحيى عليهما ~~السلام «وقولهم قلوبنا غلف» جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية جبلية لا يكاد يصل ~~إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أو هو تخفيف غلف جمع غلاف أي هي ~~أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء وقال ~~الكلبي يعنون أن قلوبنا بحيث لا يصل إليها حديث إلا وعته ولو كان في حديثك ~~خير لوعته أيضا «بل طبع الله عليها بكفرهم» كلام معترض بين المعطوفين جئ به ~~على وجه الاستطراد مسارعة إلى رد زعمهم الفاسد أي ليس كفرهم وعدم وصول الحق ~~إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلة بل الأمر بالعكس حيث ختم الله عليها ~~بسبب كفرهم أو ليست قلوبهم كما زعموا بل هي مطبوع عليها PageV02P250 # بسبب كفرهم «فلا يؤمنون إلا قليلا» منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه أو ~~إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به «وبكفرهم» أي بعيسى عليه السلام وهو عطف على ~~قولهم وإعادة الجار لطول ما بينهما بالاستطراد وقد جوز عطفه على بكفرهم ~~فيكون هو ما عطف عليه من أسباب الطبع وقيل هذا المجموع معطوف على مجموع ما ~~قبله وتكرير ذكر الكفر للإيذان بتكرر كفرهم حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم ~~بمحمد ms0797 عليهم الصلاة والسلام «وقولهم على مريم بهتانا عظيما» لا يقادر قدره ~~حيث نسبوها إلى ما هي عنه بألف منزل «وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله» نظم قولهم هذا في سلك سائر جناياتهم التي نعيت عليهم ليس ~~لمجرد كونه كذبا بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبي عليه السلام والاستهزاء به ~~فإن وصفهم له بعنوان الرسالة إنما هو بطريق التهكم به عليه السلام كما في ~~قوله تعالى يا أيها الذي نزل عليه الذكر الخ ولإنبائه عن ذكرهم له عليه ~~السلام بالوجه القبيح على ما قيل من أن ذلك وضع للذكر جميل من جهته تعالى ~~مكان ذكرهم القبيح وقيل نعت له عليه السلام من جهته تعالى مدحا له ورفعا ~~لمحله عليه السلام وإظهارا لغاية جراءتهم في تصديهم لقتله ونهاية وقاحتهم ~~في افتخارهم بذلك «وما قتلوه وما صلبوه» حال واعتراض «ولكن شبه لهم» روى أن ~~رهطا من اليهود سبوه عليه السلام وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردة ~~وخنازير فأجمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ~~فقال لأصحابه أيكم يرضى بأن يلقى عليه شبهي فيقتل فيصلب ويدخل الجنة فقال ~~رجل منهم أنا فألقى الله تعالى عليه شبهه فقتل وصلب وقيل كان رجل ينافق ~~عيسى عليه السلام فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه فدخل بيت عيسى عليه ~~السلام فرفع عيسى عليه السلام وألقى شبهة على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه ~~وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام وقيل إن طيطانوس اليهودي دخل بيتا كان هو ~~فيه فلم يجده فألقى الله تعالى عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى عليه السلام ~~فأخذ وقتل وأمثال هذه الخوارق لا تستبعد في عصر النبوة وقيل إن اليهود لما ~~هموا بقتله عليه السلام فرفعه الله تعالى إلى السماء خاف رؤساء اليهود من ~~وقوع الفتنة بين عوامهم فأخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس ~~وأظهروا لهم أنه هو المسيح وما كانوا يعرفونه إلا بالاسم لعدم مخالطته عليه ~~السلام لهم إلا قليلا وشبه مسندا إلى الجار والمجرور ms0798 كأنه قيل ولكن وقع لهم ~~التشبيه بين عيسى عليه السلام والمقتول أوفى الأمر على قول من قال لم يقتل ~~أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس أو إلى ضمير المقتول لدلالة إنا قتلنا ~~على أن ثم مقتولا «وإن الذين اختلفوا فيه» أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه ~~لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود إنه كان كذبا فقتلناه ~~حتما وتردد آخرون فقال بعضهم إن كان هذا عيسى PageV02P251 # فأين صاحبنا وقال بعضهم الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا وقال من سمع ~~منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء إنه رفع إلى السماء وقال قوم ~~صلب الناسوت وصعد اللاهوت «لفي شك منه» لفي تردد والشك كما يطلق على ما لم ~~يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله ~~تعالى «ما لهم به من علم إلا اتباع الظن» استثناء منقطع أي لكنهم يتبعون ~~الظن ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسمن إليه النفس ~~جزما كان أو غيره فالاستثناء حينئذ متصل «وما قتلوه يقينا» أي قتلا يقينا ~~كما زعموا بقولهم إنا قتلنا المسيح وقيل معناه وما علموه يقينا كما في قوله ~~من قال كذاك تخبر عنها العالمات بها وقد قتلت بعلمي ذلكم يقنا من قولهم ~~قتلت الشيء علما ونحرته علما إذا تبالغ علمك فيه وفيه تهكم بهم لإشعاره ~~بعلمهم في الجملة وقد نفي ذلك عنهم بالكلية «بل رفعه الله إليه» رد وإنكار ~~لقتله وإثبات الرفعة «وكان الله عزيزا» لا يغالب فيما يريده «حكيما» في ~~جميع أفعاله فيدخل فيها تدبيراته تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولا ~~أوليا «وإن من أهل الكتاب» أي من اليهود والنصارى وقوله تعالى «إلا ليؤمنن ~~به قبل موته» جملة قسمية وقعت صفة لموصوف محذوف إليه يرجع الضمير الثاني ~~والأول لعيسى عليه السلام أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه ~~السلام قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله ورسوله ولات حين إيمان لانقطاع وقت ~~التكليف ويعضده ms0799 بأنه قرئ ليؤمنن قبل موتهم بضم النون لما أن أحدا في معنى ~~الجمع وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسره كذلك فقال له عكرمة فإن ~~أتاه رجل فضرب عنقه قال لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه قال فإن خر من فوق ~~بيت أو احترق أو أكله سبع قال يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن ~~به وعن شهر بن حوشب قال لي الحجاج آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء ~~منها يعني هذه الآية وقال إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه ~~فلا أسمع منه ذلك فقلت إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه ~~وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت به فيقول آمنت أنه ~~عبد نبي وتقول للنصراني أتاك عيسى عليه السلام نبيا فزعمت أنه الله وابن ~~الله فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه قال وكان متكئا ~~فاستولا جالسا فنظر إلي وقال ممن سمعت هذا قلت حدثني محمد بن علي بن ~~الحنفية فأخذ ينكث الأرض بقضيبه ثم قال لقد أخذتها من عين صافية والإخبار ~~بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض على المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا ~~إليه مع انتفاء جدواه وقيل كلا الضميرين لعيسى والمعنى وما من أهل الكتاب ~~الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام أحد إلا ليؤمنن به قبل موته روي أنه ~~عليه السلام ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ~~يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام ويهلك الله في زمانه الدجال ~~وتقع الأمنة PageV02P252 # حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويعلب ~~الصبيان بالحيات ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ~~ويدفنونه وقيل الضمير الأول يرجع إلى الله تعالى وقيل إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم «ويوم القيامة يكون» أي عيسى عليه السلام «عليهم» على أهل الكتاب ~~«شهيدا» فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ms0800 ابن الله تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا «فبظلم من الذين هادوا» لعل ذكرهم بهذا العنوان ~~للإيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد أن هادوا أي تابوا من عبادة ~~العجل مثل تلك التوبة الهائلة المشروطة ببخع النفوس إثر بيان عظمه في حد ~~ذاته بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الأشباه والإشكال ~~الصادر عنهم «حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم» ولمن قبلهم لا بشيء غيره كما ~~زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم ~~نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم ~~وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ويقولون لسنا بأول من حرمت عليه ~~وإنما كان على نوح وإبراهيم من بعدهما حتى انتهى الامر إلينا فكذبهم الله ~~عز وجل في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله تعالى كلك الطعام كان حلا لبني إسرائيل ~~إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين أي في ادعاكم أنه تحريم قديم روي أنه عليه السلام ~~لما كلفهم إخراج التوراة لم يجسر أحد على إخراجها لما أن كون التحريم ~~بظلمهم كان مسطورا فيها فبهتوا وانقلبوا صاغرين «وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا» أي ناسا كثيرا أو صدا كثيرا «وأخذهم الربا وقد نهوا عنه» فإن الربا ~~كان محرما عليهم كما هو محرم علينا وفيه دليل على أن النهي يدل على حرمة ~~المنهي عنه «وأكلهم أموال الناس بالباطل» بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ~~«وأعتدنا للكافرين منهم» أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم ~~«عذابا أليما» سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم «لكن ~~الراسخون في العلم منهم» استدراك من قوله تعالى واعتدنا الخ وبيان لكون ~~بعضهم على خلاف حالهم عاجلا أو آجلا أي لكن الثابتون في العلم منهم ~~المتقنون المستبصرون فيه غير التابعين للظن كأولئك الجهلة والمراد بهم عبد ~~الله بن سلام وأصحابه «والمؤمنون» أي منهم وصفوا بالإيمان بعد ما وصفوا بما ~~يوجبه من الرسوخ ms0801 في العلم بطريق العطف المنبئ عن المغايرة بين المعطوفين ~~تنزيلا للاختلاف العنواني منزلة الاختلاف الذاتي وقوله تعالى «يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك» حال من المؤمنون مبينة لكيفية إيمانهم وقيل ~~اعتراض مؤكد لما قبله وقوله عز وجل «والمقيمين الصلاة» قيل نصب بإضمار ~~PageV02P253 # فعلى تقديره وأعني المقيمين الصلاة على أن الجملة معترضة بين المبتدأ ~~والخبر وقيل هو عطف على ما أزل إليك على أن المراد بهم الأنبياء عليهم ~~السلام أي يؤمنون بالكتب وبالأنبياء أو الملائكة قال مكي أي ويؤمنون ~~بالملائكة الذين صفتهم إقامة الصلاة لقوله تعالى يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون وقيل عطف على الكاف في إليك أي يؤمنون بما أنزل إليه وإلى المقيمين ~~الصلاة وقرئ بالرفع على أنه معطوف على المؤمنون بناء على ما مر من تنزيل ~~التغاير العنواني في منزلة التغاير الذاتي وكذا الحال فيما سيأتي من ~~المعطوفين فإن قوله تعالى «والمؤتون الزكاة» عطف على المؤمنون مع اتحاد ~~الكل ذاتا وكذا الكلام في قوله تعالى «والمؤمنون بالله واليوم الآخر» فإن ~~المراد بالكل مؤمنو أهل الكتاب قد وصفوا أولا بكونهم راسخين في علم الكتاب ~~إيذانا بأن ذلك موجب للإيمان حتما وأن من عداهم إنما بقوا مصرين على الكفر ~~لعدم رسوخهم فيه ثم بكونهم مؤمنين بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء ثم ~~بكونهم عاملين بما فيها من الشرائع والاحكام واكتفى من بينها بذكر إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة المستتبعين لسائر العبادات البدنية والمالية ثم ~~بكونهم مؤمنين بالمبدأ والمعاد تحقيقا لحيازتهم الإيمان بقطريه وإحاطتهم به ~~من طرفيه وتعريضا بأن من عداهم من أهل الكتاب ليسوا بمؤمنين بواحد منهما ~~حقيقة فإنهم بقولهم عزير ابن الله مشركون بالله سبحانه وبقولهم لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة كافرون باليوم الآخر وقوله تعالى «أولئك» إشارة ~~إليهم باعتبار اتصافهم بما عدد من الصفات الجميلة وما فيه من معنى البعد ~~للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى «سنؤتيهم ~~أجرا عظيما» خبره والجملة خبر للمبتدأ الذي هو الراسخون وما عطف عليه ~~والسين لتأكيد الوعد وتنكير ms0802 الأجر للتفخيم وهذا أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك ~~حيث أوعد الأولون بالعذاب الأليم ووعد الآخرون بالأجر العظيم كأنه قيل أثر ~~قوله تعالى وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما لكن المؤمنون منهم سنؤتيهم ~~أجرا عظيما وأما ما اجتح إليه الجمهور من جعل قوله تعالى يؤمنون بما أنزل ~~إليك الخ خبرا للمبتدأ ففي كمال السداد خلا أنه غير معترض لتقابل الطرفين ~~وقرئ سيؤتيهم بالياء مراعاة لظاهر قوله تعالى والمؤمنون بالله «إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده» جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج ~~عليهم بأنه ليس بدعا من الرسل وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن ~~سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لأحد في نبوتهم والكاف في محل النصب على ~~أنه نعب لمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح أو على أنه PageV02P254 # حال من ذلك المصدر المقدر معرفا كما هو رأي سيبويه أي أوحينا الإيحاء حال ~~كونه مشبها بإيحائنا الخ ومن بعده متعلق بأوحينا وإنما بدئ بذكر نوح لأنه ~~أبو البشر وأول نبي شرع الله تعالى على لسانه الشرائع والاحكام وأول نبي ~~عذبت أمته لردهم دعوته وقد أهلك الله بدعائه أهل الأرض «وأوحينا إلى ~~إبراهيم» عطف على أوحينا إلى نوح داخل معه في حكم التشبيه أي وكما أوحينا ~~إلى إبراهيم «وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط» وهم أولاد يعقوب عليهم ~~السلام «وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان» خصوا بالذكر مع ظهور انتظامهم ~~في سلك النبيين تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم كما في قوله تعالى من كان عدوا ~~لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال وتصريحا بمن ينتمي إليهم اليهود من ~~الأنبياء وتكرير الفعل لمزيد تقرير الايحاء والتنبيه على أنهم طائفة خاصة ~~مستقلة بنوع مخصوص من الوحي «وآتينا داود زبورا» قال القرطبي كان فيه مائة ~~وخمسون ليس فيها حكم من الأحكام إنما هي حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد وثناء ~~على الله تعالى وقرئ بضم الزاء وهو جمع زبر بمعنى مزبور والجملة عطف على ~~أوحينا داخل في ms0803 حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء أي وكما آتينا داود ~~زبورا وإيثاره على وأوحينا إلى داود لتحقيق المماثلة في أمر خاص هو إيتاء ~~الكتاب بعد تحقيقها في مطلق الإيحاء ثم أشير إلى تحقيقها في أمر لازم لهما ~~لزوما كليا وهو الإرسال فإن قوله تعالى «ورسلا» نصب بمضمر يدل عليه أوحينا ~~معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه كما قبله أي وكما أرسلنا رسلا لا بما ~~يفسره قوله تعالى «قد قصصناهم عليك» أي وقصصنا رسلا كما قالوا وفرعوا عليه ~~أن قوله تعالى قد قصصناهم على الوجه الأول منصوب على أنه صفة لرسلا وعلى ~~الوجه الثاني لا محل له من الاعراب فإنه مما لا سبيل إليه كما ستقف عليه ~~وقرئ برفع رسل وقوله تعالى «من قبل» متعلق بقصصنا أي قصصنا من قبل هذه ~~السورة أو اليوم «ورسلا لم نقصصهم عليك» عطف على رسلا منصوب بناصبه وقيل ~~كلاهما منصوب بنزع الخافض والتقدير كما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل الخ ~~والحق أن يكون انتصابهما بأرسلنا فإن فيه تحقيقا للمماثلة بين شأنه عليه ~~الصلاة والسلام وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في ~~مطلق الإيحاء ثم في إيتاء الكتاب ثم في الإرسال فإن قوله تعالى إنا أوحينا ~~إليك منتظم بمعنى آتيناك وأرسلناك حتما كأنه قيل إنا أوحينا إلى إبراهيم ~~ومن بعده وآتيناك وأرسلناك حتما كأنه قيل إنا أوحينا إليك إيحاء مثل ما ~~أوحينا إلى نوح ومثل ما أوحينا إلى إبراهيم ومن بعده وآتيناك الفرقان إيتاء ~~مثل ما آتينا داود زبورا وأرسلناك إرسالا مثل ما أرسلنا رسلا قد قصصناهم ~~عليك من قبل رسلنا وآخرين لم نقصصهم عليك من غير تفاوت بيك وبينهم في حقيقة ~~الإيحاء وأصل الإرسال فما للكفرة يسألونك شيئا لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل ~~عليهم السلام ومن ههنا اتضح أن رسلا لا يمكن نصبه بقصصنا فإن ناصبه أن يكون ~~معطوفا على أوحينا داخلا معه في حكم التشبيه الذي عليه يدور فلك الاحتجاج ~~على الكفرة ولا ريب في أن قصصنا لا ms0804 تعلق له بشيء من الإيحاء والإيتاء حتى ~~يمكن اعتباره في ضمن PageV02P255 # قوله تعالى إنا أوحينا إليك ثم يعتبر بينه وبين المذكور مماثلة مصححة ~~للتشبيه على أن تقديره في رسلا الأول يقتضي تقدير نفيه في الثاني وذلك أشد ~~استحالة وأظهر بطلانا «وكلم الله موسى» برفع الجلالة ونصب موسى وقرئ على ~~القلب وقوله تعالى «تكليما» مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز قال الفراء ~~العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا ~~أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام والجملة إما معطوفة على قوله تعالى إنا ~~أوحينا إليك عطف القصة على القصة لا على آتينا وما عطف عليه وإما حال ~~بتقدير قد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات والمعنى أن التكليم بغير ~~واسطة منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم فلم يكن ذلك قادحا في نبوة ~~سائر الأنبياء علهم السلام فكيف يتوهم كون نزول التوراة عليه عليه السلام ~~جملة قادحا في صحة نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلا مع ظهور أن نزولها كذلك ~~لما آمنوا بها ومع ذلك ما آمنوا بها إلا بعد اللتيا والتي وقد فضل الله ~~تعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم ~~صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا «رسلا مبشرين ومنذرين» نصب على المدح أو ~~بإضمار أرسلنا أو على الحال بأن يكون رسلا موطئا لما بعده أو على البداية ~~من رسلا الأول أي مبشرين لأهل الطاعة بالجنة ومنذرين للعصاة بالنار «لئلا ~~يكون للناس على الله حجة» أي معذرة يعتذرون بها قائلين لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فيبين لنا شرائعك ويعلمنا ما لم نكن ما لم نكن نعلم من أحكامك لقصور ~~القوة البشرية عن إدراك كلياتها كما في قوله عز وجل ولو أنا أهلكناهم بعذاب ~~من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك الآية وإنما سميت ~~حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله بل له أن ~~يفعل ما يشاء ms0805 كما يشاء للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى ~~كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها ولذلك قال تعالى ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أحد أغير ~~من الله تعالى ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما أحد أحب إليه ~~المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه وما أحد أحب إليه العذر من الله تعالى ~~ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب فاللام متعلقة بأرسلنا وقيل بقوله تعالى ~~مبشرين ومنذرين وحجة اسم كان وللناس خبرها وعلى الله متعلق بمحذوف وقع حالا ~~من حجة كائنة على الله أو هو الخبر وللناس حال على الوجه المذكور ويجوز أن ~~يتعلق كل منهما بما تعلق به الآخر الذي هو الخبر ولا يجوز التعلق بحجة لأن ~~المعمول المصدر لا يتقدم عليه وقوله تعالى «بعد الرسل» أي بعد إرسالهم ~~وتبليغ الشرائع إلى الأمم على ألسنتهم متعلق بحجة أو بمحذوف وقع صفة لها ~~لأن الظروف يوصف بها الأحداث كما يخبر بها عنها نحو القتال يوم الجمعة ~~«وكان الله عزيزا» لا يغالب في أمر من أموره ومن قضيته الامتناع عن الإجابة ~~إلى مسألة المتعنتين «حكيما» في جميع أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل ~~وإنزال الكتب فإن تعدد الرسل والكتب واختلافها في كيفية النزول وتغايرها ~~PageV02P256 # في بعض الشرائع والأحكام إنما لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال التي عليها ~~يدور فلك التكليف فكما أنه سبحانه وتعالى برأهم على أنحاء شتى وأطوار ~~متباينة حسبما تقتضيه الحكمة التكوينية كذلك تعبدهم بما يليق بشأنهم ~~وتقتضيه أحوالهم المتخالفة واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام ~~حسبما تستدعيه الحكمة التشريعية وراعى في إرسال الرسل وإنزال الكتب وغير ~~ذلك من الأمور المتعلقة بمعاشهم ومعادهم ما فيه مصلحتهم فسؤال تنزيل الكتاب ~~جملة اقتراح فاسد إذ حينئذ تتعاقم التكاليف فيثقل على المكلف قبولها ~~والخروج عن عهدتها وأما التنزيل المنجم الواقع حسب الأمور الداعية إليه فهو ~~أيسر قبولا وأسهل امتثالا «لكن الله يشهد» بتخفيف النون ورفع الجلالة وقرئ ~~بتشديد النون ms0806 ونصب الجلالة وهو استدراك عما يفهم مما قبله كأنهم لما تعنتوا ~~عليه بما سبق من السؤال واحتج عليهم بقوله تعالى إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلخ قيل أنهم لا يشهدون بذلك لكن الله يشهد «بما أنزل إليك» على ~~البناء للفاعل وقرئ على البناء للمفعول والباء صلة للشهادة أي يشهد بحقية ~~ما أنزل إليك من القرآن المعجز الناطق بنبوتك وقيل لما نزل قوله تعالى إنا ~~أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك بهذا فنزل لكن الله يشهد «أنزله بعلمه» أي ~~ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره وهو تأليفه على نمط بديع يعجز عنه ~~كل بليغ أو بعلمه بحال من أنزله عليه واستعداده لاقتباس الأنوار القدسية أو ~~بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم فالجار والمجرور على ~~الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث من المفعول والجملة في موقع التفسير لما ~~قبلها وقرئ نزله وقوله تعالى «والملائكة يشهدون» أي بذلك مبتدأ وخبر ~~والجملة عطف على ما قبلها وقيل حال من مفعول أنزله أي أنزله والملائكة ~~يشهدون بصدقه وحقيته «وكفى بالله شهيدا» على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات ~~باهرة وحججا ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها «إن الذين كفروا» أي بما أنزل ~~الله تعالى وشهد به أو بكل ما يجب الإيمان به وهو داخل فيه دخولا أوليا ~~والمراد بهم اليهود حيث كفروا به «وصدوا عن سبيل الله» وهو دين الإسلام من ~~أراد سلوكه بقولهم ما نعرف صفة محمد في كتابنا وقرئ صدوا مبنيا للمفعول «قد ~~ضلوا» بما فعلوا من الكفر والصد عن طريق الحق «ضلالا بعيدا» لأنهم جمعوا ~~بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أعرق في الضلال وأبعد من الإقلاع عنه ~~«إن الذين كفروا» أي بما ذكر آنفا «وظلموا» أي محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بإنكار نبوته وكتمان نعوته الجليلة ووضع غيرها مكانها أو الناس بصدهم عما ~~فيه صلاحهم في المعاش والمعاد «لم يكن الله ليغفر لهم» لاستحالة تعلق ~~المغفرة بالكافر «ولا ليهديهم طريقا» PageV02P257 # «إلا طريق جهنم» لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال ms0807 الصالحة التي ~~هي طريق الجنة والمراد بالهداية المفهومة من الاستثناء بطريق الإشارة خلقه ~~تعالى لأعمالهم السيئة المؤدية بهم إلى جهنم عند صرف قدرتهم واختيارهم إلى ~~اكتسابها أو سوقهم إليها يوم القيامة بواسطة الملائكة والطريق على عمومه ~~والاستثناء متصل وقيل خاص بطريق الحق والاستثناء منقطع «خالدين فيها» حال ~~مقدرة من الضمير المنصوب والعامل فيها ما دل عليه الاستثناء دلالة واضحة ~~كأنه قيل يدخلهم جهنم خالدين فيها الخ وقوله تعالى «أبدا» نصب على الظرفية ~~رافع لاحتمال حمل الخلود على المكث الطويل «وكان ذلك» أي جعلهم خالدين في ~~جهنم «على الله يسيرا» لاستحالة أن يتعذر عليه شيء من مراداته تعالى «يا ~~أيها الناس» بعد ما حكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعلل اليهود ~~بالأباطيل واقتراحهم الباطل تعنتا ورد عليهم ذلك بتحقيق نبوته عليه الصلاة ~~والسلام وتقرير رسالته ببيان أن شأنه عليه الصلاة والسلام في أمر الوحي ~~والإرسال كشئون من يعترفون بنبوته من مشاهير الأنبياء عليهم السلام وأكد ~~ذلك بشهادته سبحانه وشهادة الملائكة أمر المكلفون كافة على طريق تلوين ~~الخطاب بالإيمان بذلك أمرا مشفوعا بالوعد بالإجابة والوعيد على الرد تنبيها ~~على أن الحجة قد لزمت ولم يبق بعد ذلك لأحد عذر في عدم القبول وقوله عز وجل ~~«قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم» تكرير للشهادة وتقرير لحقية المشهود به ~~وتمهيد لما يعقبه من الأمر بالإيمان وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان ~~الرسالة لتأكيد وجوب طاعته والمراد بالحق هو القرآن الكريم والباء متعلقة ~~بجاءكم فهي للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من الرسول أي ملتبسا بالحق ومن أيضا ~~متعلقة إما بالعقل وإما بمحذوف هو حال من الحق أي جاءكم به من عنده تعالى ~~أو جاءكم بالحق ومن أيضا متعلقة إما بالفعل وإما بمحذوف هو حال من الحق أي ~~جاءكم به من عنده تعالى أو جاءكم بالحق كائنا من عنده تعالى والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين للإيذان بأن ذلك لتربيتهم وتبليغهم ~~إلى كمالهم اللائق بهم ترغيبا لهم في الامتثال بما بعده من الأمر والفاء ms0808 في ~~قوله عز وجل «فآمنوا» للدلالة على إيجاب ما قبلها لما بعدها أي فآمنوا به ~~وبما جاء به من الحق وقوله تعالى «خيرا لكم» منصوب على أنه مفعول لفعل واجب ~~الإضمار كما هو رأي الخليل وسيبويه أي اقصدوا أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما ~~أنتم فيه من الكفر أو على أنه نعت لمصدر محذوف كما هو في رأي الفراء أي ~~آمنوا إيمانا خيرا لكم أو على أنه خبر كان المضمرة الواقعة جوابا للأمر ~~لاجزاء للشرط الصناعي وهو رأي الكسائي وأبي عبيدة أي يكن الإيمان خيرا لكم ~~«وإن تكفروا» أي إن تصروا وتستمروا على الكفر به «فإن لله ما في السماوات ~~والأرض» من الموجودات سواء كانت داخلة في حقيقتهما وبذلك يعلم حال أنفسهما ~~على أبلغ وجه وآكده أو خارجة عنهما مستقرة فيهما من العقلاء وغيرهم فيدخل ~~في جملتهم المخاطبون دخولا أوليا أي كلها له عز وجل PageV02P258 # خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج من ملكوته وقهره شيء منها فمن هذا شأنه فهو ~~قادر على تعذيبكم بكفركم لا محالة أو فمن كان كذلك فهو غني عنكم وعن غيركم ~~لا يتضرر بكفركم ولا ينتفع بإيمانكم وقيل فمن كان كذلك فله عبيد يعبدونه ~~وينقادون لأمره «وكان الله عليما» مبالغا في العلم فهو أعلم بأحوال الكل ~~فيدخل في ذلك علمه تعالى بكفرهم دخولا أوليا «حكيما» مراعيا للحكمة في جميع ~~أفعاله التي من جملتها تعذيبه تعالى إياهم بكفرهم «يا أهل الكتاب» تجريد ~~للخطاب وتخصيص له بالنصارى زجرا لهم عما هم عليه من الكفر والضلال «لا ~~تغلوا في دينكم» بالإفراط في رفع شأن عيسى عليه السلام وادعاء ألوهيته وأما ~~غلو اليهود في حط رتبته عليه السلام ورميهم له بأنه ولد لغير رشدة فقد نعى ~~عليهم ذلك فيما سبق «ولا تقولوا على الله إلا الحق» أي لا تصفوه بما يستحيل ~~اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك ~~«إنما المسيح» قد مر تفسير في سورة آل عمران وقرئ بكسر الميم وتشديد السين ~~كالسكيت على صيغة ms0809 المبالغة وهو مبتدأ وقوله تعالى «عيسى» بدل منه أو عطف ~~بيان له وقوله تعالى «رسول الله» خبر للمبتدأ والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ~~النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر بضده أعني الحق أي أنه مقصور على ~~رتبة الرسالة لا يتخطاها «وكلمته» عطف على رسول الله أي مكون بكلمته وأمره ~~الذي هو كن من غير واسطة أب ولا نطفة «ألقاها إلى مريم» أي أوصلها إليها ~~وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام وقيل أعلمها إياها وأخبرها بها بطريق ~~البشارة وذلك قوله تعالى إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيس بن مريم ~~وقيل الجملة حال من ضميره عليه السلام المستكن فيما دل عليه وكلمته من معنى ~~المشتق الذي هو العامل فيها وقد مقدرة معها «وروح منه» قيل هو الذي نفخ ~~جبريل عليه السلام في درع مريم فحملت بإذن الله تعالى سمى النفخ روحا لأنه ~~ريح تخرج من الروح ومن لابتداء الغاية مجازا لا تبعيضية كما زعمت النصارى ~~يحكى أن طبيبا حاذقا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ذات ~~يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى ~~وتلا هذه الآية فقرأ الواقدي وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه فقال إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا من الله تعالى علوا كبيرا ~~فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل الواقدي بصلة فاخرة وهي ~~متعلقة بمحذوف وقع صفة لروح أي كائنة من جهته تعالى جعلت منه تعالى وإن ~~كانت بنفخ جبريل عليه السلام لكون النفخ بأمره سبحانه وقيل سمي روحا ~~لإحيائه الأموات وقيل لإحيائه القلوب كما سمي به القرآن PageV02P259 # لذلك في قوله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وقيل أريد بالروح ~~الذي أوحي إلى مريم بالبشارة وقيل جرت العادة بأنهم إذا أرادوا وف شيء ~~بغاية الطهارة والنظافة قالوا إنه روح فلما كان عيسى عليه السلام متكونا من ~~النفخ لا من النطفة وصف بالروح وتقديم كونه عليه السلام رسول الله ms0810 في الذكر ~~مع تأخره عن كونه كلمته تعالى وروحا منه في الوجود لتحقيق الحق من أول ~~الأمر بما هو نص فيه غير محتمل للتأويل وتعيين مآل ما يحتمله وسد باب ~~التأويل الزائغ «فآمنوا بالله» وخصوه بالألوهية «ورسله» أجمعين وصفوهم ~~بالرسالة ولا تخرجوا بعضهم عن سلكهم بوصفه بالألوهية «ولا تقولوا ثلاثة» أي ~~الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم كما ينبئ عنه قوله تعالى أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون الله جوهر واحد ~~ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الروح القدس وأنهم يريدون ~~بالأول الذات وقيل الوجود وبالثاني العلم وبالثالث الحياة «انتهوا» أي عن ~~التثليث «خيرا لكم» قد مر وجوه انتصابه «إنما الله إله واحد» أي بالذات ~~منزه عن التعدد بوجه من الوجوه فالله مبتدأ وإله خبره وواحد نعت أي منفرد ~~في ألوهيته «سبحانه أن يكون له ولد» أي أسبحه تسبيحا من ذلك فإنه إنما ~~يتصور فيمن يماثله شيء ويتطرق إليه فناء والله سبحانه منزه عن أمثاله وقرئ ~~أن يكون اي سبحانه ما يكون له ولد وقوله تعالى «له ما في السماوات وما في ~~الأرض» جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه وتقريره أي له ما فيهما من ~~الموجودات خلقا وملكا وتصرفا لا يخرج عن ملكوته شيء من الأشياء التي من ~~جملتها عيسى عليه السلام فكيف يتوهم كونه ولدا له تعالى «وكفى بالله وكيلا» ~~إليه يكل كل الخلق أمورهم وهو غني عن العالمين فأني يتصور في حقه اتخاذ ~~الولد الذي هو شأن المعجزة المحتاجين في تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم ~~مقامهم «لن يستنكف المسيح» استئناف مقرر لما سبق من التنزيه والاستنكاف ~~الأنفة والترفع من نكفت الدمع إذا نجيته عن وجهك بالأصبع أي لن يأنف ولن ~~يترفع «أن يكون عبدا لله» أي أن يكون عبدا له تعالى مستمرا على عبادته ~~وطاعته حسبما هو وظيفة العبودية كيف وأن ذلك أقصى مراتب الشرف والاقتصار ~~على ذكر عدم استنكافه عليه السلام عنه مع أن شأنه عليه السلام المباهاة به ms0811 ~~كما يدل عليه أحواله ويفصح عنه أقواله أو لا يرى أن أول مقالة قالها للناس ~~قوله إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا لوقوعه في موقع الجواب عما ~~قاله الكفرة روى أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تعيب ~~صاحبنا قال ومن صاحبكم قالوا عيسى قال وأي شيء أقول قالوا تقول إنه عبد ~~الله قال إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله قالوا بلى فنزلت وهو السر في جعل ~~المستنكف عنه كونه عليه السلام عبدا له تعالى دون أن يقال عن عبادة الله ~~ونحو ذلك مع إفادة فائدة جليلة هي كمال نزاهته عليه السلام عن الاستنكاف ~~بالكلية فإن كونه عبدا له تعالى مستمرة لدوام العبادة قطعا فعدم الاستنكاف ~~عنه مستلزم لعدم الاستنكاف PageV02P260 # عن عبادته تعالى كما أشير إليه بخلاف عبادته تعالى فإنها حالة متجددة غير ~~مستلزمة للدوام يكفي في اتصاف موصوفها بها تحققها مرة فعدم الاستنكاف عنها ~~لا يستلزم عن دوامها «ولا الملائكة المقربون» عطف على المسيح أي ولا يستنكف ~~الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله تعالى وقيل إن أريد بالملائكة كل ~~واحد منهم لم يحتج إلى التقدير واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على ~~الأنبياء عليهم السلام وقال مسافة لرد النصارى في رفع المسيح عن مقام ~~العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه حتى يكون ~~عدم استنكافهم مستلزما لعدم استنكافه عليه السلام وأجيب بأن مناط كفر ~~النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه ~~السلام وامتيازه عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالعلم من ~~المغيبات وبالرفع إلى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته تعالى عدم ~~استنكاف من هو أعلى درجة منه فيما ذكر فإن الملائكة مخلوقون من غير أب ولا ~~أم وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقارهم السماوات العلا ولا ~~نزاع لأحد في علو درجتهم من هذه الحيثية وإنما النزاع في علوها من حيث كثرة ~~الثواب على الطاعات وبأن الآية ليست للرد ms0812 على النصارى فقط بل على عبدة ~~الملائكة أيضا فلا اتجاه لما قالوا حينئذ وإن سلم اختصاصها بالرد على ~~النصارى فلعله أريد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير والتفصيل لا باعتبار ~~التكبير والتفضيل كما في قولك أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس ولئن ~~سلم إرادة التفضيل فغاية الأمر الدلالة على أفضلية المقربين منهم وهم ~~الكروبيون الذين حول العرش أو من هو أعلى منهم رتبة من الملائكة عليهم ~~السلام على المسيح من الأنبياء عليهم السلام وليس يلزم من ذلك فضل أحد ~~الجنسين على الآخر مطلقا وهل التشاجر إلا فيه «ومن يستنكف عن عبادته» أي عن ~~طاعته فيشمل جميع الكفرة لعدم طاعتهم الثبوت للكفرة فإن عدم طاعتهم له ~~تعالى مما لا سبيل لهم إن إنكار اتصافهم به إن قيل لم عبر عن عدم طاعتهم له ~~تعالى بالاستنكاف عنها مع أن ذلك منهم كان بطريق إنكار كون الأمر من جهته ~~تعالى لا بطريق الاستنكاف قلنا لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهل هو الاستنكاف عن طاعة الله تعالى إذ لا أمر له عليه ~~الصلاة والسلام سوى أمره تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله «ويستكبر» ~~الاستكبار الأنفة عما لا ينبغي أن يؤنف عنه وأصله طلب الكبر لنفسه بغير ~~استحقاق له لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله فيه بل بمعنى عد نفسه ~~كبيرا واعتقاده كذلك وإنما عبر عنه بما يدل على الطلب للإيذان بأن مآله محض ~~الطلب بدون حصول المطلوب وقد عبر عن مثل ذلك بنفس الطلب في قوله تعالى ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فإنهم ما كانوا يطلبون ثبوت العوج لسبيل ~~الله مع اعتقادهم لاستقامتها بل كانوا يعدونها ويعتقدونها معوجة ويحكمون ~~بذلك ولكن عبر عن ذلك بالطلب لما ذكر من الإشعار بأن ليس هناك شيء سوى ~~الطلب والاستكبار دون الاستنكاف المنبئ عن توهم لحقوق العار والنقص من ~~المستنكف عنه «فسيحشرهم إليه جميعا» أي المستنكفين ومقابليهم المدلول عليه ~~بذكر عدم استنكاف المسيح والملائكة عليهم السلام وقد ترك ذكر ms0813 أحد الفريقين ~~في المفصل تعويلا على إنباء التفصيل عنه وثقة PageV02P261 # بظهور اقتضاء حشر أحدهما لحشر الآخر ضرورة عموم الحشر للخلائق كافة كما ~~ترك ذكر أحد الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى فأما الذين آمنوا بالله ~~الآية مع عموم الخطاب لهما اعتمادا على ظهور اقتضاء إثابة أحدهما لعقاب ~~الآخر ضرورة شمول الجزاء للكل وقيل الضمير للمستنكفين وهناك مقدر اقتضاء ~~إثابة أحدهما لعقاب الآخر ضرورة شمول الجزاء للكل وقيل الضمير للمستنكفين ~~وهناك مقدر معطوف عليه والتقدير فسيحشرهم وغيرهم وقيل المعنى فسيحشرهم إليه ~~يوم يحشر العباد لمجازاتهم وفيه إن الأنسب بالتفصيل الآتي اعتبار حشر الكل ~~في الإجمال على نهج واحد وقرئ فسيحشرهم بنون العظمة بطريق الالتفات «فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بيان لحال الفريق المطوي ذكره في الإجمال قدم ~~على بيان حال ما يقابله إبانة لفضله ومسارعة إلى بيان كونه حشره أيضا ~~معتبرا في الإجمال وإيراده بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا بوصف عدم ~~الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه ~~من الثمرات «فيوفيهم أجورهم» من غير أن ينقص منها شيئا أصلا «ويزيدهم من ~~فضله» بتضعيفها أضعافا مضاعفة وبإعطاء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر 6 «وأما الذين استنكفوا» أي عن عبادته عز وجل «واستكبروا ~~فيعذبهم» بسبب استنكافهم واستكبارهم «عذابا أليما» لا يحيط به الوصف «ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا» بلى أمورهم ويدبر مصالحهم «ولا نصيرا» بنصرهم ~~من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه «يا أيها الناس» تلوين للخطاب وتوجيه له ~~إلى كافة المكلفين إثر بيان بطلان ما عليه الكفرة من فنون والضلال وإلزامهم ~~بالبراهين القاطعة التي تخر لها صم الجبال وإزاحة شبههم الواهية بالبينات ~~الواضحة وتنبيه لهم على أن الحجة قد تمت فلم يبق بعد ذلك عله لمتعلل ولا ~~عذر لمعتذر «قد جاءكم» أي وصل إليكم وتقرر في قلوبكم بحيث لا سبيل لكم إلى ~~الإنكار «برهان» البرهان ما يبرهن به على المطلوب والمراد به القرآن الدال ~~على صحة نبوة النبي صلى ms0814 الله عليه وسلم المثبت لما فيه من الاحكام التي من ~~جملتها ما أشير إليه مما أثبتته الآيات الكريمة من حقية الحق وبطلان الباطل ~~وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عبر ~~عنه به لما معه من المعجزات التي تشهد بصدقه وقيل هو المعجزات التي أظهرها ~~وقيل هو دين الحق الذي أتى به وقوله تعالى «من ربكم» إما متعلق بجاءكم أو ~~بمحذوف وقع صفة مشرفة لبرهان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية ~~بالفخامة الإضافية أي كائن منه تعالى على أن من لابتداء الغاية مجازا وقد ~~جوز على الثاني كونها تبعيضية بحذف المضاف أي كائن من براهين ربكم والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار اللطف بهم والإيذان ~~بأن مجيئه إليهم لتربيتهم وتكميلهم «وأنزلنا إليكم نورا مبينا» أريد به ~~أيضا القرآن الكريم عبر عنه تارة بالبرهان لما أشير إليه آنفا وأخرى بالنور ~~المنير بنفسه المنور لغيره إيذانا PageV02P262 # بأنه بين بنفسه مستغن في ثبوت حقيته وكونه من عند الله تعالى بإعجازه غير ~~محتاج إلى غيره مبين لغيره من الأمور المذكورة وإشعارا بهدايته للخلق ~~وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان وقد سلك به مسلك العطف المبني على ~~تغاير الطرفين تنزيلا للمغايرة العنوانية منزلة المغايرة الذاتية وعبر عن ~~ملابسته للمخاطبين تارة بالمجيء المسند إليه المنبىء عن كمال قوته في ~~البرهانية كأنه يجيء بنفسه فيثبت أحكامه من غير أن يجيء به أحد على شبه ~~الكفرة بالإبطال وأخرى بالإنزال الموقع عليه الملائم لحيثية كونه نورا ~~توقيرا له باعتبار كل واحد من عنوانيه حظه اللائق به وإسناد إنزاله إليه ~~تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه هذا على تقدير كون البرهان عبارة عن ~~القرآن العظيم وأما على تقدير كونه عبارة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~عن المعجزات الظاهرة على يده أو عن الدين الحق فالأمر هين وقوله تعالى ~~إليكم متعلق بأنزلنا فإن إنزاله بالذات وإن كان إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكنه منزل إليهم أيضا بواسطته ms0815 عليه الصلاة والسلام وإنما اعتبر حاله ~~لإظهار كمال اللطف بهم والتصريح بوصوله إليهم مبالغا في الأعذار وتقديمه ~~على المفعول الصريح مع أن حقه التأخر عنه لما مر غير مرة من الاهتمام بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر وللمحافظة على فواصل الآي الكريمة «فأما الذين ~~آمنوا بالله» حسبما يوجبه البرهان الذي أتاهم «واعتصموا به» أي عصموا به ~~أنفسهم مما يرديها من زيغ الشيطان وغيره «فسيدخلهم في رحمة منه وفضل» قال ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي الجنة وما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وعبر عن إفاضة الفضل بالإدخال على طريقة ~~قوله علفتها تبنا وماء باردا وتنوين رحمة وفضل تفخيمي ومنه متعلق بمحذوف ~~وقع صفة مشرفة لرحمة «ويهديهم إليه» أي إلى الله عز وجل وقيل إلى الموعود ~~وقيل إلى عبادته «صراطا مستقيما» هو الإسلام والطاعة في الدنيا وطريق الجنة ~~في الآخرة وتقديم ذكر الوعد بإدخال الجنة على الوعد بالهداية إليها على ~~خلاف الترتيب في الوجود بين الموعودين للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد ~~الأصلي قبل انتصاب صراطا على أنه مفعول لفعل محذوف ينبئ عنه يهديهم أي ~~يعرفهم صراطا مستقيما «يستفتونك» أي في الكلالة استغنى عن ذكره بوروده في ~~قوله تعالى «قل الله يفتيكم في الكلالة» وقد مر تفسيرها في مطلع السورة ~~الكريمة والمستفتي جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يروى PageV02P263 # أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة عام حجة الوداع فقال ~~إن لي أختا فكم آخذ من ميراثها إن ماتت وقيل كان مريضا فعاده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إني كلالة فكيف أصنع في مالي وروي عنه رضي الله عنه ~~أنه قال عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب ~~من وضوئه علي فعقلت فقلت يا رسول الله لمن الميراث وإنما يرثني كلالة فنزلت ~~وقوله تعالى «إن امرؤ هلك» استئناف مبين للفتيا وارتفع امرؤ أنه مفسر ~~للمحذوف غير مقصود ms0816 في الكلام أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد ذكرا كان أو أنثى ~~واقتصر على ذكر عدم الولد مع أن عدم الولد أيضا معتبر في الكلالة ثقة بظهور ~~الأمر ودلالة تفصيل الورثة عليه وقوله تعالى «وله أخت» عطف على قوله تعالى ~~ليس له ولد أو حال والمراد بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضها السدس وقد مر ~~بيانه في صدر السورة الكريمة «فلها نصف ما ترك» أي بالفرض والباقي للعصبة ~~أولها بالرد إن لم يكن له عصبة «وهو» أي المرء المفروض «يرثها» أي أخته ~~المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه «إن لم يكن لها ولد» ذكرا كان أو أنثى ~~فالمراد بإرثه لها إحراز جميع ما لها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية ~~لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها وليس في الآية ما يدل على ~~سقوط الأخوة بغير الولد ولا على عدم سقوطهم وإنما دلت على سقوطهم مع الأب ~~السنة الشريفة «فإن كانتا اثنتين» عطف على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعدا ~~«فلهما الثلثان مما ترك» الضمير لمن يرث بالأخوة والتأنيث والتثنية باعتبار ~~المعنى قيل وفائدة الإخبار عنها باثنتين مع دلالة ألف التثنية على ~~الأثنينية التنبيه على أن المعتبر في اختلاف الحكم هو العدد دون الصغر ~~والكبر وغيرهما «وإن كانوا» أي من يرث بطريق الأخوة «إخوة» أي مختلطة ~~«رجالا ونساء» بدل من أخوة والأصل وإن كانوا أخوة وأخوات فغلب المذكر على ~~المؤنث «فللذكر» أي فللذكر منهم «مثل حظ الأنثيين» يقتسمون التركة على ~~طريقة التعصيب وهذا آخر ما أنزل من كتاب الله تعالى في الأحكام روي أن ~~الصديق رضي الله تعالى عنه قال في خطبته ألا إن الآية التي أنزلها الله ~~تعالى في سورة النساء في الفرائض فأولها الولد والوالد وثانيها في الزوج ~~والزوجة والأخوة من الأم والآية التي ختم بها السورة في الأخوة والأخوات ~~لأبوين أو لأب والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام ~~«يبين الله لكم» أي حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من ms0817 جملتها حكمها ~~«أن تضلوا» أي كراهة أن تضلوا في ذلك وهذا رأي البصريين صرح به المبرد وذهب ~~الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام في طرفي أن أي لئلا ~~تزولا وقال أبو عبيد رويت للكسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو ~~لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة أي لئلا يوافق فاستحسنه ~~وليس ما ذكر من الآية والحديث نصا فيما ذهب إليه الكسائي واضرابه فإن ~~التقدير فيهما عند البصريين كراهة أن تزولا وكراهة أن يوافق الخ وقيل ليس ~~هناك حذف ولا تقدير وإنما هو مفعول يبين أي يبين لكم ضلالكم الذي هو من ~~شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا PageV02P264 # عنه وتتحروا خلافه وأنت خبير بأن ذلك إنما يليق بما إذا كان بيانه تعالى ~~تعيين على طريقة مواقع الخطأ والضلال من غير تصريح بما هو الحق والصواب ~~وليس كذلك «والله بكل شيء» من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة ~~بمحياكم ومماتكم «عليم» مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل ~~مؤمن ومؤمنة ورث ميراثا وأعطى من الأجر كمن اشترى محررا وبرئ من الشرك وكان ~~في مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم والله أعلم تم بحمد الله تعالى ~~طبع الجزء الثاني مت تفسير العلامة أبي السعود ويليه الجزء الثالث وأوله ~~سورة المائدة PageV02P265 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الثالث الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV03P001 # سورة المائدة مدنية وهي مائة وعشرون اية (بسم الله الرحمن الرحيم) (يا ~~أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود) الوفاء القيام بموجب العقد وكذا الايفاء ~~والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعم ~~جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والاحكام الدينية ~~وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ms0818 ونحوها مما يجب الوفاء ~~به أو يحسن دينا بان يحمل الامر على معنى يعم الوجوب والندب امر بذلك أولا ~~على وجه الاجمال ثم شرع في تفصيل الاحكام التي امر بالايفاء بها وبدء بما ~~يتعلق بضروريات معايشهم فقيل (أحلت بهيمة الانعام) البهيمة كل ذات اربع ~~واضافتها إلى الانعام للبيان كثوب الخز وافرادها لإرادة الجنس أي أحل لكم ~~اكل البهيمة من الانعام وهي الأزواج الثمانية المعدودة في سورة الانعام ~~والحق بها الضباء وبقر الوحش ونحوهما وقيل هي المرادة بالبهيمة همنا لتقدم ~~بيان حل الانعام والإضافة لما بينهما من المشابهة والممائلة في الاجترار ~~وعد الأنياب وفائدتها الاشعار بعلة الحكم المشتركة بين المضافين كأنه قيل ~~أحلت لكم البهيمة الشبيهة بالانعام التي بين إحلالها فيما سبق الممائلة لها ~~في مناط الحكم وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لما مر مرارا ~~من اظهار العناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر ~~فإنما حقه التقديم إذا اخر تبقى النفس مترقبة إلى وروده فيتمكن عندها فضل ~~تمكن (ال ما يتلى عليكم) استثناء من بهيمة الانعام أي الا محرم ما يتلى ~~عليكم من قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ونحوه أو الا ما يتلى عليكم اية ~~تحريمه (غير محلى الصيد) أي الاصطياد في البراء واكل صيده وهو نصب على ~~الحالية من ضمير لكم ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملا واعتقادا وهو ~~شائع في الكتاب والسنة وقوله تعالى (وأنتم حرم) أي محرومون حال من الضمير ~~في محلى وفائدة تقيد احلال بهيمة الانعام بما ذكر من عدم احلال الصيد حال ~~الاحرام على تقدير كون المراد بها الظباء ونظائرها ظاهرة لما ان إحلالها غي ~~مطلق كأنه قيل أحل لكم الصيد حال كونكم ممتنعين عنه عند احرامكم واما على ~~التقدير الأول ففائدته اتمام النعمة واظهار الامتنان باحلالها بتذكير ~~احتياجهم اليه فان حرمة الصيد في حالة الاحرام من PageV03P002 # مظان حاجتهم إلى احلال غيره حينئذ كأنه قيل أحلت لكم الانعام مطلقا حال ~~كونكم ممتنعين عن تحصيل ما يغنيكم عنها في بعض الأوقات ms0819 محتاجين إلى إحلالها ~~وفي اسناد عدم الاحلال إليهم بالمعنى المذكور مع حصول المراد بان يقال غي ~~محلل لكم أو محرما عليكم الصيد حال احرامكم مزيد تربية الامتنان وتقرير ~~للحاجة ببيان علتها القريبة فان تحريم الصيد عليهم انما يوجب حاجتهم إلى ~~احلال ما يغنيهم عنه باعتبار تحريمهم له عملا واعتقادا مع ما في ذلك من ~~وصفهم بما هو اللائق بهم (ان الله يحكم ما يريد) من الاحكام حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة فيدخل فيها ما ذكر من التحليل والتحريم ~~دخولا أو وليا ومعنى الايفاء بهما الجريان على موجبهما عقدا وعملا ~~والاجتناب عن تحليل المحرمات وتحريم بعض المحللات كالبحيرة والنظائرها التي ~~سيأتي بيانها (يا أيها الذين امنوا الا تحلوا شعائر الله) لما بين حرمة ~~احلال الاحرام الذي هو من شعائر الحج عقب ذلك ببيان حرمة احلال سائر ~~الشعائر واضافتها إلى الله عز وجل لتشريفها وتهويل الخطب في إحلالها وهي ~~جمع شعيرة وهي اسم لما اشعر أي جعل شعارا وعلما للنسك من مواقيت الحج ~~ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والافعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من ~~الاحرام والطواف والسعي والحلق والنحر واحلالها ان يتهاون بحرمتها ويحال ~~بينهما وبين المتنسكين بها ويحدث في اشهر الحج ما يصد به للناس عن الحج ~~وقيل المراد بها دين الله لقوله تعالى ومن يعظم شعائر الله أي دينه وقيل ~~حرمات الله وقيل فرائضه التي حدها العبادة واحلالها الاخلال بها والأول ~~انسب بالمقام (ولا الشهر الحرام) أي لا تحلوه بالقتال فيه وقيل بالنسي ~~والأول هو الأولى بحال المؤمنين والمراد به شهر الحج وقيل الأشهر الأربعة ~~الحرم والافراد لإرادة الجنس (ولا الهدى) بان يتعرض له بالغصب أو بالمنع عن ~~بلوغ محله وهو ما اهدى إلى الكعبة من إبل أو بقر أو شاة جمع هدية كجدي ~~وجدية (ولا القلائد) هي جمع قلادة وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر ~~ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له والمراد النهي عن التعرض لذوات القلائد من ~~الهدي وهي البدن ms0820 وعطفها على الهدي مع دخولها فيه لمزيد التوصية بها لمزيتها ~~على ما عداها كما عطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام كأنه قيل ~~والقلائد منه خصوصا أو النهي عن التعرض لنفس القلائد مبالغة في النهي عن ~~التعرض لأصحابها على معنى لا تحلو قلائدها فضلا عن ان تحلوها كما نهى عن ~~ابداء الزينة بقوله تعالى ولا يبدين زينتهن مبالغة في النهي عن ابداء ~~مواقعها (ولا امين البيت الحرام) أي لا تحلو قوما قاصدين زيارته بأنه ~~تصدوهم عن ذلك باي وجه كان وقيل هناك مضاف محذوف أي قتال قوم أو اذى قوم ~~امين الخ وقرا ولا أمي البيت الحرام بالإضافة وقوله تعالى (يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا PageV03P003 # حال من المستكن في امين لا صفة له لان المختار ان اسم الفاعل إذا وصف بطل ~~عمله أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبين ان يثيبهم الله تعالى ويرضى عنهم ~~وتنكير فضلا ورضوانا للتفخيم ومن ربهم متعلق بنفس الفعل أو بمحذوف وقع صفة ~~لفضلا مغنية عن وصف ما عطف عليه بها أي فضلا كائنا من ربهم ورضوانا كذلك ~~والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم والاشعار بحصول ~~مبتغاهم وقرئ تبتغون على الخطاب فالجملة حينئذ حال من ضمير المخاطبين في لا ~~تحلوا على ان المراد بيان منافاة حالهم هذه للمنهى عنه لا تقييد النهي بها ~~وإضافة الرب إلى ضمير الأمين للايماء إلى اقتصار التشريف عليهم وحرمان ~~المخاطبين عنه وعن نيل المبتغى وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيده والمبالغة ~~في استنكار المنهى عنه مالا يخفى ومن ههنا قيل ان المراد بالأمين هم ~~المسلمون خاصة وبه تمسك من ذهب إلى ان الآية وقد روي ان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال سورة المائدة من اخر القران نزولا فأحلوا حلالها وحرموا ~~حرامها وقال الحسن رحمه الله تعالى ليس فيها منسوخ وعن أبي ميسرة فيها ~~ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ وقد قيل هم المشركون خاصة لأنهم ~~المحتاجون إلى نهي المؤمنين عن إحلالهم دون المؤمنين على ان حرمة إحلالهم ~~ثبتت ms0821 بطريق دلالة النص ويؤيده ان الآية نزلت في الحطم بن ضبعة البكري وقد ~~كان اتى المدينة فخلف خيله خارجها فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ~~ووعده ان يأتي بأصحابه فيسلموا ثم خرج من عنده عليه السلام فمر بسرح ~~المدينة فاستاقه فلما كان في العام القابل خرج من اليمامة حاجا في حجاج بكر ~~بن وائل ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدى فسال المسلمون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ان يخلى بينهم وبينه فأباه النبي صلى الله عليه وسلم فانزل الله ~~عز وجل يا أيها الذين امنوا لا تحلوا شعائر الله الآية وفسر ابتغاء الفضل ~~بطلب الرزق بالتجارة وابتغاء الرضوان بأنهم كانوا يزعمون انهم على سداد من ~~دينهم وان الحج يقربهم إلى الله تعالى فوصفهم الله تعالى بظنهم وذلك الظن ~~الفاسد وان كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد في كونه مدارا ~~لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم عن المكاره العاجلة لا سيما في ضمن ~~مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره وقال قتادة هو ان يصلح معايشهم في ~~الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها وقيل هم المسلمون والمشركون لما روى عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ان المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعا فنهى ~~الله المسلمين ان يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله تعالى لا تحلوا الآية ثم ~~نزل بعد ذلك انما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام وقوله تعالى ما ~~كان للمشركين ان يعمروا مساجد الله وقال مجاهد والشعبي لا تحلوا نسخ بقوله ~~تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولا ريب في تناول الأمين للمشركين قطعا ~~اما استقلالا واما اشتراكا سيأتي من قوله تعالى ولا يجر منكم شنان قوم الخ ~~فيتعين النسخ كلا أو بعضا ولا بد في الوجه الأخير من تفسير الفضل والرضوان ~~ان يناسب الفريقين فقيل ابتغاء الفضل أي الرزق للمؤمنين والمشركين عامة ~~وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة ويجوز ان يكون الفضل على اطلاقه شاملا للفضل ~~الأخروي أيضا ويختص ابتغاؤه بالمؤمنين «وإذا حللتم فاصطادوا» تصريح بما ~~أشير اليه بقوله ms0822 تعالى وأنتم حرم من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها ~~والامر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل وإذا حللتم فلا جناح عليكم في الاصطياد ~~وقرئ أحللتم وهو لغة في حلى وقرئ بكسر الفاء بالقاء حركة همزة الوصل عليها ~~وهو PageV03P004 # ضعيف جدا «ولا يجرمنكم» نهى عن احلال قوم من الأمين خصوا به مع اندراجهم ~~في النهي عن احلال الكل كافة لاستقلالهم بأمور ربما يتوهم كونها مصححة ~~لإحلالهم داعية اليه وجرم جار مجرى كسب في المعنى وفي التعدي إلى مفعول ~~واحد والى اثنين يقال جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه خلا ان ~~جرم يستعمل غالبا في كسب ما لا خير فيه وهو السبب في ايثاره ههنا على ~~الثاني وقد ينقل الأول من كل منهما بالهمزة إلى معنى الثاني فيقال أجرمته ~~ذنبا وأكسبته إياه وعليه قراءة من قرا يجر منكم بضم الياء «شنآن قوم» بفتح ~~النون وقرئ بسكونها وكلاهما مصدر ضعيف إلى مفعوله لا إلى فاعله كما قيل وهو ~~شدة البغض وغاية المقت «أن صدوكم» متعلق بالشنآن باضمار لام العلة أي لان ~~صدوركم عام الحديبية «عن المسجد الحرام» عن زيارته والطواف به للعمرة وهده ~~اية بينة في عموم امين للمشركين قطعا وقرئ ان صدوركم على انه شرط معترض ~~اغنى عن جوابه لا يجر منكم قد ابرز الصد المحقق فيما سبق في معرض المفروض ~~للتوبيخ والتنبيه على ان حقه ان لا يكون وقوعه الا على سبيل الفرض والتقدير ~~«أن تعتدوا» أي عليهم وانما حذف تعويلا على ظهوره وايماء إلى ان المقصد ~~الأصلي من النهي منع صدور الاعتداء عن المخاطبين محافظة على تعظيم الشعائر ~~لا منع وقوعه على القوم مراعاة لجانبهم وهو ثاني مفعولي يجر منكم أي لا ~~يكسبنكم شدة بغضكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام اعتداءكم عليهم ~~وانتقامكم منهم للتشفي وهذا وان كان بحسب الظاهر نهيا للشنآن عن كسب ~~الاعتداء للمخاطبين لكنه في الحقيقة نهى لهم عن الاعتداء على أبلغ وجه ~~وآكده فان النهي عن أسباب الشيء ومبادية المؤدية اليه نهى عنه ms0823 بالطريق ~~البرهاني وابطال للسببية وقد يوجه النهي إلى المسبب ويراد النهي عن السبب ~~كما في قوله لا أرينك ههنا يريد به نهي مخاطبة عن الحضور لديه ولعل تأخير ~~هذا النهي عن قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا مع ظهور تعلقه بما قبله ~~للايذان بان حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الاحرام كانتهاء حرمة ~~الاصطياد به بل هي باقية ما لم تنقطع علاقتهم عن الشعائر بالكلية وبذلك ~~يعلم بقاء حرمة التعرض لسائر الأمين بالطريق الأولى «وتعاونوا على البر ~~والتقوى» لما كان الاعتداء غالبا بطريق التظاهر والتعاون أمروا اثر ما نهوا ~~عنه بان يتعاونوا على كل ما هو من باب البر والتقوى ومتابعة الامر ومجانبة ~~الهوى فدخل فيه ما نحن بصدده من التعاون على العفو والاغضاء عما وقع منهم ~~دخولا أوليا ثم نهوا عن التعاون في كل ما هو من مقولة الظلم والمعاصي بقوله ~~تعالى «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» فاندرج فيه النهي عن التعاون على ~~الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني واصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه ~~احدى التاءين تخفيفا وانما اخر النهي عن الامر مع تقدم التخلية على التحلية ~~مسارعة إلى ايجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من ايجاب ترك التعاون على ~~الاثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى ثم أمروا بقوله ~~تعالى «واتقوا الله» بالاتقاء في جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر ~~من الأوامر والنواهي فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني ثم علل ذلك ~~بقوله تعالى «أن الله شديد العقاب» أي لمن لا يتقيه فيعاقبكم لا محالة ان ~~لم تتقوه واظهار الاسم الجليل لما مر مرارا من ادخال الروعة وتربية المهابة ~~وتقوية استقلال الجملة PageV03P005 # «حرمت عليكم الميتة» شروع في بيان المحرمات التي أشير إليها بقوله تعالى ~~الا ما يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروح من غير ذبح «والدم» أي المسفوح ~~منه لقوله تعالى أو دما مسفوحا وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ~~ويشوونه ويقولون لم يحرم من فزدله أي من فصد له «ولحم الخنزير وما أهل ms0824 لغير ~~الله به» أي رفع الصوت لغير الله عند ذبحه كقولهم باسم اللات والعزى ~~«والمنخنقة» أي التي ماتت بالخنق «والموقوذة» أي التي قتلت بالضرب بالخشب ~~ونحوه من وقذته إذا ضربته «والمتردية» أي التي تردت من علو أو إلى بئر ~~فماتت «والنطيحة» أي التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح والتاء للنقل وقرئ ~~والمنطوحة «وما أكل السبع» أي وما اكل منه السبع فمات وقرئ بسكون الباء ~~وقرئ وأكيل السبع وفيه دليل على ان جوارح الصيد إذا اكلت مما صادته لم يحل ~~«إلا ما ذكيتم» الا ما أدركتم ذكاته وفيه بقية حياة يضطرب اضطراب المذبوح ~~وقيل الاستثناء مخصوص بما اكل السبع والذكاة في الشرع بقطع الحلقوم والمرىء ~~بمحدد «وما ذبح على النصب» قيل هو منفرد وقيل جمع نصاب وقرئ بسكون الصاد ~~وأيا ما كان فهو واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون ~~عليها ويعدون ذلك قربة وقيل هي الأصنام «وأن تستقسموا بالأزلام» جمع زلم ~~وهو القدح أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح وذلك انهم إذا قصدوا فعلا ~~ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها امرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي وعلى ~~الثالث فان خرج الامر مضوا على ذلك وان خرج الناهي اجتنبوا عنه وان خرج ~~الغافل أجالوها مرة أخرى فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم بالأزلام ~~وقيل هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعهودة «ذلكم» إشارة إلى ~~الاستقسام بالأزلام ومعنى البعد فيه للإشارة إلى بعد منزلته في الشر «فسق» ~~تمرد وخروج عن الحدود دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد انه طريق اليه ~~وافتراء على الله سبحانه ان كان هو المراد بقولهم ربي وشرك وجهالة ان كان ~~هو الصنم وقيل ذلكم إشارة إلى تناول المحرمات المعدودة لان معنى تحريمها ~~تحريم تناولها «اليوم» اللام للعهد والمراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ~~من الأزمنة الماضية الآتية وقيل يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر الجمعة يوم ~~عرفة في حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على العضباء ~~فكادت عضد الناقة تندق لثقلها فبركت وأياما ms0825 كان فهو منصوب على انه ظرف ~~لقوله تعالى «يئس الذين كفروا من دينكم» أي من ابطاله ورجوعكم عنه بتحليل ~~هذه لخبائث أو غيرها أو من ان يغلبوكم عليه لما شاهدوا من ان الله عز وجل ~~وفي بوعده حيث أظهره على الدين كله وهو الأنسب بقوله PageV03P006 # تعالى «فلا تخشوهم» أي ان يظهروا عليكم «واخشون» أي وأخلصوا إلى الخشية ~~«اليوم أكملت لكم دينكم» بالنصر والاظهار على الأديان كلها أو بالتنصيص على ~~قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد وتقديم الجار ~~والمجرور للايذان من أول الامر بان الاكمال لمنفعتهم ومصلحتهم كما في قوله ~~تعالى ألم نشرح لك صدرك وعليكم في قوله تعالى «وأتممت عليكم نعمتي» متعلق ~~بأتممت لا بنعمتي لان المصدر لا يتقدم عليه معموله وتقديمه على المفعول ~~الصريح لما مر مرات أي أتممتها بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار ~~الجاهلية ومناسكها والنهي عن حج المشرك وطواف العريان أو باكمال الدين ~~والشرائع أو بالهداية والتوفيق قيل معنى أتممت عليكم نعمتي أنجزت لكم وعدي ~~بقولي ولاتم نعمتي عليكم «ورضيت لكم الإسلام دينا» أي اخترته لكم من بين ~~الأديان وهو الدين عند الله لا غير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ان ~~رجلا من اليهود قال له يا أمير المؤمنين اية في كتابكم تقرءونها لو علينا ~~معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال أي اية قال اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي الآية قال عمر رضي الله تعالى عنه عرفنا ذلك ~~اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة ~~يوم الجمعة أشار رضي الله تعالى عنه إلى ان ذلك اليوم عيد لنا وروي انه لما ~~نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يبكيك يا عمر قال أبكاني انا كنا في زيادة من ديننا فإذ أكمل فإنه لا ~~يكمل شئ الا نقص فقال عليه الصلاة والسلام صدقت فكانت هذه الآية نعى رسول ~~الله صلى الله ms0826 عليه وسلم فما لبث بعد ذلك الا أحدا وثمانين يوما «فمن اضطر» ~~متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب ان يجتنب عنه وهو ان ~~تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين والنعمة التامة والاسلام المرضى أي فمن ~~اضطر إلى تناول شئ من هذه المحرمات «في مخمصة» أي مجاعة يخاف معها الموت أو ~~مباديه «غير متجانف لإثم» قيل غير مائل ومنحرف اليه بان يأكلها تلذذا أو ~~مجاوزا حد الرخصة أو ينتزعها من مضطر اخر كقوله تعالى غير باغ ولا عاد «فإن ~~الله غفور رحيم» لا يؤاخذه بذلك «يسألونك ماذا أحل لهم» شروع في تفصيل ~~المحللات التي ذكر بعضها على وجه الاجمال اثر بيان المحرمات كأنهم سألوا ~~عنها عند بيان أضدادها ولتضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة فماذا ~~مبتدأ وأحل لهم خبره وضمير الغيبة لما ان يسألون بلفظ الغيبة فإنه كما ~~يعتبر حال المحكى عنه فيقال اقسم زيد لأفعلن يعتبر حال الحاكي فيقال اقسم ~~زيد ليفعلن والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم «قل أحل لكم الطيبات» أي ما لم ~~تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه كما في قوله تعالى ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث «وما علمتم من الجوارح» عطف على الطيبات بتقدير المضاف ~~على ان ما موصولة والعائد محذوف أي وصيد ما علمتموه أو مبتدأ على ان ~~PageV03P007 # ما شرطية والجواب فكلوا وقد جوز كونها مبتدأ على تقدير كونها موصولة أيضا ~~والخبر كلوا وانما دخلته الفاء تشبيها للموصول باسم الشرط ومن الجوارح حال ~~من الموصول أو ضميره المحذوف والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير وقيل ~~سميت بها لأنها تجرح الصيد غالبا «مكلبين» أي معلمين لها الصيد والمكلب ~~مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد مشتق من الكلب لان التأديب كثيرا ما يقع فيه ~~أو لان كل سبع يسمى كلبا لقوله عليه الصلاة والسلام في حق عتبة بن أبي لهب ~~حين أراد سفر الشام فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه كلبا من ~~كلابك فاكله الأسد وانتصابه على الحالية من فاعل علمتم وفائتها ms0827 المبالغة في ~~التعليم لما ان الاسم المكلب لا يقع الا على النحرير في علمه وقرئ مكلبين ~~بالتخفيف والمعنى واحد «تعلمونهن» حال ثانية منه أو حال من ضمير مكلبين أو ~~استئناف «مما علمكم الله» من الحيل وطرق التعليم والتأديب فان العلم به ~~الهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما عرفكم ان ~~تعلموه من اتباع الصيد بارسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وامساك ~~الصيد عليه وعدم اكله منه «فكلوا مما أمسكن عليكم» قد مر فيما سبق ان هذه ~~الجملة على تقدير كون ما شرطية جواب الشرط وعلى تقدير كونها موصولة مرفوعة ~~على الابتداء خبر لها واما على تقدير كونها عطفا على الطيبات فهي جملة ~~متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر الذي هو ~~المعطوف وبه يتعلق الاحلال حقيقة ومشيرة إلى نتيجة التعليم واثره داخلة تحت ~~الامر فالفاء فيها كما في قوله أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ومن تبعيضية ~~لما ان البعض مما لا يتعلق به الاكل الجلود والعظام والريش وغير ذلك ومما ~~موصولة أو موصوفة حذف عائدها وعلى متعلقة بأمسكن أي فكلوا بعض ما أمسكنه ~~عليكم وهو الذي لم يأكلن منه واما ما أكلن منه فهو مما أمسكنه على أنفسهن ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم وان اكل منه فلا تأكل انما امسك على ~~نفسه واليه ذهب أكثر الفقهاء وقال بعضهم لا يشترط عدم الاكل في سباع الطير ~~لما ان تأديبها إلى هذه الدرجة متعذر وقال آخرون لا يشترط ذلك مطلقا وقد ~~روى عن سلمان وسعد ابن أبي وقاص وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم انه إذا ~~الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وقد ذكرت اسم الله عليه فكل «واذكروا اسم الله عليه» ~~الضمير لما علمتم أي سموا عليه عند ارساله أو لما أمسكنه أي سموا عليه إذا ~~أدركتم ذكاته «واتقوا الله» في شان محرماته «إن الله سريع الحساب» أي سريع ~~إتيان حسابه أو سريع تمامه وإذا شرع فيه يتم في أقرب ms0828 ما يكون من الزمان ~~والمعنى على التقديرين انه يؤاخذكم سريعا في كل ما جل ودق واظهار الاسم ~~الجليل في موقع الاضمار لتربية المهابة وتعليل الحكم «اليوم أحل ~~PageV03P008 # لكم الطيبات» قيل المراد بالأيام الثلاثة وقت واحد وانما كرر للتأكيد ولا ~~اختلاف الاحداث والواقعة فيه حسن تكريره والمراد بالطيبات ما مر «وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب» أي اليهود والنصارى واستثنى على رضي الله تعالى عنه ~~نصارى بني تغلب وقال ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها الا شرب الخمر ~~وبه اخذ الشافعي رضي الله عنه والمراد بطعامهم ما يتناول ذبائحهم وغيرها ~~«حل لكم» أي حلال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انه سال عن ذبائح ~~نصارى العرب فقال لا باس وهو قول عامة التابعين وبه اخذ أبو حنيفة رضي الله ~~عنه وأصحابه وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عنده وقال صاحباه هما صنفان صنف ~~يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة عليهم السلام وصنف لا يقرؤون كتابا ويعبدون ~~النجوم فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب واما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب ~~في اخذ الجزية منهم دون اكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لقوله عليه الصلاة ~~والسلام سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ~~«وطعامكم حل لهم» فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ~~ذلك «والمحصنات من المؤمنات» رفع على انه مبتدأ حذف خبره لدلالة ما تقدم ~~عليه أي حل لكم أيضا والمراد بهم الحرائر العفائف وتخصيصهن بالذكر للبعث ~~على ما هو الأول لا لنفي ما عداهن فان نكاح الايماء المسلمات صحيح بالاتفاق ~~وكذا نكاح غير العفائف منهن واما الايماء الكتابيات فهن كالمسلمات عند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه خلافا للشافعي رضي الله عنه «والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم» أي هن أيضا حل لكم وان كن حربيات وقال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما لا تحل الحربيات «إذا آتيتموهن أجورهن» أي مهورهن وتقييد الحل ~~بإيتائها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى وقيل المراد بإيتاءها التزامها ~~وإذا ظرفية عاملها حل المحذوف ms0829 وقيل شرطية حذف جوابها أي إذا آتيتموهن ~~أجورهن حللن لكم «محصنين» حال من فاعل آتيتموهن أي حال كونكم اعفاء بالنكاح ~~وكذا قوله تعالى «غير مسافحين» وقيل هو حال من ضمير محصنين وقيل صفة ~~لمحصنين أي غير مجاهرين بالزنا «ولا متخذي أخدان» أي ولا مصرين به والخدم ~~الصديق يقع على الذكر والأنثى وهو اما مجرور عطفا على مسافحين وزيدت لا ~~لتأكيد النفي المستفاد من غير أو منصوب عطفا على غير مسافحين باعتبار أوجه ~~الثلاثة «ومن يكفر بالإيمان» أي ومن ينكر شرائع الاسلام التي من جملتها ما ~~بين ههنا من الاحكام المتعلقة بالحل والحرمة ويمتنع عن قبولها «فقد حبط ~~عمله» الصالح الذي عمل قبل ذلك «لكم الدار الآخرة عند الله» وهو مبتدأ من ~~الخاسرين خبره وفي متعلقة بما تعلق به الخبر من الكون المطلق وقيل بمحذوف ~~دل عليه المذكور أي خاسرة بالآخرة وقيل بالخاسرين على ان الألف واللام ~~للتعريف لا موصولة لان ما بعدها لا يعمل فيما قبلها وقيل يغتفر في الظرف ما ~~لا يغتفر في غيره كما في قوله: # ربيته حي إذا تمعددا * كان جزائي بالعصا أن أجلدا. PageV03P009 # «يا أيها الذين آمنوا» شروع في بيان الشرائع المتعلقة بدينهم بعد بيان ما ~~يتعلق بدنياهم «إذا قمتم إلى الصلاة» أي أردتم القيام إليها كما في قوله ~~تعالى فإذا قرأت القران فاستعذ بالله عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب ~~عنها مجازا للايجاز والتنبيه على ان من أراد الصلاة حقه ان يبادر إليها ~~بحيث لا ينفك عن ارادتها أو إذا قصدتم الصلاة اطلاقا لاسم أحد لازميها على ~~لازمها الاخر وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم إليها وان لم ~~يكن محدثا لما ان الامر للوجوب قطعا والاجماع على خلافه وقد روى ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد فقال عمر رضي ~~الله تعالى عنه صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال عليه الصلاة والسلام عمدا ~~فعلته يا عمر يعني بيانا للجواز وحمل الامر بالنسبة إلى غير المحدث على ~~الندب ms0830 مما لا مساغ له فالوجه ان الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال ~~واشتراط الحدث في التيمم الذي هو بدله وما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء من انهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة فلا دلالة فيه على انهم كانوا ~~يفعلونه بطريق الوجوب أصلا كيف لا وما روى عنه عليه الصلاة والسلام من قوله ~~من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات صريح في ان ذلك كان منهم بطريق ~~الندب وما قيل كان ذلك أول الامر ثم نسخ يرده قوله عليه الصلاة والسلام ~~المائدة من اخر القران نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها «فاغسلوا وجوهكم» ~~أي أمروا عليها الماء ولا حاجة إلى الدلك خلافا لمالك «وأيديكم إلى ~~المرافق» الجمهور على دخول المرفقين في المغسول ولذلك قيل إلي بمعنى مع كما ~~في قوله تعالى ويزدكم قوة إلى قوتكم وقيل هي انما تفيد معنى الغاية مطلقا ~~واما دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه وانما هو امر يدور ~~على الدليل الخارجي كما في حفظة القران من أوله إلى اخره وقوله تعالى فنظرة ~~إلى ميسرة فان الدخول في الأول والخروج في الثاني متيقن بناء على تحقق ~~الدليل وحيث لم يتحقق ذلك في الآية وكانت الأيدي متناولة للمرافق حكم ~~بدخولها فيها احتياطا وقيل إلى من حيث إفادتها للغاية تقتضي خروجها لكن لما ~~لم تتميز الغاية همنا عن ذي الغاية وجب ادخالها احتياطا «وامسحوا برؤوسكم» ~~الباء مزيدة وقيل للتبعيض فإنه الفارق بين قولك مسحت المنديل ومسحت ~~بالمنديل وتحقيقه انها تدل على تضمين الفعل معنى الالصاق فكأنه قيل وألصقوا ~~المسح برؤوسكم وذلك لا يقتضي الاستيعاب كما يقتضيه ما لو قيل وامسحوا ~~رؤوسكم فإنه كقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم واختلف العلماء في القدر الواجب ~~فأوجب الشافعي أقل ما ينطلق عليه الاسم اخذا باليقين وأبو حنيفة ببيان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث مسح على ناصيته وقدرها PageV03P010 # بربع الرأس ومالك مسح الكل اخذا بالاحتياط «وأرجلكم إلى الكعبين» بالنصب ~~عطفا على وجوهكم ويؤيده السنة الشائعة وعمل ms0831 الصحابة وقول أكثر الأئمة ~~والتحديد إذا المسح لم يعهد محدودا وقرء بالجر على الجوار ونظيره في القران ~~كثير كقوله تعالى عذاب يوم اليم ونظائره وللنحاة في ذلك باب مفرد وفائدته ~~التنبيه على انه ينبغي ان يقتصد في صب الماء عليها ويغسلها غسلا قريبا من ~~المسح وفي الفصل بينه وبين أخواته ايماء إلى أفضلية الترتيب وقرء بالرفع أي ~~وأرجلكم مغسولة «وإن كنتم جنبا فاطهروا» أي فاغتسلوا وقرء فاطهروا أي ~~فطهروا أبدانكم وفي تعليق الامر بالطهارة الكبرى بالحدث الأكبر إشارة إلى ~~اشتراط الامر بالطهارة الصغرى بالحدث الأصغر «وإن كنتم مرضى» مرضا يخاف به ~~الهلاك أو ازدياده باستعمال الماء «أو على سفر» أي مستقرين عليه «أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه» من لابتداء الغاية وقيل للتبعيض وهي متعلقة ~~بامسحوا وقرء فأموا صعيدا وقد مر تفسير الآية الكريمة مشبعا في سورة النساء ~~فليرجع اليه ولعل التكرير ليتصل الكلام في أنواع الطهارة «ما يريد الله» أي ~~ما يريد بالامر بالطهارة للصلاة أو بالمر بالتيمم «ليجعل عليكم من حرج» من ~~ضيق في الامتثال به «ولكن يريد» ما يريد بذلك «ليطهركم» أي لينظفكم أو ~~ليطهركم عن الذنوب فان الوضوء مكفر لها أو ليطهركم بالتراب إذا اعوزكم ~~التطهر بالماء فمفعول يريد في الموضعين محذوف واللام للعلة وقيل مزيده ~~والمعنى ما يريد الله ان يجعل عليكم من حرج في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم ~~في التيمم ولكن يريد ان يطهركم بالتراب إذا اعوزكم التطهر بالماء «وليتم» ~~بشرعه ما هو مطهرة لا لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم «نعمته عليكم» في الدين أو ~~ليتم برخصة إنعامه عليكم بعزائمه «لعلكم تشكرون» نعمته ومن لطائف الآية ~~الكريمة انها مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل وبدل والأصل ~~اثنان مستوعب وغير مستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود ~~وغير محدود وان آلتهما مائع وجامد وموجبهما حدث أصغر وأكبر وان المبيح ~~للعدول إلى البدل مرض وسفر وان الموعود عليهما تطهير الذنوب ms0832 واتمام النعمة ~~«واذكروا نعمة الله عليكم» بالاسلام لتذكركم المنعم وترغبكم في شكره ~~«وميثاقه الذي واثقكم به» أي عهده المؤكد الذي اخذه عليكم وقوله تعالى «إذ ~~قلتم سمعنا وأطعنا» ظرف لواثقكم به أو لمحذوف لمحذوف وقع حالا من الضمير ~~المجرور في به أو من ميثاقه أي كائنا وقت قولكم سمعنا وأطعنا وفائدة ~~التقييد به تأكيد وجوب مراعاته بتذكير قبولهم والتزامهم بالمحافظة عليه وهو ~~الميثاق الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة في حال العسر واليسر والمنشط والمكره وقيل هو الميثاق ~~الواقع ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان واضافته اليه تعالى مع صدوره عنه عليه ~~الصلاة والسلام لكون المرجع اليه كما نطق به قوله تعالى ان PageV03P011 # الذين يبايعونك انما يبايعون الله وقال مجاهد هو الميثاق الذي اخذه الله ~~تعالى على عباده حين أخرجهم من صلب ادم عليه السلام «واتقوا الله» أي في ~~نسيان نعمته ونقض ميثاقه أو في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه ما ذكر ~~دخولا أولياء «إن الله عليم بذات الصدور» أي بخفياتها الملابسة لها ملابسة ~~تامة مصححة لاطلاق الصاحب عليها فيجازيكم عليها فما ظنكم بحليات الاعمال ~~والجملة اعتراض تذييلي وتعليل الامر بالاتقاء واظهار الاسم الجليل في موقع ~~الاضمار لتريه المهابة وتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة «يا أيها الذين ~~آمنوا» شروع في بيان الشرائع المتعلقة بما يجري بينهم وبين غيرهم اثر بيان ~~ما يتعلق بأنفسهم «كونوا قوامين لله» مقيمين لأوامره ممتثلين بها معظمين ~~لها مراعين لحقوقها «شهداء بالقسط» أي بالعدل «ولا يجرمنكم» أي لا يحملنكم ~~«شنآن قوم» أي شدة بغضكم لهم «على ألا تعدلوا» فلا تشهدوا في حقوقهم بالعدل ~~أو فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثله وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد ~~تشفيا وغير ذلك «اعدلوا هو» اي العدل «أقرب للتقوى» الذي أمرتم به صرح لهم ~~بالامر بالعدل وبين انه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور وبين انه ~~مقتضى الهوى وإذا كان وجوب العدل في حق الكفار في هذه ms0833 المثابة فما ظنك ~~بوجوبه في حق المسلمين «واتقوا الله» امر بالتقوى اثر ما بين ان العدل أقرب ~~له اعتناء بشأنه وتنبيها على انه ملاك الامر «إن الله خبير بما تعملون» من ~~الاعمال فيجازيكم بذلك وتكرير هذا الحكم اما لاختلاف السبب كما قيل ان ~~الأول نزل في المشركين وهذا في اليهود أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة ~~في اطفاء فائدة الغيظ والجملة تعليل لما قبلها واظهار الجلالة لما مر مرات ~~وحيث كانت مضمونها منبئا عن الوعد والوعيد عقب بالوعد لمن يحافظ على طاعته ~~تعالى وبالوعيد لمن يخل بها فقيل «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات» ~~التي من جملتها العدل والتقوى «لهم مغفرة وأجر عظيم» حذف ثاني مفعولا وعد ~~استغناء عنه بهذه الجملة فإنه استئناف مبين له وقيل الجملة في موقع المفعول ~~فان الوعد ضرب من القول فكأنه قيل وعدهم هذا القول «والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا» التي من جملتها ما تليت من النصوص الناطقة بالامر والعدل والتقوى ~~«أولئك» الموصوفون بما ذكر من الكفر وتكذيب الآيات «أصحاب الجحيم» ملابسوها ~~ملابسة مؤبدة من السنة السنية القرآنية شفع الوعد بالوعيد والجمع بين ~~الترغيب والترهيب ايفاء لحق الدعوى بالتبشير والانذار PageV03P012 # «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم» تذكير لنعمة الانجاء من ~~الشر إثر تذكير نعمة ايصال الخير الذي هو نعمة الاسلام وما يتبعها من ~~الميثاق وعليكم متعلق بنعمة الله أو بمحذوف وقع حالا منها وقوله تعالى «إذ ~~هم قوم» على الأول ظرف لنفس النعمة وعلى الثاني لما تعلق به عليكم ولا سبيل ~~إلى كونه ظرفا لا ذكروا التنافي زمانيهما أي اذكروا انعامه تعالى عليكم أو ~~اذكروا نعمته كائنة عليكم في وقت همهم «أن يبسطوا إليكم أيديهم» أي بان ~~يبطشوا بكم بالقتل والإهلاك يقال بسط اليه يده إذا بطش به وبسط اليه لسانه ~~إذا شتمته وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان ~~رجوع ضرر البسط وغائلته إليهم حملا لهم من أول الامر على الاعتداد بنعمة ~~دفعة كما ان تقديم لكم في قوله عز وجل هو ms0834 الذي خلق لكم ما في الأرض ~~للمبادرة إلى بيان كون المخلوق من منافعهم تعجيلا للمسرة «فكف أيديهم عنكم» ~~عطف على هم وهو النعمة التي أريد تذكيرها وذكرا لهم للايذان بوقوعها عند ~~مزيدا لحاجة إليها والفاء للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكما لها واظهار ~~أيديهم في موقع الاضمار لزيادة التقرير أي منع أيديهم ان تمد إليكم عقيب ~~همهم بذلك لا انه كفها عنكم بعد ما مدوها إليكم وفيه من الدلالة على كمال ~~النعمة من حيث انها لم تكن مشوبة بضرر الخوف والانزعاج الذي قلما يعرى عنه ~~الكف بعد المد ما لا يخفى مكانه وذلك ما روى ان المشركين رأوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان في غزوة ذي أنمار وهى غزوة ذات الرقاع ~~وهي السابعة من مغازيه عليه الصلاة والسلام قاموا إلى الظهر معا فلما صلوا ~~ندم المشركون الا كانوا قد أكبوا عليهم فقالوا ان لهم بعدها صلاة هي أحب ~~إليهم من ابائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا ان يوقعوا بهم إذ قاموا ~~إليها فرد الله تعالى كيدهم بان انزل صلاة الخوف وقيل هو ما روى ان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اتى بني قريظة ومعه الشيخان وعلي رضي الله تعالى ~~عنهم يستقرضهم لديه مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطا يحسبهما مشركين ~~فقالوا نعم يا ابا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سالت فأجلسوه في صفه ~~وهموا بالفتك به وعمد عمروا بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه فامسك الله ~~تعالى يده ونزل جبريل عليه السلام فأخبره فخرج عليه الصلاة والسلام وقيل هو ~~ما روى انه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق أصحابه في العظاء يستظلون ~~بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه بشجرة فجاء اعرابي فاخذها وسله ~~فقال من يمنعك مني فقال صلى الله عليه وسلم الله تعالى فأسقطه جبريل عليه ~~السلام من يده فاخذه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال من يمنعك مني فقال لا ~~أحد اشهد ان لا اله الا الله وان ms0835 محمدا رسول الله «واتقوا الله» عطف على ~~اذكروا أي اتقوه في رعاية حقوق نعمته ولا تخلوا بشكرها أو في كل ما تأتون ~~وما تذرون فيدخل فيه ما ذكر دخول أولياء «وعلى الله» أي عليه تعالى خاصة ~~دون غيره استقلال واشتراكا «فليتوكل المؤمنون» فإنه يكفيهم في ايصال كل خير ~~ودفع كل شر والجملة تذييل مقرر لما قبله وايثار صيغة امر الغائب واسنادها ~~إلى المؤمنين لايجاب التوكل على PageV03P013 # المخاطبين بالطريق البرهاني وللإيذان بان ما وصفوا به عند الخطاب من وصف ~~الايمان داع إلى ما أمروا به من التوكل والتقوى وازع عن الاخلال بهما ~~واظهار الاسم الجليل في موقع الاضمار لتعليل الحكم وتقوية استقلال الجملة ~~التذييلية «ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل» كلام مستأنف مشتمل على ذكر ~~بعض ما صدر عن بني إسرائيل من الخيانة ونقض الميثاق وما أدى اليه ذلك من ~~التبعات مسوق لتقرير المؤمنين على ذكر نعمة الله تعالى ومراعاة حق الميثاق ~~الذي أوثقهم به وتحذيرهم من نقضه أو لتقرير ما ذكر من الهم بالبطش وتحقيقه ~~على تقدير كون ذلك من بني قريظة حسبما مر من الرواية ببيان ان الغدر ~~والخيانة عادة لهم قديمة توارثوها من أسلافهم واظهار الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وتفخيم الميثاق وتهويل الخطب في نقضه مع ما فيه من رعاية حق ~~الاستئناف المستدعى لانقطاع عما قبله والالتفات في قوله تعالى «وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا» للجرى على سنن الكبرياء أو لان البعث كان بواسطة موسى عليه ~~السلام كما سيأتي وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مرا مرارا ~~من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والنقيب فعيل بمعنى فاعل مشتق من ~~النقب وهو التفتيش ومنه قوله تعالى فنقبوا في البلاد سمى بذلك لتفتيشه عن ~~أحوال القوم وأسرارهم قال الزجاج واصله من النقب وهو الثقب الواسع روى ان ~~بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعهد مهلك فرعون امرهم الله عز وجل بالمسير ~~إلى أريحا ارض الشام وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال لهم اني كتبتها ~~لكم دارا وقرارا فأخرجوا إليها وجاهدوا من ms0836 فيها واني ناصركم وامر موسى عليه ~~السلام ان يأخذ من كل سبط نقيبا أمينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما ~~أمروا به توثقة عليهم فاختار النقباء واخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل ~~إليهم النقباء وسار بهم فلما دنا من ارض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا ~~أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم بما رأوا وقد نهاهم ~~موسى عن ذلك فنكثوا الميثاق الا كالب بن يوقنا نقيب سبط يهوذا ويوشع بن نون ~~نقيب سبط إفراييم بن يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام قيل لما توجه النقباء ~~إلى ارضهم للتجسس لقيهم عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة ~~وثلاثين ذراعا وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وكان على رأسه حزمة حطب فاخذهم ~~وجعلهم في الحزمة وانطلق بهم إلى امرأته وقال انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون ~~انهم يريدون قتالنا فطرحهم بين يديها وقال ألا أطحنهم برجلي فقالت لا بل ~~خلي عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل فجعلوا يتعرفون أحوالهم وكان لا ~~يحمل عنقود عنبهم الا خمسة رجال أو أربعة فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض ~~ان أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموه ~~PageV03P014 # الا عن موسى وهارون عليهما السلام فيكونان هما يريان رأيهما فاخذ بعضهم ~~على بعض الميثاق ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام وكان معهم حبة من عنبهم ~~وقر رجل فنكثوا عهدهم وجعل كل منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى ~~الا كالب ويشع وكان معسكر موسى فرسخا في فرسخ فجاء أوج حتى نظر إليهم ثم ~~رجع إلى الجبل فقور منه صخرة عظيمة على قدر العسكر ثم حملها على رأسه ~~ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى الهدهد فقور من الصخرة وسطها المحاذى لرأسه ~~فانتقبت فوقعت في عنق عوج وطوقته فصرعته فاقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة ~~اذرع وكذا طول العصا فتراما في السماء عشرة اذرع فما أصاب العصا الا كعبا ~~وهو مصروع فقتله قالوا فأقبلت جماعة ومعهم الخناجر حتى حزوا رأسه «وقال ~~الله» أي لبني إسرائيل ms0837 فقد إذهم المحتاجون إلى ما ذكر من الترغيب والترهيب ~~كما ينبئ عنه الالتفات مع ما فيه من تربية المهابة وتأكيد ما يتضمنه الكلام ~~من الوعد «إني معكم» أي بالعلم والقدرة والنصرة لا بالنصرة فقط فان تنبيههم ~~على علمه تعالى بكل ما يأتون وما يذرون وعلى كونهم تحت قدرته وملكوته مما ~~يحمله على الجد في الامتثال بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه كأنه قيل ~~اني معكم اسمع كلامكم وارى اعمالكم واعلم ضمائركم فأجازيكم بذلك هذا وقد ~~قيل المراد بالميثاق هو الميثاق بالايمان والتوحيد وبالنقباء ملوك بني ~~إسرائيل الذين ينقبون أحوالهم ويلون أمورهم بالامر والنهي وإقامة العدل وهو ~~الأنسب بقوله تعالى «لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي» أي ~~بجميعهم والآلام موطئة للقسم المحذوف وتأخير الأمان عن إقامة الصلاة وايتاء ~~الزكاة مع كونهما من الفروع المترتبة عليه لما انهم كانوا معترفين بوجوبهما ~~مع ارتكابهم لتكذيب بعض الرسل عليهم السلام ولمراعاة المقارنة بينه وبين ~~قوله تعالى «وعزرتموهم» أي نصرتموهم وقويتموهم واصله الذب وقيل التعظيم ~~والتوقير والثناء بخير وقرء وعزرتموهم بالتخفيف «وأقرضتم الله» بالانفاق في ~~سبيل الخير وبالتصدق بالصدقات المندوبة وقوله تعالى «قرضا حسنا» اما مصدر ~~مؤكد وارد على غير صيغة المصدر كما في قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وانبتها نبات حسن أو مفعول ثاني لأقرضتم على انه اسم للمال المقرض وقوله ~~تعالى «لأكفرن عنكم سيئاتكم» جواب للقسم المدلول عليه بالآلام ساد مسد جواب ~~الشرط «ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار» عطف على ما قبله داخل معه في ~~حكم الجواب متأخر عنه في الحصول أيضا ضرورة تقدم التخلية على التحلية «فمن ~~كفر» أي برسلي أو بشيء مما عدد في حيز الشرط والفاء لترتيب بيان حكم من كفر ~~على بيان حكم من امن تقوية للترغيب بالترهيب «بعد ذلك» الشرط المؤكد المعلق ~~به الوعد العظيم الموجب للايمان قطعا «منكم» متعلق بمضمر وقع حالا من فاعل ~~كفر ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وان كفرتم عطفا على الشرطية السابقة ~~لاخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال ms0838 واسقاط من كفر عن رتبة الخطاب وليس المراد ~~احداث الكفر بعد الايمان بل ما يعم الاستمرار عليه أيضا كأنه قيل فمن اتصف ~~بالكفر بعد ذلك خلا انه قصد بايراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب ~~الكفر فان الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الاقلاع عنه وان كان استمرار عليه ~~لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث «فقد ضل سواء السبيل» أي وسط الطريق ~~الواضح ضلالا بينا وأخطأه خطا فاحشا لا عذر معه أصلا بخلاف من كفر قبل ذلك ~~إذ ربما يمكن ان PageV03P015 # يكون له شبهه ويتوهم له معذرة «فبما نقضهم ميثاقهم» الباء سبيبة وما ~~مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه في النفس أي بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا ~~بشيء اخر استقلالا أو انضماما «لعناهم» طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا أو ~~مسخناهم قردة وخنازير أو أذللناهم بضرب الجزية عليهم وتخصيص البيان بما ذكر ~~مع ان حقه ان يبين بعد بيان تحقق نفس اللعن والنقض بان يقال مثلا فنقصوا ~~ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هيئة الشيء البسيطة على هيئته المركبة للايذان ~~بان تحققهما امر جلى غنى عن البيان وانما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من ~~السبيبة والمسببية «وجعلنا قلوبهم قاسية» بحيث لا تتأثر من الآيات والنظر ~~وقيل أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست أو خذلناهم ومنعناهم الالطاف ~~حتى صارت كذلك وقرئ قسي وهي اما مبالغة قاسية واما بمعنى رديئة من قولهم ~~درهم قسى أي ردى إذ إذا كان مغشوشا له يبس وخشونة وقرئ بكسر القاف اتباعا ~~لها بالسين «يحرفون الكلم عن مواضعه» استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم ~~فإنه لا مرتبة أعظم مما يصحح الا افتراء على تغيير كلام الله عز وجل ~~والافتراء عليه وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وقيل حال من ~~مفعول لعناهم «ونسوا حظا» أي تركوا نصيبا وافرا «مما ذكروا به» من التوراة ~~أو من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقيل حرفوا التوراة وزلت أشياء منها ~~عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قد ينسى المرء بعض العلم ms0839 ~~بالمعصية وتلي هذه الآية «ولا تزال تطلع على خائنة منهم» أي خيانة على أنها ~~مصدر كلاغية وكاذبة أو فعلة خائنة أي ذات خيانة أو طائفة خائنة أو شخص ~~خائنة على ان التاء للمبالغة أو نفس خائنة ومنهم متعلق بمحذوف وقع صفة لها ~~خلى ان من على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة أو على فعلة خائنة ~~كائنة منهم صادرة عنهم وعلى الوجوه الباقية تبعيضية والمعنى ان الغدر ~~والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها ~~فلا تزال ترى ذلك منهم «إلا قليلا منهم» استثناء من الضمير المجرور في منهم ~~على الوجوه كلها وقيل من خائنة على الوجوه الثلاثة الأخيرة والمراد بهم ~~الذين امنوا منهم كعبد الله بن سلام واضرابه وقيل من خائنة على الوجه ~~الثاني فالمراد بالقليل الفعل القليل ومن ابتدائية كما مر أي الا فعلى ~~قليلا كائنا منهم «فاعف عنهم واصفح» أي ان تابوا وامنوا أو عاهدوا والتزموا ~~الجزية وقيل مطلق نسخ باية السيف «إن الله يحب المحسنين» تعليل للامر وحث ~~على الامتثال به وتنبيه على ان العفو على الاطلاق من باب الاحسان «ومن ~~الذين قالوا إنا PageV03P016 # نصارى أخذنا ميثاقهم» بيان لقبائح النصارى وجناياتهم اثر بيان قبائح ~~اليهود وخياناتهم ومن متعلقة بأخذنا إذ التقدير واخذنا من الذين قالوا انا ~~نصارى ميثاقهم وتقديم الجار والمجرور للاهتمام به ولان ذكر حال احدى ~~الطائفتين مما يوقع في ذهن السامع ان حال الأخرى ماذا فكأنه قيل ومن ~~الطائفة الأخرى أيضا أخذنا ميثاقهم وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ ~~محذوف قامت صفته أو صلته مقامه أي ومنهم قوم أخذنا ميثاقهم أو من أخذنا ~~ميثاقهم وضمير ميثاقهم راجع إلى الموصوف المقدر واما في الوجه الأول فراجع ~~إلى الموصول وقيل راجع إلى بني إسرائيل أي أخذنا من هؤلاء ميثاق أولئك أي ~~مثل ميثاقهم من الايمان بالله والرسل وبما يتفرع على ذلك من افعال الخير ~~وانما نسب تسميتهم نصارى إلى أنفسهم دون ان يقال ومن النصارى ايذانا بأنهم ~~في قولهم نحن أنصار الله ms0840 بمعزل من الصدق وانما هو تقول محض منهم وليسوا من ~~نصرة الله تعالى في شيء أو اظهارا لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين ~~أقوالهم وافعالهم فان ادعائهم لنصرته تعالى يستدعى ثباتهم على طاعته تعالى ~~ومراعاة ميثاقه «فنسوا» عقيب اخذ الميثاق من غير تلعثم «حظا» وافرا «مما ~~ذكروا به» في تضاعيف الميثاق من الايمان بالله تعالى وغير ذلك حسبما مر ~~انفا وقيل هو ما كتب عليهم في الإنجيل من ان يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فتركوه ونبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهوائهم فاختلفوا وتفرقوا نسطورية ~~ويعقوبية وملكانية أنصارا للشيطان «فأغرينا» أي ألزمنا وألصقنا من غرى ~~بالشيء إذ لزم ولصق به وأغراه غيره ومنه الغراء وقوله تعالى «بينهم» اما ~~ظرف لأغرينا أو متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله أي أغرينا «العداوة ~~والبغضاء» كائنة بينهم ولا سبيل إلى جعله ظرفا لهما لان المصدر لا يعمل ~~فيما قبله وقوله تعالى «إلى يوم القيامة» اما غاية للاغراء أو للعداوة ~~والبغضاء أي يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبنا تقتضيه أهواؤهم ~~المختلفة وآرائهم الزائغة المؤدية إلى التفرق والى الفرق الثلاث فضمير ~~بينهم لهم خاصة وقيل لهم ولليهود أي أغرينا العداوة والبغضاء بين اليهود ~~والنصارى «وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون» وعيد شديد بالجزاء والعذاب ~~كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت أي يجازيهم بما عملوا على الاستمرار ~~من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به وسوف لتأكيد الوعيد ~~والالتفات إلى ذكر الاسم الجديد لتربية المهابة وادخال الروعة لتشديد ~~الوعيد والتعبير عن العمل بالصنع للايذان برسوخهم في ذلك وعن المجازاة ~~بالتنبئة للتنبيه على انهم لا يعلمون حقيقة ما يعملونه من الاعمال الشيئة ~~واستتباعها للعذاب فيكون ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها ~~بمنزلة الاخبار بها «يا أهل الكتاب» التفات إلى خطاب الفريقين على ان ~~الكتاب جنس شامل للتوراة والإنجيل اثر بيان أحوالهما من الخيانة وغيرها من ~~فنون القبائح ودعوة لهم إلى الايمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والقران ~~وإيرادهم بعنوان أهلية الكتاب لانطواء كلام المصدر ms0841 به على ما يتعلق بالكتاب ~~PageV03P017 # وللمبالغة في التشنيع فان أهلية الكتاب من موجبات مراعاته والعمل بمقتضاه ~~وبيان ما فيه من الاحكام وقد فعلوا من الكتم والتحريف ما فعلوا وهم يعلمون ~~«قد جاءكم رسولنا» للإضافة للتشريف والايذان بوجوب اتباعه وقوله تعالى ~~«يبين لكم» حال من رسولنا وايثار الجملة الفعلية على غيرها للدلالة على ~~تجدد البيان أي قد جائكم رسولنا حال كونه مبينا لكم على التدريج حسبما ~~تقتضيه المصلحة «كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب» أي التوراة والإنجيل ~~كبعثة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى بأحمد ~~عليهما السلام في الإنجيل وتأخير كثيرا عن الجار والمجرور بما مر مرارا من ~~اظهار عناية بالمقدم لما فيه من تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر لان ما ~~حقه التقديم إذا اخر لا سيما الاشعار بكونه من منافع المخاطب تبقى النفس ~~مترقبة إلى وروده فيتمكن عندها إذا ورد فضل تمكن ولان في المؤخر درب تفصيل ~~ربما يخل تقديمه بتجاذب أطراف النظم الكريم فان مما متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لكثيرا وما موصولة اسمية وما بعدها صلتها والعائد إليها محذوف ومن الكتاب ~~متعلق بمحذوف هو حال من العائد المحذوف والجمع بين صيغتين الماضي والمستقبل ~~للدلالة على استمرارهم على الكتم والاخفاء أي بين لكم كثيرا من الذي تخفونه ~~على الاستمرار حال مونه من الكتاب الذي أنتم أهله والمتمسكون به «ويعف عن ~~كثير» أي ولا يظهر كثيرا مما تخفونه إذا لم تدع اليه داعية دينية صيانة لكم ~~عن زيادة الافتضاح كما يفصح عنه التعبير عن عدم الاظهار بالعفو وفيه حث لهم ~~على عدم الاخفاء ترغيبا وترهيبا والجملة معطوفة على الجملة الحالية داخلة ~~في حكمها وقيل يعف عن كثير منكم ولا يؤاخذه في قوله تعالى «قد جاءكم من ~~الله نور» جملة مستأنفة مسوقة لبيان ان فائدة مجيء الرسول ليست منحصرة فيما ~~ذكر ومن بيان ما كانوا يخفونه بل له منافع لا تحصى ومن الله متعلق بجاء ومن ~~لابتداء الغاية مجازا أو محذوف وقع حالا من نور وأيا ما ms0842 كان فهو تصريح بما ~~يشعر به إضافة الرسول من مجيئه من جنابة عز وجل وتقديم الجار والجرور على ~~الفاعل للمصارعة إلى بيان كون المجيء من جهته العالية والتشويق إلى الجائي ~~ولان فيه نوع تطويل يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم كما في قوله ~~تعالى وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين وتنوين نور للتفخيم والمراد ~~به وبقوله تعالى «وكتاب مبين» القران لما فيه من كشف ظلمات الشرك والشك ~~وإبانة ما خفي على الناس من الحق والاعجاز البين والعطف لتنزيل المغايرة ~~بالعنوان منزلة المغايرة وبالذات وقيل المراد بالأول هو الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وبالثاني القران «يهدي به الله» توحيد الضمير المجرور لاتحاد ~~المرجع بالذات أو لكونهما في حكم الواحد أو أريد يهدي بما ذكر وتقديم الجار ~~والمجرور للاهتمام واظهار الجلالة لاظهار كمال الاعتناء بأمر الهداية ومحل ~~الجملة الرفع على انها صفة ثانية لكتاب أو النصب على الحالية منه لتخصصه ~~بالصفة «من اتبع رضوانه» أي رضاه بالايمان به ومن موصوله أو PageV03P018 # موصوفة «سبل السلام» أي طرق السلامة من العذاب والنجاة من العقاب أو سبل ~~الله تعالى وهي شريعته التي شرعها للناس وقيل هو مفعول ثاني ليهدي والحق ان ~~انتصابه بنزع الخافض على طريقة قوله تعالى واختار موسى قومه وانما يعدي إلى ~~الثاني بإلى أو بالام كما في قوله تعالى ان هذا القران يهدي للتي هي أقوم ~~«ويخرجهم» الضمير لمن والجمع باعتبار المعنى كما ان الافراد في اتبع اعتبار ~~اللفظ من «الظلمات» أي ظلمات فنون الكفر والظلال «إلى النور» إلى الايمان ~~«بإذنه» بتيسيره أو بإرادته «ويهديهم إلى صراط مستقيم» هو أقرب الطرق إلى ~~الله تعالى ومؤد اليه لا محالة وهذه الهداية عين الهداية إلى سبل السلام ~~وانما عطفت عليها تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما في قوله ~~تعالى ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين امنوا معه برحمة منا ونجيناهم من ~~عذاب غليظ «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» أي لا غير كما ~~يقال الكرم هو التقوى وهم ms0843 اليعقوبية القائلون بأنه تعالى قد يحل في بدن ~~انسان معين أو في روحه وقيل لم يصرح به أحد منهم لكن حيث اعتقدوا اتصافه ~~بصفات الله الخاصة وقد اعترفوا بان الله تعالى موجود فلزمهم القول بان ~~المسيح لا غير وقيل لما زعموا ان فيه لاهوتا وقالوا لا اله الا واحد لزمهم ~~ان يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم ~~«قل» أي تبكيتا لهم واظهارا لبطلان قولهم الفاسد وإلقاما لهم الحجر والفاء ~~في قوله تعالى «فمن يملك من الله شيئا» فصيحة ومن استفهامية للإنكار ~~والتوبيخ والملك الضبط والحفظ التام عن حزم ومن متعلقة به على حذف المضاف ~~أي ان كان الامر كما تزعمون فمن يمنع من قدرته تعالى وارادته شيئا وحقيقته ~~فمن يستطيع ان يمسك شيئا منها «إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا» ومن حق من يكون الها ان لا يتعلق به ولا بشأن من شؤونه بل ~~بشيء من الموجودات قدرة غيرة بوجه من الوجوه فضلا عن ان يعجز عن دفع شيء ~~منها عند تعلقها بهلاكه فلما كان عجزه بينة لا ربي فيه ظهر كونه بمعزل مما ~~تقولوا في حقه والمراد بالاهلاك الأمانة والاعدام مطلقا لا بطريق السخط ~~والغضب واظهار المسيح على الوجه الذي نسبوا اليه الألوهية في مقام الاضمار ~~لزيادة التقرير والتنصيص على انه من تلك الحيثية بعينها داخل تحت قهره ~~وملكوته تعالى ونفى المالكية المذكورة بالاستفهام الانكاري عن كل أحد مع ~~تحقق الالزام والتبكيت بنفيها عن المسيح فقط بان يقال فهل يملك شيئا من ~~الله ان أراد الخ لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه سبحانه واثبات ~~المطلوب في ضمنه بالطريق البرهان فان انتفاء المالكية المستلزم باستحالة ~~الألوهية متى ظهر بالنسبة إلى الكل ظهر بالنسبة إلى المسيح على أبلغ وجه ~~وآكده فيظهر استحالة الألوهية قطعا وتعميم إرادة الاهلاك للكل مع حصول ما ~~ذكر من التحقيق نقصرها عليه بان يقال فمن يملك من الله شيئا ان PageV03P019 # أراد ان يهلك المسيح ms0844 لتهويل الخطب واظهار كمال العجز بيان ان الكل تحت ~~قهره تعالى وملكوته لا يقدر أحد على دفع ما أريد به فضلا عن دفه ما أريد ~~بغيره وايذان لان المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك كما انه ~~أسوة لها فيما ذكر من العجز وعد استحقاق الألوهية وتخصيص أمه بالذكر مع ~~اندراجها في ضمن من في الأرض بزيادة تأكيد عجز المسيح ولعل نظمها في سلك من ~~فرض إرادة اهلاكهم مع تحقيق هلاكها قبل ذلك لتأكيد التبكيت وزيادة تقرير ~~مضمون الكلام يجعل حالها أنموذجا لحال بقية من فرض اهلاكه كأنه قيل قل فمن ~~يملك من الله شيئا ان أراد ان يهلك المسيح وأمه ومن في الأرض وقد أهلك أمه ~~فهل مانعه أحد فكذا حال من عداها من الموجودين وقوله تعالى «ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما» أي ما بين قطري العالم الجسماني لا بين وجه ~~الأرض ومقعر فلك القمر فقط فيتناول ما في السماوات من الملائكة عليهم ~~السلام وما في أعماق الأرض والبحار من المخلوقات تنصيص على كون الكل تحت ~~قهره تعالى وملكوته اثر الإشارة إلى كون البعض أي من في الأرض كذلك أي له ~~تعالى وحده ملك جميع الموجودات والتصرف المطلق فيها ايجادا وإعداما واحياء ~~وإماتة لا لاحد سواه استقلال ولا اشتراكا فهو تحقيق لاختصاص الألوهية به ~~تعالى اثر بيان انتفائها عن كل ما سواه وقوله تعالى «يخلق ما يشاء» جملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان بعض احكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من ~~الشبهة في امر المسيح لولادته من غير أب وخلق الطير واحياء الموتى وابراء ~~الأكمه والأبرص أي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق والايجاد على ان ما نكره ~~وصوفة محلها النصب على المصدر به لا على المفعولية كأنه قيل يخلق أي خلق ~~يشاء فتارة يخلق من غير أصل كخلق السماوات والأرض وأخرى من أصل كخلق ما ~~بينهما فينشىء من أصل ليس من جنسه كخلق ادم وكثير من الحيوانات من أصل ~~يجانسه اما من ذكر وحده كخلق حواء ms0845 أو أنثى وحدها كخلق عيسى عليه السلام أو ~~منهما كخلق سائر الناس ويخلق بلا توسط شيء من المخلوقات كخلق عامة ~~المخلوقات وقد يخلق بتوسط مخلوق اخر كخلق الطير على يد عيسى عليه السلام ~~معجزة له واحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص وغير ذلك فيجب ان ينسب كله ~~اليه تعالى لا إلى من اجرى ذلك على يده «والله على كل شيء قدير» اعتراض ~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبله واظهار الاسم الجليل للتعليل وتقوية استقلال ~~الجملة «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه» حكاية لما صدر عن ~~الفريقين من الدعوى الباطلة وبيان لبطلانها بعد ذكر ما صدر عن أحدهما وبيان ~~بطلانه أي قالت اليهود نحن أشياع ابنة عزير وقالت النصارى نحن أشياع ابنه ~~المسيح كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبيون وكما ~~يقول أقارب الملوك عند المفاخرة نحن الملوك وقال ابن PageV03P020 # عباس رضي الله تعالى عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من ~~اليهود إلى دين الاسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا كيف تخوفنا به ونحن ~~أبناء الله وأحباؤه وقيل ان النصارى يتلون في الإنجيل ان المسيح قال لهم ~~إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وقيل أرادوا ان الله تعالى كالأب لنا في الحنو ~~والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة وبالجملة انهم كانوا يدعون ان ~~لهم فضلا ومزية عند الله تعالى على سائر الخلق فرد عليهم ذلك وقيل لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «قل» الزاما لهم وتبكيتا «فلم يعذبكم بذنوبكم» أي ~~ان صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ وقد عرفتم ~~بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ولو ~~كان الامر كما زعمتم لما صدر عنكم ما صدر ولما وقع عليكم ما وقع وقوله ~~تعالى «بل أنتم بشر» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي لستم كذلك بل أنتم ~~بشر «ممن خلق» أي من جنس من خلقه الله تعالى من غير مزية لكم عليهم «يغفر ~~لمن يشاء» ان ms0846 يغفر له من أولئك المخلوقين وهم الذين امنوا به تعالى وبرسله ~~«ويعذب من يشاء» ان يعذبه منهم وهم الذين كفروا به وبرسله مثلكم «ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما» من الموجودات لا ينتمي اليه سبحانه شيء منها ~~الا بالملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيهم كيف يشاء ايجادا ~~وإعداما واحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا فاني لهم ادعاء ما زعموا «وإليه ~~المصير» في الآخرة خاصة لا إلى غيره استقلال أو اشتراكا فيجازى كلا من ~~المحسن والمسيء بما يستدعيه عمله من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه «يا أهل ~~الكتاب» تكرير للخطاب بطريق الالتفات ولطف في الدعوى «قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم» حال من رسولنا وإيثارة على مبينا لما مر فيما سبق أي يبين لكم الشرائع ~~والاحكام الدينية المقرونة بالوعد والوعيد من جملتها ما بين في الآيات ~~السابقة من بطلان أقاويلكم الشنعاء وما سيأتي من اخبار الأمم السالفة وانما ~~حذف تعويلا على ظهور ان مجيء الرسول انما هو لبيانها أو يفعل لكم البيان ~~ويبذله لكم في كل ما تحتاجون فيه إلى البيان من أمور الدين واما تقدير مثل ~~ما سبق في قوله تعالى كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب كما قيل فمع كونه ~~تكريرا من غير فائدة يرده قوله عز وجل «على فترة من الرسل» فان فتور ~~الارسال وانقطاع الوحي انما يحوج إلى بيان الشرائع والاحكام لا إلى بيان ما ~~كتموه وعلى فترة متعلق بجائكم على الظرفية كما في قوله تعالى واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين على ملك سليمان أي جاءكم على حين فتور الارسال وانقطاع من ~~الوحي ومزيد احتياج إلى بيان الشرائع والاحكام الدينية أو بمحذوف وقع حال ~~من ضمير يبين أو من ضمير لكم أي يبين لكم ما ذكر حال كونه على فترة من ~~الرسل أو حال كونكم عليها أحوج ما كنتم إلى البيان ومن الرسل متعلق بمحذوف ~~وقع صفة لفترة أي كائنة من الرسل مبتدأ من جهتهم وقوله تعالى «أن تقولوا» ~~تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف المضاف أي كراهة ان ms0847 تقولوا معتذرين عن ~~تفريطكم في مراعاة احكام الدين «ما جاءنا من بشير ولا PageV03P021 # نذير» وقد انطمست اثار الشرائع السابقة وانقطعت اخبارها وزيادة من في ~~الفاعل للمبالغة في نفى المجىء وتنكير بشير ونذير للتقليل وهذا كما ترى ~~يقتضى ان المقدر أو المنوى فيما سبق هو الشرائع والاحكام لا كيفما كانت بل ~~مشفوعه بما ذكر من الوعد والوعيد وقوله تعالى «فقد جاءكم بشير ونذير» متعلق ~~بمحذوف ينبى عنه الفاء الفصيحة وتبين انه معلل به وتنوين بشير ونذير ~~للتفخيم اى لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم بشير اى بشير ونذير اى نذير «والله ~~على كل شيء قدير» فيقدر على الارسال تترى كما فعله بين موسى وعيسى عليهما ~~السلام حيث كان بينهما الف وسبعمائة سنة والف نبي وعلى الارسال بعد الفترة ~~كما فعله بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام حيث كان يبينهما ستمائة سنة ~~أو خمسمائة وتسعة وستون سنة أو خمسمائة وستة وأربعون سنة وأربعة أنبياء على ~~ما روى الكلي ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي ~~وقيل لم يكن بعد عيسى عليه السلام الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الأنسب بما في تنوين فترة من التفخيم اللائق بمقام الامتنان عليهم بان ~~الرسول قد بعث إليهم عند كمال حاجتهم اليه بسبب مضي دهر طويل بعد انقطاع ~~الوحي ليهشوا اليه ويعدوه أعظم نعمة من الله تعالى وفتح باب إلى الرحمة ~~وتلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من بينهم من غفلتهم «وإذ ~~قال موسى لقومه» جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنوا إسرائيل بعد اخذ ~~الميثاق منهم وتفصيل كيفية نقضهم له وتعلقه بما قبله من حيث ان ما ذكر فيه ~~من الأمور التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم ببيانها ومن حيث اشتماله على ~~انتفاء فترة الرسل فيما بينهم وإذ نصب على انه مفعول لفعل مقدر خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد ~~عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات ms0848 أي واذكرهم وقت قول موسى لقومه ناصحا ~~لهم ومستميلا لهم بإضافتهم اليه «يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم» وتوجيه ~~الامر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات ~~للمبالغة في ايجاب ذكرها لما ان ايجاب ذكر الوقت ايجاب لذكر ما وقع فيه ~~بالطريق البرهاني ولان الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلا فإذا استحضر كان ~~ما وقع فيه حاضرا بتفاصيل كأنه مشاهد عيانا وعليكم متعلق بنفس النعمة إذا ~~جعلت مصدرا وبمحذوف وقع حالا منها إذا جعلت اسما أي اذكروا انعامه عليكم أو ~~اذكروا نعمة كائنة عليكم وكذا إذ في قوله تعالى «إذ جعل فيكم أنبياء» أي ~~اذكروا انعامه تعالى عليكم في وقت جعله أو اذكروا نعمته تعالى كائنة عليكم ~~في وقت جهله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ذوى عدد كثير وأولى شان خطير ~~حيث لم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء «وجعلكم ~~ملوكا» عطف على جعل فيكم داخل في حكمة أي جعل فيكم أو منكم ملوكا كثيرة ~~فإنه قد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء وانما حذف الظرف تعويلا على ظهور ~~الامر أو جعل الكل في مقام الامتنان عليهم ملوكا لما ان أقارب الملوك ~~يقولون PageV03P022 # عند المفاخر نحن الملوك وانما لم يسلك ذلك المسلك فيما قبله لما ان منصب ~~النبوة من عظم الخطر وعزه المطلب وصعوبة المنال ليس بحيث يليق ان ينسب اليه ~~ولو مجازا من ليس ممن اصطفاه الله تعالى له وقيل كانوا مملوكين في أيدي ~~القبط فأنقذهم الله تعالى فسمى إنقاذهم ملكا وقيل الملك من له مسكن واسع ~~فيه ماء جار وقيل من له بيت وخدم وقيل من له مال لا يحتاج معه إلى تكلف ~~الاعمال وتحمل المشاق «وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين» من فلق البحر ~~واغراق العدو وتظليل الغمام وانزال المن والسلوى وغير ذلك مما اتاهم الله ~~تعالى من الأمور العظام والمراد بالعالمين الأمم الخالية إلى زمانهم وقيل ~~من عالمي زمانهم «يا قوم ادخلوا الأرض ms0849 المقدسة» كرر النداء بالإضافة ~~التشريفية اهتمام بشأن الامر ومبالغة في حثهم على الامتثال به والأرض هي ~~ارض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين وقيل هي ~~الطور وما حوله وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن وقيل هي الشام «التي كتب ~~الله لكم» أي كتب في اللوح المحفوظ انها تكون مسكنا لكم ان امنتم وأطعتم ~~لقوله تعالى له بعض ما عصوا فإنها محرمة عليهم وقوله تعالى «ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين» فان ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على ~~اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الايمان والطاعة قطعا أي لا ترجعوا ~~مدبرين خوفا من الجبابرة فالجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ~~ترتدوا ويجوز ان يتعلق بنفس الفعل قيل لما سمعوا أحوالهم من النقباء بكوا ~~وقالوا يا ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل لنا رأسا ينصرف بنا إلى مصر أولا ~~ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى وقوله فتنقلبوا اما ~~مجزوم عطفا على ترتدوا أو منصوب على جواب النهي والخسران خسران الدين ~~والدنيا لا سيما دخول ما كتب لهم «قالوا» استئناف مبنى نشأ من مساق الكلام ~~كأنه قيل فماذا قالوا بمقابلة امره عليه السلام ونهيه فقيل قالوا غير ~~ممتثلين بذلك «يا موسى إن فيها قوما جبارين» متغلبين لا يأتي منازعتهم ولا ~~يتسنى مناصبتهم والجبار العاتي الذي يجبر الناس ويقسرهم كائنا من كان على ~~ما يريده كائنا ما كان فعال من جبره على الأمر أي أجبره عليه «وإنا لن ~~ندخلها حتى يخرجوا منها» من غير صنع من قبلنا فان لا طاقة لنا باخراجهم ~~منها «فإن يخرجوا منها» بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنابها «فإنا داخلون» ~~حينئذ اتوا بهذه الشرطية مع كون مضمونها مفهوما مما سبق من توقيت عدم ~~الدخول وخروجهم منها تصريحا بالمقصود وتنصيصا على ان امتناعهم من دخولها ~~ليس الا لمكانهم فيما واتوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة بحرف ~~التحقيق دلالة على تقرر PageV03P023 # الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محاله واظهارا لكمال الرغبة فيه وفي ~~الامتثال بالامر ms0850 «قال رجلان» استئناف كما سبق كأنه قيل هل اتفقوا على ذلك ~~أو خالفهم البعض فقيل قال رجلان «من الذين يخافون» أي يخافون الله تعالى ~~دون العدو ويتقونه في مخالفة امره ونهيه وبه قرا ابن مسعود وفيه تعريض بان ~~من عداهما لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو وقيل من الذين يخافون العدو أي ~~منهم في النسب لا في الخوف وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا من النقباء ~~وقيل هما رجلان من الجبابرة أسلما وسارا من موسى عليه السلام فالواو حينئذ ~~لبني إسرائيل والموصول عبارة عن الجبابرة واليهم يعود العائد المحذوف أي من ~~الذين يخافهم بنو إسرائيل ويعضه قرأت من قراء يخافون على صيغة المبنى ~~للمفعول أي المخوفين وعلى الأول يكون هذا من الإخافة أي من الذين يخوفون من ~~الله تعالى بالتذكير أو يخوفهم الوعيد «أنعم الله عليهما» أي بالتثبيت وربط ~~الجاش والوقوف على شؤونه تعالى والثقة بوعده أو بالايمان وهو صفة ثانية ~~لرجلان أو اعتراض وقيل حال من الضمير في يخافون أو من رجلان لتخصصه بالصفة ~~أي قال مخاطبين لهم ومشجعين «ادخلوا عليهم الباب» أي باب بلدهم وتقديم ~~الجار والمجرور عليه للاهتمام به لان المقصود انما هو دخول الباب وهم في ~~بلدهم أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم في البروز إلى الصحراء لئلا ~~يجدوا للحرب مجالا «فإذا دخلتموه» أي بلدهم وهم فيه «فإنكم غالبون» من غير ~~حاجة إلى القتال فان قد رأيناهم وشاهدنا ان قلوبهم ضعيفة وان كانت أجسادهم ~~عظيمة فلا تخشوهم واهجموا عليهم في المضايق فإنهم لا يقدرون فيها على الكر ~~والفر وقيل انما حكما بالغلبة لما علماها من جهة موسى عليه السلام ومن قوله ~~تعالى كتب الله لكم أو لما علما من سنته تعالى في نصرة رسله وما عهدا من ~~صنعه تعالى لموسى عليه السلام من طهر أعدائه والأول انسب بتعليق الغلبة ~~بالدخول «وعلى الله» تعالى خاصة «فتوكلوا» بعد ترتيب الأسباب ولا تعتمدوا ~~عليها فإنها بمعزل من التأثير وانما التأثير من عند الله العزيز القدير «إن ~~كنتم مؤمنين» ms0851 أي مؤمنين به تعالى مصدقين لوعده فان ذلك مما يوجب التوكل ~~عليه حتما «قالوا» استئناف كما سبق أي قالوا غير مبالين بهما وبمقالتهما ~~مخاطبين لموسى عليه السلام اظهارا لاصرارهم على القول الأول وتصريحا ~~بمخالفتهم له عليه السلام «يا موسى إنا لن ندخلها» أي ارض الجبابرة فضلا عن ~~دخول بابهم وهم في بلدهم «أبدا» أي دهرا طويلا «ما داموا فيها» أي في ارضهم ~~وهو بدل من ابدا بدل البعض أو عطف بيان «فاذهب» الفاء فصيحة أي فإذا كان ~~الامر كذلك فاذهب PageV03P024 # «أنت وربك فقاتلا» أي فقاتلاهم انما قالوا ذلك استهانة واستهزاء بع ~~سبحانه وبرسوله وعدم مبالاة بهما وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية ~~جهلهم وقسوة قلوبهم وقيل أرادوا إرادتهما وقصدهما كما تقول كلمته فذهب ~~يجيبني كأنهم قالوا فأريد قتالهم واقصداهم وقيل التقدير فاذهب أنت وربك ~~يعينك ولا يساعده قوله تعالى فقاتلا ولم يذكروا هارون ولا الرجلين كأنهم لم ~~يجزموا بذهابهم أو لم يعبأوا بقتالهم وقوله تعالى «إنا ها هنا قاعدون» يؤيد ~~الوجه الأول وأرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر «قال» عليه السلام لما ~~رأى منهم ما رأى من العناد على طريقة البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى ~~مع رقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة «رب إني لا أملك ~~إلا نفسي وأخي» عطف على نفسي وقيل على الضمير في اني على معنى اني لا املك ~~الا نفسي وان أخي لا يملك الا نفسه وقيل على الضمير في لا املك للفصل ~~«فافرق بيننا» يريد نفسه واخاه والفاء لترتيب الفرق أو الدعاء به على ما ~~قبله «وبين القوم الفاسقين» الخارجين عن طاعتك المصرين على عصيانك بان تحكم ~~لنا بما نستحقه وعليهم بما يستحقونه وقيل بالتعبيد بيننا وبينهم وتخليصنا ~~من صحبتهم «قال فإنها» أي الأرض المقدسة والفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها من الدعاء « محرمة عليهم» تحريم منع لا تحريم تعبد لا يدخلونها ولا ~~يملكونها لان كتابتها لهم كانت مشروطة بالايمان والجهاد وحيث نكصوا على ~~ادبارهم حرموا ذلك وانقلبوا خاسرين ms0852 وقوله تعالى «أربعين سنة» ان جعل ظرفا ~~لمحرمة يكون التحريم موقتا لا مؤبدا فلا يكون مخالفا لظاهر قوله تعالى كتب ~~الله لكم فالمراد بتحريمها عليهم انه لا يدخلها أحد منهم في هذه المدة لكن ~~لا بمعنى ان كلهم يدخلونها بعدها بل بعضهم ممن بقي حسب ما روى ان موسى عليه ~~السلام صار بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحا وكان يوشع بن نون على مقدمته ~~ففتحها واقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام وقيل لم يدخلها أحد ~~ممن قال لن ندخلها ابدا وانما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ~~ذرياتهم فالموقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وانما جعل ~~تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة المتاخمة للاتحاد وقوله تعالى ~~«يتيهون في الأرض» أي يتحيرون في البرية استئناف لبيان كيفية حرمانهم أو ~~حال من ضمير عليهم وقيل ظرف متعلق بيتهون فيكون التيه موقتا والتحريم مطلقا ~~قيل كانوا ستمائة الف مقاتل وكان طول البرية تسعون فرسخا وقد تاهوا في ستة ~~فراسخ أو تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا وقيل في ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا ~~روى انهم كانوا كل يوم يسيرون جادين حتى إذا أمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا ~~وكان الغمام يظلهم من حر الشمس ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم وينزل ~~عليهم المن والسلوى ولا تطول شعورهم وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب ~~كالظفر يطول بطوله وهذه الإنعامات عليهم مع انهم معاقبون لما ان عقابهم كان ~~بطريق العرك والتأديب قيل كان موسى وهارون معهم ولكن PageV03P025 # كان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم وملائكة العذاب عليهم السلام ~~وروى ان هارون مات في النية ومات موسى بعده بسنه ودخل يوشع أريحا بعد موته ~~بثلاثة أشهر ولا يساعده ظاهر النظم الكريم فإنه تعالى بعد ما قبل دعوته على ~~بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيدان ينجى بعض المدعو عليهم أو ذراريهم ويقدر ~~وفاتهما في محل العقوبة ظاهرا وان كان ذلك لهما منزل روح وراحة وقد قيل ~~انهما لم يكونا ms0853 معهم في التيه وهو الأنسب بتفسير الفرق بالمباعدة ومن قال ~~بأنهما كانا معهم فيه فقد فسر الفرق بما ذكر من الحكم بما يستحقه كل فريق ~~«فلا تأس» فلا تحزن «على القوم الفاسقين» روى انه عليه السلام ندم على ~~دعاءه عليهم فقيل لا تندم ولا تحزن فإنهم أحقاء بذلك لفسقهم «واتل عليهم» ~~عطف على مقدر تعلق به قوله تعالى وإذا قال موسى الخ وتعلقه به من حيث انه ~~تمهيد لما سيأتي من جنايات بنى إسرائيل بعد ما كتب عليهم ما كتب وجاءتهم ~~الرسل بما جاءت به من البينات «نبأ ابني آدم» هما قابيل وهابيل ونقل عن ~~الحسن والضحاك انهما رجلان من بنى إسرائيل بقرينه آخر القصة وليس كذلك أوحى ~~الله عز وجل إلى ادم ان يزوج كلا منهما توأمة الاخر وكانت توأمة قابيل أجمل ~~واسمها إقليما فحسد عليها أخاه وسخط وزعم ان ذلك ليس من عند الله تعالى بل ~~من جهة ادم عليه السلام فقال لهما عليه السلام قربا قربانا فمن أيكما قبل ~~تزوجها ففعلا فنزلت نار على قربان هابيل فأكلته ولم تتعرض لقربان قابيل ~~فازداد قابيل حسدا وسخطا وفعل ما فعل «بالحق» متعلق بمحذوف وقع صفه لمصدر ~~محذوف أي تلاوة ملتبسه با لحق والصحة أو حالا من فاعل أتل أو من مفعوله اى ~~ملتبسا أنت أو نبأهما بالحق والصدق حسبما تقرر في كتب الأولين «إذ قربا ~~قربانا» منصوب بالنبأ ظرف له اى أتل قصتهما ونبأهما في ذلك الوقت وقيل بدل ~~منه على حذف المضاف اى أتل عليهم نبأهما نبا ذلك الوقت ورد عليه بان إذ لا ~~يضاف اليهما غير الزمان كوقتئذ وحينئذ والقربان اسم لما يتقرب به إلى الله ~~تعالى من نسك أو صدقه كالحلوان اسم لما يحلى اى يعطى وتوحيده لما انه في ~~الأصل مصدر وقيل تقديره إذ قرب كل منهما قربانا «فتقبل من أحدهما» هو هابيل ~~قيل كان هو صاحب ضرع وقرب جملا سمينا فنزلت نار فأكلته «ولم يتقبل من ~~الآخر» هو قابيل قيل كان هو صاحب زرع ms0854 وقرب أردأ ما عنده من القمح فلم تتعرض ~~له النار أصلا «قال» استئناف مبني على سؤال نشا من سوق الكلام كأنه قيل ~~فماذا قال من لم يتقبل قربانه فقيل قال لأخيه لتضاعف سخطه وحسده لما ظهر ~~فضله عليه عند الله عز وجل «لأقتلنك» اى والله لأقتلنك بالنون المشددة وقرئ ~~بالمخففة «قال» استئناف كما قبله اى قال الذي تقبل قربانه لما رأى ان حسده ~~لقبول قربانه وعدم قبول قربانه نفسه «إنما يتقبل الله» اى القربان «من ~~المتقين» لامن غيرهم وانما تقبل قرباني ورد قربانك لما فينا من التقوى ~~وعدمه اى انما اتيت من قبل نفسك لا من PageV03P026 # قبلي فلم تقتلني خلا انه لم يصرح بذلك بل سلك مسلك التعريض حذرا من تهييج ~~غضبه وحملا له على التقوى والاقلاع عما نواه ولذلك اسند الفعل إلى الاسم ~~الجليل لتربية المهابة ثم صرح بتقواه على وجه يستدعى سكون غيظه لو كان له ~~عقل وازع حيث قال بطريق التوكيد «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك» حيث صدر الشرطية باللام المؤطئة للقسم وقدم الجار ~~والمجرور على المفعول الصريح ايذانا من أول الامر برجوع ضرر البسط وغائلته ~~اليه ولم يجعل جواب القسم الساد مسد جواب الشرط جمله فعليه موافقه لما في ~~الشرط بل اسمية مصدرة بما الحجازية المفيدة لتأكيد النفي بما في خبرها من ~~الباء للمبالغة في اظهار براءته عن بسط اليد ببيان استمراره على نفى البسط ~~كما في قوله تعالى وما هم بمؤمنين وقوله وما هم بخارجين منها فإن الجملة ~~الاسمية الايجابية كما تدل بمعونة المقام على دوام الثبوت كذلك السلبية تدل ~~بمعونته على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام وذلك باعتبار الدوام ~~والاستمرار بعد اعتبار النفي لاقبله حتى يرد النفي على المقيد بالدوام ~~فيرفع قيده اى والله لئن باشرت قتلى حسبما أوعدتنى به وتحقق ذلك منك ما انا ~~بفاعل مثله لك في وقت من الأوقات ثم علل ذلك بقوله «إني أخاف الله رب ~~العالمين» وفيه من ارشاد قابيل إلى خشيه ms0855 الله تعالى على أبلغ وجه وآكده ~~مالا يخفى كأنه قال انى أخافه تعالى ان بسطت يدي إليك لأقتلك ان يعاقبني ~~وان كان ذلك منى لدفع عداوتك عنى فما ظنك بحالك وأنت البادى العادي وفى ~~وصفه تعالى بربوبية العالمين تأكيد للخوف قيل كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج ~~عن قتله واستسلم خوفا من الله تعالى لان القتل للدفع لم يكن مباحا حينئذ ~~وقيل تحريا لما هو الأفضل حسبما قال عليه السلام كن عبد الله المقتول ولا ~~تكن عبد الله القاتل ويأباه التعليل بخوفه تعالى الا ان يدعى ان ترك الأولى ~~عنده بمنزله المعصية في استتباع الغائلة مبالغه في التنزه وقوله تعالى «إني ~~أريد أن تبوء بإثمي وإثمك» تعليل اخر لامتناعه عن المعارضة على انه غرض ~~متأخر عنه كما ان الأول باعث متقدم عليه وانما لم يعطف عليه تنبيها على ~~كفاية كل منها في العلية والمعنى اني أريد باستسلامى لك وامتناعى عن التعرض ~~لك ان ترجع بإثمي اى بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك وبإثمك ببسط يدك إلى كما ~~في قوله عليه السلام المستبان ما قالا فعلى البادى ما لم يعتد المظلوم اى ~~على البادى عين اثم سبه ومثل سب صاحبه بحكم كونه سببا له وقيل معنى بإثمي ~~اثم قتلى ومعنى بإثمك الذي لأجله لم يتقبل قربانك وكلا هما نصب على الحالية ~~اى ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما ولعل مراده بالذات انما هو عدم ملابسته ~~للإثم لا ملابسة أخيه له وقيل المراد بالاثم عقوبته ولا ريب في جواز إرادة ~~عقوبة العاصي ممن علم انه لا يرعوى عن المعصية أصلا ويأباه قوله تعالى ~~«فتكون من أصحاب النار» فان كونه منهم انما يترتب على رجوعه بالإثمين لا ~~على ابتلائه بعقوبتهما وحمل العقوبة على نوع اخر يترتب عليها PageV03P027 # العقوبة النارية يرده قوله تعالى «وذلك جزاء الظالمين» فإنه صريح في ان ~~كونه من أصحاب النار تمام العقوبة وكمالها والجملة تذييل مقرر لمضمون ما ~~قبلها ولقد سلك في صرفه عما نواه من الشر كل مسلك من العظة ms0856 والتذكير ~~بالترغيب تارة والترهيب أخرى فما أورثه ذلك الا الاصرار على الغي والانهماك ~~في الفساد «فطوعت له نفسه قتل أخيه» أي وسعته وسهلته من طاع له المرتع إذا ~~اتسع وترتيب التطويع على ما حكى من مقالات هابيل مع تحققه قبلها أيضا كما ~~يفصح عنه قوله لأقتلنك لما ان بقاء الفعل بعد تقرر ما يزيله من الدواعي ~~القوية وان كان استمرار عليه بحسب الظاهر لكنه في الحقيقة امر حادث وصنع ~~جديد كما في قولك وعظته فلم يتعظ أو لان هذه المرتبة من التطويع لم تكن ~~حاصلة قبل ذلك بناء على تردده في قدرته على القتل لما انه كان أقوى منه ~~وانما حصلت بعد وقوفه على استسلام هابيل وعدم معارضته له والتصريح بأخوته ~~لكمال تقبيح ما سولته نفسه وقرئ فطاوعت على انه فاعل بمعنى فعل أو على ان ~~قتل أخيه كأنه دعى نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع وله لزيادة ~~الربط كقولك حفظت لزيد ماله «فقتله» قيل لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل فتمثل ~~إبليس واخذ طائرا ووضع رأسه على حجر ثم شدخها بحجر اخر فتعلم منه فرضخ راس ~~هابيل بين حجرين وهو مستسلم لا يستعصى عليه وقيل اغتاله وهو نائم وكان ~~لهابيل يوم قتل عشرون سنة واختلف في موضع قتله فقيل عند عقبة حراء وقيل ~~بالبصرة في موضع المسجد الأعظم وقيل في جبل بود ولما قتله تركه بالعراء لا ~~يدري ما يصنع به فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما وقيل ~~سنة حتى أروح وعكفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله «فأصبح من ~~الخاسرين» دينا ودنيا «فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه» روى انه تعالى بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الاخر فحفر له بمنقاره ~~ورجليه حفرة فألقاه فيها والمستكن في يريه الله تعالى أو للغراب والآلام ~~على الأول متعلقة ببعث حتما وعلى الثاني يبحث ويجوز تعلقها ببعث أيضا وكيف ~~حال من ضمير يوارى والجملة ثاني مفعولى يرى والمراد بسوأة أخيه ms0857 جسده الميت ~~«قال» استئناف مبني على سؤال نشا من سوق الكلام كأنه قيل فماذا قال عند ~~مشاهدة حال الغراب فقيل قال «يا ويلتي» هي كلمة جزع وتحسر والألف بدل من ~~ياء المتكلم والمعنى يا ويلتي احضرى فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة ~~«أعجزت أن أكون» أي عن ان أكون «مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي» تعجب من ~~عدم اهتدائه إلى ما اهتدى اليه الغراب وقوله تعالى فأواري بالنصب عطف على ~~ان أكون وقرا بالرفع أي فانا أوارى «فأصبح من النادمين» أي على قتله لما ~~كابد فيه من التحير في امره وحمله على رقبته مدة طويله روى انه لما قتله ~~اسود جسده وكان ابيض فسأله ادم عن أخيه فقال PageV03P028 # ما كنت عليه وكيلا قال بل قتله ولذلك اسود جسدك ومكث ادم بعدة مائة سنة ~~لا يضحك وقيل لما قتل قابيل هابيل هرب إلى عدن من ارض اليمن فاتاه إبليس ~~فقال له انما اكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها فان عبدتها ~~أيضا حصل مقصودك فبنى بيت نار فعبدها وهو أول من عبد النار «من أجل ذلك» ~~شروع فيما هو المقصود من تلاوة النبأ من بيان بعض اخر من جنايات بني ~~إسرائيل ومعاصيهم وذلك إشارة إلى عظم شان القتل وإفراط قبحة المفهومين مما ~~ذكر في تضاعيف القصة من استعظام هابيل له وكمال اجتنابه عن مباشرته وان كان ~~ذلك بطريق الدفع عن نفسه واستسلامه لان يقتل خوفا من عقابه وبيان استتباعه ~~لتحمل القاتل لاثم المقتول ولكون قابيل بمباشرته من جملة الخاسرين دينهم ~~ودنياهم ومن ندامته على فعله مع ما فيه من العتو وشدة الشكيمة وقساوة القلب ~~والأجل في الأصل مصدر اجل شرا إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كما في ~~قولهم من جراك فعلته أي من ان جررته وجنيته ثم اتسع فيه واستعمل في كل ~~تعليل وقرا من اجل بكسر الهمزة وهي لغة فيه وقرا من اجل بحذف الهمزة والقاء ~~فتحها على النون ومن لا ابتداء الغاية متعلقة بقوله تعالى «كتبنا على بني ms0858 ~~إسرائيل» وتقديمها عليه للقصر أي من ذلك ابتداء الكتب ومنه نشا لا من شيء ~~اخر أي قضينا عليهم وبينا «أنه من قتل نفسا» واحدة من النفوس «بغير نفس» أي ~~بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص «أو فساد في الأرض» أي فساد يوجب اهدار دمها ~~وهو عطف على ما أضيف اليه غير على معنى نفى كلا الامرين معا كما في قولك من ~~صلى بغير وضوء أو تيمم بطلت صلاته لا نفي أحدهما كما في قولك من صلى بغير ~~وضوء أو ثوب بطلت صلاته ومدار الاستعمالين اعتبار ورود النفي على ما يستفاد ~~من كلمة أو من الترديد بين الأمرين المنبىء عن التخيير والإباحة واعتبار ~~العكس ومناط الاعتبارين اختلاف حال ما أضيف اليه غير من الامرين بحسب ~~اشتراط نقيض الحكم بتحقق أحدهما واشتراطه بتحققهما معا ففي الأول يرد النفي ~~على الترديد الواقع بين الامرين قبل ورود فيفيد نفيهما معا وفي الثاني يرد ~~الترديد على النفي فيفيد نفي أحدهما حتما إذ ليس قبل ورود النفي ترديد حتى ~~يتصور عكسه وتوضيحه ان كل حكم شرط بتحقق أحد شيئين مثلا فنقيضه مشروط ~~بانتفائهما معا وكل حكم شرط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ~~ضرورة النقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه ولا ريب في النقيض الايجاب الجزئي ~~كما في الحكم الأول هو السلب الكلي ونقيض الايجاب الكلي كما في الحكم ~~الثاني هو رفعة المستلزم للسلب الجزئي فثبت اشتراط نقيض الأول بانتفائهما ~~معا واشتراط نقيض الثاني بانتفاء أحدهما ولما كان الحكم في قولك من صلى ~~بوضوء أو تيمم صحت صلاته مشروطا بتحقق أحدهما مهما كان نقيضا في قولك من ~~صلى بغير وضوء أو PageV03P029 # تيمم بطلت صلاته مشروطا بنقيض الشرط المذكور البتة وهو انتفاؤهما معا ~~فتعين ورود النفي المستفاد من غير على الترديد الواقع بين الوضوء والتيمم ~~بكلمة أو فانتفى تحققهما معا ضرورة عموم النفي الوارد على المبهم وعلى هذا ~~يدور ما قالوا إنه إذا قيل جالس العلماء أو الزهاد قم أدخل عليه لا الناهية ~~امتنع فعل الجميع نحو ولا ms0859 تطع منهم آثما أكفورا إذ المعنى لا تفعل أحدهما ~~فأيهما فعله فهو أحدهما وأما قولك من صلى بوضوء أو ثوب صحت صلاته فحيث كان ~~الحكم فيه مشروطا بتحقق كلا الأمرين وهو انتفاء أحدهما فتعين ورود الترديد ~~على النفي فأفاد نفي أحدهما ولا يخفى أن إباحة القتل مشروطة بأحد ما ذكر من ~~القتل والفساد ومن ضرورته اشتراط حرمته بانتفائهما معا فتعين ورود النفي ~~على الترديد لا محاله كأنه قيل من قتل نفسا بغير أحدهما «فكأنما قتل الناس ~~جميعا» فمن قال في تفسيره أو بغير فساد فقد أبعد عن توفية النظم الكريم حقه ~~وما في كأنما كافة مهيئة لوقوع الفعل بعدها وجميعا حال من الناس أو تأكيد ~~ومناط التشبيه اشتراك الفعلين في هتك حرمة الدماء والاستعصاء على الله ~~تعالى وتجسير الناس على القتل وفي استتباع القود واستجلاب غضب الله تعالى ~~وعذابه العظيم «ومن أحياها» أي تسبب لبقاء نفس واحدة موصوفة بعدم ما ذكر من ~~القتل والفساد في الأرض إما بنهي قاتلها عن قتلها أو استنقاذها من سائر ~~أسباب الهلكة بوجه من الوجوه «فكأنما أحيا الناس جميعا» وجه التشبيه ظاهر ~~والمقصود تهويل أمر القتل وتفخيم شأن الإحياء بتصوير كل منهما بصورة لائقة ~~به في إيجاب الرهبة والرغبة لذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبىء عن ~~كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان عند ذكر الضمير الموجب لزيادة ~~تقرير ما بعده في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم ~~له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده فضل تمكن كأنه قيل ~~إن الشأن الخطير هذا «ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات» جملة مستقرة غير معطوفة ~~على كتبنا أكدت بالتأكيد القسمي وحرف التحقيق لكمال العناية بتحقق مضمونها ~~وإنما لم يقل ولقد أرسلنا إليهم الخ للتصريح بوصول الرسالة إليهم فإنه أدل ~~على تناهيهم في العتو والمكابرة أي وبالله لقد جاءتهم رسلنا حسبما أرسلناهم ~~بالآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيدا لوجوب مراعاته ~~وتأييدا لتحتم المحافظة عليه «ثم إن كثيرا منهم بعد ms0860 ذلك» أي بعد ما ذكر من ~~الكتب وتأكيد الأمر بإرسال تترى وتجديد العهد مرة أخرى ووضع اسم الإشارة ~~موضع الضمير للإيذان بكمال تميزه وانتظامه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة ~~وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علو درجته وبعد منزلته في عظ الشأن وثم ~~للتراخي في الرتبة والاستبعاد «في الأرض» متعلق بقوله تعالى «لمسرفون» وكذا ~~الظرف المتقدم ولا يقدح فيه توسط اللام بينه وبينهما لأنها لام الابتداء ~~وحقها الدخول على المبتدأ وإنما دخولها على الخبر لمكان إن فهي في حيزها ~~الأصلي حكما والإسراف في كل أمر التباعد عن حد الاعتدال مع عدم مبالاة به ~~أي مسرفون في القتل غير مبالين به ولما كان إسرافهم في أمر القتل مستلزما ~~لتفريطهم في شأن الإحياء وذكرا وكان هو أقبح الأمرين وأفظعهما اكتفى بذكره ~~في مقام التشفيع PageV03P030 # «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله» كلام مستأنف سيق لبيان حكم نوع من ~~أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه ~~العاجل والآجل إثر بيان أعظم شأن القتل بغير حق وأدرج فيه بيان ما أشير ~~إليه إجمالا من الفساد المبيح للقتل قيل أي يحاربون رسوله وذكر الله تعالى ~~للتمهيد والتنبيه على ما رفعه عنده عز وجل ومحاربة أهل شريعته وسالكي ~~طريقته من المسلمين محاربه له صلى الله عليه وسلم فيعم الحكم من يحاربهم ~~ولو بعد أعصار بطريق العبارة دون الدلالة والقياس لأن ورود النص ليس بطريق ~~خطاب المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميمه لغيرهم ~~إلى دليل آخر وقيل جعل محاربة المسلمين محاربة لله تعالى ورسوله تعظيما لهم ~~والمعنى يحاربون أولياءهما وأصل الحرب السلب والمراد ههنا قطع الطريق وقيل ~~المكابرة بطريق اللصوصية وإن كانت في مصر «ويسعون في الأرض» عطف على ~~يحاربون والجار المجرور متعلق به وقوله تعالى «فسادا» إما مصدر وقع موقع ~~الحال من فاعل يسعون أي مفسدون أو مفعول له أي للفساد أو مصدر مؤكد ليسعون ~~لأنه في معنى مفسدون على أنه مصدر من أفسد بحذف الزوائد ms0861 أو اسم مصدر قيل ~~نزلت الآية في قوم هلال بن عويمر الأسلمي وكان وادعه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين فهو آمن لا ~~يهاج ومن مر بهلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج فمر ~~قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ ~~شاهدا فقطعوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم وقيل نزلت في العرنيين وقصتهم ~~مشهورة وقيل في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض ولما كانت المحاربة ~~والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى من القتل بدون أخذ المال ومن القتل مع ~~أخذه وأخذه بدون القتل ومن الإخافة بدون قتل وأخذ شرعت لكل مرتبة من تلك ~~المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع فقيل «أن يقتلوا» أي حدا من غير صلب إن ~~أفرد القتل ولو عفا الأولياء لا يلتفت إلى ذلك لأنه حق الشرع ولا فرق بين ~~أن يكون القتل بآلة جارحة أو لا «أو يصلبوا» أي مع القتل إن جمعوا بين ~~القتل والأخذ بأن يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح إلى أن يموتوا وفي ظاهر ~~الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف وقتلهم وصلبهم وصيغة التفعيل في الفعلين للتكثير إن اقتصروا على أخذ ~~المال من مسلم أو ذمي وكان المقدر بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة ~~دراهم أو ما يساويها قيمته أما قطع أيديهم فلأخذ المال وأما قطع أرجلهم ~~فلإخافة الطريق بتفويت أمنه «أو ينفوا من الأرض» إن لم يفعلوا غير الإخافة ~~والسعي للفساد والمراد بالنفي عندنا هو الحبس PageV03P031 # فإنه نفي عن وجه الأرض لدفع شرهم عن أهلها ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر ~~الإخافة وإزالة الأمن وعند الشافعي رضي الله عنه النفي من بلد إلى بلد لا ~~يزال يطلب وهو هارب فزعا وقيل هو النفي عن بلده فقط وكانوا ينفونهم ms0862 إلى ~~دهلك وهو بلد في أقصى تهامة وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة «ذلك» أي من فضل ~~من الأحكام والأجزية قيل هو مبتدأ وقوله تعالى «لهم خزي» جملة من خبر مقدم ~~على المبتدأ وقوله تعالى «في الدنيا» متعلق بمحذوب وقع صفة لخزي أو متعلق ~~بخزي على الظرفية والجملة في محل الرفع الرفع على أنها خبر لذلك وقيل خزي ~~خبر لذلك ولهم متعلق بمحذوب وقع حالا من خزي لأنه في الأصل صفة له فلما قدم ~~انتصب حالا وفي الدنيا إما صفة لخزي أو متعلق به على ما مر والخزي الذل ~~والفضيحة «ولهم في الآخرة» غير هذا «عذاب عظيم» لا يقادر قدره لغاية عظم ~~جنايتهم فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفي الآخرة متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من عذاب لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا أي ~~كائنا في الآخرة «إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم» استثناء مخصوص ~~بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبئ عنه قوله تعالى «فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم» أما ما هو من حقوق الأولياء من القصاص ونحوه فإليهم ذلك إن شاءوا ~~عفوا وإن أحبوا استوفوا وإنما يسقط بالتوبة وجوب استيفائه لا جوازه وعن علي ~~رضي الله عنه أن الحرث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق فقبل ~~توبته ودرأ عنه العقوبة «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» لما ذكر عظم شأن ~~القتل والفساد وبين حكمهما وأشير في تضاعيف ذلك إلى مغفرته تعالى لمن تاب ~~من جنايته أمر المؤمنون بأن يتقوه تعالى في كل ما يأتون وما يذرون بترك ما ~~يجب بقاؤه من المعاصي التي من جملتها ما ذكر من القتل والفساد وبفعل ~~الطاعات التي من زمرتها السعي في إحياء النفوس ودفع الفساد والمسارعة إلى ~~التوبة والاستغفار «وابتغوا» أي اطلبوا لأنفسكم «إليه» أي إلى ثوابه ~~والزلفى منه «الوسيلة» هي فعيلة بمعنى ما يتوسل به ويتقرب إلى الله تعالى ~~من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أي ms0863 تقرب إليه بشيء وإليه متعلق ~~بها قدم عليها للاهتمام به وليست بمصدر حتى لا تعمل فيما قبلها ولعل المراد ~~بها الاتقاء المأمور به فإنه ملاك الأمر كله كما أشير إليه وذريعة لنيل كل ~~خير ومنجاة من كل ضير فالجملة حينئذ جارية مما قبلها مجرى البيان والتأكيد ~~أو مطلق الوسيلة وهو داخل فيها دخولا أوليا وقيل الجملة الأولى أمر بترك ~~المعاصي والثانية أمر بفعل الطاعات وحيث كان في كل من ترك المعاصي المشتهاة ~~للنفي وفعل الطاعات المكروهة لها كلفة ومشقة عقب الأمر بهما بقوله تعالى ~~«وجاهدوا في سبيله» بمحاربة أعدائه البارزة والكامنة «لعلكم تفلحون» بنيل ~~مرضاته والفوز بكراماته PageV03P032 # «إن الذين كفروا» كلام مبتدأ مسوق لتأكيد وجوب الامتثال بالأوامر السابقة ~~وترغيب المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عز وجل قبل انقضاء ~~أوانه ببيان استحالة توسل الكفار يوم القيامة بأقوى الوسائل إلى النجاة من ~~العذاب فضلا عن نيل الثواب «لو أن لهم» أي لكل واحد منهم كما في قوله تعالى ~~ولو أن لكل نفس ظلمت الخ لا لجميعهم إذ ليس في ذلك هذه المرتبة من تهويل ~~الأمر وتفظيع الحال «ما في الأرض» أي من أصناف أموالها وذخائرها وسائر ~~منافعها قاطبة وهو اسم أن ولهم خبرها ومحلها الرفع بلا خلاف خلا أنه عند ~~سيبويه رفع على الابتداء ولا حاجة فيه إلى الخبر لاشتمال صلتها على المسند ~~والمسند إليه وقد اختصت من بين سائر ما يؤول بالاسم بالوقوع بعد لو ولو قيل ~~الخبر محذوف ثم قيل يقدر مقدما أي لو ثابت كون ما في الأرض لهم وقيل بقدر ~~مؤخرا أي لو كون ما في الأرض لهم ثابت وعند المبرد والزجاج والكوفيين رفع ~~على الفاعلية والفعل مقدر بعد لو أي لو ثبت أن لهم ما في الأرض وقوله تعالى ~~«جميعا» توكيد للوصول أو حال منه «ومثله» بالنصب عطف عليه وقوله تعالى ~~«معه» ظرف وقع حالا من المعطوف والضمير راجع إلى الموصول وفائدته التصريح ~~بفرض كينونتهما لهم بطريق المعية لا بطريق التعاقب تحقيقا لكمال فظاعة ~~الأمر ms0864 مع ما فيه من نوع إشعار بكونهما شيئا واحدا وتمهيدا لإفراد الضمير ~~الراجع إليهم واللام في قوله تعالى «ليفتدوا به» متعلقة بما تعلق به خبر أن ~~أعني الاستقرار المقدر في لهم وبالخبر المقدر عند من يرى تقدير الخبر مقدما ~~أو مؤخرا وبالفعل المقدر بعد لو على رأي المبرد ومن نحاه ولا ريب في أن ~~مدار الافتداء بما ذكر هو كونه لهم لا ثبوت لهم وإن كان مستلزما له والباء ~~في به متعلقة بالافتداء والضمير راجع إلى الموصول ومثله معا وتوحيده إما ~~لما أشير إليه وإما لإجرائه مجرى اسم الإشارة كأنه قيل بذلك كما في قوله ~~كأنه في الجلد توقيع البهق أي كأن ذلك وقيل وهو راجع إلى الموصول والعائد ~~إلى المعطوف أعني مثله محذوف كما حذف الخبر من قيار في قوله فإني وقيار بها ~~لغريب أي وقيار أيضا غريب وقد جوز أن يكون نصب ومثله على أنه مفعول معه ~~ناصبه الفعل المقدر بعد لو تفريعا على مذهب المبرد ومن رأى رأيه وأنت خبير ~~بأن يؤدي إلى كون الرافع للفاعل غير الناصب للمفعول معه لأن المعنى على ~~اعتبار المعية ما في الأرض ومثله في الكينونة لهم لا ثبوت تلك الكينونة ~~وتحقيقها ولا مساغ لجعل ناصبه الاستقرار المقدر في لهم لما أن سيبويه قد نص ~~على غسم الإشارة وحرف الجر المتضمن للاستقرار لا يعملان في المفعول معه وأن ~~قوله هذا لك وأباك قبيح وإن جوزه بعض النحاة في الظرف وحرف الجر وقوله ~~تعالى «من عذاب يوم القيامة» متعلق بالافتداء أيضا أي لو أن ما في الأرض ~~ومثله ثابت لهم ليجعلوه فدية لأنفسهم من العذاب الواقع يومئذ «ما تقبل ~~منهم» ذلك وهو جواب لو وترتيبه على كون ذلك لهم لأجل افتدائهم به من غير ~~PageV03P033 # ذكر الافتداء بأن يقال وافتدوا به مع أن الرد والقبول إنما يترتب عليه لا ~~على مباديه للإيذان بأنه أمر محقق الوقوع غني عن الذكر وإنما المحتاج إلى ~~الفرض قدرتهم على ما ذكر أو للمبالغة في تحقق الرد وتخييل أنه ms0865 وقع قبل ~~الافتداء على منهاج ما في قوله تعالى أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~فلما رآه مستقرا عنده حيث لم يقل فأتى به فرآه فلما إلخ وما في قوله تعالى ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه من غير ذكر خروجه عليه السلام عليهن ~~ورأيتهن له والجملة الامتناعية بحالها خبر إن الذين كفروا والمراد تمثيل ~~لزوم العذاب لهم واستحالة نجاتهم منه بوجه من الوجوه المحققة والمفروضة وعن ~~النبي عليه الصلاة والسلام يقال للكافر أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا ~~أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك وهو كلمة الشهادة ~~وقوله تعالى «ولهم عذاب أليم» تصريح بما أشير إليه بعدم قبول فديتهم لزيادة ~~تقريره وبيان هوله وشدته قيل محله النصب على الحالية وقيل الرفع عطفا على ~~خبر إن وقيل عطف على إن الذين فلا محل له كالمعطوف عليه «يريدون أن يخرجوا ~~من النار» استئناف مسوق لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب مبني على سؤال ~~نشأ مما قبله كأنه قيل فكيف يكون حالهم أو ماذا يصنعون فقيل يريدون الخ وقد ~~بين تضاعيفه أن عذابهم عذاب النار قيل إنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج ~~فيلفحهم لهب النار ويرفعهم إلى فوق فهناك يريدون الخروج ولات حين مناص وقيل ~~يكادون يخرجون منها لقوة النار وزيادة رفعها إياهم وقيل يتمنونه ويريدون ~~بقلوبهم وقوله عز وجل «وما هم بخارجين منها» إما حال من فاعل يريدون أو ~~اعتراض وأياما كان فإيثار الجملة الاسمية على الفعلية مصدرة بما الحجازية ~~الدالة بما في خبرها من البناء على تأكيد النفي لبيان كمال سوء حالهم ~~باستمرار عدم خروجهم منها فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيد بمعونة ~~المقام دوام الثبوت تفيد السلبية أيضا بمعونته دوام النفي لا نفي الدوام ~~كما مر في قوله تعالى ما أنا بباسط الخ وقرئ أن يخرجوا على بناء المفعول من ~~الإخراج «ولهم عذاب مقيم» تصريح بما أشير إليه آنفا من عدم تناهي مدته بعد ~~بيان شدته «والسارق والسارقة» شروع في بيان ms0866 حكم الشرقة الصغرى بعد بيان ~~أحكام الكبرى وقد عرفت اقتضاء الحال لإيراد مكا توسط بينهما من المقال ولما ~~كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال صرح بأن السارقة أيضا مع أن المعهود ~~في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق ~~الدلالة لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر وهو مبتدأ خبره عند ~~سيبويه محذوف تقديره وفيما يتلى عليكم أو وفيما فرض عليكم السارق والسارقة ~~أي حكمهما وعند المبرد قوله تعالى «فاقطعوا أيديهما» والفاء لتضمن المبتدأ ~~معنى الشرط إذ المعنى الذي سرق والتي سرقة وقرئ بالنصب وفضلها سيبويه على ~~قراءة الرفع لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلا بتأويل وإضمار والسرقة أخذ مال ~~الغير خفية وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز PageV03P034 # والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها مع شروط فصلت في موقعها والمراد ~~بأيديهما أيمانهما كما يفصح عنه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه والسارقون ~~والسارقات فاقطعوا أيمانهم ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله ~~تعالى فقد صغت قلوبكما اكتفاء بتثنية المضاف إليه واليد اسم لتمام الجارحة ~~ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب والجمهور على أنه الرسغ لأنه ~~عليه الصلاة والسلام أتى بسارق فأمر بقطع يمينه منه «جزاء» نصب على أنه ~~مفعول له أي فاقطعوا للجزاء أو مصدر مؤكد لفعله الذي يدل عليه فاقطعوا أي ~~فجازوهما جزاء وقوله تعالى «بما كسبا» على الأول متعلق بجزاء وعلى الثاني ~~باقطعوا وما مصدرية أي بسبب كسبهما أو موصولة أي ما كسباه من السرقة التي ~~تباشر بالأيدي وقوله تعالى «نكالا» مفعول له أيضا على البدلية من جزاء ~~لأنهما من نوع واحد وقيل القطع معلل بالنكال وقيل وهو منصوب بجزاء على ~~طريقة الأحوال المتداخلة فإنه علة للجزاء والجزاء علة للقطع كما إذا قلت ~~ضربته تأديبا له إحسانا إليه فإن الضرب معلل بالتأديب والتأديب معلل ~~بالإحسان وقد أجازوا في قوله عز وجل أن يكفر بما أنزل الله بغيا أن ينزل ~~الله من فضله على من يشاء من عباده أن يكون ms0867 بغيا مفعولا له ناصبه أن يكفروا ~~ثم قالوا إن قوله تعالى أن ينزل الله مفعول له ناصبه بغيا على أن التنزيل ~~علة للبغي والبغي علة للكفر وقوله تعالى «من الله» متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لنكالا أي نكالا كائنا منه تعالى «والله عزيز» غالب على أمره يمضيه كيف ~~يشاء من غير ند ينازعه ولا ضد يمانعه «حكيم» في شرائعه لا يحكم إلا ما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة ولذلك شرع هذه الشرائع المنطوية على فنون الحكم ~~والمصالح «فمن تاب» أي من السرق إلى الله تعالى «من بعد ظلمه» الذي هو ~~سرقته والتصريح به مع أن التوبة لا تتصور قبله لبيان عظم نعمته تعالى ~~بتذكير عظم جنايته «وأصلح» أي أمره بالتقصي عن تبعات ما باشره والعزم على ~~ترك المعاودة إليها «فإن الله يتوب عليه» أي يقبل توبته فلا يعذبه في ~~الآخرة وأما القطع فلا تسقطه التوبة عندنا لأن فيه حق المسروق منه وتسقطه ~~عند الشافعي في أحد قوليه «إن الله غفور رحيم» مبالغ غفي المغفرة والرحمة ~~ولذلك يقبل توبته وهو تعليل لما قبله وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة ~~الحكم وتأييد استقلال الجملة وكذا في قوله عز وجل «ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض» فإن عنون الألوهية مدار أحكام ملكوتهما والجار والمجرور ~~خبر مقدم وملك السماوات والأرض مبتدأ والجملة خبر لأن وهي مع ما غفي حيزها ~~سادة مسد مفعولي تعلم عند الجمهور وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين وقيل لكل أحد صالح ~~للخطاب والاستفهام الإنكاري لتقرير العلم والمراد به الاستشهاد بذلك على ~~قدرته تعالى PageV03P035 # على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه أي ألم تعلم أن ~~الله له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على ~~التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة إلى غير ذلك ~~حسبما تقتضيه مشيئته «يعذب من يشاء» أن يعذبه «ويغفر لمن يشاء» أن يغفر له ~~من غير ند يساهمه ولا ضد يزاحمه وتقديم التعذيب ms0868 على المغفرة لمراعات ما بين ~~سببيهما من الترتيب والجملة إما تقرير لكون ملكوت السماوات والأرض له ~~سبحانه أو خبر لأن «والله على كل شيء قدير» فيقدر على ما ذكر من التعذيب ~~والغفرة والإظهار في موقع الإضمار لما مر مرارا والجملة تدييل مقرر لما ~~قبلها «يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر» خوطب عليه الصلاة ~~والسلام بعنوان الرسالة للتشريف والإشعار بما يوجب عدم الحزن والمسارعة في ~~الشيء الوقوع فيه بسرعة ورغبة وإيثار كلمة في علي كلمة إلى الواقعة في قوله ~~تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة إلخ للإيماء إلى أنهم مستقرون في ~~الكفر لا يبرحونه وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض ~~آخر منها كإظهار موالاة المشركين وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك كما ~~في قوله تعالى أولئك يسارعون في الخيرات فإنهم مستمرون على الخير مسارعون ~~في أنواعه وأفراده والتعبير عنهم بالموصول للإشارة بما في حيز صلته إلى ~~مدار الحزن وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا للكفرة عن أن يحزنوه عليه الصلاة ~~والسلام بمسارعتهم في الكفر لكنه في الحقيقة نهى له عليه الصلاة والسلام عن ~~التأثر من ذلك والمبالاة بهم على أبلغ وجه وآكده فإن النهي عن أسباب الشيء ~~ومباديه المؤدية إليه نهى عنه بالطريق البرهاني وقلع له من أصله وقد يوجه ~~النهي إلى المسبب ويزاد به النهي عن السبب كما في قوله لا أرينك ههنا يريد ~~نهي مخاطبه عن الحضور بين يديه وقرئ لا يحزنك من أحزنه منقولا من حزن بكسر ~~الزاء وقرئ يسرعون يقال أسرع فيه الشيب أي وقع فيه سريعا أي لا تحزن ولا ~~تبال بتهافتهم في الكفر بسرعة وقوله تعالى «من الذين قالوا آمنا بأفواههم» ~~بيان للمسارعين في الكفر وقيل متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يسارعون وقيل ~~من الموصول أي كائنين من الذين الخ والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا وقوله ~~تعالى «ولم تؤمن قلوبهم» جملة حالية من ضمير قالوا وقيل عطف على قالوا ~~وقوله تعالى «ومن الذين هادوا» عطف على من ms0869 الذين قالوا الخ وبه يتم بيان ~~المسارعين في الكفر بتقسيمهم إلى قسمين المنافقين واليهود فقوله تعالى ~~«سماعون للكذب» خبر لمبتدأ محذوف راجع إلى الفريقين أو إلى المسارعين وأما ~~رجوعه إلى الذين هادوا فمخل بعموم PageV03P036 # الوعيد الآتي ومباديه للكل كما ستقف عليه وكذا جعل قوله ومن الذين الخ ~~خبرا على أن قوله سماعون صفة لمبتدأ محذوف أي ومنهم قوم سماعون الخ لأدائه ~~إلى اختصاص ما عدد من القبائح وما يترتب عليها من الغوائل الدنيوية ~~والأخروية بهم فالوجه ما ذكر أولا أي هم سماعون واللام إما لتقوية العمل ~~وإما لتضمين السماع معنى القبول وإما لام كي والمفعول محذوف والمعنى هم ~~مبالغون في سماع الكذب أو في قبول ما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله ~~سبحانه وتحريف كتابه أو سماعون أخباركم وأحاديثكم ليكذبوا عليكم بأن ~~يمسخوها بالزيادة والنقص والتبديل والتغيير أو أخبار الناس وأقاويلهم ~~الدائرة فيما بينهم ليكذبوا فيها بأن يرجفوا بقتل المؤمنين وانكسار سراياهم ~~ونحو ذلك مما يضر بهم وأيا ما كان فالجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل ~~للنهي فإن كونهم سماعين للكذب على الوجوه المذكورة وابتناء أمورهم على ما ~~لا أصل له من الأباطيل والأراجيف مما يقتضي عدم المبالاة بهم وترك الاعتداد ~~بما يأتون وما للقطع بظهور بطلان أكاذيبهم واختلال ما بنوا عليها من ~~الأفاعيل الفاسدة المؤدية إلى الخزي والعذاب كما سيأتي وقرئ سماعين للكذب ~~بالنصب على الذم وقوله تعالى «سماعون لقوم آخرين» خبر ثان للمبتدأ المقدر ~~مقرر للأول ومبين لما هو المراد بالكذب على الوجهين الأولين واللام مثل ما ~~في سمع الله لمن حمده في الرجوع إلى معنى من أي قبل منه حمده والمعنى ~~مبالغون في قبول كلام قوم آخرين وأما كونها لام التعليل بمعنى سماعون منه ~~عليه الصلاة والسلام لأجل قوم آخرين وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه ~~عليه الصلاة والسلام أو كونها متعلقة بالكذب على أن سماعون الثاني مكرر ~~للتأكيد بمعنى سماعون ليكذبوا لقوم آخرين فلا يكاد يساعده النظم الكريم ~~أصلا وقوله تعالى «لم يأتوك» صفة أخرى لقوم أي ms0870 لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك ~~تكبرا وإفراطا في البغضاء قيل هم يهود خيبر والسماعون بنو قريظة وقوله ~~تعالى «يحرفون الكلم عن مواضعه» صفة أخرى لقوم وصفوا أولا بمغايرتهم ~~للسماعين تنبيها على استقلالهم وأصالتهم في الرأي والتدبير ثم بعدم حضورهم ~~مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام إيذانا بكمال طغيانهم في الضلال ثم ~~باستمرارهم على التحريف بيانا لإفراطهم في العتو والمكابرة والاجتراء على ~~الافتراء على الله تعالى وتعيينا للكذب الذي سمعه السماعون أي يميلونه ~~ويزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله تعالى فيها إما لفظا بإهماله أو تغيير ~~وضعه وإما معنى بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده وقيل الجملة ~~مستأنفة لا محل لها من الإعراب ناعية عليهم شنائعهم وقيل خبر مبتدأ محذوف ~~راجع إلى القوم وقوله تعالى «يقولون» كالجملة السابقة في الوجوه المذكورة ~~ويجوز أن يكون حالا من ضمير يحرفون وأما تجويز كونها صفة لسماعون أو حالا ~~من الضمير فيه فما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأن مقول القول ناطق بأن قائله ~~ممن لا يحضر مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والمخاطب به ممن يحضره فكيف ~~يمكن أن يقوله السماعون المترددون إليه صلى الله عليه وسلم لمن لا يحوم ~~حوله قطعا وادعاء قول السماعين لأعقابهم المخالطين للمسلمين تعسف ظاهر مخل ~~بجزالة النظم الكريم والحق الذي لا محيد عنه أن المحرفين والقائلين هم ~~القوم الآخرون أي يقولون لأتباعهم السماعين لهم عند إلقائهم إليهم أقاويلهم ~~الباطلة مشيرين إلى كلامهم الباطل «إن أوتيتم» من جهة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم «هذا فخذوه» واعملوا بموجبه فإنه الحق «وإن لم تؤتوه» بل أوتيتم ~~PageV03P037 # غيره «فاحذروا» أي فاحذروا قبوله وإياكم وإياه في ترتيب الأمر بالحذر على ~~مجرد عدم إيتاء المحرف من المبالغة في التحذير ما لا يخفى روي أن شريفا من ~~خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما ~~لشرفهما فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك وقالوا إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم ms0871 بالرجم فلا ~~تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال جبريل ~~عليه السلام اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال صلى الله عليه وسلم ~~هل تعرفون شابا أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا قالوا نعم وهو أعلم ~~يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في التوراة قال ~~فأرسولوا إليه ففعلوا فأتاهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت ابن ~~صوريا قال نعم قال صلى الله عليه وسلم وأنت أعلم اليهود قال كذلك يزعمون ~~قال لهم أترضون به حكما قالوا نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون وظلل ~~عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى ورفع فوقكم الطور وأنزل عليكم ~~التوراة فيها حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن قال نعم ~~والذي ذكرتني به لولا خشيت أن يحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك ~~ولكن كيف هي في كتابك يا محمد قال صلى الله عليه وسلم إذا شهد أربعة رهط ~~عدول أن أدخل فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم قال ابن صوريا ~~والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى فوثب عليه ~~سفلة اليهود فقال خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ثم سأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال اشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسول اله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب المسجد «ومن يرد الله ~~فتنته» أي ضلالته أو فضيحته كائنا من كان فيندرج فيه المذكورون اندراجا ~~أوليا وعدم التصريح بكونهم كذلك للإشعار بكمال ظهوره واستغنائه عن ذكره ~~«فلن تملك له» فلن تستطيع له «من الله شيئا» في دفعها والجملة مستأنفة ~~مقررة لما قبلها ومبينة لعدم انفكاكهم عن القبائح المذكورة ms0872 ابدا «أولئك» ~~إشارة إلى المذكورين من المنافقين واليهود وما في اسم الإشارة من معنى ~~البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم» أي من رجس الكفر وخبث الضلالة لانهماكهم فيهما ~~وإصرارهم عليهما وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية بالكلية كما ~~ينبئ عنه وصفهم بالمسارعة في الكفر أولا وشرح فنون ضلالاتهم آخرا والجملة ~~استئناف مبين لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم وقبح صنيعهم ~~الموجب لها لا واقعة منه تعالى ابتداء «لهم في الدنيا خزي» أما المنافقون ~~فخزيهم فضيحتهم وهتك سترتهم بظهور نفاقهم فيما بين المسلمين وأما خزي ~~اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة وتنكير ~~خزي للتفخيم وهو مبتدأ ولهم خبره وفي الدنيا متعلق بما تعلق به الخبر من ~~الاستقرار وكذا الحال في قوله تعالى «ولهم في الآخرة» أي من الخزي الدنيوي ~~«عذاب أليم» هو الخلود في النار وضمير لهم في الجملتين للمنافقين واليهود ~~جميعا لا اليهود خاصة كما قيل وتكرير لهم مع اتحاد المرجع لزيادة التقرير ~~والتأكيد والجملتان استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل أفعالهم وأحوالهم ~~الموجبة للعقاب كأنه قيل فما لهم من العقوبة فقيل لهم في الدنيا الآية ~~PageV03P038 # «سماعون للكذب» خبر آخر للمبتدأ المقدر كرر تأكيدا لما قبله وتمهيدا لما ~~بعده من قوله تعالى «أكالون للسحت» وهو أيضا خبر آخر للمقدر وارد على طريقة ~~الذم أو بناء على أن المراد بالكذب ما يفتعله الراشون عند الأكالين والسحت ~~بضم السين وسكون الحاء في الأصل كل ما لا يحل كسبه وقيل هو الحرام مطلقا من ~~سحته إذا استأصله سمى به لأنه مسحوت البركة والمراد به ههنا إما الرشا التي ~~كان يأخذها المحرفون على تحريفهم وسائر أحكامهم الزائغة وهو المشهور أو ما ~~كان يأخذه فقراؤهم من أغنيائهم من المال ليقيموا على اليهودية كما قيل وإما ~~مطلق الحرام المنتظم لما ذكر انتظاما أوليا وقرئ للسحت بضم السين والحاء ~~ووبفتحهما وبفتح السين وسكون الحاء وبكسر السين وسكون الحاء ms0873 وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به «فإن جاؤوك» لما بين ~~تفاصيل أمورهم الواهية وأحوالهم المختلفة الموجبة لعدم المبالاة بهم ~~وبأفاعليهم حسبما أمر به صلى الله عليه وسلم خوطب صلى الله عليه وسلم ببعض ~~ما يتبنى عليه من الأحكام بطريق التفريع والفاء فصيحة أي وإذا كان حالهم ~~كما شرح فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات «فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم» غير مبال بهم ولا خائف من جهتهم أصلا وهذا كما ترى تخيير له ~~صلى الله عليه وسلم بين الأمرين فقيل هو في أمر خاص هو ما ذكر من زنا ~~المحصن وقيل في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير فتحاكموا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال بنو قريظة إخواننا بنو النضير أبونا واحد ~~وديننا واحد ونبينا واحد وإذا قتلوا منا قتيلا لم يرضوا بالقود وأعطونا ~~سبعين وسقا من تمر وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة ~~وأربعين وسقا من تمر وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل ~~منهم الرجلين منه وبالعبد منهم الحر منا فاقض بيننا فجعل صلى الله عليه ~~وسلم الدية سواء وقيل وهو عام في جميع الحكومات ثم اختلفوا فمن قائل إنه ~~ثابت وهو المروي عن عطاء والنخعي والشعبي وقتادة وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ~~وقائل إنه منسوخ وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى لا تحلوا شعائر ~~الله وأن احكم بينهم بما أنزل الله وعليه مشايخنا «وإن تعرض عنهم» بيان ~~لحال الأمرين إثر تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما وتقديم حال الإعراض ~~للمسارعة إلى بيان أن لا ضرر فيه حيث كان مظنة الضرر لما أنهم كانوا لا ~~يتحاكمون إليه صلى الله عليه وسلم لا لطلب الأيسر والأهون عليهم فإذا أعرض ~~عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم فتشتد عداوتهم ومضاراتهم له صلى الله ~~عليه وسلم فأمنه ms0874 الله عز وجل بقوله «فلن يضروك شيئا» من الضرر فإن الله ~~عاصمك من الناس «وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط» بالعدل الذي أمرت به كما ~~حكمت بالرجم «إن الله يحب المقسطين» ومن ضرورته أن يحفظهم عن كل مكروه ~~ومحذور PageV03P039 # «وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله» تعجيب من تحكيمهم لمن لا ~~يؤمنون به وبكتابه والحال أن الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون ~~الإيمان به وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ~~وإنما طلبوا به ما هو أهون عليهم وإن لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم فقوله ~~تعالى وعندهم التوراة حال من فاعل يحكمونك وقوله تعالى فيها حكم الله حال ~~من التوراة إن جعلت مرتفعة بالظرف وإن جعلت مبتدأ فهو حال من ضميرها ~~المستكن في الخبر وقيل استئناف مسوق لبيان أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ~~وتأنيثه لكونها نظيرة المؤنث في كلامهم كموماة ودوداة (ثم يتلون) عطف على ~~يحكمونك داخل في حكم التعجيب وثم للتراخي في الرتبة وقوله تعالى «من بعد ~~ذلك» أي بعدما حكموك تصريح بما علم قطعا لتأكيد الاستبعاد والتعجيب أي ثم ~~يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم من بعد ما رضوا بحكمك وقوله تعالى «وما ~~أولئك بالمؤمنين» تذييل مقرر لفحوى ما قبله ووضع اسم الإشارة موضع ضميرهم ~~للقصد إلى إحضارهم في الذهن بما وصفوا به من القبائح إيماء إلى علة الحكم ~~وإلى أنهم قد تميزوا بذلك عن غيرهم أكمل تمييز حتى انتظموا في سلك الأمور ~~المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة أي ~~وما أولئك الموصوفون بما ذكر بالمؤمنين أي بكتابهم لإعراضهم عنه أولا وعن ~~حكمك الموافق له ثانيا أو بهما وقيل وما أولئك بالكاملين في الإيمان تهكما ~~بهم «إنا أنزلنا التوراة» كلام مستأنف سيق لبيان علو شأن التوراة ووجوب ~~مراعاة أحكامها وأنها لم تزل مرعية فيما بين الأنبياء ومن يقتدى بهم كابرا ~~عن كابر مقبولة لكل أحد من الحكام والمتحاكمين محفوظة عن المخالفة والتبديل ~~تحقيقا لما وصف به المحرفون ms0875 من عدم إيمانهم بها وتقريرا لكفرهم وظلمهم ~~وقوله تعالى «فيها هدى ونور» حال من التوراة فإن ما فيها من الشرائع ~~والأحكام من حيث إرشادها للناس إلى الحق الذي لا محيد عنه هدى ومن حيث ~~إظهارها وكشفها ما استبهم من الأحكام مي حيث إرشادها للناس إلى الحق الذي ~~لا محيد عنه هدى ومن حيث إظهارها وكشفها ما استبهم من الأحكام وما يتعلق ~~بها من الأمور المستورة بظلمات الجهل نور وقوله تعالى «يحكم بها النبيون» ~~أي أنبياء بني إسرائيل وقيل موسى ومن بعده من الأنبياء جملة مستأنفة مبينة ~~لرفعة رتبتها وسمو طبقتها وقد جوز كونه حالا من التوراة فيكون حالا مقدرة ~~أي يحكمون بأحكامها ويحملون الناس عليها وبه تمسك من ذهب إلى أن شريعة من ~~قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مرارا ~~من الاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن في المؤخر وما يتعلق به ~~نوع طول ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم وقوله PageV03P040 # تعالى «الذين أسلموا» صف أجريت على النبيين على سبيل المدح دون التخصيص ~~والتوضيح لكن لا للقصد إلى مدحهم بذلك حقيقة فإن النبوة أعظم من الإسلام ~~قطعا فيكون وصفهم به بعد وصفهم بها تنزلا من الأعلى إلى الأدنى بل لتنويه ~~شأن الصفة فإن إبراز وصف في معرض مد ح العظماء منبىء عن عظم قدر الوصف لا ~~محالة كما في وصف الأنبياء بالصلاح ووصف الملائكة بالإيمان عليهم السلام ~~ولذلك قيل أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وفيه رفع لشأن المسلمين وتعريض ~~باليهود وأنهم بمعزل من الإسلام والاقتداء بدين الأنبياء عليهم السلام لا ~~سيما مع ملاحظة ما وصفوا به في قوله تعالى «للذين هادوا» وهو متعلق بيحكم ~~أي يحكمون فيما بينهم واللام ما لبيان اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم ~~أو عليهم كأنه قيل لأجل الذين هادوا وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضا ~~بإسقاط النبعة عنه وإنا للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع ~~لكلا الفريقين ففيه تعريض بالمحرفين وقيل التقدير ms0876 للذين هادوا وعليهم فحذف ~~ما حذف لدلالة ما ذكر عليه وقيل ما هو متعلق بأنزلنا وقيل بهدى ونور وفيه ~~فصل بين المصدر ومعموله وقيل متعلق بمحذوف وقع صفة لهما ونور كائنان للذين ~~هادوا «والربانيون والأحبار» أي الزهاد والعلماء من ولد هارون الذين ~~التزموا طريقة النبيين وجانبوا دجين اليهود وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما الربانيون الذي يوسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره ~~والأحبار هم الفقهاء واحده حبر بالفتح والكسر والثاني أفصح وهو رأي الفراء ~~مأخوذ من الحبير والتحسين فإنهم يحبرون العلم ويزينونه ويبينونه وهو عطف ~~على النبيون أي هم أيضا يحكمون بأحكامها وتوسيط المحكوم لهم بين المعطوفين ~~للإيذان بأن الصل في الحكم بها وحمل الناس على ما فيها هم النبيون وإنما ~~الربانيون والأحبار خلفاء ونواب لهم في ذلك كما ينبئ عنه قوله تعالى «بما ~~استحفظوا» أي بالذي استحفظوه من جهة النبيين وهو التوراة حيث سألوهم أن ~~يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق ولا ريب في أن ذلك منهم عليهم ~~السلام استخلاف لهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها وفي إبهامها ~~أولا ثم بيانها ثانيا بقوله تعالى «من كتاب الله» من تفخيمها وإجلالها ذاتا ~~وإضافة وتأكيد إيجاب حفظها والعمل بما فيها ما لا يخفى وإيرادها بعنوان ~~الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التغيير من جهة الكتابة والباء الداخلة ~~على الموصول متعلقة بيحكم لكن لا على أنها صلة له كالتي في قوله تعالى بها ~~ليلزم تعلق حرفي جر متحدي المعنى بفعل واحد بل على أنها سببية أي ويحكم ~~الربانيون والأحبار أيضا بسبب ما حفظوه من كتاب الله حسبما وصاهم به ~~أنبياؤهم وسألوهم أن يحفظوه وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيته من حيث ~~الذات بل من حيث كونه محظوظا فإن تعليق حكمهم بالموصول مشعر بسببية الحفظ ~~المترتب لا محالة على ما في حيز الصلة من الاستحفاظ له وقيل الباء صلة لفعل ~~مقدر معطوف على قوله تعالى يحكم بها النبيون عطف جملة على جملة أي ويحكم ~~الربانيون والأحبار بحكم كتاب ms0877 الله الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من ~~التغيير «وكانوا عليه شهداء» أي رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير ~~والتبديل بوجه من الوجوه فتغيير الأسلوب لما ذكر من المزايا وقيل بما ~~استحفظوا بدل من PageV03P041 # قوله تعالى بها بإعادة العامل وهو بعيد وكذا تجويز كون الضمير في ~~استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا على أن الاستحفاظ من جناب ~~الله عز وجل أي كلفهم الله تعالى أن يحفظوه ويكونوا عليه شهداء وقوله تعالى ~~وتقدس «فلا تخشوا الناس» خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات وأما ~~حكام المسلمين فيتناولهم النهي بطريق الدلالة دون العبارة والفاء لترتيب ~~النهي على ما فصل من حال التوراة وكونها معنى بشأنها فيما بين الأنبياء ~~عليهم السلام ومن يقتدى بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا ~~فإن ذلك مما يوجب الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأي ~~وجه كان فضلا عن التحريف والتغيير ولما كان مدار جراءتهم على ذلك خشية ذي ~~سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية نهوا عن كل منهما صريحا أي إذا كان شأنها ~~كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كان واقتدوا في مراعاة أحكامها بالتعرض ~~لها بسوء «ولا تشتروا بآياتي» الاشتراء استبدال السلعة بالثمن أي أخذها ~~بدلا منه لا بذل الثمن لتحصيلها كما قيل ثم استعير لأخذ شيء بدلا مما كان ~~له عينا كان أو معنى أخذا منوطا بالرغبة فيما أخذ والإعراض عما أعطى ~~ونبذكما فصل في تفسير قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~فالمعنى لا تستبدلوا بآياتي التي فيها بأن تخرجوها منها أو تتركوا العمل ~~بها وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها «ثمنا قليلا» من الرشوة والجاه وسائر الحظوظ ~~الدنيوية فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة في نفسها لا سيما بالنسبة إلى ما فات ~~عنهم بترك العمل بها وإنما عبر عن المشتري الذي هو العمدة في عقود المعاوضة ~~والمقصد الأصلي بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة إلى تحصيله وأبرزت الآيات ~~التي حقها أن يتنافس فيها المتنافسون في معرض الآلات والوسايط حيث قرنت ~~بالباء التي تصحب الوسائل إيذنا ms0878 بمبالغتهم في التعكيس بأن جعلوا المقصد ~~الأقصى وسيلة والوسيلة الأدنى مقصدا «ومن لم يحكم بما أنزل الله» كائنا من ~~كان دون المخاطبين خاصة فإنهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم ~~بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى ~~اقتضاء بينا «فأولئك» إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد ~~فيما سبق باعتبار لفظها «هم الكافرون» لاستهانتهم به وهم إما ضمير الفصل أو ~~مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر لأولئك وقد مر تفصيله في مطلع سورة البقرة ~~والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير وتحذير عن الإخلال به أشد ~~تحذير حيث علق فيه الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله تعالى فكيف ~~وقد انضم إليه الحكم بخلافه لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع ~~غيره موضعه وادعاء أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا «وكتبنا» عطف على ~~أنزلنا PageV03P042 # التوراة «عليهم» أي على الذين هادوا وقرئ وأنزل الله على بني إسرائيل ~~«فيها» أي في التوراة «أن النفس بالنفس» أن تقاد بها ذا قتلها بغير حق ~~«والعين» تفقأ بالعي إذا فقئت بغير حق «والأنف» يجدع «بالأنف» المقطوع بغير ~~حق «والأذن» تصلم «بالأذن» المقطوعة ظلما «والسن» تقلع «بالسن» المقلوعة ~~بغير حق «والجروح قصاص» أي ذات قصاص إذا كانت بحيث تعرف المساواة وعن ابن ~~عباس رضي تعالى عنهما أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت وقرئ وإن ~~الجروح قصاص وقرئ العين إلى آخره بالرفع عطفا على محل أن النفس لأن المعنى ~~كتبنا عليهم النفس بالنفس إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا وإما لأن معنى الجملة ~~التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتب كما يقع عليه القراءة تقول ~~كتبت الحمد لله وقرأت سورة أنزلناها «فمن تصدق» أي من المستحقين «به» أي ~~بالقصاص أي فما عفا عنه والتعبير عنه بالتصدق للمبالغة في الترغيب فيه ~~«فهو» أي التصدق «كفارة له» أي للمتصدق يكفر الله تعالى بها ذنوبه وقيل ~~للجاني إذا تجاوزت عنه ms0879 صاحب الحق سقط عنه ما لزمه وقرئ فهو كفارته له أي ~~فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص منها شيء وهو تعظيم لكما ~~فعل كقوله تعالى فأجره على الله «ومن لم يحكم» كائنا من كان فيتناول من لا ~~يرى قتل الرجل بالمرأة من اليهود تناولا بينا «بما أنزل الله» من الأحكام ~~والشرائع كائنا ما كان فيدخل فيها الأحكام المحكية دخولا أوليا «فأولئك هم ~~الظالمون» المبالغون في الظلم المتعدون لحدوده تعالى الواضعون للشيء في غير ~~موضعه والجملة تذييل مقرر لإيجاب العمل بالأحكام المذكورة «وقفينا على ~~آثارهم» شروع في بيان أحكام الإنجيل إثر بيان أحكام التوراة وهو عطف على ~~أنزلنا التوراة أي آثار البيين المذكورين يقال قفيته بفلان إذا أتبعته إياه ~~فحذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه أي قفيناهم «بعيسى ابن مريم» أي ~~أرسلناه عقبهم «مصدقا لما بين يديه من التوراة» حال من عيسى عليه السلام ~~«وآتيناه الإنجيل» عطف على قفينا وقرئ بفتح الهمزة «فيه هدى ونور» كما في ~~التوراة وهو في محل النصب على أنه حال من الإنجيل أي كائنا فيه ذلك كأنه ~~قيل مشتملا على هجى ونور وتنوين هدى ونور للتفخيم ويندرج في ذلك شواهد ~~نبوته عليه السلام «ومصدقا لما بين يديه من التوراة» عطف عليه داخل في حكم ~~الحالية وتكرير ما بين يديه من التوراة لزيادة التقرير «وهدى وموعظة ~~للمتقين» عطف على مصدقا منتظم معه في سلك الحالية جعل كله هدى بعد ما جعل ~~مشتملا عليه حيث قيل هدى وتخصيص كونه هدى وموعظة بالمتقين لأنهم المهتدون ~~بهداه والمنتفعون بجدواه «وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه» أمر مبتدأ ~~لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته ~~عليه الصلاة PageV03P043 # والسلام وشواهد نبوته وما قررته الشريعة الشريفة من أحكامه وما أحكامه ~~المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل الله فيه بل هو إبطال وتعطيل له إذ ~~هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها لأن شهادته بصحة ما ينسخها من ~~الشريعة شهادة ينسخها وبأن احكامه ما ms0880 قررته تلك الشريعة التي شهد بصحتها ~~كما سيأتي في قوله تعالى يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل الآية وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على ~~آتيناه أي وقلنا ليحكم أهل الإنجيل الخ وقرئ وأن ليحكم على أن أن موصولة ~~بالأمر كما في قولك أمرته بأن قم كأنه قيل وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم ~~أهل الإنجيل الخ وقرئ على صيغة المضارع ولام التعليل على أنها متعلقة بمقدر ~~كأنه قيل وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه وإياه وقد عطف على ~~هجى وموعظة على أنهما مفعول لهما كأنه قيل وللهدى والموعظة آتيناه إياه ~~وللحكم بما أنزل الله فيه «ومن لم يحكم بما أنزل الله» منكرا له مستهينا به ~~«فأولئك هم الفاسقون» المتمردون الخارجون عن الإيمان والجملة تذييل مقرر ~~لمضمون الجملة السابقة ومؤكد لوجوب الامتثال بالآمر وفيه دلالة على أن ~~الإنجيل مشتمل على الأحكام وأن عيسى عليه السلام كان مستقلا بالشرع مأمورا ~~بالعمل بما فيه من الأحكام قلت أو كثرت لا بما في التوراة خاصة وحمله على ~~معنى وليحكم بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر ~~«وأنزلنا إليك الكتاب» أي الفرد الكامل الحقيقي بأن يسمى كتابا على الإطلاق ~~لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي وتفوقه على بقية أفراده ~~وهو القرآن الكريم فاللام للعهد والجملة عطف على أنزلنا وما عطف عليه وقوله ~~تعالى «بالحق» متعلق بمحذوف وقع حالا مؤكدة من الكتاب أي ملتبسا بالحق ~~والصدق وقيل من فاعل أنزلنا وقيل من الكاف في إليك وقوله تعالى «مصدقا لما ~~بين يديه» حال من الكتاب أي حال كونه مصدقا لما تقدمه إما من حيث إنه نازل ~~حسبما نعت فيه أو من حيث أنه موافق له في القصص والمواعيد والدعوة إلى الحق ~~والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته له ~~في بعض جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار فليست بمخالفة في ~~الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن ms0881 كلا من تلك الأحكام حق بالإضافة إلى ~~عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور أمر الشريعة وليس في المتقدم دلالة على ~~أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ المتأخرون وإنما يدل على ~~مشروعيتها مطلقا من غير تعرض لبقائها وزوالها بل نقول هو ناطق بزوالها لما ~~أن النطق بصحة ما ينسخها نطق ينسخها وزوالها وقوله تعالى «من الكتاب» بيان ~~لما واللام للجنس إذ المراد هو الكتاب السماوي وهو PageV03P044 # بهذا العنوان جنس برأسه وإن كان في نفسه نوعا مخصوصا من مدلول لفظ الكتاب ~~وعن هذا قالوا اللام للعهد إلا أن ذلك لا ينتهي إلى خصوصية الفردية بل إلى ~~خصوصية النوعية التي هي أخص من مطلق الكتاب وهو ظاهر ومن الكتاب السماوي ~~أيضا حيث خص بما عدا القرآن «ومهيمنا عليه» أي رقيبا على سائر الكتب ~~المحفوظة من التغيير لأنه يشهد لها بالصحة والثبات ويقرر أصول شرائعها وما ~~يتأبد من فروعها ويعين أحكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة ~~من تلك الكتاب وانقضاء وقت العمل بها ولا ريب في أن تمييز أحكامها الباقية ~~على المشروعية ابدا عما انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من أحكام كونه مهيمنا ~~عليه وقرئ ومهيمنا عليه على صيغة المفعول أي هو من عليه وحوفظ من التغيير ~~والتبديل كقوله عز وجل ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والحافظ ~~إما من جهته تعالى كما في قوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أو ~~الحفاظ في الأعصار والأمصار والفاء في قوله تعالى «فاحكم بينهم» لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها فإن كون شأن القرآن العظيم حقا مصدقا لما قبله من الكتب ~~المنزلة على الأمم مهيمنا عليه من موجبات الحكم المأمور به أي إذا كان ~~القرآن كما ذكر فاحكم بين أهل الكتابين عند تحاكمهم إليك «بما أنزل الله» ~~أي بما أنزله إليك فإنه مشتمل على جميع الأحكام الشرعية الباقية في الكتب ~~الإلهية وتقديم بينهم للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم ووضع الموصول موضع ~~الضمير للتنبيه على علية ما في حين الصلة للحكم والالتفات بإظهار ms0882 الاسم ~~الجليل لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم «ولا تتبع أهواءهم» الزائغة ~~«عما جاءك من الحق» الذي لا محيد عنه وعن متعلقه بلا تتبع على تضمين معنى ~~العدول ونحوه كأنه قيل ولا تعدل عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم وقيل ~~بمحذوف وقع حالا من فاعله أي لا تتبع أهواءهم عادلا عما جاءك وفيه أن ما ~~وقع حالا لا بد أن يكون فعلا عاما ووضع الموصول موضع ضمير الموصول الأول ~~للإيماء بما في حيز الصلة من مجىء الحق إلى ما يوجب كمال الاجتناب عن اتباع ~~الأهواء وقوله تعالى «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» كلام مستأنف جيء به ~~لحمل أهل الكتابين من معاصريه صلى الله عليه وسلم على الانقياد لحكمه بما ~~أنزل إليه من القرآن الكريم ببيان أنه هو الذي كلفوا العمل به دون غيره من ~~الكتابين وإنما الذين كلفوا العمل بهما من مضي قبل نسخهما من الأمم السالفة ~~والخطاب بطريق التلوين والالتفات للناس كافة لكن لا للموجودين خاصة بل ~~للماضين أيضا بطريق التغليب واللام متعلقة بجعلنا المتعدي لواحد وهو إخبار ~~بجعل ماض لا إنشاء وتقديمها عليه للتخصيص ومنكم متعلق بمحذوف وقع صفة لما ~~عوض عنه تنوين كل ولا ضير في توسط جعلنا بين الصفة والموصوف كما في قوله ~~تعالى أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات الخ والمعنى لكل أمة كائنة منكم ~~أيها الأمم الباقية والخالية جعلنا أي عينا ووضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك ~~الأمة لا تكاد أمة تتخطى شرعتها التي عينت لها فالأمة التي كانت من مبعث ~~موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام شرعتهم التوراة والتي كانت من مبعث عيسى ~~إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم شرعتهم الإنجيل وأما أنتم أيها ~~الموجودون فشرعتكم القرآن ليس إلا فآمنوا به واعملوا بما فيه والشرعة ~~والشريعة هي الطريقة إلى الماء شبه بها الدين لكونه سبيلا موصولا إلى ما هو ~~سبب للحياة الأبدية كما أن سبب للحياة الأبدية كما أن الماء سبب للحياة ~~الفانية والمنهاج الطريق الواضح في الدين من نهج الأمر إذا وضح PageV03P045 # وقرئ ms0883 شرعة بفتح الشين قيل فيه دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ~~والتحقيق أنا متعبدون بأحكامها الباقية من حيث أنها أحكام شرعتنا لا من حيث ~~أنها شرعة للأولين «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» متفقة على دين واحد في ~~جميع الأعصار من غير اختلاف بينكم وبين من قبلكم من الأمم في شيء من ~~الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل ومفعول المشيئة محذوف تعويلا على دلالة ~~الجزاء عليه أي ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ وقيل المعنى ~~لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه «ولكن ليبلوكم» متعلق ~~بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن لم يشأ ذلك أي لأن يجعلكم أمة واحدة بل شاء ~~ما عليه السنة الإلهية الجارية فيما بين الأمم ليعاملكم معاملة من يبتليكم ~~«في ما آتاكم» من الشرائع المختلفة المناسبة لأعصارها وقرونها هل تعملون ~~بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى المشيئة الإلهية المبنية على ~~أساس الحكم البالغة والمصالح النافعة لكم في معاشكم ومعادكم أو تزيغون عن ~~الحق وتتبعون الهوى وتستبدلون المضرة بالجدوى وتشترون الضلالة بالهدى وبهذا ~~اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء بل العمدة في ذلك ما ~~أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشا ومعادا كما ينبئ ~~عنه قوله عز وجل «فاستبقوا الخيرات» أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ~~ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في ~~القرآن الكريم وابتدروها انتهاز للفرصة وإحرازا لسابقة الفضل والتقدم ففيه ~~من تأكيد الترغيب في الإذعان للحق وتشديد التحذير عن الزيغ ما لا يخفى ~~وقوله تعالى «إلى الله مرجعكم» استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات ~~بما فيه من الوعد والوعيد وقوله تعالى «جميعا» حال من ضمير الخطاب والعامل ~~فيه إما المصدر المنحل إلى حرف مصدري وفعل مبني للفاعل أو مبني للمفعول ~~وإما الاستقرار المقدر في الجار «فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون» أي فيفعل ~~بكم من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ما لا يبقى لكم معه ms0884 شائبة شك فيما ~~كنتم فيه تختلفون في الدنيا وإنما عبر عن ذلك بما ذكر لوقوعه موقع إزالة ~~الاختلاف التي هي وظيفة الإخبار «وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم» عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم بما فيه والتعرض ~~لعنوان إنزاله تعالى غياه لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر أو على الحق أي ~~أنزلناه بالحق وبأن احكم وحكاية إنزال الأمر بهذا الحكم بعد ما مر من الأمر ~~الصريح بذلك تأكيد له وتمهيد لما يعقبه من قوله تعالى «واحذرهم أن يفتنوك ~~عن بعض ما أنزل الله إليك» أي يصرفوك عن بعضه ولو كان أقل قليل بتصوير ~~الباطل بصورة الحق وإظهار الاسم الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب وأن ~~بصلته بدل اشتمال من ضميرهم أي احذر فتنتهم أو مفعول له أي PageV03P046 # احذرهم مخافة أن يفتنوك وإعادة ما أنزل الله لتأكيد التحذير بتهويل الخطب ~~روي أن أحبار اليهود قالوا اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتنه عن دينه ~~فذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم وقالوا يا ابا القاسم قد عرفت أنا أحبار ~~اليهود وأنا من اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأن بيننا وبين قومنا خصومة ~~فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بط ونصدقك فأبى ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت «فإن تولوا» أي أعرضوا عن الحكم بما أنزل الله تعالى ~~وأرادوا غيره «فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم» أي بذنب توليهم ~~عن حكم الله عز وجل وإنما عبر عنه بذلك إيذانا بأن لهم ذنوبا كثيرة هذا مع ~~كمال عظمه واحد من جملتها وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي كما في قول لبيد أو ~~يرتبط بعض النفوس حمامها يريد به نفسه أي نفسا كبيرة ونفسا أي نفس «وإن ~~كثيرا من الناس لفاسقون» أي متمردين في الكفر مصرون عليه خارجون عن الحدود ~~المعهودة وهو اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قوله «أفحكم الجاهلية يبغون» ~~إنكار وتعجيب من حالهم وتوبيخ لهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ~~يتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية وتقديم ms0885 المفعول للتخصيص المفيد لتأكيد ~~الإنكار والتعجيب لأن التولي عن حكمه صلى الله عليه وسلم وطلب حكم آخر منكر ~~عجيب وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب والمراد بالجاهلية إما الملة الجاهلية ~~التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام فيكون تعييرا ~~لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل ~~لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي وإما أهل الجاهلية وحكمهم ما كانوا عليه ~~من التفاضل فيما بين القتلى حيث روى أن بني النضير لما تحاكموا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في خصومه قتل وقعت بينهم وبين بني قريظة طلبوا ~~إليه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من ~~التفاضل فقال صلى الله عليه وسلم القتلى سواء فقال بنو النضير نحن لا نرضى ~~بذلك فنزلت وقرئ برفع الحكم على أنه مبتدأ ويبغون خبره والراجع محذوف حذفه ~~في قوله تعالى أهذا الذي بعث الله رسولا وقد استضعف ذلك في غير الشعر وقرئ ~~بقاء الخطاب إما بالالتفات لتشديد التوبيخ وإما بتقدير القول أي قل لهم ~~أفحكم الخ وقرئ بفتح الحاء والكاف أي أفحاكما كحكام الجاهلية يبغون «ومن ~~أحسن من الله حكما» إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساو له ~~وإن كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارها وقد مر تفصيله في ~~تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله «لقوم يوقنون» أي عندهم ~~واللام كما في هيت لك أي هذا الاستفهام لهم فإنهم الذين يتدبرون الأمور ~~بأنظارهم فيعلمون يقينا ان حكم الله عز وجل أحسن الأحكام وأعد لها «يا أيها ~~الذين آمنوا» خطاب يعم حكمه كافة المؤمنين من المخلصين وغيرهم وإن كان سبب ~~وروده بعضا منهم كما سيأتي PageV03P047 # ووصفهم بعنوان الإيمان لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه ~~بقوله عز وجل «لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء» فإن تذكير اتصافهم بضد ~~صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما أي لا يتخذ أحد ms0886 منكم أحدا منهم ~~وليا بمعنى لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الحباب ومعاشرتهم لا بمعنى لا ~~تجعلوهم أولياء لكم حقيقة فإنه أمر ممتنع في نفسه لا يتعلق به النهي «بعضهم ~~أولياء بعض» أي بعض كل فريق من ذينك الفريقين أولياء بعض آخر من ذلك الفريق ~~لا من الفريق الآخر وإنما أوثر الإجمال في البيان تعويلا على ظهور المراد ~~لوضوح انتفاء الموالاة بين فريقي اليهود والنصارى رأسا والجملة مستأنفة ~~مسوقة لتعليل النهي وتأكيد إيجاب الاجتناب عن المنهي عنه أي بعضهم أولياء ~~بعض متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون ومن ضرورته إجماع الكل ~~على مضادتكم ومضارتكم بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل فكيف يتصور ~~بينكم وبينهم موالاة وقوله تعالى «ومن يتولهم منكم فإنه منهم» حكم مستنتج ~~منه فإن انحصار الموالاة فيما بينهم يستدعي كون من يواليهم منهم ضرورة أن ~~الاتحاد في الدين الذي عليه يدور أمر الموالاة حيث لم يكن بكونهم ممن ~~يواليهم من المؤمنين تعين أن يكون ذلك بكون من يواليهم منهم وفيه زجر شديد ~~للمؤمنين عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة وقوله ~~تعالى «إن الله لا يهدي القوم الظالمين» تعليل لكون من يتولاهم منهم أي لا ~~يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلالة وإنما وضع ~~المظهر موضع ضميرهم تنبيها على أن توليهم ظلم لما أنه تعريض لأنفسهم للعذاب ~~الخالد ووضع للشيء في غير موضعه وقوله تعالى «فترى الذين في قلوبهم مرض» ~~بيان لكيفية توليهم وإشعار بسببه وبما يؤول إليه أمرهم والفاء للإيذان ~~بترتبه على عدم الهداية والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق ~~التلوين وإما لكل أحد ممن له أهلية له وفيه مزيد تشنيع للتشنيع أي لا ~~يهديهم بل يذرهم وشأنهم فتراهم الخ وإنما وضع موضع الضمير الموصول ليشار ~~بما في حيز صلته إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما في قلوبهم من مرض ~~النفاق ورخاوة العقد في الدين وقوله تعالى «يسارعون فيهم» حال من الموصول ~~والرؤية بصرية ms0887 وقيل مفعول ثان والرؤية قلبية والأول هو الأنسب بظهور نفاقهم ~~أي تراهم مسارعين في موالاتهم وإنما قيل فيهم مبالغة في بيان رغبتهم فيها ~~وتهالكهم عليها وإيثار كلمة في على كلمة إلى الدلالة على أنهم مستقرون في ~~الموالاة وإنما مسارعتهم من بعض مراتبها إلى بعض آخر منها كما في قوله ~~تعالى أولئك يسارعون في الخيرات لا أنهم خارجون عنها متوجهون إليها كما في ~~قوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة وقرئ فيرى بياء الغيبة على أن ~~الضمير لله سبحانه وقيل لمن تصح منه الرؤية وقيل الفاعل هو الموصول ~~والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية والرؤية قلبية أن ويرى القوم الذين ~~في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم فلما حذفت أن PageV03P048 # انقلب الفعل مرفوعا كما في قول من قال ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ~~والمراد بهم عبد الله بن أبي وأضر به الذين كانوا يسارعون في موادة اليهود ~~ونصارى نجران وكانوا يعتذرون إلى المؤمنين بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم صروف ~~الزمان وذلك قوله تعلى «يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة» وهو حال من ضمير ~~يسارعون والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها أي تدور ~~علينا دائرة من دوائر الدهر ودولة من دولة بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة ~~للكفار وقيل يخشى أن يصيبنا مكروه من مكاره الدهر كالجدب والقحط فلا يعطونا ~~الميرة والقرض روي أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن لي موالي من اليهود كثيرا عددهم وإني أبرأ إلى ى ~~الله ورسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي إني رجل ~~أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي وهو يهود بني قينقاع ولعله يظهر ~~للمؤمنين أنه يريد بالدوائر المعنى الأخير ويضمر في نفسه المعنى الأول ~~وقوله تعالى «فعسى الله أن يأتي بالفتح» رد من جهة الله تعالى لعللهم ~~الباطلة وقطع أطماعهم الفارغة وتبشير للمؤمنين بالظفر فإن عسى منه سبحانه ~~وعد محتوم لما أن الكريم إذا أطمع أطعم لا ms0888 محالة فما ظنك بأكرم الأكرمين ~~وأن يأتي في محل النصب على أنه خبر عسى وهو رأي الأخفش أو على أنه مفعول به ~~وهو رأي سيبويه لئلا يلزم الإخبار عن الجثة بالحدث كما في قولك عسى زيدا أن ~~يقوم والمراد بالفتح فتح مكة قاله الكلبي والسدي وقال الضحاك فتح قرى ~~اليهود من خيبر وفدك وقال قتادة ومقاتل هو القضاء الفصل بنصره صلى الله ~~عليه وسلم على من خالفه وإعزاز الدين «أو أمر من عنده» بقطع شأفة اليهود من ~~القتل والإجلاء «فيصبحوا» أي أولئك المنافقون المتعللون بما ذكر وهو عطف ~~على يأتي يأتي داخل معه في حيز خبر عيسى وإن لم يكن فيه ضمير يعود إلى ~~اسمها فإن فاء السببية مغنية عن ذلك فإنها تجعل الجملتين جملة واحدة «على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين» وهو ما كانوا يكتمونه في أنفسهم من الكفر والشك ~~في أمره صلى الله عليه وسلم وتعليق الندامة به لا بما كانوا يظهرونه من ~~موالاة الكفر لما أنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها فدل ذلك ~~على ندامتهم عليها بأصلها وسببها «ويقول الذين آمنوا» كلام مبتدأ مسوق ~~لبيان كمال سوء حال الطائفة المذكورة وقرئ بغير واو على أنه جواب سؤال نشأ ~~مما سبق كأنه قيل فماذا يقول المؤمنون حينئذ و 5 قرىء ويقول بالنصب عطفا ~~على يصبحوا وقيل على يأتي باعتبار المعنى كأنه قيل فعسى أن يأتي الله ~~بالفتح ويقول الذين آمنوا والأول أوجه لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين ~~عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط والمعنى ويقول الذين ~~آمنوا مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون ~~دولتهم ويظهرون لهم غاية المحبة وعدم المفارقة عنهم في السراء والضراء عند ~~مشاهدتهم لخيبة رجائهم وانعكاس تقديرهم بوقوع ضد ما كانوا يترقبونه ~~ويتعللون به تعجيبا للمخاطبين من حالهم وتعريضا بهم «أهؤلاء الذين ~~PageV03P049 # أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم» أي بالنصرة والمعونة كما قالوا ~~فيما حكي عنهم وإن قوتلتم لننصرنكم واسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبره ms0889 ~~والمعنى إنكار ما فعلوه واستبعاده وتخطئتهم في ذلك أو يقول بعض المؤمنين ~~لبعض مشيرين إلى المنافقين أيضا أهؤلاء الذين أقسموا للكفرة إنهم لمعكم ~~فالخطاب في معكم لليهود على التقديرين إلا أنه على الأول من جهة المؤمنين ~~وعلى الثاني من جهة المقسمين وهذه الجملة لا محل لها من الإعراب لأنها ~~تفسير وحكاية لمعنى اقسموا لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل إنا معكم وجهد ~~الإيمان أغلظها وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال على تقدير وأقسموا بالله ~~يجهدون جهد أيمانهم فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ولا يبالي بتعريفه لفظا ~~لأنه مؤول بنكرة أي مجتهدين في أيمانهم أو على المصدر أي أقسموا إقسام ~~اجتهاد في اليمين وقوله تعالى «حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين» إما جملة ~~مستأنفة مسوقة من جهته تعالى لبيان مآل ما صنعوه من ادعاء الولاية والإقسام ~~على المعية في المنشط والمكره إثر الإشارة إلى بطلانه بالاستفهام الإنكاري ~~وإما خبر ثان للمبتدأ عند من يجوز كونه جملة كما في قوله تعالى فإذا هي حية ~~تسعى أو هو الخبر والموصول مع ما في حيز صلته صفة لاسم الإشارة فالاستفهام ~~حينئذ للتقرير وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم ~~والمعنى بطلت أعمالهم التي عملوها في شأن موالاتكم وسعوا في ذلك سعيا بليغا ~~حيث لم تكن لكم دولة فينتفعوا بما صنعوا من المساعي وتحملوا من مكابدة ~~المشاق وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين ما لا يخفى وقيل ~~قاله بعض المؤمنين مخاطبا لبعض تعجبا من سوء حال المنافقين واغتباطا بما من ~~الله تعالى على أنفسهم من التوفيق للإخلاص أهؤلاء الذين اقسموا لكم بإغلاظ ~~الأيمان إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار بطلت أعمالهم التي كانوا ~~يكلفونها في رأي أعين الناس وأنت خبير بأن ذلك الكلام من المؤمنين إنما ~~يليق بما لو أظهر المنافقون حينئذ خلاف ما كانوا يدعونه ويقسمون عليه من ~~ولاية المؤمنين ومعاضدتهم على الكفار فظهر كذبهم وافتضحوا بذلك على رؤوس ~~الأشهاد وبطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأس أعين لمؤمنين ولا ريب ~~في أنهم يومئذ ms0890 أشد ادعاء وأكثر إقساما منهم قبل ذلك فضلا عن أن يظهروا خلاف ~~ذلك وإنما الذي يظهر منهم الندامة على ما صنعوا وليس ذلك علامة ظاهرة ~~الدلالة على كفرهم وكذبهم في ادعائهم فإنهم يدعون أن ليست ندامتهم إلا على ~~ما أظهروه من موالاة الكفرة خشية إصابة الدائرة «يا أيها الذين آمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه» وقرئ يرتدد بالفك على لغة الحجاز والإدغام لغة تميم لما ~~نهى فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد ~~عن الدين وفصل مصير امر من يواليهم من المنافقين شرع في بيان حال المرتدين ~~على الإطلاق وهذا من الكائنات التي أخبر PageV03P050 # عنها القرآن قبل وقوعها روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة ثلاث في ~~عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار وهو الأسود ~~العنسي كان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده فأخرج منها عمال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذ بن جبل وإلى سادات ~~اليمن فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل فسر به المسلمون وقبض عليه الصلاة ~~والسلام من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول وبنو حنيفة قوم مسيلمة ~~الكذاب تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله ~~إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك فأجاب عليه ~~الصلاة والسلام من محمد رسول الله مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين فحاربه أبو بكر رضي الله عنه ~~بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه وكان يقول قتلت ~~في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد ~~تنبأ فبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد فانهزم بعد القتال إلى ~~الشأم فأسلم وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر رضي الله ms0891 عنه فزاره قوم عيينة ~~بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة ابن عبد يا ~~ليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة ~~التي زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري في كتاب ~~استغفر واستغفري آمت سجاح ووالاها مسيلمة * كذابة في بني الدنيا وكذاب ~~وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى ~~بالله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه وفرقة واحدة في عهد عمر رضي ~~الله عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم ~~وقصاه مشهورة وقوله تعالى «فسوف يأتي الله» جواب الشرط والعائد إلى اسم ~~الشرط محذوف أي فسوف يأتي الله مكانهم بعد إهلاكهم «بقوم يحبهم» أي يريد ~~بهم خيري الدنيا والآخرة ومحل الجملة الجر على أنها صفة لقوم وقوله تعالى ~~«ويحبونه» أي يريدون طاعته ويتحرزون عن معاصيه معطوف عليها داخل في حكمها ~~قيل أهم أهل اليمن لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أبي موسى ~~الأشعري وقال قوم هذا وقيل هم الأنصار رضي الله عنهم وقيل هم الفرس لما روي ~~أنه عليه السلام سئل عنهم فضرب بيده الكريمة على عاتق سلمان رشي الله عنه ~~وقال هذا وذووه ثم قال لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء ~~فارس وقيل هم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وثلاثة آلاف من أفناء ~~الناس جاهدوا يوم القادسية «أذلة على المؤمنين» جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ~~ذلل أي أرقاء رحماء متذللين ومتواضعين لهم واستعماله بعلى إما لتضمين معنى ~~العطف والحنو أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين ~~خافضون لهم أجنحتهم أو لرعاية المقابلة بينه وبين ما في قوله تعالى «أعزة ~~على الكافرين» أي أشداء متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه كمنا في قوله عز ~~وعلا أشداء على الكفار رحماء بينهم وهما صفتان أخريان لقوم ترك بينها ~~العاطف ms0892 للدلالة على استقلالهم بالاتصاف بكل منهما وفيه دليل على صحة تأخير ~~الصفة الصريحة عن غير الصريحة من الجملة والظرف كما في قوله تعالى وهذا ~~كتاب أنزلناه مبارك وقوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وقوله تعالى ~~PageV03P051 # ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث وما ذهب إليه من لا يجوزه من أن قوله ~~تعالى يحبهم ويحبونه كلام معترض وأن مبارك خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف ~~وأن من ربهم ومن الرحمن حالان مقدمتان من ضمير محدث تكلف ولا يخفى وقرئ ~~أذلة أعزة بالنصب على الحالية من قوم لتخصصه بالصفة «يجاهدون في سبيل الله» ~~صفة أخرى لقوم مترتبة على ما قبلها مبنية مع ما بعدها لكيفية عزتهم أو حال ~~من الضمير في أعزة «ولا يخافون لومة لائم» عطف على يجاهدون بمعنى أنهم ~~جامعون بين المجاهدة في سبيل الله وبين التصلب في الدين وفيه تعريض ~~بالمنافقين فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءهم اليهود ~~فلا يكادون يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم وقيل هو حال من فاعل ~~يجاهدون بمعنى أنهم يجاهدون وحالهم خلاف حال المنافقين واعتراض عليه بأنهم ~~نصوا على أن المضارع المنفي بلا أو كالمثبت في عدم جواز مباشرة واو الحال ~~له واللومة المرة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغة لا تخفي «ذلك» ~~إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف الجليلة وما فيه من معنى البعد للإيذان بعد ~~منزلتها في الفضل «فضل الله» أي لطفه وإحسانه لا إنهم مستقلون في الاتصاف ~~بها «يؤتيه من يشاء» إيتاءه إياه ويوقفه لكسبه وتحصيله حسبما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة «والله واسع» كثير الفواضل والألطاف «عليم» مبالغ في العلم بجميع ~~الأشياء التي من جملتها من هو أهل للفضل والتوفيق والجملة اعتراض تذييلي ~~مقرر لما قبله وإظهار الاسم الجليل للإشعار بالعلة وتأكيد استقلال الجملة ~~الاعتراضية «إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا» لما نهاهم الله عز وجل ~~عن موالاة الكفرة وعلله بأن بعضهم أولياء بعض لا يتصور ولايتهم للمؤمنين ~~وبين أن من يتولاهم يكون ms0893 من جملتهم بين ههنا من هو وليهم بطريق قصر الولاية ~~عليه كأنه قيل لا تتخذوهم أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم ~~إنما أوليائكم الله ورسوله والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى ~~غيرهم وإنما أفرد الولي مع تعدده للإيذان بأن الولاية أصالة لله تعالى ~~وولايته عليه السلام وكذا ولاية المؤمنين بطريق التبعية لولايته عز وجل ~~«الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة» صفة للذين آمنوا لجريانه مجرى الاسم ~~أو بدل منه أو نصب على المدح أو رفع عليه «وهم راكعون» حال مع فاعل الفعلين ~~أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله ~~تعالى وقيل هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة والركوع ركوع الصلاة والمراد بيان ~~كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه وروي أنها نزلت في علي رضي الله عنه ~~حين سأله سائل وهو راكع فطرح غليه خاتمه كأنه كان مرجا في خنصر غير محتاج ~~في إخراجه إلى كثير عمل يؤدي إلى فساد الصلاة ولفظ الجمع حينئذ لترغيب ~~الناس في مثل فعله رضي الله عنه وفيه دلالة على أن صدقه التطوع تسمى زكاة ~~«ومن يتول PageV03P052 # الله ورسوله والذين آمنوا» أوثر الإظهار على أن يقال ومن يتولهم رعاية ~~لما مر من نكتة بيان أصالته تعالى في الولاية كما ينبئ عنه قوله تعالى «فإن ~~حزب الله هم الغالبون» حيث أضيف الحزب إليه تعالى خاصة وهو أيضا من باب وضع ~~الظاهر موضع الضمير العائد إلى من أي فإنهم الغالبون لكنهم جعلوا حزب الله ~~تعالى تعظيما لهم وإثباتا لغلبتهم بالطريق البرهاني كأنه قيل ومن يتولى ~~هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون «يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا» روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث ~~أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المؤمنين يوادونهما فنهوا عن ~~موالاتهما ورتب النهي على وصف يعمهما وغيرهما تعميما للحكم وتنبيها على ~~العلة وإيذانا بأن من هذا شأنه جدير بالمعاداة فكيف بالموالاة «من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم» بيان للمستهزئين والتعرض ms0894 لعنوان إيتاء الكتاب لبيان ~~كمال شناعتهم وغاية ضلالتهم لما أن إيتاء الكتاب وازع لهم عن الاستهزاء ~~بالدين المؤسس على الكتاب المصدق لكتابهم «والكفار» اي المشركين خصوا به ~~لتضاعف كفرهم وهو عطف على الموصول الأول ففيه إشعار بأنهم ليسوا بمستهزئين ~~كما ينبئ عنه تخصيص الخطاب بأهل الكتاب في قوله تعالى يا أهل الكتاب هل ~~تنقمون منا الآية وقرئ بالجر عطفا على الموصول الأخير ويعضده قراءة أبي ومن ~~الكفار وقراءة عبد الله ومن الذين أشركوا فهم أيضا من جملة المستهزئين ~~«أولياء» وجانبوهم كل المجانبة «واتقوا الله» في ذلك بترك موالاتهم أو بترك ~~المناهي على الإطلاق فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا «إن كنتم مؤمنين» ~~أي حقا فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة «وإذا ناديتم إلى الصلاة ~~اتخذوها» أي الصلاة أو المناداة ففيه دلالة على شرعية الأذان «هزوا ولعبا» ~~بيان لاستهزائهم بحكم خاص من أحكام الدين بعد بيان استهزائهم بالدين على ~~الإطلاق إظهارا لكمال شقاوتهم روي أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن ~~يقول أشهد أن محمدا رسول الله يقول أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة ~~بنار وأهله نيام فتطايرت منه شرارة في البيت فأحرقته وأهله جميعا «ذلك» اي ~~الاستهزاء المذكور «بأنهم» بسبب أنهم «قوم لا يعقلون» فإن السفه يؤدي إلى ~~الجهل بمحاسن الحق والهزؤبه ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترءوا على تلك ~~العظيمة «قل» أمر لرسول الله صد بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين عن ~~تولي المستهزئين بأن يخاطبهم ويبين أن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر ~~عنهم من الاستهزاء ويظهر PageV03P053 # لهم سبب ما ارتكبوه ويلقمهم الحجر أي قل لأولئك الفجرة «يا أهل الكتاب» ~~وصفوا بأهلية الكتاب تمهيدا بما سيأتي من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم ~~«هل تنقمون منا» من نقم منه كذا إذا عابه وأنكره وكرهه ينقمه من حد ضرب ~~وقرئ بفتح القاف من حد علم وهي أيضا لغة أي ما تعيبون وما تنكرون منا «إلا ~~أن آمنا بالله وما أنزل إلينا» من القرآن المجيد «وما أنزل ms0895 من قبل» أي من ~~قبل إنزاله من التوراة والإنجيل المنزلين عليكم وسائر الكتب الإلهية «وأن ~~أكثركم فاسقون» اي متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر فإن الكفر بالقرآن ~~مستلزم للكفر بما يصدقه لا محالة وهو عطف على أن آمنا على أنه مفعول له ~~لتنقمون والمفعول الذي هو الدين محذوف ثقة بدلالة ما قبله وما بعده عليه ~~دلالة واضحة فإن اتخاذ الدين هزوا ولعبا عين نقمه وإنكاره والإيمان بما فصل ~~عين الدين الذي نقموه خلا أنه أبرز في معرض علة نقمهم له تسجيلا عليهم ~~بكمال المكابرة والتعكيس حيث جعلوه موجبا لنقمه مع كونه في نفسه موجبا ~~لقبوله وارتضائه فالاستثناء من أعم العلل أي ما تنقمون منا ديننا لعلة من ~~العلل إلا لأن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل من كتبكم ولأن ~~أكثركم متمردون غير مؤمنين بواحد مما ذكر حتى لو كنتم مؤمنين بكتابكم ~~الناطق بصحة كتابنا لآمنتم به وإسناد الفسق إلى أكثرهم لأنهم الحاملون ~~لأعقابهم على التمرد والعناد وقيل عطف عليه على أنه مفعول لتنقمون منا لكن ~~لا على أن المستثنى مجموع المعطوفين بل هو ما يلزمهما من المخالفة كأنه قيل ~~ما تنقمون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإيمان وأنتم خارجون عنه وقيل على ~~حذف المضاد أي واعتقاد أن أكثركم فاسقون وقيل عطف على ما أي ما تنقمون منا ~~إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وبأنكم فاسقون وقيل عطف على علة محذوفة ~~أي لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون وقيل الواو بمعنى مع أي ما تنقمون منا ~~إلا الإيمان مع أن أكثركم الخ وقيل هو منصوب بفعل مقدر دل عليه المذكور أي ~~لا تنقمون أن أكثركم فاسقون وقيل هو مرفوع على الابتداء والخبر محذوف أي ~~وفسقكم معلوم أي ثابت والجملة حالية أو معترضة وقرئ بأن المكسورة المكسورة ~~والجملة مستأنفة مبينة لكون أكثرهم فاسقين متمردين «قل هل أنبئكم بشر من ~~ذلك» لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم ببيان أن مدار نقمهم ~~للدين إنما هو اشتماله على ما يوجب ارتضاءه ms0896 عندهم أيضا وكفرهم بما هو مسلم ~~لهم أمر عليه الصلاة والسلام عقيبه بأن يبكتهم ببيان أن الحقيق بالنقم ~~والعيب حقيقة ما هم عليه من الدين المحرف وينعى عليهم في ضمن البيان ~~جناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها على منهاج التعريض لئلا يحملهم ~~التصريح بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد ويخاطبهم قبل البيان بما ينبئ ~~عن عظم شأن المبين ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية ~~المشوقة إلى المخبر به والتنبئة المشعرة بكونه أمرا خطيرا لما أن النبأ هو ~~الخبر الذي له شأن وخطر وحيث كان مناط النقم شرية المنقوم حقيقة أو اعتقاد ~~وكان مجرد النقم غير مفيد PageV03P054 # لشريته البتة قيل بشر من ذلك ولم يقل بأنقم من ذلك تحقيقا لشرية ما سيذكر ~~وزيادة تقرير لها وقيل إنما قيل لذلك وقوعه في عبارة المخاطبين حيث أتى نفر ~~من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة ~~السلام أو من بالله وما أنزل إلينا إلى قوله ونحن له مسلمون فحين سمعوا ذكر ~~عيسى عليه السلام قالوا لا نعلم شرا من دينكم وإنما اعتبر الشرية بالنسبة ~~إلى الدين وهو منزه عن شائبة الشرية بالكلية مجاراة معهم على زعمهم الباطل ~~المنعقد على كمال شريته ليثبت أن دينهم شر من كل شر أي هل أخبركم بما هو شر ~~في الحقيقة مما تعتقدونه شرا وإن كان في نفسه خيرا محضا «مثوبة عند الله» ~~اي جزاء ثابتا في حكمه وقرئ مثوبة وهي لغة فيها كمشورة ومشورة وهي مختصة ~~بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر وإنما وضعت ههنا موضعها على طريقة قوله ~~تحية بينهم ضرب وجميع ونصبها على التمييز من بشر وقوله عز وجل «من لعنه ~~الله وغضب عليه» خبر لمبتدأ محذوف بتقدير مضاف قبله مناسب لما أشير إليه ~~بكلمة ذلك أي دين من لعنة الخ أو بتقدير مضاف قبلها مناسب لمن أي بشر من ~~أهل ذلك والجملة على التقديرين استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الجملة ~~الاستفهامية إما على حالها ms0897 وهو الظاهر المناسب لسياق النظم الكريم وإما ~~باعتبار التقدير فيها فكأنه قيل ما الذي هو شر من ذلك فقيل هو دين من لعنه ~~الله الخ أو قيل في السؤال من ذا الذي هو شر من أهل ذلك فقيل هو من لعنه ~~الله ووضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة وتهويل ~~أمر اللعن وما تبعه والموصول عبارة عن المخاطبين حيث أبعدهم الله تعالى من ~~رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات وسنوح ~~البينات «وجعل منهم القردة والخنازير» أي مسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت ~~وبعضهم خنازير وهم كفار مائدة عيسى عليه السلام وقيل كلا المسخين في أصحاب ~~السبت مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في ~~منهم باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين الأولين باعتبار لفظه وإيثار ~~وضعه موضع ضمير الخطاب المناسب لأنبئكم للقصد إلى إثبات الشرية بما عدد في ~~حين صلته من الأمور الهائلة الموجبة لها على الطريقة البرهانية مع ما فيه ~~من الاحتراز عن تهييج لجاجهم «وعبد الطاغوت» عطف على صلة من وإفراد الضمير ~~لما مر وكذا عبد الطاغوت على قراءة البناء للمفعول ورفع الطاغوت وكذا عبد ~~الطاغوت بمعنى صار معبودا فالراجع إلى الموصول محذوف على القراءتين أي عبد ~~فيهم أو بينهم وتقديم أوصافهم المذكورة بصدد إثبات شرية دينهم على وصفهم ~~هذا مع أنه الأصل المستتبع لها في الوجود وإن دلالته على شريته بالذات لأن ~~عبادة الطاغوت عين دينهم البين البطلان ودلالتها عليها بطريق الاستدلال ~~بشرية الآثار على شرية ما يوجبها من الاعتقاد والعمل إما للقصد إلى تبكيتهم ~~من أول الأمر بوصفهم بما لا سبيل لهم إلى الجحود لا بشريته وفظاعته ولا ~~باتصافهم به وإما للإيذان باستقلال كل من المقدم والمؤخر بالدلالة على ما ~~ذكر من الشرية ولو روعي ترتيب الوجود وقيل من عبد الطاغوت ولعنه الله وغضب ~~عليه الخ لربما فهم أن علة الشرية هو المجموع وقد قرىء عابد الطاغوت وكذا ~~عبد الطاغوت بالإضافة على أنه نعت كفطن ويقظ وكذا ms0898 عبده الطاغوت وكذا عبد ~~الطاغوت بالإضافة على أنه جمع عابد كخدم أو على أن أصله عبدة حذفت تاؤه ~~للإضافة بالنصب في الكل عطفا على PageV03P055 # االقردة والخنازير وقرئ عبد الطاغوت بالجر عطفا على من بناء على أنه ~~مجرور بتقدير المضاف وقد قيل إن من مجرور على أنه بدل من شر على أحد ~~الوجهين المذكورين في تقدير المضاف وأنت خبير بأن ذلك مع اقتضائه إخلاء ~~النظم الكريم عن المزايا المذكورة بالمرة مما لا سبيل إليه قطعا ضرورة أن ~~المقصود الأصلي ليس مضمون الجملة الاستفهامية بل هو كما مر مقدمة سيقت أمام ~~المقصود لهزؤ المخاطبين وتوجيه أذهانهم تنحو تلقي ما يلقى إليهم عقيبها ~~بجملة خبرية موافقة في الكيفية للسؤال الناشئ عنها وهو المقصود إفادته ~~وعليه يدور ذلك الإلزام والتبكيت حسبما شرح فإذا جعل الموصول بما في حيز ~~صلته من تتمة الجملة الاستفهامية فأين الذي يلقي إليهم عقيبها جوابا عما ~~نشأ منها من السؤال ليحصل به الإلزام والتبكيت وأما الجملة الآنية فبمعزل ~~من صلاحية الجواب كيف لا ولا بد من موافقته في الكيفية للسؤال الناشئ عن ~~الجملة الاستفهامية وقد عرفت أن السؤال الناشئ عنها يستدعي وقوع الشر من ~~تتمة المخبر عنه لا خبرا كما في الجملة المذكورة وسيتضح ذلك مزيد اتضاح ~~بإذن الله تعالى والمراد بالطاغوت العجل وقيل هو الكهنة وكل من أطاعوه في ~~معصية الله عز وجل فيعم الحكم دين النصارى أيضا ويتضح وجه تأخير ذكر عبادته ~~عن العقوبات المذكورة إذ لو قدمت عليها لتوهم اشتراك الفريقين في تلك ~~العقوبات ولما كان مآل ما ذكر بصدد التبكيت أن ما هو شر مما نقموه دينهم أو ~~أن من هو شر من أهل ما نقموه أنفسهم بحسب ما قدر من المضافين وكانت الشرية ~~على كلا الوجهين من تتمة الموضوع غير مقصودة الإثبات لدينهم أو لأنفسهم عقب ~~ذلك بإثباتها لهم على وجه يشعر بعلية ما ذكر من القبائح لثبوتها لهم بجملة ~~مستأنفة مسوقة من جهته سبحانه شهادة عليهم بكمال الشرارة والضلال أو داخله ~~تحت الأمر تأكيدا ms0899 للإلزام وتشديد للتبكيت فقيل «أولئك شر مكانا» فاسم ~~الإشارة عبارة عمن ذكرت صفاتهم الخبيثة وما فيه من معنى البعيد للإيذان ~~ببعد منزلتهم في الشرارة أي أولئك وقيل شر مكانا أي منصرفا «وأضل عن سواء ~~السبيل» عطف على شر مقرر له أي أكثر ضلالا عن الطريق المستقيم وفيه دلالة ~~على كون دينهم شرا محضا بعيدا عن الحق لأن ما يسلكونه من الطريق دينهم فإذا ~~كانوا أضل كان دينهم ضلالا بينا لا غاية وراءه وصيغة التفضيل في الموضعين ~~للزيادة مطلقا لا بالإضافة إلى من يشاركهم في أصل الشرارة والضلال «وإذا ~~جاؤوكم قالوا آمنا» نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويظهرون له الإيمان نفاقا فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والجمع للتعظيم أوله مع ما عنده من المسلمين أي إذا جاءوكم أظهروا ~~الإسلام «وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به» أي يخرجون من عندك ملتبسين ~~بالكفر كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك والجملتان حالان من فاعل قالوا ~~وبالكفر وبه حالان من فاعل دخلوا PageV03P056 # وخرجوا وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالات أفادت ~~أيضا بما فيها من معنى التوقع أن أمارات النفاق كانت لائحة وكان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يظنه ويتوقع أن يظهره الله تعالى ولذلك قيل «والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون» أي من الكفر وفيه وعيد شديد لهم وترى خطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب والرؤية بصرية كثيرا منهم من ~~اليهود والمنافقين وقوله تعالى «يسارعون في الإثم» حال من كثيرا وقيل مفعول ~~ثان والرؤية قلبية والأول أنسب بحالهم وظهور نفاقهم والمسارعة المبادرة ~~والمباشرة للشيء بسرعة وإيثار كلمة في على كلمة إلى الواقعة في قوله تعالى ~~وسارعوا إلى مغفرة الخ لما ذكر في قوله تعالى فترى الذين في قلوبهم مرض ~~يسارعون فيهم والمراد بالإثم الكذب على الإطلاق وقيل الحرام وقيل كلمة ~~الشرك وقولهم عزير ابن الله وقيل هو ما يختص بهم ms0900 من الآثام «والعدوان» أي ~~الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في المعاصي «وأكلهم السحت» أي ~~الحرام خصه بالذكر مع اندراجه في الإثم للمبالغة في التقبيح «لبئس ما كانوا ~~يعملون» أي لبئس شيئا كانوا يعملونه والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~للدلالة على الاستمرار «لولا ينهاهم الربانيون والأحبار» قال الحسن ~~الربانيون علماء الإنجيل والأحبار علماء التوراة وقيل كلهم في اليهود وهو ~~تحضيض للذين يقتدى بهم أفناؤهم ويعلمون قباحة ما هم فيه وسوء مغبته على نهي ~~أسافلهم عن ذلك مع توبيخ لهم على تركه «عن قولهم الإثم وأكلهم السحت» مع ~~علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما «لبئس ما كانوا يصنعون» وهذا أبلغ ~~مما قيل في حق عامتهم لما أن العمل لا يبلغ درجة الصنع ما لم يتدرب فيه ~~صاحبه ولم يحصل فيه مهارة تامة ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسنة أقبح من ~~مواقعه المعصية لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإنكار عليها ~~فكان جديرا بأبلغ ذم وفيه مما ينعى على العلماء توانيهم في النهي عن ~~المنكرات ما لا يخفى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما أشد آية في القرآن ~~وعن الضحاك ما في القرآن آية خوف عندي منها «وقالت اليهود» قال ابن عباس ~~وعكرمة والضحاك إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر ~~الناس PageV03P057 # مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله سبحانه بأن كفروا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكذبوه كف عنهم ما بسط عليهم فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء «يد ~~الله مغلولة» وحيث لم ينكر عليه الآخرون ورضوا به نسبت تلك العظيمة إلى ~~الكل كما يقال بنو فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل واحد منهم وأرادوا بذلك ~~لعنهم الله أنه تعالى ممسك يقتر بالرزق فإن كلا من غل اليد وبسطها مجاز عن ~~محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد وغل أو بسط ألا يرى أنهم ~~يستعملونه حيث لا يتصور فيه ذلك كما في قوله جاد الحمى بسط اليدين بوابل ms0901 * ~~شكرت نداه تلاعه ووهاده وقد سلك لبيد هذا المسلك السديد حيث قال وغداة ريح ~~قد شهدت وقره * غذ أصبحت بيد السمال زمامها فإنه إنما أراد بذلك إثبات ~~القدرة التامة للشمال على التصرف في القرة كيفما تشاء على طريقة المجاز من ~~غير أن يخطر بباله أن يثبت لها يدا ولا للقرة زماما واصله كناية فيمن يجوز ~~عليه إرادة المعنى الحقيقي كما مر في قوله تعالى ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة في سورة آل عمران وقيل أرادوا ما حكى عنهم بقوله تعالى لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء «غلت أيديهم» دعاء عليهم ~~بالبخل المذموم والمسكنة أو بالفقر والنكد أو بغل الأيدي حقيقة بأن يكونوا ~~أساري مغلولين في الدنيا ويسحبوا إلى النار بأغلالها في الآخرة فتكون ~~المطابقة حينئذ من حيث اللفظ وملاحظة المعنى الأصلي كما في سبني سب الله ~~دابره «ولعنوا» عطف على الدعاء الأول أي ابعدوا من رحمة الله تعالى «بما ~~قالوا» أي بسبب ما قالوا من الكلمة الشنعاء وقيل كلاهما خبر «بل يداه ~~مبسوطتان» عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما ~~يكون من الجود وإليه أشير بتثنية اليد فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء ~~أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم وقيل التثنية للتنبيه على منحه تعالى ~~لنعمتي الدنيا والآخرة وقيل على إعطائه إكراما وعلى إعطائه استدراجا «ينفق ~~كيف يشاء» جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده وللتنبيه على سر ما ابتلوا ~~به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على تلك ~~الكفرة العظيمة والمعنى والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه ~~تابع لمشيئته المبنية على الحكم التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد وقد ~~اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيق عليهم كما يشير إليه ما ~~سيأتي من قوله عز وجل ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل الآية وكيف ظرف ~~ليشاء والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير ينفق أي ms0902 ينفق كائنا على أي ~~حال يشاء أي كائنا على مشيئته أي مريدا وترك ذكر ما ينفقه لقصد التعميم ~~«وليزيدن كثيرا منهم» وهم علماؤهم ورؤساهم «ما أنزل إليك» من القرآن ~~المشتمل على هذه الآيات وتقديم المفعول للاعتناء به وتخصيص الكثير منهم ~~بهذا الحكم لما أن بعضهم ليس كذلك «من ربك» متعلق بأنزل كما أن إليك كذلك ~~وتأخيره عنه مع أن حق المبدأ أن يتقدم على المنتهي لاقتضاء المقام الاهتمام ~~ببيان المنتهي لأن مدار الزيادة هو النزول إليه عليه السلام كما في قوله ~~تعالى وأنزل لكم من السماء ماء والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره عليه السلام لتشريفه عليه السلام «طغيانا وكفرا» مفعول ثان للزيادة ~~أي ليزيدنهم طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم القديمين إما من حيث الشدة ~~والغلو وإما من حيث الكم والكثرة إذ كلما نزلت آية كفروا بها فيزداد ~~طغيانهم وكفرهم بحسب المقدار PageV03P058 # كما أن الطعام الصالح للأصحاء يزيد المرضى مرضا «وألقينا بينهم» أي بين ~~اليهود فإن بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة «العداوة ~~والبغضاء» فلا يكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم والجملة مبتدأ مسوقة ~~لإزاحة ما عسى يتوهم من ذكر طغيانهم وكفرهم من الاجتماع على أمر يؤدي إلى ~~الإضرار بالمسلمين قيل العداوة والبغضاء أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض ~~بلا عكس كلي «إلى يوم القيامة» متعلق بألقينا وقيل بالبغضاء «كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله» تصريح بما أشير إليه من عدم وصول غائلة ما هم فيه ~~إلى المسلمين أي كلما أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا ~~مباديها وركبوا في ذلك متن كل صعب وذلول ردهم الله تعالى وقهرهم أو كلما ~~أرادوا حرب أحد غلبوا فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله تعالى عليهم ~~بخت نصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم ~~المجوس ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين وللحرب إما صل لأوقدوا أو متعلق ~~بمحذوف وقع صفة لنار أي كائنة للحرب «ويسعون في الأرض فسادا» أي يجتهدون ms0903 في ~~الكيد للإسلام وأهله وإثارة الشر والفتنة فيما بينهم مما يغاير ما عبر عنه ~~بإيقاد نار الحرب وفسادا إما مفعول له أو في موقع المصدر أي يسعون للفساد ~~أو يسعون سعي فساد «والله لا يحب المفسدين» ولذلك أطفأ ثائرة إفسادهم ~~واللام إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا وإما للعهد ووضع المظهر مقام ~~الضمير للتعليل وبيان كونهم راسخين في الإفساد «ولو أن أهل الكتاب» أي ~~اليهود والنصارى على أن المراد بالكتاب الجنس المنتظم للتوراة والإنجيل ~~وإنما ذكروا بذلك العنوان تأكيدا للتشنيع فإن أهلية الكتاب توجب إيمانهم به ~~وإقامتهم له لا محالة فكفرهم به وعدم إقامتهم له وهم أهله أقبح من كل قبيح ~~وأشنع من كل شنيع فمفعول قوله تعالى «آمنوا» محذوف ثقة بظهوره مما سبق من ~~قوله تعالى هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما انزل من ~~قبل وأن أكثركم فاسقون وما لحق من قوله تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة الخ ~~أي ولو أنهم مع صدور ما صدر عنهم من فنون الجنايات قولا وفعلا آمنوا بما ~~نفي عنهم الإيمان به فيندرج فيه فرض إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأما إرادة إيمانهم به صلى الله عليه وسلم خاصة فيأباها المقام لأن ما ذكر ~~فيما سبق وما لحق من كفرهم به صلى الله عليه وسلم إنما ذكر مشفوعا بكفرهم ~~بكتابهم أيضا قصدا إلى الإلزام والتبكيت ببيان أن الكفر به صلى الله عليه ~~وسلم مستلزم الكفر بكتابهم فحمل الإيمان ههنا على الإيمان به صلى الله عليه ~~وسلم خاصة مخل بتجاوب أطراف النظم الكريم «واتقوا» ما عددنا من معاصيهم ~~التي من جملتها مخالفة كتابهم «لكفرنا عنهم سيئاتهم» التي اقترفوها وإن ~~كانت في غاية العظم ونهاية الكثرة ولم تؤاخذهم بها «ولأدخلناهم» مع ذلك ~~«جنات النعيم» وتكرير اللام لتأكيد الوعد وفيه تنبيه على كمال عظم ذنوبهم ~~وكثرة معاصيهم وأن الإسلام يجب ما قبله من السيئات وإن جلت وجاوزت كل حد ~~معهود «ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل» بمراعاة PageV03P059 # ما فيهما من ms0904 الأحكام التي من جملتها شواهد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومبشرات بعثته فإن إقامتهما إنما تكون بلك لا بمراعاة جميع ما فيهما من ~~الأحكام لانتساخ بعضها بنزول القرآن فليست مراعاة الكل من إقامتهما في شيء ~~«وما أنزل إليهم من ربهم» من القرآن المجيد المصدق لكتبهم وإيراده بهذا ~~العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله إليهم وللتصريح ببطلان ما كانوا ~~يدعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل وتقديم إليهم لما مر من قبل وفي إضافة ~~الرب إلى ضميرهم مزيد لطف بهم في الدعوة إلى الإقامة وقيل المراد بما أنزل ~~إليهم كتب أنبياء بني إسرائيل مثل كتاب شعياء وكتاب حيقوق وكتاب دانيال ~~فإنها مملوءة بالبشارة بمبعثه صلى الله عليه وسلم «لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم» أي لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات السماء والأرض أو بأن ~~يكثر ثمرات الأشجار وغلال الزروع أو بأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ~~فيجتنوا ما تهدل منها من رؤوس الأشجار ويلتقطوا ما تساقط منها على الأرض ~~وقيل المراد المبالغة في شرح السعة والخصب لا تعيين الجهتين كأنه قيل ~~لأكلوا من كل جهة ومفعول أكلوا محذوف لقصد التعميم أو للقصد إلى نفس الفعل ~~كما في قوله فلان يعطي ويمنع ومن في الموضعين لابتداء الغاية في هاتين ~~الشرطيتين من حثهم على ما ذكر من الإيمان والتقوى والإقامة بالوعد بنيل ~~سعادة الدارين وزجرهم عن الإخلال بما ذكر ببيان إفضائه إلى الحرمان عنها ~~وتنبيههم على أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا ~~لقصور في فيض الفياض ما لا يخفى «منهم أمة مقتصدة» جملة مستأنفة مبنية على ~~سؤال نشأ من مضمون الجملتين المصدرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء ~~الإيمان والاتقاء وإقامة الكتب المنزلة من أهل الكتاب كأنه قيل هل كلهم ~~كذلك مصرون على عدم الإيمان الخ فقيل منهم أمة مقتصدة إما على أن منهم ~~مبتدأ باعتبار مضمونه أي بعضهم أمة وإما بتقدير الموصوف أي بعض كائن منهم ~~كما مر في قوله تعالى ومن الناس من يقول ms0905 آمنا بالله الآية أي طائفة معتدلة ~~وهم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه وثمانية وأربعون من النصارى ~~وقيل طائفة حالهم أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم «وكثير منهم» ~~مبتدأ لتخصصه بالصفة خبره «ساء ما يعملون» أي مقول في حقهم هذا القول أي ~~بئسما يعملون وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم من العناد والمكابرة ~~وتحريف الحق والإعراض عنه والإفراط في العداوة وهم الأجلاف المتعصبون ككعب ~~من الأشرف وأشباهه والروم «يا أيها الرسول» نودي صلى الله عليه وسلم بعنوان ~~الرسالة تشريفا له وإيذانا بأنها موجبات الإتيان بما أمر به من تبليغ ما ~~أوحي إليه «بلغ ما أنزل إليك» أي جميع ما انزل إليك من الأحكام وما يتعلق ~~بها كائنا ما كان وفي قوله تعالى «من ربك» أي مالك أمورك ومبلغك إلى كمالك ~~اللائق بك عدة ضمنية بحفظه صلى الله عليه وسلم وكلاءته أي بلغه غير مراقب ~~في ذلك أحد ولا خائف أن ينالك مكروه أبدا «وإن لم تفعل» ما أمرت به من ~~تبليغ الجميع بالمعنى المذكور كما ينبئ عنه قوله تعالى «فما بلغت رسالته» ~~فإن ما لا تتعلق به الأحكام PageV03P060 # المائدة آية 68 أصلا من الأسرار الخفية ليست مما يقصد تبليغه إلى الناس ~~أي فما بلغت شيئا من رسالته وانسلخت مما شرفت به من عنوان الرسالة بالمرة ~~لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت ~~أداءها جميعا كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لإدلاء كل ~~منها بما يدليه غيرها وكونها لذلك في حكم شيء واحد ولا ريب في أن الواحد لا ~~يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به ولأن كتمان بعضها إضاعة لما أدى ~~منها كترك بعض أركان الصلاة فإن غرض الدعوة ينتقض بذلك وقيل فكأنك ما بلغت ~~شيئا منها كقوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا من حيث أن كتمان البعض والكل ~~سواء في الشناعة واستجلاب العقاب وقرئ فما بلغت رسالاتي وعن ابن عباس ms0906 رشي ~~الله عنهما إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعا فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي ~~عذبتك وضمن لي العصمة فقويت وذلك قوله تعالى «والله يعصمك من الناس» فإنه ~~كما ترى عدة كريمة بعصمته من لحوق ضررهم بروحه العزيز باعثة له صلى الله ~~عليه وسلم على الجد في تحقيق ما أمر به من التبليغ غير مكترث بعداوتهم ~~وكيدهم وعن أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يحرس حتى نزلت ~~فأخرج رأسه من قبة أدم فقال انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ~~وقوله تعالى «إن الله لا يهدي القوم الكافرين» تعليل لعصمته تعالى له صلى ~~الله عليه وسلم أي لا يمكنهم مما يريدون بك من الأضرار وإيراد الآية ~~الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء ~~الكفار سماعها ويشق على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها وخصوصا ما ~~يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالتهم ولذلك أعيد الأمر فقيل «قل يا ~~أهل الكتاب» مخاطبا للفريقين «لستم على شيء» أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى ~~شيئا لظهور بطلانه ووضوح فساده وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا ~~غاية وراءه «حتى تقيموا التوراة والإنجيل» اي تراعوهما وتحافظوا على ما ~~فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وشواهد نبوته فإن إقامتهما إنما تكون بذلك وأما مراعاة أحكامهما المنسوخة ~~فليست من إقامتهما في شيء بل هي تعطيل لهما ورد لشهادتهما لأنهما شاهدان ~~بنسخها وانتهاء وقت العمل بها لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادة بنسخها ~~وخروجها عن كونها من أحكامهما وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشر فيهما ~~ببعثته وذكر في تضاعيفهما نعوته فإذن إقامتهما بيان شواهد النبوة والعمل ~~بما قررته الشريعة من الأحكام كما يفصح عنه قوله تعالى «وما أنزل إليكم من ~~ربكم» اي القرآن المجيد بالإيمان به فإن إقامة ms0907 الجميع لا تتأتى بغير ذلك ~~وتقديم إقامة الكتابين على إقامته مع أنها المقصودة بالذات لرعاية حق ~~الشهادة واستنزالهم عن رتبة الشقاق وإيراده بعنوان الإنزال إليهم لما مر من ~~التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به كما لا يزعمون من اختصاصه ~~بالعرب وفي إضافة الرب إلى ضميرهم ما أشير إليه من اللطف في الدعوة وقيل ~~المراد بما PageV03P061 # أنزل إليهم كتب أنبياء بني إسرائيل كما مر وقيل الكتب الإلهية فإنها ~~بأسرها آمرة بالإيمان لمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن جماعة من اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ألست تقرأ أن التوراة حق من عند الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم ~~بلى فقالوا فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها فنزلت وقوله تعالى «وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا» جملة مستأنفة مبينة لشدة ~~شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعا وتصديرها ~~بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيق مدلولها والمراد بالكثير المذكور علماؤهم ~~ورؤساؤهم ونسبة الإنزال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسبته فيما مر ~~إليهم للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة «فلا تأس على القوم الكافرين» أي ~~لا تتأسف ولا تحزن عليهم لإفراطهم في الطغيان والكفر بما تبلغه إليهم فإن ~~غائلته آيلة إليهم وتبعته حائقة بهم لا تتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك ~~عنهم ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر «إن الذين ~~آمنوا» كلام مستأنف مسوق لترغيب من عدا المذكورين في الإيمان والعمل الصالح ~~أي الذين آمنوا بألسنتهم فقد وهم المنافقون وقيل أعم من أن يواطئها قلوبهم ~~أولا «والذين هادوا» أي دخلوا في اليهودية «والصابئون والنصارى» جمع نصران ~~وقد مر تفصيله في سورة البقرة وقوله تعالى الصابئون رفع على الابتداء وخبره ~~محذوف والنية به التأخر عما في حيز إن والتقدير إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك كقوله فإني وقيار بها لغريب ~~وقوله وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في ms0908 شقاق خلا أنه وسط بين اسم ~~إن وخبرها دلالة على أن الصابئين مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها ~~حيث قبلت توبتهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك وقيل ~~الجملة الآتية خبر للمبتدأ المذكور وخبر إن مقدر كما في قوله نحن بما عندنا ~~وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقيل النصارى مرفوع على الابتداء وقوله ~~تعالى والصابئون عطفا عليه وهو مع خبره عطف على الجملة المصدرة بأن ولا ~~مساغ لعطفه وحده على محل إن واسمها لاشتراط ذلك بالفراغ عن الخبر وإلا ~~لارتفع الخبر بأن والابتداء معا واعتذر عنه بأن ذلك إذا كان المذكور خبرا ~~لهما وأما إذا كان خبر المعطوف محذوفا فلا محذور فيه ولا على الضمير في ~~هادوا لعدم التأكيد والفصل ولاستلزامه كون الصابئين هودا وقرئ والصابيون ~~بيان صريحة وبتخفيف الهمزة وقرئ والصابون وهو من صبا يصبوا لأنهم صبوا إلى ~~اتباع الهوى والشهوات في دينهم وقرئ والصابئين وقرئ يا أيها الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئون وقوله تعالى «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا» إما في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ~~والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى ~~الموصول كما أن إفراد ما في صلته باعتبار لفظه والجملة PageV03P062 # خبر إن والعائد إلى اسمها محذوف أي من آمن منهم وإما في محل النصب على ~~أنه بدل من اسم إن وما عطف عليه والخبر قوله تعالى فلا خوف والفاء كما في ~~قوله عز وعلا إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم الآية فالمعنى على تقدير كون المراد بالذين آمنوا المنافقين وهو ~~الأظهر من أحدث من هذه الطوائف إيمانا خالصا بالمبدأ والمعاد على الوجه ~~اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإن ذلك بمعزل من أن يكون إيمانا بهما وعمل ~~عملا صالحا حسبما يقتضيه الإيمان بهما فلا خوف عليهم حين يخاف الكفار ~~العقاب ولا هم يحزنون حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب ~~والمراد بيان ms0909 دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر ~~في الجملة الثانية مضارعا لما مر مرارا لأن النفي وإن دخل على نفس المضارع ~~يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام وأما على تقدير كون المراد بالذين ~~آمنوا مطلق المتدينين بدين الإسلام المخلصين منهم والمنافقين فالمراد بمن ~~آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ~~بطريق الثبات والدوام عليه كما هو شأن المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه ~~كما هو حال من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف وفائدة التعميم للمخلصين ~~المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير ~~مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام وأما ما قيل المعنى من كان منهم ~~في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه فمما ~~لا سبيل إليه أصلا كما مر تفصيله في سورة البقرة «لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل» كلام مبتدأ مسوق لبيان بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد ~~الإيمان منهم أي بالله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام ~~المكتوبة عليهم في التوراة «وأرسلنا إليهم رسلا» ذوي عدد كثير وأولي شأن ~~خطير ليقررهم على مرعاة حقوق الميثاق ويطلعوهم على ما يأتون ويذرون في ~~دينهم ويتعهدوهم بالعظة والذكير وقوله تعالى «كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم» جملة شرطية مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الأخبار بأخذ ~~الميثاق وإرسال الرسل وجواب الشرط محذوف كأنه قيل فماذا فعلوا بالرسل فقيل ~~كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغنى ~~والفساد من الأحكام الحقة والشرائع عصوه وعادوه وقوله تعالى «فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون» جواب مستأنف عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة ~~المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال كأنه قيل كيف فعلوا بهم فقيل فريقا ~~منهم كذبوهم من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخر من المضار وفريقا آخر منهم لم ~~يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم أيضا وإنما أوثر عليه صيغة المضارع على حكاية ~~الحال الماضية لاستحضار صورتها الهائلة للتعجيب منها وللتنبيه ms0910 على أن ذلك ~~ديدنهم المستمر وللمحافظة على رؤوس الآي الكريمة وتقديم فريقا في الموضعين ~~للاهتمام به وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر هذا وأما PageV03P063 # جعل الشرطية صفة لرسلا كما ذهب إليه الجمهور فلا يساعده المقام أصلا ~~ضرورة أن الجملة الخبرية إذا جعلت صفة أو صلة ينسخ ما فيها من الحكم وتجعل ~~عنوانا للموصوف تتمة له في إثبات أمر آخر له ولذلك يجب أن يكون الوصف معلوم ~~الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله وصفا له ومن ههنا قالوا إن ~~الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف ولا ريب في أن ما ~~سيق له النظم إنما هو بيان أنهم جعلوا كل من جاءهم من رسل الله تعالى عرضة ~~للقتل أو التكذيب حسبما يفيده جعلها استئنافا على أبلغ وجه وآكله لا بيان ~~أنه تعالى أرسل إليهم رسلا موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلها ~~صفة «وحسبوا ألا تكون فتنة» أي حسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم من الله تعالى ~~بما أتوا من الداهية الدهياء والخطة الشنعاء بلاء وعذاب وقرئ لا تكون ~~بالرفع على أن أن هي المخففة من أن واسمها ضمير الشأن المحذوف وأصله أنه لا ~~تكون فتنة وتعليق فعل الحسبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال ~~قوته وأن بما في حيزها ساد مسد مفعوليه «فعموا» عطف على حسبوا والفاء ~~للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا ~~في فنون الغي والفساد وعموا عن الدين بعد ما هداهم الرسل إلى معالمه ~~الظاهرة ويبنوا لهم مناهجه الواضحة «وصموا» عن استماع الحق الذي ألقوه ~~عليهم ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد ~~بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعياء وقيل ~~حبسوا أرمياء عليهما السلام لا إلى عبادتهم العجل كما قيل فإنها وإن كانت ~~معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى عليه السلام ولا ~~تعلق لها بما حكي ms0911 عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءهم بعده عليه السلام ~~بأعصار «ثم تاب الله عليهم» حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ~~ما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بخت نصر أسارى في غاية الذل والمهانة ~~فوجه الله عز وجل ملكا عظيما من ملوك فارس إلى بيت المقدس ليعمره ونجى ~~بقايا بني إسرائيل من أسر بخت نصر بعد مهلكة وردهم إلى وطنهم وتراجع من ~~تفرق منهم في الأكتاف فعمروه ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه ~~وقيل لما ورث بهمن ابن اسفنديار الملك من جده كستاسف ألقى الله عز وجل في ~~قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام وملك عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا ~~على من كان فيها من أتباع بخت نصر فقامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما ~~كانوا عليه من الحال وذلك قوله تعالى ثم رددنا لكم الكره عليهم وأما ما قيل ~~من أن المراد قبول توبتهم عن عبادة العجل فقد عرفت أن ذلك لا تعلق له ~~بالمقام ولم يسند التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى والصمم ~~تجافيا عن التصريح بنسبة الخير إليهم وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته ~~تعالى عليهم تمهيدا لبيان نقضهم إياها بقوله تعالى «ثم عموا وصموا» وهو ~~إشارة إلى المرة الآخرة من مرتي إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى ~~وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام لا إلى طلبهم الرؤية كما قيل لما عرفت سره ~~فإن فنون PageV03P064 # الجنايات الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى خلا أن انحصار ما حكي عنهم ههنا في ~~المرتين وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام يقضي بأن المراد ما ~~ذكرناه والله عنده علم الكتاب وقرئ عموا وصموا بالضم على تقدير عماهم الله ~~وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم كما يقال نزكته إذا ضربته بالنيزك ~~وركبته إذا ضربته بركبتك وقوله تعالى «كثير منهم» بدل من الضمير في الفعلين ~~وقيل خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم «والله بصير بما يعملون» اي بما ~~عملوا وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ms0912 استحضارا لصورتها الفظيعة ورعاية ~~للفواصل والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور ووقوع العذاب من ~~حيث لم يحتسبوا إشارة إجمالية اكتفى بها تعويلا على ما فصل نوع تفصيل في ~~سورة بني إسرائيل والمعنى حسبوا أن لا يصيبهم عذاب ففعلوا ما فعلوا من ~~الجنايات العظيمة المستوجبة لأشد العقوبات والله بصير بتفاصيلها فكيف لا ~~يؤاخذهم بها ومن اين لهم ذلك الحسبان الباطل ولقد وقع ذلك في المرة الأولى ~~حيث سلط الله تعالى بخت نصر عامل لهراسب على بابل وقيل جالوت الجزري وقيل ~~سنجاريب من أهل نينوى والأول هو الأظهر فاستولى على بيت المقدس فقتل من ~~أهله أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرضه فبقوا هناك على ~~أقصى ما يكون من الذل والنكد إلى أن أحدثوا توبة صحيحة فردهم الله عز وجل ~~إلى ما حكي عنهم من حسن الحال ثم عادوا إلى المرة الآخرة من الإفساد فبعث ~~الله تعالى عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه خيدرود وقيل ~~خيدروس ففعل بهم ما فعل قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما ~~يغلي فسألهم فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما صدقوني فقتل عليه ألوفا ~~منهم ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا فقالوا إنه دم يحيى عليه ~~السلام فقال بمثل هذا ينتقم الله تعالى منكم ثم قال يحيى قد علم ربي وربك ~~ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ باذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحدا منهم فهدأ ~~«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم» شروع في تفصيل قبائح ~~النصارى وإبطال أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود وهؤلاء هم الذين ~~قالوا إن مريم ولدت إلها قيل هم الملكانية والمار يعقوبية منهم وقيل هم ~~اليعقوبية خاصة قالوا ومعنى هذا أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذاته ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا «وقال المسيح» حال من فاعل قالوا بتقدير قد مفيده ~~لمزيد تقبيح حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عما اصروا ms0913 عليه بما ~~أوعدهم به أي قالوا ذلك وقد قال المسيح مخاطبا لهم «يا بني إسرائيل اعبدوا ~~الله ربي وربكم» فإني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم «أنه» اي ~~الشأن «من يشرك بالله» اي شيئا في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية ~~«فقد حرم الله عليه الجنة» فلن يدخلها أبدا كما لا يصل المحرم عليه إلى ~~PageV03P065 # المحرم فإنها دار الموحدين وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل ~~الأمر وتربية المهابة «ومأواه النار» فإنها هي المعدة للمشركين وهذا بيان ~~لابتلائهم بالعقاب غثر بيان حرمانهم الثواب «وما للظالمين من أنصار» اي ~~مالهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار إما بطريق المغالبة أو بطريق ~~الشفاعة والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين واللام إما للعهد والجمع ~~باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها وإما ~~للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا ووضعه على الأول موضع الضمير للتسجيل ~~عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق والجملة تذييل مقرر لما ~~قبله وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام وإما وارد من جهته تعالى ~~لمقالته عليه السلام وتقريرا لمضمونها وقد قيل إنه من كلامه عز وجل على ~~معنى أنهم ظلموا وعجلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى عليه السلام ~~فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ورده أنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ~~ورافعين من مقداره أو من قول عيسى عليه السلام على معنى لا ينصركم أحد فيما ~~تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول وأنت خبير بأن التعبير ~~عما حكي عنه عليه السلام من مقابلته لقولهم الباطل بصريح الرد والإنكار ~~والوعيد بحرمان الجنة ودخول النار بمجرد عدم مساعدته على ذلك ونفى نصرته له ~~مع خلوه عن الفائدة تصوير للقوي ل = بصورة الضعيف وتهوين للخطب من مقام ~~تهويله بل ربما يوهم ذلك بحسب الظاهر ما لا يليق بشأنه عليه السلام من توهم ~~المساعدة والنصرة لا سيما مع ملاحظة قوله وإن كانوا معظمين له الخ إلا أن ~~يحمل الكلام على التهكم بهم ms0914 كذا وكذا الحال على تقدير كونه من تمام كلامه ~~عليه السلام فإن زجره عليه السلام إياهم عن قولهم الفاسد بما ذكره من عدم ~~الناصر والمساعد بعد زجره إياهم بما مر من الرد الأكيد والوعيد الشديد ~~بمعزل من الإفادة والتأثير ولا سبيل ههنا إلا الاعتذار بالتهكم «لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة» شروع في بيان كفر طائفة أخرة منهم ومعنى ~~قوله ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا لا الثالث ~~والرابع خاصة ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع ~~أربعة وغنما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة كما في قولك عشر تسعة وتاسع ~~ثمانية قيل إنهم يقولون إن الإلهية مشتركة بين الله سبحانه وتعالى وعيسى ~~ومريم وكل واحد من هؤلاء إله ويؤكده قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فقوله تعالى ثالث ثلاثة أي أحد ثلاثة آلهة ~~وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى «وما من إله إلا إله واحد» أي والحال أنه ~~ليس في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا ~~إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة ومن مزيدة للاستغراق وقيل إنهم ~~يقولون الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم روح ~~القدس وإنهم يريدون بالأول الذات وقيل PageV03P066 # الوجود وبالثاني العلم وبالثالث الحياة فمعنى قوله تعالى وما من إله إلا ~~إله واحد إلا إله واحد بالذات منزه عن شائبة التعدد بوجه من الوجوه «وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون» من الكفر الشنيع ولم يوحدوا وقوله تعالى «ليمسن الذين ~~كفروا» جواب قسم محذوف ساد مسد جواب الشرط أي وبالله إن لم ينتهوا ليمسنهم ~~وإنما وضع موضع ضميرهم الموصول لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن في قوله ~~تعالى «منهم» بيانية أو ليمسن الذين بقوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر ~~فمن تبعيضية وإنما جئ بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيها على أن الاستمرار ~~عليه بعد ورود ما ينحى عليه بالقلع من ms0915 نص عيسى عليه السلام وغيره وكفر جديد ~~وغلو زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر «عذاب أليم» أي نوع شديد الألم ~~من العذاب وهمزة الاستفهام في قوله تعالى «أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه» لإنكار الواقع واستبعاده لا لإنكار الوقوع وفيه تعجيب من ~~إصرارهم والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا ينتهون عن تلك العقائد ~~الزائغة والأقاويل الباطلة فلا يتوبون إلى الله تعالى ويستغفرونه بالتوحيد ~~والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول فمدار الإنكار والتعجيب عدم ~~الانتهاء وعدم التوبة معا أو أيسمعون هذه الشهادات المكررة والتشديدات ~~المقررة فلا يتوبون عقيب ذلك فمدارهما عدم التوبة عقيب تحقق ما يوجبها من ~~سماع تلك لقوراع الهائلة وقوله عز وجل «والله غفور رحيم» جملة حالية من ~~فاعل يستغفرونه مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم ~~إلى الاستغفار أي والحال أنه تعالى مبالغ في المغفرة فيغفر لهم عند ~~استغفارهم ويمنحهم من فضله «ما المسيح ابن مريم إلا رسول» استئناف مسوق ~~لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه وبيان حقيقة حاله عليه السلام وحال أمه ~~بالإشارة أولا إلى أشرف ما لهما من نعوت الكمال التي بها صارا من زمرة أكمل ~~أفراد الجنس وآخرا إلى الوصف المشترك بينهما وبين جميع أفراد البشر بل ~~أفراد الحيوان استنزالهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار على ما تقولوا ~~عليهما وإرشادا لهم إلى التوبة والاستغفار أي هو مقصور على الرسالة لا يكاد ~~يتخطاها وقوله تعالى «قد خلت من قبله الرسل» صفة لرسول منبئة عن اتصافه بما ~~ينافي الألوهية فإن خلو الرسل السالفة عليهم السلام منذر بخلوه المقتضي ~~لاستحالة ألوهيته أي ما هو إلا رسول كالرسل الخالية من قبله خصه الله تعالى ~~ببعض من الآيات كما خص كلا منهم ببعض آخر منها فإن أحيى الموتى على يده فقد ~~أحيى العصا في يد موسى عليه السلام وجعلت حية تسعى وهو أعجب منه وإن خلق من ~~غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم وهو أغرب منه وكل ذلك من جنابه ms0916 عز وجل ~~وإنما موسى وعيسى مظاهر لشئونه وافعاله «وأمه صديقة» اي وما أمه أيضا كسائر ~~النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به فما رتبتهما ~~PageV03P067 # إلا رتبة بشرين أحدهما نبي والآخر صحابي فمن اين لكم أن تصفوهما بما لا ~~يوصف به سائر الأنبياء وخواصم «كانا يأكلان الطعام» استئناف مبين لما أشير ~~إليه من كونهما كسائر أفراد البشر في الاحتياج إلى ما يحتاج إليه كل فرد من ~~أفراده بل من أفراد الحيوان وقوله تعالى «انظر كيف نبين لهم الآيات» تعجيب ~~من حال الذين يدعون لهما الربوبية ولا يرعوون عن ذلك بعد ما بين لهم حقيقة ~~حالهما بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب وكيف معمول لنبين والجملة في حين ~~النصب معلقة لا نظر أي انظر كيف نبين لهم الآيات الباهر المنادية ببطلان ما ~~تقولوا عليهما نداء يكاد يسمعه صم الجبال «ثم انظر أنى يؤفكون» اي كيف ~~يصرفون عن استماعها والتأمل فيها والكلام فيه كما فيما قبله وتكرير الأمر ~~بالنظر للمبالغة في التعجيب وثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت أي أن ~~بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغ لأقاصي الغايات القاصية من التحقيق ~~والإيضاح وإعراضهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة وتعاضد ما يوجب قبولها ~~أعجب وأبدع قل أمر له عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم إثر تعجيبه من ~~أحوالهم «أتعبدون من دون الله» أي متجاوزين إياه وتقديمه على قوله تعالى ~~«ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا» لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر والموصول عبارة عن عيسى عليه السلام وإيثاره على كلمة من لتحقيق ~~ما هو المراد من كونه بمعزل من الألوهية رأسا ببيان انتظامه عليه السلام في ~~سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا وهو عليه السلام وإن كان يملك ~~ذلك بتمليكه تعالى إياه لكنه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر به الله ~~تعالى من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحة وتقديم الضرر على النفع ~~لأن التحرز عنه أهم من ms0917 تحري النفع ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر ثم جلب ~~الحير وقوله تعالى «والله هو السميع العليم» حال من فاعل أتعبدون مؤكد ~~للإنكار والتوبيخ ومقرر للإلزام والتبكيت والرابط هو الواو أي تشركون بالله ~~تعالى ما لا يقدر على شيء من ضركم ونفعكم والحال أن الله تعالى هو المختص ~~بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه ~~من الأقوال الباطلة والعقائد الزائغة والأعمال السيئة وبالقدرة الباهرة على ~~جميع المقدورات التي من جملتها مضاركم ومنافعكم في الدنيا والآخرة «قل يا ~~أهل الكتاب» تلوين الخطاب وتوجيه له إلى فريقي أهل الكتاب بطريق الالتفات ~~على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بعد إبطال مسلك كل منهما للمبالغة في ~~زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل وإرشادهم إلى الأمم المنئاة «لا تغلوا في ~~دينكم» أي لا تتجاوزا الحد وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة ~~إلى ما تقولوا في حقه من العظيمة ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته ~~العلية إلى ما تقولوا عليه من الكلمة الشنعاء وقيل هو خاص بالنصارى كما في ~~سورة النساء فذكرهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن PageV03P068 # الإنجيل أيضا ينهاهم عن الغلو وقوله تعالى «غير الحق» نصب على أنه نعت ~~لمصدر محذوف أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق أي غلوا باطلا أو حال من ~~ضمير الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم ~~حال كونه باطلا وقيل نصب على الاستثناء المتصل وقيل على المنقطع «ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل» هم أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا من ~~الفريقين أو من النصارى على القولين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~شريعتهم «وأضلوا كثيرا» اي قوما كثيرا ممن شايعهم في الزيغ والضلال أو ~~إضلالا كثيرا والمفعول محذوف «وضلوا» عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتوضيح محجة الحق وتبين مناهج الإسلام «عن سواء السبيل» حين كذبوه وحسدوه ~~وبغوا عليه وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى ms0918 العقل والثاني إلى ضلالهم ~~عما جاء به الشرع «لعن الذين كفروا» أي لعنهم الله عز وجل وبناء الفعل ~~للمفعول للجري على سنن الكبرياء «من بني إسرائيل» متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~الموصول أو من فاعل كفروا وقوله تعالى «على لسان داود وعيسى ابن مريم» ~~متعلق بلعن أي لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما وقيل إن ~~أهل أيلة لما اعتدوا في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال اللهم ~~العنهم واجعلهم آية فمسخهم الله قردة وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى ~~عليه السلام اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من ~~العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف ~~رجل ما فيهم امرأة ولا صبي «ذلك» إشارة إلى اللعن المذكور وإيثاره على ~~الضمير للتنبيه على كمال ظهوره وامتيازه عن نظائره وانتظامه بسببه في سلك ~~الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في ~~الشناعة والهول وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «بما عصوا وكانوا يعتدون» ~~والجملة مستأنفة واقعة موقع الجواب عما نشأ من الكلام كأنه قيل بأي سبب وقع ~~ذلك فقيل ذلك اللعن الهائل الفظيع بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر كما ~~يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل وينبىء عنه قوله تعالى «كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه» فإنه استئناف مفيد بعبارته لاستمرار عدم التناهي عن ~~المنكر ولا يمكن استمراره إلا باستمرار تعاطي المنكرات وليس المراد ~~بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يفعله من المنكر كما هو المعنى ~~المشهور لصيغة التفاعل بل مجرد صدور النهي عن اشخاص متعددة من غير اعتبار ~~أن يكون كل واحد منهم ناهيا ومنهيا معا كما في تراءوا الهلال وقيل التناهي ~~بمعنى الانتهاء يقال تناهي عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه ~~فالجملة حينئذ مفسرة لما قبلها من المعصية والاعتداء ومفيدة لاستمرارهما ~~صريحا وعلى الأول مفيدة لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر بأن لا يوجد فيما ~~بينهم من يتولاه في وقت من الأوقات ومن ms0919 ضرورته استمرار فعل المنكر حسبما ~~سبق وعلى كل تقدير فما يفيده تنكير المنكر من الوحدة PageV03P069 # نوعية لا شخصية فلا يقدح وصفه بالفعل الماضي في تعلق النهي به لما أن ~~متعلق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما يتعلق به النهي والانتهاء من مطلق ~~المنكر باعتبار تحققه في ضمن أي فرد كان من أفراده على أن المضي المعتبر في ~~الصفة إنما هو بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزم كون ~~النهي بعد الفعل فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المثل أو جعل الفعل عبارة ~~عن الإرادة على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلا بد من ~~المصير إلى أحد ما ذكر من الوجهين أو إلى تقدير المثل أو إلى جعل الفعل ~~عبارة عن إرادته وفي كل ذلك تعسف لا يخفى «لبئس ما كانوا يفعلون» تقبيح ~~لسوء أعمالهم وتعجيب منه بالتوكيد القسمي كيف لا وقد أداهم إلى ما شرح من ~~اللعن الكبير وليس في تسببه بذلك دلالة على خروج كفرهم عن السببية مع ~~الإشارة إلى سببيته له فيما سبق من قوله تعالى لعن الذين كفروا فإن إجراء ~~الحكم على الموصول مشعر بعلية ما في حين الصلة له لما أن ما ذكر في حين ~~السببية مشتمل على كفرهم أيضا «ترى كثيرا منهم» أي من أهل الكتاب ككعب بن ~~الأشرف وأضرابه حيث خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النبي صلى الله ~~عليه وسلم والرؤية بصرية وقوله تعالى «يتولون الذين كفروا» حال من كثيرا ~~لكونه موصوفا أي يوالون المشركين بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين وقيل من منافقي أهل الكتاب يتولون اليهود وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما ومجاهد والحسن وقيل يوالون المشركين ويصافونهم «لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم» لبئس شيئا قدموا ليردوا عليه يوم القيامة «أن سخط الله عليهم» ~~هو المخصوص بالذم على حذف المضاد وإقامة المضاف إليه مقامه تنبيها على كمال ~~التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد ومبالغة في الذم أي موجب سخطه ~~تعالى ومحله ms0920 الرفع على الابتداء والجملة قبله خبره والرابط عند من يشترطه ~~هو العموم أو لا حاجة إليه لأن الجملة عين المبتدأ أو على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف ينبئ عنه الجملة المتقدمة كأنه قيل ما هو أو أي شيء هو فقيل هو أن ~~سخط الله عليهم وقيل المخصوص بالذم محذوف وما اسم تام معرفة في محل رفع ~~الفاعلية لفعل الذم وقدمت لهم أنفسهم جملة في محل الرفع على أنها صفة ~~للمخصوص بالذم قائمة مقامه والتقدير لبئس الشيء شيء قدمته لهم أنفسهم فقوله ~~تعالى أن سخط الله عليهم بدل من شيء المحذوف وهذا مذهب سيبويه «وفي العذاب» ~~اي عذاب جهنم «هم خالدون» أبد الآبدين «ولو كانوا» أي الذين يتولون ~~المشركين من أهل الكتاب «يؤمنون بالله والنبي» أي نبيهم «وما أنزل إليه» من ~~الكتاب أولو كان المنافقون يؤمنون بالله ونبينا إيمانا صحيحا «ما اتخذوهم» ~~أي المشركين أو اليهود «أولياء» فإن الإيمان بما ذكر وازع عن توليهم قطعا ~~«ولكن كثيرا منهم فاسقون» خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم ~~أو متمردون في النفاق مفرطون فيه PageV03P070 # «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» جملة مستأنفة ~~مسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود وعراقتهم في الكفر وسائر أحوالهم ~~الشنيعة التي من جملتها موالاتهم للمشركين أكدت بالتوكيد القسمي اعتناء ~~ببيان تحقق مضمونها والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ~~صالح له إيذانا بأن حالهم مما لا يخفى على أحد من الناس والوجدان متعد إلى ~~اثنين أحدهما أشد الناس والثاني اليهود وما عطف عليه وقيل بالعكس لأنهما في ~~الأصل مبتدأ وخبر مصب الفائدة هو الخبر لا المبتدأ ولا ضير في التقديم ~~والتأخير إذا دل على الترتيب دليل وههنا دليل واضح عليه وهو أن المقصود ~~بيان كون الطائفتين أشد الناس عداوة للمؤمنين لا كون أشدهم عداوة لهم ~~الطائفتين المذكورتين وأنت خبير بأنه بمعزل من الدلالة على ذلك كيف لا ~~والإفادة في الصورة الثانية أتم وأكمل مع خلوها عن تعسف التقديم والتأخير ~~غذ المعنى أنك ms0921 إن قصدت أن تعرف من أشد الناس عداوة للمؤمنين وتتبعت أحوال ~~الطوائف طرا وأحطت بما لديهم خبرا وبالغت في تعرف أحوالهم الظاهرة والباطنة ~~وسعيت في تطلب ما عندهم من الأمور البارزة والكامنة لتجدن الأشد تينك ~~الطائفتين لا غير فتأمل واللام الداخلة على الموصول متعلقة بعداوة مقوية ~~لعملها ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء مبنية عليها كما في قوله ورهبة عقابك ~~وقيل متعلقة بمحذوف هو صفة لعداوة أي كائنة للذين آمنوا وصفهم الله تعالى ~~بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى ~~التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء ~~والاجتراء على تكذيبهم ومناصبتهم وفي تقديم اليهود على المشركين بعد لزهما ~~في قرن واحد إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة كما أن تقديمهم عليهم في قوله ~~تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا إيذانا بتقدمهم عليهم ~~في الحرص «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا» أعيد الموصول مع صلته روما ~~لزيادة التوضيح والبيان «الذين قالوا إنا نصارى» عبر عنهم بذلك إشعار بقرب ~~مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله وأوداء أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقدا ~~حقية الإسلام وعلى هذه النكتة مبنى الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم والكلام في مفعولي لتجدن وتعلق اللام ~~كالذي سبق والعجول عن جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئا واحدا قد ~~تفاوتا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخرا ولتجدن أضعفهم ~~عداوة الخ أو بأن يقال أو لا لتجدن أبعد الناس مودة الخ للإيذان بكمال ~~تباين ما بين الفريقين من التفاوت ببيان أن أحدهما في أقصى مراتب أحد ~~النقيضين والآخر في أقرب مراتب النقيض الآخر «ذلك» أي كونهم أقرب مودة ~~للمؤمنين «بأن منهم» بسبب أن منهم «قسيسين» وهم علماء النصارى وعبادهم ~~ورؤساؤهم والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه وطلبه بالليل سموا ~~به لمبالغتهم في تتبع العلم قاله الراغب وقيل القس بفتح القاف تتبع الشيء ~~ومنه سمى عالم النصارى قسيسا لتتبعه العلم وقيل ms0922 قص الأثر وقسه بمعنى وقيل ~~PageV03P071 # إنه أعجمي وقال قطرب القس والقسيس العالم بلغة الروم وقيل ضيعت النصارى ~~الإنجيل وما فيه وبقي منهم رجل يقال له قسيسا لم يبدل دينه فمن راعى هديه ~~ودينه قيل له قسيس «ورهبانا» وهو جمه راهب كراكب وركبان وفارس وفرسان وقيل ~~إنه يطلق على الواحد وعلى الجمع وأنشد فيه قول من قول لو عاينت رهبان دير ~~في قلل لأقبل الرهبان يعدو ونزل والترهب التعبد في الصومعة قال الراغب ~~الرهبانية الغلو في تحمل التعبد من فرط الخوف والتنكير لإفادة الكثرة ولا ~~بد من اعتبارها في القسيسين أيضا إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى ~~للمؤمنين فإن اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها وإلا فمن ~~السهود أيضا قوم مهتدون ألا يرى إلى عبد الله بن سلام وأضرابه قال تعالى من ~~أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون الخ لكنهم لما ~~لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود ~~«وأنهم لا يستكبرون» عطف على أن منهم أي وبأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق ~~إذا فهموا ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود وهذه الخصلة شاملة لجميع أفراد ~~الجنس فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة وفيه دليل على أن التواضع ~~والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمود وإن كان ذلك من كافر ~~«وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول» عطف على لا يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا ~~يستكبرون وأن أعينهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن وهو بيان لرقة قلوبهم ~~وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه «ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع» اي تمتلئ بالدمع فاستعير له الفيض الذي هو الانصباب عن امتلاء ~~مبالغة أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها «مما عرفوا من ~~الحق» من الأولى لابتداء الغاية والثانية تبعيضية لأن ما عرفوه بعض الحق ~~وحيث أبكاهم ذلك فما ظنك بهم لو عرفوا كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة ~~وقرئ ترى أعينهم على صيغة المبني للمفعول ms0923 «يقولون» استئناف مبني على سؤال ~~نشا من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل ماذا يقولون فقيل يقولون ~~«ربنا آمنا» بهذا أو بمن أنزل هذا عليه أو بهما وقيل حال من الضمير في ~~عرفوا أو من الضمير المجرور في أعينهم لما أن المضاف جزؤه كما في قوله ~~تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا «فاكتبنا مع الشاهدين» اي الذين ~~شهدوا بأنه حق أو بنبوته أو مع أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة ~~وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك «وما لنا لا نؤمن بالله ~~وما جاءنا من الحق» كلام مستأنف قالوه تحقيقا لإيمانهم وتقريرا له بإنكار ~~سبب انتفائه ونفيه بالكلية على أن قوله تعالى لا نؤمن حال من الضمير في لنا ~~والعامل ما فيه من الاستقرار أي أي شيء حصل لنا PageV03P072 # غير مؤمنين على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبب جميعا كما في ~~قوله تعالى ومالي لا أعبد الذي فطرني ونظائره لا إلى السبب فقط مع تحقق ~~المسبب كما في قوله تعالى فما لهم لا يؤمنون وأمثاله فإن همزة الاستفهام ~~كما تكون تارة لإنكار الواقع كما في أتضرب أباك وأخرة لإنكار الوقوع كما في ~~أأضرب أبي كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط كما في ~~الآية الثانية وقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا فيكون مضمون الجملة ~~الحالية محققا فإن كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمر محقق قد أنكر ونفى ~~سببه وقد يكون الإنكار سبب الوقوع ونفيه فيسريان إلى المسبب أيضا كما في ~~الآية الأولى فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضا قطعا فإن عدم العبادة أمر ~~مفروض حتما وقوله تعالى «ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين» حال أخرى ~~من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيدا ~~بها أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في صحبة الصالحين أو من الضمير ~~في لا نؤمن على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم يطمعون ms0924 في ~~صحبة المؤمنين وقيل معطوف على نؤمن على معنى وما لنا نجمع بين ترك الإيمان ~~وبين الطمع المذكور «فأثابهم الله بما قالوا» أي عن اعتقاد من قولك هذا قول ~~فلان أن معتقده وقرئ فآتاهم الله «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وذلك جزاء المحسنين» أي الذين أحسنوا النظر والعمل أو الذين اعتادوا ~~الإحسان في الأمور والآيات الأربع روي أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفر بن أبي طالب ~~والمهاجرين معه وأحضر القسيسين والرهبان فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ~~فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن وقيل نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلا من ~~قومه وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم سورة مريم فبكوا ~~وآمنوا «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم» عطف التكذيب ~~بآيات الله على الكفر مع أنه ضرب منه لما أن القصد إلى بيان حال المكذبين ~~وذكرهم بمقابلة المصدقين بها جمعا بين الترغيب والترهيب «يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم» أي ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ~~ما سلف من مدح النصارى على الترهيب ترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض ~~الشهوات عقب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع ~~التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها ~~تزهدا منكم وتقشفا وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة ~~لأصحابه يوما فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار فرقوا واجتمعوا في بيت ~~PageV03P073 # عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين وأن لا يناموا على الفرش ~~ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويرفضوا الدنيا ويلبسوا ~~المسوح ويسيحوا في الأرض ويجبوا مناكيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لهم إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا ~~وقوموا وناموا فإني أقو وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ~~فمن رغب عن ms0925 سنتي فليس مني فنزلت «ولا تعتدوا» أي ولا تتعدوا حدود ما أحل ~~لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات أو جعل تحريم الطيبات ~~اعتداء وظلما فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها دخولا ~~أوليا لوروده عقيبه أو أريد ولا تعتدوا بذلك «إن الله لا يحب المعتدين» ~~تعليل لما قبله «وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا» أي ما حل لكم وطاب مما ~~رزقكم الله فحلالا مفعول كلوا ومما رزقكم إما حال منه تقدمت عليه لكونه ~~نكرة أو متعلق بكلوا ومن ابتدائية أو هو المفعول وحلالا حال من الموصول أو ~~من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلا حلالا وعلى الوجوه كلها لو لم ~~يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة «واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون» توكيد للوصية بما أمر به فإن الإيمان به تعالى يوجب ~~المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهى عنه «لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم» اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف ~~على شيء يظن أنه كذلك وليس كما يظن وهو قول مجاهد قيل كانوا حلفوا على ~~تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما نزل النهي قالوا كيف بأيماننا فنزلت ~~وند الشافعي رحمه الله تعالوا ما يبدوا من المرء من غير قصد كقوله لا والله ~~وبلى والله وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها وفي أيمانكم صلة يؤاخذكم أو ~~اللغو لأنه مصدر أو حال منه «ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان» أي بتعقيدكم ~~اليمان وتوثيقها عليه بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتموه إذا ~~حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به وقرئ بالتخفيف وقرئ عاقدتم بمعنى ~~عقدتم «فكفارته» اي فكفارة نكثه وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ~~وتسترها واستدل بظاهره على جواز التكفير قبل الحنث وعندنا لا يجوز ذلك ~~لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا فليأت الذي هو ~~خير ثم ليكفر عن يمينه ms0926 «إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم» أي من ~~أقصده في النوع أو المقدار وهو نصف صاع من بر لكل مسكين ومحله النصب لأنه ~~صفة مفعول PageV03P074 # محذوف تقديره أن تطعموا عشرة مساكين طعاما كائنا من أوسط ما تطعمون أو ~~الرفع على أنه بدل من إطعام وأهلون جمع أهل كأرضون جمع أرض جمع أرض وقرئ ~~أهاليكم بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهذا أيضا ~~جمع أهل كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل وقيل جمع أهلاة «أو ~~كسوتهم» عطف على إطعام أو على محل من أوسط على تقدير كونه بدلا من إطعام ~~وهو ثوب يغطي العورة وقيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار وقرئ بضم الكاف ~~وهي لغة كقدرة في قدوة وأسوة في أسوة وقرئ أو كأسوتهم على أن الكاف في محل ~~الرفع تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافا ~~وتقتيرا تواسون بينهم وبينهم إن لم تطعموهم الأوسط «أو تحرير رقبة» أي أو ~~إعتاق إنسان كيفما كان وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياسا ~~على كفارة القتل ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال مطلقا وخيار التعيين للمكلف ~~«فمن لم يجد» أي شيئا من الأمور المذكورة «فصيام» أي فكفارته صيام «ثلاثة ~~أيام» والتتابع شرط عندنا لقراءة ثلاثة أيام متتابعات والشافعي رضي الله ~~عنه لا يرى الشواذ حجة «ذلك» أي الذي ذكر «كفارة أيمانكم إذا حلفتم» أي ~~وحنثتم «واحفظوا أيمانكم» بأن تضنوا بها ولا تبذلوها كما يشعر به قوله ~~تعالى إذا حلفتم وقيل بأن تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير أو بأن ~~تكفروها إذا حنثتم وقيل احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاونا بها ~~«كذلك» إشارة لي مصدر الفعل الآتي لا إلى تبيين آخر مفهوم مما سبق والكاف ~~مقحمة لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحله في الأصل النصب على ~~أنه نعت لمصدر محذوف واصل التقدير يبين الله تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين ~~فقدم على الفعل لإفادة القصر ms0927 واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة فصل نفس ~~المصدر لا نعتا له وقد مر تفصيله في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي ~~ذلك البيان البديع «يبين الله لكم آياته» أعلام شريعته وأحكامه لا بيانا ~~أدنى منه وتقديم لكم على المفعول لما مر مرارا «لعلكم تشكرون» نعمته فيما ~~يعلمكم ويسهل عليكم المخرج «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب» أي الأصنام المنصوبة للعبادة «والأزلام» سلف تفسيرها في أوائل ~~السورة الكريمة «رجس» قذر تعاف عنه العقول وإفراده لأنه خبر الخمر وخبر ~~المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور أو المضاف محذوف أي شأن الخمر والميسر إلخ ~~«رجس من عمل الشيطان» في محل الرفع على أنه صفة رجس أي كائن من عمله لأنه ~~مسبب من تسويله وتزيينه «فاجتنبوه» الرجس أو ما ذكر «لعلكم تفلحون» أي ~~راجين فلا حكم وقيل لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر تحقيقه في تفسير قوله ~~تعالى لعلكم تتقون ولقد أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة ~~بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بإنما وقرنا بالأصنام والأزلام وسميا رجسا ~~من عمل الشيطان تنبيها على أن تعاطيهما شر بحت وأمر بالاجتناب عن عينهما ~~وجعل ذلك PageV03P075 # سببا يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة ومحقة ثم قرر ذلك بيان ما ~~فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقيل «إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر» وهو إشارة إلى ~~مفاسدهما الدنيوية «ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة» إشارة إلى مفاسدهما ~~الدينية وتخصيصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن ~~المقصود بيان حالهما وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في ~~الحرمة والشرارة لقوله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر كعابد الوثن وتخصيص ~~الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها ~~كالصاد عن الإيمان لما أنها عمادة ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة ~~الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أصناف الصوارف فقيل «فهل أنتم منتهون» ~~إيذانا بأن الأمر في الزجر والتحذير وكشف ما فيهما من المفاسد والشرور ms0928 قد ~~بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول» ~~عطف على اجتنبوه أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه «واحذروا» أي ~~مخالفتهما في ذلك فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا ~~أوليا «فإن توليتم» أي أعرضتم عن الامتثال بما أمرتم به من الاجتناب عن ~~الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والاحتراز عن مخالفتهما «فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين» وقد فعل ~~ذلك بكما لا مزيد عليه وخرج عن عهدة الرسالة أي خروج وقامت عليكم الحجة ~~وانتهت الأعذار وانقطعت العلل وما بقي بعد ذلك إلا العقاب وفيه من عظم ~~التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم ~~تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل وإنما ~~ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه فلا يساعده المقام إذ لا يتوهم منهم ~~ادعاء أنهم بتوليهم يضرونه صلى الله عليه وسلم حتى يرد عليهم بأنهم لا ~~يضرونه وإنما يضرون أنفسهم «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح» أي ~~إثم وحرج «فيما طعموا» أي تناولوا أكلا أو شربا فإن استعماله في الشرب أيضا ~~مستفيض منه قوله تعالى ومن لم يطعمه فإنه منى قيل لما أنزل الله تعالى ~~تحريم الخمر بعد غزوة الأحزاب قال رجال من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ~~أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهو يشربونها ونحن نشهد أنهم في الجنة وفي ~~رواية أخرى لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهو يشربون الخمر ويأكلون الميسر ~~وفي PageV03P076 # رواية أخرى قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله كيف بإخواننا ~~الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار فنزلت وليست كلمة ما في طعموا ~~عبارة عن المباحات خاصة وإلا لزم تقييد إباحتها باتقاء ما عداها من ~~المحرمات لقوله تعالى «إذا ما اتقوا» واللازم منتف بالضرورة بل هي عبارة ms0929 ~~على عمومها موصولة كانت أو موصوفة وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها ~~والمعنى ليس عليهم جناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائنا ما كان إذا ~~اتقوا أن يكون في ذلك شيء من المحرمات وإلا لم يكن نفي الجناح في كل ما ~~طعموه بل في بعضه ولا محذور فيه إذ اللازم منه تقييد إباحة الكل بأن لا ~~يكون فيه محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعض آخر منه كما هو اللازم من ~~الأول «وآمنوا وعملوا الصالحات» أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة ~~وقوله تعالى «ثم اتقوا» عطف على اتقوا داخل معه في حيز الشرط أي اتقوا ما ~~حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق «وآمنوا» أي بتحريمه وتقديم ~~الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو ~~المؤمن به واستمروا على الإيمان «ثم اتقوا» أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما ~~كان مباحا من قبل على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحة كل ما طعموه في ~~ذلك الوقت لا إباحة كل ما طعموه قبله لانتساخ إباحة بعضه حينئذ «وأحسنوا» ~~أي عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية ~~والقالبية وليس تخصيص هذه المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد ~~والتكرر بالغا ما بلغ والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم ~~عليه من الايمان والأعمال الصالحة وكانوا في طاعة الله ومراعاة أوامره ~~ونواهيه بحيث كلما حرم عليهم شيء من المباحات اتقوه ثم وثم فلا جناح عليهم ~~فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب إذ ليس فيها شيء محرم عند طعمه ~~وأنت خبير بأن ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخل ~~لها في انتفاء الجناح وإنما ذكرت في حين إذا شهادة باتصاف الذين سئل عن ~~حالهم بها ومدحا لهم بذلك وحمدا لأحوالهم وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك ~~الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها وبين ما له دخل في الحكم فإن ~~مساق ms0930 النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المصنفين بما ذكر من ~~النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة إذا ما لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال ~~الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني ~~بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها فكأنه قيل ليس عليهم ~~جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعنه تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة ~~بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر ~~في حياتهم لعدم تحريمها إذا ذاك ولو حرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة هذا وقد ~~قيل التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة أو باعتبار الحالات الثلاث استعمال ~~الإنسان التقوى بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبين الله عز وجل ولذلك ~~جيء بالإحسان في الكرة الثالثة بدل الإيمان إشارة إلى ما قله عليه الصلاة ~~والسلام في تفسيره أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى أو ~~باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيا من العقاب والشبهات ~~توقيا من الوقوع في الحرام وبعض المباحات حفظا للنفس عن الخسة وتهذيبا لها ~~عن دنس الطبيعة وقيل التكرير لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى كلا سوف ~~تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ونظائره وقيل المراد بالأول اتقاء الكفر وبالثاني ~~PageV03P077 # اتقاء الكبائر وبالثالث اتقاء الصغائر ولا ريب في أنه لا تعلق لهذه ~~الاعتبارات بالمقام فأحسن التأمل «والله يحب المحسنين» تذييل مقرر لمضمون ~~ما قبله أبلغ تقرير «يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله» جواب قسم محذوف أي ~~والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف أحوالكم «بشيء من الصيد» أي من ~~صيد البر مأكولا أو غير مأكول ما عجا المستثنيات من الفواسق فاللام للعهد ~~نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون كانت الوحوش ~~تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم ~~وذلك قوله تعالى «تناله أيديكم ورماحكم» فهموا بأخذها فنزلت وروي أنه عن ~~لهم حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر بن عمرو فطعنه برمحه وقتله فقيل له قتلته ~~وأنت محرم ms0931 فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك فأنزل الله ~~تعالى الآية فالتأكيد القسمي في ليبلونكم إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم ~~توحش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوع المبتلى به كما لو كان ~~النزول قبل الابتلاء وتنكير شيء للتحقير المؤذن بأن ذلك ليس من الفتن ~~الهائلة التي تزل فيها اقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلاف ~~الأموال وإنما هو من قبيل ما إبتلى به أهل أيلة من صيد البحر وفائدته ~~التنبيه على أن من لم يتثبت في مثل هذا كيف يتثبت عند شدائد المحن فمن في ~~قوله تعالى من الصيد بيانية قطعا أي بشيء حقير هو الصيد وجعلها تبعيضية ~~يقتضي اعتبار قلته وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم ~~البلايا فيعرى الكلام عن التنبيه المذكور «ليعلم الله من يخافه بالغيب» أي ~~ليتميز الخائف من عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض ~~للصيد ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه وإنما عبر عن ذلك بعلم ~~الله تعالى اللازم له إيذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فإنه أدخل في حملهم ~~على الخوف وقيل المعنى ليتعلق علمه تعالى يمن يخافه بالفعل فإن علمه تعالى ~~بأنه سيخافه وإن كان متعلقا به قبل خوفه لكن تعلقه بأنه خائف بالفعل وهو ~~الذي يدور عليه أمر الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل وقيل هناك مضاف ~~محذوف والتقدير ليعلم أولياء الله وقرئ ليعلم من الإعلام على حذف المفعول ~~الأول أي ليعلم الله عباده الخ والعلم على القراءتين متعد إلى واحد وإظهار ~~الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة «فمن اعتدى بعد ~~ذلك» أي بعد بيان أن ما وقع ابتلاء من جهته تعالى لما ذكر من الحكمة لا بعد ~~تحريمه أو النهي عنه كما قاله بعضهم إذ النهي والتحريم ليس أمرا حادثا ~~يترتب عليه الشرطية بالفاء ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون لأن نفس ~~الابتلاء لا يصلح مدارا لتشديد العذاب بل ربما يتوهم كونه عذرا مسوغا ms0932 ~~لتخفيفه وإنما الموجب للتشديد بيان كونه ابتلاء لأن الاعتداء بعد ذلك ~~مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير الله تعالى وخروج عن طاعته وانخلاع عن ~~خوفه وخشيته بالكلية أي فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة ~~الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤد إلى تمييز المطيع من العاصي «فله عذاب ~~PageV03P078 # أليم» لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي ~~حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهينة لا يكاد يراعيه في عظائم ~~المداحض والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين قال ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما يوسع ظهره وبطنه جلدا وينزع ثيابه «يا أيها الذين آمنوا» شروع في ~~بيان ما يتدارك به الاعتداء من الأحكام إثر بيان ما يلحقه من العذاب ~~والتصريح بالنهي في قوله تعالى «لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم» مع كونه معلوما ~~لا سيما من قوله تعالى غير محلي الصيد وأنتم حرم لتأكيد الحرمة وترتيب ما ~~يعقبه عليه واللام في الصيد للعهد حسبما سلف وحرم جمع حرام وهو المحرم وإن ~~كان في الحل وفي حكمه من في الحرم وإن كان حلالا كردح جمع رداح والجملة حال ~~من فاعل لا تقتلوا أي لا تقتلوه وأنتم محرمون «ومن قتله» أي الصيد المعهود ~~وذكر القتل في الموضعين دون الذبح اللذان بكونه في حكمه الميتة «منكم» ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل قتله أي كائنا منكم «متعمدا» حال منه أيضا ~~ذاكرا لإحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله والتقييد بالتعمد مع أن محظورات ~~الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ لما أن الآية نزلت في المتعمد كما مر من ~~قصة أبي اليسر ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ وعن الزهري ~~نزل الكتاب بالعمد وورد السنة بالخطأ وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه لا أرى ~~في الخطأ شيئا أخذا باشتراط التعمد في الآية وهو قول داود عن مجاهد والحسن ~~أن المراد بالتعمد هو تعمد القتل مع نسيان الإحرام أما إذا قتله عمدا وهو ~~ذاكر لإحرامه فلا حكم ms0933 عليه وأمره إلى الله عز وجل لأنه أعظم من أن يكون له ~~كفارة «فجزاء مثل ما قتل» برفعهما أي فعليه جزاء مماثل لما قتله وقرئ برفع ~~الأول ونصب الثاني على إعمال المصدر وقرئ بجر الثاني على إضافته إلى مفعوله ~~وقرئ فجزاؤه مثل ما قتل على الابتداء والخبرية وقرئ بنصبهما على تقدير ~~فليجز جزاء أو فعليه أن يجزى جزاء مثل ما قتل والمراد به عند أبي حنيفة وأي ~~يوسف رضي الله عنهما المثل باعتبار القيمة يوم الصيد حيث صيد أو في أقرب ~~الأماكن إليه فإن بلغت قيمته قيمة هدي يخير الجاني بين أن يشتري بها ما ~~قيمته قيمة الصيد فيهديه إلى الحرم وبين أن يشتري بها طعاما فيعطي كل مسكين ~~نصف صاع من بر أو صاعا من غيره وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما فإن فضل ~~مالا يبلغ طعام مسكين تصدق به أو صام عنه يوما كاملا إذ لم يعهد في الشرع ~~صوم ما دونه فيكون قوله تعالى «من النعم» بيانا للهدي المشترى بالقيمة على ~~أحد وجوه التخيير فإن من فعل ذلك يصدق عليه أنه جزى بمثل ما قتل من النعم ~~وعند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما هو المثل باعتبار ~~الخلقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثل المقتول مقيدا بالنعم فمن اعتبر ~~PageV03P079 # المثل بالقيمة فقد خالف النص وعن الصحابة رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في ~~النعامة بدنة وفي الظبي شاة وفي حمار الوحش بقرة وفي الأرنب عناقا وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الضبع صيد وفيه شاة إذا قتله محرم ولنا ~~أن النص أوجب المثل والمثل المطلق في الكتاب والسنة وإجماع الأمة والمعقول ~~يراد به إما المثل صورة ومعنى وإما المثل صورة بلا معنى فلا اعتبار له في ~~الشرع أصلا وإذا لم يمكن إرادة الأول إجماعا تعينت إرادة الثاني لكونه ~~معهودا في الشرح كما في حقوق العباد ألا يرى أن المماثلة بين افراد نوع ~~واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبرها الشرع ms0934 ولم يجعل الحيوان ~~عند الإتلاف مضمونا بفرد آخر من نوعه مماثل له في عامة الأوصاف بل مضمونا ~~بقيمته مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل قال تعالى فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم فحيث لم تعتبر تلك المماثلة القوية مع تيسر معرفتها ~~وسهولة مراعاتها فلئلا تعتبر ما بين أفراد أنواع مختلفة من المماثلة ~~الضعيفة الخفية مع صعوبة مأخذها وتعسر المحافظة عليها أولى وأحرى ولأن ~~القيمة قد أريدت فيما لا نظير له إجماعا فلم يبق غيره مرادا إذ لا عموم ~~للمشترك في مواقع الإثبات والمراد بالمروى إيجاب النظير باعتبار القيمة لا ~~باعتبار العيب ثم الموجب الأصلي للجناية والجزاء المماثل للمقتول إنما هو ~~قيمته لكن لا باعتبار أن يعمد الجاني إليها فيصرفها إلى المصارف ابتداء بل ~~باعتبار أن يجعلها معيارا فيقدر بها إحدى الخصال الثلاث فيقيمها مقامها ~~فقوله تعالى مثل ما قتل وصف لازم للجزاء غير مفارق عنه بحال وأما قوله ~~تعالى من النعم فوصف له معتبر في ثاني الحال بناء على وصفه الأول والذي هو ~~المعيار له ولما بعده من الطعام والصيام فحقهما أن يعطفا على الوصف المفارق ~~لا على الوصف اللازم فضلا عن العطف على الموصوف كما سيأتي بإذن الله تعالى ~~ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل «يحكم به» أي بمثل ~~ما قتل «ذوا عدل منكم» أي حكمان عادلان من المسلمين لكن لا لأن التقويم هو ~~الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد من العدول دون الأشياء المشاهدة التي يستوي ~~في معرفتها كل أحد من الناس فإن ذلك ناشىء من الغفلة عما أرادوا بما به ~~المماثلة بل لأن ما جعلوه مدار المماثلة بين الصيد وبين النعم من ضرب ~~مشاكلة ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التباين بينهما في بقية ~~الأحوال مما لا يهتدي إليه من أساطين أئمة الاجتهاد وصناديد أهل الهداية ~~والإرشاد إلا المؤيدون بالقوة القدسية ألا يرى أن الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه أوجب في قتل الحمامة شاة بناء على ما أثبت بينهما ms0935 من المماثلة من حيث ~~أن كلا منهما يعب ويهدر مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضب ~~والنون فكيف يفوض معرفة أمثال هذه الدقائق العويصة إلى رأي عجلين من آحاد ~~الناس على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص فبعد ما ~~عين بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد نوع من أنواع النعم يتم الحكم ولا يبقى ~~عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجة إلى حكم أصلا وقرئ يحكم به ذو عدل على إرادة ~~جنس العادل دون الوحدة وقيل بل على إرادة الإمام والجملة صفة لجزاء أو حال ~~منه لتخصصه بالصفة وقوله تعالى «هديا» حال مقدرة من الضمير في به أو من ~~جزاء لما ذكر من تخصصه بالصفة أو بدل من مثل فيمن نصبه أو من محله فيمن جره ~~أو نصب على المصدر أي يهديه هديا والجملة صفة أخرى لجزاء «بالغ الكعبة» صفة ~~لهديا لأن الإضافة غير حقيقية «أو كفارة» عطف على محل من النعم على أنه خبر ~~PageV03P080 # مبتدأ محذوف والجملة صفة ثانية لجزاء كما أشير إليه وقوله تعالى «طعام ~~مساكين» عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف أو بدل منه أو خبر مبتدأ ~~محذوف أي هي طعام مساكين وقوله تعالى «أو عدل ذلك صياما» عطف على طعام إلخ ~~كأنه قيل فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين أو صيام ~~أيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدي والطعام ~~والصيام أما الأولان فبلا واسطة وأما الثالث فبواسطة الثاني فيختار الجاني ~~كلا منها بدلا من الآخرين هذا وقد قيل إن قوله تعالى أو كفارة عطف على جزاء ~~فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدر به الطعام والصيام والإلتجاء إلى ~~القياس على الهدى تعسف لا يخفى هذا على قراءة جزاء بالرفع وعلى سائر ~~القراءات فقوله تعالى أو كفارة خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على جملة هو ~~من النعم وقرئ أو كفارة طعام مساكين بالإضافة لتبيين نوع الكفارة وقرئ طعام ~~مسكين على أن التبيين ms0936 يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرئ أو عدل بكسر العين ~~والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعدله ما ~~عدل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك ~~إشارة إلى الطعام وصياما تمييز للعدل والخيار في ذلك للجاني عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف رحمهما الله وللحكمين عند محمد رحمه الله «ليذوق وبال أمره» ~~متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور أي فعليه جزاء ليذوق الخ وقيل بفعل يدل ~~عليه الكلام كأنه قيل شرع ذلك عليه ليذوق وبال أمره أي سوء عاقبة هتكه ~~لحرمة الإحرام والوبال في الأصل المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من ~~عمل سوء لثقله ومنه قوله تعالى فأخذناه أخذا وبيلا ومنه الطعام الوبيل وهو ~~الذي لا تستمرئه المعدة «عفا الله عما سلف» من قتل الصيد محرما قبل أن ~~يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل عما سلف منه في الجاهلية لأنهم ~~كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرما «ومن عاد» إلى قتل ~~الصيد بعد النهي عنه وهو محرم «فينتقم الله منه» خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء كقوله تعالى فمن يؤمن بربه فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا أي فذلك لا يخاف الخ وقوله تعالى ومن كفر فأمتعه أي فأنا ~~أمتعه والمراد بالانتقام التعذيب في الآخرة وأما الكفارة فعن عطاء وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير والحسن أنها واجبة على العائد وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وشريح أنه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر «والله عزيز» غالب لا يغالب «ذو ~~انتقام» شديد فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء «أحل لكم» الخطاب ~~للمحرمين «صيد البحر» أي ما يصاد في المياه كلها بحرا كان أو نهرا أو غديرا ~~وهو ما لا يعيش إلا في الماء مأكولا أو غير مأكول «وطعامه» أي وما يطعم من ~~صيده وهو تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرض لجميع ما يصاد في المياه ~~والانتفاع به وأكل ما يؤكل منه وهو السمك عندنا وعند ms0937 ابن أبي ليلى جميع ما ~~يصاد فيه على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه وقرئ ~~PageV03P081 # وطعمه وقيل صيد البحر ما صيد فيه وطعامه ما قذفه أو نضب عنه «متاعا لكم» ~~نصب على أنه مفعول له مختص بالطعام كما أن نافلة في قوله تعالى ووهبنا له ~~إسحق ويعقوب نافلة حال مختصة بيعقوب عليه السلام أي أحل لكم طعامه تمتيعا ~~للمقيمين منكم يأكلونه طريا «وللسيارة» منكم يتزودونه قديدا وقيل نسب على ~~أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر أي متعكم به متاعا وقيل مؤكد لمعنى أحل لكم فإنه ~~في قوة متعكم به تمتيعا كقوله تعالى كتاب الله عليكم «وحرم عليكم صيد البر» ~~وقرئ على بناء الفعل للفاعل ونسب صيد البر وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في ~~الماء في بعض الأوقات كطير الماء «ما دمتم حرما» أي محرمين وقرئ بكسر الدال ~~من دام يدام وظاهره يوجب حرمة ما صاده الحلال على المحرم وإن لم يكن له ~~مدخل فيه وهو قول عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد ~~وسعيد بن جبير رضي الله عنهم أنه يحل له أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله ~~إذا لم يشر إليه ولم يدل عليه وكذا ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة ~~لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه مصيد ~~غيرهم وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما صيد له «واتقوا الله» فيما ~~نهاكم عنه أو في جميع المعاصي التي من جملتها ذلك «الذي إليه تحشرون» لا ~~إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالإلتجاء إليه «جعل الله الكعبة» ~~قال مجاهد سميت كعبها لكونها مكعبة مربعة وقيل لانفرادها من البناء وقيل ~~لارتفاعها من الأرض ونتوئها وقوله تعالى «البيت الحرام» عطف بيان على جهة ~~المدح دون التوضيح كما تجىء الصفة وقيل مفعول ثان لجعل وقوله تعالى «قياما ~~للناس» نصب على الحال ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما سيجئ بل ms0938 هذا ~~هو المفعول الثاني وقيل الجعل بمعنى الإنشاء والخلق وهو حال كما مر ومعنى ~~كونه قياما لهم أنه مدار لقيام أمر دينهم ودنياهم إذ هو سبب لانتعاشهم في ~~أمور معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح فيه التجار ~~ويتوجه إليه الحجاج والعمار وقرئ قيما على أنه مصدر على وزن شبع أعل عينه ~~بما أعل في فعله «والشهر الحرام» أي الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة وقيل ~~جنس الشهر الحرام وهو وما بعده عطف على الكعبة فالمفعول الثاني محذوف ثقة ~~بما مر أي وجعل الشهر الحرام «والهدي والقلائد» أيضا قياما لهم والمراد ~~بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر وبهاء ~~الحج بها أظهر «ذلك» إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر ~~بحفظ حرمة الإحرام وغيره ومحله النصب بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو العامل ~~في اللام بعده أي شرع ذلك «لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض» فإن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل ~~وقوعها وجلب المنافع الأولوية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع ~~وعدم خروج شيء عن علمه المحيط وقوله تعالى «وأن الله بكل شيء عليم» ~~PageV03P082 # تعميم إثر تخصيص للتأكيد ويجوز أن يراد بما قي السماوات والأرض الأعيان ~~الموجودة فيهما وبكل شيء الأمور المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض ~~والأحوال التي هي من قبيل المعاني «اعلموا أن الله شديد العقاب» وعيد لمن ~~انتهك محارمه أو أصر على ذلك وقوله تعالى «وأن الله غفور رحيم» وعد لمن ~~حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الإنتهاك بعد تعاطيه ووجه تقديم ~~الوعيد ظاهر «ما على الرسول إلا البلاغ» تشديد في إيجاب القيام بما أمر به ~~أي الرسول قد أتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه وقامت عليه ~~الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد في التفريط «والله يعلم ما تبدون ~~وما تكتمون» فيؤاخذكم بذلك نقيرا أو قطميرا «قل لا يستوي الخبيث ms0939 والطيب» ~~حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال ~~والأموال وبين جيدها قصد به الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن رديئها وإن ~~كان سبب النزول شريح بن ضبة البكري الذي مرت قصته في تفسير قوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله الخ وقيل نزل في رجل سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الخمر كانت تجارتي وإني اعتقدت من بيعها مالا فهل ~~ينفعني من ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله تعالى فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل جناح بعوضة إن الله لا ~~يقبل إلا الطيب وقال عطاء والحسن رضي الله عنهما الخبيث والطيب الحرام ~~والحلال وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبئ ~~عنه عدم الاستواء فيه لا في مقابله فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين ~~المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن المتبادر ~~اعتباره بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى هل يستوي الأعمى والبصير إلى ~~غير ذلك وأما قوله تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فلعل ~~تقديم الفاضل فيه لما أن صلته ملكة لصلة المفضول «ولو أعجبك كثرة الخبيث» ~~أي وإن أسرك كثرته والخطاب لكل واحد من الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بخطابهم والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر وقيل للحال وقد مر أي لو لم ~~تعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبتك وكلتاهما في موقع الحال من فاعل لا يستوي أي ~~لا يستويان كائنين على كل حال مفروض كما في قولك أحسن إلى فلان وإن أساء ~~إليك أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك أي كائنا على كل حال مفروض ~~وقد حذفت الأولى حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء ~~إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق بدونه أولى وعلى هذا السر يدور ما في لو ~~وأن الوصليتين من المبالغة والتأكيد وجواب لو ms0940 محذوف في الجملتين لدلالة ما ~~قبلهما عليه وسيأتي تمام PageV03P083 # تحقيقه في مواقع عديدة بإذن الله عز وجل «فاتقوا الله يا أولي الألباب» ~~أي في تحري الخبيث وإن كثر وآثروا عليه الطيب وإن قل فإن مدار الاعتبار هو ~~الجودة والرداءة لا الكثرة والقلة فالمحمود القليل خير من المذموم الكثير ~~بل كلما كثر الخبيث كان أخبث «لعلكم تفلحون» راجين أن تنالوا الفلاح «يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء » هو اسم جمع على رأي الخليل وسيبويه ~~وجمهور البصريين كطرفاء وقصباء أصله شيآء بهمزتين بينهما ألف فقلبت الكلمة ~~بتقديم لامها على فائها فصار وزنها لفعاء ومنعت الصرف لألف التأنيث ~~الممدودة وقيل هو جمع شيء على أنه مخفف من شيء كهين مخفف من هين والأصل ~~أشيئاء كأهوناء بزنة أفعلاء فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث إذ ~~الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها ~~فصارت أشيياء فاجتمعت ياءان أولاهما عين الكلمة فحذفت تخفيفا فصارت أشياء ~~وزنها أفلاء ومنعت الصرف لألف التأنيث وقيل إنما حذفت من أشيياء الياء ~~المنقلبة من الهمزة التي هي لام الكلمة وفتحت الياء المقصورة لتسلم ألف ~~الجمع فوزنها أفعاء وقوله تعالى «إن تبد لكم تسؤكم» صفة لأشياء داعية إلى ~~الانتهاء عن السؤال نها وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها ~~لا بالسؤال عنها عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها ~~الموجب للمحذور قطعا فقيل «وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم» أي ~~تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين ~~التنزيل والمراد بها ما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا ~~يطيقون بها والأسرار الخفية التي يفتضحون بها بظهورها ونحو ذلك مما لا خير ~~فيه فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها كذلك السؤال عن تلك ~~التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب واجترائهم ~~على المسألة والمراجعة وتجاوزهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز ~~وجل من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته أي لا ms0941 تكثروا مساءلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة وعليكم إن أفتاكم بها ~~وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه ولم تطيقوا بها نحو بعض أمور مستورة تكرهون ~~بروزها وذلك ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال إن الله تعالى كتب عليكم الحج ~~فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة ابن محسن وقيل هو سراقة بن مالك فقال ~~أفي كل عام يا رسول الله فأعرض عنه حتى أعاد مسألته ثلاث مرات فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم لوجبت ولو وجبت ما ~~استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ومثل ما روي عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما أنه ~~سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء حتى أحفوه في المسألة ~~فقام صلى الله عليه وسلم مغضبا خطيبا PageV03P084 # فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال سلوني فوالله ما تسألوني عن شيء ما دمت ~~في مقامي هذا إلا بينته لكم فأشفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ~~بين يدي أمر قد حضر قال أنس رضي الله عنه فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فلا أجد ~~رجلا إلا وهو لاف رأسه في ثوبه يبكي فقام رجل من قريش من بني سهم يقال له ~~عبد الله بن حذافة وكان إذا لاحى الرجال يدعى إلى غير أبيه وقال يا نبي ~~الله من أبي فقال صلى الله عليه وسلم أبوك حذافة بن قيس الزهري وقام آخر ~~وقال أين أبي قال صلى الله عليه وسلم في النار ثم قام عمر رضي الله عنه ~~فقال رضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نبيا نعوذ بالله ~~تعالى من الفتن إنا حديثو عهد بجاهلية وشرك فاعف عنا ms0942 يا رسول الله فسكن ~~غضبه صلى الله عليه وسلم «عفا الله عنها» استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها ~~لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة ~~وقد عفا عنها وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى وضمير ~~عنها للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا أي عفا الله تعالى عن مسائلكم ~~السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاء بمسألتكم وتجاوز عن عقوبتكم ~~الأخروية بسائر مسائلكم فلا تعودوا إلى مثلها وأما جعله صفة أخرى لأشياء ~~على أن الضمير لها بمعنى لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلفكم ~~إياها فمما لا سبيل إليه أصلا لاقتدائه أن يكون الحج قد فرض أولا في كل عام ~~ثم نسخ بطرق العفو وأن يكون ذلك معلوما للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن ~~يكون معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفا له وكلاهما ضروري ~~الانتفاء قطعا على أنه يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها إن سلم ~~وقوعها مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء ~~التي التي يسوؤهم إبداؤها سواء كانت من قبيل الأحكام والتكاليف الموجبة ~~لمساءتهم بإنشائها وإيحابها بسبب السؤال عقوبة وتجديدا كمسألة الحج لولا ~~عفوه تعالى عنها أو من قبيل الأمور الواقعة قبل السؤال الموجبة للمساءة ~~بالإخبار بها كمسألة من قال اين أبي إن قلت تلك الأشياء غير موجبة للمساءة ~~البتة بل هي محتملة لإيجاب المسرة أيضا لأن إيجابها للأولى إن كانت من حيث ~~وجودها فهي من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعا وليست إحدى الحيثيتين محققة عند ~~السائل وإنما غرضه من السؤال ظهورها كيف كانت بل ظهورها بحيثية إيجابها ~~للمسرة فلم يعبر عنها بحيثية إيجابها للمساءة قلت لتحقيق المنهي عنه كما ~~ستعرفه مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديده لأن تلك الحيثية هي الموجبة ~~للانتهاء والانزجار لا حيثية إيجابها للمسرة ولا حيثية ترددها بين ~~الإيجابين إن قيل الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال عن تلك الأشياء الموجبة ~~للمساءة ms0943 مستلزم لإبدائها البتة كما مر فلا تخلف الإبداء عن السؤال في مسئلة ~~الحج حيث لم يفرض في كل عام قلنا لوقوع السؤال قبل ورود النهي وما ذكر في ~~الشرطية إنما هو السؤال الواقع بعد وروده إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد ~~ولا تخلف فيه إن قيل ما ذكرته إنما يتمشى فيم إذا كان السؤال عن الأمور ~~المترددة بين الوقوع وعدمه كما ذكر من التكاليف الشاقة وإما إذا كان عن ~~الأمور الواقعة قبله فلا يكاد يتسنى لأن ما يتعلق به الإبداء هو الذي وقع ~~في نفس الأمر ولا مرد له سواء كان السؤال قبل النهي أو بعده وقد يكون ~~الواقع ما يوجب المسرة كما في مسئلة عبد الله بن حذافة فيكون هو الذي يتعلق ~~به الإبداء لا غيره فيتعين للتخلف حتما قلنا لا احتمال للتخلف فضلا عن ~~التعين فإن المنهي عنه في الحقيقة إنما هو السؤال عن الأشياء الموجبة ~~PageV03P085 # للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل السؤال كسؤال من قال اين أبي لا عما ~~يعمها وغيرهما مما ليس بواقع لكنه محتمل للوقوع عند المكلفين حتى يلزم ~~التخلف في صورة عدم الوقوع وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق ~~العبارة إنما هو النهي عن السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءة ~~البتة إما بأن تكون تلك الأشياء بعرضية الوقوع فتبدى عند السؤال بطريق ~~الإنشاء عقوبة وتشديدا كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقة وإما بأن ~~تكون واقعة في نفس الأمر قبل السؤال فتبدى عنده بطريق الإخبار بها فالتخلف ~~ممتنع في الصورتين معا ومنشأ توهمه عدم الفرق بين المنهي عنه وبين غيره ~~بناء على عدم امتياز ما هو موجود أو بعرضية الوجود من تلك الأشياء في نفس ~~الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم ~~وفائدة هذا الإبهام الانتهاء عن السؤال عن تلك الأشياء على الإطلاق حذار ~~إبداء المكروه «والله غفور حليم» اعتراض تذييلي مقرر لعفوه تعالى أي مبالغ ~~في مغفرة الذنوب والإغضاء عن المعاصي ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخذكم بعقوبة ms0944 ما ~~فرط منكم «قد سألها قوم» أي سألوا هذه المسألة لكن لا عينها بل مثلها في ~~كونها محظورة ومستتبعة للوبال وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير «من ~~قبلكم» متعلق بسألها «ثم أصبحوا بها» أي بسببها أو بمرجوعها «كافرين» فإن ~~بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا ~~«ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام» رد وإبطال لما ابتدعه ~~أهل الجاهلية حيث كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها ~~أي شقوها وحرموا ركوبها ودرها ولا تطرد عن ماء ولا عن مرعى وكان يقول الرجل ~~إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم ~~الانتفاع بها وقيل كان الرجل إذا أعتق عبدا قال هو سائبة فلا عقل بينهما ~~ولا ميراث وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ~~ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وإذا نتجت من ~~صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ~~ماء ولا مرعى ومعنى ما جعل ما شرع وما وضع ولذلك عدى إلى مفعول واحد هو ~~بحيرة وما عطف عليها ومن مزيد لتأكيد النفي فإن الجعل التكويني كما يجئ ~~تارة متعديا إلى مفعولين وأخرى إلى واحد كذلك الجعل التشريعي يجئ مرة ~~متعديا إلى مفعولين كما في قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة «ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب» حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون الله أمرنا بهذا وإمامهم عمرو بن ~~لحى فإنه أول من فعل هذه الأفاعيل الباطلة هذا شأن رؤسائهم وكبرائهم ~~«وأكثرهم» وهم أراذلهم الذين يتبعونهم من PageV03P086 # معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشهد به سياق النظم الكريم «لا ~~يعقلون» أنه افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فيبقون في ~~أسر التقليد وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم وقوله ms0945 عز ~~وجل «وإذا قيل لهم» أي للذين عبر عنهم بأكثرهم على سبيل الهداية والإرشاد ~~«تعالوا إلى ما أنزل الله» من الكتاب المبين للحلال والحرام «وإلى الرسول» ~~الذي أنزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام من الحلال «قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا» بيان لعنادهم واستعصائهم على الهدى إلى الحق ~~وانقيادهم للداعي إلى الضلال «أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون» ~~قيل الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب أي أحسبهم ذلك ولو كان ~~آباؤهم جهلة ضالين وقيل للعطف على شرطية أخرى مقدرة قبلها وهو الأظهر ~~والتقدير أحسبهم ذلك أو أيقولون هذا القول لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~من الدين ولا يهتدون للصواب ولو كانوا لا يعلمون إلخ وكلتاهما في موقع ~~الحال أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حال مفروض وقد حذفت ~~الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة كيف لا وأن ~~الشيء إذا تحقق عند المانع فلأن يتحقق عند عدمه أولى كما في قولك أحسن إلى ~~فلان وإن أساء إليك أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء أي أحسن إليه ~~كائنا على كل حال مفروض وقد حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها دلالة ظاهرة ~~إذ الإحسان حيث أمر به عند المانع فلأن يؤمر به عند عدمه أولى وعلى هذا ~~السر يدور ما في إن ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد وجواب لو محذوف ~~لدلالة ما سبق عليه أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون حسبهم ذلك ~~أو يقولون ذلك وما في لو من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى ~~زعمهم لا إلى نفس الأمر وفائدته المبالغة في الإنكار والتعجيب ببيان أن ما ~~قالوه موجب للإنكار والتعجيب إذا كان كون آبائهم جهلة ضالين في حيز ~~الاحتمال البعيد فكيف إذا كان ذلك واقعا لا ريب فيه وقيل مآل الوجهين واحد ~~لأن الجملة المقدرة حال فكذا ما عطف عليها وأنت خبير بأن الحال على الوجه ~~الأخير مجموع الجملتين لا ms0946 الأخيرة فقط وأن الواو للعطف لا للحال وقد مر ~~التحقيق في قوله تعالى أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون فتدبر ~~«يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم» أي ألزموا أمر أنفسكم وإصلاحها وقرئ ~~بالرفع على الابتداء أي واجبة عليكم أنفسكم وقوله عز وجل «لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم» إما مجزوم على أنه جواب للأمر أو نهي مؤكد له وإنما ضمت الراء ~~اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة إذ الأصل لا يضرركم ~~ويؤيده القراءة بفتح الراء وقراءة من قرأ لا يضركم بكسر الضاد وضمها من ضار ~~يضيره ويضوره وإما مرفوع على أنه كلام PageV03P087 # مستأنف في موقع التعليل لما قبله ويعضده قراءة من قرأ لا يضيركم أي لا ~~يضركم ضلال من ضل إذا كنتم مهتدين ولا يتوهمن أن فيه رخصة في ترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما كيف لا ومن جملة الاهتداء أن ينكر ~~على المنكر حسبما تفي به الطاقة قال صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا ~~فاستطاع أن يغيره فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ~~وقد روي أن الصديق رضي الله تعالى عنه قال يوما على المنبر يا أيها الناس ~~إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الناس إذا رأو منكرا فلم يغيروه عمهم الله ~~بعقاب فأمروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول الله عز وجل يا ~~أيها الذين آمنوا إلخ فيقول أحدكم على نفسي والله لتأمرن بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر أو ليستعلمن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون ~~خياركم فلا يستجاب لهم وعنه صلى الله عليه وسلم ما من قوم عمل فيهم منكر أو ~~سن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إلا وحق على الله تعالى أن يعمهم ~~بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على ~~الكفرة وكانوا يتمنون إيمانهم وهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون ms0947 عنه ~~بالأمر والنهي وقيل كان الرجل إذا اسلم لاموه وقالوا له سفهت آباءك وضللتهم ~~أي نسبتهم إلى السفاهة والضلال فنزلت تسلية له بأن ضلال آبائه لا يضره ولا ~~يشينه «إلى الله» لا إلى أحد سواه «مرجعكم» رجوعكم يوم القيامة «جميعا» ~~بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرهم فينبئكم بما كنتم تعملون «في ~~الدنيا» من أعمال الهداية والضلال فهو وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن ~~أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره «يا أيها الذين آمنوا» استئناف مسوق لبيان الأحكام ~~المتعلقة بأمور دنياهم إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وتصديره بحر ~~في النداء والتنبيه لإظهار كمال العناية بمضمونه وقوله عز وجل «شهادة ~~بينكم» بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعا إما باعتبار جريانها بينهم أو ~~باعتبار تعلقها بما يجري بينهم من الخصومات مبتدأ وقوله تعالى «إذا حضر ~~أحدكم الموت» أي شارفه وظهرت علائمه ظرف لها وتقديم المفعول لإفادة كمال ~~تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها فإنه أدخل في تهوين أمر الموت وقوله ~~تعالى «حين الوصية» بدل منه لا ظرف للموت كما توهم ولا لحضوره كما قيل فإن ~~في الإبدال تنبيها على أن الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغي أن ~~يتهاون بها المسلم ويذهل عنها وقوله تعالى «اثنان» خبر للمبتدأ بتقدير ~~المضاف أي شهادة بينكم حينئذ شهادة اثنين أو فاعل شهادة بينكم على أن خبرها ~~محذوف أي فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان وقرئ شهادة بالرفع والتنوين ~~والإعراب كما سبق وقرئ شهادة بالنصب PageV03P088 # والتنوين على أن عاملها مضمر هو العامل في اثنان أيضا أي ليقم شهادة ~~بينكم اثنان «ذوا عدل منكم» أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح ~~له وأقرب إلى تحري ما هو أصلح له وقيل من المسلمين وهما صفتان لاثنان «أو ~~آخران» عطف على اثنان تابع له فيما ذكر من الخبرية والفاعلية أي أو شهادة ~~آخرين أو أن يشهد بينكم آخران أو ليقم شهادة بينكم آخران وقوله تعالى «من ~~غيركم» صفة لآخران أي كائنان من غيركم أي من الأجانب ms0948 وقيل من أهل الذمة وقد ~~كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر ثم نسخ وعن ~~مكحول أنه نسخها قوله تعالى وأشهدوا ذوى عدل منكم «إن أنتم» مرفوع بمضمر ~~يفسره ما بعده تقديره إن ضربتم فلما حذف الفعل انفصل الضمير وهذا رأي جمهور ~~البصريين وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأ بناء على جواز وقوع المبتدأ ~~بعد أن الشرطية كجواز وقوعه بعد إذا فقوله تعالى «ضربتم في الأرض» أي ~~سافرتم فيها لا محل له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسرا ومرفوع على ~~الخبرية عند الباقين وقوله تعالى فاصابتكم مصيبة الموت عطف على الشرطية ~~وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن سافرتم فقاربكم الأجل حينئذ وما ~~معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام من يتولى أمر الشهادة كما هو الغالب ~~المعتاد في الأسفار فليشهد آخران أو فاستشهدوا آخرين أو فالشاهدان آخران ~~كذا قيل والأنسب أن يقدر عين ما سبق أي فآخران على معنى شهادة بينكم شهادة ~~آخرين أو فأن يشهد آخران على الوجوه المذكورة ثمة وقوله تعالى «تحبسونهما» ~~استئناف وقع جوابا عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل فكيف نصنع إن ارتبنا ~~بالشاهدين فقيل تحبسونهما أي تقفونهما وتصبرونهما للتحليف «من بعد الصلاة» ~~وقيل هو صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف اعتراض فائدته الدلالة على أن ~~اللائق إشهاد الأقارب أو أهل الإسلام وأما إشهاد الآخرين فعند الضرورة ~~الملجئة إليه وأنت خبير بأنه يقتضي اختصاص الحبس بالآخرين مع شموله للأولين ~~أيضا قطعا على أن اعتبار اتصافهما بذلك يأباه مقام الأمر بإشهادهما إذ مآله ~~فآخران شأنهما الحبس والتحليف وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قيد الارتياب ~~بهما كما يفيده الاعتراض الآتي والمراد بالصلاة صلاة العصر وعدم تعيينها ~~لتعينها عندهم بالتحليف بعدها لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادم ملائكة ~~الليل وملائكة النهار ولأن جميع أهل الأديان يعظمونه ويجتنبون فيه الحلف ~~الكاذب وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتئذ حلف من حلف كما سيأتي ~~وقيل بعد أي صلاة كانت لأنها داعية إلى ms0949 النطق بالصدق وناهية عن الكذب ~~والزور إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر «فيقسمان بالله» عطف على ~~تحبسونهما وقوله تعالى «إن ارتبتم» شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما سبق من ~~الحبس والإقسام عليه سيقت من جهته تعالى معترضة بين القسم وجوابه للتنبيه ~~على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب أي إن ارتاب بهما الوارث منكم ~~بخيانة وأخذ شئ من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله وقوله تعالى «لا نشتري ~~به ثمنا» جواب للقسم وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قسم وشرط فاكتفى بذكر ~~جواب سابقهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالبا فإن ذلك إنما يكون عند سد ~~جواب السابق مسد جواب اللاحق لاتحاد مضمونهما كما PageV03P089 # في قولك والله إن أتيتني لأكرمنك ولا ريب في استحالة ذلك ههنا لأن القسم ~~وجوابه كلاهما وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى والاجتراء هو استبدال ~~السلعة بالثمن أي أخذها بدلا منه لا بذله لتحصيلها كما قيل وإن كان مستلزما ~~له فإن المعتبر في عقد الشراء ومفهومه هو الجلب دون السلب المعتبر في عقد ~~البيع ثم استعير لأخذ شيء بإزالة ما عنده عينا كان أو معنى على وجه الرغبة ~~في المأخوذ والإعراض عن الزائل كما هو المعتبر في المستعار منه حسبما مر ~~تفصيله في قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والضمير في به لله ~~والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلا من الله أي من حرمته عرضا من الدنيا بأن ~~نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال وقيل ~~الضمير للقسم فلا بد من تقدير مضاف البتة أي لا نستبدل بصحة القسم بالله أي ~~لا نأخذ لأنفسنا بدلا منها عرضا من الدنيا بأن نزيل عنه وصف الصدق ونصفه ~~بالكذب أي لا نحلف كاذبين كما ذكر وإلا فلا سداد للمعنى سواء أريد به القسم ~~الصادق أو الكاذب أما إن أريد به الكاذب فلأنه يفوت حينئذ ما هو المعتبر في ~~الاستعارة من كون الزائل شيئا مرغوبا فيه عند الحالف كحرمة اسم الله تعالى ~~ووصف الصحة والصدق في القسم ms0950 ولا ريب في أن القسم الكاذب ليس كذلك وأما إن ~~أريد به الصادق فلأنه وإن أمكن أن يتوسل باستعماله إلى عرض الدنيا كالقسم ~~الكاذب لكن لا محظور فيه وأما التوسل إليه بترك استعماله فلا إمكان له ههنا ~~حتى يصح التبرؤ منه وإنما يتوسل إليه باستعمال القسم الكاذب وليس استعماله ~~من لوازم ترك استعمال الصادق ضرورة جواز تركهما معا حتى يتصور جعل ما أخذ ~~بترك استعمال الصادق كما في صورة تقدير المضاف فإن إزالة وصف الصدق عن ~~القسم مع بقاء الموصوف مستلزمة لثبوت وصف الكذب له البتة فتأمل وقوله تعالى ~~«ولو كان» أي المقسم له المدلول عليه بفحوى الكلام «ذا قربى» أي قريبا منا ~~تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا ومبالغة في التنزه عنه كأنهما قالا لا نأخذ ~~لأنفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء ~~فكيف إذا لم يكن كذلك وصيانة أنفسهما وإن كانت أهم من رعاية الأقرباء لكنها ~~ليست ضميمة للمال بل هي راجعة إليه وجواب لو محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه ~~أي لا نشتري به ثمنا والجملة معطوفة على أخرى مثلها كما فصل في تفسير قوله ~~تعالى ولو أعجبك الخ وقوله عز وجل «ولا نكتم شهادة الله» اي الشهادة التي ~~أمرنا الله تعالى بإقامتها معطوف على لا نشتري به داخل معه في حكم القسم ~~وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ آلله بالمد على حذف حرف القسم ~~وتعويض حرف الاستفهام منه وبغير مد كقولهم الله لأفعلن «إنا إذا لمن ~~الآثمين» أي إن كتمناها وقرئ لملاثمين بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام ~~وإدخال النون فيها «فإن عثر» أي اطلع بعد التحليف «على أنهما استحقا إثما» ~~حسبما اعترفا به بقولهما إنا إذا لمن الآثمين أي فعلا ما يوجب إثما من ~~تحريف وكتم بأن ظهر PageV03P090 # بأيديهما شيء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه كما وقع في ~~سبب النزول حسبما سيأتي «فآخران» أي رجلان آخران وهو مبتدأ خبره «يقومان ~~مقامهما » ولا محظور في الفصل ms0951 بالخبر بين المبتدأ وبين وصفه الذي هو الجار ~~والمجرور بعده أي يقومان مقام اللذين عثر على خيانتهما وليس المراد ~~بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام ~~الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار الحق وإبراز كذبهما فيما ادعيا من ~~استحقاقهما لما في أيديهما «من الذين استحق» على البناء للفاعل على قراءة ~~علي وابن عباس وأبي رضي الله عنهم أي من أهل الميت الذين استحق «عليهم ~~الأوليان» من بينهم أي الأقربان إلى الميت الوارثان له الأحقان بالشهادة أي ~~باليمين كما ستعرفه ومفعول استحق محذوف أي استحقا عليهم أن يجردوهما للقيام ~~بها لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين وهما في الحقيقة الآخران ~~القائمان مقام الأولين على وضع المظهر مقام المضمر وقرئ على البناء للمفعول ~~وهو الأظهر أي من الذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم وهم أهل الميت ~~وعشيرته فالأوليان مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل ومن هما فقيل ~~الأوليان أو هو بدل من الضمير في يقومان أو من آخران وقد جوز ارتفاعه ~~باستحق على حذف المضاف أي استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة وقرئ ~~الأولين على أنهم صفة للذين الخ مجرور أو منصوب على المدح ومعنى الأولية ~~التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها وقرئ الأوليين على التثنية ~~وانتصابه على المدح وقرئ الأولان «فيقسمان بالله» عطف على يقومان ~~«لشهادتنا» المراد بالشهادة اليمين كما في قوله تعالى فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع ~~كونها حقة صادقة في نفسها «أحق» بالقبول «من شهادتهما» أي من يمينهما مع ~~كونها كاذبة في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ويميننا منزهة ~~عن الريب والريبة فصيغة التفضيل مع أنه لا حقية في يمينهما رأسا إنما هي ~~لإمكان قبولها في الجملة باعتبار احتمال صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر ~~في أيديهما «وما اعتدينا» عطف على جواب القسم أي ما تجاوزنا فيها الحق أو ~~ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما «إنا ms0952 إذا لمن الظالمين» استئناف مقرر لما ~~قبله أي إنا إن اعتدينا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله ~~تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى أو لمن الواضعين الحق في غير ~~موضعه ومعنى النظم الكريم أن المحتضر ينبغي أن يشهد على وصيته عدلين من ذوي ~~نسبه أو دينه فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع ~~ارتياب بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئا ~~بالتغليظ في الوقت فإن أطلع بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيء من ~~التركة وادعيا تملكه من جهة الميت حلف الورثة وعمل بأيمانهم ولعل تخصيص ~~الاثنين لخصوص الواقعة فإنه روى أن تميم بن أوس الداري وعدي بن يزيد خرجا ~~إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل بن أبي مريم مولى عمرو ~~بن العاص وكان مسلما مهاجرا فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه جميع ~~ما معه وطرحه في متاعه ولم يخبرهما بذلك وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى ~~أهله ومات ففتشاه فوجدا فيه إناء من فضة وزنه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب ~~فغيباه ودفعا المتاع إلى أهله فأصابوا فيه الكتاب فطلبوا منهما الإناء ~~فقالا ما ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم PageV03P091 # ففعلنا وما لنا بالإناء من علم فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزل يا أيها الذين آمنوا الآية فاستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر ~~بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع ولا كتما فحلفا على ~~ذلك فخلى صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم إن الإناء وجد بمكة فقال من بيده ~~اشتريته من تميم وعدي وقيل لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك بني سهم فطلبوه ~~منهما فقالا كنا اشتريناه من بديل فقالوا ألم نقل لكما هل باع صاحبنا من ~~متاعه شيئا فقلتما لا قالا ما كان لنا بينة فكر هنا أن نقربه فرفعوهما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله ms0953 عز وجل فإن عثر الآية فقام عمرو بن ~~العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كذبا ~~وخانا فدفع الإناء إليهما وفي رواية إلى أولياء الميت واعلم أنهما إن كانا ~~وارثين لبديل فلا نسخ إلا في وصف اليمين فإن الوارث لا يحلف على البتات ~~وإلا فهو منسوخ «ذلك» كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذكر مستتبع للمنافع وارد ~~على مقتضى الحكمة والمصلحة أي الحكم الذي تقدم تفصيله «أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها» أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على وجهها الذي ~~تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الأخروي وهذه كما ترى ~~حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور وقوله تعالى «أو يخافوا أن ترد أيمان ~~بعد أيمانهم» بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة معطوف على مقدر ينبأ ~~عنه المقام كأنه قيل ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب ~~الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح على رؤوس الأشهاد بإبطال ~~أيمانهم والعمل بأيمان الورثة فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه فأي ~~الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها وقيل هو عطف ~~على يأتوا على معنى أن ذلك أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن ~~يخافوا الافتضاح برد اليمين على الورثة فلا يحلفوا على موجب شهادتهم إن لم ~~يأتوا بها على وجهها فيظهر كذبهم بنكولهم وأما ما قيل من أن المعنى إن ذلك ~~أقرب إلى أحد الأمرين اللذين أيهما وقع كان فيه الصلاح أداء الشهادة على ~~الصدق والامتناع عن أدائها على الكذب فيأباه المقام إذ لا تعلق له بالحادثة ~~أصلا ضرورة أن الشاهد مضطر فيها إلى الجواب فالامتناع عن الشهادة الكاذبة ~~مستلزم للإتيان بالصادقة قطعا فليس هناك أمران أيهما وقع كان فيه الصلاح ~~حتى يتوسط بينهما كلمة أو وإنما يتأتى ذلك في شهود لم يتهموا بخيانة على أن ~~إضافة الامتناع عن الشهادة الكاذبة إلى خوف رد اليمين على الورثة ونسبة ~~الإتيان بالصادقة إلى غيره مع أن ما ms0954 يقتضي أحدهما يقتضي الآخر لا محالة ~~تحكم بحت فتأمل «واتقوا الله» في مخالفة أحكامه التي من جملتها هذا الحكم ~~«واسمعوا» ما تؤمرون به كائنا ما كان سمع طاعة وقبول «والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين» الخارجين عن الطاعة أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم ~~PageV03P092 # «يوم يجمع الله الرسل» نصب على أنه بدل اشتمال من مفعول اتقوا لما بينهما ~~من الملابسة فإن مدار البدلية ليس ملابسة الظرفية والمظروفية ونحوها فقط بل ~~هو تعلق ما مصحح لانتقال الذهن من المبدل منه إلى البدل بوجه إجمالي كما ~~فيما نحن فيه فإن كونه تعالى خالق الأشياء كافة مالك يوم الدين خاصة كاف في ~~الباب مع أن الأمر بتقوى الله تعالى يتبادر منه إلى الذهن أن المتقي أي شأن ~~من شؤونه واي فعل من أفعاله وقيل هناك مضاف محذوف به يتحقق الاشتمال أي ~~اتقوا عقاب الله فحينئذ يجوز انتصابه منه بطريق الظرفية وقيل منصوب بمضمر ~~معطوف على اتقوا وما عطف عليه أي واحذروا أو اذكروا يوم الخ فإن تذكير ذلك ~~اليوم الهائل مما يضطرهم إلى تقوى الله عز وجل وتلقي أمره بسمع الإجابة ~~والطاعة وقيل هو ظرف لقوله تعالى لا يهدي أي لا يهديهم يومئذ إلى طريق ~~الجنة كما يهدي إليه المؤمنين وقيل منصوب بقوله تعالى واسمعوا بحذف مضاف أي ~~اسمعوا خبر ذلك اليوم وقيل منصوب بفعل مؤخر قد حذف للدلالة على ضيق العبارة ~~عن شرحه وبيانه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامة التامة والدواهي العامة ~~كأنه قيل يوم يجمع الله الرسل فيقول الخ يكون من الأحوال والأهوال مالا يفي ~~ببيانه نطاق المقال وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة ~~وتشديد التهويل وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم كيف ~~لا وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وقد قال الله تعالى يوم ندعو كل ~~أناس بإمامهم بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى ms0955 التصريح ~~بجمع غيرهم بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم ولإظهار سقوط منزلتهم وعدم ~~لياقتهم بالانتظام في سلك جمع الرسل كيف لا وهم عليهم السلام يجمعون على ~~وجه الإجلال وأولئك يسحبون على وجوههم بالأغلال «فيقول» لهم مشيرا إلى ~~خروجهم عن عهدة الرسالة كما ينبغي حسبما يعرب عنه تخصيص السؤال بجواب الأمم ~~إعرابا واضحا إلا لصدر الخطاب بأن يقال هل بلغتم رسالاتي وماذا في قوله عز ~~وجل «ماذا أجبتم» عبارة عن مصدر الفعل فهو نصب على المصدرية أي أي إجابة ~~أجبتم من جهة أممكم إجابة قبول أو إجابة قبول أو إجابة رد وقيل عبارة عن ~~الجواب فهو في محل النصب بعد حذف الجار عنه أي بأي جواب أجبتم وعلى ~~التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدر عنهم وهم شهود إلى الرسل عليهم السلام ~~كسؤال الموءودة بمحضر من الوائد والعدول عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال ~~ماذا أجابوا من الأنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم ما لا ~~يخفى «قالوا» استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل فماذا يقول ~~الرسل عليهم السلام هنالك فقيل يقولون «لا علم لنا» وصيغة الماضي للدلالة ~~على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة أصحاب الأعراف ~~ونظائرهما وإنما يقولون ذلك تفويضا للأمر إلى علمه تعالى وإحاطته بما ~~اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعرضا لعجزهم ~~عن بيانه لكثرته وفظاعته «إنك أنت علام الغيوب» تعليل لذلك أي فتعلم ما ~~أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم وفيه إظهار للشكاة ~~ورد للأمر إلى علمه تعالى بما لقوا من قبلهم من PageV03P093 # الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاء إلى ربهم في الانتقام منهم وقيل المعنى ~~لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة ورد ذلك بأنهم يعرفونهم ~~بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرهم وأنت خبير بأن مرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا ~~في زمانهم على الحق ثم صاروا كفرة وعن ابن عباس ومجاهد والسدي رضي الله ~~عنهم أنهم يفزعون من أول الأمر ms0956 ويذهلون عن الجواب ثم يجيبون بعد ما ثابت ~~إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم ولا يلائمه التعليل المذكور وقيل المراد ~~به المبالغة في تحقيق فضيحتهم وقرئ علام الغيوب بالنصب على النداء أو ~~الاختصاص بالمدح على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى أنت أي إنك أنت ~~المنعوت بنعوت كمالك المعروف بذلك «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم» شروع في ~~بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على ~~التفصيل إثر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك ~~كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين وتخصيص شأن عيسى عليه السلام بالبيان ~~تفصيلا من بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام مع دلالتها على كمال هو ل ذلك ~~اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل لما أنه شأنه عليه السلام متعلق بكلا ~~الفريقين من أهل الكتاب الذين نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم ~~فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم وندامتهم وأفت في أعضادهم وأدخل في صرفهم ~~عن غيهم وعنادهم وإذ بدل من يوم يجمع الله الخ وصيغة الماضي لما ذكر من ~~الدلالة على تحقق الوقوع وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لما مر من ~~المبالغة في التهويل وكلمة على في قوله تعالى «اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك» متعلقة بنفس النعمة إن جعلت مصدرا أي أذكر إنعامي عليكما أو بمحذوف ~~هو حال منها إن جعلت اسما إي اذكر نعمتي كائنة عليكما وليس المراد بأمره ~~عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفه عليه السلام ~~شكرها والقيام بمواجبها ولات حين تكليف مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر ~~في أوانه أي خروج بل إظهار أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما بينه ~~الله تعالى اعتدادا بها وتلذذا بذكرها على رؤوس الأشهاد لتكون حكاية ذلك ~~على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخا ومزجرة للكفرة المختلفين في شأنه عليه ~~السلام إفراطا وتفريطا وإبطالا لقولهما جميعا «إذ أيدتك» ظرف لنعمتي أي ~~اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لك أو حال منها أي اذكرها ms0957 كائنة وقت تأييدي ~~لك وقرئ آيدتك والمعنى واحد أي قويتك «بروح القدس» بجبريل عليه السلام ~~لتثبيت الحجة PageV03P094 # أو بالكلام الذي يحيى به الدين وإضافته إلى القدس لأنه سبب الطهر عن ~~أوضار الآثام أو يحيى به الموتى أو النفوس حياة أبدية وقيل الأرواح مختلفة ~~الحقائق فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ومنها مشرقة ومنها كدرة ~~ومنها حرة ومنها نذلة وكان روحه عليه السلام طاهرة مشرقة نورانية علوية ~~وأيا ما كان فهو نعمة عليهما «تكلم الناس في المهد وكهلا» استئناف مبين ~~لتأييده عليه السلام أو حال من الكاف وذكر تكليمه عليه السلام في حال ~~الكهولة لبيان أن كلامه عليه السلام في تينك الحالتين كان على نسق واحد ~~بديع صادرا عن كمال العقل مقارنا لرزانة الرأي والتدبير به واستدل على أنه ~~عليه السلام سينزل من السماء لما أنه عليه السلام رفع قبل التكهل قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما أرسله الله تعالى وهو ابن ثلاثين سنة ومكث في رسالته ~~ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى إليه «وإذ علمتك الكتاب» عطف على قوله ~~تعالى إذ أيدتك منصوب بما نصبه أي اذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك والكتاب ~~«والحكمة» أي جنسهما «والتوراة والإنجيل» خصا بالذكر مما تناوله الكتاب ~~والحكمة إظهارا لشرفهما وقيل الخط والحكمة الكلام المحكم الصواب «وإذ تخلق ~~من الطين كهيئة الطير» أي تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير «بإذني» ~~بتسهيلي وتيسيري لا على أن يكون الخلق صادرا عنه عليه السلام حقيقة بل على ~~أن يظهر ذلك يده عليه السلام عند مباشرة السباب مع كون الخلق حقيقة لله ~~تعالى كما قيل عنه قوله تعالى «فتنفخ فيها» أي في الهيئة المصورة «فتكون» ~~أي تلك الهيئة «طيرا بإذني» فإن إذنه تعالى لو لم يكن عبارة عن تكوينه ~~تعالى للطير بل عن محض تيسيره مع صدور الفعل حقيقة عما اسند إليه لكان هذا ~~تكونا من جهة الهيئة وتكرير قوله بإذني في الطير مع كونه شيئا واحدا ~~للتنبيه على أن كلا من التصوير والنفخ أمر معظم بديع لا ms0958 يتسنى ولا يترتب ~~عليه شيء إلا بإذنه تعالى «وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني» عطف على تخلق «وإذ ~~تخرج الموتى بإذني» عطف على إذ تخلق أعيد فيه إذ لكون إخراج الموتى من ~~قبورهم لا سيما بعد ما صارت رميما معجزة باهرة ونعمة جليلة حقيقة بتذكير ~~وقتها صريحا قيل أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وتكرير قوله بإذني ~~في المواضع الأربعة للاعتناء بتحقيق الحق ببيان أن تلك الخوارق ليست من قبل ~~عيسى عليه الصلاة والسلام بل من جهته سبحانه قد أظهرها على يديه معجزة له ~~ونعمة خصها به وأما ذكره في سورة آل عمران مرتين لما أن ذلك موضع الإخبار ~~وهذا موضع تعداد النعم «وإذ كففت بني إسرائيل عنك» عطف على إذ تخرج أي منعت ~~الهود الذين أرادوا بك السوء عن التعرض لك «إذ جئتهم بالبينات» بالمعجزات ~~الواضحة مما ذكر وما لم يذكر كالإخبار بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ~~ونحو ذلك وهو ظرف لكففت لكن لا باعتبار المجىء بها فقط بل باعتبار ما يعقبه ~~من قوله تعالى «فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين» فإن قولهم ذلك ~~مما يدل على أنهم قصدوا اغتياله عليه السلام المحوج إلى الكف أي كففتهم عنك ~~حين قالوا ذلك عند مجيئك إياهم بالبينات وإنما وضع ضميرهم الموصول لذمهم ~~بما في حيز الصلة فكلمة من بيانية وهذا إشارة إلى ما جاء به والتذكير لأن ~~إشارتهم إلى ما رأوه من نفس المسمى من حيث هو أو من حيث هو سحر لا من حيث ~~هو مسمى بالبينات وقرئ إن هذا إلا ساحر PageV03P095 # مبين فهذا حينئذ إشارة إلى عيسى عليه السلام «وإذ أوحيت إلى الحواريين» ~~عطف على ما قبله من أخواتها الواقعة ظروفا للنعمة التي أمر بذكرها وهي وإن ~~كانت في الحقيقة عين ما يفيده الجمل التي أضيف إليها تلك الظروف من التأييد ~~بروح القدس وتعليم الكتاب والحكمة وسائر الخوارق المعدودة لكنها لمغايرتها ~~لها بعنوان منبىء عن غاية الإحسان أمر بذكرها من تلك الحيثية وجعلت عاملة ~~في تلك ms0959 الظروف لكفاية المغايرة الاعتبارية في تحقيق ما اعتبر في مدلول كلمة ~~إذ من تعدد النسبة فإنه ظرف موضوع لزمان نسبتين ماضيتين واقعتين فيه ~~إحداهما معلومة الوقوع فيه للمخاطب دون الأخرى فيراد إفادة وقوعها أيضا له ~~فيضاف إلى الجملة المفيدة للنسبة الأولى ويجعل ظرفا معمولا للنسبة الثانية ~~ثم قد تكون المغايرة بين النسبتين بالذات كما في قولك اذكر إحساني إليك إذ ~~أحسنت إلي تريد تنبيه المخاطب على وقوع إحسانك إليه وقت وقوع إحسانه إليك ~~وهما نسبتان متغايرتان بالذات وقد تكون بالاعتبار كما في قولك اذكر إحساني ~~إليك غذ منعتك من المعصية تريد تنبيهه على كون منعه إحسانا إليه لا على ~~إحسان آخر واقع حينئذ ومن هذا القبيل عامة ما وقع في التنزيل من قوله تعالى ~~يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا الآية ~~وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم إلى غير ذلك من النظائر ومعنى إيحائه ~~تعالى إليهم أمره تعالى إياهم في الإنجيل على لسانه عليه السلام وقيل ~~إلهامه تعالى إياهم كما في قوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى وأن في قوله ~~تعالى «أن آمنوا بي وبرسولي» مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول وقيل ~~مصدرية وإيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به ~~عليه السلام كأنه قيل ى منوا بوحدانيتي في الألوهية والربوبية وبرسالة ~~رسولي ولا تزيلوه عن حيزه حطا ولا رفعا وقوله تعالى «قالوا» استئناف مبني ~~على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل فماذا قالوا حين أوحي إليهم ذلك فقيل ~~قالوا «آمنا» أي بما ذكر من وحدانيته تعالى وبرسالة رسوله كما يؤذن به ~~قولهم «واشهد بأننا مسلمون» أي مخلصون في إيماننا من اسلم وجهه لله وهذا ~~القول منهم بمقتضى وحيه تعالى وأمره لهم بذلك نعمة جليلة كسائر النعم ~~الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام وكل ذلك نعمة على والدته أيضا روي أنه ~~عليه السلام لما علم أنه سيؤمر ms0960 بذكر هاتيك النعم العظام جعل يلبس الشعر ~~ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد يقول لكل يوم رزقه لم يكن له بيت فيخرب ولا ~~ولد فيموت أينما أمسى بات «إذ قال الحواريون» كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ~~ما جرى بينه عليه السلام وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في ~~موقع الإضمار وإذ منصوب بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق ~~تلوين الخطاب والالتفات لكن لا لأن الخطاب السابق لعيسى عليه PageV03P096 # السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكاية خطاب بل لأن الخطاب لمن خوطب بقوله ~~تعالى واتقوا الله الآية فتأمل كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عقيب ~~حكاية ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة ~~على عيسى عليه السلام اذكر للناس وقت قولهم الخ وقيل هو ظرف لقالوا أريد به ~~التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا ~~يساعده النظم الكريم «يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ~~من السماء» اختلف في أنهم هل كانوا مؤمنين أو لا فقيل كانوا كافرين شاكين ~~في قدرة الله تعالى على ما ذكروا وفي صدق عيسى عليه السلام كاذبين في دعوى ~~الإيمان والإخلاص وقيل كانوا مؤمنين وسؤالهم للاطمئنان والتثبت لا لإزاحة ~~الشك وهل يستطيع سؤال عن الفعل دون القدرة عليه تعبيرا عنه بلازمه وقيل ~~الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما تقتضيه القدرة وقيل ~~المعنى هل يطيع ربك بمعنى هل يجيبك واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب ~~وقرئ هل تستطيع ربك أي سؤال ربك والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك ~~عنه وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ رضي الله عنهم وسعيد بن جبير في ~~آخرين والمائدة الخوان الذي عليه الطعام من مادة إذا أعطاه ورفده كأنها ~~تميد من تقدم إليه ونظيره قولهم شجرة مطعمة وقال أبو عبيد هي فاعلة بمعنى ~~مفعول كعيشة راضية «قال» استئناف مبني على سؤال ناشىء مما قبله كأنه ms0961 قيل ~~فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ذلك فقيل قال «اتقوا الله» أي من ~~أمثال هذا السؤال «إن كنتم مؤمنين» أي بكمال قدرته تعالى وبصحة نبوتي أو إن ~~صدقتم في ادعاء الإيمان والإسلام فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن ~~أمثال هذه الاقتراحات وقيل أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعة لحصول المسؤول ~~كقوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وقوله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة «قالوا» ~~استئناف كما سبق «نريد أن نأكل منها» تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال ~~أي لسنا نريد بالسؤال إزاحة شبهتنا في قدرته سبحانه على تنزيلها أو في صحة ~~نبوتك حتى يقدح ذلك في الإيمان والتقوى بل نريد أن نأكل منها أي أكل تبرك ~~وقيل أكل حاجة وتمتع «وتطمئن قلوبنا» بكمال قدرته تعالى وإن كنا مؤمنين به ~~من قبل فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازدياد ~~الطمأنينة وقوة اليقين «ونعلم» أي علما يقينيا لا يحوم حوله شائبة شبهة ~~أصلا وقرئ ليعلم على البناء للمفعول «أن قد صدقتنا» أن هي المخففة من أن ~~وضمير الشأن محذوف أي ونعلم أنه قد صدقتنا في دعوى النبوة وأن الله يجيب ~~دعوتنا وإن كنا عالمين بذلك من قبل «ونكون عليها من الشاهدين» نشهد عليها ~~عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا ~~طمأنينة ويقينا ويؤمن بسببها كفارهم أو من الشاهدين للعين دون السامعين ~~للخبر وعليها متعلق بالشاهدين إن جعل اللام للتعريف وبيان لما يشهدون عليه ~~PageV03P097 # إن جعلت موصولة كأنه قيل على أي شهيد يشهدون فقيل عليها فإن ما يتعلق ~~بالصلة لا يتقدم على الموصول أو هو حال من اسم كان أو هو متعلق بمحذوف ~~يفسره من الشاهدين «قال عيسى ابن مريم» لما رأى عليه السلام أن لهم غرضا ~~صحيحا في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه أزمع على استدعائها واستنزالها وأراد أن ~~يلزمهم الحجة بكمالها روي أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل ولبس ms0962 المسح وصلى ~~ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره ثم قال «اللهم ربنا» ناداه سبحانه وتعالى مرتين ~~مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن ~~التربية إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء «أنزل علينا» تقديم ~~الظرف على قوله «مائدة» لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر وقوله «من السماء» متعلق بأنزل أو بمحذوف هو صفة لمائدة أي كائنة من ~~السماء نازلة منها وقوله «تكون لنا عيدا» في محل النصب على أنه صفة لمائدة ~~واسم تكون ضمير المائدة وخبرها إما عيدا ولنا حال منه أو من ضمير تكون عند ~~من يجوز إعمالها في الحال وإما لنا وعيدا حال من الضمير في لنا لأنه وقع ~~خبرا فيحمل ضميرا أو من ضمير تكون عند من يرى ذلك أن يكون يوم نزولها عيدا ~~نعظمه وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستعار من شرفها وقيل ~~العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيدا وقرئ تكن بالجزم على جواب ~~الأمر كما في قوله تعالى فهب لي من لدنك وليا يرثني خلا أن قراءة الجزم ~~هناك متواترة وههنا من الشواذ «لأولنا وآخرنا» بدل من لنا بإعادة العامل أي ~~عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا روي أنها نزلت يوم الأحد ولذلك اتخذه النصارى ~~عيدا وقيل للرؤساء منا والأتباع وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا وقرئ لأولانا ~~وأخرانا بمعنى الأمة والطائفة «وآية» عطف على عيجا «منك» متعلق بمحذوف هو ~~صفة لآية أي كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي «وارزقنا» أي ~~المائدة أو الشكر عليها «وأنت خير الرازقين» تذييل جار مجرى التعليل أي خير ~~من يرزق لأنه خالق الأرزاق ومعطيها بلا عوض وفي إقباله عليه السلام على ~~الدعاء بتكرير النداء المنبىء عن كمال الضراعة والابتهال وزيادته ما لم ~~يخطر ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقبول دلالة واضحة على ~~أنهم كانوا مؤمنين وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة كما في قول إبراهيم ~~عليه السلام رب أرني كيف تحيى الموتى وإلا لما قبل اعتذارهم بما ذكروه ولما ~~أضاف ms0963 غليه من عنده ما يؤكده ويقربه إلى القبول «قال الله» استئناف كما سبق ~~«إني منزلها عليكم» ورود الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المنبئة عن ~~التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمال ~~PageV03P098 # اللطف والإحسان كما في قوله تعالى قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب الخ ~~بعد قوله تعالى لئن أنجانا من هذه الخ مع ما فيه من مراعاة ما وقع في عبارة ~~السائلين وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعل خبرها اسما تحقيق للوعد ~~وإيذان بأنه تعالى منجز له لا محالة من غير صارف يثنيه ولا مانع يلويه ~~وإشعار بالاستمرار أي إني منزل المائدة عليكم مرات كثيرة وقرئ بالتخفيف ~~وقيل الإنزال والتنزيل بمعنى واحد «فمن يكفر بعد» أي بعد تنزيلها «منكم» ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يكفر «فإني أعذبه» بسبب كفره بعد معاينة هذه ~~الآية الباهرة «عذابا» اسم مصدر بمعنى التعذيب وقيل مصدر بحذف الزوائد ~~وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين وجوز أن يكون مفعولا به على ~~الاتساع وقوله تعالى «لا أعذبه» في محل النصب على أنه صفة لعذابا والضمير ~~له أي أعذبه تعذيبا لا أعذب مثل ذلك التعذيب «أحدا من العالمين» أي من ~~عالمي زمانهم أو من العالمين جميعا قيل لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا ~~أن يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا لا نريدها فلم تنزل وبه قال مجاهد والحسن ~~رحمهما الله والصحيح الذي عليه جماهير الأمة ومشاهير الأئمة أنها قد نزلت ~~روي أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأجيب بما أجيب إذا بسفرة حمراء نزلت ~~بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين ~~أيديهم فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم ~~اجعلها رحمة للعالمين ولا تجعلها مثلة وعقوبة ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ثم ~~كشف المنديل وقال بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك ~~تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا ~~الكراث وإذا خمسة ms0964 أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث ~~سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون رأس الحواريين يا روح ~~الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال ليس منهما ولكنه شيء اخترعه ~~الله تعالى بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من ~~فضله فقالوا يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة ~~أحيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ثم طارت ~~المائدة ثم عصو فمسخوا قردة وخنازير وقيل كانت تأتيهم أربعين يوما غبا ~~يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفىء ~~طارت وهم ينظرون في ظلها ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره ولا مريض إلا ~~برئ ولم يمرض ابدا ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن ~~اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء فاضطربت الناس لذلك ~~فمسخ منهم من مسخ فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون ~~العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه والسلام وبكوا ~~على الممسوخين فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف به ~~وجعل يدعوهم بأسمائهم واحد بعد واحد فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على ~~الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~عيسى عليه السلام قالا لهم صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم ~~فصاموا فلما فرغوا قالوا إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا وسألوا ~~الله تعالى المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة ~~وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم ~~قال كعب نزلت منكوسة تطير بها PageV03P099 # الملائكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام إلا اللحم وقال قتادة كان ~~عليها ثمر من ثمار الجنة وقال عطية العوفي نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل ~~شيء وقال الكلبي نزلت سمكة وخمسة أرغفة فأكلوا ما شاء الله تعالى والناس ms0965 ~~ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد وقالوا ~~ويحكم إنما سحر أعينك فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة ومن أراد ~~فتنته رجع إلى كفره فمسخوا خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ~~ولم يأكلوا ولم يشربوا وكذلك كل ممسوخ «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم» ~~معطوف على إذ قال الحواريون منصوب بما نصبه من المضمر المخاطب به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو بمضمر مستقل معطوف على ذلك إي اذكر للناس وقت قول الله ~~عز وجل له عليه السلام في الآخرة توبيخا للكفرة وتبكيتا لهم بإقراره عليه ~~السلام على رؤوس الأشهاد بالعبودية وأمره لهم بعبادته عز وجل وصيغة الماضي ~~لما مر من الدلالة على التحقق والوقوع «أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين» ~~الاتخاذ إما متعد إلى مفعولين فإلهين ثانيهما وإما إلى واحد فهو حال من ~~المفعول وليس مدار أصل الكلام أن القول متيقن والاستفهام لتعيين القائل كما ~~هو المتبادر من إيلاء الهمزة المبتدأ على الاستعمال الفاشي وعليه قوله ~~تعالى أأنت فعلت هذا بآلهتنا ونظائره بل على أن المتيقن هو الاتخاذ ~~والاستفهام لتعيين أنه بأمره عليه السلام أو من تلقاء أنفسهم كما في قوله ~~تعالى أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أو هم ضلوا السبيل وقوله تعالى «من دون ~~الله» متعلق بالاتخاذ ومحله النصب على اية حال من فاعله أي متجاوزين الله ~~أو بمحذوف هو صفة لإلهين أي كائنين من دونه تعالى وأيا ما كان فالمراد ~~اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه كما في قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا وقوله عز وجل ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله إلى قوله سبحانه وتعالى عما يشركون إذ به ~~يتأتى التوبيخ ويتسنى التقريع والتبكيت ومن توهم أن ذلك بطريق الاستقلال ثم ~~اعتذر عنه بأن النصارى يعتقدون أن المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم ~~عليهما الصلاة والسلام لم يخلقها الله تعالى بل هما خلقاها ms0966 فصح أنهم ~~اتخذوهما في حق بعض الأشياء إلهين مستقلين ولم يتخذوه تعالى إلها في حق ذلك ~~البعض فقد ابعد عن الحق بمراحل وأما من تعمق فقال إن عبادته تعالى مع عبادة ~~غيره كلا عبادة فمن عبده تعالى مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده تعالى ~~فقد غفل عما يجد به واشتغل بما لا يعنيه كدأب من قبله فإن توبيخهم إنما ~~يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل وإظهار ~~الاسم الجليل لكونه في حيز القول المسند إلى عيسى عليه السلام «قال» ~~استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل فماذا يقول عيسى عليه ~~السلام حينئذ فقيل يقول وإيثار صيغة الماضي لما مر مرارا «سبحانك» سبحان ~~علم للتسبيح وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه PageV03P100 # وفيه من المبالغة في التنزيه من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب ~~والإبعاد في الأرض ومن جهة النقل إلى صيغة التفعيل ومن جهة العدول من ~~المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصة المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن ~~جهة إقامته مقام المصدر مع الفعل ما لا يخفى أي أنزهك تنزيها لائقا بك من ~~أن أقول ذلك أو من أن يقال في حقك ذلك وأما تقدير من أن يكون لك شريك في ~~الألوهية فلا يساعده سياق النظم الكريم وسياقه وقوله تعالى «ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق» استئناف مقرر للتنزيه ومبين للمنزه منه وما عبارة عن ~~القول المذكور أي ما يستقيم وما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله ~~وإيثار ليس على الفعل المنفي لظهور دلالته على استمرار انتفاء الحقية ~~وإفادة التأكيد بما في حيزه من الباء فإن اسمه ضميره العائد إلى ما وخبره ~~بحق والجار والمجرور فيما بينهما للتبيين كما في سقيا لك ونحوه وقوله تعالى ~~«إن كنت قلته فقد علمته» استئناف مقرر لعدم صدور القول المذكور عنه عليه ~~السلام بالطريق البرهاني فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعا فحيث ~~انتفى علمه تعالى ms0967 به انتفى صدوره عنه حتما ضرورة أن عدم اللازم مستلزم لعدم ~~الملزوم «تعلم ما في نفسي» استئناف جار مجرى التعليل لما قبله كأنه قيل ~~لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي فكيف بما أعلنه وقوله تعالى «ولا أعلم ما في ~~نفسك» بيان للواقع وإظهار لقصوره أي ولا أعلم مات تخفيه من معلوماتك وقوله ~~في نفسك للمشاكلة وقيل المراد بالنفس هو الذات ونسبة المعلومات إليها لما ~~أنها مرجع الصفات التي من جملتها العلم لمتعلق بها فلم يكن كنسبتها إلى ~~الحقيقة وقوله تعالى «إنك أنت علام الغيوب» تعليل لمضمون الجملتين منطوقا ~~ومفهوما وقوله تعالى «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به» استئناف مسوق لبيان ما ~~صدر عنه قد أدرج فيه عدم صدور القول المذكور عنه على أبلغ وجه وآكده حيث ~~حكم بانتفاء صدور جميع الأقوال المغايرة للمأمور به فدخل فيه انتفاء صدور ~~القول المذكور دخولا أوليا أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به وإنما قيل ما ~~قلت لهم نزولا على قضية حسن الأدب ومراعاة لما ورد في الاستفهام وقوله ~~تعالى «أن اعبدوا الله ربي وربكم» تفسير للمأمور به وقيل عطف بيان للضمير ~~في به وقيل بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا ليلزم ~~بقاء الموصول بلا عائد وقيل خبر مضمر أو مفعول مثل عو أو أعني «وكنت عليهم ~~شهيدا» رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك وأمنعهم عن ~~المخالفة أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان «ما دمت فيهم» ما مصدرية ظرفية ~~تقدر بمصدر مضاف إليه زمان ودمت صلتها أي كنت شهيدا عليهم مدة دوامي فيما ~~بينهم «فلما توفيتني» بالرفع إلى السماء كما في قوله تعالى إني متوفيك ~~ورافعك إلي فإن التوفي أخذ الشيء وافيا والموت نوع منه قال تعالى الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها «كنت أنت الرقيب عليهم» لا ~~غيرك فأنت ضمير الفصل أو تأكيد وقرئ الرقيب بالرفع على أنه خبر أنت والجملة ~~خبر لكان وعليهم PageV03P101 # متعلق به أي أنت كنت الحافظ لأعمالهم ms0968 والمراقب فمنعت من أدرت عصمته عن ~~المخالفة بالإرشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات ~~وخذلت من خذلت من الضالين قال ما قالوا «وأنت على كل شيء شهيد» اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله وفيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على الكل حين ~~كونه عليه السلام فيما بينهم وعلى متعلقه بشهيد والتقديم لمراعاة الفاصلة ~~«إن تعذبهم فإنهم عبادك» وقد استحقوا ذلك حيث عبدوا غيرك «وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز» اي القوي القادر على جميع المقدورات ومن جملتها الثواب ~~والعقاب «الحكيم» الذي لا يريد ولا يفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة فإن ~~المغفرة مستحسنة لكل مجرم فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل وعدم غفران الشرك ~~إنما هو بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد وقيل الترديد ~~بالنسبة إلى فرقتين والمعنى إن تعذبهم أي من كفر منهم وإن تغفر لهم أي من ~~آمن منهم «قال الله» كلام مستأنف ختم به حكاية ما حكي مما يقع يوم يجمع ~~الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأشير إلى نتيجته ومآله أي يقول الله ~~تعالى يومئذ عقيب جواب عيسى عليه السلام مشيرا إلى صدقه في ضمن بيان حال ~~الصادقين الذين هو في زمرتهم وصيغة الماضي لما مر في نظائره مرارا وقوله ~~تعالى «هذا» إشارة إلى ذلك اليوم وهو مبتدأ خبره ما بعده أي هذا اليوم الذي ~~حكى بعض ما يقع فيه إجمالا وبعضه تفصيلا «يوم ينفع الصادقين» بالرفع ~~والإضافة والمراد بالصادقين كما ينبئ عنه الاسم المستمرون في الدارين على ~~الصدق في الأمور الدينية التي معظمها التوحيد الذي نحن بصدده والشرائع ~~والأحكام المتعلقة به من الرسل الناطقين بالحق والصدق الداعين إلى ذلك وبه ~~تحصل الشهادة بصدق عيسى عليه السلام ومن الأمم المصدقين لهم المقتدين بهم ~~عقدا وعملا به يتحقق المقصود بالحكاية من ترغيب السامعين في الإيمان برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا كل من صدق في أي شيء كان ضرورة أن الجاني ~~المعترف في الدنيا بجنايته لا ينفعه يومئذ واعتبار استمراره في الدارين مع ms0969 ~~أنه لا حاجة إليه كما عرفت ولا دخل له في استتباع النفع والجزاء مما لا وجه ~~له وهذه القراءة هي التي أطبق عليها الجمهور وهي الأليق بسياق النظم الكريم ~~وسياقه وقد قرىء يوم بالنصب إما على أنه ظرف لقال فهذا حينئذ إشارة إلى ~~قوله تعالى أأنت قلت الخ وأما على أنه خبر لهذا فهو حينئذ إشارة إلى جواب ~~عيسى عليه السلام أي هذا الجواب منه عليه السلام واقع يوم ينفع الخ أو إلى ~~السؤال والجواب معا وقيل هو خبر ولكنه بني على الفتح وليس بصحيح عند ~~البصريين لأنه مضاف إلى متمكن وقرئ يوم بالرفع والتنوين كقوله تعالى واتقوا ~~يوما لا تجزى الآية «لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا» ~~استئناف مسوق لبيان النفع المذكور كأنه قيل PageV03P102 # ما لهم من النفع فقيل لهم نعيم دائم وثواب خالد وقوله تعالى «رضي الله ~~عنهم» استئناف آخر لبيان انه عز وجل أفاض عليهم غير ما ذكر من الجنات ما لا ~~قدر لها عنده وهو رضوانه الذي لا غاية وراءه كما ينبئ عنه قوله تعالى ~~«ورضوا عنه» إذ لا شيء أعز منه حتى يمتد إليه أعناق الهمم «وذلك» إشارة إلى ~~نيل رضوانه تعالى وقيل إلى نيل الكل «الفوز العظيم» لما أن عظم شأن الفوز ~~تابع لعظم شأن المطلوب الذي تعلق به الفوز وقد عرفت أن لا مطلب وراء ذلك ~~أصلا وقوله تعالى «لله ملك السماوات والأرض وما فيهن» تحقيق للحق وتنبيه ~~على كذب النصارى وفساد ما زعموا في حق المسيح وأمه أي له تعالى خاصة ملك ~~السماوات والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرهم يتصرف فيها كيف يشاء إيجاد ~~وإعداما وإحياء وإماتة وأمرا ونهيا من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخل في ~~ذلك وفي إيثار ما على من المختصة بالعقلاء على تقدير تناولها للكل مراعاة ~~للأصل وإشارة إلى تساوي الفريقين في استحالة الربوبية حسب تساويهما في ~~تحقيق المربوبية وعلى تقدير اختصاصها بغير العقلاء تنبيه على كمال قصورهم ~~عن رتبة الألوهية وإهانة بهم بتغليب ms0970 غيرهم عليهم «وهو على كل شيء قدير» من ~~الأشياء «قدير» مبالغ في القدرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر ~~درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا PageV03P103 # مكية غير ست آيات أو ثلاث من قوله تعالى قل تعالوا أتل وهي مائة وخمس ~~وستون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «الحمد لله» تعليق الحمد المعرف بلام ~~الحقيقة أولا باسم الذات الذي عليه يدور كافة ما يوجبه من صفات الكمال ~~وإليه يؤول جميع نعوت الجلال والجمال للإيذان بأنه عز وجل هو المستحق له ~~بذاته لما مر من اقتضاء اختصاص الحقيقة به سبحانه لاقتصار جميع أفرادها ~~عليه بالطريق البرهاني ووصفه تعالى ثانيا بما ينبئ عن تفصيل بعض موجباته ~~المنتظمة في سلك الإجمال من عظائم الآثار وجلائل الأفعال من قوله عز وجل ~~«الذي خلق السماوات والأرض» للتنبيه على استحقاقه تعالى له واستقلاله به ~~باعتبار أفعاله العظائم وآلائه الجسام أيضا وتخصيص خلقهما بالذكر ~~لاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء الجلية والخفية ~~التي أجلها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كل موجود فكيف بما ~~يتفرع عليها من فنون النعم الأنفسية والآفاقية المنوط بها مصالح العباد في ~~المعاش والمعاد أي أنشأهما على ما هما عليه من النمط الفائق والطراز الرائق ~~منطويتين من أنواع البدائع وأصناف الروائع على ما تتحير فيه العقول ~~والأفكار من تعاجيب العبر والآثار تبصرة وذكرى لأولي الأبصار وجمع السماوات ~~لظهور تعدد طبقاتها واختلاف آثارها وحركاتها وتقديمها لشرفها وعلو مكانها ~~وتقدمها وجودا على الأرض كما هي «وجعل الظلمات والنور» عطف على خلق مترتب ~~عليه لكون جعلهما مسبوقا بخلق منشئهما ومحلهما داخل معه في حكم الإشعار ~~بعلة الحمد فكما أن خلق السماوات والأرض وما بينهما لكونه اثرا عظيما ونعمة ~~جليلة موجب لاختصاص الحمد بخالقهما جل وعلا كذلك جعل الظلمات والنور لكونه ~~أمرا خطيرا ونعمة عظيمة مقتض لاختصاصه بجاعلهما والجمل هو الإنشاء والإبداع ~~كالخلق خلا أن ذلك ms0971 مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا ~~عام له كما في الآية الكريمة وللتشريعي أيضا كما في قوله تعالى ما جعل الله ~~من بحيرة الآية وأما ما كان فهو إنباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن بكون ~~فيه أوله أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف ~~لغوا كان أو مستقرا لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيدا فيه كما في ~~قوله عز وجل وجعل بينهما برزخا وقوله تعالى وجعل فيها رواسي وقوله تعالى ~~واجعل لنا من لدنك وليا PageV03P104 # الآية فإن كل واحد من هذه الظروف إما متعلق بنفس الجعل أو بمحذوف وقع ~~حالا من مفعوله تقدمت عليه لكونه نكرة وأيا ما كان فهو قيد في الكلام حتى ~~إذا اقتضى الحال وقوعه عمدة فيه يكون الجعل متعديا إلى اثنين هو ثانيهما ~~كما في قوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم وربما يشتبه الأمر فيظن أنا ~~عمدة فيه وهو في الحقيقة قيد بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى إني جاعل ~~في الأرض خليفة حيث قيل إن الظرف مفعول ثان لجاعل وقد أشير هناك إلى الذي ~~يقضي به الذوق السليم وتقتضيه جزالة النظم الكريم أنه متعلق بجاعل أو ~~بمحذوف وقع حالا من المفعول وأن المفعول الثاني هو خليفة وأن الأول محذوف ~~على ما مر تفصيله وجمع الظلمات لظهور كثرة أسبابها ومحالها عند الناس ~~ومشاهدتهم لها على التفصيل وتقديمها على النور لتقدم الإعدام على الملكات ~~مع ما فيه من رعاية حسن المقابلة بين القرينتين وقوله تعالى «ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون» معطوف على الجملة السابقة الناطقة بما مر من موجبات ~~اختصاصه تعالى بالحمد المستدعي لاقتصار العبادة عليه كما حقق في تفسير ~~الفاتحة الكريمة مسوق لإنكار ما عليه الكفرة واستبعاده من مخالفتهم ~~لمضمونها واجترائهم على ما يقضي ببطلانه بديهة العقول والمعنى أنه تعالى ~~مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته وباعتبار ما فصل من شؤونه ~~العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه ثم هؤلاء الكفرة ms0972 لا ~~يعملون بموجبه ويعدلون به سبحانه أي يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصي ~~غايات الشكر الذي رأسه الحمد مع كون كل ما سواه مخلوقا له غير متصف بشيء من ~~مبادئ الحمد وكلمة ثم لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية ~~القاضية ببطلانه لا بعد بيانه بالآيات التنزيلية والموصول عبارة عن طائفة ~~الكفار جار مجرى الاسم لهام من غير أن يجعل كفرهم بما يجب أن يؤمن به كلا ~~أو بعضا عنوانا للموضوع فإن ذلك مخل باستبعاد ما أسند إليهم من الإشراك ~~والباء متعلقة بيعدلون ووضع الرب موضع ضميرة تعالى لزيادة التشنيع والتقبيح ~~والتقديم لمزيد الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد ~~والمحافظة على الفواصل وترك المفعول لظهوره أو لتوجيه الإنكار إلى نفس ~~الفعل بتنزيله منزلة اللازم إيذانا بأنه المدار في الاستبعاد والاستنكار لا ~~خصوصية المفعول هذا هو الحقيق بجزالة التنزيل والخليق بفخامة شأنه الجليل ~~وأما جعل الباء صلة لكفروا على أن يعدلون من العدول والمعنى أن الله حقيق ~~بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون ~~نعمته فيرده أن كفرهم به تعالى لا سيما باعتبار ربوبيته تعالى لهم أشد ~~شناعة وأعظم جناية من عدولهم عن حمده عز وجل ولتحققه مع إغفاله أيضا فجعل ~~أهون الشرين عمدة في الكلام مقصود الإفادة وإخراج أعظمهما مخرج القيد ~~المفروغ عنه مما لا عهد له في الكلام السديد فكيف بالنظم التنزيلي هذا وقد ~~قيل إنه معطوف على خلق السماوات والمعنى أنه تعالى خلق ما خلق مما لا يقدر ~~عليه أحد سواه ثم هم يعدلون به سبحانه ما لا يقدر على شيء منه لكن لا على ~~قصد أنه صلة مستقلة ليكون بمنزلة أن يقال الحمد لله الذي عدلوا به بل على ~~أنه داخل تحت الصلة بحيث يكون الكل صلة واحدة كأنه قيل الحمد لله الذي كان ~~منه تلك النعم العظام ثم من الكفرة والكفر وأنت خبير بأن ما ينتظم في سلك ~~الصلة المنبئة عن موجبات حمده عز PageV03P105 # جل ms0973 حقه أن يكون له دخل في ذلك الإنباء ولو في الجملة ولا ريب في أن كفرهم ~~بمعزل منه وادعاء أن له دخلا فيه لدلالته على كمال الجود كأنه قيل الحمد ~~لله الذي أنعم بمثل هذه النعم العظام على من لا يحمده تعسف لا يساعده ~~النظام وتعكيس يأباه المقام كيف لا ومساق النظم الكريم كما تفصح عنه الآيات ~~الآتية تشنيع الكفرة وتوبيخهم ببيان غاية إساءتهم مع نهاية إحسانه تعالى ~~إليهم لا بيان نهاية إحسانه تعالى إليهم مع غاية اساءتهم في حقه تعالى كما ~~يقتضيه الادعاء المذكور وبهذا اتضح أنه لا سبيل إلى جعل المعطوف من روادف ~~المعطوف عليه لما أن حق الصلة أن تكون غير مقصودة الإفادة فما ظنك بما هو ~~من روادفها وقد عرفت أن المعطوف هو الذي سيق له الكلام فتأمل وكن على الحق ~~المبين «هو الذي خلقكم من طين» استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث مع ~~مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى مع معاينتهم ~~لموجبات توحيده وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث مع أن ما ~~كر من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها كما ورد في قوله تعالى أوليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم لما أن محل النزاع بعثهم ~~فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر وهم بشؤون أنفسهم أعرف والتعامي عن الحجة ~~النيرة أقبح والالتفات لمزيد التشنيع والتوبيخ أي ابتدأ خلقكم منه فإنه ~~المادة الأولى للكل لما أنه منشأ آدم الذي هو أبو البشر وإنما نسب هذا ~~الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السلام وهو المخلوق منه حقيقة بأن ~~يقال هو الذي خلق أباكم الخ مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في إيجاب ~~الإيمان بالبعث وبطلان الامتراء لتوضيح منهاج القياس وللمبالغة في إزاحة ~~الاشتباه والالتباس مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية هي أن ~~كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام منه حيث لم تكن فطرته ~~البديعة ms0974 مقصورة على لا نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد ~~الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكأن خلقه عليه ~~السلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه ولما كان خلقه على هذا النمط ~~الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدع من أن يكون ذلك مقصورا على نفسه كما هو ~~المفهوم من نسبة الخق المذكور إليه وأدل على عظم قدرة الخلاق العليم وكمال ~~علمه وحكمته وكان ابتداء حال المخاطبين أولى بأن يكون معيار لانتهائها فعل ~~ما فعل ولله در شأن التنزيل وعلى هذا السر مدار قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم الخ وقوله تعالى وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا كما سيأتي وقيل ~~المعنى خلق أباكم منه على حذف المضاف وقيل معنى خلقهم منه خلقهم من النطفة ~~الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض وأيا ما كان ففيه من وضوح الدلالة ~~على كمال قدرته تعالى على البعث ما لا يخفى فإن من قدر على إحياء ما لم يشم ~~رائحة الحياة قط كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة «ثم قضى» أي كتب ~~لموت كل واحد منكم أجلا خاصا له أي أحدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله لا ~~محالة وكلمة ثم للإيذان بتفاوت ما بين خلقهم وبين تقدير آجالهم حسبما ~~تقتضيه الحكم البالغة «وأجل مسمى» أي حد معين لبعثكم جميعا وهو مبتدأ ~~لتخصصه بالصفة كما في قوله تعالى ولعبد مؤمن ولوقوعه PageV03P106 # في موقع التفصيل كما في قول من قال إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق ~~وشق عندنا لم يحول وتنوينه لتفخيم شأنه وتهويل أمره لذلك أوثر تقديمه على ~~الخبر الذي هو «عنده» مع أن الشائع المستفيض هو التأخير كما في قولك عندي ~~كلام حق ولي كتاب نفيس كأنه قيل وأي أجل مسمى مثبت معين في علمه لا يتغير ~~ولا يقف على وقت حلوله أحد لا مجملا ولا مفصلا وأما أجل الموت فمعلوم ~~إجمالا وتقريبا بناء على ظهور أماراته أو على ما هو المعتاد في ms0975 أعمار ~~الإنسان وتسميته أجلا إنما هي باعتبار كونه غاية لمدة لبثهم في القبور لا ~~باعتبار كونه مبدأ لمدة القيامة كما أن مدار التسمية في الأجل الأول هو ~~كونه آخر مدة الحياة لا كونه أول مدة الممات لما أن الأجل في اللغة عبارة ~~عن آخر المدة لا عن أولها وقيل الأجل الأول ما بين الخلق والموت الثاني ما ~~بين الموت والبعث مكن البرزخ فإن الأجل كما يطلق على آخر المدة يطلق على ~~كلها وهو الأوفق لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى قضى لكل ~~أحد أجلين أجلا من مولده إلى موته وأجلا من موته إلى مبعثه فإن كان برا ~~تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن كان فاجرا قاطعا ~~نقص من أجل العمر وزيد في أجلى البعث وذلك قوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب فمعنى عدم تغير الأجل حينئذ عدم تغير آخره والأول ~~هو الأشهر الأليق بتفخيم الأجل الثاني المنوط باختصاصه بعلمه تعالى والأنسب ~~بتهويله المبني على مقارنته للطامة الكبرى فإن كون بعضه معلوما للخلق ومضيه ~~من غير أن يقع فيه شيء من الدواهي كما يستلزمه الحمل على المعنى الثاني مخل ~~بذلك قطعا ومعنى زيادة الأجل ونقصه فيما روي تأخير الأجل الأول وتقديمه «ثم ~~أنتم تمترون» استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذكر من ~~الحجج الباهرة الدالة عليه أي تمترون في وقوعه وتحققه في نفسه مع مشاهدتكم ~~في أنفسكم من الشواهد ما يقطع مادة الامتراء بالكلية فإن من قدر على إفاضة ~~الحياة وما يتفرع عليها من العلم والقدرة وسائر الكمالات البشرية على مادة ~~غير مستعدة لشيء منها أصلا كان أوضح اقتدار على إفاضتها على مادة قد استعدت ~~لها وقارنتها مدة ومن ههنا تبين أن ما قيل من أن الأجل الأول هو النوم ~~والثاني هو الموت أو أن الأول أجل الماضيين والثاني أجل الباقيين أو أن ~~الأول مقدار ما مضى من عمر كل أحد ms0976 والثاني مقدار ما بقي منه مما لا وجه له ~~أصلا لما رأيت من أن مساق النظم الكريم استبعاد امترائهم في البعث الذي عبر ~~عن وقته بالأجل المسمى فحيث أريد به أحد ما ذكر من الأمور الثلاثة ففي أي ~~شيء يمترون ووصفهم بالامتراء الذي هو الشك وتوجيه الاستبعاد إليه مع أنهم ~~جازمون بانتفاء البعث مصرون على إنكاره كما ينبئ عنه قولهم أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ونظائره للدلالة على أن جزمهم المذكور في أقصى ~~مراتب الاستبعاد والاستنكار وقوله تعالى «وهو الله» جملة من مبتدأ وخبر ~~معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان شمول أحكام إلهيته تعالى لجميع المخلوقات ~~وإحاطة علمه بتفاصيل أحوال العباد واعمالهم المؤدية إلى الجزاء غثر الإشارة ~~إلى تحقق المعاد في تضاعيف بيان كيفية خلقهم وتقدير آجالهم قوله تعالى «في ~~السماوات وفي الأرض» متعلق بالمعنى PageV03P107 # الوصفي الذي ينبئ عنه الاسم الجليل إما باعتبار أصل اشتقاقه وكونه علما ~~للمعبود بالحق كأنه قيل وهو لمعبود فيهما وإما باعتبار أنه اسم اشتهر بما ~~اشتهرت به الذات من صفات الكمال فلو حظ معه منها ما يقتضيه المقام من ~~المالكية الكلية والتصرف الكامل حسبما تقتضيه المشيئة المبنية على الحكم ~~البالغة فعلق به الظرف من تلك الحيثية فصار كأنه قبل وهو المالك أو المتصرف ~~المدبر فيهما كما في قوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وليس ~~المراد بما ذكر من الاعتبارين أن الاسم الجليل يحمل على معناه اللغوي أو ~~على معنى المالك أو المتصرف أو نحو ذلك بل مجرد ملاحظة أحد المعاني ~~المذكورة في ضمنه كما لوحظ مع اسم الأسد في قوله أسد على الخ ما اشتهر به ~~من وصف الجراءة التي اشتهر بها مسماه فجرى مجرى جرىء على وبهذا تبين أن ما ~~قيل بصدد التصوير والتفسير أي هو المعروف بذلك في السماوات وفي الأرض أو هو ~~المعروف المشتهر بالصفات الكمالية أو هو المعروف بالإلهية فيهما أو نحو ذلك ~~بمعزل من التحقيق فإن المعتبر مع الاسم هو نفس الوصف البذي اشتهر ms0977 به غذ هو ~~الذي يقتضيه المقام حسبما بين آنفا لاشتهاره به ألا يرى أن كلمة على في ~~المثال المذكور لا يمكن تعليقها باشتهار الاسم بالجراءة قطعا وقيل هو متعلق ~~بما يفيده التركيب الحصري من التوحد والتفرد كأنه قيل وهو المتوحد بالإلهية ~~فيهما وقيل بما تقرر عند الكل من إطلاق هذا الاسم عليه خاصة كأنه قيل وهو ~~الذي يقال له الله فيهما لا يشرك به شيء في هذا الاسم على الوجه الذي سبق ~~من اعتبار معنى التوحد أو القول في فحوى الكلام بطريق الاستتباع لا على حمل ~~الاسم الجليل على معنى المتوحد بالإلهية أو على تقدير القول وقد جوز أن ~~يكون الظرف خبرا ثانيا على أن كونه سبحانه فيهما عبارة عن كونه تعالى ~~مبالغا في العلم بما فيهما بناء على تنزيل علمه المقدس عن حصول الصور ~~والأشباح لكونه حضوريا منزلة كونه تعالى فيهما وتصويره به على طريقة ~~التمثيل المبني على تشبيه حالة علمه تعالى بما فيهما بحالة كونه تعالى ~~فيهما فإن العالم إذا كان في مكان كان عالما به وبما فيه على وجه لا يخفى ~~عليه منه شيء فعلى هذا يكون قوله عز وجل «يعلم سركم وجهركم» أي ما أسررتموه ~~وما جهرتم به من الأقوال وما أسررتموه وما أعلنتموه كائنا ما كان من ~~الأقوال والأعمال بيانا وتقريرا لمضمونه وتحقيقا للمعنى المراد منه وتعليق ~~علمه عز وجل بما ذكر خاصة مع شموله لجميع ما فيهما حسبما تفيده الجملة ~~السابقة لانسياق النظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين وكذا على الوجه ~~الثاني فإن ملاحظة الاسم الجليل من حيث المالكية الكلية والتصرف الكامل ~~الجاري على النمط المذكور مستتبعة لملاحظة علمه المحيط حتما فيكون هذا ~~بيانا وتقريرا له بلا ريب وأما على الأوجه الثلاثة الباقية فلا سبيل إلى ~~كونه بيانا لكن لا لما قيل من أنه لا دلالة لاستواء السر والجهر في علمه ~~تعالى على ما اعتبر فيهما من المعبودية والاختصاص بهذا الاسم إذ ربما يعبد ~~ويختص به من ليس له كمال العلم فإنه باطل قطعا ms0978 إذ المراد بمال ذكر هو ~~المعبودية بالحق والاختصاص بالاسم الجليل ولا ريب في أنهما مما لا يتصور ~~فيمن ليس له كمال العلم بديهة لأن ما ذكر من العلم غير معتبر في مدلول شيء ~~من المعبودية بالحق والاختصاص بالاسم حتى يكون هذا بيانا له وبهذا تبين أنه ~~ليس ببيان على الوجه الثالث أيضا لما أن التوحد بالإلهية لا يعتبر في ~~مفهومه العلم الكامل ليكون هذا بيانا له بل هو معتبر فيما صدق عليه المتوحد ~~وذلك غير كاف PageV03P108 # في البيانية وقيل هو خبر بعد خبر عند من يجوز كون الخبر الثاني جملة كما ~~في قوله تعالى فإذا هي حية تسعة وقيل هو الخبر والاسم الجليل بدل من هو وبه ~~يتعلق الظرف المتقدم ويكفي في ذلك كون المعلوم فيهما كما في قولك رميت ~~الصيد في الحرم إذا كان هو فيه وأنت خارجه ولعل جعل سرهم جهرهم فيهما ~~لتوسيع الدائرة وتصوير أنه لا يعزب عن علمه شيء منهما في أي مكان كان لا ~~لأنهما قد يكونان في السماوات أيضا وتعميم الخطاب لأهلها تعسف لا يخفى ~~«ويعلم ما تكسبون» أي ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضر من الأعمال المكتسبة ~~بالقلوب أو بالجوارح سرا أو علانية وتخصيصها بالذكر مع اندراجها فيما سبق ~~على التفسير الثاني للسر والجهر لإظهار كمال الاعتناء بها لأنها التي يتعلق ~~بها الجزاء وهو السر في إعادة يعلم «وما تأتيهم من آية من آيات ربهم» كلام ~~مستأنف وارد لبيان كفرهم بآيات الله وإعراضهم عنها بالكلية بعد ما بين في ~~الآية الأولى إشراكهم بالله سبحانه وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد وفي الآية ~~الأثنية امتراؤهم في البعث وإعراضهم عن بعض ى يأته والالتفات للإشعار بأن ~~ذكر قبائحهم قد اقتضى أن يضرب عنهم الخطاب صفحا وتعدد جناياتهم لغيرهم ذما ~~لهم وتقبيحا لحالهم فما نافية وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو ~~للدلالة على الاستمرار التجددي ومن الأولى مزيدة للاستغراق والثاني تبعيضية ~~واقعة مع مجرورها صفة لآية وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم ~~لتفخيم شأنها ms0979 المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها والمراد بها إما ~~الآيات التنزيلية فإتيانها نزولا والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات ~~القرآنية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله ~~عز وجل المنبئة عن جريان أحكام ألوهيته تعالى على كافة الكائنات وإحاطة ~~علمه بجميع أحوال الخق وأعمالهم الموجبة للإقبال عليها والإيمان بها «إلا ~~كانوا عنها معرضين» أي على وجه التكذيب والاستهزاء كما ستقف عليه وأما ~~الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فإتيانها ~~ظهورها لهم والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التكوينية التي من جملتها ما ~~ذكر من جلائل شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته إلا كانوا عنها معرضين تاركين ~~للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان بمكونها وإيثاره على أن يقال إلا ~~أعرضوا عنها كما وقع مثله في قوله تعالى وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر للدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات وعن ~~متعلقة بمعرضين قدمت عليه مراعاة للفواصل والجملة في محل النصب على أنها ~~حال من مفعول تأتي أو من فاعله المتخصص بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما ~~وأيا ما كان ففيها دلالة بينة على كمال مسارعتهم إلى الإعراض وإيقاعهم له ~~في أن الإتيان كما يفصح عنه كلمة لما في قوله تعالى «فقد كذبوا بالحق لما ~~جاءهم» فإن الحق عبارة عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أعرضوا عن كل آية آية ~~منه عبر بذلك إبانة لكمال قبح ما فعلوا به فإن تكذيب الحق مما لا يتصور ~~صدوره PageV03P109 # عن أحد والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنها شيء مغاير ~~له في الحقيقة واقع عقيبه أو حاصل بسببه بل على أن الأول وهو عين الثاني ~~حقيقة وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري وقد لتحقيق ذلك المعنى كما في ~~قوله تعالى فقد جاءوا ظلما وزورا بعد قوله تعالى وقال الذين كفروا إن هذا ~~الا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فإن ما جاءوه أي فعلوه من الظلم ~~والزور عين قولهم المحكي ms0980 لكنه لما كان مغايرا له مفهوما وأشنع منه حالا رتب ~~عليه بالفاء ترتيب اللازم على الملزوم تهويلا لأمره كذلك مفهوم التكذيب ~~بالحق حيث كان أشنع من مفهوم الإعراض المذكور أخرج مخرج اللازم البين ~~البطلان فرتب عليه بالفاء إظهارا لغاية بطلانه ثم قيد ذلك بكونه بلا تأمل ~~تأكيدا لشناعته وتمهيدا لبيان أن ما كذبوا به آثر ذي أثير عواقب جليلة ~~ستبدو لهم البتة والمعنى أنهم حيث أعرضوا عن تلك الآيات عند إتيانها فقد ~~كذبوا بما لا يمكن تكذيبه أصلا من غير أن يتدبروا في حاله ومآله ويقفوا على ~~ما في تضاعيفه من الشواهد الموجبة لتصديقه كقوله تعالى بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كما ينبئ عنه قوله تعالى «فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا به يستهزؤون» فإن ما عبارة عن الحق المذكور عبر عنه بذلك ~~تهويلا لأمره بإبهامه وتعليلا للحكم بما في حيز الصلة وأنباؤه عبارة عما ~~سيحيق بهم من العقوبات العاجلة التي نطقت بها آيات الوعيد وفي لفظ الأنباء ~~إيذان بغاية العظم لما أن النبأ لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع وحملها على ~~العقوبات الآجلة أو على ظهور الإسلام وعلو كلمته يأباه الآيات الآتية وسوف ~~لتأكيد مضمون الجملة وتقريره أي فسيأتيهم البتة وإن تأخر مصداق أنباء الشيء ~~الذي كانوا يكذبون به قبل من غير أن يتدبروا في عواقبه وإنما قيل يستهزءون ~~إيذانا بأن تكذيبهم كان مقرونا بالاستهزاء كما أشير إليه هذا على أن يراد ~~بالآيات القرآنية وهو الأظهر وأما إن أريد بها الآيات التكوينية فالفاء ~~داخلة على علة جواب شرط محذوف والإعراض على حقيقته كأنه قيل إن كانوا ~~معرضين عن تلك الآيات فلا تعجب فقد فعلوا بما هو أعظم منها ما هو أعظم من ~~الإعراض حيث كذبوا بالحق الذي هو أعظم الآيات ولا مساغ لحمل الآيات في هذا ~~الوجه على كلها أصلا وأما ما قيل من أن المعنى أنهم لما كانوا معرضين عن ~~الآيات كلها كذبوا بالقرآن فمما ينبغي تنزيه التنزيل عن أمثاله «ألم يروا ~~كم أهلكنا ms0981 من قبلهم من قرن» استئناف مسوق لتعيين ما هو المراد بالأنباء ~~التي سبق بها الوعيد وتقرير إتيانها بطريق الاستشهاد وهمزة الإنكار لتقرير ~~الرؤية وهي عرفانية مستدعية لمفعول واحد وكم استفهامية كانت أو خبرية معلقة ~~لها عن العمل مفيدة للتكثير سادة مع ما في حيزها مسد مفعولها منصوبة ~~بأهلكنا على المفعولية على أنها عبارة عن الأشخاص ومن قرن مميز لها على أنه ~~عبارة عن أهل عصر من الأعصار سمو بذلك لاقترانهم برهة PageV03P110 # من الدهر كما في قوله عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني ثم الذين ~~يلونهم الحديث وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان والمضاف محذوف أي من أهل قرن ~~وأما انتصابها على المصدرية أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن ~~الزمان فتعسف ظاهر ومن الأولى ابتدائية متعلقة بأهلكنا أي ألم يعرفوا ~~بمعاينة الآثار وسماع الأخبار كم أمة أهلكنا من قبل أهل مكة أي من قبل ~~خلقهم أو من قبل زمانهم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كعاد ~~وثمود واضرابهم وقوله تعالى «مكناهم في الأرض» استئناف لبيان كيفية الإهلاك ~~وتفصيل مباديه مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل كيف كان ذلك فقيل ~~مكانهم الخ وقيل هو صفة لقرن لما أن النكرة مفتقرة إلى مخصص فإذا وليها ما ~~يصلح مخصصا لها تعين وصيفته لها وأنت خبير بأن تنوينه التفخيمي مغن له عن ~~استدعاء الصفة على أن ذلك مع اقتضائه أن يكون مضمونه ومضمون ما عطف عليه من ~~الجمل الأربع أمرا مفروغا عنه غير مقصود بسياق النظم مؤد إلى اختلاف النظم ~~الكريم كيف لا والمعنى حينئذ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن موصوفين ~~بكذا وكذا وبإهلاكنا إياهم بذنوبهم وأنه بين الفساد وتمكين الشيء في الأرض ~~جعله قارا فيها ولما لزمه جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة ~~مكنه في الأرض ومنه قوله تعالى ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وأخرى مكن ~~له في الأرض ومنه قوله تعالى إنا مكنا له في الأرض حتى ms0982 أجرى كل منهما مجرى ~~الآخر ومنه قوله تعالى «ما لم نمكن لكم» بعد قوله تعالى مكناهم في الأرض ~~كأنه قيل في الأول مكنا لهم أو في الثاني ما لم نمكنكم وما نكرة موصوفة بما ~~بعدها من الجملة المنفية والعائد محذوف محلها على النصب على المصدرية أي ~~مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم والالتفات لما في مواجهتهم بضعف الحال مزيد ~~بيان لشأن الفريقين ولدفع الاشتباه من أول الأمر عن مرجعي الضميرين ~~«وأرسلنا السماء» أي المطر أو السحاب أو المظلة لأنها مبدأ المطر «عليهم» ~~متعلق بأرسلنا «مدرارا» أي مغزارا حال من السماء «وجعلنا الأنهار» أي ~~صيرناها فقوله تعالى «تجري من تحتهم» مفعول ثان لجعلنا أو أنشأناها فهو حال ~~من مفعوله ومن تحتهم متعلق بتجري وفيه من الدلالة على كونها مسخرة لهم ~~مستمرة على الجريان على الوجه المذكور ما ليس في أن يقال وأجرينا الأنهار ~~من تحتهم وليس المراد بتعداد هاتيك النعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر ~~تمكينهم بيان عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقهم بذلك لأعظم العقوبات بل ~~بيان حيازتهم لجميعه أسباب نيل المآرب ومبادى الأمن والنجاة من المكاره ~~والمعاطب وعدم إغناء ذلك عنهم شيئا والمعنى أعطيناهم من البطة في الأجسام ~~والامتداد في الأعمار والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في ~~استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط أهل مكة ففعلوا ما فعلوا ~~«فأهلكناهم بذنوبهم» اي أهلكنا كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من ~~الذنوب فما أغنى عنهم تلك العدد والأسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من ~~العذاب وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار وأما قوله سبحانه ~~«وأنشأنا من بعدهم» أي أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن «قرنا آخرين» بدلا من ~~الهالكين فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وأن ما ذكر من إهلاك الأمم ~~الكثيرة PageV03P111 # لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى «ولو نزلنا عليك» ~~جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب لبيان شدة شكيمتهم في المكابرة وما ~~يتفرع عليها من الأقاويل الباطلة إثر بيان ms0983 إعراضهم عن آيات الله تعالى ~~وتكذيبهم بالحق واستحقاقهم بذلك لنزول العذاب ونسبة التنزيل ههنا إليه عليه ~~السلام مع نسبة إتيان الآيات ومجىء الحق فيما سبق إليهم للإشعار بقدحهم في ~~نبوته عليه السلام في ضمن قدحهم فيما نزل عليه صريحا وقال الكلبي ومقاتل ~~نزلت في النضرين الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل ابن خويلد حيث قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ~~ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله «كتابا» ~~إن جعل اسما كالإمام فقوله تعالى «في قرطاس» متعلق بمحذوف وقع صفة له أي ~~كتابا كائنا في صحيفة وإن جعل مصدرا بمعنى المكتوب فهو متعلق بنفسه ~~«فلمسوه» 6 أي لكتاب وقيل القرطاس وقوله تعالى «بأيديهم» مع ظهور أن اللمس ~~لا يكون عادة إلا بالأيدي لزيادة التعين ودفع احتمال التجوز الواقع في قوله ~~تعالى وأما لمسنا السماء أي تفحصنا أي فمسوه بأيدهم بع ما رأوه بأعينهم ~~بحيث لم يبق لهم في شانه اشتباه ولم يقدروا على الاعتذار بتسكير الأبصار ~~«لقالوا» وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على اتصافهم بما في حيز ~~الصلة من الكفر الذي لا يخفى حسن موقعه باعتبار مفهومه اللغوي أيضا «إن ~~هذا» أي ما هذا مشيرين إلى ذلك الكتاب «إلا سحر مبين» أي بين كونه سحرا ~~تعننا وعنادا للحق بعد ظهوره كما هو دأب المفحم المحجوج وديدان المكابر ~~اللجوج «وقالوا لولا أنزل عليه ملك» شروع في قدحهم في نوبته عليه السلام ~~صريحا بعد ما أشير إلى قدحهم فيهما ضمنا وقيل هو معطوف على جواب لو وليس ~~بذاك لما أن تلك المقالة الشنعاء ليست مما يقدر صدوره عنهم على تقدير تنزيل ~~الكتاب المذكور بل هي من أباطيلهم المحققة وخرافاتهم الملفقة التي يتعللون ~~بها كلما ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل أي هلا أنزل عليه عليه السلام ~~ملك بحيث نراه ويكلمنا أنه نبي حسبما نقل عنهم فيما روي عن الكلبي ومقاتل ~~ونظيره قولهم لولا انزل إليه ms0984 ملك فيكون معه نذيرا ولما كان مدار هذا ~~الاقتراح على شيئين إنزال الملك كما هو وجعله معه عليه السلام نذيرا أجيب ~~عنه بأن ذلك مما لا يكاد يدخل تحت الوجود أصلا لاشتماله على أمرين متباينين ~~لا يجتمعان في الوجود لما أن إنزال الملك على صورته يقتضي انتفاء جعله ~~نذيرا وجعله نذيرا يستدعي عدم إنزاله على صورته لا محالة وقد أشير إلى ~~الأول بقوله تعالى «ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر» أي لو أنزلنا ملكا عللا ~~هيئاته حسبما اقترحوه والحال أنه من هول المنظر بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى ~~الآحاد البشرية ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون ~~الملائكة ويفاوضونهم على الصور PageV03P112 # البشرية كضيف إبراهيم ولوط وخصم داود عليهم السلام وغير ذلك وحيث كان ~~شأنهم كذلك وهم مؤيدون بالقوى القدسية فما ظنك بمن عداهم من العوام فلو ~~شاهدوه كذلك لقضي امر هلاكهم بالكلية واستحال جعله نذيرا وهو مع كونه خلاف ~~مطلوبهم مستلزم لإخلاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة من إرسال ~~الرسل وتأسيس الشرائع وقد قال سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وفيه ~~كما ترى إيذان بأنهم في ذلك الاقتراح كالباحث عن حتفه بظلفه وأن عدم ~~الإجابة إليه للبقيا عليهم وبناء الفعل الأول في الجواب للفاعل الذي هو نون ~~العظمة مع كونه في السؤال مبنيا للمفعول لتهويل الأمر وتربية المهابة وبناء ~~الثاني للمفعول للجري على سنن الكبرياء وكلمة ثم في قوله تعالى «ثم لا ~~ينظرون» أي لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين فضلا عن أن ينذروا به كما هو ~~المقصود بالإنذار للتنبيه على تفاوت ما بين قضاء الأمر وعدم الإنظار فإن ~~مفاجأة العذاب أشد من نفس العذاب وأشق وقيل في سبب إهلاكهم أنهم إذا عاينوا ~~الملك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آية لا شيء ~~أبين منها ثم لم يؤمنوا لم يكن بد من إهلاكهم وقيل أنهم إذا رأوه يزول ~~الاختيار الذي هو قاعدة التكليف فيجب إهلاكهم وإلى الثاني بقوله تعالى «ولو ms0985 ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا» على أن الضمير الأول للنذير المفهوم من فحوى ~~الكلام بمعونة المقام وإنما لم يجعل للملك المذكور قبله بأن يعكس ترتيب ~~المفعولين ويقال لو جعلناه نذيرا لجعلناه رجلا مع فهم المراد منه أيضا ~~لتحقيق أن مناط إبراز الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه ~~للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك وذلك لأن الجعل حقه أن يكون ~~مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبرا لكونه بمعنى التصيير المنقول من صار ~~الداخل على المبتدأ والخبر ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين ~~الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت امتناعية أريد بها بيان ~~انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يجعل ~~مدار الاستلزام في الأول مفعولا ثانيا لا محالة ولذلك جعل مقابله في الجعل ~~الثاني كذلك إبانة لكمال التنافي بينهما الموجب لانتفاء الملزوم والضمير ~~الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول والمعنى لو جعلنا النذير الذي اقترحوه ~~ملكا لمثلنا ذلك الملك رجلا لما مر من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك ~~على هيكله وفي إيثار رجلا على بشرا إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق ~~قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل وقوله تعالى «وللبسنا عليهم» عطف ~~على جواب لو مبني على الجواب الأول وقرئ بحذف لام الجواب اكتفاء بما في ~~المعطوف عليه يقال لبست الأمر على القوم ألبسه إذا شبهته وجعلته مشكلا ~~وأصله الستر بالثوب وقرئ الفعلان بالتشديد للمبالغة أي ولخلطنا عليهم ~~بتمثيله رجلا «ما يلبسون» على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له إنما أنت بشر ~~ولست بملك ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز الناطق بها أو بمعجزات أخر ~~غير ملجئة إلى التصديق لكذبوه كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام ولو ~~أظهر لهم صورته الأصلية لزم الأمر الأول والتعبير عن تمثيله تعالى رجلا ~~باللبس إما لكونه في سوء اللبس PageV03P113 # أو لكونه سببا للبسهم أو لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة وفيه تأكيد ~~لاستحالة جعل النذير ملكا كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا ms0986 يليق بشأننا من ~~لبس الأمر عليهم وقد جوز أن يكون المعنى وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون ~~على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة «ولقد استهزئ برسل من قبلك» ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه وفي تصدير الجملة ~~بلام القسم وحرف التحقيق من الاعتناء بها ما لا يخفى وتنوين رسل للتفخيم ~~والتكثير ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسل أي وبالله لقد استهزىء ~~برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كبير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف ~~وإقامة المضاف إليه مقامه «فحاق» عقيبه أي أحاط أو نزل أو حل أو نحو ذلك ~~فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا في الشر والحيق ما ~~يشتمل على الإنسان من مكروه فعله وقوله تعالى «بالذين سخروا منهم» أي ~~استهزؤا بهم من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق وتقديمه على فاعله ~~الذي هو قوله تعالى «ما كانوا به يستهزؤون» للمسارعة إلى بيان لحوق الشر ~~بهم وما إما موصولة مفيدة للتهويل أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزءون به حيث ~~أهلكوا لأجله وإما مصدرية أي فنزل بهم وبال استهزائهم وتقديم الجار ~~والمجرور على الفعل لرعاية الفواصل «قل سيروا في الأرض» بعد بيان ما فعلت ~~الأمم الخالية وما فعل به خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذار قومه ~~وتذكيرهم بأحوالهم الفظيعة تحذيرا لهم عما هم عليه وتكملة للتسلية بما في ~~ضمنه من العدة اللطيفة بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم الأولين ولقد ~~أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز أي سيرو في الأرض لتعرف أحوال أولئك الأمم «ثم ~~انظروا» أي تفكروا «كيف كان عاقبة المكذبين» وكلمة ثم إما لأن النظر في ~~آثار الهالكين لا يتسنى إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم وإما لإبانة ما ~~بينهما من التفاوت في مراتب الوجوب وهو الأظهر فإن وجوب السير ليس إلا ~~لكونه وسيلة إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله عز وجل فانظروا ~~الآية وأما أن الأول الأول ms0987 لإباحة السير للتجارة ونحوها والثاني لإيجاب ~~النظر في آثارهم وثم لتباعد ما بين الواجب والمباح فلا يناسب المقام وكيف ~~معلقة لفعل النظر ومحل الجملة النصب بنزع الخافض أي تفكروا في أنهم كيف ~~أهلكوا بعذاب الاستئصال والعاقبة مصد كالعافية ونظائرها وهي منتهى الأمر ~~ومآله ووضع المكذبين موضع المستهزئين لتحقيق أن مدار إصابة ما أصابهم هو ~~التكذيب لينزجر السامعون عنه لا عن الاستهزاء فقط مع بقاء التكذيب بحالة ~~بناء على توهم أنه المدار في ذلك «قل» لهم بطريق الإلجاء PageV03P114 # والتبكيت «لمن ما في السماوات والأرض» من العقلاء وغيرهم أي لمن الكائنات ~~جميعا خالقا وملكا وتصرفا وقوله تعالى «قل لله» تقرير لهم وتنبيه على أنه ~~المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله ~~تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله وقوله تعالى «كتب ~~على نفسه الرحمة» جملة مستقلة داخلة تحت الأمر ناطقة بشمول رحمته الواسعة ~~لجميع الخلق شمول ملكه وقدرته للكل مسوقة لبيان أنه تعالى رؤوف بعباده لا ~~يعدل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم التوبة والإنابة وأن ما سبق ذكره وما لحق ~~من أحكام الغضب ليس من مقتضيات ذاته تعالى بل من جهة الخلق كيف لا ومن ~~رحمته أن خلقهم على الفطرة السليمة وهداهم إلى معرفته وتوحيده بنصب الآيات ~~الأنفسية والآفاقية وإرسال الرسل وإنزال الكتب المشحونة بالدعوة إلى موجبات ~~رضوانه والتحذير عن مقتضيان سخطه وقد بدلوا فطرة الله تبديلا وأعرضوا عن ~~الآيات بالمرة وكذبوا بالكتب واستهزءوا بالرسل وما ظلمهم الله ولكن كانوا ~~هم الظالمين ولولا شمول رحمته لسلك بهؤلاء أيضا مسلك الغابرين ومعنى كتب ~~الرحمة على نفسه أنه تعالى قضاها وأوجبها بطريق التفضل والإحسان على ذاته ~~المقدسة بالذات لا بتوسط شيء أصلا وقيل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قضى الله تعالى الخلق كتب في كتاب ~~فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي وعنه في رواية أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال لما قضى ms0988 الله تعالى الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي ~~غلبت غضبي وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب ~~ما أول شيء ابتدأه الله تعالى من خلقه فقال كعب كتب الله كتابا لم يكتبه ~~بقلم ولا مداد كتابة الزبرجد واللؤلؤ والياقوت إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~سبقت رحمتي غضبي ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقا بالخلق وأكثر ~~وصولا إليهم مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير وفي التعبير عن الذات ~~بالنفس حجة على من ادعى أن لفظ النفس لا يطلق على الله تعالى وأن أريد به ~~الذات إلا مشاكلة لما ترى من انتفاء المشاكلة ههنا بنوعيها وقوله تعالى ~~«ليجمعنكم إلى يوم القيامة» جواب قسم محذوف والجملة استئناف مسوق للوعيد ~~على إشراكهم وإغفالهم النظر أي والله ليجمعنكم في القبور مبعوثين أو ~~محشورين إلى يوم القيامة فيجازيكم على شركك وسائر معاصيكم وإن أمهلكم بموجب ~~رحمته ولم يعاجلكم بالعقوبة الدنيوية وقيل إلى بمعنى اللام أي ليجمعنكم ~~ليوم القيامة كقوله تعالى إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه وقيل هي بمعنى في ~~أي ليجمعنكم يوم القيامة «لا ريب فيه» أي في اليوم أو في الجمع وقوله تعالى ~~«الذين خسروا أنفسهم» أي بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية والعقل ~~السليم والاستعداد القريب الحاصل من مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واستماع الوحي وغير ذلك من آثار الرحمة في موضع النصب أو الرفع على الذم أي ~~أعني الذين الخ وهم مبتدأ والخبر قوله تعالى «فهم لا يؤمنون» والفاء لتضمن ~~المبتدأ معنى الشرط والإشعار بأن عدم إيمانهم بسبب خسرانهم فإن إبطال العقل ~~باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى ~~الإصرار على الكفر والامتناع من الإيمان والجملة تذييل مسوق من جهته تعالى ~~لهم لتقبيح حا غير داخل PageV03P115 # تحت الأمر «وله» أي لله عز وجل خاصة «ما سكن في الليل والنهار» نزال ~~الملوان منزلة المكان فعبر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسكنى فيهما ~~وتعديته ms0989 بكلمة في كما في قوله تعالى وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم أو ~~السكون مقابل الحركة والمراد ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن ~~الآخر «وهو السميع» المبالغ في سماع كل مسموع «العليم» المبالغ في العلم ~~بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال «قل» لهم بعد ما بكتهم ~~بما سبق من الخطاب «أغير الله أتخذ وليا» أي معبودا بطريق الاستقلال أو ~~الاشتراك وإنما سلطت الهمزة على المفعول الأول لا على الفعل إيذانا بأن ~~المنكر هو اتخاذ غير الله وليا لا اتخاذ الولي مطلقا كما في قوله تعالى ~~أغير الله أبغي ربا وقوله تعالى أفغير الله تأمروني أعبد الخ «فاطر ~~السماوات والأرض» أي مبدعهما بالجر صفة للجلالة مؤكدة للإنكار لأنه بمعنى ~~الماضي ولذلك قرىء فطر ولا يضر الفصل بينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبية إذ ~~هي عاملة في عامل الموصوف أو بدل فإن الفصل بينه وبين المبدل منه أسهل لأن ~~البدل على نية تكرير العامل وقرئ بالرفع والنصب على المدح وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ما عرفت معنى الفاطر حتى اختصم إلى أعرابيان في بشر فقال أحدهما ~~أنا فطرتها أي ابتدأتها «وهو يطعم ولا يطعم» أي يرزق الخلق ولا يرزق وتخصيص ~~الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظم ما يصل إلى المرزوق من الرزق ~~ومحل الجملة النصب على الحالية فإن مضمونها مقرر لوجوب اتخاذه سبحانه ~~وتعالى وليا وقرئ ولا يطعم بفتح الياء وبعكس القراءة الأولى أيضا على أن ~~الضمير لغير الله والمعنى أأشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازل عن ~~رتبة الحيوانية وببنائهما للفاعل على أن الثاني بمعنى يستطعم أو على معنى ~~أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله تعالى يقبض ويبسط «قل» بعد بيان أن ~~اتخاذ غيره تعالى وليا مما يقضي ببطلانه بديهة العقول «إني أمرت» من جنابه ~~عز وجل «أن أكون أول من أسلم» وجهه لله مخلصا له لأن النبي إمام أمته في ~~الإسلام كقوله تعالى وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وقوله ms0990 تعالى سبحانك تبت ~~إليك وأنا أول المؤمنين «ولا تكونن» أي وقيل لي ولا تكونن «من المشركين» أي ~~في أمر من أمور الدين ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك وقد جوز عطفه ~~على الأمر «قل إني أخاف إن عصيت ربي» اي بمخالفة أمره ونهيه أي عصيان كان ~~فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا وفيه بيان لكما اجتنابه صلى الله عليه وسلم ~~عن المعاصي على الإطلاق وقوله تعالى «عذاب يوم عظيم» أي عذاب يوم القيامة ~~مفعول خاف PageV03P116 # والشرطية معترضة بينهما والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه وفيه قطع ~~لأطماعهم الفارغة وتعريض بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب العظيم «من يصرف عنه» ~~على البناء المفعول أي العذاب وقرئ على البناء للفاعل والضمير لله سبحانه ~~وقد قرىء بالإظهار والمفعول محذوف وقوله تعالى «يومئذ» للصرف أي في ذلك ~~اليوم العظيم وقد جوز أن يكون هو المفعول على قراءة البناء للفاعل بحذف ~~المضاف أي عذاب يومئذ «فقد رحمه» أي نجاه وأنعم عليه وقيل فقد أدخله الجنة ~~كما في قوله تعالى فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز والجملة مستأنفة ~~مؤكدة لتهويل العذاب وضمير عنه ورحمه لمن هو عبارة عن غير العاصي «وذلك» ~~إشارة إلى الصرف أو الرحمة لأنها مؤولة بأن مع الفعل وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو درجته وبعد مكانه في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «الفوز ~~المبين» أي الظاهر كونه فوزا وهو الظفر بالبغية والألف واللام لقصره على ~~ذلك «وإن يمسسك الله بضر» أي ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك «فلا كاشف له» أي ~~فلا قادر على كشفه عند «إلا هو» وحده «وإن يمسسك بخير» من صحة ونعمة ونحو ~~ذلك «فهو على كل شيء قدير» ومن جملته ذلك فيقدر عليه فيمسك به ويحفظه عليك ~~من غير أن يقدر على دفعه أو على رفعه أحد كقوله تعالى فلا راد لفضله وحمله ~~على تأكيد الجوابين يأبه الفاء تذكرة روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها كسرى ms0991 فركبها بحبل من شعر ثم ~~أردفني خلفه ثم سار بي ميلا ثم التفت إلي فقال يا غلام فقلت لبيك يا رسول ~~الله فقال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فقد مضى ~~القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم ~~يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فان ~~استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر ~~على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع الكرب فرجا وأن مع ~~العسر يسرا «وهو القاهر فوق عباده» تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة «وهو ~~الحكيم» في كل ما يفعله ويأمر به «الخبير» بأحوال عباده وخفايا أمورهم ~~واللام في المواضع الثلاثة للقصر «قل» أي PageV03P117 # «شيء أكبر شهادة» روي أن قريشا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ~~محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ~~فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله فنزلت فأي مبتدأ وأكبر خبره وشهادة نصب على ~~التمييز وقوله تعالى «قل الله» امر له صلى الله عليه وسلم بأن يتولى الجواب ~~بنفسه إما للإيذان بتعينه وعدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره أو لأنهم ربما ~~يتلعثمون فيه لا لترددهم في أنه أكبر من كل شيء بل في كونه شهيدا في هذا ~~الشأن قوله تعالى «شهيد» خبر ميتدأ محذوف أي هو شهيد «بيني وبينكم» ويجوز ~~أن يكون الله شهيد بيني وبينكم هو الجواب لأنه إذا كان هو الشهيد بينه ~~وبينهم كان أكبر شيء شهادة شهيدا له صلى الله عليه وسلم وتكرير البين ~~لتحقيق المقابلة «وأوحي إلي» اي من جهته تعالى «هذا القرآن» الشاهد بصحة ~~رسالتي «لأنذركم به» بما فيه من الوعيد والاقتصار على ذكر الإنذار لما أن ~~الكلام مع الكفرة «ومن بلغ» عطف على ضمير المخاطبين أي ms0992 لأنذركم به يا أهل ~~مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر أو من الثقلين أو لأنذركم به أيها ~~الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم ~~الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة خلا أن ذلك بطريق ~~العبارة في الكل عند الحنابلة بالإجماع عندنا في غير الموجودين وفي غير ~~المكلفين يومئذ كما مر في أول سورة النساء «أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى» تقرير لهم مع إنكار واستبعاد «قل لا أشهد» بذلك وإن شهدتم به فإنه ~~باطل صرف «قل» تكرير للأمر للتأكيد «إنما هو إله واحد» أي بل إنما أشهد أنه ~~تعالى لا إله إلا هو «وإنني بريء مما تشركون» من الأصنام أو من إشراككم ~~«الذين آتيناهم الكتاب» جواب عما سبق من قولهم لقد سألنا عنك اليهود ~~والنصارى أخر عن تعيين الشهيد مسارعة إلى إلزامهم بالجواب عن تحكمهم بقولهم ~~فأرنا من يشهد لك الخ والمراد بالموصول اليهود والنصارى وبالكتاب الجنس ~~المنتظم للتوراة والإنجيل وإيرادهم بعنوان إيتاء الكتاب للإيذان بمدار ما ~~اسند إليهم بقوله تعالى «يعرفونه» أي يعرفون رسول الله صه من جهة الكتابين ~~بحليته ونعوته المذكورة فيهما «كما يعرفون أبناءهم» بحلاهم بحيث لا يشكون ~~في ذلك أصلا روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال عمر ~~رضي الله عنه لعبد الله بن سلام أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية وكيف ~~هذه المعرفة فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رايته كما اعرف ابني ولأنا أشد ~~معرفة بمحمد مني بابني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله ~~تعالى «الذين خسروا أنفسهم» من أهل الكتابين والمشركين بأن ضيعوه فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها وأعرضوا عن البينات الموجبة للإيمان بالكلية «فهم لا ~~يؤمنون» لما أنهم مطبوع على قلوبهم ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره ~~الجملة المصدرة بالفاء لشبه الموصول بالشرط وقيل على أنه خبر مبتدأ محذوف ~~أي هم الذين خسروا الخ وقيل على أنه نعت ms0993 للموصول الأول وقيل النصب على الذم ~~فقوله تعالى فهم لا يؤمنون على الوجوه الأخيرة عطف على جملة الذين آتيناهم ~~الكتاب الخ «ومن PageV03P118 # أظلم ممن افترى على الله كذبا» بوصفهم النبي الموعود في الكتابين بخلاف ~~أوصافه صلى الله عليه وسلم فإنه افتراء على الله سبحانه وبقولهم الملائكة ~~بنات الله وقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك وهو إنكار واستبعاد لأن ~~يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أو مساويا له وإن كان سبك التركيب غير متعرض ~~لإنكار المساواة ونفيها يشهد به العرف الفاشي والاستعمال المطرد فإنه إذا ~~قيل من أكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد حتما أنه أكرم من كل كريم ~~وأفضل من كل فاضل ألا يرى إلى قوله عز وجل لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون بعد قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الخ والسر في ~~ذلك أن النسبة بين الشيئين إنما تتصور غالبا لا سيما في باب المغالبة ~~بالتفاوت زيادة ونقصانا فإذا لم يكن أحدهما أزيد يتحقق النقصان لا محالة ~~«أو كذب بآياته» كأن كذبوا بالقرآن الذي من جملته الآية الناطقة بأنهم ~~يعرفونه صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم وبالمعجزات وسموها سحرا ~~وحرفوا التوراة وغيروا نعوته صلى الله عليه وسلم فإن ذلك تكذيب بآياته ~~تعالى وكلمة أو للإيذان بأن كلا من الافتراء والتكذيب وحده بالغ غاية ~~الإفراط في الظلم فكيف وهم قد جمعوا بينهما فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ~~ونفوا ما أثبته قاتلهم الله أنى يؤفكون «أنه» الضمير للشأن ومدار وضعه ~~موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره وفائدته تصدير الجملة به الإيذان بفخامة ~~مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول ~~الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده ~~له فضل تمكن فكأنه قيل إن الشأن الخطير هذا هو «لا يفلح الظالمون» أي لا ~~ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب وإذا كان حال الظالمين هذا فما ظنك بمن ms0994 ~~في الغاية القاصية من الظلم «ويوم نحشرهم جميعا» منصوب على الظرفية بمضمر ~~مؤخر قد حذف إيذانا بضيق العبارة عن شرحه وبيانه وإيماء إلى عدم استطاعة ~~السامعين لسماعه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامة والداهية التامة كأنه ~~قيل ويوم نحشرهم جميعا «ثم نقول» لهم ما نقول كان من الأحوال والأهوال ما ~~لا يحيط به دائرة المقال وتقدير صيغة الماضي للدلالة على التحقق ولحسن موقع ~~عطف قوله تعالى ثم لم تكن الخ عليه وقيل منصوب على المفعولية بمضمر مقدم أي ~~واذكر لهم للتخويف والتحذير ويوم نحشرهم الخ وقيل وليتقوا أو ليحذروا يوم ~~نحشرهم الخ والضمير للكل وجميعا حال منه وقرئ يحشرهم جميعا ثم يقول بالياء ~~فيهما «للذين أشركوا» أي نقول لهم خاصة للتوبيخ والتقريع على رؤوس الأشهاد ~~«أين شركاؤكم» أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله سبحانه وإضافتها إليهم ~~لما أن شركتها ليست إلا بتسميتهم وتقولهم الكاذب كما ينبئ عنه قوله تعالى ~~«الذين كنتم تزعمون» أي تزعمونها شركاء فحذف المفعولان معا وهذا السؤال ~~المنبىء عن غيبة الشركاء مع عموم الحشر لها لقوله تعالى احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله وغير ذلك من النصوص إنما يقع بعد ما ~~جرى بينها وبينهم من التبرؤ من الجانبين وتقطع ما بينهم من الأسباب ~~والعلائق حسبما يحكيه قوله تعالى فزيلنا بينهم الخ ونحو ذلك من الآيات ~~الكريمة إما بعدم حضورها حينئذ في الحقيقة بإبعادها من ذلك الموقف وإما ~~بتنزيل PageV03P119 # عدم حضورها بعنوان الشركة والشفاعة منزلة عدم حضورها في الحقيقة إذ ليس ~~السؤال عنها من حيث ذواتها إنما هو من حيث أنها شركاء كما يعرب عنه الوصف ~~بالموصول ولا ريب في أن عدم الوصف يوجب عدم الموصوف من حيث هو موصوف فهي من ~~حيث هي شركاء غائبة لا محالة وإن كانت حاضرة من حيث ذواتها أصناما كانت أو ~~غيرها وأما ما يقال من أنه يحال بينها وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في ~~الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها فيروا مكان خزيهم وحسرتهم فربما يشعر ms0995 ~~بعدم شعورهم بحقيقة الحال وعدم انقطاع حبال رجائهم عنها بعد وقد عرفت أنهم ~~شاهدوها قبل ذلك وانصرمت عروة أطماعهم عنها بالكلية على أنها معلومة لهم من ~~حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ وإنما الذي يحصل يوم الحشر الانكشاف ~~الجلي واليقين القوي المترتب على المحاضرة والمحاورة «ثم لم تكن فتنتهم» ~~بتأنيث الفعل ورفع فتنتهم على أنه اسم له والخبر «إلا أن قالوا» وقرئ بنصب ~~فتنتهم على أنها الخبر والاسم إلا أن قالوا والتأنيث للخبر كما في قولهم من ~~كانت أمك وقرئ بالتذكير مع رفع الفتنة ونصبها ورفعها أنسب بحسب المعنى ~~والجملة عطف على ما قدر عاملا في يوم نحشرهم كما أشير إليه فيما سلف ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء وفتنتهم إما كفرهم مرادا به عاقبته أي لم ~~تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه مدة أعمارهم وافتخروا به شيئا من الأشياء إلا ~~جحدوه والتبرؤ منه بأن يقولوا «والله ربنا ما كنا مشركين» وأما جوابهم عبر ~~عنه بالفتنة لأنه كذب ووصفه تعالى بربوبيته لهم للمبالغة في التبرؤ من ~~الإشراك وقرئ بنا على النداء فهو لإظهار الضراعة والابتهال في استدعاء قبول ~~المعذرة وإنما يقولون ذلك مع علمهم بأنه بمعزل من النفع رأسا من فرط الحيرة ~~والدهش وحمله على معنى ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا في الدنيا أنا ~~على خطأ غي معتقدنا مما لا ينبغي أن يتوهم أصلا فإنه يوهم أن لهم عذرا أما ~~وأن لهم قدرة على الاعتذار في الجملة وذلك مخل بكمال هول اليوم قطعا على ~~أنه قد قضى ببطلانه قوله تعالى «انظر كيف كذبوا على أنفسهم» فإنه تعجيب من ~~كذبهم الصريح بإنكار صدور الإشراك عنهم في الدنيا أي انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم في قولهم ذلك فإنه أمر عجيب في الغاية وأما حمله على كذبهم في ~~الدنيا فتمحل يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقوله تعالى «وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون» عطف على كذبوا داخل معه في حكم التعجيب وما مصدرية أو موصولة قد ~~حذف عائدها والمعنى انظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة ms0996 المغلظة على أنفسهم ~~بإنكار صدور ما صدر عنهم وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا ~~يفترونه من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية وتبرءوا منه بالمرة وقيل ~~ما عبارة عن الشركاء وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على ~~أحوالها من الإلهية والشركة والشفاعة ونحوها للمبالغة في أمرها كأنها نفس ~~المفترى وقيل الجملة كلام مستأنف غير داخل في حيز التعجيب PageV03P120 # «ومنهم من يستمع إليك» كلام مبتدأ مسوق لحكاية ما صدر في الدنيا عن بعض ~~المشركين من أحكام الكفر ثم بيان ما سيصدر عنهم يوم الحشر تقريرا لما قبله ~~وتحقيقا لمضمونه والضمير للذين أشركوا ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ ~~باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف كما في قوله تعالى ومنادون ذلك أي وجمع ~~منا الخ ومن موصولة أو موصوفة محلها الرفع على الخبرية والمعنى وبعضهم أو ~~وبعض منهم الذي يستمع إليك أو فريق يستمع إليك على أن مناط الإفادة اتصافهم ~~بما في حيز الصلة أو الصفة لا كونهم ذوات أولئك المذكورين وقد مر في تفسير ~~قوله تعالى ومن الماس من يقول الخ روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر ~~وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا للنضر وكان صاحب أخبار يا ابا قتيلة ما يقول محمد فقال والذي جعلها ~~بيته ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما ~~حدثتكم من القرون الماضية فقال أبو سفيان إني لأراه حقا فقال أبو جهل كلا ~~فنزلت «وجعلنا على قلوبهم أكنة» من الجعل بمعنى الإنشاء وعلى متعلقه به ~~وضمير قلوبهم راجع إلى من وجمعيته بالنظر إلى معناها كما إن إفراد ضمير ~~يستمع بالنظر إلى لفظها وقد روعي جانب المعني في قوله تعالى ومنهم من ~~يستمعون إليك الآية والأكنة جمع كنان وهو ما يستر به الشيء وتنوينها ~~للتفخيم والجملة إما مستأنفة للإخبار بما تضمنه من الختم أو حال من فاعل ~~يستمع بإضمار قد عند من يقدرها قبل الماضي الواقع حالا ms0997 أي يستمعون إليك وقد ~~ألقينا على قلوبهم أغطية كثيرة لا يقادر قدرها خارجة عما يتعارفه الناس «أن ~~يفقهوه» أي كراهة أن يفقهوا ما يستمعونه من القرآن المدلول عليه بذكر ~~الاستماع ويجوز أن يكون مفعولا لما ينبئ عنه الكلام أي منعناهم أن يفقهوه ~~«وفي آذانهم وقرا» صمما وثقلا مانعا من سماعه والكلام فيه كما في قوله ~~تعالى على قلوبهم أكنة وهذا تمثيل معرب عن كمال جهلهم بشؤون النبي عليه ~~الصلاة والسلام وفرط نبوة قلوبهم عن فهم القرآن الكريم ومج أسماعهم له وقد ~~مر تحقيقه في أول سورة البقرة وقيل هو حكاية لما قالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر الآية وأنت خبير بأن مرادهم بذلك الإخبار بما ~~اعتقدوه في حق القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم جهلا وكفرا من اتصافهما ~~بأوصاف مانعة من التصديق والإيمان ككون القرآن سحرا وشعرا وأساطير الأولين ~~وقس على ما تخيلوه في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا الإخبار بأن هناك ~~أمرا وراء ذلك قد حال بينهم وبين إدراكه حائل من قبلهم حتى يمكن حمل النظم ~~الكريم على ذلك «وإن يروا كل آية» من الآيات القرآنية أي يشاهدوها بسماعها ~~«لا يؤمنوا بها» على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا بكل واحدى ة ~~منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي لما مر من حالهم «حتى إذا جاؤوك يجادلونك» ~~هي حتى التي تقع بعدها الجمل والجملة هي قوله تعالى إذا جاءوك «يقول الذين ~~كفروا» وما بينهما حال من فاعل جاءوك وإنما وضع الموصول موضع الضمير ذما ~~لهم بما في حيز الصلة وإشعارا لعلة الحكم أي بلغوا من PageV03P121 # التكذيب والمكابرة إلى أنهم إذا جاءوك مجادلين لك لا يكتفون بمجرد عدم ~~الإيمان بما سمعوا من الآيات الكريمة بل يقولون «إن هذا» أي ما هذا «إلا ~~أساطير الأولين» فإن عد أحسن الحديث وأصدقه الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه من قبيل الأباطيل والخرافات رتبة من الكفر لا غاية وراءها ~~ويجوز أن تكون حتى ms0998 جارة وإذا ظرفية بمعنى وقت مجيئهم ويجادلونك حال كما سبق ~~وقوله تعالى يقول الذين كفروا الخ تفسير للمجادلة والأساطير جمع أسطورة أو ~~اسطارة أم جمع أسطار وهو جمع سطر بالتحريك وأصل الكل السطر بمعنى الخط «وهم ~~ينهون عنه» الضمير المرفوع للمذكورين والمجرور للقرآن أي لا يقنعون بما ذكر ~~من تكذيبه وعده من قبيل الأساطير بل ينهون الناس عن استماعه لئلا يقفوا على ~~حقيته فيؤمنوا به «وينأون عنه» أي يتباعدون عنه بأنفسهم إظهارا لغاية ~~نفورهم عنه وتأكيدا لنهيهم عنه فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات ~~النهي ولعل ذلك هو السر في تأخير النأي عن النهي وقيل الضمير المجرور للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وقيل المرفوع لأبي طالب ولعل جمعيته باعتبار استتباعه ~~لاتباعه فإنه كان ينهى قريشا عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وينأى عنه فلا يؤمن به وروي أنهم اجتمعوا إليه وأرادوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سوءا فقال * والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب ~~دفينا * فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منه عيونا * ودعوتني ~~وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا * وعرضت دينا لا محالة أنه من خير ~~أديان البرية دينا * لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا ~~فنزلت «وإن يهلكون» أي ما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي «إلا أنفسهم» ~~بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه عاجلا وآجلا وهو عذاب الضلال والإضلال وقوله ~~تعالى «وما يشعرون» حال من ضمير يهلكون أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم ~~والحال أنهم ما يشعرون أي لا بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير ~~أن يضروا بذلك شيئا من القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإنما ~~عبر عنه بالإهلاك مع أن المنفي عن غيرهم مطلق الضرر إذ غاية ما يؤدي إليه ~~ما فعلوا من القدح في القرآن الكريم الممانعة في تمشي أحكامه وظهور أمر ~~الدين للإيذان بأن ما يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق على أن مقصدهم لم ~~يكن مطلق الممانعة ms0999 فيما ذكر بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين ويجوز أن يكون الإهلاك معتبرا بالنسبة إلى الذين ~~يضلونهم بالنهي فقصره على أنسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبني على تنزيل ~~عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم «ولو ترى إذ وقفوا على النار» ~~شروع في حكاية ما سيصدر عنهم يوم القيامة من القول المناقض لما صدر عنهم في ~~الدنيا من القبائح المحكية مع كونه كذبا في نفسه والخطاب إما لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد PageV03P122 # من أهل المشاهدة والعيان قصدا إلى بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من ~~الشناعة والفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة ~~الأمور العجيبة بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها وجواب ~~لو محذوف ثقة بظهوره وإيذانا بقصور العبارة عن تفصيله وكذا مفعول ترى ~~لدلالة ما في حيز الظرف عليه لو تراهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها ~~لرأيت ما لا يسعه التعبير وصيغة الماضي للدلالة على التحقق أو حين يطلعون ~~عليها إطلاعا وهي تحتهم أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها من قولهم وقفته ~~على كذا إذا فهمته وعرفته وقرئ وقفوا على البناء للفاعل من وقف عليه وقوفا ~~«فقالوا يا ليتنا» اي إلى الدنيا تمنيا للرجوع والخلاص وهيهات ولات حين ~~مناص «ولا نكذب بآيات ربنا» أي بآياته الناطقة بأحوال النار وأهوالها ~~الآمرة باتقائها إذ هي التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما فرطوا في ~~حقها أو بجميع ى يأته المنتظمة لتلك الآيات انتظاما أوليا «ونكون من ~~المؤمنين» بها العاملين بمقتضاها حتى لا نرى هذا الموقف الهائل أو نكون من ~~فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحسن المآب ونصب الفعلين على ~~جواب التمني بإضمار أن بعد الواو وإجرائها مجرى الفاء ويؤيده قراءة ابن ~~مسعود وابن إسحق فلا نكذب والمعنى إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين وقيل ~~ينسبك من أن المصدرية ومن الفعل بعدها مصدر متوهم فيعطف هذا عليه كأنه قيل ~~ليت لنا ردا وانتفاء ms1000 تكذيب وكونا من المؤمنين وقرئ برفعهما على أنه كلام ~~مستأنف كقوله دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني أو عطف ~~على نرد أو حال من ضميره فيكون داخلا في حكم التمني كالوجه الخير للنصب ~~وتعلق التكذيب الآتي به لما تضمنه من العدة بالإيمان وعدم التكذيب كمن قال ~~ليتني رزقت مالا فأكافئك على صنيعك فإنه متمن في معنى الواعد فلو رزق مالا ~~ولم يكافىء صاحبه يكون مكذبا لا محالة وقرئ برفع الأول ونصب الثاني وقد مر ~~وجههما «بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل» إضراب عما ينبئ عنه التمني من ~~الوعد بتصديق الآيات والإيمان بها أي ليس ذلك عن عزيمة صادقة ناشئة عن رغبة ~~في الإيمان وشوق إلى تحصيله والاتصاف به بل لأنه ظهر لهم في موقفهم ذلك ما ~~كانوا يخفونه في الدنيا من الداهية الدهياء وظنوا أنهم مواقعوها فلخوفها ~~وهول مطلعها قالوا ما قالوا والمراد بها النار التي وقفوا عليها إذ هي التي ~~سيق الكلام لتهويل أمرها والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها وبإخفائها ~~تكذيبهم بها فإن التكذيب بالشيء كفر به وإخفاء له لا محالة وإيثاره على ~~صريح التكذيب الوارد في قوله عز وجل هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون وقوله ~~تعالى هذه النار التي كنتم بها تكذبون مع كونه أنسب بما قبله من قولهم ولا ~~نكذب بآيات ربنا لمراعاة ما في مقابلته من البدو هذا هو الذي تستدعيه جزالة ~~النظم الكريم وأما ما قيل من أن المراد بما يخفون كفرهم ومعاصيهم أو ~~قبائحهم وفضائحهم التي كانوا يكتمونها من الناس فتظهر في صحفهم وبشهادة ~~جوارحهم عليهم أو شركهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم والله ~~ربنا ما كنا مشركين ثم يظهر بما ذكر من شهادة الجوارح عليهم أو ما أخفاه ~~رؤساء PageV03P123 # الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماء أهل الكتابين ~~من صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته الشريفة عن عوامهم على أن ~~الضمير المجرور للعوام والمرفوع للخواص ms1001 أو كفرهم الذي أخفوه عن المؤمنين ~~والضمير المجرور للمؤمنين والمرفوع للمنافقين فبعد الإغضاء عما في كل منها ~~من الاعتساف والاختلال لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلا لما عرفت من أن سوق ~~النظم الشريف لتهويل أمر النار وتفظيع حال أهلها وقد ذكر وقوفهم عليها ~~وأشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحيرة والدهشة ما لا ~~يحبط به الوصف ورتب عليه تمنيهم المذكور بالفاء القاضية بسببية ما قبلها ~~لما بعدها فإسقاط النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي ~~وأزجر الزواجر وإسنادها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول ~~والزجر مع عدم جريان ذكرها ثمة أمر يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله وأما ~~ما قيل من أن المراد جزاء ما كانوا يخفون فمن قبيل دخول البيوت من ظهورها ~~وأبوابها مفتوحة فتأمل «ولو ردوا» أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا حسبما تمنوه ~~وغاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال «لعادوا لما نهوا عنه» من فنون القبائح ~~التي من جملتها التكذيب المذكور ونسوا ما عاينوه بالكلية لاقتصار أنظارهم ~~على الشاهد دون الغائب «وإنهم لكاذبون» أي لقوم ديدنهم الكذب في كل ما ~~يأتون وما يذرون «وقالوا» عطف على عادوا داخل في حيز الجواب وتوسيط قوله ~~تعالى وإنهم لكاذبون بينهما لأنه اعتراض مسوق لتقرير ما أفاده الشرطية من ~~كذبهم المخصوص ولو أخر لأوهم أن المراد تكذيبهم في إنكارهم البعث والمعنى ~~لوردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وقالوا «إن هي» أي ما الحياة «إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين» بعد ما فارقنا هذه الحياة كأن لم يروا ما ~~رأوا من الأحوال التي أولها البعث والنشور «ولو ترى إذ وقفوا على ربهم» ~~الكلام فيه كالذي مر في نظيره خلا أن الوقوف ههنا مجاز عن الحبس للتوبيخ ~~والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب وقيل عرفوا ربهم حق ~~التعريف وقل وقفوا على جزاء ربهم وقوله تعالى «قال» استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من الكلام السابق كأنه قيل فماذا قال ms1002 لهم ربهم إذ ذاك فقيل قال «أليس ~~هذا» مشيرا إلى ما شاهدوه من البهث وما يتبعه من الأمور العظام «بالحق» ~~تقريعا لهم على تكذيبهم لذلك وقولهم عند سماع ما يتعلق به ما هو بحق وما هو ~~إلا باطل «قالوا» استئناف كما سبق «بلى وربنا» أكدوا اعترافهم باليمين ~~إظهارا لكمال يقينهم بحقيته وإيذانا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط معا في ~~نفعه «قال» استئناف كما مر «فذوقوا العذاب» الذي عاينتموه والفاء لترتيب ~~التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا لكن لا على أن مدار ~~التعذيب هو اعترافهم بذلك بل هو كفرهم السابق بما اعترفوا بحقيته الآن كما ~~نطق به قوله عز وجل «بما كنتم تكفرون» أي بسبب كفركم في الدنيا بذلك أو ~~PageV03P124 # بكل ما يجب الإيمان به فيدخل كفرهم به دخولا أوليا ولعل هذا التوبيخ ~~والتقريع وإنما يقع بعد ما وقفوا على النار فقالوا ما قالوا إذ الظاهر أنه ~~لا يبقى بعد هذا الأمر إلا العذاب «قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله» هم ~~الذين حكيت أحوالهم لكن وضع الموصول موضع الضمير للإيذان بتسبب خسرانهم بما ~~في حيز الصلة من التكذيب بلقائه تعالى بقيام الساعة وما يترتب عليه من ~~البعث وأحكامه المتفرعة عليه واستمرارهم على ذلك فإن كلمة حتى في قوله ~~تعالى «حتى إذا جاءتهم الساعة» غاية لتكذيبهم لا لخسرانهم فإنه أبدى لا حد ~~له «بغتة» البغت والبغتة مفاجأة للشيء بسرعة من ير شعور به يقال بغة بغتا ~~وبغتة أي فجأة وانتصابها إما على أنها مصدر واقع موقع الحال من فاعل جاءتهم ~~أي مباغتة أو من مفعول أي مبغوتين وإما على أنها مصدر مؤكد على غير الصدر ~~فإن جاءتهم في معنى بغتتهم كقولهم أتيته ركضا أو مصدر مؤكد لفعل محذوف وقع ~~حالا من فاعل جاءتهم أي جاءتهم الساعة تبغتهم بغتة «قالوا» جواب إذا «يا ~~حسرتنا» تعالى فهذا أوانك والحسرة شدة الندم وهذا التحسر وإن كان يعتريهم ~~عند الموت لكن لما كان ذلك من مبادئ الساعة يمي باسمها ولذلك قال عليه ~~الصلاة ms1003 والسلام من مات فقد قامت قيامته أو جعل مجىء الساعة بعد الموت ~~كالواقع بغير فترة لسرعته «على ما فرطنا فيها» أي على تفريطنا في شأن ~~الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالإيمان بها واكتساب ~~الأعمال الصالحة كما في قوله تعالى على ما فرطت في جنب الله وقيل الضمير ~~للحياة الدنيا وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة والتفريط التقصير في الشيء ~~مع القدرة على ما فعله وقيل هو التضييع وقيل الفرط السبق ومنه الفارط أي ~~السابق ومعنى فرط خلى السبق لغيره فالتضعيف فيه للسلب كما في جلدت البعير ~~وقوله تعالى «وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم» حال من فاعل قالوا فائدته ~~الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة على ما فات وزال بل ~~يقاسون مع ذلك تحمل الأوزار الثقال والإيماء إلى أن تلك الحسرة من الشدة ~~بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات والسر في ذلك أن ~~العذاب الروحاني أشد من الجسماني نعوذ برحمة الله عز وجل منهما والوزر في ~~الأصل الحمل الثقيل سمى به الإثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه وذكر الظهور ~~كذكر الأيدي في قوله تعالى فبما كسبت أيديكم فإن المعتاد حمل الأثقال على ~~الظهور كما أن المألوف هو الكسب بالأيدي والمعنى أنهم يتحسرون على ما لم ~~يعملوا من الحسنات والحال أنهم يحملون أوزار ما عملوا من السيئات «ألا ساء ~~ما يزرون» تذييل مقرر لما قبله وتكملة له أي بئس شيئا يزرونه وزرهم «وما ~~الحياة الدنيا إلا لعب ولهو» لما حقق فيما سبق أن وراء الحياة الدنيا حياة ~~أخرى يلقون فيها من الخطوب ما يلقون بين بعده حال تينك الحياتين في أنفسهما ~~واللعب PageV03P125 # عمل يشغل النفس ويفطرها عما تنتفع به واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل ~~والمعنى إما على حذف المضاف أو على جعل الحياة الدنيا نفس اللعب واللهو ~~مبالغة كما في قول الخنساء فإنما هي إقبال وإدبار أي وما أعمال الدنيا أي ~~الأعمال المتعلقة بها من حيث هي هي أو وما ms1004 هي من حيث أنها محل لكسب تلك ~~الأعمال إلا لعب يشغل الناس ويلهيهم بما فيه من منفعة سريعة الزوال ولذة ~~وشيكة الاضمحلال عما يعقبهم منفعة جليلة باقية ولذة حقيقية غير متناهية من ~~الإيمان والعمل الصالح «وللدار الآخرة» التي هي محل الحياة الأخرى «خير ~~للذين يتقون» الكفر والمعاصي لأن منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير ~~منغصة بالآلام مستمرة على الدوام «أفلا تعقلون» ذلك حتى تتقوا ما أنتم عليه ~~من الكفر والعصيان والفاء للعطف على مقدار أي تغفلون فلا تعقلون أو ألا ~~تتفكرون فتعقلون وقرئ يعقلون على الغيبة «قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون» ~~استئناف مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه ~~مما حكى عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه ببيان أنه عليه ~~الصلاة والسلام بمكانة من الله عز وجل وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه ~~تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة أشد انتقام وكلمة قد لتأكيد ~~العلم بما ذكر المفيد لتأكيد الوعيد كما في قوله تعالى ما أنتم عليه وقوله ~~تعالى قد يعلم الله المعوقين ونحوهما بإخراجها إلى معنى التكثير حسبما يخرج ~~إليه ربما في مثل قوله * وإن تمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود ~~وفود جريا على سنن العرب عند قصد الإفراط في التكثير تقول لبعض قواد ~~العساكر كم عندك من الفرسان فيقول رب فارس عندي وعنده مقانب جمة يريد بذلك ~~التمادي في تكثير فرسانه ولكنه يروم إظهار براءته عن التزيد وإبراز أنه ممن ~~يقلل كثير ما عنده فضلا عن تكثير القلل وعليه قوله عز وجل ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين وهذه طريقة إنما تسلك عند كون الأمر من الوضوح بحيث ~~لا تحوم حوله شائبة ريب حقيقة كما في الآيات الكريمة المذكورة أو ادعاء كما ~~في البيت وقوله * قد أترك القرن مصفرا أنامله وقوله ولكنه قد يهلك المال ~~نائله والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة تعلقه وهو متعد إلى اثنين وما بعده ~~ساد مسدهما واسم إن ضمير ms1005 الشأن وخبرها الجملة المفسرة له والموصول فاعل ~~يحزنك وعائده محذوف أي الذي يقولونه وهو ما حكى عنهم من قولهم إن هذا إلا ~~أساطير الأولين ونحو ذلك وقرئ ليحزنك من أحزن المنقول من حزن اللام وقوله ~~تعالى «فإنهم لا يكذبونك» تعليل لما يشعرون به الكلام السابق من النهي عن ~~الاعتداد بما قالوا لكن لا بطريق التشاغل عنه وعده هينا والإقبال التام على ~~ما هو أهم منه من استعظام جحودهم بآيات الله عز وجل كما قيل فإنه مع كونه ~~بمعزل من التسلية بالكلية مما يوهم كون حزنه عليه الصلاة والسلام لخاصة ~~نفسه بل بطريق التسلي بما يفيده من بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة ~~القدر ورفعه المحل والزلفى من الله عز وجل إلى حيث لا غاية وراءه حيث لم ~~يقتصر على جعل تكذيبه صلى الله عليه وسلم تكذيبا لآياته سبحانه على طريقة ~~قوله تعالى من يطع الرسول PageV03P126 # فقد أطاع الله بل نفى تكذيبهم عنه صلى الله عليه وسلم وأثبت لآياته تعالى ~~على طريقة قوله تعالى إن الذين يبايعونك إنما ينعون الله إيذانا بكمال ~~القرب واضمحلال شؤونه صلى الله عليه وسلم في شأن الله عز وجل نعم فيه ~~استعظام لجناياتهم منبىء عن عظم عقوبتهم كأنه قيل لا تعتد به وكله إلى الله ~~تعالى فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذبونك في الحقيقة «ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون» أي ولكنهم بآياته تعالى يكذبون فوضع المظهر موضع المضمر ~~تسجيلا عليهم بالرسوخ في الظلم الذي جحودهم هذا فن من فنونه والالتفات إلى ~~الاسم الجليل لتربية المهابة واستعظام ما أقدموا عليه من جحود آياته تعالى ~~وإيراد الجحود في مورد التكذيب للإيذان بأن آياته تعالى من الوضوح بحيث ~~يشاهد صدقها كل أحد وأن من ينكرها فإنما ينكرها بطريق الجحود الذي هو عبارة ~~عن الإنكار مع العلم بخلافه كما في قوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم وهو المعنى بقول من قال أنه نفي ما في القلب إثباته أو إثبات ما في ~~القلب نفيه والباء متعلقة بيجحدون يقال جحد حقه وبحقه ms1006 إذا أنكره وهو يعلمه ~~وقيل هو لتضمين الجحود معنى التكذيب وأيا ما كان فتقديم الجار والمجرور ~~للقصر وقيل المعنى فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم ويعضده ~~ما روي من أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل يا ابا الحكم أخبرني عن محمد ~~أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له والله إن محمدا لصادق ~~وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا ~~يكون لسائر قريش فنزلت وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم ~~كانوا يجحدون وقيل فإنهم لا يكذبونك لأنهم عندهم الصادق الموسوم بالصدق ~~ولكنهم يجحدون بآيات الله كما يروى أن ابا جهل كان يقول لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما نكذبك وإنك عندنا لصادق ولكنا نكذب ما جئتنا به فنزلت ~~وكأن صدق المخبر عند الخبيث بمطابقة خبره لاعتقاده والأول هو الذي تستدعيه ~~الجزالة التنزيلية وقرئ لا يكذبونك من الإكذاب فقيل كلاهما بمعنى واحد ~~كأكثر وكثر وأنزل نزل وهو الأظهر وقيل معنى أكذبه وجده كاذبا ونقل عن ~~الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل أي نسبت الكذب إليه وأكذبته أي نسبت ~~الكذب إلى ما جاء به لا إليه وقوله تعالى «ولقد كذبت رسل من قبلك» افتنان ~~في تسليته عليه الصلاة والسلام فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين ~~وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلا الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام ~~عليهم الصلاة والسلام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأذية وعدة ~~ضمنية له عليه الصلاة والسلام بمثل ما منحوه من النصر وتصدير الكلام بالقسم ~~لتأكيد التسلية وتنوين رسل للتفخيم والتكثر ومن إما متعلقة بكذبت أو بمحذوف ~~وقع صفة لرسل أي وبالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أول شأن خطير وذوو عدد ~~كثير أو كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك «فصبروا على ما كذبوا» ما مصدرية ~~وقوله PageV03P127 # تعالى ms1007 «وأوذوا» عطف على كذبوا داخل في حكمه فانسبك منهما مصدران من ~~المبني للمفعول أي فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم فتأس بهم واصطبر على ما ~~نالك من قومك والمراد بإيذائهم إما عين تكذيبهم وإما ما يقارنه من فنون ~~الإيذاء لم يصرح به ثقة باستلزام التكذيب إياه غالبا وأياما كان ففيه تأكيد ~~للتسلية وقيل عطف على صبروا وقيل على كذبت وقيل هو استئناف وقوله تعالى ~~«حتى أتاهم نصرنا» غاية للصبر وفيه إيذان بأن نصره تعالى إياهم أمر مقرر لا ~~مرد له وأنه متوجه إليهم لا بد من إتيانه البتة والالتفات إلى نون العظمة ~~لإبراز الاعتناء بشأن النصر وقوله تعالى «ولا مبدل لكلمات الله» اعتراض ~~مقرر لما قبله من إتيان نصره إياهم والمراد بكلماته تعالى ما ينبئ عنه قوله ~~تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ~~الغالبون وقوله تعالى كتب الله لأغلبن أنا ورسلي من المواعيد السابقة للرسل ~~عليهم الصلاة والسلام الدالة على نصرة رسول الله أيضا لا نفس الآيات ~~المذكورة ونظائرها فإن الإخبار بعدم تبدلها إنما يفيد عدم تبدل المواعيد ~~الواردة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة جون المواعيد السابقة للرسل ~~عليهم الصلاة والسلام ويجوز أن يراد بكلماته تعالى جميع كلماته التي من ~~جملتها تلك المواعيد الكريمة ويدخل فيها المواعيد الواردة في حقه عليه ~~الصلاة والسلام دخولا أوليا والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم ~~فإن الألوهية من موجبات أن لا يغالبه أحد في فعل من الأفعال ولا يقع منه ~~تعالى خلف في قول من الأقوال وقوله تعالى «ولقد جاءك من نبإ المرسلين» جملة ~~قسمية جئ بها لتحقيق ما منحوا من النصر وتأكيد ما في ضمنه من الوعد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لتقرير جميع ما ذكر من تكذيب الأمم وما ترتب ~~عليه من الأمور والجار والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار ~~مضمونه أي بعض نبأ المرسلين أو بتقدير الموصوف أي بعض من نبأ المرسلين كما ~~مر في تفسير قوله تعالى ms1008 ومن الناس من يقول آمنا بالله الآية وأياما كان ~~فالمراد بنبئهم عليهم السلام على الأول نصره تعالى إياهم بعد اللتيا والتي ~~وعلى الثاني جميع ما جرى بينهم وبين أممهم على ما ينبئ عنه قوله تعالى أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا الآية وقيل في محل النصب على الحالية من المستكن في جاء ~~العائد إلى ما يفهم من الجملة السابقة أي ولقد جاءك هذا الخبر كائنا من نبأ ~~المرسلين «وإن كان كبر عليك إعراضهم» كلام مستأنف مسوق لتأكيد إيجاب الصبر ~~المستفاد من التسلية ببيان أنه أمر لا محيد عنه أصلا أي إن كان عظم عليك ~~وشق إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن الكريم حسبما يفصح عنه ما حكى ~~عنهم من تسميتهم له أساطير الأولين وتنائيهم عنه ونهيهم الناس عنه وقيل إن ~~الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~محضر من قريش فقال يا محمد ائتنا بآية من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل ~~وأنا أصدقك فأبى الله أن يأتي بآية مما اقترحوا فأعرضوا عن رسول ~~PageV03P128 # الله فشق ذلك عليه لما أنه عليه الصلاة السلام كان شديد الحرص على إيمان ~~قومه فكان إذا سألوا آية يود أن ينزلها الله تعالى طمعا في إيمانهم فنزلت ~~فقوله تعالى إعراضهم مرتفع بكبر وتقديم الجار والمجرور عليه لما مر مرارا ~~من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخرة والجملة في محل النصب على أنها ~~خبر لكان مفسرة لاسمها الذي هو ضمير الشأن ولا حاجة إلى تقدير قد وقيل اسم ~~كان إعراضهم وكبر جملة فعليه في محل النصب على أنها خبر لها مقدم على اسمها ~~لأنه فعل رافع لضمير مستتركا هو المشهور وعلى التقديرين فقوله تعالى «فإن ~~استطعت» الخ شرطية أخرى محذوفة الجواب وقعت جوابا للشرط الأول والمعنى إن ~~شق عليك إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من البينات وعدم عدهم لها من قبيل ~~الآيات وأحببت أن تجيبهم ms1009 إلى ما سألوه اقتراحا فإن استطعت «أن تبتغي نفقا» ~~أي سربا ومنفذا «في الأرض» تنفذ فيه إلى جوفها «أو سلما» أي مصعدا «في ~~السماء» تعرج به فيها «فتأتيهم» منهما «بآية» مما اقترحوه فافعل وقد جوز أن ~~يكون ابتغاؤهما نفس الإتيان بالآية فالفاء في فتأتيهم حينئذ تفسيرية وتنوين ~~آية للتفخيم أي فإن استطعت أن تبتغيهما فتجعل ذلك آية لهم فافعل والظرفان ~~متعلقان بمحذوفين هما نعتان لنفقا وسلما والأول لمجرد التأكيد إذ النفق لا ~~يكون إلا في الأرض أو تبتغي وقد جوز تعلقهما بمحذوف وقع حالا من فاعل تبتغي ~~أي أن تبتغي نفقا كائنا أنت في الأرض أو سلما كائنا في السماء وفيه من ~~الدلالة على تبالغ حرصه عليه الصلاة والسلام على إسلام قومه وتراميه إلى ~~حيث لو قدر على أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لفعل رجاء ~~لإيمائهم ما لا يخفى وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذكر ~~من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه «ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى» أي ولو شاء الله تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهدى ~~لفعله بأن يوفقهم للإيمان فيؤمنوا معكم ولكن لم يشأ لعد صرف اختيارهم إلى ~~جانب الهدى مع تمكنهم التام منه في مشاهدتهم للآيات الداعية إليه لا أنه ~~تعالى لم يوفقهم له مع توجههم إلى تحصيله وقيل لو شاء الله لجمعهم عليه بأن ~~يأتيهم بآية ملجئة إليه ولكن لم يفعله لخروجه عن الحكمة وقوله تعالى «فلا ~~تكونن من الجاهلين» نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان عليه من ~~الحرص الشديد على إسلامهم والميل إلى إتيان ما يقترحونه من الآيات طمعا في ~~إيمائهم مرتب على بيان عدم تعلق مشيئته تعالى بهدايتهم والمعنى وإذا عرفت ~~أنه تعالى لم يشأ هدايتهم وإيمائهم بأحد الوجهين فلا تكونن بالحرص الشديد ~~على إسلامهم أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى ~~التي من حملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمائهم أما ms1010 اختيارا ~~فلعدم توجههم إليه وأما اضطرارا فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على ~~الاختيار ويجوز أن يراد بالجاهلين على الوجه الثاني المقترحون ويراد بالنهي ~~منعه عليه الصلاة والسلام من المساعدة على اقتراحهم وإيرادهم بعنوان الجهل ~~دون الكفر ونحوه لتحقيق مناط النهي الذي هو الوصف الجامع بينه عليه الصلاة ~~والسلام وبينهم «إنما يستجيب PageV03P129 # الذين يسمعون» تقرير لما مر من أن على قلوبهم أكنة مانعة من الفقه وفي ~~آذانهم وقرا حاجزا من السماع وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى لا يتصور ~~منهم الإيمان البتة والاستجابة الإجابة المقارنة للقبول أي إنما يقبل دعوتك ~~إلى الإيمان اللذين يسمعون ما يلقي إليهم سماع تفهم وتدبر جون الموتى الذين ~~هؤلاء منهم كقوله تعالى إنك لا تسمع الموتى وقوله تعالى «والموتى يبعثهم ~~الله» تمثيل لاختصاصه تعالى بالقدرة على توفيقهم للإيمان باختصاصه تعالى ~~بالقدرة على بعث الموتى من القبور وقيل بيان لاستمرارهم على الكفر وعدم ~~إقلاعهم عنه أصلا أن الموتى من القبور وقيل بيان مستعار للكفرة بناء على ~~تشبيه جهلهم بموتهم أي وهؤلاء الكفرة يبعثهم الله تعالى من قبورهم «ثم إليه ~~يرجعون» للجزاء فحينئذ يستجيبون وأما قبل ذلك فلا سبيل إليه وقرئ يرجعون ~~على البناء للفاعل من رجع من رجوعا والمشهورة أو في بحق المقام لأنبائه عن ~~كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار «وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه» ~~حكاية لبعض آخر من أباطيلهم بعد حكاية ما قالوا في حق القرآن الكريم وبيان ~~ما يتعلق به والقائلون رؤساء قريش وقيل الحرث بن عامر بن نوفل وأصحابه ولقد ~~بلغت بهم الضلالة والطغيان إلى حيث لم يقتنعوا بما شاهدوا من البينات التي ~~تخر لها صم الجبال حتى اجترءوا على ادعاء أنها ليست من قبيل الآيات وإنما ~~هي ما اقترحوه من الخوارق الملجئة أو المعقبة للعذاب كما قالوا اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية والتنزيل بمعنى ~~الإنزال كما ينبئ عنه القراءة بالتخفيف فيما سيأتي وما يفيده التعرض لعنوان ~~ربوبيته تعالى له عليه الصلاة ms1011 والسلام من الإشعار بالعلية إنما هو بطريق ~~التعريض بالتهكم من جهتهم وإطلاق الآية في قوله تعالى «قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية» مع أن المراد بها ما هو من الخوارق المذكورة لا آية ما من ~~الآيات لفساد المعنى مجاراة معهم على زعمهم ويجوز أن يراد بها آية موجبة ~~لهلاكهم كإنزال ملائكة العذاب ونحوه على أن تنوينها للتفخيم والتهويل كما ~~أن إظهار الاسم الجليل لتربية المهابة مع ما فيه من الإشعار بعلة القدرة ~~الباهرة والاقتصار في الجواب على بيان قدرته تعالى على تنزيلها مع أنها ~~ليست في حيز الإنكار للإيذان بأن عدم تنزيله تعالى إياها مع قدوته عليه ~~لحكمة بالغة يجب معرفتها وهم عنها غافلون كما ينبئ عنه الاستدراك بقوله ~~تعالى «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أي ليسوا من أهل العلم على أن المفعول مطروح ~~بالكلية أو لا يعلمون شيئا على أنه محذوف مدلول عليه بقرينة المقام والمعنى ~~أنه تعالى قادر على أن ينزل آية من ذلك أو آية أي آية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون فلا يدرون أن عدم تنزيلها مع ظهور قدرته عليه لما أفي تنزيلها قلعا ~~لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختيار أو استئصالا لهم بالكلية ~~فيقترحونها جهلا ويتخذون عدم تنزيلها ذريعة إلى التكذيب وتخصيص عدم العلم ~~بأكثرهم لما أن بعضهم واقفون على حقيقة PageV03P130 # الحال وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعنادا وقوله تعالى «وما من دابة في ~~الأرض» الخ كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته عز وجل وشمول علمه وسعة ~~تدبيره ليكون كالدليل على أنه تعالى قادر على تنزيل الآية وإنما لا ينزلها ~~محافظة على الحكم البالغة وزيادة من لتأكيد الاستغراق وفي متعلقة بمحذوف هو ~~وصف لدابة مفيد لزيادة التعميم كأنه قيل وما فرد من أفراد الدواب يستقر في ~~قطر من أقطار الأرض وكذا زيادة الوصف في قوله تعالى «ولا طائر يطير ~~بجناحيه» مع ما فيه من زيادة التقرير أي ولا طائر من الطيور يطير في ناحية ~~من نواحي الجو بجناحيه كما هو المشاهد المعتاد وقرئ ولا طائر ms1012 بالرفع عطفا ~~على محل الجار والمجرور كأنه قيل وما من دابة ولا طائر «إلا أمم» أي طوائف ~~متخالفة والجمع باعتبار المعنى كأنه قيل وما من دواب ولا طير إلا أمم ~~«أمثالكم» أي كل أمة منها مثلكم في أن أحوالها محفوظة وأمورها مقننة ~~ومصالحها مرعية جارية على سنن السداد ومنتظمة في سلك التقديرات الإلهية ~~والتدبيرات الربانية «ما فرطنا في الكتاب من شيء» يقال فرط الشيء أي ضيعه ~~وتركه قال ساعدة بن حوية معه سقاء لا يفرط حمله أي لا يتركه ولا يفارقه ~~ويقال فرط في الشيء أي أهمل ما ينبغي أن يكون فيه وأغفله فقوله تعالى في ~~الكتاب أي في الرقى ن على الأول ظرف لغو وقوله تعالى من شيء مفعول لفرطنا ~~ومن مزيدة للاستغراق أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي من ~~جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي وعلى الثاني ~~مفعول للفعل ومن شيء في موضع المصدر أي ما جعلنا الكتاب مفرطا فيه شيئا من ~~التفريط بل ذكرنا فيه كل ما لا بد من ذكره وأيا ما كان فالجملة اعتراض مقرر ~~لمضمون ما قبلها وقيل الكتاب اللوح فالمراد بالاعتراض الإشارة إلى أن أحوال ~~الأمم مستقصاة في اللوح المحفوظ غير مقصورة على هذا القدر المجمل وقرئ ~~فرطنا بالتخفيف وقوله تعالى «ثم إلى ربهم يحشرون» بيان لأحوال الأمم ~~المذكورة في الآخرة بعد بيان أحوالها في الدنيا وإيراد ضميرها على صيغة جمع ~~العقلاء لإجرائها مجراهم والتعبير عنها بالأمم أي إلى مالك أمورهم يحشرون ~~يوم القيامة كدأبكم لا إلى غيره فيجازيهم فينصف بعضهم من بعض حتى يبلغ من ~~عدله أن يأخذ للجماء من القرناء وقيل حشرها موتها ويأباه مقام تهويل الخطب ~~وتفظيع الحال وقوله تعالى «والذين كذبوا بآياتنا» متعلق بقوله تعالى ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء والموصول عبارة عن المعهودين في قوله تعالى ومنهم ~~من يستمع إليك الآيات ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده أي أوردنا في ~~القرآن جميع الأمور المهمة وأزحنا به العلل ms1013 ة والأعذار والذين كذبوا ~~بآياتنا PageV03P131 # التي هي منه «صم» لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمونها أساطير ~~الأولين ولا يعدونها من الآيات ويقترحون غيرها «وبكم» لا يقدرون على أن ~~ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك بها وقوله تعالى «في الظلمات» أي في ~~ظلمات الكفر أو ظلمات الجهل والعناد والتقليد إما خبر ثان للمبتدأ على أنه ~~عبارة عن العمى كما في قوله تعالى صم بكم عمي وإما متعلق بمحذوف وقع حالا ~~من المستكن في الخبر كأنه قيل ضالون كائنين في الظلمات أو صفة لبكم أي بكم ~~كائنون في الظلمات والمراد به بيان كمال عراقتهم في الجهل وسوء الحال فإن ~~الأصم الأبكم إذا كان بصيرا ربما يفهم شيئا بإشارة غيره وإن لم يفهمه ~~بعبارته وكذا يشعر غيره بما في ضميره بالإشارة وإن كان معزولا عن العبارة ~~وأما إذا كان مع ذلك أعمى أو كان في الظلمات فينسد عليه باب الفهم والتفهيم ~~بالكلية وقوله تعالى «من يشأ الله يضلله» تحقيق للحق وتقرير لما سبق ممن ~~حالهم ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلا فمن مبتدأ خبره ~~ما بعد ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة من وقوعها شرطا وكون ~~مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة في تعلقها به أي من يشأ الله إضلاله ~~أي أن يخلق فيه الضلال يضلله أي يخلقه فيه لكن لا ابتداء بطريق الجبر من ~~غير أن يكون له دخل ما في ذلك بل عند صرف اختياره إلى كسبه وتحصيله وقس ~~عليه قوله تعالى «ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم» لا يضل من ذهب إليه ولا ~~يزل من ثبت قدمه عليه «قل أرأيتكم» أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يبكتهم ويلقمهم الحجر بما لا سبيل لهم إلى النكير والكاف حرف جئ به لتأكيد ~~الخطاب لا محل له من الإعراب ومبنى التركيب وإن كان على الاستخبار عن ~~الرؤية قلبية كانت أو بصرية لكن المراد به الاستخبار عن متعلقها أي أخبروني ~~«إن أتاكم عذاب الله» حسبما أتى الأمم السابقة ms1014 من أنواع العذاب الدنيوي «أو ~~أتتكم الساعة» التي لا محيص عنها البتة «أغير الله تدعون» هذا مناط ~~الاستخبار ومحط التبكيت وقوله تعالى «إن كنتم صادقين» متعلق بأرأيتكم مؤكد ~~للتبكيت كاشف عن كذبهم وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن ~~كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة كما أنها دعواكم المعروفة أو إن كنتم قوما ~~صادقين فأخبروني أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله الخ فإن صدقهم بأي ~~معنى كان من موجبات إخبارهم بدعائهم غيره سبحانه وأما جعل الجواب ما يدل ~~عليه قوله تعالى أغير الله تدعون أعني فادعوه على أن الضمير لغير الله فمخل ~~بجزالة النظم الكريم كيف لا والمطلوب منهم إنما هو الإخبار بدعائهم غيره ~~تعالى عند إتيان ما يتأتى لا نفس دعائهم إياه وقوله تعالى «بل إياه تدعون» ~~عطف على جملة منفية ينبئ عنها الجملة التي تعلق بها الاستخبار إنباء جليا ~~كأنه قيل لا غيره تعالى تدعون بل غياه تدعون وقوله تعالى «فيكشف ما تدعون ~~إليه» أي إلى كشفه عطف على تدعون أي فيكشفه إثر دعائكم وقوله تعالى «إن شاء ~~الله» أي إن شاء كشفه لبيان أن قبول دعائهم غير مطرد بل هو تابع ~~PageV03P132 # لمشيئته المبنية على حكم خفية وقد استأثر الله تعالى بعلمها فقد يقبله ~~كما في بعض دعواتهم المتعلقة بكشف العذاب الدنيوي وقد لا يقبله كما في بعض ~~آخر منها وفي جميع ما يتعلق بكشف العذاب الأخروي الذي من جملته الساعة ~~وقوله تعالى «وتنسون ما تشركون» أي تتركون ما تشركونه به تعالى من الأصنام ~~تركا كليا عطف على تدعون أيضا وتوسيط الكشف بينهما مع تقارنهما وتأخر الكشف ~~عنهما لإظهار كمال العناية بشأن الكشف والإيذان بترتبه على الدعاء خاصة ~~وقوله تعالى «ولقد أرسلنا» كلام مستأنف مسوق لبيان أن منهم ة من لا يدعو ~~الله تعالى عند إتيان العذاب أيضا لتماديهم في الغي والضلال لا يتأثرون ~~بالزواجر التنزيلية وتصديره بالجملة القسمية لإظهار مزيد الاهتمام بمضمونه ~~ومفعول أرسلنا محذوف لما أن مقتضى المقام بيان حال المرسل إليهم لا ms1015 حال ~~المرسلين أي وبالله لقد أرسلنا رسلا «إلى أمم» كثيرة «من قبلك» أي كائنة من ~~زمان قبل زمانك «فأخذناهم» أي فكذبوا رسلهم فأخذناهم «بالبأساء» أي بالشدة ~~والفقر «والضراء» أي الضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما «لعلهم ~~يتضرعون» أي لكي يدعوا الله تعالى في كشفها بالتضرع والتذلل ويتوبوا إليه ~~من كفرهم ومعاصيهم «فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا» أي فلم يتضرعوا حينئذ مع ~~تحقق ما يستدعيه «ولكن قست قلوبهم» استدراك عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه ~~تعالى برقة القلب والخضوع مع تحقق ما يدعوهم إليه ولكن ظهر منهم نقيضه حيث ~~قست قلوبهم أي استمرت على ما هي عليه من القساوة أو ازدادت قساوة كقولك لم ~~يكرمني إذ جئته ولكن أهانني «وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون» من الكفر ~~والمعاصي فلم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم ~~إلا لأجله وقيل الاستدراك لبيان أنه لم يكن لهم في ترك التضرع عذر سوى قسوة ~~قلوبهم والإعجاب بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم وقوله تعالى «فلما نسوا ~~ما ذكروا به» عطف على مقدر ينساق إليه النظم الكريم أي فانهمكوا فيه ونسوا ~~ما ذكروا به من البأساء والضراء فلما نسوه «فتحنا عليهم أبواب كل شيء» من ~~فنون النعماء على منهاج الاستدراج لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال مكر ~~بالقوم ورب الكعبة وقرئ فتحنا بالتشديد للتكثير وفي ترتيب الفتح على ~~النسيان المذكور إشعار بأن التذكر في الجملة غير خال عن النفع وحتى في قوله ~~تعالى «حتى إذا فرحوا بما أوتوا» هي التي يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة ~~الشرطية كما في قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا الآية ونظائره وهي ~~PageV03P133 # مع ذلك غاية لقوله تعالى فتحنا أو لما يدل هو عليه كأنه قيل ففعلوا ما ~~فعلوا حتى إذا اطمأنوا بما أتيح لهم وبطروا وأشروا «أخذناهم بغتة» أي نزل ~~بهم عذابنا فجأة ليكون أشد عليهم وقعا وأفظع هو لا «فإذا هم مبلسون» ~~متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل هير واجمون وفي الجملة الاسمية ms1016 دلالة على ~~استقرارهم على تلك الحالة الفظيعة «فقطع دابر القوم الذين ظلموا» أي أخرهم ~~بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبرا ودبورا أي تبعه ووضع الظاهر موضع الضمير ~~للإشعار بعلة الحكم فإن هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر ~~وإقامة المعاصي مقام الطاعات «والحمد لله رب العالمين» على ما جرى عليهم من ~~النكال فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم ~~عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة مستجلبة للحمد لا سيما مع ما ~~فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم عليهم السلام «قل أرأيتم» أمر ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتكرير التبكيت عليهم وتثنية الإلزام بعد ~~تكملة الإلزام الأول ببيان أنه أمر مستمر لم يزل جاريا في الأمم وهذا أيضا ~~استخبار عن متعلق الرؤية وإن كان بحسب الظاهر استخبارا عن نفس الرؤية «إن ~~أخذ الله سمعكم وأبصاركم» بأن أصمكم وأعماكم بالكلية «وختم على قلوبكم» بأن ~~غطى عليها بما لا يبقى لكم معه عقل وفهم أصلا وتصيرون مجانين ويجوز أن يكون ~~الختم عطفا تفسيريا للأخذ المذكور فإن السمع والبصر طريقان للقلب منهما يرد ~~ما يرده من المدركات فأخذهما سد لبابه وهو السر في تقديم أخذهما على ختمها ~~وأما تقديم السمع على الإبصار فلأنه مورد الآيات القرآنية وإفراده لما أن ~~أصله مصدر وقوله تعالى «من إله» مبتدأ وخبر ومن استفهامية وقوله تعالى «غير ~~الله» صفة للخبر وقوله تعالى «يأتيكم به» أي بذاك على أن الضمير مستعار ~~لاسم الإشارة أو بما أخذ وختم عليه صفة أخرى له والجملة متعلق الرؤية ومناط ~~الاستخبار أي أخبروني إن سلب الله مشاعركم من إله غيره تعالى يأتيكم بها ~~وقوله تعالى «انظر كيف نصرف الآيات» تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة أي انظر كيف نكررها ونقررها ~~مصروفة من أسلوب إلى أسلوب تارة بترتيب المقدمات العقلية وتارة بطريق ~~الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير «ثم هم يصدفون» عطف على نصرف ~~داخل ms1017 في حكمه وهو العمدة في التعجيب وثم لاستبعاد صدوفهم أي إعراضهم عن تلك ~~الآيات بعد تصريفها على هذا النمط البديع الموجب للإقبال عليها «قل ~~أرأيتكم» تبكيت آخر لهم بإلجائهم إلى الاعتراف باختصاص للعذاب بهم «إن ~~أتاكم عذاب الله» أي PageV03P134 # عذابه العاجل الخاص بكم كما أتى من قبلكم من الأمم «بغتة» أي فجأة من غير ~~أن يظهر منه مخايل الإتيان وحيث تضمن هذا معنى الخفية قوبل بقوله تعالى «أو ~~جهرة» أي بعد ظهور أماراته وعلائمه وقيل ليلا أو نهارا كما في قوله تعالى ~~بياتا أو نهارا لما أن الغالب فيما أتى ليلا البغتة وفيما أتى نهارا الجهرة ~~وقرئ بغتة أو جهرة وهما في موضع المصدر أي إتيان بغتة أو إتيان جهرة وتقديم ~~البغتة لكونها أهول وأفظع وقوله تعالى «هل يهلك» متعلق الاستخبار ~~والاستفهام للتقرير أي قل لهم تقريرا لهم باختصاص الهلاك بهم أخبروني إن ~~أتاكم عذابه تعالى حسبما تستحقونه هل يهلك بذلك العذاب إلا أنتم أي هل يهلك ~~غيركم ممن لا يستحقه وإنما وضع موضعه «إلا القوم الظالمون» تسجيلا عليهم ~~بالظلم وإيذانا بأن مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم الكفر موضع الإيمان ~~وقيل المراد بالظالمين الجنس وهو داخلون في الحكم دخولا أوليا قال الزجاج ~~هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم ويأباه تخصيص الإتيان بهم وقيل الاستفهام ~~بمعنى النفي فمتعلق الاستخبار حينئذ محذوف كأنه قيل أخبروني إن أتاكم عذابه ~~تعالى بغتة أو جهرة ماذا يكون الحال ثم قيل بيانا لذلك ما يهلك إلا القوم ~~الظالمون أي ما يهلك بذلك العذاب الخاص بكم إلا أنتم فمن قيد الهلاك بهلاك ~~التعذيب والسخط لتحقيق الحصر بإخراج غير الظالمين لما أنه ليس بطريق ~~التعذيب والسخط بل بطريق الإثابة ورفع الدرجة فقد أهمل ما يجديه واشتغل بما ~~لا يعينه وأخل بجزالة النظم الكريم وقرئ هل يهلك من الثلاثي «وما نرسل ~~المرسلين» كلام مستأنف مسوق لبيان وظائف منصب الرسالة على الإطلاق وتحقيق ~~ما في عهدة الرسل عليهم السلام وإظهار أن ما يقترحه الكفرة عليه عليه ~~السلام ليس مما ms1018 يتعلق بالرسالة أصلا وصيغة المضارع لبيان أن ذلك أمر مستمر ~~جرت عليه العادة الآلهية وقوله تعالى «إلا مبشرين ومنذرين» حالات مقدرتان ~~من المرسلين أي ما نرسلهم إلا مقدرا تبشيرهم وإنذارهم ففيهما معنى العلة ~~الغائبة قطعا أي ليبشروا قومهم بالثواب على الطاعة وينذروهم بالعذاب على ~~المعصية أي ليخبروهم بالخبر السار والخبر الضار دنيويا كان أو أخرويا من ~~غير أن يكون لهم دخل ما في وقوع المخبر به أصلا وعليه يدور القصر والإ لزم ~~أن لا يكون بيان الشرائع والأحكام من وظائف الرسالة والفاء في قوله تعالى ~~«فمن آمن وأصلح» لترتيب ما بعدها على ما قبلها ومن موصولة والفاء في قوله ~~تعالى «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» لشبه الموصول بالشرط أي لا خوف عليهم ~~من العذاب الذي أنذروه دنيويا كان أو أخرويا ولا هم يحزنون بفوات ما بشروا ~~به من الثواب العاجل والآجل وتقديم نفي الخوف على نفي الحزن لمراعاة حق ~~المقام وجمع الضمائر الثلاثة الراجعة إلى من باعتبار معناها كما أن إفراد ~~الضميرين السابقين باعتبار لفظها أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ~~لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والمراد بيان دوام انتفاء دوامهما كما يوهمه ~~كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا PageV03P135 # لما تقرر في موضعه من أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام ~~والاستمرار بحسب المقام الا يرى أن الجملة الاسمية تدل بمعونة المقام على ~~استمرار الثبوت فإذا دخل عليها حرف النفي دلت على استمرار الانتفاء لا على ~~انتفاء الاستمرار كذلك المضارع الخالي عن حرف النفي يفيد استمرار الثبوت ~~فإذا دخل عليه حرف النفي يفيد استمرار الانتفاء لا انتفاء الاستمرار ولا ~~بعد في ذلك فإن قولك ما زيدا ضربت مفيد لاختصاص النفي لا نفي الاختصاص كما ~~بين في محله وقوله عز وجل «الذين كانوا» عطف على من آمن داخل في حكمه قوله ~~تعالى «بآياتنا» إشارة إلى أن ما ينطق به الرسل عليهم السلام عند التبشير ~~والإنذار ويبلغونه إلى الأمم ى يأته تعالى وأن من آمن به ms1019 فقد آمن بآياته ~~تعالى ومن كذب به فقد كذب بها وفيه من الترغيب في الإيمان به والتحذير عن ~~تكذيبه ما لا يخفى والمعنى ما نرسل المرسلين إلا ليخبروا أممهم من جهتنا ~~بما سيقع منا من الأمور السارة والضارة لا ليوقعوها استقلالا من تلقاء ~~أنفسهم أو استدعاء من قبلنا حتى يقترحوا عليهم ما يقترحون فإذا كان الأمر ~~كذلك فمن ى من بما أخبروا به من قبلنا تبشيرا أو إنذارا في ضمن آياتنا ~~وأصلح ما يجب إصلاحه من أعماله أو دخل في الصلاح فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون والذين كذبوا بآياتنا التي بلغوها عند التبشير والإنذار «يمسهم ~~العذاب» أي العذاب الذي أنذروه عاجلا أو آجلا أو حقيقة العذاب وجنسه ~~المنتظم له انتظاما أوليا «بما كانوا يفسقون» أي بسبب فسقهم المستمر الذي ~~هو الإصرار على الخروج عن التصديق والطاعة «قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله» استئناف مبني على ما أسس من السنة الإلهية في شأن إرسال الرسل وإنزال ~~الكتب مسوق لإظهار تبرئه صلى الله عليه وسلم عما يدور عليه مقترحاتهم أي قل ~~للكفرة الذين يقترحون عليك تارة تنزيل الآيات وأخرى غير ذلك لا أدعي أن ~~خزائن مقدوراته تعالى مفوضة إلى أتصرف فيهما كيفما شاء استقلالا أو استدعاء ~~حتى تقترحوا على تنزيل الآيات أو إنزال العذاب أو قلب الجبال ذهبا أو غير ~~ذلك مما لا يليق بشأني وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية مما لا وجه له قطعا ~~وقوله تعالى «ولا أعلم الغيب» عطف على محل عندي خزائن الله أي ولا أدعي ~~أيضا أني أعلم الغيب من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة أو وقت ~~نزول العذاب أو نحوهما «ولا أقول لكم إني ملك» حتى تكلفوني من الأفاعيل ~~الخارقة للعادات ما لا يطيق به البشر من الرقي في السماء ونحوه أو تعدوا ~~عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري كما ينبئ عنه قولهم مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق والمعنى أني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة ~~حتى تقترحوا ms1020 على ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك ~~دليلا على عد صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا ~~بل إنما هي PageV03P136 # عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عز وجل والعمل بمقتضاه فحسب حسبما ينبئ ~~عنه قوله تعالى «إن أتبع إلا ما يوحى إلي» لا على معنى تخصيص اتباعه صلى ~~الله عليه وسلم بما يوحى إليه دون غيره بتوجيه القصر إلى المفعول بالقياس ~~إلى مفعول آخر كما هو الاستعمال الشائع الوارد على توجيه القصر إلى ما ~~يتعلق بالفعل باعتبار النفي في الأصل والإثبات في القيد بل على معنى تخصيص ~~حاله صلى الله عليه وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصر إلى نفس الفعل ~~بالقياس إلى ما يغره من الأفعال لكن لا باعتبار النفي والاثبات معا في ~~خصوصية فإن ذلك غير ممكن قطعا بل باعتبار النفي فيما يتضمنه من مطلق الفعل ~~والإثبات فيما يقارنه من المعنى المخصوص فإن كل فعل من الأفعال الخاصة كنصر ~~مثلا ينحل عند التحقيق إلى معنى مطلق هو مدلول لفظ الفعل وإلى معنى خاص ~~يقومه فإن معناه فصل النصر يرشدك إلى ذلك قولهم معنى فلان يعطي ويمنع يفعل ~~الإعطاء والمنع فمورد القصر في الحقيقة ما يتعلق بتوجيه النفي إلى الأصل ~~والإثبات إلى القيد كأنه قيل ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي من غير أن يكون ~~لي مدخل ما في الوحي أو في الموحى بطريق الاستدعاء أو بوجه آخر من الوجوه ~~أصلا «قل هل يستوي الأعمى والبصير» مثل للضال والمهتدي على الإطلاق ~~والاستفهام إنكاري والمراد إنكاري استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق ومن ~~يعلمها وفيه من الإشعار بكمال ظهورها ومن التنفير عن الضلال والترغيب في ~~الاهتداء ما لا يخفى وتكرير الأمر لتثنية التبكيت وتأكيد الإلزام وقوله ~~تعالى «أفلا تتفكرون» تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي لا تسمعون هذا الكلام الحق فلا تتفكرون فيم أو أتسمعون ~~فلا تتفكرون فيه فمناط التوبيخ ms1021 في الأول عدم الأمرين معا وفي الثاني عدم ~~التفكر مع تحقق ما يوجبه «وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم» بعد ~~ما حكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الكفرة قوما لا يتعظون بتصريف ~~الآيات الباهرة ولا يتأثرون بمشاهدة المعجزات القاهرة قد إيفت مشاعرهم ~~بالكلية والتحقوا بالأموات وقرر ذلك بأن كرر عليهم من فنون التبكيت ~~والإلزام ما يلقمهم الحجر أي إلقام فأبوا إلا الإباء والنكير وما نجع فيهم ~~عظة ولا تذكير ة وما أفادهم الإنذار إلا الإصرار على الإنكار أمر عليه ~~الصلاة والسلام بتوجيه الإنذار إلى من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم ~~المجوزون منهم للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب ~~وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام كالأولين أو في شفاعة الأصنام كالآخرين أو مترددين فيهما ~~معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن ~~يكون حقا وأما المنكرون للحشر رأسا والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو ~~بشفاعة الأصنام فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم وقد قيل هم المفرطون في ~~الأعمال من المؤمنين ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه بل فيه ما ~~يقضي باستحالة صحته كما ستقف عليه PageV03P137 # والضمير المجرور لما يوحى أو لما دل هو عليه من القرآن والمفعول الثاني ~~للإنذار إما العذاب الأخروي المدلول عليه بما في حيز الصلة وإما مطلق ~~العذاب الذي ورد به الوعيد والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية ~~المطلقة والتصرف الكلي لتربية المهابة وتحقيق المخافة وقوله تعالى «ليس لهم ~~من دونه ولي ولا شفيع» في حين النصب على الحالية من ضمير يحشروا ومن متعلقة ~~بمحذوف وقع حالا من اسم ليس لأنه في الأصل صفة له فلما قد عليه انتصب حالا ~~خلا أن الحال الأولى لإخراج الحشر الذي لم يقيد بها عن حيز الخوف وتحقيق أن ~~ما نيط به الخوف هو الحشر على تلك الحالة لا الحشر كيفما كان ضرورة أن ~~المعترفين به الجازمين بنصرة غيره تعالى ms1022 بمنزلة المنكرين له في عدم الخوف ~~الذي عليه يدور أمر الإنذار وأما الحال الثانية فليست لإخراج الولي الذي لم ~~يقيد بها عن حيز الانتفاء لفساد المعنى لاستلزام ثبوت ولايته تعالى لهم كما ~~في قوله تعالى ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير بل لتحقيق مدار خوفهم ~~وهو فقدان ما علقوا به رجاءهم وذلك إنما هو ولاية غيره سبحانه وتعالى في ~~قوله تعالى ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه ~~أولياء والمعنى أنذر به الذين يخافون أن يحشروا غير منصورين من جهة أنصارهم ~~على زعمهم ومن هذا اتضح أن لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من ~~المؤمنين غذ ليس لهم والي سواه تعالى ليخافوا الحشر بدون نصرته وإنما الذي ~~يخافونه الحشر بدون نصرته وإنما الذي يخافونه الحشر بدون نصرته عز وجل ~~وقوله تعالى «لعلهم يتقون» تعليل للأمر أي أنذرهم مرجوا منهم التقوى «ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي» لما أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار ~~المذكورين لينتظموا في سلك المتقين نهي صلى الله عليه وسلم عن كون ذلك بحيث ~~يؤدي إلى طردهم روي أن رؤساء من المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب ~~وخباب وسلمان وأضرابهم رضي الله تعالى عنهم جلسنا إليك وحادثناك فقال صلى ~~الله عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا ~~قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال صلى الله عليه وسلم نعم طمعا في إيمانهم وروي ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له عليه الصلاة والسلام لو فعلت حتى تنظر ~~إلى ما يصيرون وقيل إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحرث ~~بن نوفل وقرصة بن عبيد وعمرو بن نوفل وأشراف بني عبد مناف من أهل الكفر ~~أتوا أبا طالب فقالوا يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد موالينا ~~وحلفاءنا وهم عبيدنا وتقاؤنا كان أعظم في صدورنا ms1023 وأدنى لاتباعنا إياه فأتى ~~أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه فقال عمر رضي ~~الله عنه لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون إلى ما يصيرون وقال سلمان ~~وخباب فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن ~~الفزاري وعباس بن مرداس وذو وهم من المؤلفة قلوبهم PageV03P138 # فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم جالسا مع أناس من ضعفاء المؤمنين فلما ~~رأوهم حوله صلى الله عليه وسلم حقروهم فأتوه عليه الصلاة والسلام فقالوا يا ~~رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وارواح جبابهم فجالسناك ~~وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين قالوا ~~فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب ~~تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد فإذا نجحن جئناك فأقمهم عنا فإذا ~~نحن فرغنا فعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم نعم قالوا فاكتب لنا ~~كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ليكتب ونحن قعود ي ناحية ~~فنزل جبريل عليه السلام بالآية فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه ~~وجلسنا عنده وكنا ندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته وكان يقوم عنا إذا أراد ~~القيام فنزلت واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم فترك القيام عنا إلى أن نقوم ~~عنه وقال الحمد لله الذي لم يتمنى حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي ~~معكم المحيا ومعكم الممات والمراد بذكر الوقتين الدوام وقيل صلاة الفجر ~~والعصر وقرئ بالغدوة وقوله تعالى «يريدون وجهه» حال من ضمير يدعون أي ~~يدعونه تعالى مخلصين له فيه وتقييده به لتأكيد عليته للنهي فإن الإخلاص من ~~أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد وقوله تعالى «ما عليك من حسابهم من شيء» ~~اعتراض وسط بين النهي وجوابه تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا ~~لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم كدأب قوم نوح حيث قالوا ما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ms1024 أي ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم ~~وأعمالهم الباطنة حتى تتصدى له وتبنى على ذلك ما تراه من الأحكام وإنما ~~وظيفتك حسبما هو شأن منصب النبوة اعتبار ظواهر الأعمال وإجراء الأحكام على ~~موجبها وأما بواطن الأمور فحسابها على العليم بذات الصدور كقوله تعالى إن ~~حسابهم إلا على ربي وذكر قوله تعالى «وما من حسابك عليهم من شيء» مع أن ~~الجواب قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلى الله ~~عليه وسلم بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا وهو انتفاء كون حسابه صلى الله ~~عليه وسلم عليهم على طريقة قوله تعالى لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وأما ~~ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة جملة واحدة لتأدية معنى واحد على ~~نهج قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل ~~وتقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به ~~صلى الله عليه وسلم إذ هو الداعي إلى تصدية صلى الله عليه وسلم لحسابهم ~~وقيل الضمير للمشركين والمعنى إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ~~ويدعوك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين وقوله تعالى «فتطردهم» جواب النفي ~~وقوله تعالى «فتكون من الظالمين» جواب النهي وقد جوز عطفه على فتطردهم على ~~طريقة التسبيب وليس بذاك «وكذلك فتنا بعضهم ببعض» استئناف مبين لما نشأ عنه ~~ما سبق من النهي وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارة عن ~~تقديمه لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان PageV03P139 # مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو درجته المشار إليه وبعد منزلته في الكمال والكاف مقحمة لتأكيد ~~ما أفاده اسم الإشارة من الفخامة ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر ~~مؤكد محذوف والتقدير فتنا بعضهم ببعض فتونا كائنا مثل ذلك الفتون ثم قدم ~~على الفعل لإفادة القصر المفيد لعدم القصور فقط واعتبرت الكاف مقحمة فصار ~~نفس المصدر المؤكد ms1025 لا نعتا له والمعنى ذلك الفتون الكامل البديع فتنا أي ~~ابتلينا بعض الناس ببعضهم لا فتونا غيره حيث قدمنا الآخرين في أمر الدين ~~على الأولين المتقدمين عليهم في أمر الدنيا تقدما كليا واللام في قوله ~~تعالى «ليقولوا» للعاقبة أي ليقول البعض الأولين مشيرين إلى الآخرين محقرين ~~لهم نظرا إلى ما بينهما من التفاوت الفاحش الدنيوي وتعاميا عما هو مناط ~~التفضيل حقيقة «أهؤلاء من الله عليهم من بيننا» بأن وفقهم لإصابة الحق ولما ~~يصعدهم عنده تعالى من دوننا ونحن المقدمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء ~~وغرضهم بذلك إنكار وقوع المن رأسا على طريقة قولهم لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه لا تحقير الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراض عليه تعالى ~~وقوله تعالى «أليس الله بأعلم بالشاكرين» رد لقولهم ذلك وإبطال له وإشارة ~~إلى أن مدار استحقاق الإنعام معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم ~~والاستفهام لتقرير علمه البالغ بذلك أي أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه ~~حتى تستبعدوا إنعامه عليهم وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون ~~بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ~~ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك كله ما لا يخفى «وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا» هم الذين نهى عن طردهم وصفوا بالإيمان بآيات الله عز وجل ~~كما وصفوا بالمداومة على عبادته تعالى بالإخلاص تنبيها على إحرازهم لفضيلتي ~~العلم والعمل وتأخير هذا الوصف مع تقدمه على الوصف الأول لما أن مدار الوعد ~~بالرحمة والمغفرة هو الإيمان بها كما أن مناط النهي عن الطرد فيما سبق هو ~~المداومة على العبادة وقوله تعالى «فقل سلام عليكم» أمر بتبشيرهم بالسلام ~~عن كل مكروه بعد إنذار مقابليهم وقيل بتبليغ سلامه تعالى إليهم وقيل بأن ~~يبدأهم بالسلام وقوله تعالى «كتب ربكم على نفسه الرحمة» أي قضاها وأوجبها ~~على ذاته المقدسة بطريق التفضل والإحسان بالذات لا بتوسط شيء ما أصلا تبشير ~~لهم بسعة رحمته تعالى وبنيل المطالب إثر تبشيرهم بالسلامة عن المكاره ~~وقبوله التوبة منهم وفي التعرض ms1026 لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ~~إظهار اللطف بهم والإشعار بعلة الحكم وقيل إن قوما جاءوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا إنا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد على أنه تفسير للرحمة ~~بطريق الاستئناف وقوله تعالى «بجهالة» حال من فاعل عمل أي عمله وهو جاهل ~~بحقيقة ما يتبعه من المضار والتقييد بذلك للإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما ~~يعلم أنه PageV03P140 # يؤدي إلى الضرر أو عمله ملتبسا بجهالة «ثم تاب من بعده» أي من بعد مله أو ~~من بعد سفهه «وأصلح» أي ما أفسده تداركا وعزما على أن لا يعود إليه ابدا ~~«فإنه غفور رحيم» أي فأمره أنه غفور رحيم أو فله أنه غفور رحيم وقرئ فإنه ~~بالكسر على أنه استئناف وقع في صدر الجملة الواقعة خبرا لمن على أنها ~~موصولة أو جوابا لها على أنها شرطية «وكذلك نفصل الآيات» قد مر آنفا ما فيه ~~من الكلام أي هذا التفصيل البديع نفصل الآيات في صفة أهل الطاعة وأهل ~~الإجرام المصرين منهم والأوابين «ولتستبين سبيل المجرمين» بتأنيث الفعل ~~بناء على تأنيث الفاعل وقرئ بالتذكير بناء على تذكيره فإن السبيل مما يذكر ~~ويؤنث وهو عطف على علة محذوفة للفعل المذكور لم يقصد تعليله بها بعينها ~~وإنما قصد الإشعار بأن له فوائد جمة من جملتها ما ذكر أو علة لفعل مقدر هو ~~عبارة عن المذكور فيكون مستأنفا أي ولتستبين سبيلهم نفعل ما نفعل من ~~التفصيل وقرئ بنصب السبيل على أن العف متعد وتاؤه للخطاب أي ولتستوضح أنت ~~يا محمد سبيل المجرمين فتعاملهم بما يليق بهم «قل إني نهيت» أمر صلى الله ~~عليه وسلم بالرجوع إلى مخاطبة المصرين على الشرك إثر ما أمر بمعاملة من ~~عداهم من أهل الإنذار والتبشير بما يليق بحالهم أي قل لهم قطعا لأطماعهم ~~الفارغة عن ركونه صلى الله عليه وسلم إليهم وبيانا لكون ما هم عليه من ~~الدين هوى محضا وضلالا بحتا إني صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل على ~~من الآيات في أمر التوحيد «أن أعبد ms1027 الذين تدعون» أي عن عبادة ما تعبدونه ~~«من دون الله» كائنا ما كان «قل» كرر الأمر مع قرب العهد اعتناء بشأن ~~المأمور به أو إيذانا باختلاف المقولين من حيث إن الأول حكاية لما من جهته ~~تعالى من النهي والثاني حكاية لما من جهته صلى الله عليه وسلم من الانتهاء ~~عما ذكر من عبادة ما يعبدونه وإنما قيل «لا أتبع أهواءكم» استجهالا لهم ~~وتنصيصا على أنهم فيما هم فيه تابعون لأهواء باطلة وليسوا على شيء مما ~~ينطلق عليه الدين أصلا وإشعارا بما يوجب النهي والانتهاء وقوله تعالى «قد ~~ضللت إذا» استئناف مؤكد لانتهائه عما نهي عنه مقرر لكونهم في غاية الضلال ~~والغواية أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت وقوله تعالى «وما أنا من المهتدين» ~~عطف على ما قبله والعدول إلى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار ~~رأي دوام النفي واستمراره لا نفي الدوام والاستمرار كما مر مرارا أي ما أنا ~~في شيء من الهدى حين أكون في عدادهم وقوله تعالى «قل إني على بينة» تحقيق ~~للحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان لاتباعه غياه إثر إبطال ~~الباطل الذي عليه الكفرة وبيان عدم PageV03P141 # اتباعه والبينة الحجة الواضحة التي تفصل بين الحق والباطل والمراد بها ~~القرآن والوحي وقيل هو الحجج العقلية أو ما يعمها ولا يساعده المقام ~~والتنوين للتفخيم وقوله تعالى «من ربي» متعلق بمحذوف هو صفة لبينة مؤكدة ~~لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريف ورفع المنزلة ~~ما لا يخفى وقوله تعالى «وكذبتم به» إما جملة مستأنفة أو حالية بتقدير قد ~~أو بدونه جئ بها الاستقباح مضمونها واستبعاد وقوعه مع تحقق ما يقتضي عدمه ~~من غاية وضوح البينة والضمير المجرور اللبينة والتذكير باعتبار المعنى ~~لمراد والمعنى إني على بينة عظيمة كائنة من ربي وكذبتم بها وبما فيها من ~~الأخبار التي من جملتها الوعيد بمجىء العذاب وقوله تعالى «ما عندي ما ~~تستعجلون به» استئناف مبين ms1028 لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأ لتكذيبهم بها وهو ~~عدم مجىء ما وعد فيها من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم أي ليس ما ~~تستعجلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في ~~حكمي وقدرتي حتى أجىء به وأظهر لكم صدقه أو ليس أمره بمفوض إلى «إن الحكم» ~~أي ما الحكم في ذلك تعجيلا وتأخيرا أو ما الحكم في جميع الأشياء فيدخل فيه ~~ما ذكر دخولا أوليا «إلا لله» وحده من غير أن يكون لغيره دخل ما فيه بوجه ~~من الوجوه وقوله تعالى «يقص الحق» أي يتبعه بيان لشئونه تعالى في حكم ~~المعهود أو في جميع أحكامه المنتظمة له انتظاما أوليا أي لا يحكم إلا بما ~~هو حق فيثبت حقيقة التأخير وقرئ يقضي فانتصاب الحق حينئذ على المصدرية أي ~~يقضي القضاء الحق أو على المفعولية أي يصنع الحق ويدبره من قولهم قضى الدرع ~~إذا صنعها وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر واصل الحكم المنع فكأنه يمنع ~~الباطل عن معارضة الحق أو الخصم عن التعدي على صاحبه «وهو خير الفاصلين» ~~اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشير إلى أن قص الحق ههنا بطريق خاص هو ~~الفصل بين الحق والباطل هذا هو الذي تستدعيه جزالة التنزيل وقد قيل إن ~~المعنى إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة وشاهد صدق ~~وكذبتم به أنتم حيث أشركتم به تعالى غيره وأنت خبير بأن مساق النظم الكرين ~~فيما سبق وما لحق على وصفهم بتكذيب آيات الله تعالى بسبب عدم مجىء العذاب ~~الموعود فيها فتكذيبهم به سبحانه في أمر التوحيد مما لا تعلق له بالمقام ~~أصلا «قل لو أن عندي» أي في قدرتي ومكنتي «ما تستعجلون به» من العذاب الذي ~~ورد به الوعيد بأن يكون أمره مفوضا إلى من جهته تعالى «لقضي الأمر بيني ~~وبينكم» أي بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم بقولكم متى هذا الوعد ونظائره ~~وفي بناء ms1029 الفعل للمفعول من الإيذان بتعين الفاعل الذي هو الله تعالى وتهويل ~~الأمر ومراعاة حسن الأدب ما لا يخفى فما قيل في تفسيره لأهلكتكم عاجلا غضبا ~~لربي ولتخلصت منكم سريعا بمعزل من توفية المقام حقه وقوله تعالى «والله ~~أعلم بالظالمين» اعتراض مقرر لما أفادته الجملة الامتناعية من انتفاء كون ~~أمر العذاب مفوضا إليه صلى الله عليه وسلم المستتبع لانتفاء قضاء الأمر ~~وتعليل له والمعنى PageV03P142 # والله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج ~~لتشديد العذاب ولذلك لم يفوض الأمر إلى فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب والله ~~أعلم «وعنده مفاتح الغيب» بيان لاختصاص المقدورات الغيبية به تعالى من حيث ~~العلم غثر بيان اختصاص كلها به تعالى من حيث القدرة والمفاتح إما جمع مفتح ~~بفتح الميم وهو المخزن فهو مستعار لمكان الغيب كأنها مخازن خزنت فيها ~~الأمور الغيبية يغلق عليها ويفتح وإما جمع مفتح بكسرها وهو المفتاح ويؤيده ~~قراءة من قرأ مفاتيح الغيب فهو مستعار لما يتوصل به إلى تلك الأمور بناء ~~على الاستعارة الأولى أي عنده تعالى خاصة خزائن غيوبه أو ما يتوصل به إليها ~~وقوله عز وجل «لا يعلمها إلا هو» تأكيد لمضمون ما قبله وإيذان بأن المراد ~~هو الاختصاص من حيث العلم لا من حيث القدرة والمعنى أن ما تستعجلونه من ~~العذاب ليس مقدورا لي حتى ألزمكم بتعجيله ولا معلوما لدي لأخبركم وقت نزوله ~~بل هو مما يختص به تعالى قدرة وعلما فينزله حسبما تقتضيه مشيئته المبنية ~~على الحكم والمصالح وقوله تعالى «ويعلم ما في البر والبحر» بيان لتعلق علمه ~~تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملة له وتنبيها على أن الكل ~~بالنسبة إلى علمه المحيط سواء في الجلاء أي يعلم ما فيهما من الموجودات ~~مفصلة على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها وقوله تعالى «وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها» بيان لتعلقه بأحوالها المتغيرة بعد بيان تعلقه بذواتها ~~فإن تخصيص حال السقوط بالذكر ليس إلا بطريق الاكتفاء بذكرها عن ذكر سائر ~~الأحوال كما أن ذكر حال الورقة وما عطف ms1030 عليها خاصة دون أحوال سائر ما فيهما ~~من فنون الموجودات الفائتة للحصر باعتبار أنها أنموذج لأحوال سائرها وقوله ~~تعالى «ولا حبة» عطف على ورقة وقوله تعالى «في ظلمات الأرض» متعلق بمحذوف ~~هو صفة لحبة مفيدة لكما نفوذ علمه تعالى أي ولا حبة كائنة في بطون الأرض ~~إلا يعلمها وكذا قوله تعالى «ولا رطب ولا يابس» معطوفان عليها داخلان في ~~حكمها وقوله تعالى «إلا في كتاب مبين» بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على ~~أن الكتاب المبين عبارة عن علمه تعالى أو بدل الاشتمال على أنه عبارة عن ~~اللوح المحفوظ وقرئ الأخيران بالرفع عطفا على محل من ورقة وقيل رفعهما ~~بالابتداء والخبر إلا في كتاب مبين وهو الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس ~~حينئذ لما ليس من شأنه السقوط وقد نقل قراءة الرفع في ولا حبة أيضا «وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل» أي ينيمكم فيه على استعارة التوفي من الإماتة للإنامة ~~لما بين الموت والنوم من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز وأصله قبض ~~الشيء بتمامه «ويعلم ما جرحتم بالنهار» أي ما كسبتم PageV03P143 # فيه المراد بالليل والنهار الجنس المتحقق في كل فرد من أفرادهما بالتوفي ~~والبعث الموجدين فيها يتحقق قضاء الأجل المسمى المترتب عليها لا في بعضها ~~والمراد بعلمه تعالى ذلك علمه قبل الجرح كما يلوح به تقديم ذكره على البعث ~~أي يعلم ما تجرحون بالنهار وصيغة الماضي الجلالة على التحقق وتخصيص التوفي ~~بالليل والجرح بالنهار مع تحقق كل منهما فيما خص بالآخر للجرى على سنن ~~العادة «ثم يبعثكم فيه» أي يوقظكم في النهار عطف على يتوفاكم وتوسيط قوله ~~تعالى ويعلم الخ بينهما لبيان ما في بعثهم من عظيم الاحسان إليهم بالتنبيه ~~على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبة لإبقائهم على التوفي بل ~~لاهلاكهم بالمرة يفيض عليهم الحياة ويمهلهم كما ينبيء عنه كلمة التراخي ~~كأنه قيل هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس النهر مع علمه ~~بما ستجرحون فيها «ليقضى أجل مسمى» معين لكل فرد بحيث لا يكاد يتخطى ms1031 أحد ما ~~عين له طرفة عين «ثم إليه مرجعكم» أي رجوعكم بالموت لا إلى غيره أصلا «ثم ~~ينبئكم بما كنتم تعملون» بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلك ~~الليالي والأيام وقيل الخطاب مخصوص بالكفرة والمعنى أنكم ملقون كالجيف ~~بالليل كاسبون للآثام بالنهار وأنه تعالى مطلع على أعمالكم يبعثكم الله من ~~القبور في شأن ما قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ~~ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم وفيه ما لا ~~يخفى من التكلف والاخلال لافضائه إلى كون البعث معللا بقضاء الأجل المضروب ~~له «وهو القاهر فوق عباده» أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما ~~يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك «ويرسل ~~عليكم» خاصة أيها المكلفون «حفظة» من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وعليكم ~~متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستيلاء وتقديمه على المفعول الصريح لما مر ~~مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقيل متعلق بمحذوف هو حال ~~من حفظه إذ لو تأخر لكان صفة أي كائنين عليكم وقيل متعلق بحفظة والمحفوظ ~~محذوف على كل حال أي يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم كائنة ما كانت وفي ~~ذلك حكمة جميلة ونعمة جليلة لما أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ وتعرض ~~على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح وأن العبد إذا ~~وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشمه احتشامه من خدمه الواقفين ~~على أحواله وحتى في قوله تعالى «حتى إذا جاء أحدكم الموت» هي التي يبتدأ ~~بها الكلام وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها ~~كأنه قيل ويرسل عليكم حفظة يحفظون أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا انتهت مدة ~~أحدكم كائنا من كان وجاءه أسباب الموت ومباديه «توفته رسلنا» الآخرون ~~المفوض إليهم ذلك وهم ملك الموت وأعوانه وانتهى هناك حفظ الحفظة وقرئ توفاه ~~ماضيا أو مضارعا بطرح إحدى التامين «وهم» أي الرسل «لا يفرطون» أي بالتواني ~~والتأخير وقرئ مخففا ms1032 من الإفراط أي PageV03P144 # لا يجاوزون ما حدا بهم بزيادة أو نقصان والجملة حال من رسلنا وقيل ~~مستأنفة سيقت لبيان اعتنائهم بما أمروا به وقوله تعالى «ثم ردوا» عطف على ~~توفته والضمير للكل المدلول عليه بأحدكم وهو السر في مجيئه بطريق الالتفات ~~تغليبا والإفراد أولا والجمع ى خرا لوقوع التوفي على الانفراد والرد على ~~الاجتماع أي ثم ردوا بعد البعث بالحشر «إلى الله» 6 أي إلى حكمه وجزائه في ~~موقف الحساب «مولاهم» اي مالكهم الذي يلي أمورهم على الإطلاق لا ناصرهم كما ~~في قوله تعالى وأن الكافرين لا مولى لهم «الحق» الذي لا يقضي إلا بالعدل ~~وقرى بالنصب على المدح «ألا له الحكم» يومئذ صورة ومعنى لا لأحد غيره بوجه ~~من الوجوه «وهو أسرع الحاسبين» يحاسب جميع الخلائق في اسرع زمان وأقصره لا ~~يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن وفي الحديث أن الله تعالى يحاسب الكل في ~~مقدار حلب شاة «قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر» أي قل تقريرا لهم ~~بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية من ينجيكم من شدائدهما الهائلة التي تبطل ~~الحواس وتدهش العقول ولذلك استعير لها الظلمات المبطلة لحاسة البصر يقال ~~لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب أو من الخسف في البر والغرق في البحر ~~وقرئ ينجيكم من الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى «تدعونه» نصب على الحالية ~~من مفعول ينجيكم والضمير لمن أي من ينجيكم منها حال كونكم داعين له أو من ~~فاعله أي من ينجيكم منها حال كونه مدعوا من جهتكم وقوله تعالى «تضرعا ~~وخفية» إما حال من فاعل تدعونه أو مصدر مؤكد له أي تدعونه متضرعين جهارا ~~ومسرين أو تدعونه دعاء إعلان وإخفاء وقرئ خفية بكسر الخاء وقوله تعالى «لئن ~~أنجيتنا» حال من الفاعل أيضا على تقدير القول أي تدعونه قائلين لئن أنجيتنا ~~«من هذه» الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات «لنكونن من الشاكرين» أي ~~الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمة أو جميع النعماء التي من ~~جملتها هذه وقرئ لئن أنجانا ms1033 مراعاة لقوله تعالى تدعونه «قل الله ينجيكم ~~منها ومن كل كرب» أمر صلى الله عليه وسلم بتقرير الجواب مع كونه من وظائفهم ~~للإيذان بأنه متعين عندهم ولبناء قوله تعالى «ثم أنتم تشركون» عليه أي الله ~~تعالى وحده ينجيكم مما تدعونه إلى كشفه من الشدائد المذكورة وغيرها من ~~الغموم والكرب ثم أنتم بعد ما تشاهدون هذه النعم الجليلة تشركون بعبادته ~~تعالى غيره وقرئ ينجيكم بالتخفيف PageV03P145 # وقوله تعالى «قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا» استئناف مسوق لبيان ~~أنه تعالى هو القادر على إلقائهم في المهالك إثر بيان أنه هو المنجي لهم ~~منها وفيه وعيد ضمني بالعذاب لإشراكهم المذكور على طريقة قوله عز وجل ~~أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر إلى قوله تعالى أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى الآية وعليكم متعلق بيبعث وتقديمه على مفعوله الصريح للاعتناء به ~~والمسارعة إلى بيان كون المبعوث مما يضرهم ولتهويل أمر المؤخر وقوله تعالى ~~«من فوقكم» متعلق به أيضا أو بمحذوف وقع صفة لعذابا أي عذابا كائنا من جهة ~~الفوق كما فعل بمن فعل من قوم لوط وأصحاب الفيل وأضرابهم «أو من تحت ~~أرجلكم» أو من جهة السفل كما فعل بفرعون وقارون وقيل من فوقكم أكابركم ~~ورؤسائكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فلا ~~منع لما كان من الجهتين معا كما فعل بقوم نوح «أو يلبسكم شيعا» أي يخلطكم ~~فرقا متحزبين على أهواء شتى كل فرقة مشايعة لإمام فينشب بينكم القتال ~~فتختلطوا في الملاحم كقول الحماسي * وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست ~~نفضت لها يدي «ويذيق بعضكم بأس بعض» عطف على يبعث وقرئ بنون العظمة على ~~طريقة الالتفات لتهويل الأمر والمبالغة في التحذير والبعض الأول الكفار ~~والآخر المؤمنون ففيه وعد ووعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~عند قوله تعالى عذابا من فوقكم أعوذ بوجهك وعند قوله تعالى أو من تحت ~~أرجلكم أعوذ بوجهك وعند قوله تعالى أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض هذا ms1034 ~~أهون أو هذا أيسر وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال سألت ربي أن لا يبعث على ~~أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم ~~بينهم فمنعني ذلك «انظر كيف نصرف الآيات» من حال إلى حال «لعلهم يفقهون» كي ~~يفقهوا ويقفوا على جلية الأمر فيرجعوا عما هم عليه من المكابرة والعناد ~~«وكذب به» أي بالعذاب الموعود أو القرآن المجيد الناطق بمجيئه «قومك» أي ~~المعاندون منهم ولعل إيرادهم بهذا العنوان للإيذان بكمال سوء حالهم فإن ~~تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه صلى الله عليه وسلم مما يقضى بغاية عتوهم ~~ومكابرتهم وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر مرارا من إظهار ~~الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخرة وقوله تعالى «وهو الحق» حال من ~~الضمير المجرور أي كذبوا به والحال أنه الواقع لا محالة أو إ ه الكتاب ~~الصادق في كل ما نطق به وقيل هو استئناف وأيا ما كان ففيه دلالة على عظيم ~~جنايتهم ونهاية قبحها «قل» لهم منبها على ما يؤول إليه أمرهم وعلى أنك قد ~~أديت ما عليك من وظائف الرسالة «لست عليكم بوكيل» بحفيظ وكل إلى أمركم لا ~~منعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق إنما أنا منذر وقد خرجت عن العهدة ~~حيث أخبرتكم بما سترونه PageV03P146 # «لكل نبإ» أي لكل شيء ينبأ به من الأنباء التي من جملتها عذابكم أو لكل ~~خبر من الأخبار التي من جملتها خبر مجيئه «مستقر» أي وقت استقرار ووقوع ~~البتة ووقت استقرار بوقوع مدلوله «وسوف تعلمون» أي حال نبئكم في الدنيا أو ~~في الآخرة أو فيهما معا وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى ولتعلمن نبأه بعد ~~حين «وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا» أي بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن ~~فيها كما هو دأب قريش وديدنهم «فأعرض عنهم» بترك مجالستهم والقيام عنهم ~~وقوله تعالى «حتى يخوضوا في حديث غيره» غاية للإعراض أي استمر على الإعراض ~~إلى أن يخوضوا في حديث غير ى يأتنا والتذكير باعتبار كونها حديثا فإن وصف ~~الحديث بمغايرتها ms1035 مشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية وقيل باعتبار كونها ~~قرآنا «وإما ينسينك الشيطان» بأن يشغلك فتنسى النهي فتجالسهم ابتداء أو ~~بقاء وقرئ ينسينك من التنسية «فلا تقعد بعد الذكرى» أي بعد تذكر النهي «مع ~~القوم الظالمين» أي معهم فوضع المظهر موضع المضمر نعيا عليهم أنهم بذلك ~~الخوض ظالمون واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم راسخون في ~~ذلك «وما على الذين يتقون» روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المسلمين حين ~~نهوا عن مجالستهم عند خوضهم في الآيات قالوا لئن كنا نقول كلما استهزءوا ~~بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ونطوف بالبيت فنزلت أي ما علي ~~الذين يتقون قبائح أعمال الخائضين وأحوالهم «من حسابهم» أي مما يحاسبون ~~عليه من الجرائر «من شيء» أي شئ ما على أنه في محل الرفع على أنه مبتدأ وما ~~تميمية أو اسم لها وهي حجازية ومن مزيدة للاستغراق ومن حسابهم حال منه وعلى ~~الذين يتقون في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ أو لما الحجازية على رأي من ~~لا يجيز إعمالها في الخبر المقدم مطلقا أو في محل النصب على رأي من يجوز ~~إعمالها في الخبر المقدم عند كونه ظرفا أو حرف جر «ولكن ذكرى» استدراك من ~~النفي السابق أي ولكن عليهم أن يذكروهم ويمنعوهم عما هم عليه من القبائح ~~بما أمكن من العظة والتذكير ويظهروا لهم الكراهة والنكير ومحل ذكرى إما ~~النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف أي عليهم أن يذكروهم تذكيرا أو ~~الرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ولكن عليهم ذكرى «لعلهم يتقون» أي ~~يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم وقد جوز كون الضمير للموصول أي ~~يذكروهم رجاء أن يثبتوا على تقواهم أو يزدادوها PageV03P147 # «وذر الذين اتخذوا دينهم» الذين كلفوه وأمروا بإقامة مواجبه «لعبا ولهوا» ~~حيث سخروا به واستهزءوا أو بنوا أمر دينهم على ما لا يكاد يتعاطاه العاقل ~~بطريق الجد وإنما يصدر عنه لو صدر بطريق اللعب واللهو كعبادة الأصنام ~~وتحريم البحائر والسوائب ونحو ذلك والمعنى أعرض عنهم ولا ms1036 تبال بأفعالهم ~~وأقوالهم وقيل هو تهديد لهم كقوله تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا الآية ~~«وغرتهم الحياة الدنيا» واطمأنوا بها حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبدا ~~«وذكر به» أي بالقرآن من يصلح للتذكير «أن تبسل نفس بما كسبت» أي لئلا تبسل ~~كقوله تعالى أن تضلوا الآية أو مخافة أن تبسل أو كراهة أن تبسل نفوس كثيرة ~~كما في قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت وترتهن لسوء عملها وأصل الإبسال ~~والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه ممتنع والباسل ~~الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام ممنوع وقد جوز أن يكون ~~الضمير المجرور في به راجعها إلى الإبسال مع عدم جريان ذكره كما في ضمير ~~الشأن وتكون الجملة بدلا منه مفسرا له في الإبهام أولا والتفسير ثانيا من ~~التفخيم وزيادة التقرير كما في قوله [على جوده لضن بالماء حانم] بجر حانم ~~على أنه بدل من ضمير جوده فالمعنى وذكر بارتهان النفوس وحبسها بما كسبت ~~وقوله تعالى «ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع» استئناف مسوق للإخبار بذلك ~~وقيل في محل النصب على أنه حال من ضمير كسبت وقيل في محل الرفع على أنه وصف ~~لنفس والأظهر أنه حال من ف = نفس فإنه في قوة نفس كافرة أو نفوس كثيرة كما ~~في قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت ومن دون الله متعلق بمحذوف هو حال من ولي ~~كما بين في تفسير قوله تعالى وأنذر به الآية وقيل هو خبر لليس فيكون لها ~~حينئذ متعلقا بمحذوف على البيان «وإن تعدل» أي إن تفد تلك النفس «كل عدل» ~~أي كل فداء على أنه مصدر مؤكد «لا يؤخذ منها» على إسناد الفعل إلى الجار ~~والمجرور لا إلى ضمير العدل كما في قوله تعالى ولا يؤخذ منها عدل فإنه ~~المفدى به لا المصدر كما نحن فيه «أولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه ~~بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في سوء الحال ~~ومحله الرفع ms1037 على الابتداء والخبر في قوله تعالى «الذين أبسلوا بما كسبوا» ~~والجملة مستأنفة سيقت إثر تحذيرهم من الإبسال المذكور لبيان أنهم المبتلون ~~بذلك أي أولئك المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة الدنيا هم الذين ~~أبسلوا بما كسبوا وقوله تعالى «لهم شراب من حميم» استئناف آخر مبين لكيفية ~~الإبسال المذكور وعاقبته مبني على سوء نشأ من الكلام كأنه قيل ماذا لهم حين ~~أبسلوا بما كسبوا فقيل لهم شراب من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم وتتقطع به ~~أمعاؤهم «وعذاب أليم» بنار تشتعل بأبدانهم «بما كانوا يكفرون» أي بسبب ~~كفرهم المستمر في الدنيا وقد جوز أن يكون لهم شراب إلخ حالا من ضمير أبسلوا ~~وترتيب PageV03P148 # ما ذكر من العذابين على كفرهم مع أنهم معذبون بسائر معاصيهم أيضا حسبما ~~ينطق به قوله تعالى بما كسبوا لأنه العمدة في إيجاب العذاب والأهم في باب ~~التحذير أو أريد بكفرهم ما هو أعم منه ومن مستتبعاته من المعاصي والسيئات ~~هذا وقد جوز أن يكون أولئك إشارة إلى النفوس المدلول عليها بنفس محله الرفع ~~بالابتداء والموصول الثاني صفته أو بدل منه ولهم شراب الخ خبره والجملة ~~مسوقة لبيان تبعة الإبسال «قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا» ~~قيل نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة ~~الأصنام فتوجيه الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للإيذان بما ~~بينهما من الاتصال والاتحاد تنويها لشأن الصديق رضي الله تعالى عنه أي ~~أنعبد متجاوزين عبادة الله الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها ~~القدرة على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضرنا إذا ~~تركناه وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك وقوله تعالى «ونرد على ~~أعقابنا» عطف على ندعوا إذا حل في حكم الإنكار والنفي أي ونرد إلى الشرك ~~والتعبير عنه بالرد على الأعقاب لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في ~~القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر ms1038 ~~وإيثار نرد على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير تصريحا بمخالفة ~~المضلين وقطعا لأطماعهم الفارغة وإيذانا بأن الارتداد من غير راد ليس في ~~حيز الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره وقوله تعالى «بعد إذ هدانا الله» أي ~~إلى الإسلام وانقذنا من الشرك متعلق بنرد مسوق لتأكيد النكير لا لتحقيق ~~معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن يقال بعد إذ اهتدينا كأنه قيل ونرد إلى ~~الشرك بإضلال المضل بعد إذ هدانا الله الذي لا هادي سواه وقوله تعالى ~~«كالذي استهوته الشياطين» في محل النصب على أنه حال من مرفوع نرد أي نرد أي ~~أنرد على أعقابنا مشبهين بالذي استهوته مردة الجن واستغوته إلى المهامه أو ~~المهالك أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي أنرد ردا مثل رد الذي استهوته الخ ~~والاستهواء استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأنها طلبت هويه وحرصت ~~عليه وقرئ استهواه بألف مما له وقوله تعالى «في الأرض» إما متعلق باستهوته ~~أو بمحذوف هو حال من مفعوله أي كائنا في الأرض وكذا قوله تعالى «حيران» حال ~~منه على أنها بدل من الأولى أو حال الثنية عند من يجيزها أو من الذي أو من ~~المستكن في الظرف أي تائها ضالا عن الجادة لا يدري ما يصنع وقوله تعالى «له ~~أصحاب» جملة في محل النصب على أنها صفة لحيران أو حال من الضمير فيه أو ~~مستأنفة سيقت لبيان حاله وقوله تعالى «يدعونه إلى الهدى» صفة لأصحاب أي ~~لذلك المستهوي رفقة يهدونه إلى الطريق المستقيم تسمية له بالمصدر مبالغة ~~كأنه نفس الهدى «ائتنا» على إرادة القول على أنه بدل ممن يدونه أو حال من ~~فاعله أي يقولون ائتنا وفيه إشارة PageV03P149 # إلى أنهم مهتدون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق ~~المستقيم ليدعى إلى إتيانه وإنما يدرك سمت الداعي ومورد النعيق فقط «قل إن ~~هدى الله» الذي هدانا إليه وهو الإسلام «هو الهدى» وحده وما عداه ضلال محض ~~وغي بحت كقوله تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال ms1039 ونحوه وتكرير الأمر ~~للاعتناء بشأن المأمور به ولأن ما سبق للزجر عن الشرك وهذا حث على الإسلام ~~وهو توطئة لما بعده فإن اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجب الامتثال ~~بالأوامر الواردة بعده «وأمرنا» عطف على أن هدى الله هو الهدى داخل تحت ~~القول واللام في «لنسلم لرب العالمين» لتعليل الأمر المحكي وتعيين ما أريد ~~به كمن الأوامر الثلاثة كما في قوله تعالى قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ~~الصلاة وينفقوا الآية كأنه قيل أمرنا وقيل لنا اسلموا لأجل أنم نسلم وقيل ~~هي بمعنى الباء أي أمرنا بأن نسلم وقيل زائدة أي أمرنا أن نسلم على حذف ~~الباء وقوله تعالى «وأن أقيموا الصلاة واتقوه» أي الله تعالى في مخالفة ~~أمره عطف على نسلم على الوجوه الثلاثة على أن أن المصدرية إذا وصلت بالأمر ~~بتجرد هو عن معنى الأمر نحو تجرد الصلة الفعلية عن معنى المضي والاستقبال ~~فالمعنى على الأول أمرنا أي قيل لنا أسلموا وأقيموا الصلاة واتقوا الله ~~لأجل أن نسلم ونقيم الصلاة ونتقيه تعالى وعلى الأخيرين أمرنا بأن نسلم ~~ونقيم الصلاة ونتقيه تعالى والتعرض لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل ~~الأمر وتأكيد وجوب الامتثال به كما أن قوله تعالى «وهو الذي إليه تحشرون» ~~جملة مستأنفة موجبة للامتثال بما أمر به من الأمور الثلاثة «وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض» أريد بخلقهما خلق ما فيهما أيضا وعدم التصريح بذلك لظهور ~~اشتمالهما على جميع العلويات والسفليات وقوله تعالى «بالحق» متعلق بمحذوف ~~هو حال من فاعل خلق أو من مفعوله أو صفة لمصدره المؤكد له أي قائما بالحق ~~أو متلبسه بالحق أو خلقا متلبسا به وقوله تعالى «ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق» استئناف لبيان أن خلقه تعالى لما ذكر من السماوات والأرض ليس مما ~~يتوقف على مادة أو مدة بل يتم بمحض الأمر التكويني من غير توقف على شيء آخر ~~أصلا وأن ذلك الأمر المتعلق بكل فرد فرد من أفراد المخلوقات في حين معين من ~~أفراد الأحيان حق في نفسه متضمن للحكمة ويوم ظرف لمضمون ms1040 جملة قوله الحق ~~والواو بحسب المعنى داخل عليها وتقديمه عليها للاعتناء به من حيث إنه مدار ~~الحقية وترك ذكر المقول له للثقة بغاية ظهوره والمراد بالقول كلمة كن ~~تحقيقا أو تمثيلا كما هو المشهور فالمعنى وأمره المتعلق بكل شيء يريد خلقه ~~من الأشياء في حين تعلقه به لا قبله ولا بعده من أفراد الأحيان الحق أي ~~المشهود له بالحقية المعروف بها هذا وقد قيل قوله مبتدأ والحق صفته ويوم ~~يقول خبره مقدما عليه كقولك يوم الجمعة القتال وانتصابه بمعنى الاستقرار ~~وحاصل المعنى قوله الحق كائن PageV03P150 # حين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء وقيل يوم منصوب بالعطف على ~~السماوات أو على الضمير في واتقوه أو بمحذوف دل عليه بالحق وقوله الحق ~~مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى حين يقول لقوله الحق أي لقضائه الحق كن ~~فيكون والمراد حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون التكوين ~~حشر الأجساد وإحياءها فتأمل حق التأمل «وله الملك يوم ينفخ في الصور» تقييد ~~اختصاص الملك به تعالى بذلك اليوم مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات لغاية ~~ظهور ذلك بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا المصححة للمالكية ~~المجازية في الجملة كقوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار «عالم ~~الغيب والشهادة» أي هو عالمهما «وهو الحكيم» في كل ما يفعله «الخبير» بجميع ~~الأمور الجلية والخفية «وإذ قال إبراهيم» منصوب على المفعولية بمضمر خوطب ~~به النبي عليه الصلاة والسلام معطوف على قل أندعو لا على أقيموا كما قيل ~~لفساد المعنى أي واذكر لهم بعد ما أنكرت عليهم عبادة ما لا يقدر على نفع ~~وضر وحققت أن الهدى هو هدى الله وما يتبعه من شؤونه تعالى وقت قول إبراهيم ~~الذي يدعون أنهم على ملته موبخا «لأبيه آزر» على عبادة الأصنام فإن ذلك مما ~~يبكتهم وينادي بفساد طريقتهم وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه ~~من الحوادث مع أنها المقصودة لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها وآزر ~~بزنة آدم وعابر وعازر وفالغ ms1041 وكذلك تارح ذكره محمد بن إسحق والضحاك والكلبي ~~وكان من قرية من سواد الكوفة ومنع صرفه للعجمة والعلمية وقيل اسمه ~~بالسريانية تارح وآزر لقبه المشهور وقيل اسم صنم لقب هو به للزومه عبادته ~~فهو عطف بيان لأبيه وبدل منه وقال الضحاك معناه الشيخ الهرم وقال الزجاج ~~المخطىء وقال الفراء وسليمان التيمي المعوج فهو نعت له كما إذا جعل مشتقا ~~من الأزر أو الوز وأريد به عابد آزر على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه وقرئ آزر على النداء وهو دليل العلمية إذ لا يحذف حرف النداء إلا من ~~الأعلام «أتتخذ» متعد إلى مفعولين هما «أصناما آلهة» أي أتجعلها لنفسك آلهة ~~على توجيه الإنكار إلى اتخاذ الجنس من غير اعتبار الجمعية وإنما إيراد صيغة ~~الجمع باعتبار الوقوع وقرئ أازرا بفتح الهمزة وكسرها بعج همزة الاستفهام ~~وزاء ساكنة وراء منونة منصوبة وهو اسم صنم ومعناه أتعبد آزرا ثم قيل تتخذ ~~أصناما آلهة تثبيتا لذلك وتقريرا وهو داخل تحت الإنكار لكونه بيانا له وقيل ~~الأزر القوة والمعنى ألأجل القوة والمظاهرة تتخذ أصناما آلهة إنكارا لتعززه ~~بها على طريقة قوله تعالى أيبتغون عندهم العزة «إني أراك وقومك» الذين ~~يتبعونك في عبادتها «في ضلال» عن الحق «مبين» أي بين كونه ضلالا لا اشتباه ~~فيه أصلا والرؤية إما علمية فالظرف مفعولها الثاني وإما بصرية فهو حال من ~~المفعول والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ «وكذلك نري إبراهيم» هذه الإرادة ~~من الرؤية البصرية المستعارة للمعرفة ونظر البصيرة أي عرفاناه PageV03P151 # وبصرناه وصيغة الاستقبال حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها وذلك إشارة ~~إلى مصدر نرى لا إلى إراءة أخرى مفهومة من قوله إني أراك وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل وكمال تميزه ~~بذلك وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة والكاف لتأكيد ما أفاده اسم ~~الإشارة من الفخامة ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف وأصل ~~التقدير نرى إبراهيم إراءة كائنة مثل تلك الإراءة فقدم على الفعل لإفادة ~~القصر واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة ms1042 المذكورة فصار المشار إليه نفس المصدر ~~المؤكد لا نعتا له أي ذلك التبصير البديع نبصره عليه السلام «ملكوت ~~السماوات والأرض» أي ربوبيته تعالى ومالكيته لهما وسلطانه القاهر عليهما ~~وكونهما بما فيهما مربوبا ومملوكا له تعالى لا تبصيرا آخر أدنى منه ~~والملكوت مصدر على زنة المبالغة كالرهبوت والجبروت ومعناه الملك العظيم ~~والسلطان القاهر ثم هل هو مختص بملك الله عز سلطانه أو لا فقد قيل وقيل ~~والأول هو الأظهر وبه قال الراغب وقيل ملكوتهما وعجائبهما وبدائعهما روي ~~أنه كشف له عليه السلام عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين وقيل ~~آياتهما وقيل ملكوت السماوات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال ~~والأشجار والبحار وهذه الأقوال لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس ~~المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ~~ومشاهدتها في أنفسها بل اطلاعه عليه السلام على حقائقها وتعريفها من حيث ~~دلالتها على شؤونه عز وجل لا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حسا كما ينبئ عنه ~~اسم الإشارة المفصح عن كون المشار إليه أمرا بديعا فإن الإراءة البصرية ~~المعتادة بمعزل من تلك المثابة وقرئ ترى بالتاء وإسناد الفعل إلى الملكوت ~~أي تبصره عليه السلام دلائل الربوبية واللام في قوله تعالى «وليكون من ~~الموقنين» متعلقة بمحذوف مؤخر والجملة مقرر لما قبلها أي وليكون من زمرة ~~الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى فعلنا ~~ما فعلنا من التبصير البديع المذكور لا لأمر آخر فإن الوصول إلى تلك الغاية ~~القاصية كمال مترتب على ذلك التبصير لا ينه وليس القصر لبيان انحصار فائدته ~~في ذلك كيف لا وإرشاد الخلق وإلزام المشركين كما سيأتي من فوائده بلا مرية ~~بل لبيان أنه الأصل الأصيل والباقي من مستتبعاته وقيل هي متعلقة بالفعل ~~السابق والجملة معطوفة على علة أخرى محذوفة ينسحب عليها الكلام أي يستدل ~~بها وليكون الخ فينبغي أن يراد بملكوتهما بدائعهما وآياتهما لأن الاستدلال ~~من غايات إراءتها لا من غايات إراءة نفس الربوبية وقوله تعالى ms1043 «فلما جن ~~عليه الليل» على الأول وهو الحق المبين عطف على قال إبراهيم داخل تحت ما ~~أمر بذكره بالأمر بذكر وقته وما بينهما اعتراض مقرر لما سبق وما لحق فإن ~~تعريفه عليه السلام ربوبيته ومالكيته للسموات والأرض وما فيهما وكون الكل ~~مقهورا تحت ملكوته مفتقرا إليه في الوجود وسائر ما يترتب عليه من الكمالات ~~وكونه من الراسخين في معرفة شؤونه تعالى الواصلين إلى ذروة عين اليقين مما ~~يقضي بأن يحكم عليه السلام باستحالة إلهية ما سواه PageV03P152 # سبحانه من الأصنام والكواكب وعلى الثاني هو تفصيل لما ذكر من إراءة ملكوت ~~السماوات والأرض وبيان لكيفية استدلاله عليه السلام ووصوله إلى رتبة ~~الإيقان ومعنى جن عليه الليل ستره بظلامه وقوله تعالى «رأى كوكبا» جواب لما ~~فإن رؤيته إنما تتحقق بزوال نور الشمس عن الحس وهذا صريح في أنه لم يكن في ~~ابتداء الطلوع بل كان غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيق ~~أنه كان قريبا من الغروب كما ستعرفه قيل كان ذلك الكوكب هو الزهرة وقيل هو ~~المشتري وقوله تعالى «قال هذا ربي» استئناف مبني على سؤال نشأ من الشرطية ~~السابقة المتفرعة على بيان إراءته عليه السلام ملكوت السماوات والأرض فإن ~~ذلك مما يحمل السامع على استكشاف ما ظهر منه عليه السلام من آثار تلك ~~الإراءة وأحكامها كأنه قيل فماذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال ~~على سبيل الوضع والفرض هذا ربي مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون ~~الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه على رأي خصمه ثم يكر عليه ~~بالإبطال ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب دون بيان ~~استحالة إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع ~~بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة ~~والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون وقيل قال عليه السلام على وجه النظر ~~والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقته وأول أوان بلوغه وهو مبني على تفسير ~~الملكوت بآياتهما وعطف قوله ms1044 تعالى لكون على ما ذكر من العلة المقدرة وجعل ~~قوله تعالى فلما جن الخ تفصيلا لما ذكر من الإراءة وبيانا لكيفية الاستدلال ~~وأنت خبير بأن كل ذلك مما يخل بجزالة النظم الجليل وجلالة منصب الخليل عليه ~~الصلاة والسلام «فلما أفل» أي غرب «قال لا أحب الآفلين» أي الأرباب ~~المنتقلين من مكان إلى مكان المتغير من حال إلى حال المحتجبين بالأستار ~~فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية «فلما رأى القمر بازغا» أي مبتدئا في ~~الطلوع إثر غروب الكوكب «قال هذا ربي» على الأسلوب السابق «فلما أفل» كما ~~أفل النجم «قال لئن لم يهدني ربي» إلى جنابه الذي هو الحق لا محيد عنه ~~«لأكونن من القوم الضالين» فإن شيئا مما رأيته لا يليق بالربوبية وهذا ~~مبالغة منه عليه السلام في إظهار النصفة ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في ~~موضع كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من ~~النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريبا منه وأفقه الشرقي مكشوف أولا وإلا ~~فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قل طلوع الشمس كما ينبئ عنه قوله ~~تعالى «فلما رأى الشمس بازغة» اي مبتدئة في الطلوع مما لا يكاد يتصور «قال» ~~أي على النهج السابق PageV03P153 # «هذا ربي» وإنما لم يؤنث لما أن المشار إليه والمحكوم عليه بالربوبية هو ~~الجرم المشاهد من حيث هو لا من حيث هو مسمى باسم من الأسامي فضلا عن حيثية ~~تسميته بالشمس أو لتذكير الخبر وصيانة الرب عن وصمة التأنيث وقوله تعالى ~~«هذا أكبر» تأكيد لما رامه عليه السلام من إظهار النصفة مع إشارة خفية إلى ~~فساد دينهم من جهة أخرى ببيان أن الأكبر أحق بالربوبية من الأصغر «فلما ~~أفلت» هي أيضا كما أفل الكوكب والقمر «قال» مخاطبا للكل صادعا بالحق بين ~~أظهرهم «يا قوم إني بريء مما تشركون» أي من الذي تشركونه من الإجرام ~~المحدثة المتغيرة من حالة إلى أخرى المسخرة لمحدثها أو من إشراككم وترتيب ~~هذا الحكم ونظيريه على الأفول دون البزوغ والظهور من ms1045 ضروريات سوق الاحتجاج ~~على هذا المساق الحكيم فإن كلا منهما وإن كان في نفسه انتقالا منافيا ~~لاستحقاق معروضه للربوبية قطعا لكن لما كان الأول حالة موجبة لظهور الآثار ~~والأحكام ملائمة لتوهم الاستحقاق في الجملة رتب عليها الحكم الأول على ~~الطريقة ألم 1 كورة وحيث كان الثاني حالة مقتضية لانطماس الآثار وبطلان ~~الأحكام المنافيين للاستحقاق المذكور منافاة بينة يكاد يعترف بها كل مكابر ~~عنيد رتب عليها ما رتب ثم تبرأ عليه السلام منهم توجه إلى مبدع هذي ~~المصنوعات ومنشئها فقال «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» التي هي ~~الأجرام التي تعبدونها من أجزائها «والأرض» التي تغيب هي فيها «حنيفا» أي ~~مائلا عن الأديان الباطلة والعقائد الزائغة كلها «وما أنا من المشركين» في ~~شيء من الأفعال والأقوال «وحاجه قومه» أي شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد ~~«قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية محاجتهم كأنه قيل فماذا قال ~~عليه السلام حين حاجوه فقيل قال منكرا لما اجترءوا عليه من محاجته مع ~~قصورهم عن تلك الرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم «أتحاجوني في الله» بإدغام ~~نون الجمع في نون الوقاية وقرئ بحذف الأولى وقوله تعالى «وقد هدان» حال من ~~ضمير المتكلم مؤكدة للإنكار فإن كونه عليه السلام مهديا من جهة الله تعالى ~~ومؤيدا من عنده مما يوجب استحالة محاجته عليه السلام أي أتجادلونني في شأنه ~~تعالى ووحدانيته والحال أنه تعالى هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتك ~~بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبينا تاما كما شاهدتموه وقوله تعالى «ولا ~~أخاف ما تشركون به» جواب عما خوفوه عليه السلام في أثناء المحاجة من إصابة ~~مكروه من جهة أصنامهم كما قال لهود عليه السلام قومه إن نقول إلا اعتراك ~~بعض آلهتنا بسوء ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلام بآلهتهم ما فعل وما ~~موصولة اسمية حذف عائدها وقوله تعالى «إلا أن يشاء ربي شيئا» استثناء مفرغ ~~من أعم الأوقات أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقت من ~~الأوقات إلا في ms1046 وقت مشيئته PageV03P154 # تعالى شيئا من إصابة مكروه من جهتها وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير ~~دخل لآلهتكم فيه أصلا وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~عليه السلام إظهار منه لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى واستسلام لأمره ~~واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته وقوله تعالى «وسع ربي كل شيء علما» كأنه ~~تعليل للاستثناء أي أحاط بكل شيء علما فلا يبعد أن يكون في علمه تعالى أن ~~يحيق بي مكروه من قبلها بسبب من الأسباب وفي الإظهار في موضع الإضمار تأكيد ~~للمعنى المذكور واستلذاذ بذكره تعالى «أفلا تتذكرون» أي أتعرضون عن التأمل ~~في أن آلهتكم جمادات غير قادرة على شيء ما من نفه ولا ضر فلا تتذكرون أنها ~~غير قادرة على إضرارى وفي إيراد التذكر دون التفكر ونظائره إشارة إلى أن ~~أمر أصنامهم مركوز في العقول لا يتوقف إلى على التذكر وقوله تعالى «وكيف ~~أخاف ما أشركتم» استئناف مسوق لنفي الخوف عنه عليه السلام بحسب زعم الكفرة ~~بالطريق الإلزامي كما سيأت بعد نفيه عنه بسبب الواقع ونفس الأمر والاستفهام ~~لإنكار الوقوع ونفيه بالكلية كما في قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله الآية لإنكار الواقع واستبعاده مع وقوعه كما في قوله تعالى كيف تكفرون ~~بالله إلخ في توجيه الإنكار إلى كيفية الخوف من المبالغة ما ليس في توجيهه ~~إلى نفسه بأن يقال أأخاف لما أن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من ~~الأحوال وكيفية من الكيفيات قطعا فإذا انتفى جميع أحواله وكيفياته فقد ~~انتفى وجوده من جميع الجهات بالطريق البرهاني وقوله تعالى «ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله» حال من ضمير أخاف بتقدير مبتدأ والواو كافة في الربط من غير ~~حاجة إلى الضمير العائد إلى ذي الحال وهو مقرر لإنكار الخوف ونفيه عنه عليه ~~السلام ومفيد لاعترافهم بذلك فإنهم حيث لم يخافوا في محل الخوف فلأن لا ~~يخاف عليه السلام في محل الأمن أولى وأحرى أي وكيف أخاف أنا ما ليس في حيز ~~الخوف أصلا وأنتم لا تخافون ms1047 غائلة ما هو أعظم المخوفات وأهولها وهو إشراككم ~~بالله الذي ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته ~~وإنما عبر عنه بقوله تعالى «ما لم ينزل به» أي بإشراكه «عليكم سلطانا» على ~~طريقة التهكم مع الإيذان بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة ~~المنزلة من عند الله تعالى وفي تعليق الخوف الثاني بإشراكهم من المبالغة ~~مراعاة حسن الأدب ما لا يخفى هذا وأما ما قيل من أن قوله تعالى ولا تخافون ~~الخ معطوف على أخاف داخل معه في حكم الإنكار والتعجيب فمما لا سبيل إليه ~~أصلا لإفضائه إلى فساد المعنى قطعا كيف لا وقد عرفت أن الإنكار بمعنى النفي ~~بالكلية فيؤول المعنى إلى نفي الخوف عنه عليه الصلاة والسلام ونفي نفيه ~~عنهم وأنه بين الفساد وحمل الإنكار في الأول على معنى نفي الوقوع وفي ~~الثاني على استبعاد الواقع مما لا مساغ له على أن قوله تعالى «فأي الفريقين ~~أحق بالأمن» ناطق ببطلانه حتما فإنه كلام مرتب على إنكار خوفه عليه الصلاة ~~PageV03P155 # والسلام في محل الأمن مع تحقق عدم خوفهم في محل الخوف مسوق لإلجائهم إلى ~~الاعتراف باستحقاقه عليه الصلاة والسلام لما هو عليه من الأمن وبعدم ~~استحقاقهم لما هم عليه وإنما جئ بصيغة التفضيل المشعرة باستحقاقهم له في ~~الجملة لاستنزالهم عن رتبة المكابرة والاعتساف بسوق الكلام على سنن الانصاف ~~والمراد بالفريقين الفريق الآمن في محل الأمن والفريق الآمن في محل الخوف ~~فإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم ~~لتأكيد الإلجاء إلى الجواب الحق بالتنبيه على علة الحكم والتفادي عن ~~التصريح بتخطئتهم لا لمجرد الاحتراز عن تزكية النفس «إن كنتم تعلمون» ~~المفعول إما محذوف تعويلا على ظهوره بمعونة المقام أي إن كنتم تعملون من ~~أحق بذلك أو قصدا إلى التعميم أي إن كنتم تعلمون شيئا وإما متروك بالمرة أي ~~إن كنتم من أولي العلم وجواب الشرط محذوف أي فأخبروني «الذين آمنوا» ~~استئناف من جهته تعالى للجواب الحق ms1048 الذي لا محيد عنه أي الفريقين الذين ~~آمنوا «ولم يلبسوا إيمانهم» ذلك أي لم يخلطوه «بظلم» أي بشرك كما يفعله ~~الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل وأن عبادتهم للأصنام ~~من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل التقريب والشفاعة كما قالوا ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وهذا معنى الخلط «أولئك» إشارة إلى ~~الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة وفي الإشارة إليه بعد وصفه بما ذكر ~~إيذان بأنهم تميزوا بذلك عن غيرهم وانتظموا في سلك الأمور المشاهدة وما فيه ~~من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف وهو مبتدأ ثان ~~وقوله تعالى «لهم الأمن» جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر وقعت خبرا لأولئك ~~وهو مع خبره للمبتدأ الأول الذي هو الموصول ويجوز أن يكون أولئك بدلا من ~~الموصول أو عطف بيان له خبرا للموصول والأمن فاعلا للظرف لاعتماده على ~~المبتدأ ويجوز أن يكون لهم خبرا مقدما والأمن مبتدأ والجملة خبرا للموصول ~~ويجوز أن يكون أولئك مبتدأ ثانيا ولهم خبره والأمن فاعلا له والجملة خبر ~~للموصول أي أولئك الموصوفين بما ذكر من الإيمان الخالص عو شوب الشرك لهم ~~الأمن فقط «وهم مهتدون» إلى الحق ومن عداهم في ضلال مبين روي أنه لما نزلت ~~الآية شق ذلك على الصحابة رضوان الله علهم وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال ~~عليه الصلاة والسلام ليس ما تظنون إنما هو قال لقمان لابنه يا بني لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم وليس الإيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ~~ويخلط بهذا التصديق الإشراك به وليس من قضية الخلط بقاء الأصل بعد الخلط ~~حقيقة وقيل المراد بالظلم المعصية التي تفسق صاحبها والظاهر هو الأول ~~لوروده مورد الجواب عن حالة الفريقين إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه ~~السلام من قوله تعالى فلما جن وقيل من قوله أتحاجوني إلى قوله مهتدون وما ~~في اسم الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن المشار إليه والإشعار بعلو طبقته ~~وسمو منزلته PageV03P156 # في الفضل وهو مبتدأ ms1049 وقوله تعالى «حجتنا» خبره وفي إضافتها إلى نون العظمة ~~من التفخيم ما لا يخفى وقوله تعالى «آتيناها إبراهيم» أي أرشدناه إليها ~~وعلمناه إياها في محل النصب على أنه حال من حجتنا والعامل فيها معنى ~~الإشارة كما في قوله تعالى فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا أو في محل الرفع ~~على أنه خبر ثان أو هو الخبر وحجتنا بدل أو بيان المبتدأ وإبراهيم مفعول ~~أول لآتينا قدم عليه الثاني لكونه ضميرا وقوله تعالى «على قومه» متعلق ~~بحجتنا إن جعل خبرا لتلك أو بمحذوف إن جعل بدلا أي آتينا إبراهيم حجة على ~~قومه وقيل بقوله آتينا «نرفع» بنون العظمة وقرئ بالباء على طريق الالتفات ~~وكذا الفعل الآتي «درجات» أي رتبا عظيمة عالية من العلم والحكمة وانتصابها ~~على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات أو على التمييز ~~والمفعول قوله تعالى «من نشاء» وتأخيره على الوجوه الثلاثة الأخيرة لما مر ~~من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ومفعول المشيئة محذوف أي من نشاء ~~رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة ~~على أن ذلك سنة مستمرة جارية فيما بين المصطفين الأخيار غير مختصة بإبراهيم ~~عليه السلام وقرئ بالإضافة إلى من والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها لا محل ~~لها من الإعراب وقيل هي في محل النصب على أنها حال من فاعل آتينا أي حال ~~كوننا رافعين الخ «إن ربك حكيم» في كل ما فعل من رفع وخفض «عليم» بحال من ~~يرفعه واستعداده له على مراتب متفاوتة والجملة تعليل لما قبلها وفي وضع ~~الرب مضافا إلى ضميره عليه السلام موضع نون العظمة بطريق الالتفات في ~~تضاعيف بيان أحوال إبراهيم عليه السلام إظهار لمزيد لطف وعناية به عليه ~~السلام «ووهبنا له إسحاق ويعقوب» عطف على قوله تعالى وتلك حجتنا الخ فإن ~~عطف كل من الجملة الفعلية والاسمية على الأخرى مما لا نزاع في جوازه ولا ~~مساغ لعطفه على آتيناها لأن له محلا من الإعراب نصبا ورفعا حسبما بين من ~~قبل فلو عطف هذا ms1050 عليه لكان في حكمه من الحالية والخبرية المستدعيتين للرابط ~~ولا سبيل إليه ههنا «كلا» مفعول لما بعده وتقديمه للقصر لكن لا بالنسبة إلى ~~غيرهما مطلقا بل بالنسبة إلى أحدهما أي كل واحد منهما «هدينا» لا أحدهما ~~دون الآخر وترك ذكر المهدى إليه لظهور أنه الذي أوتي إبراهيم وأنهما ~~مقتديان به «ونوحا» منصوب بمضمر يفسره «هدينا من قبل» أي من قبل إبراهيم ~~عليه السلام عد هداه نعمة على إبراهيم عليه السلام لأن شرف الوالد سار إلى ~~الولد «ومن ذريته» الضمير لإبراهيم لأن مساق النظم الكريم لبيان شؤونه ~~العظيمة من إيتاء الحجة ورفع الدرحات وهبة الأولاد الأنبياء وإبقاء هذه ~~الكرامة في نسله إلى يوم القيامة كل ذلك الإلزام من ينتمي إلى ملته عليه ~~السلام من المشركين واليهود وقيل لنوح لأنه أقرب ولأن يونس ولوطا ليسا من ~~ذريه إبراهيم فلو كان الضمير له لاختص بالمعدودين في هذه الآية التي بعدها ~~وأما المذكورون في الآية الثالثة فعطف على نوحا وروي عن ابن عباس أن هؤلاء ~~الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان PageV03P157 # منهم من لم يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب لأن لوطا ابن أخي إبراهيم ~~والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله تعالى عن أبناء يعقوب أنهم قالوا نعبد ~~إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وأسحق مع إن إسماعيل عم يعقوب «داود ~~وسليمان» منصوبان بمضمر مفهوم مما سبق وكذا ما عكف عليهما وبه يتعلق من ~~ذريته وتقديمه على المفعول في الصريح للاهتمام بشأنه مع ما في المفاعيل من ~~نوع طول ربما يخل تأخيره بتجاوب النظم الكريم أي وهدينا من ذريته داود ~~وسليمان «وأيوب» هو ابن أموص من أسباط عيص بن إسحاق «ويوسف وموسى وهارون» ~~أو بمحذوف وقع حالا من المذكورين أي وهديناهم حال كونهم من ذريته «وكذلك» ~~إشارة إلى ما يفهم من النظم الكريم من جزاء إبراهيم عليه السلام ومحل الكاف ~~النصب على أنه تعت لمصدر محذوف وأصل التقدير «نجزي المحسنين» جزاء مثل ذلك ~~الجزاء والتقديم للقصر وقد مر تحقيقه مرارا والمراد ms1051 بالمحسنين لجنس ~~وبمماثلة جزائهم لجزائه عليه السلام مطلق المشابهة في مقابلة الإحسان ~~بالإحسان والمكافأة بين الأعمال والأجزية من غير بخس لا المماثلة من كل وجه ~~ضرورة أن الجزاء بكثرة الأولاد الأنبياء مما اختص به إبراهيم عليه السلام ~~والأقرب أن لام المحسنين للعهد وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده وهو ~~عبارة عما أوتي المذكورون من فنون الكرامات وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بعلو صفته للإيذان بعلو طبقته والطاف لتأكيد ما أفاده اسم الإشارة من ~~الفخامة ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف وأصل التقدير ونجزي ~~المحسنين المذكورين جزاء كائنا مثل ذلك الجزاء فقدم على الفعل لإفادة القصر ~~واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة فصار المشار إليه نفس المصدر المؤكد ~~لا نعتا له أي وذلك الجزاء البديع نجزي المحسنين المذكورين لا جزاء آخر ~~أدنى منه والإظهار في موضع الإضمار للثناء عليهم بالإحسان الذي هو عبارة عن ~~الإتيان بالأعمال الحسنة على لا الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المقارن ~~لحسنها الذاتي وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله أن تعبد الله كأنك تراه ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك والجملة اعتراض لما قبلها «وزكريا» هو ابن آذن ~~«ويحيى» ابنه «وعيسى» هو ابن مريم وفيه دليل على أن الذرية تتناول أولاد ~~البنات «وإلياس» قيل هو إدريس جد نوح فيكون البيان مخصوصا بمن في الآية ~~الأولى وقيل هو من أسباط هارون أخي موسى عليهما السلام «كل» أي كل واحد من ~~أولئك المذكورين «من الصالحين» أي من الكاملين في الصلاح الذي هو عبارة عن ~~الإتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي والجملة اعتراض جئ به للثناء عليهم ~~بالصلاح «وإسماعيل واليسع» هو ابن أخطوب بن العجوز وقرئ واليسع وهو على ~~القراءتين على أعجمي أدخل عليه اللام ولا اشتقاق له ويقال إنه يوشع بن نون ~~وقيل إنه منقول من مضارع وسع واللام كما في يزيد في قول من قال أرأيت ~~الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله «ويونس» PageV03P158 # هو ابن متى «ولوطا» هو ابن هاران ms1052 بن أخي إبراهيم عليه السلام «وكلا» أي ~~وكل واحد من أولئك المذكورين «فضلنا» بالنبوة لا بعضهم دون بعض «على ~~العالمين» على عالمي عصرهم والجملة اعتراض كأختها وقوله تعالى «ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم» إما متعلق بما تعلق به من ذريته ومن ابتدائية والمفعول ~~محذوف أي وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات كثيرة وإما معطوف على ~~كلا ومن تبعيضية أي وفضلنا بعض آبائهم الخ «واجتبيناهم» عطف على فضلنا أي ~~اصطفيناهم «وهديناهم إلى صراط مستقيم» تكرير للتأكيد وتمهيد لبيان ما هدوا ~~إليه «ذلك» إشارة إلى ما يفهم من النظم الكريم من مصادر الأفعال المذكورة ~~وقيل إلى ما دانوا به وما في ذلك من معنى البعد لما مر مرارا «هدى الله» ~~الإضافة للشريف «يهدي به من يشاء من عباده» وهم المستعدون للهداية والإرشاد ~~وفيه إشارة إلى أنه تعالى متفضل بالهداية «ولو أشركوا» أي هؤلاء المذكورون ~~«لحبط عنهم» مع فضلهم وعلو طبقاتهم «ما كانوا يعملون» من الأعمال المرضية ~~الصالحة فكيف بمن عداهم وهم هم وأعمالهم أعمالهم «أولئك» إشارة إلى ~~المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر والمعطوفين عليهم عليهم السلام باعتبار ~~اتصافهم بما ذكر من الهداية وغيرها من النعوت الجليلة الثابتة لهم وما فيه ~~من معنى البعد لما مر غير مرة من الإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في ~~الفضل والشرف وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «الذين آتيناهم الكتاب» أي جنس ~~الكتاب المتحقق في ضمن أي فرد كان من أفراد الكتب السماوية والمراد بإيتائه ~~التفهيم التام بما فيه من الحقائق والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق ~~أعم من أن يكون ذلك بالإنزال ابتداء أو بالإيراث بقاء فإن المذكورين لم ~~ينزل على كل واحد منهم كتاب معين «الحكم» أي الحكمة أو فصل الأمر على ما ~~يقتضيه الحق والصواب «والنبوة» أي الرسالة «فإن يكفر بها» أي بهذه الثلاثة ~~أو بالنبوة الجامعة للباقين «هؤلاء» أي كفار قريش فإنهم بكفرهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن كافرون بما يصدقه جميعا وتقديم ~~الجار والمجرور على الفاعل لما مر مرارا ms1053 من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى ~~المؤخر «فقد وكلنا بها» أي أمرنا بمراعاتها ووفقنا للإيمان بها والقيام ~~بحقوقها «قوما ليسوا بها بكافرين» أي في وقت من الأوقات بل مستمرون على ~~الإيمان بها فإن الجملة الاسمية الإيجابية كما تفيد دوام الثبوت كذلك ~~السلبية تفيد دوام النفي بمعونة المقام لا نفي الدوام كما حقق مقامه قال ~~ابن عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهما الأنصار وأهل المدينة وقيل أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقيل كل مؤمن من بني آدم وقيل الفرس فإن ~~PageV03P159 # كلا من هؤلاء الطوائف موفقون للإيمان بالأنبياء وبالكتب المنزلة إليهم ~~عاملون بما فيها من أصول الشرائع وفروعها الباقية في شريعتنا وبه يتحقق ~~الخروج عن عهدة التوكيل دون المنسوخة منها فإنها بانتساخها خارجة عن كونها ~~من أحكامها وقد مر تحقيقه في تفسير سورة المائدة وقيل هم الأنبياء ~~المذكورون فالمراد بالتوكيل الأمر بما هو أعم من إجراء أحكامها كما هو ~~شأنهم في حق كتابهم ومن اعتقاد حقيتها كما هو في شأنهم في حق سائر الكتب ~~التي من جملتها القرآن الكريم وقيل هم الملائكة فالتوكيل هو الأمر بإنزالها ~~وحفظها واعتقاد حقيتها وأيا ما كان فتنكير قوما للتفخيم والباء الأولى صلة ~~لكافرين قدمت عليه محافظة على الفواصل والثانية لتأكيد النفي وأما تقديم ~~صلة وكلنا على مفعوله الصريح فلما ذكر آنفا من الاهتمام بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول ربما يؤدي تقديمه إلى الإخلال بتجاوب النظم ~~الكريم أو إلى الفصل بين الصفة والموصوف وجواب الشرط محذوف يدل عليه ~~المذكور أي فإن يكفر بها هؤلاء فلا اعتداد به أصلا فقد وفقنا للإيمان بها ~~قوما فخاما ليسوا بكافرين بها قطعا بل مستمرون على الإيمان بها والعمل بما ~~فيها ففي إيمانهم بها مندوحة عن إيمان هؤلاء ومن هذا تبين أن الوجه أن يكون ~~المراد بالقوم إحدى الطوائف المذكورة إذ بإيمانهم بالقرآن والعمل بأحكامه ~~تتحقق الغنية عن إيمان الكفرة به والعمل بأحكامه وأما الأنبياء والملائكة ~~عليهم السلام فإنما به ليس من قبيل إيمان آحاد الأمة كما أشير إليه ms1054 «أولئك» ~~إشارة إلى الأنبياء المذكورين وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم ~~وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «الذين هدى الله» أي إلى الحق والنهج المستقيم ~~والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية «فبهداهم اقتده» أي فاختص ~~هداهم بالاقتداء ولا تقتد بغيرهم والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله ~~تعالى وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع القابلة للنسخ فإنها بعد النسخ لا ~~تبقى هدى والهاء في اقتده للوقف حقها أنم تسقط في الدرج واستحسن إثباتها ~~فيه أيضا إجراء له مجرى الوقف واقتداء بالإمام وقرئ بإشباعها على أنها ~~كناية المصدر «قل لا أسألكم عليه» أي على القرآن أو على التبليغ فإن مساق ~~الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما «أجرا» من جهتكم كما لم يسأله من قبلي ~~من الأنبياء عليهم السلام وهذا من جملة ما أمر صلى الله عليه وسلم ~~بالاقتداء بهم فيه «إن هو» أي ما القرآن «إلا ذكرى للعالمين» أي عظة وتذكير ~~لهم كافة من جهته سبحانه فلا يختص بقوم دون آخرين «وما PageV03P160 # قدروا الله» لما بين شأن القرآن العظيم وأنه نعمة جليلة منه تعالى على ~~كافة الأمم حسبما يتعلق به قوله تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين عقب ~~ذلك ببيان غمطهم إياها وكفرهم بها على وجه سرى ذلك إلى الكفر بجميع الكتب ~~الإلهية وأصل القدر السبر والحزر يقال قدر الشيء يقدره بالضم قدرا إذا سبره ~~وحزره ليعرف مقداره ثم استعمل في معرفة الشيء في مقداره وأحواله وأوصافه ~~وقوله تعالى «حق قدره» نصب على المصدرية وهو في الأصل صفة للمصدر أي قدره ~~الحق فلما أضيف إلى موصوفة انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه أي ما عرفوه ~~تعالى حق معرفته في اللطف بعباده والرحمة عليهم ولم يراعوا حقوقه تعالى في ~~ذلك بل أخلوا بها إخلالا «إذ قالوا» منكرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب ~~كافرين بنعمته الجليلة فيهما «ما أنزل الله على بشر من شيء» فنفي معرفتهم ~~لقدرة سبحانه كناية عن حطهم لقدرة الجليل ووصفهم له تعالى بنقيض نعته ~~الجميل كما أن نفي ms1055 المحبة في مثل إن الله لا يحب الكافرين كناية عن البغض ~~والسخط وإلا فنفي معرفة قدره تعالى يتحقق مع عدم التعرض لحطه بل مع السعي ~~في تحصيل المعرفة كما في قول من يناجي مستقصرا لمعرفته وعبادته سبحانك ما ~~عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك وما عرفوه حق معرفته في السخط على ~~لكفار وشدة بطشه تعالى بهم حسبما نطق به القرآن حين اجترءوا على التفوه ~~بهذه العظيمة الشنعاء فالنفي بمعناه الحقيقي والقائلون هم اليهود وقد قالوه ~~مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزموا ~~بما لا سبيل لهم في إنكاره أصلا حيث قيل «قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى» أي قل لهم ذلك على طريقة التبكيت وإلقام الحجر وروي أن مالك بن الصيف ~~من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله ~~الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين فأنت ~~الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي تطعمك اليهود فضحك القوم فغضب ثم التفت ~~إلى عمر رضي الله عنه فقال ما أنزل الله على بشر من شيء فنزعوه وجعلوا ~~مكانه كعب بن الأشرف وقيل هم المشركون وإلزامهم إنزال التوراة لما أنه كان ~~عندهم من المشاهير الذائعة ولذلك كانوا يقولون لو أنا أنزل علينا الكتاب ~~لكنا أهدى منهم ووصف الكتاب بالوصول إليهم لزيادة التقريع وتشديد التبكيت ~~وكذا تقييده بقوله تعالى «نورا وهدى» فإن كونه بينا بنفسه ومبينا لغيره مما ~~يؤكد الإلزام أي تأكيد وانتصابهما على الحالية من الكتاب والعامل أنزل أو ~~من الضمير في به والعامل جاء واللام في قوله تعالى «للناس» إما متعلق بهدى ~~أو بمحذوف هو صفة له أي هدى كائنا للناس وليس المراد بهذا مجرد إلزامهم ~~بالاعتراف بإنزال التوراة فقط بل بإنزال القرآن أيضا فإن الاعتراف بإنزالها ~~مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعا لما فيها من الشواهد الناطقة به وقد نعى ~~عليهم ما فعلوا بها من التحريف والتغيير حيث قيل «تجعلونه قراطيس» ms1056 أي ~~تضعونه في قراطيس مقطعة وورقات مفرقة بحذف الجار بناء على تشبيه القراطيس ~~بالظرف المبهم أو تجعلونه نفس القراطيس المقطعة وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء ~~صنيعهم كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن ~~الكتابة والجملة حال كما سبق وقوله تعالى «تبدونها» صفة لقراطيس وقوله ~~تعالى «وتخفون كثيرا» PageV03P161 # معطوف عليه والعائد إلى الموصول محذوف أي كثيرا منهم وقيل كلام مبتدأ لا ~~محل له من الإعراب والمراد بالكثير نعوت النبي عليه الصلاة والسلام وسائر ~~ما كتموه من أحكام التوراة وقرئ الأفعال الثلاثة بالياء حملا على قالوا وما ~~قدروا وقوله تعالى «وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم» قيل هو حال من ~~فاعل تجعلونه بإضمار أو بدونه على اختلاف الرأيين قلت فينبغي أن يجعل ما ~~عبارة عما أخذوه من الكتاب من العلوم والشرائع ليكون التقييد بالحال مفيدا ~~لتأكيد التوبيخ وتشديد التشنيع فإن ما فعلوه بالكتاب من التفريق والتقطيع ~~لما ذكر من الإبداء والإخفاء شناعة عظيمة في نفسها ومع ملاحظة كونه مأخذا ~~لعلومهم ومعارفهم أشنع وأعظم لا عما تلقوه من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ~~زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها ~~حسبما ينطق به قوله تعالى إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم ~~فيه يختلفون كما قالوا لأن تلقيهم لذلك من القرآن الكريم ليس مما يزجرهم ~~عما صنعوا بالتوراة أما ما ورد فيه زيادة على ما فيها فلأنه لا تعلق له بها ~~نفيا ولا إثباتا وأما ما ورد بطريق البيان فلأن مدار ما فعلوا بها من ~~التبديل والتحريف ليس ما وقع فيها من التباس الأمر واشتباه الحال حتى ~~يقلعوا عن ذلك بإيضاحه وبيانه فتكون الجملة حينئذ خالية عن تأكيد التوبيخ ~~فلا تستحق أن تقع موقع الحال بل الوجه حينئذ أن تكون استئنافا مقررا لما ~~قبلها من مجىء الكتاب بطريق التكملة والاستطراد والتمهيد لما يعقبه من مجىء ~~القرآن ولا سبيل إلى جعل ما عبارة عما كتموه من أحكام التوراة كما يفصح ms1057 عنه ~~قوله تعالى قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب فإن ~~ظهوره وإن كان مزجرة لهم عن الكتم مخافة الافتضاح ومصححا لوقوع الجملة في ~~موقع الحال لكن ذلك مما يعلمه الكاتمون حتما هذا وقد قيل الخطاب لمن آمن من ~~قريش كما في قوله تعالى لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم وقوله تعالى «قل الله» ~~أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم إشعارا بتعين الجواب بحيث ~~لا محيد عنه وإيذانا بأنهم أفحموا ولم يقدروا على التكلم أصلا «ثم ذرهم في ~~خوضهم» في باطلهم الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزام الحجة وإلقام الحجر ~~«يلعبون» حال من الضمير الأول والظرف صلة للفعل المقدم أو المؤخر أو متعلق ~~بمحذوف هو حال من مفعول الأول أو من فاعل الثاني أو الضمير الثاني لأنه ~~فاعل في الحقيقة والظرف متصل بالأول «وهذا كتاب أنزلناه» تحقيق لنزول ~~القرآن الكريم بعد تقرير إنزال ما بشر به من التوراة وتكذيب لهم في كلمتهم ~~الشنعاء إثر تكذيب «مبارك» أي كثير الفوائد وجم المنافع «مصدق الذي بين ~~يديه» من التوراة لنزوله حسبما وصف فيها أو الكتب التي قبله فإنه مصدق للكل ~~في إثبات التوحيد والأمر به ونفي الشرك والنهي عنه وفي سائر أصول الشرائع ~~التي لا تنسخ «ولتنذر أم القرى» عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ~~وإنذارك أهل مكة إنما ذكرت باسمها المنبىء عن كونها أعظم القرى شأنا وقبلة ~~لأهلها قاطبة إيذانا بأن إنذار أهلها أصل مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة ~~وقرئ PageV03P162 # لينذر بالياء على أن الضمير للكتاب «ومن حولها» من أهل المدر والوبر في ~~المشارق والمغارب «والذين يؤمنون بالآخرة» وبما فيها من أفانين العذاب ~~«يؤمنون به» أي بالكتاب لأنهم يخافون العاقبة ولا يزال الخوف يحملهم على ~~النظرة والتأمل حتى يؤمنوا به «وهم على صلاتهم يحافظون» تخصيص محافظتهم على ~~الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات التي لا بد للمؤمنين من أدائها للإيذان ~~بإنافتها من بين سائر الطاعات وكونها أشرف العبادات بعد الإيمان «ومن ms1058 أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا» فزعم أنه تعالى بعثه نبيا كمسيلمة الكذاب والأسود ~~العنسي أو اختلق عليه أحكاما من الحل والحرمة كعمرو بن لحى ومتابعيه أي هو ~~أظلم من كل ظالم وإن كان سبك التركيب على نفي الأظلم منه وإنكاره من غير ~~تعرض لنفي المساوى وإنكاره فإن الاستعمال الفاشي في قولك من أفضل من زيد أو ~~لا أكرم منه على أنه أفضل من كل فاضل وأكرم من كل كريم وقد مر تمام الكلام ~~فيه «أو قال أوحي إلي» من جهته تعالى «ولم يوح إليه» أي والحال أنه لم يوح ~~إليه «شيء» أصلا كعبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فلما نزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فلما بلغ ثم أنشأناه ~~خلقا آخر قال عبد الله تبارك الله أحسن الخالقين تعجبا من تفصيل خلق ~~الإنسان ثم قال صلى الله عليه وسلم اكتبها كذلك فشك عبد الله وقال لئن كان ~~محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن كان كاذبا فقد قلت كما قال ~~«ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله» كالذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا «ولو ~~ترى إذ الظالمون» حذف مفعول ترى لدلالة الظرف عليه أي ولو ترى الظالمين إذ ~~هم «في غمرات الموت» أي شدائده من غمره إذا غشيه «والملائكة باسطوا أيديهم» ~~بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه ~~في المطالبة من غير إمهال وتنفيس أو باسطوها بالعذاب قائلين «أخرجوا ~~أنفسكم» أي أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم وخلصوا أنفسكم من العذاب ~~«اليوم» أي وقت الإماتة أو الوقت الممتد بعده إلى ما لا نهاية له «تجزون ~~عذاب الهون» اي العذاب المتضمن لشدة وإهانة فإضافته إلى الهون وهو الهوان ~~لعراقته فيه «بما كنتم تقولون على الله غير الحق» كاتخاذ الولد له ونسبة ~~الشريك إليه وادعاء النبوة والوحي كاذبا «وكنتم عن آياته تستكبرون» فلا ~~تتأملون فيها ولا تؤمنون بها «ولقد جئتمونا» للحساب «فرادى» PageV03P163 # منفردين ms1059 عن الأموال والأولاد وغير ذلك مما آثرتموه من الدنيا أو عن ~~الأعوان والأصنام التي كنتم تزعمون أنها شفعاؤكم وهم جمع فرد والألف ~~للتأنيث ككسالى وقرئ فرادا كرخال وفراد كثلاث وفردى كسكرى «كما خلقناكم أول ~~مرة» بدل من فرادى أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد أو حال ~~ثانية عند من يجوز تعددها أو حال من الضمير في فرادى أي مشبهين ابتداء ~~خلقكم عراة حفاة غرلا بهما أو صفة مصدر جئتمونا أي مجيئا كخلقنا لكم أول ~~مرة «وتركتم ما خولناكم» تفضلناه عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ~~«وراء ظهوركم» ما قدمتم منه شيئا ولم تحملو نقيرا «وما نرى معكم شفعاءكم ~~الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء» أي شركاء الله تعالى في الربوبية واستحقاق ~~العبادة «لقد تقطع بينكم» أي وقع التقطع بينكم كما يقال جمع بين الشيئين أي ~~أوقع الجمع بينهما وقرئ بينكم بالرفع على إسناد الفعل إلى الظرف كما يقال ~~قوتل أمامكم وخلفكم أو على أن البين اسم للفصل والوصل أي تقطع وصلكم وقرئ ~~ما بينكم «وضل عنكم» أي ضاع أو غاب «ما كنتم تزعمون» أنها شفعاؤكم أو أن لا ~~بعث ولا جزاء «إن الله فالق الحب والنوى» شروع في تقرير بعض أفاعيله تعالى ~~الدالة على كمال علمه وقدرته ولطف صنعه وحكمته إثر تقرير أدلة التوحيد ~~والفلق الشق بإبانة أي شاق الحب بالنبات والنوى بالشجر وقيل المراد به الشق ~~الذي في الحبوب والنوى أي خالقهما كذلك كما في قولك ضيق فم الركية ووسع ~~أسفلها وقيل الفلق بمعنى الخلق قال الواحدي ذهبوا بفالق مذهب فاطر «يخرج ~~الحي من الميت» أي يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو من النطفة ~~والحب والجملة مستأنفة مبنية لما قبلها وقيل خبر ثان لأن وقوله تعالى ~~«ومخرج الميت» كالنطفة والحب «من الحي» كالحيوان والنبات عطف على فالق الحب ~~لا على يخرج على الوجه الأول لأن إخراج الميت من الحي ليس من قبيل فلق الحب ~~والنوى «ذلكم» القادر العظيم الشأن هو «الله» المستحق للعبادة وحده ms1060 «فأنى ~~تؤفكون» فكيف تصرفون عن عبادته إلى غيره ولا سبيل إليه أصلا «فالق الإصباح» ~~خبر آخر لأن أو لمبتدأ محذوف والإصباح مصدر سمى به الصبح وقرئ بفتح الهمزة ~~على أنه جمع صبح أي فالق عمود الفجر عن بياض النهار وأسفاره أو فالق ظلمة ~~الإصباح وهي الغبش الذي يلي الصبح وقرئ فالق بالنصب على المد «وجعل الليل ~~سكنا» يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه ~~استئناسا به أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى لتسكنوا فيه وقرئ جاعل الليل ~~فانتصاب سكنا بفعل دل عليه جاعل وقيل بنفسه على أن المراد به الجعل المستمر ~~في الأزمنة المتجددة حسب تجددها لا الجعل الماضي فقط وقيل اسم الفاعل من ~~الفعل المتعدي إلى اثنين يعمل في الثاني وإن كان بمعنى الماضي لأنه لما ~~أضيف إلى الأول تعين نصبه للثاني لتعذر الإضافة بعد ذلك PageV03P164 # «والشمس والقمر» معطوفان على الليل وعلى القراءة الأخيرة قيل هما معطوفان ~~على محله والأحسن نصبهما حينئذ بفعل مقدر وقد قرئا بالجر وبالرفع أيضا على ~~الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان «حسبانا» أي على أدوار مختلفة يحسب بها ~~الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات أو محسوبان حسبانا والحسبان ~~بالضم مصدر حسب كما أن الحساب بالكسر مصدر حسب «ذلك» إشارة إلى جعلهما كذلك ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته أي ذلك ~~التيسير البديع «تقدير» البديع تقدير «العزيز» الغالب القاهر الذي لا ~~يستعصي عليه شيء من الأشياء التي من جملتها تسييرهما على الوجه المخصوص ~~«العليم» بجميع المعلومات التي من جملتها ما في ذلك التسيير من المنافع ~~والمصالح المتعلقة بمعاش الخلق ومعادهم «وهو الذي جعل لكم النجوم» شروع في ~~بيان نعمته تعالى في الكواكب إثر بيان نعمته تعالى في النيرين والجعل متعد ~~إلى واحد واللام متعلقة به وتأخير المفعول الصريح عن الجار والمجرور لما مر ~~غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أي أنشأها وأبدعها لأجلكم ~~فقوله تعالى «لتهتدوا بها» بدل من المجرور بإعادة العامل ms1061 بدل اشتمال كما قي ~~قوله تعالى لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا والتقدير جعل لكم النجوم ~~لاهتدائكم لكن لا على أن غاية خلقها اهتداؤهم فقط بل على طريقة إفراد بعض ~~منافعها وغاياتها بالذكر حسبما يقتضيه المقام وقد جوز أن يكون مفعولا ثانيا ~~للجعل وهو بمعنى التصيير أي جعلها كائنة لاهتدائكم في أسفاركم عند دخولكم ~~المفاوز أو البحار كما ينبئ عنه قوله تعالى «في ظلمات البر والبحر» أي في ~~ظلمات الليل في البر والبحر وإضافتها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى ~~الاهتداء بها إنما يتحقق عند ذلك أو في مشتبهات الطرق عبر عنها بالظلمات ~~على طريق الاستعارة «قد فصلنا الآيات» أي بينا الآيات المتلوة المذكرة ~~لنعمه التي هذه النعمة من جملتها أو الآيات التكوينية الدالة على شؤونه ~~تعالى مفصلة «لقوم يعلمون» أي معاني الآيات المذكورة ويعلمون بموجبها أو ~~يتفكرون في الآيات التكوينية فيعلمون حقيقة الحال وتخصيص التفصيل بهم مع ~~عمة ومه للكل لأنهم المنتفعون به «وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة» تذكير ~~لنعمة أخرى من نعمه تعالى دالة على عظم قدرته ولطيف صنعه وحكمته أي أنشأكم ~~مع كثرتكم من نفس آدم عليه السلام «فمستقر ومستودع» أي فلكم استقرار في ~~الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض أو موضع استقرار ~~واستيداع فيما ذكر والتعبير عن كونهم ي الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار ~~لأنهما مقرهم الطبيعي كما أن التعبير عن كونهم في الأرحام أو تحت الأرض ~~بالاستيداع لما أن كلا منهما ليس بمقرهم الطبيعي وقد حمل الاستيداع على ~~كونهم في الأصلاب وليس بواضح وقرئ فمستقر بكسر القاف أي فمنكم مستقر ومنكم ~~مستودع فإن الاستقرار منا PageV03P165 # بخلاف الاستيداع «قد فصلنا الآيات» المبينة لتفاصيل خلق البشر من هذه ~~الآية ونظائرها «لقوم يفقهون» غوامض الدقائق باستعمال الفطنة وتدقيق النظر ~~في لطائف صنع الله عز وجل في أطوار تخليق بني آدم مما تحار في فهمه الألباب ~~وهو السر في إيثار يفقهون على يعلمون كما ورد في شأن النجوم «وهو الذي أنزل ~~من السماء ماء» تذكير ms1062 لنعمة أخرى من نعمه تعالى منبئة عن كمال قدرته تعالى ~~وسعة رحمته أي أنزل من السحاب أو من سمت السماء ماء خاصا هو المطر وتقديم ~~الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا «فأخرجنا به» التفت إلى ~~التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله أي فأخرجنا بعظمتنا ~~بذلك الماء مع وحدته «نبات كل شيء» من الأشياء التي من شأنها النمو من ~~أصناف النجم والشجر وأنواعهما المختلفة في الكم والكيف والخواص والآثار ~~اختلافا متفاوتها في مراتب الزيادة والنقصان حسبما يفصح عنه قوله تعالى ~~يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل وقوله تعالى «فأخرجنا منه ~~خضرا» شروع في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بدىء بتفصيل حال النجم أي ~~فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا غضا أخضر يقال شيء أخضر وخضر كأعور ~~وعور وأكثر ما يستعمل الخضر فيمال تكون خضرته خلقية وهو ما تشعب من أصل ~~النبات الخارج من الحبة وقوله تعالى «نخرج منه» صفة لخضر أو صيغة المضارع ~~لاستحضار الصور لما فيها من الغرابة أي نخرج من ذلك الخضر «حبا متراكبا» هو ~~السنبل المنتظم الحبوب المتراكبة بعضها فوق بعض على هيئة مخصوصة وقرئ يخرج ~~منه حب متراكب وقوله تعالى «ومن النخل» شروع في تفصيل حال الشجر إثر بيان ~~حال النجم فقوله تعالى من النخل خبر مقدم وقوله تعالى «من طلعها» بدل منه ~~بإعادة العامل كما في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله الخ والطلع شيء يخرج من النخل كأنه نعلان مطبقان والحمل ~~بينهما منضود وقوله تعالى «قنوان» مبتدأ أي وحاصلة من طلع النخل قنوان ~~ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة أخرجنا عليه أي ومخرجة من طلع النخل ~~قنوان ومن قرأ يخرج منه حب متراكب كان قنوان عنده معطوفا على حب وقيل ~~المعنى وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان أو ومن النخل شيء من طلعها ~~قنوان وهو جمع قنو وهو عنقود النخلة كصنو وصنوان وقرئ بضم القاف ms1063 كذئب ~~وذؤبان وبفتحها أيضا على أنه اسم جمع لأن فعلان ليس من أبنية الجمع «دانية» ~~سهلة المجتنى قريبة من القاطف فإنها وإن كانت صغيرة ينالها القاعد تأتي ~~بالثمر لا ينتظر الطول أو ملتفة متقاربة والاقتصار على ذكرها لدلالتها على ~~مقابلتها كقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر ولزيادة النعمة فيها «وجنات من ~~أعناب» عطف على نبات كل شيء أي وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب وقرئ جنات ~~بالرفع على الابتداء أي ولكم PageV03P166 # أو ثمة جنات وقد جوز عطفه على قنوان كأنه قيل وحاصلة أو مخرجة من النخل ~~قنوان وجنات من نبات وأعناب ولعل زيادة الجنات ههنا من غير اكتفاء بذكر اسم ~~الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالبا ~~إلا عند اجتماع طائفة من أفراده «والزيتون والرمان» منصوبان على الاختصاص ~~لعزة هذين الصنفين عندهم أو على العطف على نبات وقوله تعالى «مشتبها وغير ~~متشابه» حال من الزيتون اكتفى به عن حال ما عطف عليه كما يكتفي بخبر ~~المعطوف عليه عن خبر المعطوف في نحو قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~وتقديره والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك وقد جوز أن يكون حالا من ~~الرمان لقربه ويكون المحذوف حال الأول والمعنى بعضه متشابها وبعضه غير ~~متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم وغير ذلك من الأوصاف الدالة على ~~كمال قدرة صانعها وحكمة منشئها ومبدعها «انظروا إلى ثمره إذا أثمر» أي ~~انظروا إليه نظر اعتبار واستبصار إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ~~ينتفع به وقرئ إلى ثمره «وينعه» أي وإلى حال نضجه كيف يصر إلى كماله اللائق ~~به ويكون شيئا جامعا لمنافع جمة والينع في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت ~~وقيل جمع يانع كتاجر وتجر وقرئ بالضم وهي لغة فيه وقرئ يانعة «إن في ذلكم» ~~إشارة إلى ما أمر بالنظر إليه وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ~~بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته «لآيات لقوم يؤمنون» أي لآيات عظيمة أو ~~كثيرة دالة على ms1064 وجود القادر الحكيم ووحدته فإن حدوت هاتيك الأجناس المختلفة ~~والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع يحار ~~في فهمه الألباب لا يكاد يكون إلا بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما ~~تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه عن ذلك ضد يناويه أو ند ~~يفاويه ولذلك عقب بتوبيخ من أشرك به والرد عليه حيث قيل «وجعلوا لله شركاء» ~~أي جعلوا في اعتقادهم لله الذي شأنه ما فصل في تضاعيف هذه الآيات الجليلة ~~شركاء «الجن» أي الملائكة حيث عبدوهم وقالوا الملائكة بنات الله وسموا جنا ~~لاجتنابهم تحقير لشأنهم بالنسبة إلى مقام الألوهية أو الشياطين حيث أطاعوهم ~~كما أطاعوا الله تعالى أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم أو قالوا الله ~~خالق الخير وكل نافع والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي التنويه ~~ومفعولا جعلوا قوله تعالى شركاء الجن قدم ثانيهما على الأول لاستعظام أن ~~يتخذ الله سبحانه شريك ما كائنا ما كان ولله متعلق بشركاء قدم عليه للنكتة ~~المذكورة وقيل هما لله شركاء والجن بدل من شركاء مفسر له نص عليه الفراء ~~وأبو إسحاق أو منصوب بمضمر وقع جوابا على سؤال مقدر نشأ من قوله تعالى ~~وجعلوا لله شركاء كأنه قيل من جعلوه شركاء لله تعالى فقيل الجن أي جعلوا ~~الجن ويؤيده قراءة أبي حيوة ويزيد بن قطيب الجن بالرفع على تقديرهم الجن في ~~جواب من قال من الذين جعلوهم شركاء لله تعالى وقد قرىء بالجر على أن ~~الإضافة للتبيين PageV03P167 # «وخلقهم» حال من فاعل جعلوا بتقدير قد أو بدونه على اختلاف الرأيين مؤكدة ~~لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان باعتبار علمهم بمضمونها أي وقد ~~علموا أنه تعالى خالقهم خاصة وقيل الضمير للشركاء أي والحال أنه تعالى خلق ~~الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له تعالى وقرئ خلقهم عطفا على الجن أي وما ~~يخلقونه من الأصنام أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم الإفك حيث نسبوه ~~إليه تعالى «وخرقوا له» أي افتعلوا وافتروا له يقال ms1065 خلق الإفك واختلقه ~~وخرقه واخترقه بمعنى وقرئ خرقوا بالتشديد للتكثير وقرئ وحرفوا له أي زوروا ~~«بنين وبنات» فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~وقالت طائفة من العرب الملائكة بنات الله «بغير علم» أي بحقيقة ما قالوه من ~~خطأ أو صواب بل رميا بقول عن عمي وجهالة من غير فكر وروية أو بغير علم ~~بمرتبة ما قالوه وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره والباء ~~متعلقة بمحذوف هو حال من فاعل خرقوا أو نعت لمصدر مؤكد له أي خرقوا ملتبسين ~~بغير علم أو خرقا كائنا بغير علم «سبحانه» استئناف مسوق لتنزيهه عز وجل عما ~~نسبوه إليه وسبحانه علم للتسبيح الذي هو التبعيد عن السوء اعتقادا وقولا أي ~~اعتقاد البعد عنه والحكم به من سبح في الأرض والماء إذا أبعد فيهما وأمعن ~~ومنه فرس سبوح أي واسع الجري وانتصابه على المصدرية ولا يكاد يذكر ناصبه أي ~~أسبح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقدا وعملا تنزيها خاصا به حقيقة ~~بشأنه وفيه مبالغة من جهة الاشتقاق من السبح ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن ~~جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له خاصة لا سيما ~~العلم المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن جهة إقامته مقام المصدر مع ~~الفعل وقيل هو مصدر كغفران لأنه سمع له فعل من الثلاثي كما ذكر في القاموس ~~أريد به التنزه التام والتباعد الكلي ففيه مبالغة من حيث إسناد التنزه إلى ~~ذاته المقدسة أي تنزه بذاته تنزها لائقا به وهو الأنسب بقوله سبحانه ~~«وتعالى» فإنه معطوف على الفعل المضمر لا محالة ولما في السبحان والتعالي ~~من معنى التباعد قيل «عما يصفون» أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكا أو ~~ولدا «بديع السماوات والأرض» اي مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه ولا ~~قانون ينتحيه فإن البديع كما يطلق على المبدع نص عليه أئمة اللغة كالصريخ ~~بمعنى المصرخ وقد جاء بدعه كمنعه بمعنى أنشأه كابتدعه على ما ذكر في ~~القاموس وغيره ms1066 ونظيره السميع بمعنى المسمع في قوله * أمن ريحانة الداعي ~~السميع وقيل هو من إضافة الصفة المشبهة إلى الفاعل للتخفيف بعد نصبه تشبيها ~~لها باسم الفاعل كما هو المشهور أي بديع سماواته وأرضه من بدع إذا كان على ~~نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق أو إلى الظرف كما في قولهم ثبت الغدر بمعنى ~~أنه عديم النظير فيهما والأول هو الوجه والمعنى أنه تعالى مبدع لقطرى ~~العالم العلوي والسفلي بلا مادة فاعل على الإطلاق منزه عن الانفعال بالمرة ~~والوالد عنصر الولد منفعل PageV03P168 # بانتقال مادته عنه فكيف يمكن أن يكون له ولد وقرئ بديع بالنصب على المدح ~~وبالجر على أنه بدل من الاسم الجليل أو من الضمير المجرور في سبحانه على ~~رأي من يجيزه وارتفاعه في القراءة المشهورة على أنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~فاعل تعالى وإظهاره في موضع الإضمار لتعليل الحكم وتوسيط الظرف بينه وبين ~~الفعل للاهتمام ببيانه أو مبتدأ خبره قوله تعالى «أنى يكون له ولد» وهو على ~~الأولين جملة مستقلة مسوقة كما قبلها لبيان استحالة ما نسبوه إليه تعالى ~~وتقرير تنزهه عنه وقوله تعالى «ولم تكن له صاحبة» حال مؤكدة للاستحالة ~~المذكورة فإن انتفاء أن يكون له تعالى صاحبة مستلزم لانتفاء أن يكون له ولد ~~ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد وانتفاء الأول ~~مما لا ريب فيه لأحد فمن ضرورته انتفاء الثاني أي من أين أو كيف يكون له ~~ولد كما زعموا والحال أنه ليس له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها ~~وقرئ لم يكن بتذكير الفعل للفصل أو لأن الاسم ضميره تعالى والخبر هو الظرف ~~وصاحبة مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ أو الظرف خبر مقدم ~~وصاحبة مبتدأ مؤخر والجملة خبر للكون وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون الاسم ~~ضمير الشأن لصلاحية الجملة حينئذ لأن تكون مفسرة لضمير الشأن لا على الوجه ~~الأول لما بين في موضعه أن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة صريحة وقوله تعالى ~~«وخلق كل شيء» إما جملة ms1067 مستأنفة أخرى سيقت لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو ~~حال أخرى مقررة لها أي أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه ~~التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى فكيف ~~يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه «وهو بكل شيء» من شأنه أن يعلم كائنا ما ~~كان مخلوقا أو غير مخلوق كما ينبئ عنه ترك الإضمار إلى الإظهار «عليم» ~~مبالغ في العلم أزلا وأبدا حسبما يعرب عنه العجول إلى الجملة الاسمية فلا ~~يخفى عليه خافية مما كان وما سيكون من الذوات والصفات والأحوال التي من ~~جملتها ما يجوز عليه تعالى ما لا يجوز من المحالات التي ما زعموه فرد من ~~أفرادها والجملة استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان ~~مقالته الشنعاء التي اجترءوا عليها بغير علم «ذلكم» إشارة إلى المنعوت بما ~~ذكر من جلائل النعوت وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه ~~وبعد منزلته في العظمة والخطاب للمشركين المعهودين بطريق الالتفات وهو ~~مبتدأ وقوله تعالى «الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء» أخبار أربعة ~~مترادفة أي ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة هو الله المستحق للعبادة خاصة ~~مالك أمركم لا شريك له أصلا خالق كل شيء مما كان ومما سيكون فلا تكرار إذ ~~المعتبر في عنوان الموضوع إنما هو خالقيته لما كان فقط كما ينبئ عنه صيغة ~~الماضي وقيل الخبر هو الأول والبواقي أبدال وقيل الاسم الجليل بدل من ~~المبتدأ والبواقي أخبار وقيل يقدر لكل من الأخبار الثلاثة مبتدأ وقيل يجعل ~~الكل بمنزلة اسم واحد وقوله تعالى «فاعبدوه» حكم مترتب على مضمون الجملة ~~فإن من جمع هذه الصفات كان هو المستحق للعبادة خاصة وقوله تعالى «وهو على ~~كل شيء وكيل» عطف على الجملة PageV03P169 # المتقدمة أي هو مع ما فصل من الصفات الجليلة متولي أمور جميع مخلوقاته ~~التي أنتم من جملتها فكلوا أموركم إليه وتوسلوا بعبادته إلى نجاح مآربكم ~~الدنيوية والأخروية «لا تدركه الأبصار» البصر حاسة النظر وقد تطلق ms1068 على ~~العين من حيث إنها محلها وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به أي ~~لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به كما قال سعيد بن المسيب وقال عطاء كانت ~~أبصار المخلوقين عن الإحاطة به فلا متمسك فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق ~~وقد روي عن ابن عباس ومقاتل رضي الله عنهم لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو ~~يرى في الآخرة «وهو يدرك الأبصار» أي يحيط بها علمه إذ لا تخفى عليه خافية ~~«وهو اللطيف الخبير» فيدركه ما لا تدركه الأبصار ويجوز أن يكون تعليلا ~~للحكمين السابقين على طريقة اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك ~~الأبصار لأنه الخبير فيكون اللطيف مستفادا من مقابل الكثيف لما لا يدرك ~~بالحاسة ولا ينطبع فيها وقوله تعالى «قد جاءكم بصائر من ربكم» استئناف وارد ~~على لسان النبي صلى الله عليه وسلم والبصائر جمع بصيرة وهي النور الذي به ~~تستبصر النفس كما أن البصر نور به تبصر العين والمراد بها الآية الواردة ~~ههنا أو جميع الآيات المنتظمة لها انتظاما أوليا ومن لابتداء الغاية مجازا ~~سواء تعلقت بجاء أو بمحذوف هو صفة لبصائر والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار كمل اللطف بهم أي أي قد جاءكم من جهة ~~مالككم ومبلغكم إلى كمالكم اللائق بكم من الوحي الناطق بالحق والصواب ما هو ~~كالبصائر للقلوب أو قد جاءكم بصائر كائنة من ربكم «فمن أبصر» أي الحق بتلك ~~البصائر وآمن به «فلنفسه» أي فلنفسه أبصر أو فإبصاره لنفسه لأن نفعه مخصوص ~~بها «ومن عمي» أي ومن لم يبصر الحق بعد ما ظهر له بتلك البصائر ظهورا بينا ~~وضل عنه وإنما عبر عنه بالعمى تقبيحا له وتنفيرا عنه «فعليها» أي فعليها ~~عمى أو فعماه عليها أو وبال عماه «وما أنا عليكم بحفيظ» وإنما أنا منذر ~~والله هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها «وكذلك نصرف الآيات» أي مثل ذلك ~~التصريف البديع نصرف الآيات الدالة على المعاني الرائقة الكاشفة عن الحقائق ~~الفائقة لا تصريفا أدنى منه وقوله ms1069 تعالى «وليقولوا درست» علة لفعل قد حذف ~~تعويلا على دلالة السباق عليه أي وليقولوا درست نفعل ما نفعل من التصريف ~~المذكور واللام للعاقبة والواو اعتراضية وقيل هي عاطفة على علة محذوفة ~~واللام متعلقة بنصرف أي مثل ذلك التصريف نصرف الآيات لنلزمهم الحجة ~~وليقولوا الخ وقيل اللام لام الأمر وتنصره القراءة بسكون اللام كأنه قيل ~~وكذلك نصرف الآيات وليقولوا هم ما يقولون فإنه لا احتفال بهم ولا اعتداد ~~بقولهم وهذا أمر معناه الوعيد والتهديد وعدم الاكتراث بقولهم ورد عليه بأن ~~ما بعده يأباه ومعنى درست قرأت وتعلمت وقرئ دارست أي دارست العلماء ودرست ~~أي قدمت PageV03P170 # هذه الآيات وعفت كما قالوا أساطير الأولين ودرست بضم الراء مبالغة في ~~درست أي اشتد دروسها ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت أو عفيت ودارست ~~وفسروها بدارست اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وجاز الإضمار لاشتهارهم ~~بالدراسة وقد جوز إسناد الفعل إلى الآيات وهو في الحقيقة لأهلها أي دارس ~~أهل الآيات وحملتها محمدا صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب ودرس أي درس ~~محمد ودارسات أي هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية وقوله تعالى ~~«ولنبينه» عطف على ليقولوا واللام على الأصل لأن التبيين غاية التصريف ~~والضمير للآيات باعتبار المعنى أو للقرآن وإن لم يذكر أو للمصدر أي ولنفعل ~~التبيين واللام في قوله تعالى «لقوم يعلمون» متعلقة بالتبيين وتخصيصه بهم ~~لما أنهم المنتفعون به قال ابن عباس هم أولياؤه الذين هداهم إلى سبيل ~~الرشاد ووصفهم بالعلم للإيذان بغاية جهل الأولين وخلوهم عن العلم بالمرة ~~«اتبع ما أوحي إليك من ربك» لما حكي عن المشركين قدحهم في تصريف الآيات عقب ~~ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما هو عليه وبعدم الاعتداد بهم ~~وبأباطيلهم أي دم على ما أنت عليه من اتباع ما أوحي إليك من الشرائع ~~والأحكام التي عمدتها التوحيد وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره صلى الله عليه وسلم من إظهار اللطف به ما لا يخفى وقوله تعالى «لا ~~إله ms1070 إلا هو» اعتراض بين الأمرين المتعاطفين مؤكد لإيجاب اتباع الوحي لا ~~سيما في أمر التوحيد وقد جوز أن يكون حالا من ربك أي منفردا في الألوهية ~~«وأعرض عن المشركين» لا تحتفل بهم وبأقاويلهم الباطلة التي من جملتها ما ~~حكي عنهم آنفا ومن جعله منسوخا بآية السيف حمل الإعراض على ما يعم الكف ~~عنهم «ولو شاء الله» أي عدم إشراكهم حسبما هو القاعدة المستمرة في حذف ~~مفعول المشيئة من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء «ما أشركوا» وهذا ~~دليل على أنه تعالى لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه تعالى يمنعه عنه ~~مع توجهه إليه بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه لعدم صرف اختياره الجزئي ~~نحو الإيمان وإصراره على الكفر والجملة اعتراض مؤكد للإعراض وكذا قوله ~~تعالى «وما جعلناك عليهم حفيظا» اي رقيبا مهيمنا من قبلنا تحفظ عليهم ~~أعمالهم وكذا قوله تعالى «وما أنت عليهم بوكيل» من جهتهم تقوم بأمورهم ~~وتدبر مصالحهم وعليهم في الموضعين متعلق بما بعده قد عليه للاهتمام به أو ~~لرعاية الفواصل «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله» أي لا تشتموهم من حيث ~~عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا تبا لكم ولما تعبدونه مثلا «فيسبوا الله عدوا» ~~تجاوزا عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثل قولكم لهم «بغير علم» اي ~~بجهالة بالله تعالى وبما يجب أن يذكر PageV03P171 # به وقرئ عدوا يقال عدا يعدو وعدوا وعداء وعدوانا روي أنهم قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند نزول قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك وقيل كان المسلمون يسبونهم ~~فنهوا عن ذلك لئلا يستتبع سبهم سبه سبحانه وتعالى وفيه أن الطاعة إذا أدت ~~إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر «كذلك» أي مثل ذلك ~~التزيين القوي «زينا لكل أمة عملهم» من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ~~ويحملهم عليه توفيقا أو تخذيلا ويجوز أن يراد بكل أمة أمم الكفرة إذا ~~الكلام فيهم وبعملهم ms1071 شرهم وفسادهم والمشبه به تزيين سب الله تعالى لهم «ثم ~~إلى ربهم» مالك أمره «مرجعهم» أي رجوعهم بالبعث بعد الموت «فينبئهم» من غير ~~تأخير «بما كانوا يعملون» في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزينة لهم ~~وهو وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتة ~~سرية مبنية على حكمة أبية وهي أن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان ~~والأعراض فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر ~~في النشأة الآخرة فإن المعاصي سمون قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة ما ~~تستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة وكذا الطاعات فإنها مع ~~كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة لذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فأعمال الكفرة قد برزت لهم في ~~النشأة بصورة مزينة يستحسنها الغواة ويستحبها الطغاة وستظهر في النشأة ~~الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا ~~عبر عن إظهارها بصورها الحقيقة بالإخبار بها لما أن كلا منهما سبب للعلم ~~بحقيقتها كما هي فليتدبر قوله تعالى «وأقسموا بالله» روي أن قريشا اقترحوا ~~بعض آيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فعلت بعض ما تقولون ~~أتصدقونني فقالوا نعم وأقسموا لئن فعلته لنؤمنن جميعا فسأل المسلمون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعا في إيمانهم فهم صلى الله عليه وسلم ~~بالدعاء فنزلت وقوله تعالى «جهد أيمانهم» مصدر في موقع الحال أي أقسموا به ~~تعالى جاهدين في أيمانهم «لئن جاءتهم آية» من مقترحاتهم أو من جنس الآيات ~~وهو الأنسب بحالهم في المكابرة والعناد وترامي أمرهم في العتو والفساد حيث ~~كانوا لا يعدون ما يشاهدونه من المعجزات الباهرة من جنس الآيات «ليؤمنن ~~بها» وما كان مرمى غرضهم في ذلك لا التحكم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طلب المعجزة وعدم الاعتداد بما شاهدوا منه من البينات الحقيقة بأن ~~تقطع بها الأرض وتسير بها الجبال «قل إنما الآيات» أي ms1072 كلها فيدخل فيها ما ~~اقترحوه دخولا أوليا «عند الله» أي أمرها في حكمه وقضائه خاصة يتصرف فيها ~~حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة لا تتعلق بها ولا بشأن من شؤونها ~~قدرة أحد ولا مشيئته لا استقلالا ولا اشتراكا بوجه من الوجوه حتى يمكنني أن ~~أتصدى لاستنزالها بالاستدعاء وهذا كما ترى سد لباب الاقتراح على أبلغ وجه ~~وأحسنه PageV03P172 # ببيان علو شأن الآيات وصعوبة منالها وتعاليها من أن تكون عرضة للسؤال ~~والاقتراح وأما ما قيل من أن المعنى إنما الآيات عند الله تعالى لا عندي ~~فكيف أجيبكم إليها وآتيكم بها وهو القادر عليها لا أنا حتى آتيكم بها فلا ~~مناسبة له بالمقام كيف لا وليس مقترحهم مجيئها بغير قدرة الله تعالى ~~وإرادته حتى يجابوا بذلك وقوله تعالى «وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون» ~~كلام مستأنف غير داخل تحت الأمر مسوق من جهته تعالى لبيان الحكمة الداعية ~~إلى ما أشعر به الجواب السابق من عدم مجىء الآيات خوطب به المسلمون إما ~~خاصة بطريق التلوين لما كانوا راغبين في نزولها طمعا في إسلامهم وإما معه ~~صلى الله عليه وسلم بطريق التعميم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم من الهم ~~بالدعاء وقد بين فيه أن أيمانهم فاجرة وإيمانهم مما لا يدخل تحت الوجود وإن ~~أجيب إلى ما سألوه وما استفهامية إنكارية لكن لا على أن مرجع الإنكار هو ~~وقوع المشعر به بل هو نفس الإشعار مع تحقق المشعر به في نفسه أي وأي شيء ~~يعلمكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بل يبقون على ما كانوا ~~عليه من الكفر والعناد أي لا تعلمون ذلك فتتمنون مجيئها طمعا في إيمانهم ~~فكأنه بسط عذر من جهة المسلمين في تمنيهم نزول الآيات وقيل لا مزيدة فيتوجه ~~الإنكار إلى الإشعار والمشعر به جميعا أي أي شيء يعلمكم إيمانهم عند مجىء ~~الآيات حتى تتمنوا مجيئها طمعا في إيمانهم فيكون تخطئة لرأي المسلمين وقيل ~~أن بمعنى لعل يقال ادخل السوق أنك تشتري اللحم وعنك وعلك ولعلك كلها ms1073 بمعنى ~~ويؤيده أنه قرىء لعلها إذا جاءت لا يؤمنون على أن الكلام قد تم قبله ~~والمفعول الثاني ليشعركم محذوف كما في قوله تعالى وما يدريك لعله يزكى ~~والجملة استئناف لتعليل الإنكار وتقريره أي أي شيء يعلمكم حالهم وما سيكون ~~عند مجىء الآيات لعلها إذا جاءت لا يؤمنون بها فمالكم تتمنون مجيئها فإن ~~تمنيته إنما يليق بما إذا كان إيمانهم بها محقق الوجود عند مجيئها لا مرجو ~~العدم وقرئ إنها بالكسر على أنه استئناف حسبما سبق مع زيادة تحقيق لعدم ~~إيمانهم وقرئ لا تؤمنون بالفوقانية فالخطاب في وما يشعركم للمشركين وقرئ ~~وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون فمرجع الإنكار إقدام المشركين على ~~الإقسام المذكور مع جهلهم بحال قلوبهم عند مجىء الآيات وبكونها حينئذ كما ~~هي الآن «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم» عطف على لا يؤمنون داخل في حكم ما يشعركم ~~مقيد بما قيد به أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه ~~وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه لكن لا مع توجهها إليها واستعدادها لقبوله ~~بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم ~~إشعارا بأصالتهم في الكفر وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشىء من تقليبه ~~تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار «كما لم يؤمنوا به» أي بما جاء من الآيات «أول ~~مرة» أي عند ورود الآيات السابقة والكاف في محل النصب على أنه نعت لمصدر ~~محذوف منصوب بلا يؤمنون وما مصدرية أي لا يؤمنون بل يكفرون كفرا كائنا ~~ككفرهم أول مرة وتوسيط تقليب الأفئدة والأبصار بينهما لأنه من متممات عدم ~~إيمانهم «ونذرهم» عكف على لا يؤمنون داخل في حكم الاستفهام الإنكاري مقيد ~~بما قيد به مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة PageV03P173 # والأبصار ومعرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره بأن يقلب الله سبحانه ~~مشاعرهم عن الحق مع توجههم إليه واستعدادهم له بطريق الإجبار بل بأن يخليهم ~~وشأنهم بعد ما علم فساد استعدادهم وفرط نفورهم عن الحق وعدم تأثير اللطف ~~فيهم أصلا ويطبع على قلوبهم حسبما يقتضيه استعدادهم ms1074 كما أشرنا إليه وقوله ~~تعالى «في طغيانهم» متعلق بنذرهم وقوله تعالى «يعمهون» حال من الضمير ~~المنصوب في نذرهم أي ندعهم في طغيانهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين أو ~~مفعول ثان لنذرهم أي نصيرهم عامهين وقرئ يقلب ويذر بالياء على إسنادهما إلى ~~ضمير الجلالة وقرئ تقلب بالتاء والبناء للمفعول على إسناده إلى أفئدتهم ~~«ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة» تصريح بما اشعر به قوله عز وجل وما يشعركم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون من الحكمة الداعية إلى ترك الإجابة إلى ما اقترحوه ~~من الآيات إثر بيان أنها في حكمه تعالى وقضائه المبني على الحكم البالغة لا ~~مدخل لأحد في أمرها بوجه من الوجوه وبيان لكذبهم في أيمانهم الفاجرة على ~~أبلغ وجه وآكده أي ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه ههنا من آية ~~واحدة من الآيات بل نزلنا إليهم الملائكة كما سألوه بقولهم لولا أنزل علينا ~~الملائكة وقولهم لو ما تأتينا بالملائكة «وكلمهم الموتى» وشهدوا بحقية ~~الإيمان بعد أن أحييناهم حسبما اقترحوه بقولهم فأتوا بآبائنا «وحشرنا» أي ~~جميعا «عليهم كل شيء قبلا» بضمتين وقرئ بسكون الباء أي كفلاء بصحة الأمر ~~وصدق النبي صلى الله عليه وسلم على أنه جمع قبيل بمعنى الكفيل كرغيف ورغف ~~وقضيب وقضب وهو الأنسب بقوله تعالى أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي لو لم ~~نقتصر على ما اقترحوه بل زدنا على ذلك بأن أحضرنا لديهم كل شيء يتأتى منه ~~الكفالة والشهادة بما ذكر لا فرادى بل بطريق المعية أو جماعات على أنه جمع ~~قبيل وهو الأوفق لعموم كل شيء وشموله للأنواع والأصناف أي حشرنا كل شيء ~~نوعا نوعا وصنفا صنفا وفوجا فوجا وانتصابه على الحالية وجمعيته باعتبار ~~الكل المجموعي اللازم للكل الإفرادي أو مقابلة وعيانا على أنه مصدر كقبلا ~~وقد قرىء كذلك وانتصابه على الوجهين على أنه مصدر في موقع الحال وقد نقل عن ~~المبرد وجماعة من أهل اللغة أن الأخير بمعنى الجهة كما في قولك لي قبل فلان ~~حق وأن انتصابه على الظرفية «ما كانوا ليؤمنوا» ms1075 أي ما صح وما استقام لهم ~~الإيمان لتماديهم في العصيان وغلوهم في التمرد والطغيان وأما سبق القضاء ~~عليهم بالكفر فمن الأحكام المترتبة على ذلك حسبما ينبئ عنه قوله عز وجل ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله تعالى «إلا أن يشاء الله» استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة أي ~~ما كانوا ليؤمنوا بعد اجتماع ما ذكر من الأمور الموجبة للإيمان في حال من ~~الأحوال الداعية إليه المتممة لموجباته المذكورة إلا في حال مشيئته تعالى ~~لإيمانهم أو من أعم العلل أي ما كانوا ليؤمنوا لعلة من العلل المعدودة ~~وغيرها إلا لمشيئته تعالى له وأيا ما كان فليس المراد بالاستثناء بيان أن ~~إيمانهم على خطر الوقوع بناء على كون مشيئته PageV03P174 # تعالى أيضا كذلك بل بيان استحالة وقوعه بناء على استحالة وقوعها كأنه قيل ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وهيهات ذلك وحالهم حال بدليل ما سبق من ~~قوله تعالى ونقلب أفئدتهم الآية كيف لا وقوله عز وجل «ولكن أكثرهم يجهلون» ~~استدراك من مضمون الشرطية بعد ورود الاستثناء لا قبله ولا ريب في أن الذي ~~يجهلونه سواء أريد بهم المسلمون وهو الظاهر أو المقسمون ليس عدم إيمانهم ~~بلا مشيئة الله تعالى كما هو اللازم من حمل النظم الكريم على المعنى الأول ~~فإنه ليس مما يعتقده الأولون ولا مما يدعيه الآخرون بل إنما هو عدم إيمانهم ~~لعدم مشيئته إيمانهم ومرجعه إلى جهلهم بعدم مشيئته إياه فالمعنى أن حالهم ~~كما شرح ولكن أكثر المسلمين يجهلون عدم إيمانهم عند مجىء الآيات لجهلهم عدم ~~مشيئته تعالى لإيمانهم فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون فالجملة مقررة ~~لمضمون قوله تعالى وما يشعركم الخ على القراءة المشهورة أو ولكن أكثر ~~المشركين يجهلون عدم إيمانهم عند مجىء الآيات لجهلهم عدم مشيئته تعالى ~~لإيمانهم حينئذ فيقسمون بالله جهد ايمانهم على ما لا يكاد يكون فالجملة على ~~القراءة السابقة بيان مبتدأ لمنشأ خطأ المقسمين ومناط إقسامهم وتقرير له ~~على قراءة لا تؤمنون بالتاء الفوقانية وكذا على قراءة ms1076 ما يشعرهم أنها إذا ~~جاءتهم لا يؤمنون «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا» كلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما كان يشاهده من عداوة قريش له عليه الصلاة ~~والسلام وما بنوا عليها مما لا خير فيه من الأقاويل والأفاعيل ببيان أن ذلك ~~ليس مختصا بك بل هو أمر ابتلي به كل من سبقك من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أشير إليه بذلك منصوب ~~بفعله المحذوف مؤكد لما بعده وذلك إشارة إلى ما يفهم مما قبله أي جعلنا لكل ~~نبي عدوا والتقديم على الفعل المذكور للقصر المفيد للمبالغة أي مثل ذلك ~~الجعل الذي جعلنا في حقك حيث جعلنا لك عدوا يضادونك ويضارونك ولا يؤمنون ~~ويبغونك الغوائل ويدبرون في إبطال أمرك مكايد جعلنا لكل نبي تقدمك عدوا ~~فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك لا جعلا أنقص منه وفيه دليل على أن عداوة ~~الكفرة للأنبياء عليهم السلام بخلقه تعالى للابتلاء «شياطين الإنس والجن» ~~أي مردة الفريقين على أن الإضافة بمعنى من البيانية وقيل هي إضافة الصفة ~~إلى الموصوف والأصل الإنس والجن الشياطين وقيل هي بمعنى اللام أي الشياطين ~~التي للإنس والتي للجن وهو بدل من عدوا والجعل متعد إلى واحد أو إلى اثنين ~~وهو أول مفعولية قدم عليه الثاني مسارعة إلى بيان العداوة واللام على ~~التقديرين متعلقة بالجعل أو بمحذوف هو حال من عدوا وقوله تعالى «يوحي بعضهم ~~إلى بعض» كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام عداوتهم وتحقيق وجه الشبه بين ~~المشبه والمشبه به أو حال من الشياطين أو نعت لعدوا وجمع الضمير باعتبار ~~المعنى فإنه عبارة عن الأعداء كما في قوله إذا أنا لم أنفع صديقي بوده * ~~فإن عدوي لم يضرهمو بغضي والوحي عبارة عن الإيماء والقول السريع أي يلقى ~~PageV03P175 # ويوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض كل من الفريقين إلى بعض آخر ~~«زخرف القول» أي المموه منه المزين ظاهره الباطل باطنه من زخرفه إذ زينه ~~«غرورا» مفعول له ليوحي أي ليغروهم ms1077 أو مصدر في موقع الحال أي غارين أو مصدر ~~مؤكد لفعل مقدر هو حال من فاعل يوحى أي يغرون غرورا «ولو شاء ربك» رجوع إلى ~~بيان الشؤون الجارية بينه صلى الله عليه وسلم وبين قومه المفهومة من حكاية ~~ما جرى بين الأنبياء عليهم السلام وبين أممهم كما ينبئ عنه الالتفات ~~والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم المعربة عن ~~كمال اللطف في التسلية أي ولو شاء ربك عدم الأمور المذكورة لا إيمانهم كما ~~قيل فإن القاعدة المستمرة أن مفعول المشيئة إنما يحذف عند وقوعها شرطا وكون ~~مفعولها مضمون الجزاء وهو قوله تعالى «ما فعلوه» أي ما فعلوا ما ذكر من ~~عداوتك وإيحاء بعضهم إلى بعض مزخرفات الأقاويل الباطلة المتعلقة بأمرك خاصة ~~لا بما يعمه وأمور الأنبياء عليهم السلام أيضا كما قيل فإن قوله تعالى ~~«فذرهم وما يفترون» صريح في أن المراد بهم الكفرة المعاصرون له عليه الصلاة ~~والسلام أي إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك من فنون المفاسد بمشيئته ~~تعالى فاتركهم وافتراءهم أو وما يفترونه من أنواع المكايد فإن لهم في ذلك ~~عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته تعالى على الحكم البالغة ~~البتة «ولتصغى إليه» أي إلى زخرف القول وهو على الوجه الأول علة أخرى ~~للإيحاء معطوفة على غرورا وما بينهما اعتراض وإنما لم ينصب لفقد شرطه إذ ~~الغرور فعل الموحى وصغو الأفئدة فعل الموحى إليه أي يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول ليغروهم به ولتميل إليه «أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة» إنما ~~خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان ~~بها وهم بها كافرون إشعارا بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم ~~فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره وآلامها مزينة بالشهوات ~~فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات ~~ودون الشهوات آلاما وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي فهم ~~مضطرون إلى حب الشهوات ms1078 التي من جملها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل ~~وأما المؤمنون بها فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب ~~الأمور لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات لعلهم ببطلانها ووخامة ~~عاقبتها وأما على الوجهين الأخيرين فهو علة لفعل محذوف يدل عليه المقام أي ~~ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا والمعتزلة جعلوا اللام لام العاقبة أو لام القسم ~~أو لام الأمر وضعفه في غاية الظهور «وليرضوه» لأنفسهم بعد ما مالت إليه ~~أفئدتهم «وليقترفوا» أي يكتسبوا بموجب ارتضائهم له «ما هم مقترفون» له من ~~القبائح التي لا يليق ذكرها «أفغير الله أبتغي حكما» كلام مستأنف وارد على ~~إرادة القول والهمزة PageV03P176 # للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام أي قل لهم أأميل إلى زخارف ~~الشياطين فأبتغي حكما غير الله يحكم بيننا ويفصل المحق منا من المبطل وقيل ~~إن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك حكما ~~من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك ~~فنزلت وإسناد الابتغاء المنكر إلى نفسه صلى الله عليه وسلم لا إلى المشركين ~~كما في قوله تعالى أفغير دين الله يبغون مع أنهم الباغون لإظهار كمال ~~النصفة أو لمراعاة قولهم اجعل بيننا وبينك حكما وغير إما مفعول أبتغي وحكما ~~حال منه وإما بالعكس وأيا ما كان فتقديمه على الفعل الذي هو المعطوف بالفاء ~~حقيقة كما أشير إليه للإيذان بأن مدار الإنكار هو ابتغاء غيره تعالى حكما ~~لا مطلق الابتغاء وقيل حكما تمييز لما في غير من الإبهام كقولهم إن لنا ~~غيرها إبلا قالوا الحكم أبلغ من الحاكم وأدل على الرسوخ لما أنه لا يطلق ~~إلا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم وقوله تعالى «وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب» جملة حالية مؤكدة لإنكار ابتغاء غيره تعالى حكما ونسبة ~~الإنزال إليهم خاصة مع أن مقتضى المقام إظهار تساوي نسبته إلى المتحاكمين ~~لاستمالتهم نحو المنزل واستنزالهم إلى قبول حكمه بإبهام قوة نسبته إليهم أي ~~أغيره تعالى ابتغي حكما والحال ms1079 أنه هو الذي أنزل إليكم وأنتم أمية لا تدرون ~~ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب الحقيق بأن يخص به اسم ~~الكتاب «مفصلا» أي مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من ~~الأحكام بحيث لم يبق في أمور الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ~~ذلك إلى الحكم وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين مغن ~~عن غيره ببيانه وتفصيله وأما أن يكون لإعجازه دخل في ذلك كما قيل فلا وقوله ~~تعالى «والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق» كلام مستأنف ~~غير داخل تحت القول المقدر مسوق من جهته سبحانه لتحقيق حقية الكتاب الذي ~~نيط به أمر الحكمية وتقرير كونه منزلا من عنده عز وجل ببيان ان الذين وثقوا ~~بهم ورضوا بحكميتهم حسبما نقل آنفا من علماء اليهود والنصارى عالمون بحقيته ~~ونزوله من عنده تعالى وفي التعبير عن التوراة والإنجيل باسم الكتاب إيماء ~~إلى ما بينهما وبين القرآن من المجانسة المقتضية للاشتراك في الحقية ~~والنزول من عنده تعالى مع ما فيه من الإيجاز وإيراد الطائفتين بعنوان إيتاء ~~الكتاب للإيذان بأنهم علموه من جهة كتابهم حيث وجدوه حسبما نعت فيه وعاينوه ~~موافقا له في الأصول ما لا يختف من الفروع ومخبرا عن أمور لا طريق إلى ~~معرفتها سوى الوحي والمراد بالموصول إما علماء الفريقين وهو الظاهر ~~فالإيتاء هو التفهيم بالفعل وإما الكل وهم داخلون فيه دخولا أوليا فهو أعم ~~مما ذكر ومن التفهيم بالقوة ولا ريب في أن الكل متمكنون من ذلك وقبل المراد ~~مؤمنوا أهل الكتاب وقرئ منزل من الإنزال والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه عليه الصلاة والسلام والباء ~~في قوله تعالى بالحق متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في منزل أي ~~ملتبسا بالحق «فلا تكونن من الممترين» أي في أنهم يعلمون ذلك لما لا تشاهد ~~منهم آثار العلم وأحكام المعرفة فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل ~~الكتاب بشأن القرآن أو ms1080 في أنه منزل من ربك بالحق فيكون من باب التهييج ~~والإلهاب كقوله تعالى ولا تكونن من PageV03P177 # المشركين وقيل الخطاب في الحقيقة للأمة وإن كان له صلى الله عليه وسلم ~~صورة وقيل الخطاب لكل أحد على معنى أن الأدلة قد تعاضدت وتظاهرت فلا ينبغي ~~لأحد أن يمتري فيه والفاء على هذه الوجوه لترتيب النهي على نفس علمهم بحال ~~القرآن «وتمت كلمة ربك» شروع في بيان كمال الكتاب المذكور من حيث ذاته إثر ~~بيان كماله من حيث إضافته إليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق وتحقيق ذلك ~~بعلم أهل الكتاب به وإنما عبر عنه بالكلمة لأنها الأصل في الاتصاف بالصدق ~~والعدل وبها تظهر الآثار من الحكم وقرئ كلمات ربك «صدقا وعدلا» مصدران نصبا ~~على الحال وقيل على التمييز وقيل على العلة وقوله تعالى «لا مبدل لكلماته» ~~إما استئناف مبين لفضلها على غيرها إثر بيان فضلها في نفسها وإما حال أخرى ~~من فاعل تمت على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط والمعنى أنها بلغت القاصية ~~صدقا في الأخبار والمواعيد وعدلا في الأقضية والأحكام لا أحد يبدل شيئا من ~~ذلك بما هو أصدق وأعدل ولا بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى ~~«وهو السميع» لكل ما يتعلق به السميع «العليم» بكل ما يمكن أن يعلم فيدخل ~~في ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة دخولا أوليا هذا وقد ~~قيل المعنى لا أحد يقدر على أن يحرفها كما فعل بالتوراة فيكون ضمانا لها من ~~الله عز وجل بالحفظ كقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون أو لا ~~نبي ولا كتاب بعدها ينسخها «وإن تطع أكثر من في الأرض» لما تحقق اختصاصه ~~تعالى بالحكمية لاستقلاله بما يوجبها من إنزال الكتاب الكامل الفاصل بين ~~الحق والباطل وتمام صدق كلامه وكمال عدالة أحكامه وامتناع وجود من يبدل ~~شيئا منها واستبداده تعالى بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات عقب ~~ذلك ببيان أن الكفرة متصفون بنقائض تلك الكمالات من النقائض التي هي الضلال ~~والإضلال واتباع الظنون الفاسدة الناشئ من ms1081 الجهل والكذب على الله سبحانه ~~وتعالى إبانة لكمال مباينة حالهم لما يرومونه وتحذيرا عن الركون إليهم ~~والعمل بآرائهم والمراد بمن في الأرض الناس وبأكثرهم الكفار وقيل أهل مكة ~~والأرض أرضها أي إن تطعهم بأن جعلت منهم حكما «يضلوك عن سبيل الله» عن ~~الطريق الموصل إليه أو عن الشريعة التي شرعها لعباده «إن يتبعون إلا الظن» ~~وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم على آثارهم يهتدون أو جهالاتهم ~~وآراؤهم الباطلة على أن المراد بالظن ما يقابل العلم والجملة استئناف مبني ~~على سؤال نشأ من الشرطية كأنه قيل كيف يضلون فقيل لا يتبعون في أمور دينهم ~~إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فيضلون ضلالا مبينا ولا ريب في أن ~~الضال المتصدي للإرشاد إنما يرشد غيره إلى مسلك نفسه فهو ضالون مضلون وقوله ~~تعالى «وإن هم إلا يخرصون» عطف على ما قبله داخل في حكمه أي يكذبون على ~~الله سبحانه فيما ينسبون إليه تعالى كاتخاذ الولد وجعل PageV03P178 # عبادة الأوثان ذريعة إليه تعالى وتحليل الميتة وتحريم البحائر ونظائرها ~~أو يقدرون أنهم على شيء وأنى لهم ذلك ودونه مناط العيوق وحقيقته ما يقال عن ~~ظن وتخمين «إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» تقرير ~~لمضمون الشرطية وما بعدها وتأكيد لما يفيده من التحذير أي هو أعلم ~~بالفريقين فاحذر أن تكون من الأولين ومن موصولة أو موصوفة في محل النصب لا ~~بنفس أعلم فإن أفعل التفضيل لا ينصب الظاهر في مثل هذه الصور بل بفعل دل هو ~~عليه أو استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر يضل والجملة معلق عنها الفعل ~~المقدر وقرئ يضل بضم الياء على أن من فاعل ليضل ومفعوله محذوف ومحلها النصب ~~بما ذكر من الفعل المقدر أي هو أعلم يعلم من يضل الناس فيكون تأكيد للتحذير ~~عن طاعة الكفرة وأما أن الفاعل هو الله تعالى ومن منصوبة بما ذكر أي يعلم ~~من يضله أو مجرورة بإضافة أعلم إليها أي أعلم المضلين من قوله تعالى من ~~يضلل الله ms1082 أو من قولك أضللته إذا وجدته ضالا فلا يساعده السباق والسياق ~~والتفضيل في العلم بكثرته وإحاطته بالوجوه التي يمكن تعلق العلم بها ولزومه ~~وكونه بالذات لا بالغير * «فكلوا مما ذكر اسم الله عليه» أمر مترتب على ~~النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحلال وتحريم الحرام ~~وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين إنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن ~~تأكلوه مما قتلتم أنتم فقيل للمسلمين كلوا مما ذكر اسمه تعالى خاصة على ~~ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه «إن ~~كنتم بآياته» التي من جملتها الآيات الواردة في هذا الشأن «مؤمنين» فإن ~~الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله والاجتناب عما حرمه وجواب الشرط ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه «وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه» ~~إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر عليه اسم الله ~~تعالى من البحائر والسوائب ونحوها وقوله تعالى «وقد فصل لكم» الخ جملة ~~حالية مؤكدة للإنكار كما في قوله تعالى وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا أي وأي سبب حاصل لكم في أن لا تأكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه أو واي غرض يحملكم على أن لا تأكلوا ويمنعكم من أكله ~~والحال أنه قد فصل لكم «ما حرم عليكم» بقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما الخ فبقي ما عدا ذلك على الحل لا بقوله تعالى حرمت عليكم الميتة الخ ~~لأنها مدنية وأما التأخر في التلاوة فلا يوجب التأخر في النزول وقرئ ~~الفعلان على البناء للمفعول وقرئ الأول على البناء للفاعل والثاني للمفعول ~~«إلا ما اضطررتم إليه» مما حرم فإنه أيضا حلال حينئذ «وإن كثيرا» أي من ~~PageV03P179 # الكفار «ليضلون» الناس بتحريم الحلال وتحليل الحرام كعمرو بن لحى وأضرابه ~~وقرئ «يضلون» بأهوائهم الزائغة وشهواتهم الباطلة «بغير علم» مقتبس من ~~الشريعة الشريفة مستند إلى الوحي «إن ربك هو أعلم بالمعتدين» ms1083 المتجاوزين ~~لحدود الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام «وذروا ظاهر الإثم وباطنه» أي ما ~~يعلن من الذنوب وما يسر أو ما يعمل منها بالجوارح وما بالقلب وقيل الزنا في ~~الحوانيت واتخاذ الأخدان «إن الذين يكسبون الإثم» أي يكتسبونه من الظاهر ~~والباطن «سيجزون بما كانوا يقترفون» كائنا ما كان فلا بد من اجتنابهما ~~والجملة تعليل للأمر «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه» ظاهر في تحريم ~~متروك التسمية عمدا كان أو نسيانا وإليه ذهب داود وعن أحمد بن جنبل مثله ~~وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال وإن ~~لم يذكر اسم الله عليه وفرق أبو حنيفة بين العمد والنسيان وأوله بالميتة أو ~~بما ذكر عليه اسم غيره تعالى لقوله «وإنه لفسق» فإن الفسق ما أهل به لغير ~~الله والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل المدلول عليه بلا تأكلوا والجملة ~~مستأنفة وقيل حالية «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم» المراد بالشياطين ~~إبليس وجنوده فإيحاؤهم وسوستهم إلى المشركين وقيل مردة المجوس فإيحاؤهم إلى ~~أولياؤهم ما أنهوا إلى قريش بالكتاب أن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون ~~أمر الله ثم يزعمون أن ما يقتلونه حلال وما يقتله الله حرام «ليجادلوكم» أي ~~بالوساوس الشيطانية أو بما نقل من أباطيل المجوس وهو يؤيد التأويل بالميتة ~~«وإن أطعتموهم» في استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم «إنكم لمشركون» ~~ضرورة أن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشركه به ~~تعالى بل آثره عليه سبحانه «أو من كان ميتا» وقرئ ميتا على الأصل ~~«فأحييناه» تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين إثر تحذريهم عنها ~~بالإشارة إلى أنهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهي والمشركون خابطون في ظلمات ~~الكفر والطغيان فكيف يعقل إطاعتهم لهم والهمزة للإنكار والنفي والواو لعطف ~~الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام أي أأنتم مثلهم ومن كان ~~ميتا فأعطيناه الحياة وما يتبعها من القوى المدركة والمحركة «وجعلنا له» مع ~~ذلك من الخارج «نورا» عظيما «يمشي به» أي بسببه والجملة استئناف ms1084 مبني على ~~سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل فماذا يصنع بذلك النور فقيل يمشي به «في ~~الناس» أي فيم بينهم آمنا من جهتهم أو صفة له «كمن مثله» أي صفته العجيبة ~~وهو مبتدأ وقوله تعالى «في الظلمات» خبره على أن PageV03P180 # المراد بهما اللفظ لا المعنى كما في قولك زيد صفته أسمر وهذه الجملة صلة ~~لمن وهي مجرورة بالكاف وهي مع مجرورها خبر لمن الأولى وقوله تعالى «ليس ~~بخارج منها» حال من المستكن في الظرف وقيل من الموصول أي غير خارج منها ~~بحال وهذا كما ترى مثل ما أريد به من بقي في الضلالة بحيث لا يفارقها أصلا ~~كما أن الأول مثل أريد به من خلقه الله تعالى على فطرة الإسلام وهداه ~~بالآيات البينة إلى طريق الحق يسلكه كيف يشاء لكن لا على أن يدل على كل ~~واحد من هذه المعاني بما يليق به من الألفاظ الواردة في المثلين بواسطة ~~تشبيهه بما يناسبه من معانيها فإن ألفاظ المثل باقية في معانيها الأصلية بل ~~على أنه قد انتزعت من الأمور المتعددة المعتبرة في كل واحد من جانبي ~~الممثلين هيئة على حدة ومن الأمور المتعددة المذكورة في كل كل واحد من ~~جانبي المثلين هيئة على حدة فشبهت بهما الأوليان ونزلتا منزلتيهما فاستعمل ~~فيهما ما يدل على الأخريين بضرب من التجوز وقد أشير في تفسير قوله تعالى ~~ختم الله على قلوبهم الآية إلى أن التمثيل قسم برأسه لا سبيل إلى جعله من ~~باب الاستعارة حقيقة وأن الاستعارة التمثيلية من عبارات المتأخرين نعم قد ~~يجري ذلك على سنن الاستعارة بأن لا يذكر المشبه كهذين التمثيلين ونظائرهما ~~وقد يجري على منهاج التشبيه كما في قوله [وما الناس إلا كالديار وأهلها * ~~بها يوم حلوها وغدوا بلاقع] «كذلك» أي مثل ذلك التزيين البليغ «زين» أي من ~~جهة الله تعالى بطريق الخلق عند إيحاء الشياطين أو من جهة الشياطين بطريق ~~الزخرفة والتسويل «للكافرين» التابعين للوساوس الشيطانية الآخذين ~~بالمزخرفات التي يوحونها إليهم «ما كانوا يعملون» ما استمروا على عمله من ms1085 ~~فنون الكفر والمعاصي التي من جملتها ما حكي عنهم من القبائح فإنها لو لم ~~تكن مزينة لهم لما أصروا عليها ولما جادلوا بها الحق وقيل الآية نزلت في ~~حمزة رضي الله عنه وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار رضي الله عنهما وأبي جهل ~~«وكذلك» قيل معناه كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها «جعلنا في ~~كل قرية» من سائر القرى «أكابر مجرميها ليمكروا فيها» ومفعولا جعلنا أكابر ~~مجرميها على تقديم المفعول الثاني والظرف لغو أو هما الظرف وأكبر على أن ~~مجرميها بدل أو مضاف إليه فإن أفعل التفضيل إذا أضيف جاز الإفراد والمطابقة ~~ولذلك قرىء أكبر مجرميها وقيل أكابر مجرميها مفعوله الأول والثاني ليمكروا ~~فيها ولا يخفى أن أي معنى يراد من هذه المعاني لا بد أن يكون مشهود التحقق ~~عند الناس معهودا فيما بينهم حتى يصلح أن تصرف الإشارة عن سياق النظم ~~الكريم وتوجه إليه ويجعل مقياسا لنظائره بإخراجه مخرج المصدر التشبيهي ~~وظاهر أن ليس الأمر كذلك ولا سبيل إلى توجيهها إلى ما يفهم من قوله تعالى ~~كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون وإن كان المراد بهم أكابر مكة لأن مآل ~~المعنى حينئذ بعد اللتيا والتي كما جعلنا أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في ~~كل قرية أكابر مجرميها الخ فإذن الأقرب أن ذلك إشارة إلى الكفرة المعهودين ~~باعتبار اتصافهم بصفاتهم والافراد بتأويل الفريق أو المذكور ومحل الكاف ~~النصب على أنه المفعول الثاني لجعلنا قدم PageV03P181 # عليه لإفادة التخصيص كما في قوله تعالى كذلك كنتم من قبل الآية والأول ~~أكابر مجرميها والظرف لغو أي ومثل أولئك الكفرة الذين هم صناديد مكة ~~ومجرموها جعلنا في كل قرية أكابرها المجرمين أي جعلناهم متصفين بصفات ~~المذكورين مزينا لهم أعمالهم مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليمكروا ~~فيها أي ليفعلوا المكر فيها وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقوله تعالى «وما يمكرون إلا بأنفسهم» اعتراض على سبيل الوعد لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والوعيد للكفرة أي وما تحيق غائلة ms1086 مكرهم إلا بهم «وما ~~يشعرون» حال من ضمير يمكرون مع اعتبار ورود الاستثناء على النفي أي إنما ~~يمكرون بأنفسهم والحال أنهم ما يشعرون بذلك أصلا بل يزعمون أنهم يمكرون ~~بغيرهم وقوله تعالى «وإذا جاءتهم آية» رجوع إلى بيان حال مجرمي أهل مكة بعد ~~ما بين بطريق التسلية أن حال غيرهم أيضا كذلك وأن عاقبة مكر الكل ما ذكر ~~فإن العظيمة المنقولة إنما صدرت عنهم لا عن سائر المجرمين أي إذا جاءتهم ~~آية بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا لن نؤمن حتى نؤتى «مثل ما أوتي ~~رسل الله» قال ابن عباس رضي الله عنهما حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل عليه ~~السلام فيخبرنا أن محمدا صادق كما قالوا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا وعن ~~الحسن البصري مثله وهذا كما ترى صريح ي أن ما علق بإيتاء ما أوتي الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام هو إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أنزل ~~إليه إيمانا حقيقيا كما هو المتبادر منه عند الإطلاق خلا أنه يستدعى أن ~~يحمل ما أوتي رسل الله على مطلق الوحي ومخاطبة جبريل عليه السلام في الجملة ~~ة وأن تصرف الرسالة في قوله تعالى «الله أعلم حيث يجعل رسالته» عن ظاهرها ~~وتحمل على رسالة جبريل عليه السلام بالوجه المذكور ويراد بجعلها تبليغها ~~إلى المرسل إليه لا وضعها في موضعها الذي هو الرسول ليتأتى كونه جوابا عن ~~اقتراحهم وردا له بأن يكون معنى الاقتراح لن نؤمن بكون تلك الآية نازلة من ~~عند الله تعالى إلى الرسول حتى يأتينا بالذات عيانا كما يأتي الرسول ~~فيخبرنا بذلك ومعنى الرد الله أعلم من يليق بإرسال جبريل عليه السلام إليه ~~لأمر من الأمور إيذانا بأنهم بمعزل من استحقاق ذلك التشريف وفيه من التمحل ~~ما لا يخفى وقال مقاتل نزلت في أبي جهل حين قال زاحمنا بني عبد مناف في ~~الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا أمنا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ~~ولا نتبعه أبدا حتى يأتينا وحي كما يأتيه وقال الضحاك ms1087 سأل كل واحد من القوم ~~أن يخص بالرسالة والوحي كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله بل يريد كل امرئ ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة ولا يخفى أن كل واحد من هذين القولين وإن كان ~~مناسبا للرد المذكور لكنه يقتضي أن يراد بالإيمان المعلق بإيتاء ما أوتي ~~الرسل مجرد تصديقهم برسالته عليه الصلاة والسلام في الجملة من غير شمول ~~لكافة الناس وأن تكون كلمة حتى في قول اللعين حتى يأتينا وحي كما يأتيه الخ ~~غاية لعدم الرضا لا لعدم الاتباع فإنه مقرر على تقديري إيتاء الوحي وعدمه ~~فالمعنى لن نؤمن برسالته أصلا حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل ما أوتي ~~رسل الله أو PageV03P182 # إيتاء مثل إيتاء رسل الله وأما ما قيل من أن الوليد بن المغيرة قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر ~~منك سنا وأكثر منك مالا وولدا فنزلت فلا تعلق له بكلامهم المردود إلا أن ~~يراد بالإيمان المعلق بما ذكر مجرد الإيمان بكون الآية النازلة وحيا صادقا ~~لا الإيمان بكونها نازلة إليه عليه الصلاة والسلام فيكون المعنى وإذا ~~جاءتهم آية نازلة إلى الرسول قالوا لن نؤمن بنزولها من عند الله حتى يكون ~~نزولها إلينا لا إليه لأنا نحن المستحقون دونه فإن ملخص معنى قوله لو كانت ~~النبوة حقا الخ لو كان ما تدعيه من النبوة حقا لكنت أنا النبي لا أنت وإذ ~~لم يكن الأمر كذلك فليست بحق وماله تعليق الإيمان بحقية النبوة بكون نفسه ~~نبيا ومثل ما أوتي نصب على أنه نعت لمصدر محذوف وما مصدرية أي حتى نؤتاها ~~إيتاء مثل إيتاء رسل الله وإضافة الإيتاء إليهم لأنهم منكرون لإيتائه صلى ~~الله عليه وسلم وحيث نصب على المفعولية توسعا لا بنفس أعلم لما عرفت من أنه ~~لا يعمل في الظاهر بل يفعل دل هو عليه أي هو أعلم يعلم الموضع الذي يضعها ~~فيه والمعنى أن منصب الرسالة ليس مما ينال بكثرة المال والولد وتعاضد ~~الأسباب والعدد ms1088 وإنما ينال بفضائل نفسانية يخصها الله تعالى بمن يشاء من ~~خلص عباده وقرئ رسالاته «سيصيب الذين أجرموا» استئناف آخر ناع عليهم ما ~~سيلقونه من فنون الشر بعد مانعى عليهم حرمانهم مما أملوه والسين للتأكيد ~~ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن إصابة ما يصيبهم لإجرامهم المستتبع ~~لجميع الشرور والقبائح أي يصيبهم البتة مكان ما تمنوه وعلقوا به أطماعهم ~~الفارغة من عزة النبوة وشرف الرسالة «صغار» أي ذلة وحقارة بعد كبرهم «عند ~~الله» أي يوم القيامة وقيل من عند الله «وعذاب شديد» في الآخرة أو في ~~الدنيا «بما كانوا يمكرون» أي بسبب مكرهم المستمر أو بمقابلته وحيث كان هذا ~~من معظم مواد إجرامهم صرح بسببيته «فمن يرد الله أن يهديه» أي يعرفه طريق ~~الحق ويوفقه للإيمان «يشرح صدره للإسلام» فيتسع له وينفتح وهو كناية عن جعل ~~النفس قابلة للحق مهيئة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه وإليه أشار ~~عليه الصلاة والسلام حين سئل فقال نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له ~~وينفتح فقالوا هل لذلك من أمارة يعرف بها فقال نعم الإنابة إلى دار الخلود ~~والإعراض عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله «ومن يرد أن يضله» أي ~~يخلق فيه الضلال بصرف اختياره إليه «يجعل صدره ضيقا حرجا» بحيث ينبو عن ~~قبول الحق فلا يكاد يدخله الإيمان وقرئ ضيقا بالتخفيف وحرجا بكسر الراء أي ~~شديد الضيق والأول مصدر وصف به مبالغة «كأنما يصعد» ما هذه مهيئة لدخول كأن ~~على الجمل الفعلية «في السماء» شبه للمبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا ~~يكاد يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما هو خارج عن دائرة الاستطاعة وفيه ~~تنبيه على أن الإيمان يمتنع منه كما يمتنع منه الصعود وقيل معناه كأنما ~~يتصاعد إلى السماء نبوا عن الحق وتباعدا في الهرب منه واصل يصعد يتصعد وقد ~~قرىء به وقرئ يصاعد وأصله يتصاعد «كذلك» أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل ~~الصدر حرجا PageV03P183 # على الوجه المذكور «يجعل الله الرجس» أي العذاب أو الخذلان قال مجاهد ms1089 ~~الرجس مالا خير فيه وقال الزجاج الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ~~«على الذين لا يؤمنون» أي عليهم ووضع الموصول موضع المضمر للإشعار بأن جعله ~~تعالى معلل بما في حيز الصلة من كمال نبوهم عن الإيمان وإصرارهم على الكفر ~~«وهذا» أي البيان الذي جاء به القرآن أو الإسلام أو ما سبق من التوفيق ~~والخذلان «صراط ربك» أي طريقه الذي ارتضاه أو عادته وطريقته التي اقتضتها ~~حكمته وفي التعرض لعنوان الربوبية إيذان بأن تقويم ذلك الصراط للتربية ~~وإفاضة الكمال «مستقيما» لا عوج فيه أو عادلا مطردا وهو حال مؤكدة كقوله ~~تعالى وهو الحق مصدقا والعامل فيها معنى الإشارة «قد فصلنا الآيات» ببناها ~~مفصلة «لقوم يذكرون» يتذكرون ما في تضاعيفها فيعلمون أن كل ما يحدث من ~~الحوادث خيرا كان أو شرا فإنما يحدث بقضاء الله تعالى وخلقه وأنه تعالى ~~عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم وتخصيص القوم المذكورين بالذكر ~~لأنهم المنتفعون بتفصيل الآيات «لهم دار السلام» أي للمتذكرين دار السلامة ~~من كل المكاره وهي الجنة «عند ربهم» اي في ضمانه أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم ~~كنهها غيره تعالى «وهو وليهم» أي مولاهم وناصرهم «بما كانوا يعملون» بسبب ~~أعمالهم الصالحة أو متوليهم بجزائها يتولى إيصاله إليهم «ويوم يحشرهم ~~جميعا» منصوب بمضمر إما على المفعولية أو الظرفية وقرئ بنون العظمة على ~~الالتفات لتهويل الأمر والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين أي واذكر يوم ~~الحشر الثقلين قائلا «يا معشر الجن» أو ويوم يحشرهم يقول يا معشر الجن أو ~~ويوم يحشرهم ويقول يا معشر الجن يكون من الأحوال والأهوال ما لا يساعده ~~لفظاعته والمعشر الجماعة والمراد بمعشر الجن الشياطين «قد استكثرتم من ~~الإنس» أي من إغوائهم وإضلالهم أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم ~~كقولهم استكثر الأمير من أي من الجنود وهذا بطريق التوبيخ والتقريع «وقال ~~أولياؤهم» أي الذين أطاعوهم ومن في قوله تعالى «من الإنس» إما لبيان الجنس ~~أي أولياؤهم الذين هم الإنس أو متعلقة بمحذوف هو حال من أولياؤهم أي ms1090 كائنين ~~من الإنس «ربنا استمتع بعضنا ببعض» أي انتفع الإنس بالجن بأن دلوهم على ~~الشهوات وما يتوصل به إليها وقيل بأن ألقوا إليهم من الأراجيف والسحر ~~والكهانة والجن بالإنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم بقبول ما ألقوه إليهم ~~وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز PageV03P184 # والمخاوف واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إجازتهم «وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا» وهو يوم القيامة قالوه اعترافا بما فعلوه من طاعة ~~الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهارا للندامة عليها وتحسرا على ~~حالهم واستسلاما لربهم ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن ~~المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا «قال» استئناف مبني ~~على سؤال نشأ من حكاية كلا منهم كأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل ~~قال «النار مثواكم» أي منزلكم أو ذات ثوائكم كما أن دار السلام مثوى ~~المؤمنين «خالدين فيها» حال والعامل مثواكم إن جعل مصدرا ومعنى الإضافة إن ~~جعل مكانا «إلا ما شاء الله» قال ابن عباس رضي الله عنهما استثنى الله ~~تعالى قوما قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وما بمعنى من وقيل المعنى إلا ~~الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير فقد روي أنهم يدخلون واديا ~~فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى ~~الجحيم وقيل يفتح لهم وهم في النار باب إلى الجنة فيسرعون نحوه حتى إذا ~~صاروا إليه سد عليهم الباب وعلى التقديرين فالاستثناء تهكم بهم وقيل إلا ما ~~شاء الله قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبدا إلا ما أمهلكم ولا يخفى ~~بعده «إن ربك حكيم» في أفاعيله «عليم» بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق ~~بها من الجزاء «وكذلك» أي مثل ما سيق من تمكين الجن من إغواء الإنس ~~وإضلالهم «نولي بعض الظالمين» من الإنس «بعضا» آخر منهم أي نجعلهم بحيث ~~يتولونهم بالإغواء والإضلال أو نجعل بعضهم قرناء بعض في العذاب كما ms1091 كانوا ~~كذلك في الدنيا عند اقتراف ما يؤدي إليه من القبائح «بما كانوا يكسبون» ~~بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي «يا معشر الجن والإنس» ~~شروع في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشرين وتقريعهم بتفريطهم فيما يتعلق ~~بخاصة أنفسهم إثر حكاية توبيخ معشر الجن بإغواء الإنس وإضلالهم وبيان مآل ~~أمرهم «ألم يأتكم» أي في الدنيا «رسل» اي من عند الله عز وجل ولكن لا على ~~أن يأتي كل رسول كل واحدة من الأمم بل على أن يأتي كل أمة رسول خاص بها أي ~~ألم يأت كل أمة منكم رسول معين وقوله تعالى «منكم» متعلق بمحذوف وقع صفة ~~لرسل أي كائنة من جملتكم لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معا بل من الإنس ~~خاصة وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب اتباعهم والإيذان بتقاربهما ذاتا ~~واتحادهما تكليفا وخطابا كأنهما جنس واحد ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر ~~وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل وقد ثبت أن الجن قد استمعوا ~~القرآن وأنذروا به قومهم حيث نطق به قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن PageV03P185 # إلى قوله تعالى ولوا إلى قومهم منذرين وقوله تعالى «يقصون عليكم آياتي» ~~صفة أخرى لرسل محققة لما هو المراد من إرسال الرسل من التبليغ والإنذار وقد ~~حصل ذلك بالنسبة إلى الثقلين «وينذرونكم» بما هو في تضاعيفها من القوارع ~~«لقاء يومكم هذا» يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه ما أعد لهم من أفانين ~~العقوبات الهائلة «قالوا» استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام السابق كأنه ~~قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ الشديد فقيل قالوا «شهدنا على أنفسنا» أي ~~بإتيان الرسل وإنذارهم وبمقابلتهم إياهم بالكفر والتكذيب وباستحقاقهم بسبب ~~ذلك للعذاب المخلد حسبما فصل ي حكاية جوابهم عن سؤال خزنة النار حيث قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال ~~كبير وقد أجمل ههنا في الحكاية كما أجمل في حكاية جوابهم حيث قالوا بلى ~~ولكن ms1092 حقت كلمة العذاب على الكافرين وقوله تعالى «وغرتهم الحياة الدنيا» مع ~~ما عطف عليه اعتراض لبيان ما أداهم في الدنيا إلى ارتكابهم للقبائح التي ~~ارتكبوها وألجأهم بعد ذلك في الآخرة إلى الاعتراف بالكفر واستيجاب العذاب ~~وذم لهم بذلك أي واغتروا في الدنيا بالحياة الدنيئة واللذات الخسيسة ~~الفانية وأعرضوا عن النعيم المقيم الذي بشرت به الرسل واجترءوا على ارتكاب ~~ما يجرهم إلى العذاب المؤبد الذي أنذروهم إياه «وشهدوا» في الآخرة «على ~~أنفسهم أنهم كانوا» في الدنيا «كافرين» أي بالآيات والنذر التي أتى بها ~~الرسل على التفصيل المذكور آنفا واضطروا إلى الاستسلام لأشد العذاب كما ~~ينبئ عنه ما حكى عنهم بقوله تعالى وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير وفيه من تحسيرهم وتحذير السامعين عن مثل صنيعهم ما لا مزيد ~~عليه «ذلك» إشارة إلى ما ذكر من شهادتهم على أنفسهم بالكفر واستيجاب العذاب ~~والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين وهو مبتدأ خبره قوله ~~تعالى «أن لم يكن ربك مهلك القرى» بحذف اللام ى أن أن مصدرية أو مخففة من ~~أن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف وقوله تعالى «بظلم» متعلق إما بمهلك أي ~~بسبب ظلم أو بمحذوف وقع حالا من القرى أي ملتبسة بظلم فإن ملابسة أهلها ~~للظلم ملابسة للقرية له بواسطتهم وأما كونه حالا من ربك أو من ضميره في ~~مهلك كما قيل فيأباه أن غفلة أهلها مأخوذة في معنى الظلم وحقيقته لا محالة ~~فلا يحسن تقييده بقوله تعالى «وأهلها غافلون» والمعنى ذلك ثابت لانتفاء كون ~~ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك القرى بسبب أي ظلم فعلوه من أفراد الظلم ~~قيل أن ينهوا عنه وينبهوا على بطلانه برسول وكتاب وإن قضى به بديهة العقول ~~وينذروا عاقبة جناياتهم أو لولا انتفاء كونه تعالى معذبا لهم قبل إرسال ~~الرسل وإنزال الكتب لما أمكن التوبيخ بما ذكر ولما شهدوا على أنفسهم بالكفر ~~واستيجاب العذاب ولا اعتذروا بعدم إتيان الرسل كما في قوله تعالى ولو أنا ~~أهلكناهم ms1093 بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من ~~قبل أن نذل ونخزى وإنما علل ما ذكر بانتفاء التعذيب الدنيوي الذي هو إهلاك ~~القرى قبل الإنذار مع أن التقريب في تعليله بانتفاء مطلق التعذيب من غير ~~بعث الرسل أتم على ما نطق به قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~لبيان كمال PageV03P186 # نزاهته سبحانه وتعالى عن كلا التعذيبين الدنيوي والأخروي معا من غير ~~إنذار على أبلغ وجه وآكده حيث اقتصر على نفي التعذيب الدنيوي عنه تعالى ~~ليثبت نفي التعذيب الأخروي عنه تعالى على الوجه البرهاني بطريق الأولوية ~~فإنه تعالى حيث لم يعذبهم بعذاب يسير منقطع بدون إنذار فلأن لا يعذبهم ~~بعذاب شديد مخلد أولى وأجلى ولو علل بما ذكر من نفي التعذيب لا نصرف بحسب ~~المقام إلى ما فيه الكلام من نفي التعذيب الأخروي ونفي التعذيب الدنيوي ~~وغير متعرض له لا صريحا ولا دلالة ضرورة أن نفي الأعلى لا يدل على نفي ~~الأدنى ولأن ترتب العذاب الدنيوي على الإنذار عند عدم تأثر المنذرين منه ~~معلوم مشاهد عند السامعين فيستدلون بذلك على أن التعذيب الأخروي أيضا كذلك ~~فينزجرون عن الإخلال بمواجب الإنذار أشد انزجار هذا هو الذي تستدعيه جزالة ~~النظم الكريم وأما جعل ذلك إشارة إلى إرسال الرسل عليهم السلام وإنذارهم ~~وخبر المبتدأ محذوف كما أطبق عليه الجمهور فبمعزل من مقتضى المقام والله ~~سبحانه أعلم «ولكل» أي من المكلفين من الثقلين «درجات» متفاوتة وطبقات ~~متباينة «مما عملوا» من أعمالهم صالحة كانت أو سيئة فإن أعمالهم درجات في ~~أنفسها أو من جزاء أعمالهم فإن كل جزاء مرتبة معينة لهم أو من أجل أعمالهم ~~«وما ربك بغافل عما يعملون» فيخفى عليه عمل من اعمالهم أو قدر ما يستحقون ~~بها من ثواب أو عقاب وقرئ بالتاء تغليبا للخطاب على الغيبة «وربك الغني» ~~مبتدأ وخبر أي هو المعروف بالغني عن كل ما سواه كائنا من كان وما كان فيدخل ~~فيه غناه عن العباد وعن عبادتهم في التعرض لوصف الربوبية في الموضعين ms1094 لا ~~سيما في الثاني لكونه موقع الإضمار مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه ~~وسلم من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم وتنزيه ساحته عن توهم شمول ~~الوعيد الآتي لها أيضا ما لا يخفى وقوله تعالى «ذو الرحمة» خبر آخر أو هو ~~الخبر والغنى صفة أي يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي ~~وفيه تنبيه على أن ما سلف ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد ~~وتمهيد لقوله تعالى «إن يشأ يذهبكم» أي ما به حاجة إليكم إن يشأ يذهبكم ~~أيها العصاة وفي تلوين الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى «ويستخلف من ~~بعدكم» أي من بعد إذهابكم «ما يشاء» من الخلق وإيثار ما على من لإظهار كمال ~~الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء «كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين» أي من ~~نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه الصلاة ~~والسلام لكنه أبقاكم ترحما عليكم وما في كما مصدرية ومحل الكاف النصب على ~~أنه مصدر تشبيهي على غير الصدر فإن يستخلف في معنى ينشئ كأنه قيل وينشىء ~~إنشاء كائنا كإنشائكم الخ أو نعت لمصدر الفعل المذكور أي يستخلف استخلافا ~~كائنا كإنشائكم الخ والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى ~~والرحمة «إن ما توعدون» PageV03P187 # أي الذي توعدونه من البعث وما يتفرع عليه من الأمور الهائلة وصيغة ~~الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي «لآت» لواقع لا محالة كقوله تعالى ~~إن ما توعدون لواقع وإيثاره عليه لبيان كمال سرعة وقوعه بتصويره بصورة طالب ~~حثيث لا يفوته هارب حسبما يعرب عنه قوله تعالى «وما أنتم بمعجزين» أي ~~بفائتين ذلك وإن ركبتم في الهرب متن كل صعب وذلول كما أن إيثار صيغة الفاعل ~~على المستقبل للإيذان بكمال قرب الإتيان والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز ~~لا بيان انتفاء دوام الإعجاز فإن الجملة الاسمية كما تدل على دوام الثبوت ~~تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرف النفي على دوام الانتفاء لا على ~~انتفاء الدوام كما حقق في موضعه ms1095 «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم» إثر ما بين ~~لهم حالهم ومآلهم بطريق الخطاب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق ~~التلوين بأن يواجههم بتشديد التهديد وتكرير الوعيد ويظهر لهم ما هو عليه ~~غاية التصلب في الدين ونهاية الوثوق بأمره وعدم المبالاة بهم أي اعملوا على ~~غاية تمكنكم واستطاعتك يقال نمكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن أو على جهتكم ~~وحالتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة وقرئ مكاناتكم ~~والمعنى اثبتوا على كفرهم ومعاداتكم «إني عامل» ما أمرت به من الثبات على ~~الإسلام والاستمرار على الأعمال الصالحة والمصابرة وإيراد التهديد بصيغة ~~الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعا عليه فيحمله بالأمر ~~على ما يؤدي إليه وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالذي أمر به ~~بحيث لا يجد إلى التقصي عنه سبيلا «فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار» ~~سوف لتأكيد مضمون الجملة والعلم عرفاني ومن إما استفهامية معلقة لفعل العلم ~~محلها الرفع على الابتداء وتكون باسمها وخبرها خبر لها وهي مع خبرها في محل ~~نصب لسدها مسد مفعول تعلمون أي فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة الحسنى ~~التي خلق الله تعالى هذه الديار لها وإما موصولة فمحلها النصب على أنها ~~مفعول لتعلمون أي فسوف تعلمون الذي له عاقبة الدار وفيه مع الإنذار إنصاف ~~في المقال وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره وقرئ بالياء لأن تأنيث ~~العاقبة غير حقيقي «أنه» أي الشأن «لا يفلح الظالمون» وضع الظلم موضع الكفر ~~إيذانا بأن امتناع الفلاح يترتب على أي فرد كان من أفراد الظلم فما ظنك ~~بالكفر الذي هو أعظم أفراده «وجعلوا» شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية ~~أقوالهم وأفعالهم الشنيعة مشركوا العرب كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج ~~لله تعالى وأشياء منهما لآلهتهم فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكيا ناميا ~~يزيد في نفسه خيرا رجعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه ~~معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لحب آلهتهم وإيثارهم لها ms1096 والجعل إما ~~متعد إلى واحد فالجاران في قوله تعالى PageV03P188 # «لله مما ذرأ» متعلقان به ومن في قوله تعالى «من الحرث والأنعام» بيان ~~لما وفيه تنبيه على فرط جهالتهم حيث أشركوا الخالق في خلقه جمادا لا يقدر ~~على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزكي له أي عينوا له تعالى مما خلقه من ~~الحرث والأنعام «نصيبا» يصرفونه إلى الضيفان والمساكين وتأخيره عن ~~المجرورين لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وإما إلى ~~مفعولين أولهما مما ذرأ على أن من تبعيضية أي جعلوا بعض ما خلقه نصيبا له ~~وما قيل من أن الأول نصيبا والثاني لله لا يساعده سداد المعنى وحكاية جعلهم ~~له تعالى نصيبا تدل على أنهم جعلوا لشركائهم أيضا نصيبا ولم يذكر اكتفاء ~~بقوله تعالى «فقالوا هذا لله» بزعمهم «وهذا لشركائنا» وقرئ بضم الزاء وهو ~~لغة فيه وإنما قيد به الأول للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس يجعل الله ~~تعالى غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغي بها وجه الله تعالى ~~لا لما قيل من أنه للتنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به ~~فإن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني ويجوز أن يكون ذلك تمهيدا ~~لما بعده على معنى أن قولهم هذا لله مجرد زعم منهم لا يعملون بمقتضاه الذي ~~هو اختصاصه به تعالى فقوله تعالى «فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما ~~كان لله فهو يصل إلى شركائهم» بيان وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا ~~يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لله تعالى من قرى الضيفان ~~والتصدق على المساكين وما عينوه لله تعالى إذا وجدوه زاكيا يصرف إلى الوجوه ~~التي يصرف إليها ما عينوه لآلهتهم من إنفاق عليها وذبح نسائك عندها ~~والإجراء على سدنتها ونحو ذلك «ساء ما يحكمون» فيما فعلوا من إيثار ى لهتهم ~~على الله تعالى وعملهم بما لم يشرع لهم وما بمعنى الذي والتقدير ساء الذي ~~يحكمون حكمهم فيكون حكمهم مبتدأ وما ms1097 قبله الخبر وحذف لدلالة يحكمون عليه ~~«وكذلك» ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله تعالى ~~وبين آلهتهم أو مثل ذلك التزيين البليغ المعهود من الشياطين «زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم» بوأدهم ونحرهم لآلهتهم كان الرجل يحلف في الجاهلية ~~لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب وهو مشهور «شركاؤهم» ~~أي أولياؤهم من الجن أو من السدنة وهو فاعل زين أخر عن الظرف والمفعول لما ~~مر غير مرة وقرئ على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر ~~الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولا بينهما بمفعوله وقرئ على البناء للمفعول ~~ورفع قتل وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زين كأنه لما قيل ~~زين لهم قتل أولادهم قيل من زينه فقيل زينه شركاؤهم «ليردوهم» أي يهلكوهم ~~بالإغواء «وليلبسوا عليهم دينهم» وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين ~~إسماعيل عليه السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان ~~التزيين من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة «ولو شاء الله» أي عدم ~~فعلهم ذلك «ما فعلوه» أي ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل أو الشركاء ~~التزيين أو الإرداء واللبس أو الفريقان جميع ذلك على إجراء الضمير مجرى اسم ~~الإشارة «فذرهم وما يفترون» الفاء PageV03P189 # فصيحة أي إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم أو وما ~~يفترونه من الإفك فإن فيما شاء الله تعالى حكما بالغة إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى «وقالوا» ~~حكاية لنوع آخر من أنواع كفرهم «هذه» إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم والتأنيث ~~للخبر «أنعام وحرث حجر» اي حرام فعل بمعنى مفعول كالذبح يستوي فيه الواحد ~~والكثير والذكر والأنثى لأن أصله المصدر ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث وقرئ ~~حجر بالضم وبضمتين وحرج أي ضيق وأصله حرج وقيل هو مقلوب من حجر «لا يطعمها ~~إلا من نشاء» يعنون خدم الأوثان من الرجال دون النساء والجملة صفة أخرى ~~لأنعام ms1098 وحرث بزعمهم متعلق بمحذوف هو حال من فاعل قالوا أي قالوه ملتبسين ~~بزعمهم الباطل من غير حجة «وأنعام» خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على ~~قوله تعالى هذه أنعام الخ أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم وهذه ~~أنعام «حرمت ظهورها» يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي «وأنعام» أي وهذه ~~أنعام كما مر وقوله تعالى «لا يذكرون اسم الله عليها» صفة لأنعام لكنه غير ~~واقع في كلامهم المحكي كنظائره بل مسوق من جهته تعالى تعيينا للموصوف ~~وتمييزا له عن غيره كما في قوله تعالى وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله على أحد التفاسير كأنه قيل وانعام ذبحت على الأصنام فإنها ~~التي لا يذكر عليها اسم الله وإنما يذكر عليها اسم الأصنام وقيل لا يحجون ~~عليها فإن الحج لا يعرى عن ذكر الله تعالى وقال مجاهد كانت لهم طائفة ما ~~أنعامهم لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا إن ~~حلبوا ولا إن نتجوا ولا إن باعوا ولا إن حملوا «افتراء عليه» نصب على ~~المصدر إما على أن ما قالوه تقول على الله تعالى وإما على تقدير عامل من ~~لفظه أي افتروا افتراء والجار متعلق بقالوا أو بافتروا المقدر أو بمحذوف هو ~~صفة له لا بافتراء لأن المصدر المؤكد لا يعمل أو على الحال من فاعل قالوا ~~أي مفترين أو على العلة أي للافتراء فالجار متعلق به «سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون» أي بسببه أو بدله وفي إبهام الجزاء من التهويل ما لا يخفى «وقالوا» ~~حكاية لفن آخر من فنون كفرهم «ما في بطون هذه الأنعام» يعنون به أجنة ~~البحائر والسوائب «خالصة لذكورنا» حلال لهم خاصة والتاء للنقل إلى الاسمية ~~أو للمبالغة أو لأن الخالصة مصدر كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بحذف ~~المضاد أي ذو خالصة أو للتأنيث بناء على أن ما عبارة عن الآجنة والتذكير في ~~قوله تعالى «ومحرم على أزواجنا» أي جنس أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ ~~وفيه كما ترى حمل ms1099 للنظم الكريم على خلاف المعهود الذي هو الحمل على اللفظ ~~ولا على المعنى ثانيا كما في قوله تعالى ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على ~~قلوبهم الخ ونظائره وأما العكس فقد PageV03P190 # قالوا إنه لا نظير له في القرآن وهذا الحكم منهم إن ولد ذلك حيا وهو ~~الظاهر المعتاد «وإن يكن ميتة» اي إن ولدت ميتة «فهم» أي الذكور والإناث ~~«فيه» أي فيما في بطون الأنعام وقيل المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى ~~فغلب الأول على الثاني «شركاء» يأكلون منه جميعا وقرئ خالصة بالنصب على أنه ~~مصدر مؤكد والخبر لذكورنا أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ~~ذكورنا ولا من الذكور لأنه لا يتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبه ~~المجرور وقرئ خالصة بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من ما أو مبتدأ ~~ثان «سيجزيهم وصفهم» أي جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى في أمر التحليل ~~والتحريم من قوله تعالى وتصف ألسنتهم الكذب «إنه حكيم عليم» تعليل للوعيد ~~بالجزاء فإن الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من ~~مقتضيات الحكمة «قد خسر الذين قتلوا أولادهم» جواب قسم محذوف وقرئ بالتشديد ~~وهم ربيعة ومضر وأضرابهم من العرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي ~~والفقر أي خسروا دينهم ودنياهم «سفها بغير علم» متعلق بقتلوا على أنه علة ~~له أي لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله هو الرزاق لهم ولأولادهم أو نصب على ~~الحال ويؤيده أنه قرىء سفهاء أو مصدر «وحرموا ما رزقهم الله» من البحائر ~~والسوائب ونحوهما «افتراء على الله» نصب على أحد الوجوه المذكورة وإظهار ~~الاسم الجليل في موقع الإضمار لإظهار كمال عتوهم وطغيانهم «قد ضلوا» عن ~~الطريق المستقيم «وما كانوا مهتدين» إليه وإن هدوا بفنون الهدايات أو وما ~~كانوا مهتدين من الأصل لسوء سيرتهم فالجملة حينئذ اعتراض وعلى الأول عطف ~~على ضلوا «وهو الذي أنشأ جنات معروشات» تمهيد لما سيأتي من تفصيل أحوال ~~الأنعام أي هو الذي أنشأهن من غير شركة لأحد في ذلك ms1100 بوجه من الوجوه ~~والمعروشات من الكروم المرفوعات على ما يحملها «وغير معروشات» وهن الملقيات ~~على وجه الأرض وقيل المعروشات ما غرسه الناس وعرشوه وغير المعروشات ما نبت ~~في البوادي والجبال «والنخل والزرع» عطف على جنات أي أنشأهما «مختلفا أكله» ~~وقرئ أكله بسكون الكاف أي ثمره الذي يؤكل في الهيئة والكيفية والضمير إما ~~للنخل والزرع داخل في حكمه أو للزرع والباقي مقيس عليه أو للجميع على تقدير ~~أكل ذلك أو كل واحد منهما ومختلفا مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء «والزيتون ~~والرمان» أي أنشأهما وقوله تعالى «متشابها وغير متشابه» نصب على الحالية أي ~~يتشابه بعض PageV03P191 # أفرادهما في اللون والهيئة أو الطعم ولا يتشابه بعضها «كلوا من ثمره» أي ~~من ثمر كل واحد من ذلك «إذا أثمر» وإن لم يدرك ولم يينع بعد وقيل فائدته ~~رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى «وآتوا حقه يوم حصاده» ~~أريد به ما كان يتصدق به يوم الحصاد بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار لا ~~الزكاة المقدرة فإنها فرضت بالمدينة والسورة مكية وقيل الزكاة والآية مدنية ~~والأمر بإيتائها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ حتى لا يؤخر عن وقت الأداء ~~وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتصفية وقرئ يوم حصاده بمكسر الحاء وهو لغة ~~فيه «ولا تسرفوا» أي في التصدق كما روي عن ثابت بن قيس أنه صرم خمسمائة ~~نخلة ففرق ثمرها كلها ولم يدخل منه شيئا إلى منزله كقوله تعالى ولا تبسطها ~~كل البسط الآية «إنه لا يحب المسرفين» أي لا يرتضي إسرافهم «ومن الأنعام ~~حمولة وفرشا» شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقولوا على الله تعالى ~~في شأنها بالتحريم والتحليل وهو عطف على مفعول أنشأ ومن متعلقة به أي وأنشأ ~~من الأنعام ما يحمل عليه الأثقال وما يفرش للذبح أو ما يفرش المصنوع من ~~شعره وصوفه ووبره وقيل الكبار الصالحة للحمل والصغار الدانية من الأرض ~~كأنها فرش مفروش عليها «كلوا مما رزقكم الله» ما عبارة عما ذكر من الحمولة ~~والفرش ومن تبعيضية ms1101 أي كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى أي حلاله وفيه تصريح ~~بأن إنشاءها لأجلهم ومصلحتهم «ولا تتبعوا» في أمر التحليل والتحريم بتقليد ~~أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه «خطوات ~~الشيطان» فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم «إنه لكم عدو مبين» ظاهر ~~العداوة «ثمانية أزواج» الزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل ~~والمراد بها الأنواع الأربعة وإيرادها بهذا العنوان وهذا العدد تمهيد لما ~~سيق له الكلام من الإنكار المتعلق بتحريم كل واحد من الذكر والأنثى وبما في ~~بطنها وهو بدل من حمولة وفرشا منصوب بما نصبهما وجعله مفعولا لكلوا على أن ~~قوله تعالى ولا تتبعوا الآية معترض بينهما أو حالا من ما بمعنى مختلفة أو ~~متعددة يأباه جزالة النظم الكريم لظهور انه مسوق لتوضيح حال الأنعام ~~بتفصيلها أولا إلى حمولة وفرش ثم بتفصيلها إلى ثمانية أزواج حاصلة من تفصيل ~~الأولى إلى الإبل والبقر وتفصيل الثاني إلى الضأن والمعز ثم تفصيل كل من ~~الأقسام الأربعة إلى الذكر والأنثى كل ذلك لتحرير المواد التي تقولوا فيها ~~عليه سبحانه وتعالى بالتحليل والتحريم ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم ~~في كل مادة من تلك المواد بتوجيه الإنكار إليها مفصلة واثنين في قوله ~~سبحانه وتعالى «من الضأن اثنين» بدل من ثمانية أزواج منصوب بناصبه وهو ~~العامل في من أي أنشأ من الضأن زوجين الكبش والنعجة PageV03P192 # وقرئ اثنان على الابتداء والضأن اسم جنس كالإبل وجمعه ضئين كأمير أو جمع ~~ضائن كتاجر وتجر وقرئ بفتح الهمزة «ومن المعز اثنين» عطف على مثله شريك له ~~في حكمه أي وأنشأ من المعز زوجين التيس والعنز وقرئ بفتح العين وهو جمع ~~ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس وقرئ ومن المعزى وهذه الأزواج الأربعة تفصيل ~~للفرش ولعل تقديمها في التفصيل مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين ~~عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق به الحل والحرمة وهو السر في الاقتصار ~~على الأمر به في قوله تعالى كلوا مما رزقكم الله من غير تعرض للانتفاع ms1102 ~~بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها «قل» تلوين للخطاب ~~وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر تفصيل أنواع الأنعام التي ~~أنشأها قل تبكيتا لهم وإظهارا لانقطاعهم عن الجواب «آلذكرين» من ذينك ~~النوعين وهما الكبشين والتيس «حرم» أي الله عز وجل كما تزعمون أنه هو ~~المحرم «أم الأنثيين» هما النعجة والعنز نصب آلذكرين والأنثيين بحرم وهو ~~مؤخر عنهما بحسب المعنى وإن توسط بينهما صورة وكذا قوله تعالى «أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين» أي ما حملت إناث النوعين حرم ذكرا كان أو أنثى وقوله ~~تعالى «نبئوني بعلم» الخ تكرير للإلزام وتثنية للتبكيت والإفحام أي أخبروني ~~بأمر معلوم من جهة الله تعالى من الكتاب أو أخبار الأنبياء يدل على أنه ~~تعالى حرم شيئا مما ذكر أو نبئوني تنبئة ملتبسة بعلم صادرة عنه «إن كنتم ~~صادقين» أي في دعوى التحريم عليه سبحانه وقوله تعالى «ومن الإبل اثنين» عطف ~~على قوله تعالى من الضأن اثنين أي وأنشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة ~~«ومن البقر اثنين» ذكر واثنى «قل» إفحاما لهم في أمر هذين النوعين أيضا ~~«آلذكرين» منهما «حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين» من ذينك ~~النوعين والمعنى إنكار أن الله سبحانى حرم عليهم شيئا من الأنواع الأربعة ة ~~إظهار كذبهم في ذلك وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها ~~للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم كانوا ~~يحرمون من ذكر الأنعام تارة وأولادها كيفما كانت تارة أخرى مسندين ذلك كله ~~إلى الله سبحانه وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعي الصغار ونوعي الكبار بما ~~ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التبكيت بإيراد الأمر عقيب تفصيل ~~أنواع الأربعة بأن يقال قل آلذكور حرم أو الإناث أم ما اشتملت عليه أرحام ~~الإناث لما في التثنية والتكرير من المبالغة في التبكيت والإلزام وقوله ~~تعالى «أم كنتم شهداء» تكرير للإفحام كقوله تعالى نبئوني بعلم وأم منقطعة ~~ومعنى الهمزة الإنكار والتوبيخ ومعنى بل ms1103 الإضراب بما ذكر إلى التوبيخ بوجه ~~PageV03P193 # أخرى بل كنتم حاضرين مشاهدين «إذ وصاكم الله بهذا» أي حين وصاكم بهذا ~~الترحيم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا طريق لكم حسبما يقود إليه مذهبكم إلى ~~معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة والسماع وفيه من تركيك عقولهم والتهكم بهم ما ~~لا يخفى «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا» فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ~~والمراد كبراؤهم والمقررون لذلك أو عمر بن لحى بن قمعة وهو المؤسس لهذا ~~الشر أو الكل لاشتراكهم في الافتراء عليه سبحانه وتعالى فأي طريق أظلم من ~~فريق افتروا الخ ولا يقدح في أظلمية الكل كون بعضهم مخترعين له وبعضهم ~~مقتدين بهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما سبق من تبكيتهم وإظهار كذبهم ~~وافترائهم أي هو أظلم من كل ظالم وإن كان المنفي صريحا الأظلمية دون ~~المساواة كما مر غير مرة «ليضل الناس» متعلق بالافتراء «بغير علم» متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من فاعل افترى أي افترى عليه تعالى بصدور التحريم منه ~~تعالى وإنما وصفوا بعد العلم بذلك مع أنهم عالمون بعدم صدوره عنه تعالى ~~إيذانا بخروجهم في الظلم عن الحدود والنهايات فإن من افترى عليه تعالى بغير ~~علم بصدوره عنه تعالى مع احتمال الصدور عنه إذا كان أظلم من كل ظالم فما ~~ظنك بمن افترى عليه تعالى وهو يعلم أنه لم يصدر عنه ويجوز أن يكون حالا من ~~فاعل يضل أي ملتبسا بغير علم بما يؤدى بهم إليه «إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين» كائنا من كان إلى ما فيه صلاح حالهم عاجلا أو آجلا وإذا كان هذا ~~حال المتصفين بالظلم في الجملة فما ظنك بمن هو في أقصى غاياته «قل» أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم وبيان أن ما ~~يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت لا أصل له قطعا بأن يبين لهم ما حرمه ~~عليهم وفي قوله تعالى «لا أجد فيما أوحي إلي محرما» إيذان بأن مناط الحل ~~والحرمة هو الوحي وأنه صلى الله ms1104 عليه وسلم قد تتبع في جميع ما أوحي إليه ~~وتفحص عن المحرمات فلم يجد غير ما فصل وفيه مبالغة في بيان انحصارها في ذلك ~~ومحرما صفة لمحذوف أي لا أجد ريثما تصفحت ما أوحي إلي طعاما محرما من ~~المطاعم التي حرموها «على طاعم» أي أي طاعم كان من ذكر أو أنثى ردا على ~~قولهم محرم على أزواجنا وقوله تعالى لزيادة التقرير «إلا أن يكون» أي ذلك ~~الطعام «ميتة» وقرئ تكون بالتاء لتأنيث الخبر وقرئ ميتة بالرفع على أن كان ~~تامة وقوله تعالى «أو دما مسفوحا» حينئذ عطف على أن مع ما في حيزه أي إلا ~~وجود ميتة أو دما مسفوحا أي مصبوبا كالدماء التي في العروق لا كالطحال ~~والكبد «أو لحم خنزير فإنه» أي الخنزير «رجس» أي لحمه قذر لتعوده أكل ~~النجاسات أو خبيث «أو فسقا» عطف على لحم خنزير وما بينهما اعتراض مقرر ~~لحرمته «أهل لغير الله به» صفة له موضحة أي ذبح على اسم الأصنام وإنما سمي ~~ذلك فسقا لتوغله في الفسق ويجوز أن يكون فسقا مفعولا له لأهل وهو عطف على ~~يكون والمستكن راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون «فمن اضطر» أي ~~PageV03P194 # أصابه الضرورة الداعية إلى أكل الميتة بوجه من الوجوه المضطرة «غير باغ» ~~في ذلك على مضطر آخر مثله «ولا عاد» قدر الضرورة «فإن ربك غفور رحيم» مبالغ ~~في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك وليس التقييد بالحال الأولى لبيان أنه ~~لو لم يوجد القيد لتحققت الحرمة المبحوث عنها بل للتحذير من حرام آخر هو ~~أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم الميتة من يد مضطر آخر فأكله فإن حرمته ~~ليست باعتبار كونه لحم الميتة بل باعتبار كونه حقا للمضطر الآخر وأما الحال ~~الثاني فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعا فإن التجاوز عن القدر الذي ~~يسد به الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة ~~إيذان بأن المعصية باقية لكنه تعالى يغفر له ويرحمه والآية محكمة لأنها تدل ~~على أنه ms1105 صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه في تلك الغاية غيره ولا ~~ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شئ آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ ~~الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء التي هي غيرها إلا مع الاستصحاب ~~«وعلى الذين هادوا» خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين «حرمنا كل ذي ~~ظفر» أي كل ما له أصبع من الإبل والسباع والطيور وقيل كل ذي مخلب وحافر ~~وسمي الحافر ظفرا مجازا والمسبب عن الظلم هو تعميم التحريم حيث كان بعض ~~ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم كلها وهذا تحقيق لما سلف من ~~حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك ~~فإنهم كانوا يقولون لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح ~~وإبراهيم من بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا «ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما» لا لحومهما فإنها باقية على الحل والشحوم الثروب وشحوم الكلى ~~والإضافة لزيادة الربط «إلا ما حملت ظهورهما» استثناء من الشحوم ومخرج لما ~~علق من الشحم بظهورهما عن حكم التحريم «أو الحوايا» عطف على ظهورهما أي ما ~~حملته الحوايا وهي جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حوية كسفينة ~~وسفائن «أو ما اختلط بعظم» عطف على ما حملت وهو شحم الألية واختلاطه بالعظم ~~اتصاله بعجب الذنب وقيل هو كل شحم متصل بالعظم من الأضلاع وغيرها «ذلك» ~~إشارة إلى الجزاء والتحريم فهو على الأول نصب على أنه مصدر مؤكد لما بعده ~~وعلى الثاني على أنه مفعول ثان له أي ذلك التحريم «جزيناهم ببغيهم» بسبب ~~ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأكلهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل كقوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك ~~ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم فرد ذلك عليهم وأكد بقوله تعالى «وإنا ~~لصادقون» أي في جميع أخبارنا التي من حملتها هذا ms1106 الخبر ولقد ألقمهم الحجر ~~قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتوا ولم يجسروا أن PageV03P195 # يخرجوا التوراة وكيف وقد بين فيها جميع ما يحذرون وأوضح بيان «فإن كذبوك» ~~قيل الضمير لليهود لأنهم أقرب ذكرا ولذكر المشركين بعد ذلك بعنوان الإشراك ~~وقيل للمشركين فالمعنى على الأول إن كذبتك اليهود في الحكم المذكور وأصروا ~~على ما كانوا عليه من ادعاء قدم التحريم «فقل» لهم «ربكم ذو رحمة واسعة» لا ~~يؤاخذكم لكل ما تأتونه من المعاصي ويمهلكم على بعضها «ولا يرد بأسه» ~~بالكلية «عن القوم المجرمين» فلا تنكروا ما وقع منه تعالى من تحريم بعض ~~الطيبات عليكم عقوبة وتشديدا وعلى الثاني فإن كذبك المشركون يما فصل من ~~أحكام التحليل والتحريم فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة لا يعاجلكم بالعقوبة ~~على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال وقيل ذو رحمة للمطيعين ~~وذو بأس شديد على المجرمين فأقيم مقامه قوله تعالى ولا يرد بأسه الخ لتضمنه ~~التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة أنه لا حق بهم البتة من غير صارف ~~يصرفه عنهم أصلا «سيقول الذين أشركوا» حكاية لفن آخر من كفرهم وإخباره قبل ~~وقوعه ثم وقوعه حسبما أخبر به كما يحكيه قوله تعالى عند وقوعه وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء صريح في أنه من عند الله «لو ~~شاء الله ما أشركنا» أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء لما فعلنا الإشراك ~~نحن «ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء» أرادوا به أن ما فعلوه حق مرضي عند الله ~~تعالى لا الاعتذار من ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله تعالى إياها منهم حتى ~~ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزل ألا يرى إلى قوله تعالى «كذلك كذب الذين من ~~قبلهم» أي مثل ما كذبك هؤلاء في أنه تعالى منع من الشرك ms1107 ولم يحرم ما حرموه ~~كذب متقدموهم الرسل فإنه صريح فيما قلنا وعطف آباؤنا على الضمير للفصل بلا ~~«حتى ذاقوا بأسنا» الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم «قل هل عندكم من علم» من أمر ~~معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم «فتخرجوه لنا» أي فتظهروه لنا «إن ~~تتبعون إلا الظن» أي ما تتبعون في ذلك إلا الظن الباطل الذي لا يغني من ~~الحق شيئا «وإن أنتم إلا تخرصون» تكذبون على الله عز وجل وليس فيه دلالة ~~على المنع من اتباع الظن على الإطلاق بل فيما يعارضه قطعي «قل فلله الحجة ~~البالغة» الفاء جواب شرط محذوف أي قد ظهر أن لا حجة لكم فلله الحجة البالغة ~~أي البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات أو بلغ بها صاحبها صحة ~~دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان وهي من الحجج بمعنى القصد كأنها ~~تقصد إثبات الحكم وتطلبه «فلو شاء» هدايتكم جميعا «لهداكم أجمعين» بالتوفيق ~~لها والحمل عليها لكن PageV03P196 # لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض الصارفين هممهم إلى سلوك طريق الحق ~~وضلال آخرين صرفوا اختيارهم إلى خلاف ذلك من غير صارف يلويهم ولا عاطف ~~يثنيهم «قل هلم شهداءكم» أي أحضروهم وهو اسم فعل لا يتصرف على لغة أهل ~~الحجاز وفعل يؤنث ويجمع على لغة بني تميم على رأي الجمهور وقد خالفهم البعض ~~في فعليته وليس بشيء وأصله عند البصريين هالم من لم إذا قصد حذفت الألف ~~لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل وعند الكوفيين هل أم فحذفت الهمزة ~~بإلقاء حركتها على اللام وهو بعيد لأن هل تدخل الأمر ويكون متعديا كما في ~~الآية ولازما كمال في قوله تعالى هلم إلينا «الذين يشهدون أن الله حرم هذا» ~~وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم وإنما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر ~~بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم ولذلك قيد الشهداء ~~بالإضافة ووصفوا بما يدل على انهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وبنصرة ~~مذهبهم «فإن شهدوا» بعد ما حضروا بأن الله حرم هذا «فلا تشهد معهم» أي فلا ~~تصدقهم فإنه ms1108 كذب بحت وافتراء صرف وبين لهم فساده فإن تسليمه منهم موافقة ~~لهم في الشهادة الباطلة «ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا» من وضع ~~المظهر مقام المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله تعالى وعدل به غيره ~~فهو متبع للهوى لا غير وأن من اتبع الحجة لا يكون إلا مصدقا بها «والذين لا ~~يؤمنون بالآخرة» كعبدة الأوثان عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على ~~الصفة مع اتحاد الموصوف كما في قوله [إلى الماجد القرم وابن الهما * م وليث ~~الكتائب في المزدحم] فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس ~~«وهم بربهم يعدلون» أي يجعلون له عديلا بلا عطف على لا يؤمنون والمعنى لا ~~تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين ~~الإشراك به سبحانه لكن لا على أن يكون مدار النهي الجمع المذكور بل على أن ~~أولئك جامعون لها متصفون بكلها «قل تعالوا» لما ظهر بطلان ما ادعوا من أن ~~إشراكهم وإشراك آبائهم وتحريم ما حرموه بأمر الله تعالى ومشيئته بظهور ~~عجزهم عن إخراج شيء يتمسك به في ذلك وإحضار شهداء يشهدون بما ادعوا في أمر ~~التحريم بعد ما كلفوه مرة بعد أخرى عجزا بينا أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يبين لهم من المحرمات ما يقتضي الحال بيانه على الأسلوب الحكيم ~~إيذانا بأن حقهم الاجتناب عن هذه المحرمات وأما الأطعمة المحرمة فقد بينت ~~بقوله تعالى قل لا أجد الآية وتعالى أمر من التعالي والأصل فيه أن يقله من ~~في مكان PageV03P197 # عال لمن هو في أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم كما أن الغنيمة في الأصل ~~إصابة الغنم من العدو ثم استعملت في إصابة كل ما يصاب منهم اتساعا في الفوز ~~بكل مكلب من غير مشقة «أتل» جواب الأمر وقوله تعالى «ما حرم ربكم» منصوب به ~~على أن ما موصولة والعائد محذوف أي اقرأ الذي حرمه ربكم أي الآيات المشتملة ~~عليه أو مصدرية أي الآيات المشتملة على تحريمه أو يحرم على أنها ms1109 استفهامية ~~والجملة مفعول لأتل لأن التلاوة من باب القول كأنه قيل أقل أي شيء حرم ربكم ~~«عليكم» متعلق بحرم على كل حال وقيل بأتل والأول أنسب بمقام الاعتناء ~~بإيجاب الانتهاء عن المحرمات المذكورة وهو السر في التعرض لعنوان الربوبية ~~مع الإضافة إلى ضميرهم فإن تذكير كونه تعالى ربا لهم ومالكا لأمرهم على ~~الإطلاق من أقوى الدواعي إلى انتهائهم عما نهاهم عنه أشد انتهاء وأن في ~~قوله تعالى «ألا تشركوا به» مفسرة لفعل التلاوة المعلق بما حرم ولا ناهية ~~كما ينبئ عنه عطف ما بعده من الأوامر والنواهي عليه وليس من ضرورة كون ~~المعطوف عليه تفسير تلاوة المحرمات بحسب منطوقه كون المعطوفات أيضا كذلك ~~حتى يمتنع انتظام الأوامر في سلك العطف عليه بل يكفي في ذلك كونها تفسيرا ~~لها باعتبار لوازمها التي هي النواهي المتعلقة بأضداد ما تعلقت به فإن ~~الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده بل هو عينه عند البعض كأن الأوامر ذكرت ~~وقصد لوازمها فإن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد أن المفسرة لتلاوة ~~المحرمات مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرما دليل واضح على أن التحريم ~~راجع إلى الأضداد على الوجه المذكور فكأنه قيل أتل ما حرم ربكم أن لا ~~تشركوا ولا تسيئوا إلى الوالدين خلا أنه قد أخرج مخرج الأمر بالإحسان ~~إليهما بين النهيين المكتنفين له للمبالغة في إيجاب مراعاة حقوقهما فإن ~~مجرد ترك الإساءة إليهما غير كاف في قضاء حقوقهما ولذلك عقب به النهي عن ~~الإشراك الذي هو أعظم المحرمات وأكبر الكبائر ههنا وفي سائر المواقع وقيل ~~أن ناصبة ومحلها النصب بعليكم على أنه للإغراء وقيل النصب على البدلية مما ~~حرم وقيل من عائدها المحذوف على أن لا زائدة وقيل الجر بتقدير اللام وقيل ~~الرفع بتقدير المتلو أن لا تشركوا أو المحرم أن لا تشركوا بزيادة لا وقيل ~~والذي عليه التعويل هو الأول لأمور من جملتها أن في إخراج المفسر على صورة ~~النهي مبالغة في بيان التحريم وقوله تعالى «شيئا» نصب على المصدرية أو ~~المفعولية ms1110 أي لا تشركوا به شيئا من الإشراك أو شيئا من الأشياء ~~«وبالوالدين» اي وأحسنوا بهما «إحسانا» وقد مر تحقيقه «ولا تقتلوا أولادكم» ~~تكليف متعلق بحقوق الأولاد عقب به التكليف المتعلق بحقوق الوالدين أي لا ~~تقتلوهم بالوأد «من إملاق» أي من أجل فقر كما في قوله تعالى خشية إملاق ~~وقيل هذا في الفقر الناجز وذا في المتوقع وقوله تعالى «نحن نرزقكم وإياهم» ~~استئناف مسوق لتعليل النهي وإبطال سببية ما اتخذوه سببا لمباشرة المنهي عنه ~~وضمان منه تعالى لأرزاقهم أي نحن نرزق الفريقين لا أنتم فلا تخافوا الفقر ~~بناء على عجزكم عن تحصيل الرزق وقوله تعالى «ولا تقربوا الفواحش» كقوله ~~تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة الآية إلا أنه جئ ههنا بصيغة الجمع ~~قصدا إلى النهي عن أنواعها ولذلك ابدل عنها قوله تعالى «ما ظهر منها وما ~~بطن» أي ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم وما يفعل سرا ~~باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم وتعليق النهي بقربانها إما للمبالغة في ~~الزجر PageV03P198 # عنها لقوة الدواعي إليها وإما لأن قربانها داع إلى مباشرتها وتوسيط النهي ~~عنها بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن القتل مطلقا كما وقع في سورة بني ~~إسرائيل باعتبار أنها مع كونها في نفسها جناية عظيمة في حكم قتل الأولاد ~~فإن أولاد الزنا في حكم الأموات وقد قال صلى الله عليه وسلم في حق العزل إن ~~ذاك وأد خفي ومن ههنا تبين أن حمل الفواحش على الكبائر مطلقا وتفسير ما ظهر ~~منها وما بطن بما فسر به ظاهر الإثم وباطنه فيما سلف من قبيل الفصل بين ~~الشجر ولحائه «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله» أي حرم قتلها بأن عصمها ~~بالإسلام أو بالعهد فيخرج منها الحربي وقوله تعالى «إلا بالحق» استثناء ~~مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم ~~بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها وذلك بالكفر بعد الإيمان والزنا بعد ~~الإحصان وقتل النفس المعصومة أو من أعم الأسباب أي لا ms1111 تقتلوها بسب من ~~السباب إلا بسبب الحق وهو ما ذكر أو من أعم المصادر أي لا تقتلوها قتلا ما ~~إلا قتلا كائنا بالحق وهو القتل بأحد الأمور المذكورة «ذلكم» إشارة إلى ما ~~ذكر من التكاليف الخمسة وما في ذلك من معنى البعد للإيذان بعلو طبقاتها من ~~بين التكاليف الشرعية وهو مبتدأ وقوله تعالى «وصاكم به» أي أمركم به ربكم ~~أمرا مؤكدا خبره والجملة استئناف جئ به تجديدا للعهد وتأكيدا لإيجاب ~~المحافظة على ما كلفوه ولما كانت الأمور المنهي عنها مما تقضي بديهة العقول ~~بقبحها فصلت الآية الكريمة بقوله تعالى «لعلكم تعقلون» أي تستعملون عقولكم ~~التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة «ولا تقربوا مال ~~اليتيم» توجيه النهي إلى قربانه لما مر من المبالغة في النهي عن أكله ~~ولإخراج القربان النافع عن حكم النهي بطريق الاستثناء أي لا تتعرضوا له ~~بوجه من الوجوه «إلا بالتي هي أحسن» إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يكون من ~~الحفظ والتئمير ونحو ذلك والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى «حتى يبلغ ~~أشده» فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل احفظوه حتى يصير ~~بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه كما في قوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم والأشد جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد ككلب وأكلب أو شد ~~كصر وآصر وقيل هو مفرد كآنك «وأوفوا الكيل والميزان بالقسط» أي بالعدل ~~والتسوية «لا نكلف نفسا إلا وسعها» إلا ما يسعها ولا يعسر عليها وهو اعتراض ~~جئ به عقيب الأمر بالعدل للإيذان بأن مراعاة العدل كما هو عسير كأنه قيل ~~عليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم «وإذا قلتم» قولا في حكومة أو ~~شهادة أو نحوهما «فاعدلوا» فيه «ولو كان» أي المقول له أو عليه «ذا قربى» ~~إذ ذا قرابة منكم ولا تميلوا نحوهم أصلا وقد مر تحقيق معنى لو في مثل هذا ~~الموضع مرارا «وبعهد الله أوفوا» أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة أو أي ~~عهد كان فيدخل فيه ما ms1112 ذكر PageV03P199 # دخولا أوليا أو منا عاهدتم الله عليه من الايمان والنذور وتقديمه ~~للاعتناء بشأنه «ذلكم» إشارة إلى ما فصل من التكاليف ومعنى البعد لما ذكر ~~فيما قبل «وصاكم به» أمركم به أمرا مؤكدا «لعلكم تذكرون» تتذكرون ما في ~~تضاعيفه وتعلمون بمقتضاه وقرئ بمقتضاه وقرئ بتشديد الذال وهذه أحكام عشرة ~~لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار عن ابن عباس رضي الله عنهما هذه آيات ~~محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم ~~الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار وعن كعب الأحبار والذي ~~نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل ~~تعالوا الآيات «وأن هذا صراطي» إشارة إلى ما ذكر في الآيتين من الأمر ~~والنهي قاله مقاتل وقيل إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات ~~التوحيد والنبوة وبيان الشريعة وقرئ صراطي بفتح الياء ومعنى إضافته إلى ~~ضميره صلى الله عليه وسلم انتسابه إليه صلى الله عليه وسلم من حيث السلوك ~~لا من حيث الوضع كما في صراط الله والمراد بيان أن ما فضل من الأوامر ~~والنواهي غير مختصة بالمتلو عليهم بل متعلقة به صلى الله عليه وسلم أيضا ~~وأنه صلى الله عليه وسلم مستمر على العمل بها ومراعاتها وقوله تعالى ~~«مستقيما» حال مؤكدة ومحل أن مع ما في حيزها بحذف لام العلة أي ولأن هذا ~~صراطي أي مسلكي مستقيما «فاتبعوه» كقوله تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا وتعليل اتباعه بكونه صراطه صلى الله عليه وسلم لا بكونه صراط ~~الله تعالى مع أنه في نفسه كذلك من حيث أن سلوكه صلى الله عليه وسلم فيه ~~داع للخلق إلى الاتباع إذ بذلك يتضح عندهم كونه صراط الله عز وجل وقرئ بكسر ~~الهمزة على الاستئناف وقرئ أن هذا مخففة من أن على أن اسمها الذي هو ضمير ~~الشأن محذوف وقرئ سراطي وقرئ هذا صراطي وقرئ هذا صراط ربكم وهذا صراط ربك ~~«ولا تتبعوا ms1113 السبل» الأديان المختلفة أو طرق البدع والضلالات «فتفرق بكم» ~~بحذف إحدى التاءين والباء للتعدية أي فتفرقكم حسب تفرقها أيادي سبا فهو كما ~~ترى أبلغ من تفرقكم كما قيل من أن ذهب به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب ~~أبلغ من أذهبه «عن سبيله» أي سبيل الله الذي لا عوج فيه ولا حرج وهو دين ~~الإسلام الذي ذكر بعض أحكامه وقيل هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان وفيه ~~تنبيه على أن صراطه صلى الله عليه وسلم عين سبيل الله تعالى «ذلكم» إشارة ~~إلى ما مر من اتباع سبيله تعالى وترك اتباع سائر السبل «وصاكم به لعلكم ~~تتقون» اتباع سبل الكفر والضلالة «ثم آتينا موسى الكتاب» كلام مسوق من جهته ~~تعالى تقريرا للوصية وتحقيقا لها وتمهيدا لما يعقبه من ذكر إنزال القرآن ~~المجيد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوف على مقدر ~~يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله تعالى ذلكم PageV03P200 # وصاكم به بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا لمضمونه فعلنا ذلك ثم آتينا ~~الخ كما أن قوله تعالى ونطبع على قلوبهم معطوف على ما يدل عليه معنى أو لم ~~يهد الخ كأنه قيل يغفلون عن الهداية وتطيع الخ وأما عطفه على ذلكم وصاكم به ~~ونظمه معه في سلك الكلام الملقن كما أجمع عليه الجمهور فمما لا يليق بجزالة ~~النظم الكريم فتدبر وثم للتراخي في الأخبار كما في قولك بلغني ما صنعت ~~اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل ذلكم وصاكم به ~~قديما وحديثا ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى التوراة فإن إيتاءها مشتملة ~~على الوصية المذكورة وغيرها أعظم من التوصية بها فقط «تماما» للكرامة ~~والنعمة أي إتماما لهما على أنه مصدر من أتم بحذف الزوائد «على الذي أحسن» ~~أي على من أحسن القيام به كائنا من كان ويؤيده انه قرىء على الذين أحسنوا ~~وتماما على المحسنين أو على الذي أحسن تبليغه وهو موسى عليه السلام أو ~~تماما على ما أحسنه موسى عليه السلام أي ms1114 أجاده من العلم والشرائع أي زيادة ~~على علمه على وجه التتميم وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي على الذي ~~هو أحسن دين وأرضاه وآتينا موسى الكتاب تماما أي تاما كاملا على أحسن ما ~~يكون عليه الكتب «وتفصيلا لكل شيء» وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه في ~~الدين وهو عطف على تماما ونصبهما إما على العلية وعلى المصدرية كما أشير ~~إليه أو على الحالية وكذا قوله تعالى «وهدى ورحمة» وضمير «لعلهم» لبني ~~إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى وإيتاء الكتاب والباء في قوله تعالى ~~«بلقاء ربهم يؤمنون» قدمت عليه محافظة على الفواصل قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعذاب «وهذا» أي الذي تليت عليكم ~~أوامره ونواهيه أي القرآن «كتاب» عظيم الشأن لا يقادر قدره وقوله تعالى ~~«أنزلناه مبارك» أي كثير المنافع دينا ودنيا صفتان لكتاب وتقديم وصف ~~الإنزال مع كونه غير صريح لأن الكلام مع منكريه أو خبران آخران لاسم ~~الإشارة أي أنزلناه مشتملا على فنون الفوائد الدينية والدنيوية التي فصلت ~~عليكم طائفة منها والفاء في قوله تعالى «فاتبعوه» لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وكونه منزلا من جنابه عز وجل مستتبعا ~~للمنافع الدينية والدنيوية موجب لاتباعه أي إيجاب «واتقوا» مخالفته «لعلكم ~~ترحمون» بواسطة اتباعه والعمل بموجبه «أن تقولوا» علة لأنزلناه المدلول ~~عليه بالمذكور لا لنفسه للزوم الفصل حينئذ بين العامل والمعمول بأجنبي هو ~~مبارك وصفا كان أو خبرا أي أنزلناه كذلك كراهة أن تقولوا يوم القيام لو لم ~~تنزله «إنما أنزل الكتاب» الناطق بتلك الأحكام العامة لكل الأمم «على ~~طائفتين» كائنتين «من قبلنا» وهما اليهود والنصارى وتخصيص الإنزال ~~بكتابيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ فيما بين الكتب السماوية بالاشتمال على ~~الأحكام لا سيما الأحكام المذكورة «وإن كنا» PageV03P201 # إن هي المخففة من إن واللام فارقة بينهما وبين النافية وضمير الشأن محذوف ~~ومرادهم بذلك دفع ما يرد عليهم من أن نزوله عليهما لا ينافي عموم أحكامه ~~فلم لم تعملوا باحكامه العامة ms1115 أي وإنه كنا «عن دراستهم لغافلين» لا ندري ما ~~في كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقى منه تلك الأحكام العامة ونحافظ ~~عليها وإن لم يكن منزلا علينا وبهذا تبين أن معذرتهم هذه مع أنهم غير ~~مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة الأمم ~~كما أن قطع تلك المعذرة بإنزال القرآن لاشتماله أيضا عليها لا على سائر ~~الشرائع والأحكام فقط «أو تقولوا» عطف على تقولوا وقرئ كلاهما بالياء على ~~الالتفات من خطاب فاتبعوه واتقوا «لو أنا أنزل علينا الكتاب» كما أنزل ~~عليهم «لكنا أهدى منهم» إلى الحق الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما في ~~تضاعيفه من جلائل الأحكام والشرائع ودقائقها لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا ~~ولذلك تلقفنا من فنون العلم كالقصص والأخبار والخطب والأشعار ونحو ذلك طرفا ~~صالحا ونحن أميون وقوله تعالى «فقد جاءكم» متعلق بمحذوف ينبئ عنه الفاء ~~الفصيحة إما معلل به أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ وإما شرط له أي إن ~~صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير ~~نزول الكتاب عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم «بينة» وأي بينة أي حجة واضحة ~~لا يكتنه كنهها وقوله تعالى «من ربكم» متعلق بجاءكم أو بمحذوف هو صفة لبينة ~~أي بينة كائنا منه تعالى وأيا ما كان ففيه دلالة على فضلها الإضافي كما أن ~~في تنوينها التفخيمي دلالة على فضلها الذاتي وفي التعرض لوصف الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم مزيد تأكيد لإيجاب الاتباع «وهدى ورحمة» عطف على بينة ~~وتنوينهما أيضا تفخيمي عبر عن القرآن بالبينة إيذانا بكمال تمكنهم من ~~دراسته ثم بالهدى والرحمة تنبيها على أنه مشتمل على ما اشتمل عليه التوراة ~~من هداية الناس ورحمتهم بل هو عين الهداية والرحمة «فمن أظلم» الفاء لترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها فإن مجىء القرآن المشتمل على الهدى والرحمة موجب ~~لغاية أظلمية من يكذبه أي وإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم «ممن كذب بآيات ~~الله» وضع الموصول موضع ضميرهم بطريق الالتفات تنصيصا ms1116 على اتصافهم بما في ~~حيز الصلة وإشعارا بعلة التحكيم وإسقاطا لهم عن رتبة الخطاب وعبر عما جاءهم ~~بآيات الله تهويلا للأمر وتنبيها على أن تكذيب أي آية كانت من آيات الله ~~تعالى كاف في الأظلمية فما ظنك بتكذيب القرآن المنطوي على الكل والمعنى ~~إنكار أن يكون أحد ظلم ممن فعل ذلك أو مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب ~~متعرضا لإنكار المساواة أو نفيها فإذا قيل من أكرم من فلان أو لا أفضل منه ~~فالمراد به حتما بحكم العرف الفاشي والاستعمال المطرد أنه أكرم من كل كريم ~~وأفضل من كل فاضل وقد مر مرارا «وصدف عنها» PageV03P202 # أي صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإضلال «سنجزي الذين يصدفون» الناس ~~«عن آياتنا» وعيد لهم ببيان جزاء إضلالهم بحيث يفهم منه جزاء ضلالهم أيضا ~~ووضع الموصول موضع المضمر لتحقيق مناط الجزاء «سوء العذاب» أي العذاب السيء ~~الشديد النكاية «بما كانوا يصدفون» أي بسبب ما كانوا يفعلون الصدف والصرف ~~على التجدد والاستمرار وهذا تصريح بما اشعر به إجراء الحكم على الموصول من ~~عليه ما في حيز الصلة له «هل ينظرون» استئناف مسوق لبيان أنه لا يتأتى منهم ~~الإيمان بإنزال ما ذكر من البينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في ~~المكابرة واقتراح ما ينافي الحكمة التشريعية من الآيات الملجئة وأن الإيمان ~~عند إتيانها مما لا فائدة له أصلا مبالغة في التبليغ والإنذار وإزاحة العلل ~~والأعذار أي ما ينتظرون «إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك» حسبما ~~اقترحوا بقولهم لول أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا وبقولهم أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا وبقولهم لولا أنزل عليه ملك ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ~~ملائكة العذاب أو يأتي أمر ربك بالعذاب والانتظار محمول على التمثيل كما ~~سيجئ وقرئ يأتيهم بالياء لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي «أو يأتي بعض آيات ~~ربك» أي غير ما ذكركما اقترحوا بقولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ~~ونحو ذلك من عظائم الآيات التي علقوا بها إيمانهم والتعبير عنها بالبعض ~~للتهويل ms1117 والتفخيم كما أن إضافة الآيات في الموضعين إلى اسم الرب المنبىء عن ~~المالكية الكلية لذلك وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للتشريف وقيل ~~المراد بالملائكة ملائكة الموت وبإتيانه سبحانه وتعالى إتيان كل آياته ~~بمعنى آيات القيامة والهلاك الكلي بقرينة ما بعده من إتيان بعض آياته تعالى ~~على أن المراد به أشراط الساعة التي هي الدخان ودابة الأرض وخسف بالمشرق ~~وخسف بما غرب وخسف بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ~~ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من عدن كما نطق به الحديث الشريف ~~المشهور وحيث لم يكن إتيان هذه الأمور مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من ~~الآيات فإن تعليق إيمانهم بإتيانها انتظار منهم له ظاهرا حمل الانتظار على ~~التمثيل المبني على تشبيه حالهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد ~~إلى أن تأتيهم تلك الأمور الهائلة التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتها ~~البتة بحال المنتظرين لها وأنت خبير بأن النظم الكريم بسباقه المنبىء عن ~~تماديهم في تكذيب آيات الله تعالى وعدم الاعتداد بها وسياقه الناطق بعدم ~~نفع الايمان عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يحمل ذلك على أمور هائلة ~~مخصوصة بهم إما بأن تكون عبارة عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبة على ~~جناياتهم كإتيان ملائكة العذاب وإتيان أمره تعالى بالعذاب وهو الأنسب لما ~~سيأتي من قوله تعالى قل انتظروا إنا منتظرون وأما حمله على ما ذكر من إتيان ~~ملائكة الموت وإتيان كل آيات القيامة وظهور أشراط الساعة مع شمول إتيانها ~~PageV03P203 # لكل ر وفاجر واشتمال غائلتها على كل مؤمن وكافر فمما لا يساعده المقام ~~على أن بعض أشراط الساعة ليس مما ينسد به باب الإيمان والطاعة نعم يجوز حمل ~~بعض الآيات في قوله عز وجل «يوم يأتي بعض آيات ربك» على ما يعم مقترحاتهم ~~وغيرها من الدواهي العظام السالبة للاختيار الذي عليه يدور فلك التكليف ~~فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأول فيتم التقريب عند وقوعها جواب القسم ~~وقرئ يوم بالرفع على الابتداء والخبر هو الجملة والعائد ms1118 محذوف أي لا ينفع ~~فيه «نفسا» من النفوس «إيمانها» حينئذ لانكشاف وكون الأمر عيانا ومدار قبول ~~الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأو بأسنا ~~وقرئ لا تنفع بالتاء الفوقانية الاكتساب الإيمان من ملابسة المضاف إليه ~~تأنيثا وقوله تعالى «لم تكن آمنت من قبل» أي من قبل إتيان بعض الآيات صفة ~~لنفسا فصل بينهما بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوف ولا ضير فيه لأنه غير ~~أجنبي منه لاشتراكهما في العامل «أو كسبت في إيمانها خيرا» عطف على آمنت ~~بإيراد الترديد على النفي المفيد لكفاية أحد النفيين في عدم النفع والمعنى ~~أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم تقدم إيمانها أو قدمته ولم تكسب فيه ~~خيرا ومن ضرورته اشتراط النفع بتحقق الأمرين أي الإيمان المقدم والخير ~~المكسوف فيه معا بمعنى أن النافع هو تحققهما والإيمان المؤخر لغو وتحصيل ~~للحاصل لا أنه هو النافع وتحققهما شرط في نفعه كما لو كان المقدم غير ~~المؤخر بالذات فإن قولك لا ينفع الصوم والصدقة من لم يؤمن قبلهما معناه ~~أنهما ينفعانه عند وقوعهما بعد الإيمان وقد استدل به أهل الاعتزال على عدم ~~اعتبار الإيمان المجرد عن الأعمال وليس بناهض ضرورة صحة حمله على نفي ~~الترديد المستلزم لعمومه المفيد بمنطوقه لاشتراط عدم النفع بعدم الأمرين ~~معا وبمفهومه لاشتراط النفع بتحقق أحدهما بطريق منع الخلو دون الانفصال ~~الحقيقي فالمعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم يصدر عنها من قبل أحد ~~الأمرين إما الإيمان المجرد أو الخير المكسوب فيه فيتحقق النفع بأيهما كان ~~حسبما تنطق به النصوص الكريمة من الآيات والأحاديث وما قيل من أن عدم ~~الإيمان السابق مستلزم لعدم كسب الخير فيه بالضرورة فيكون ذكره تكرارا بلا ~~فائدة على أن الموجب للخلود في النار هو العدم الأول من غير أن يكون للثاني ~~دخل ما في ذلك قطعا فيكون ذكره بصدد بيان ما يوجب الخلود لغوا من الكلام ~~لغو من الكلام مبني على توهم أن المقصود بوصف النفس بالعدمين المذكورين ~~مجرد بيان إيجابهما للخلود ms1119 فيها وعدم نفع الإيمان الحادث في إنجائها عنه ~~وليس كذلك إلا لكفى في البيان أن يقال لا ينفع نفسا إيمانها الحادث بل ~~المقصد الأصلي من وصفها بذينك العدمين في أثناء بيان عدم نفع الإيمان ~~الحادث تحقيق أن موجب النفع إحدى ملكيتهما أعنى الإيمان السابق والخير ~~المكسوب فيه بما ذكر من الطريقة والترغيب في تحصيلهما في ضمن التحذير من ~~تركهما ولا سبيل إلى أن يقال كما أن عدم الأول مستقل في إيجاب الخلود في ~~النار فيلغو ذكر عدم الثاني كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاص عنها فيكون ~~ذكر الثاني لغوا لما أنه قياس مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمر لا يتصور ~~فيه تعدد العلل وأما الخلاص عنها مع دخول الجنة فله مراتب بعضها مترتب على ~~نفس الإيمان وبعضها على فروعه PageV03P204 # المتفاوتة كما وكيفما وإنما لم يقتصر على بيان ما يوجب أصل النفع وهو ~~الإيمان السابق مع أنه هو المقابل لما لا يوجبه أصلا أعني الإيمان الحادث ~~بل قرن به ما يوجب النفع الوائد أيضا إرشادا إلى تحري الأعلى وتنبيها على ~~كفاية الأدنى وإقناطا للكفرة عما علقوا به أطماعهم الفارغة من أعمال البر ~~التي عملوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العناة وإغاثة ~~الملهوفين وقرى الأضياف وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببيان أن كل ذلك ~~لغو بحت لابتنائه على غير أساس حسبما نطق به قوله تعالى والذين كفروا ~~أعمالهم كرماد اشتدت به الريح الآية ونحو ذلك من النصوص الكريمة وأن ~~الإيمان الحادث كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالهم السابقة ~~واللاحقة ولك أن تقول المقصود بوصف النفس بما ذكر من العدمين التعريض بحال ~~الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحد من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان ~~وجوب أحدهما منوطا بالآخر كما في قوله عز وجل فلا صدق ولا صلى تسجيلا بكمال ~~طغيانهم وإيذانا بتضاعف عقابهم لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع ~~الشرائع في حق المؤاخذة كما ينبئ عنه قوله تعالى فويل للمشركين الذين لا ~~يؤتون ms1120 الزكاة إذا تحققت هذا وقفت على أن الآية الكريمة أحق بأن تكون حجة ~~على المعتزلة من أن تكون حجة لهم هذا وقد قيل إنها من باب اللف التقديري أي ~~لا ينفع نفسا ايمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه ~~وليس بواضح فإن مبنى اللف التقديري أن يكون المقدر من متممات الكلام ~~ومقتضيات المقام قد ترك ذكره تعويلا على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه ~~كما مر في تفسير قوله عز وجل ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيحشرهم إليه ~~جميعا فإنه قد طوى في المفصل ذكر حشر المؤمنين ثقة بأنباء التفصيل عنه أعني ~~قوله تعالى فأما الذين آمنوا الآية ولا ريب في أن ما قدر ههنا ليس مما ~~يستدعيه قوله تعالى أو كسبت في إيمانها خيرا ولا هو من مقتضيات المقام لأنه ~~ليس مما وعدوه وعلقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرد عليهم ~~ببيان عدم نفعه إذ ذاك على أن ذلك مشعر بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ~~ما أصابهم بقاء على السلاة وزمانا يتأتى منهم الكسب والعمل فيه وفيه من ~~الإخلال بمقام تهويل الخطب وتفظيع الحال ما لا يخفى وقد أجيب عن الاستدلال ~~بوجوه أخر قصارى قصارى أمرها إسقاط الآية الكريمة عن رتبة المعارضة للنصوص ~~القطعية المنون القوية الدلالة على ما ذكر من كفاية الإيمان المجرد عن ~~العمل في الإنجاء الخالد ولو بعد اللتيا والتي لما تقرر من أن الظني بمعزل ~~من معارضة القطعي «قل» لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد «انتظروا» ~~ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شيء تنتظرون «إنا ~~منتظرون» لذلك لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة وفيه تأييد لكون المراد ~~بما ينتظرونه إتيان ملائكة العذاب أو إتيان أمره تعالى بالعذاب كما أشير ~~غليه وعدة ضمنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما ~~يحيق بالكفرة من العقاب ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم ~~«إن الذين فرقوا دينهم» استئناف ms1121 PageV03P205 # لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين أي بددوه وبعضوه فتمسك ~~بكل بعض منه فرقة منهم وقرئ فارقوا أي باينوا فإن ترك بعضه وإن كان بأخذ ~~بعض منه ترك للكل ومفارقة له «وكانوا شيعا» أي فرقا تشيع كل فرقة إماما لها ~~قال صلى الله عليه وسلم افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في ~~الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا ~~واحدة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة ~~واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر ~~الماضي قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم ~~فمعنى قوله تعالى «لست منهم في شيء» لست من البحث عن تفرقهم والتعرض لمن ~~يعاصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة وقيل من قتالهم في شيء سوى تبليغ الرسالة ~~وإظهار شعائر الدين الحق الذي أمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخا بآية السيف ~~وقوله تعالى «إنما أمرهم إلى الله» تعليل للنفي المذكور أي هو يتولى وحده ~~أمر أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا ~~متى شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل المفرقون أهل البدع والأهواء الزائغة ~~من هذه الأمة ويرده أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بمؤاخذتهم والاعتذار بأن ~~معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت برئ منهم ومن مذهبهم وهم براء منك يأباه ~~التعليل المذكور «ثم ينبئهم» أي يوم القيامة «بما كانوا يفعلون» عبر عن ~~إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في انهما سببان للعلم تنبيها على ~~انهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على ~~رؤوس الأشهاد ويعلمهم أي شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ~~ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء وقوله تعالى «من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها» استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان أجزية ~~المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم ال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهم يريد من عمل من المصدقين ms1122 حسنة كتبت له عشر حسنات أي من جاء يوم ~~القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير غيمان فله عشر حسنات ~~أمثالها تفضلا من الله عز وجل وقرئ عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف ~~وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ~~ولذلك قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص «ومن جاء ~~بالسيئة» أي بالأعمال السيئة كائنا من كان من العاملين «فلا يجزى إلا ~~مثلها» بحكم الوعد واحدة بواحدة «وهم لا يظلمون» بنقص الثواب وزيادة العقاب ~~«قل إنني هداني ربي» أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين لهم ما هو ~~عليه من الدين الحق الذين يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية وتصدير ~~الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لمزيد تشريفة أي قل ~~لأولئك المفرقين أرشدني ربي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات ~~التكوينية «إلى صراط مستقيم» موصل إلى الحق PageV03P206 # وقوله تعالى «دينا» بدل من إلى صراط فإن محله النصب كما في قوله تعالى ~~ويهديك صراطا مستقيما أو مفعول لفعل مضمر يدل عليه المذكور «قيما» مصدر نعت ~~به مبالغة والقياس قوما كعوض فأعل لإعلال فعله كالقيام وقرئ قيما وهو فعيل ~~من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغ ~~منه باعتبار الصيغة «ملة إبراهيم» عطف بيان لدينا «حنيفا» حال من إبراهيم ~~أي مائلا عن الأديان الباطلة وقوله تعالى «وما كان من المشركين» اعتراض ~~مقرر لنزاهته صلى الله عليه وسلم عما عليه المفرقون لدينه من عقد وعمل أي ~~ما كان منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا صرح بذلك ردا على الذين يدعون ~~أنهم على ملته عليه السلام من أهل مكة واليهود والمشركين بقولهم عزيرا ابن ~~الله والنصارى المشركين بقولهم المسبح ابن الله «قل إن صلاتي ونسكي» أعيد ~~الأمر لما أن المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق أصولها ms1123 أي عبادتي ~~كلها وقيل وذبحي جمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى فصل لربك وانحر ~~وقيل صلاتي وحجي «ومحياي ومماتي» أي وما أنا عليه في حياتي وما أكون عليه ~~عند موتي من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة الخيرات المضافة إلى الممات ~~كالوصية والتدبير وقرئ محياي بسكون الياء إجراء للوصل مجرى الوقف «لله رب ~~العالمين» «لا شريك له» خالصة له لا أشرك فيها غيره «وبذلك» إشارة إلى ~~الإخلاص وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته في الفضل أي ~~بذلك الإخلاص «أمرت» لا بشيء غيره وقوله تعالى «وأنا أول المسلمين» لبيان ~~مسارعته عليه السلام إلى الامتثال بما أمر به وأن ما أمر به ليس من خصائصه ~~عليه السلام بل الكل مأمورون به ويقتدي به عليه السلام من أسلم منهم «قل ~~أغير الله أبغي ربا» فأشركه في العبادة «وهو رب كل شيء» جملة حالة مؤكدة ~~للإنكار أي والحال أن كل ما سواه مربوب له مثلي فكيف يتصور أن يكون شريكا ~~لي في المعبودية «ولا تكسب كل نفس إلا عليها» كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم ~~وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا فهذا رد له بالمعنى ~~الأول أي لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها ومحال أن يكون صدورها عن ~~شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم وقوله تعالى «ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى» رد له بالمعنى الثاني أي لا تحمل يومئذ نفس حاملة حمل نفس أخرى ~~حتى يصح قولكم «ثم إلى ربكم مرجعكم» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكل ~~لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد أي إلى مالك أموركم ورجوعكم يوم القيامة ~~«فينبئكم» يومئذ «بما كنتم فيه تختلفون» ببيان الرشد من الغي وتمييز الحق ~~من الباطل PageV03P207 # «وهو الذي جعلكم خلائف الأرض» حيث خلقتم الأمم السالفة أو يخلف بعضكم ~~بعضا أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطاب عام ~~«ورفع ms1124 بعضكم» في الشرف والغني «فوق بعض درجات» كثيرة متفاوتة «ليبلوكم في ~~ما آتاكم» من المال والجاه أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر ماذا ~~تعملون من الشكر وضده «إن ربك» تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع إضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لإبراز مزيد اللطف به صلى ~~الله عليه وسلم «سريع العقاب» أي عقابه سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما ~~آتاه الله تعالى ولم يشكره لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته ~~لتعاليه عن استعمال المبادى والآلات «وإنه لغفور رحيم» لمن راعاها كما ~~ينبغي وفي جعل خبر هذه الجملة من الصفات الذاتية الواردة على بناء المبالغة ~~مؤكدا باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير من هي له في من التنبيه ~~على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيهما فاعل للعقوبة بالعرض مسامح ~~فيها ما لا يخفى والله أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلت على ~~سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد ~~فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون الف ملك بعدد كل آية من ~~سورة الأنعام يوما وليلة والله تعالى أعلم PageV03P208 # مكية غير ثماني آيات من قوله وأسألهم إلى قوله وإذ نتقنا الجبل وآيها ~~مائتان وخمس «بسم الله الرحمن الرحيم» «المص» إما مسرود على نمط التعديد ~~بأحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محل له من الإعراب وإما ~~اسم للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير هذا المص أي مسمى ~~به وتذكير اسم الإشارة مع تأنيث المسمى لما أن الإشارة إليه من حيث إنه ~~مسمى بالاسم المذكور لا من حيث أنه مسمى بالسورة وإنما صحت الإشارة إليه من ~~حيث إنه مسمى بالاسم المذكور لا من حيث أنه مسمى بالسورة وإنما صحت الإشارة ~~إليه مع عدم سبق ذكره لما أنه باعتبار كونه بصدد الذكر صار في حكم الحاضر ~~المشاهد وقوله عز وجل «كتاب» على الوجه الأول خبر مبتدأ ms1125 محذوف وهو ما ينبئ ~~عنه تعديد الحروف كأنه قيل المؤلف من جنس هذه الحروف مرادا به السورة كتاب ~~الخ أو اسم إشارة أشير به إليه تنزيلا لحضور المؤلف منه منزلة حضور نفس ~~المؤلف أي هذا كتاب الخ وعلى الوجه الثاني خبر بعد خبر جئ به غثر بيان كونه ~~مترجما باسم بديع منبىء عن غرابته في نفسه إبانة لجلالة محله ببيان كونه ~~فردا من أفراد الكتب الإلهية حائزا للكمالات المختصة بها وقد جوز كونه خبرا ~~والمص مبتدأ أي المسمى المص كتاب وقد عرفت ما فيه من أن ما يجعل عنوانا ~~للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه عند المخاطب وإذ لا عهد ~~بالتسمية قبل فحقها الإخبار بها «أنزل إليك» أي من جهته تعالى بنى الفعل ~~للمفعول جريا على سنن الكبرياء وإيذانا بالاستغناء عن التصريح بالفاعل ~~لغاية ظهور تعينه وهو السر في ترك مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك ونظائره والجملة صفة لكتاب مشرفة له ولم أنزل إليه وجعله ~~خبرا له على معنى كتاب عظيم الشأن انزل إليك خلاف الأصل «فلا يكن في صدرك ~~حرج» أي شك كما في قوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك خلا أنه عبر ~~عنه بما يلازمه من الحرج فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه ~~انشراحه وانفساحه مبالغة في تنزيه ساحته عليه الصلاة والسلام عن نسبة الشك ~~إليه ولو في ضمن النهي فإنه من الأحوال القلبية التي يستحيل اعتراؤها إياه ~~وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن النهي فعلى طريقة التهيج والإلهاب ~~والمبالغة في التنفير والتحذير بإيهام أن ذلك من القبح والشرية بحيث ينهى ~~عنه من لا يمكن صدوره عنه PageV03P209 # أصلا فكيف بمن يمكن ذلك منه والتنوين للتحقير والجار في قوله تعالى «منه» ~~متعلق بحرج يقال حرج منه أي ضاق به صدره أو بمحذوف وقع صفة له أي حرج كائن ~~منه أي لا يكن فيك شك ما في حقيته أو في كونه ms1126 كتابا منزلا إليك من عنده ~~تعالى فالفاء على الأول لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملة فإنه ~~مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر بالكلية وحصول اليقين به قطعا وأما على ~~الثاني فهي لترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبرو توجيه النهي ~~إلى الحرج مع أن المراد نهيه عليه الصلام والسلام عنه إما لما مر من ~~المبالغة في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن الشك فيما ذكر فإن النهي عن ~~الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن المهي عنه وإما للمبالغة في النهي ~~فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة والسلام سبب لاتصافه عليه الصلاة ~~والسلام به والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفي له من ~~أصله بالمرة كما في قوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم الآية وليس هذا من ~~قبيل لا أرينك ههنا فإن النهي هناك وارد على المسبب مرادا به النهي عن ~~السبب فيكون المآل نهيه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل ~~وقيل الحرج على حقيقته أي لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك ~~وأن تقصر في القيام بحقه فإنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف تكذيب قومه له ~~وإعراضهم عنه فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فآمنه الله تعالى ~~ونهاه عن المبالاة فالفاء حينئذ للترتيب على مضمون الجملة أو على الإخبار ~~به فإن كلا منهما موجب للإقدام على التبليغ وزوال الخوف قطعا وإن كان ~~إيجابه الثاني بواسطة الأول وقوله تعالى «لتنذر به» أي بالكتاب المنزل ~~متعلق بأنزل وما بينهما اعتراض توسط بينهما تقريرا لما قبله وتمهيدا لما ~~بعده وحسما لتوهم أن مورد الشك هو الإنزال للإنذار وقيل متعلق بالنهي فإن ~~انتفاء الشك في كونه منزلا من عنده تعالى موجب للإنذار به قطعا وكذا انتفاء ~~الخوف منهم أو العلم بأنه موفق للقيام بحقه موجب للتجاسر على ذلك وأنت خبير ~~بأنه لا يتأتى التفسير الأول لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار ~~والتذكير مع إيهامه لإمكان ms1127 صدوره عنه عليه الصلاة والسلام مشعر بأن المنهي ~~عنه ليس محذورا لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من ~~الإيذان بأن ذلك معظم غائلته ولا ريب في فساده وأما على التفسير الثاني ~~فإنما يتأتى التعليل بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى ~~يجعل غاية لانتفائه وقوله تعالى «وذكرى للمؤمنين» في حين النصب بإضمار فعله ~~معطوفا على تنذر أي وتذكر المؤمنين تذكيرا أو الجر عطفا على محل أن تنذر أي ~~للإنذار والتذكير وقيل مرفوع عطفا على كتاب أو خبر لمبتدأ محذوف وتخصيص ~~التذكير بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذار بالكفرة أي لتنذر به المشركين ~~وتذكر المؤمنين وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام «اتبعوا ما أنزل ~~إليكم» كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين بطريق التلوين وأمروا باتباع ما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبله بتبليغه بطريق الإنذار والتذكير وجعله ~~منزلا إليهم بواسطة إنزاله إليه عليه الصلاة والسلام أثر ذكر ما يصححه من ~~الإنذار والتذكير لتأكيد وجوب اتباعه وقوله تعالى PageV03P210 # «من ربكم» متعلق بأنزل على أن من لابتداء الغاية مجازا أو بمحذوف وقع ~~حالا من الموصول أو من ضميره في الصلة وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة ~~إلى ضمير المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به ~~وتأكيد لوجوبه وجعل ما أنزل ههنا عاما للسنة القولية والفعلية بعيد نعم ~~يعمهما حكمه بطريق الدلالة لا بطريق العبارة ولما كان اتباع ما أنزله الله ~~تعالى اتباعا له تعالى عقب الأمر بذلك بالنهي عن اتباع غيره تعالى فقيل ~~«ولا تتبعوا من دونه» أي من دونه أي من دون ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم ~~إلى الحق ومحله النصب على أنه حال من فافعل فعل النهي أي لا تتبعوا ~~متجاوزين الله تعالى «أولياء» من الجن والإنس بأن تقبلوا منهم ما يلقونه ~~إليكم بطريق الوسوسة والإغواء من الأباطيل ليضلوكم عن الحق ويحملوكم على ~~البدع والأهواء الزائغة أو من أولياء قدم عليه لكونه نكرة إذ لو أخر عنه ~~لكان صفة له أي ms1128 أولياء كائنة غيره تعالى وقيل الضمير للموصول على حذف ~~المضاف في أولياء أي ولا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء كأنه قيل ولا ~~تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء وقرئ ولا تبتغوا كما في قوله تعالى ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا وقوله تعالى «قليلا ما تذكرون» بحذف إحدى التاءين ~~وتخفيف الذال وقرئ بتشديدها على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة ~~وقرئ يتذكرون على صيغة الغيبة وقليلا نصب إما بما بعده على أنه نعت لمصدر ~~محذوف مقدم للقصر أو لزمان كذلك محذوف وما مزيدة لتأكيد القلة أي تذكرا ~~قليلا أو زمانا قليلا تذكرون لا كثيرا حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون ~~بموجبه وتتركون دين الله تعالى وتتبعون غيره ويجوز أن يراد بالقلة العدم ~~كما قيل في قوله تعالى فقليلا ما يؤمنون والجملة اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح ~~حال المخاطبين والالتفات على القراءة الأخيرة للإيذان باقتضاء سوء حالهم في ~~عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق ~~المبانة وإما نصب على أنه حال من فاعل لا تتبعوا وما مصدرية مرتفعة به أي ~~لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكركم لكن لا على توجيه النهي إلى المقيد ~~فقط كما في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى بل إلى المقيد والقيد ~~جميعا وتخصيصه بالذكر لمزيد تقبيح حالهم بجمعهم بين المنكرين «وكم من قرية ~~أهلكناها» شروع في إنذارهم بما جرى على الأمم الماضية بسبب إعراضهم عن ~~اتباع الله تعالى وإصرارهم على اتباع دين أوليائهم وكم خبرية للتكثير في ~~موضع رفع على الابتداء كما في قولك زيد ضربته والخبر هو الجملة بعدها ومن ~~قرية تمييز والضمير في أهلكناها راجع إلى معنى كم أي كثير من القرى ~~أهلكناها أو في موضع نصب بأهلكناها كما في قوله تعالى إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها كما في قوله تعالى إذا قمتم إلى ~~الصلاة أي أردنا إهلاكها «فجاءها» أي فجاء أهلها «بأسنا» أي عذابنا بياتا ~~مصدر بمعنى الفاعل واقع موقع الحال أي ms1129 بائتين كقوم لوط «أو هم قائلون» عطف ~~عليه أي أو قائلين من القيلولة نصف النهار كقوم شعيب وإنما حذفت الواو من ~~الحال المعطوفة على أختها استثقالا لاجتماع العاطفين فإن واو الحال حرف عطف ~~قد استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير كما في جاءني زيد هو فارس PageV03P211 # فإنه غير فصيح وتخصيص الحالتين بالعذاب لما أن نزول المكروه عند الغفلة ~~والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة ~~ووصف الكل بوصفي البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما لا سيما ~~القيلولة للإيذان بكمال غفلتهم وأمنهم «فما كان دعواهم» أي دعاؤهم ~~واستغاثتهم ربهم أو ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم «إذ ~~جاءهم بأسنا» عذابنا وعاينوا أمارته «إلا أن قالوا» جميعا «إنا كنا ظالمين» ~~أي إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتهم ببطلانه تحسرا عليه ~~وندامة وطمعا في الخلاص وهيهات ولات حين نجاة «فلنسألن الذين أرسل إليهم» ~~بيان لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي خلا أنه قد تعرض لبيان مبادي ~~أحوال المكلفين جميعا لكونه أدخل في التهويل والفاء لترتيب الأحوال ~~الأخروية على الدنيوية ذكرا حسب ترتبها عليها وجودا أي لنسألن الأمم قاطبة ~~قائلين ماذا أجبتم المرسلين «ولنسألن المرسلين» عما أجيبوا قال تعالى يوم ~~يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم والمراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم ~~والذي نفى بقوله تعالى ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال الاستعلام أو ~~الأول في موقف الحساب والثاني في موقف العقاب «فلنقصن عليهم» أي على الرسل ~~حين يقولن لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب أو عليهم وعلى المرسل إليهم ~~جميعا ما كانوا عليه «بعلم» أي عالمين بظواهرهم وبواطنهم أو بمعلومنا منهم ~~«وما كنا غائبين» عنهم في حال من الأحوال فيخفى علينا شيء من أعمالهم ~~وأحوالهم والجملة تذييل مقرر لما قبلها «والوزن» أي وزن الأعمال والتمييز ~~بين راجحها وخفيفها وجيدها ورديئها ورفعه على الابتداء وقوله تعالى «يومئذ» ~~خبره وقوله تعالى «الحق» صفته أي والوزن الحق ثابت يوم إذ يكون السؤال ~~والقص وقيل خبر مبتدأ محذوف كأنه ms1130 قيل ما ذلك الوزن فقيل الحق أي العدل ~~السوي وقرئ القسط واختلف في كيفية الوزن والجمهور على أن صحائف الأعمال هي ~~التي توزن بميزان له لسان وكفتان ينظر إليه الخلائق إظهار للمعادلة وقطعا ~~للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وجوارحهم ويشهد عليهم ~~الأنبياء والملائكة والأشهاد وكما يثبت في صحائفهم فيقرءونها في موقف ~~الحساب ويؤيده ما روي أن الرجل يؤتى به الميزان فينشر له تسعة وتسعون سجلا ~~مدج البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في في كفة ~~والبطاقة في كفة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة وقيل يوزن الأشخاص لما روي ~~عنه عليه الصلاة والسلام إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند ~~الله جناح بعوضة وقيل PageV03P212 # الوزن عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل وبه قال مجاهد والأعمش ~~والضحاك واختاره كثير من المتأخرين بناء على أن استعمال لفظ الوزن في هذا ~~المعنى شائع في اللغة والعرف بطريق الكناية قالوا إن الميزان إنما يراد به ~~التوصل إلى معرفة مقادير الشيء ومقادير أعمال العباد لا يمكن إظهارها بذلك ~~لأنها أعراض قد فنيت وعلى تقدير بقائها لا تقبل الوزن وقيل إن الأعمال ~~الظاهرة في هذه النشأة بصور عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية ~~مناسبة لها في الحسن والقبح حتى أن الذنوب والمعاصي تتجسم هناك وتتصور ~~بصورة النار وعلى ذلك حمل قوله تعالى وإن جهنم لمحيطة بالكافرين وقوله ~~تعالى الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وكذا ~~قوله عليه الصلاة والسلام في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة إنما يجرجر ~~في بطنه نار جهنم ولا يعد في ذلك ألا يرى أن العلم يظهر في عالم المثال على ~~سورة اللبن كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس وقد روي عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صور حسنة ~~وبالأعمال السيئة على صور قبيحة فتوضع في الميزان إن قيل إن المكلف يوم ~~القيامة إما مؤمن بأنه تعالى حكيم منزه عن ms1131 الجور فيكفيه حكمه تعالى بكيفيات ~~الأعمال وكمياتها وإما منكر له فلا يسلم حينئذ أن رجحان بعض الأعمال على ~~بعض الخصوصيات راجعة إلى ذوات تلك الأعمال بل يسنده إلى إظهار الله تعالى ~~إياه على ذلك الوجه فما الفائدة في الوزن أجيب بأنه ينكشف الحال يومئذ ~~وتظهر جميع الأشياء بحقائقها على ما هي عليه وبأوصافها وأحوالها في أنفسها ~~من الحسن والقبح وغير ذلك وتنخلع عن الصور المستعارة التي بها ظهرت في ~~الدنيا فلا يبقى لأحد ممن يشاهدها شبهة في انها هي التي كانت في الدنيا ~~بعينها وإن كل واحد منها قد ظهر في هذه النشأة بصورته الحقيقة المستتبعة ~~لصفاته ولا يخطر بباله خلاف ذلك والله تعالى أعلم «فمن ثقلت موازينه» تفصيل ~~للأحكام المترتبة على الوزن والموازين إما جمع ميزان أو جمع موزون على أن ~~المراد به ما له وزن وقدر وهو الحسنات فإن رجحان أحدهما مستلزم لرجحان ~~الآخر أي فمن رجحت موازينه التي توزن بها حسناته أو أعماله التي لها قدر ~~وزنه وعن الحسن البصري وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يقل وحق لميزان توضع ~~فيه السيئات أن يخف «فأولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بثقل ~~الميزان والجمعية باعتبار معناه كما أن جمع الموازين لذلك وأما ضمير ~~موازينه فراجع إليه باعتبار لفظه وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو ~~طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضل والشرف «هم المفلحون» الفائزون بالنجاة ~~والثواب وهم إما ضمير فصل يفصل بين الخبر والصفة ويؤكد النسبة ويفيد اختصاص ~~المسند بالمسند إليه أو مبتدأ خبره المفلحون والجملة خبر لأولئك وتعريف ~~المفلحون للدلالة على أنهم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون في الآخرة أو ~~إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصائصهم «ومن خفت موازينه» ~~اي موازين أعماله أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها وهب أعماله ~~السيئة «فأولئك» إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بتلك الصفة القبيحة والجمعية ~~ومعنى البعد لما مر آنفا في نظيره وهو مبتدأ خبره PageV03P213 # «الذين خسروا أنفسهم» أي ضيعوا الفطرة السليمة التي فطروا عليها ms1132 وقد أيدت ~~بالآيات البينة وقوله تعالى «بما كانوا بآياتنا يظلمون» متعلق بخسر وما ~~مصدرية وبآياتنا متعلق بيظلمون على تضمين معنى التكذيب قد عليه لمراعاة ~~الفواصل والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الظلم في ~~الدنيا أي فأولئك الموصوفون بخفة الموازين الذين خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم ~~المستمر بآياتنا ظالمين «ولقد مكناكم في الأرض» لما أمر الله سبحانه أهل ~~مكة باتباع ما أنزل إليهم ونهاهم عن اتباع غيره وبين لهم وخامة عاقبته ~~بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلد في الآخرة ذكرهم ما أفاض عليهم من فنون ~~النعم الموجبة للشكر ترغيبا في الامتثال بالأمر والنهي إثر ترهيب أي جعلنا ~~لكم فيها مكانا وقرارا أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها «وجعلنا ~~لكم فيها معايش» المعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب ~~وغيرها أو ما يتوصل به إلى ذلك والوجه في قراءته إخلاص الياء وعن ابن عامر ~~أنه همزة تسبيها له بصحائف ومدائن والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع أي أنشأنا ~~وأبدعنا لمصالحكم ومنافعكم فيها أسبابا تعيشون بها وكل واحد من الظرفين ~~متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له ~~وتقديمها على المفعول مع أن حقهما التأخير عنه لما مر غير مرة من الاعتناء ~~بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ماحقه التقديم لا ~~سيما عند كون المقدم منبئا عن منفعة للسامع تبقى مترقبة لورود المؤخر ~~فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن وأمات تقديم اللام على في فلما أنه ~~المنبىء عما ذكر من المنفعة فالاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم ~~هذا وقد قيل إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر ~~قدم على الأول والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالا ~~من المفعول الأول كما مر وأنت خبير بأنه لا فائدة معتد بها في الإخبار بجعل ~~المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض وقوله تعالى «قليلا ما تشكرون» أي تلك ~~النعمة تذييل مسوق لبيان سوء حال المخاطبين ms1133 وتحذيرهم وبقية الكلام فيه عين ~~ما مر في تفسير قوله تعالى قليلا ما تذكرون «ولقد خلقناكم ثم صورناكم» ~~تذكير لنعمة عظيمة فائضة على آدم عليه السلام سارية إلى ذريته موجبة لشكرهم ~~وتأخيره عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكين في الأرض إما لأنها فائضة ~~على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة وإما للإيذان بأن كلا منها نعمة مستقلة ~~مستوجبة للشكر على حيالها فإن رعاية الترتيب الوقوعي ربما تؤدي إلى توهم عد ~~الكل نعمة واحدة كما ذكر في قصة البقرة وتصدير الجملتين بالقسم وحرف ~~التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونهما وإنما نسب الخلق والتصوير إلى ~~المخاطبين مع أن المراد بهما خلق آدم عليه السلام وتصويره حتما توفية لمقام ~~الامتنان حقه وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم PageV03P214 # بالرمز إلى أن لهم حظا من خلقه عليه السلام وتصويره لما أنهما ليسا من ~~الخصائص المقصورة عليه عليه السلام كسجود الملائكة له عليه السلام بل من ~~الأمور السارية إلى ذريته جميعا إذ الكل مخلوق في ضمن خلقه على نمطه ومصنوع ~~على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقه وتصويره أي خلقنا أباكم آدم طينا غير ~~مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار إليكم جميعا «ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم» صريح في أنه ورد بعد خلقه عليه الصلاة والسلام وتسويته ونفخ ~~الروح فيه أمر منجز غير الأمر المعلق الوارد قبل ذلك بقوله تعالى فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وهو المراد بما حكى بقوله تعالى ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم الآية في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل ~~وسورة الكهف وسورة طه من غير تعرض لوقته وكلمة ثم ههنا تقتضي تراخيه عن ~~التصوير من غير تعرض لبيان ما جرى بينهما من الأمور وقد بينا في سورة ~~البقرة أن ذلك ظهور فضل آدم عليه السلام بعد المحاورة المسبوقة بالإخبار ~~باستخلافه عليه السلام حسبما نطق به قوله عز وجل وإذ قال ربك للملائكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة إلى قوله وما كنتم تكتمون فإن ذلك أيضا من جملة ما نيط ms1134 ~~به الأمر المعلق من القسوية ونفخ الروح وعدم ذكره عند الحكاية لا يقتضي عدم ~~ذكره عند وقوع المحكي كما أن عدم ذكر الأمر المعلق عند حكاية الأمر المنجز ~~لا يستلزم عدم مسبوقيته به فإن حكاية كلام واحد على أساليب مختلقة يقتضيها ~~ليست بعزيزة في الكلام العزيز فلعله قد ألقى إلى الملائكة عليهم السلام ~~أولا جميع ما يتوقف عليه الأمر المنجز إجمالا بأن قيل مثلا إني خالق بشرا ~~من طين وجاعل إياه خليفة في الأرض فإذا سويته ونفخت فيه من روحي وتبين لكم ~~فضله فقعوا له ساجدين فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما ~~قالوا أو ألقي إليهم خبر الخلافة بعد تحقق الشرائط المذكورة بأن قيل إثر ~~نفخ الروح إني جاعل هذا خليفة في الأرض فهنالك ذكروا في حقه عليه السلام ما ~~ذكروا فأيده الله تعالى بتعليم الأسماء فشاهدوا منه عليه السلام ما شاهدوا ~~فعند ذلك ورد الأمر من المنجز اعتناء بشأن المأمور به وإيذانا بوقته وقد ~~حكى بعض الأمور المذكورة في بعض المواطن وبعضها في بعضها اكتفاء بما ذكر في ~~كل موطن عما ترك في موطن آخر والذي يرفع غشاوة الاشتباه عن البصائر السليمة ~~أن ما في سورة ص من قوله تعالى إذ قال ربك للملائكة الآيات بدل من قوله إذ ~~يختصمون فيما قبله من قوله ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون أي ~~بكلامهم عند اختصامهم ولا ريب في أن المراد بالملأ الأعلى وآدم عليهم ~~السلام وإبليس حسبما أطيق عليه جمهور المفسرين وباختصامهم ما جرى بينهم في ~~شأن الخلافة من التقاول الذي من جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء ~~بالأسماء ومن قضية البدلية وقوع الاختصام المذكور في تضاعيف ما شرح فيه ~~مفصلا من الأمر المعلق وما علق به من الخلق والتسوية ونفخ الروح فيه وما ~~ترتب عليه من سجود الملائكة وعناد إبليس ولعنه وإخراجه من بين الملائكة وما ~~جرى بعده من الأفعال والأقوال وإذ ليس تمام الاختصام بعد سجود الملائكة ~~ومكابرة إبليس ms1135 وطرده من أنه أحد المختصمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة ~~فإذن هو بعد نفخ الروح وقبل السجود بأحد الطريقين المذكورين والله تعالى ~~أعلم «فسجدوا» أي الملائكة عليهم السلام بعد الأمر من غير تلعثم «إلا ~~إبليس» استثناء متصل PageV03P215 # لما أنه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم فغلبوا ~~عليه في فسجدوا ثم استثنى استثناء واحد منهم أو لأن من الملائكة جنسا ~~يتوالدون يقال لهم الجن كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى «لم يكن من ~~الساجدين» أي ممن سجد لآدم كلام مستأنف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من ~~الاستثناء فإن عدم السجود قد يكون للتأمل ثم يقع السجود وبه علم أنه لم يقع ~~قط وقيل منقطع فحينئذ يكون متصلا بما بعده أي لكن إبليس لم يكن من الساجدين ~~«قال» استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه قيل فماذا ~~قال الله تعالى حينئذ وبه يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير ~~السؤال على وجه المخاطبة وفيه فائدة أخرى هي الإشعار بعدم تعلق المحكي ~~بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير «ما منعك ألا تسجد» أي أن تسجد كما ~~وقع في سورة ص ولا مزيدة مؤكدة لمعنى الفعل الذي دخلت عليه كما في قوله ~~تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود وقيل ~~الممنوع عن الشيء مصروف إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن لا تسجد «إذ ~~أمرتك» قيل فيه دلالة على أن مطلق الأمر للوجوب والفور وفي سورة الجن يا ~~إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين وفي سورة ص ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي واختلاف العبارات عند الحكاية دل على أن اللعين قد أدمج في معصية ~~واحدة ثلاث معاص مخالفة الأمر ومفارقة الجماعة والإباء عن الانتظام في سلك ~~أولئك المقربين والاستكبار مع تحقير آدم عليه السلام وقد وبخ حينئذ على كل ~~واحدة منها لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر يه اكتفاء بما ذكر ms1136 ~~في موطن آخر وإشعار بأن كل واحدة منها كافية في التوبيخ وإظهار بطلان ما ~~ارتكبه وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل ~~وسورة الكهف وسورة طه «قال» استئناف كما سبق مبني على لا سؤال نشأ من حكاية ~~التوبيخ كأنه قيل فماذا قال اللعين عند ذلك فقيل قال «أنا خير منه» متجانفا ~~عن تطبيق جوابه على السؤال بأن يقول معنى كذا مدعيا لنفسه بطريق الاستئناف ~~شيئا بين الاستلزام لمنعه من السجود على زعمه ومشعرا بأن من شأنه هذا لا ~~يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به كما ينبئ عنه ما في سورة الحجر ~~من قوله «لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون» فهو أول من أسس ~~بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقلين وقوله تعالى «خلقتني من ~~نار وخلقته من طين» تعليل لما ادعاه من فضله عليه ولقد أخطأ اللعين حيث خص ~~الفضل بما من جهة المادة والعنصر وزل عنه ما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه ~~قوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أي بغير واسطة على وجه الاعتناء ~~به وما من جهة الصورة كما نبه عليه بقوله تعالى ونفخت فيه من روحي وما من ~~جهة الغاية وهو ملاك الأمر ولذلك أمر الملائكة بالسجود له عليه السلام حين ~~ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه امر الخلافة في الأرض وأن له خواص ~~ليست لغيره وفي الآية دليل على الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ~~ولعل إضافة خلق البشر إلى الطين والشياطين إلى النار باعتبار الجزء الغالب ~~PageV03P216 # «قال» استئناف كما سلف والفاء في قوله تعالى ة «فاهبط منها» لترتيب الأمر ~~على ما ظهر من اللعين من مخالفة الأمر وتعليله بالأباطيل وإصراره على ذلك ~~أي فاهبط من الجنة والإضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما كانوا في عدن لا في جنة الخلد وقيل من زمرة الملائكة ~~المعززين فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي ms1137 هبوط وفي سورة الحجر فأخرج منها ~~وأما ما قيل من أن المراد الهبوط من السماء فيرده أن وسوسته لآدم عليه ~~السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين قطعا وتكون ~~وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري ~~وقوله تعالى «فما يكون لك» أي فما يصح ولا يستقيم لك ولا يليق بشأنك «أن ~~تتكبر فيها» أي في الجنة أو في زمرة الملائكة تعليل للأمر بالهبوط فإن عدم ~~صحة أن يتكبر فيها علة للأمر المذكور فإنها مكان المطيعين الخاشعين ولا ~~دلالة فيه على جواز التكبر في غيرها وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل ~~الجنة وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه وقوله تعالى «فأخرج» ~~تأكيد للأمر بالهبوط متفرغ على علته وقوله تعالى «إنك من الصاغرين» تعليل ~~للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره أي من الأذلاء وأهل الهوان على الله تعالى ~~وعلى أوليائه لتكبرك وعن عمر رضي الله عنه من تواضع لله رفع الله حكمته ة ~~وقال انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض «قال» ~~استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل فماذا قال اللعين ~~بعدما سمع هذا الطرد المؤكد فقيل قال «أنظرني» أي أمهلني ولا تمتني «إلى ~~يوم يبعثون» أي آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وهو قوت النفخة الثانية وأراد ~~اللعين بذلك أن يجد فسحة من إغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت ~~لاستحالته بعد البعث «قال» استئناف كما سلف «إنك من المنظرين» ورود الجواب ~~بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله الآخرين على وجه يشعر بأن السائل ~~تبع لهم في ذلك صريح في أنه إخبار بالإنظار المقدر لهم أزلا لا إنشاء ~~لإنظار خاص به إجابة لدعائه وأن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت غذ به ~~يتحقق كونه من جملتهم لا لتأخير العقوبة كما قيل أي إنك من جملة الذين أخرت ~~آجالهم أزلا حسبما تقتضيه الحكمة التكوينية إلى وقت فناء غير ما ms1138 استثناه ~~الله تعالى من الخلائق وهو النفخة الأولى إلى وقت البعث الذي هو المسؤول ~~وقد ترك التوقيت للإيجاز ثقة بما وقع في سورة الحجر وسورة ص كما ترك ذكر ~~النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر فيهما بقوله عز وجل ~~رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم وفي ~~إنظاره ابتلاء للعباد وتعريض للثواب إن قلت لار ريب في أن الكلام المحكي له ~~عند صدوره عن المتكلم حالة PageV03P217 # مخصوصة تقتضي وروده على وجه خاص من وجوه النظم بحيث لو أخل بشيء من ذلك ~~سقط الكلام عن رتبة البلاغة البتة فالكلام الواحد المحكي على وجوه شتى إن ~~اقتضى الحال وروده على وجه معين من تلك الوجوه الواردة عند الحكاية فذلك ~~الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة دون ما عداه من ~~الوجوه إذا تمهد هذا فنقول لا يخفى أن استنظار اللعين إنما صدر عنه مرة ~~واحدة لا غير فمقامه إن اقتضى إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على ما حاق ~~به من اللعن والطرد على نهج استدعاء الجبر في مقابلة الكسر كما هو المتبادر ~~من قوله رب فأنظرني حسبما حكى عنه في السورتين فما حكي ههنا يكون بمعزل من ~~المطابقة لمقتضى الحال فضلا عن العروج إلى معارج الإعجاز قلنا مقام ~~استنظاره مقتض لما ذكر من إظهار الضراعة وترتيب الاستنظار على الحرمان ~~المدلول عليه بالطرد والرجم وكذا مقام الإنظار مقتض لترتيب الإخبار ~~بالإنظار على الاستنظار وقد طبق الكلام عليه في تينك السورتين ووفى كل واحد ~~من مقامي الحكاية والمحكي جميعا حظه وأما ههنا فحيث اقتضى مقام الحكاية ~~مجرد الإخبار بالاستنظار والإنظار سيقت الحكاية على نهج الإيجاز والاختصار ~~من غير تعرض لبيان كيفية كل واحد منهما عند المخاطبة والحوار إن قلت فإذن ~~لا يكون ذلك نقلا للكلام على ما هو عليه ولا مطابقا لمقتضى المقام قلنا ~~الذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله الذي يفيده ~~وأما كيفية إفادته فليس مما يجب ms1139 مراعاته عند النقل البتة بل قد تراعي وقد ~~لا تراعي حسب اقتضاء المقام ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها بل قد ~~يراعي عند نقله كيفيات وخصوصات لم يراعها المتكلم أصلا ولا يخل ذلك بكون ~~المنقول أصل المعنى ألا يرى أن جميع المقالات المنقولة في القرآن الكريم ~~إنما تحكي بكيفيات واعتبارات لا يكاد يقدر على مراعاتها من تكلم بها حتما ~~وإلا لأمكن صدور الكلام المعجز عن البشر فيما إذا كان المحكي كلاما وأما ~~عدم مطابقته لمقتضى الحال فمنشؤه الغفلة عما يجب توفير مقتضاه من الأحوال ~~فإن ملاك الأمر هو مقام الحكاية وأما مقام وقوع المحكي فإن كان مقتضاه ~~موافقا لمقتضى مقام الحكاية يوفى كل واحد من المقامين حقه كما في سورة ~~الحجر وسورة ص فإن مقام الحكاية فيهما لما كان مقتضيا لبسط الكلام وتفصيله ~~على الكيفيات التي وقع عليها روعي حق المقامين معا وأما في هذه السورة ~~الكريمة فحيث اقتضى مقام الحكاية الإيجاز روعي جانبه ألا يرى أن المخاطب ~~المنكر إذا كان ممن لا يفهم إلا أصل المعنى وجب على المتكلم أن يجرد كلامه ~~عن التأكيد وسائر الخواص والمزايا التي يقتضيها المقام ويخاطبه بما يناسبه ~~من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن يقصد معنى زائدا يفهمه سامع آخر بليغ هو ~~تجريده عن الخواص رعاية لمقتضى حال المخاطب في الفهم وبذلك يرتقي كلامه عن ~~رتبة أصوات الحيوانات كما حقق في مقامه فإذا وجب مراعاة مقام الحكاية مع ~~اقتضائها إلى تجريد الكلام عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنك بوجوب ~~مراعاته مع تحلية الكلام بمزايا أخر يرتقي بها إلى رتبة الإعجاز لا سيما ~~إذا وفى حق مقام المحكي في السورتين الكريمتين وكان هذا الإيجاز مبنيا عليه ~~وثقة به «قال» استئناف كأمثاله «فبما أغويتني» الباء للقسم كما في قوله ~~تعالى PageV03P218 # فبعزتك لأغوينهم فإن إغواءه تعالى إلى إياه أثر من آثار قدرته عز وجل ~~وحكم من أحكام سلطانه تعالى فمآل الإقسام بهما واحد فلعل اللعين أقسم بهما ~~جميعا فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر والفاء ms1140 لترتيب مضمون الجملة على ~~الإنظار وما مصدرية أي فأقسم بإغوائك إياي «لأقعدن لهم» أو للسببية على أن ~~الباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بقوله لأقعدن لهم كما في الوجه الأول ~~فإن اللام تصد عن ذلك أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك لأقعدن لآدم ~~وذريته ترصدا بهم كما يقعد القطاع للقطع على السابلة «صراطك المستقيم» ~~الموصل إلى الجنة وهو دين الإسلام فالقعود مجاز متفرع على الكتابة وانتصابه ~~على الظرفية كما في قوله كما عسل الطريق الثعلب وقيل على نزع الجار تقديره ~~على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن «ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمائلهم» أي من الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدو منها ~~مثل قصده إياهم للتسويل والإضلال من أي وجه يتيسر بإتيان العدو من الجهات ~~الأربع ولذلك لم يذكر الفرق والتحت وعن ابن عباس رضي الله عنهما من بين ~~أيديهم من قيل الآخرة ومن خلفهم من جهة الدنيا وعن ايمانهم وعن شمائلهم من ~~جهة حسناتهم وسيئاتهم وقيل من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز ~~منه ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون وعن ايمانهم وعن شمائلهم من حيث ~~يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن ~~حيث لا يتيسر لهم ذلك وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه ~~منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف ~~المتجافي عنهم المار على عرضهم ونظيره جلست عن يمينه «ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين» أي مطيعين وإنما قاله ظنا لقوله تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~لما رأى منهم مبدأ الشر متعددا ومبدأ الخير واحدا وقيل سمعه من الملائكة ~~عليهم السلام «قال» استئناف كما سلف مرارا «اخرج منها» أي من الجنة أو من ~~السماء أو من بين الملائكة «مذموما» أي مذموما من ذأمه إذا ذمه وقرئ مذوما ~~كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل من ذامه يذيمه ذيما «مدحورا» مطرودا «لمن ~~تبعك منهم» اللام موطئه للقسم وجوابه «لأملأن ms1141 جهنم منكم أجمعين» وهو ساد ~~مسد جواب الشرط وقرئ لمن تبعك بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى لمن ~~تبعك هذا الوعيد أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم منك ومنهم ~~على تغليب المخاطب «ويا آدم» أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة PageV03P219 # وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بتلق المأمور به وتخصيص ~~الخطاب به عليه السلام للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به ~~«اسكن أنت وزوجك الجنة» هو من السكن الذي هو عبارة عن اللبث والاستقرار ~~والإقامة لا من السكون الذي هو ضد الحركة وأنت ضمير أكد به المستكن ليصح ~~العطف عليه والفاء في قوله تعالى «فكلا من حيث شئتما» لبيان المراد مما في ~~سورة البقرة من قوله تعالى وكلا منها رغدا حيث شئتما من أن ذلك كان جمعا مع ~~الترتيب وقوله تعالى من حيث شئتما في معنى منها حيث شئتما ولم يذكر ههنا ~~رغدا ثقة بما ذكر هناك وتوجيه الخطاب إليهما لتعميم التشريف والإيذان ~~بتساويهما ي مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السى لام في حق الأكل ~~بخلاف السكن فإنها تابعة له فيه ولتعليق النهي بها صريحا في قوله تعالى ~~«ولا تقربا هذه الشجرة» وقرئ هذي وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من ~~الياء «فتكونا من الظالمين» إما جزم على العطف أو نصب على الجواب «فوسوس ~~لهما الشيطان» أي فعل الوسوسة لأجلهما أو تكلم لهما كلاما خفيا متداركا وهي ~~في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلى وقد سبق بيان ~~كيفية وسوسته في سورة البقرة «ليبدي لهما» أي ليظهر لهما واللام للعاقبة أو ~~للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما ولذلك عبر عنهما ~~بالسوأة وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة ~~قبيح مستهجن في الطباع «ما ووري عنهما من سوآتهما» نما غطى ة وستر عنهما من ~~عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وإنما لم تقلب ~~الواو المضمومة همزة ms1142 في المشهورة كما قلبت في أو يصل تصغير واصل لأن ~~الثانية مدة وقرئ سواتهما بحذف الهمزة وإلقاء حركاتها على الواو وبقلبها ~~واوا وإدغام الواو الساكنة فيها «وقال» عطف على وسوس بطريق البيان «ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة» أي عن أكلها «إلا أن تكونا ملكين» أي إلا ~~كراهة أن تكونا ملكين «أو تكونا من الخالدين» الذين لا يموتون أو يخلدون في ~~الجنة وليس فيه دلالة على أفضلية الملائكة عليهم السلام لما أن من المعلوم ~~أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من ~~الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من الدلالة ~~على الأفضلية بالمعنى المتنازع فيه «وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين» أي ~~أقسم لهما وصيغة المغالبة للمبالغة وقيل أقسما له بالقبول وقيل قالا له ~~أتقسم بالله إنك لمن الناصحين وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة «فدلاهما» ~~PageV03P220 # فنزلهما على الكل من الشجرة وفيه تنبيه على أنه أهبطهما بذلك من درجة ~~عالية فإن التدلية والإدلاء إرسال الشيء من الأعلى إلى السفل «بغرور» بما ~~غرهما به من القسم فإنهما ظنا أن أحدا لا يقسم بالله كاذبا أو متلبسين ~~بغرور «فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما» أي فلما وجدا طعمها آخذين في ~~الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما ~~عوراتهما واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة والكرم أو غيرهما وأن اللباس ~~كان نورا أو ظفرا «وطفقا يخصفان» طفق من أفعال الشروع والتلبس كأخذ وجعل ~~وأنشأ وهب وانبرى أي أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة «عليهما من ورق ~~الجنة» قيل كان ذلك ورق التين وقرئ يخصفان من أخصف أي يخصفان أنفسهما ~~ويخصفان من التخصيف ويخصفان أصله يختصفان «وناداهما ربهما» مالك أمرهما ~~بطريق العتاب والتوبيخ «ألم أنهكما» وهو تفسير للنداء فلا محل له من ~~الإعراب أو معمول لقول محذوف أي وقال أو قائلا ألم أنهكما «عن تلكما ~~الشجرة» ما في اسم الإشارة من معنى البعد لما أنه إشارة إلى الشجرة التي ~~نهى عن قربانها «وأقل لكما» ms1143 عطف على أنهكما أي ألم أقل لكما «إن الشيطان ~~لكما عدو مبين» وهذا عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو كما أن الأول ~~عتاب على مخالفة النهي قيل فيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم ولكما متعلق ~~بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حال من عدو ولم يحك هذا القول ~~ههنا وقد حكى في سورة طه بقوله تعالى إن هذا عدو لك ولزوجك الآية روي أنه ~~تعالى قال لآدم ألم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال ~~بلى وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال فبعزتي لأهبطنك ~~إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا فاهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث ~~فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وعجن وخبز «قالا ربنا ظلمنا أنفسنا» أي ضررناها ~~بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة «وإن لم تغفر لنا» ذلك «وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين» وهو دليل على أن الصغائر يعاقب عليها إن لم تغفر وقال ~~المعتزلة لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك حملوا قولهما ذلك ~~على عادات المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستصغار العظيم من ~~الحسنات «قال» استئناف كما مر مرارا «اهبطوا» خطاب لآدم وحواء وذريتهما أو ~~لهما ولإبليس كررا الأمر له تبعا لهما ليعلم أنهم قرناء أبدا أو أخبر عما ~~قال لهم مفرقا كما في قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ولم يذكر ~~ههنا قبول توبتهما ثقة بما ذكر في سائر المواضع «بعضكم لبعض عدو» جملة ~~حالية من فاعل اهبطوا أي متعادين «ولكم في الأرض مستقر» اي استقرار أو موضع ~~استقرار «ومتاع» اي تمتع وانتفاع «إلى حين» هو حين انقضاء آجالكم «قال» ~~أعيد الاستئناف إما للإيذان بعدم اتصال ما بعده بما قبله كما في قوله تعالى ~~قال فما خطبكم أيها المرسلون إثر قوله تعالى قال ومن PageV03P221 # يقنط من رحمة ربه إلا الضالون وقوله تعالى قال أرأيتك هذا الذي كرمت على ~~بعد قوله تعالى قال أأسجد لمن خلقت طينا وإما ms1144 لإظهار الاعتناء بمضمون ما ~~بعده من قوله تعالى «فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون» أي للجزاء ~~كقوله تعالى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى «يا بني ~~آدم» خطاب للناس كافة وإيرادهم بهذا العنوان مما لا يخفى سره «قد أنزلنا ~~عليكم لباسا» أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة منها ونظيره ~~وأنزل لكم من الأنعام الخ وقوله تعالى وأنزلنا الحديد «يواري سوآتكم» التي ~~قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطر إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ~~ذلك وروى ان العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون لا نطوف بثياب عصينا ~~الله تعالى فيها فنزلت ولعل ذكر قصة آدم عليه السلام حينئذ للإيذان بأن ~~انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من قبل الشيطان وأنه أغواهم في ذلك كما ~~أغوى أبويهم «وريشا» ولباسا تتجملون به والريش الجمال وقيل مالا ومنه تريش ~~الرجل أي تمول وقرئ رياشا وهو جمع ريش كشعب وشعاب «ولباس التقوى» أي خشية ~~الله تعالى وقيل الإيمان وقيل السمت الحسن وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء ~~خبره جملة «ذلك خير» أو خبر وذلك صفته كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه ~~خير وقرئ ولباس التقوى بالنصب عطفا على لباسا «ذلك» أي إنزال اللباس «من ~~آيات الله» دالة على عظيم فضله وعميم رحمته «لعلهم يذكرون» فيعرفون نعمته ~~أو يتعظون فيتورعون عن القبائح «يا بني آدم» تكرير النداء للإيذان بكمال ~~الاعتناء بمضمون ما صدر به وإيرادهم بهذا العنون مما لا يخفى سببه «لا ~~يفتننكم الشيطان» أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول ~~الجنة «كما أخرج أبويكم من الجنة» نعت لمصدر محذوف أي لا يفتننكم فتنة مثل ~~إخراج أبويكم وقد جوز أن يكون التقدير لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه ~~لأبويكم والنهي وإن كان متوجها إلى الشيطان لكنه في الحقيقة متوجه إلى ~~المخاطبين كما في قولك لا أرينك ههنا وقد مر تحقيقه مرارا «ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما» حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإسناد النزع إليه ~~للتسبيب وصيغة المضارع لاستحضار ms1145 الصورة وقوله تعالى «إنه يراكم هو وقبيله» ~~أي جنوده وذريته استئناف لتعليل النهي وتأكيد التحذير منه «من حيث لا ~~ترونهم» من لابتداء غاية الرؤية حيث ظرف لمكان انتفاء الرؤية ولا ترونهم في ~~محل الجر بإضافة الظرف إليه ورؤيتهم لنا من حيث لا نراهم لا تقتضي امتناع ~~رؤيتنا PageV03P222 # لهم مطلقا واستحالة تمثلهم لنا «إنا جعلنا الشياطين» جعل قبيله من جملته ~~فجمع «الذين لا يؤمنون» أي جعلناهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة أو ~~بإرسالهم عليهم وتمكينهم من إغوائهم وحملهم على ما سولوا لهم أولياء أي ~~قرناء مسلطين عليهم والجملة تعليل آخر للنهي وتأكيد للتحذير إثر تحذير ~~«وإذا فعلوا فاحشة» جملة مبتدأة لا محل لها من الإعراب وقد جوز عطفها على ~~الصلة والفاحشة الفعلة المتناهية في القبح والتاء لأنها مجراة على الموصوف ~~المؤنث أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية والمراد بها عبارة الأصنام وكشف ~~العورة في الطواف ونحوهما «قالوا» جوابا للناهين عنها «وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها» محتجين بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه ~~ولعل تقديم المقدم للإيذان منهم بأن آباءهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله ~~تعالى بها على أن ضمير أمرنا لهم ولآبائهم فحينئذ يظهر وجه الإعراض عن ~~الأول في رد مقالتهم بقوله تعالى «قل إن الله لا يأمر بالفحشاء» فإن عادته ~~تعالى جارية على الأمر بمحاسن الأعمال والحث على مراضي الخصال ولا دلالة ~~فيه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه عاجلا والعقاب ى جلا عقلي فإن ~~المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم وقيل ~~هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لما فعلوها لم فعلتم فقالوا وجدنا عليها ~~آباءنا فقيل لم فعلها آباؤكم فقالوا الله أمرنا بها وعلى الوجهين يمنع ~~التقليد إذا قام الدليل بخلافه لا مطلقا «أتقولون على الله ما لا تعلمون» ~~من تمام القول المأمور به والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وتوجيه الإنكار ~~والتوبيخ إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدوره عنه تعالى مع أن بعضهم ~~يعلمون عدم صدوره عنه تعالى مبالغة في ms1146 إنكار تلك الصورة فإن إسناد ما لم ~~يعلم صدوره عنه تعالى إليه تعالى إذا كان منكرا فإسناد ما علم عدم صدوره ~~عنه إليه عز وجل أشد قبحا وأحق بالإنكار * «قل أمر ربي بالقسط» بيان ~~للمأمور به إثر نفس ما أسند أمره إليه تعالى من الأمور المنهي عنها والقسط ~~هو العدل وهو الوسط من كل شيء المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط «وأقيموا ~~وجوهكم» وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها أو أقيموا ~~وجوهكم نحو القبلة «عند كل مسجد» في كل وقت سجود أو مكان سجود وهو الصلاة ~~أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة عنده ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم ~~«وادعوه» واعبدوه «مخلصين له الدين» اي الطاعة فإن مصيركم إليه بالآخرة ~~«كما بدأكم» أي أنشأكم ابتداء «تعودون» إليه بإعادته فيجازيكم على أعمالكم ~~وإنما شبه الإعادة بالإبداء تقريرا لإمكانها والقدرة عليها وقيل كما بدأكم ~~من التراب تعودون إليه وقيل حفاة عراة غر لا تعودون إليه وقيل كما بدأكم ~~مؤمنا وكافرا يعيدكم PageV03P223 # «فريقا هدى» بأن وفقهم للإيمان «وفريقا حق عليهم الضلالة» بمقتضى القضاء ~~السابق التابع للمشيئة المبنية على الحكم البالغة وانتصابه بفعل مضمر يفسره ~~ما بعده أي وخذل فريقا «إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله» تعليل ~~لخذلانه أو تحقيق لضلالتهم «ويحسبون أنهم مهتدون» فيه دلالة على أن الكافر ~~المخطىء والمعاند سواء في استحقاق الذم وللفارق أن يحمله على المقصر في ~~النظر «يا بني آدم خذوا زينتكم» أي ثيابكم لمواراة عورتكم «عند كل مسجد» أي ~~طواف أو صلاة ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة وفيه دليل على ~~وجوب ستر العورة في الصلاة «وكلوا واشربوا» مما طاب لكم روي أن بني عامر ~~كانوا في أيم حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك ~~حجهم فهم المسلمون بمثله فنزلت «ولا تسرفوا» بتحريم الحلال أو بالتعدي إلى ~~الحرام أو بالإفراط في الطعام والشره عليه وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما كل ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة وقال ms1147 علي بن الحسين بن واقد ~~جمع الله الطب في نصف آية فقال كلوا واشربوا ولا تسرفوا «إنه لا يحب ~~المسرفين» أيب لا يرتضي فعلهم «قل من حرم زينة الله» من الثياب وما يتجمل ~~به «التي أخرج لعباده» من النبات كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف ~~والمعادن كالدروع «والطيبات من الرزق» أي المستلذات من المآكل والمشارب ~~وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن ~~الاستفهام في من إنكاري «قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا» بالأصالة ~~والكفرة وإن شاركوهم فيها فبالتبع «خالصة يوم القيامة» لا يشاركهم فيها ~~غيرهم وانتصابه على الحالية وقرئ بالرفع على أنه خبر بعد خبر «كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون» اي مثل هذا التفصيل نفصل سائر الأحكام لقوم يعلمون ما ~~في تضاعيفها من المعاني الرائقة «قل إنما حرم ربي الفواحش» أي ما تفاحش ~~قبحه من الذنوب وقيل ما يتعلق منها بالفروج «ما ظهر منها وما بطن» بدل من ~~الفواحش أي جهرها وسرها «والإثم» أي ما يوجب الإثم وهو تعميم بعد تخصيص ~~وقيل هو شرب الخمر «والبغي» أي الظلم أو الكبر أفرد بالذكر PageV03P224 # للمبالغة في الزجر عنه «بغير الحق» متعلق بالغي مؤكد له معنى «وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا» تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم اتباع ما لا ~~يدل عليه برهان «وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون» بالإلحاد في صفاته ~~والافتراء عليه كقولهم والله أمرنا بها وتوجيه التحريم إلى قولهم عليه ~~تعالى ما لا يعلمون وقوعه لا يعلمون عدم وقوعه قد مر سره «ولكل أمة» من ~~الأمم المهلكة «أجل» حد معين من الزمان مضروب لمهلكهم «فإذا جاء أجلهم» إن ~~جعل الضمير للأمم المدلول عليها بكل أمة فإظهار الأجل مضافا إليه لإفادة ~~المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه إياها بواسطة ~~اكتساب الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى الجمعية كأنه قيل إذا جاءهم آجالهم ~~بأن يجئ كل واحدة من تلك الأمم أجلها الخاص بها وإن جعل لكل أمة خاصة كما ~~هو ms1148 الظاهر فالإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإضافة إلى الضمير ~~لإفادة أكمل التمييز أي إذا جاءها أجلها الخاص بها «لا يستأخرون» عن ذلك ~~الأجل «ساعة» أي شيئا قليلا من الزما فإنها مثل ي غاية القلة منه أي لا ~~يتأخرون أصلا وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم وحرمانهم عن ذلك مع طلبهم له ~~«ولا يستقدمون» أي ولا يتقدمون عليه وهو عطف على يستأخرون لكن لا لبيان ~~انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر بل المبالغة في انتفاء التأخر ~~بنظمه في سلك المستحيل عقلا كما في قوله سبحانه وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم ~~كفار فإن من مات كافرا مع ظهور أن لا توبة له رأسا قد نظم في عدم القبول في ~~سلك من سوفها إلى حضور الموت إيذانا بتساوي وجود التوبة حينئذ وعدمها ~~بالمرة وقيل المراد بالمجىء الدنو بحيث يمكن التقدم في الجملة كمجىء اليوم ~~الذي ضرب لهلاكهم ساعة فيه وليس بذاك وتقديم بيان انتفاء الاستيخار لما أن ~~المقصود بالذات بيان عدم خلاصهم من العذاب وأما ما في قوله تعالى ما تسبق ~~من أمة أجلها وما يستأخرون من سبق السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيان ~~سر تأخير إهلاكهم مع استحقاقهم له حسبما ينبئ عنه قوله تعالى ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون فالأهم هناك بيان انتفاء السبق «يا بني ~~آدم» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى كافة الناس اهتماما بشأن ما في حيزه «إما ~~يأتينكم» هي إن الشرطية ضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط ولذلك لزمت فعلها ~~النون الثقيلة أو الخفيفة وفيه تنبيه على أن إرسال الرسل أمر حائز لا واجب ~~عقلا «رسل منكم» الجار متعلق بمحذوف هو صفة لرسل أي كائنون من جنسكم وقوله ~~«يقصون عليكم آياتي» صفة أخرى لرسل أي يبينون لكم أحكامي وشرائعي وقوله ~~تعالى «فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» جملة شرطية وقعت جوابا ~~PageV03P225 # للشرط أي فمن اتقى منكم التكذيب وأصلح عمله ms1149 فلا خوف الخ وكذا وقوله تعالى ~~«والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» ~~أي والذين كذبوا منكم بآياتنا وإيراد الاتقاء في الأول للإيذان بأن مدار ~~الفلاح ليس مجرد عدم التكذيب بل هو الاتقاء والاجتناب عنه وإدخال الفاء في ~~الجزاء الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد «فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته» أي تقول عليه ما لم يقله أو كذب ما ~~قاله أي هو أظلم من كل ظالم وقد مر تحقيقه مرارا «أولئك» إشارة إلى الموصول ~~والجمع باعتبار معناه كما إن إفراد الفعلين باعتبار لفظه وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بتماديهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بما ذكر من ~~الافتراء والتكذيب «ينالهم نصيبهم من الكتاب» أي مما كتب لهم من الأرزاق ~~والأعمار وقيل الكتاب اللوح أي ما أثبت لهم فيه وأيا ما كان فمن الابتدائية ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من نصيبهم أي ينالهم نصيبهم كائنا من الكتاب وقيل ~~نصيبهم من العذاب وسواد الوجه وزرقة العيون وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما كتب لمن يفتري على الله سواد الوجه قال تعالى ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة وقوله تعالى «حتى إذا جاءتهم رسلنا» أي ملك ~~الموت وأعوانه «يتوفونهم» أي حال كونهم متوفين لأرواحهم يؤيد الأول فإن حتى ~~وإن كانت هي التي يبتدأ بها الكلام لكنها غاية لما قبلها فلا بد أن يكون ~~نصيبهم مما يتمتعون بها إلى حين وفاتهم أي ينالهم نصيبهم من الكتاب إلى أن ~~يأتيهم ملائكة الموت فإذا جاءتهم «قالوا» لهم «أين ما كنتم تدعون من دون ~~الله» أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا وما وقعت موصولة بأين في ~~خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة «قالوا» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ ~~من حكاية سؤال الرسل كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا «ضلوا عنا» ~~أي غابوا عنا أي لا ندري مكانهم «وشهدوا على أنفسهم» عطف على قالوا أي ~~اعترفوا ms1150 على أنفسهم «أنهم كانوا» أي في الدنيا «كافرين» عابدين لما لا ~~يستحق العبادة أصلا حيث شاهدوا حاله وضلاله ولعله أريد بوقت مجىء الرسل ~~وحال التوفي الزمان الممتد من ابتداء المجىء والتوفي إلى انتهائه يوم ~~الجزاء بناء على تحقق المجىء والتوفي في كل ذلك الزمان بقاء وإن كان ~~حدوثهما في أوله فقط أو قصد بيان غاية سرعة وقوع البعث والجزاء كأنهما ~~حاصلان عند ابتداء التوفي كما ينبئ عنه قوله صلى الله عليه وسلم من مات فقد ~~قامت قيامته وإلا فهذا السؤال والجواب وما ترتب عليهما من الأمر بدخول ~~النار وما جرى بين أهلها من التلاعن PageV03P226 # والتقاول إنما يكون بعد البحث لا محالة «قال» اي الله عز وجل يوم القيامة ~~بالذات أو بواسطة الملك «ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم» أي كائنين من جملة ~~أمم مصاحبين لهم «من الجن والإنس» يعني كفار الأمم الماضية من النوعين «في ~~النار» متعلق بقوله ادخلوا «كلما دخلت أمة» من الأمم السابقة واللاحقة فيها ~~«لعنت أختها» التي ضلت بالاقتداء بها «حتى إذا اداركوا فيها جميعا» أي ~~تداركوا وتلاحقوا في النار «قالت أخراهم» دخولا أو منزلة وهم الأتباع ~~«لأولاهم» أي لأجلهم إذ الخطاب مع الله تعالى لا معهم «ربنا هؤلاء أضلونا» ~~سنوا لنا الضلال فاقتدنا بهم «فآتهم عذابا ضعفا» اي مضاعفا من النار لأنهم ~~ضلوا وأضلوا «قال لكل ضعف» أما القادة فلما ذكر من الضلال والإضلال وأما ~~الأتباع فلكفرهم وتقليدهم «ولكن لا تعلمون» اي ما لكم وما لكل فريق من ~~العذاب وقرئ بالياء «وقالت أولاهم» اي مخاطبين «لأخراهم» حين سمعوا جواب ~~الله تعالى لهم «فما كان لكم علينا من فضل» أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ~~وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب «فذوقوا العذاب» أي العذاب ~~المعهود المضاعف «بما كنتم تكسبون» من قول القادة «إن الذين كذبوا بآياتنا» ~~مع وضوحها «واستكبروا عنها» أي عن الإيمان بها والعمل بمقتضاها «لا تفتح ~~لهم أبواب السماء» أي لا تقبل أدعيتهم ولا أعمالهم ولا تعرج إليها أرواحهم ~~كما ms1151 هو شأن أدعية المؤمنين وأعمالهم وأرواحهم والتاء في تفتح لتأنيث ~~الأبواب والتشديد لكثرتها وقرئ بالتخفيف وبالتخفيف والياء وقرئ على البناء ~~للفاعل ونصب الأبواب على أن الفعل للآيات وبالياء على أنه لله تعالى «ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم ~~الجرم فيما علم في ضيق الملك وهو ثقبة الإبرة وفي كون الجمل مما ليس من ~~شأنه الولج في سم الإبرة مبالغة في الاستبعاد وقرئ الجمل كالقمل والجمل ~~كالنغر والجمل كالقفل والجمل كالنصب والجمل كالحبل وهي الحبل الغليظ من ~~القنب وقيل حبل السفينة وسم بالضم والكسر وقرئ في سم المخيط وهو الخياط أي ~~ما يخاط به كالحزام والمحزم «وكذلك» أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع «نجزي ~~المجرمين» أي جنس المجرمين وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا PageV03P227 # «لهم من جهنم مهاد» أي فراش من تحتهم والتنوين للتفخيم ومن تجريدية «ومن ~~فوقهم غواش» أي أغطية والتنوين للبدل عن الإعلال عند سيبويه وللصرف عند ~~غيره وقرئ غواش على إلغاء المحذوف كما في قوله تعالى وله الجوار المنشآت ~~«وكذلك» ومثل ذلك الجزاء الشديد «نجزي الظالمين» عبر عنهم بالمجرمين تارة ~~وبالظالمين أخرى إشعارا بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بكل واحد من ذينك ~~الوصفين القبيحين وذكر الجرم مع الحرمان من دخول الجنة والظلم مع التعذيب ~~بالنار للتنبيه على أنه أعظم الجرائم والجرائر «والذين آمنوا» أي بآياتنا ~~أو بكل ما يجب أن يؤمن به فيدخل فيه الآيات دخولا أوليا وقوله تعالى ~~«وعملوا الصالحات» أي الأعمال الصالحة التي شرعت بالآيات وهذا بمقابلة ~~الاستكبار عنها «لا نكلف نفسا إلا وسعها» اعتراض وسط بين المبتدأ الذي هو ~~الموصول والخبر الذي هو جملة «أولئك أصحاب الجنة» للترغيب في اكتساب ما ~~يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولة مناله وتيسر تحصيله وقرئ لا تكلف نفس ~~واسم الإشارة مبتدأ وأصحاب الجنة خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول أو اسم ~~الإشارة بدل من المبتدأ الأول الذي هو الموصول والخبر أصحاب الجنة وما فيه ~~من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في ms1152 الفضل والشرف «هم فيها خالدون» جحال ~~من أصحاب الجنة وقد جوز كونه حالا من الجنة لاشتماله على ضميرها والعامل ~~معنى الإضافة أو اللام المقدرة أو خبر ثان لأولئك على رأي من جوزه وفيها ~~متعلق بخالدون «ونزعنا ما في صدورهم من غل» أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل ~~أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد وصيغة الماضي للإيذان بتحققه ~~وتقرره وعن علي رضي الله تعالى عنه إني لأرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير منهم «تجري من تحتهم الأنهار» زيادة في لذتهم وسرورهم والجملة حال ~~من الضمير في صدورهم والعامل إما معنى الإضافة وإما العامل في المضاف أو ~~حال من فاعل نزعنا والعامل نزعنا وقيل هي مستأنفة للإخبار عن صفة أحوالهم ~~«وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا» أي لما جزاؤه هذا «وما كنا لنهتدي» أي ~~لهذا المطلب الأعلى أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها «لولا أن هدانا ~~الله» ووفقنا له واللام لتأكيد النفي وجواب النفي لولا محذوف ثقة بدلالة ما ~~قبله عليه ومفعول نهتدي وهدانا الثاني PageV03P228 # محذوف لظهور المراد أو لإرادة التعميم كما أشير إليه والجملة مستأنفة أو ~~حالية وقرئ ما كنا لنهتدي الخ بغير واو على أنها مبنية ومفسرة للأولى «لقد ~~جاءت رسل ربنا» جواب قسم مقدر قالوه تبجحا واغتباطا بما نالوه وابتهاجا ~~بإيمانهم بما جاءتهم الرسل عليهم السلام والباء في قوله تعالى «بالحق» إما ~~للتعدية فهي متعلقة بجاءت أو للملابسة فهي متعلقة بمقدر وقع حالا من الرسل ~~أي والله لقد جاءوا بالحق ولقد جاءوا ملتبسين بالحق «ونودوا» أي نادتهم ~~الملائكة عليهم السلام «أن تلكم الجنة» أن مفسرة لما في النداء من معنى ~~القول أو مخففة من أن وضمير الشأن محذوف ومعنى البعد في اسم الإشارة إما ~~لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد غما لرفع منزلتها وبعد رتبتها ~~وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وعدوها في الدنيا «أورثتموها بما كنتم ~~تعملون» في الدنيا من الأعمال الصالحة أي أعطيتموها بسبب أعمالكم أو ~~بمقابلة أعمالكم والجملة ms1153 حال من الجنة والعامل معنى الإشارة على أن تلكم ~~الجنة مبتدأ وخبر أو الجنة صفة والخبر أورثتموها «ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار» تبجحا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيرا لهم لا لمجرد الإخبار ~~بحالهم والاستخبار عن حال مخاطبيهم «أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا» حيث ~~نلنا هذا المنال الجليل «فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا» حذف المفعول من الفعل ~~الثاني إسقاطا لهم عن رتبة التشريف بالخطاب عند الوعد وقيل لأن ما ساءهم من ~~الموعود لم يكن بأسره مخصوصا بهم وعدا كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة ~~فإنهم قد وجدوا جميع ذلك حقا وإن لم يكن وعده مخصوصا بهم «قالوا نعم» أي ~~وجدناه حقا وقرئ بكسر العين وهي لغة فيه «فأذن مؤذن» قيل هو صاحب الصور ~~«بينهم» أي بين الفريقين «أن لعنة الله على الظالمين» بأن المخففة أو ~~المفسرة وقرئ بأن المشددة ونصب لعنة وقرئ إن بكسر الهمزة على إرادة القول ~~أو إجراء أذن مجرى قال «الذين يصدون عن سبيل الله» صفة مقررة للظالمين أو ~~رفع على الذم أو نصب عليه «ويبغونها عوجا» أي يبغون لها عوجا بأن يصفوها ~~بالزيغ والميل عن الحق وهو أبعد شيء منهما والعوج بالكسر في المعاني ~~والأعيان ما لم يكن منتصبا وبالفتح ما كان في المنتصب كالرمح والحائط «وهم ~~بالآخرة كافرون» غير معترفين «وبينهما حجاب» أي بين الفريقين كقوله تعالى ~~فضرب بينهم بسور أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى ~~«وعلى الأعراف» اي على أعراف الحجاب وأعاليه وهو السور المضروب بينهما جمع ~~PageV03P229 # عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه بظهوره أعرف ~~من غيره «رجال» طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيجلسون بين الجنة والنار ~~حتى يقضي الله تعالى فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء والشهداء ~~والأخيار والعلماء من المؤمنين أو ملائكة يرون في صور الرجال «يعرفون كلا» ~~من أهل الجنة والنار «بسيماهم» بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض ~~الوجه وسواده فعلى من سام إبله إذا أرسلها ms1154 في المرعى معلمة أو من وسم ~~بالقلب كالجاه من الوجه وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو بتعليم الملائكة ~~«ونادوا» أي رجال الأعراف «أصحاب الجنة» حين رأوهم «أن سلام عليكم» بطريق ~~الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره «لم يدخلوها» حال من ~~فاعل نادوا أو من مفعوله وقوله تعالى «وهم يطمعون» حال من فاعل يدخلوها أي ~~نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين في دخولها مترقبين له أي لم ~~يدخلوها وهم في وقت عدم الدخول طامعون «وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب ~~النار» أي إلى جهتهم وفي عدم التعرض لتعلق أنظارهم بأصحاب الجنة والتعبير ~~عن تعلق أبصارهم بأصحاب النار بالصرف إشعار بأن التعلق الأول بطريق الرغبة ~~والميل الثاني بخلافه «قالوا» متعوذين بالله تعالى من سوء حالهم «ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين» أي في النار وفي وصفهم بالظلم دون ما هم عليه ~~حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء إشعار بأن المحذور عندهم ~~ليس نفي العذاب فقط بل مع ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم «ونادى أصحاب ~~الأعراف» كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير «رجالا» من رؤساء ~~الكفار حين رأوهم فيما بين أصحاب النار «يعرفونهم بسيماهم» الدالة على سوء ~~حالهم يومئذ وعلى رياستهم في الدنيا «قالوا» بدل من نادي «ما أغنى عنكم» ما ~~إما الاستفهامية للتوبيخ والتقريع أو نافية «جمعكم» اي اتباعكم وأشياعكم أو ~~جمعكم للمال «وما كنتم تستكبرون» ما مصدرية أي ما أغنى عنكم جميعا ~~واستكباركم المستمر عن قبول الحق أو على الخلق وهو الأنسب بما بعجه وقرئ ~~تستكثرون من الكثرة أي من الأموال والجنود «أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم ~~الله برحمة» من تتمة قولهم للرجال والإشارة إلى ضعفاء المؤمنين الذين كانت ~~الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون صريحا أنهم لا يدخلون الجنة أو يفعلون ~~ما ينبئ عن ذلك كما في قوله تعالى أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال «ادخلوا الجنة» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى أولئك المذكورين أي ادخلوا ~~الجنة على رغم PageV03P230 # أنوفهم «لا خوف ms1155 عليكم» بعد هذا «ولا أنتم تحزنون» أو قيل لأصحاب الأعراف ~~ادخلوا الجنة بفضل الله تعالى بعد أن حبسوا وشاهدوا أحوال الفريقين وعرفوهم ~~وقالوا لهم ما قالوا والأظهر أن لا يكون المراد بأصحاب الأعراف المقصرين في ~~العمل لأن هذه المقالات وما تتفرع هي عليه من المعرفة لا يليق بمن لم يتعين ~~حاله بعد وقيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون ~~الجنة فقال الله تعالى أو الملائكة ردا عليهم أهؤلاء الخ وقرئ ادخلوا ~~ودخلوا على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولا في حقهم لا خوف عليكم ~~«ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة» بعد أن استقر بكل من الفريقين القرار ~~واطمأنت به الدار «أن أفيضوا علينا من الماء» أي صبوه وفيه دلالة على أن ~~الجنة فوق النار «أو مما رزقكم الله» من سائر الأشربة ليلائم الإضافة أو من ~~الأطعمة على أن الإفاضة عبارة عن الإعطاء بكثرة «قالوا» استئناف مبني على ~~السؤال كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا «إن الله حرمهما على الكافرين» أي ~~منعهما منهم منعا كليا فلا سبيل إلى ذلك قطعا «الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا» كتحريم البحيرة والسائبة ونحوهما والتصدية حول البيت واللهو صرف ~~الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب ~~«وغرتهم الحياة الدنيا» بزخارفها العاجلة «فاليوم ننساهم» نفعل بهم ما يفعل ~~الناس بالمنسي من عدم الاعتداد بهم وتركهم في النار تركا كليا والفاء في ~~فاليوم فصيحة وقوله تعالى «كما نسوا لقاء يومهم هذا» في محل النصب على أنه ~~نعت لمصدر محذوف أي ننساهم مثل نسيانهم لقاء يومهم هذا حيث لم يخطروه ~~ببالهم ولم يعتدوا له وقوله تعالى «وما كانوا بآياتنا يجحدون» عطف على ما ~~نسوا أي وكما كانوا منكرين بأنها من عند الله تعالى إنكارا مستمرا «ولقد ~~جئناهم بكتاب فصلناه» أي بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ والضمير ~~للكفرة قاطبة والمراد بالكتاب الجنس أو للمعاصرين منهم والكتاب هو القرآن ~~«على علم» حال من فاعل فصلناه أي عالمين بوجه تفصيله ms1156 حتى جاء حكيما أو من ~~مفعوله أي مشتملا على علم كثير وقرئ فضلناه أي على سائر الكتب عالمين بفضله ~~«هدى ورحمة» حال من المفعول «لقوم لا يؤمنون» لأنهم المغتنمون لآثاره ~~المقتبسون من أنواره PageV03P231 # «هل ينظرون إلا تأويله» أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة بعدم إيمانهم به إلا ما ~~يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد «يوم يأتي ~~تأويله» وهو يوم القيامة «يقول الذين نسوه من قبل» أي تركوه ترك المنسي من ~~قبل إتيان تأويله «قد جاءت رسل ربنا بالحق» اي قد تبين أنهم قد جاءوا بالحق ~~«فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا» ويدفعوا عنا العذاب «أو نرد» أي هل نرد إلى ~~الدنيا وقرئ بالنصب عطفا على فيشفعوا أو لأن أو بمعنى إلى أن فعلى الأول ~~المسؤول أحد الأمرين إما الشفاعة لدفع العذاب أو الرد إلى الدنيا وعلى ~~الثاني أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد هو الرد «فنعمل» ~~بالنصب على أنه جواب الاستفهام الثاني وقرئ بالرفع أي فنحن نعمل «غير الذي ~~كنا نعمل» أي في الدنيا «قد خسروا أنفسهم» بصرف أعمارهم التي هي راس مالهم ~~إلى الكفر والمعاصي «وضل عنهم ما كانوا يفترون» اي ظهر بطلان ما كانوا ~~يفترونه من أن الأصنام شركاء لله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة «إن ربكم الله ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» شروع في بيان مبدأ الفطرة إثر بيان ~~معاد الكفرة أي إن خالقكم ومالككم الذي خالق الأجرام العلوية والسفلية في ~~ستة أوقات كقوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره أو في مقدار ستة أيام فإن ~~المتعارف أن اليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم تكن هي حينئذ وفي خلق ~~الأشياء مدرجا مع القدرة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار ~~للنظار وحث على التأني في الأمور «ثم استوى على العرش» أي استوى أمره ~~واستولى وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف والمعنى ~~أنه تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزها ms1157 عن الاستقرار والتمكن ~~والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك ~~فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك «يغشي الليل النهار» أي يغطيه به ~~ولم يذكر العكس للعلم به أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرىء بنصب الليل ورفع ~~النهار وقرئ بالتشديد للدلالة على التكرار «يطلبه حثيثا» أي يعقبه سريعا ~~كالطالب له لا يفصل بينهما شيء والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو ~~حال من الفاعل أو من المفعول بمعنى حاثا أو محثوثا «والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره» أي خلقهن حال كونهن مسخرات بقضائه وتصريفه وقرئ كلها بالرفع ~~على PageV03P232 # الابتداء والخبر «ألا له الخلق والأمر» فإنه الموجد للكل والمتصرف فيه ~~على الإطلاق «تبارك الله رب العالمين» أي تعالى بالوحدانية في الألوهية ~~وتعظم بالتفرد في الربوبية وتحقيق الآية الكريمة والله تعالى أعلم أن ~~الكفرة كانوا متخذين أربابا فبين لهم أن المستحق الربوبية واحد هو الله ~~تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم ~~وتدبير حكيم فابدع الأفلاك ثم زينها بالشمس والقمر والنجوم كما أشار إليه ~~بقوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين وعمد إلى الأجرام السفلية فخلق ~~جسما قابلا للصور المتبدلة والهيئات المختلفة ثم قسمها لصور نوعية متباينة ~~الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله تعالى وخلق الأرض في يومين أي ما في جهة ~~السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولا ~~وتصويرها ثانيا كما قال بعد قوله تعالى خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي ~~من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام أي مع اليومين ~~الأولين لما فصل في سورة السجدة ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره ~~كالمالك الجالس على سريره فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك ~~وتسيير لكواكب وتكوير الليالي والأيام ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته ~~فقال تعالى ألا له الحلق والأمر تبارك الله رب العالمين ثم أمر بأن يدعوه ~~مخلصين متذللين فقال «ادعوا ربكم» الذي قد عرفتم ms1158 شؤونه الجليلة «تضرعا ~~وخفية» أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص «إنه لا يحب المعتدين» ~~أي لا يحب دعاء المجاوزين لما أمروا به في كل شيء فيدخل فيه الاعتداء في ~~الدعاء دخولا أوليا وقد نبه به على أن الداعي يجب أن لا يطلب ما لا يليق به ~~كرتبة الأنبياء والصعود إلى السماء وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب فيه ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن ~~يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ إنه لا يحب المعتدين «ولا تفسدوا في ~~الأرض» بالكفر والمعاصي «بعد إصلاحها» ببعث الأنبياء عليهم السلام وشرع ~~الأحكام «وادعوه خوفا وطمعا» أي ذوي خوف نظرا إلى قصور أعمالكم وعدم ~~استحقاقكم وطمع نظرا إلى سعة رحمته ووفور فضله وإحسانه «إن رحمة الله قريب ~~من المحسنين» في كل شيء ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقرونا بالخوف ~~والطمع وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الرحم أو لأنه صفة لمحذوف أي أمر قريب ~~أو على تشبيه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل ~~أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره أو لاكتسابه التذكير من ~~المضاف إليه كما أن المضاف يكتب التأنيث من المضاف إليه PageV03P233 # «وهو الذي يرسل الرياح» عطف على الجملة السابقة وقرئ الريح «بشرا» تخفيف ~~بشر جمع بشير أي مبشرات وقرئ بفتح الباء على أنه مصدر بشره بمعنى باشرات أو ~~للبشارة وقرئ نشرا بالنون المضمومة جمع نشور أي ناشرات ونشرا على أنه مصدر ~~في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان ~~«بين يدي رحمته» قدام رحمته التي هي المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال ~~تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه «حتى إذا أقلت» أي حملت واشتقاقه من ~~القلة فإن المقل للشيء يستقله «سحابا ثقالا» بالماء جمعه لأنه بمعنى ~~السحائب «سقناه» اي السحاب وإفراد الضمير لإفراد اللفظ «لبلد ms1159 ميت» أي لأجله ~~ولمنفعته أو لإحيائه أو لسقيه وقرئ ميت «فأنزلنا به الماء» أي بالبلد أو ~~بالسحاب أو بالسوق أو بالريح والتذكير بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى ~~«فأخرجنا به» ويحتمل أن يعود الضمير إلى الماء وهو الظاهر وإذا كان للبلد ~~فالباء للإلصاق في الأول والظرفية في الثاني وإذا كان لغيره فهي للسببية ~~«من كل الثمرات» أي من كل أنواعها «كذلك نخرج الموتى» الإشارة إلى إخراج ~~الثمرات أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه ~~وتطريتها بأنواع النبات والثمرات نخرج الموتى من الأجداث ونحييها برد ~~النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس «لعلكم تذكرون» ~~بطرح إحدى التاءين أي تتذكرون فتعلمون أن من قدر على ذلك على هذا من غير ~~شبهة «والبلد الطيب» أي الأرض الكريمة التربة «يخرج نباته بإذن ربه» ~~بمشيئته وتيسيره عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفحه لأنه أوقعه في ~~مقابلة قوله تعالى «والذي خبث» من البلاد كالسبخة والحرة «لا يخرج إلا ~~نكدا» قليلا عديم النفع ونصبه على الحال والتقدير والبلد الذي خبث لا يخرج ~~نباته إلا نكدا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعا مستترا ~~وقرئ لا يخرج إلا نكدا أي لا يخرجه البلد إلا نكدا فيكون إلا نكدا مفعوله ~~وقرئ نكدا على المصدر أي ذا نكد ونكدا بالإسكان للتخفيف «كذلك» أي مثل ذلك ~~التصريف البديع «نصرف الآيات» أي نرددها ونكررها «لقوم يشكرون» نعمة الله ~~تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وهذا كما ترى مثل لإرسال الرسل عليهم ~~بالشرائع التي هي ماء حياة القلوب إلى المكلفين المنقسمين إلى المقتبسين من ~~أنوارها والمحرومين من مغانم آثارها وقد عقب ذلك بما يحققه ويقرره من قصص ~~الأمم الخالية بطريق الاستئناف فقيل PageV03P234 # «لقد أرسلنا نوحا إلى قومه» هو جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا الخ ~~واطراد استعمال هذه اللام مع قد لكون مدخولها مظنة للتوقع الذي هو معنى قد ~~فغن الجملة القسمية إنما تساق لتأكيد الجملة المقسم عليها ونوح هو ابن لملك ~~بن متوشلح ms1160 بن أخنوخ وهو إدريس النبي عليهما السلام قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما بعث عليه الصلاة والسلام على رأس أربعين سنة من عمره ولبث يدعو ~~قومه تسعمأة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا ~~ومائتين وأربعين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابن مائة سنة وقيل وهو ابن خمسين ~~سنة وقيل وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة ~~وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسون سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة ~~«فقال يا قوم اعبدوا الله» أي اعبدوه وحده وترك التقييد بع للإيذان بأنها ~~العبادة حقيقة وأما العبادة بالإشراك فليست من العبادة في شيء وقوله تعالى ~~«ما لكم من إله غيره» أي من مستحق للعبادة استئناف مسوق لتعليل العبادة ~~المذكورة أو الأمر بها وغيره بالرفع صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع ~~على الابتداء أو الفاعلية وقرئ بالجر باعتبار لفظه وقرئ بالنصب على ~~الاستثناء وحكم غير حكم الاسم الواقع بعد إلا أي ما لكم من إله إلا إياه ~~كقولك ما في الدار من أحد إلا زبد أو غير زيد فمن إله إن جعل مبتدأ فلكم ~~خبره أو خبره محذوف ولكم للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في ~~العالم إله غير الله «إني أخاف عليكم» أي إن لم تعبدوه حسبما أمرت به «عذاب ~~يوم عظيم» هو يوم القيامة أو يوم الطوفان والجملة تعليل للعبادة ببيان ~~الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها ووصف اليوم بالعظم لبيان ~~عظم ما يقع فيه وتكميل الإنذار «قال الملأ من قومه» استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من حكاية قوله عليه السلام كأنه قيل فماذا قالوا له عليه السلام في ~~مقابلة نصحه فقيل قال الرؤساء من قومه والأشراف الذين يمثلون صدور المحافل ~~بأجرامهم والقلوب بجلالهم وهيبتهم والأبصار بجمالهم وأبهتهم «إنا لنراك في ~~ضلال» أي ذهاب عن طريق الحق والصواب والرؤية قلبية ومفعولاها الضمير والظرف ~~«مبين» بين كونه ضلالا «قال» استئناف كما سبق «يا قوم» ناداهم بإضافتهم ~~إليه ms1161 استمالة لقلوبهم نحو الحق «ليس بي ضلالة» أي شيء ما من الضلال قصد ~~عليه الصلاة والسلام تحقيق الحقي في نفي الضلال عن نفسه ردا على الكفرة حيث ~~بالغوا في إثباته له عليه الصلاة والسلام حيث جعلوه مستقرا في الضلال ~~الواضح كونه ضلالا وقوله تعالى «ولكني رسول من رب العالمين» استدراك مما ~~قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية فإن رسالة رب ~~العالمين مستلزمة PageV03P235 # لا محالة كأنه قيل ليس بي شيء من الضلال ولكني في الغاية القاصية من ~~الهداية ومن لابتداء الغاية مجازا متعلقة بمحذوف هو صفة لرسول مؤكدة لما ~~يفيده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي رسول وأي رسول كائن ~~من رب العالمين «أبلغكم رسالات ربي» استئناف مسوق لتقرير رسالته وتفصيل ~~أحكامها وأحوالها وقيل صفة أخرى لرسول على طريقة أنا الذي سمتني أمي حيدره ~~وقرئ أبلغكم من الإبلاغ وجمع رسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها أو ~~لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى النبيين من قبله وتخصيص ربوبيته تعالى به ~~عليه الصلاة والسلام بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار لعلة الحكم الذي هو ~~تبليغ رسالته تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من ~~موجبات امتثاله بأمره تعالى بتبليغ رسالته تعالى إليهم «وأنصح لكم» عطف إلى ~~أبلغكم مبين لكيفية أداء الرسالة وزيادة اللام مع تعدي النصح بنفسه للدلالة ~~على إمحاض النصيحة لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتهم خاصة وصيغة المضارع للدلالة ~~على تجدد نصيحته لهم كما يعرب عنه قوله تعالى رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ~~وقوله تعالى «وأعلم من الله ما لا تعلمون» عطف على ما قبله وتقرير لرسالته ~~عليه الصلاة والسلام أي أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من ~~الأمور الآتية أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرته القاهرة وبطشه الشديد على ~~أعدائه وأن بأسه لا يرد عن ألقم المجرمين ما لا تعلمونه قيل كانوا لم ~~يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علمه ~~نوح عليه السلام بالوحي ms1162 «أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم» جواب ورد لما اكتفى ~~عن ذكره بقولهم إنا لنراك في ضلال مبين من قولهم ما نراك إلا بشرا مثلنا ~~وقولهم لو شاء الله لأنزل ملائكة والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر ~~ينسحب عليه الكلام كأنه قيل أاستبعدتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أي وحي أو ~~موعظة من مالك أموركم ومربيكم «على رجل منكم» أي على لسان رجل من جنسكم ~~كقوله تعالى ما وعدتنا على رسلك وقلتم لأدل ذلك ما قلت من أن الله تعالى لو ~~شاء لأنزل ملائكة «لينذركم» علة للمجىء أي ليحذركم عاقبة الكفر والمعاصي ~~«ولتتقوا» عطف على العلة الأولى مترتبة عليها «ولعلكم ترحمون» عطف على ~~العلة الثانية مترتبة عليها أي ولتتعلق بكم الرحمة بسبب تقواكم وفائدة حرف ~~الترجي التنبيه على عزة المطلب وأن التقوى غير موجب للرحمة بل هي منوطة ~~بفضل الله تعالى وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب ~~الله عز وجل «فكذبوه» فتموا على تكذيبه في دعوى النبوة وما نزل عليه من ~~الوحي الذي بلغه إليهم وأنذرهم بما في PageV03P236 # تضاعيفه واستمروا على ذلك هذه المدة المتطاولة بعد ما كرر عليه الصلاة ~~والسلام عليهم الدعوة مرارا فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا حسبما نطق به قوله ~~تعالى رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا الآيات إذ هو الذي يعقبه الإنجاء ~~والإغراق لا مجرد التكذيب «فأنجيناه والذين معه» من المؤمنين قيل كانوا ~~أربعين رجلا وأربعين امرأة وقيل تسعة أبناؤه الثلاثة وستة ممن آمن به وقوله ~~تعالى «في الفلك» متعلق بالاستقرار في الظرف أي استقروا معه في الفلك ~~وصحبوه فيه أو بفعل الإنجاء أي أنجيناهم في السفينة ويجوز أن يتعلق بمضمر ~~وقع حالا من الموصول أو من ضميره في الظرف «وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا» ~~أي استمروا على تكذيبها وليس المراد بهم الملأ المتصدين للجواب فقط بل كان ~~من أصر على التكذيب منهم ومن أعقابهم وتقديم ذكر الإنجاء على الإغراق ~~للمسارعة إلى الإخبار به والإيذان بسبق الرحمة التي هي مقتضى الذات وتقدمها ms1163 ~~على الغضب الذي يظهر أثره بمقتضى جرائمهم «إنهم كانوا قوما عمين» عمي ~~القلوب غير مستبصرين قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عميت قلوبهم عن ~~معرفة التوحيد والنبوة والمعاد وقرئ عامين والأول أدل على الثبات والقرار ~~«وإلى عاد» متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى أرسلنا في قصة نوح عليه ~~السلام وهو الناصب لقوله تعالى «أخاهم» أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحدا ~~منهم في النسب لا في الدين كقولهم يا أخا العرب وقيل العامل فيهما الفعل ~~المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف على نوحا والأول هو الأولى وأيا ما كان فلعل ~~تقديم المجرور ههنا على المفعول الصريح للحذار عن الإضمار قبل الذكر يرشدك ~~إلى ذلك ما سيأتي من قوله تعالى ولوطا الخ فإن قومه لما لم يعهدوا باسم ~~معروف يقتضي الحال ذكره عليه السلام مضافا إليهم كما في قصة عاد وثمود ~~ومدين خولف في النظم الكريم بين قصته عليه السلام وبين القصص الثلاث وقوله ~~تعالى «هودا» عطف بيان لأخاهم وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن ~~عاد بن عوص ابن أرم بن سام بن نوح عليه السلام وقيل هود بن شالخ بن أرفخشذ ~~بن سام بن نوح بن عم أبي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لكلامه وأعرف بحاله ~~في صدقه وأمانته وأقرب إلى اتباعه «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من ~~حكاية إرساله عليه السلام إليهم كأنه فماذا قال لهم فقيل قال «قال يا قوم ~~اعبدوا الله» اي وحدوه كما يعرب عنه قوله «ما لكم من إله غيره» فإنه ~~استئناف جار مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليل لها أو للأمر بها ~~كأنه قيل خصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا إذ ليس لكم إله سواه وغيره ~~بالرفع صفة لإله باعتبار محله وقرئ بالجمر حملا له على لفظه «أفلا تتقون» ~~إنكار واستبعاد لعدم اتقائهم عذاب الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوح ~~والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا تتفكرون أو أتغفلون فلا تتقون ~~فالتوبيخ على ms1164 المعطوفين معا أو أتعلمون ذلك فلا تتقون فالتوبيخ على المعطوف ~~فقط وفي سورة هود أفلا تعقلون ولعله عليه السلام خاطبهم بكل منهما وقد ~~اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ~~ذكر هناك من قوله تعالى إن أنتم إلا مفترون وقس على ذلك حال بقية ما ذكر ~~وما لم يذكر من أجزاء القصة بل PageV03P237 # حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات ~~المتعددة والله أعلم «قال الملأ الذين كفروا من قومه» استئناف كما مر وإنما ~~وصف الملأ بالكفر إذ لم يكن كلهم على الكفر كملأ قوم نوح بل كان منهم من ~~آمن به عليه السلام ولكن كان يكتم إيمانه كمرثد بن سعد وقيل وصفوا له لمجرد ~~الذم «إنا لنراك في سفاهة» أي متمكنا في خفة عقل راسخا فيها حيث فارق دين ~~آبائك إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون «وإنا لنظنك من الكاذبين» أي ~~فيما ادعيت من الرسالة قالوه لعراقتهم في التقليد وحرمانهم من النظر الصحيح ~~«قال» مستعطفا لهم ومستميلا لقلوبهم مع ما سمع منهم ما سمع من الكلمة ~~الشنعاء الموجبة لتغليظ القول والمشافهة بالسوء «يا قوم ليس بي سفاهة» أي ~~شيء منها ولا شائبة من شوائبها «ولكني رسول من رب العالمين» استدراك مما ~~قبله باعتبار ما يستلزمه ويقتضيه من كونه في الغاية القصوى من الرشد ~~والأناة والصدق والأمانة فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك حتما ~~كأنه قيل ليس بي شيء مما نسبتموني إليه ولكني في غاية ما يكون من الرشد ~~والصدق ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك ومن لابتداء ~~الغاية مجازا متعلقة بمحذوف وقع صفة لرسول مؤكدة لما افاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية وقوله تعالى «أبلغكم رسالات ربي» ~~استئناف سيق لتقرير رسالته وتفصيل أحوالها وقيل صفة أخرى لرسول والكلام في ~~إضافة الرب إلى نفسه عليه السلام بعد إضافته إلى العالمين وكذا في جمع ~~الرسالات كالذي مر في قصة نوح عليه ms1165 السلام وقرئ أبلغكم من الإبلاغ «وأنا ~~لكم ناصح أمين» معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك وإنما جيء ~~بالجملة الاسمية دلالة على الثبات والاستمرار وإيذانا بأن من هذا حاله لا ~~يحوم حوله شائبة السفاهة والكذب «أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم» الكلام فيه ~~كالذي مر في قصة نوح عليه السلام «على رجل منكم» أي من جنسكم «لينذركم» ~~ويحذركم عاقبة ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي حتى نسبتموني إلى السفاهة ~~والكذب وفي إجابة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من يشافههم بما ~~لا خير فيه من أمثال تلك الأباطيل بما حكي عنهم من المقالات الحقة المعربة ~~عن نهاية الحلم والرزانة وكمال الشفقة والرأفة من الدلالة على حيازتهم ~~القدح المعلى من مكارم الأخلاق ما لا يخفى مكانه «واذكروا إذ جعلكم خلفاء» ~~شروع في بيان ترتيب أحكام النصح PageV03P238 # والأمانة والإنذار وتفصيلها وإذ منصوب باذكروا على المفعولية دون الظرفية ~~وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة ~~بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما فيه ~~بالطريق البرهاني ولأن الوقت مشتمل عليها فإذا استحضر كانت هي حاضرة ~~بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا ولعله معطوف على مقدرة كأنه قيل لا تعجبوا من ~~ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا وقت جعله تعالى إياكم خلفاء «من بعد قوم ~~نوح» أي في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكا فإن شداد بن عاد ممن ملك ~~معمورة الأرض من رمل عالج إلى شحر عمان «وزادكم في الخلق» أي من الإبداع ~~والتصوير أو في الناس «بسطة» قامة وقوة فإنه لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم ~~الإجرام قال الكبي والسدي كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير ~~ستين ذراعا «فاذكروا آلاء الله» التي أنعم بها عليكم من فنون النعماء التي ~~هذه من جملتها وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص «لعلكم ~~تفلحون» كي يؤديكم ذلك إلى الشكر المؤدي إلى النجاة من الكروب والفوز ~~بالمطلوب «قالوا» مجيبين عن تلك ms1166 النصائح العظيمة «أجئتنا لنعبد الله وحده» ~~أي لنخصه بالعبادة «ونذر ما كان يعبد آباؤنا» أنكروا عليه عليه السلام ~~مجيئه لتخصيصه تعالى بالعبادة والإعراض عن عبادة الأوثان أنهما كان في ~~التقليد وحبا لما ألفوه وألفوا أسلافهم عليه ومعنى المجىء إما مجيئه عليه ~~السلام من متعبده ومنزله وإما من السماء على التهكم وإما القصد والتصدي ~~مجازا كما يقال في مقابله ذهب يشتمني من غير إرادة معنى الذهاب «فأتنا بما ~~تعدنا» من العذاب والمدلول عليه بقوله تعالى أفلا تتقون «إن كنت من ~~الصادقين» أي في الإخبار بنزول العذاب وجواب إن محذوف لدلالة المذكور عليه ~~أي فأت به «قال قد وقع عليكم» أي وجب وحق أو نزل بإصراركم هذا بناء على ~~تنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى أتى أمر الله «من ربكم» أي ~~من جهته تعالى وتقديم الظرف الأول على الثاني مع أن مبدأ الشيء متقدم على ~~منتهاه للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم وكذا تقديمهما على الفاعل الذي ~~هو قوله تعالى «رجس» مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما ~~عطف عليه من قوله تعالى «وغضب» فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظم الكريم ~~والرجس العذاب من الارتجاس الذي هو الاضطراب والغضب إرادة الانتقام للتفخيم ~~والتهويل «أتجادلونني في أسماء» عارية عن المسمى «سميتموها» أي سميتم بها ~~«أنتم وآباؤكم» إنكار واستقباح لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعيا لهم إلى ~~عبادة الله تعالى وحده وترك PageV03P239 # عبادة الأصنام أي أتجادلونني في أشياء سميتموها آلهة ليست هي إلا محض ~~الأسماء من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن لمستحق للعبودية ~~ليس إلا من أوجد الكل وأنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آية ~~أو نصب حجة وكلاهما مستحيل وذلك قوله تعالى «ما نزل الله بها من سلطان» وإذ ~~ليس ذلك في حيز الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه «فانتظروا» مترتب على قوله ~~تعالى قد وقع عليكم أي فانتظروا ما تطلبونه بقولكم فائتنا بما تعدنا الخ ~~«إني معكم من المنتظرين» ms1167 لما يحل بكم والفاء في قوله تعالى «فأنجيناه» ~~فصيحة كما في قوله تعالى فانفجرت أي فوقع ما قوع فأنجيناه «والذين معه» أي ~~في الدين «برحمة» أي عظيمة لا يقادر قدرها وقوله تعالى «منا» أي من جهتنا ~~متعلق بمحذوف هو نعت لرحمة مؤكد لفخامتها الذاتية المنفهة من تنكيرها ~~بالفخامة الإضافية «وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا» أي استأصلناهم ~~بالكلية ودمرناهم عن آخرهم «وما كانوا مؤمنين» عطف على كذبوا داخل معه في ~~حكم الصلة أي أصروا على الكفر والتكذيب ولم يرعووا عن ذلك أبدا وتقديم ~~حكاية الإنجاء على حكاية الإهلاك قد مر سره وفيه تنبيه على أن مناط النجاة ~~هو الإيمان بالله تعالى وتصديق آياته كما أن مدار البوار هو الكفر والتكذيب ~~وقصتهم ان عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما ~~بين عمان إلى حضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها صدا وصمود وإلهبا فبعث الله ~~تعالى إليهم هودا نبيا وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا فكذبوه وازدادوا عتوا ~~وتجبرا فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس إذا نزل بهم ~~بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ~~ذاك العماليق أولاد عمليق ابن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر ~~فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل ابن عنز ومرثد بن سعد ~~الذي كان يكتم إسلامه فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة ~~خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا ~~يشربون الخمر وتغنيهم قينتا معاوية فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما ~~قدموا له أهمه ذلك وقال قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان ~~يستحيى أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين ~~فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية [ألا يا قيل ويحك ~~قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما] [فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا لا ~~يبنون الكلاما] ms1168 فلما غنتا به قالوا إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل ~~بهم وقد أبطأتم عليهم فأدخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد ~~والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقيتم ~~وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا فإنه قد اتبع ~~هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ ~~الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء يا ~~قيل اختر لنفسك ولقومك فقال اخترت السوداء فإنها أكثرهم ماء فخرجت على عاد ~~من واد يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منا ~~ريح عقيم فأهلكتهم ونجال هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله تعالى ~~PageV03P240 # فيها إلى أن ماتوا «وإلى ثمود أخاهم صالحا» عطف على ما سبق من قوله تعالى ~~وإلى عاد أخاهم هودا موافق له في تقديم المجرور على المنصوب وثمود قبيلة من ~~العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح عليه ~~السلام وقيل إنما سموا بذلك لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وقرئ ~~بالصرف بتأويل الحي وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى واد القرى ~~وأخوة صالح عليه السلام لهم من حيث النسب كهود عليه السلام فإنه صالح بن ~~عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود ولما كان الإخبار بإرساله ~~عليه السلام إليهم مظنة لأن يسأل ويقال فماذا قال لهم قيل جوابا عنه بطريق ~~الاستئناف «قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره» وقد مر الكلام في ~~نظائره «قد جاءتكم بينة» أي آية ومعجزة ظاهرة شاهدة بنبوتي وهي من الألفاظ ~~الجارية مجرى الأبطح والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتها حالة الإفراد ~~والجمع كالصالح إفرادا وجمعا وكذلك الحسنة والسيئة سواء كانتا صفتين ~~للأعمال أو لمثوبة أو الحالة من الرخاء والشدة لذلك أوليت العوامل وقوله ~~تعالى «من ربكم» متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صفة لبينة كما ms1169 مر مرارا ~~والمراد بها الناقة وليس هذا الكلام منه عليه السلام أول ما خاطبهم إثر ~~دعوتهم إلى التوحيد بل إنما قاله بعد ما نصحهم وذكرهم بنعم الله تعالى فلم ~~يقبلوا كلامه وكذبوه ألا يرى إلى ما في سورة هود من قوله تعالى هو أنشأكم ~~من الأرض واستعمركم فيها إلى آخر الآيات روي أنه لما أهلكت عاد عمرت ثمود ~~بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا طوالا حتى إن الرجل كان يبني ~~المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا البيوت من الجبال وكانوا في سعة ~~ورخاء من العيش فعتوا على الله تعالى وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث ~~الله تعالى إليهم صالحا وكانوا قوما عربا وصالح من أوساطهم نسبا فدعاهم إلى ~~الله عز وجل فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية ~~فقال أية آية تريدون قالوا تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة ~~فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعنا ~~فقال صالح عليه السلام نعم فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوا الاستجابة فلم ~~تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل ~~يقال لها الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء ~~والمخترجة التي شاكلت البخت فإن فعلت صدقناك وأجبناك فاخذ صالح عليه السلام ~~المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن قالوا نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت ~~الصخرة وتمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا ~~لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها ~~في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن تؤمنوا ~~فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء PageV03P241 # وكانت ترد غبا فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعها حتى تشرب ~~كل ما فيها ثم تتفحج فيحتلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدخرون ~~وكانت إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه ms1170 ~~وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم ~~وزينت عقرها لهم امرأتان عنيزة أم إن وصدقة بنت المختار لما أضرت به من ~~مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق ~~سقيها حتى رقى جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثا وكان صالح عليه السلام قال لهم ~~أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه فانفجت الصخرة بعد ~~رغائه فدخلها فقال لهم صالح تصبحون غدا وجوهكم مصفرة وبعد غدو وجوهكم محمرة ~~واليوم الثالث ووجوهكم مسودة يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن ~~يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين ولما كان اليوم الرابع وارتفع ~~الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء ورجفة من ~~الأرض فتقطعت قلوبهم فهلكوا وقوله تعالى «هذه ناقة الله لكم آية» استئناف ~~مسوق لبيان البينة وإضافة الناقة إلى الاسم الجليل لتعظيمها ولمجيئها من ~~جهته تعالى بلا أسباب معهودة ووسايط معتاد ولذلك كانت آية وأي آية ولكم ~~بيان لمن هي آية له وانتصاب آية على الحالية والعامل فيها معنى الإشارة ~~ويجوز أن يكون ناقة الله بدلا من هذه أو عطف بيان له أو مبتدأ ثانيا ولكم ~~خبرا عاملا في آية «فذروها» تفريع على كونها آية من ى يأت الله تعالى فإن ~~ذلك مما يوجب عدم التعرض لها «تأكل في أرض الله» جواب الأمر أي الناقة ناقة ~~الله والأرض أرض الله تعالى فاتركوها تأكل ما تأكل في أرض ربها فليس اكم أن ~~تحولوا بينها وبينها وقرئ تأكل بالرفع على أنه في موضع الحال أي آكلة فيها ~~وعدم التعرض للشرب إما للاكتفاء عنه بذكر الأكل أو لتعميمه له أيضا كما في ~~قوله علفتها تبنا وماء باردا وقد ذكر ذلك في قوله تعالى لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم «ولا تمسوها بسوء» نهي عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالشر ~~الشامل لأنواع الأذية ونكر السوء مبالغة في النهي أي لا تتعرضوا لها بشيء ~~مما يسوءها أصلا ولا تطردوها ولا تريبوها إكراما لآية الله تعالى ms1171 «فيأخذكم ~~عذاب أليم» جواب النهي ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر ~~بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من ~~مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ~~الذي أصابهم وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه يا علي أتدري من ~~أشقى الأولين قال الله ورسوله أعلم قال عاقر ناقة صالح أتدري من أشقى ~~الآخرين قال الله ورسوله أعلم قال قاتلك «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~عاد» أي خلفاء في الأرض أو خلفاءهم كما مر «وبوأكم في الأرض» 6 اي جعل لكم ~~مباءة ومنزلا في أرض الحجر بين الحجاز والشام «تتخذون من سهولها قصورا» ~~استئناف مبين لكيفية التبوئة أي تبنون في سهولها قصورا رفيعة أو تبنون من ~~سهولة الأرض بما تعلمون منها من الرهص واللبن والآجر «وتنحتون الجبال» ~~PageV03P242 # أي الصخور وقرئ تنحتون بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة كما في قوله ~~ينباع من ذفرى أسيل حرة والنحت نجر الشيء الصلب فانتصاب الجبال على ~~المفعولية وانتصاب قوله تعالى «بيوتا» على أنها حال مقدرة منها كما تقول ~~خطت هذا الثوب قميصا وقيل انتصاب الجبال على إسقاط الجار أي من الجبال ~~وانتصاب بيوتا على المفعولية وقد جوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ ~~فانتصابهما على المفعولية قيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في ~~الشتاء «فاذكروا آلاء الله» التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميع آلائه ~~التي هذه من جملتها «ولا تعثوا في الأرض مفسدين» فإن حق آلائه تعالى أن ~~تشكر ولا تهمل ولا يغفل عنها فكيف بالكفر والعثى في الأرض بالفساد «قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه» أي عتوا وتكبروا استئناف كما سلف وقرئ ~~بالواو عطفا على ما قبله من قوله تعالى قال يا قوم الخ ة واللام في قوله ~~تعالى «للذين استضعفوا» للتبليغ وقوله تعالى «لمن آمن منهم» بدل من الموصول ~~بإعادة العامل بدل الكل إن كان ضمير منهم لقومه وبدل البعض إن كان للذين ms1172 ~~استضعفوا على أن من المستضعفين من لم يؤمن والأول هو الوجه إذ لا داعي إلى ~~توجيه الخطاب أولا إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبة مع المؤمنين منهم ~~على أن الاستضعاف مختص بالمؤمنين أي قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم ~~واسترذلوهم (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه) وإنما قالوه بطريق الاستهزاء ~~بهم (قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون) عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بأن ~~يقولوا نعم أو نعلم أنه مرسل منه تعالى مسارعة إلى تحقيق الحق وإظهار ما ~~لهم من الإيمان الثابت المستمر الذي ينبئ عنه الجملة الاسمية وتنبيها على ~~أن أمر إرساله من الظهور بحيث لا ينبغي أن يسأل عنه وإنما الحقيق بالسؤال ~~عنه هو الإيمان به «قال الذين استكبروا» أعيد الموصول مع صلته مع كفاية ~~الضمير إيذانا بأنهم قد قالوا ما قالوه بطريق العتو والاستكبار «إنا بالذي ~~آمنتم به كافرون» وإنما لم يقولوا إنما بما أرسل به كافرون إظهارا ~~لمخالفتهم إياهم وردا لمقالتهم «فعقروا الناقة» أي نحروها أسند العقر إلى ~~الكل مع أن المباشر بعضهم للملابسة أو لأن ذلك لما كان برضاهم فكأنه فعله ~~كلهم وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه بحيث أصابت غائلته الكل ما لا يخفى ~~«وعتوا عن أمر ربهم» أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلغهم صالح عليه السلام ~~من الأمر والنهي «وقالوا» مخاطبين له عليه السلام بطريق التعجيز والإفحام ~~على زعمهم «يا صالح ائتنا بما تعدنا» أي من العذاب والإطلاق للعلم به قطعا ~~«إن كنت من المرسلين» فإن كونك من جملتهم يستدعي صدق ما تقول من ~~PageV03P243 # الوعد والوعيد «فأخذتهم الرجفة» أي الزلزلة لكن لا أثر ما قالوا ما قالوا ~~بل بعد ما جرى عليهم ما جرى من مبادئ العذاب في الأيام الثلاثة حسبما مر ~~تفصيله «فأصبحوا في دارهم» أي صاروا في أرضهم وبلدهم أو في مساكنهم ~~«جاثمين» خادمي موتى لا حراك بهم وأصل الجثوم البروك يقال الناس جثوم أي ~~قعود لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة قال أبو عبيدة الجثوم للناس والطير ~~والبروك للإبل والمراد كونهم كذلك عند ms1173 ابتداء نزول العذاب بهم من غير ~~اضطراب ولا حركة كما يكون عند الموت المعتاد ولا يخفى ما فيه من شدة الأخذ ~~وسرعة البطش اللهم إنا بك نعوذ من نزول سخطك وحلول غضبك وجاثمين خبر ~~لأصبحوا والظرف متعلق به ولا مساغ لكونه خبرا أو جاثمين حالا لإفضائه إلى ~~كون الإخبار بكونهم في دارهم مقصودا بالذات وكونهم جاثمين قيدا تابعا له ~~غير مقصود بالذات قيل حيث ذكرت الرجفة وحدت الدار وحيث ذكرت الصيحة جمعت ~~لأن الصيحة كانت من السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة فقرن كل منهما ~~بما هو أليق به «فتولى عنهم» إثر ما شاهد ما جرى عليهم تولي مغتم متحسر على ~~ما فاتهم من الإيمان متحزن عليهم «وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم» بالترغيب والترهيب وبذلت فيكم وسعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك وصيغة ~~المضارع في قوله تعالى «ولكن لا تحبون الناصحين» حكاية حال ماضية أي شأنكم ~~الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم خاطبهم صلى الله عليه وسلم بذلك خطاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر حيث قال إنا وجدنا ما وعدنا ~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا وقيل إنما تولى عنهم قبل نزول العذاب ~~بهم عند مشاهدته صلى الله عليه وسلم لعلاماته تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم ~~على ما هم عليه وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم ~~السبت وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ~~ساطعا فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفا وخمسمائة دار وروي أنه رجع بمن معه ~~فسكنوا ديارهم «ولوطا» منصوب بفعل مضمر معطوف على ما سبق وعدم التعرض ~~للمرسل إليهم مقدما على المنصوب حسبما وقع فيما سبق وما لحق قد مر بيانه في ~~قصة هود عليه السلام وهو لوط بن هاران بن تارخ بن أخي إبراهيم كان من أرض ~~بابل من العراق مع عمه إبراهيم فهاجر إلى الشام فنزل فلسطين وأنزل لوطا ~~الأردن وهي كورة بالشام فأرسله الله ms1174 تعالى إلى أهل سدوم وهي بلد بحمص وقوله ~~تعالى «إذ قال لقومه» ظرف للمضمر المذكور أي أرسلنا لوطا إلى قومه وقت قوله ~~لهم إلخ ولعل تقييد إرساله عليه السلام بذلك لما أن إرساله إليهم لم يكمن ~~في أول وصوله إليهم وقيل هو بدل من لوطا بدل اشتمال على أن انتصابه باذكر ~~أي اذكر وقت قوله عليه السلام لقومه «أتأتون الفاحشة» بطريق الإنكار ~~التوبيخي التقريعي أي أتفعلون تلك الفعلة المتناهية في القبح المتمادية في ~~PageV03P244 # الشرية والسوء «ما سبقكم بها» ما عملها قبلكم على أن الباء للتعدية كما ~~في قوله عليه السلام سبقك بها عكاشة من قولك سبقته بالكرة أي ضربتها قبله ~~ومن في قوله تعالى «من أحد» مزيدة لتأكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق وفي ~~قوله تعالى «من العالمين» للتبعيض والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير ~~وتشديد التوبيخ والتقريع فإن مباشرة القبيح واختراعه أقبح ولقد أنكر الله ~~تعالى عليهم أولا إتيان الفاحشة ثم وبخهم بأنهم أول من عملها فإن سبك النظم ~~الكريم وإن كان على نفي كونهم مسبوقين من غير تعرض لكونهم سابقين لكن ~~المراد أنهم سابقون لكل من عداهم من العالمين كما مر تحقيقه مرارا في نحو ~~قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو مسوقة جوابا عن سؤال مقدر ~~كأنه قيل من جهتهم لم لا نأتيها فقيل بيانا للعلة وإظهارا للزاجر ما سبقكم ~~بها أحد لغاية قبحها وسوء سبيلها فكيف تفعلونها قال عمرو بن دينار ما نزا ~~ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط قال محمد بن إسحق كانت لهم ثمار وقرى لم يكن ~~في الدنيا مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ إن فعلتم ~~بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا فلما ألح الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانا ~~صبحا فأخبثوا فاستحكم فيهم ذلك قال الحسن كانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء ~~وقال الكلبي أول من فعل به ذلك الفعل إبليس الخبيث حيث تمثل لهم في صورة ~~شاب جميل فدعاهم إلى نفسه ثم عبثوا بذلك العمل «إنكم ms1175 لتأتون الرجال» خبر ~~مستأنف لبيان تلك الفاحشة وقرئ بهمزتين صريحتين وبتلبين الثانية بغير مد ~~وبمد أيضا على أنه تأكيد للإنكار السابق وتشديد للتوبيخ وفي زيادة إن ~~واللام مزيد توبيخ وتقريع كأن ذلك أمر لا يتحقق صدوره عن أحد فيؤكد تأكيدا ~~قويا وفي إيراد لفظ الرجال دون الغلمان والمرادان ونحوهما مبالغة في ~~التوبيخ وقوله تعالى «شهوة» مفعول له أو مصدر في موقع الحال وفي التقييد ~~بها وصفهم بالبهيمة الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن يكون الداعي ~~له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لإقضاء الشهوة ويجوز أن يكون المراد ~~الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة الخبيثة المكروهة كما ينبئ ~~عنه قوله تعالى «من دون النساء» أي متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى هن أطهر لكم «بل أنتم قوم مسرفون» إضراب عن ~~الإنكار المذكور إلى الإخبار بحالهم التي أفضتهم إلى ارتكاب أمثالها وهي ~~اعتياد الإسراف في كل شيء أو عن الإنكار عليها إلى الذم على دميع معايبهم ~~أو عن محذوف أي لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإسراف «وما كان جواب ~~قومه» أي المستكبرين منهم المتولين للأمر والنهي المتصدين للعقد والحل ~~وقوله تعالى «إلا أن قالوا» استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ما كان جوابا ~~من جهة قومه شيء من الأشياء إلا قولهم أي لبعضهم الآخرين المباشرين للأمور ~~معرضين عن مخاطبته عليه السلام «أخرجوهم» أي لوطان ومن معه من أهله ~~المؤمنين «من قريتكم» أي إلا هذا القول الذي يستحيل أن يكون جوابا لكلام ~~PageV03P245 # لوط عليه السلام وقرئ برفع جواب على أنه اسم كان وإلا أن قالوا الخ خبرها ~~وهو أظهر وإن كان الأول أقوى في الصناعي لأن الأعرف أحق بالاسمية وأيا ما ~~كان فليس المراد أنه لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن مقالات لوط عليه السلام ~~ومواعظه إلا هذه المقالة الباطلة كما هو المتسارع إلى الأفهام بل أنه لم ~~يصدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بينهم وبينه عليه ~~السلام ms1176 إلا هذه الكلمة الشنيعة وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثير من الترهات ~~حسبما حكي عنهم في سائر السور الكريمة وهذا هو الوجه في نظائره الواردة ~~بطريق القصر وقوله تعالى «إنهم أناس يتطهرون» تعليل للأمر بالإخراج ووصفهم ~~بالتطهير للاستهزاء والسخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش والخبائث والافتخار ~~بما هم فيه من القذارة كما هو دين الشطار والدعار «فأنجيناه وأهله» اي ~~المؤمنين منهم «إلا امرأته» استثناء من أهله فإنها كانت تسر بالكفر «كانت ~~من الغابرين» أي الباقين في ديارهم الهالكين فيها والتذكير للتغليب ولبيان ~~استحقاقها لما يستحقه المباشرون للفاحشة والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال ~~نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاء كأنه قيل فماذا كان حالها فقيل كانت من ~~الغابرين «وأمطرنا عليهم مطرا» أي نوعا من المطر عجيبا وقد بينه قوله تعالى ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل قال أبو عبيدة مطر في الرحمة وأمطر في العذاب ~~وقال الراغب مطر في الحبر وأمطر في العذاب والصحيح أن أمطرنا بمعنى أرسلنا ~~عليهم إرسال المطر قيل كانت المؤتفكة خمس مدائن وقيل كانوا أربعة آلاف بين ~~الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكبريت والنار وقيل خسف بالمقيمين منهم ~~وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم وقيل أمطر عليهم ثم خصف بهم وروي أن ~~تاجرا منهم كان في الحرم فوقف الحجر له أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من ~~الحرم فوقع عليه وروي أن امرأته التفتت نحو ديارها فأصابها حجر فماتت ~~«فانظر كيف كان عاقبة المجرمين» خطاب لكل من يتأتى منه التأمل والنظر ~~تعجيبا من حالهم وتحذيرا من أعمالهم «وإلى مدين أخاهم شعيبا» عطف على قوله ~~وإلى عاد أخاهم هودا وما عطف عليه وقد روعي ههنا ما في المعطوف عليه من ~~تقديم المجرور على المنصوب أي وأرسلنا إليهم وهم أولاد مدين بن إبراهيم ~~عليه السلام شعيب بن ميكائيل بن يشجر بن مدين وقيل شعيب بن ثويب بن مدين ~~وقيل شعيب بن يثرون بن مدين وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه ~~وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين مع كفرهم «قال» ms1177 استئناف مبني ~~PageV03P246 # على سؤال نشأ عن حكاية إرساله إليهم كأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال «يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره» مر تفسيره مرارا «قد جاءتكم بينة» أي ~~معجزة وقوله تعالى «من ربكم» متعلق بجاءتكم أو بمحذوف هو صلة لفاعله مؤكدة ~~لفخامته الذاتية المستفادة من تنكيره بفخامته الإضافية أي بينة عظيمة ظاهرة ~~كائنة من ربكم ومالك أموركم ولم يذكر معجزته عليه السلام في القرآن العظيم ~~كما لم يذكر أكثر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فمنها ما روي من محاربة ~~عصا موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه غنمه ومنها ولادة الغنم الدرع ~~خاصة حين وعد أن يكون له الدرع من أولادها ومنها وقوع عصا آدم عليه السلام ~~على يده في المرات السبع لأن كل ذلك كان قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام ~~وقيل البينة مجيئه عليه السلام كما في قوله تعالى يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي أي حجة واضحة وبرهان نير عبر بهما عما آتاه الله من النبوة ~~والحكمة «فأوفوا الكيل» أي المكيال كما وقع في سورة هود يؤيده قوله تعالى ~~«والميزان» فإن المتبادر منه الآلة وإن جاز كونه مصدرا كالميعاد وقيل آلة ~~الكيل والوزن على الإضمار والفاء لترتيب الأمر على مجىء البينة ويجوز أن ~~تكون عاطفة على اعبدوا فإن عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي ~~التي معظمها بعد الكفر البخس الذي كانوا يباشرونه «ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم» التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أي شيء كان واي مقدار كان ~~فإنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير وقيل كانوا مكاسين لا ~~يدعون شيئا إلا مكسوه قال زهير [أفي كل أسواق العراق أتاوة * وفي كل ما باع ~~امرؤ مكس درهم] «ولا تفسدوا في الأرض» أي بالكفر والحيف «بعد إصلاحها» ~~بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بإجراء الشرائع أو أصلحوا فيها ~~وإضافته إليها كإضافة مكر الليل والنهار «ذلكم خير لكم» إشارة إلى العمل ~~بما أمرهم به ونهاهم عنه ومعنى الخيرية إما الزيادة ms1178 مطلقا أو في الإنسانية ~~وحسن الأحدوثة وما يطلبونه من التكسب والربح لأن الناس إذا عرفوهم بالأمانة ~~رغبوا في معاملتهم ومتاجرتهم «إن كنتم مؤمنين» أي مصدقين لي في قولي هذا ~~«ولا تقعدوا بكل صراط توعدون» أي بكل طريق من طرق الدين كالشيطان وصراط ~~الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام وكانوا إذا رأو أحدا ~~يشرع في شيء منها منعوه وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولن لمن يريد ~~شعيبا إنه كذاب لا يفتننك عن دينك ويتوعدون لمن آمن به وقيل يقطعون الطريق ~~«وتصدون عن سبيل الله» أي السبيل الذي قعدوا عليه فوقع المظهر موقع المضمر ~~بيانا لكل صراط ودلالة على عظم ما يصدون عنه تقبيحا لما كانوا عليه أو ~~الإيمان بالله أو بكل صراط على أنه عبارة عن طرق الدين وقوله تعالى «من آمن ~~به» مفعول تصدون على أعمال الأقرب لو كان مفعول توعدون لقيل وتصدونهم ~~وتوعدون حال من الضمير في تقعدوا «وتبغونها عوجا» اي وتطلبون لسبيل الله ~~عوجا بإلقاء الشبه أو بوصفها للناس بأنها معوجة وهي أبعد شيء من شائبة ~~الاعوجاج PageV03P247 # «واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم» بالبركة في النسل والمال «وانظروا كيف ~~كان عاقبة المفسدين» من الأمم الماضية كقوم نوح ومن بعدهم من عاد وثمود ~~واضرابهم واعتبروا بهم «وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به» من ~~الشرائع والأحكام «وطائفة لم يؤمنوا» أي به أو لم يفعلوا الايمان «فاصبروا ~~حتى يحكم الله بيننا» أي بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين فهو وعد ~~للمؤمنين ووعيد للكافرين «وهو خير الحاكمين» غذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه ~~«قال الملأ الذين استكبروا من قومه» استئناف مبني على سؤال ينساق إليه ~~المقال كأنه قيل فماذا قالوا بعد ما سمعوا هذه المواعظ من شعيب عليه السلام ~~فقيل قال أشراف قومه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام غير مكتفين ~~بمجرد الاستعصاء عليه والامتناع من الطاعة له بل بالغين من العتو ~~والاستكبار إلى أن قصدوا استتباعه عليه السلام فيما هم فيه وأتباعه ~~المؤمنين واجترءوا على إكراههم ms1179 عليه بوعيد النفي وخاطبوه بذلك على طريقة ~~التوكيد القسمي «لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا» بنسبة الإخراج إليه عليه ~~السلام أولا إلى المؤمنين ثانيا بعطفهم عليه تنبيها على أصالته عليه السلام ~~في الإخراج وتبعيتهم له فيه كما ينبئ عنه قوله تعالى «معك» فإنه متعلق ~~بالإخراج لا بالإيمان وتوسيط النداء باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة ~~التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان أي والله لنخرجنك ~~وأتباعك «من قريتنا» بغضا لكم ودفعا لفتنتكم المترتبة على المساكنة والجوار ~~وقوله تعالى «أو لتعودن في ملتنا» عطف على جواب القسم أي والله ليكونن أحد ~~الأمرين البتة على أن المقصد الأصلي هو العود وإنما ذكر النفي والإجلاء ~~لمحض القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه عليه السلام لجواب الإخراج ~~كأنهم قالوا لا ندعكم فيما بيننا حتى تدخلوا في ملتنا وإدخالهم له عليه ~~السلام في خطاب العود مع استحالة كونه عليه السلام في ملتهم قبل ذلك إنما ~~هو بطريق تغليب الجماعة على الواحد وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ~~ما قبله لما أن مرادهم أن يعودوا إليها بصورة الطواعية حذار الإخراج ~~باختيار أخون الشرين لا إعادتهم بسائر وجوه الإكراه والتعذيب «قال» استئناف ~~كما سبق أي قال عليه السلام ردا لمقالتهم الباطلة وتكذيبا لهم في أيمانهم ~~الفاجرة «أولو كنا كارهين» على أن الهمزة لإنكار الوقوع ونفيه لا لإنكار ~~الواقع واستقباحه كالتي في قوله تعالى أولو جئتك بشيء مبين ويجوز أن يكون ~~الاستفهام فيه باقيا على حاله وقد مر مرارا أن كلمة لو في مثل هذا المقام ~~ليست لبيان انتفاء الشيء في الزمن الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها ~~جواب قد حذف تعويلا على دلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد ~~إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام ~~السابق PageV03P248 # بالذات أو بالواسطة من الحكم الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من ~~الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ~~ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ثبوته ms1180 أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق ~~الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافي القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى ~~ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفي عنه بذكر الواو العاطفة ~~للجملة على نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند ~~تعددها وهذا معنى قولهم إنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال وهذا ~~المعنى ظاهر في الخبر الموجب والمنفي والأمر والنهي كما في قولك فلان جواد ~~يعطي ولو كان فقيرا أو بخيل لا يعطي ولو كان غنيا وكقولك أحس غليه ولو أساء ~~إليك ولا تهنه ولو أهانك لبقائه على حاله سالما عما يغيره وأما فيما نحن ~~فيه ففيه نوع خفاء لتغيره بورود الإنكار عليه لكن الأصل في الكل واحد إلا ~~أن كلمة لو في الصور المذكورة متعلقة بنفس الفعل المذكور قبلها وأن ما يقصد ~~بيان تحققه على كل حال هو نفس مدلوله وأن الجملة حال من ضميره أو مما يتعلق ~~به وأن ما في حيز لو مقرر على ما هو عليه من الاستبعاد بخلاف ما نحن فيه ~~لما أن كلمة لو متعلقة فيه بفعل مقدر يقتضيه المذكور وأن ما يقصد بيان ~~تحققه على كل حال هو مدلوله لا مدلول المذكور وأن الجملة حال من ضميره لا ~~من ضمير المذكور كما سيأتي وأن المقصود الأصلي إنكار مدلوله من حيث مقارنته ~~للحالة المذكورة وأما تقدير مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرة وأن ما في حيز ~~لو لا يقصد استبعاده في نفسه بل يقصد الإشعار بأنه أمر مقرر إلا أنه أخرج ~~مخرج الاستبعاد مبالغة في الإنكار من جهة أن العود مما ينكر عند كون ~~الكراهة أمرا مستبعدا فكيف به عند كونها أمرا محققا ومعاملة مع المخاطبين ~~على معتقدهم لاستنزالهم من رتبة العناد وليس المراد بالكراهة مجرد كراهة ~~المؤمنين للعود في ملة الكفر ابتداء حتى يقال إنها معلومة لهم فكيف تكون ~~مستبعدة عندهم بل إنما هي كراهتهم له بعد وعيد الإخراج الذي جعل قرينا ~~للقتل في قوله تعالى ولو أنا كتبنا الآية ms1181 فإنهم كانوا يستبعدونها ويطمعون ~~في أنهم حينئذ يختارون العود خشية الإخراج غذ رب مكروه يختار عند حلول ما ~~هو أشد منه وأفظع والتقدير أنعود فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غير ~~مبالين بالإكراه فالجملة في محل النصب على الحالية من ضمير الفعل المقدر ~~حسبما أشير إليه إذ مآله أنعود فيها حال عدم الكراهة وحال الكراهة إنكارا ~~لما تفيده كلمتهم الشنيعة بإطلاقها من العود على أي حالة كانت غير أنه ~~اكتفى بذكر الحالة الثانية التي هي أشد الأحوال منافاة للعود وأكثرها بعدا ~~منه تنبيها على أنها هي الواقعة في نفس الأمر وثقة بإغنائها عن ذكر الأولى ~~إغناء واضحا لأن العود الذي تعلق به الإنكار حين تحقق مع الكراهة على ما ~~يوجبه كلامهم فلأن يتحقق مع عدمها أولى إن قلت النفي المستفاد من الاستفهام ~~الإنكاري فيما نحن فيه بمنزلة صريح النفي ولا ريب في أن الأولوية هناك ~~معتبرة بالنسبة إلى النفي ألا يرى أن الأولى بالتحقق فيما ذكر من مثال ~~النفي عند الحالة المسكوت عنها أعني عدم الغنى هو عدم الإعطاء لا نفسه فكان ~~ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق فيما نحن فيه عند عدم الكراهة عدم العود لا ~~نفسه إذ هو الذي يدل عليه قولنا أنعود لأنه في معنى لا نعود فلم اختلف ~~الحال بينهما قلت لما أن مناط الأولوية هو الحكم PageV03P249 # الذي أريد بيان تحققه على كل حال وذلك في مثال النفي عدم الإعطاء ~~المستفاد من الفعل المنفي المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفس العود ~~المستفاد من الفعل المقدر إذ هو الذي يقتضيه الكلام السابق أعني قولهم ~~لتعودن وأما الاستفهام فخارج عنه وارد عليه لإبطال ما يفيده ونفي مال ~~يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي وتوضيحه أن بين النفيين فرقا ~~معنويا تختلف به أحكامهما التي من جملتها ما ذكر من اعتبار الأولوية في ~~أحدهما بالنسبة إلى نفسه وفي الآخر بالنسبة إلى متعلقة ولذلك لا تستقيم ~~إقامة أحدهما مقام الآخر على وجه الكلية ألا يرى أنك ms1182 لو قلت مكان أنعود ~~فيها الخ لا نعود فيها ولو كنا كارهين لاختل المعنى اختلالا فاحشا لأن ~~مدلول الأول نفي العود المقيد بحال الكراهة ومدلول الثاني تقييد العود ~~المنفي بها وذلك لأن حرف النفي يباشر نفس الفعل وينفيه وما يذكر بعده يرجع ~~إليه من حيث هو منفي وأما همزة الاستفهام فإنها تباشر الفعل بعد تقييده بما ~~بعده لما أن دلالتها على الإنكار والنفي ليست بدلالة وضعية كدلالة حرف ~~النفي حتى يتعلق معناها بنفس الفعل الذي يليها ويكون ما بعده راجعا إليه من ~~حيث هو منفي بل هي دلالة عقلية مستفادة من سياق الكلام فلا بد أن يكون ما ~~يذكر بعج الفعل من موانعه ودواعي إنكاره ونفيه حتما ليكون قرينة صارفة ~~للهمزة عن حقيقتها إلى معنى الإنكار والنفي ثم لما كان المقصود نفي الحاكم ~~على كل حال مع الاقتصاد على ذكر بعض منها مغن عن ذكر ما عداها لاستلزام ~~تحققه معه تحققه مع غيره بطريق الأولوية وكانت حال الكراهة عند كونها قيدا ~~لنفس العود كذلك أي مغنيا عن ذكر سائر الأحوال ضرورة أن تحقق العود في حال ~~الكراهة مستلزم لتحققه في حال عدمها البتة وعند كونها قيدا لنفيه بخلاف ذلك ~~أي غير مغن عن ذكر غيرها ضرورة أن نفي العود في حال الكراهة لا يستلزم نفيه ~~في غيرها بل الأمر بالعكس فإن نفيه في حال الإرادة مستلزم لنفيه في حال ~~الكراهة قطعا استقام الأول لإفادته نفي العود في الحالتين مع الاقتصار على ~~ما ذكر ما هو مغن عن ذكر الأخرى ولم يستقم الثاني لعدم إفادته إياه على ~~الوجه المذكور إن قيل فما وجه استقامتهما جميعا عند ذكر المعطوفين معا حيث ~~يصح أن يقال لا نعود فيها لو لم نكن كارهين كما يصح أن يقال أنعود فيها لو ~~لم نكن كارهين ولو كنا كارهين مع أن المقدر في حكم الملفوظ قلنا وجهها أن ~~كلا منهما يفيد معنى صحيحا في نفسه لا أن معنى أحدهما عين معنى الآخر أو ~~متلازمان متفقان في جميع ms1183 الأحكام كيف لا ومدلول الأول أن العود منتف في ~~الحالتين ومدلول الثاني مصحح لنفي العود في الحالتين منتف وكلا المعنيين ~~صحيح في نفسه مصحح لنفي العود فسي الحالتين مع ذكرهما معا غير أن الثاني ~~مصحح لنفي العود في الحالتين مع الاقتصار على ذكر حالة الكراهة على عكس ~~المعنى الأول فإنه مصحح لنفيه فيهما مع الاقتصاد على ذكر حالة الإرادة «قد ~~افترينا PageV03P250 # على الله كذبا» أي كذبا عظيما لا يقادر قدره «إن عدنا في ملتكم» التي هي ~~الشرك وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن عجنا في ملتكم «بعد إذ ~~نجانا الله منها» فقد افترينا على الله كذبا عظيما حيث نزعم حينئذ أن الله ~~تعالى ندا وليس كمثله شيء وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه من الإسلام باطل ~~وأن ما كنتم عليه من الكفر حق وأي افتراء أعظم من ذلك وقيل إنه جواب قسم ~~محذوف حذف عنه اللام تقديره والله لقد افترينا الخ «وما يكون لنا» أي وما ~~يصح وما يستقيم لنا «أن نعود فيها» في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات ~~«إلا أن يشاء الله» أي إلا حال مشيئة الله تعالى أو وقت مشيئته تعالى ~~لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبئ عنه قوله تعالى «ربنا» فإن ~~التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم مما ينبئ عن استحالة مشيئته تعالى ~~لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى بع إذ نجانا الله منها فإن تنجيته تعالى ~~لهم منها من دلائل عدم مشيئته لعودهم فيها وقيل معناه إلا أن يشاء الله ~~خذلاننا وقيل فيه دليل على أن الكفر بمشيئته تعالى وأيا ما كان فليس المراد ~~بذلك بيان أن العود فيها في حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته ~~تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا أن نعود فيها إلا ~~أن يشاء الله ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له ~~«وسع ربنا كل شيء علما» فهو محيط بكل ما ms1184 كان وما يكون من الأشياء التي من ~~جملتها أحوال عباده وعزائمهم ونياتهم وما هو اللائق بكل واحد منهم فمحال من ~~لطفه أن يشاء عودنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصة حسبما ينطق ~~به قوله تعالى «على الله توكلنا» أي في أن يثبتنا على ما نحن عليه من ~~الإيمان ويتم علينا نعمته بإنجائنا من الإشراك بالكلية وإظهار الاسم الجليل ~~في موقع الإضمار للمبالغة في التضرع والجؤار وقوله تعالى «ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق» إعراض عن مقاولتهم إثر ما ظهر له عليه الصلاة والسلام ~~أنهم من العتو والعناد بحيث لا يتصور منهم الإيمان أصلا وإقبال على الله ~~تعالى بالدعاء لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كل من الفريقين أي احكم ~~بيننا بالحق والفتاحة الحكومة أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ~~ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه «وأنت خير الفاتحين» تذييل ~~مقرر لمضمون ما قبله على المعنيين «وقال الملأ الذين كفروا من قومه» عطف ~~على قال الملأ الذين الخ ولعل هؤلاء غير أولئك المستكبرين ودونهم في الرتبة ~~شأنهم الوساطة بينهم وبين العامة والقيام بأمورهم حسبما يراه المستكبرون ~~ويجوز أن يكون عين الأولين وتغيير الصلة لما أن مدار قولهم هذا هو الكفر ~~كما أن مناط قولهم السابق هو الاستكبار أي قال أشرافهم الذين أصروا على ~~الكفر لأعقابهم بعد ما شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين ~~في الإيمان وخافوا أن يستتبوا قومهم تثبيطا لهم عن الإيمان به وتنفيرا لهم ~~عنه على طريقة التوكيد القسمي والله «لئن اتبعتم شعيبا» ودخلتم في دينه ~~وتركتم جين آبائكم «إنكم إذا لخاسرون» أي في الدين لاشترائكم الضلالة ~~بهداكم أو في الدنيا لفوات ما يحصل لكم بالخس والتطفيف وإذن حرف جواب وجزاء ~~معترض بين اسم إن وخبرها والجملة سادة مسد PageV03P251 # جوابي الشرط والقسم الذي وطأته اللام «فأخذتهم الرجفة» أي الزلزلة وهكذا ~~في سورة العنكبوت وفي سورة هود وأخذت الذين ظلموا الصيحة أي صيحة جبريل ~~عليه السلام ولعلها من ms1185 مبادى الرجفة فأسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة ~~وإلى البعيد أخرى «فأصبحوا في دارهم» أي في مدينتهم وفي سورة هودج في ~~ديارهم «جاثمين» أي ميتين لازمين لأماكنهم لا براح لهم منها «الذين كذبوا ~~شعيبا» استئناف لبيان ابتلائهم بشئوم قولهم فيما سبق لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا وعقوبتهم بمقابلته والموصول مبتدأ خبره قوله ~~تعالى «كأن لم يغنوا فيها» أي استؤصلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم يقيموا ~~بقريتهم أصلا أي عوقبوا بقولهم ذلك وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا ~~دخول بعده أبدا وقوله تعالى «الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين» استئناف ~~آخر لبيان ابتلائهم بعقوبة قولهم الأخير وإعادة الموصول والصلة كما هي ~~لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين ~~أي الذين كذبوه عليه السلام عوقبوا بمقالتهم الأخيرة فصاروا هم الخاسرين ~~للدنيا والدين لا المتبعون له عليه الصلاة والسلام وبهذا القصر اكتفى عن ~~التصريح والذين آمنوا معه الخ «فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي ونصحت لكم» قاله عليه الصلاة والسلام بعد ما هلكوا تأسفا بهم لشدة حزنه ~~عليهم ثم أنكر على نفسه ذلك فقال «فكيف آسى» أحزن حزنا شديدا «على قوم ~~كافرين» أي مصرين على الكفر ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم ~~أو قاله اعتذار عن عدم شدة حزنه عليهم والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ ~~والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدقوا قولي فكيف آسى عليكم ~~وقرئ آيسى بإمالتين «وما أرسلنا في قرية من نبي» إشارة إجمالية إلى بيان ~~أحوال سائر الأمم إثر بيان أحوال الأمم المذكورة وتفصيلا ومن مزيدة لتأكيد ~~النفي والصفة محذوفة أي من نبي كذب أو كذبه أهلها «إلا أخذنا أهلها» ~~استثناء مفرغ من أعم الأحوال وأخذنا في محل النصب من فاعل أرسلنا والفعل ~~الماضي لا يقع بعد إلا بأحد شرطين إما تقدير قد كما في هذه الآية أو مقارنة ~~قد كما في قولك ما زيد إلا قد قام والتقدير وما أرسلنا في قرية من ms1186 القرى ~~المهلكة نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين ~~PageV03P252 # أهلها «بالبأساء» بالبؤس والفقر «والضراء» بالضر والمرض لكن لا على معنى ~~أن ابتداء الإرسال مقارن للأخذ المذكور بل على أنه مستتبع له غير منفك عنه ~~بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه حسبما فعلت الأمم المذكورة ~~«لعلهم يتضرعون» كي يتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة عن أكتافهم ~~كقوله تعالى لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون «ثم بدلنا» عطف على أخذنا داخل في حكمه «مكان السيئة» التي اصابتهم ~~للغاية المذكورة «الحسنة» أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ~~والرخاء والسعة كقوله تعالى وبلوناهم بالحسنات والسيئات «حتى عفوا» أي ~~كثروا عددا وعددا من عفا النبات إذا كثر وتكاثر وأبطرتهم النعمة «قالوا» ~~غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء من الله سبحانه «قد مس ~~آباءنا الضراء والسراء» كما مسنا ذلك وما هو إلا من عادة الدهر يعاقب في ~~الناس بين الضراء والسراء من غير أن يكون هناك داعية تؤدي إليهما أو تبعة ~~تترتب عليهما ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها ~~«فأخذناهم» إثر ذلك «بغتة» فجاءة أشد الأخذ وأفظعه «وهم لا يشعرون» بذلك ~~ولا يخطرون ببالهم شيئا من المكاره كقوله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~الآية وليس المراد بالأخذ بغتة إهلاكهم طرفة عين كإهلاك عاد وقوم لوط بل ما ~~يعمه وما يمضي بين الأخذ وإتمام الإهلاك أيام كدأب ثمود «ولو أن أهل القرى» ~~أي القرى المهلكة المدلول عليها بقوله تعالى قرية وقيل هي مكة وما حولها من ~~القرى وقيل جنس القرى المنتظمة لما ذكر ههنا انتظاما أوليا «آمنوا» بما ~~أوحي إلى أنبيائهم معتبرين بما جرى عليهم من الابتلاء بالضراء والسراء ~~«واتقوا» أي الكفر والمعاصي أو اتقوا ما أنذروا به على ألسنة الأنبياء ولم ~~يصروا على ما فعلوا من القبائح ولم يحملوا ابتلاء الله تعالى على عادات ~~الدهر وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحدوا الله واتقوا ms1187 الشرك «لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض» لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب ~~مكان ما أصابهم من فنون العقوبات التي بعضها من السماء وبعضها من الأرض ~~وقيل المراد المطر والنبات وقرئ لفتحنا بالتشديد للتكثير «ولكن كذبوا» أي ~~ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه للثاني «فأخذناهم ~~بما كانوا يكسبون» من أنواع الكفر والمعاصي التي من جملتها قولهم قد مس ~~آباءنا الخ وهذا الأخذ عبارة عما في قوله تعالى فأخذناهم بغتة لا عن الجدب ~~والقحط كما قيل فإنهما قد زالا بتبديل الحسنة مكان السيئة «أفأمن أهل ~~القرى» أي أهل القرى المذكورة PageV03P253 # على وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن مدار التوبيخ أمن كل طائفة ما ~~أتاهم من البأس لا أمن مجموع الأمم فإن مل طائفة منهم أصابهم باس خاص بهم ~~لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه لا لإنكار ~~الوقوع ونفيه كما قاله أبو شامة وغيره لقوله تعالى للا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون والفاء للعطف على أخذناهم وما بينهما اعتراض توسط بينهما ~~للمسارعة إلى بيان أن الأخذ المذكور مما كسبته أيديهم والمعنى أبعد ذلك ~~الأخذ أمن أهل القرى «أن يأتيهم بأسنا بياتا» أي تبييتا أو وقت بيات أن ~~مبيتا أو مبيتين وهو في الأصل مصدر بمعنى البيتوتة ويجىء بمعنى التبييت ~~السلام بمعنى التسليم «وهم نائمون» حال من ضميرهم البارز أو المستتر في ~~بياتا «أو أمن أهل القرى» إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ الشديد ~~ولذلك لم يقل أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم ~~يلعبون وقرئ أو بسكون الواو على الترديد «أن يأتيهم بأسنا ضحى» أي ضحوة ~~النهار وهو في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت «وهم يلعبون» أي يلهون من فرط ~~الغفلة أو يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون «أفأمنوا مكر الله» تكرير ~~للنكير لزيادة التقرير ومكر الله تعالى استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من ~~حيث لا يحتسب والمراد به بيان إتيان بأسه تعالى في الوقتين المذكورين ولذلك ms1188 ~~عطف الأول والثالث بالفاء في الإنكار فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ ~~المذكور وأما الثاني فمن تتمة الأول «فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون» أي الذين خسروا أنفسهم وأضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات «أولم يهد للذين يرثون ~~الأرض من بعد أهلها» أي يخلفون من خلا قبلهم من الأمم المهلكة ويرثون ~~ديارهم والمراد بهم أهل مكة ومن حولها وتعدية فعل الهداية باللام إما ~~لتنزيلها منزلة اللازم كأنه قيل اغفلوا ولم يفعل الهداية لهم الخ وإما ~~لأنها بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل على التقديرين هو الجملة ~~الشرطية أي أولم يبين لهم مآل أمرهم «أن لو نشاء أصبناهم» بذنوبهم أي أن ~~الشأن لو نشأ أصبناهم بجزاء ذنوبهم أو بسبب ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وقرئ ~~نهد بنون العظمة فالجملة مفعوله «ونطبع على قلوبهم» عطف على ما يفهم من ~~قوله تعالى أو لم يهد كأنه قيل لا يهتدون أو يغفلون عن الهداية أو عن ~~التفكر والتأمل أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع ولا يجوز عطفه على أصبناهم ~~على أنه بمعنى طبعنا لإفضائه إلى نفي الطبع عنهم لأنه في سياق جواب لو «فهم ~~لا يسمعون» أي أخبار الأمم المهلكة فضلا عن التدبر والنظر فيها والاغتنام ~~بما في تضاعيفها من الهداية PageV03P254 # «تلك القرى» جملة مستأنفة جارية مجرى الفذلكة لما قبلها من القصص منبئة ~~عن غاية غواية الأمم المذكورة وتماديهم فيها بعد ما أنتهم الرسل بالمعجزات ~~الباهرة وتلك إشارة إلى قرى الأمم المهلكة على أن اللام للعهد وهو مبتدأ ~~وقوله تعالى «نقص عليك من أنبائها» خبره وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاء ~~القصة بعد ومن للتبعيض أي بعض أخبارها التي فيها عظة وتذكير وقيل تلك مبتدأ ~~والقرة خبره وما بعده حال أو خبر بعد خبر عند من يجوز كون الخبر الثاني ~~جملة كما في قوله تعالى فإذا هي حية تسعى وتصدير الكلام بذكر القرى وإضافة ~~الأنباء إليها مع أن المقصوص أنباء أهلها والمقصود بيان أحوالهم حسبما يعرب ms1189 ~~عنه قوله تعالى «ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات» لما أن حكاية هلاكهم بالمرة ~~على وجه الاستئصال بحيث يشمل أماكنهم أيضا بالخسف بها والرجفة وبقائها ~~خاوية معطلة أهول وأفظع والباء في قوله تعالى بالبينات متعلقة إما بالفعل ~~المذكور على أنها للتعدية وإما بمحذوف وقع حالا من فاعله أي ملتبسين ~~بالبينات لكن لا بأن يأتي كل رسول ببينة واحدة بل بينات كثيرة خاصة به ~~معينة له حسب اقتضاء الحكمة فإن مراعاة انقسام الآحاد إلى الآحاد إنما هي ~~فيما بين الرسل وضمير الأمم والجملة مستأنفة مبينة لكمال عتوهم وعنادهم أي ~~وبالله لقد جاء كل أمة من تلك الأمم المهلكة رسولهم الخاص بهم بالمعجزات ~~البينة المتكثرة المتواردة عليهم الواضحة الجلالة على صحة رسالته الموجبة ~~للإيمان حتما وقوله تعالى «فما كانوا ليؤمنوا» بيان لاستمرار عدم إيمانهم ~~في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم وترتيب حالتهم هذه على مجىء ~~الرسل بالبينات بالفاء لما أن الاستمرار على فعل من الأفعال بعد ورود ما ~~يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمرارا عليه في الحقيقة لكنه بحسب العنوان فعل ~~جديد وصنع حادث نحو وعظته فلم ينزجر ودعوته فلم يجب واللام لتأكيد النفي أي ~~فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت من الأوقات أن يؤمنوا لكل ~~كان ذلك ممتنعا منهم إلى أن لقوا ما لقوا لغاية عتوهم وشدة شكيمتهم في ~~الكفر والطغيان ثم إن كان المحكي عنهم آخر حال كل قوم منهم فالمراد بعدم ~~إيمانهم المذكور ههنا إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه ~~بقوله تعالى «بما كذبوا من قبل» تكذيبهم من لدن مجىء الرسل إلى وقت الإصرار ~~والعناد وإنما لم يجعل ذلك مقصودا بالذات كالأول بل جعل صلة للموصول إيذانا ~~بأنه بين بنفسه وإنما المحتاج إلى البيان عدم إيمانهم بعد تواتر البينات ~~الظاهرة وتظاهر المعجزات الباهرة التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من ~~أصحاب العقول والموصول الذي تعلق به الإيمان والتكذيب سلبا وإيجابا عبارة ~~عن جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها وإن ms1190 كان المحكي جميع ~~أحوال كل قوم منهم فالمراد بما ذكر أولا كفرهم المستمر من حين مجىء الرسل ~~الخ وبما أشير إليه آخرا تكذيبهم قبل مجيئهم فلا بد من جعل الموصول المذكور ~~عبارة عن أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها آثر ~~ذي أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها مثل ملة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم ~~بها قبل مجىء رسلهم PageV03P255 # أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا كلمة التوحيد قط بل كانت ~~كل أمة من أولئك الأمم يتسامعون بها من بقايا من قبلهم فيكذبونها ثم كانت ~~حالتهم بعد مجىء رسلهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص ~~التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص ~~فإنهم حين لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافة الرسل فلأن يؤمنوا بما تفرد به ~~بعضهم أولى وعدم جعل هذا التكذيب مقصودا بالذات لما أن ما عليه يدور فلك ~~العذاب والعقاب هو التكذيب الواقع بعد الدعوة حسبما يعرب عنه قوله تعالى ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وإنما ذكرها ما وقع قبلها بيانا لعراقتهم في ~~الكفر والتكذيب وعلى كلا التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة في المرجع ~~وقيل ضمير كذبوا راجع إلى أسلافهم والمعنى فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذب ~~به الآباء ولا يخفى ما فيه من التعسف وقيل المراد ما كانوا ليؤمنوا لو ~~أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ~~تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقيل الباء للسببية وما مصدرية أي بسبب ~~تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل ولا يرد عليه ههنا ما ورد ~~في سورة يونس من مخالفة الجمهور بجعل ما المصدرية من قبيل الأسماء كما هو ~~رأي الأخفش وابن السراج ليرجع إليه الضمير في به «كذلك» أي مثل ذلك الطبع ~~الشديد المحكم «يطبع الله على قلوب الكافرين» أي من المذكورين وغيرهم فلا ~~يكاد يؤثر فيها الآيات والنذر وفيه تحذير للسامعين وإظهار الاسم الجليل ~~بطريق الالتفات لتربية المهابة وإدخال الروعة ms1191 «وما وجدنا لأكثرهم» أي أكثر ~~الأمم المذكورين واللام متعلقة بالوجدان كما في قولك ما وجدت له مالا أي ما ~~صدفت له مالا ولا لقيته أو بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى «من عهد» لأنه في ~~الأصل صفة للنكرة فلما قدمت عليها انتصبت حالا والأصل ما وجدنا عهدا كائنا ~~لأكثرهم ومن مزيدة للاستغراق أي وما وجدنا لأكثرهم من وفاء عهد فإنهم نقضوا ~~ما عاهدوا الله عليه عند مساس البأساء والضراء قائلين لئن أنجيتنا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين فتخصيص هذا الشأن بأكثرهم ليس لأن بعضهم كانوا يوفون ~~بعهودهم بل لأن بعضهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون وقيل المراد بالعهد ما عهد ~~الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الآيات وإنزال الحجج وقيل ما ~~عهدوا عند خطاب ألست بربكم فالمراد بأكثرهم كلهم وقيل الضمير للبأس والجملة ~~اعتراض فإن أكثرهم لا يوفون بالعهود بأي معنى كان «وإن وجدنا أكثرهم» أي ~~أكثر الأمم أي علمناهم كما في قولك وجدت زيدا ذا حفاظ وقيل الأول أيضا كذلك ~~وإن مخففة من إن وضمير الشأن محذوف أي إن الشأن وجدناهم «لفاسقين» خارجين ~~عن الطاعة ناقضين للعهود وعند الكوفينن أن إن نافية واللام بمعنى إلا أي ما ~~وجدناهم إلا فاسقين «ثم بعثنا من بعدهم موسى» أي أرسلناه من بعد انقضاء ~~PageV03P256 # وقائع الرسل المذكورين أو من بعد هلاك الأمم المحكية والتصريح بذلك مع ~~دلالة ثم على التراخي للإيذان بأن بعثه عليه الصلاة والسلام جرى على سنن ~~السنة الإلهية من إرسال الرسل تترى وتقديم الجار والمجرور على المفعول ~~الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر «بآياتنا» ~~متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه الصلاة ~~والسلام ملتبسا بآياتنا أو بعثناه بعثا ملتبسا بها وهي الآيات التسع ~~المفصلات التي هي العصا واليد البيضاء والسنون ونقص الثمرات والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم حسبما سيأتي على التفصيل «إلى فرعون» هو لقب ~~لكل من ملك مصر من العمالقة كما أن كسرى لقب لكل من ملك فارس ms1192 وقيصر لكل من ~~ملك الروم واسمه قابوس وقيل الوليد بن مصعب بن ريان «وملئه» أي أشراف قومه ~~وتخصيصهم بالذكر مع عموم رسالته عليه الصلاة والسلام لقومه كافة حيث كانوا ~~جميعا مأمورين بعبادة رب العالمين عز سلطانه وترك العظيمة الشنعاء التي كان ~~يدعيها الطاغية ويقبلها منه فئته الباغية لأصالتهم في تدبير الأمور واتباع ~~غيرهم لهم في الورود والصدور «فظلموا بها» أي كفروا بها أجري الظلم مجرى ~~الكفر لكونهما من واد واحد أو ضمن معنى الكفر أو التكذيب أي ظلموا كافرين ~~بها أو مكذبين بها أو كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها ~~ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا وقيل ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرضوها ~~للعذاب الخالد أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بها والمراد به الاستمرار ~~على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا ألا يرى إلى قوله تعالى ~~«فانظر كيف كان عاقبة المفسدين» فكما أن ظلمهم بها مستتبع لتلك العاقبة ~~الهائلة كذلك حكاية ظلمهم بها مستتبع للأمر بالنظر إليها وكيف خبر كان قدم ~~على اسمها لاقتضائه الصدارة والجملة في حيز النصب بإسقاط الخافض أي فانظر ~~بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن ~~الظلم مستلزم للإفساد «وقال موسى» كلام مبتدأ مسوق لتفصيل ما أجمل فيما ~~قبله من كيفية إظهار الآيات وكيفية عاقبة المفسدين «يا فرعون إني رسول» أي ~~إليك «من رب العالمين» على الوجه الذي مر بيانه «حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق» جواب عما ينساق إليه الذهن من حكاية ظلمهم بالآيات من ~~تكذيبه إياه عليه الصلاة والسلام في دعوى الرسالة وكان أصله حقيق على أن لا ~~أقول الخ كما هو قراءة نافع فقلب للأمن من الإلباس كما في قول وتشقى الرماح ~~بالضياطرة الحمر أو لأن ما لزمك فقد لزمته أو للإغراق في الوصف بالصدق ~~والمعنى واجب على القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقا به ~~أو ضمن حقيق معنى حريص أو وضع على ms1193 موضع الباء لإفادة التمكن كقولهم ~~PageV03P257 # رميت على القوس وجئت على حال حسنة ويؤيده قراءة أبي بالباء وقرئ حقيق أن ~~لا أقول وقوله تعالى «قد جئتكم ببينة من ربكم» استئناف مقرر لما قبله من ~~ككونه رسولا من رب العالمين وكونه حقيقا بقول الحق ولم يكن هذا القول منه ~~عليه الصلاة والسلام وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذكر ههنا بل بعد ما جرى ~~بينهما من المحاورة المحكية بقوله تعالى قال فمن ربكما الآيات وقوله تعالى ~~وما رب العالمين الآيات وقد طوى ههنا ذكره للإيجاز ومن متعلقه إما بجئتكم ~~على أنها لابتداء الغاية مجازا وإما بمحذوف وقع صفة لبينة مفيدة لفخامتها ~~الإضافية المؤكدة لفخامتها الذاتية المستفادة من التنوين التفخيمي وإضافة ~~اسم الرب إلى المخاطبين بعد إضافته فيما قبله إلى العالمين لتأكيد وجواب ~~الإيمان بها «فأرسل معي بني إسرائيل» أي فخلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض ~~المقدسة التي هي وطن آبائهم وكان ق استبعدهم بعد انقراض الأسباط يستعملهم ~~ويكلفهم الأفاعيل الشاقة فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه الصلاة والسلام ~~وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى عليهما السلام ~~أربعمائة عام والفاء لترتيب الإرسال أو الأمر به على ما قبله من رسالته ~~عليه السلام ومجيئه بالبينة «قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه ~~الكلام كأنه قيل فماذا قال فرعون له عليه السلام حين قال له ما قال فقيل ~~قال «إن كنت جئت بآية» أي من عند من أرسلك كما تدعيه «فأت بها» أي فأحضرها ~~حتى تثبت بها رسالتك «إن كنت من الصادقين» في دعواك فإن كونك من جملة ~~المعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا محالة «فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين» أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعبانا وهو الحية العظيمة وإيثار الجملة ~~الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في ~~الأصل كذلك روي أنه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغر فاه بين لحييه ثمانون ~~ذراعا وضع لحيه الأسف على الأرض والأعلى على سور ms1194 القصر ثم توجه نحو فرعون ~~فهرب منه وأحدث فانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا فصاح ~~فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل ~~فأخذه فعاد عصا «ونزع يده» أي من جيبه أو من تحت إبطه «فإذا هي بيضاء ~~للناظرين» أي بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظارة ~~تعجبا من أمرها وذلك ما يروى أنه أرى فرعون يده وقال ما هذه فقال يدك ثم ~~أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعه ~~شعاع الشمس وكان عليه السلام آدم شديد الأدمة وقيل بيضاء للناظرين لا أنها ~~كانت بيضاء في جبلتها «قال الملأ PageV03P258 # من قوم فرعون» أي الأشراف منهم وهم أصحاب مشورته «إن هذا لساحر عليم» أي ~~مبالغ في علم السحر ماهر فيه قالوه تصديقا لفرعون وتقريرا لكلامه فإن هذا ~~القول بعينه معزى في سورة الشعراء إليه «يريد أن يخرجكم من أرضكم» أي من ~~أرض مصر «فماذا تأمرون» بفتح النون وما في ماذا في محل النصب على أنه مفعول ~~ثان لتأمرون بحذف الجار والأول محذوف والتقدير بأي شيء تأمرونني وهذا من ~~كلام فرعون كما في قوله تعالى ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي فإذا كان ~~كذلك فماذا تشيرون علي في أمره وقيل قاله الملأ من قبله بطريق التبليغ إلى ~~العامة فقوله تعالى «قالوا أرجه وأخاه» على الأول وهو الأظهر حكاية لكلام ~~الملأ الذين شاورهم فرعون وعلى الثاني لكلام العامة الذي خاطبهم الملأ ~~ويأباه أن الخطاب لفرعون وأن المشاورة ليست من وظائفهم أي أخره وأخاه وعدم ~~التعرض لذكره لظهور كونه معه حسبما ينادي به الآيات الأخر والمعنى أخر ~~أمرهما وأصدرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر شأنهما وقرئ أرجته وأرجه من ~~أرجأه وأرجاه «وأرسل في المدائن حاشرين» قيل هي مدائن صعيد مصر وكان رؤساء ~~السحرة ومهرتهم بأقصى مدائن الصعيد وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم ~~كانوا سبعين ساحرا أخذوا السحر من رجلين مجوسيين من أهل نينوى ms1195 مدينة يونس ~~عليه السلام بالموصل ورد ذلك بأن المجوسية ظهرت بزرادشت وهو إنما جاء بعد ~~موسى عليه الصلاة والسلام «يأتوك بكل ساحر عليم» أي ماهر في السحر وقرئ بكل ~~سحار عليم والجملة جواب الأمر «وجاء السحرة فرعون» بعدما أرسل إليهم ~~الحاشرين وإنما لم يصرح بهم حسبما فو قوله تعالى فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين للإيذان بمسارعة فرعون إلى الإرسال ومبادرة الحاشرين والسحرة إلى ~~الامتثال «قالوا» استئناف منوط بسؤال نشأ من حكاية مجىء السحرة كأنه قيل ~~فماذا قالوا له عند مجيئهم إياه فقيل قالوا مدلين بما عندهم واثقين بغلبتهم ~~«إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين» بطريق الإخبار بثبوت الأجر وإيجابه ~~كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر عظيم حينئذ أو بطريق الاستفهام التقريري بحذف ~~الهمزة وقرئ بإثباتها وقولهم إن كنا لمجرد تعيين مناط ثبوت الأجر لا ~~لترددهم في الغلبة وتوسيط الضمير وتحلية الخبر باللام للقصر أي إن كنا نحن ~~الغالبين لا موسى «قال نعم» وقوله تعالى «وإنكم لمن المقربين» عطف على ~~محذوف سد مسده حرف الإيجاب PageV03P259 # كأنه قال إن لكم لأجرا وإنكم مع ذلك لمن المقربين للمبالغة في الترغيب ~~روي أنه قال لهم تكونون أول من يدخل مجلسي وآخر من يخرج منه «قالوا» ~~استئناف كما مر كأنه قيل فماذا فعلوا بعد ذلك فقيل قالوا متصدين لشأنهم ~~مخاطبين لموسى عليه السلام «يا موسى إما أن تلقي» ما تلقي أولا «وإما أن ~~نكون نحن الملقين» أي لما نلقي أولا أو الفاعلين للإلقاء أولا خيروه عليه ~~السلام بالبدء بالإلقاء مراعاة للأدب وإظهار للجلادة وأنه لا يختلف حالهم ~~بالتقديم والتأخير ولكن كانت رغبتهم في التقديم كما ينبئ عنه تغييرهم للنظم ~~بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل وتأكيد الضمير المتصل «قال ألقوا» غير مبال ~~بأمرهم أي ألقوا ما تلقون «فلما ألقوا» ما ألقوا «سحروا أعين الناس» بأن ~~خيلوا إليهم ما لا حقيقة له «واسترهبوهم» أي بالغوا في إرهابهم «وجاؤوا ~~بسحر عظيم» في بابه روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها حيات ~~ملأت الوادي وركب بعضها ms1196 بعضا «وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ~~ما يأفكون» الفاء فصيحة أي فألقاها فصارت حية فإذا هي الآية وإنما حذف ~~للإشعار بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعة الانقلاب كأن ~~لقفها لما يأفكون قد حصل متصلا بالأمر بالالقاء وصيغة المضارع لاستحضار ~~صورة اللقف الهائلة والإفك الصرف والقلب عن الوجه المعتاد وما موصولة أو ~~موصوفة والعائد محذوف أي ما يأفكونه ويزورونه أو مصدرية وهي مع الفعل بمعنى ~~المفعول روي أنها لمل تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى فرجعت ~~عصا كما كانت وأعدم الله تعالى بقدرته الباهرة تلط الأجرام العظام أو فرقها ~~أجزاء لطيفة قالت السحرة لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا «فوقع الحق» ~~أي فثبت لظهور أمر «وبطل ما كانوا يعملون» أي ظهر بطلان ما كانوا مستمرين ~~على عمله «فغلبوا» اي فرعون وقومه «هنالك» أي في مجلسهم «وانقلبوا صاغرين» ~~أي صاروا أذلاء مبهوتين أو رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين والأول هو ~~الظاهر لقوله تعالى «وألقي السحرة ساجدين» فإن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعا ~~أي خروا سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم كيف لا وقد PageV03P260 # بهرهم الحق واضطرهم إلى ذلك «قالوا آمنا برب العالمين» «رب موسى وهارون» ~~أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أن مرادهم فرعون عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال لما آمنت السحرة اتبع موسى من بني إسرائيل ستمائة الف «قال ~~فرعون» منكرا على السحرة موبخا لهم على ما فعلوه «آمنتم به» بهمزة واحدة ~~إما على الإخبار المحض المتضمن للتوبيخ أو على الاستفهام التوبيخي بحذف ~~الهمزة كما مر في إن لنا لأجرا وقد قرىء بتحقيق الهمزتين معا وبتحقيق ~~الأولى وتسهيل الثانية بين بين أي آمنتم بالله تعالى «قبل أن آذن لكم» أي ~~بغير أن آذن لكم كما في قوله تعالى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي لا أن ~~الإذن منه ممكن في ذلك «إن هذا لمكر مكرتموه» يعني إن ما صنعتموه ليس مما ~~اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الجليل ms1197 وظهور المعجزة بل هو حيلة احتلتموها مع ~~موطأة موسى «في المدينة» يعني مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد روي أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام وأمير السحرة التقيا فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك ~~أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق فقال الساحر والله لئن غلبتني لأومنن بك ~~وفرعون يسمعهما وهو الذي نشأ عنه هذا القول «لتخرجوا منها أهلها» أي القبط ~~وتخلص هي لك ولبني إسرائيل وهاتان شبهتان ألقاهما إلى اسماع عوام القبط عند ~~معاينتهم لارتفاع أعلام المعجزة ومشاهدتهم لخضوع أعناق السحرة لها وعدم ~~تمالكهم من أن يؤمنوا بها ليمنعهم بهما عن الإيمان بنبوة موسى عليه الصلاة ~~والسلام بإراءة أن إيمان السحر مبني على المواضعة بينهم وبين موسى وأن ~~غرضهم بذلك إخراج القوم من المدينة وإبطال ملكهم ومعلوم أن مفارقة الأوطان ~~المألوفة والنعمة المعروفة مما لا يطاق به فجمع اللعين بين الشبهتين تثبيتا ~~للقبط على ما هم عليه وتهييجا لعداوتهم له عليه الصلاة والسلام ثم عقبهما ~~بالوعيد ليريهم أن له قوة وقدرة على المدافعة فقال «فسوف تعلمون» أي عاقبة ~~ما فعلتم وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال ~~«لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف» أي من كل شق طرفا «ثم لأصلبنكم أجمعين» ~~تفضيحا لكم وتنكيلا لأمثالكم قيل هو أول من سن ذلك فشرعه الله تعالى لقطاع ~~الطريق تعظيما لجرمهم ولذلك سماه الله تعالى محاربة لله ورسوله «قالوا» ~~استئناف مسوق للجواب PageV03P261 # عن سؤال ينساق إليه الذهن كأنه قيل فماذا قال السحرة عندما سمعوا وعيد ~~فرعون هل تأثروا به تصلبوا فيما هم فيه من الدين فقيل قالوا ثابتين على ما ~~أحدثوا من الإيمان «إنا إلى ربنا منقلبون» أي بالموت لا محالة فسواء كان ~~ذلك من قبلك أو لا فلا نبالي بوعيدك أو إنا إلى رحمة ربنا وثوابه منقلبون ~~إن فعلت بنا ذلك كأنهم استطابوه شغفا على لقاء الله تعالى وإنا جميعا إلى ~~ربنا منقلبون فيحكم بيننا وبينك «وما تنقم منا» أي وما تنكر وتعيب منا «إلا ~~أن آمنا بآيات ربنا ms1198 لما جاءتنا» وهو خير الأعمال وأصل المفاخر ليس مما ~~يتأتى لنا العجول عنه طلبا لمرضاتك ثم أعرضوا عن مخاطبته إظهارا لما في ~~قلوبهم من العزيمة على ما قالوا وتقرير آلة ففزعوا إلى الله عز وجل وقالوا ~~«ربنا أفرغ علينا صبرا» أي افض علينا من الصبر ما يغمرنا كما يغمر الماء أو ~~صب علينا ما يطهرنا من أوضار الأوزار وأدناس الآثام وهو الصبر على وعيد ~~فرعون «وتوفنا مسلمين» ثابتين على ما رزقتنا من الإسلام غير مفتونين من ~~الوعيد قيل فعل بهم ما أوعدهم به وقيل لم يقدر عليه لقوله تعالى أنتما ومن ~~اتبعكما الغالبون «وقال الملأ من قوم فرعون» مخاطبين له بعد ما شاهدوا من ~~أمر موسى عليه السلام «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض» أي في أرض مصر ~~بتغير الناس عليك وصرفهم عن متابعتك «ويذرك» عطف على يفسدوا أو جواب ~~الاستفهام بالواو كما في قول الحطيئة [ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم ~~المودة والإخاء] أي أيكون منك ترك موسى ويكون تركه إياك وقرئ بالرفع عطفا ~~على أتذر أو استئنافا أو حالا وقرئ بالسكون كأنه قيل يفسدوا ويذرك كقوله ~~تعالى فأصدق وأكن «وآلهتك» ومعبوداتك قيل إنه كان يعبد الكواكب وقيل صنع ~~لقومه أصناما وأمرهم بأن يعبدوها تقربا إليه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى ~~وقرئ والهتك أي عبادتك «قال» مجيبا لهم «سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم» كما ~~كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا ~~يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه وقرئ ~~سنقتل بالتخفيف «وإنا فوقهم قاهرون» كما كنا لم يتغير حالنا أصلا وهم ~~مقهورون تحت أيدينا كذلك * «قال موسى لقومه» تسلية لهم وعدة بحسن العاقبة ~~حين سمعوا قول فرعون وتضجروا منه «استعينوا بالله واصبروا» على ما سمعتم من ~~أقاويله الباطلة «إن الأرض لله» أي أرض مصر أو جنس PageV03P262 # الأرض وهي داخلة فيها دخولا أوليا «يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين» الذين أنتم منهم وفيه إيذان بأن الاستعانة بالله ms1199 تعالى والصبر من ~~باب التقوى وقرئ والعاقبة بالنصب عطفا على اسم إن «قالوا» أي بنو إسرائيل ~~«أوذينا» أي من جهة فرعون «من قبل أن تأتينا» أي بالرسالة يعنون بذلك قتل ~~أبنائهم قبل مولد موسى عليه الصلاة والسلام وبعده «ومن بعد ما جئتنا» أي ~~رسولا يعنون ما توعدهم به من إعادة قتل الأبناء وسائر ما كان يفعل بهم ~~لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجور والظلم والعذاب وأما ما كانوا ~~يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن كما قيل فليس مما يلحقهم ~~بواسطته عليه السلام فليس لذكره كثير ملابسة بالمقام «قال» أي موسى عليه ~~الصلاة والسلام لما رأى شدة جزعهم مما شاهدوه مسليا لهم بالتصريح بما لوح ~~به في قوله إن الأرض لله الخ «عسى ربكم أن يهلك عدوكم» الذي فعل بكم ما فعل ~~وتوعدكم بإعادته «ويستخلفكم في الأرض» أي يجعلكم خلفاء في أرض مصر «فينظر ~~كيف تعملون» أحسنا أم قبيحا فيجازيكم حسبما يظهر منك من الأعمال وفيه تأكيد ~~للتسلية وتحقيق للأمر قيل لعل الإتيان بفعل الطمع لعدم الجزم منه عليه ~~السلام بأنهم هم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم فقد روي أن مصر إنما فتحت ~~في زمن داود عليه السلام ولا يساعده قوله تعالى وأورثنا القوم الذين ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها فإن المتبادر استخلاف أنفس المستضعفين لا ~~استخلاف أولادهم إنما مجىء فعل الطمع للجري على سنن الكبرياء «ولقد أخذنا ~~آل فرعون بالسنين» شروع في تفصيل مبادى الهلاك الموعود وإيذان بأنه تعالى ~~لم يمهلهم بعد ذلك ولم يكونوا في خفض ودعة بل رتبت أسباب هلاكهم فتحولوا من ~~حال إلى حال إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال وتصدير الجملة بالقسم لإظهار ~~الاعتناء بمضمونها والسنون جمع سنة والمراد بها عام القحط وفيها لغتان ~~أشهرهما إجراؤها مجرى المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء ويحذف ~~نونه بالإضافة واللغة الثانية إجراء الإعراب على النون ولكن مع الباء خاصة ~~إما بإثبات تنوينها أو بحذفه قال الفراء هي اللغة مصروفة عنج بني عامر وغير ~~مصروفة عند بني تميم ms1200 ووجه حذف التنوين والتخفيف وحينئذ لا يحذف النون ~~للإضافة وعلى ذلك جاء قول الشاعر [دعاني من نجد فإن سنينه * لعبن بنا شيبا ~~وشيبننا مردا] وجاء الحديث اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف وسنين كسنين ~~يوسف باللغتين «ونقص من الثمرات» بإصابة العاهات عن كعب يأتي على الناس ~~زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أما ~~السنون فكانت لباديتهم وأهل ماشيتهم وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم ~~«لعلهم يذكرون» كي تذكروا ويتعظوا بذلك ويقفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم ~~وينزجر وأعمالهم عليه من العتو والعناد قال الزجاج إن أحوال PageV03P263 # الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله عوز وجب وفي الرجوع إليه تعالى ~~ألا يرى إلى قوله تعالى وغذا مسه الشر فذو دعاء عريض وقد مر تحقيق القول في ~~لعل وفي محلها في تفسير قوله تعالى لعلكم تتقون في أوائل سورة البقرة وقوله ~~تعالى «فإذا جاءتهم الحسنة» الخ بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغنى أي ~~فإذا جاءتهم السعة والخصب وغيرهما من الخيرات «قالوا لنا هذه» أي لأجلنا ~~واستحقاقنا لها «وإن تصبهم سيئة» أي جدب وبلاء «يطيروا بموسى ومن معه» أي ~~يتشاءموا بهم ويقولوا ما أصابتنا إلا بشؤمهم وهذا كما ترى شاهد بكمال قساوة ~~قلوبهم ونهاية جهلهم وغباوتهم فإن الشدائد ترقق القلوب وتلين العرائك لا ~~سيما بعد مشاهدة الآيات وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيء منها بل ازدادوا ~~عتوا وعنادا وتعريف الحسنة وذكرها بأداة التحقيق للإيذان بكثرة وقوعها ~~وتعلق الإرادة بها بالذات كما أن تنكير السيئة وإيرادها بحرف الشك للإشعار ~~بندرة وقوعها وعدم تعلق الإرادة بها إلا بالعرض وقوله تعالى «ألا إنما ~~طائرهم عند الله» استئناف مسوق من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة وتحقيق ~~الحق في ذلك وتصديره بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه أي ليس سبب ~~خيرهم إلا عنده تعالى وهو حكمه ومشيئته المتضمنة للحكم والمصالح أو ليس سبب ~~شؤمهم وهو أعمالهم السيئة إلا عنده تعالى أي مكتوبة لديه فإنها التي ساقت ~~إليهم ما يسوؤهم لا ms1201 ما عداها وقرئ إنما طيرهم وهو اسم جمع طائر وقيل جمع له ~~«ولكن أكثرهم لا يعلمون» ذلك فيقولون مكا يقولون مما حكي عنهم وإسناد عدم ~~العلم إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير والشر من ~~جهة الله تعالى أو يعلمون أن ما أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما ~~كسبت أيديهم ولكن لا يعلمون بمقتضاه عنادا واستكبارا «وقالوا» شروع في بيان ~~بعض آخر مما أخذ به آل فرعون من فنون العذاب التي هي في أنفسها آيات بينات ~~وعدم ارعوائهم مع ذلك عما كانوا عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما ~~رأوا ما رأوا من شأن العصا والسنين ونقص الثمرات «مهما تأتنا به» كلمة مهما ~~تستعمل للشرط والجزاء وأصلها ما الجزائية ضمت إليها ما المزيدة للتأكيد كما ~~ضمت إلى اين وإن في أينما تكونوا وإما نذهبن بك خلا أن ألف الأولى قلبت هاء ~~حذرا من تكرير المتجانسين هذا هو الرأي السديد وقيل مه كلمة يصوت بها ~~الناهي ضمت إليها ما الشرطية ومحلها الرفع بالابتداء أو النصب بفعل يفسره ~~ما بعدها أي أي شيء تظهره لدينا وقوله تعالى «من آية» بيان لمهما وتسميتهم ~~إياها وقوله تعالى «لتسحرنا بها» إظهار لكما الطغيان والغلو فيه وتسمية ~~للإرشاد إلى الحق بالسحر وتسكير الأبصار والضميران المجروران راجعان إلى ~~مهما وتذكير الأول لمراعاة جانب اللفظ لإبهامه PageV03P264 # وتأنيث الثاني للمحافظة على جانب المعنى لتنبيه بآية كما في قوله تعالى ~~ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له «فما نحن لك ~~بمؤمنين» بمصدقين لك ومؤمنين لنبوتك «فأرسلنا عليهم» عقوبة لجرائمهم لا ~~سيما لقولهم هذا «الطوفان» أي الماء الذي طاف به وغشي أماكنهم وحروثهم من ~~مطر أو سيل وقيل هو الجدري وقي الموتان وقيل الطاعون «والجراد والقمل» قيل ~~هو كبار القردان وقيل أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها «والضفادع والدم» روي ~~أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يستطيع أن يخرج أحد من بيته ودخل ~~الماء بيوتهم حتى قاموا ms1202 فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منه ~~قطرة وهي في خلال بيوتهم وفاض الماء على أرضهم وركد فمنعهم من الحرث ~~والتصرف ودام ذلك سبعة أيام فقالوا له عليه الصلاة والسلام ادع لنا ربك ~~يكشف عنا ونحن نؤمن بك فدعا فكشف عنهم فنبت من العشب والكلأ ما لم يعهد ~~قبله ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجراد فأكل زروعهم وثمارهم وأبوابهم ~~وسقوفهم وثيابهم ففزعوا إليه عليه الصلاة والسلام لما ذكر فخرج إلى الصحراء ~~وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم ~~يؤمنوا فسلط الله تعالى عليهم القمل فأكل ما أبقته الجراد وكان يقع في ~~أطعمتهم ويدخل بين ثيابهم وجلودهم فيمصها ففزعوا إليه ثالثا فرفع عنهم ~~فقالوا قد تحققنا الآن أنك ساحر ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ~~ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه وكانت تمتلئ منها مضاجعهم وتثب إلى قدورهم وهي ~~تغلي وإلى أفواههم عند التكلم ففزعوا إليه رابعا وتضرعوا فأخذ عليهم العهود ~~فدعا فكشف الله عنهم فنقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماء ~~حتى كان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء فيكون ما يليه دما وما يلي ~~الإسرائيلي ماء على حاله ويمص من فم الإسرائيلي فيصير دما في فيه وقيل سلط ~~الله عليهم الرعاف «آيات» حال من المنصوبات المذكورة «مفصلات» مبينات لا ~~يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته وقيل مفرقات بعضها من بعض ~~لامتحان أحوالهم وكان بين كل آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها ~~أسبوعا وقيل إنه عليه السلام لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم ~~هذه الآيات على مهل «فاستكبروا» أي عن الإيمان بها «وكانوا قوما مجرمين» ~~جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها «ولما وقع عليهم الرجز» أي العذاب ~~المذكور على التفصيل فاللام للجنس المنتظم لكل واحدة من الآيات المفصلة أي ~~كلما وقع عليهم عقوبة من تلك العقوبات قالوا في كل مرة «يا موسى ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك» أي بعهده عندك وهو PageV03P265 # النبوة ms1203 أو بالذي عهد إليك أن تدعوه فيجيبك كما أجابك في آياتك وهو صلة ~~لأدع أو حال من الضمير فيه بمعنى ادع الله متوسلا إليه بما عهد عندك أو ~~متعلق بمحذوف دل عليه التماسهم مثل أسعفنا إلى ما نطلب بحق ما عندك أو قسم ~~أجيب بقوله تعالى «لئن كشفت عنا الرجز» الذي وقع علينا «لنؤمنن لك ولنرسلن ~~معك بني إسرائيل» أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشف الخ «فلما كشفنا عنهم ~~الرجز إلى أجل هم بالغوه» أي إلى حد الزمان هو بالغوه فمعذبون بعده أو ~~مهلكون «إذا هم ينكثون» جواب لما أي فلما كشفنا عنهم فاجئوا النكث من غير ~~تأمل وتوقف «فانتقمنا منهم» أي فأردنا أن ننتقم منهم لما أسلفوا من المعاصي ~~والجرائم فإن قوله تعالى «فأغرقناهم» عين الانتقام منهم فلا يصح دخول الفاء ~~بينهما ويجوز أن يكون المراد مطلق الانتقام منهم والفاء تفسيرية كما في ~~قوله تعالى ونادى نوح ربه فقال رب الخ «في اليم» في البحر الذي لا يدرك ~~قعره وقيل في لجته «بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» تعليل للإغراق ~~أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها وعدم تفكرهم ~~فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية والفاء وإن دلت على ترتب الإغراق ~~على ما قبله من النكث لكنه صرح بالتعليل إيذانا بأن مدار جميع ذلك تكذيب ~~آيات الله تعالى والإعراض عنها «وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون» أي ~~بالاستبعاد وذبح الأبناء والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على ~~استمرار الاستضعاف وتجدده وهم بنو إسرائيل ذكروا بهذا العنوان إظهارا لكمال ~~لطفه تعالى بهم وعظيم إحسانه إليهم في رفعهم من حضيض المذلة إلى أوج العزى ~~ة «مشارق الأرض ومغاربها» أي جانبيها الشرقي والغربي حيث ملكها بنو إسرائيل ~~بعج الفراعنة والعمالقة وتصرفوا في أكنافها الشرقية والغربية كيف شاءوا ~~وقوله تعالى «التي باركنا فيها» أي بالخصب وسعة الأرزاق صفة للمشارق ~~والمغارب وقيل للأرض وفيه ضعف للفصل بين الصفة والموصوف بالمعطوف كما في ~~قولك قام أو هند وأبوها العاقلة «وتمت كلمة ربك ms1204 الحسنى» وهي وعده تعالى ~~إياهم بالنصر والتمكين كما ينبئ عنه قوله تعالى ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وقرئ كلمات لتعدد ~~المواعيد ومعنى تمت مضت واستمرت «على PageV03P266 # بني إسرائيل بما صبروا» أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من جهة ~~فرعون وقومه «ودمرنا» أي خربنا وأهلكنا «ما كان يصنع فرعون وقومه» من ~~العمارات والقصور أي ودمرنا إلي كان فرعون يصنعه على أن فرعون اسم كان ~~ويصنع خبر مقدم والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف وقيل اسم كان ضمير ~~عائد إلى ما الموصولة ويصنع مسند إلى فرعون والجملة خبر كان والعائد محذوف ~~أيضا والتقدير ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون الخ وقيل كان كان زائدة وما ~~مصدرية والتقدير ما يصنع فرعون الخ وقيل كان زائدة كما ذكر وما موصولة ~~اسمية والعائد محذوف تقديره ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صنعه والعدول ~~إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة «وما كانوا يعرشون» من ~~الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان وقرئ يعرشون بضم الراء ~~والكسر أفصح وهذا آخر قصة فرعون وقومه وقوله عز وجل «وجاوزنا ببني إسرائيل ~~البحر» شروع في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه من الأمور الشنيعة بعد أن ~~أنقذهم الله عز وجل من ملكة فرعون ومن عليهم من النعم العظام الموجبة للشكر ~~وأراهم من الآيات الكبار ما تخر له شم الجبال تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإيقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة ~~أحوالهم وجاوز بمعنى جاز وقرئ جوزنا بالتشديد وهو أيضا بمعنى جاز فعدى ~~بالباء أي قطعنا بهم البحر روي أنه عبر بهم موسى عليه السلام يوم عاشوراء ~~بعد ما أهلك الله تعالى فرعون فصاموه شكرا لله عز وجل «فأتوا» أي مروا «على ~~قوم» قيل كانوا من لخم وقيل من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه ~~السلام بقتالهم «يعكفون على أصنام لهم» أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها ~~وقرئ بكسر الكاف قال ابن جريج كانت أصنامهم ms1205 تماثيل بقر وهو أول شأن العجل ~~«قالوا» عندما شاهدوا أحوالهم «يا موسى اجعل لنا إلها» مثالا نعبده «كما ~~لهم آلهة» الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلها وما موصولة ولهم صلتها وآلهة ~~بدل من ما والتقدير هذا إثر ما شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزة العظمى ~~فوصفهم بالجهل المطلق إذ لا جهل أعظم مما ظهر منهم وأكده بقوله «إن هؤلاء» ~~يعني القوم الذين يعبدون تلك التماثيل «متبر» أي مدمر مكسر «ما هم فيه» أي ~~من الدين الباطل أي يتبر الله تعالى ويهدم دينهم الذي هم عليه عن قريب ~~ويحطم أصنامهم ويتركها رضاضا وإنما جئ بالجملة الاسمية للدلالة على التحقق ~~«وباطل» أي مضمحل بالكلية «ما كانوا يعملون» من عبادتها وإن كان قصدهم بذلك ~~التقرب إلى الله تعالى فإنه كفر محض وليس هذا كما في قوله تعالى وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا كما توهم فإن المراد به أعمال البر ~~التي عملوها في الجاهلية فإنها في أنفسها حسنات PageV03P267 # لو قارنت الإيمان لاستتبعت أجورها وإنما بطلت لمقارنتها الكفر وفي إيقاع ~~هؤلاء اسما لأن وتقديم الخبر من الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام ~~بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازب ليحذرهم ~~عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا «قال أغير الله أبغيكم إلها» شروع في ~~بيان شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى بعد بيان أن ما ~~طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلا لكونه هالكا باطلا ولذلك وسط بينهما ~~قال مع كون كل منهما كلام موسى عليه الصلاة والسلام والاستفهام للإنكار ~~والتعجب والتوبيخ وإدخال الهمزة على غير للإيذان بأن المنكر هو كون المبغي ~~غيره تعالى لما أنه لاختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكار الاختصاص بغيره ~~تعالى وانتصاب غير على أنه مفعول أبغي بحذف اللام أي أبغي لكم أي اطلب لكم ~~غير الله تعالى وإلها إما تمييزا أو حال أو على الحالية من إلها وهو ~~المفعول لأبغي على أن الأصل أبغي لكم إلها غير الله فغير ms1206 الله صفة لإلها ~~فلما قدمت صفة النكرة انتصبت حالا «وهو فضلكم على العالمين» أي والحال أنه ~~تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم وفيه تنبيه على ما صنعوا من سوء المعاملة ~~حيث قابلوا تخصيص الله تعالى إياهم من بين أمثالهم بما لم يستحقوه تفضلا ~~بأن عمدوا إلى أخس شيء من مخلوقاته فجعلوه شريكا له تعالى تبا لهم ولما ~~يعبدون «وإذ نجيناكم» تذكير لهم من جهته سبحانه بنعمة الإنجاء من ملكة ~~فرعون وقرئ نجيناكم من التنجية وقرئ أنجاكم فيكون مسوقا من جهة موسى عليه ~~الصلاة والسلام أي واذكروا وقت إنجائنا إياكم «من آل فرعون» من ملكتهم لا ~~بمجرد تخليصكم من أيديهم وهم على حالهم في المكنة والقدرة بل بإهلاكهم ~~بالكلية وقوله تعالى «يسومونكم سوء العذاب» من سامه خسفا أي أولاه إياه ~~وكلفه غياه وهو إما استئناف لبيان ما أنجاهم منه أو حال منن المخاطبين أو ~~من آل فرعون أو منهما معا لاشتماله على ضميريهما وقوله تعالى «يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم» بدل من يسومونكم مبين أو مفسر له «وفي ذلكم» ~~الإنجاء أو سوء العذاب «بلاء» أي نعمة أو محنة «من ربكم» من مالك أمركم فإن ~~النعمة والنقمة كلتاهما منه سبحانه وتعالى «عظيم» لا يقادر قدره «وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة» روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن ~~أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون ~~سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة ~~فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك PageV03P268 # فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك وقيل أوحى ~~الله تعالى إليه أما علمت أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فأمره ~~الله تعالى بأن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لذلك وذلك قوله تعالى ~~«وأتممناها بعشر» والتعبير عنها بالليالي لأنها غرر الشهور وقيل أمره الله ~~تعالى بأن يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل فيها بما يقربه من الله تعالى ثم ~~أنزلت عليه ms1207 التوراة في العشر وكلم فيها وقد أجمل ذكر الأربعين في سورة ~~البقرة وفصل ههنا وواعدنا بمعنى وعدنا وقد قرىء كذلك وقيل الصيغة على بابها ~~بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد وثلاثين مفعول ثان ~~لواعدنا بحذف المضاف أي إنما ثلاثين ليلة «فتم ميقات ربه أربعين ليلة» أي ~~بالغا أربعين ليلة «وقال موسى لأخيه هارون» حين توجه إلى المناجاة حسبما ~~أمر به «اخلفني» أي كن خليفتي «في قومي» وراقبهم فيما يأتون وما يذرون « ~~وأصلح» ما يحتاج إلى الإصلاح من أمورهم أو كن مصلحا «ولا تتبع سبيل ~~المفسدين» أي لا تتبع من سلك الإفساد ولا تطع من دعاك إليه «ولما جاء موسى ~~لميقاتنا» لوقتنا الذي وقتنا واللام للاختصاص أي اختص مجيئه بميقاتنا ~~«وكلمه ربه» من غير واسطة كما يكلم الملائكة عليهم السلام وفيما روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام كان يسمع ذلك من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه عز ~~وجل ليس من جنس سماع كلام المحدثين «قال رب أرني أنظر إليك» أي أرني ذاتك ~~بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وهو دليل على أن رؤيته ~~تعالى جائزة في الجملة لما أن طلب المستحيل مستحيل من الأنبياء لا سيما ما ~~يقتضي الجهل بشؤون الله تعالى ولذلك رده بقوله تعالى لن تراني دون لن أرى ~~ولن أريك ولن تنظر إلى تنبيها على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على معد في ~~الرائي ولم يوجد فيه ذلك بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا أرنا ~~الله جهرة خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما ~~فعل ذلك حين قالوا اجعل لنا إلها وأن لا يتبع سبيلهم كما قال لأخيه ولا ~~تتبع سبيل المفسدين والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل ~~الإخبار بعدم رؤيته إياه على أنه لا يراه ابدا وأن لا يراه غيره أصلا فضلا ~~عن أن يدل على استحالتها ودعوى الضرورة مكابرة أو جهل لحقيقة الرؤية «قال» ~~استئناف مبني على سؤال نشأ ms1208 من الكلام كأنه قيل فماذا قال رب العزة حين قال ~~موسى عليه السلام ما قل فقيل قال «لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني» استدراك لبيان أنه لا يطيق بها وفي تعليقها باستقرار ~~الجيل أيضا دليل على الجواز ضرورة أن المعلق بالممكن ممكن والجبل قيل هو ~~جبل أردن «فلما تجلى ربه للجبل» اي ظهرت له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره ~~وقيل أعطى الجبل حياة ورؤية حتى رآه «جعله دكا» مدكوكا مفتتا والدك والدق ~~أخوان كالشك والشق PageV03P269 # وقرئ دكاء أي أرضا مستوية ومنه ناقة دكاء للتي لا سنام لها وقرئ دكا جمع ~~دكاء أي قطعا «وخر موسى صعقا» مغشيا عليه من هول ما رآه «فلما أفاق» ~~الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما بسبب من الأسباب «قال» ~~تعظيما لما شاهده «سبحانك» أي تنزيها لك من أن أسألك شيئا بغير إذن منك ~~«تبت إليك» أي من الجراءة والإقدام على السؤال بغير إذن «وأنا أول ~~المؤمنين» أي بعظمتك وجلالك وقيل أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا وقيل ~~بأنه لا يجوز السؤال بغير غذن منك «قال يا موسى» استئناف مسوق لتسليته عليه ~~الصلاة والسلام من عدم الإجابة إلى سؤال الرؤية كأنه قيل إن منعتك الرؤية ~~فقد أعطيتك من النعم العظام ما لم أعط أحدا من العالمين فاغتنمها وثابر على ~~شكرها «إني اصطفيتك» أي اخترتك واتخذتك صفوة وآثرتك «على الناس» أي ~~المعاصرين لك وهارون إن كان نبيا كان مأمورا باتباعه وما كان كليما ولا ~~صاحب شرع «برسالاتي» أي بأسفار التوراة وقرئ برسالتي «وبكلامي» وبتكليمي ~~إياك بغير واسطة «فخذ ما آتيتك» أي أعطيتك من شرف النبوة والحكمة «وكن من ~~الشاكرين» على ما أعطيت من جلائل النعم قيل كان سؤال الرؤية يوم عرفة ~~وإعطاء التوراة يوم النحر «وكتبنا له في الألواح من كل شيء» أي مما يحتاجون ~~إليه من أمور دينهم «موعظة وتفصيلا لكل شيء» بدل من الجار والمجرور أي ~~كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام واختلف في ms1209 عدد الألواح وفي ~~جوهرها ومقدارها فقيل إنها كانت عشرة ألواح وقيل سبعة وقيل لوحين وإنها ~~كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام وقيل من زبرجدة خضراء أو ياقوتة ~~حمراء وقيل أمر الله تعالى موسى بقطعها من صخرة صماء لينهاله فقطعها بيده ~~وشققها بأصابعه وعن الحسن رضي الله عنه كانت من خشب نزلت من السماء فيها ~~التوراة وإن طولها كان عشرة أذرع وقيل أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير ~~يقر الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى ~~عليهم السلام وعن مقاتل رضي الله عنه كتب في الألواح إني أنا الله الرحمن ~~الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين ~~«فخذها» على إضمار قول معطوف على كتبنا فقلنا خذها «بقوة» بجد وعزيمة وقيل ~~هو بدل من قوله تعالى فخذ ما آتيتك والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه بمعنى ~~الأشياء أو للرسالة أو للتوراة «وأمر قومك يأخذوا بأحسنها» أي بأحسن ما ~~فيها كالعفو والصبر بالإضافة إلى الاقتصاص والانتصار على طريقة الندب والحث ~~على اختيار الأفضل كما في قوله تعالى واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ~~أو بواجباتها فإنها PageV03P270 # أحسن من المباح وقيل المعنى يأخذوا بها وأحسن صلة قال قطرب أي بحسنها ~~وكلها حسن كقوله تعالى ولذكر الله أكبر وقيل هو أن تحمل الكلمة المحتملة ~~لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها إلى الصواب «سأريكم دار ~~الفاسقين» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى قومه عليه الصلاة والسلام بطريق ~~الالتفات حملا لهم على الجد في الامتثال بما أمروا به إما على نهج الوعيد ~~والترهيب على أن المراد بدار الفاسقين أرض مصر وديار عاد وثمود واضرابهم ~~فإن رؤيتها وهي الخالية عن أهلها خاوية على عروشها موجبة للاعتبار ~~والانزجار عن مثل أعمال أهلها كيلا يحل بهم ما حل بأولئك وإما على نهج ~~الوعد والترغيب على أن المراد بدار الفاسقين إما أرض مصر خاصة أو مع أرض ~~الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها أيضا مما أتيح لبني ms1210 إسرائيل وكتب لهم ~~حسبما ينطق به قوله عز وجل يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ~~ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث ويؤيده قراءة من قرأ سأورثكم بالثاء ~~المثلثة كما في قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها وقرئ سأوريكم ولعله من أوريت الزند أي سأبينها لكم وقوله تعالى ~~«سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض» استئناف مسوق لتحذيرهم عن التكبر ~~الموجب لعدم التفكر في الآيات التي هي ما كتب في ألواح التوراة من المواعظ ~~والأحكام أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعد ~~إراءته من دار الفاسقين ومعنى صرفهم عنها الطبع على قلوبهم بحيث لا يكادون ~~يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لاصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر ~~كقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم وتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع أن في ~~المؤخر نوع كول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل أي سأطبع على قلوب ~~الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون لهم على الخلق مزية وفضلا فلا ينتفعون ~~بآياتي التنزيلية والتكوينية ولا يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم ~~لتكونوا أمثالهم وقيل المعني سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد ~~فرعون في إبطال ما رآه من الآيات فأبى الله تعالى إلا إحقاق الحق وإزهاق ~~الباطل وعلى هذا فالأنسب أن يراد بدار الفاسقين ارض الجبابرة والعمالقة ~~والمشهورين بالفسق والتكبر في الأرض وبإراءتها للمخاطبين إدخالهم الشام ~~وإسكانهم في مساكنهم ومنازلهم حسبما نطق به قوله تعالى يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ويكون قوله تعالى سأصرف عن آياتي الخ جوابا عن ~~سؤال مقدر ناشيء من الوعد بإدخال الشام على أن المراد بالآيات ما تلي آنفا ~~ونظائره وبصرفهم عنها إزالتهم عن مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها ~~وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم على يد موسى عليه الصلاة والسلام حين سار ~~بعد التيه بمن بقي من بني إسرائيل PageV03P271 # أو بذرياتهم على اختلاف الروايتين إلى أريحا ويوشع بن نون ms1211 في مقدمته ~~ففتحها واستقر بنو إسرائيل بالشام وملكوا مشارقها ومغاربها كأنه قيل كيف ~~يرون دارهم وهم فيها فقيل سأهلكهم وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة ~~بالآيات واطمئنانا بها وقوله تعالى «بغير الحق» إما صلة للتكبر أي يتكبرون ~~بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من ~~فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق وقوله تعالى «وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها» عطف على يتكبرون داخل معه في حكم الصلة والمراد بالآية إما ~~منزلة فالمراد برؤيتها مشاهدتها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من المعجزات ~~فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار أي وإن يشاهدوا كل ~~آية من الآيات لا يؤمنوا بها على عموم النفي لا على نفي العموم أي كفروا ~~بكل واحدة منها لعدم اجتلائهم إياها كما هي وهذا كما ترى يؤيد كون الصرف ~~بمعنى الطبع وقوله تعالى «وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا» عطف على ما ~~قبله داخل في حكمه أي لا يتوجهون إلى الحق ولا يسلكون سبيله أصلا لاستيلاء ~~الشيطنة عليهم ومطبوعتهم على الانحراف والزيغ وقرئ بفتحتين وقرئ الرشاد ~~وثلاثتها لغات كالسقم والسقم والسقام «وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا» أي ~~يختارونه لأنفسهم مسلكا مستمرا لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم ~~الباطلة وإفضائه بهم إلى شهواتهم «ذلك» إشارة إلى ما ذكر من تكبرهم وعدم ~~إيمانهم بشي من الآيات وإعراضهم عن سبيل الرشد وإقبالهم التام إلى سبيل ~~الغي وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «بأنهم» أي حاصل بسبب أنهم «كذبوا بآياتنا» ~~الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادها «وكانوا عنها ~~غافلين» لا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل ويجوز ان ~~يكون إشارة إلى ما ذكر من الصرف ولا يمنعه الإشعار بعلية ما في حيز الصلة ~~كيف لا وقد مر أن ذلك في قوله تعالى ذلك بما عصوا الآية يجوز أن يكون إشارة ~~إلى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم مع كون ذلك معللا بالكفر ~~بآيات الله صريحا وقيل ms1212 محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك ~~الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها «والذين كذبوا بآياتنا ولقاء ~~الآخرة» أي وبلقائهم الدار الآخرة أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة ~~من الجزاء ومحل الموصول الرفع على الابتداء وقوله تعالى «حبطت أعمالهم» ~~خبره أي ظهر بطلان أعمالهم التي كانوا عملوها من صلة الأرحام وإغاثة ~~الملهوفين ونحو ذلك أو حبطت أعمالهم بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير ~~إيمانهم بها «هل يجزون» أي لا يجزون «إلا ما كانوا يعملون» أي الإجزاء ما ~~كانوا يعملونه من الكفر والمعاصي «واتخذ قوم موسى من بعده» أي من بعد ذهابه ~~إلى الطور «من حليهم» متعلق باتخذ كالجار الأول لاختلاف معنييهما فإن الأول ~~للابتداء PageV03P272 # والثاني للتبعيض أو للبيان أو الثاني متعلق بمحذوف وقع حالا مما بعده إذ ~~لو تأخر لكان صفة له وإضافة الحلي إليهم مع أنها كانت للقبط لأدنى الملابسة ~~حيث كانوا استعاروها من أربابها قبيل الغرق فبقيت في أيديهم وأما أنهم ~~ملكوها بعد الغرق فذلك منوط بتملك بني إسرائيل غنائم القبط وهم مستأمنون ~~فيما بينهم فلا يساعده قولهم حملنا أوزارا من زينة القوم والحلي بضم الحاء ~~وكسر اللام جمع حلي كثدي وثدي وقرئ بكسر الحاء بالاتباع كدلى وقرئ حليهم ~~على الإفراد وقوله تعالى «عجلا» مفعول اتخذ أخر عن المجرور لما مر من ~~الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه ~~بتجاوب أطراف النظم الكريم وقيل هو متعد إلى اثنين بمعنى التصيير والمفعول ~~الثاني محذوف أي إلها وقوله تعالى «جسدا» بدل من عجلا أو جثة ذا دم ولحم أو ~~جسدا من ذهب لا روح معه وقوله تعالى «له خوار» أي صوت بقر وقرئ بالجيم ~~والهمزة وهو الصياح نعت لعجلا روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه ~~ترابا من أثر فرس جبريل عليه الصلاة والسلام وقد كان أخذه عند فلق البحر أو ~~عند توجهه إلى الطور فصار حيا وقيل صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح في جوفه ~~فيصوت ms1213 والأنسب بما في سورة طه هو الأول وإنما نسب اتخاذه إليهم وهو فعله ~~إما لأنه واحد منهم وإما لأنهم رضوا به فكأنهم فعلوه وإما لأن المراد ~~بالاتخاذ اتخاذهم إياه إلها لا صنعه وإحداثه «ألم يروا أنه لا يكلمهم» ~~استئناف مسوق لتقريعهم وتشنيعهم وتركيك عقولهم وتسفيههم فيما أقدموا عليه ~~من المنكر الذي هو اتخاذه إلها أي ألم يروا أنه ليس فيه شيء من أحكام ~~الألوهية حيث لا يكلمهم «ولا يهديهم سبيلا» بوجه من الوجوه فكيف اتخذوه ~~إلها وقوله تعالى «فاتخذوه» أي فعلوا ذلك «وكانوا ظالمين» أي واضعين ~~للأشياء في غير موضعها فلم يكن هذا أول منكر فعلوه والجملة اعتراض تذييلي ~~وتكرير اتخذوه لتثنية التشنيع وترتيب الاعتراض عليه «ولما سقط في أيديهم» ~~أي ندموا غاية الندم فإن ذلك كناية عنه لأن النادم المتحسر يعض يده غما ~~فتصير يده مسقوطا فيها وقرئ سقط على البناء للفاعل بمعنى وقع العض فيها ~~فاليد حقيقة وقال الزجاج معناه سقط الندم في أنفسهم إما بطريق الاستعارة ~~بالكناية أو بطريق التمثيل «ورأوا أنهم قد ضلوا» باتخاذ العجل أي تبينوا ~~بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم رأوه بأعينهم وتقديم ذكر ندمهم على هذه الرؤية ~~مع كونه متأخرا عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته كأنه سابق ~~على الرؤية «قالوا» والله «لئن لم يرحمنا ربنا» بإنزال التوبة المكفرة ~~«ويغفر لنا» ذنوبنا بالتجاوز عن خطيئتنا وتقديم الرحمة على المغفرة مع أن ~~التخلية حقها أن تقدم على التحلية إما للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصلي ~~وإما لأن المراد بالرحمة مطلق إرادة الخير بهم وهو مبدأ لإنزال التوبة ~~المكفرة لذنوبهم واللام في لئن موطئة للقسم كما أشير إليه وفي قوله تعالى ~~«لنكونن من الخاسرين» لجواب القسم وما حكي عنهم من الندامة والرؤية والقول ~~وإن كان بعد PageV03P273 # ما رجع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم كما ينطق به الآيات الواردة في ~~سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع ~~واحد «ولما رجع موسى إلى قومه» شروع في بيان ما ms1214 جرى من موسى عليه السلام ~~بعد رجوعه من الميقات إثر بيان ما وقع من قومه بعده وقوله تعالى «غضبان ~~أسفا» حالان من موسى عليه السلام أو الثاني من المستكن في غضبان والأسف ~~الشديد الغضب وقيل الحزين «قال بئسما خلفتموني من بعدي» أي بئسما فعلتم من ~~بعد غيبتي حيث عبدتم العجل بعد ما رأيتم فعلي من توحيد الله تعالى ونفي ~~الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من حملكم على ذلك وكفكم عما طمحت نحوه ~~ابصاركم حيث قلتم أجعل لنا إلها كما لهم آلهة ومن حق الخلفاء أن يسيروا ~~بسيرة المستخلف فالخطاب للعبدة من السامري وأشياعه أو بئسما قمتم مقامي ولم ~~تراعوا عهدي حيث لم تكفوا العبدة عما فعلوا فالخطاب لهارون ومن معه من ~~المؤمنين كما ينبئ عنه قوله تعالى قال يا هارون ما منعك إذ رايتهم ضلوا ان ~~لا تتبعن أفعصيت أمري ويجوز أن يكون الخطاب للكل على أن المراد بالخليفة ما ~~يعم الأمرين المذكورين وما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن فيه ~~والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم «أعجلتم ~~أمر ربكم» أي تركتموه غير تام على تضمين عجل معنى سبق يقال عجل عن الأمر ~~إذا تركه غير تام أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي ~~وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم «وألقى الألواح» طرحا من شدة ~~الغضب وفرط الضجر حمية للدين روي أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح ~~فلما ألقاها انكسرت فرفعت ستة أسباعها التي كان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع ~~كان فيه المواعظ والأحكام «وأخذ برأس أخيه» بشعر رأسه عليهما السلام «يجره ~~إليه» حال من ضمير أخذ فعله عليه السلام توهما أنه قصر في كفهم وهارون كان ~~أكبر منه عليهما السلام بثلاث سنين وكان حمولا ولذلك كان أحب إلى بني ~~إسرائيل «قال» أي هارون لما أن حق الأم أعظم وأحق بالمراعاة مع أنها كانت ~~مؤمنة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد وقرئ بكسر الميم بإسقاط الياء تخفيفا ~~كالمنادى المضاف ms1215 إلى الياء وقراءة الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبيهه بخمسة ~~عشر «إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني» إزاحة لتوهم التقصير في حقه ~~والمعنى بذلت جهدي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي «فلا تشمت ~~بي الأعداء» أي فلا تفعل بي ما يكون سببا لشماتتهم بي «ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين» أي معدودا في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير وهذا يؤيد ~~كون الخطاب للكل أولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم ~~PageV03P274 # «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذار هارون عليه السلام كأنه ~~قيل فماذا قال موسى عند ذلك فقيل قال «رب اغفر لي» أي ما فعلت بأخي من غير ~~ذنب مقرر من قبله «ولأخي» إن فرط منه تقصير ما في كفهم عما فعلوه من ~~العظيمة استغفر عليه السلام لنفسه ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم ~~شماتتهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن ~~يقاتلهم «وأدخلنا في رحمتك» بمزيد الإنعام بعد غفران ما سلف منا «وأنت أرحم ~~الراحمين» فلا غرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله «إن الذين اتخذوا العجل» أي تموا على ~~اتخاذه واستمروا على عبادته كالسامري وأشياعه من الذين أشربوه في قلوبهم ~~كما يفصح عنه كون الموصول الثاني عبارة عن التائبين فإن ذلك صريح في أن ~~الموصول الأول عبارة عن المصرين «سينالهم» أي في الآخرة «غضب» أي عظيم لا ~~يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لما أن جريمتهم أعظم الجرائم وأقبح ~~الجرائر وقوله تعالى «من ربهم» اي مالكهم متعلق بينا لهم أو بمحذوف هو نعت ~~لغضب مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائن ~~من ربهم «وذلة في الحياة الدنيا» هي ذلة الاغتراب التي تضرب بها الأمثال ~~والمسكنة المتنظمة لهم ولأولادهم جميعا والذلة التي اختص بها السامري من ~~الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس يروى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك ~~وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حما جميعا في ms1216 الوقت وإيراد ما نالهم في حيز السين ~~مع مضيه بطريق تغليب حال الأخلاف على حال الأسلاف وقيل المراد بهم التائبون ~~وبالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم واعتذر عن السين بان ذلك حكاية عما أخبر ~~الله تعالى به موسى عليه السلام حين اخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ~~بأنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فيكون سابقا على الغضب وأنت خبير بأن سباق ~~النظم الكريم وسياقه بيان عن ذلك نبوا ظاهرا كيف لا وقوله تعالى «وكذلك ~~نجزي المفترين» ينادي على خلافه فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعج ~~ذلك بالافتراء وأيضا ليس يجزي الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ~~ظاهره قهر وباطنه لطف ورحمة وقيل المراد بهم أبناؤهم المعاصرون لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن تعيير الأبناء بأفاعيل الآباء مشهور معروف منه قوله ~~تعالى وإذ قتلتم نفسا الآية وقوله تعالى وإذ قلتم يا موسى الآية والمراد ~~بالغضب الغضب الأخروي وبالذلة ما أصابهم من القتل والإجلاء وضرب الجزية ~~عليهم وقيل المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم ولا ~~ريب في أن توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين ~~الشجر ولحائه «والذين عملوا السيئات» أي سيئة كانت PageV03P275 # «ثم تابوا» عن تلك السيئات «من بعدها» أي من بعد عملها «وآمنوا» إيمانا ~~صحيحا خالصا واشتغلوا بإقامة ما هو من مقتضياته من الأعمال الصالحة ولم ~~يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى «إن ربك من بعدها» أي من بعد تلك ~~التوبة المقرونة بالإيمان «لغفور» للذنوب إن عظمت وكثرت «رحيم» مبالغ في ~~إفاضة فنون الرحمة الدنيوية والأخروية والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة ~~إلى ضميره عليه السلام للتشريف «ولما سكت عن موسى الغضب» شروع في بيان بقية ~~الحكاية غثر ما بين تحزب القوم إلى مصر وتائب والإشارة إلى مآل كل منهما ~~إجمالا أي لما سكن عنه الغضب باعتذار أخيه وتوبة القوم وهذا صريح في أن ما ~~حكي عنهم من الندم وما يتفرع عليه كان بعد مجىء موسى عليه الصلاة والسلام ~~وفي هذا ms1217 النظم الكريم من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب الحامل له على ما ~~صدر عنه من الفعل والقول منزلة الآمر بذلك المغرى عليه بالتحكم والتشديد ~~والتعبير عن شكوته بالسكوت ما لا يخفى وقرئ سكن وسكت وأسكت على أن الفاعل ~~هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون «أخذ الألواح» التي ألقاها «وفي نسختها» ~~أي فيما نسخ فيها وكتب فعلة بمعنى مفعول كالخطبة وقيل فيما نسخ منها أي من ~~الألواح المنكسرة «وهدى» أي بيان للحق «ورحمة» للخلق بإرشادهم إلى ما فيه ~~الخير والصلاح «للذين هم لربهم يرهبون» اللام الأولى متعلقة بمحذوف هو صفة ~~لرحمة أي كائنة لهم أو هي لام الأجل أي هدى ورحمة لأجلهم والثانية لتقوية ~~عمل الفعل المؤخر كما في قوله تعالى إن كنتم للرؤيا تعبرون أو هي أيضا لام ~~العلة والمفعول محذوف أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم لا للرياء والسمعة ~~«واختار موسى قومه» شروع في بيان كيفية استدعاء التوبة وكيفية وقوعها ~~واختار يتعدى إلى اثنين ثانيهما مجرور بمن أي اختار من قومه بحذف الجار ~~وإيصال الفعل إلى المجرور كما قوله [اختارك الناس إذ رثت خلائقهم * واعتل ~~من كان يرجى عنده السول] أي اختارك من الناس «سبعين رجلا» مفعول لاختار أخر ~~عن الثاني لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ~~«لميقاتنا» الذي وقتناه بعد ما وقع من قومه ما وقع لا لميقات الكلام الذي ~~ذكر PageV03P276 # قبل ذلك كما قيل قال السدي أمره الله تعالى بأن يأتيه في ناس من بني ~~إسرائيل يعتذرون إليه تعالى من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار عليه ~~السلام من قومه سبعين رجلا وقال محمد بن إسحق اختارهم ليتوبوا إليه تعالى ~~مما صنعوه ويسألوه التوبة على من تركوهم وراءهم من قومهم قالوا اختار عليه ~~الصلاة والسلام من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا ~~فقال عليه الصلاة والسلام إن لمن قعد مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع وذهب ~~مع الباقين وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم فخرج بهم إلى طور ~~سيناء فلما دنوا ms1218 من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا ~~فسمعوه تعالى يكلم موسى يأمره وينهاه حسبما يشاء وهو الأمر بقتل أنفسهم ~~توبة «فلما أخذتهم الرجفة» مما اجترءوا عليه من طلب الرؤية فإنه يروي أنه ~~لما انكشف الغمام أقبلوا إلى موسى عليه السلام وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتهم الرجفة أي الصاعقة أو رجفة الجبل فصعقوا منها أي ماتوا ~~ولعلهم أرادوا بقولهم لن نؤمن لك لن نصدقك في أن الآمر بما سمعنا من الأمر ~~بقتل أنفسهم هو الله تعالى حتى نراه حيث قاسوا رؤيته تعالى على سماع كلامه ~~قياسا فاسدا فحين شاهد موسى تلك الحالة الهائلة «قال رب لو شئت أهلكتهم من ~~قبل» أي حين فرطوا في النهي عن عبادة العجل وما فارقوا عبدته حين شاهدوا ~~إصرارهم عليها «وإياي» أيضا حين طلبت منك الرؤية أي لو شئت إهلاكنا بذنوبنا ~~لأهلكتنا حينئذ أراد به عليه السلام تذكير العفو السابق لاستجلاب العفو ~~اللاحق فإن الاعتراف بالذنب والشكر على النعمة مما يربط العتيد ويستجلب ~~المزيد يعني إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدم مشيئتك ~~إياه فحيث لطفت بنا وعفوت عنا تلك الجرائم فلا غرو في أن تعفو عنا هذه ~~الجريمة أيضا وحمل الكلام على التمني يأباه قوله تعالى «أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا» أي الذين لا يعلمون تفاصيل شئونك ولا يتثبتون في المداحض ~~والهمزة إما لإنكار وقوع الإهلاك ثقة بلطف الله عز وجل كما قاله ابن ~~الأنباري أو للاستعطاف كما قاله المبرد أي لا تهلكنا «إن هي إلا فتنتك» ~~استئناف مقرر لما قبله واعتذار عما صنعوا ببيان منشأ غلطهم أي ما الفتنة ~~التي وقع فيها السفهاء وقالوا بسببها ما قالوا من العظيمة إلا فتنتك أي ~~محنتك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامك فاتتنوا بذلك ولم يتثبتوا فطمعوا فيما ~~فوق ذلك تابعين للقياس الفاسد وقوله تعالى «تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء» ~~إما استئناف مبين لحكم الفتنة أو حال من فتنتك أي حال كونها مضلا بها الخ ~~أي تضل ms1219 بسببها من تشاء إضلاله فلا يهتدي إلى التثبت وتهدي من تشاء هدايته ~~إلى الحق فلا يتزلزل في أمثالها فيقوى بها إيمانه «أنت ولينا» أي القائم ~~بأمورنا الدنيوية والأخروية وناصرنا وحافظنا لا غيرك «فاغفر لنا» ما ~~قارفناه من المعاصي والفاء لترتيب الدعاء على مكا قبله من الولاية كأنه قيل ~~فمن شاء الولي المغفرة والرحمة وقيل إن إقدامه عليه الصلاة والسلام على أن ~~يقول إن هي إلا فتنتك الخ جراءة عظيمة فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوز ~~عنها «وارحمنا» بإفاضة آثار الحمة الدنيوية والأخروية علينا «وأنت خير ~~الغافرين» اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من الدعاء وتخصيص المغفرة بالذكر ~~لأنها الأهم بحسب المقام PageV03P277 # «واكتب لنا» أي عين لنا وقيل أوجب وحقق وأثبت «في هذه الدنيا حسنة» أي ~~نعمة وعافية أو خصلة حسنة قال ابن عباس رضي الله عنهما اقبل وفادتنا وردنا ~~بالمغفرة والرحمة «وفي الآخرة» أي واكتب لنا فيها أيضا حسنة وهي المثوبة ~~الحسنى والجنة «إنا هدنا إليك» أي تبنا وأنبنا إليك من هاد يهود إذا رجع ~~وقرئ بكسر الهاء من هاده يهيده إذا حركه وأماله ويحتمل أن يكون مبنيا ~~للفاعل أو للمفعول بمعنى أملنا أنفسنا أو أملنا إليك وتجويز أن تكون ~~القراءة المشهورة على بناء المفعول على لغة من يقول عود المريض مع كونها ~~لغة ضعيفة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل والجملة استئناف مسوق لتعليل ~~الدعاء فإن التوبة مما يوجب قبله بموجب الوعد المحتوم وتصديرها بحرف ~~التحقيق لإظهار كمال النشاط والرغبة في التوبة والمعنى إنا تبنا ورجعنا عما ~~صنعنا من المعصية العظيمة التي جئناك للاعتذار عنها وعما وقع ههنا من طلب ~~الرؤية فيعيد من لطفك وفضلك أن لا تقبل توبة التائبين قيل لما أخذتهم ~~الرجفة ماتوا جميعا فأخذ موسى عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى الله تعالى ~~حتى أحياهم وقيل رجفوا وكادت تبين مفاصلهم وأشرفوا على الهلاك فخاف موسى ~~عليه الصلاة والسلام فبكى فكشفها الله تعالى عنهم «قال» استئناف وقع جوابا ~~عن سؤال ينساق إليه الكلام كأنه قيل فماذا قال الله تعالى ms1220 عند دعاء موسى ~~عليه السلام فقيل قال «عذابي أصيب به من أشاء» لعله عز وجل حين جعل توبة ~~عبدة العجل بقتلهم أنفسهم ضمن موسى عليه السلام دعاءه التخفيف والتيسير حيث ~~قال واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي خصلة حسنة عارية عن المشقة والشدة فإن ~~في قتل أنفسهم من العذاب والتشديد ما لا يخفى فأجاب تعالى بأن عذابي شأنه ~~أن أصيب به من أشاء تعذيبه من غير دخل لغيري فيه وهم ممن تناولته مشيئتي ~~ولذلك جعلت توبتهم مشوبة بالعذاب الدنيوي «ورحمتي وسعت كل شيء» أي شأنها أن ~~تسع في الدنيا المؤمن والكافر بل كل ما يدخل تحته الشيئية من المكلفين ~~وغيرهم وقد نال قومك نصيب منها في ضمن العذاب الدنيوي وفي نسبة الإصابة إلى ~~العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن ~~الرحمة مقتضى الذات وأما العذاب فبمقتضى العذاب معاصي العباد والمشيئة ~~معتبرة في جانب الرحمة أيضا وعدم التصريح بها للإشعار بغاية الظهور ألا يرى ~~إلى قوله تعالى «فسأكتبها» اي أثبتها وأعينها فإنه متفرع على اعتبار ~~المشيئة كأنه قيل فإذا كان الأمر كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسعة ~~رحمتي لكل من أشاء فسأكتبها كتبة كائنة كما دعوت بقولك واكتب لنا في هذه ~~الخ أي سأكتبها خالصة غير مشوبة بالعذاب الدنيوي «للذين يتقون» أي الكفر ~~والمعاصي إما ابتداء أو بعد ملابستهما وفيه تعريض بقومه كأنه قيل لا لقومك ~~لأنهم غير متقين فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة للعذاب ~~الدنيوي «ويؤتون PageV03P278 # الزكاة» وفيه أيضا تعريض بهم حيث كانت الزكاة شاقة عليهم ولعل الصلاة ~~إنما لم تذكر مع إنافتها على سائر العبادات اكتفاء عنها بالاتقاء الذي هو ~~عبارة عن فعل الموجبات بأسرها وترك المنكرات عن آخرها وإيراد إيتاء الزكاة ~~لما مر من التعريض «والذين هم بآياتنا» جميعا «يؤمنون» إيمانا مستمرا من ~~غير إخلال بشيء منها وفيه تعريض بهم وبكفرهم بالآيات العظام التي جاء بها ~~موسى عليه الصلاة والسلام وبما سيجئ بعد ذلك من الآيات البينات ms1221 كتظليل ~~الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك وتكرير الموصول مع أن المراد به عين ~~ما أريد بالموصول الأول دون أن يقال يؤمنون بآياتنا عطفا على يؤتون الزكاة ~~كما عطف هو على يتقون لما أشير إليه من القصر بتقديم الجار والمجرور ورأى ~~هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض «الذين يتبعون الرسول» الذي نوحي ~~إليه كتابا مختصا به «النبي» أي صاحب المعجزة وقيل عنوان الرسالة بالنسبة ~~إليه تعالى وعنوان النبوة بالنسبة إلى الأمة «الأمي» بضم الهمزة نسبة إلى ~~الأم كأنه باق على حالته التي ولد عليها من أمه أو إلى أمة العرب كما قال ~~صلى الله عليه وسلم إنا أمة لا نحسب ولا نكتب أو إلى أم القرى وقرئ بفتح ~~الهمزة أي الذي لم يمارس القراءة والكتابة وقد جمع مع ذلك علوم الأولين ~~والآخرين والموصول بدل من الموصول الأول بدل الكل أو منصوب على المدح أو ~~مرفوع عليه أي أعني الذين أو هم اللذين وأما جعله مبتدأ على أن خبره يأمرهم ~~أو أولئك هم المفلحون فغير سديد «الذي يجدونه مكتوبا» باسمه ونعوته بحيث لا ~~يشكون أنه هو ولذلك عدل عن أن يقال يجدون اسمه أو وصفه مكتوبا «عندهم» زيد ~~هذا لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم ~~أصلا «في التوراة والإنجيل» اللذين تعبد بهما بنو إسرائيل سابقا ولاحقا ~~والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبا وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما ~~نحن فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم قبل مجيئهما ~~«يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر» كلام مستأنف لا محل له من الإعراب ~~قاله الزجاج متضمن لتفصيل بعض أحكام الرحمة التي وعد فيما سبق بكتبها ~~إجمالا فإن ما بين فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات ~~وتحريم الخبائث وإسقاط التكاليف الشاقة كلها من آثار رحمته الواسعة وقيل في ~~محل النصب على أنه حال مقدرة من مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في ~~مكتوبا أو مفسر لمكتوبا أي لما كتب ms1222 «ويحل لهم الطيبات» التي حرمت عليهم ~~بشؤم ظلمهم «ويحرم عليهم الخبائث» كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة «ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم» أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف ~~الشاقة التي هي من قبيل ما كتب عليهم حينئذ من كونه التوبة بقتل ~~PageV03P279 # النفس كتعيين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية وقطع الأعضاء ~~الخاطئة وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم وتحريم السبت ~~وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيل إذا قاموا يصلون لبسوا المسموح وغلوا أيديهم ~~إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى ~~السارية يحبس نفسه على العبادة وقرئ آصارهم أصل الأصر الثقل الذي يأصر ~~صاحبه من الحراك «فالذين آمنوا به» تعليم لكيفية اتباعه عليه الصلاة ~~والسلام وبيان لعلو رتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين ~~إثر بيان نعوته الجليلة والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث أي فالذين ~~آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه «وعزروه» أي عظموه ووقروه وأعانوه ~~بمنع أعدائه عنه وقرئ بالتخفيف وأصله المنع ومنه التعزير «ونصروه» على ~~أعدائه في الدين «واتبعوا النور الذي أنزل معه» أي مع نوبته وهو القرآن عبر ~~عنه بالنور المنبىء عن كونه ظاهرا بنفسه ومظهرا لغيره أو مظهرا للحقائق ~~كاشفا عنها لمناسبة الاتباع ويجوز أن يكون معه متعلقا باتبعوا أي واتبعوا ~~القرآن المنزل مع اتباعه صلى الله عليه وسلم بالعمل بسنته وبما أمر به ونهى ~~عنه أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه «أولئك» إشارة إلى المذكورين من ~~حيث اتصافهم بما فصل من الصفات الفاضلة للإشعار بعليتها للحكم وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وسمو طبقتهم في الفضل والشرف أي أولئك ~~المنعوتون بتلك النعوت الجليلة «هم المفلحون» أي هم الفائزون بالمطلوب ~~الناجون عن الكروب لا غيرهم من الأمم فيدخل فيهم قوم موسى عليه الصلاة ~~والسلام دخولا أوليا حيث لم ينجو عما في توبتهم من المشقة الهائلة وبه ~~يتحقق التحقيق ويتأتى التوفيق والتطبيق ms1223 بين دعائه عليه الصلاة والسلام وبين ~~الجواب لا بمجرد ما قيل من أنه دعا لنفسه ولبني إسرائيل أجيب بما هو منطو ~~على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله عز وجل وعلى كفرهم ~~بآياته العظام التي أجرها على يد موسى عليه الصلاة والسلام وعرض بذلك في ~~قوله تعالى والذين هم بآياتنا يؤمنون وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم ~~الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به كعبد الله بن سلام ~~وغيره من أهل الكتابين لطفا بهم وترغيبا في إخلاص الإيمان والعمل الصالح ~~«قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم» لما حكي في الكتابين من نعوت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشرف من يتبعه من أهلهما ونيلهم لسعادة الدارين ~~أمر عليه الصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم بل شاملة لكل ~~من يتبعه كائنا من كان ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص رسالة سائر ~~الرسل عليهم السلام بأقوامهم وإرسال موسى عليه السلام إلى فرعون وملته ~~بالآيات التسع إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين عز سلطانه PageV03P280 # وترك العظيمة التي كان يدعيها الطاغية ويقبلها منه فتنة الباغية وإرسال ~~بني إسرائيل من الأسر والقسر وأما العمل بأحكام التوراة فمختص ببني إسرائيل ~~«جميعا» حال من الضمير في إليكم «الذي له ملك السماوات والأرض» منصوب أو ~~مرفوع على المدح أو مجرور على أنه صفة للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلق ~~بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدم عليه وقوله تعالى «لا إله إلا هو» بيان ~~لما قبله من ملك العالم كان هو الإله لا غيره وقوله تعالى «يحيي ويميت» ~~لزيادة تقرير ألوهيته والفاء في قوله تعالى «فآمنوا بالله ورسوله» لتفريع ~~الأمر على ما تمهد وتقرر من رسالته صلى الله عليه وسلم وإيراد نفسه عليه ~~الصلاة والسلام بعنوان الرسالة على طريقة الالتفات إلى الغيبة المبالغة في ~~إيجاب الامتثال بأمره ووصف الرسول بقوله «النبي الأمي» لمدحه عليه الصلاة ~~والسلام بهما ولزيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين ووصفه ms1224 ~~بقوله تعالى «الذي يؤمن بالله وكلماته» أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسل ~~عليهم السلام من كتبه ووحيه لحمل أهل الكتابين على الامتثال بما أمروا به ~~والتصريح بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمان به تعالى لا ينفك عن ~~الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به وقرئ وكلمته على إرادة الجنس أو القرآن ~~تنبيها على أن المأمور به هو الإيمان به عليه الصلاة والسلام من حيث أنزل ~~عليه القرآن لا من حيثية أخرى أو على أن المراد بها عيسى عليه الصلاة ~~والسلام تعريضا باليهود وتنبيها على أن من لم يؤمن به لم يعتد بإيمانه ~~«واتبعوه» أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين «لعلكم تهتدون» علة ~~للفعلين أو حال من فاعليهما أي رجاء لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له وفي ~~تعليقه بهما إيذان بأن من صدقه ولم يتبعه بالتزام أحكام شريعته فهو بمعزل ~~من الاهتداء مستمر على الغي والضلال «ومن قوم موسى» كلام مبتدأ لدفع ما عسى ~~يوهمه تخصيص كتب الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتبعي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام من كل خير وبيان أن ~~كلهم ليسوا كما حكيت أحوالهم بل منهم «أمة يهدون» أي الناس «بالحق» أي ~~ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق «وبه» أي بالحق «يعدلون» أي في الأحكام ~~الجارية فيما بينهم وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية وقيل هم ~~الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأباه أنه قد مر ذكرهم فيما سلف ~~وقيل إن بني إسرائيل لما بالغوا في العتو والطغيان حتى اجترءوا على قتل ~~الأنبياء عليهم السلام تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى ~~أن يفرق بينهم وبين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم نفقا في الأرض ~~فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين وهم اليوم هنالك حنفاء ~~مسلمون يستقبلون قبلتنا وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه ~~السلام ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال جبريل ms1225 عليه السلام هل تعرفون ~~من تكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به وقالوا يا رسول ~~الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام فرد محمد ~~على موسى السلام عليهما السلام ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ~~PageV03P281 # ولم تكن نزلت يومئذ فريضة غير الصلاة والزكاة أمرهم أن يقيموا مكانهم ~~وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا البت هذا وأنت خبير بأن تخصيصهم ~~بالهداية من بين قومه عليه الصلاة والسلام مع أن منهم من آمن بجميع الشرائع ~~لا يخلو عن بعد «وقطعناهم» أي قوم موسى لا الأمة المذكورة منهم وقرئ ~~بالتخفيف وقوله تعالى «اثنتي عشرة» ثاني مفعولي قطع لتضمنه معنى التصيير ~~والتأنيث للحمل على الأمة أو القطعة أي صيرناهم اثنتي عشرة أمة أو قطعة ~~متميزا بعضها من بعض أو حال من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العدد وقوله ~~تعالى «أسباطا» بدل منه وذلك جمع أو مميز له على أن كل واحدة من اثنتي عشرة ~~قطعة أسباط لا سبط وقرئ عشرة بكسر الشين وقوله تعالى «أمما» على الأول بدل ~~بعد بدل أو نعت لأسباطا وعلى الثاني بدل من أسباطا «وأوحينا إلى موسى إذ ~~استسقاه قومه» حين استولى عليهم العطش في التيه الذي وقعوا فيه بسوء صنيعهم ~~لا بمجرد استسقائهم إياه عليه الصلاة والسلام بل باستسقائه لقوله تعالى وإذ ~~استسقى موسى قومه وقوله تعالى «أن اضرب بعصاك الحجر» مفسر لفعل الإيحاء وقد ~~مر بيان شأن الحجر في تفسير سورة البقرة «فانبجست» عطف على مقدر ينسحب عليه ~~الكلام قد حذف تعويلا على كمال الظهور وإيذانا بغاية مسارعته عليه السلام ~~إلى الامتثال وإشعارا بعدم تأثير الضرب حقيقة وتنبيها على كمال سرعة ~~الانبجاس وهو الانفجار كأنه حصل إثر الأمر قبل تحقق الضرب كما في قوله ~~تعالى اضرب بعصاك فانفلق أي فضرب فانبجست «منه اثنتا عشرة عينا» بعدد ~~الأسباط وأما ما قيل من أن التقدير فإن ضربت فقد انبجست فغير حقيق بجزالة ~~النظم التنزيلي وقرئ عشرة بكسر الشين وفتحها «قد ms1226 علم كل أناس» كل سبط عبر ~~عنهم بذلك إيذانا بكثرة كل واحد من الأسباط «مشربهم» أي عينهم الخاصة بهم ~~«وظللنا عليهم الغمام» أي جعلناها بحيث تلقي عليهم ظلها تسير في التيه ~~بسيرهم وتسكن بإقامتهم وكان ينزل بالليل عمود من نار يسيرون بضوئه «وأنزلنا ~~عليهم المن والسلوى» أي الترنجبين والسماني قيل كان ينزل عليهم المن مثل ~~الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسان صاع وتبعث الجنوب عليهم السماني فيذبح ~~الرجل منه ما يكفيه «كلوا» أي وقلناهم كلوا «من طيبات ما رزقناكم» أي ~~مستلذاته وما موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن المن والسلوى «وما ظلمونا» ~~رجوع إلى سنن الكلام الأول بعد حكاية خطابهم وهو معطوف على جملة محذوفة ~~للإيجاز والإشعار بأنه امر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا ~~بتلك النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» إذ لا ~~يتخطاهم ضرره وتقديم المفعول لإفادة القصر الذي يقتضيه النفي السابق وفيه ~~ضرب من PageV03P282 # التهكم بهم والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم فيما ~~هم فيه من الظلم والكفر «وإذ قيل لهم» منصوب بمضمر خوطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإيراد الفعل على البناء مع استناده إليه تعالى كما يفصح عنه ما ~~وقع في سورة البقرة من قوله تعالى وإذ قلنا للجرى على سنن الكبرياء ~~والإيذان بالغنى عن التصريح به لتعين الفاعل وتغيير النظم بالأمر بالذكر ~~للتشديد في التوبيخ أي اذكر لهم وقت قوله تعالى لأسلافهم «اسكنوا هذه ~~القرية» منصوب على المفعولية يقال سكنت الدار وقيل على الظرفية اتساعا وهي ~~بيت المقدس وقيل أريحا وهي قرية الجبارين وكان فيها قوم من بقية عاد يقال ~~لهم العمالقة رأسهم عوج بن عنق وفي قوله تعالى اسكنوا إيذان بأن المأمور به ~~في سورة البقرة هو الدخول على لوجه السكنى والإقامة ولذلك اكتفى به عن ذكر ~~رغدا في قوله تعالى «وكلوا منها» أي من مطاعمها وثمارها على أن من تبعيضية ~~أو منها على أنها ابتدائية «حيث شئتم» أي من نواحيها من غير ms1227 أن يزاحمكم ~~فيها أحد فإن الأكل المستمر على هذا الوجه لا يكون إلا رغدا واسعا وعطف ~~كلوا على اسكنوا بالواو لمقارنتهما زمانا بخلاف الدخول فإنه مقدم على الأكل ~~ولذلك قيل هناك فكلوا «وقولوا حطة» أي مسئلتنا أو أمرك حطة لذنوبنا وهي ~~فعلة من الحط كالجلسة «وادخلوا الباب» أي باب القرية «سجدا» أي متطامنين ~~مخبتين أو ساجدين شكرا على إخراجهم من التيه وتقديم الأمر بالدخول على ~~الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غير مخل بهذا الترتيب لأن المأمور به ~~هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما ثم إن كان المراد ~~بالقرية أريحا فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى عليه السلام بمن بقي ~~من بني إسرائيل أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ففتحها كما مر في سورة ~~المائدة وأما إن كانت بيت المقدس فقد روي أنهم لم يدخلوه في حياة موسى عليه ~~السلام فقيل المراد بالباب باب القبة التي كانوا يصلون إليها «نغفر لكم ~~خطيئاتكم» وقرئ خطاياكم كما في سورة البقرة وتغفر لكم خطيئاتكم وخطاياكم ~~وخطيئتكم على البناء للمفعول «سنزيد المحسنين» عدة بشيئين بالمغفرة ~~وبالزيادة وطرح الواو ههنا لا يخل بذلك لأنه استئناف مترتب على تقدير سؤال ~~نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل فماذا لهم بعد الغفران فقيل سنزيد وكذلك ~~زيادة منهم زيادة بيان «فبدل الذين ظلموا منهم» بما أمروا به من التوبة ~~والاستغفار حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعه «قولا» آخ رمما لا خير فيه روي ~~أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية ~~حطا شمقاثا يعنون حنطة حمراء استخفافا بأمر الله تعالى واستهزاء بموسى عليه ~~السلام PageV03P283 # والسلام وقوله تعالى «غير الذي قيل لهم» نعت لقولا صرح بالمغايرة مع ~~دلالة التبديل عليها قطعا تحقيقا للمخالفة وتنصيصا على المغايرة من كل وجه ~~«فأرسلنا عليهم» إثر ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير وفي سورة البقرة على ~~الذين ظلموا والمعنى واحد والإرسال من فوق فيكون كالإنزال «رجزا من السماء» ~~عذابا كائنا منها والمراد الطاعون وروي أنه مات ms1228 منهم في ساعة واحدة أربعة ~~وعشرون ألفا «بما كانوا يظلمون» بسبب ظلمهم المستمر السابق واللاحق حسبما ~~يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لا بسبب التبديل فقط كما يشعر به ~~ترتيب الإرسال عليه بالفاء والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم ههنا مترتب ~~على المضمر دون الموصول بالظلم كما في سورة البقرة وأما التعليل بالفسق بعد ~~الإشعار بعلية الظلم فقد مر وجهه هناك والله تعالى أعلم «واسألهم» عطف على ~~المقدر في إذ قيل أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير بقديم ~~كفرهم وتجاوزهم لحدود الله تعالى وإعلاما بأن ذلك مع كونه من علومهم الخفية ~~التي لا يقف عليها إلا من مارس كتبهم قد أحاط به النبي صلى الله عليه وسلم ~~خبرا وإذ ليس ذلك بالتلقي من كتبهم لأنه صلى الله عليه وسلم بمعزل من ذلك ~~تعين أنه من الجهة الوحي الصريح «عن القرية» أي عن حالها وخيرها وما جرى ~~على أهلها من الداهية الدهياء وهي أيلة قرية بين مدين والطور وقيل هي مدين ~~وقيب طبرية والعرب تسمي المدينة قرية «التي كانت حاضرة البحر» أي قريبة منه ~~مشرقة على شاطئه «إذ يعدون في السبت» أي يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد ~~يوم السبت وإذ ظرف للمضاف المحذوف أو بدل منه وقيل ظرف لكانت أو حاضرة وليس ~~بذاك إذ لا فائدة في تقييد الكون أو الحضور بوقت العدوان وقرئ يعدون وأصله ~~يعتدون ويعدون من الأعداد حيث كانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت منهيون عن ~~الاشتغال فيه بغير العبادة «إذ تأتيهم حيتانهم» ظرف ليعدون أو بدل بعد بدل ~~والأول هو الأولى لأن السؤال عن عداوتهم أدخل في التقريع والحيتان جمع حوت ~~قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كنون ونينان لفظا ومعنى وإضافتها إليهم ~~للإشعار باختصاصها به لاستقلالها بما لا يكاد يوجد في سائر أفراد الجنس من ~~الخواص الخارقة للعادة أو لأن المراد بها الحيتان الكائنة في تلك الناحية ~~وإن ما ذكر من الإتيان وعدمه لاعتيادها أحوالهم في عدم التعرض يوم السبت ~~«يوم سبتهم» ظرف لتأتيهم ms1229 أي تأتيهم يوم تعظيمهم لأمر السبت وهو مصدر سبتت ~~اليهود إذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة وقيل اسم لليوم والإضافة لاختصاصهم ~~باحكام فيه ويؤيد الأول قراءة من قرأ يوم أسباتهم وقوله تعالى «شرعا» جمع ~~شارع من شرع عليه إذا دنا وأشرف وهو حال من حيتانهم أي تأتيهم يوم سبتهم ~~ظاهرة على وجه الماء قريبة من الساحل «ويوم لا يسبتون» أي لا يراعون أمر ~~السبت لكن لا بمجرد عدم المراعاة مع تحقق يوم السبت كما هو المتبادر بل مع ~~انتفائهما معا أي لا سبت ولا مراعاة كما في قوله ولا ترى الضب بها ينجحر ~~وقرئ PageV03P284 # لا يسبتون من أسبت ولا يسبتون على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في ~~السبت ولا يدار عليهم حكم السبت ولا يؤمرون فيه بما أمروا به يوم السبت «لا ~~تأتيهم» كما كانت تأتيهم يوم السبت حذارا من صيدهم وتغيير السبك حيث لم يقل ~~ولا تأتيهم يوم لا يسبتون لما أن الإخبار بإتيانها يوم سبتهم مظنة أن يقال ~~فماذا حالهم يوم لا يسبتون فقيل يوم لا يسبتون لا تأتيهم «كذلك نبلوهم» أي ~~مثل ذلك البلاء العجيب الفظيع نعاملهم معاملة من يختبرهم ليظهر عدواتهم ~~ونؤاخذهم به وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها والتعجيب ~~منها «بما كانوا يفسقون» أي بسبب فسقهم المستمر المدلول عليه بالجمع بين ~~صيغتي الماضي والمستقبل لكن لا في تلك المادة فإن فسقهم فيها لا يكون سببا ~~للبلوى بل بسبب فسقهم المستمر في كل ما يأتون وما يذرون وقيل كذلك متصل بما ~~قبله أي لا تأتيهم مثل ما تأتيهم يوم سبتهم فالجملة بعده حينئذ استئناف ~~مبني على السؤال عن حكمة اختلاف حال الحيتان بالإتيان تارة وعدمه أخرى «وإذ ~~قالت» عطف على إذ يعدون مسوق لتماديهم في العدوان وعدم انزجارهم عنه بعد ~~العظات والإنذارات «أمة منهم» أي جماعة من صلحائهم الذين ركبوا في عظتهم ~~متن كل صعب وذلول حتى يئسوا من احتمال القبول لآخرين لا يقلعون عن التذكير ~~رجاء للنفع والتأثير مبالغة في الأعذار وطمعا في فائدة الإنذار ms1230 «لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم» أي مخترمهم بالكلية ومطهر الأرض منهم «أو معذبهم عذابا ~~شديدا» دون الاستئصال بالمرة وقيل مهلكهم مخزيهم في الدنيا أو معذبهم في ~~الآخرة لعدم إقلاعهم عما كانوا عليه من الفسق والطغيان والترديد لمنه الخلو ~~دون منع الجمع فإنهم مهلكون في الدنيا ومعذبون في الآخرة وإيثار صيغة اسم ~~الفاعل مع أن كلا من الإهلاك والتعذيب مترقب للدلالة على تحققهما وتقررهما ~~البتة كأنهما واقعان وإنما قالوه مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم أو ~~ترهيبا للقوم أو سؤالا عن حكمة الوعظ ونفعه ولعلهم إنما قالوه بمحضر من ~~القوم حثا لهم على الاتعاظ فإن بت القول بهلاكهم وعذابهم بما يلقى في ~~قلوبهم الخوف والخشية وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به ~~وعاظهم ردا عليهم وتهكما بهم وليس بذاك كما ستقف عليه «قالوا» أي الوعاظ ~~«معذرة إلى ربكم» أي نعظهم معذرة إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب ~~بظاهر قولهم لم تعظون أو نعتذر معذرة على أنه مصدر لفعل محذوف وقرئ بالرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف أي موعظتنا معذرة إليه تعالى حتى لا ننسب إلى نوع ~~تفريط في النهي عن المنكر وفي إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع تعرض ~~بالسائلين «ولعلهم يتقون» عطف على معذرة أي ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة ~~وهذا صريح في أن القائلين لم تعظون الخ ليسوا من الفرقة الهالكة وإلا لوجب ~~الخطاب PageV03P285 # «فلما نسوا ما ذكروا به» أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء ~~وأعرضوا عنه إعراضا كليا بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلا ~~«أنجينا الذين ينهون عن السوء» وهم الفريقان المذكوران وإخراج إنجائهم مخرج ~~الحواب الذي حقه الترتب على الشرط وهو نسيان المعتدين المستتبع لإهلاكهم ~~لما أن ما في حيز الشرط شيئان النسيان والتذكير كأنه قيل فلما ذكر المذكرون ~~ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين وأما تصدير الجواب ~~بإنجائهم فلما مر مرارا من المسارعة إلى بيان نجاتهم من أول الأمر مع ما في ~~المؤخر من نوع ms1231 طول «وأخذنا الذين ظلموا» بالاعتداء ومخالفة الأمر «بعذاب ~~بئيس» أي شديد وزنا ومعنى من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد وقرئ بيئس على وزن ~~فيعل بفتح العين وكسرها وبئس كحذر على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء ~~ككبد في كبد وبيس بقلب الهمزة ياء كذيب في ذئب وبيس كريس بقلب همزة بئيس ~~ياء وإدغام الياء فيها وبيس على تخفيف بيس كهين في هين وتنكير العذاب ~~للتفخيم والتهويل «بما كانوا يفسقون» متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير ~~فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب تماديهم في الفسق ~~الذي هو الخروج عن الطاعة وهو الظلم والعدوان أيضا وإجراء الحكم على ~~الموصول وإن اشعر بعلية ما في حيز الصلة له لكنه صرح بالتعليل المذكور ~~إيذانا بأن العلة هو الاستمرار على الظلم والعدوان مع اعتبار كون ذلك خروجا ~~عن طاعة الله عز وجل لا نفس الظلم والعدوان وإلا لما أخروا عن ابتداء ~~المباشرة ساعة ولعله تعالى قد عذبهم بعذاب شديد دون الاستئصال فلم يقلعوا ~~عما كانوا عليه بل ازدادوا في الغي فمسخهم بعد ذلك لقوله تعالى «فلما عتوا ~~عن ما نهوا عنه» اي تمردوا وتكبروا وأبوا أن يتركوا ما نهوا عنه «قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين» صاغرين أذلاء بعداء عن الناس والمراد بالأمر هو الأمر ~~التكويني لا القولي وترتيب المسخ على العتو عن الانتهاء عما نهوا عنه ~~للإيذان بأنه ليس لخصوصيات الحوت بل العمدة في ذلك هو مخالفة الأمر ~~والاستعصاء عليه تعالى وقيل المراد بالعذاب البئيس هو المسخ والجملة ~~الثانية تقرير للأولى روي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم ~~الجمعة فتركوه واختاروا السبت وهو المعنى بقوله تعالى إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه فابتلوا به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه فكانت ~~الحيتان تأتيهم يوم السبت كأنها المخاض لا يرى وجه الماء لكثرتها ولا ~~تأتيهم في سائر الأيام فكانوا على ذلك برهة من الدهر ثم جاءهم إبليس فقال ~~لهم إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياض سهلة ms1232 الورود صعبة الصدور ~~ففعلوا فجعلوا يسوقون الحيتان إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها ~~ويأخذونها يوم الأحد وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى PageV03P286 # خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطالع في تنوره ~~فقال له إني أرى الله سيعذبك فلما لم يره عذب أخذ في يوم السبت القابل ~~حوتين فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم استمروا على ذلك فصادوا وأكلوا ~~وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من سبعين ألفا فصار أهل القرية أثلاثا ثلث ~~استمروا على النهي وثلث ملوا التذكير وسئموه وقالوا للواعظين لم تعظون الخ ~~وثلث باشروا الخطيئة فلما لم ينتهوا قال المسلمون نحن لا نساكنكم فقسموا ~~القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود عليه السلام فأصبح ~~الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا إن لهم لشأنا ~~فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القدرة ~~أسباءهم من الإنس وهم لا يعرفونها فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه فيبكي ~~فيقول له نسيبه ألم ننهكم فيقول القرد برأسه بللا ثم ماتوا عن ثلاث وقيل ~~صار الشباة قردة والشيوخ خنازير وعن مجاهد رضي الله عنه مسخت قلوبهم وقال ~~الحسن البصري أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا ~~وأطولها عذابا في الآخرة هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فاكلوه أعظم عند ~~الله من قتل رجل مسلم ولكن الله تعالى جعل موعدا والساعة أدهى وأمر «وإذ ~~تأذن ربك» منصوب على المفعولية بمضمر معطوف على قوله تعالى واسألهم وتأذن ~~بمعنى آذن كما أن توعد بمعنى أوعد أو بمعنى عزم فإن العازم على الأمر يحدث ~~به نفسه وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله فلذلك أجيب بجوابه حيث ~~قيل «ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة» أي واذكر لهم وقت إيجابه تعالى على ~~نفسه أن يسلط على اليهود البتة «من يسومهم سوء العذاب» كالإذلال وضرب ~~الجزية وغير ذلك من فنون العذاب وقد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان ms1233 عليه ~~السلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب ~~الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر ~~«إن ربك لسريع العقاب» يعاقبهم في الدنيا «وإنه لغفور رحيم» لمن تاب وآمن ~~منهم «وقطعناهم» أي فرقنا بني إسرائيل «في الأرض» وجعلنا كل فرقة منهم في ~~قطر من أقطارها بحيث لا تخلوا ناحية منها منهم تكملة لأدبارهم حتى لا تكون ~~لهم شوكة وقوله تعالى «أمما» إما مفعول ثان لقطعنا أو حال من مفعوله «منهم ~~الصالحون» صفة لأمما أو بدل منه وهم الذين آمنوا بالمدينة ومن يسير بسيرتهم ~~«ومنهم دون ذلك» أي ناس دون ذلك الوصف أي منحطون عن الصلاح وهم كفرتهم ~~وفسقتهم «وبلوناهم PageV03P287 # بالحسنات والسيئات» بالنعم والنقم «لعلهم يرجعون» عما كانوا فيه من الكفر ~~والمعاصي «فخلف من بعدهم» أي من بعد المذكورين «خلف» أي بدل سوء مصدر نعت ~~به ولذلك يقع على الواحد والجمع وقيل جمع وهو شائع في الشر والخلف بفتح ~~اللام في الخير والمراد به الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «ورثوا الكتاب» أي التوراة من أسلافهم يقرءونها ويقفون على ما فيها ~~«يأخذون عرض هذا الأدنى» استئناف مسوق لبيان ما يصنعون بالكتاب بعد وراثتهم ~~إياه أي يأخذون حطام هذا الشيء الأدنى أي الدنيا وهو من الدنو أو الدناءة ~~والمراد به ما كانوا يأخذونه من الرشا في الحكومات وعلى تحريف الكلام وقيل ~~حال من واو ورثوا «ويقولون سيغفر لنا» ولا يؤاخذنا الله تعالى بذلك ويتجاوز ~~عنه والجملة تحتمل العطف والحالية والفعل مسند مسند إلى الجار والمجرور أو ~~مصدر يأخذون «وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه» حال من الضمير في لنا أي يرجعون ~~المغفرة والحال أنهم مصرون على الذنب عائدون إلى مثله غير تائبين عنه «ألم ~~يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب» اي الميثاق الوارد في الكتاب «أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق» عطف بيان للميثاق أو ms1234 متعلق به أي بأن لا يقولوا الخ والمراد ~~به الرد عليهم والتوبيخ على بتهم القول بالمغفرة بلا توبة والدلالة على ~~أنها افتراء على الله تعالى وخروج عن ميثاق الكتاب «ودرسوا ما فيه» عطف على ~~ألم يؤخذ من حيث المعنى فإنه تقرير أو على ورثوا وهو اعتراض «والدار الآخرة ~~خير للذين يتقون» ما فعل هؤلاء «أفلا تعقلون» فتعلموا ذلك فلا تستبدلوا ~~الأدنى المؤدي إلى العقاب بالنعيم المخلد وقرئ بالياء وفي الالتفات تشديد ~~التوبيخ «والذين يمسكون بالكتاب» اي يتمسكون في أمور دينهم يقال مسك بالشيء ~~وتمسك به قال مجاهد هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم ~~يكتموه ولم يتخذوه مأكلة وقال عطاء هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقرئ ~~يمسكون من الإمساك وقرئ تمسكوا واستمسكوا موافقا لقوله تعالى «وأقاموا ~~الصلاة» ولعل التغيير في المشهور للدلالة على أن التمسك بالكتاب أمر مستمر ~~في جميع الأزمنة بخلاف إقامة الصلاة فإنها مختصة بأوقاتها وتخصيصها بالذكر ~~من بين سائر العبادات لانافتها عليها ومحل الموصول إما الجر نسقا على الذين ~~يتقون وقوله أفلا تعقلون اعتراض مقرر لما قبله وإما الرفع على الابتداء ~~والخبر قوله تعالى «إنا لا نضيع أجر المصلحين» والرابط إما الضمير المحذوف ~~كما هو رأي جمهور البصريين والتقدير أجر المصلحين منهم وإما الألف واللام ~~كما هو رأي الكوفيين فإنه في حكم مصلحيهم كما في قوله تعالى فإن الجنة ~~PageV03P288 # هي المأوي أي مأواهم وقوله تعالى مفتحة لهم الأبواب أي أبوابها وإما ~~العموم في مصلحين فإنه من الروابط ومنه نعم الرجل زيد على أحد الوجوه وقيل ~~الخبر محذوف والتقدير والذين يمسكون بالكتاب مأجورون أو مثابون وقوله تعالى ~~إنا لا نضيع الخ اعتراض مقرر لما قبله «وإذ نتقنا الجبل فوقهم» أي قلعناه ~~من مكانه ورفعناه عليهم « كأنه ظلة» أي سقيفة وهي كل ما أظلك «وظنوا» أي ~~تيقنوا «أنه واقع بهم» ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت في الجو لأنهم كانوا ~~يوعدون به ms1235 وإطلاق الظن في الحكاية لعدم وقوع متعلقه وذلك أنهم أبوا أن ~~يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله تعالى عليهم الطور وقيل لهم إن ~~قبلتم ما فيها فبها وإلا ليقعن عليكم «خذوا ما آتيناكم» أي وقلنا أو قائلين ~~خذوا ما آتيناكم من الكتاب «بقوة» بحد وعزيمة على تحمل مشاقه وهو حال من ~~الواو «واذكروا ما فيه» بالعمل ولا تتركوه كالمنسي «لعلكم تتقون» بذلك ~~قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أو راجين أن تنتظموا في سلك المتقين «وإذ أخذ ~~ربك» منصوب بمضمر معطوف على ما انتصب به إذ نتقنا مسوق للاحتجاج على اليهود ~~بتذكير الميثاق العام المنتظم للناس قاطبة وتوبيخهم بنقضه إثر الاحتجاج ~~عليهم بتذكير ميثاق الطور وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع ~~فيه من الحوادث قد مر بيانه مرارا أي واذكر لهم أخذ ربك «من بني آدم» ~~المراد بهم الذين ولدهم كائنا من كان نسلا بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب ~~من الأسباب كالعقم وعدم التزوج والموت صغير وإيثار الأخذ على الإخراج ~~للإيذان بالاعتناء بشأن المأخوذ لما فيه من الأنباء عن الاجتناء والاصطفاء ~~هو السبب في إسناده إلى اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد ~~للاستفهام الآتي وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للتشريف وقوله تعالى ~~«من ظهورهم» بدل من بني آدم بدل البعض بتكرير الجار كما في قوله تعالى ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم ومن في الموضعين ابتدائية وفيه مزيد تقرير ~~لابتنائه على البيان بعد الإبهام والتفصيل غب الإجمال وتنبيه على أن ~~الميثاق قد أخذ منهم وهم في أصلاب الاباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات ~~وقوله تعالى «ذريتهم» مفعول أخذ أخر عن المفعول بواسطة الجار لاشتماله على ~~ضمير راجع إليه ولمراعاة أصالته ومنشيته ولما مرا مرارا من التشويق إلى ~~المؤخر وقرئ ذرياتهم والمراد بهم أولادهم على العموم فيندرج فيهم اليهود ~~المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اندراجا أوليا كما اندرج أسلافهم ~~في بني آدم كذلك وتخصيصهما باليهود سلفا وخلفا مع أن ما أريد ms1236 بيانه من بديع ~~صنع الله تعالى عز وجل شامل للكل كافة مخل بفخامة التنزيل وجزالة التمثيل ~~«وأشهدهم على أنفسهم» اي أشهد كل واحدة من أولئك الذريات المأخوذين من ~~PageV03P289 # ظهور آبائهم على نفسها لا على غيرها تقريرا لهم بربوبيته التامة وما ~~تستتبعه من المعبودية على الاختصاص وغير ذلك من أحكامها وقوله تعالى «ألست ~~بربكم» على إرادة القول أي قائلا ألست بربكم ومالك أمركم ومربيكم على ~~الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شئونكم فينتظم استحقاق ~~المعبودية ويستلزم اختصاصه به تعالى «قالوا» استئناف مبني على سؤال نشأ من ~~الكلام كأنه قيل فماذا قالوا حينئذ فقيل «قالوا بلى شهدنا» أي على أنفسنا ~~بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك كما ورد في الحديث الشريف وهذا تمثيل ~~لخلقه تعالى إياهم جميعا في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالدلائل ~~المنصوبة في الآفاق والأنفس المؤدية إلى التوحيد والإسلام كما ينطق به قوله ~~صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة الحديث مبني على تشبيه الهيئة ~~المنتزعة من تعريضه تعالى إياهم لمعرفة ربوبيته بعد تمكينهم منها بما ركز ~~فيهم من العقول والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكينا ~~تاما ومن تمكنهم منها تمكنا كاملا وتعرضهم لها تعرضا قويا بهيئة منتزعة من ~~حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من ~~غير تلعثم أصلا من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب كما في قوله ~~تعالى فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين وقوله تعالى ~~«أن تقولوا» بالتاء على تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديدا في الإلزام أو إليهم وإلى متقدميهم ~~بطريق التغليب لكن لا من حيث إنهم مخاطبون بقوله تعالى ألست بربكم فإنه ليس ~~من الكلام المحكى وقرئ بالياء على أن الضمير للذرية وأيا ما كان فهو مفعول ~~له لما قبله من الأخذ والإشهاد أي فعلنا ما فعلنا كراهة أن تقولوا أو لئلا ~~تقولوا أيها ms1237 الكفرة أو يقولوا هم «يوم القيامة» عند ظهور الأمر «إنا كنا عن ~~هذا» عن وحدانية الربوبية وأحكامها «غافلين» لم ننبه عليه فإنه حيث جبلوا ~~على ما ذكر من التهيؤ التام لتحقيق الحق والقوة القريبة من الفعل صاروا ~~محجوجين عاجزين عن الاعتذار بذلك إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من ~~خلقهم على الفطرة السليمة وقوله تعالى «أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا» عطف ~~على تقولوا وأو لمنع الخلو دون الجمع أي هم اخترعوا الإشراك وهم سنوه «من ~~قبل» أي من قبل زماننا «وكنا» نحن «ذرية من بعدهم» لا نهتدي إلى السبيل ولا ~~نقدر على الاستدلال بالدليل «أفتهلكنا بما فعل المبطلون» من آبائنا المضلين ~~بعد ظهور أنهم المجرمون ونحن عاجزون عن التدبير والاستبداد بالرأي أو أتؤا ~~خذنا فتهلكنا الخ فإن ما ذكر من استعدادهم الكامل يسد عليهم باب الاعتذار ~~بهذا أيضا فإن التقليد عند قيام الدلائل والقدرة على الاستدلال بها مما لا ~~مساغ له أصلا هذا وقد حملت هذه المقاولة على الحقيقة كما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما من أنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام مسح ظهره فأخرج ~~منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال ألست بربكم قالوا بلى فنودي ~~يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة وقد روي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه سئل عن الآية الكريمة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها ~~فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت ~~هؤلاء للجنة PageV03P290 # وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للنار وبعمل أهل النار يعملون وليس المعنى أنه تعالى أخرج الكل من ظهره ~~عليه الصلاة والسلام بالذات بل أخرج من ظهره عليه السلام أبناءه الصلبية ~~ومن ظهرهم أبناءهم الصلبية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهر ~~الأصلي ظهره عليه الصلاة والسلام كان مساق الحديثين الشريفين بيان حال ~~الفريقين إجمالا من غير أيتعلق بذكر ms1238 الوسايط غرض علمي نسلب إخراج الكل إليه ~~وأما الآية الكريمة فحيث كانت مسوقة للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبيان عدم إفادة الاعتذار بإسناد الإشراك إلى ~~آبائهم اقتضى الحال نسبة إخراج كل واحد منهم إلى ظهر أبيهم من غير تعرض ~~لاخراج الأبناء الصلبية لآدم عليه السلام من ظهره قطعا وعدم بيان الميثاق ~~في حديث عمر رضي الله تعالى عنه ليس بيانا لعدمه ولا مستلزما له وأما ما ~~قالوا من أن أخذ الميثاق لإسقاط عذر الغفلة حسبما ينطق به قوله تعالى أن ~~تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ومعلوم أنه غير دافع لغفلتهم في ~~دار التكليف إذ لا فرد من أفراد البشر يذكر ذلك فمردود لكن لا بما قيل من ~~أن الله عز وجل قد أوضح الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به فمن ~~أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط ~~الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق بل بأن قوله تعالى أن تقولوا الخ ليس ~~مفعولا لا لقوله تعالى واشهدهم وما يتفرع عليه من قوله بلى شهدنا حتى يجب ~~كون ذلك الإشهاد والشهادة محفوظا لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه ~~الكلام والمعنى فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاق وبيانه كراهة ان ~~تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرة يوم القيامة إنا كنا غافلين عن ذلك ~~الميثاق لم ننبه عليه في دار التكليف وإلا لعملنا بموجبه هذا على قراءة ~~الجمهور وأما على القراءة بالياء فهو مفعول له لنفس الأمر المضمر العامل في ~~إذ أخذ والمعنى اذكر لهم الميثاق المأخوذ منهم فيما مضى لئلا يعتذروا يوم ~~القيامة بالغفلة عنه أو بتقليد الآباء هذا على تقدير كون قوله تعالى شهدنا ~~من كلام الذرية وهو الظاهر فأما على تقدير كونه من كلامه تعالى فهو العامل ~~في أن تقولوا ولا محذور أصلا إذ المعنى شهدنا قولكم هذا لئلا تقولوا يوم ~~القيامة الخ لأنا نردكم ونكذبكم حينئذ «وكذلك» إشارة إلى مصدر الفعل ~~المذكور بعجه ms1239 وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأن المشار إليه وبعد ~~منزلته والكاف مقحمة لما أفاده اسم الإشارة من الفخامة والتقديم على الفعل ~~لإفادة القصر ومحله النصب على المصدرية أي ذلك التفصيل البليغ المستتبع ~~للمنافع الجليلة «نفصل الآيات» المذكورة لا غير ذلك «ولعلهم يرجعون» ~~وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار على الباطل وتقليد الآباء نفعل التفصيل ~~المذكور قالوا إن ابتدائيتان ويجوز أن تكون الثانية عاطفة على مقدر مترتب ~~على التفصيل أي وكذلك نفصل الآيات ليقفوا على ما فيها من المرغبات والزواجر ~~وليرجعوا الخ «واتل عليهم» عطف PageV03P291 # على المضمر العامل في غذ أخذ وارد على نمطه في الأنباء عن الحور بعد ~~الكور والضلالة بعد الهدى أي واتل على اليهود «نبأ الذي آتيناه آياتنا» أي ~~خبره الذي له شأن وخطر وهو أحد علماء بني إسرائيل وقيل هو بلعم بن باعوراء ~~أو بلعام بن باعر من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله تعالى وقيل هو أمية ~~بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل في ذلك الزمان ~~رسولا ورجا أن يكون هو الرسول فلما بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه ~~وسلم حسده وكفر به والأول هو الأنسب بمقام التوبيخ اليهود بهناتهم «فانسلخ ~~منها» أي من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة ولم يخطرها بباله أصلا أو ~~خرج منها بالكلية بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره وأيا ما كان فالتعبير عنه ~~بالانسلاخ المنبىء عن اتصال المحيط بالمحاط خلقة وعن عدم الملاقاة بينهما ~~أبدا للإيذان بكمال مباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمال الاتصال «فأتبعه ~~الشيطان» أي تبعه حتى لحقه وأدركه فصار قرينا له وهو المعنى على قراءة ~~فاتبعه من الافتعال وفيه تلويح بأنه أشد من الشيطان غواية أو اتبعه خطواته ~~«فكان من الغاوين» فصار من زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان من ~~المهتدين وروي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى عليه السلام فقال كيف ~~أدعو على من معه الملائكة فلم يزالوا به حتى فعل فبقوا ms1240 في التيه ويرده أن ~~التيه كان لموسى عليه السلام روحا وراحة وإنما عذب به بنو إسرائيل وقد كان ~~ذلك بدعائه عليه السلام عليهم كما مر في سورة المائدة «ولو شئنا» كلام ~~مستأنف مسوق لبيان مناط ما ذكر من انسلاخه من الآيات ووقوعه في مهاوي ~~الغواية ومفعول المشيئة محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء على ~~القاعدة المستمرة أي ولو شئنا رفعه لرفعنا أي إلى المنازل العالية للأبرار ~~العالمين بتلك الآيات والعاملين بموجبها لكن لا بمحض مشيئتنا من غير أن ~~يكون له دخل في ذلك أصلا فإنه مناف للحكمة التشريعية المؤسسة على تعليق ~~الأجزية بالأفعال الاختيارية للعباد بل مع مباشرته للعمل المؤدي إلى الرفع ~~بصرف اختياره إلى تحصيله كما ينبئ عنه قوله تعالى «بها» أي بسبب تلك الآيات ~~بأن عمل بموجبها فإن اختياره وإن لم يكن مؤثرا في حصوله ولا في ترتب الرفع ~~عليه بل كلاهما بخلق الله تعالى لكن خلقه تعالى منوط بذلك البتة حسب جريان ~~العادة الإلهية وقد أشير إلى ذلك في الاستدراك بأن أسند ما يؤدي إلى نقيض ~~التالي إليه حيث قيل «ولكنه أخلد إلى الأرض» مع أن الإخلاد إليها أيضا مما ~~لا يتحقق عند صرف اختياره إليه إلا بخلقه تعالى كأنه قيل ولو شئنا رفعه ~~بمباشرته لسببه لرفعناه بسبب تلك الآيات التي هي أقوى أسباب الرفع ولكن لم ~~نشأه لمباشرته لسبب نقيضه فترك في كل من المقامين ما ذكر في الآخر تعويلا ~~على إشعار المذكور بالمطوي كما في قوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد PageV03P292 # لفضله وتخصيص كل من المذكورين بمقامه للإيذان بأن الرفع مراد له تعالى ~~بالذات وتفضل محض عليه لا دخل فيه لفعله حقيقة كيف لا وجميع أفعاله ~~ومباديها من نعمه تعالى وتفضلاته وإن نقيضه إنما اصابه بسوء اختياره على ~~موجب الوعيد لا بالإرادة الذاتية له سبحانه كما قيل في وجه ذكر الإرادة مع ~~الخير والمس مع الضر في الآية المذكورة وهو السر في جريان السنة ms1241 القرآنية ~~على إسناد الخير إليه تعالى وإضافة الشر إلى الغير كما في قوله تعالى وإذا ~~مرضت فهو يشفين ونظائره والإخلاد إلى الشيء الميل إليه مع الاطمئنان به ~~والمراد بالأرض الدنيا وقيل السفالة والمعنى ولكنه آثر الدنيا الدنية على ~~المنازل السنية أو الضعة والسفالة على الرفعة والجلالة «واتبع هواه» معرضا ~~عن تلك الآيات الجليلة فانحط أبلغ انحطاط وارتد أسفل سافلين وإلى ذلك أشير ~~بقوله تعالى «فمثله كمثل الكلب» لما أنه أخس الحيوانات وأسفلها وقد مثل ~~حاله بأخس أحواله وأذلها حيث قيل «إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» أي ~~فحاله التي هي مثل في السوء كصفته في أرذل أحواله وهي حالة دوام اللهث به ~~في حالتي التعب والراحة فكأنه قيل فتردى إلى ما لا غاية وراءه في الخسة ~~والدناءة وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال فصار مثله كمثل الكلب ~~الخ للإيذان بدوام اتصافه لتلك الحالة الخسيسة وكمال استقراره واستمراره ~~عليها والخطاب في فعل الشرط لكل أحد ممن له حظ من الخطاب فإنه أدخل في ~~إشاعة فظاعة حاله واللهث إدلاع اللسان بالتنفس الشديد أي هو ضيق الحال ~~مكروب دائم اللهث سواء هيجته وأزعجته بالطرد العنيف أو تركته على حاله فإنه ~~في الكلاب طبع لا تقدر على نفض الهواء المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة ~~لضعف قلبها وانقطاع فؤادها بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى التنفس ~~الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء والشرطية مع ~~أختها تفسير لما أبهم في المثل وتفصيل لما أجمل فيه وتوضيح للتمثيل ببيان ~~وجه الشبه لا محل له من الإعراب على منهاج قوله تعالى خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون إثر قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم وقيل هي في محل ~~النصب على الحالية من الكلب بناء على خروجهما من حقيقة الشرط وتحولهما إلى ~~معنى التسوية حسب تحول الاستفهامين المتناقضين إليه في مثل قوله تعالى ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم كأنه قيل لاهثا في الحالتين وأيا ما كان فالأظهر أنه ~~تشبيه ms1242 للهيئة المنتزعة مما اعتراه بعد الانسلاخ من سوء الحال واضطرام القلب ~~ودوام القلق والاضطراب وعدم الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعة ~~مما ذكر من حال الكلب وقيل لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه ~~فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك «ذلك» إشارة إلى ما ذكر من ~~الحالة الخسيسة منسوبة إلى الكلب أو إلى المنسلخ وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتها في الخسة والدناءة أي ذلك المثل السيء «مثل القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا» وهم اليهود حيث أوتوا في التوراة ما أوتوا من نعوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذكر القرآن المعجزة وما فيه فصدقوه وبشروا الناس ~~باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا ~~من حكم التوراة «فاقصص القصص» القصص مصدر سمي به المفعول كالسلب واللام ~~للعهد والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكور ~~مثل هؤلاء المكذبين فاقصصه عليهم حسبما أوحي إليك «لعلهم يتفكرون» فيقفون ~~على جلية الحال وينزجرون PageV03P293 # عما هم عليه من الكفر والضلال ويعلمون أنك قد علمته من جهة الوحي ~~فيزدادون إيقانا بك والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير المخاطب أو ~~على أنها مفعول له أي فاقصص القصص راجيا لتفكرهم أي أو رجاء لتفكرهم «ساء ~~مثلا» استئناف مسوق لبيان كمال قبح حال المكذبين بعد بيان كونه كحال الكلب ~~أو المنسلخ وساء بمعنى بئس وفاعلها مضمر فيها ومثلا تمييز مفسر له والمخصوص ~~بالذم قوله تعالى «القوم الذين كذبوا بآياتنا» وحيث وجب التصادق بينه وبين ~~الفاعل والتمييز وجب المصير إلى تقدير مضاف إما إليه وهو الظاهر أي ساء ~~مثلا مثل القوم الخ أو إلى التمييز أي ساء أصحاب مثل القوم الخ وقرئ ساء ~~مثل القوم وإعادة القوم موصوفا بالموصول مع كفاية الضمير بأن يقال ساء مثلا ~~مثلهم للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز الصلة ولربط قوله تعالى «وأنفسهم ~~كانوا يظلمون» به فإنه إما معطوف على كذبوا داخل معه في حكم ms1243 الصلة بمعنى ~~جمعوا بين تكذيب آيات الله بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها وبين ظلمهم ~~لأنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله ~~لا يتخطاها وأيا ما كان ففي يظلمون لمح إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمن للظلم ~~وأن ذلك أيضا معتبر في القصر المستفاد من تقديم المفعول «من يهد الله فهو ~~المهتدي» لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء ~~الضالين الذين مثلهم كمثله ليتفكروا فيه ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى ~~الضلالة ويهتدوا إلى الحق عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله ~~عز وجل وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء من ~~غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره نحو تحصيله حسبما ~~نيط به خلق الله تعالى إياه كسائر أفعال العباد فالمراد بهذه الهداية ما ~~يوجب الاهتداء قطعا لكن لا لأن حقيقتها الدلالة الموصلة إلى البغية البتة ~~بل لأنها الفرد الكامل من حقيقة الهداية التي هي الدلالة إلى ما يوصل إلى ~~البغتة أي ما من شأنه الإيصال إليها كما سبق تحقيقه في تفسير قوله تعالى ~~هدى للمتقين وليس المراد مجرد الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى حتى ~~يتوهم عدم الإفادة بحسب الظاهر لظهور استلزامه هدايته تعالى للاهتداء ويحمل ~~النظم الكريم على تعظيم شأن الاهتداء والتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ~~ونفع عظيم لو لم يحصل له غير لكفاه بل هو قصر الاهتداء على من هداه الله ~~تعالى حسبما يقضي به تعريف الخبر فالمعنى من يهده الله أي يخلق فيه ~~الاهتداء على الوجه المذكور فهو المهتدي لا غير كائنا من كان «ومن يضلل» ~~بأن لم يخلق فيه الاهتداء بل خلق فيه الضلالة لصرف اختياره نحوها «فأولئك» ~~الموصوفون بالضلالة على الوجه المذكور «هم الخاسرون» أي الكاملون في ~~الخسران لا غير وإفراد المهتدي نظرا إلى لفظ من وجمع الخاسرين نظرا إلى ~~معناها للإيذان باتحاد منهاج الهدى وتفرق PageV03P294 # طرق الضلال «ولقد ذرأنا» ms1244 كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق التذييل ~~أيخلقنا «لجهنم» أي لدخولها والتعذيب بها وتقديمه على قوله تعالى «كثيرا» ~~أي خلقا كثيرا مع كونه مفعولا به لما في توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه ~~بينهما وتأخيره وعنها إلى الاخلال بجزالة النظم الكريم وقوله تعالى «من ~~الجن والإنس» متعلق بمحذوف هو صفة لكثيرا أي كائنا منهما وتقديم الجن ~~لأنهما أعرف من الأنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثر عددا وأقدم ~~خلقا والمراد بهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ولكن لا بطريق ~~الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا ~~يصرفون اختيارهم نحو الحق ابدا بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا ~~عاطف يثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيابها كما أن ~~جميع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها ~~جعل خلقهم مغيابها كما نطق به قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~وقوله تعالى «لهم قلوب» في محل النصب على أنه صفة أخرى لكثيرا وقوله تعالى ~~«لا يفقهون بها» في محل الرفع على أنه صفة لقلوب مؤكدة لما يفيده تنكيرها ~~وإبهامها من كونها غير معهودة مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لكماله ~~بالكلية لكن لا بحسب الفطرة حقيقة بل بسبب امتناعهم عن صرفها إلى تحصيله ~~وهذا وصف لها بكمال الإغراق في القساوة فإنها حيث لم يتأت منها الفقه بحال ~~فكأنها خلقت غير قابلة له رأسا وكذا الحال في أعينهم وآذانهم وحذف المفعول ~~للتعميم أي لهم قلوب ليس من شأنها أن يفقهوا بها شيئا مما من شأنه أن يفقه ~~فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولا أوليا وتخصيصه بذلك مخل ~~بالإفصاح عن كنه حالهم «ولهم أعين لا يبصرون بها» الكلام فيه كما فيما عطف ~~هو عليه والمراد بالإبصار والسمع المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ~~ما هو وظيفة الثقلين لا ما يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة ~~الإنعام أي لا ms1245 يبصرون بها شيئا من المبصرا فيندرج فيه الشواهد التكوينية ~~الدالة على الحق اندراجا أوليا «ولهم أعين لا يبصرون بها» أي شيئا من ~~المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية تناولا أوليا وإعادة الخبر في الجملتين ~~المعطوفتين مع انتظام الكلام بأن يقال وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون ~~بها لتقرير سوء حالهم وفي إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصفها بعدم الشعور ~~دون سلبها عنهم ابتداء بأن يقال ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين يبصرون ~~بها ولا آذان يسمعون بها من الشهادة بكمال رسوخهم في الجهل والغواية ما لا ~~يخفى «أولئك» إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الضلال أي أولئك الموصوفون ~~بالأوصاف المذكورة «كالأنعام» أي في انتفاء الشعور على الوجه المذكور أو في ~~أن مشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها «بل هم أضل» فإنها تدرك ~~ما من شأنها أن تدركه من المنافع والمضار فتجتهد في جلبها وسلبها غاية ~~جهدها مع كونها بمعزل من الخلود وهؤلاء ليسوا PageV03P295 # كذلك حيث لا يميزون بين المنافع والمضار بل يعكسون الأمر فيتركون النعيم ~~المقيم ويقدمون على العذاب الخالد وقيل لأنها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه ~~وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه وفي الخبر كل شيء أطوع لله ~~من ابن آدم «أولئك» المنعوتون بما مر من مثلية الأنعام والشرية منها «هم ~~الغافلون» الكاملون في الغفلة المستحقون لأن يخص بهم الاسم ولا يطلق على ~~غيرهم كيف لا وأنهم لا يعرون من شؤون الله عز وجل ولا من شؤون ما سواه شيئا ~~فيشركون به سبحانه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير أصنامهم التي هي من ~~أخس مخلوقاته تعالى «ولله الأسماء الحسنى» تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره ~~تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه عما يليق به من ~~الأمور وما لا يليق به إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم الطامة والحسنى ~~تأثيث الأحسن أي الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن ~~المعاني وأشرفها «فادعوه بها» ms1246 أي فسموه بتلك الأسماء «وذروا الذين يلحدون ~~في أسمائه» الإلحاد واللحد الميل والانحراف يقال لحد وألحد إذا مال عن ~~القصد وقرئ يلحدون من الثلاثي أي يميلون في شأنها عن الحق إلى الباطل إما ~~بأن يسموه تعالى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى فاسدا كما في قول أهل ~~البدو يا ابا المكارم يا أبيض الوجه يا بخى ونحو ذلك فالمراد بالترك ~~المأمور به الاجتناب عن ذلك وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على ~~زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن يقال يلحدون ~~فيها وإما بأن يعدلوا عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة كما قالوا وما ~~الرحمن ما نعرف سوى رحمان اليمامة فالمراد بالترك الاجتناب أيضا وبالأسماء ~~أسماؤه تعالى حقيقة فالمعنى سموه تعالى بجميع أسمائه الحسنى واجتنبوا إخراج ~~بعضها من البين وإما بأن يطلقوها على غيره تعالى كما سموا أصنامهم آلهة ~~وإما بأن يشتقوا من بعضها أسماء أصنامهم كما اشتقوا اللات من الله تعالى ~~والعزى من العزيز فالمراد بالأسماء أسماؤه تعالى حقيقة كما في الوجه الثاني ~~والإظهار في موقع الإضمار مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادهم ~~في نفس الأسماء من غير اعتبار الوصف وليس المراد بالترك حينئذ الاجتناب عن ~~ذلك إذ لا يتوهم صدور مثل هذا الإلحاد عن المؤمنين ليؤمروا بتركه بل هو ~~الإعراض عنهم وعدم المبالاة بما فعلوا ترقبا لنزول العقوبة بهم عن قريب كما ~~هو المتبادر من قوله تعالى «سيجزون ما كانوا يعملون» فإنه استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بعدم المبالاة والإعراض عن المجازاة كأنه قيل ~~لم لا نبالي بإلحادهم ولا نتصدى لمجازاتهم فقيل لأنه ينزل بهم عقوبته ~~وتتشفون بذلك عن قريب وأما على الوجهين الأولين فالمعنى اجتنبوا إلحادهم ~~كيلا يصيبكم ما أصابهم فإنه سينزل بهم عقوبة إلحادهم «وممن خلقنا أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون» بيان إجمالي لحال PageV03P296 # من عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ذكر من الضلال والإلحاد عن ~~الحق ومحل الظرف الرفع على أنه مبتدأ ms1247 إما باعتبار مضمونه أو بتقدير الموصوف ~~وما بعده خبره كما مر في تفسير قوله تعالى ومن الناس الخ أي وبعض من خلقنا ~~أو وبعض ممن خلقنا أمة أي طائفة كثيرة يهدون الناس ملتبسين بالحق أو ~~يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة وبالحق يحكمون في الحكومات ~~الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول إذا قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة ~~الآية وعنه عليه الصلاة والسلام إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ~~وروي لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله وروي لا تزال من ~~أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر ~~الله تعالى وهم ظاهرون وفيه من الدلالة على صحة الإجماع ما لا يخفى ~~والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق ~~غني عن التصريح به «والذين كذبوا بآياتنا» شروع في تحقيق الحق الذي به يهدى ~~الهادون وبه بعدل العادلون وحمل الناس على الاهتداء به على وجه الترهيب ~~ومحل الموصول الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده من الجملة الاستقبالية ~~وإضافة الآيات إلى نون العظمة لتشريفها واستعظام الإقدام على تكذيبها أي ~~والذين كذبوا بآياتنا التي هي معيار الحق ومصداق الصدق والعدل «سنستدرجهم» ~~أي نستدينهم البتة إلى الهلاك شيئا فشيئا والاستدراج استفعال من درج إما ~~بمعنى صعد ثم اتسع فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود أو ~~الهبوط أو الاستقامة وإما بمعنى مضى مشيا ضعيفا وإما بمعنى طوى والأول هو ~~الأنسب بالمعنى المراد الذي هو النقل إلى أعلى درجات المهالك ليبلغ أقصى ~~مراتب العقوبة والعذاب ثم استعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من ~~الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه بحيث يزعم أن ذلك ترق في مراقي ~~منافعه مع أنه في الحقيقة ترد في مهاوي مصارعه فاستدراجه سبحانه إياهم أن ~~يواتر عليهم النعم مع ms1248 انهماكهم في الغي فيحسبوا أنها لطف لهم منه تعالى ~~فيزداد بطرا وطغيانا لكن لا على أن المطلوب تدرجهم في مراتب النعم بل هو ~~تدرجهم في مدارج المعاصي إلى أن يحق عليهم كلمة العذاب على أفظع حال ~~وأشنعها والأول وسيلة إليه وقوله تعالى «من حيث لا يعلمون» متعلق بمضمر وقع ~~صفة لمصدر الفعل المذكور أي سنستدرجهم استدراجا كائنا من حيث لا يعلمون أنه ~~كذلك بل يحسبون أنه أثرة من الله عز وجل وتقريب منه وقيل لا يعلمون ما يراد ~~بهم «وأملي لهم» عطف على سنستدرجهم غير داخل في حكم السين لما أن الإملاء ~~الذي هو عبارة عن الإمهال والإطالة ليس من الأمور التدريجية كالاستدراج ~~الحاصل في نفسه شيئا فشيئا بل هو فعل يحصل دفعة وإنما الحاصل بطريق التدريج ~~آثاره PageV03P297 # وأحكامه لا نفسه كما يلوح به تغيير التعبير بتوحيد الضمير مع ما فيه من ~~الافتنان المنبىء عن مزيد الاعتناء بمضمون الكلام لابتنائه على تجديد القصد ~~والعزيمة وأما إن ذلك للإشعار بأنه بمحض التقدير الإلهي والاستدراج بتوسط ~~المدبرات فمبناه دلالة نون الفظيعة على الشركة وأنى ذلك وإلا لاحترز عن ~~إيرادها في قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي لهم الآية بل إنما إيرادها في أمثال هذه الموارد بطريق الجريان ~~على سنن الكبرياء «إن كيدي متين» تقرير للوعيد وتأكيد له أي قوي لا يدافع ~~بقوة ولا بحيلة والمراد به إما الاستدراج والإملاء مع نتيجتهما التي هي ~~الأخذ الشديد على غرة فتسميته كيدا لما أن ظاهره لطف وباطنه قهو وإما نفس ~~ذلك الأخذ فقط فالتسمية لكون مقدماته كذلك وأما أن حقيقة الكيد هو الأخذ ~~على خفاء من غير أن يعتبر فيه إظهار خلاف ما أبطنه فمما لا تعويل عليه مع ~~عدم مناسبته للمقام ضرورة استدعائه لاعتبار القيد المذكور حتما «أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة» كلام مبتدأ مسوق لإنكار عدم تفكرهم في شأنه صلى ~~الله عليه وسلم وجعلهم بحقيقة حاله الموجبة للإيمان به وبما أنزل عليه من ~~الآيات التي ms1249 كذبوا بها والهمزة للإنكار والتعجيب والتوبيخ والواو للعطف على ~~مقدر يستدعيه سياق النظم الكريم وسياقه وما إما استفهامية إنكارية في محل ~~الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم وإما نافية اسمها جنة وخبرها بصاحبهم ~~والجنة من المصادر التي يراد بها الهيئة كالركبة والجلسة وتنكيرها للتقليل ~~والتحقير والجملة معلقة فعل التفكر لكونه من أفعل القلوب ومحلها على ~~الوجهين النصب على نزع الجار أي أكذبوا بها ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ~~ما كائن بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق وعليه أنزلت الآيات أوفى ~~أنه ليس بصاحبهم شيء من جنة حتى يؤديهم التفكر في ذلك إلى الوقوف على صدقه ~~وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات وقيل قد تم الكلام عند ~~قوله تعالى أولم يتفكروا أي أكذبوا بها ولم يفعلوا التفكر ثم ابتدىء فقيل ~~أي شيء بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت أو قيل ليس ~~بصاحبهم شيء منها والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بصاحبهم للإيذان بأن طول ~~مصاحبتهم له صلى الله عليه وسلم مما يطلعهم على نزاهته صلى الله عليه وسلم ~~عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيد للنكير وتشديد له والتعرض لنفي الجنون عنه صلى ~~الله عليه وسلم مع وضوح استحالة ثبوته له صلى الله عليه وسلم لما أن التكلم ~~بما هو خارق لقضية العقول والعادات لا يصدر إلا عمن به مسن من الجنون كيفما ~~اتفق من غير أن يكون له أصل ومعنى أو عمن له تأييد إلهي يخبر به عن الأمور ~~الغيبية وإذ ليس به صلى الله عليه وسلم شائبة الأول تعين أنه صلى الله عليه ~~وسلم مؤيد من عند الله تعالى وقيل إنه صلى الله عليه وسلم علا الصفات ليلا ~~فجعل يدعو قريضا فخذا فخذا يحذرهم بأس الله تعالى فقال قائلهم إن صاحبكم ~~هذا لمجنون بات يهوت إلى الصباح فنزلت فالتصريح بنفي الجنون حينئذ الرد على ~~عظيمتهم الشنعاء والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بصاحبهم وارد على شاكلة ~~كلامهم مع ما فيه من النكتة المذكورة ms1250 وقوله تعالى «إن هو إلا نذير مبين» ~~جملة مقررة لمضمون ما قبلها ومبينة لحقيقة حاله صلى الله عليه وسلم على ~~منهاج قوله تعالى إن هذا إلا ملك كريم بعد قوله تعالى ما هذا بشرا أي ما هو ~~إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية الإظهار إبراز لكمال الرأفة PageV03P298 # ومبالغة في الأعذار وقوله تعالى «أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض» ~~استئناف آخر مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل في الآيات التكوينية ~~المنصوبة في الآفاق والأنفس الشاهدة بصحة مضمون الآيات المنزلة إثر مانعي ~~عليهم إخلالهم بالتفكر في شأنه صلى الله عليه وسلم والهمزة لما ذكر من ~~الإنكار والتعجب والتوبيخ والواو للعطف على المقدر المذكور أو على الجملة ~~المنفية بلم والملكوت الملك العظيم أي أكذبوا بها أو ألم يتفكروا فيما ذكر ~~ولم ينظروا نظر تأمل فيما يدل عليه السماوات والأرض من عظم الملك وكمال ~~القدرة «وما خلق الله» أي وفيما خلق فيهما على أنه عطف على ملكوت وتخصيصه ~~بهما لكما ظهور عظم الملك فيهما أو وفي ملكوت ما خلق على أنه عطف على ~~السماوات والأرض والتعميم لاشتراك الكل في الدلالة على عظم الملك في ~~الحقيقة وعليه قوله تعالى فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وقوله تعالى «من ~~شيء» بيان لما خلق مفيد لعدم اختصاص الدلالة المذكورة بجلائل المصنوعات دون ~~دقائقها والمعنى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق فيهما من ~~جليل ودقيق مما ينطلق عليه اسم الشيء ليدلهم ذلك على العلم بوحدانيته تعالى ~~وبسائر شؤونه التي ينطق بها تلك الآيات فيؤمنوا بها لاتحادهما في المدلول ~~فإن كل فرد من أفراد الأكوان مما عزوهان دليل لائح على الصانع المجيد وسبيل ~~واضح إلى عالم التوحيد وقوله تعالى «وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم» عطف ~~على ملكوت وأن مخففه من أن واسمها ضمير الشأن وخبرها عسى مع فاعلها الذي هو ~~أن يكون واسم يكون أيضا ضمير الشأن والخبر قد اقترب أجلهم والمعنى أو لم ~~ينظروا في أن الشأن عسى أن يكون الشأن قد اقترب أجلهم ms1251 وقد جوز أن يكون اسم ~~يكون أجلهم وخبرها قد اقترب على أنها جملة من فعل وفاعل هو ضمير أجلهم ~~لتقدمه حكما وأيا ما كان فمناط الإنكار والتوبيخ تأخيرهم للنظر والتأمل أي ~~لعلم يموتون عما قريب فمالهم لا يسارعون إلى التدبر في الآيات التكوينية ~~الشاهدة بما كذبوه من الآيات القرآنية وقد جوز أن يكون الأجل عبارة عن ~~الساعة والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم لها وبحثهم عنها ~~وقوله تعالى «فبأي حديث بعده يؤمنون» قطع الاحتمال إيمانهم رأسا ونفي له ~~بالكلية مترتب على ما ذكر من تكذيبهم بالآيات وإخلالهم بالتفكر والنظر ~~والباء متعلقة بيؤمنون وضمير بعده للآيات على حذف المضاف المفهوم من كذبوا ~~والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو بتأويلها بالمذكور وإجراء الضمير مجرى اسم ~~الإشارة والمعنى أكذبوا بها ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله صلى ~~الله عليه وسلم وأحوال المصنوعات فبأي حديث يؤمنون بعد تكذيبه ومعه مثل هذه ~~الشواهد القوية كلا وهيهات وقيل الضمير للقرآن والمعنى فبأي حديث بعد ~~القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في البيان وقيل هو إنكار ~~وتبكيت لهم مترتب على إخلالهم بالمسارعة إلى التأمل فيما ذكر كأنه قيل لعل ~~أجلهم قد اقترب PageV03P299 # فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت وماذا ينتظرون بعد ~~وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا وقيل الضمير لأجلهم والمعنى ~~فبأي حديث بعد انقضاء أجلهم يؤمنون وقيل للرسول صلى الله عليه وسلم على حذف ~~مضاف أي فبأي حديث بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس وقوله تعالى «من يضلل ~~الله فلا هادي له» استئناف مقرر لما قبله منبىء عن الطبع على قلوبهم وقوله ~~تعالى «ويذرهم في طغيانهم» بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم وقرئ ~~بنون العظيمة على طريقة الالتفات أي ونحن نذرهم وقرئ بالياء والجزم عطفا ~~على محل فلا هادي له كأنه قيل من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم وقد روي ~~الجزم بالنون عن نافع وأبي عمرو في الشواذ وقوله تعالى «يعمهون» أي يترددون ~~ويتحيرون ms1252 حال من مفعول يذرهم وتوحيد الضمير في حيز النفي نظرا إلى لفظ من ~~وجمعه في حيز الإثبات نظرا إلى معناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات ~~للكل «يسألونك عن الساعة» استئناف مسوق لبيان بعض أحكام ضلالهم وطغيانهم أي ~~عن القيامة وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو ~~لسرعة ما فيها من الحساب أو لأنها ساعة عند الله تعالى مع طولها في نفسها ~~قيل إن قوما من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا ~~نعلم متى هي وكان ذلك امتحانا منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها ~~وقيل السائلون قريش وقوله تعالى «أيان مرساها» بفتح الهمزة وقد قرىء بكسرها ~~وهو ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون ~~الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما قيل اشتقاقه من أي فعلان منه لأن معناه ~~أي وقت وهو من أويت إلى الشيء لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه ومحله ~~الرفع على أنه خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر أي متى إرساؤها أي إثباتها ~~وتقريرها فإنه مصدر ميمي من أرساه إذا اثبته وأقره ولا يكاد يستعمل إلا في ~~الشيء الثقيل كما في قوله تعالى والجبال أرساها ومنه مرساة السفن ومحل ~~الجملة قيل الجر على البدلية من الساعة والتحقيق أن محلها النصب بنزع ~~الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانيا ~~تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها ~~المعين لا وقتها باعتبار كونه محلا لها وقد سلك هذا المسلك في الجواب ~~الملقن أيضا حيث أضيف العلم بالمطلوب بالسؤال إلى ضميرها فأخبر باختصاصه به ~~عز وجل وحيث قيل «قل إنما علمها» أي علمها بالاعتبار المذكور «عند ربي» ولم ~~يقل إنما علم وقت إرسائها ومن لم يتنبه لهذه النكتة حمل PageV03P300 # النظم الكريم على حذف المضاف والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره صلى الله عليه ms1253 وسلم للإيذان بأن توفيقه صلى الله عليه وسلم للجواب ~~على الوجه المذكور من باب التربية والإرشاد ومعنى كونه عنده تعالى خاصة انه ~~تعالى قد استأثر به بحيث لم يخبر به أحدا من ملك مقرب أو نبي مرسل وقوله ~~تعالى «لا يجليها لوقتها إلا هو» بيان لاستمرار تلك الحالة إلى حين قيامها ~~وإقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الإخبار من جهته تعالى أو من جهة غيره ~~لاقتضاء الحكمة التشريعية إياه فإنه ادعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما ~~أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس ~~أمرها الذي تسألونني عنه إلا هو بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين ~~فيتوسط في إظهاره لهم لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها قبل مجيئه كما هو ~~المسؤول بل بأن يقيمها فيشاهدوها عيانا كما يفصح عنه التجلية المنبئة عن ~~الكشف التام المزيل للإبهام بالكلية وقوله تعالى لوقتها أي في وقتها قيد ~~للتجلية بعد ورود الاستثناء عليها لا قبله كأنه قيل لا يجليها إلا هو في ~~وقتها إلا أنه قدم على الاستثناء للتنبيه من أول الأمر على أن تجليتها ليست ~~بطريق الإخبار بوقتها بل بإظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه وقوله ~~تعالى «ثقلت في السماوات والأرض» استئناف كما قبله مقرر لمضمون ما قبله أي ~~كبرت وشقت على أهلهما من الملائكة والثقلين كل منهم أهمه خفاؤها وخروجها عن ~~دائرة العقول وقيل عظمت عليهم حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها ~~وقيل ثقلت فيهما إذ لا يطيقها منهما ومما فيهما شيء أصلا والأول هو الأنسب ~~بما قبله وبما بعده من قوله تعالى «لا تأتيكم إلا بغتة» فإنه استئناف مقرر ~~لمضمون ما قبله فلا بد من اعتبار الثقل من حيث الخفاء أي لا تأتيكم إلا ~~فجأة على غفلة كما قال صلى الله عليه وسلم إن الساعة تهيج بالناس والرجل ~~يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ~~ميزانه ويرفعه «يسألونك كأنك حفي عنها» استئناف مسوق لبيان خطئهم في ms1254 توجيه ~~السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه صلى الله عليه ~~وسلم عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من مواجب الرسالة إثر بيان خطئهم ~~في أصل السؤال بأعلام شأن المسؤول عنه والجملة التشبيهية في محل النصب على ~~أنها حال من الكاف جئ بها بيانا لما يدعوهم إلى السؤال على زعمهم وإشعارا ~~بخطئهم في ذلك أي يسألونك مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي عنها أي مبالغ ~~في العلم بها فعيل من حفي وحقيقته كأنك مبالغ في السؤال عنها فإن ذلك في ~~حكم المبالغة في العلم بها لما أن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه ~~استحكم علمه به ومبنى التركيب على المبالغة والاستقصاء ومنه إحفاء الشارب ~~واحتفاء البقل أي استئصاله والإحفاء في المسألة أي الإلحاف فيها وقيل عن ~~متعلقة بيسألونك وقوله تعالى كأنك حفي معترض وصلة حفي محذوفة أي حفي بها ~~وقد قرىء كذلك وقيل هو من الحفاوة بمعنى البر والشفقة فإن قريشا قالوا له ~~صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة والمعنى ~~يسألونك كأنك تتحفى بهم فتخصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى أمرها عن ~~غيرهم ففيه تخطئة لهم من جهتين وقيل هو من حفي بالشيء بمعن فرح به والمعنى ~~كأنك فرح بالسؤال عنها تحبه مع أنك كاره له لما أنه تعرض لحرم الغيب الذي ~~استأثر الله عز وجل بعلمه «قل إنما علمها عند الله» أمر صلى الله عليه وسلم ~~بإعادة الجواب الأول تأكيدا للحكم وتقريرا له وإشعارا بعلته على الطريقة ~~البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن PageV03P301 # استتباعها لصفات الكمال التي من جملتها العلم وتمهيدا للتعريض بجهلهم ~~بقوله تعالى «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أي لا يعلمون ما ذكر من اختصاص علمها ~~به تعالى فبعضهم ينكرونها رأسا فلا يعلمون شيئا مما ذكر قطعا وبعضهم يعلمون ~~أنها واقعة البتة ويزعمون أنك واقف على وقت وقوعها فيسألونك عنه جهلا ~~وبعضهم يدعون أن العلم بذلك من مواجب الرسالة فيتخذون السؤال عنه ذريعة ms1255 إلى ~~القدح في رسالتك والمستثنى من هؤلاء هم الواقفون على جلية الحال من ~~المؤمنين وأما السائلون عنها من اليهود بطريق الامتحان فهم منتظمون في سلك ~~الجاهلين حيث لم يعلموا بعلمهم وقوله تعالى «قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا» شروع في الجواب عن السؤال ببيان عجزه عن علمها إثر بيان عجز الكل عنه ~~وإبطال زعمهم الذي بنوا عليه سؤالهم من كونه صلى الله عليه وسلم ممن يعلمها ~~وإعادة الأمر لإظهار كمال العناية بشأن الجواب والتنبيه على استقلاله ~~ومغايرته للأول والتعرض لبيان عجزه عما ذكر من النفع والضر لإثبات عجزه عن ~~علمها بالطريق البرهاني واللام إما متعلق بأملك أو بمحذوف وقع حالا من نفعا ~~أي لا أقدر لأجل نفسي على جلب نفع ما ولا على دفع ضر ما «إلا ما شاء الله» ~~أن أملكه من ذلك بأن يلهمنيه فيمكنني منه ويقدرني عليه أو لكن ما شاء الله ~~من ذلك كائن فالاستثناء منقطع وهذا أبلغ في إظهار العجز «ولو كنت أعلم ~~الغيب» أي جنس الغيب الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات المصححة ~~عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة للمانعة والمدافعة ~~«لاستكثرت من الخير» أي لحصلت كثيرا من الخير الذي نيط تحصيله بالأفعال ~~الاختيارية للبشر بترتيب أسبابه ودفع موانعه «وما مسني السوء» أي السوء ~~الذي يمكن التقصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه لا سوء ما فإن ~~منه ما لا مدفع له «إن أنا إلا نذير وبشير» أي ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار ~~والبشارة شأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا الوقوف ~~على الغيوب التي لا علاقة بينها وبين الأحكام والشرائع وقد كشفت من أمر ~~الساعة ما يتعلق به الإنذار من مجيئها لا محالة واقترابها وأما تعيين وقتها ~~فليس ما يستدعيه الإنذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إيهامه أدعى إلى ~~الانزجار عن المعاصي وتقديم النذير على البشير لما أن المقام مقام الإنذار ~~وقوله تعالى «لقوم يؤمنون» إما متعلق بهما جميعا لأنهم ينتفعون بالإنذار ms1256 ~~كما ينتفعون بالبشارة وإما بالبشير فقط وما يتعلق بالنذير محذوف أي نذير ~~للكافرين أي الباقين على الكفر وبشير لقوم يؤمنون أي في أي وقت كان ففيه ~~ترغيب للكفرة في إحداث الإيمان وتحذير عن الإصرار على الكفر والطغيان «هو ~~الذي خلقكم» استئناف سيق لبيان كمال عظم جناية الكفرة في جراءتهم على ~~الإشراك بتذكير مبادى PageV03P302 # أحوالهم المنافية له وإيقاع الموصول خبرا لتفخيم شأن المبتدأ أي هو ذلك ~~العظيم الشأن الذي خلقكم جميعا وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في ذلك بوجه ~~من الوجوه «من نفس واحدة» هو آدم عليه الصلاة والسلام وهذا نوع تفصيل لما ~~أشير إليه في مطلع السورة الكريمة إشارة إجمالية من خلقهم وتصويرهم في ضمن ~~خلق آدم وتصويره وبيان لكيفيته «وجعل» عطف على خلقكم داخل في حكم الصلة ولا ~~ضير في تقدمه عليه وجودا لما أن الواو لا تستدعي الترتيب في الوجود «منها» ~~أي من جنسها كما في قوله تعالى جعل لكم من أنفسكم أزواجا أو من جسدها لما ~~يروى أنه تعالى خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم عليه الصلاة والسلام والأول ~~هو الأنسب إذ الجنسية هي المؤدية إلى الغاية الآتية لا الجزئية والجعل إما ~~بمعنى التصيير فقوله تعالى «زوجها» مفعوله الأول والثاني هو الظرف المقدم ~~وإما بمعنى الإنشاء والظرف متعلق بجعل قدم على المفعول الصريح لما مر مرارا ~~من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوف هو حال من المفعول ~~والأول هو الأولى وقوله تعالى «ليسكن إليها» علة غائية للجعل باعتبار تعلقه ~~بمفعوله الثاني أي ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنانا مصححا للازدواج كما ~~يلوح به تذكير الضمير ويفصح عنه قوله تعالى «فلما تغشاها» أي جامعها «حملت ~~حملا خفيفا» في مبادئ الأمر فإنه عند كونه نطفة أو علقة أو مضغة أخف عليها ~~بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب والتعرض لذكر خفته للإشارة إلى نعمته ~~تعالى عليهم في إنشائه تعالى إياهم متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى ~~الوجود ومن الضعف إلى القوة «فمرت به» أي فاستمرت ms1257 به كما كانت قبل حيث قامت ~~وقعدت وأخذت وتركت وعليه قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقرئ فمرت ~~بالتخفيف وفمارت من المور وهو المجىء والذهاب أو من المرية فظنت الحمل ~~وارتابت به وأما ما قيل من أن المعنى حملت حملا خف عليها ولم تلق منه ما ~~يلقي بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذية ولم تستثقله كما يستثقلنه فمرت ~~به أي فمضت به إلى ميلاده منن غير إخداج ولا إزلاق فيرده قوله تعالى «فلما ~~أثقلت» إذ معناه فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها ولا ريب في أن ~~الثقل بهذا المعنى ليس مقابلا للخفة بالمعنى المذكور إنما يقابلها الكرب ~~الذي يعتري بعضهن من أول الحمل إلى آخره دون بعض أصلا وقرئ أثقلت على ~~البناء للمفعول أي أثقلها حملها «دعوا الله» أي آدم وحواء عليهما السلام ~~لما دهمهما أمر لم يعهداه ولم يعرفا مآله فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل ~~وقوله تعالى «ربهما» أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء إشارة إلى ~~أنهما قد صدرا به دعاءهما كما في قولهما ربنا ظلمنا أنفسنا الآية ومتعلق ~~الدعاء محذوف تعويلا على شهادة الجملة القسمية به أي دعواه تعالى أن ~~يؤتيهما صالحا ووعدا بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو ~~قائلين «لئن آتيتنا صالحا» أي ولدا من جنسنا سويا «لنكونن» نحن ومن يتناسل ~~من ذريتنا «من الشاكرين» الراسخين في الشكر على نعمائك التي من جملتها هذه ~~النعمة وترتيب هذا الجواب على الشرط المذكور لما أنهما قد علما أن ما علقا ~~به دعاءهما أنموذج لسائر أفراد الجنس ومعيار لها ذاتا وصفة وجوده مستتبع ~~لوجودها وصلاحه مستلزم لصلاحها فالدعاء في حقه متضمن للدعاء في حق الكل ~~مستتبع له كأنهما قالا لئن آتيتنا وذريتنا أولادا صالحة وقيل إن ضمير ~~آتيتنا أيضا لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما فالوجه ظاهر وأنت خبير بأن نظم ~~الكل PageV03P303 # في سلك الدعاء أصالة يأباه مقام المبالغة في الاعتناء بشأن ما هما بصدده ~~وأما جعل ضمير لنكونن للكل فلا ms1258 محذور فيه لأن توسيع دائر الشكر غير مخل ~~بالاعتناء المذكور بل مؤكد له وأيا ما كان فمعنى قوله تعالى «فلما آتاهما ~~صالحا» لما آتاهما ما طلباه أصالة واستتباعا من الولد وولد الولد ما ~~تناسلوا فقوله تعالى «جعلا» أي جعل أولادهما «له» تعالى «شركاء» على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ثقة بوضوح الأمر وتعويلا على ما يعقبه من ~~البيان وكذا الحال في قوله تعالى «فيما آتاهما» أي فيما آتى أولادهما من ~~الأولاد حيث سموهم بعبد مناف وعبد العزى ونحو ذلك وتخصيص إشراكهم هذا ~~بالذكر في مقام التوبيخ مع أن إشراكهم بالعبادة أغلظ منه جناية وأقدم وقوعا ~~لما أن مساق النظم الكريم لبيان إخلالهم بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصلح ~~وأول كفرهم في حقه إنما هو تسميتهم إياه بما ذكر وقرئ شركا أي شركة أو ذوي ~~شركة أي شركاء إن قيل ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما ~~يصادر إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضا بسرايته إليه ~~حقيقة أو حكما وتتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في مثل قوله ~~تعالى وإذ نجيناكم من آل فرعون الآية فإن الإنجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ~~ليس إلا بأسلاف اليهود قد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام ~~الامتنان حقه وكذا في قوله تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله الآية فإن ~~القتل حقيقة مع كونه من جناية آبائهم قد أسند إليهم بحكم رضاهم به أداء لحق ~~مقام التوبيخ والتبكيت ولا ريب في أنهما عليهما الصلاة والسلام بريئان من ~~سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فما وجه إسناده إليهما صورة ~~قلنا وجهه الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك ~~أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ~~ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعدا مؤكدا باليمين بمنزلة إخلالهما ~~بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم ببيان ~~أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث ms1259 والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه ~~بالذات فجمعوا بين الجناية على الله تعالى والجناية عليهما عليهما السلام ~~«فتعالى الله عما يشركون» تنزيه فيه معنى التعجب والفاء لترتيبه على ما فصل ~~من أحكام قدرته تعالى وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد ~~وصيغة الجمع لما أشير إليه من تعين الفاعل وتنزيه آدم وحواء عن ذلك وما في ~~عما إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركونه به ~~سبحانه والمراد بإشراكهم إما تسميتهم المذكورة أو مطلق إشراكهم المنتظم لها ~~انتظاما أوليا وقرئ تشركون بتاء الخطاب بطريق الالتفات وقيل الخطاب لآل قصي ~~من قريش والمراد بالنفس الواحدة نفس قصي فإنهم خلقوا منه وكان له زوج من ~~جنسه عربية قرشية وطلبا من الله تعالى ولدا صالحا فأعطاهما أربعة بنين ~~فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد قصي وعبد الدار وضمير يشركون لهما ~~ولأعقابهما المقتدين بهما وأما ما قيل من أنه لما حملت حواء أتاها إبليس في ~~صورة رجل فقال لها ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب أو خنزير وما ~~يدريك من أين يخرج فخافت من PageV03P304 # ذلك فذكرته لآدم فأهمهما ذلك ثم عاد إليها وقال إني من الله تعالى بمنزلة ~~فإن دعوته أن يجعله خلقا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث وكان اسمه ~~حارثا في الملائكة فقبلت فلما ولدته سمته عبد الحرث فمما لا تعويل عليه كيف ~~لا وأنه صلى الله عليه وسلم كان علما في علم الأسماء والمسميات فعدم علمه ~~بإبليس واسمه واتباعه إياه في مثل هذا الشأن الخطير أمر قريب من المحال ~~والله تعالى أعلم بحقيقة الحال «أيشركون» استئناف مسوق لتوبيخ المشركين ~~واستقباح إشراكهم على الإطلاق وإبطاله بالكلية ببيان شأن ما أشركوه به ~~سبحانه وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه في حقه أي أيشركون به ~~تعالى «ما لا يخلق شيئا» أي لا يقدر على أن يخلق شيئا من الأشياء أصلا ومن ~~حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة وقوله تعالى «وهم يخلقون» عطف ~~على لا يخلق ms1260 وإيراد الضميرين بجمع العقلاء وتسميتهم لها آلهة وكذا حال سائر ~~الضمائر الآتية ووصفها بالمخلوقية بعد وصفها بنفي الخالقية لإبانة كمال ~~منافاة حالها لما اعتقدوه في حقها وإظهار غاية جهلهم فإن إشراك ما لا يقدر ~~على خلق شيء ما بخالقه وخالق جميع الأشياء مما لا يمكن أن يسوغه من له عقل ~~في الجملة وعدم التعرض لخالقها للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره «ولا ~~يستطيعون لهم» أي لعبدتعم إذا حزبهم أمر مهم وخطب ملم «نصرا» أي نصرا ما ~~بجلب منفعة أو دفع مضرة «ولا أنفسهم ينصرون» إذا اعتراهم حادثة من الحوادث ~~أي لا يدفعونها عن أنفسهم وإيراد النصر للمشاكلة وهذا بيان لعجزهم عن إيصال ~~منفعة ما من المنافع الوجودية والعدمية إلى عبدتهم وأنفسهم بعد بيان عجزهم ~~عن إيصال منفعة الوجود إليهم وإلى أنفسهم خلا أنهم وصفوا هناك بالمخلوقية ~~لكونهم أهلا لها وههنا لم يوصفوا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلا لها وقوله ~~تعالى «وإن تدعوهم إلى الهدى» بيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي ~~عنهم وأيسر هو مجرد الدلالة على المطلوب والإرشاد إلى طريق حصوله من غير أن ~~يحصله الطالب والخطاب للمشركين بطريق الالتفات المنبىء عن مزيد الاعتناء ~~بأمر التوبيخ والتبكيت أي إن تدعوهم أيها المشركون إلى أن يهدوكم إلى ما ~~تحصلون به المطالب أو تنجون به عن المكاره «لا يتبعوكم» إلى مرادكم وطلبتكم ~~وقرئ بالتخفيف وقوله تعالى «سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون» استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله ومبين لكيفية عدم الاتباع أي مستو عليكم في عدم ~~الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم البحث فإنه لا يتغير حالكم في الحالين كما لا ~~يتغير حالهم بحكم الجمادية وقوله تعالى أم أنتم صامتون جملة اسمية في معنى ~~الفعلية معطوفة على الفعلية لأنها في قوة أم صمتم عدل عنها للمبالغة في عدم ~~إفادة الدعاء PageV03P305 # ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر وما قيل من أن الخطاب للمسلمين ~~والمعنى وإن تدعوا لمشركين إلى الهدى إي الإسلام لا يتبعوكم الخ مما يساعده ~~سياق النظم الكريم وسياقه أصلا على أنه لو كان كذلك ms1261 لقيل عليهم مكان عليكم ~~كما في قوله تعالى سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم فإن استواء الدعاء ~~وعدمه إنما هو بالنسبة إلى المشركين لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون ~~بفضل الدعوة «إن الذين تدعون من دون الله» تقرير لما قبله من عدم اتباعهم ~~لهم أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم آلهة «عباد ~~أمثالكم» أي مماثلة لكن لكن لا من كل وجه بل من حيث إنها مملوكة لله عز وجل ~~مسخرة لأمره عاجزة عن النفع والضرر وتشبيهها بهم في ذلك مع كون عجزها عنهما ~~أظهر وأقوى من عجزهم إنما هو لاعترافهم بعجز أنفسهم وادعائهم لقدرتها ~~عليهما إذ هو الذي يدعوهم إلى عبادتها والاستعانة بها وقوله تعالى «فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم» تحقيق لمضمون ما قبله بتعجيزهم وتبكيتهم أي فادعوهم في جلب ~~نفع أو كشف ضر «إن كنتم صادقين» في زعمكم أنهم قادرون على ما أنتم عاجزون ~~عنه وقوله تعالى «ألهم أرجل يمشون بها» الخ تبكيت إثر تبكيت مؤكد لما يفيده ~~الأمر التعجيزي من عدم الاستجابة ببيان فقدان آلاتها بالكلية فإن الاستجابة ~~من الهياكل الجسمانية إنما تتصور إذا كان لها حياة وقوى محركة ومدركة وما ~~ليس له شيء من ذلك فهو بمعزل من الأفاعيل بالمرة كأنه قيل ألهم هذه الآلات ~~التي بها تتحقق الاستجابة حتى يمكن استجابتهم لكم وقد وجه الإنكار إلى كل ~~واحدة من هذه الآلات الأربع على حده تكريرا للتبكيت وتثنية للتقريع إشعارا ~~بأن انتفاء كل واحدة منها بحيالها كاف في الدلالة على استحالة الاستجابة ~~ووصف الأرجل بالمشي بها للإيذان بأن مدار الإنكار هو الوصف وإنما وجه إلى ~~الأرجل لا إلى الوصف بأن يقال أيمشون بأرجلهم لتحقيق أنها حيث لم يظهر منها ~~ما يظهر من سائر الأرجل فهي ليست بأرجل في الحقيقة وكذا الكلام فيما بعده ~~من الجوارح الثلاث الباقية وكلمة أم في قوله تعالى «أم لهم أيد يبطشون بها» ~~منقطعة وما فيها من الهمزة لما مر من التبكيت والإلزام وبل للإضراب المفيد ~~للانتقال من فن من التبكيت ms1262 بعد تمامه إلى فن آخر منه لما ذكر من المزايا ~~والبطش الأخذ بقوة وقرئ يبطشون بضم الطاء وهي لغة فيه والمعنى بل ألهم أيد ~~يأخذون بها ما يريدون أخذه وتأخير هذا عما قبله لما أن المشي حالهم في ~~أنفسهم والبطش حالهم بالنسبة إلى الغير وأما تقديمه على قوله تعالى «أم لهم ~~أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها» PageV03P306 # مع أن الكل سواء في أنها من أحوالهم بالنسبة إلى الغير فلمراعاة المقابلة ~~بين الأيدي والأرجل ولأن انتفاء المشي والبطش أظهر والتبكيت بذلك أقوى وأما ~~تقديم الأعين فلما أنها أشهر من الآذان وأظهر عينا وأثرا هذا وقد قرىء إن ~~الذين تدعون من دونه الله عبادا أمثالكم على إعمال إن النافية عمل ما ~~الحجازية أي ما الذين تدعون من دونه تعالى عبادا أمثالكم بل أدنى منكم ~~فيكون قوله تعالى ألهم الخ تقريرا لنفي المماثلة بإثبات القصور والنقصان ~~«قل ادعوا شركاءكم» بعد ما بين أن شركاءهم لا يقدرون على شيء ما أصلا أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يناصبهم للمحاجة ويكرر عليهم التبكيت ~~وإلقام الحجر أي ادعوا شركاءهم واستعينوا بهم على «ثم كيدون» جميعا أنتم ~~وشركاؤكم وبالغوا في ترتيب ما تقدرون عليه من مبادى الكيد والمكر «فلا ~~تنظرون» أي فلا تمهلوني ساعة بعد ترتيب مقدمات الكيد فإني لا أبالي بكم ~~أصلا «إن وليي الله الذي نزل الكتاب» تعليل لعدم المبالاة المنفهم من السوق ~~انفهاما جليا ووصفه تعالى بتنزيل الكتاب للإشعار بدليل الولاية والإشارة ~~إلى علة أخرى لعدم المبالاة كأنه قيل لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليي هو ~~الله الذي أنزل الكتاب الناطق بأنه وليي وناصري وبأن شركاءكم لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم فضلا عن نصركم وقوله تعالى «وهو يتولى الصالحين» تذييل مقرر ~~لمضمون ما قبله أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده وينصرهم ولا ~~يخذلهم «والذين تدعون» أي تعبدونهم «من دونه» تعالى أو تدعونهم للاستعانة ~~بهم على حسبما أمرتكم به «لا يستطيعون نصركم» أي في أمر من الأمور أو في ~~خصوص ms1263 الأمر المذكور «ولا أنفسهم ينصرون» إذا نابتهم نائبة «وإن تدعوهم إلى ~~الهدى» إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم على الإطلاق أو في خصوص ~~الكيد المعهود «لا يسمعوا» أي دعاءكم فضلا عن المساعدة والإمداد وهذا أبلغ ~~من نفي الاتباع وقوله تعالى «وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون» بيان ~~لعجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع وبه يتم التعليل فلا تكرار أصلا ~~والرؤية بصرية وقوله تعالى ينظرون إليك حال من المفعول والجملة الإسمية حال ~~من فاعل ينظرون أي وترى الأصنام رأي العين يشبهون الناظرين إليك ويخيل إليك ~~أنهم يبصرونك لما أنه صنعوا لها أعينا مركبة بالجواهر المضيئة المتلألئة ~~وصوروها صورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه والحال أنهم غير قادرين على ~~الإبصار وتوحيد الضمير في تراهم مع رجوعه إلى المشركين لتوجيه الخطاب إلى ~~كل واحد واحد منهم لا إلى الكل من حيث هو كل الخطابات السابقة تنبيها على ~~أن رؤية الأصنام على الهيئة المذكورة لا تتسنى للكل معا بل PageV03P307 # لكل من يواجهها وقيل ضمير الفاعل في تراهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وضمير المفعول على حاله وقيل للمشركين على أن التعليل قد تم عند قوله تعالى ~~لا يسمعوا أي وترى المشركين ينظرون إليك والحال أنهم لا يبصرونك كما أنت ~~عليه وعن الحسن أن الخطاب في قوله تعالى وإن تدعوا للمؤمنين على أن التعليل ~~قد تم عند قوله تعالى ينصرون أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى ~~الإسلام لا يلتفتوا إليكم ثم خوطب صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد بأنك ~~تراهم ينظرون إليك والحال أنهم لا يبصرونك حق الإبصار تنبيها على أن ما فيه ~~صلى الله عليه وسلم من شواهد النبوة ودلائل الرسالة من الجلاء بحيث لا يكاد ~~يخفى على الناظرين «خذ العفو» بعد ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا ~~يطاق تحمله أمر صلى الله عليه وسلم بمجامع مكارم الأخلاق التي من جملتها ~~الإغضاء عنهم أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا تكلفهم ms1264 ما يشق ~~عليهم من العفو الذي هو ضد الجهد أو خذ العفو من المذنبين أو الفضل من ~~صدقاتهم وذلك قبل وجوب الزكاة «وأمر بالعرف» بالجميل المستحسن من الأفعال ~~فإنها قريبة من قبول الناس من غير نكير «وأعرض عن الجاهلين» من غير مماراة ~~ولا مكافأة قيل لما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ~~السلام فقال لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من ~~قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وعن جعفر الصادق أمر الله تعالى نبيه ~~بمكارم الأخلاق وروي أنه لما نزلت الآية الكريمة قال صلى الله عليه وسلم ~~كيف يا رب والغضب متحقق فنزل قوله تعالى «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ» ~~النزغ والنسع والنخس الغرز شبهت وسوسته للناس وإغراؤه لهم على المعاصي بغرز ~~السائق لما يسوقه وإسناده إلى النزغ من قبيل جد جده أي وإما يحملنك من جهته ~~وسوسة ما على خلاف ما أمرت به من اعتراء غضب أو نحوه «فاستعذ بالله» ~~فالتجىء إليه تعالى من شره «إنه سميع» يسمع استعاذتك به قولا «عليم» يعلم ~~تضرعك إليه قلبا في ضمن القول أو بدونه فيعصمك من شره وقد جوز أن يراد بنزغ ~~الشيطان اعتراء الغضب على نهج الاستعارة كما في قول الصديق رضي الله عنه إن ~~لي شيطانا يعتريني ففيه زيادة تنفير عنه وفرط تحذير عن العمل بموجبه وفي ~~الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لأمره وتنبيه على أنه من الغوائل ~~الصعبة التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل وقيل ~~يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله ~~فيجازيه عليها «إن الذين اتقوا» استئناف مقرر لما قبله أن ما أمر به صلى ~~الله عليه وسلم من الاستعاذة بالله تعالى سنة مسلوكة للمتقين والإخلال بها ~~ديدن الغاوين أي إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسهم عما يضرها «إذا مسهم طائف ~~من الشيطان» أدنى لمة منه على أن تنوينه للتحقير وهو اسم فاعل ms1265 من طاف يطوف ~~PageV03P308 # كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقع بهم أو من طاف به الخيال يطيف طيفا أي ~~ألم وقرئ طيف على أنه مصدر أو تخفيف من طيف من الواوي أو اليائي كهين ولين ~~والمارد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره فيما سيأتي «تذكروا» أي الاستعاذة ~~به تعالى والتوكل عليه «فإذا هم» بسبب ذلك التذكر «مبصرون» مواقع الخطأ ~~ومكايد الشيطان فيحترزون عنها ولا يتبعونه «وإخوانهم» أي إخوان الشيطان وهم ~~المنهمكون في الغي المعرضون عن وقاية أنفسهم عن المضار «يمدونهم في الغي» ~~أي يكون الشياطين مددا لهم فيه ويعضدونهم بالتزيين والحمل عليه وقرئ ~~يمدونهم من الإمداد ويمادونهم كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء وهؤلاء ~~بالاتباع والامتثال «ثم لا يقصرون» أي لا يمسكون عنم الإغواء حتى يردوهم ~~بالكلية ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يرعوون عن الغي ولا يقصرون ~~كالمتقين ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجع الضمير إلى الجاهلين فيكون ~~الخبر جاريا على من هو له «وإذا لم تأتهم بآية» من القرآن عند تراخي الوحي ~~أو بآية مما اقترحوه «قالوا لولا اجتبيتها» أجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه ~~أي هلا جمعتها من تلقاء نفسك تقولا يرون بذلك أن سائر الآيات أيضا كذلك أو ~~هلا تلقيتها من ربك استدعاء «قل» ردا عليهم «إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي» ~~من غير أن يكون إلي دخل ما في ذلك أصلا على معنى تخصيص حاله صلى الله عليه ~~وسلم باتباع ما يوحى إليه بتوجيه القصر المستفاد من كلمة إنما إلى نفس ~~الفعل بالنسبة إلى مقابلة الذي كلفوه غياه صلى الله عليه وسلم لا على معنى ~~تخصيص اتباعه صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه بتوجيه القصر إلى المفعول ~~بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال وقد مر تحقيقه في ~~قوله تعالى إن أتبع إلا ما يوحى إلى كأنه قيل ما أفعل إلا اتباع ما يوحى ~~إلي منه تعالى وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن المالكية والتبليغ إلى ~~الكمال اللائق مع الإضافة إلى ضميره صلى الله ms1266 عليه وسلم من تشريفه صلى الله ~~عليه وسلم والتنبيه على تأييده ما لا يخفى «هذا» إشارة إلى القرآن الكريم ~~المدلول عليه بما يوحى إلي «بصائر من ربكم» بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر ~~الحق وتدرك الصواب وقيل حجج بينة وبراهين نيرة ومن متعلقة بمحذوف هو صفة ~~لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى والتعرض لعنوان الربوبية ~~مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها وقوله تعالى «وهدى ورحمة» ~~عطف على بصائر وتقديم الظرف عليهما وتعقيبهما بقوله تعالى «لقوم يؤمنون» ~~للإيذان بأن كون القرآن بمنزلة البصائر للقلوب متحقق بالنسبة إلى الكل وبه ~~تقوم الحجة على الجميع وأما كونه هدى ورحمة فمختص بالمؤمنين به إذ هم ~~المقتسمون من أنواره والمغتنمون بآثاره والجملة من تمام القول المأمور به ~~PageV03P309 # «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له» إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من ~~المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن أي وإذا قرىء القرآن الذي ذكرت ~~شؤونه العظيمة فاستمعوا له استماع تحقيق وقبول «وأنصتوا» أي واسكتوا في ~~خلال القراءة وراعوها إلى انقضائها تعظيما له وتكميلا للاستماع «لعلكم ~~ترحمون» أي تفوزون بالرحمة التي هي أقصى ثمراته وظاهر النظم الكريم يقتضي ~~وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وقيل معناه إذا ~~تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وجمهور الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم على أنه في استماع المؤتم وقد روي أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة ~~فأمروا باستماع قراءة الإمام والإنصات له وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المكتوبة وقرأ أصحابه خلفه فنزلت ~~وأما خارج الصلاة فعامة العلماء على استحبابهما والآية إما من تمام القول ~~به أو استئناف من جهته تعالى فقوله تعالى «واذكر ربك في نفسك» على الأول ~~عطف على قل وعلى الثاني فيه تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو عام في الأذكار كافة فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من الإجابة ~~«تضرعا وخيفة» أي متضرعا وخائفا «ودون الجهر من القول» ms1267 أي ومتكلما دون ~~الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر «بالغدو والآصال» متعلق باذكر أي اذكره في ~~وقت الغدوات والعشيات وقرئ والإيصال وهو مصدر آصل أي دخل في الأصيل موافق ~~للغدو «ولا تكن من الغافلين» عن ذكر الله تعالى «إن الذين عند ربك» وهم ~~الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته ~~وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى «لا يستكبرون عن عبادته» بل يؤدونها حسبما ~~أمروا به «ويسبحونه» أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه «وله ~~يسجدون» أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا وهو تعريض ~~بسائر المكلفين ولذلك شرع السجود عند قراءته عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا قرأ ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول يا ويله أمر هذا ~~بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار وعنه صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة الأعراف جعل الله تعالى يوم القيامة بينه وبين إبليس سترا ~~وكان آدم عليه السلام شفيعا له يوم القيامة (تم الجزء الثالث ويليه الجزء ~~الرابع وأوله سورة الأنفال) PageV03P310 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقد السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الرابع الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV04P001 # سورة الأنفال مدنية وهي خمس وسبعون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~«يسألونك عن الأنفال» النفل الغنيمة سميت به لأنها عطية من الله تعالى ~~زائدة على ما هو أصل الأجر في الجهاد من الثواب الأخروي ويطلق على ما يعطي ~~بطريق التنفيل زيادة على السهم من المغنم وقرئ علنفال بحذف الهمزة وإلقاء ~~حركتها على اللام وإدغام نون عن في اللام روى أن المسلمين اختلفوا في غنائم ~~بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم ولمن الحكم ~~فيها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا وقيل أن الشباب قد أبلوا يومئذ ~~بلاء حسنا فقتلوا سبعين وأسروا سبعين فقالوا نحن المقاتلون ولنا الغنائم ~~وقال الشيوخ ms1268 والوجوه الذين كانوا عند الرايات كنا ردءا لكم وفئة تنحازون ~~إليها حتى قال سعد بن معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما منعنا ~~أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن من العدو ولكن كرهنا أن نعرى ~~مصافك فيعطف عليك خيل من المشركين فنزلت وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد شرط لمن كان له بلاء أن ينفله ولذلك فعل الشبان ما فعلوا من القتل ~~والأسر فسألوه صلى الله عليه وسلم ما شرطه لهم فقال الشيوخ المغنم قليل ~~والناس كثير وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك فنزلت والأول هو الظاهر ~~لما أن السؤال استعلام لحكم الأنفال بقضية كلمة عن لا استعطاء لنفسها كما ~~نطق به الوجه الأخير وادعاء زيادة عن تعسف ظاهر والاستدلال عليه بقراءة ابن ~~مسعود وسعد بن أبي وقاص وعلي بن الحسين وزيد ومحمد الباقي وجعفر الصادق ~~وعكرمة وعطاء يسألونك الأنفال غير منتهض فإن مبناها كما قالوا على الخذف ~~والإيصال كما يعرب عنه الجواب بقوله عز وجل «قل الأنفال لله والرسول» أي ~~حكمها مختص به تعالى بقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم كيفما أمر به من غير ~~أن يدخل فيه رأي أحد ولو كان السؤال استعطاء لما كان هذا جوابا له فإن ~~اختصاص حكم ما شرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءها إياهم بل ~~يحققه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرط الرسول صلى الله عليه وسلم الصادر عنه ~~بإذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليها ونحو ذلك مما يخل بالاختصاص ~~المذكور وحمل الجواب على معنى أن الأنفال بالمعنى المذكور مختصة برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمنفل كائنا من كان مما لا سبيل إليه قطعا ~~ضرورة ثبوت الاستحقاق بالتنفيل وادعاء أن ثبوته بدليل متأخر التزام لنكرر ~~النسخ من غير علم بالناسخ PageV04P002 # الأخير ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد وعكرمة والسدي من أن ~~الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها ms1269 شيء بهذه ~~الآية فنسخت بقوله تعالى فأن لله خمسه وللرسول لما أن المراد بالأنفال فيها ~~قالوا هو المعنى الأول حتما كما نطق به قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء الآية على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ أيضا حسبما قاله عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم بل بين في صدر السورة الكريمة إجمالا أن أمرها مفوض إلى الله تعالى ~~ورسوله ثم بين مصارفها وكيفية قسمتها على التفصيل وادعاء اقتصار هذا الحكم ~~أعنى الاختصاص برسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر ~~يجعل اللام للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه ~~مقام بيان الأحكام كما ينبئ عنه إظهار الأنفال في موقع الإضمار على أن ~~الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له صلى الله عليه وسلم خاصة مما لا يليق ~~بشأنه الكريم أصلا وقد روى عن سعد بن أبي وقاص أنه قال قتل أخي عمير يوم ~~بدر فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف ~~فقال لي صلى الله عليه وسلم ليس هذا لي ولا لك أطرحه في القبض فطرحته وبي ~~ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلا حتى نزلت ~~سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سعد إنك سألتني ~~السيف وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل ~~يومئذ وإلا لكان سؤال السيف من سعد بموجب شرطه ووعده صلى الله عليه وسلم لا ~~بطريق الهبة المبتدأة وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب ~~الشرط يرده رده صلى الله عليه وسلم قبل النزول وتعليله بقوله ليس هذا لي ~~لاستحالة أن يعد صلى الله عليه وسلم بما لا يقدر على إنجازه وإعطاؤه صلى ~~الله عليه وسلم بعد النزول وترتيبه على قوله وقد صار لي ms1270 ضرورة أن مناط ~~صيرورته له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى الأنفال لله والرسول والفرض أنه ~~المانع من إعطاء المسؤول ومما هو نص في الباب قوله عز وجل «فاتقوا الله» أي ~~إذا كان أمر الغنائم لله تعالى ورسوله فاتقوه تعالى واجتنبوه ما كنتم فيه ~~من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لسخط الله تعالى أو فاتقوه في كل ما ~~تأنون وما تذرون فيدخل فيه ما هم فيه دخولا أوليا ولو كان السؤال طلبا ~~للمشروط لما كان فيه محذور يجب اتقاؤه وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة ~~وتعليل الحكم «وأصلحوا ذات بينكم» جعل ما بينهم من الحال لملابستها التامة ~~لبينهم صاحبة له كما جعلت الأمور المضمرة في الصدور ذات الصدور أي أصلحوا ~~ما بينكم من الأحوال بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضل به ~~عليكم وعن عبادة بن الصامت نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل ~~وساءت فيه أخلافنا فنزعه الله تعالى من أيدينا فجعله لرسوله فقسمه بين ~~المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين ~~وعن عطاء كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال اقسموا غنائمكم بالعدل فقالوا قد ~~أكلنا وأنفقنا فقال ليرد بعضكم على بعض «وأطيعوا الله ورسوله» بتسليم أمره ~~ونهيه وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة ~~لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت ~~الأمر بالطاعة «إن كنتم مؤمنين» متعلق بالأوامر الثلاثة والجواب محذوف ثقة ~~بدلالة المذكور عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور وأيا ما كان فالمقصود ~~تحقيق المعلق بناء على تحقق المعلق به وفيه تنشيط للمخاطبين PageV04P003 # وحث لهم على المسارعة إلى الامتثال والمراد بالإيمان كماله أي إن كنتم ~~كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يدور على هذه الخصال الثلاث طاعة الأوامر ~~واتقاء المعاصي وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان «إنما المؤمنون» جملة ~~مستأنفة مسوقة لبيان من أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ~~ذكر من الخصال الثلاث وفيه مزيد ترغيب لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة ~~أي إنما الكاملون ms1271 في الإيمان المخلصون فيه «الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم» أي فزعت لمجرد ذكره من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته ~~وأفعاله استعظاما لشأنه الجليل وتهيبا منه وقيل هو الرجل يهم بمعصية فيقال ~~له اتق الله فينزع عنها خوفها من عقابه وقريء وجلت بفتح الجيم وهي لغة وقرئ ~~فرقت أي خافت «وإذا تليت عليهم آياته» أي آية كانت «زادتهم إيمانا» أي ~~يقينا وطمأنينة نفس فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج والبراهين موجب لزيادة ~~الاطمئنان وقوة اليقين وقيل إن نفس الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما ~~زيادته باعتبار زيادة المؤمن به فإنه كلما نزلت آية صدق بها المؤمن فزاد ~~إيمانه عددا وأما نفس الإيمان فهو بحاله وقيل باعتبار أن الأعمال تجعل من ~~الإيمان فيزيد بزيادتها والأصوب أن نفس التصديق يقبل القوة وهي التي عبر ~~عنها بالزيادة للفرق النير بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد ~~الأمة وعليه مبنى ما قال علي رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ~~وكذا بين ما قام عليه دليل واحد وما قامت عليه أدلة كثيرة «وعلى ربهم» ~~مالكهم ومدبر أمورهم خاصة «يتوكلون» يفوضون أمورهم لا إلى أحد سواه والجملة ~~معطوفة على الصلة وقوله تعالى «الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون» ~~مرفوع على أنه نعت للموصول الأول أو بدل منه أو بيان له أو منصوب على القطع ~~المنبئ عن المدح ذكر أولا من أعمالهم الحسنة أعمال القلوب من الخشية ~~والإخلاص والتوكل ثم عقب بأعمال الجوارح من الصلاة والصدقة «أولئك» إشارة ~~إلى من ذكرت صفاتهم الحميدة من حيث إنهم متصفون بها وفيه دلالة على أنهم ~~متميزون بذلك عمن عداهم أكمل تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف «هم ~~المؤمنون حقا» لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال ~~القلبية والقالبية وحقا صفة لمصدر محذوف أي أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا ~~أو مصدر مؤكد للجملة أي حق ذلك حقا كقولك ms1272 هو عبد الله حقا «لهم درجات» من ~~الكرامة والزلفى وقيل درجات عالية في الجنة وهو إما جملة مبتدأة مبنية على ~~سؤال نشأ من تعداد مناقبهم PageV04P004 # كأنه قيل ما لهم بمقابلة هذه الخصال فقيل لهم كيت كيت أو خبر ثان لأولئك ~~وقوله تعالى «عند ربهم» إما متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات مؤكدة لما أفاده ~~التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة عنده تعالى أو بما ~~يتعلق به الخبر أعنى لهم من الاستقرار وفي إضافة الظرف إلى الرب المضاف إلى ~~ضميرهم مزيد تشريف ولطف لهم وإيذان بأن ما وعد لهم متيقن الثبوت والحصول ~~مأمون الفوات «ومغفرة» لما فرط منهم «ورزق كريم» لا ينقضي أمده ولا ينتهي ~~عدده وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة «كما أخرجك ربك من بيتك بالحق» الكاف في ~~محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجك يعني أن ~~حالهم في كراهتهم لما رأيت مع كونه حقا كحالهم في كراهتهم لخروجك للحرب وهو ~~حق أو في محل النصب على أنه صفة لمصدر مقدر في قوله تعالى الأنفال لله أي ~~الأنفال ثبتت لله والرسول مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من ~~بيتك في المدينة أو من المدينة إخراجا ملتبسا بالحق «وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون» أي والحال أن فريقا منهم كارهون للخروج إما لنفرة الطبع عن القتال ~~أو لعدم الاستعداد وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ~~ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام فأخبر ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير ~~لكثرة الخير وقلة القوم فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل ~~فوق الكعبة بأهل مكة النجاة النجاة على كل صعب وذلول عيركم أموالكم إن ~~أصابها محمد لم تفلحوا بعدها أبدا وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رضي ~~الله عنه رؤيا فقالت لأخيها أني رأيت كان ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من ~~الجبل ثم ms1273 حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة ~~فحدث بها العباس رضي الله عنه فقال أبو جهل ما يرضى رجالهم أن يتنبئوا حتى ~~تتنبأ نساؤهم فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير فقيل له إن العير أخذت ~~طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال لا واللات لا يكون ذلك أبدا ~~حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع ~~العرب بمخرجنا وأن محمدا لم يصب العير وأنا قد أعضضناه فمضى بهم إلى بدر ~~وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة فنزل جبريل عليه ~~السلام فقال يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا ~~فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال ما تقولون إن القوم قد خرجوا ~~من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير فقالوا بل العير أحب ~~إلينا من لقاء العدو فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردد عليهم ~~فقال إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول ~~الله عليك بالعير ودع العدو فقام عندما غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك فامض ~~فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار ثم قال المقداد بن ~~عمرو رضي الله عنه يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا ~~نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ~~ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون PageV04P005 # ما دامت عين منا تطرف فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أشيروا ~~على أيها الناس وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا ~~برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك ما ~~نمنع منه ms1274 أبناءنا ونساءنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف أن تكون ~~الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة فقام سعد بن معاذ ~~فقال لكأنك تريدنا يا رسول لله قال أجل قال قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ~~ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ~~فامض يا رسول الله لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر ~~فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا ~~لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا ~~على بركة الله ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسطه قول سعد ثم قال ~~سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني ~~الآن أنظر إلى مصارع القوم روى أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~فرغ من بدر عليك بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس رضي الله عنه وهو في ~~وثاقه لا يصلح فقال النبي صلى الله عليه وسلم لم قال لأن الله وعدك إحدى ~~الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك «يجادلونك في الحق» الذي هو تلقى النفير ~~لإيثارهم عليه تلقى العير والجملة استئناف أو حال ثانية أي أخرجك في حال ~~مجادلتهم إياك ويجوز أن يكون حالا من الضمير في لكارهون وقوله تعالى «بعد ~~ما تبين» منصوب بيجادلونك وما مصدرية أي بعد تبين الحق لهم بإعلامك أنهم ~~ينصرون أينما توجهوا ويقولون ما كان خروجنا إلا للعير وهلا قلت لنا لنستعد ~~ونتأهب وكان ذلك لكراهتهم القتال «كأنما يساقون إلى الموت» الكاف في محل ~~نصب على الحالية من الضمير في لكارهون أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف ~~والصغار إلى القتل «وهم ينظرون» حال من ضمير يساقون أي والحال أنهم ينظرون ~~إلى أسباب الموت ويشاهدونها عيانا وما كانت هذه المرتبة من الخوف والجزع ~~إلا لقلة عددهم وعدم تأهبهم وكونهم رجالة روى أنه لم يكن فيهم إلا فارسان ~~«وإذ ms1275 يعدكم الله إحدى الطائفتين» كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله عز ~~وجل بالمؤمنين مع ما بهم من قلة الحزم ودناءة الهمة وقصور الرأي والخوف ~~والجزع وإذ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به المؤمنون بطريق التلوين ~~والالتفات وإحدى الطائفتين مفعول ثان ليعدكم أي اذكروا وقت وعد الله إياكم ~~إحدى الطائفتين وتذكير الوقت مع أن المقصود تذكير ما فيه من الحوادث لما مر ~~مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجاب لذكر ما ~~وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه من الحوادث ~~بتفاصيلها فإذا استحضر كان ما وقع فيه حاضرا مفصلا كأنه مشاهد عيانا وقرئ ~~يعدكم بسكون الدال تخفيفا وصيغة المضارع لحكاية الحال PageV04P006 # الماضية لاستحضار صورتها وقوله تعالى «أنها لكم» بدل اشتمال من إحدى ~~الطائفتين مبين لكيفية الوعد أي يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة ~~بكم مسخرة لكم تتسلطون عليها تسلط الملاك وتتصرفون فيهم كيف شئتم «وتودون» ~~عطف على يعدكم داخل تحت الأمر بالذكر أي تحبون «أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم» من الطائفتين لا ذات الشوكة وهي النفير ورئيسهم أبو جهل وهم ألف مقاتل ~~وغير ذات الشوكة هي العير إذ لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ورأسهم أبو ~~سفيان والتعبير عنهم بهذا العنوان للتنبيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجب ~~كراهتهم ونفرتهم عن موافاة النفير والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ~~وشوك القنا شباها «ويريد الله» عطف على تودون منتظم معه في سلك التذكير ~~ليظهر لهم عظيم لطف الله بهم مع دناءة هممهم وقصور آرائهم أي اذكروا وقت ~~وعده تعالى إياكم إحدى الطائفتين وودادتكم لأدناهما وإرادته تعالى لأعلاهما ~~وذلك قوله تعالى «أن يحق الحق» أي يثبته ويعليه «بكلماته» أي بآياته ~~المنزلة في هذا الشأن أو بأوامره للملائكة بالإمداد وبما قضى من أسرهم ~~وقتلهم وطرحهم في قليب بدر وقرئ بكلمته «ويقطع دابر الكافرين» أي آخرهم ~~ويستأصلهم بالمرة والمعنى أنتم تريدون سفساف الأمور والله عز وعلا يريد ~~معاليها وما يرجع إلى علو كلمة الحق ms1276 وسمو رتبة الدين وشتان بين المرادين ~~وقوله تعالى «ليحق الحق ويبطل الباطل» جملة مستأنفة سيقت لبيان الحكمة ~~الداعية إلى اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها مع إرادتهم لغيرها واللام ~~متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها أي لهذه الغاية الجليلة فعل ما فعل لا لشيء آخر ~~وليس فيه تكرار إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين وهذا لبيان الحكمة ~~الداعية إلى ما ذكر ومعنى إحقاق الحق إظهار حقيته لا جعله حقا بعد أن لم ~~يكن كذلك وكذا حال إبطال الباطل «ولو كره المجرمون» أي المشركين ذلك أي ~~إحقاق الحق وإبطال الباطل «إذ تستغيثون ربكم» بدل من إذ يعدكم معمول لعامله ~~فالمراد تذكير استمدادهم منه سبحانه والتجائهم إليه تعالى حين ضاقت عليهم ~~الحيل وعيت بهم العلل وإمداده تعالى حينئذ وقيل متعلق بقوله تعالى ليحق ~~الحق على الظرفية وما قيل من أن قوله تعالى ليحق مستقبل لأنه منصوب بأن فلا ~~يمكن عمله في إذ لأنه ظرف لما مضى ليس بشيء لأن كونه مستقبلا إنما هو ~~بالنسبة إلى زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا بالنسبة إلى زمان ~~الاستغائة حتى لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد إنما عبر عن زمانها بإذ نظرا ~~إلى زمان النزول وصيغة الاستقبال في تستغيثون لحكاية الحال الماضية ~~لاستحضار صورتها العجيبة وقيل متعلق بمضمر مستأنف أي ذكروا وقت استغاثتكم ~~وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال جعلوا يدعون الله تعالى قائلين أي ~~رب انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا وعن عمر رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ~~ثلاثمائة وبضعة عشر فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو PageV04P007 # اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما ~~زال كذلك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على منكبه ~~والتزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ~~«فاستجاب لكم» عطف على ms1277 تستغيثون داخل معه في حكم التذكير لما عرفت أنه ماض ~~وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة «أني ممدكم» أي بأني فحذف الجار وسلط عليه ~~الفعل فنصب محله وقرئ بكسر الهمزة على إرادة القول أو على إجراء استجاب ~~مجرى قال لأن الاستجابة من مقولة القول «بألف من الملائكة مردفين» أي ~~جاعلين غيرهم من الملائكة رديفا لأنفسهم فالمراد بهم رؤساؤهم المستتبعون ~~لغيرهم وقد اكتفى ههنا بهذا البيان الإجمالي وبين في سورة آل عمران مقدار ~~عددهم وقيل معناه متبعين أنفسهم ملائكة آخرين أو متبعين المؤمنين أو بعضهم ~~بعضا من أردفته إذا جئت بعده أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين أو أنفسهم ~~المؤمنين من أردفته إياه فردفه وقريء مردفين بفتح الدال أي متبعين أو ~~متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم وقريء مردفين بكسر الراء ~~وضمها وتشديد الدال وأصلهما مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال ~~فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أبو بالضم على الاتباع وقريء ~~بآلاف ليوافق ما في سورة آل عمران ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن ~~المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة أو وجوههم وأعيانهم أو من ~~قاتل منهم واختلف في مقاتلتهم وقد روى أخبار تدل على وقوعها «وما جعله ~~الله» كلام مستأنف سيق لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل من التأثير وإنما ~~التأثير مختص به عز وجل ليثق به المؤمنين ولا يقنطوا من النصر عند فقدان ~~أسبابه والجعل متعد إلى مفعول واحد هو الضمير العائد إلى مصدر فعل مقدر ~~يقتضيه المقام اقتضاء ظاهر مغنيا عن التصريح به كأنه قيل فأمدكم بهم وما ~~جعل إمدادكم بهم «إلا بشرى» وهو استثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعل ~~إمدادكم بإنزال الملائكة عيانا لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم ~~تنصرون «ولتطمئن به» أي بالإمداد «قلوبكم» وتسكن إليه نفوسكم كما كانت ~~السكينة لبني إسرائيل كذلك فكلاهما مفعول له للجعل وقد نصب الأول لاجتماع ~~شرائطه وبقي الثاني على حاله لفقدانها وقيل للإشارة إلى أصالته في العلية ~~وأهميته في نفسه كما قيل في قوله ms1278 تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة وفي قصر الإمداد عليهما إشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال وإنما كان ~~إمدادهم بتقوية قلوب المباشرين وتكثير سوادهم ونحوه كما هو رأي بعض السلف ~~وقيل الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما إلا بشرى على أنه استثناء من أعم ~~المفاعيل أي وما جعله الله شيئا من الأشياء إلا بشارة لكم فاللام في ~~ولتطمئن متعلقة بمحذوف مؤخر تقديره ولتطمئن به قلوبكم فعل ذلك لا لشيء آخر ~~«وما النصر» أي حقيقة النصر على الإطلاق «إلا من عند الله» أي إلا كائن من ~~عنده عز وجل من غير أن يكون فيه شركة PageV04P008 # من جهة الأسباب والعدد وإنما هي مظاهر له بطريق جريان السنة الإلهية «أن ~~الله عزيز» لا يغالب في حكمه ولا ينازع في أقضيته «حكيم» يفعل كل ما يفعل ~~حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة والجملة تعليل لما قبلها متضمن للإشعار بأن ~~النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة «إذ يغشيكم ~~النعاس» أي يجعله غاشيا لكم ومحيطا بكم وهو بدل ثان من إذ يعدكم لإظهار ~~نعمة أخرى وصيغة الاستقبال فيه وفيما عطف عليه لحكاية الحال الماضية كما في ~~تستغيثون أو منصوب بإضمار اذكروا وقيل هو متعلق بالنصر أو بما في من عند ~~الله من معنى الفعل أو بالجعل وليس بواضح وقريء يغشيكم من الإغشاء بمعنى ~~التغشية والفاعل في الوجهين هو الباري تعالى وقريء يغشاكم على إسناد الفعل ~~إلى النعاس وقوله تعالى «أمنة منه» على القراءتين الأوليين منصوب على ~~العلية بفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمنا كائنا ~~من الله تعالى لا كلالا وإعياء أو على أنه مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون ~~أمنا كما في قوله تعالى وأنبتها نباتا حسنا على أحد الوجهين وقيل منصوب ~~بنفس الفعل المذكور والأمنة بمعنى الإيمان وعلى القراءة الأخيرة منصوب على ~~العلية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل ~~مترتب عليه كما مر وقريء أمنة كرحمة «وينزل عليكم من السماء ماء» تقديم ~~الجار والمجرور على المفعول ms1279 به لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق ~~إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا اخر تبقي النفس مترقبة له فعند وروده ~~يتمكن عندها فضل تمكن وتقديم عليكم لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من ~~بيان كونه من السماء وقرئ بالتخفيف من الإنزال «ليطهركم به» أي من الحدث ~~الأصغر والأكبر «ويذهب عنكم رجز الشيطان» الكلام في تقديم الجار والمجرور ~~كما مر آنفا والمراد برجز الشيطان وسوسته وتخويفه إياهم من العطش روى أنهم ~~نزلوا في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا فاحتلم أكثرهم وقد ~~غلب المشركين على الماء فتمثل لهم الشيطان فوسوس إليهم وقال أنتم يا أصحاب ~~محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد ~~عطشتم ولو كنتم على الحق ما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن ~~يجهدكم العطش فإذا قطع أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم ~~إلى مكة فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا فأنزل الله عز وجل المطر فمطروا ليلا ~~حتى جرى الوادي فاغتسلوا وتوضئوا وسقوا الركاب وتلبد الرمل الذي كان بينهم ~~وبين العدو حتى ثبتت عليه الإقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس وقويت ~~القلوب وذلك قوله تعالى «وليربط على قلوبكم» أي يقويها بالثقة بلطف الله ~~تعالى فيما بعد مشاهدة طلائعه «ويثبت به الأقدام» فلا تسوخ في الرمل ~~فالضمير للماء كالأول ويجوز أن يكون المربط فإن القلب إذا قوى PageV04P009 # وتمكن فبه الصبر والجراءة لا تكاد تزل القدم في معارك الحروب وقوله تعالى ~~«إذ يوحي ربك إلى الملائكة» منصوب بمضمر مستأنف خوطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم بطريق التجريد حسبما تنطق به الكاف لما أن المأمور به مما لا ~~يستطيعه غيره صلى الله عليه وسلم فإن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي ~~المتلو على لسانه صلى الله عليه وسلم ليس من النعم التي يقف عليها عامة ~~الأمة كسائر النعم السابقة التي أمروا بذكر وقتها بطريق الشكر وقيل منصوب ~~بقوله تعالى ويثبت به الأقدام فلا بد حينئذ من عود ms1280 الضمير المجرور في به ~~إلى الربط على القلوب ليكون المعنى ويثبت أقدامكم بتقوية قلوبكم وقت إيحائه ~~إلى الملائكة وأمره بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال ولا يخفى أن تقييد ~~التثبيت المذكور بوقت مبهم عندهم ليس فيه مزيد فائدة وأما انتصابه على أنه ~~بدل ثالث من إذ يعدكم كما قيل فيأباه تخصيص الخطاب به صلى الله عليه وسلم ~~مع ما عرفت من أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من ~~التنويه والتشريف ما لا يخفى والمعنى اذكر وقت إيحائه تعالى إلى الملائكة ~~«إني معكم» أي بالإمداد والتوفيق في أمر التثبيت فهو مفعول يوحى وقرئ ~~بالكسر على إرادة القول أو إجراء الوحي مجراه وما يشعر به دخول كلمة مع من ~~متبوعية الملائكة إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتثبيت صورة فلهم الأصالة ~~من تلك الحيثية كما في أمثال قوله تعالى إن الله مع الصابرين والفاء في ~~قوله تعالى «فثبتوا الذين آمنوا» لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إمداده ~~تعالى إياهم من أقوى موجبات التثبيت واختلفوا في كيفية التثبيت فقالت جماعة ~~إنما أمروا بتثبيتهم بالبشارة وتكثير السواد ونحوهما مما تقوى به قلوبهم ~~وتصح عزائمهم ونياتهم ويتأكد جدهم في القتال وهو الأنسب بمعنى التثبيت ~~وحقيقته التي هي عبارة عن الحمل على الثبات في موطن الحراب والجد في مقاساة ~~شدائد القتال وقد روى أنه كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ~~ويقول إني سمعت المشركين يقولون والله لئن حملوا علينا لننكشفن ويمشي بين ~~الصفين فيقول أبشروا فإن الله تعالى ناصركم وقال آخرون أمروا بمحاربة ~~أعدائهم وجعلوا قوله تعالى «سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب» تفسير لقوله ~~تعالى أني معكم وقوله تعالى «فاضربوا» الخ تفسيرا لقوله تعالى فثبتوا مبينا ~~لكيفية التثبيت وقد روي عن أبي داود المازني رضي الله عنه وكان ممن شهد ~~بدرا أنه قال اتبعت رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه فوقعت رأسه بين يدي ~~قبل أن يصل ms1281 إليه سيفي وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال لقد رأيتنا يوم ~~بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه ~~السيف وأنت خبير بأن قتلهم للكفرة مع عدم ملاءمته لمعنى تثبيت المؤمنين مما ~~لا يتوقف على الإمداد بإلقاء الرعب فلا يتجه ترتيب الأمر به عليه بالفاء ~~وقد اعتذر الأولون بأن قوله تعالى سألقى الخ ليس بنص فيما ذكر بل يجوز أن ~~يكون ذلك إثر قوله تعالى فثبتوا الذين آمنوا تلقينا للملائكة ما يثبتونهم ~~به PageV04P010 # كأنه قيل قولوا لهم سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا الخ ~~فالضاربون هم المؤمنون وأما ما قيل من أن ذلك خطاب منه تعالى للمؤمنين ~~بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال وأني ذلك والسورة ~~الكريمة إنما نزلت بعد تمام الوقعة وقوله تعالى «فوق الأعناق» أي أعاليها ~~التي هي المذابح أو الهامات «واضربوا منهم كل بنان» قيل البنان أطراف ~~الأصابع من اليدين والرجلين وقيل هي الأصابع من اليدين والرجلين وقال أبو ~~الهيثم البنان المفاصل وكل مفصل بنانة وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك ~~يعني الأطراف أي اضربوهم في جميع الأعضاء من أعاليها إلى أسافلها وقيل ~~المراد بالبنان الأداني وبفوق الأعناق الأعالي والمعنى فاضربوا الصناديد ~~والسفلة وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره ومنهم متعلق به ~~أو بمحذوف وقع حالا مما بعده 14) ذلك إشارة إلى ما أصابهم من العقاب وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الشدة والفظاعة والخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب ومحله الرفع على ~~الابتداء وخبره قوله تعالى «بأنهم شاقوا الله ورسوله» أي ذلك العقاب الفظيع ~~واقع عليهم بسبب مشاقتهم ومغالبتهم من لا سبيل إلى مغالبته أصلا واشتقاق ~~المشاقة من الشق لما أن كلا من المشاقين في شق خلاف شق الآخر كما أن اشتقاق ~~المعاداة والمخاصمة من العدوة والخصم أي الجانب لأن كلا من المتعاديين ~~والمتخاصمين في عدوة وخصم غير عدوة الآخر وخصمه «ومن ms1282 يشاقق الله ورسوله» ~~الإظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترءوا عليه ~~والإشعار بعلة الحكم وقوله تعالى «فإن الله شديد العقاب» إما نفس الجزاء قد ~~حذف منه العائد إلى من عند من يلتزمه أي شديد العقاب له أو تعليل للجزاء ~~المحذوف أي يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب وأيا ما كان فالشرطية تكملة ~~لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني كأنه قيل ذلك ~~العقاب الشديد بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله وكل من يشاقق الله ورسوله ~~كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذن لهم بسبب مشاقتهم لهما عقاب شديد ~~وأما أنه وعيد لهم بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا كما قيل ~~فيرده ما بعده من قوله تعالى «ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار» فإنه ~~مع كونه هو المسوق للوعيد بما ذكر ناطق بكون المراد بالعقاب المذكور ما ~~أصابهم عاجلا سواء جعل ذلكم إشارة إلى نفس العقاب أو إلى ما تفيده الشرطية ~~من ثبوت العقاب لهم أما على الأول فلان الأظهر أن محله النصب بمضمر يستدعيه ~~قوله تعالى فذوقوه والواو في قوله تعالى وإن للكافرين الخ بمعنى مع فالمعنى ~~باشروا ذلكم العقاب الذي أصابكم فذوقوه عاجلا مع أن لكم عذاب النار آجلا ~~فوضع الظاهر موضع الضمير لتوبيخهم بالكفر وتعليل الحكم به وأما على الثاني ~~فلان الأقرب أن محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى وأن ~~للكافرين الخ معطوف عليه والمعنى حكم الله ذلكم أي ثبوت هذا PageV04P011 # العقاب لكم عاجلا وثبوت عذاب النار آجلا وقوله تعالى فذوقوه اعتراض وسط ~~بين المعطوفين للتهديد والضمير على الأول لنفس المشار إليه وعلى الثاني لما ~~في ضمنه وقد ذكر في إعراب الآية الكريمة وجوه أخر مدار الكل على أن المراد ~~بالعقاب ما أصابهم عاجلا والله تعالى أعلم وقرئ بكسر أن على الاستئناف «يا ~~أيها الذين آمنوا» خطاب للمؤمنين بحكم كلي جار فيما سيقع من الوقائع ~~والحروب جيء به في تضاعيف القصة إظهارا للاعتناء بشأنه ms1283 ومبالغة في حضهم على ~~المحافظة عليه «إذا لقيتم الذين كفروا زحفا» الزحف الدبيب يقال زحف الصبي ~~زحفا إذا دب على أسته قليلا قليلا سمى به الجيش الداهم المتوجه إلى العدو ~~لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف وذلك لأن الكل يرى كجسم واحد متصل فيحس ~~حركته بالقياس إليه في غاية البطء وإن كانت في نفس الأمر على غاية السرعة ~~قال قائلهم [وأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لجاج والركاب تهملج] * ونصبه ~~إما على حال من مفعول لقيتم أي زاحفين نحوكم وإما على أنه مصدر مؤكد لفعل ~~مضمر هو الحال منه أي يزحفون زحفا وأما كونه حالا من فاعله أو منه ومن ~~مفعوله معا كما قيل فيأباه قوله تعالى «فلا تولوهم الأدبار» إذ لا معنى ~~لتقييد النهي عن الأدبار بتوجههم السابق إلى العدو أو بكثرتهم بل توجه ~~العدو إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الأدبار عادة والمحوج إلى النهي عنه ~~وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين حيث تولوا مدبرين وهم زحف من ~~الزحوف اثنا عشر ألفا بعيد والمعنى إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم ~~قليل فلا تولوهم أدباركم فضلا عن الفرار بل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم فضلا ~~عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم «ومن يولهم يومئذ» أي يوم اللقاء «دبره» ~~فضلا عن الفرار وقريء بسكون الباء «إلا متحرفا لقتال» إما بالتوجه إلى قتال ~~طائفة أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفر للكر بأن يخيل عدوه أنه منهزم ليغره ~~ويخرجه من بين أعوانه ثم يعطف عليه وحده أو مع من في الكمين من أصحابه وهو ~~باب من خدع الحرب ومكايدها «أو متحيزا إلى فئة» أي منحازا إلى جماعة أخرى ~~من المؤمنين لينضم إليهم ثم يقاتل معهم العدو عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال إن سرية فروا وأنا معهم فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا ودخلوا البيوت ~~فقلت يا رسول الله نحن الفرارون فقال صلى الله عليه وسلم بل أنتم العكارون ~~أي الكرارون من عكر أي رجع وأنا فئتكم وانهزم رجل من ms1284 القادسية فأتى المدينة ~~إلى عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين هلكت ففررت من الزحف فقال رضي ~~الله عنه أنا فئتك ووزن متحيز متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزا لأنه من ~~حاز يجوز وانتصابهما إما على الحالية وإلا لغولا عمل لها وإما على ~~الاستثناء من المولين أي ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا ~~«فقد باء» أي رجع «بغضب» عظيم لا يقادر قدره ومن في قوله PageV04P012 # تعالى «من الله» متعلقة بمحذوف هو صفة لغضب مؤكدة لما أفاده التنوين من ~~الفخامة والهول بالفخامة الإضافية أي بغضب كائن منه تعالى «ومأواه جهنم» أي ~~بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه من مأوى ينجيه من القتل «وبئس المصير» في ~~إيقاع البوء في موقع جواب الشرط الذي هو التولية مقرونا بذكر المأوى ~~والمصير من الجزالة ما لا مزيد عليه عن عباس رضي الله عنهما أن الفرار من ~~الزحف من أكبر الكبائر وهذا إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف لقوله تعالى ~~الآن خفف الله عنكم الآية وقيل الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في ~~الحرب «فلم تقتلوهم» رجوع إلى بيان بقية أحكام الواقعة وأحوالها وتقرير ما ~~سبق منها والفاء جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمداده تعالى وأمره ~~بالتثبيت وغير ذلك كأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ~~وقدرتكم «ولكن الله قتلهم» بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم ~~ويجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم أي فاعلموا أو فأخبركم ~~أنكم لم تقتلوهم وقيل التقدير إن افتخرتم ثم بقتلهم فلم تقتلوهم على أحد ~~التأويلين لما روى أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا ~~يتفاخرون يقولون قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت وقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين طلعت قريش من العقنقل قال هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها ~~يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتي فأتاه جبريل عليه السلام فقال خذ ~~قبضة من تراب فارمهم بها فلما التقى الجمعان قال لعلي رضي ms1285 الله عنه أعطني ~~قبضة من حصباء الوادي فرمى بها في وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك ~~إلا شغل بعينيه فانهزموا وذلك قوله عز وجل بطريق تلوين الخطاب «وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى» تحقيقا لكون الرمي الظاهر على يده صلى الله عليه وسلم ~~حينئذ من أفعاله عز وجل وتجريد الفعل عن المفعول به لما أن المقصود الأصلي ~~بيان حال الرمي نفيا وإثباتا إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغير ~~المرمي به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الأمة الجمة ~~شيء من ذلك أي وما فعلت أنت يا محمد تلك الرمية المستتبعة لهذه الآثار ~~العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة وإلا لكان أثرها من جنس آثار الأفاعيل ~~البشرية ولكن الله فعلها أي خلقها حين باشرتها لكن لا على نهج عادته تعالى ~~في خلق أفعال العباد بل على وجه غير معتاد ولذلك أثرت هذا التأثير الخارج ~~عن طوق البشر ودائرة القوى والقدر فمدار إثباتها لله تعالى ونفيها عنه صلى ~~الله عليه وسلم كون أثرها من أفعاله صلى الله عليه وسلم وقريء ولكن الله ~~بالتخفيف والرفع في المحلين واللام في قوله تعالى «وليبلي المؤمنين منه» أي ~~ليعطيهم من عنده تعالى «بلاء حسنا» أي عطاء جميلا غير مشوب بمقاساة الشدائد ~~والمكاره إما متعلقة بمحذوف متأخر فالواو اعتراضية أي وللإحسان إليهم ~~بالنصر والغنيمة فعل ما فعل لا لشيء غير ذلك مما لا يجديهم نفعا وإما يرمي ~~فالواو للعطف على علة محذوفة أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي الخ ~~وقوله تعالى «إن PageV04P013 # الله سميع» أي لدعائهم واستغاثتهم «عليم» أي بنياتهم وأحوالهم الداعية ~~إلى الإجابة تعليل للحكم «ذلكم» إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى «وأن الله موهن كيد الكافرين» بالإضافة ~~معطوف عليه أي المقصد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم ~~وقيل المشار إليه القتل والرمي والمبتدأ الأمر أي الأمر ذلكم أي القتل ~~فيكون قوله تعالى وأن الله الآية من ms1286 قبيل عطف البيان وقريء موهن بالتنوين ~~مخففا ومشددا ونصب كيد الكافرين «إن تستفتحوا» خطاب لأهل مكة على سبيل ~~التهكم بهم وذلك أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا اللهم ~~انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين أي إن تستنصروا لأعلى ~~الجندين «فقد جاءكم الفتح» حيث نصر أعلاهما وقد زعمتم أنكم الأعلى فالتهكم ~~في المجيء أو فقد جاءكم الهزيمة والقهر فالتهكم في نفس الفتح حيث وضع موضع ~~ما يقابله «وإن تنتهوا» عما كنتم عليه من الحراب ومعاداة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم «فهو» أي الانتهاء «خير لكم» أي من الحراب الذي ذقتم غائلته لما ~~فيه من السلامة من القتل والأسر ومبنى اعتبار أصل الخيرية في المفضل عليه ~~هو التهكم «وإن تعودوا» إي إلى حرابه صلى الله عليه وسلم «نعد» لما ~~شاهدتموه من الفتح «ولن تغني» بالتاء الفوقانية وقرى بالياء التحتانية لأن ~~تأنيث الفئة غير حقيقي وللفصل أي لن تدفع أبدا «عنكم فئتكم» جماعتكم التي ~~تجمعونهم وتستعينون بهم «شيئا» أي من الإغناء أو من المضار وقوله تعالى ~~«ولو كثرت» جملة حالية وقد مر التحقيق «وأن الله مع المؤمنين» أي ولأن الله ~~معين المؤمنين كان ذلك أو والأمر أن الله مع المؤمنين ويقرب منه بحسب ~~المعنى قراءة الكسر على الاستئناف وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى إن ~~تستنصروا فقد جاءكم النصر وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبة عما يرغب فيه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مناط لنيل سعادة ~~الدارين وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار وتهييج العدو ولن تغنى حينئذ ~~كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر والأمر أن الله مع الكاملين في الإيمان ~~«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا» بطرح إحدى التاءين ~~وقريء بإدغامها «عنه» أي لا تتولوا عن الرسول فإن المراد هو الأمر بطاعته ~~والنهي عن الإعراض عنه وذكر طاعته تعالى للتمهيد والتنبيه على أن طاعته ~~تعالى في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من يطع الرسول فقد أطاع الله وقيل ~~الضمير ms1287 للجهاد وقيل للأمر الذي دل عليه الطاعة وقوله تعالى «وأنتم تسمعون» ~~جملة حالية واردة لتأكيد وجوب الانتهاء عن التولي مطلقا كما في قوله تعالى ~~فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون لا لتقييد النهي PageV04P014 # عنه بحال السماع كما في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى أي لا ~~تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته والمواعظ الزاجرة ~~عن مخالفته سماع فهم وإذعان «ولا تكونوا» تقرير للنهي السابق وتحذير عن ~~مخالفته بالتنبيه على أنها مؤدية إلى انتظامهم في سلك الكفرة بكون سماعهم ~~كلا سماع أي لا تكونوا بمخالفة الأمر والنهي «كالذين قالوا سمعنا» بمجرد ~~الادعاء من غير فهم وإذعان كالكفرة والمنافقين الذين يدعون السماع «وهم لا ~~يسمعون» حال من ضمير قالوا أي قالوا ذلك والحال أنهم لا يسمعون حيث لا ~~يصدقون ما سمعوه ولا يفهمونه حق فهمه فكأنهم لا يسمعونه رأسا «إن شر ~~الدواب» استئناف مسوق لبيان كمال سوء حال المشبه بهم مبالغة في التحذير ~~وتقريرا للنهي إثر تقرير أي إن شر ما يدب على الأرض أو شر البهائم «عند ~~الله» أي في حكمه وقضائه «الصم» الذين لا يسمعون الحق «البكم» الذي لا ~~ينطقون به وصفوا بالصمم والبكم لأن ما خلق له الأذن واللسان سماع الحق ~~والنطق به وحيث لم يوجد فيهم شيء من ذلك صاروا كأنهم فاقدون للجارحتين رأسا ~~وتقديم الصم على البكم لما أن صممهم متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق ~~بالحق من فروع عدم سماعهم له كما أن النطق به من فروع سماعه ثم وصفوا بعدم ~~التعقل فقيل «الذين لا يعقلون» تحقيقا لكمال سوء حالهم فإن الأصم الأبكم ~~إذا كان له عقل ربما يفهم بعض الأمور ويفهمه غيره بالإشارة ويهتدي بذلك إلى ~~بعض مطالبه وأما إذا كان فاقدا للعقل أيضا فهو الغاية في الشرية وسوء الحال ~~وبذلك يظهر كونهم شرا من البهائم حيث أبطلوا ما به يمتازون عنها وبه يفضلون ~~على كثير من خلق الله عز وجل فصاروا أخس من كل خسيس «ولو علم الله فيهم ms1288 ~~خيرا» شيئا من جنس الخير الذي من جملته صرف قواهم إلى تحري الحق واتباع ~~الهدى «لأسمعهم» سماع تفهم وتدبر ولو قفوا على حقية الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأطاعوه وآمنوا به ولكن لم يعلم فيهم شيئا من ذلك لخلوهم عنه بالمرة ~~فلم يسمعهم كذلك لخلوه عن الفائدة وخروجه عن الحكمة وإليه أشير بقوله تعالى ~~«ولو أسمعهم لتولوا» أي لو أسمعهم سماع تفهم وهم على هذه الحالة العارية عن ~~الخير بالكلية لتولوا عما سمعوه من الحق ولم ينتفعوا به قط أو ارتدوا بعد ~~ما صدقوه وصاروا كأن لم يسمعوه أصلا وقوله تعالى «وهم معرضون» إما حال من ~~ضمير تولوا أي لتولوا على أدبارهم والحال أنهم معرضون عما سمعوه بقلوبهم ~~وإما اعتراض تذييلي أي وهم قوم عادتهم الإعراض وقيل كانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحي قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك ونؤمن ~~بك فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصى الخ وقيل هم بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم ~~منهم إلا مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون نحن صم بكم PageV04P015 # عمى عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله تعالى فقتلوا جميعا ~~بأحد وكانوا أصحاب اللواء وعن ابن جريج أنهم المنافقون وعن الحسن رضي الله ~~عنه أنهم أهل الكتاب «يا أيها الذين آمنوا» تكرير النداء مع وصفهم بنعت ~~الإيمان لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يرد بعده من الأوامر ~~وتنبيههم على أن فيهم ما يوجب ذلك 2 «استجيبوا لله وللرسول» بحسن الطاعة ~~«إذا دعاكم» أي الرسول إذ هو المباشر لدعوة الله تعالى «لما يحييكم» من ~~العلوم الدينية التي هي مناط الحياة الأبدية كما أن الجهل مدار الموت ~~الحقيقي أو هي ماء حياة القلب كما أن الجهل موجب موته وقيل لمجاهدة الكفار ~~لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم كما في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة ~~روى أنه صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب وهو يصلي فدعاه فعجل في ~~صلاته ثم جاء فقال ms1289 صلى الله عليه وسلم ما منعك من إجابتي قال كنت في الصلاة ~~قال ألم تخبر فيما أوحى إلى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم الخ واختلف فيه ~~فقيل هذا من خصائص دعائه صلى الله عليه وسلم وقيل لأن إجابته صلى الله عليه ~~وسلم لا تقطع الصلاة وقيل كان ذلك الدعاء لأمر مهم لا يحتمل التأخير ~~وللمصلى أن يقطع الصلاة لمثله «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه» ~~تمثيل لغاية قربه تعالى من العبد كقوله تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ~~وتنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما عسى يغفل عنه صاحبها ~~أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل إدراك المنية فإنها ~~حائلة بين المرء وقلبه أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه بحيث يفسخ ~~عزائمه ويغير نياته ومقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ويبدله ~~بالأمن خوفا وبالذكر نسيانا وما أشبه ذلك من الأمور المعترضة المفوتة ~~للفرصة وقريء بين المر بتشديد الراء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على ~~الراء وإجراء الوصل مجرى الوقف وأنه أي الله عز وجل أو الشأن إليه تحشرون ~~لا إلى غيره فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم فسارعوا إلى طاعته تعالى وطاعة ~~رسوله وبالغوا في الاستجابة لهما «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة» أي لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم بل يعمه وغيره كإقرار ~~المنكر بين أظهرهم والمداهنة في الأمر والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة ~~وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن الخ إما جواب الأمر ~~على معنى إن أصابتكم لا تصيبن الخ وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به ~~النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهى ساغ فيه كقوله تعالى ادخلوا ~~مساكنكم لا يحطمنكم وإما صفة لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل ~~المنفي في غير القسم أو للنهي على إرادة القول كقول من قال * حتى إذا جن ~~الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذنب قط * وأما جواب قسم محذوف كقراءة ~~من ms1290 قرأ لتصيبن وإن اختلف المعنى فيهما وقد جوز أن يكون نهيا عن التعرض ~~للظلم بعد الأمر باتقاء الذنب فإن PageV04P016 # وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه ومن في منكم على الوجوه الأول للتبعيض ~~وعلى الأخيرين للتبيين وفائدته التنبيه على أن الظالم منكم أقبح منه من ~~غيركم «واعلموا أن الله شديد العقاب» ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشر سببه ~~«واذكروا إذ أنتم قليل» أي وقت كونكم قليلا في العدد وإيثار الجملة الاسمية ~~للإيذان باستمرار ما كانوا فيه من القلة وما يتبعها من الضعف والخوف وقوله ~~تعالى «مستضعفون» خبر ثان أو صفة لقليل وقوله تعالى «في الأرض» أي في أرض ~~مكة تحت أيدي قريش والخطاب للمهاجرين أو تحت أيدي فارس والروم والخطاب ~~للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين وقوله تعالى «تخافون أن ~~يتخطفكم الناس» خبر ثالث أو صفة ثانية لقليل وصف بالجملة بعد ما وصف ~~بالمفرد أو حال من المستكن في مستضعفون والمراد بالناس على الأول وهو ~~الأظهر إما كفار قريش وإما كفار العرب لقربهم منهم وشدة عدواتهم لهم وعلى ~~الثاني فارس والروم أي واذكروا وقت قلتكم وذلتكم وهوانكم على الناس وخوفكم ~~من اختطافهم «فآواكم» إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم ~~«وأيدكم بنصره» على الكفار أو بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة «ورزقكم ~~من الطيبات» من الغنائم «لعلكم تشكرون» هذه النعم الجليلة «يا أيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا الله والرسول» أصل الخون النقص كما أن الأصل الوفاء التمام ~~واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه أي لا تخونوهما بتعطيل الفرائض والسنن ~~أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون أو في الغلول في الغنائم روى أنه صلى الله ~~عليه وسلم حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح بني ~~النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء من الشام فأبى إلا أن ~~ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فأبوا وقالوا أرسل إلينا أبا ~~لبابة وكان مناصحا لهم لما أن ماله وعياله كانا في أيديهم فبعثه إليهم ms1291 ~~فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد فأشار إلى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة ~~فما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله فنزلت فشد نفسه على سارية من ~~سواري المسجد وقال والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله ~~على فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له قد تيب ~~عليك فحل نفسك قال لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يحلني فجاءه صلى الله عليه وسلم محله فقال إن من تمام توبتي ~~أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي فقال صلى الله ~~عليه وسلم يجزئك الثلث أن تتصدق به «وتخونوا أماناتكم» فيما بينكم وهو ~~مجزوم معطوف على الأول أو منصوب على الجواب بالواو «وأنتم تعلمون» ~~PageV04P017 # أنكم تخونون أو أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح «واعلموا أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة» لأنها سبب الوقوع في الإثم والعقاب أو محنة من الله عز وجل ~~ليبلوكم في ذلك فلا يحملنكم حبهما على الخيانة كأبي لبابة «وأن الله عنده ~~أجر عظيم» لمن أثر رضاه تعالى عليهما وراعى حدوده فيهما فنيطوا هممكم بما ~~يؤديكم إليه «يا أيها الذين آمنوا» تكرير الخطاب والوصف بالإيمان لإظهار ~~كمال العناية بما بعده والإيذان بأنه مما يقتضي الإيمان مراعاته والمحافظة ~~عليه كما في الخطابين السابقين «إن تتقوا الله» أي في ما تأتون وما تذرون ~~«يجعل لكم» بسبب ذلك «فرقانا» هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل ~~أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين أو مخرجا ~~من الشبهات أو نجاة عما تحذرون في الدارين أو ظهورا يشهر أمركم وينشر صيتكم ~~من قولهم بت أفعل كذا حتى سطح الفرقان أي الصبح «ويكفر عنكم سيئاتكم» أي ~~يسترها «ويغفر لكم» ذنوبكم بالعفو والتجاوز عنها وقيل السيئات الصغائر ~~والذنوب الكبائر وقيل المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما ~~الله تعالى لهم وقوله تعالى «والله ms1292 ذو الفضل العظيم» تعليل لما قبله وتنبيه ~~على أن ما وعده الله تعالى لهم على التقوى تفضل منه وإحسان لا أنه مما ~~يوجبه التقوى كما إذا وعد السيد عبده إنعاما على عمل «وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا» منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم معطوف ~~على قوله تعالى واذكروا إذ أنتم الخ مسوق لتذكير النعمة الخاصة به صلى الله ~~عليه وسلم بعد تذكير النعمة العامة للكل أي واذكر وقت مكرهم بك «ليثبتوك» ~~بالوثاق ويعضده قراءة من قرأ ليقيدوك أو الاثخان بالجرح من قولهم ضربه حتى ~~أثبته لا حراك به ولا براح وقريء ليثبتوك بالتشديد وليبيتوك من البيات «أو ~~يقتلوك» أي بسيوفهم «أو يخرجوك» أي من مكة وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام ~~الأنصار ومبايعتهم له صلى الله عليه وسلم فرقوا واجتمعوا في دار الندوة ~~يتشاورون في أمره صلى الله عليه وسلم فدخل إبليس عليهم في صورة شيخ وقال ~~أنا من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا فقال ~~أبو البحتري رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه ~~وشرابه منها حتى يموت فقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ~~ويخلصه من أيديكم فقال هشام بن عمرو رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من ~~أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال وبئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم فقال ~~أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا PageV04P018 # من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل ~~فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه فقال صدق هذا ~~الفتى فتفرقوا على رأيه فأتى جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام وأخبره ~~بالخبر وأمره بالهجرة فبيت عليا رضي الله تعالى عنه على مضجعه وخرج هو مع ~~أبي بكر رضي الله عنه إلى الغار «ويمكرون ويمكر الله» أي يرد مكرهم عليهم ~~أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل ~~المسلمين في أعينهم حتى ms1293 حملوا عليهم فلقوا منهم ما لقوا «والله خير ~~الماكرين» لا يعبأ بمكرهم عند مكره وإسناد أمثال هذا إليه سبحانه مما يحسن ~~للمشاكلة ولا مساغ له ابتداء لما فيه من إيهام ما لا يليق به سبحانه «وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا» التي حقها أن يخر لها صم الجبال «قالوا قد سمعنا لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا» قاله اللعين النضر بن الحرث وإسناده إلى الكل لما أنه ~~كان رئيسهم وقاضيهم الذي يقولون بقوله ويأخذون برأيه وقيل قاله الذين ~~ائتمروا في أمره صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وهذا كما ترى غاية ~~المكابرة ونهاية العناد كيف لا ولو استطاعوا شيئا من ذلك فما الذي كان ~~يمنعهم من المشيئة وقد اتحدوا عشر سنين وقرعوا على العجز وذاقوا من ذلك ~~الأمرين ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوا بما سواه مع أنفتهم وفرط استنكافهم ~~أن يغلبوا لا سيما في باب البيان «إن هذا إلا أساطير الأولين» أي ما ~~يسطرونه من القصص «وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» هذا أيضا من أباطيل ذلك اللعين روى ~~أنه لما قال إن هذا إلا أساطير الأولين قال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويلك إنه كلام الله تعالى فقال ذلك والمعنى إن القرآن إن كان حقا منزلا من ~~عندك فأمطر علينا الحجارة عقوبة على إنكارنا أو ائتنا بعذاب أليم سواه ~~والمراد منه التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على أنه ليس كذلك وحاشاه ~~وقريء الحق بالرفع على أن هو مبتدأ لأفضل وفائدة التعريف فيه الدلالة على ~~أن المعلق به كونه حقا على الوجه الذي يدعيه صلى الله عليه وسلم وهو تنزيله ~~لا الحق مطلقا لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع غير منزل كالأساطير «وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم» جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للموجب لإمهالهم ~~والتوقف في إجابة دعائهم واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب ~~استئصال والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم خارج عن عادته تعالى غير ms1294 ~~مستقيم في حكمه وقضائه والمراد باستغفارهم في قوله تعالى «وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون» إما استغفار من بقي منهم من المؤمنين أو قولهم اللهم ~~PageV04P019 # اغفر أو فرضه على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى وما كان ربك ~~ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون «وما لهم ألا يعذبهم الله» بيان لاستحقاقهم ~~العذاب بعد بيان أن المانع ليس من قبلهم أي وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى ~~زال ذلك وكيف لا يعذبون «وهم يصدون عن المسجد الحرام» أي وحالهم ذلك ومن ~~صدهم عند إلجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة وإحصارهم عام ~~الحديبية «وما كانوا أولياءه» حال من ضمير يصدون مفيدة لكمال قبح ما صنعوا ~~من الصد فإن مباشرتهم للصد عنه مع عدم استحقاقهم لولاية أمره في غاية القبح ~~وهو رد لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء ~~«إن أولياؤه إلا المتقون» من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره تعالى «ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون» أنه لا ولاية لهم عليه وفيه إشعارا بأن منهم من يعلم ذلك ~~ولكنه يعاند وقيل أريد بأكثرهم كلهم كما يراد بالقلة العدم «وما كان صلاتهم ~~عند البيت» أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة أو ما يضعون موضعها «إلا مكاء» أي ~~صفيرا فعال من مكا يمكو إذا صفر وقرئ بالقصر كالبكي «وتصدية» أي تصفيقا ~~تفعلة من الصدى أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء وقرئ صلاتهم ~~بالنصب على أنه الخبر لكان مساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ~~ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته روى أنهم كانوا يطوفون عراة ~~الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون وقيل كانوا يفعلون ~~ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون عليه ويرون أنهم ~~يصلون أيضا «فذوقوا العذاب» أي القتل والأسر يوم بدر وقيل عذاب الآخرة ~~واللام يحتمل أن تكون للعهد والمعهود ائتنا بعذاب أليم «بما كنتم تكفرون» ~~اعتقادا وعملا «إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا ms1295 عن سبيل الله» نزلت ~~في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من قريش يطعم كل واحد منهم كل ~~يوم عشر جزر أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين سوى من استجاش من العرب ~~وأنفق فيهم أربعين أوقية أو في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش يوم بدر قيل ~~لهم أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرنا منه ففعلوا والمراد ~~بسبيل الله دينه واتباع رسوله «فسينفقونها» بتمامها ولعل الأول إخبار عن ~~إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق يوم بدر والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما ~~يستقبل وهو إنفاق يوم أحد ويحتمل أن يراد بهما واحد على أن مساق الأول ~~لبيان الغرض من الإنفاق ومساق الثاني لبيان عاقبته وأنه لم يقع بعد «ثم ~~PageV04P020 # تكون عليهم حسرة» ندما وغما لفواتها من غير حصول المقصود جعل ذاتها حسرة ~~وهي عاقبة إنفاقها مبالغة «ثم يغلبون» آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالا ~~قبل ذلك «والذين كفروا» أي تموا على الكفر وأصروا عليه «إلى جهنم يحشرون» ~~أي يساقون لا إلى غيرها «ليميز الله الخبيث من الطيب» أي الكافر من المؤمن ~~أو الفساد من الصلاح واللام متعلقة بيحشرون أو بيغلبون أو ما أنفقه ~~المشركون في عداوته صلى الله عليه وسلم مما أنفقه المسلمون في نصرته واللام ~~متعلقة بقوله ثم تكون عليهم حسرة وقرئ ليميز بالتشديد للمبالغة «ويجعل ~~الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا» أي يضم بعضه إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ~~ازدحامهم فيجمعه أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كما للكافرين ~~«فيجعله في جهنم» كله «أولئك» إشارة إلى الخبيث إذ هو عبارة عن الفريق أو ~~إلى المنفقين وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتهم في الخبث «هم ~~الخاسرون» الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم «قل للذين ~~كفروا» هم أبو سفيان وأصحابه أي قل لأجلهم «إن ينتهوا» عما هم فيه من ~~معاداة النبي صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام «يغفر لهم ما قد سلف» ~~من الذنوب وقريء إن تنتهوا ms1296 يغفر لكم ويغفر لكم على البناء للفاعل وهو الله ~~تعالى «وإن يعودوا» إلى قتالهم «فقد مضت سنة الأولين» الذين تحزبوا على ~~الأنبياء عليهم السلام بالتدبير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك ~~«وقاتلوهم» عطف على قل وقد عمم الخطاب لزيادة ترغيب المؤمنين في القتال ~~لتحقيق ما يتضمنه قوله تعالى فقد مضت سنة الأولين من الوعيد «حتى لا تكون ~~فتنة» أي لا يوجد منهم شرك «ويكون الدين كله لله» وتضمحل الأديان الباطلة ~~إما بإهلاك أهلها جميعا أو برجوعهم عنها خشية القتل «فإن انتهوا» عن الكفر ~~بقتالكم «فإن الله بما يعملون بصير» فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم ~~وقرئ بتاء الخطاب أي بما تعملون من الجهاد المخرج لهم إلى الإسلام وتعليقه ~~بانتهائهم للدلالة على أنهم يثابون بالسببية كما يثاب المباشرون بالمباشرة ~~«وإن تولوا» ولم ينتهوا عن ذلك «فاعلموا أن الله مولاكم» ناصركم فثقوا به ~~ولا تبالوا بمعاداتهم «نعم المولى» لا يضيع من تولاه «ونعم النصير» لا يغلب ~~من نصره PageV04P021 # «واعلموا أنما غنمتم» عن الكلبي أنها نزلت ببدر وقال الواقدي كان الخمس ~~في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين ~~شهرا من الهجرة وما موصولة وعائدها محذوف أي الذي أصبتموه من الكفار عنوة ~~وأصل الغنيمة إصابة الغنم من العدو ثم اتسع وأطلق على ما أصيب منهم كائنا ~~ما كان وقوله تعالى «من شيء» بيان للموصول محله النصب على أنه حال من عائد ~~الموصول قصد به الاعتناء بشأن الغنيمة وأن لا يشذ عنها شيء أي ما غنمتموه ~~كائنا مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط والمخيط خلا أن سلب المقتول للقاتل ~~إذا نفله الإمام وأن الأسارى يخير فيها الإمام وكذا الأراضي المغنومة وقوله ~~تعالى «فأن لله خمسه» مبتدأ خبره محذوف أي فحق أو واجب أن له تعالى خمسه ~~وهذه الجملة خبر لأنما الخ وقرئ بالكسر والأول آكد وأقوى في الإيجاب لما ~~فيه من تكرر الإسناد كأنه قيل فلا بد من ثبات الخمس ولا سبيل إلى الإخلال ~~به ms1297 وقرئ فلله خمسه وقرئ خمس بسكون الميم والجمهور على أن ذكر الله تعالى ~~للتعظيم كما في قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه وأن المراد قسمة ~~الخمس على المعطوفين عليه بقوله تعالى «وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل» وإعادة اللام في ذي القربى دون غيرهم من الأصناف ~~الثلاثة لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم ~~به صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل ~~لما روى عن عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما أنهما قالا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله ~~منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ~~فقال صلى الله عليه وسلم إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو ~~هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه وكيفية قسمتها عندنا أنها كانت ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم سهم له صلى الله عليه ~~وسلم وسهم للمذكورين من ذوى قرباه وثلاثة أسهم للأصناف الثلاثة الباقية ~~وأما بعده صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط وكذا سهم ذوى القربى وإنما يعطون ~~لفقرهم فهم أسوة لسائر الفقراء ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على الأصناف ~~الثلاثة ويؤيده ما روى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه منع بني هاشم الخمس ~~وقال إنما لكم أن يعطى فقيركم وتزوج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم ومن ~~عداهم فهو بمنزلة ابن السبيل الغنى لا يعطى من الصدقة شيئا وعن زيد بن علي ~~مثله قال ليس لنا أن نبني منه قصورا ولا نركب منه البراذين وقيل سهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لولي الأمر بعده وأما عند الشافعي رحمه الله فيقسم على ~~خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه صلى ~~الله عليه وسلم من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ونحو ذلك ~~وسهم ms1298 لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~والباقي للفرق الثلاث PageV04P022 # وعند مالك رحمه الله الأمر فيه مفوض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين ~~هؤلاء وإن رأي أعطاه بعضا منهم دون بعض وإن رأي غيرهم أولى وأهم فغيرهم ~~وتعلق أبو العالية بظاهر الآية الكريمة فقال يقسم ستة أسهم ويصرف سهم الله ~~تعالى إلى رتاج الكعبة لما روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ منه قبضة ~~فيجعلها لمصالح الكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم وقيل سهم الله لبيت ~~المال وقيل هو مضموم إلى سهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا شأن الخمس وأما ~~الأخماس الأربعة فتقسم بين الغانمين للراجل سهم وللفارس سهمان عند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه وثلاثة أسهم عندهما رحمهما الله قال القرطبي لما بين ~~الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي دل ذلك على أنه ملك للغانمين وقوله ~~تعالى «إن كنتم آمنتم بالله» متعلق بمحذوف ينبيء عنه المذكور أي إن كنتم ~~آمنتم به تعالى فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به إلى الله تعالى ~~فاقطعوا أطماعكم منه واقتنعوا بالأخماس الأربعة ليس المراد به مجرد العلم ~~بذلك بل العلم المشفوع بالعمل والطاعة لأمره تعالى «وما أنزلنا» عطف على ~~الاسم الجليل أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلناه «على عبدنا» وقرئ عبدنا ~~وهو اسم جمع أريد به الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فإن بعض ما نزل ~~نازل عليهم بالذات كما ستعرفه «يوم الفرقان» يوم بدر سمى به لفرقه بين الحق ~~والباطل وهو منصوب بأنزلنا أو بآمنتم «يوم التقى الجمعان» أي الفريقان من ~~المؤمنين والكافرين وهو بدل من يوم الفرقان أو منصوب بالفرقان والمراد ما ~~أنزل عليه صلى الله عليه وسلم يومئذ من الوحي والملائكة والفتح على أن ~~المراد بالإنزال مجرد الإيصال والتيسير فينتظم الكل انتظاما حقيقيا وجعل ~~الإيمان بإنزال هذه الأشياء من موجبات العلم بكون الخمس لله تعالى على ~~الوجه المذكور من حيث إن الوحي ناطق بذلك وإن الملائكة والفتح لما ms1299 كانا من ~~جهته تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفة إلى الجهات التي ~~عينها الله تعالى «والله على كل شيء قدير» يقدر على نصر القليل على الكثير ~~والذليل على العزيز كما فعل بكم ذلك اليوم «إذ أنتم بالعدوة الدنيا» بدل ~~ثان من يوم الفرقان والعدوة بالضم شط الوادي كذا بالفتح والكسر وقد قرئ ~~بهما أيضا «وهم بالعدوة القصوى» أي البعدي من المدينة وهي تأنيث الأقصى ~~وكان القياس قلب الواو ياء كالدنيا والعليا مع كونهما من بنات الواو لكنها ~~جاءت على الأصل كالقود واستصوب وهو أكثر استعمالا من القصيا «والركب» أي ~~العير أو قوادها «أسفل منكم» أي في مكان أسفل من مكانكم يعني الساحل وهو ~~نصب على الظرفية واقع موقع الخبر والجملة حال من الظرف قبله وفائدتها ~~الدلالة على قوة العدو واستظهارهم بالركب وحرصهم على المقاتلة عنها وتوطين ~~نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم وضعف شأن المسلمين ~~والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة وكذا ذكر مراكز الفريقين فإن العدوة ~~الدنيا كانت PageV04P023 # رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ولم يكن فيها ماء بخلاف ~~العدوة القصوى وكذا قوله تعالى «ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» أي لو ~~تواعدتم أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد ~~هيبة منهم ويأسا من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا ~~صنعا من الله عز وجل خارقا للعادات فيزدادوا إيمانا وشكر وتطمئن نفوسهم ~~بفرض الخمس «ولكن» جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد «ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا» حقيقا بأن يفعل من نصر أوليائه وقهر أعدائه أو مقدرا في الأزل ~~وقوله تعالى «ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة» بدل منه أو متعلق ~~بمفعولا أي ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن بينة شاهدها ~~لئلا يكون له حجة ومعذرة فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة أو ليصدر كفر من ~~كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة ms1300 على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإيمان ~~والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة أو من حاله في علم الله ~~تعالى الهلاك والحياة وقرئ ليهلك بالفتح وحي بفك الإدغام حملا على المستقبل ~~«وإن الله لسميع عليم» أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه ولعل ~~الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد «إذ يريكهم الله في ~~منامك قليلا» منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقان أو متعلق بعليم أي ~~يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون ~~تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم «ولو أراكهم كثيرا لفشلتم» أي لجبنتم وهبتم ~~الإقدام «ولتنازعتم في الأمر» أي أمر القتال وتفرقت آراؤكم في الثبات ~~والفرار «ولكن الله سلم» أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع «إنه عليم ~~بذات الصدور» يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع ولذلك ~~دبر ما دبر 2 «وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا» منصوب بمضمر خوطب ~~به الكل بطريق التلوين والتعميم معطوف على المضمر السابق والضميران مفعولا ~~يرى وقليلا حال من الثاني وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة تثبيتا لهم ~~وتصديقا لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم «ويقللكم في أعينهم» حتى قال أبو ~~جهل إنما أصحاب محمد أكلة جزور قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا ~~عليهم ولا يستعدوا لهم ثم كثرهم حتى رأوهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة فيبهتوا ~~ويهابوا وهذه من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر قد يرى الكثير قليلا ~~والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد وإنما ذلك بصد الله ~~تعالى الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي PageV04P024 # في الشرائط «ليقضي الله أمرا كان مفعولا» كرر لاختلاف الفعل المعلل به أو ~~لأن المراد بالأمر ثمة الالتقاء على الوجه المذكور وههنا إعزاز الإسلام ~~وأهله وإذلال الكفر وحزبه «وإلى الله ترجع الأمور» كلها يصرفها كيفما يريد ~~لأراد لأمره ولا معقب ms1301 لحكمه وهو الحكيم المجيد «يا أيها الذين آمنوا» صدر ~~الخطاب بحر في النداء والتنبيه إظهارا لكمال الاعتناء بمضمون ما بعده «إذا ~~لقيتم فئة» أي حاربتم جماعة من الكفرة وإنما لم يوصفوا بالكفر لظهور أن ~~المؤمنين لا يحاربون إلا الكفرة واللقاء مما غلب في القتال «فاثبتوا» أي ~~للقائهم في مواطن الحرب «واذكروا الله كثيرا» أي في تضاعيف القتال مستمدين ~~منه مستعينين به مستظهرين بذكره مترقبين لنصره «لعلكم تفلحون» أي تفوزون ~~بمرامكم وتظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي ~~أن لا يشغله شيء عن ذكر الله تعالى وأن يلتجيء إليه عند الشدائد ويقبل إليه ~~بكليته فارغ البال واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال «وأطيعوا ~~الله ورسوله» في كل ما تأتون وما تذرون فيندرج فيه ما أمروا به ههنا ~~اندراجا أوليا «ولا تنازعوا» باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر أو أحد ~~«فتفشلوا» جواب للنهي وقيل عطف عليه «وتذهب ريحكم» بالنصب عطف على جواب ~~النهي وقرئ بالجزم على تقدير عطف فتفشلوا على النهي أي تذهب دولتكم وشوكتكم ~~فإنها مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشى أمرها ونفاذه مشبهة بها في ~~هبوبها وجريانها وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح ~~يبعثها الله تعالى وفي الحديث نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور «واصبروا» ~~على شدائد الحرب «إن الله مع الصابرين» بالنصرة والكلاءة وما يفهم من كلمة ~~مع من أصالتهم إنما هي من حيث إنهم المباشرون للصبر فهم متبعون من تلك ~~الحيثية ومعيته تعالى إنما هي من حيث الإمداد والإعانة «ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديارهم» بعد ما أمروا بما أمروا به من أحاسن الأعمال ونهوا عما ~~يقابلها من قبائحها والمراد بهم أهل مكة حين خرجوا لحماية العير «بطرا» أي ~~فخرا وأشرا «ورئاء الناس» ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة وذلك أنهم لما ~~بلغوا جحفة أتاهم رسول أبي سفيان وقال ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبوا إلا ~~إظهار آثار الجلادة فلقوا ما لقوا حسبما ذكر في أوائل السورة الكريمة فنهى ~~المؤمنون ms1302 أن يكونوا أمثالهم مرائين بطرين وأمروا بالتقوى والإخلاص من حيث ~~إن النهي عن الشيء مستلزم للأمر بضده «ويصدون عن سبيل الله» عطف على ~~PageV04P025 # بطرا إن جعل مصدرا في موضع الحال وكذا إن جع مفعولا له لكن على تأويل ~~المصدر «والله بما يعملون محيط» فيجازيهم عليه «وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم» منصوب بمصر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين أي ~~واذكر وقت تزيين الشيطان أعمالهم في معاداة المؤمنين وغيرها بأن وسوس إليهم ~~«وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم» أي ألقى في روعهم وخيل ~~إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون لكثرة عددهم وعددهم وأوهمهم أن اتباعهم ~~إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم حتى قالوا اللهم انصر إحدى الفئتين ~~وأفضل الدينين ولكم خبر لا غالب أو صفته وليس صلته وإلا لا نتصب كقولك لا ~~ضاربا زيدا عندنا «فلما تراءت الفئتان» أي تلاقى الفريقان «نكص على عقبيه» ~~رجع القهقري أي بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سببا لهلاكهم «وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله» أي تبرأ منهم وخاف عليهم ~~ويئس من حالهم لما رأى إمداد الله تعالى للمسلمين بالملائكة وقيل لما ~~اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الأحنة فكاد ذلك ~~يثنيهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني وقال لا غالب لكم ~~اليوم من الناس وإني مجيركم من كنانة فلما رأى الملائكة تنزل نكص وكان يده ~~في يد الحرث بن هشام فقال له إلى أين أتخذ لنا في هذه الحالة فقال إني أرى ~~مالا ترون ودفع في صدر الحرث وانطلق فانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا هزم ~~الناس سراقة فبلغه ذلك فقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما ~~أسلموا علموا أنه الشيطان وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله إني أخاف الله ~~أخافه أن يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت ~~الموعود إذ رأى فيه ما لم يره ms1303 قبله والأول ما قاله الحسن واختاره ابن بحر ~~«والله شديد العقاب» يجوز أن يكون من كلامه أو مستأنفا من جهة الله عز وجل ~~«إذ يقول المنافقون» منصوب بزين أو بنكص أو بشديد العقاب «والذين في قلوبهم ~~مرض» أي الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان بعد وبقى فيها نوع شبهة وقيل هم ~~المشركين وقيل هم المنافقون في المدينة والعطف لتغاير الوصفين كما في قوله ~~[يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب] (غر هؤلاء) يعنون المؤمنين ~~«دينهم» حتى تعرضوا لما لا طاقة لهم به فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى ~~زهاء ألف «ومن يتوكل على الله» جواب لهم من جهته تعالى ورد لمقالتهم «فإن ~~الله عزيز» غالب لا يذل من توكل PageV04P026 # عليه واستجار به وإن قل «حكيم» يفعل بحكمته البالغة ما تستبعده العقول ~~وتحار في فهمه ألباب الفحول وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه «ولو ~~ترى» أي ولو رأيت فإن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا كما أن إن ترد ~~الماضي مضارعا والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن ~~له حظ من الخطاب وقد مر تحقيقه في قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~وكلمة إذ في قوله تعالى «إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة» ظرف لترى والمفعول ~~محذوف أي ولو ترى الكفرة أو حال الكفرة حين يتوفاهم الملائكة ببدر وتقديم ~~المفعول للاهتمام به وقيل الفاعل ضمير عائد إلى الله عز وجل والملائكة ~~مبتدأ وقوله تعالى «يضربون وجوههم» خبره والجملة حال من الموصول قد استغنى ~~فيها بالضمير عن الواو وهو على الأول حال منه أو من الملائكة أو منهما ~~لاشتماله على ضميريهما «وأدبارهم» أي وأستاههم أو ما أقبل منهم وما أدبر من ~~الأعضاء «وذوقوا عذاب الحريق» على إرادة القول معطوفا على يضربون أو حالا ~~من فاعله أي ويقولون أو قائلين ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة وقيل كانت ~~معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها وجواب لو محذوف للإيذان ~~بخروجه عن حدود البيان أي لرأيت أمرا فظيعا لا ms1304 يكاد يوصف «ذلك» إشارة إلى ~~ما ذكر من الضرب والعذاب وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونهما في الغاية ~~القاصية من الهول والفظاعة وهو مبتدأ خبره «بما قدمت أيديكم» أي ذلك الضرب ~~والعذاب واقع بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي ومحل أن في قوله «وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد» الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أنه تعالى ليس ~~بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم ~~بغير ذنب ليس بظلم قطعا على ما تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما ~~بالغا قد مر تحقيقه في سورة آل عمران والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما ~~قبلها وأما ما قيل من أنها معطوفة على ما للدلالة على أن سببيته مقيدة ~~بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم فليس بسديد لما أن ~~إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء ~~الكفرة المعينة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه نعم لو كان ~~المدعي كون جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين لاحتيج إلى ذلك «كدأب ~~آل فرعون» في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف مسوق ~~لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم لا بشيء آخر من جهة غيرهم بتشبيه ~~حالهم بحال PageV04P027 # المعروفين بالإهلاك بسبب جرائمهم لزيادة تقبيح حالهم وللتنبيه على أن ذلك ~~سنة مطردة فيما بين الأمم المهلكة أي شأنهم الذي استمروا عليه مما فعلوا ~~وفعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعون المشهورين بقباحة الأعمال وفظاعة العذاب ~~والنكال «والذين من قبلهم» أي من قبل آل فرعون من الأمم التي فعلوا من ~~المعاصي ما فعلوا ولقوا من العقاب ما لقوا كقوم نوح وعاد وأضرابهم من أهل ~~الكفر والعناد وقوله تعالى «كفروا بآيات الله» تفسير لدأبهم الذي فعلوه لا ~~لدأب آل فرعون ونحوهم كما قيل فإن ذلك معلوم منه بقضية التشبيه وقوله تعالى ~~«فأخذهم الله» تفسير لدأبهم الذي فعل بهم والفاء لبيان كونه ms1305 من لوازم ~~جناياتهم وتبعاتها المتفرعة عليها وقوله تعالى «بذنوبهم» لتأكيد ما أفاده ~~الفاء من السببية مع الإشارة إلى أن لهم مع كفرهم ذنوبا أخر لها دخل في ~~استتباع العقاب ويجوز أن يكون المراد بذنوبهم معاصيهم المتفرعة على كفرهم ~~فتكون الباء للملابسة أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها فدأبهم ~~مجموع ما فعلوا وفعل بهم لا ما فعلوه فقط كما قيل قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما إن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبي الله فكذبوه كذلك هؤلاء ~~جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى بهم عقوبته ~~كما أنزل بآل فرعون وجعل العذاب من جملة وأبهم مع أنه ليس مما يتصور ~~مداومتهم عليه واعتيادهم إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب إما لتغليب ما ~~فعلوه على ما فعل بهم أو لتنزيل مداومتهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي ~~منزلة مداومتهم عليه لما بينهما من الملابسة التامة وقوله تعالى «إن الله ~~قوي شديد العقاب» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ وقوله تعالى «ذلك» ~~الخ استئناف مسوق لتعليل ما يفيد النظم الكريم من كون ما حل بهم من العذاب ~~منوطا بأعمالهم السيئة غير واقع بلا سابقة ما يقتضيه وهو المشار إليه لا ~~نفس ما حل بهم من العذاب والانتقام كما قيل فإنه مع كونه معللا بما ذكر من ~~كفرهم وذنوبهم لا يتصور تعليله بجريان عادته تعالى على عدم تغيير نعمته على ~~قوم قبل تغييرهم لحالهم وتوهم أن السبب ليس ما ذكر كما هو منطوق النظم ~~الكريم بل ما يستفاد من مفهوم الغاية من جريان عادته تعالى على تغيير ~~نعمتهم عند تغيير حالهم بناء على تخيل أن المعلل ترتب عقابهم على كفرهم من ~~غير تخلف عنه ركوب شطط هائل وإبعاد عن الحق بمراحل وتهوين لأمر الكفر بآيات ~~الله وإسقاط له عن رتبة إيجاب العقاب في مقام تهويله والتحذير منه فالمعنى ~~ذلك أي ترتب العقاب على أعمالهم السيئة دون أن يقع ابتداء مع قدرته تعالى ~~على ذلك «بأن ms1306 الله» أي بسبب أنه تعالى «لم يك» في حد ذاته «مغيرا نعمة ~~أنعمها» أي لم ينبغ له سبحانه ولم يصح في حكمته أن يكون بحيث يغير نعمة ~~أنعم بها «على قوم» من الأقوام أي نعمة كانت جلت أو هانت «حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم» من الأعمال والأحوال التي كانوا عليها وقت ملابستهم بالنعمة ~~ويتصفوا بها ينافيها سواء كانت أحوالهم السابقة مرضية صالحة أو قريبة من ~~PageV04P028 # الصلاح بالنسبة إلى الحادثة كدأب هؤلاء الكفرة حيث كانوا قبل البعثة كفرة ~~عبدة أصنام مستمرين على حالة مصححة لإفاضة نعمة الإمهال وسائر النعم ~~الدنيوية عليهم فلما بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبينات غيروها ~~إلى أسوأ منها وأسخط حيث كذبوه صلى الله عليه وسلم وعادوه ومن تبعه من ~~المؤمنين وتحزبوا عليهم يبغونهم الغوائل فغير الله تعالى ما أنعم به عليهم ~~من نعمة الإمهال وعاجلهم بالعذاب والنكال وأصل يك يكن فحذفت النون تخفيفا ~~لشبهها بالحروف اللينة «وأن الله سميع عليم» عطف على أن الله الخ داخل معه ~~في حيز التعليل أي وبسبب أنه تعالى سميع عليم يسمع ويعلم جميع ما يأتون وما ~~يذرون من الأقوال والأفعال السابقة واللاحقة فيرتب على كل منها ما يليق بها ~~من إبقاء النعمة وتغييرها وقرئ وإن الله بكسر الهمزة فالجملة حينئذ استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبلها وقوله تعالى «كدأب آل فرعون والذين من قبلهم» في محل ~~النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي حتى يغيروا ما بأنفسهم تغييرا كائنا كدأب ~~آل فرعون أي كتغييرهم على أن دأبهم عبارة عما فعلوه فقط كما هو الأنسب ~~بمفهوم الدأب وقوله تعالى «كذبوا بآيات ربهم» تفسير له بتمامه وقوله تعالى ~~«فأهلكناهم» إخبار بترتب العقوبة عليه لا أنه من تمام تفسيره ولا ضير في ~~توسط قوله تعالى وأن الله سميع عليم بينهما كما مر نظيره في سورة آل عمران ~~حيث جوزوا انتصاب محل الكاف بلن تغنى مع ما بينهما من قوله تعالى وأولئك هم ~~وقود النار وهذا على تقدير عطف الجملة على ما قبلها وأما على ms1307 تقدير كونها ~~اعتراضا فلا غبار في توسطها قطعا وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف كما قبله فالجملة حينئذ استئناف آخر مسوق لتقرير ما سيق له الاستئناف ~~الأول بتشبيه دأبهم بدأب المذكورين لكن لا بطريق التكرير المحض بل بتغيير ~~العنوان وجعل الدأب في الجانبين عبارة عما يلازم معناه الأول من تغيير ~~الحال وتغيير النعمة أخذا مما نطق به قوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة الآية أي دأب هؤلاء وشأنهم الذي هو عبارة عن التغييرين المذكورين كدأب ~~أولئك حيث غيروا حالهم فغير الله تعالى نعمته عليهم فقوله تعالى كذبوا ~~بآيات ربهم تفسير لدأبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم وقوله تعالى ~~فأهلكناهم تفسير لدأبهم الذي فعل بهم من تغييره تعالى ما بهم من نعمته وأما ~~دأب قريش فمستفاد منه بحكم التشبيه فلله در شأن التنزيل حيث اكتفى في كل من ~~التشبيهين بتفسير أحد الطرفين وإضافة الآيات إلى الرب المضاف إلى ضميرهم ~~لزيادة تقبيح ما فعلوا بها من التكذيب والالتفات إلى نون العظمة في أهلكنا ~~جريا على سنن الكبرياء لتهويل الخطب والكلام في الفاء وفي قوله تعالى ~~«بذنوبهم» كالذي مر وعطف قوله تعالى «وأغرقنا آل فرعون» على أهلكنا مع ~~اندراجه تحته للإيذان بكمال هول الإغراق وفظاعته كعطف جبريل عليه السلام ~~على الملائكة «وكل» أي وكل من الفرق المذكورين أو كل من هؤلاء وأولئك أو كل ~~من غرقي القبط وقتلى قريش «كانوا ظالمين» أي أنفسهم بالكفر والمعاصي حيث ~~عرضوها للهلاك PageV04P029 # أو واضعين للكفر والتكذيب مكان الإيمان والتصديق ولذلك أصابهم ما أصابهم ~~«إن شر الدواب» بعد ما شرح أحوال المهلكين من شرار الكفرة شرع في بيان ~~أحوال الباقين منهم وتفصيل أحكامهم وقوله تعالى «عند الله» أي في حكمه ~~وقضائه «الذين كفروا» أي أصروا على الكفر ولجوا فيه جعلوا شر الدواب لا شر ~~الناس إيماء إلى أنهم بمعزل من مجانستهم وإنما هم من جنس الدواب ومع ذلك شر ~~من جميع أفرادها حسبما نطق به قوله تعالى إن هم إلا كالأنعام بل ms1308 هم أضل ~~وقوله تعالى «فهم لا يؤمنون» حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه ~~وتسجيل عليهم بكونهم من أصل الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف أصلا جيء ~~به على وجه الاعتراض لا أنه عطف على كفروا داخل معه في حيز الصلة التي لا ~~حكم فيها بالفعل وقوله تعالى «الذين عاهدت منهم» بدل من الموصول الأول أو ~~عطف بيان له أو نصب على الذم أي عاهدتهم ومن للإيذان بأن المعاهدة التي هي ~~عبارة عن إعطاء العهد وأخذه من الجانبين معتبرة ههنا من حيث أخذه صلى الله ~~عليه وسلم عهدهم إذ هو المناط لقباحة مانعي عليهم من النقض لا إعطاؤه صلى ~~الله عليه وسلم إياهم عهده كأنه قيل الذين أخذت منهم عهدهم وقيل هي للتبعيض ~~لأن المباشر بالذات للعهد بعضهم لا كلهم «ثم ينقضون عهدهم» عطف على عاهدت ~~داخل معه في حكم الصلة وصيغة الاستقبال للدلالة على تجدد النقض وتعدده ~~وكونهم على نيته في كل حال أي ينقضون عهدهم الذي أخذته منهم «في كل مرة» أي ~~من مرات المعاهدة إذ هي التي يتوقع فيها عدم النقض ويستقبح وجوده لا من ~~مرات المحاربة كما قيل إذ لا يتوقع فيها عدم النقض بل لا يتصور أصلا حتى ~~يستقبح فيها وجوده لكونها مظنة لعدمه فلا فائدة في تقييد النقض بالوقوع في ~~كل مرة من مراتها بل لا صحة له قطعا لأن النقض لا يتحقق إلا في المرة ~~الواردة على المعاهدة لا في المرات الواقعة بعدها بلا معاهدة ولئن سلم أن ~~المراد هي المرات الواقعة إثر المعاهدة يبقى النقض الواقع بلا محاربة كبيع ~~السلاح ونحوه خارجا من البيان ولئن عد ذلك من المحاربة فلا محيص من لزوم ~~خلو الكلام عن الفائدة بالمرة لأن المحاربة بهذا المعنى عين النقض فيؤول ~~الأمر إلى أن يقال ينقضون عهدهم في كل مرة من مرات النقض وحمل المحاربة على ~~محاربة غيرهم ليكون المعنى ينقضون عهدهم في كل مرة من مرات محاربة الأعداء ~~مع كونه في غاية البعد والركاكة يستلزم ms1309 خروج بدئهم بالنقض من البيان «وهم ~~لا يتقون» حال من فاعل ينقضون أي يستمرون على النقض والحال أنهم لا يتقون ~~سبة الغدر ولا يبالون بما فيه من العار والنار وقوله تعالى «فإما تثقفنهم» ~~شروع في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم والفاء لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها أي فإذا كان حالهم كما ذكر فإما تصادفنهم وتظفرن PageV04P030 # بهم «في الحرب» أي في تضاعيفها «فشرد بهم» أي ففرق عن مناصبتك تفريقا ~~عنيفا موجبا للاضطرار والاضطراب ونكل عنها بأن تفعل بهم من النكاية ~~والتعذيب ما يوجب أن تنكل «من خلفهم» أي من وراءهم من الكفرة وفيه إيماء ~~إلى أنهم بصدد الحرب قريب من هؤلاء وقرئ شرذ بالذال المعجمة ولعله مقلوب ~~شذر بمعنى فرق وقرئ من خلفهم أي افعل التشريد من ورائهم والمعنى واحد لأن ~~إيقاع التشريد في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم «لعلهم يذكرون» ~~يتعظون بما شاهدوا مما نزل بالناقضين فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر وقوله ~~تعالى «وإما تخافن من قوم خيانة» بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد إثر ~~بيان أحكام الناقضين له بالفعل والخوف مستعار للعلم أي وإما تعلمن من 2 قوم ~~من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي بما لاح لك منهم من دلائل الغدر ومخايل ~~الشر «فانبذ إليهم» أي فاطرح إليهم عهدهم «على سواء» على طريق مستو قصد بأن ~~تظهر لهم النقض وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من ~~الوصلة ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد كيلا يكون من قبلك شائبة ~~خيانة أصلا فالجار متعلق بمحذوف هو حال من النابذ أي فانبذ إليهم ثابتا على ~~سواء وقيل على استواء في العلم بنقض العهد بحيث يستوي فيه أقصاهم وأدناهم ~~أو تستوي فيه أنت وهم فهو على الأول حال من المنبوذ إليهم وعلى الثاني من ~~الجانبين «إن الله لا يحب الخائنين» تعليل للأمر بالنبذ إما باعتبار ~~استلزامه للنهي عن المناجزة التي هي خيانة فيكون تحذيرا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منها وإما باعتبار استتباعه ms1310 للقتال بالآخرة فيكون حثا له ~~صلى الله عليه وسلم على النبذ أولا وعلى قتالهم ثانيا كأنه قيل وإما تعلمن ~~من قوم خيانة فانبذ إليهم ثم قاتلهم إن الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم ~~لما علمت من حالهم «ولا يحسبن الذين كفروا» أي أنفسهم فحذف للتكرار وقوله ~~تعالى «سبقوا» أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم مفعول ثان ليحسبن والمراد ~~إقناطهم من الخلاص وقطع أطماعهم الفارغة من الانتفاع بالنبذ والاقتصار على ~~دفع هذا التوهم مع أن مقاومة المؤمنين بل الغلبة عليهم أيضا مما تتعلق به ~~أمانيهم الباطلة للتنبيه على أن ذلك مما لا يحوم حوله وهمهم وحسبانهم وإنما ~~الذي يمكن ان يدور في خلدهم حسبان المناص فقط وقيل الفعل مسند إلى أحد أو ~~إلى من خلفهم والمفعول الأول الموصول المتناول لهم أيضا وقيل هو الفاعل وأن ~~محذوفة من سبقوا وهي مع ما في حيزها سادة مسد المفعولين والتقدير ولا يحسبن ~~الذين كفروا أن سبقوا ويعضده قراءة من قرأ أنهم سبقوا ونظيره في الحذف قوله ~~تعالى ومن آياته يريكم البرق خوفا وقوله تعالى أغير الله تأمروني أعبد ~~الآية قاله الزجاج وقرئ بالتاء على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ~~قراءة واضحة وقرئ ولا تحسب الذين بكسر الباء وبفتحها على حذف النون الخفيفة ~~وقوله تعالى «إنهم لا يعجزون» أي لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن ~~إدراكهم تعليل للنهي على طريقة الاستئناف وقرئ بفتح الهمزة على PageV04P031 # حذف لام التعليل وقيل الفعل واقع عليه ولا زائدة وسبقوا حال بمعنى سابقين ~~أي مفلتين هاربين وهذا على قراءة الخطاب لإزاحة ما عسى يحذر من عاقبة النبذ ~~لما أنه إيقاظ للعدو وتمكين لهم من الهرب والخلاص من أيدي المؤمنين وفيه ~~نفي لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغ وجه وآكده كما أشير إليه وقيل ~~نزلت فيمن أفلت من فل المشركين وقرئ لا يعجزون بكسر النون ولا يعجزون ~~بالتشديد «وأعدوا لهم» توجيه الخطاب إلى كافة المؤمنين لما أن المأمور به ~~من وظائف الكل كما أن توجيهه ms1311 فيما سبق وما لحق إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكون ما في حيزه من وظائفه صلى الله عليه وسلم أي أعدوا لقتال الذين ~~نبذ إليهم العهد وهيئوا لحرابهم أو لقتال الكفار على الإطلاق وهو الأنسب ~~بسياق النظم الكريم «ما استطعتم من قوة» من كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ~~ما كان وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه سمعته صلى الله عليه وسلم يقول على ~~المنبر ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثا ولعل تخصيصه صلى الله عليه وسلم ~~إياه بالذكر لإنافته على نظائره من القوى «ومن رباط الخيل» الرباط اسم ~~للخيل التي تربط في سبيل الله تعالى فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت هي به ~~يقال ربط ربطا ورباطا ورابط مرابطة ورباطا أو جمع ربيط كفصيل وفصال أو جمع ~~ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب وقرئ ربط الخيل بضم الباء وسكونها جمع رباط ~~وعطفها على القوة مع كونها من جملتها للإيذان بفضلها على بقية أفرادها كعطف ~~جبريل وميكائيل على الملائكة «ترهبون به» أي تخوفون وقرئ ترهبون بالتشديد ~~وقرئ تخزون به والضمير لما استطعتم أو للإعداد وهو الأنسب ومحل الجملة ~~النصب على الحالية من فاعل أعدوا أي أعدوا مرهبين به أو من الموصول أو من ~~عائده المحذوف أي أعدوا ما استطعتموه مرهبا به «عدو الله وعدوكم» وهم كفار ~~مكة خصوا بذلك من بين الكفار مع كون الكل كذلك لغاية عتوهم ومجاوزتهم الحد ~~في العداوة «وآخرين من دونهم» من غيرهم من الكفرة وقيل هم اليهود وقيل ~~المنافقون وقيل الفرس «لا تعلمونهم» أي لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا ~~تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وهو الأنسب بقوله تعالى «الله يعلمهم» أي ~~لا غيره فإن أعيانهم معلومة لغيره تعالى أيضا «وما تنفقوا من شيء» لإعداد ~~العتاد قل أوجل «في سبيل الله» الذي أوضحه الجهاد «يوف إليكم» أي جزاؤه ~~كاملا «وأنتم لا تظلمون» بترك الإثابة أو بنقض الثواب والتعبير عن تركها ~~بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ms1312 ظلما ~~لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى ~~من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى كما مر في ~~تفسير قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم «وإن جنحوا» ~~الجنوح الميل ومنه الجناح ويعدي باللام وبإلى أي إن مالوا «للسلم» أي للصلح ~~بوقوع الرهبة في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد وإعتاد العتاد «فاجنح ~~لها» PageV04P032 # أي للسلم والتأنيث لحمله على نقيضه قال * السلم تأخذ منها أرضيت به * ~~والحرب يكفيك من أنفاسها جرع * وقرئ فاجنح بضم النون «وتوكل على الله» ولا ~~تخف أن يظهروا لك السلم وجوانحهم مطوية على المكر والكيد «أنه» تعالى «هو ~~السميع» فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع «العليم» فيعلم ~~نياتهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم في نحرهم والآية خاصة باليهود ~~وقيل عامة نسختها آية السيف «وإن يريدوا أن يخدعوك» بإظهار السلم وإبطال ~~الحراب «فإن حسبك الله» أي فاعلم بأن محسبك الله من شرورهم وناصرك عليهم ~~«هو الذي أيدك بنصره» تعليل لكفايته تعالى إياه صلى الله عليه وسلم بطريق ~~الاستئناف فإن تأييده تعالى إياه صلى الله عليه وسلم فيما سلف على ما ذكر ~~من الوجه البعيد من الوقوع من دلائل تأييده تعالى فيما سيأتي أي هو الذي ~~أيدك بإمداد من عنده بلا واسطة كقوله تعالى «وما النصر إلا من عند الله» أو ~~بالملائكة مع خرقه للعادات «وبالمؤمنين» من المهاجرين والأنصار «وألف بين ~~قلوبهم» مع ما كان بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالك على ~~الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس ~~واحدة وهذا من أبهر معجزاته صلى الله عليه وسلم «لو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا» أي لتأليف ما بينهم «ما ألفت بين قلوبهم» استئناف مقرر لما قبله ~~ومبين لعزة المطلب وصعوبة المأخذ أي تناهي التعادي فيما بينهم إلى حد لو ~~أنفق منفق في إصلاح ذات البين جميع ما في الأرض من الأموال والذخائر لم ~~يقدر على التأليف والإصلاح ms1313 وذكر القلوب للإشعار بأن التأليف بينها الا ~~يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهرا «ولكن الله ألف بينهم» قلبا وقالبا بقدرته ~~الباهرة «إنه عزيز» كامل القدرة والغلبة لا يستعصي عليه شيء مما يريده ~~«حكيم» يعلم كيفية تسخير ما يريده وقيل الآية في الأوس والخزرج كان بينهم ~~إحن لا أمد لها ووقائع أفنت ساداتهم وأعاظمهم ودقت أعناقهم وجماجمهم فأنسى ~~الله عز وجل جميع ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وأصبحوا يرمون عن قوس ~~واحدة وصاروا أنصارا «يا أيها النبي» شروع في بيان كفايته تعالى إياه صلى ~~الله عليه وسلم في جميع أموره وأمور المؤمنين أو في الأمور الواقعة بينهم ~~وبين الكفرة كافة إثر بيان كفايته تعالى إياه صلى الله عليه وسلم في مادة ~~خاصة وتصدير الجملة بحر في النداء والتنبيه للتنبيه على مزيد الاعتناء ~~بمضمونها وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم ~~«حسبك الله» أي كافيك في جميع أمورك أو فيما بينك وبين الكفرة من الحراب ~~«ومن اتبعك من المؤمنين» في محل النصب على أنه مفعول معه أي كفاك وكفى ~~أتباعك الله ناصرا كما في PageV04P033 # قول من قال * فحسبك والضحاك عضب مهند * وقيل في موضع الجر عطفا على ~~الضمير كما هو رأي الكوفيين أي كافيك وكافيهم أو في محل الرفع عطفا على اسم ~~الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنين والآية نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل ~~القتال وقيل أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ~~ثم أسلم عمر رضي الله عنه فنزلت ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في ~~إسلام عمر رضي الله عنه «يا أيها النبي» بعدما بين كفايته إياهم بالنصر ~~والإمداد أمر صلى الله عليه وسلم بترتيب مبادي نصره وإمداده وتكرير الخطاب ~~على الوجه المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن المأمور به «حرض المؤمنين على ~~القتال» أي بالغ في حثهم عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة ~~التي أعظمها تذكير وعده تعالى بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصل ms1314 ~~التحريض الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت وقال الراغب كأنه في ~~الأصل إزالة الحرض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به قلت فالأوجه حينئذ أن ~~يجعل الحرض عبارة عن ضعف القلب الذي هو من باب نهك المرض وقيل معنى تحريضهم ~~تسميتهم حرضا بأن يقال إني أراك في هذا الأمر حرضا أي محرضا فيه لتهيجه إلى ~~الإقدام وقرئ حرص بالصاد المهملة وهو واضح «إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين» وعد كريم منه تعالى بتغليب كل جماعة من المؤمنين على عشرة ~~أمثالهم بطريق الاستئناف بعد الأمر بتحريضهم وقوله تعالى «وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا» مع انفهام مضمونه مما قبله لكون كل منهما عدة بتأييد ~~الواحد على العشرة لزيادة التقرير المفيدة لزيادة الاطمئنان على أنه قد ~~يجري بين الجمعين القليلين ما لا يجري بين الجمعين الكثيرين مع أن التفاوت ~~فيما بين كل من الجمعين القليلين والكثيرين على نسبة واحدة فبين أن ذلك لا ~~يتفاوت في الصورتين وقوله تعالى «من الذين كفروا» بيان للألف وهذا القيد ~~معتبر في المائتين أيضا وقد ترك ذكره تعويلا على ذكره ههنا كما ترك قيد ~~الصبر ههنا مع كونه معتبرا حتما ثقة بذكره هناك «بأنهم قوم لا يفقهون» ~~متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون ~~احتسابا وامتثالا بأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله ~~المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان وإثارة ثائرة ~~البغي والعدوان فلا يستحقون إلا القهر والخذلان وأما ما قيل من أن من لا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر لا يؤمن بالميعاد فالسعادة عنده ليست إلا هذه ~~الحياة الدنيوية فيشح بها ولا يعرضها للزوال بمزاولة الحروب واقتحام موارد ~~الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامة فيفر فيغلب وأما من اعتقد أن لا سعادة في ~~هذه الحياة الفانية وإنما السعادة هي الحياة الباقية فلا يبال بهذه الحياة ~~الدنيا ولا يقيم لها وزنا فيقدم على الجهاد بقلب قوى وعزم صحيح فيقوم ~~الواحد من مثله مقام ms1315 الكثير فكلام حق لكنه لا يلائم المقام PageV04P034 # «الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا» لما كان الوعد السابق متضمنا ~~لإيجاب مقاومة الواحد للعشرة وثباته لهم كما نقل عن ابن جريج أنه كان عليهم ~~أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حمزة في ثلاثين راكبا فلقى أبا جهل في ثلاثمائة راكب فهزمهم ثقل عليهم ذلك ~~وضجوا منه بعد مدة فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد للاثنين وقيل كان فيهم ~~قلة في الابتداء ثم لما كثروا نزل التخفيف والمراد بالضعف ضعف البدن وقيل ~~ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين في الاهتداء إلى القتال لا الضعف في الدين كما ~~قيل وقرئ ضعفا بضم الضاد وهي لغة فيه كالفقر والفقر والمكث والمكث وقيل ~~الضعف بالفتح ما في الرأي والعقل وبالضم ما في البدن وقرئ ضعفاء جمع ضعيف ~~والمراد بعلمه تعالى بضعفهم علمه تعالى به من حيث هو متحقق بالفعل لا علمه ~~تعالى به مطلقا كيف لا وهو ثابت في الأزل وقوله تعالى «فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين» تفسير للتخفيف وبيان لكيفيته وقرئ تكن ههنا وفيما سبق ~~بالتاء الفوقانية «وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله» أي بتيسيره ~~وتسهيله وهذا القيد معتبر فيما سبق من غلبة المائة المائتين والألف وغلبة ~~العشرين المائتين كما أن قيد الصبر معتبر ههنا وإنما ترك ذكره ثقة بما مر ~~وبقوله تعالى «والله مع الصابرين» فإنه اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ~~والمراد بالمعية معية نصره وتأييده ولم يتعرض ههنا لحال الكفرة من الخذلان ~~كما لم يتعرض هناك لحال المؤمنين مع أن مدار الغلبة في الصورتين مجموع ~~الأمرين أعنى نصر المؤمنين وخذلان الكفرة اكتفاء بما ذكر في كل مقام عما ~~ترك في المقام الآخر وما تشعر به كلمة مع من متبوعية مدخولها لأصالتهم من ~~حيث إنهم المباشرون للصبر كما مر مرارا «ما كان لنبي» وقرئ للنبي على العهد ~~والأول أبلغ لما فيه من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم ms1316 ~~الصلاة والسلام أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم السلام «أن ~~يكون له أسرى» وقرئ بتأنيث الفعل وأسارى أيضا «حتى يثخن في الأرض» أي يكثر ~~القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفرة ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله من ~~أثخنه المرض والجرح إذا أثقله وجعله بحيث لا حراك به ولا براح وأصله ~~الثخانة التي هي الغلط والكثافة وقرئ بالتشديد للمبالغة «تريدون عرض ~~الدنيا» استئناف مسوق للعتاب أي تريدون حطامها بأخذكم الفداء وقرئ يريدون ~~بالياء «والله يريد الآخرة» أي يريد لكم ثواب الآخرة الذي لا مقدار عنده ~~الدنيا وما فيها أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه وقرئ ~~بجر الآخرة على إضمار المضاف كما في PageV04P035 # قوله * أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد بالليل نارا * «والله عزيز» ~~يغلب أوليائه على أعدائه «حكيم» يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر ~~بالإثخان ونهى عن أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن ~~بقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين ~~روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا فيهم العباس وعقيل ~~بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب ~~عليهم وخذ منهم فدية تقوى أصحابك وقال عمر اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر ~~والله أغناك عن الفداء مكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ~~نسيب له فلنضرب أعناقهم فقال صلى الله عليه وسلم إن الله ليلين قلوب رجال ~~حتى تكون ألين من اللين وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ~~وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديار ~~فخير أصحابه فأخذوا الفداء فنزلت فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله ms1317 أخبرني فإن وجدت ~~بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض على ~~عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه وروى أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لو نزل عذاب من السماء لما نجا غير عمر وسعد بن معاذ وكان هو أيضا ممن ~~أشار بالإثخان «لولا كتاب من الله سبق» أي لولا حكم منه تعالى سبق إثباته ~~في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعاقب المخطئ في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر ~~أو قوما لم يصرح لهم بالنهي وأما أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم فلا يصلح ~~أن يعد من موانع مساس العذاب فإن الحل اللاحق لا يرفع حكم الحرمة السابقة ~~كما أن الحرمة اللاحقة كما في كما في الخمر مثلا لا ترفع حكم الإباحة ~~السابقة على أنه قادح في تهويل ما نعي عليهم من أخذ الفداء «لمسكم» أي ~~لأصابكم «فيما أخذتم» أي لأجل ما أخذتم من الفداء «عذاب عظيم» لا يقادر ~~قدره «فكلوا مما غنمتم» روى أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزلت قالوا الفاء ~~لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم ~~والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي دعوه فكلوا مما غنمتم وقيل ~~ما عبارة عن الفدية فإنها من جملة الغنائم ويأباه سباق النظم الكريم وسياقه ~~«حلالا» حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلا حلالا وفائدته الترغيب في ~~أكلها وقوله تعالى «طيبا» صفة لحلالا مفيدة لتأكيد الترغيب «واتقوا الله» ~~أي في مخالفة أمره ونهيه «إن الله غفور رحيم» فيغفر لكم ما فرط منكم من ~~استباحة الفداء قبل ورود الإذن فيه ويرحمكم ويتوب عليكم إذا اتقيتموه «يا ~~أيها النبي قل لمن في أيديكم» أي في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم «من ~~الأسرى» PageV04P036 # وقرئ من الأسارى «إن يعلم الله في قلوبكم خيرا» خلوص إيمان وصحة نية ~~«يؤتكم خيرا مما أخذ منكم» من الفداء وقرئ أخذ على البناء للفاعل روى أنها ~~نزلت في العباس كلفه رسول الله صلى ms1318 الله عليه وسلم أن يفدي ابني أخيه عقيل ~~بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت فقال ~~له صلى الله عليه وسلم فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من ~~مكة وقلت لها ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد ~~الله وعبيد الله والفضل فقال العباس ما يدريك فقال أخبرني به ربي قال ~~العباس فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم ~~يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتابا في ~~أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب قال العباس بعد حين فأبدلني الله خيرا ~~من ذلك لي الآن عشرون عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا وأعطاني زمزم ما ~~أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي يتأول به ما ~~في قوله تعالى «ويغفر لكم والله غفور رحيم» فإنه وعد بالمغفر مؤكد بما بعده ~~من الاعتراض التذييلي «وإن يريدوا خيانتك» أي نكث ما بايعوك عليه من ~~الإسلام وهذا كلام مسوق من جهته تعالى لتسليته صلى الله عليه وسلم بطريق ~~الوعد له والوعيد لهم «فقد خانوا الله من قبل» بكفرهم ونقض ما أخذ على كل ~~عاقل من ميثاقه «فأمكن منهم» أي أقدرك عليهم حسبما رأيت يوم بدر فإن أعادوا ~~الخيانة فاعلم أنه سيمكنك منهم أيضا وقيل المراد بالخيانة منع ما ضمنوا من ~~الفداء وهو بعيد «والله عليم» فيعلم ما في نياتهم وما يستحقونه من العقاب ~~«حكيم» يفعل كل يفعله حسبما تقتضيه حكمته البالغة «إن الذين آمنوا وهاجروا» ~~هم المهاجرون هاجروا أوطانهم حبا لله تعالى ولرسوله «وجاهدوا بأموالهم» بأن ~~صرفوها إلى الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج «وأنفسهم» بمباشرة القتال ~~واقتحام المعارك والخوض في المهالك «في سبيل الله» متعلق بجاهدوا قيد لنوعي ~~الجهاد ولعل تقديم الأموال على الأنفس لما أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ~~وأتم دفعا للحاجة حيث لا يتصور ms1319 المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال «والذين ~~آووا ونصروا» هم الأنصار آووا المهاجرين وأنزلوهم منازلهم وبذلوا إليهم ~~أموالهم وآثروهم على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة ونصروهم على أعدائهم ~~«أولئك» إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من النعوت الفاضلة وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضيلة وهو مبتدأ وقوله تعالى ~~«بعضهم» إما بدل منه وقوله تعالى «أولياء بعض» خبره PageV04P037 # وإما مبتدأ ثان وأولياء بعض خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول أي بعضهم ~~أولياء بعض في الميراث وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة ~~والنصرة دون الأقارب حتى نسخ بقوله تعالى وأولو الأرحام الآية وقيل في ~~النصرة والمظاهرة ويرده قوله تعالى فعليكم النصر بعد نفي موالاتهم «والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا» كسائر المؤمنين «ما لكم من ولايتهم من شيء» أي من ~~توليهم في الميراث وإن كانوا من أقرب أقاربكم «حتى يهاجروا» وقرئ بكسر ~~الواو تشبيها بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة «وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر» فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين «إلا على قوم» منهم ~~«بينكم وبينهم ميثاق» معاهدة فإنه لا يجوز نقض عهدهم بنصرهم عليهم «والله ~~بما تعملون بصير» فلا تخالفوا أمره كيلا يحل بكم عقابه «والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض» آخر منهم في الميراث أو في الموازرة وهذا بمفهومه مفيد لنفي ~~الموارثة والموازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن ~~كانوا أقارب «إلا تفعلوه» أي ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم ~~بعضا حتى التوراث ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار «تكن فتنة في الأرض» ~~أي تحصل فتنة عظيمة فيها وهي ضعف الإيمان وظهور الكفر «وفساد كبير» في ~~الدارين وقرئ كثير «والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا» كلام مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم ~~بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله تعالى «لهم مغفرة ورزق ~~كريم» لا تبعة له ولا منة فيه فلا تكرار لما أن مساق الأول لإيجاب التواصل ~~بينهم «والذين آمنوا من بعد وهاجروا» بعد هجرتكم «وجاهدوا معكم» ms1320 في بعض ~~مغازيكم «فأولئك منكم» أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار وهم الذين ~~جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ~~ألحقهم الله تعالى بالسابقين وجعلهم منهم تفضلا منه وترغيبا في الإيمان ~~والهجرة وفي توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات من تشريفهم ورفع محلهم ما ~~لا يخفى «وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض» آخر منهم في التوارث من الأجانب ~~«في كتاب الله» أي في حكمه أو في اللوح أو في القرآن واستدل به على توريث ~~ذوي الأرحام «أن الله بكل شيء عليم» ومن جملته ما في تعليق التوارث ~~بالقرابة الدينية أولا وبالقرابة النسبية آخرا من الحكم البالغة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة ~~وشاهد أنه برئ من PageV04P038 # النفاق وأعطى عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته ~~يستغفرون له أيام حياته والله تعالى أعلم سورة براءة وهي مدينة وآياتها ~~مائة وتسع وعشرون آية ولها أسماء أخر سورة التوبة والمقشقشة والبحوث ~~والمنقرة والمبعثرة والمثيرة والحافرة والمخزية والفاضحة والمنكلة والمشردة ~~والمدمدمة وسورة العذاب لما فيها من ذكر التوبة ومن التبرية من النفاق ~~والبحث والتنقير عن حال المنافقين وإثارتها والحفر عنها وما يخزيهم ويشردهم ~~ويدمدم عليهم واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضا من ~~سورة الأنفال وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر ~~فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه ~~التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعا بوصف الرحمة كما روى عن ~~ابن عيينة رضي الله عنه لا الاشتباه في استقلالها وعدمه كما يحكى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما ولا رعاية ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من ~~الاختلاف في ذلك على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن ~~وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية وأن مناط إثباتها في ~~المصاحف وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف ولا ريب ms1321 في أن ~~الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وأن لا ~~مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ~~ولا مرية في عدم نزولها ههنا وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو ~~اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه ~~صلى الله عليه وسلم لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من ~~كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه صلى الله عليه وسلم ~~تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم «براءة» ~~خبر مبتدأ محذوف وتنوينه للتفخيم وقرئ بالنصب أي اسمعوا براءة ومن في قوله ~~تعالى «من الله ورسوله» ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة لها ليفيدها زيادة ~~تفخيم وتهويل أي هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله وصلة «إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين» وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في ~~قوله تعالى إن الله برئ من المشركين اكتفاء بما في حيز الصلة فإنه منبئ عنه ~~إنباء ظاهرا واحترازا عن تكرير لفظة من قيل هي مبتدأ لتخصصها بالصفة وخبره ~~إلى الذين الخ والذي تقتضيه جزالة النظم هو الأول لأن هذه البراءة أمر حادث ~~لم يعهد عند المخاطبين ذاتها ولا عنوان ابتدائها من الله تعالى ورسوله حتى ~~يخرج ذلك العنوان مخرج الصفة لها ويجعل المقصود بالذات والعمدة في الإخبار ~~شيئا آخر هو وصولها إلى المعاهدين وإنما الحقيق بأن يعتني بإفادته حدوث تلك ~~PageV04P039 # البراءة من جهته تعالى ووصولها إليهم فإن حق الصفات قبل علم المخاطب ~~بثبوتها لموصوفاتها أن تكون أخيارا وحق الأخبار بعد العلم بثبوتها لما هي ~~له أن تكون صفات كما حقق في موضعه وقرئ من الله بكسر النون على أن الأصل في ~~تحريك الساكن الكسر ولكن الوجه هو الفتح في لام التعريف خاصة لكثرة الوقوع ~~والعهد العقد الموثق باليمين والخطاب في عاهدتم للمسلمين وقد كانوا عاهدوا ~~مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم ms1322 بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة فأمر المسلمون بنبذ العهد إلى ~~الناكثين وأمهلوا أربعة أشهر ليسيروا أين شاءوا وإنما نسبت البراءة إلى ~~الله ورسوله مع شمولها للمسلمين واشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها ~~وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم للأنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين ~~لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على العهد السابق عن ~~التعرض للكفرة وذلك منوط بجناب الله عز وجل لأنه أمر كسائر الأوامر الجارية ~~على حسب حكمة تقتضيها وداعية تستدعيها تترتب عليها آثارها من غير توقف على ~~شيء أصلا واشتراك المسلمين في حكمها ووجوب العمل بموجبها إنما هو على طريقة ~~الامتثال بالأمر لا على أن يكون لهم مدخل في إتمامها أو في ترتب أحكامها ~~عليها وأما المعاهدة فحيث كانت عقدا كسائر العقود الشرعية لا تتحصل في ~~نفسها ولا تترتب عليها أحكامها إلا بمباشرة المتعاقدين على وجوه مخصوصة ~~اعتبرها الشرع لم يتصور صدورها عنه سبحانه وإنما الصادر عنه في شأنها هو ~~الإذن فيها وإنما الذي يباشرها ويتولى أمرها المسلمون ولا يخفى أن البراءة ~~إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ~~على أن في ذلك تفخيما لشأن البراءة وتهويلا لأمرها وتسجيلا على الكفرة ~~بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان وتنزيها لساحة السبحان والكبرياء ~~عما يوهم شائبة النقص والنداء تعالى عن ذلك علوا كبيرا وإدراجه صلى الله ~~عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأن الرفيع وإجلال ~~قدره المنيع في كلا المقامين صلى الله عليه وسلم وإيثار الجملة الأسمية على ~~الفعلية كأن يقال قد برئ الله ورسوله من الذين أو نحو ذلك للدلالة على ~~دوامها واستمرارها وللتوسل إلى تهويلها بالتنوين التفخيمي كما أشير إليه ~~«فسيحوا» السياحة والسيح الذهاب في الأرض والسير فيها بسهولة على مقتضى ~~المشيئة كسيح الماء على موجب الطبيعة ففيه من الدلالة ms1323 على كمال التوسعة ~~والترفيه ما ليس في سيروا ونظائره وزيادة قوله عز وجل «في الأرض» لقصد ~~التعميم لأقطارها من دار الإسلام وغيرها والمراد إباحة ذلك لهم وتخليتهم ~~وشأنهم من الاستعداد للحرب أو تحصين الأهل والمال وتحصيل المهاب أو غير ذلك ~~لا تكليفهم بالسياحة فيها وتلوين الخطاب بصرفه عن المسلمين وتوجيهه إليهم ~~مع حصول المقصود بصيغة أمر الغائب أيضا للمبالغة في الإعلام بالإمهال حسما ~~لمادة تعللهم بالغفلة وقطعا لشأفة اعتذارهم بعدم الاستعداد وإيثار صيغة ~~الأمر مع تسني إفادة ذلك المعنى بطريق الإخبار أيضا كأن يقال مثلا فلكم أن ~~تسيحوا أو نحو ذلك لإظهار كمال القوة والغلبة وعدم الاكتراث PageV04P040 # لهم ولاستعدادهم فكأن ذلك أمر مطلوب منهم والفاء لترتيب الأمر بالسياحة ~~وما يعقبه على ما تؤذن به البراءة المذكورة من الحراب على أن الأول مترتب ~~على نفسه والثاني بكلا متعلقيه على عنوان كونه من الله العزيز لا لترتيب ~~الأول عليه والثاني على الأول كما في قوله تعالى قل سيروا في الأرض فانظروا ~~الخ كأنه قيل هذه براءة موجبة لقتالكم فاسعوا في تحصيل العدد والأسباب ~~وبالغوا في إعتاد العتاد من كل باب «أربعة أشهر واعلموا أنكم» بسياحتكم في ~~أقطار الأرض في العرض والطول وإن ركبتم متن كل صعب وذلول «غير معجزي الله» ~~أي لا تفوتونه بالهرب والتحصن «وأن الله» وضع الاسم الجليل موضع المضمر ~~لتربية المهابة وتهويل أمر الإخزاء وهو الإذلال بما فيه فضيحة وعار «مخزي ~~الكافرين» أي مخزيكم ومذلكم في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالعذاب ~~وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم بالكفر بعد وصفهم بالإشراك والإشعار بأن ~~علة الإخزاء هي كفرهم ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين فيدخل فيه ~~الخاطبون دخولا أوليا والمراد بالأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم التي علق ~~القتال بانسلاخها فقيل هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وقيل هي عشرون ~~من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من شهر ربيع الآخر وجعلت ~~حرما لحرمة قتالهم فيها أو لتغليب ذي الحجة والمحرم على البقية وقيل من عشر ~~ذي القعدة ms1324 إلى عشر من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك ~~الوقت للنسئ الذي كان فيهم ثم صار في العام القابل في ذي الحجة وذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات ~~والأرض روى أنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه على ~~موسم سنة تسع ثم أتبعه عليا رضي الله تعالى عنه على العضباء ليقرأها على ~~أهل الموسم فقيل له صلى الله عليه وسلم لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال صلى ~~الله عليه وسلم لا يؤدي عني إلا رجل مني وذلك لأن عادة العرب أن لا يتولى ~~أمر العهد والنقض على القبيلة إلا رجل منها فلما دنا على سمع أبو بكر ~~الرغاء فوقف فقال هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لحقه ~~قال أمير أو مأمور قال مأمور فمضيا فلما كان قبل يوم التروية خطب أبو بكر ~~رضي الله عنه وحدثهم عن مناسكهم وقام علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة ~~العقبة فقال يا أيها الناس إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ~~فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال أمرت بأربع أن لا ~~يقرب البيت بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل ~~نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده «وأذان من الله ورسوله» أي إعلام ~~منهما فعال بمعنى الإفعال كالعطاء بمعنى الإعطاء ورفعه كرفع براءة والجملة ~~معطوفة على مثلها وإنما قيل «إلى الناس» أي كافة لأن الأذان غير مختص بقوم ~~دون آخرين كالبراءة الخاصة PageV04P041 # بالناكثين بل هو شامل لعامة الكفرة وللمؤمنين أيضا «يوم الحج الأكبر» هو ~~يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله ولأن الإعلام كان فيه ولما روى ~~أنه صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال هذا ~~يوم الحج الأكبر وقيل يوم عرفة لقوله صلى الله عليه وسلم الحج ms1325 عرفة ووصف ~~الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر أو لأن المراد بالحج ما يقع في ~~ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه ~~المسلمون والمشركون أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين «إن الله» أي ~~بأن الله وقرئ بالكسر لما أن الأذان فيه معنى القول «بريء من المشركين» أي ~~المعاهدين الناكثين «ورسوله» عطف على المستكن في برئ أو على محل إن واسمها ~~على قراءة الكسر وقرئ بالنصب عطفا على اسم أن أو لأن الواو بمعنى مع أي برئ ~~معه منهم وبالجر على الجوار وقيل على القسم «فإن تبتم» من الشرك والغدر ~~التفات من الغيبة إلى الخطاب لزيادة التهديد والتشديد والفاء لترتيب مقدم ~~الشرطية على الأذان بالبراءة المذيلة بالوعيد الشديد المؤذن بلين عريكتهم ~~وانكسار شدة شكيمتهم «فهو» أي فالتوب «خير لكم» في الدارين «وإن توليتم» عن ~~التوبة أو ثبتم على التولي عن الإسلام والوفاء «فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله» غير سابقين ولا فائتين «وبشر الذين كفروا» تلوين للخطاب وصرف له عنهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن البشارة «بعذاب أليم» وإن كانت بطريق ~~التهكم إنما تليق بمن يقف على الأسرار الإلهية «إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين» استدراك من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر كأنه ~~قيل لا تمهلوا الناكثين فوق أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم ثم لم ينكثوا ~~عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم ~~عهدهم ولا يضر في ذلك تخلل الفاصل بقوله تعالى وأذان من الله ورسوله الخ ~~لأنه ليس بأجنبي بالكلية بل هو أمر بإعلام تلك البراءة كأنه قيل واعلموها ~~وقيل هو استثناء متصل من المشركين الأول ويرده بقاء الثاني على العموم مع ~~كونهما عبارة عن فريق واحد وجعله استثناء من الثاني يأباه بقاء الأول كذلك ~~وقيل هو استدراك من المقدر في فسيحوا أي قولوا لهم سيحوا أربعة أشهر لكن ~~الذين عاهدتم منهم «ثم لم ينقصوكم شيئا» من شروط الميثاق ولم ms1326 يقتلوا منكم ~~أحدا ولم يضروكم قط وقرئ بالمعجمة أي لم ينقضوا عهدكم شيئا من النقض وكلمة ~~ثم للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة «ولم يظاهروا» أي لم ~~يعاونوا «عليكم أحدا» من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح «فأتموا إليهم عهدهم» أي ~~أدوه إليهم كملا «إلى مدتهم» ولا تفاجئوهم بالقتال عند مضي الأجل المضروب ~~للناكثين ولا تعاملوهم معاملتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما بقي لحي من ~~بني كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم «إن الله يحب المتقين» ~~تعليل لوجوب الامتثال وتنبيه على أن مراعاة حقوق العهد من باب التقوى وأن ~~التسوية بين الوفي PageV04P042 # والغادر منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركا «فإذا انسلخ» أي انقضى استعير ~~له من الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده والأغلب إسناده إلى الجلد والمعنى ~~إذا انقضى «الأشهر الحرم» وانفصلت عما كانت مشتملة عليه ساترة له انفصال ~~الجلد عن الشاة وانكشفت عنه انكشاف الحجاب عما وراءه كما ذكره أبو الهيثم ~~من أنه يقال أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه ولبسناه فنحن نزداد كل ليلة لباسا ~~منه إلى مضي نصفه ثم نسلخه عن أنفسنا جزءا فجزءا حتى نسلخه عن أنفسنا كله ~~فينسلخ وأنشد * إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله * كفى قاتلا سلخي الشهور ~~وإهلالي * وتحقيقه أن الزمان محيط بما فيه من الزمانيات مشتمل عليه اشتمال ~~الجلد للحيوان وكذا كل جزء من أجزائه الممتدة من الأيام والشهور والسنين ~~فإذا مضى فكأنه انسلخ عما فيه وفيه مزيد لطف لما فيه من التلويح بأن تلك ~~الأشهر كانت حرزا لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين فنيط قتالهم ~~بزوالها والمراد بها إما ما مر من الأشهر الأربعة فقط ووضع المظهر موضع ~~المضمر ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة تأكيدا لما ينبئ عنه إباحة السياحة ~~من حرمة التعرض لهم مع ما فيه من مزيد الاعتناء بشأنها أو هي مع ما فهم من ~~قوله تعالى فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم من ms1327 تتمة مدة بقيت لغير الناكثين ~~فعلى الأول يكون المراد بالمشركين في قوله تعالى «فاقتلوا المشركين» ~~الناكثين خاصة فلا يكون قتال الباقين مفهوما من عبارة النص بل من دلالته ~~وعلى الثاني مفهوما من العبارة إلا أنه يكون الانسلاخ وما نيط به من القتال ~~حينئذ شيئا فشيئا لا دفعة واحدة كأنه قيل فإذا تم ميقات كل طائفة فاقتلوهم ~~وحملها على الأشهر المعهودة والدائرة في كل سنة لا يساعده النظم الكريم ~~وأما أنه يستدع بقاء حرمة القتال فيها إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها فلا ~~اعتداد به لا لأنها نسخت بقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة كما توهم ~~فإنه رجم بالغيب لأنه إن أريد به ما في سورة الأنفال فإنه نزل عقيب غزوة ~~بدر وقد صح أن المراد بالذين كفروا في قوله تعالى قل الذين كفروا الخ أبو ~~سفيان وأصحابه وقد أسلم في أواسط رمضان عام الفتح سنة ثمان وسورة التوبة ~~إنما نزلت في شوال سنة تسع وإن أريد ما في سورة البقرة فإنه أيضا نزل قبل ~~الفتح كما يعرب عنه ما قبله من قوله تعالى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم أي من ~~مكة وقد فعل ذلك يوم الفتح فكيف ينسخ به ما ينزل بعده بل لأن انعقاد ~~الإجماع على انتساخها كاف في الباب من غير حاجة إلى كون سنده منقولا إلينا ~~وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف لعشر بقين من المحرم «حيث ~~وجدتموهم» من حل وحرم «وخذوهم» أي أيسروهم والأخيذ الأسير «واحصروهم» أي ~~قيدوهم أو امنعوهم من التقلب في البلاد قال ابن عباس رضي الله عنهما حيلوا ~~بينهم وبين المسجد الحرام «واقعدوا لهم كل مرصد» أي كل ممر ومجتاز يجتازون ~~منه في أسفارهم وانتصابه على الظرفية أي ارصدوهم وأرقبوهم حتى لا يمروا به ~~PageV04P043 # وفائدته على التفسير الثاني دفع احتمال أن يراد بالحصر المحاصرة المعهودة ~~«فإن تابوا» عن الشرك بالإيمان بعد ما اضطروا بما ذكر من القتل والأسر ~~والحصر «وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة» تصديقا لتوبتهم وإيمانهم واكتفى ~~بذكرهما ms1328 عن ذكر بقية العبادات لكونهما رأسي العبادات البدنية والمالية ~~«فخلوا سبيلهم» فدعوهم وشأنهم ولا تتعرضوا لهم بشيء مما ذكر «إن الله غفور ~~رحيم» يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر ويثيبهم بإيمانهم وطاعاتهم وهو ~~تعليل للأمر بتخلية السبيل «وإن أحد» شروع في بيان حكم المتصدين لمبادي ~~التوبة من سماع كلام الله تعالى والوقوف على شعائر الدين إثر بيان حكم ~~التائبين عن الكفر والمصرين عليه وهو مرتفع بشرط مضمر يفسره الظاهر لا ~~بالابتداء لأن إن لا تدخل إلا على الفعل «من المشركين استجارك» بعد انقضاء ~~الأجل المضروب أي سألك أن تؤمنه وتكون له جارا «فأجره» أي أمنه «حتى يسمع ~~كلام الله» ويتدبره ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه والاقتصار على ذكر السماع ~~لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل اللسن والفصاحة وحتى سواء ~~كانت للغاية أو للتعليل متعلقة بما بعدها لا بقوله تعالى استجارك لأنه يؤدي ~~إلى أعمال حتى في المضمر وذلك مما لا يكاد يرتكب في غير ضرورة الشعر كما في ~~قوله [فلا والله لا يلقى أناس * فتى حتاك يا ابن أبي يزيد] * كذا قيل إلا ~~أن تعلق الإجارة بسماع كلام الله تعالى بأحد الوجهين يستلزم تعلق الاستجارة ~~أيضا بذلك أو بما في معناه من أمور الدين وما روى عن علي رضي الله عنه أنه ~~أتاه رجل من المشركين فقال إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا ~~الأجل لسماع كلام الله تعالى أو لحاجة قتل قال لا لأن الله تعالى يقول وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره الخ فالمراد بما فيه من الحاجة هي الحاجة ~~المتعلقة بالدين لا ما يعمها وغيرها من الحاجات الدنيوية كما ينبئ عنه قوله ~~أن يأتي محمدا فإن من يأتيه صلى الله عليه وسلم إنما تأتيه للأمور المتعلقة ~~بالدين «ثم أبلغه» بعد استماعه له إن لم يؤمن «مأمنه» أي مسكنه الذي يأمن ~~فيه وهو دار قومه «ذلك» يعني الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن «بأنهم» بسبب ~~أنهم «قوم لا يعلمون» ما الإسلام ms1329 وما حقيقته أو قوم جهلة فلا بد من إعطاء ~~الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة أصلا «كيف يكون للمشركين عهد» ~~شروع في تحقيق حقية ما سبق من البراءة وأحكامها المتفرعة عليها وتبيين ~~الحكمة الداعية إلى ذلك والمراد بالمشركين الناكثون لأن البراءة إنما هي في ~~شأنهم والاستفهام إنكاري لا بمعنى إنكار الواقع كما في قوله تعالى كيف ~~تكفرون بالله الخ بل بمعنى إنكار الوقوع ويكون من الكون التام وكيف في محل ~~PageV04P044 # النصب على التشبيه بالحال أو الظرف وقيل من الكون الناقص وكيف خبر يكون ~~قدم على اسمه وهو عهد لاقتضائه الصدارة وللمشركين متعلق بمحذوف وقع حالا من ~~عهد ولو كان مؤخرا لكان صفة له أو بيكون عند من يجوز عمل الأفعال الناقصة ~~في الظروف وعند متعلق بمحذوف وقع صفة لعهد أو بنفسه لأنه مصدر أو بيكون كما ~~مر ويجوز أن يكون الخبر للمشركين وعند كما ذكر أو متعلق بالاستقرار الذي ~~تعلق به للمشركين ويجوز أن يكون الخبر عند الله وللمشركين إما تبيين وإما ~~حال من عهد وإما متعلق بيكون أو بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ولا يبالي ~~بتقديم معمول الخبر على الاسم لكونه حرف جر وكيف على الوجهين الأخيرين نصب ~~على التشبيه بالظرف أو الحال كما في صورة الكون التام وهو الأولى لأن في ~~إنكار ثبوت العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين لأن ~~ثبوته الرابطي فرع ثبوته العيني فانتفاء الأصل يوجب انتفاء الفرع رأسا وفي ~~توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ~~ثبوته لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال قطعا فإذا انتفى ~~جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده على الطريق البرهاني أي على أي أو في أي ~~حال يوجد لهم عهد معتد به «عند الله وعند رسوله» يستحق أن يراعي حقوقه ~~ويحافظ عليه إلى إتمام المدة ولا يتعرض لهم بحسبه قتلا ولا أخذا وأما أن ~~يأمنوا به من عذاب الآخرة كما قيل فلا ms1330 سبيل إلى اعتباره أصلا إذ لا دخل ~~لعهدهم في ذلك الأمن قطعا وإن كان مرعيا عند الله تعالى وعند رسوله كعهد ~~غير الناكثين وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد به عند كل منهما على ~~حدة «إلا الذين» استدراك من النفي المفهوم من الاستفهام المتبادر شموله ~~لجميع المعاهدين أي لكن الذين «عاهدتم عند المسجد الحرام» وهم المستثنون ~~فيما سلف والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام لزيادة بيان أصحابها ~~والإشعار بسبب وكادتها ومحله الرفع على الابتداء خبره قوله تعالى «فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم» والفاء لتضمنه معنى الشرط وما إما مصدرية ~~منصوبة المحل على الظرفية بتقدير المضاف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم ~~لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم أو مرفوعة على الابتداء والعائد محذوف أي أي زمان استقاموا ~~لكم فيه فاستقيموا لهم فيه وقيل الاستثناء متصل محله النصب على الأصل أو ~~الجر على البدل من المشركين والمراد بهم الجنس لا المعهود وأيا ما كان فحكم ~~الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدة العهد لأن استقامتهم التي وقت بوقتها ~~الاستقامة المأمور بها عبارة عن مراعاة حقوق العهد وبعد انقضاء مدته لا عهد ~~ولا استقامة فصار عين الأمر الوارد فيما سلف حيث قيل فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبرا قطعا ~~وهو تقييد الإتمام المأمور به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء «إن ~~الله يحب المتقين» تعليل للأمر بالاستقامة وإشعار بأن القيام بموجب العهد ~~من أحكام التقوى كما مر «كيف» تكرير لاستنكار ما مر من أن PageV04P045 # يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله سبحانه وعند رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وأما ما قيل من أنه لاستبعاد ثباتهم على العهد فكما ترى لأن ما ~~يذكر بصدد التعليل للإستبعاد عين عدم ثباتهم على العهد لا أنه شيء يستدعيه ~~وإنما أعيد الاستنكار والاستبعاد تأكيدا لهما وتمهيدا لتعداد العلل الموجبة ~~لهما لإخلال تخلل ما في البين من الارتباط والتقريب ms1331 حذف الفعل المستنكر ~~للإيذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره لا لمجرد كونه ~~معلوما كما في قوله [وخبرتماني أنما الموت بالقرى * فكيف وهاتا هضبة وقليب] ~~* فإنه علة مصححة لا مرجحة أي كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله تعالى ~~وعند رسوله صلى الله عليه وسلم «وإن يظهروا عليكم» أي وحالهم أنهم إن ~~يظهروا عليكم أي يظفروا بكم «لا يرقبوا فيكم» أي لا يراعوا في شأنكم وأصل ~~الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية ~~والمراقبة أبلغ منه كالمراعاة وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيها ~~«إلا ولا ذمة» أي حلفا وقيل قرابة ولا عهدا أو حقا يعاب على إغفاله مع ما ~~سبق لهم من تأكيد الإيمان والمواثيق يعني أن وجوب مراعاة حقوق العهد على كل ~~من المتعاهدين مشروط بمراعاة الآخر لها فإذا لم يراعها المشركون فكيف ~~تراعونها على منوال قول من قال [علام تقبل منهم فدية وهم * لا فضة قبلوا ~~منا ولا ذهبا] وقيل الإل من أسماء الله عز وجل أي لا يراعوا حق الله تعالى ~~وقيل الجوار ومآله الحلف لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم ~~لتشهيره ولما كان تعليق عدم رعاية العهد بالظفر موهما للرعاية عند عدمه كشف ~~عن حقيقة شؤونهم الجلية والخفية بطريق الاستئناف وبين أنهم في حالة العجز ~~أيضا ليسوا من الوفاء في شيء وأن ما يظهرونه مداهنة لا مهادنة فقيل ~~«يرضونكم بأفواههم» حيث يظهرون الوفاء والمصافاة ويعدون لكم بالإيمان ~~والطاعة ويؤكدون ذلك بالإيمان الفاجرة ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير ~~الكاذبة ونسبة الإرضاء إلى الأ فواه للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون ~~بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم «وتأبى قلوبهم» ما يفيده كلامهم ~~«وأكثرهم فاسقون» خارجون عن الطاعة فإن مراعاة حقوق العهد من باب الطاعة ~~متمردون ليست لهم مروءة رادعة ولا عقيدة وزاعة ولا يتسترون كما يتعاطاه ~~بعضهم ممن يتفادى عن الغدر ويتعفف عما يجر أحدوثة السوء «اشتروا بآيات ~~الله» بآياته الآمرة بالإيفاء ms1332 بالعهود والاستقامة في كل أمر أو بجميع آياته ~~فيدخل فيها ما ذكر دخولا أوليا أي تركوها وأخذوا بدلها «ثمنا قليلا» أي ~~شيئا حقيرا من حطام الدنيا وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتبعوها أو ما أنفقه ~~أبو سفيان من الطعام وصرفه إلى الأعراب «فصدوا» أي عدلوا ونكبوا من صد ~~صدودا أو صرفوا غيرهم من صد صدا والفاء للدلالة على سببية الاشتراء لذلك ~~«عن سبيله» أي الذين الحق الذي لا محيد عنه والإضافة للتشريف أو سبيل بيته ~~الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه «إنهم ساء ما كانوا يعملون» أي ~~بئس ما كانوا يعلمونه أو عملهم المستمر والمخصوص بالذم محذوف وقد جوز أن ~~تكون كلمة ساء على أصلها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو متعدية والمفعول ~~محذوف أي ساءهم الذي PageV04P046 # يعملونه أو عملهم وقوله عز وعلا «لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة» ناع ~~عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الإطلاق فلا تكرار وقيل هذا في ~~اليهود أو في الأعراب المذكورين ومن يحذو حذوهم وأما ما قيل من أنه تفسير ~~لقوله تعالى يعملون أو دليل على ما هو مخصوص بالذم فمشعر باختصاص الذم ~~والسوء بعملهم هذا دون غيره «وأولئك» الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة ~~«هم المعتدون» المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة «فإن تابوا» أي ~~عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى ~~عليهم من مساوى أعمالهم مزجرة عنها ومظنة للتوبة «وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة» أي التزموهما وعزموا على إقامتهما «فإخوانكم» أي فهم إخوانكم وقوله ~~تعالى «في الدين» متعلق بإخوانكم لما فيه من معنى الفعل أي لهم ما لكم ~~وعليهم ما عليكم فعاملوهم معاملة الإخوان وفيه من استمالتهم واستجلاب ~~قلوبهم ما لا مزيد عليه والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب التي مرت من ~~قبل مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائره ~~فوجب أن يكون جوابها أمرا بخلاف ذلك وهذه سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء ~~وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكما ms1333 بخلافه البتة «ونفصل الآيات» أي نبينها ~~والمراد بها إما ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين من الناكثين ~~وغيرهم وأحكامهم حالتي الكفر والإيمان وإما جميع الآيات فيندرج فيها تلك ~~الآيات اندارجا أوليا «لقوم يعلمون» أي ما فيها من الأحكام أو لقوم عالمين ~~وهو اعتراض للحث على التأمل في الأحكام المندرجة في تضاعيفها والمحافظة ~~عليها «وإن نكثوا» عطف على قوله تعالى فإن تابوا أي وإن لم يفعلوا ذلك بل ~~نقضوا «أيمانهم من بعد عهدهم» الموثق بها وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر ~~وأخرجوه من القوة إلى الفعل حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا الآية أو ثبتوا على ما هم عليه من النكث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان ~~كما قيل «وطعنوا في دينكم» قدحوا فيه بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام ~~«فقاتلوا أئمة الكفر» أي فقاتلوهم وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم للإيذان ~~بأنهم صاروا بذلك ذوي رياسة وتقدم في الكفر أحقاء بالقتل والقتال وقيل ~~المراد بأئمتهم رؤساؤهم وصناديدهم وتخصيصهم بالذكر إما لأهمية قتلهم أو ~~للمنع من مراقبتهم لكونهم مظنة لها أو للدلالة على استئصالهم فإن قتلهم ~~غالبا يكون بعد قتل من دونهم وقرئ أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والأفصح ~~إخراج الثانية بين بين PageV04P047 # وأما التصريح بالياء فلحن ظاهر عند الفراء «إنهم لا أيمان لهم» أي على ~~الحقيقة حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذورا وإن أجروها على ألسنتهم ~~وإنما علق النفي بها كالنكث فيما سلف لا بالعهد المؤكد بها لأنها العمدة في ~~المواثيق وجعل الجملة تعليلا للأمر بالقتال لا يساعده تعليقه بالنكث والطعن ~~لأن حالهم في أن لا إيمان لهم حقيقة بعد النكث والطعن كحالهم قبل ذلك وحمله ~~على معنى عدم بقاء أيمانهم بعد النكث والطعن مع أنه لا حاجة إلى بيانه خلاف ~~الظاهر ولعل الأولى جعلها تعليلا لمضمون الشرط كأنه قيل وإن نكثوا وطعنوا ~~كما هو المتوقع منهم إذ لا أيمان لهم حقيقة حتى لا ينكثوها أو لاستمرار ~~القتال المأمور به المستفاد من سياق الكلام كأنه قيل فقاتلوهم ms1334 إلى أن ~~يؤمنوا إنهم لا أيمان لهم حتى يعقد معهم عهد آخر وقرئ بكسر الهمزة على أنه ~~مصدر بمعنى إعطاء الأمان أي لا سبيل إلى أن تعطوهم أمانا بعد ذلك أبدا وأما ~~العكس كما قيل فلا وجه له لإشعاره بأن معاهدتهم معنا على طريقة أن يكون ~~إعطاء الأمان من قبلهم وذلك بين البطلان أو بمعنى الإسلام ففي كونه تعليلا ~~للأمر بالقتال إشكال بل استحالة لأنه إن حمل على انتفاء الإسلام مطلقا فهو ~~بمعزل عن العلية للقتال أو للأمر به كما قبل النكث والطعن وإن حمل على ~~انتفائه فيما سيأتي فلا يلائم جعل الانتهاء غاية للقتال فيما سيجئ فالوجه ~~أن يجعل تعليلا لما ذكر من مضمون الشرط كأنه قيل إن نكثوا وطعنوا وهو ~~الظاهر من حالهم لأنه لا إسلام لهم حتى يرتدعوا عن نقض جنس أيمانهم وعن ~~الطعن في دينكم «لعلهم ينتهون» متعلق بقوله تعالى فقاتلوا أي قاتلوهم إرادة ~~أن ينتهوا أي ليكن غرضكم من القتال انتهاءهم عما هم عليه من الكفر وسائر ~~العظائم التي يرتكبونها لا إيصال الأذية بهم كما هو ديدن المؤذين «ألا ~~تقاتلون» الهمزة الداخلة على انتفاء مقاتلتهم للإنكار والتوبيخ تدل على ~~تحضيضهم على المقاتلة بطريق حملهم على الإقرار بانتفائها كأنه أمر لا يمكن ~~أن يعترف به طائعا لكمال شناعته فيلجئون إلى ذلك ولا يقدرون على الإقرار به ~~فيختارون المقاتلة «قوما نكثوا أيمانهم» التي حلفوها عند المعاهدة على أن ~~لا يعاونوا عليهم فعاونوا بني بكر على خزاعة «وهموا بإخراج الرسول» من مكة ~~حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حسبما ذكر في قوله تعالى وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا فيكون نعيا عليهم جنايتهم القديمة وقيل هم اليهود نكثوا عهد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهموا بإخراجه من المدينة «وهم بدؤوكم» ~~بالمعاداة والمقاتلة «أول مرة» لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم ~~أولا بالكتاب المبين وتحداهم به فعدلوا عن المحاجة لعجزهم عنها إلى ~~المقاتلة أو بدءوا بقتال خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم لأن إعانة ~~بني بكر عليهم ms1335 قتال معهم «أتخشونهم» أي أتخشون أن ينالكم منهم مكروه حتى ~~تتركوا قتالهم وبخهم أو لا بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ثم وصفهم بما يوجب ~~الرغبة فيها ويحقق أن من كان على تلك الصفات السيئة حقيق بأن لا تترك ~~مصادمته ويوبخ من فرط فيها «فالله أحق أن تخشوه» PageV04P048 # بمخالفة أمره وترك قتال أعدائه «إن كنتم مؤمنين» فإن قضية الإيمان تخصيص ~~الخشية به تعالى وعدم المبالاة بمن سواه وفيه من التشديد ما لا يخفى ~~«قاتلوهم» تجريد للأمر بالقتال بعد التوبيخ على تركه ووعد بنصرهم وبتعذيب ~~أعدائهم وإخزائهم وتشجيع لهم «يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم» قتلا وأسرا ~~«وينصركم عليهم» أي يجعلكم جميعا غالبين عليهم أجمعين ولذلك أخر عن التعذيب ~~والإجزاء «ويشف صدور قوم مؤمنين» ممن لم يشهد القتال وهم خزاعة قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من ~~أهلها أذى كثيرا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال ~~صلى الله عليه وسلم أبشروا فإن الفرج قريب «ويذهب غيظ قلوبهم» بما كابدوا ~~من المكاره والمكايد ولقد أنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أجمل ما ~~يكون فكان إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة «ويتوب ~~الله على من يشاء» كلام مستأنف ينبئ عما سيكون من بعض أهل مكة من التوبة ~~المقبولة بحسب مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة فكان كذلك حيث أسلم ~~ناس منهم وحسن إسلامهم وقرئ بالنصب بإضمار أن ودخول التوبة في جملة ما أجيب ~~به الأمر بحسب المعنى فإن القتال كما هو سبب لفل شوكتهم وإلانة شكيمتهم فهو ~~سبب للتدبر في أمرهم وتوبتهم من الكفر والمعاصي وللاختلاف في وجه السببية ~~غير السبك والله تعالى أعلم «والله» إيثار إظهار الجلالة على الإضمار ~~لتربية المهابة وإدخال الروعة «عليم» لا يخفى عليه خافية «حكيم» لا يفعل ~~ولا يأمر إلا بما فيه حكمة ومصلحة «أم حسبتم» أم منقطعة جئ بها للدلالة على ~~الانتقال من التوبيخ السابق إلى آخر وما فيها من همزة ms1336 الاستفهام الإنكاري ~~توبيخ لهم على الحسبان المذكور أي بل أحسبتم «أن تتركوا» على ما أنتم عليه ~~ولا تؤمروا بالجهاد ولا تبتلوا بما يمحصكم والخطاب إما لمن شق عليهم القتال ~~من المؤمنين أو للمنافقين «ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم» الواو حالية ~~ولما للنفي مع التوقع والمراد من نفي العلم نفي المعلوم بالطريق البرهاني ~~إذ لو شم رائحة الوجود لعلم قطعا فلما لم يعلم لزم عدمه قطعا أي أم حسبتم ~~أن تتركوا والحال أنه لم يتبين الخلص من المجاهدين منكم من غيرهم وما في ~~لما من التوقع منبه على أن ذلك سيكون وفائدة التعبير عما ذكر من عدم التبين ~~بعدم علم الله تعالى أن المقصود هو التبين من حيث كونه متعلقا للعلم ومدارا ~~للثواب وعدم التعرض لحال المقصرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادة ~~أكرم الأكرمين «ولم يتخذوا» عطف على جاهدوا داخل في حيز PageV04P049 # الصلة أو حال من فاعله أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين «من دون الله ولا ~~رسوله ولا المؤمنين وليجة» أي بطانة وصاحب سر وهو الذي تطلعه على ما في ~~ضميرك من الأسرار الخفية من الولوج وهو الدخول ومن دون الله متعلق بالاتخاذ ~~إن أبق على حاله أو مفعول ثان له إن جعل بمعنى التسيير «والله خبير بما ~~تعملون» أي بجميع أعمالكم وقرئ على الغيبة وهو تذييل يزيح ما يتوهم من ظاهر ~~قوله تعالى ولما يعلم الخ أو حال متداخلة من فاعله أو من مفعوله والمعنى ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم والحال أنه يعلم جميع أعمالكم لا يخفى ~~عليه شيء منها «ما كان للمشركين» أي ما صح وما استقام لهم على معنى نفى ~~الوجود والتحقق لا نفي الجواز كما في قوله تعالى أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين أي ما وقع وما تحقق لهم «أن يعمروا» عمارة معتدا بها ~~«مساجد الله» أي المسجد الحرام وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره ~~كعامرها أو لأن كل ناحية من نواحيه المختلفة الجهات مسجد على حياله ms1337 بخلاف ~~سائر المساجد إذ ليس في نواحيها اختلاف الجهة ويؤيده القراءة بالتوحيد وقيل ~~ما كان لهم أن يعمروا شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام الذي هو صدر ~~الجنس ويأباه أنهم لا يتصدون لتعمير سائر المساجد ولا يفتخرون بذلك على أنه ~~مبنى على كون النفي بمعنى نفي الجواز واللياقة دون نفي الوجود «شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر» أي بإظهار آثار الشرك من نصب الأوثان حول البيت والعبادة ~~لها فإن ذلك شهادة صريحة على أنفسهم بالكفر وإن أبوا أن يقولوا نحن كفار ~~كما نقل عن الحسن رضي الله عنه وهو حال من الضمير في يعمروا أي محال أن ~~يكون ما سموه عمارة عمارة بيت الله مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من ~~عبادة غيره تعالى فإنها ليست من العمارة في شيء وأما ما قيل من أن المعنى ~~ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله تعالى وعبادة ~~غيره تعالى فليس بمعرب عن كنه المرام فإن عدم استقامة الجمع بين المتنافيين ~~إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود روى ~~أن المهاجرين والأنصار أقبلوا على أساري بدر يعيرونهم بالشرك وطفق علي رضي ~~الله تعالى عنه يوبخ العباس بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم ~~وأغلظ له في القول فقال العباس تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا فقال ولكم ~~محاسن قالوا نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحجيج ونفك ~~العاني فنزلت «أولئك» الذين يدعون عمارة المسجد وما يضاهيها من أعمال البر ~~مع ما بهم من الكفر «حبطت أعمالهم» التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر ~~فصارت هباء منثورا «وفي النار هم خالدون» لكفرهم ومعاصيهم وإيراد الجملة ~~الأسمية للمبالغة في الدلالة على الخلود والظرف متعلق بالخبر قدم عليه ~~للاهتمام به ومراعاة الفاصلة وكلتا الجملتين مستأنفة لتقرير النفي السابق ~~الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب ~~PageV04P050 # «إنما يعمر مساجد الله» الكلام في إيراد صيغة الجمع كما مر فيما مر خلا ~~أن إرادة جميع المساجد ms1338 وإدراج المسجد الحرام في ذلك غير مخالفة لمقتضى ~~الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وقد قرئ بالإفراد أيضا والمراد ههنا أيضا قصر ~~تحقق العمارة ووجودها على المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها أي إنما يصح ~~ويستقيم أن يعمرها عمارة يعتد بها «من آمن بالله» وحده «واليوم الآخر» بما ~~فيه من البعث والحساب والجزاء حسبما نطق به الوحي «وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة» على ما علم من الدين فيندرج فيه الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتما وقيل هو مندرج تحت الإيمان بالله خاصة فإن أحد جزأي كلمتي ~~الشهادة علم للكل أي إنما يعمرها من جمع هذه الكمالات العلمية والعملية ~~والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها ~~بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم فيها ونحو ذلك ~~وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش وقال صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها فطوبي ~~لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره وعنه صلى ~~الله عليه وسلم من ألف المسجد ألفه الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان وعن أنس رضي الله عنه من ~~أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك ~~المسجد ضوءه «ولم يخش» في أمور الدين «إلا الله» فعمل بموجب أمره ونهيه غير ~~آخذ له في الله لومة لائم ولا خشية ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال ~~ونحو ذلك وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب ولا مما ~~يدخل تحت التكليف والخطاب وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك ~~الخشية عنهم «فعسى أولئك» المنعوتون بتلك النعوت الجميلة «أن يكونوا من ~~المهتدين» إلى مباغيهم من الجنة وما فيها من فنون المطالب العلية وإبراز ~~اهتدائهم مع ما ms1339 بهم من الصفات السنية في معرض التوقع لقطع أطماع الكفرة عن ~~الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاع بأعمالهم التي يحسبون أنهم في ذلك ~~محسنون ولتوبيخهم بقطعهم بأنهم مهتدون فإن المؤمنين مع ما بهم من هذه ~~الكمالات إذا كان أمرهم دائرا بين لعل وعسى فما بال الكفرة وهم هم وأعمالهم ~~أعمالهم وفيه لطف للمؤمنين وترغيب لهم في ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء ~~ورفض الاعتذار بالله تعالى «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام» أي ~~في الفضيلة وعلو الدرجة «كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله» ~~السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالأعيان فلا بد من تقدير مضاف ~~في أحد PageV04P051 # الجانين أي أجعلتم أهلهما كمن آمن بالله الخ ويؤيده قراءة من قرأ سقاة ~~الحاج وعمرة المسجد الحرام أو أجعلتموها كإيمان من آمن الخ وعلى التقديرين ~~فالخطاب إما للمشركين على طريقة الالتفات وهو المتبادر من تخصيص ذكر ~~الإيمان بجانب المشبه به وإما لبعض المؤمنين المؤثرين للسقاية والعمارة ~~ونحوهما على الهجرة والجهاد ونظائرهما وهو المناسب للاكتفاء في الرد عليهم ~~ببيان عدم مساواتهم عند الله للفريق الثاني وبيان أعظمية درجتهم عند الله ~~تعالى على وجه يشعر بعدم حرمان الأولين بالكلية وجعل معنى التفضيل بالنسبة ~~إلى زعم الكفرة لا يجدى كثير نفع لأنه إن لم يشعر بعدم الحرمان فليس بمشعر ~~بالحرمان أيضا أما على الأول فهو توبيخ للمشركين ومداره على إنكار تشبيه ~~أنفسهم من حيث اتصافهم بوصفيهم المذكورين مع قطع النظر عما هم عليه من ~~الشرك بالمؤمنين من حيث اتصافهم بالإيمان والجهاد أو على إنكار تشبيه ~~وصفيهم المذكورين في حد ذاتهما مع الإغماض عن مقارنتهما للشرك بالإيمان ~~والجهاد وأما اعتبار مقارنتهما له كما قيل فيأباه المقام كيف لا وقد بين ~~آنفا حبوط أعمالهم بذلك الاعتبار بالمرة وكونها بمنزلة العدم فتوبيخهم بعد ~~ذلك على تشبيههما بالإيمان والجهاد ثم رد ذلك بما يشعر بعدم حرمانهم عن أصل ~~الفضيلة بالكلية كما أشير إليه مما لا يساعده النظم التنزيلي ولو اعتبر ذلك ~~لما احتيج إلى تقرير إنكار التشبيه وتأكيده ms1340 بشيء آخر إذ لا شيء أظهر بطلانا ~~من تشبيه المعدوم بالموجود فالمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة في الفضيلة ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما في ذلك كالإيمان ~~والجهاد وشتان بينهما فإن السقاية والعمارة وإن كانتا في أنفسهما من أعمال ~~البر والخير لكنهما وإن خلتا عن القوادح بمعزل عن صلاحية أن يشبه أهلهما ~~بأهل الإيمان والجهاد أو يشبه نفسهما بنفس الإيمان والجهاد وذلك قوله عز ~~وجل «لا يستوون عند الله» أي لا يساوي الفريق الأول الثاني من حيث اتصاف كل ~~منهما بوصفيهما ومن ضرورته عدم التساوي بين الوصفين الأولين وبين الآخرين ~~لأنه المدار في التفاوت بين الموصفين وإسناد عدم الاستواء إلى الموصوفين ~~لأن الأهم بيان تفاوتهم وتوجيه النفي ههنا والإنكار فيما سلف إلى الاستواء ~~والتشبيه مع أن دعوى المفتخرين بالسقاية والعمارة من المشركين والمؤمنين ~~إنما هي الأفضلية دون التساوي والتشابه للمبالغة في الرد عليهم فإن نفي ~~التساوي والتشابه نفي للأفضلية بالطريق الأولى والجملة استئناف لتقرير ~~الإنكار المذكور وتأكيده أو حال من مفعولي الجعل والرابط هو الضمير كأنه ~~قيل أسويتم بينهم حال كونهم متفاوتين عنده تعالى وقوله تعالى «والله لا ~~يهدي القوم الظالمين» حكم عليهم بأنهم مع ظلمهم بالإشراك ومعاداة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ضالون في هذا الجعل غير مهتدين إلى طريق معرفة الحق ~~وتمييز الراجح من المرجوح وظالمون بوضع كل منهما موضع الآخر وفيه زيادة ~~تقرير لعدم التساوي بينهم وقوله تعالى «الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم» استئناف PageV04P052 # لبيان مراتب فضلهم إثر بيان عدم الاستواء وضلال المشركين وظلمهم وزيادة ~~الهجرة وتفصيل نوعي الجهاد للإيذان بأن ذلك من لوازم الجهاد لا أنه اعتبر ~~بطريق التدارك أمر لم يعتبر فيما سلف أي هم باعتبار اتصافهم بهذه الأوصاف ~~الجميلة «أعظم درجة عند الله» أي أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم يتصف بها ~~كائنا من كان وإن حاز جميع ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقاية ~~والعمارة «وأولئك» أي المنعوتون بتلك النعوت الفاضلة وما في اسم ms1341 الإشارة من ~~معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم في الرفعة «هم الفائزون» المختصون ~~بالفوز العظيم أو بالفوز المطلق كأن فوز من عداهم ليس بفوز بالنسبة إلى ~~فوزهم وأما على الثاني فهو توبيخ لمن يؤثر السقاية والعمارة من المؤمنين ~~على الهجرة والجهاد روى أن عليا قال للعباس رضي الله عنهما بعد إسلامه يا ~~عم ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألست في ~~أفضل من الهجرة أسقى حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام فلما نزلت قال ما ~~أراني إلا تارك سقايتنا فقال صلى الله عليه وسلم أقيموا على سقايتكم فإن ~~لكم فيها خيرا وروى النعمان بن بشير قال كنت عند منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقى الحاج وقال آخر ~~ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في ~~سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال لا ترفعوا أصواتكم ~~عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليتم ~~استفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه فدخل فأنزل الله عز ~~وجل هذه الآية والمعنى أجعلتم أهل السقاية والعمارة من المؤمنين في الفضيلة ~~والرفعة كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله أو أجعلتموهما كالإيمان ~~والجهاد وإنما لم يذكر الإيمان في جانب المشبه مع كونه معتبرا فيه قطعا ~~تعويلا على ظهور الأمر وإشعارا بأن مدار إنكار التشبيه هو السقاية والعمارة ~~دون الإيمان وإنما لم يترك ذكره في جانب المشبه به أيضا تقوية للإنكار ~~وتذكيرا لأسباب الرجحان ومبادي الأفضلية وإيذانا بكمال التلازم بين الإيمان ~~وما تلاه ومعنى عدم الاستواء عند الله تعالى على هذا التقدير ظاهر وكذا ~~أعظمية درجة الفريق الثاني وأما قوله تعالى والله لا يهدي القوم الظالمين ~~فالمراد به عدم هدايته تعالى لهم لي معرفة الراجح من المرجوح وظلمهم بوضع ~~كل منهما موضع الآخر لا عدم الهداية مطلقا ولا ms1342 الظلم عموما والقصر في قوله ~~تعالى وأولئك هم الفائزون بالنسبة إلى درجة الفريق الثاني أو إلى الفوز ~~المطلق ادعاء كما مر والله أعلم يبشرهم وقرئ بالتخفيف «ربهم برحمة» عظيمة ~~«منه ورضوان» كبير «وجنات» عالية «لهم فيها» في تلك الجنات «نعيم مقيم» نعم ~~لا نفاد لها وفي التعرض لعنوان الربوبية تأكيد للمبشر به وتربية له «خالدين ~~فيها» أي في الجنات «أبدا» تأكيد للخلود لزيادة توضيح المراد به إذ قد يراد ~~به المكث الطويل «إن الله عنده أجر عظيم» لا قدر عنده لأجور الدنيا أو ~~للأعمال التي في مقابلته والجملة استئناف وقع تعليلا لما سبق PageV04P053 # «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء» نهى لكل فرد من ~~أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من المشركين بقضية مقابلة الجمع بالجمع ~~الوجبة لانقسام الآحاد إلى الآحاد كما في قوله عز وجل وما للظالمين من ~~أنصار لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من النظم دلالة لا عبارة ~~والآية نزلت في المهاجرين فإنهم لما أمروا بالهجرة قالوا أن هاجرنا قطعنا ~~آباءنا وأبناءنا وعشيرتنا وذهبت تجاراتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ~~وبقينا ضائعين فنزلت فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض ~~أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم في ذلك وقيل ~~نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة نهيا عن موالاتهم وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله ~~حتى يحب في الله أبعد الناس منه ويبغض في الله أقرب الناس إليه «إن استحبوا ~~الكفر» أي اختاروه «على الإيمان» وأصروا عليه إصرارا لا يرجى معه الإقلاع ~~عنه أصلا وتعليق النهي عن الموالاة بذلك لما أنها قبل ذلك ربما تؤدي بهم ~~إلى الإسلام بسبب شعورهم بمحاسن الدين «ومن يتولهم» أي واحد منهم كما أشير ~~إليه وإفراد الضمير في الفعل لمراعاة لفظ الموصول وللإيذان باستقلال كل ~~واحد منهم في الاتصاف بالظلم لا أن المراد تولى فرد واحد وكلمة من ms1343 في قوله ~~تعالى «منكم» للجنس لا للتبعيض «فأولئك» أي أولئك المتولون «هم الظالمون» ~~بوضعهم الموالاة في غير موضعها كأن ظلم غيرهم كلا ظلم عند ظلمهم «قل» تلوين ~~للخطاب وأمر له صلى الله عليه وسلم بأن يثبت المؤمنين ويقوى عزائمهم على ~~الانتهاء عما نهوا عنه من موالاة الآباء والإخوان ويزهدهم فيهم وفيمن يجرى ~~مجراهم من الأبناء والأزواج ويقطع علائقهم عن زخارف الدنيا وزينتها على وجه ~~التوبيخ والترهيب «إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم» لم يذكر ~~الأبناء والأزواج فيما سلف لأن موالاة الأبناء والأزواج غير معتاد بخلاف ~~المحبة «وعشيرتكم» أي أقرباؤهم مأخوذ من العشرة أي الصحبة وقيل من العشرة ~~فإنهم جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة وقرئ عشيراتكم وعشائركم «وأموال ~~اقترفتموها» أي اكتسبتموها وإنما وصفت بذلك إيماء إلى عزتها عندهم لحصولها ~~بكد اليمين «وتجارة» أي أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح «تخشون كسادها» ~~بفوات وقت رواجها بغيبتكم عن مكة المعظمة في أيام الموسم «ومساكن ترضونها» ~~أي منازل تعجبكم الإقامة فيها من الدور والبساتين والتعرض للصفات المذكورة ~~للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر PageV04P054 # من زينة الحياة الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادئ المحبة وموجبات ~~الرغبة فيها وأنها مع ما لها من فنون المحاسن بمعزل عن أن يؤثر حبها على ~~حبه تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله عز وجل ما غرك بربك ~~الكريم «أحب إليكم من الله ورسوله» بالحب الاختياري المستتبع لأثره الذي هو ~~الملازمة وعدم المفارقة لا الحب الجبلي الذي لا يخلو عنه البشر فإنه غير ~~داخل تحت التكليف الدائر على الطاقة «وجهاد في سبيله» نظم حبه في سلك حب ~~الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم تنويها لشأنه وتنبيها على أنه ~~مما يجب أن يحب فضلا عن أن يكره وإيذانا بأن محبته راجعة إلى محبتهما فإن ~~الجهاد عبارة عن قتال أعدائهما لأجل عداوتهم فمن يحبهما يجب أن يحب قتال من ~~لا يحبهما «فتربصوا» أي انتظروا «حتى يأتي الله بأمره» عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه ms1344 فتح مكة وقيل هي عقوبة عاجلة أو آجلة «والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين» الخارجين عن الطاعة في موالاة المشركين أو القوم الفاسقين كافة ~~فيدخل في زمرتهم هؤلاء دخولا أوليا أي لا يرشدهم إلى ما هو خير لهم وفي ~~الآية الكريمة من الوعيد ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه لطف من ربه ~~والله المستعان «لقد نصركم الله» الخطاب للمؤمنين خاصة «في مواطن كثيرة» من ~~الحروب وهي مواقعها ومقاماتها والمراد بها وقعات بدر وقريظة والنضير ~~والحديبية وخيبر وفتح مكة «ويوم حنين» عطف على محل في مواطن بحذف المضاف في ~~أحدهما أي وموطن يوم حنين أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين ولعل التغيير ~~للإيماء إلى ما وقع فيه من قلة الثبات من أول الأمر وقيل المراد بالموطن ~~الوقت كمقتل الحسين وقيل يوم حنين منصوب بمضمر معطوف على نصركم أي ونصركم ~~يوم حنين «إذ أعجبتكم كثرتكم» بدل من يوم حنين ولا منع فيه من عطفه على محل ~~الظرف بناء على أنه لم يكن في المعطوف عليه كثرة ولا إعجاب إذ ليس من قضية ~~العطف مشاركة المعطوفين فيما أضيف إليه المعطوف أو منصوب بإضمار اذكر وحنين ~~واد بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا عشرة ~~آلاف منهم من شهد فتح مكة من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء وبين ~~هوازن وثقيف وكانوا أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب وكانوا الجم ~~الغفير فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة ابن سلامة الأنصاري لن ~~نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتتلوا قتالا ~~شديدا فانهزم المشركون وخلوا الذراري فأكب المسلمون على الغنائم فتنادى ~~المشركون يا حماة السوء اذكروا الفضائح فتراجعوا فأدركت المسلمين كلمة ~~الإعجاب فانكشفوا وذلك قوله عز وجل «فلم تغن عنكم شيئا» والإغناء إعطاء ما ~~يدفع به الحاجة أي لم تعطكم تلك الكثرة ما تدفعون به حاجتكم شيئا من ~~الإغناء «وضاقت عليكم الأرض بما رحبت» أي برحبها وسعتها على أن ما مصدرية ms1345 ~~والباء بمعنى مع أي لا تجدون فيها مفرا تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب ولا ~~تثبتون فيها كمن لا يسعه مكان «ثم وليتم مدبرين» روى أنه PageV04P055 # بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ليس معه إلا عمه ~~العباس آخذا بلجام بغلته وابن عمه أبو سفيان ابن الحرث آخذا بركابه وهو ~~يركض البغلة نحو المشركين وهو يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ~~روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يحمل على الكفار فيفرون ثم يحملون عليه ~~فيقف لهم فعل ذلك بضع عشرة مرة قال العباس كنت أكف البغلة لئلا تسرع به نحو ~~المشركين وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على أنه صلى الله عليه وسلم كان في ~~الشجاعة ورباطة الجأش سباقا للغايات القاصية وما كان ذلك إلا لكونه مؤيدا ~~من عند الله العزيز الحكيم فعند ذلك قال يا رب ائتني بما وعدتني وقال ~~للعباس وكان صيتا صح بالناس فنادى الأنصار فخذا فخذا ثم نادى يا أصحاب ~~الشجرة يا أصحاب سورة البقرة فكروا عنقا واحدا وهم يقولون لبيك لبيك وذلك ~~قوله تعالى «ثم أنزل الله سكينته على رسوله» أي رحمته التي تسكن بها القلوب ~~وتطمئن إليها اطمئنانا كليا مستتبعا للنصر القريب وأما مطلق السكينة فقد ~~كانت حاصلة له صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أيضا «وعلى المؤمنين» عطف على ~~رسوله وتوسيط الجار بينهما للدلالة على ما بينهما من التفاوت أي المؤمنين ~~الذين انهزموا وقيل على الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو على ~~الكل وهو الأنسب ولا ضير في تحقق أصل السكينة في الثابتين من قبل والتعرض ~~لوصف الإيمان للإشعار بعلية الإنزال «وأنزل جنودا لم تروها» أي بأبصاركم ~~كما يرى بعضكم بعضا وهم الملائكة عليهم السلام عليهم البياض على خيول بلق ~~فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هكذا حين حمى الوطيس ~~فأخذ كفا من التراب فرمى به نحو المشركين وقال شاهت الوجوه فلم يبق منهم ~~أحدا إلا امتلأت به عيناه ms1346 ثم قال صلى الله عليه وسلم انهزموا ورب الكعبة ~~واختلفوا في عدد الملائكة يومئذ فقيل خمسة آلاف وقيل ثمانية آلاف وقيل ستة ~~عشر ألفا وفي قتالهم أيضا فقيل قاتلوا وقيل لم يقاتلوا إلا يوم بدر وإنما ~~كان نزولهم لتقوية قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة وتأييدهم بذلك ~~وإلقاء الرعب في قلوب المشركين قال سعيد بن المسيب حدثني رجل كان في ~~المشركين يوم حنين قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى ~~صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا ~~فرجعنا فركبوا أكتافنا «وعذب الذين كفروا» بالقتل والأسر والسبي «وذلك» أي ~~ما فعل بهم مما ذكر «جزاء الكافرين» لكفرهم في الدنيا «ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك على من يشاء» أن يتوب عليه منهم لحكمة تقتضيه أي يوفقه للإسلام «والله ~~غفور» يتجاوز عما سلف منهم من الكفر والمعاصي «رحيم» يتفضل عليهم ويثيبهم ~~روى أن ناسا منهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام ~~وقالوا يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا ~~وأخذت أموالنا قيل سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى ~~فقال صلى الله عليه وسلم إن عندي ما ترون إن خير القول أصدقه اختاروا ~~PageV04P056 # إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم قالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا فقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن هؤلاء جاءونا مسلمين وإنا خيرناهم بين ~~الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن ~~يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن فرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه ~~قالوا قد رضينا وسلمنا فقال صلى الله عليه وسلم إنا لا ندري لعل فيكم من لا ~~يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا ~~«يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس» وصفوا بالمصدر مبالغة كأنهم عين ~~النجاسة أو هم ذو نجس لخبث باطنهم أو لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ~~أو لأنهم لا يتطهرون ms1347 ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير وعن الحسن من ~~صافح مشركا توضأ وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين وقرئ نجس لكسر النون ~~وسكون الجيم وهو تخفيف نجس ككبد في كبد كأنه قيل إنما المشركون جنس نجس أو ~~ضرب نجس وأكثر ما جاء تابعا لرجس «فلا يقربوا المسجد الحرام» تقريع على ~~نجاستهم وإنما نهى عن القرب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم وهو مذهب عطاء ~~وقيل المراد به النهى عن الدخول مطلقا وقيل المراد المنع عن الحج والعمرة ~~وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويؤيده قوله عز وجل «بعد عامهم هذا» ~~فإن تقييد النهى بذلك يدل على اختصاص المنهي عنه بوقت من أوقات العام أي لا ~~يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا وهو عام تسعة من الهجرة حين أمر أبو ~~بكر رضى الله عنه على الموسم ويدل عليه قول علي رضى الله عنه حين نادى ~~ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد ~~الحرام وسائر المساجد عنده وعند الشافعي يمنعون من المسجد الحرام خاصة وعند ~~مالك يمنعون من جميع المساجد ونهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي ~~المسلمين عن تمكينهم من ذلك وقيل المراد أن يمنعوا من تولى المسجد الحرام ~~والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك «وإن خفتم عيلة» أي فقرا بسبب منعهم من ~~الحج وانقطاع ما كانوا يجلبونه إليكم من الإرفاق والمكاسب وقرئ عائلة على ~~أنها مصدر كالعافية أو حالا عائلة «فسوف يغنيكم الله من فضله» من عطائه أو ~~من تفضله بوجه آخر فأرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا أغزر بها خيرهم ~~وأكثر ميرهم وأسلم أهل تبالة وجرش فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به فكان ~~ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته ثم فتح عليهم البلاد والغنائم ~~وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض «إن شاء» أن يغنيكم مشيئته تابعة للحكمة ~~الداعية إليها وإنما قيد ذلك بها لتنقطع الآمال إلى ms1348 الله تعالى ولأن ~~الإغناء ليس مطردا بحسب الأفراد والأحوال والأوقات «إن الله عليم» بمصالحكم ~~«حكيم» فيما يعطي ويمنع PageV04P057 # «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر» أمرهم بقتال أهل ~~الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحوموا حول ما كانوا ~~يفعلونه من الحج والعمرة غير خائفين من الفاقة المتوهمة من انقطاعهم ونبههم ~~في تضاعيف ذلك على بعض طرق الإغناء الموعود على الوجه الكلي وأرشدهم إلى ~~سلوكه ابتغاء لفضله واستنجازا لوعده والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ~~ما في حيز الصلة للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين فإن ~~اليهود مثنية والنصارى مثلثة فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه ولا ~~باليوم الآخر فإن عملهم بأحوال الآخرة كلا علم فإيمانهم المبني عليه ليس ~~بإيمان به «ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله» أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلوا ~~أو غير متلو وقيل المراد برسوله الرسول الذي يزعمون اتباعه أي يخالفون أصل ~~دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا «ولا يدينون دين الحق» الثابت الذي هو ناسخ ~~لسائر الأديان وهو دين الإسلام وقيل دين الله «من الذين أوتوا الكتاب» من ~~التوراة والإنجيل فمن بيانية لا تبعيضية حتى يكون بعضهم على خلاف ما نعت ~~«حتى يعطوا» أي يقبلوا أن يعطوا «الجزية» أي ما تقرر عليهم أن يعطوه مشتق ~~من جزي دينه أي قضاه أو لأنهم يجزون بها من من عليهم بالإعفاء عن القتل «عن ~~يد» حال من الضمير في يعطوا أي عن يد مؤاتية مطيعة بمعنى منقادين أو من ~~يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم ولذلك منع من التوكيل ~~فيه أو عن غني ولذلك لم تجب الجزية على الفقير العاجز أو عن يد قاهرة عليهم ~~أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلاء أو عن إنعام عليهم فإن إبقاء مهجتهم بما ~~بذلوا من الجزية نعمة عظيمة عليهم أو من الجزية أي نقدا مسلمة عن يد إلى يد ~~وغاية القتال ليست نفس هذا الإعطاء بل قبوله كما أشير إليه «وهم صاغرون» أي ~~أذلاء وذلك بأن يأتي بها ms1349 بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم ~~جالس ويؤخذ بتلبيبه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديها وهي تؤخذ عند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه من أهل الكتاب مطلقا ومن مشركي العجم لا من مشركي العرب ~~عند أبي يوسف رضي الله عنه لا تؤخذ من العربي كتابيا كان أو مشركا وتؤخذ من ~~الأعجمي كتابيا كان أو مشركا وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ من أهل الكتاب ~~عربيا أو عجميا ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقا وذهب مالك والأوزاعي إلى ~~أنها تؤخذ من جميع الكفار وأما المجوس فقد اتفقت الصحابة رضي الله عنهم على ~~أخذ الجزية منهم لقوله صلى الله عليه وسلم سنوا بهم سنة أهل الكتاب وروى عن ~~علي رضي الله عنه أنه كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم ~~فرفع من بين أظهرهم واتفقوا على تحريم ذبيحتهم ومناكحتهم لقوله صلى الله ~~عليه وسلم في آخر ما نقل من الحديث غير ناكحي نسائهم وآكلي ذبيحتهم ووقت ~~الأخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه أول السنة وتسقط بالموت والإسلام ~~ومقدارها على الفقير المعتمل اثنا عشر درهما وعلى المتوسط الحال أربعة ~~وعشرون درهما وعلى الغني ثمانية وأربعون درهما ولا جزية على فقير ~~PageV04P058 # عاجز عن الكسب ولا على شيخ فإن أو زمن أو صبي أو امرأة وعند الشافعي رضي ~~الله عنه تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار غنيا كان أو فقيرا كان له كسب ~~أو لم يكن «وقالت اليهود» جملة مبتدأة سيقت لتقرير ما مر من عدم إيمان أهل ~~الكتابين بالله سبحانه وانتظامهم بذلك في سلك المشركين «عزير ابن الله» ~~مبتدأ وخبر وقرئ بغير تنوين على أنه اسم أعجمي كعازر وعزار غير منصرف ~~للعجمة والتعريف وأما تعليله بالتقاء الساكنين أو بجعل الابن وصفا على أن ~~الخبر محذوف فتعسف مستغنى عنه قيل هو قول قدمائهم ثم انقطع فحكى الله تعالى ~~دلك عنهم ولا عبرة بإنكار اليهود وقيل قول بعض ممن كان بالمدينة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه ms1350 جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس منهم وهم ~~سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس ابن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك وقيل ~~قاله فنحاص بن عازوراء وهو الذي قال إن الله فقير ونحن أغنياء وسبب هذا ~~القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله تعالى عنهم ~~التوراة ومحاها من قلوبهم فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل ~~عليه السلام فقال له أين تذهب قال أطلب العلم فحفظه التوراة فأملاها عليهم ~~عن ظهر لسانه لا يخرم حرفا فقالوا ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام ~~إلا أنه ابنه قال الإمام الكلبي لما قتل بخت نصر علماءهم جميعا وكان عزير ~~إذ ذاك صغيرا فاستصغره ولم يقتله فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس ~~فيهم من يقرأ التوراة بعث الله تعالى عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون آية ~~بعد ما أماته مائة عام يقال إنه أتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت في ~~صدره فلما أتاهم فقال لهم إني عزير كذبوه فقالوا إن كنت كما تزعم فأمل ~~علينا التوراة ففعل فقالوا إن الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا ~~لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله تعالى التوراة ~~ونسخها من صدورهم ورفع التابوت فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد ~~حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه به ثم إن التابوت نزل فعرضوا ما تلاه عزير ~~على ما فيه فوجدوه مثله فقالوا ما قالوا «وقالت النصارى المسيح ابن الله» ~~هو أيضا قول بعضهم وإنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بغير أب أو لأن يفعل ~~ما فعله من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلها «ذلك» إشارة ~~إلى ما صدر عنهم من العظيمتين وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد درجة ~~المشار إليه في الشناعة والفظاعة «قولهم بأفواههم» إما تأكيد لنسبة القول ~~المذكور ms1351 إليهم ونفى التجوز عنها أو إشعار بأنه قول مجرد عن البرهان وتحقيق ~~مماثل للمهمل الموجود في الأفواه من غير أن يكون له مصداق في الخارج ~~«يضاهئون» أي في الكفر والشناعة وقرئ بغير همز «قول الذين كفروا» أي يشابه ~~قولهم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه عند انقلابه مرفوعا قول ~~الذين كفروا «من قبل» أي من قبلهم وهم المشركون الذين يقولون الملائكة بنات ~~أو اللات والعزى PageV04P059 # بنات الله لا قدماؤهم كما قيل إذ لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه ~~وجعله بين قولي الفريقين مع اتحاد المقول ليس فيه مزيد مزية وقيل الضمير ~~للنصارى أي يضاهي قولهم المسيح ابن الله قول اليهود عزير الخ لأنهم أقدم ~~منهم وهو أيضا كما ترى فإنه يستدعي اختصاص الرد والإبطال بقوله تعالى ذلك ~~قولهم بأفواههم بقول النصارى «قاتلهم الله» دعاء عليهم جميعا بالإهلاك فإن ~~من قاتله الله هلك أو تعجب من شناعة قولهم «أنى يؤفكون» كيف يصرفون من الحق ~~إلى الباطل والحال أنه لا سبيل إليه أصلا «اتخذوا» زيادة تقرير لما سلف من ~~كفرهم بالله تعالى «أحبارهم» وهم علماء اليهود واختلف في واحده قال الأصمعي ~~لا أدري أهو حبر أم حبر وقال أبو الهيثم بالفتح لا غير وكان الليث وابن ~~السكيت يقولان حبر وحبر للعالم ذميا كان أو مسلما بعد أن كان من أهل الكتاب ~~«ورهبانهم» وهم علماء النصارى من أصحاب الصوامع أي اتخذ كل واحد من ~~الفريقين علماءهم لا الكل الكل «أربابا من دون الله» بأن أطاعوهم في تحريم ~~ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه أو بالسجود لهم ونحوه تسمية أتباع ~~الشيطان عبادة له في قوله تعالى يا أبت لا تعبد الشيطان وقوله تعالى بل ~~كانوا يعبدون الجن قال عدي بن حاتم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~عنقي صليب من ذهب وكان إذ ذاك على دين يسمى الركوسية فريق من النصارى وهو ~~يقرأ سورة براءة فقال يا عدي اطرح هذا الوثن فطرحته فلما انتهى إلى قوله ~~تعالى اتخذوا أحبارهم ms1352 ورهبانهم أربابا من دون الله قلت يا رسول الله لم ~~يكونوا يعبدونهم فقال صلى الله عليه وسلم أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ~~ويحلون ما حرم الله فتستحلونه فقلت بلى قال ذلك عبادتهم قال الربيع قلت ~~لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل قال إنهم ربما وجدوا في ~~كتاب الله تعالى ما يخالف أقوال الأحبار فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون ~~حكم كتاب الله «والمسيح ابن مريم» عطف على رهبانهم أي اتخذه النصارى ربا ~~معبودا بعد ما قالوا إنه ابنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا وتخصيص الاتخاذ به ~~يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له ~~صلى الله عليه وسلم ربا معبودا أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل ~~والتحريم كما هو المراد باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا لأنه مختص ~~بالنصارى ونسبته صلى الله عليه وسلم إلى أمه من حيث دلالتها على مربوبيته ~~المافية للربوبية للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل ~~والحماقة «وما أمروا» أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابيهم «إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا» عظيم الشأن هو الله سبحانه وتعالى ويطيعوا أمره ولا ~~يطيعوا أمر غيره بخلافه فإن ذلك مخل بعبادته تعالى فإن جميع الكتب السماوية ~~متفقة على ذلك قاطبة وقد قال المسيح عليه السلام إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه الجنة وأما إطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر من أمر الله ~~تعالى بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة لله عز وجل أو وما أمر الذين اتخذهم ~~الكفرة أربابا من المسيح والأحبار والرهبان إلا ليوحدوا الله PageV04P060 # تعالى فكيف يصح أن يكونوا أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم ولا يقدح في ~~ذلك كون ربوبية الأحبار والرهبان بطريق الإطاعة فإن تخصيص العبادة به تعالى ~~لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضا به تعالى وحيث لم يخصوها به تعالى لم ~~يخصوا العبادة به سبحانه «لا إله إلا هو» صفة ثانية لإلها أو استئناف مقرر ~~للتوحيد «سبحانه عما يشركون» عن الإشراك به في ms1353 العبادة والطاعة «يريدون أن ~~يطفئوا نور الله» إطفاء النار عبارة عن إزالة لهبا الموجبة لزوال نورها لا ~~عن إزالة نورها كما قيل لكن لما كان الغرض من إطفاء نار لا يراد بها إلا ~~النور كالمصباح إزالة نورها جعل إطفاؤها عبارة عنها ثم شاع ذلك حتى كان ~~عبارة عن مطلق إزالة النور وإن كان لغير النار والسر في ذلك انحصار إمكان ~~الإزالة في نورها والمراد بنور الله سبحانه إما حجته النيرة الدالة على ~~وحدانيته وتنزهه عن الشركاء والأولاد أو القرآن العظيم الناطق بذلك أي يريد ~~أهل الكتابين أن يردوا القرآن ويكذبوه فيما نطق به من التوحيد والتنزه عن ~~الشركاء والأولاد والشرائع التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحل والحرمة ~~«بأفواههم» بأقاويلهم الباطلة الخارجة منها من غير أن يكون لها مصداق تنطبق ~~عليه أو أصل تستند إليه حسبما حكي عنهم وقيل المراد به نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا وقد قيل مثلت حالهم فيما ذكر بحال من يريد طمسن نور عظيم ~~منبث في الآفاق بنفخه «ويأبى الله» أي لا يريد «إلا أن يتم نوره» بإعلاء ~~كلمة التوحيد وإعزاز دين الإسلام وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب ~~لكونه بمعنى النفي كما أشير إليه لوقوعه في مقابلة قوله تعالى يريدون وفيه ~~من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة أي لا يريد شيئا ~~من الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ~~فضلا عن الإطفاء وفي إظهار النور في مقام الإضمار مضافا إلى ضميره عز وجل ~~زيادة اعتناء بشأنه وتشريف له على تشريف وإشعار بعلة الحكم «ولو كره ~~الكافرون» جواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة على جملة ~~قبلها مقدرة وكلتاهما في موقع الحال أي لا يريد الله إلا إتمام نوره ولو لم ~~يكره الكافرون ذلك ولو كره أي على كل حال مفروض وقد حذفت الأولى في الباب ~~حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة لأن الشيء إذا تحقق عند ~~المانع فلأن يتحقق ms1354 عند عدمه أولى وعلى هذا السر يدور ما في إن ولو ~~الوصليتين من التأكيد وقد مر زيادة تحقيق لهذا مرار «هو الذي أرسل رسوله» ~~ملتبسا «بالهدى» أي القرآن الذي هو هدى للمتقين «ودين الحق» الثابت وهو دين ~~الإسلام «ليظهره» أي رسوله «على الدين كله» أي على أهل الأديان كلهم أو ~~ليظهر الدين الحق على سائر الأديان بنسخه إياها حسبما تقتضيه الحكمة ~~والجملة بيان وتقرير لمضمون الجملة السابقة والكلام في قوله عز وجل «ولو ~~كره المشركون» كما فيما سبق خلا أن وصفهم بالشرك بعد وصفهم PageV04P061 # بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر بالله «يا أيها ~~الذين آمنوا» شروع في بيان حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم إثر ~~بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي ~~واتباعهم لهم فيما يأتون وما يذرون «إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل» يأخذونها بطريق الرشوة لتغيير الأحكام والشرائع ~~والتخفيف والمسامحة فيها وإنما عبر عن ذلك بالأكل بناء على أنه معظم الغرض ~~منه وتقبيحا لحالهم وتنفير للسامعين عنهم «ويصدون» الناس «عن سبيل الله» عن ~~دين الإسلام أو عن المسلك المقرر في التوراة والإنجيل إلى ما افتروه وحرفوه ~~بأخذ الرشا أو يصدون عنه بأنفسهم بأكلهم الأموال بالباطل «والذين يكنزون ~~الذهب والفضة» أي يجمعونهما ويحفظونهما سواء كان ذلك بالدفن أو بوجه آخر ~~والموصول عبارة إما عن الكثير من الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في الوصف ~~بالحرص والضن بهما بعد وصفهم بما سبق من أخذ الرشا والبراطيل في الأباطيل ~~وإما عن المسلمين الكانزين غير المنفقين وهو الأنسب بقوله عز وجل «ولا ~~ينفقونها في سبيل الله» فيكون نظمهم في قرن المرتشين من أهل الكتاب تغليظا ~~ودلالة على كونهم أسوة لهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم فالمراد ~~بالإنفاق في سبيل الله الزكاة لما روى أنه لما نزل كبر ذلك على المسلمين ~~فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله تعالى لم يفرض الزكاة ~~إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ولقوله ms1355 صلى الله عليه وسلم ما أدى زكاته ~~فليس بكنز أي بكنز أو عد عليه فإن الوعيد عليه مع عدم الإنفاق فيما أمر ~~الله بالإنفاق فيه وأما قوله صلى الله عليه وسلم من ترك صفراء أو بيضاء كوى ~~بها ونحوه فالمراد بها ما لم يؤد حقها لقوله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ~~ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من ~~نار فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره «فبشرهم بعذاب أليم» خبر للموصول والفاء ~~لتضمنه معنى الشرط ويجوز أن يكون الموصول منصوبا بفعل يفسره فبشرهم «يوم» ~~منصوب بعذاب أليم أو بمضمر يدل عليه ذلك أي يعذبون أو باذكر «يحمى عليها في ~~نار جهنم» أي يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها وأصله تحمى النار فجعل ~~الإحماء للنار مبالغة ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيها ~~على المقصود فانتقل من صيغة التأنيث إلى التذكير كما تقول رفعت القصة إلى ~~الأمير فإن طرحت القصة قلت رفع إلى الأمير وإنما قيل عليها والمذكور شيئان ~~لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة كما قال علي رضي الله عنه أربعة آلاف ~~PageV04P062 # وما دونها نفقة وما فوقها كنز وكذا الكلام في قوله تعالى ولا ينفقونها ~~وقيل الضمير للأموال والكنوز فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون ~~التمول أو للفضة وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب كذلك بل أولى ~~«فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» لأن جمعهم لها وإمساكهم كان لطلب ~~الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية أو لأنهم أزوروا ~~عن السائل وأعرضوا عنه وولوه ظهورهم أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها ~~المشتملة على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد أو لأنها أصول ~~الجهات الأربعة التي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه «هذا ما كنزتم» على ~~إرادة القول «لأنفسكم» لمنفعتها فكان عين مضرتها وسبب تعذيبها «فذوقوا ما ~~كنتم تكنزون» أي وبال كنزكم أو ما تكنزونه وقرئ بضم النون «إن عدة الشهور» ~~أي عددها «عند الله» أي في حكمه ms1356 وهو معمول لها لأنها مصدر «اثنا عشر» خبر ~~لأن «شهرا» تمييز مؤكد كما في قولك عندي من الدنانير عشرون دينارا والمراد ~~الشهور القمرية إذ عليها يدور فلك الأحكام الشرعية «في كتاب الله» في اللوح ~~المحفوظ أو فيما أثبته وأوجبه وهو صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهرا مثبتا في ~~كتاب الله وقوله عز وجل «يوم خلق السماوات والأرض» متعلق بما في الجار ~~والمجرور من معنى الاستقرار أو بالكتاب على أنه مصدر والمعنى إن هذا أمر ~~ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله تعالى الأجرام والحركات والأزمنة «منها» أي ~~من تلك الشهور الاثني عشر «أربعة حرم» هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها ~~أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين ~~جمادى وشعبان والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحل والحرمة وعاد ~~الحج إلى ذي الحجة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسيء الذي أحدثوه في ~~الجاهلية وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه ~~قبلها في ذي القعدة «ذلك» أي تحريم الأشهر الأربعة المعينة المعدودة وما في ~~ذلك من معنى البعد لتفخيم المشار إليه هو «الدين القيم» المستقيم دين ~~إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما ~~وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ويكرهون القتال فيها حتى أنه لو لقي رجل قاتل ~~أبيه أو أخيه لم يهجه وسموا رجبا الأصم ومنصل الأسنة حتى أحدثوا النسيء ~~فغيروا «فلا تظلموا فيهن أنفسكم» بهتك حرمتهن وارتكاب ما حرم فيهن والجمهور ~~على أن حرمة القتال فيهن منسوخة وأن الظلم ارتكاب المعاصي فيهن فإنه أعظم ~~وزرا كإرتكابها في الحرم وعن عطاء أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا ~~في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا وما نسخت ويؤيد الأول أنه PageV04P063 # صلى الله عليه وسلم ms1357 حصر طائفا وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة ~~«وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» أي جميعا وهو مصدر كف عن الشيء ~~فإن الجميع مكفوف عن الزيادة وقع موقع الحال «واعلموا أن الله مع المتقين» ~~أي معكم بالنصر والإمداد فيما تباشرونه من القتال وإنما وضع المظهر موضعه ~~مدحا لهم بالتقوى وحثا للقاصرين عليه وإيذانا بأنه المدار في النصر وقيل هي ~~بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم «إنما النسيء» هو مصدر نسأه إذا أخره ~~نسأ ونساء ونسيئا نحو مس مسا ومساسا ومسيسا وقرئ بهن جميعا وقرئ بقلب ~~الهمزة ياء وتشديد الياء الأولى فيها كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون ~~أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد ~~وربما زادوا في عدد الشهور بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم ~~الوقت ويجعلوا أربعة أشهر من السنة حرما ولذلك نص على العدد المعين في ~~الكتاب والسنة أي إنما تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر «زيادة في الكفر» لأنه ~~تحليل ما حرمه الله وتحريم ما حلله فهو كفر آخر مضمون إلى كفرهم «يضل به ~~الذين كفروا» ضلالا على ضلالهم القديم وقرئ على البناء للفاعل من الأفعال ~~على أن الفعل لله سبحانه أي يخلق فيهم الضلال عند مباشرتهم لمباديه وأسبابه ~~وهو المعنى على القراءة الأولى أيضا وقيل المضلون حينئذ رؤساؤهم والموصول ~~عبارة عن أتباعهم وقرئ يضل بفتح الياء والضاد من ضلل يضلل ونضل بنون العظمة ~~«يحلونه» أي الشهر المؤخر «عاما» من الأعوام ويحرمون مكانه شهرا آخر مما ~~ليس بحرام «ويحرمونه» أي يحافظون على حرمته كما كانت والتعبير عن ذك ~~بالتحريم باعتبار إحلالهم له في العام الماضي أو لإسنادهم له إلى آلهتهم ~~كما سيجيء «عاما» آخر إذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم قال الكلبي أول ~~من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان إذا هم الناس بالصدر ~~من الموسم يقوم فيخطب ويقول لا مرد لما قضيت وأنا الذي لا أعاب ولا أجاب ~~فيقول له ms1358 المشركون لبيك ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا يغيرون فيه فيقول إن صفر ~~العام حرام فإذا قال ذلك حلوا الأوتار ونزعوا الأسنة والأزجة وإن قال حلال ~~عقدوا الأوتار وشدوا الأزجة وأغاروا وقيل هو جنادة بن عوف الكناني وكان ~~مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوته إن آلهتكم ~~قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم يقوم في العام القابل فيقول إن آلهتكم قد ~~حرمت عليكم المحرم فحرموه وقيل هو رجل من كنانة يقال له القلمس قال قائلهم ~~* ومنا ناسئ الشهر القلمس * وعن ابن عباس رضي الله عنهما أول من سن النسيء ~~عمر بن لحي ابن قمعة بن خندف والجملتان تفسير للضلال أو حال من الموصول ~~والعامل عامله «ليواطئوا» أي ليوافقوا «عدة ما حرم الله» من الأشهر الأربعة ~~واللام متعلقة بالفعل الثاني أو بما يدل عليه بمجموع الفعلين «فيحلوا ما ~~حرم الله» بخصوصه من الأشهر المعينة «زين لهم سوء أعمالهم» وقرئ على البناء ~~PageV04P064 # للفاعل وهو الله سبحانه والمعنى جعل أعمالهم مشتهاة للطبع محبوبة للنفس ~~وقيل خذلهم حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسنا فاستمروا على ذلك «والله لا يهدي ~~القوم الكافرين» هداية موصلة إلى المطلوب البتة وإنما يهديهم إلى ما يوصل ~~إليه عند سلوكه وهم قد صدوا عنه بسوء اختيارهم فتاهوا في تيه الضلال «يا ~~أيها الذين آمنوا» رجوع إلى حث المؤمنين وتجريد عزائمهم على قتال الكفرة ~~إثر بيان طرف من قبائحهم الموجبة لذلك «ما لكم» استفهام فيه معنى الإنكار ~~والتوبيخ «إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم» تباطأتم وتقاعستم أصله ~~تثاقلتم وقد قرئ كذلك أي شيء حصل أو حاصل لكم أو ما تصنعون حين قال لكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم انفروا أي أخرجوا إلى الغزو في سبيل الله ~~متثاقلين على أن الفعل ماض لفظا مضارع معنى كأنه قيل تتثاقلون فالعامل في ~~الظرف الاستقرار المقدر في لكم أو معنى الفعل المدلول عليه بذلك ويجوز أن ~~يعمل فيه الحال أي ما لكم متثاقلين حين قيل لكم انفروا وقرئ اثاقلتم على ms1359 ~~الاستفهام الإنكاري التوبيخي فالعامل في الظرف حينئذ إنما هو الأول «إلى ~~الأرض» متعلق بإثاقلتم على تضمينه معنى الميل والإخلاد أي اثاقلتم ماثلين ~~إلى الدنيا وشهواتها الفانية عما قليل وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه المستتبعة ~~للراحلة الخالدة كقوله تعالى أخلد إلى الأرض واتبع هواه أو إلى الإقامة ~~بأرضكم ودياركم وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف ~~استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها مع ~~بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم ذلك وقيل ما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة غزاها إلا ورى بغيرها إلا في غزوة تبوك فإنه صلى الله عليه ~~وسلم بين لهم المقصد فيها ليستعدوا لها «أرضيتم بالحياة الدنيا» وغرورها ~~«من الآخرة» أي بدل الآخرة ونعيمها الدائم «فما متاع الحياة الدنيا» أظهر ~~في مقام الإضمار لزيادة التقرير أي فما التمتع بها وبلذائذها «في الآخرة» ~~أي في جنب الآخرة «إلا قليل» أي مستحقر لا يؤبه له وفي ترشيح الحياة الدنيا ~~بما يؤذن بنفاستها ويستدعى الرغبة فيها وتجريد الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في ~~بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة وعلوها «إلا تنفروا» أي إن لا ~~تنفروا إلى ما استنفرتم إليه «يعذبكم» أي الله عز وجل «عذابا أليما» أي ~~يهلككم بسبب فظيع هائل كقحط ونحوه «ويستبدل» بكم بعد إهلاككم «قوما غيركم» ~~وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على ~~المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال أي قوما مطيعين مؤثرين ~~للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم كأهل اليمن وأبناء فارس ~~وفيه من الدلالة على PageV04P065 # شدة السخط ما لا يخفى «ولا تضروه شيئا» أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه ~~أصلا فإنه الغني عن كل شيء في كل شيء وقيل الضمير للرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإن الله عز وجل وعده بالعصمة والنصرة وكان وعده مفعولا لا محالة ~~«والله على كل شيء قدير» فيقدر على إهلاككم والإتيان بقوم آخرين «إلا ~~تنصروه فقد نصره الله» أي أن لم ms1360 تنصروه فسينصره الله الذي قد نصره في وقت ~~ضرورة أشد من هذه المرة فحذف الجزاء وأقيم سببه مقامه أو إن لم تنصروه فقد ~~أوجب له النصرة حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره «إذ أخرجه ~~الذين كفروا» أي تسببوا لخروجه حيث أذن له صلى الله عليه وسلم في ذلك حين ~~هموا بإخراجه «ثاني اثنين» حال من ضميره صلى الله عليه وسلم وقرئ بسكون ~~الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب أي أحد اثنين من غير ~~اعتبار كونه صلى الله عليه وسلم ثانيا فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع ~~أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا لا الثالث والرابع خاصة ولذلك منع ~~الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة وقد مر في قوله ~~تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة من سورة المائدة وجعله صلى ~~الله عليه وسلم ثانيهما لمشي الصديق أمامه ودخوله في الغار أولا لكنسه ~~وتسوية البساط كما ذكر في الأخبار تمحل مستغنى عنه «إذ هما في الغار» بدل ~~من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع والغار ثقب في أعلى ثور وهو ~~جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثا «إذ يقول» بدل ثان أو ظرف ~~لثاني «لصاحبه» أي الصديق «لا تحزن إن الله معنا» بالعون والعصمة والمراد ~~بالمعية الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيء من الحزن وما ~~هو المشهور من اختصاص مع بالمتبوع فالمراد بما فيه من المتبوعية هو ~~المتبوعية في الأمر المباشر روى أن المشركين طلعوا فوق الغار فاشفق أبو بكر ~~رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن نصب اليوم ذهب دين ~~الله فقال صلى الله عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقيل لما دخلا ~~الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أعم أبصارهم فجعلوا يترددون حول الغار ~~ولا ms1361 يفطنون قد أخذ الله تعالى أبصارهم عنه وفيه من الدلالة على علو طبقة ~~الصديق رضي الله عنه وسابقة صحبته ما لا يخفى ولذلك قالوا من أنكر صحبة أبي ~~بكر رضي الله عنه فقد كفر لإنكاره كلام الله سبحانه وتعالى «فأنزل الله ~~سكينته» أمنته التي تسكن عندها القلوب «عليه» على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فالمراد بها مالا يحوم حوله شائبة الخوف أصلا أو على صاحبه إذ هو المنزعج ~~وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان على طمأنينة من أمره «وأيده بجنود لم ~~تروها» عطف على نصره الله والجنود هم الملائكة النازلون يوم بدر والأحزاب ~~وحنين وقيل هم الملائكة أنزلهم الله ليحرسوه في الغار ويأباه وصفهم بعدم ~~رؤية المخاطبين لهم وقوله عز وعلا «وجعل كلمة الذين كفروا السفلى» يعني ~~الشرك أو دعوة الكفر فإن ذلك الجعل لا يتحقق بمجرد PageV04P066 # الإنجاء بل بالقتل والأسر ونحو ذلك «وكلمة الله» أي التوحيد أو دعوة ~~الإسلام «هي العليا» لا يدانيها شيء وتغيير الأسلوب للدلالة على أنها في ~~نفسها كذلك لا يتبدل شأنها ولا يتغير حالها دون غيرها من الكلم ولذلك وسط ~~ضمير الفعل وقرئ بالنصب عطفا على كلمة الذين «والله عزيز» لا يغالب «حكيم» ~~في حكمه وتدبيره «انفروا» تجريد للأمر بالنفور بعد التوبيخ على تركه ~~والإنكار على المساهلة فيه وقوله تعالى «خفافا وثقالا» حالان من ضمير ~~المخاطبين أي على أي حال كان من يسر وعسر حاصلين بأي سبب كان من الصحة ~~والمرض أو الغنى والفقر أو قلة العيال وكثرتهم أو غير ذلك مما ينتظمه ~~مساعدة الأسباب وعدمها بعد الإمكان والقدرة في الجملة وما ذكر في تفسيرهما ~~من قولهم خفاقا لقلة عيالكم وثقالا لكثرتها أو خفاقا من السلاح وثقالا منه ~~أو ركبانا ومشاة أو شبانا وشيوخا أو مهازيل وسمانا أو صحاحا ومراضا ليس ~~لتخصيص الأمرين المتقابلين بالإرادة من غير مقارنة للباقي وعن ابن أم مكتوم ~~أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى أن أنفر قال صلى الله عليه ~~وسلم نعم حتى نزل ليس على ms1362 الأعمى حرج وعن ابن عباس رضي الله عنهما نسخت ~~بقوله عز وجل ليس على الضعفاء ولا على المرضى الآية «وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله» إيجاب للجهاد بهما إن أمكن وبأحدهما عند إمكانه ~~وإعواز الآخر حتى إن من ساعده النفس والمال يجاهد بهما ومن ساعده المال دون ~~النفس يغزى مكانه من حاله على عكس حاله إلى هذا ذهب كثير من العلماء وقيل ~~هو إيجاب للقسم الأول فقط «ذلكم» أي ما ذكر من النفير والجهاد وما في اسم ~~الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الشرف «خير لكم» أي خير عظيم ~~في نفسه أو خير مما يبتغي بتركه من الراحة والدعة وسعة العيش والتمتع ~~بالأموال والأولاد «إن كنتم تعلمون» أي تعلمون الخير علمتم أنه خير أو إن ~~كنتم تعلمون أنه خير إذ لا احتمال لغير الصدق في أخبار الله تعالى فبادروا ~~إليه «لو كان» صرف للخطاب عنهم وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تعديدا لما صدر عنهم من الهنات قولا وفعلا على طريق المباثة وبيانا لدناءة ~~هممهم وسائر رذائلهم أي لو كان ما دعوا إليه «عرضا قريبا» العرض ما عرض لك ~~من منافع الدنيا أي لو كان ذلك غنما سهل المأخذ قريب المال «وسفرا قاصدا» ~~ذا قصد بين القريب والبعيد «لاتبعوك» في النفير طمعا في الفوز بالغنيمة ~~وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط «ولكن ~~بعدت عليهم الشقة» أي المسافة الشاطة الشاقة التي تقطع بمشقة وقرئ بكسر ~~العين والشين «وسيحلفون» أي المتخلفون عن الغزو وقوله تعالى «بالله» إما ~~متعلق بسيحلفون أو هو من جملة كلامهم والقول مراد على الوجهين أي سيحلفون ~~PageV04P067 # بالله اعتذارا عند قفولك قائلين «لو استطعنا» أو سيحلفون قائلين بالله لو ~~استطعنا الخ أي لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من ~~جهتهما جميعا حسبما عن لهم من الكذب والتعلل وعلى كلا التقديرين فقوله ~~تعالى «لخرجنا معكم» ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعا أما على ms1363 الثاني ~~فظاهر وأما على الأول فلأن قولهم لو استطعنا في قوة بالله لو استطعنا لأنه ~~بيان لقوله تعالى سيحلفون بالله وتصديق له والإخبار بما سيكون منهم بعد ~~القفول وقد وقع حسبما أخبر به من جملة المعجزات الباهرة وقرئ لو استطعنا ~~بضم الواو تشبيها لها بواو الجمع كما في قوله عز وجل فتمنوا الموت «يهلكون ~~أنفسهم» بدل من سيحلفون لأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع أو حال من فاعله أي مهلكين ~~أنفسهم أو من فاعل خرجنا جئ به على طريقة الإخبار عنهم كأنه قيل نهلك ~~أنفسنا أي لخرجنا معكم مهلكين أنفسنا كما في قولك حلف ليفعلن مكان لأفعلن ~~«والله يعلم إنهم لكاذبون» أي في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء ~~تحقق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا «عفا الله عنك» صريح في ~~أنه سبحانه وتعالى قد عفا عنه صلى الله عليه وسلم ما وقع منه عند استئذان ~~المتخلفين في التخلف معتذرين بعدم الاستطاعة وإذنه اعتمادا على إيمانهم ~~ومواثيقهم لخلوها عن المزاحم من ترك الأولى والأفضل الذي هو التأني والتوقف ~~إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال وقوله عز وجل «لم أذنت لهم» أي لأي سبب ~~أذنت لهم في التخلف حين اعتلوا بعللهم بيان لما أشير إليه بالعفو من ترك ~~الأولى وإشارة إلى أنه ينبغي أن تكون أموره صلى الله عليه وسلم منوطة ~~بأسباب قوية موجبة لها أو مصححة وأن ما أبرزوه في معرض التعلل والاعتذار ~~مشفوعا بالإيمان كان بمعزل من كونه سببا للإذن قبل ظهور صدقة وكلتا اللامين ~~متعلقة بالإذن لاختلافهما في المعنى فإن الأولى للتعليل والثانية للتبليغ ~~والضمير المجرور لجميع المستأذنين وتوجه الإنكار إلى الأذن باعتبار شموله ~~للكل لا باعتبار تعلقه بكل فرد فرد لتحقق عدم استطاعة بعضهم كما ينبئ عنه ~~قوله سبحانه «حتى يتبين لك الذين صدقوا» أي فيما أخبروا به عند الاعتذار من ~~عدم الاستطاعة من جهة المال أو من جهة البدن أو من جهتهما معا حسبما عن ms1364 لهم ~~هناك «وتعلم الكاذبين» في ذلك فتعامل كلا من الفريقين بما يستحقه وهو بيان ~~لذلك الأولى الأفضل وتخصيص له صلى الله عليه وسلم عليه فإن كلمة حتى سواء ~~كانت بمعنى اللام أو بمعنى إلى لا يمكن تعلقها بقوله تعالى لم أذنت ~~لاستلزامه أن يكون إذنه صلى الله عليه وسلم لهم معللا أو مغيا بالتبين ~~والعلم ويكون توجه الاستفهام إليه من تلك الحيثية وذلك بين الفساد بل بما ~~يدل عليه ذلك كأنه قيل لم سارعت إلى الإذن لهم وهلا تأنيت حتى ينجلي الأمر ~~كما هو قضية الحزم قال قتادة وعمرو بن ميمون اثنان فعلهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسارى ~~فعاتبه الله تعالى كما تسمعون وتغيير الأسلوب بأن عبر عن الفريق الأول ~~بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعل ~~المفيد للدوام للإيذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح ~~لنظمهم في سلك الصادقين وأن ما صدر من الآخرين PageV04P068 # وإن كان كاذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه أمر جار على عادتهم المستمرة ~~ناشئ عن رسوخهم في الكذب والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين وعما يتعلق بالكذب ~~بالعلم لما هو المشهور من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي ~~فظهور صدقه إنما هو تبين ذلك المدلول وانقطاع احتمال نقيضه بعد ما كان ~~محتملا له احتمالا عقليا وأما كذبه فأمر حادث لا دلالة للخبر عليه في ~~الجملة حتى يكون ظهوره تبينا له بل هو نقيض لمدلوله فما يتعلق به يكون علما ~~مستأنفا وإسناده إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لا إلى المعلومين ببناء ~~الفعل للمفعول مع إسناد التبين إلى الأولين لما أن المقصود ههنا علمه صلى ~~الله عليه وسلم بهم ومؤاخذتهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم ~~ومن لم ينتبه لهذا قال حتى يتبين لك من صدق في عذره ممن كذب فيه وإسناد ~~التبين إلى الأولين وتعليق العلم بالآخرين مع أن مدار الإسناد ms1365 والتعلق أولا ~~وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير إليه لما أن المقصد هو العلم بكلا ~~الفريقين باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين ومعاملتهما بحسب استحقاقهما ~~لا العلم بوصفيهما بذاتيهما أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما هذا وفي تصدير ~~فاتحة الخطاب ببشارة العفو دون ما يوهم العتاب من مراعاة جانبه صلى الله ~~عليه وسلم وتعهده بحسن المفاوضة ولطف المراجعة ما لا يخفي على أولي الألباب ~~قال سفيان بن عيينة انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو ولقد ~~أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب من زعم أن الكلام كناية عن ~~الجناية وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت هب أنه كناية أليس إيثارها على ~~التصريح بالجناية للتلطيف في الخطاب والتخفيف في العتاب وهب أن العفو ~~مستلزم للخطأ فهل هو مستلزم لكونه من القبح وإستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه ~~المرتبة من المشافهة بالسوء أو يسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة ~~عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها ولا يخفي أنه لم يكن في خروجهم مصلحة ~~للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله عز وجل ~~لو خرجوا الخ وقد كرهه سبحانه كما يفصح عنه قوله تعالى ولكن كره الله ~~إنبعاثهم الآية نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم آثر ذي أثير ~~ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة ~~ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه صلى الله عليه وسلم وأرضوه ~~بالأكاذيب على أنه لم يهنأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا على أمن ~~واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان «لا يستأذنك الذين يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر» تنبيه على أنه كان ينبغي أن يستدل باستئذانهم على ~~حالهم ولا يؤذن لهم أي ليس من عادة المؤمنين أي يستأذنوك في «أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم» وأن الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا ~~عن أن يستأذنوك في التخلف وحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مئنة ms1366 ~~للتأني في أمرهم بل دليلا على نفاقهم وقيل المستأذن فيه محذوف ومعنى قوله ~~تعالى أن يجاهدوا كراهة أن يجاهدوا ثم PageV04P069 # قيل المحذوف هو التخلف والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة ~~الجهاد فيتوجه النفي إلى القيد وبه يمتاز المؤمن من المنافق وهو وإن كان في ~~نفسه أمرا خفيا لا يوقف عليه بادئ الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة ~~عن ذلك جعل أمرا ظاهرا مقررا وقيل هو الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في ~~الجهاد كراهة أن يجاهدوا بناء على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون ~~لكراهته ولا يخفي أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل ولو ~~سلم وقوعه فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من الاستئذان ~~لعلة الرغبة ولو سلم فالذي نفى عن المؤمنين يجب أن يثبت للمنافقين وظاهر ~~أنهم لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف «والله ~~عليم بالمتقين» شهادة لهم بالانتظام في سلك المتقين وعدة لهم بأجزل الثواب ~~وتقرير لمضمون ما سبق كأنه قيل والله عليم بأنهم كذلك وإشعار بأن ما صدر ~~عنهم معلل بالتقوى «إنما يستأذنك» أي في التخلف مطلقا على الأول أو لكراهة ~~الجهاد على الثاني «الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر» تخصيص الإيمان ~~بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد ببذل النفس والمال إنما هو ~~الإيمان بهما إذ به يتسنى للمؤمنين استبدال الحياة الأبدية والنعيم المقيم ~~الخالد بالحياة الفانية والمتاع الكاسد «وارتابت قلوبهم» عطف على الصلة ~~وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقيق الريب وتقرره «فهم» حال كونهم «في ~~ريبهم» وشكهم المستقر في قلوبهم «يترددون» أي يتحيرون فإن التردد ديدن ~~المتحير كما أن الثبات ديدن المستبصر والتعبير عنه به مما لا يخفي حسب ~~موقعه «ولو أرادوا الخروج» يدل على أن بعضهم قالوا عند الاعتذار كنا نريد ~~الخروج لكن لم نتهيأ له وقد قرب الرحيل بحيث لا يمكننا الاستعداد فقيل ~~تكذيبا لهم لو أراده «لأعدوا له» أي للخروج في وقته «عدة» أي أهبة من الزاد ~~والراحلة ms1367 والسلاح وغير ذلك مما لا بد منه للسفر وقرئ عده بحذف التاء ~~والإضافة إلى ضمير الخروج كما فعل بالعدة من قال * وأخلفوك عد الأمر الذي ~~وعدوا * أي عدته وقرئ عده بكسر العين وعدة بالإضافة «ولكن كره الله ~~انبعاثهم» أي نهوضهم للخروج قيل هو استدراك عما يفهم من مقدم الشرطية فإن ~~انتفاء إرادتهم للخروج يستلزم انتفاء خروجهم وكراهة الله تعالى انبعاثهم ~~تستلزم تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا والاتفاق في ~~المعنى لا يمنع الوقوع بين طرفي لكن بعد تحقق الاختلاف نفيا وإثباتا في ~~اللفظ كقولك ما أحسن إلى زيد ولكن أساء والأظهر أن يكون استدراكا من نفس ~~المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية والمعنى PageV04P070 # لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لما أنه تعالى كره ~~انبعاثهم لما فيه من المفاسد التي ستبين «فثبطهم» أي حبسهم بالجبن والكسل ~~فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له «وقيل اقعدوا مع القاعدين» تمثيل لإلقاء الله ~~تعالى كراهة الخروج في قلوبهم أو لوسوسة الشيطان بالأمر بالقعود أو هو ~~حكاية قول بعضهم لبعض أو هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في ~~القعود والمراد بالقاعدين إما المعذورون أو غيرهم وأيا ما كان فغير خال عن ~~الذم «لو خرجوا فيكم» بيان لسر كراهته تعالى لانبعاثهم أي لو خرجوا مخالطين ~~لكم «ما زادوكم» أي ما أورثوكم شيئا من الأشياء «إلا خبالا» أي فسادا وشرا ~~فالاستثناء مفرغ متصل وقيل منقطع وليس بذلك «ولأوضعوا خلالكم» أي ولسعوا ~~فيما بينكم بالنمائم والتضريب وإفساد ذات البين من وضع البعير وضعا إذا ~~أسرع وأوضعته أنا أي حملته على الإسراع والمعنى لأوضعوا ركائبهم بينكم ~~والمراد به المبالغة في الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي وقرئ ~~ولأرقصوا من رقصت الناقة أسرعت وأرقصتها أنا وقرئ ولأوفضوا أي أسرعوا ~~«يبغونكم الفتنة» يحاولون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم وإلقاء ~~الرعب في قلوبكم وإفساد نياتكم والجملة حال من ضمير أوضعوا أو استئناف ~~«وفيكم سماعون لهم» أي نمامون يسمعون حديثكم لأجل نقله إليهم ms1368 أو فيكم قوم ~~ضعفة يسمعون للمنافقين أي يطيعونهم والجملة حال من مفعول يبغونكم أو من ~~فاعله لاشتمالها على ضميريهما أو مستأنفة ولعلهم لم يكونوا في كمية العدد ~~وكيفية الفساد بحيث يخل مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهاد إخلالا عظيما ~~ولم يكن فساد خروجهم معادلا لمنفعته ولذلك لم تقتض الحكمة عدم خروجهم ~~فخرجوا مع المؤمنين ولكن حيث كان انضمام المنافقين القاعدين إليهم مستتبعا ~~لخلل كلي كره الله انبعاثهم فلم يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم ووجه العتاب ~~على الإذن في قعودهم مع تقرره لا محالة وتضمن خروجهم لهذه المفاسد أنهم لو ~~قعدوا بغير إذن منه صلى الله عليه وسلم لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من ~~أول الأمر ولم يقدروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسن ~~لهم التمتع بالعيش إلى أن يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة «والله عليم ~~بالظالمين» علما محيطا بضمائرهم وظواهرهم وما فعلوا فيما مضى وما يتأتى ~~منهم فيما سيأتي ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في ~~الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم ولعله شامل للفريقين السماعين والقاعدين ~~«لقد ابتغوا الفتنة» تشتيت شملك وتفريق أصحابك منك «من قبل» أي يوم أحد حين ~~انصرف عبد الله بن أبي بن سلول المنافق بمن معه وقد تخلف بمن معه عن تبوك ~~أيضا بعد ما خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي جدة أسفل من ثنية ~~الوداع وعن ابن جريج رضي الله عنه وقفوا لرسول صلى الله عليه وسلم على ~~الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا من المنافقين ليفتكوا به صلى الله ~~عليه وسلم فردهم الله تعالى خاسئين «وقلبوا لك الأمور» تقليب الأمر تصريفه ~~من وجه إلى وجه PageV04P071 # وترديده لأجل التدبير والاجتهاد في المكر والحيلة يقال للرجل المتصرف في ~~وجوه الحيل حول وقلب أي اجتهدوا ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في ~~إبطال أمرك وقرئ بالتخفيف «حتى جاء الحق» أي النصر والتأييد الإلهي «وظهر ~~أمر الله» غلب دينه وعلا عرشه «وهم كارهون» والحال أنهم كارهون لذلك أي على ~~رغم منهم ms1369 والآيتان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف ~~المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وكشف أسرارهم ~~وإزاحة أعذارهم تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذانا بأن ما ~~فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهوينا للخطب «ومنهم من يقول ائذن لي» في ~~القعود «ولا تفتني» أي لا توقعني في الفتنة وهي المعصية والإثم يريد إني ~~متخلف لا محالة أذنت أو لم تأذن فأذن لي حتى لا أقع في المعصية بالمخالفة ~~أو لا تلقني في الهلكة فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم ~~بمصالحهم وقيل قال الجد بن قيس قد علمت الأنصار أني مشتهر بالنساء فلا ~~تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم ولكن أعينك بمالي فاتركني وقرئ ولا ~~تفتني من أفتنة بمعنى فتنة «ألا في الفتنة» أي في عينها ونفسها وأكمل ~~أفرادها الغنى عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به «سقطوا» لا في ~~شيء مغاير لها فضلا عن أن يكون مهربا ومخلصا عنها وذلك بما فعلوا من ~~العزيمة على التخلف والجراءة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة ومن ~~القعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة وقرئ بإفراد الفعل ~~محافظة على لفظ من وفي تصدير بحرف التنبيه مع تقديم الظرف إيذان بأنهم ~~وقعوا فيها وهم يحسبون أنها منجى من الفتنة زعما منهم أن الفتنة إنما هي ~~التخلف بغير إذن وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها ~~منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين وقوله ~~عز وجل «وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» وعيد لهم على ما فعلوا معطوف على ~~الجملة السابقة داخل تحت التنبيه أي جامعة لهم يوم القيامة من كل جانب ~~وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على الثبات والاستمرار أو محيطة بهم الآن ~~تنزيلا لشيء سيقع عن قريب منزلة الواقع أو وضعا لأسباب الشيء موضعه فإن ~~مبادئ إحاطة النار بهم من الكفر والمعاصي محيطة بهم الآن من جميع الجوانب ~~ومن جملتها ما فروا منه وما سقطوا فيه من الفتنة ms1370 وقيل تلك المبادئ المتشكلة ~~بصور الأعمال والأخلاق هي النار بعينها ولكن لا يظهر ذلك في هذه النشأة ~~وإنما يظهر عند تشكلها بصورها الحقيقية في النشأة الآخرة والمراد بالكافرين ~~إما المنافقون وإيثار وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر ~~والإشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين الشاملين ~~للمنافقين شمولا أوليا «إن تصبك» في بعض مغازيك «حسنة» من الظفر والغنيمة ~~«تسؤهم» تلك الحسنة PageV04P072 # أي تورثهم مساءة لفرط حسدهم وعداوتهم لك «وإن تصبك» في بعضها «مصيبة» من ~~نوع شدة «يقولوا» متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم «قد أخذنا أمرنا» أي ~~تلافينا ما يهمنا من الأمر يعنون به الاعتزال عن المسلمين والقعود عن الحرب ~~والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا «من قبل» ~~أي من قبل إصابة المصيبة في وقت تداركه يشيرون بذلك إلى أن المعاملة ~~المذكورة إنما تروج عند الكفرة بوقوعها حال قوة الإسلام لا بعد إصابة ~~المصيبة «ويتولوا» عن مجلس الاجتماع والتحدث إلى أهاليهم أو يعرضوا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «وهم فرحون» بما صنعوا من أخذ الأمر وبما أصابه ~~صلى الله عليه وسلم والجملة حال من الضمير في يقولوا ويتولوا لا في الأخير ~~فقط لمقارنة الفرح لهما معا وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على دوام السرور ~~وإسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم دون المصيبة بأن يقال وإن ~~تصبك مصيبة تسررهم للإيذان باختلاف حاليهم حالتي عروض المساءة والمسرة ~~بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون «قل» بيانا لبطلان ما بنوا ~~عليه مسرتهم من الاعتقاد «لن يصيبنا» أبدا وقرئ هل يصيبنا وهل يصيبنا من ~~فيعل لا من فعل لأنه واوي يقال صاب السهم يصوب واشتقاقه من الصواب «إلا ما ~~كتب الله لنا» أي أثبته لمصلحتنا الدنيوية أو الأخروية من النصرة عليكم أو ~~الشهادة المؤدية إلى النعيم الدائم «هو مولانا» ناصرنا ومتولى أمورنا «وعلى ~~الله» وحده «فليتوكل المؤمنون» التوكل تفويض الأمر إلى الله والرضا بما ~~فعله وإن كان ذلك بعد ترتيب المبادئ العادية والفاء للدلالة على السببية ~~والأصل ms1371 ليتوكل المؤمنون على الله قدم الظرف على الفعل لإفادة القصر ثم أدخل ~~الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل عليه كما في قوله تعالى وإياي ~~فارهبون والجملة إن كانت من تمام الكلام المأمور به فإظهار الاسم الجليل في ~~مقام الإضمار لإظهار التبرك والتلذذ به وإن كانت مسوقة من قبله تعالى أمرا ~~للمؤمنين بالتوكل إثر أمره صلى الله عليه وسلم بما ذكر فالأمر ظاهر وكذا ~~إعادة الأمر في قوله عز وجل «قل هل تربصون بنا» لانقطاع حكم الأمر الأول ~~بالثاني وإن كان أمر الغائب وأما على الوجه الأول فهي لإبراز كمال العناية ~~بشأن المأمور به والإشعار بما بينه وبين ما أمر به أولا من الفرق في السياق ~~والتربص التمكث مع انتظار مجيء شيء خيرا كان أو شرا والباء للتعدية وإحدى ~~التاءين محذوفة أي ما تنتظرون بنا «إلا إحدى الحسنيين» أي العاقبتين اللتين ~~كل واحدة منهما هي حسنى العواقب وهما النصر والشهادة وهذا نوع بيان لما ~~أبهم في الجواب الأول وكشف لحقيقة الحال بإعلام أن ما يزعمونه مضرة ~~للمسلمين من الشهادة أنفع مما يعدونه منفعة من النصر والغنيمة «ونحن نتربص ~~بكم» إحدى السوأيين من العواقب إما «أن يصيبكم الله بعذاب من عنده» ~~PageV04P073 # كما أصاب من قبلكم من الأمم المهلكة والظرف صفة عذاب ولذلك حذف عامله ~~وجوبا «أو» بعذاب «بأيدينا» وهو القتل على الكفر «فتربصوا» الفاء فصيحة أي ~~إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا «إنا معكم متربصون» ما هو ~~عاقبتكم فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه لا تشاهدون إلا ما يسرنا ولا ~~نشاهد إلا ما يسوؤكم «قل أنفقوا» أموالكم في سبيل الله «طوعا أو كرها» ~~مصدران وقعا موقع الفاعل أي طائعين أو كارهين وهو أمر في معنى الخبر كقوله ~~تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم والمعنى أنفقتم طوعا أو كرها «لن يتقبل ~~منكم» ونظم الكلام في سلك الأمر للمبالغة في بيان تساوى الأمرين في عدم ~~القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا الحال فينفقوا على الحالين فينظروا هل ~~يتقبل منهم فيشاهدوا ms1372 عدم القبول وهو جواب قول جد بن قيس ولكن أعينك بمالي ~~ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم وأن يكون بمعنى عدم ~~الإثابة عليه وقوله عز وجل «إنكم كنتم قوما فاسقين» أي عاتين متمردين تعليل ~~لرد إنفاقهم «وما منعهم أن تقبل منهم» وقرئ بالتحتانية «نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله» استثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم قبول نفقاتهم ~~منهم شيء من الأشياء إلا كفرهم وقرئ يقبل على البناء للفاعل وهو الله تعالى ~~«ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى» أي لا يأتونها في حال من الأحوال إلا حال ~~كونهم متثاقلين «ولا ينفقون إلا وهم كارهون» لأنهم لا يرجون بهما ثوابا ولا ~~يخافون على تركهما عقابا فقوله تعالى طوعا أي من غير إلزام من جهته صلى ~~الله عليه وسلم لا رغبة أو هو فرضى لتوسيع الدائرة «فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم» فإن ذلك استدراج لهم ووبال عليهم حسبما ينبئ عنه قوله عز وجل ~~«إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا» بما يكابدون لجمعها وحفظها ~~من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد والمصائب «وتزهق أنفسهم وهم كافرون» ~~فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمة لا ~~نعمة وأصل الزهوق الخروج بصعوبة «ويحلفون بالله إنهم لمنكم» في الدين ~~والإسلام «وما هم منكم» في ذلك «ولكنهم قوم يفرقون» يخافون أن يفعل بهم ما ~~يفعل بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية ويؤيدونه PageV04P074 # بالأيمان الفاجرة «لو يجدون ملجأ» استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ~~ليسوا من المسلمين وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطرارا ~~حتى أنهم لو وجدوا غير ذلك ملجأ أي مكانا حصينا يلجأون إليه من رأس جبل أو ~~قلعة أو جزيرة وإيثار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي ~~لإفادة استمرار عدم الوجدان فإن المضارع المنفي الواقع موقع الماضي ليس نصا ~~في إفادة انتفاء استمرار الفعل كما هو الظاهر بل قد يفيد استمرار انتفائه ~~أيضا حسبما يقتضيه المقام فإن معنى قولك لو تحسن إلي ms1373 لشكرتك أن انتفاء ~~الشكر بسبب استمرار انتفاء الإحسان لا أنه بسبب انتفاء استمرار الإحسان فإن ~~الشكر يتوقف على وجود الإحسان لا على استمراره كما حقق في موضعه «أو ~~مغارات» أي غير انا وكهوفا يخفون فيها أنفسهم وقرئ بضم الميم من أغار الرجل ~~إذا دخل الغور وقيل هو معتد من غار إذا دخل الغور أي أمكنة يغيرون فيها ~~أشخاصهم وأهليهم ويجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومفار ~~«أو مدخلا» أي نفقا يندسون وينجحرون وهو مفتعل من الدخول وقرئ مدخلا من ~~الدخول ومدخلا من الإدخال أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم وقرئ متدخلا ومندخلا ~~من التدخل والإندخال «لولوا» أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا وقرئ لوالوا أي ~~لالتجأوا «إليه» أي إلى أحد ما ذكر «وهم يجمحون» أي يسرعون بحيث لا يردهم ~~شيء من الفرس الجموح وهو الذي لا يثنيه اللجام وفيه إشعار بكمال عتوهم ~~وطغيانهم وقرئ يجمزون بمعنى يجمحون ويشتدون ومنه الجمازة «ومنهم من يلمزك» ~~بكسر الميم وقرئ بضمها أي يعيبك سرا وقرئ يلمزك ويلامزك مبالغة «في ~~الصدقات» أي في شأنها وقسمتها «فإن أعطوا منها» بيان لفساد لمزهم وأنه لا ~~منشأ له سوى حرصهم على حطام الدنيا أي إن أعطوا منها قدر ما يريدون «رضوا» ~~بما وقع من القسمة واستحسنوها «وإن لم يعطوا منها» ذلك المقدار «إذا هم ~~يسخطون» أي يفاجئون السخط وإذا نائب مناب فاء الجزاء قيل نزلت الآية في أبي ~~الجواظ المنافق حيث قال ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ~~ويزعم أنه يعدل وقيل في ابن ذي الخويصرة واسمه حرقوص ابن زهير التميمي رأس ~~الخوارج كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب ~~أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال اعدل يا رسول الله فقال صلى الله عليه ~~وسلم ويلك إن لم أعدل فمن يعدل وقيل هم المؤلفة قلوبهم والأول هو الأظهر ~~«ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله» أي ما أعطاهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الصدقات طيبي النفوس به وإن ms1374 قل وذكر الله عز وجل للتعظيم والتنبيه ~~على أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم كان بأمره سبحانه PageV04P075 # «وقالوا حسبنا الله» أي كفانا فضله وصنعه بنا وما قسمه لنا «سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله» بعد هذا حسبما نرجو ونؤمل «إنا إلى الله راغبون» في أن ~~يخولنا فضله والآية بأسرها في حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره أي ~~لكان خيرا لهم «إنما الصدقات» شروع في تحقيق حقية ما صنعه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من القسمة ببيان المصارف ورد لمقالة القالة في ذلك وحسم لأطماعهم ~~الفارغة المبنية على زعمهم الفاسد ببيان أنهم بمعزل من الاستحقاق أي جنس ~~الصدقات المشتملة على الأنواع المختلفة «للفقراء والمساكين» أي مخصوصة ~~بهؤلاء الأصناف الثمانية الآتية لا تتجاوزهم إلى غيرهم كأنه قيل إنما هي ~~لهم لا لغيرهم فما للذين لا علاقة بينها وبينهم يقولون فيها ما يقولون وما ~~سوغهم أن يتكلموا فيها وفي قاسمها والفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا ~~شيء له هو المروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه وقد قيل على العكس ولكل منهما ~~وجه يدل عليه «والعاملين عليها» الساعين في جمعها وتحصيلها «والمؤلفة ~~قلوبهم» هم أصناف فمنهم أشراف من العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستألفهم ليسلموا فيرضخ لهم ومنهم قوم أسلموا ونياتهم ضعيفة فيؤلف قلوبهم ~~بإجزال العطاء كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس ومنهم من ~~يترقب بإعطائهم إسلام نظرائهم ولعل الصنف الأول كان يعطيهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من خمس الخمس الذي هو خالص ماله وقد عد منهم من يؤلف قلبه بشيء ~~منها على قتال الكفار وما نعى الزكاة وقد سقط سهم هؤلاء بالإجماع لما أن ~~ذلك كان لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه الله عز وعلا وأعلى كلمته استغنى عن ~~ذلك «وفي الرقاب» أي وللصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على ~~أداء نجومهم وقيل بأن يفدي الأسارى وقيل بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق وأيا ~~ما كان فالعدول عن اللام لعدم ms1375 ذكرهم بعنوان مصحح للمالكية والاختصاص كالذين ~~من قبلهم أو للإيذان بعدم قرار ملكهم فيما أعطوا كما في الوجهين الأولين أو ~~بعدم ثبوته رأسا كما في الوجه الأخير أو للإشعار برسوخهم في استحقاق الصدقة ~~لما أن في للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها ~~«والغارمين» أي الذين تداينوا لأنفسهم في غير معصية إذا لم يكن لهم نصاب ~~فاضل عن ديونهم وكذلك عند الشافعي رضي الله عنه من غرم لإصلاح ذات البين ~~وإطفاء الثائرة بين القبيلتين وإن كانوا أغنياء «وفي سبيل الله» أي فقراء ~~الغزاة والحجيج والمنقطع بهم «وابن السبيل» أي المسافر المنقطع عن ماله ~~وتكرير الظرف في الأخيرين للإيذان بزيادة فضلهما في الاستحقاق أو لما ذكر ~~من إيرادهما بعنوان غير مصحح للمالكية والاختصاص فهذه مصارف الصدقات ~~فللمتصدق أن يدفع صدقته إلى كل واحد منهم وأن يقتصر على صنف منهم لأن اللام ~~لبيان أنهم مصارف لا تخرج عنهم لا لإثبات الاستحقاق وقد روي ذلك عن عمر ~~وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم وعند الشافعي لا يجوز إلا أن يصرف إلى ~~ثلاثة من تلك الأصناف «فريضة من الله» مصدر مؤكد PageV04P076 # لما دل عليه صدر الآية أي فرض لهم الصدقات فريضة ونقل عن سيبويه أنه ~~منصوب بفعله مقدرا أي فرض الله ذلك فريضة أو حال من الضمير المستكن في قوله ~~للفقراء أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة «والله عليم» ~~بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم «حكيم» لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من ~~الأمور الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها «ومنهم الذين يؤذون ~~النبي» نزلت في فرقة من المنافقين قالوا في حقه صلى الله عليه وسلم مالا ~~ينبغي فقال بعضهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ذلك فيقع بنا فقال الجلاس ~~بن سويد نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول إنما ~~محمد أذن سامعة وذلك قوله عز وجل «ويقولون هو أذن» أي يسمع كل ما قيل من ~~غير أن يتدبر فيه ويميز بين ما ms1376 يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له وبين ~~مالا يليق به وإنما قالوه لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يواجههم بسوء ما ~~صنعوا ويصفح عنهم حلما وكرما فحملوه على سلامة القلب وقالوا ما قالوا «قل ~~أذن خير لكم» من قبيل رجل صدق في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح ~~كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن ويجوز أن يكون المراد أذنا في الخير ~~والحق وفيما ينبغي سماعه وقبوله لا في غير ذلك كما يدل عليه قراءة رحمة ~~بالجر عطفا عليه أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله وقرئ أذن ~~بسكون الذال فيهما وقرئ أذن خير على أنه صفة أو خبر ثان وقوله عز وجل «يؤمن ~~بالله» تفسير لكونه أذن خير لهم أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من ~~الأدلة الموجبة له وكون ذلك خيرا للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا ~~يخفي «ويؤمن للمؤمنين» أي يصدقهم لما علم فيهم من الخلوص واللام مزيدة ~~للتفرقة بين الإيمان المشهور وبين الإيمان بمعنى التسليم والتصديق كما في ~~قوله تعالى أنؤمن لك الخ وقوله تعالى فما آمن لموسى الخ «ورحمة» عطف على ~~أذن خير أي وهو رحمة بطريق إطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة «للذين آمنوا ~~منكم» أي للذين أظهروا الإيمان منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم في ~~ذلك بل رفقا بهم وترحما عليهم ولا يكشف أسرارهم ولا يهتك أستارهم وإسناد ~~الإيمان إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئة عن ~~الرسوخ والاستمرار للإيذان بأن إيمانهم أمر حادث ما له من قرار وقرئ بالنصب ~~على أنها علة لفعل دل عليه أذن خير أي يأذن لكم رحمة «والذين يؤذون رسول ~~الله» بما نقل عنهم من قولهم هو أذن ونحوه وفي صيغة الاستقبال المشعرة ~~بترتب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه إشعار بقبول توبتهم كما أفصح ~~عنه قوله تعالى فيما سيأتي فإن يتوبوا يك خيرا لهم «لهم» بما يجترئون عليه ~~من أذيته صلى الله عليه وسلم كما ms1377 ينبئ عنه بناء الحكم على الموصول «عذاب ~~أليم» وهذا اعتراض مسوق من قبله عز وجل على نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب ~~وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ثم جعل الجملة خبرا للموصول ~~مالا يخفي من المبالغة وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة مضافا ~~إلى الاسم الجليل لغاية التعظيم والتنبيه على أن أذيته PageV04P077 # راجعة إلى جنابه عز وجل موجبة لكمال السخط والغضب «يحلفون بالله لكم» ~~الخطاب للمؤمنين خاصة وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون ~~إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ~~ما قالوا ما نقل إليهم مما يورث أذاة النبي صلى الله عليه وسلم وأما التخلف ~~عن الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذار «ليرضوكم» بذلك وإفراد إرضائهم ~~بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قبل صلى ~~الله عليه وسلم ذلك منهم ولم يكذبهم للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكون ~~وسيلة إلى إرضائه صلى الله عليه وسلم وأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم ~~يكذبهم رفقا بهم وسترا لعيوبهم لا عن الرضا بما فعلوا كما أشير إليه «والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه» أي أحق بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعة ~~وإيفاء حقوقه صلى الله عليه وسلم في باب الإجلال والإعظام مشهدا ومغيبا ~~وأما ما أتوا به من الأيمان الفاجرة فإنما يرضى به من انحصر طريق علمه في ~~الإخبار إلى أن يجئ الحق ويزهق الباطل والجملة نصب على الحالية من ضمير ~~يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإرضاء منكم ~~أي يعرضون عما يهمهم ويجديهم ويشتغلون بمالا يعنيهم وإفراد الضمير في يرضوه ~~إما للإيذان بأن رضاه صلى الله عليه وسلم مندرج تحت رضاه سبحانه وإرضاؤه ~~صلى الله عليه وسلم إرضاء له تعالى لقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله وإما لأنه مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد ~~بتأويل المذكور كما في قول رؤية * فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد ms1378 ~~توليع البهق * أي كأن ذلك لا يقال أي حاجة إلى الاستعارة بعد التأويل ~~المذكور لأنا نقول لولا الاستعارة لم يتسن التأويل لما أن الضمير لا يتعرض ~~إلا لذات ما يرجع إليه من غير تعرض لوصف من أوصافه التي من جملتها ~~المذكورية وإنما المتعرض لها اسم الإشارة وإما لأنه عائد إلى رسوله والكلام ~~جملتان حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه كما ذهب إليه سيبويه ومنه ~~قول من قال * نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف أو إلى الله ~~على أن المذكور خبر الجملة الأولى وخبر الثانية محذوف كما هو رأي المبرد ~~«إن كانوا مؤمنين» جوابه محذوف تعويلا على دلالة ما سبق عليه أي إن كانوا ~~مؤمنين فليرضوا الله ورسوله بما ذكر فإنهما أحق بالإرضاء «ألم يعلموا» أي ~~أولئك المنافقون والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من العظيمة مع ~~علمهم بسوء عاقبتها وقرئ بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ أي ~~ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من فنون القوارع ~~والإنذارات «أنه» أي الشأن «من يحادد الله ورسوله» المحادة من الحد ~~كالمشاقة من الشق والمعاداة من العدوة بمعنى الجانب فإن كل واحد من مباشري ~~كل من الأفعال المذكورة في محل غير محل صاحبه ومن شرطية جوابها قوله تعالى ~~«فأن له نار جهنم» على أن خبره محذوف أي فحق أن له نار جهنم وقرئ بكسر ~~الهمزة والجملة الشرطية في محل الرفع على أنها خبر لأن وهي مع خبرها سادة ~~مسد مفعولي يعلموا وقيل المعنى PageV04P078 # فله وأن تكرير للأولى تأكيدا لطول العهد لا من باب التأكيد اللفظي المانع ~~للأولى من العمل ودخول الفاء كما في قول من قال * لقد علم الحي اليمانون ~~أنني * إذا قلت أما بعد أني خطيبها * وقد جوز أن يكون فأن له معطوفا على ~~أنه وجواب الشرط محذوف تقديره ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك ~~فأن له الخ ورد بأن ذلك إنما يجوز عند كون فعل الشرط ماضيا أو مضارعا ~~مجزوما بلم ms1379 «خالدا فيها» حال مقدرة من الضمير المجرور إن اعتبر في الظرف ~~ابتداء الاستقرار وحدوثه وإن اعتبر مطلق الاستقرار فالأمر ظاهر «ذلك» أشير ~~إلى ما ذكر من العذاب الخالد بذلك إيذانا ببعد درجته في الهول والفظاعة ~~«الخزي العظيم» الخزي الذل والهو أن المقارن للفضيحة والندامة وهي ثمرات ~~نفاقهم حيث يفتضحون على رؤوس الأشهاد بظهورها ولحوق العذاب الخالد بهم ~~والجملة تذييل لما سبق «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم» في شأنهم فإن ما نزل ~~في حقهم نازل عليهم «سورة تنبئهم بما في قلوبهم» من الأسرار الخفية فضلا ~~عما كانوا يظهرونه فيما بينهم من أقاويل الكفر والنفاق ومعنى تنبئتها إياهم ~~بما في قلوبهم مع أنه معلوم لهم وأن المحذور عندهم اطلاع المؤمنين على ~~أسرارهم لا اطلاع أنفسهم عليها أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم ~~فتنتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة فكأنها تخبرهم بها ~~أو المراد بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم ~~من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعى عليهم قبائحهم وقيل ~~معنى يحذر ليحذر وقيل الضمير أن الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ولا ~~يبالي بالتفكيك عند ظهور الأمر بعود المعنى إليه أي يحذر المنافقون أن تنزل ~~على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتك عليهم أستارهم قال ~~أبو مسلم كان إظهار الحذر منهم بطريق الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذكر كل شيء ويقول إنه بطريق الوحي يكذبونه ~~ويستهزئون به ولذلك قيل «قل استهزؤوا» أي افعلوا الاستهزاء وهو أمر تهديد ~~«إن الله مخرج» أي من القوة إلى الفعل أو من الكمون إلى البروز «ما تحذرون» ~~أي ما تحذرونه من إنزال السورة ومن مخازيكم ومثالبكم المستكنة في قلوبكم ~~الفاضحة لكم على ملأ الناس والتأكيد لرد إنكارهم بذلك لا لدفع ترددهم في ~~وقوع المحذور إذ ليس حذرهم بطريق الحقيقة «ولئن سألتهم» عما قالوا «ليقولن ~~إنما كنا نخوض ونلعب» روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك ~~وبين يديه ms1380 ركب من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويقولون انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح حصون الشام وقصورها هيهات ~~هيهات فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال احبسوا على الركب فأتاهم فقال ~~قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من ~~أمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر ~~«قل» غير ملتفت إلى اعتذارهم ناعيا PageV04P079 # عليهم جناياتهم منزلا لهم منزلة المعترف بوقوع الاستهزاء موبخا لهم على ~~أخطائهم موقع الاستهزاء «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون» حيث عقب حرف ~~التقرير بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحقق الاستهزاء وثبوته «لا ~~تعتذروا» لا تشتغلوا بالاعتذار وهو عبارة عن محو أثر الذنب فإنه معلوم ~~الكذب بين البطلان «قد كفرتم» أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والطعن فيه «بعد إيمانكم» بعد إظهاركم له «إن نعف عن طائفة منكم» ~~لتوبتهم وإخلاصهم أو تجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء وقرئ إن يعف على إسناد ~~الفعل إلى الله سبحانه وقرئ على البناء للمفعول مسندا إلى الظرف بتذكير ~~الفعل وبتأنيثه أيضا ذهابا إلى المعنى كأنه قيل إن ترحم طائفة «نعذب» بنون ~~العظمة وقرئ بالياء على البناء للفاعل وبالتاء على البناء للمفعول مسندا ~~إلى ما بعده «طائفة بأنهم كانوا مجرمين» مصرين على الإجرام وهو غير ~~التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين قال محمد بن إسحق الذي عفى عنه ~~رجل واحد وهو يحيى بن حمير الأشجعي لم نزلت هذه الآية تاب عن نفاقه وقال ~~اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل ~~وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم ~~اليمامة فما أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره «المنافقون والمنافقات» ~~التعرض لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق «بعضهم من ~~بعض» أي متشابهون في النفاق والبعد عن الإيمان كأبعاض الشئ الواحد بالشخص ~~وقيل أريد به نفى ms1381 أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في حلفهم بالله إنهم ~~لمنكم وتقرير لقوله تعالى وما هم منكم وقوله تعالى «يأمرون بالمنكر» أي ~~بالكفر والمعاصي «وينهون عن المعروف» أي عن الإيمان والطاعة استئناف مقرر ~~لمضمون ما سبق ومفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خبر ثان «ويقبضون ~~أيديهم» أي عن المبرات والإنفاق في سبيل الله فإن قبض اليد كناية عن الشح ~~«نسوا الله» أغفلوا ذكره «فنسيهم» فتركهم من رحمته وفضله وخذلهم والتعبير ~~والتعبير عنه بالنسيان للمشاكلة «إن المنافقين هم الفاسقون» الكاملون في ~~التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل خير والإظهار في ~~موقع الإضمار لزيادة التقرير كما في قوله تعالى «وعد الله المنافقين ~~والمنافقات والكفار» أي المجاهرين PageV04P080 # «نار جهنم خالدين فيها» مقدرين الخلود فيها «هي حسبهم» عقابا وجزاء وفيه ~~دليل على عظم عقابها وعذابها «ولعنهم الله» أي أبعدهم من رحمته وأهانهم وفي ~~إظهار الاسم الجليل من الإيذان بشدة السخط مالا يخفي «ولهم عذاب مقيم» أي ~~نوع من العذاب غير عذاب النار دائم لا ينقطع أبدا أو لهم عذاب مقيم معهم في ~~الدنيا لا ينفك عنهم وهو ما يقاسونه من تعب النفاق الذي هم منه في بلية ~~دائمة لا يأمنون ساعة من خوف الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع عن أسرارهم ~~«كالذين من قبلكم» التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد والكاف في محل ~~الرفع على الخبرية أي أنتم مثل الذين من قبلكم من الأمم المهلكة أو في حيز ~~النصب بفعل مقدر أي فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم «كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا» تفسير وبيان لشبههم بهم وتمثيل لحالهم بحالهم ~~«فاستمتعوا» تمتعوا وفي صيغة الاستفعال ما ليس في صيغة التفعل من الاستزادة ~~والاستدامة في التمتع «بخلاقهم» بنصيبهم من ملاذ الدنيا واشتقاقه من الخلق ~~بمعنى التقدير وهو ما قدر لصاحبه «فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع» الكاف في ~~محل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتاعا كاستمتاع «الذين من قبلكم ~~بخلاقهم» ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية ~~والتهائهم بها ms1382 عن النظر في العواقب الحقة واللذائذ الحقيقية تمهيدا لذم ~~المخاطبين بمشابهتهم إياهم واقتفائهم أثرهم «وخضتم» أي دخلتم في الباطل ~~«كالذي خاضوا» أي كالذين بإسقاط النون أو كالفوج الذي أو كالخوض الذي خاضوه ~~«أولئك» إشارة إلى المتصفين بالأوصاف المعدودة من المشبهين والمشبه بهم لا ~~إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حبوط أعمال المشبهين وخسرانهم ~~مفهومين ضمنا لا صريحا ويؤدي إلى خلو تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر ~~حينئذ أولئكم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب ~~أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأفعال الذميمة «حبطت أعمالهم» ليس المراد ~~بها أعمالهم المعدودة كما يشعر به التعبير عنهم باسم الإشارة فإن غائلتها ~~غنية عن البيان بل أعمالهم التي كانوا يستحقون بها أجورا حسنة لو قارنت ~~الإيمان أي ضاعت وبطلت بالكلية ولم يترتب عليها أثر «في الدنيا والآخرة» ~~بطريق المثوبة والكرامة أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما يترتب ~~على أعمالهم فيها من الصحة والسعة وغير ذلك حسبما ينبئ عنه قوله عز وجل من ~~كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ~~ليس ترتبه عليها على طريقة المثوبة والكرامة بل بطريق الاستدراج «وأولئك» ~~أي الموصوفون بحبوط الأعمال في الدارين «هم الخاسرون» الكاملون في الخسران ~~في الدارين الجامعون لمباديه وأسبابه طرا فإنه قد ذهبت رؤوس أموالهم التي ~~هي أعمالهم فيما ضرهم ولم ينفعهم قط ولو أنها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ~~PageV04P081 # ينفعهم لكفى بهم خسرانا وإيراد اسم الإشارة في الموضعين للإشعار بعلية ~~الأوصاف المشار إليها للحبوط والخسران «ألم يأتهم» أي المنافقين «نبأ الذين ~~من قبلهم» أي خبرهم الذي له شأن وهو ما فعلوا وما فعل بهم والاستفهام ~~للتقرير والتحذير «قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين» وهم قوم ~~شعيب «والمؤتفكات» قريات قوم لوط ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها ~~سافلها وأمطروا حجارة من سجيل وقيل قريات المكذبين وائتفاكهن انقلاب ~~أحوالهن من الخير إلى الشر «أتتهم رسلهم بالبينات» استئناف ms1383 لبيان نبئهم ~~«فما كان الله ليظلمهم» الفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ويستدعيه ~~النظام أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما ظلمهم بذلك وإيثار ما عليه النظم ~~الكريم للمبالغة في تنزيه ساحة السبحان عن الظلم أي ما صح وما استقام له أن ~~يظلمهم ولكنهم ظلموا أنفسهم والجمع بين صيغتي الماضي والمستقيل في قوله عز ~~وجل «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» للدلالة على استمرار ظلمهم حيث لم يزالوا ~~يعرضونها للعقاب بالكفر والتكذيب وتقديم المفعول لمجرد الاهتمام به مع ~~مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى ~~التقديم موجبا للقصر فيكون كما في قوله تعالى وما ظلمناهم ولكن ظلموا ~~أنفسهم من غير قصر للظلم على الفاعل أو المفعول وسيجئ لهذا مزيد بيان في ~~قوله سبحانه إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ~~«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض» بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات ~~حالا ومآلا إثر بيان قبح حال أضدادهم عاجلا وآجلا والتعبير عن نسبة هؤلاء ~~بعضهم إلى بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبة ~~هؤلاء بطريق القرابة الدينية المبنية على المعاقدة المستتبعة للآثار من ~~المعونة والنصرة وغير ذلك ونسبة أولئك بمقتضى الطبيعة والعادة «يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر» أي جنس المعروف والمنكر المنتظمين لكل خير وشر ~~«ويقيمون الصلاة» فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ما سبق من ~~قوله تعالى نسوا الله «ويؤتون الزكاة» بمقابلة قوله تعالى ويقبضون أيديهم ~~«ويطيعون الله ورسوله» أي في كل أمر ونهي وهو بمقابلة وصف المنافقين بكمال ~~الفسق والخروج عن الطاعة «أولئك» إشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار ~~اتصافهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد ~~درجتهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة «سيرحمهم ~~الله» أي يفيض عليهم آثار رحمته من التأييد والنصرة PageV04P082 # البتة فإن السين مؤكدة للوقوع كما في قولك سأنتقم منك «أن الله عزيز» ~~تعليل للوعد أي قوي قادر على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه «حكيم» ms1384 يبني أحكامه ~~على أساس الحكمة الداعية إلى إيصال الحقوق من النعمة والنقمة إلى مستحقيها ~~من أهل الطاعة وأهل المعصية وهذا وعد للمؤمنين متضمن لوعيد المنافقين كما ~~أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى فنسيهم وعيد لهم متضمن لوعد ~~المؤمنين فإن منع لطفه تعالى عنهم لطف في حق المؤمنين «وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات» تفصيل لآثار رحمته الأخروية إثر ذكر رحمته الدنيوية والإظهار في ~~موقع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بعلية وصف الإيمان لحصول ما تعلق به ~~الوعد وعدم التعرض لذكر ما مر من الأمر بالمعروف وغير ذلك للإيذان بأنه من ~~لوازمه ومستتبعاته أي وعدهم وعدا شاملا لكل أحد منهم على اختلاف طبقاتهم في ~~مراتب الفضل كيفا وكما «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها» فإن كل ~~أحد منهم فائز بها لا محالة «ومساكن طيبة» أي وعد بعض الخواص الكمل منهم ~~منازل تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش في الخبر أنها قصور من اللؤلؤ ~~والزبرجد والياقوت الأحمر «في جنات عدن» هي أبهى أماكن الجنات وأسناها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدن دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر ~~لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى طوبى لمن ~~دخلك وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج ~~والمروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حوراء لا يدخله إلا نبي أو ~~صديق أو شهيد وعن ابن مسعود رضي الله عنه هي بطنان الجنة وسرتها فعدن على ~~هذا علم وقيل هو بمعناه اللغوي أعنى الإقامة والخلود فمرجع العطف إلى ~~اختلاف الوصف وتغايره فكأنه وصفه أولا بأنه من جنس ما هو أشرف الأماكن ~~المعروفة عندهم من الجنات ذات الأنهار الجارية ليميل إليها طباعهم أول ما ~~يقرع أسماعهم ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي ~~لا تكاد تخلو عنها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ثم وصفه ~~بأنه دار إقامة وثبات في جوار ms1385 العليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير ثم ~~وعدهم بما هو أعلى من ذلك كله فقال «ورضوان من الله» أي وشئ يسير من رضوانه ~~تعالى «أكبر» إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة وبه يناط نيل كل شرف وسيادة ~~ولعل عدم نظمه في سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل موعود ~~ولأنه مستمر في الدارين روي أنه تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم فيقولون ~~مالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل ~~من ذلك قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~أبدا «ذلك» إشارة إلى ما سبق ذكره وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~درجته في العظم والفخامة «هو الفوز العظيم» دون ما يعده الناس فوزا من حظوظ ~~الدنيا فإنها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها وتنغصها وتكدرها ليست ~~PageV04P083 # بالنسبة إلى أدنى شيء من نعيم الآخرة بمثابة جناح البعوض قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر ~~منها شربة ماء ونعما قال من قال * تالله لو كانت الدنيا بأجمعها * تبقى ~~علينا ويأتي رزقها رغدا * ما كان من حق حر أن يدل بها فكيف وهي متاع يضمحل ~~غدا «يا أيها النبي جاهد الكفار» أي المجاهرين منهم بالسيف «والمنافقين» ~~بالحجة وإقامة الحدود «واغلظ عليهم» في ذلك ولا تأخذك بهم رأفة قال عطاء ~~نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح «ومأواهم جهنم» جملة مستأنفة لبيان ~~آجل أمرهم إثر بيان عاجله وقيل حالية «وبئس المصير» تذييل لما قبله ~~والمخصوص بالذم محذوف «يحلفون بالله ما قالوا» استئناف لبيان ما صدر عنهم ~~من الجرائم الموجبة لما مر من الأمر بالجهاد والغلظة عليهم ودخول جهنم روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ~~ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه صلى الله عليه وسلم فقال ~~الجلاس بن سويد منهم ms1386 لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ~~ساداتنا وأشرافنا فنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس أجل ~~والله إن محمدا لصادق وأنت شر من الحمار فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاستحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامر يده فقال اللهم أنزل على عبدك ~~ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق فنزل وإيثار صيغة الاستقبال في يحلفون ~~لاستحضار الصورة أو للدلالة على تكرير الحلف وصيغة الجمع في قالوا مع أن ~~القائل هو الجلاس للإيذان بأن بقيتهم برضاهم بقوله صاروا بمنزلة القائل ~~«ولقد قالوا كلمة الكفر» هي ما حكى آنفا والجملة مع ما عطف عليها اعتراض ~~«وكفروا بعد إسلامهم» أي وأظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهارهم ~~الإسلام «وهموا بما لم ينالوا» هو الفنك برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وذلك أنه توافق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه صلى الله عليه وسلم عن راحلته ~~إذا تسنم العقبة بالليل وكان عمار بن ياسر آخذا بخطام راحلته يقودها وحذيفة ~~بن اليمان خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل ~~وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال إليكم إليكم يا أعداء الله ~~فهربوا وقيل هم المنافقون هموا بقتل عامر لرده على الجلاس وقيل أرادوا أن ~~يتوجوا عبد الله بن أبي بن سلول وإن لم يرض به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «وما نقموا» أي وما أنكروا وما عابوا أو وما وجدوا ما يورث نقمتهم ~~«إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله» سبحانه وتعالى وذلك أنهم كانوا حين ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في غاية ما يكون من ضنك العيش لا ~~يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثنى عشر ألف درهم فاستغنى والاستثناء ~~مفرغ من أعم المفاعيل أو من أعم العلل أي وما PageV04P084 # أنكروا شيئا من الأشياء إلا أغناه الله تعالى إياهم أو وما أنكروا ما ~~أنكروا لعلة ms1387 من العلل إلا لإغناء الله إياهم «فإن يتوبوا» عما هم عليه من ~~الكفر والنفاق «يك خيرا لهم» في الدارين قيل لما تلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الجلاس يا رسول الله لقد عرض الله على التوبة والله لقد قلت ~~وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته «وإن يتولوا» أي استمروا على ما كانوا ~~عليه من التولي والإعراض عن الدين أو أعرضوا عن التوبة بعد هذا العرض ~~«يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا» بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من ~~فنون العقوبات «والآخرة» بالنار وغيرها من أفانين العقاب «وما لهم في ~~الأرض» مع سعتها وتباعد أقطارها وكثرة أهلها المصححة لوجدان ما نفى بقوله ~~عز وجل «من ولي ولا نصير» ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة «ومنهم» ~~بيان لقبائح بعض آخر منهم «من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن» لنؤتين ~~الزكاة وغيرها من الصدقات «ولنكونن من الصالحين» قال ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما يريد الحج وقرئ بالنون الخفيفة فيهما قيل نزلت في ثعلبة بن ~~حاطب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني ~~مالا فقال صلى الله عليه وسلم يا ثعلبة قليل تؤدي حقه خير من كثير لا تطيقه ~~فراجعه وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ~~فدعا له فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود حتى ضاقت بها المدينة فنزل واديا ~~وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل كثر ~~ماله حتى لا يسعه واد فقال يا ويح ثعلبة فبعث مصدقين لأخذ الصدقات ~~فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه الفرائض فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا ~~أخت الجزية وقال ارجعا حتى أرى رأيي وذلك قوله عز وجل «فلما آتاهم من فضله ~~بخلوا به» أي منعوا حق الله منه «وتولوا» أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه ~~فلما رجعا قال لهما رسول ms1388 الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه يا ويح ~~ثعلبة مرتين فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال صلى الله عليه وسلم إن الله ~~منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال صلى الله عليه وسلم هذا ~~عملك قد أمرتك فلم تطعني فقبض صلى الله عليه وسلم فجاء بها إلى أبي بكر رضي ~~الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمر رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها ~~وهلك في خلافة عثمان رضي الله عنه وقيل نزلت فيه وفي سهل بن الحرث وجد بن ~~قيس ومعتب بن قشير والأول هو الأشهر «وهم معرضون» جملة معترضة أي وهم قوم ~~عادتهم الإعراض أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم «فأعقبهم» ~~أي جعل الله عاقبة فعلهم ذلك «نفاقا» راسخا «في قلوبهم إلى يوم يلقونه» إلى ~~يوم موتهم الذي يلقون الله تعالى عنده أو يلقون فيه جزاء عملهم وهو يوم ~~القيامة وقيل فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم ولا يلائمه PageV04P085 # قوله عز وجل «بما أخلفوا الله ما وعدوه» أي بسبب إخلافهم ما وعدوه تعالى ~~من التصدق والصلاح «وبما كانوا يكذبون» أي وبكونهم مستمرين على الكذب في ~~جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور وتخصيص الكذب به يؤدي إلى ~~تخلية الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل عن المزية فإن تسبب الأعقاب ~~المذكور بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى الله عز وجل إذ لا معنى لكونهما ~~سببين لأعقاب البخل النفاق والتحقيق أنه لما كانت الفاء الدالة على الترتيب ~~والتفريع منبئة عن ترتب أعقاب النفاق المخلد على أفعالهم المحكية عنهم من ~~المعاهدة بالتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض وفيها مالا دخل له في ~~الترتب المذكور كالمعاهدة أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيين ما هو المدار ~~في ذلك والله تعالى أعلم وقرئ بتشديد الذال «ألم يعلموا» أي المنافقون أو ~~من عاهد الله وقرئ بالتاء الفوقانية خطابا للمؤمنين فالهمزة على الأول ~~للإنكار والتوبيخ والتهديد أي ألم يعلموا «أن الله يعلم سرهم ونجواهم» أي ~~ما أسروا به في أنفسهم وما ms1389 تناجوا به فيما بينهم من المطاعن وتسمية الصدقة ~~جزية وغير ذلك مما لا خير فيه وسر تقديم السر على النجوى سيظهر في قوله ~~سبحانه وستردون إلى عالم الغيب والشهادة «وأن الله علام الغيوب» فلا يخفي ~~عليه شيء من الأشياء حتى اجترءوا على ما اجترءوا عليه من العظائم وإظهار ~~اسم الجلالة في الموقعين لإلقاء الروعة وتربية المهابة وفي إيراد العلم ~~المتعلق بسرهم ونجواهم بصيغة الفعل الدال على الحدوث والتجدد والعلم ~~المتعلق بالغيوب الكثيرة الدائمة بصيغة الاسم الدال على الدوام والمبالغة ~~من الفخامة والجزالة مالا يخفي وعلى الثاني لتقرير علم المؤمنين بذلك ~~وتنبيههم على أنه تعالى مؤاخذهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم «الذين ~~يلمزون» نصب أو رفع على الذم ويجوز جره على البدلية من الضمير في سرهم ~~ونجواهم وقرئ بضم الميم وهي لغة أي يعيبون «المطوعين» أي المتطوعين ~~المتبرعين «من المؤمنين» حال من المطوعين وقوله تعالى «في الصدقات» متعلق ~~بيلمزون روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة فأتى عبد ~~الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب وقيل بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ~~ثمانية آلاف فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك له حتى صولحت تماضر ~~رابعة نسائه عن ربع الثمن على ثمانين ألفا وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من ~~تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على ~~صاعين فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~ينثره على الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا ~~رياء وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ~~ليعطى من الصدقات فنزلت «والذين لا يجدون إلا جهدهم» عطف على المطوعين أي ~~ويلمزون PageV04P086 # الذين لا يجدون إلا طاقتهم وقرئ بفتح الجيم وهو مصدر جهد في الأمر إذا ~~بالغ فيه وقيل هو بالضم الطاقة وبالفتح المشقة «فيسخرون ms1390 منهم» عطف على ~~يلمزون أي يهزءون بهم والمراد بهم الفريق الأخير «سخر الله منهم» إخبار ~~بمجازاته تعالى إياهم على ما فعلوا من السخرية والتعبير عنها بذلك للمشاكلة ~~«ولهم» أي ثابت لهم «عذاب أليم» التنوين للتهويل والتفخيم وإيراد الجملة ~~اسمية للدلالة على الاستمرار «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» إخبار باستواء ~~الأمرين الاستغفار لهم وتركه في استحالة المغفرة وتصويره بصورة الأمر ~~للمبالغة في بيان استوائهما كأنه صلى الله عليه وسلم أمر بامتحان الحال بأن ~~يستغفر تارة ويترك أخرى ليظهر له جلية الأمر كما مر في قوله عز وجل قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم «إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم» بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار إثر بيان الاستواء ~~بينه وبين عدمه روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت فقال صلى الله عليه وسلم محافظة على ما هو الأصل من أن مراتب ~~الأعداد حدود معينة يخالف حكم كل منها حكم ما فوقها إن الله قد رخص لي ~~فسأزيد على السبعين فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ~~الله لهم وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق التكثير ~~لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنها العدد بأسره وقيل هي أكمل ~~الأعداد لجمعها معانيها ولأن الستة أول عدد تام لتعادل أجزائها الصحيحة إذ ~~نصفها ثلاثة وثلثها اثنان وسدسها واحد وجملتها ستة وهي مع الواحد سبعة ~~فكانت كاملة إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال ثم السبعون غاية الكمال إذ ~~الآحاد غايتها العشرات والسبعمائة غاية الغايات «ذلك» إشارة إلى امتناع ~~المغفرة لهم ولو بعد المبالغة في الاستغفار أي ذلك الامتناع ليس لعدم ~~الاعتداد باستغفارك بل «بأنهم» أي بسبب أنهم «كفروا بالله ورسوله» كفرا ~~متجاوزا عن الحد كما يلوح به وصفهم بالفسق في قوله عز وجل «والله لا يهدي ~~القوم ms1391 الفاسقين» فإن الفسق في كل شيء عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده أي ~~لا يهديهم هداية موصلة إلى المقصد البتة لمخالفة ذلك للحكمة التي عليها ~~يدور فلك التكوين والتشريع وأما الهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل إليه ~~فهي متحققة لا محالة ولكنهم بسوء اختيارهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا ~~وهو تذييل مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكافر إنما هي بالإقلاع عن ~~الكفر والإقبال إلى الحق والمتهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك وفيه ~~تنبيه على عذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره لهم وهو عدم يأسه من ~~إيمانهم حيث لم يعلم أنهم مطبوعون على الغي والضلال إذ الممنوع هو ~~الاستغفار لهم بعد تبين حالهم كما سيتلى من قوله عز وجل ما كان للنبي الآية ~~PageV04P087 # «فرح المخلفون» أي الذين خلفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم في ~~القعود عند استئذانهم أو خلفهم الله بتثبيطه إياهم لما علم في ذلك من ~~الحكمة الخفية أو خلفهم كسلهم أو نفاقهم «بمقعدهم» متعلق بفرح أي بقعودهم ~~وتخلفهم عن الغزو «خلاف رسول الله» أي خلفه وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا ~~يقال أقام خلاف الحي أي بعدهم ظعنوا ولم يظعن ويؤيده قراءة من قرأ خلف رسول ~~الله فانتصابه على أنه ظرف لمقعدهم إذ لا فائدة في تقييد فرحهم بذلك وقيل ~~هو بمعنى المخالفة ويعضده قراءة من قرأ خلف رسول الله بضم الخاء فانتصابه ~~على أنه مفعول له والعامل إما فرح أي فرحوا لأجل مخالفته صلى الله عليه ~~وسلم بالقعود وإما مقعدهم أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته صلى الله عليه ~~وسلم أو على أنه حال والعامل أحد المذكورين أي فرحوا مخالفين له صلى الله ~~عليه وسلم أو فرحوا بالقعود مخالفين له صلى الله عليه وسلم «وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله» لا إيثار للدعة والخفض على طاعة ~~الله تعالى فقط بل مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاق فإن إيثار أحد الأمرين ~~قد يتحقق بأدنى رجحان منه من غير أن يبلغ ms1392 الآخر مرتبة الكراهية وإنما أوثر ~~ما عليه النظم الكريم على أن يقال وكرهوا أن يخرجوا إلى الغزو إيذانا بأن ~~الجهاد في سبيل الله مع كونه من أجل الرغائب وأشرف المطالب التي يجب أن ~~يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائح الذي هو القعود ~~خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقالوا» أي لإخوانهم تثبيتا لهم على ~~التخلف والقعود وتواصيا فيما بينهم بالشر والفساد أو للمؤمنين تثبيطا لهم ~~عن الجهاد ونهيا عن المعروف وإظهارا لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا ~~به من القعود فقد جمعوا ثلاث خلال من خصال الكفر والضلال الفرح بالقعود ~~وكراهية الجهاد ونهي الغير عن ذلك «لا تنفروا في الحر» فإنه لا يستطاع شدته ~~«قل» ردا عليهم وتجهيلا لهم «نار جهنم» التي ستدخلونها بما فعلتم «أشد حرا» ~~مما تحذرون من الحر المعهود وتحذرون الناس منه فما لكم لا تحذرونها وتعرضون ~~أنفسكم لها بإيثار القعود على النفير «لو كانوا يفقهون» اعتراض تذييلي من ~~جهته سبحانه وتعالى غير داخل تحت القول المأمور به مؤكد لمضمونه وجواب لو ~~إما مقدر أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك أو كيف هي أو أن مآلهم إليها لما ~~فعلوا ما فعلوا أو لتأثروا بهذا الإلزام وإما غير منوي على أن لو لمجرد ~~التمني المنبئ عن امتناع تحقق مدخولها أي لو كانوا من أهل الفطانة والفقه ~~كما في قوله عز وجل قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون «فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا» إخبار عن عاجل ~~أمرهم وآجله من الضحك القليل والبكاء الطويل المؤدي إليه أعمالهم السيئة ~~التي من جملتها ما ذكر من الفرح والفاء لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من ~~الضحك والبكاء لا لنفسهما إذ لا يتصور السببية في الأول أصلا وقليلا وكثيرا ~~منصوبان على المصدرية PageV04P088 # أو الظرفية أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا أو زمانا قليلا زمانا كثيرا ~~وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به فإن أمر الآمر ~~المطاع مما لا يكاد ms1393 يتخلف عنه المأمور به خلا أن المقصود إفادته في الأول ~~هو وصف القلة فقط وفي الثاني وصف الكثرة مع الموصوف يروى أن أهل النفاق ~~يبكون في النار عمر الدنيا لا يرفأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم ويجوز أن يكون ~~الضحك كناية عن الفرح والبكاء عن الغم وأن تكون القلة عبارة عن العدم ~~والكثرة عن الدوام «جزاء بما كانوا يكسبون» من فنون المعاصي والجمع بين ~~صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي ما داموا في الدنيا ~~وجزاء مفعول له للفعل الثاني أي ليبكوا جزاء أو مصدر حذف ناصبه أي يجزون ~~بما ذكر من البكاء الكثير جزاء بما كسبوا من المعاصي المذكورة «فإن رجعك ~~الله» الفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بين من أمرهم والفعل من الرجع ~~المتعدي دون الرجوع اللازم أي فإن ردك الله تعالى «إلى طائفة منهم» أي إلى ~~المنافقين من المتخلفين في المدينة فإن تخلف بعضهم إنما كان لعذر عائق مع ~~الإسلام أو إلى من بقي من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم بالموت أو ~~بالغيبة عن البلد أو بأن لم يستأذن البعض عن قتادة أنهم كانوا اثنى عشر ~~رجلا قيل فيهم ما قيل «فاستأذنوك للخروج» معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك هذه ~~«فقل» إخراجا لهم عن ديوان الغزاة وإبعادا لمحلهم عن محفل صحبتك «لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا» من الأعداء وهو إخبار في معنى النهي ~~للمبالغة وقد وقع كذلك «إنكم» تعليل لما سلف أي لأنكم «رضيتم بالقعود» أي ~~عن الغزو وفرحتم بذلك «أول مرة» هي غزوة تبوك «فاقعدوا» الفاء لتفريع الأمر ~~بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر عنهم من الرضا بالقعود أي إذ رضيتم ~~بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد «مع الخالفين» أي المتخلفين الذين ديدنهم ~~القعود والتخلف دائما وقرئ الخلفين على القصر فكان محو أساميهم من دفتر ~~المجاهدين ولزهم في قرن الخالفين عقوبة لهم أي عقوبة وتذكير اسم التفضيل ~~المضاف إلى المؤنث هو الأكثر الدائر على الألسنة فإنك لا تكاد تسمع قائلا ~~يقول هي كبرى ms1394 امرأة أو أولى مرة «ولا تصل على أحد منهم مات» صفة لأحد وإنما ~~جيء بصيغة الماضي تنبيها على تحقق الوقوع لا محالة «أبدا» متعلق بالنهي أي ~~لا تدع ولا تستغفر لهم أبدا «ولا تقم على قبره» أي لا تقف عليه للدفن أو ~~للزيارة والدعاء روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ~~ويدعو لهم فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول بعث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليأتيه فلما دخل عليه فقال صلى الله عليه وسلم أهلكك حب ~~اليهود فقال PageV04P089 # يا رسول الله بعثت إليك لتستغفر لي لا لتؤنبني وسأله أن يكفنه في شعاره ~~الذي بلى جلده ويصلي عليه فلما مات دعاه ابنه وكان مؤمنا صالحا فأجابه صلى ~~الله عليه وسلم تسلية له ومراعاة لجانبه وأرسل إليه قميصه فكفن فيه فلما هم ~~بالصلاة أو صلى نزلت وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لما هلك عبد الله بن أبي ~~ووضعناه ليصلي عليه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أتصلي على عدو ~~الله القائل يوم كذا كذا وكذا والقائل يوم كذا كذا وكذا وعددت أيامه ~~الخبيثة فتبسم صلى الله عليه وسلم وصلى عليه ثم مشى معه وقام على حفرته حتى ~~دفن فو الله ما لبث إلا يسيرا حتى نزل ولا تصل الخ فما صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره وإنما لم ينه عن ~~التكفين بقميصه صلى الله عليه وسلم لأن الضنة بالقميص كانت مظنة الإخلال ~~بالكرم على أنه كان مكافأة لقميصه الذي كان ألبسه العباس رضي الله تعالى ~~عنه حين أسر ببدر والخبر مشهور «إنهم كفروا بالله ورسوله» تعليل للنهي على ~~معنى أن الاستغفار للميت والوقوف على قبره إنما يكون لاستصلاحه وذلك مستحيل ~~في حقهم لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله مدة حياتهم «وماتوا وهم ~~فاسقون» أي متمردون في الكفر خارجون عن حدوده كما بين من معنى الفسق «ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم» ms1395 تكرير لما سبق وتقرير لمضمونه بالإخبار بوقوعه ~~ويجوز أن يكون هذا في حق فريق غير الفريق الأول وتقديم الأموال في أمثال ~~هذه المواقع على الأولاد مع كونهم أعز منها إما لعموم مساس الحاجة إليها ~~بحسب الذات وبحسب الأفراد والأوقات فإنها مما لا بد منه لكل أحد من الآباء ~~والأمهات والأولاد في كل وقت وحين حتى أن من له أولاد ولا مال له فهو ~~وأولاده في ضيق ونكال وأما الأولاد فإنما يرغب فيهم من بلغ مبلغ الأبوة ~~وإما لأن المال مناط لبقاء النفس والأولاد لبقاء النوع وإما لأنها أقدم في ~~الوجود من الأولاد لأن الأجزاء المنوية إنما تحصل من الأغذية كما سيأتي في ~~سورة الكهف «أنما يريد الله» بما متعهم به من الأموال والأولاد «أن يعذبهم ~~بها في الدنيا» بسبب معاناتهم المشاق ومكابدتهم الشدائد في شأنها «وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون» أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها والالتهاء عن ~~النظر والتدبر في العواقب «وإذا أنزلت سورة» من القرآن ويجوز أن يراد بها ~~بعضها «أن آمنوا بالله» أن مفسرة لما في الإنزال من معنى القول والوحي أو ~~مصدرية حذف عنها الجار أي بأن آمنوا «وجاهدوا مع رسوله» لإعزاز دينه وإعلاء ~~كلمته «استأذنك أولوا الطول منهم» أي ذوو الفضل والسعة والقدرة على الجهاد ~~بدنا ومالا «وقالوا» عطف تفسيري لاستأذنك مغن عن ذكر ما استأذنوا فيه يعني ~~القعود «ذرنا نكن مع القاعدين» PageV04P090 # أي الذين قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر «رضوا» استئناف لبيان سوء صنيعهم ~~وعدم امتثالهم لكلا الأمرين وإن لم يردوا الأول صريحا «بأن يكونوا مع ~~الخوالف» مع النساء اللاتي شأنهن القعود ولزوم البيوت جمع خالفة وقيل ~~الخالفة من لا خير فيه «وطبع على قلوبهم فهم» بسبب ذلك «لا يفقهون» ما في ~~الإيمان بالله وطاعته في أوامره ونواهيه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم ~~والجهاد من السعادة وما في أضداد ذلك من الشقاوة «لكن الرسول والذين آمنوا ~~معه» بالله وبما جاء من عنده تعالى وفيه إيذان بأنهم ليسوا من الإيمان ~~بالله في شيء ms1396 وإن لم يعرضوا عنه صريحا إعراضهم عن الجهاد باستئذانهم في ~~القعود «جاهدوا بأموالهم وأنفسهم» أي إن تخلف هؤلاء عن الغزو فقد نهد إليه ~~ونهض له من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقدا وأقاموا أمر الجهاد بكلا نوعيه ~~كقوله تعالى فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ~~«وأولئك» المنعوتون بالنعوت الجليلة «لهم» بواسطة نعوتهم المزبورة ~~«الخيرات» أي منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في ~~العقبى وقيل الحور كقوله عز قائلا فيهن خيرات حسان وهي جمع خيرة تخفيف خيرة ~~«وأولئك هم المفلحون» أي الفائزون بالمطلوب لا من حاز بعضا من الحظوظ ~~الفانية عما قليل وتكرير اسم الإشارة تنويه لشأنهم وربء لمكانهم «أعد الله ~~لهم» استئناف لبيان كونهم مفلحين أي هيأ لهم في الآخرة «جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها» حال مقدرة من الضمير المجرور والعامل أعد «ذلك» إشارة ~~إلى ما فهم من إعداد الله سبحانه لهم الجنات المذكورة من نيل الكرامة ~~العظمى «الفوز العظيم» الذي لا فوز وراءه «وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن ~~لهم» شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان منافقي أهل المدينة ~~والمعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدو حقيقته أن يوهم أن ~~له عذرا فيما يفعل ولا عذر له أو المعتذرون بإدغام التاء في الذال ونقل ~~حركتها إلى العين وهم المعتذرون بالباطل وقرئ المعذرون من الأعذار وهو ~~الاجتهاد في العذر والاحتشاد فيه قيل هم أسد وغطفان قالوا إن لنا عيالا وإن ~~بنا لجهدا فائذن لنا في التخلف وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا ~~معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P091 # سيغنيني الله تعالى عنكم وعن مجاهد نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله ~~سبحانه وعن قتادة اعتذروا بالكذب وقرئ المعذرون بتشديد العين والذال من ~~تعذر بمعنى اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء ~~والزاء والصاد في المطوعين وأزكى وأصدق وقيل أريد بهم المعتذرون بالصحة ms1397 وبه ~~فسر المعذرون والمعذرون أي الذين لم يفرطوا في العذر «وقعد الذين كذبوا ~~الله ورسوله» وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر أنهم ~~كذبوا الله ورسوله في ادعاء الإيمان والطاعة «سيصيب الذين كفروا منهم» أي ~~من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره «عذاب أليم» ~~بالقتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة ب «ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى» كالهرمى والزمني «ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون» لفقرهم كمزينة ~~وجهينة وبني عذرة «حرج» إثم في التخلف «إذا نصحوا لله ورسوله» وهو عبارة عن ~~الإيمان بهما والطاعة لهما في السر والعلن وتوليهما في السراء والضراء ~~والحب فيهما والبغض فيهما كما يفعل المولى الناصح بصاحبه «ما على المحسنين ~~من سبيل» استئناف مقرر لمضمون ما سبق أي ليس عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم ~~سبيل ومن مزيدة للتأكيد ووضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على انتظامهم ~~بنصحهم لله ورسوله في سلك المحسنين أو تعليل لنفي الحرج عنهم أي ما على جنس ~~المحسنين من سبيل وهم من جملتهم «والله غفور رحيم» تذييل مؤيد لمضمون ما ~~ذكر مشير إلى أن بهم حاجة إلى المغفرة وإن كان تخلفهم بعذر «ولا على الذين ~~إذا ما أتوك لتحملهم» عطف على المحسنين كما يؤذن به قوله عز وجل فيما سيأتي ~~إنما السبيل الآية وقيل عطف على الضعفاء وهم البكاءون سبعة من الأنصار معقل ~~بن يسار وصخر ابن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة ~~وعبد الله بن معقل وعلبة بن زيد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك فقال ~~صلى الله عليه وسلم لا أجد فتولوا وهم يبكون وقيل هم بنو مقر معقل وسويد ~~ونعمان وقيل أبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله تعالى عنهم «قلت لا أجد ما ~~أحملكم عليه» حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وما عامة لما سألوه صلى الله ~~عليه وسلم وغيره مما يحمل عليه ms1398 عادة وفي إيثار لا أجد على ليس عندي من ~~تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا يخفي كأنه صلى الله عليه وسلم ~~يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده «تولوا» جواب إذا «وأعينهم تفيض» ~~أي تسيل بشدة «من الدمع» أي دمعا فإن من البيانية مع مجرورها في حيز النصب ~~على التمييز وهو أبلغ من يفيض دمعها لإفادتها أن العين بعينها صارت دمعا ~~فياضا والجملة حالية وقوله عز اسمه «حزنا» نصب على العلية أو الحالية أو ~~المصدرية لفعل دل عليه ما قبله أي تفيض للحزن فإن الحزن يسند إلى العين ~~مجازا PageV04P092 # كالفيض أو تولوا له أو حزنين أو يحزنون حزنا فتكون هذه الجملة حالا من ~~الضمير في تفيض «ألا يجدوا» على حذف لام متعلقة بحزنا أو تفيض أي لئلا ~~يجدوا «ما ينفقون» في شراء ما يحتاجون إليه إذ لم يجدوه عندك «إنما السبيل» ~~بالمعاتبة «على الذين يستأذنونك» في التخلف «وهم أغنياء» واجدون لأهبة ~~الغزو مع سلامتهم «رضوا» استئناف تعليلي لما سبق كأنه قيل ما بالهم ~~استأذنوا وهم أغنياء فقيل رضوا «بأن يكونوا مع الخوالف» الذين شأنهم الضعة ~~والدناءة «وطبع الله على قلوبهم» أي خذلهم فغفلوا عن وخامة العاقبة «فهم» ~~بسبب ذلك «لا يعلمون» أبدا غائلة ما رضوا به وما يستتبعه آجلا كما لم ~~يعلموا بخساسة شأنه عاجلا «يعتذرون إليكم» استئناف لبيان ما يتصدرون له عند ~~القفول إليهم روي أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا فلما رجع صلى الله عليه ~~وسلم إليهم جاءوا يعتذرون إليه بالباطل والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضا لا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقط أي يعتذرون إليكم في التخلف «إذا رجعتم» من الغزو منتهين ~~«إليهم» وإنما لم يقل إلى المدينة إيذانا بأن مدار الاعتذار هو الرجوع ~~إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من بادر إلى الاعتذار قبل الرجوع ~~إليها «قل» تخصيص هذا الخطاب برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تعميمه ~~فيما سبق لأصحابه أيضا لما أن الجواب ms1399 وظيفته صلى الله عليه وسلم وأما ~~اعتذارهم فكان شاملا للمسلمين شمول الرجوع لهم «لا تعتذروا» أي لا تفعلوا ~~الاعتذار كقوله تعالى اخسئوا فيها ولا تكلمون أو لا تعتذروا بما عندكم من ~~المعاذير وأما التعرض لعنوان كذبها فلا يساعده قوله تعالى «لن نؤمن لكم» أي ~~لن نصدقكم في ذلك أبدا فإنه استئناف تعليلي للنهي مبني على سؤال نشأ من ~~قبلهم متفرع على ادعاء الصدق في الاعتذار كأنهم قالوا لم لا نعتذر فقيل ~~لأنا لا نصدقكم أبدا فيكون عبثا إذ لا يترتب عليه غرض المعتذر وقوله عز وجل ~~«قد نبأنا الله من أخباركم» تعليل لانتفاء التصديق أي أعلمنا بالوحي بعض ~~أخباركم المنافية للتصديق مما باشرتموه من الشر والفساد وأضمرتموه في ~~ضمائركم وهيأتموه للإبراز في معرض الاعتذار من الأكاذيب وجمع ضمير المتكلم ~~في الموضعين للمبالغة في حسم أطماعهم من التصديق رأسا ببيان عدم رواج ~~اعتذارهم عند أحد من المؤمنين أصلا فإن تصديق البعض لهم ربما يطمعهم في ~~تصديق الرسول أيضا صلى الله عليه وسلم بواسطة المصدقين وللإيذان بأن ~~افتضاحهم بين المؤمنين كافة «وسيرى الله عملكم» فيما سيأتي أتنيبون إليه ~~تعالى مما أنتم فيه من النفاق أم تثبتون وكأنه استتابة وإمهال للتوبة ~~وتقديم مفعول الرؤية على ما عطف على فاعله من قوله تعالى «ورسوله» للإيذان ~~باختلاف حال الرؤيتين وتفاوتهما وللإشعار بأن مدار الوعيد هو علمه عز وجل ~~بأعمالهم «ثم تردون» يوم القيامة «إلى عالم الغيب والشهادة» PageV04P093 # للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال ووضع المظهر موضع المضمر لتشديد الوعيد ~~فإن علمه سبحانه وتعالى بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته بأحوالهم ~~البارزة والكامنة مما يوجب الزجر العظيم «فينبئكم» عند ردكم إليه ووقوفكم ~~بين يديه «بما كنتم تعملون» أي بما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار ~~من الأعمال السيئة السابقة واللاحقة على أن ما موصولة والعائد إليها محذوف ~~أو بعملكم المستمر على أنها مصدرية والمراد بالتنبئة بذلك المجازاة به ~~وإيثارها عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى قد نبأنا الله الخ فإن المنبأ ~~به الأخبار المتعلقة بأعمالهم وللإيذان ms1400 بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا ~~بحقيقة أعمالهم وإنما يعلمونها يومئذ «سيحلفون بالله لكم» تأكيد لمعاذيرهم ~~الكاذبة وتقريرا لها والسين للتأكيد والمحلوف عليه محذوف يدل عليه الكلام ~~وهو ما اعتذروا به من الأكاذيب والجملة بدل من يعتذرون أو بيان له «إذا ~~انقلبتم» أي انصرفتم من الغزو «إليهم» ومعنى الانقلاب هو الرجوع والانصراف ~~مع زيادة معنى الوصول والاستيلاء وفائدة تقييد حلفهم به الإيذان بأنه ليس ~~لدفع ما خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم به من قوله تعالى لا تعتذروا الخ ~~بل هو أمر مبتدأ «لتعرضوا» وتصفحوا «عنهم» صفح رضا فلا توبخوهم ولا ~~تعاتبوهم كما يفصح عنه قوله تعالى لترضوا عنهم «فأعرضوا عنهم» لكن لا إعراض ~~رضا كما هو طلبتهم بل إعراض اجتناب ومقت كما يعرب عنه قوله عز وجل «إنهم ~~رجس» فإنه صريح في أن المراد بالإعراض عنهم إما الاجتناب عنهم لما فيهم من ~~الرجس الروحاني وإما ترك استصلاحهم بترك المعاتبة لأن المقصود بها التطهير ~~بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير فلا يتعرض لهم بها وقوله ~~عز وعلا «ومأواهم جهنم» إما من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من ~~دواعي الاجتناب عنهم وموجبات ترك استصلاحهم باللوم والعتاب وإما تعليل ~~مستقل أي وكفتهم النار عتابا وتوبيخا فلا تتكلفوا أنتم في ذلك «جزاء» نصب ~~على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر من لفظه وقع حالا أي يجزون جزاء أو لمضمون ~~الجملة السابقة فإنها مفيدة لمعنى المجازاة قطعا كأنه قيل مجزيون جزاء «بما ~~كانوا يكسبون» في الدنيا من فنون السيئات أو على أنه مفعول له «يحلفون لكم» ~~بدل مما سبق وعدم ذكر المحلوف به لظهوره أي يحلفون به تعالى «لترضوا عنهم» ~~بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم «فإن ترضوا عنهم» حسبما راموا ~~وساعدتموهم في ذلك «فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين» أي فإن رضاكم عنهم ~~لا يجديهم نفعا لأن الله ساخط عليهم ولا أثر لرضاكم عند سخطه سبحانه ووضع ~~الفاسقين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حل ms1401 بهم ~~من السخط وللإيذان بشمول الحكم لمن شاركهم في ذلك والمراد به نهي المخاطبين ~~عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضا ~~عمن لا يرضى PageV04P094 # عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن وقيل إنما قيل ذلك لئلا يتوهم ~~متوهم أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى قيل هم جد بن قيس ومعتب بن ~~قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين منافقا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمؤمنين حين قدم المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم وقيل جاء عبد الله بن ~~أبي يحلف أن لا يتخلف عنه أبدا «الأعراب» هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب ~~قاله سيبويه لئلا يلزم كون الجمع أخص من الواحد فإن العرب هو هذا الجيل ~~الخاص سواء سكن البوادي أم القرى وأما الأعراب فلا يطلق إلا على من يسكن ~~البوادي ولهذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل أعرابي وقال أهل اللغة رجل ~~عربي وجمعه العرب كما يقال مجوسي ويهودي ثم يحذف ياء النسب في الجمع فيقال ~~المجوس واليهود ورجل أعرابي ويجمع على الأعراب والأعاريب أي أصحاب البدو ~~«أشد كفرا ونفاقا» من أهل الحضر لجفائهم وقسوة قلوبهم وتوحشهم ونشئهم في ~~معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم وهذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده ~~كما في قوله تعالى وكان الإنسان كفورا إذ ليس كلهم كما ذكر على ما ستحيط به ~~خبرا «وأجدر ألا يعلموا» أي أحق وأخلق بأن لا يعلموا «حدود ما أنزل الله ~~على رسوله» لبعدهم عن مجلسه صلى الله عليه وسلم وحرمانهم من مشاهدة معجزاته ~~ومعاينة ما ينزل عليه من الشرائع في تضاعيف الكتاب والسنة «والله عليم» ~~بأحوال كل من أهل الوبر والمدر «حكيم» فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم من ~~العقاب والثواب «ومن الأعراب» شروع في بيان تشعب جنس الأعراب إلى فريقين ~~وعدم انحصارهم في الفريق المذكور كما يتراءى من ظاهر النظم الكريم وشرح ~~لبعض مثالب هؤلاء المتفرعة على الكفر والنفاق بعد بيان تماديهم فيهما وحمل ~~الأعراب على الفريق المذكور خاصة وإن ساعده ms1402 كون من يحكي حاله بعضا منهم وهم ~~الذين بصدد الإنفاق من أهل النفاق دون فقرائهم أو أعراب أسد وغطفان وتميم ~~كما قيل لكن لا يساعده ما سيأتي من قوله تعالى ومن الأعراب من يؤمن الخ فإن ~~أولئك ليسوا من هؤلاء قطعا وإنما هم من الجنس أي ومن جنس الأعراب الذي نعت ~~بنعت بعض أفراده «من يتخذ ما ينفق» من المال أي يعد ما يصرفه في سبيل الله ~~ويتصدق به صورة «مغرما» أي غرامة وخسرانا لازما إذ لا ينفقه احتسابا ورجاء ~~لثواب الله تعالى ليكون له مغنما وإنما ينفقه رياء وتقية فهي غرامة محضة ~~وما في صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار ~~غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعنى كونها غرامة ~~«ويتربص بكم الدوائر» أصل الدائرة ما يحيط بالشيء والمراد بها ما لا ~~PageV04P095 # محيص عنه من مصائب الدهر أي ينتظر بكم دوائر الدهر ونوبه ودوله ليذهب ~~غلبتكم عليه فليتخلص مما ابتلى به «عليهم دائرة السوء» دعا عليهم بنحو ما ~~أرادوا بالمؤمنين على نهج الاعتراض كقوله سبحانه غلت أيديهم بعد قول اليهود ~~ما قالوا والسوء مصدر ثم أطلق على كل ضر وشر وأضيفت إليه الدائرة ذما كما ~~يقال رجل سوء لأن من دارت عليه يذمها وهي من باب إضافة الموصوف إلى صفته ~~فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغة ثم أضيفت إلى صفتها كقوله عز وجل ما كان ~~أبوك امرأ سوء وقيل معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فإنما هي إضافة بيان ~~وتأكيد كما قالوا شمس النهار ولحيا رأسه وقرئ بالضم وهو العذاب كما قيل له ~~سيئة «والله سميع» لما يقولونه عند الإنفاق مما لا خير فيه «عليم» بما ~~يضمرونه من الأمور الفاسدة التي من جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر وفيه من ~~شدة الوعيد ما لا يخفي «ومن الأعراب» أي من جنسهم على الإطلاق «من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويتخذ» أي يأخذ لنفسه على وجه الاصطفاء والادخار «ما ~~ينفق» أي ينفقه في سبيل الله تعالى «قربات» أي ms1403 ذرائع إليها وللإيذان بما ~~بينهما من كمال الاختصاص جعل كأنه نفس القربات والجمع باعتبار أنواع ~~القربات أو أفرادها وهي ثاني مفعولي يتخذ وقوله تعالى «عند الله» صفتها أو ~~ظرف ليتخذ «وصلوات الرسول» أي وسائل إليها فإنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ولذلك سن للمصدق أن يدعو ~~للمتصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه كما فعله صلى الله عليه ~~وسلم حين قال اللهم صل على آل أبي أو في ذلك منصبه فله أن يتفضل به على من ~~يشاء والتعرض لوصف الإيمان بالله واليوم الآخر في الفريق الأخير مع أن مساق ~~الكلام لبيان الفرق بين الفريقين في شأن اتخاذ ما ينفقانه حالا ومآلا وأن ~~ذكر اتخاذه ذريعة إلى القربات والصلوات مغن عن التصريح بذلك لكمال العناية ~~بإيمانهم وبيان اتصافهم به وزيادة الاعتناء بتحقيق الفرق بين الفريقين من ~~أول الأمر وأما الفريق الأول فاتصافهم بالكفر والنفاق معلوم من سياق النظم ~~الكريم صريحا «ألا إنها قربة لهم» شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة ما ~~اعتقدوه وتصديق لرجائهم والضمير لما ينفق والتأنيث باعتبار الخبر مع ما مر ~~من تعدده بأحد الوجهين والتنكير للتفخيم المغنى عن الجمع أي قربة عظيمة لا ~~يكتنه كنهها وفي إيراد الجملة اسمية وتصديرها بحرفي التنبيه والتحقيق من ~~الجزالة ما لا يخفي والاقتصار على بيان كونها قربة لهم لأنها الغاية القصوى ~~وصلوات الرسول من ذرائعها وقوله تعالى «سيدخلهم الله في رحمته» وعد لهم ~~بإحاطة رحمته الواسعة بهم وتفسير للقربة كما أن قوله عز وعلا والله سميع ~~عليم وعيد للأولين عقيب الدعاء عليهم والسين للدلالة على تحقق ذلك وتقرره ~~البتة وقوله تعالى «إن الله غفور رحيم» تعليل لتحقق الوعد على نهج ~~الاستئناف التحقيقي قيل هذا في عبد الله ذي البجادين وقومه وقيل في بني ~~مقرن من مزينة وقيل في أسلم وغفار وجهينة وروي أبو هريرة PageV04P096 # رضي الله عنه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم وغفار وشئ من ~~جهينة ومزينة خير ms1404 عند الله يوم القيامة من تميم وأسد بن خزيمة وهوازن ~~وغطفان «والسابقون الأولون من المهاجرين» بيان لفضائل أشراف المسلمين إثر ~~بيان فضيلة طائفة منهم والمراد بهم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا ~~بدرا أو الذين أسلموا قبل الهجرة «والأنصار» أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا ~~سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلا والذي آمنوا حين قدم ~~عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير وقريء بالرفع عطفا على والسابقون «والذين ~~اتبعوهم بإحسان» أي ملتبسين به والمراد به كل خصلة حسنة وهم اللاحقون ~~بالسابقين من الفريقين على أن من تبعيضية أو الذين اتبعوهم بالإيمان ~~والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار ومن ~~بيانية «رضي الله عنهم» خبر للمبتدأ أي رضي الله عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء ~~أعمالهم «ورضوا عنه» بما نالوه من رضاه المستتبع لجميع المطالب طرا «وأعد ~~لهم» في الآخرة «جنات تجري تحتها الأنهار» وقرئ من تحتها كما في سائر ~~المواقع «خالدين فيها أبدا» من غير انتهاء «ذلك الفوز العظيم» الذي لا فوز ~~وراءه وما في اسم الإشارة من معنى البعد لبيان بعد منزلتهم في مراتب الفضل ~~وعظم الدرجة من مؤمني الأعراب «وممن حولكم من الأعراب» شروع في بيان أحوال ~~منافقي أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية منهم أي ~~ممن حول بلدتكم «منافقون» وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين ~~حولها «ومن أهل المدينة» عطف على ممن حولكم عطف مفرد على مفرد وقوله تعالى ~~«مردوا على النفاق» إما جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة لبيان ~~غلوهم في النفاق إثر بيان اتصافهم به وإما صفة للمبتدأ المذكور فصل بينها ~~وبينه بما عطف على خبره وإن صفة لمحذوف أقيمت هي مقامه وهو مبتدأ خبره من ~~أهل المدينة كما في قوله * أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * والجملة عطف على ~~الجملة السابقة أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق أي تمهروا فيه من ~~مرن فلان على عمله ومرد عليه إذا درب به وضري حتى ms1405 لان عليه ومهر فيه غير أن ~~مرد لا يكاد يستعمل إلا في الشر فالتمرد على الوجهين الأولين شامل للفريقين ~~حسب شمول النفاق وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة وهو الأظهر ~~والأنسب بذكر منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر منافقي الأعراب المجاورين ~~للمدينة ثم ذكر منافقي أهلها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه «لا تعلمهم» ~~بيان لتمردهم أي لا تعرفهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائهم وأنسابهم بل ~~بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في مراعاة ~~التقية PageV04P097 # والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفي عليك حالهم مع ما أنت عليه من علو ~~الكعب وسمو الطبقة في كمال الفطنة وصدق الفراسة وفي تعليق نفي العلم بهم مع ~~أنه متعلق بحالهم مبالغة في ذلك وإيماء إلى أن ما هم فيه من صفة النفاق ~~لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا ~~يعرفهم بتلك الصفة عالما بهم وحمل عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم ~~على عدم علمه صلى الله عليه وسلم بعد مجيء هذا البيان على أنه صلى الله ~~عليه وسلم يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم مع كونه خلاف ~~الظاهر عار عما ذكر من المبالغة وقوله عز وجل «نحن نعلمهم» تقرير لما سبق ~~من مهارتهم في فن النفاق أي لا يقف على سرائرهم المركوزة في ضمائرهم إلا من ~~لا تخفي عليه خافية لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار ~~الإخلاص وفي تعليق العلم بهم مع أن المقصود بيان تعلقه بحالهم ما مر في ~~تعليق نفيه بهم وقوله عز شأنه «سنعذبهم» وعيد لهم وتحقيق لعذابهم حسبما علم ~~الله فيهم من موجباته والسين للتأكيد «مرتين» عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم الجمعة فقال اخرج يا فلان فإنك ~~منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرج ناسا وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ~~والثاني إما القتل وإما عذاب القبر أو الأول هو القتل والثاني عذاب ms1406 القبر ~~أو الأول أخذ الزكاة لما أنهم يعدونها مغرما بحتا والثاني نهك الأبدان ~~وإتعابها بالطاعات الفارغة عن الثواب ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر ~~المشفوع بالنفاق أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه ويجوز أن يكون المراد ~~بالمرتين مجرد التكثير كما في قوله تعالى فارجع البصر كرتين أي كرة بعد ~~أخرى «ثم يردون» يوم القيامة «إلى عذاب عظيم» هو عذاب النار وفي تغيير ~~السبك بإسناد عذابهم السابق إلى نون العظمة حسب إسناد ما قبله من العلم ~~وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالا وأن الأول ~~خاص بهم وقوعا وزمانا يتولاه سبحانه وتعالى والثاني شامل لعامة الكفرة ~~وقوعا وزمانا وإن اختلفت طبقات عذابهم «وآخرون» بيان لحال طائفة من ~~المسلمين ضعيفة الهمم في أمور الدين وهو عطف على منافقون أي ومنهم يعني ~~وممن حولكم ومن أهل المدينة قوم آخرون «اعترفوا بذنوبهم» التي هي تخلفهم عن ~~الغزو وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين وندموا على ذلك ولم ~~يعتذروا بالمعاذير الكاذبة ولم يخفوا ما صدر عنهم من الأعمال السيئة كما ~~فعله من اعتاد إخفاء ما فيه وإبراز ما ينافيه من المنافقين الذين اعتذروا ~~بما لا خير فيه من المعاذير المؤكدة بالأيمان الفاجرة حسب ديدنهم المألوف ~~وهم رهط من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد عند ما بلغهم ما نزل ~~في المتخلفين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين ~~حسب عادته الكريمة ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقيل إنهم أقسموا أن لا يحلوا ~~أنفسهم حتى تحلهم فقال صلى الله عليه وسلم وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر ~~فيهم فنزلت «خلطوا عملا صالحا» هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحة والخروج ~~إلى المغازي السابقة وغيرها وما لحق من PageV04P098 # الاعتراف بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذممهم وندامتهم على ذلك ~~وتخصيصه بالاعتراف لا يناسب الخلط لا سيما على وجه يؤذن بتوارد المختلطين ~~وكون كل منهما مخلوطا ومخلوطا به كما يؤذن به تبديل الواو بالباء في قوله ~~تعالى «وآخر سيئا» ms1407 فإن قولك خلطت الماء باللبن يقتضي إيراد الماء على اللبن ~~دون العكس وقولك خلطت الماء واللبن معناه إيقاع الخلط بينهما من غير دلالة ~~على اختصاص أحدهما بكونه مخلوطا به وترك تلك الدلالة للدلالة على جعل كل ~~منهما متصفا بالوصفين جميعا وذلك فيما نحن فيه بورود كل من العملين على ~~الآخر مرة بعد أخرى والمراد بالعمل السيء ما صدر عنهم من الأعمال السيئة ~~أولا وآخرا وعن الكلبي التوبة والإثم وقيل الواو بمعنى الباء كما في قولهم ~~بعت الشاء شاة ودهما بمعنى شاة بدرهم «عسى الله أن يتوب عليهم» أي يقبل ~~توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم «إن الله غفور رحيم» يتجاوز عن سيئات ~~التائب ويتفضل عليه وهو تعليل لما تفيده كلمة عسى من وجوب القبول فإنها ~~للأطماع الذي هو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب «خذ من أموالهم صدقة» ~~روي أنهم لما أطلقوا قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق ~~بها وطهرنا فقال صلى الله عليه وسلم ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت ~~فليست هي الصدقة المفروضة لكونها مأمورا بها ولما روى أنه صلى الله عليه ~~وسلم أخذ منهم الثلث وترك لهم الثلثين فوقع ذلك بيانا لما في صدقة من ~~الإجمال وإنما هي كفارة لذنوبهم حسبما ينبيء عنه قوله عز وجل «تطهرهم» أي ~~عما تلطخوا به من أوضار التخلف والتاء للخطاب والفعل مجزوم على أنه جواب ~~للأمر وقريء بالرفع على أنه حال من ضمير المخاطب في خذ أو صفة لصدقة والتاء ~~للخطاب أو للصدقة والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده وقريء تطهرهم من ~~أطهره بمعنى طهره «وتزكيهم بها» بإثبات الياء وهو خبر لمبتدأ محذوف والجملة ~~حال من الضمير في الأمر أو في جوابه أي وأنت تزكيهم بها أي تنمي بتلك ~~الصدقة حسناتهم إلى مراتب المخلصين أو أموالهم أو تبالغ في تطهيرهم هذا على ~~قراءة الجزم في تطهرهم وأما على قراءة الرفع فسواء جعلت التاء للخطاب أو ~~للصدقة وكذا إذا جعلت الجملة الأولى حالا من ضمير المخاطب ms1408 أو صفة للصدقة ~~على الوجهين فالثانية عطف على الأولى حالا وصفة من غير حاجة إلى تقدير ~~المبتدأ لتوجيه دخول الواو في الجملة الحالية «وصل عليهم» أي واعطف عليهم ~~بالدعاء والاستغفار لهم «إن صلاتك» وقريء صلواتك مراعاة لتعدد المدعو لهم ~~«سكن لهم» تسكن نفوسهم إليها وتطمئن قلوبهم بها ويثقون بأنه سبحانه قبل ~~توبتهم والجملة تعليل للأمر بالصلاة عليهم «والله سميع» يسمع ما صدر عنهم ~~من الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء «عليم» بما في ضمائرهم من الندم والغم ~~لما فرط منهم ومن الإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم ~~بما تقتضيه الحكمة والجملة حينئذ تذييل للتعليل مقرر لمضمونه وعلى الأول ~~تذييل لما سبق من الآيتين محقق لما فيهما PageV04P099 # «ألم يعلموا» وقريء بالتاء والضمير إما للتائبين فهو تحقيق لما سبق من ~~قبول توبتهم وتطهير الصدقة وتزكيتها لهم وتقرير لذلك وتوطين لقلوبهم ببيان ~~أن المتولي لقبول توبتهم وأخذ صدقاتهم هو الله سبحانه وإن أسند الأخذ ~~والتطهير والتزكية إليه صلى الله عليه وسلم أي ألم يعلم أولئك التائبون «أن ~~الله هو يقبل التوبة» الصحيحة الخالصة «عن عباده» المخلصين فيها ويتجاوز عن ~~سيئاتهم كما يفصح عنه كلمة عن والمراد بهم إما أولئك التائبون ووضع المظهر ~~في موضع المضمر للإشعار بعلية العبادة لقبولها وإما كافة العباد وهم داخلون ~~في ذلك دخولا أوليا «ويأخذ الصدقات» أي يقبل صدقاتهم على أن اللام عوض عن ~~المضاف إليه أو جنس الصدقات المندرج تحته صدقاتهم ادراجا أوليا أي هو الذي ~~يتولى قبول التوبة وأخذ الصدقات وما يتعلق بها من التطهير والتزكية وإن كنت ~~أنت المباشر لها ظاهرا وفيه من تقرير ما ذكر ورفع شأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم على نهج قوله تعالى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ما لا يخفي ~~«وأن الله هو التواب الرحيم» تأكيد لما عطف عليه وزيادة تقرير لما يقرره مع ~~زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى ~~من قبول التوبة والرحمة وأن ذلك سنة مستمرة له وشأن دائم ms1409 والجملتان في حيز ~~النصب بيعلموا بسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه وإما لغير التائبين من ~~المؤمنين فقد روي أنهم قالوا لما تيب على الأولين هؤلاء الذين تابوا كانوا ~~بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت أي ألم يعلموا ما ~~للتائبين من الخصال الداعية إلى التكرمة والتقريب والانتظام في سلك ~~المؤمنين والتلقي بحسن القبول والمجالسة فهو ترغيب لهم في التوبة والصدقة ~~وقوله تعالى «وقل اعملوا» زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح الذي من جملته ~~التوبة وللأولين في الثبات على ما هم عليه أي قل لهم بعد ما بان لهم شأن ~~التوبة اعملوا ما تشاءون من الأعمال فظاهره ترخيص وتخيير وباطنه ترغيب ~~وترهيب وقوله عز وجل «فسيرى الله عملكم» أي خيرا كان أو شرا تعليل لما قبله ~~وتأكيد للترغيب والترهيب والسين للتأكيد «ورسوله» عطف على الاسم الجليل ~~وتأخيره عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت «والمؤمنون» في ~~الخبر لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس ~~كائنا ما كان والمعنى إن أعمالكم غير خافية عليهم كما رأيتم وتبين لكم ثم ~~إن كان المراد بالرؤية معناها الحقيقي فالأمر ظاهر وإن أريد بها مآلها من ~~الجزاء خيرا أو شرا فهو خاص بالدنيوي من إظهار المدح والثناء والذكر الجميل ~~والإعزاز ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها «وستردون» أي بعد الموت «إلى عالم ~~الغيب والشهادة» في وضع الظاهر موضع المضمر من تهويل PageV04P100 # الأمر وتربية المهابة ما لا يخفي ووجه تقديم الغيب في الذكر لسعة عالمه ~~وزيادة خطره على الشهادة غني عن البيان وقيل إن الموجودات الغائبة عن ~~الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسة والعلم بالعلل علة للعلم ~~بالمعلولات فوجب سبق العلم بالغيب على العلم بالشهادة وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما الغيب ما يسرونه من الأعمال والشهادة ما يظهرونه كقوله تعالى ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون فالتقديم حينئذ لتحقيق أن نسبة علمه المحيط بالسر ~~والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده لا لإيهام أن علمه سبحانه بما يسرونه ms1410 أقدم ~~منه بما يعلنونه كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول ~~الصورة بل وجود كل شيء وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا ~~المعنى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة والكامنة وإما للإيذان بأن رتبة ~~السر متقدمة على رتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه القريبة ~~أو البعيدة مضمر قبل ذلك في القلب فتعلق علمه تعالى به في حالته الأولى ~~متقدم على تعلقه به في حالته الثانية «فينبئكم» عقيب الرد الذي هو عبارة عن ~~الأمر الممتد إلى يوم القيامة «بما كنتم تعملون» قبل ذلك في الدنيا والمراد ~~بالتنبئة بذلك الجزاء بحسبه إن خيرا فخير وإن شرا فشر فهو وعد ووعيد ~~«وآخرون» عطف على آخرون قبله أي ومن المتخلفين من أهل المدينة ومن حولها من ~~الأعراب قوم آخرون غير المعترفين المذكورين «مرجون» وقرئ مرجئون من أرجيته ~~وأرجأته أي أخرته ومنه المرجئة الذين لا يقطعون بقبول التوبة «لأمر الله» ~~في شأنهم قال ابن عباس رضي الله عنهما هم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع ~~وهلال بن أمية لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه ~~من شد أنفسهم على السواري وإظهار الغم والجزع والندم على ما فعلوا فوقفهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى أصحابه عن أن يسلموا عليهم ويكلموهم ~~وكانوا من أصحاب بدر فهجروهم والناس في شأنهم على اختلاف فمن قائل هلكوا ~~وقائل عسى الله أن يغفر لهم فصاروا عندهم مرجئين لأمره تعالى «إما يعذبهم» ~~إن بقوا على ما هم عليه من الحال وقيل إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن ~~المذكورين ليسوا من المنافقين «وإما يتوب عليهم» إن خلصت نيتهم وصحت توبتهم ~~والجملة في محل النصب على الحالية أي منهم هؤلاء إما معذبين وإما متوبا ~~عليهم وقيل آخرون مبتدأ ومرجون صفته وهذه الجملة خبره «والله عليم» ~~بأحوالهم «حكيم» فيما فعل بهم من الإرجاء وما بعده وقريء والله غفور رحيم ~~«والذين اتخذوا مسجدا» عطف على ما سبق أي ms1411 ومنهم الذين أو نصب على الذم وقرئ ~~بغير واو لأنها قصة على حيالها «ضرارا» أي مضارة للمؤمنين وانتصابه على أنه ~~مفعول له أو مفعول ثان لاتخذوا أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر منصوب على ~~الحالية أي يضارون بذلك ضرارا أو على أنه مصدر بمعنى الفاعل وقع حالا من ~~ضمير اتخذوا أي مضارين PageV04P101 # للمؤمنين روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي بهم في مسجدهم فلما فعله صلى الله عليه ~~وسلم حسدتهم أخواتهم بنوا غنم بن عوف وقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب أيضا إذا قدم ~~من الشام وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق وقد كان قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك ~~معهم فلم يزل يفعل ذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ ولى هاربا إلى ~~الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب ~~إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمدا وأصحابه من المدينة فبنوا مسجدا إلى جنب ~~مسجد قباء وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة ~~والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة فقال ~~صلى الله عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله ~~تعالى صلينا فيه فلما قفل صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألوه إتيان ~~المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي ~~فقال لهم انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر ~~أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة وهلك أبو عامر الفاسق بالشام ~~بقنسرين «وكفرا» تقوية للكفر الذي يضمرونه «وتفريقا بين المؤمنين» الذين ~~كانوا يصلون في مسجد قباء مجتمعين فيغص بهم فأرادوا أن يتفرقوا وتختلف ~~كلمتهم «وإرصادا» إعدادا ms1412 وانتظارا وترقبا «لمن حارب الله ورسوله» وهو ~~الراهب الفاسق أي لأجله حتى يجيء فيصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من قبل» متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث ~~كانوا بنوه قبل غزوة تبوك أو يحارب أي حاربهما قبل اتخاذ هذا المسجد ~~«وليحلفن إن أردنا» أي ما أردنا ببناء هذا المسجد «إلا الحسنى» إلا الخصلة ~~الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين أو إلا الإرادة الحسنى ~~«والله يشهد إنهم لكاذبون» في حلفهم ذلك «لا تقم» للصلاة «فيه» في ذلك ~~المسجد حسبما دعوك إليه «أبدا لمسجد أسس» أي بني أصله «على التقوى» يعني ~~مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء ~~وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة وقيل هو مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وعن أبي سعيد رضي الله عنه سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسسه على التقوى فأخذ حصباء فضرب ~~بها الأرض وقال مسجدكم هذا مسجد المدينة واللام إما للابتداء أو للقسم ~~المحذوف أي والله لمسجد وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ وما بعده صفته وقوله ~~تعالى «من أول يوم» أي من أيام تأسيسه متعلق بأسس وقوله تعالى «أحق أن تقوم ~~فيه» أي للصلاة وذكر الله تعالى خبره وقوله تعالى «فيه رجال» جملة مستأنفة ~~مبينة لأحقيته لقيامه صلى الله عليه وسلم فيه من جهة الحال بعد بيان أحقيته ~~له من حيث المحل أو صفة أخرى للمبتدأ أو حال من الضمير في فيه وعلى كل حال ~~ففيه تحقيق وتقرير لاستحقاقه القيام فيه والمراد بكونه أحق نفس PageV04P102 # كونه حقيقا به إذ لا استحقاق في مسجد الضرار رأسا وإنما عبر عنه بصيغة ~~التفضيل لفضله وكماله في نفسه أو الأفضلية في الاستحقاق المتناول لما يكون ~~باعتبار زعم الباني ومن يشايعه في الاعتقاد وهو الأنسب بما سيأتي «يحبون أن ~~يتطهروا» من المعاصي والخصال الذميمة لمرضاة الله سبحانه وقيل من الجنابة ~~فلا ينامون عليها «والله ms1413 يحب المطهرين» أي يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه ~~إدناء المحب حبيبه قيل لما نزلت مشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال أمؤمنون أنتم ~~فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله إنهم ~~لمؤمنون وأنا معهم فقال صلى الله عليه وسلم أترضون بالقضاء قالوا نعم قال ~~صلى الله عليه وسلم أتصبرون على البلاء قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء ~~قالوا نعم قال صلى الله عليه وسلم مؤمنون ورب الكعبة فجلس ثم قال يا معشر ~~الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند ~~الغائط فقالوا نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه رجال يحبون أن يتطهروا وقريء أن يطهروا ~~بالإدغام وقيل هو عام في التطهر عن النجاسات كلها وكانوا يتبعون الماء أثر ~~البول وعن الحسن رضي الله عنه هو التطهر عن الذنوب بالتوبة وقيل يحبون ان ~~يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن أخرهم «أفمن أسس بنيانه» على بناء ~~الفعل للفاعل والنصب وقريء على البناء للمفعول والرفع وقرئ أسس بنيانه على ~~الإضافة جمع أساس وأساس بالفتح والكسر جمع أس وقرئ أساس بنيانه جمع أس أيضا ~~وأس بنيانه وهي جملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال المذكورين من أهل مسجد ~~الضرار والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي أبعد ما علم حالهم من أسس ~~بنيان دينه «على تقوى من الله ورضوان» أي على قاعدة محكمة هي التقوى من ~~الله وابتغاء مرضاته بالطاعة والمراد بالتقوى درجتها الثانية التي هي ~~التوقي عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك وقرئ تقوى بالتنوين على أن الألف ~~للإلحاق دون التأنيث «خير أم من أسس بنيانه» ترك الإضمار للإيذان باختلاف ~~البنيانين ذاتا مع اختلافهما وصفا وإضافة «على شفا جرف هار» الشفا الحرف ~~والشفير والجرف ما جرفه السيل أي استأصله وأحتفر ما تحته فبقى واهيا يريد ~~الانهدام والهار الهائر المتصدع المشرف ms1414 إلى السقوط من هار يهور ويهار أو ~~هار يهير قدمت لامه على عينه فصار كغاز ورام وقيل حذفت عينه اعتباطا أي ~~بغير موجب فجرى وجوه الإعراب على لامه «فانهار به في نار جهنم» مثل ما بنوا ~~عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس بما ذكر ثم رشح بانهياره في ~~النار ووضع بمقابلة الرضوان تنبيها على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه من ~~النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياته التي أدناها الجنة وتأسيس هذا على ما ~~هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم مصيرهم إليها لا محالة وقرئ جرف ~~بسكون الراء «والله لا يهدي القوم الظالمين» أي لأنفسهم أو الواضعين ~~للأشياء في غير مواضعها PageV04P103 # أي لا يرشدهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم إرشادا موجبا له لا محالة وأما ~~الدلالة على ما يرشدهم إليه إن استرشدوا به فهو متحقق بلا اشتباه «لا يزال ~~بنيانهم الذي بنوا» البنيان مصدر أريد به المفعول ووصفه بالموصول الذي صلته ~~فعله للإيذان بكيفية بنائهم له وتأسيسه على أوهن قاعدة وأوهى أساس وللإشعار ~~بعلة الحكم أي لا يزال مسجدهم ذلك مبنيا ومهدوما «ريبة في قلوبهم» أي سبب ~~ريبة وشك في الدين كأنه نفس الريبة أما حال بنيانه فظاهر لما أن اعتزالهم ~~من المؤمنين واجتماعهم في مجمع على حياله يظهرون فيه ما في قلوبهم من آثار ~~الكفر والنفاق ويدبرون فيه أمورهم ويتشاورون في ذلك ويلقي بعضهم إلى بعض ما ~~سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا في الدين وأما حال هدمه فلما ~~أنه رسخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت أثاره وأحكامه أو سبب ريبة في ~~أمرهم حيث ضعفت قلوبهم وهى اعتقادهم بخفاء أمرهم على المؤمنين لأنهم أظهروا ~~من أمرهم بعد البناء أكثر مما كانوا يظهرونه قبل ذلك وقت اختلاطهم ~~بالمؤمنين وساءت ظنونهم بأنفسهم فلما هدم بنيانهم تضاعف ذلك الضعف وتقوى ~~وصاروا مرتابين في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتركهم على ما كانوا ~~عليه من قبل أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم وقال الكلبي ms1415 معنى ريبة حسرة ~~وندامة وقال السدى وحبيب والمبرد لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في ~~قلوبهم «إلا أن تقطع» من التفعل بحذف إحدى التاءين أي إلا أن تتقطع ~~«قلوبهم» قطعا وتتفرق أجزاء بحيث لا يبقى لها قابلية إدراك وإضمار قطعا وهو ~~استثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال ومحله النصب على الظرفية أي لا يزال ~~بنيانهم ريبة في كل الأوقات أو كل الأحوال إلا وقت تقطع قلوبهم أو حال تقطع ~~قلوبهم فحينئذ يسلون عنها وأما ما دامت سالمة فالريبة باقية فيها فهو تصوير ~~لامتناع زوال الريبة عن قلوبهم ويجوز أن يكون المراد حقيقة تقطعها عند ~~قتلهم أو في القبور أو في النار وقرئ تقطع على بناء المجهول من التفعيل ~~وعلى البناء للفاعل منه على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع ~~أنت قلوبهم بالقتل وقرئ على البناء للمجهول من الثلاثي مذكرا ومؤنثا وقرئ ~~إلى أن تقطع قلوبهم وإلى أن تقطع قلوبهم على الخطاب وقرئ ولو قطعت قلوبهم ~~على إسناد الفعل مجهولا إلى قلوبهم ولو قطعت قلوبهم على الخطاب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب وقيل إلا أن يتوبوا توبة تتقطع ~~بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم «والله عليم» بجميع الأشياء التي من ~~جملتها ما ذكر من أحوالهم «حكيم» في جميع أفعاله التي من زمرتها أمره ~~الوارد في حقهم «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم» ترغيب ~~المؤمنين في الجهاد ببيان PageV04P104 # فضيلته إثر بيان حال المتخلفين عنه ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيد ~~عليه حيث عبر عن قبول الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها ~~في سبيله تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة ~~التبعية ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين ~~وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة ولم يجعل الأمر على العكس ~~بأن يقال إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن ~~المقصد في العقد هو الجنة وما ms1416 بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس ~~والأموال وسيلة إليها إيذانا بتعلق كمال العناية بهم وبأموالهم ثم إنه لم ~~يقل بالجنة بل قيل «بأن لهم الجنة» مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم ~~واختصاصه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم وأما ما يقال من أن ~~ذلك لمدح المؤمنين بأنهم وبذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد لكمال ثقتهم ~~بوعده تعالى وأن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كون ~~الشراء حقيقة لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد بها فليس بشيء لأن مناط ~~دلالة ما عليه النظم الكريم على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بأن فإن ~~ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في ~~الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوض الجنة الموعود بها لا الوعد بها «يقاتلون في ~~سبيل الله» استئناف لكن لا لبيان ما لأجله الشراء ولا لبيان نفس الاشتراء ~~لأن قتالهم في سبيل الله تعالى ليس باشتراء الله تعالى منهم أنفسهم ~~وأموالهم بل هو بذل لهما في ذلك بل لبيان البيع الذي يستدعيه الاشتراء ~~المذكور كأنه قيل كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة فقيل يقاتلون في سبيل ~~الله وهو بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهة الله سبحانه وتعريض لهما ~~للهلاك وقوله تعالى «فيقتلون ويقتلون» بيان لكون القتال في سبيل الله بذلا ~~للنفس وأن المقاتل في سبيله باذل لها وإن كانت سالمة غانمة فإن الإسناد في ~~الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة ~~بل بطريق وصف الكل بحال البعض فإنه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان ~~أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضا كما ~~إذا وجدت المضاربة ولم يوجد القتل من أحد الجانيين أو لم توجد المضاربة ~~أيضا فإنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وتقديم حالة ~~القاتلية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقا ~~لكون القتال بذلا للنفس وقرئ بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة ~~عريقة في ms1417 الباب وإيذانا بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه ~~أحب إليهم من السلامة كما قيل في حقهم [لا يفرحون إذا نالت رماحهم * قوما ~~وليسوا مجازيعا إذا نيلوا] [لا يقطع الطعن إلا في نحورهم * وما لهم عن حياض ~~الموت تهليل] * وقيل في يقاتلون الخ معنى الأمر كما في قوله تعالى تجاهدون ~~في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم «وعدا عليه» مصدر مؤكد لما يدل عليه كون ~~الثمن مؤجلا «حقا» نعت لوعدا والظرف حال منه لأنه لو تأخر لكان صفة له ~~وقوله تعالى «في التوراة والإنجيل والقرآن» متعلق بمحذوف وقع كما هو مثبت ~~في القرآن «ومن أوفى بعهده من الله» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية ~~الوعد على نهج المبالغة في كونه سبحانه أوفى بالعهد من كل واف PageV04P105 # فإن إخلاف الميعاد مما لا يكاد يصدر عن كرام الخلق مع إمكان صدوره عنهم ~~فكيف بجناب الخلاق الغني عن العالمين جل جلاله وسبك التركيب وإن كان على ~~إنكار أن يكون أحد أوفى بالعهد منه تعالى من غير تعرض لإنكار المساواة ~~ونفيها لكن المقصود به قصدا مطردا إنكار المساواة ونفيها قطعا فإذا قيل من ~~أكرم من فلان أو لا أفضل منه فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من ~~كل فاضل «فاستبشروا» التفات إلى الخطاب تشريفا لهم على تشريف وزيادة ~~لسرورهم على سرور والاستبشار إظهار السرور والسين فيه ليس للطلب كاستوقد ~~وأوقد والفاء لترتيب الاستبشار أو الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذلك ~~فسروا نهاية السرور وافرحوا غاية الفرح بما فزتم به من الجنة وإنما قيل ~~«ببيعكم» مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في ~~الجهاد الذي عبر عنه بالبيع وإنما لم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من ~~قبل الله سبحانه لا من قبلهم والترغيب إنما يكون فيما يتم من قبلهم وقوله ~~تعالى «الذي بايعتم به» لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار بكونه مغايرا لسائر ~~البياعات فإنه بيع للفاني بالباقي ولأن كلا البدلين له سبحانه وتعالى عن ms1418 ~~الحسن رضي الله عنه أنفسا هو خلقها وأموالا هو رزقها روي أن الأنصار لما ~~بايعوه صلى الله عليه وسلم على العقبة قال عبد الله بن رواحة رضي الله ~~تعالى عنه اشترط لربك ولنفسك ما شئت قال صلى الله عليه وسلم أشترط لربي أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ~~قال فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا ~~نستقيله ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها قال كلام من ~~قال كلام الله عز وجل قال بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى ~~الغزو واستشهد «وذلك» أي الجنة التي جعلت ثمنا بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم ~~وأموالهم «هو الفوز العظيم» الذي لا فوز أعظم منه وما في ذلك من معنى البعد ~~إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال ويجوز أن يكون ذلك ~~إشارة إلى البيع الذي أمروا بالاستبشار به ويجعل ذلك كأنه نفس الفوز العظيم ~~أو يجعل فوزا في نفسه فالجملة على الأول تذييل للآية الكريمة وعلى الثاني ~~لقوله تعالى فاستبشروا مقرر لمضمونه «التائبون» رفع على المدح أي هم ~~التائبون يعني المؤمنين المذكورين كما يدل عليه القراءة بالياء نصبا على ~~المدح ويجوز أن يكون مجرورا على أنه صفة للمؤمنين وقد جوز الرفع على ~~الابتداء والخبر محذوف أي التائبون من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا كقوله ~~تعالى وكلا وعد الله الحسنى ويجوز أن يكون خبره قوله تعالى «العابدون» وما ~~بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه ~~النعوت الفاضلة أي المخلصون في عبادة الله تعالى «الحامدون» لنعمائه أو لما ~~نابهم من السراء والضراء «السائحون» الصائمون لقوله صلى الله عليه وسلم ~~سياحة أمتي الصوم شبه بها لأنه عائق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية ~~يتوسل بها إلى العثور على خفايا الملك والملكوت وقيل هم السائحون في الجهاد ~~وطلب PageV04P106 # العلم «الراكعون الساجدون» في الصلاة «الآمرون بالمعروف» بالطاعة ms1419 ~~والإيمان «والناهون عن المنكر» عن الشرك والمعاصي والعطف فيه للدلالة على ~~أن المتعاطفين بمنزلة خصلة واحدة وأما قوله تعالى «والحافظون لحدود الله» ~~أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع عملا وحملا للناس عليه فلئلا يتوهم ~~اختصاصه بأحد الوجهين «وبشر المؤمنين» أي الموصوفين بالنعوت المذكورة ووضع ~~المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان وأن المؤمن ~~الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للإيذان بخروجه عن حد البيان وفي تخصيص ~~الخطاب بالأولين إظهار زيادة اعتناء بأمرهم من الترغيب والتسلية «ما كان ~~للنبي والذين آمنوا» بالله وحده أي ما صح لهم في حكم الله عز وجل وحكمته ~~وما استقام «أن يستغفروا للمشركين» به سبحانه «ولو كانوا» أي المشركون ~~«أولي قربى» أي ذوي قرابة لهم وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة ~~معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفا مطردا كما بين في قوله تعالى ولو ~~كره الكافرون ونظائره روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبي طالب لما ~~حضرته الوفاة يا عم قل كلمة أحاج لك بها عند الله فأبى فقال صلى الله عليه ~~وسلم لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى ~~الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبرا فقال إني استأذنت ربي في زيارة قبر ~~أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل على الآيتين «من ~~بعد ما تبين لهم» أي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين «إنهم» أي ~~المشركين «أصحاب الجحيم» بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم يموتون ~~على ذلك «وما كان استغفار إبراهيم لأبيه» بقوله واغفر لأبي أي بأن توفقه ~~للإيمان وتهديه إليه كما يلوح به تعليله بقوله إنه كان من الضالين والجملة ~~استئناف مسوق لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى بحسب الظاهر من المخالفة وقرئ ~~وما استغفر إبراهيم لأبيه وقرئ وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال الماضية ~~وقوله تعالى «إلا عن موعدة» استثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره ms1420 ~~عليه السلام لأبيه آزر ناشئا عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة «وعدها» ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام «إياه» أي أباه وقد قرئ كذلك بقوله لأستغفرن ~~لك وقوله سأستغفر لك ربي بناء على رجاء إيمانه لعدم تبين حقيقة أمره وإلا ~~لما وعدها إياه كأنه قيل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة مبينة ~~على عدم تبين أمره كما ينبئ عنه قوله تعالى «فلما تبين له» أي لإبراهيم بأن ~~أوحى إليه أنه مصر على الكفر غير مؤمن أبدا وقيل بأن مات على الكفر والأول ~~هو الأنسب بقوله تعالى «أنه عدو لله» فإن وصفه بالعداوة مما يأباه حالة ~~الموت «تبرأ PageV04P107 # منه» أي تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب وفيه من المبالغة ما ليس ~~في تركه ونظائره «إن إبراهيم لأواه» لكثير التأوه وهو كناية عن كمال الرأفة ~~ورقة القلب «حليم» صبور على الأذية والمحنة وهو استئناف لبيان ما كان يدعوه ~~عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار وفيه إيذان بأن إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام كان أواها حليما فلذلك صدر عنه ما صدر من الاستغفار ~~قبل التبين فليس لغيره أن يأتسي به في ذلك وتأكيد لوجوب الاجتناب عنه بعد ~~التبين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة ~~القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا وأما أن ~~الاستغفار قبل التبين لو كان غير محظور لما استثنى من الائتساء به في قوله ~~تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك فقد حقق في سورة مريم بإذن الله ~~تعالى «وما كان الله ليضل قوما» أي ليس من عادته أن يصفهم بالضلال عن طريق ~~الحق ويجري عليهم أحكامه «بعد إذ هداهم» للإسلام «حتى يبين لهم» بالوحي ~~صريحا أو دلالة «ما يتقون» أي ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين فلا ينزجروا ~~عما نهوا عنه وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدر عنهم ضلالا ولا يؤاخذون به ~~فكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك وفيه دليل على أن الغافل ms1421 غير ~~مكلف بما لا يستبد بمعرفته العقل «أن الله بكل شيء عليم» تعليل لما سبق أي ~~إنه تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى بيان قبح ما لا ~~يستقل العقل في معرفته فيبين لهم ذلك كما فعل هاهنا «أن الله له ملك ~~السماوات والأرض» من غير شريك له فيه «يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير» لما منعهم من الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وضمن ~~ذلك التبرؤ منهم رأسا بين لهم أن الله تعالى مالك كل موجود ومتولي أموره ~~والغالب عليه ولا يتأتى لهم نصر ولا ولاية إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه ~~بشرا شرهم متبرئين عما سواه غير قاصدين إلا إياه «لقد تاب الله على النبي» ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما هو العفو عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه ~~«والمهاجرين والأنصار» قيل هو في حق زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين وقيل ~~المراد بيان فضل التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إليها حتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما صدر عنه في بعض الأحوال من ترك الأولى «الذين اتبعوه» ~~ولم يتخلفوا عنه ولم يخلوا بأمر من أوامره «في ساعة العسرة» أي في وقتها ~~والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وهي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة ~~من الظهر يعتقب عشرة على بعير واحد ومن الزاد تزودوا PageV04P108 # التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة إلى أن ~~اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء المتغير وفي ~~عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حمارة ~~القيظ ومن الجدب والقحط والضيقة الشديدة ووصف المهاجرين والأنصار بما ذكر ~~من اتباعهم له عليه الصلاة والسلام في مثل هاتيك المراتب من الشدة للمبالغة ~~في بيان الحاجة إلى التوبة فإن ذلك حيث لم يغنهم عنها فلأن لا يستغني عنها ~~غيرهم أولى وأحرى «من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم» بيان لتناهي الشدة ~~وبلوغها إلى ما لا غاية ms1422 وراءها وهو إشراف بعضهم على أن يميلوا إلى التخلف ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي كاد ضمير الشأن أو ضمير القوم الراجع إليه ~~الضمير في منهم وقرئ بتأنيث الفعل وقرئ من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم يعني ~~المتخلفين من المؤمنين كأبي لبابة وأضرابه «ثم تاب عليهم» تكرير للتأكيد ~~وتنبيه على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة والمراد أنه تاب ~~عليهم لكيدودتهم «إنه بهم رؤوف رحيم» استئناف تعليلي فإن صفة الرأفة ~~والرحمة من دواعي التوبة والعفو ويجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر ~~والثاني عن إيصال المنفعة وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق «وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا» أي وتاب الله على الثلاثة الذين أخر أمرهم عن أمر أبي ~~لبابة وأصحابه حيث لم يقبل معذرتهم مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم ~~بشيء إلى أن نزل فيهم الوحي وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ~~الربيع وقرئ خلفوا أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف ~~الفم وقرئ على المخلفين والأول هو الأنسب لأن قوله تعالى «حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض» غاية للتخليف ولا يناسبه إلا المعنى الأول أي خلفوا وأخر ~~أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض «بما رحبت» أي برحبها وسعتها لإعراض الناس ~~عنهم وانقطاعهم عن مفاوضتهم وهو مثل لشدة الحيرة كأنه لا يستقر به قرار ولا ~~تطمئن له دار «وضاقت عليهم أنفسهم» أي إذا رجعوا إلى أنفسهم لا يطمئنون ~~بشيء لعدم الأنس والسرور واستيلاء الوحشة والحيرة «وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه» أي علموا أنه لا ملجأ من سخطه تعالى إلا إلى استغفاره «ثم ~~تاب عليهم» أي وفقهم للتوبة «ليتوبوا» أو أنزل قبول توبتهم ليصيروا من جملة ~~التوابين ورجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم ~~«إن الله هو التواب» المبالغ في قبول التوبة كما وكيفا وإن كثرت الجنايات ~~وعظمت «الرحيم» المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب ~~روي أن ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول ms1423 الله صلى الله عليه وسلم منهم من ~~بدا له وكره مكانه فلحق به صلى الله عليه وسلم عن الحسن رضي الله عنه أنه ~~قال بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيرا من مائة ألف درهم فقال يا حائطاه ~~ما خالفني إلا ظلك وانتظار ثمارك اذهب فأنت في سبيل الله ولم يكن لآخر إلا ~~أهله فقال يا أهلاه ما بطأني ولا خلفني إلا الفتن بك فلا جرم والله لأكابدن ~~الشدائد حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فتأبط زاده ولحق به صلى ~~الله عليه وسلم قال الحسن رضي الله عنه كذلك والله المؤمن يتوب من ذنوبه ~~ولا يصر عليها PageV04P109 # وعن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به فحمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ماشيا فقال صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده كن ~~أبا ذر فقال الناس هو ذاك فقال صلى الله عليه وسلم رحم الله أبا ذر يمشي ~~وحده ويموت وحده ويبعث وحده وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة ~~حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد ~~فنظر فقال ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الضح والريح ما هذا بخير فقام ورحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر ~~كالريح فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه ~~السراب فقال كن أبا خيثمة فكأنه ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واستغفر له ومنهم من بقي لم يلحق به صلى الله عليه وسلم منهم الثلاثة قال ~~كعب رضي الله عنه لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فرد على ~~كالمغضب بعد ما ذكرني وقال يا ليت شعري ما خلف كعبا فقيل له ما خلفه إلا ~~حسن برديه والنظر في عطفيه فقال صلى الله عليه وسلم ما أعلم إلا فضلا ~~وإسلاما ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة فتنكر لنا الناس ولم ms1424 يكلمنا أحد من ~~قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن فلما ~~تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع أبشر يا كعب بن مالك فخررت لله ~~ساجدا وكنت كما وصفني ربي وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ~~وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ~~هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقام طلحة بن عبيد الله يهرول إلى حتى ~~صافحني وقال لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة رضي الله عنه وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارة القمر أبشر يا كعب بخير يوم مر ~~عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن ~~التوبة النصوح فقال أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه ~~كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه «يا أيها الذين آمنوا» خطاب عام يندرج فيه ~~التائبون اندراجا أوليا وقيل لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوك خاصة ~~«اتقوا الله» في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولا أوليا «وكونوا مع الصادقين» في ~~أيمانهم وعهودهم أو في دين الله نية وقولا وعملا أو في كل شأن من الشؤون ~~فيدخل ما ذكر أو في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد بهم حينئذ هؤلاء الثلاثة ~~وأضرابهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي ~~كونوا مع المهاجرين والأنصار وانتظموا في سلكهم في الصدق وسائر المحاسن ~~وقرئ من الصادقين «ما كان لأهل المدينة» ما صح وما PageV04P110 # استقام لهم «ومن حولهم من الأعراب» كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأضرابهم ~~«أن يتخلفوا عن رسول الله» عند توجهه صلى الله عليه وسلم إلى الغزو «ولا ~~يرغبوا» نصب وقد جوز الجزم «بأنفسهم عن نفسه» أي لا يصرفوها عن نفسه ~~الكريمة ولا يصونوها عما لم يصن عنه نفسه بل يكابده معه ما يكابده من ~~الأهوال ms1425 والخطوب والكلام في معنى النهي وإن كان على صورة الخبر «ذلك» إشارة ~~إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة «بأنهم» بسبب أنهم «لا يصيبهم ظمأ» ~~أي عطش يسير «ولا نصب» ولا تعب ما «ولا مخمصة» أي مجاعة ما لا يستباح عنده ~~المحرمات من مراتبها فإن الظمأ والنصب اليسيرين حين لم يخلوا من الثواب ~~فلأن لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا ويجوز ~~أن يراد بها تلك المرتبة ويكون الترتيب بناء على كثرة الوقوع وقلته فإن ~~الظمأ أكثر وقوعا من النصب الذي هو أكثر وقوعا من المخمصة بالمعنى المذكور ~~فتوسيط كلمة لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كل واحد ~~منها بالفضيلة والاعتداد به «في سبيل الله» وإعلاء كلمته «ولا يطؤون موطئا ~~يغيظ الكفار» أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم دوسا أو ~~مكانا يداس «ولا ينالون من عدو نيلا» مصدر كالقتل والأسر والنهب أو مفعول ~~أي شيئا ينال من قبلهم «إلا كتب لهم به» أي بكل واحد من الأمور المعدودة ~~«عمل صالح» وحسنة مقبولة مستوجبة بحكم الوعد الكريم للثواب الجميل ونيل ~~الزلفى والتنوين للتفخيم وكون المكتوب عين ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخول ~~الباء فإن اختلاف العنوان كاف في ذلك «إن الله لا يضيع أجر المحسنين» على ~~إحسانهم تعليل لما سلف من الكتب والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع ~~المظهر موضع المضمر لمدحهم والشهادة عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن ~~أعمالهم من قبيل الإحسان وللإشعار بعلية المأخذ للحكم وإما جنس المحسنين ~~وهم داخلون فيه دخولا أوليا «ولا ينفقون نفقة صغيرة» ولو تمرة أو علاقة سوط ~~«ولا كبيرة» كما أنفق عثمان رضي الله عنه والترتيب باعتبار ما ذكر من كثرة ~~الوقوع وقلته وتوسيط لا للتنصيص على استبداد كل منهما بالكتب والجزاء لا ~~لتأكيد النفي كما في قوله عز وجل «ولا يقطعون» أي لا يجتازون في مسيرهم ~~«واديا» وهو في الأصل كل منفرج من الجبال والآكام يكون منفذا للسيل اسم ~~فاعل ms1426 من ودى إذا سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق «إلا كتب لهم» أي أثبت ~~لهم ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والقطع «ليجزيهم الله» بذلك «أحسن ما كانوا ~~يعملون» أحسن جزاء أعمالهم أو جزاء أحسن أعمالهم «وما كان المؤمنون ~~PageV04P111 # لينفروا كافة» أي ما صح وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب ~~علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا فإن ذلك مخل بأمر المعاش «فلولا ~~نفر» فهلا نفر «من كل فرقة» أي طائفة كثيرة «منهم» كأهل بلدة أو قبيلة ~~عظيمة «طائفة» أي جماعة قليلة «ليتفقهوا في الدين» أي يتكلفوا الفقاهة فيه ~~ويتجشموا مشاق تحصيلها «ولينذروا قومهم» أي وليجعلوا غاية سعيهم ومرمى ~~غرضهم من ذلك إرشاد القوم وإنذارهم «إذا رجعوا إليهم» وتخصيصه بالذكر لأنه ~~أهم وفيه دليل على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية وأن يكون غرض ~~المتعلم الاستقامة والإقامة لا الترفع على العباد والتبسط في البلاد كما هو ~~ديدن أبناء الزمان والله المستعان «لعلهم يحذرون» إرادة أن يحذروا عما ~~ينذرون واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر ~~من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ~~ويحذروا فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك وقد قيل للآية وجه ~~آخر وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين سارعوا إلى النفير رغبة ~~ورهبة وانقطعوا عن التفقه فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ~~ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن ~~الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فالضمير في ليتفقهوا ولينذروا ~~لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف أي ولينذر ~~البواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من ~~العلوم «يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» أمروا بقتال ~~الأقرب منهم فالأقرب كما أمر صلى الله عليه وسلم أولا بإنذار عشيرته فإن ~~الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح قيل هم اليهود ms1427 حوالي المدينة كبني قريظة ~~والنضير وخيبر وقيل الروم فإنهم كانوا يسكنون الشام وهو قريب من المدينة ~~بالنسبة إلى العراق وغيره «وليجدوا فيكم غلظة» أي شدة وصبرا على القتال ~~وقرئ بفتح الغين كسخطة وبضمها وهما لغتان فيها «واعلموا أن الله مع ~~المتقين» بالعصمة والنصرة والمراد بهم إما المخاطبون ووضع الظاهر موضع ~~الضمير للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى ~~والشهادة بكونهم من زمرة المتقين وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا ~~والمراد بالمعية الولاية الدائمة وقد ذكر وجه دخول مع على المتبوع في قوله ~~تعالى إن الله معنا «وإذا ما أنزلت سورة» من سور القرآن «فمنهم» أي من ~~المنافقين «من يقول» لإخوانهم ليثبتهم على النفاق أو لعوام المؤمنين ~~وضعفتهم ليصدهم عن الإيمان «أيكم زادته هذه» السورة «إيمانا» وقرئ بنصب ~~أيكم على تقدير فعل يفسره المذكور PageV04P112 # أي زادت أيكم زادته هذه الخ وإيراد الزيادة مع أنه لا إيمان فيهم أصلا ~~باعتبار اعتقاد المؤمنين حسبما نطق به قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا «فأما الذين ~~آمنوا» جواب من جهته سبحانه وتحقيق للحق وتعيين لحالهم عاجلا وآجلا أي فأما ~~الذين آمنوا بالله تعالى وبما جاء من عنده «فزادتهم إيمانا» بزيادة العلم ~~اليقيني الحاصل من التدبر فيها والوقوف على ما فيها من الحقائق وانضمام ~~إيمانهم بما فيها بإيمانهم السابق «وهم يستبشرون» بنزولها وبما فيه من ~~المنافع الدينية والدنيوية «وأما الذين في قلوبهم مرض» أي كفر وسوء عقيدة ~~«فزادتهم رجسا إلى رجسهم» أي كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها وعقائد ~~باطلة وأخلاقا ذميمة كذلك «وماتوا وهم كافرون» واستحكم ذلك إلى أن يموتوا ~~عليه «أو لا يرون» الهمزة للإنكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر أي ألا ~~ينظرون ولا يرون «إنهم» أي المنافقين «يفتنون في كل عام» من الأعوام «مرة ~~أو مرتين» والمراد مجرد التكثير لا بيان الوقوع حسب العدد المزبور أي ~~يبتلون بأفانين البليات من المرض والشدة وغير ذلك مما يذكر الذنوب والوقوف ms1428 ~~بين يدي رب العزة فيؤدي إلى الإيمان به تعالى أو الجهاد مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيعانون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما القوارع الزائدة ~~للإيمان الناعية عليه ما فيهم من القبائح المخزية لهم «ثم لا يتوبون» عطف ~~على لا يرون داخل تحت الإنكار والتوبيخ وكذا قوله تعالى «ولا هم يذكرون» ~~والمعنى أولا يرون افتتانهم الموجب لإيمانهم ثم لا يتوبون عما هم عليه من ~~النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفتن الموجبة للتذكر والتوبة وقرئ بالتاء ~~والخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي ألا تنظرون ولا ترون أحوالهم العجيبة ~~التي هي افتتانهم على وجه التتابع وعدم التنبه لذلك فقوله تعالى ثم لا ~~يتوبون وما عطف عليه معطوف على يفتنون «وإذا ما أنزلت سورة» بيان لأحوالهم ~~عند نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم ~~غائبون عنه «نظر بعضهم إلى بعض» تغامزوا بالعيون إنكارا لها أو سخرية بها ~~أو غيظا لما فيها من مخازيهم «هل يراكم من أحد» أي قائلين هل يراكم أحد من ~~المسلمين لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلب عليهم الضحك ~~فيفتضحون أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لو إذا يقولون هل ~~يراكم من أحد إن قمتم من المجلس وإيراد ضمير الخطاب لبعث المخاطبين على ~~الجد في انتهاز الفرصة فإن المرء بشأنه أكثر اهتماما منه بشأن أصحابه كما ~~في قوله تعالى وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا وقيل المعنى وإذا ما أنزلت سورة ~~في عيوب PageV04P113 # المنافقين «ثم انصرفوا» عطف على نظر بعضهم والتراخي باعتبار وجدان الفرصة ~~والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين أي انصرفوا جميعا عن محفل الوحي خوفا ~~من الافتضاح أو غير ذلك «صرف الله قلوبهم» أي عن الإيمان حسب انصرافهم عن ~~المجلس والجملة إخبارية أو دعائية «بأنهم» أي بسبب أنهم «قوم لا يفقهون» ~~لسوء الفهم أو لعدم التدبر «لقد جاءكم» الخطاب للعرب «رسول» أي رسول رسول ~~عظيم الشأن «من أنفسكم» من جنسكم عربي قرشي مثلكم وقرئ بفتح الفاء أي ~~أشرفكم ms1429 وأفضلكم «عزيز عليه ما عنتم» أي شاق شديد عليه عنتكم ولقاؤكم ~~المكروه فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب وهذا من نتائج ما ~~سلف من المجانسة «حريص عليكم» في إيمانكم وصلاح حالكم «بالمؤمنين» منكم ومن ~~غيركم «رؤوف رحيم» قدم الأبلغ منهما وهي الرأفة التي هي عبارة عن شدة ~~الرحمة محافظة على الفواصل «فإن تولوا» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم تسلية له أي إن أعرضوا عن الإيمان بك «فقل حسبي الله» ~~فإنه يكفيك ويعينك عليهم «لا إله إلا هو» استئناف مقرر لمضمون ما قبله ~~«عليه توكلت» فلا أرجو ولا أخاف إلا منه «وهو رب العرش العظيم» أي الملك ~~العظيم أو الجسم الأعظم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير وقرئ ~~العظيم بالرفع وعن أبي أن آخر ما نزل هاتان الآيتان وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما نزل القرآن على إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة ~~وسورة قل هو الله أحد فإنهما أنزلتا على ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة ~~PageV04P114 # سورة يونس عليه السلام مكية وهى مائة وتسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم ~~«الر» بتفخيم الراء المفتوحة وقرئ بالإمالة إجراء للأصلية مجرى المنقلبة عن ~~الياء وقرئ بين بين وهو إما مسرود على نمط التعديد بطريق التحدي على أحد ~~الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محل له من الإعراب وإما اسم ~~للسورة كما عليه إطباق الأكثر فمحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذه ~~السورة مسماة بالر وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية ~~بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب ~~بالانتساب كما مر والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لما أنها باعتبار كونها ~~على جناح الذكر وبصدده صارت في حكم الحاضر كما يقال هذا ما اشترى فلان أو ~~النصب بتقدير فعل لائق بالمقام نحو اذكر أو اقرأ وكلمة «تلك» إشارة إليها ~~أما على تقدير كون الر مسرودة على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها ms1430 التي هي ~~الحروف المذكورة منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل هذه الكلمات المؤلفة من ~~جنس هذه الحروف المبسوطة الخ وأما على تقدير كونه اسما للسورة فقد نوهت ~~بالإشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها وما ~~في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة ومحله ~~الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى «آيات الكتاب» وعلى تقدير كون الر ~~مبتدأ فهو مبتدأ ثان أو بدل من الأول والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة ~~باسم مستقل والمقصود ببيان بعضيتها منه وصفها بما اشتهر اتصافه به من ~~النعوت الفاضلة والصفات الكاملة والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم ~~وإن لم ينزل الكل حينئذ إما باعبتار تعينه وتحققه في علم الله عز وعلا أو ~~في اللوح أو باعتبار أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا كما هو المشهور فإن ~~فاتحة الكتاب كانت مسماة بهذا الاسم وبأم القرآن في عهد النبوة ولما يحصل ~~المجموع الشخصي إذ ذاك فلا بد من ملاحظة كل من الكتاب والقرآن بأحد ~~الاعتبارات المذكورة وإما جميع القرآن النازل وقتئذ المتفاهم بين الناس إذ ~~ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما نزل في كل عصر ألا ~~يرى إلى ما روى عن جابر رضى الله عنه أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن ~~فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد فإن ما يفهمه الناس من القرآن في ~~ذلك الوقت ويحافظون على التفاوت في أخذه إنما هو المجموع النازل حينئذ من ~~غير PageV04P115 # ملاحظة لتحقق المجموع الشخصي في علم الله سبحانه أو في اللوح ولا لنزوله ~~جملة إلى السماء الدنيا «الحكيم» ذي الحكمة وصف به لاشتماله على فنون الحكم ~~الباهرة ونطقه بها أو هو من باب وصف الكلام بصفة صاحبه أو من باب الاستعارة ~~المكنية المبنية على تشبيه الكتاب بالحكيم الناطق بالحكمة هذا وقد جعل ~~الكتاب عبارة عن نفس ms1431 السورة وكلمة تلك إشارة إلى من ضمنها من الآي فإنها في ~~حكم الحاضر لا سيما بعد ذكر ما يتضمنها من السورة عند بيان اسمها أو الأمر ~~بذكرها أو بقراءتها وينبغي أن يكون المشار إليه حينئذ كل واحدة منها لا ~~جميعها من حيث هو جميع لأنه عين السورة فلا يكون للإضافة وجه ولا لتخصيص ~~الوصف بالمضاف إليه حكمة فلا يتأتى ما قصد من مدح المضاف بما للمضاف إليه ~~من صفات الكمال ولأن في بيان اتصاف كل منها بالكمال من المبالغة ما ليس في ~~بيان اتصاف الكل بذلك والمتبادر من الكتاب عند الإطلاق وإن كان كله بأحد ~~الوجهين المذكورين لكن صحة إطلاقه على بعضه أيضا مما لا ريب فيها والمعهود ~~المشهور وإن كان اتصاف الكل بأحد الاعتبارين بما ذكر من نعوت الكمال إلا أن ~~شهرة اتصاف كل سورة منه بما اتصف به الكل مما لا ينكر وعليه يدور تحقق مدح ~~السورة بكونها بعضا من القرآن الكريم إذ لولا أن بعضه منعوت بنعت كله داخل ~~تحت حكمه لما تسنى ذلك وفيه ما لا يخفى من التكلف والتعسف «أكان للناس ~~عجبا» الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجب السامعين منه لكونه في غير محله والمراد ~~بالناس كفار مكة وإنما عبر عنهم باسم الجنس من غير تعرض لكفرهم مع أنه ~~المدار لتعجبهم كما تعرض له في قوله عز وجل قال الكافرون الخ لتحقيق ما فيه ~~الشركة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعيين مدار التعجب في ~~زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار والتعجيب واللام ~~متعلقة بمحذوف وقع حالا من عجبا وقيل بعجبا على التوسع المشهور في الظروف ~~وقيل المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول جاز تقديم معموله ~~عليه وقيل متعلقة بكان وهو مبنى على دلالة كان الناقصة على الحدث «أن ~~أوحينا» اسم كان قدم عليه خبرها اهتماما بشأنه لكونه مدار الإنكار والتعجيب ~~وتشويقا إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي مراعاة الأصل نوع إخلال ~~بتجاوب أطراف الكلام وقرئ برفع ms1432 عجب على أنه الاسم وهو نكرة والخبر أن ~~أوحينا وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف إلى المعرفة ~~البتة والمختار حينئذ أن تجعل كان تامة وأن أوحينا متعلقا بعجب على حذف حرف ~~التعليم أي أحدث للناس عجب لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو بدلا من عجب لكن ~~لا على توجيه الإنكار والتعجيب إلى حدوثه بل إلى كونه عجبا فإن كون الإبدال ~~في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه إهداره بالمرة وإنما قيل للناس لا عند ~~الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا ~~يخفى «إلى رجل منهم» أي إلى بشر من جنسهم كقولهم أبعث الله بشرا رسولا أو ~~من أفنائهم PageV04P116 # من حيث المال لا من عظمائهم كقولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم وكلا الوجهين من ظهور البطلان بحيث لا مزيد عليه أما الأول ~~فلأن بعض الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما قال سبحانه قل ~~لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ~~وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية كيف لا وهى منوطة ~~بالتناسب والتجانس فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك ~~التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة أن يبعث الملك من بينهم إلى ~~الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا ~~العالمين الروحاني والجسماني ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب وأما الثاني ~~فلما أن مناط الاصطفاء للنبوة والرسالة هو التقدم في الاتصاف بما ذكر من ~~النعوت الجميلة والصفات الجليلة والسبق في إحراز الفضائل العلية وحيازة ~~الملكات السنية جبلة واكتسابا ولا ريب لأحد منهم في أنه صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك الشأن في غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية وأما التقدم ~~في الرياسات الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعا ~~بل له إخلال به غالبا قال صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله ~~جناح ms1433 بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء «أن أنذر الناس» أن مصدرية لجواز ~~كون صلتها أمرا كما في قوله تعالى وأن أقم وجهك وذلك لأن الخبر والإنشاء في ~~الدلالة على المصدر سيان فساغ وقوع الأمر والنهى صلة حسب وقوع الفعل فليجرد ~~عند ذلك عن معنى الأمر والنهى نحو تجرد الصلة الفعلية عن معنى المضي ~~والاستقبال ووجوب كون الصلة في الموصول الأسمى خبرية إنما هو للتوصل بها ~~إلى وصف المعارف بالجمل لا لقصور في دلالة الإنشاء على المصدر أو مفسرة إذ ~~الإيحاء فيه معنى القول وقد جوز كونها مخففة من المثقلة على حذف ضمير الشأن ~~والقول من الخبر والمعنى أن الشأن قولنا أنذر الناس والمراد به جميع الناس ~~كافة لا ما أريد بالأول وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار وكون ~~الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق «وبشر الذين آمنوا» ~~بما أوحيناه وصدقوه «أن لهم» أي بأن لهم «قدم صدق» أي سابقة ومنزلة رفيعة ~~«عند ربهم» وإنما عبر عنها بها إذ بها يحصل السبق والوصول إلى المنازل ~~الرفيعة كما يعبر عن النعمة باليد لأنها تعطى بها وقيل مقام صدق والوجه أو ~~الوصول إلى المقام إنما يحصل بالقدم وإضافتها إلى الصدق للدلالة على تحققها ~~وثباتها وللتنبيه على أن مدار نيل ما نالوه من المراتب العلية هو صدقهم فإن ~~التصديق لا ينفك عن الصدق «قال الكافرون» هم المتعجبون وإيرادهم ههنا ~~بعنوان الكفر مما لا حاجة إلى ذكر سببه وترك العاطف لجريانه مجرى البيان ~~للجملة التي دخلت عليها همزة الإنكار أو لكونه استئنافا مبنيا على السؤال ~~كأنه قيل ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا ~~فيه بشئ فقيل قال الكافرون على طريقة التأكيد «إن هذا» يعنون به ما أوحى ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الحكيم المنطوى على الإنذار ~~والتبشير «لسحر مبين» أي ظاهر وقرئ لساحر على أن الإشارة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقرئ ما هذا إلا سحر مبين وهذا اعتراف ms1434 من حيث لا يشعرون بأن ~~ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من جناب خلاق القوى والقدر ولكنهم سموه ~~بما قالوا تماديا في العناد كما هو ديدن PageV04P117 # المكابر اللجوج ودأب المفحم المحجوج «إن ربكم» كلام مستأنف سيق لإظهار ~~بطلان تعجبهم المذكور وما بنوا عليه من المقالة الباطلة غب الإشارة إليه ~~بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه ~~الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين ~~والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من غير نكير لقوله ~~تعالى قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ~~وقوله تعالى قل من يرزقكم من السماء والأرض إلى قوله تعالى ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله أي إن ربكم ومالك أمركم الذي تتعجبون من أن يرسل إليكم رجلا ~~منكم بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحى إليه من الكتاب الحكيم سحرا هو ~~«الله الذي خلق السماوات والأرض» وما فيهما من أصول الكائنات «في ستة أيام» ~~أي في ستة أوقات أو في مقدار ستة أيام معهودة فإن نفس اليوم الذي هو عبارة ~~عن زمان كون الشمس فوق الأرض مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء وفى ~~خلقها مدرجا مع القدرة التامة على إبداعها دفعة دليل على الاختيار واعتبار ~~للنظار وحث لهم على التأنى في الأحوال والأطوار وأما تخصيص ذلك بالعدد ~~المعين فأمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته ~~وإيثار صيغة الجمع في السماوات لما هو المشهور من الإيذان بأنها أجرام ~~مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام «ثم استوى على العرش» العرش هو ~~الجسم المحيط بسائر الأجسام سمى به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن ~~الأوامر والتدابير منه تنزل وقيل هو الملك ومعنى استوائه سبحانه عليه ~~استيلاؤه عليه أو استواء أمره وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة له ~~سبحانه بلا كيف والمعنى أنه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي عناه ~~منزها عن التمكن والاستقرار وهذا بيان ms1435 لجلالة ملكه وسلطانه بعد بيان عظمة ~~شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظام «يدبر الأمر» التدبير ~~النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد ههنا ~~التقدير على الوجه الأتم الأكمل والمراد بالأمر أمر ملكوت السماوات والأرض ~~والعرش وغير ذلك من الجزيئات الحادثة شيئا فشيئا على أطوار شتى وأنحاء لا ~~تكاد تحصى من المناسبات والمباينات في الذوات والصفات والأزمنة والأوقات أي ~~يقدر ما ذكر من أمر الكائنات الذي ما تعجبوا منه من أمر البعث والوحي فرد ~~من جملته وشعبة من دوحته ويهيىء أسباب كل منها حدوثا وبقاء في أوقاتها ~~المعينة ويرتب مصالحها على الوجه الفائق والنمط اللائق حسبما تقتضيه الحكمة ~~وتستدعيه المصلحة والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير استوى وقد جوز ~~كونها خبرا ثانيا لأن أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبنية على سؤال نشأ ~~من ذكر الاستواء على العرش المنبىء عن إجراء أحكام الملك وعلى كل حال ~~فإيثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره وقوله عز وجل «ما ~~من شفيع» PageV04P118 # بيان لاستبداده سبحانه في التقدير والتدبير ونفى للشفاعة على أبلغ الوجوه ~~فإن نفى جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفى الشفاعة على أتم ~~الوجوه كما في قوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله وهذا بعد قوله تعالى ~~يدبر الأمر جار مجرى قوله تعالى وهو يجير ولا يجار عليه عقيب قوله تعالى قل ~~من بيده ملكوت كل شيء وقوله تعالى «إلا من بعد إذنه» استثناه مفرغ من أعم ~~الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه المبنى ~~على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ~~ممن يليق بالشفاعة كقوله تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وفيه من الدلالة على عظمة جلاله سبحانه ما ~~لا يخفى «ذلكم» إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة أي ذلكم العظيم الشأن ~~المنعوت بما ذكر من نعوت الكمال ms1436 التي عليها يدور استحقاق الألوهية «الله» ~~وقوله تعالى «ربكم» بيان له أو بدل منه أو خبر ثان لاسم الإشارة وهذا بعد ~~بيان أن ربهم الله الذي خلق السماوات والأرض الخ لزيادة التقرير والمبالغة ~~في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة عليه بقوله تعالى «فاعبدوه» أي وحدوه من ~~غير أن تشركوا به شيئا من ملك أو نبي فضلا عن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا ~~يضر ولا ينفع وآمنوا بما أنزله إليكم «أفلا تذكرون» أي أتعلمون أن الأمر ~~كما فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه ~~سورة يونس الآية (4) «إليه» لا إلى أحد سواه استقلالا أو اشتراكا «مرجعكم» ~~أي بالبعث كما ينبئ عنه قوله تعالى «جميعا» فإنه حال من الضمير المجرور ~~لكونه فاعلا في المعنى أي إليه رجوعكم مجتمعين والجملة كالتعليل لوجوب ~~العبادة «وعد الله» مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله عز وجل إليه مرجعكم وعد منه ~~سبحانه بالبعث أو لفعل مقدر أي وعد الله وأيا ما كان فهو دليل على أن ~~المراد بالمرجع هو الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل من الوعد كما أنه ~~بمعزل من الاجتماع وقرئ بصيغة الفعل «حقا» مصدر آخر مؤكد لما دل عليه الأول ~~«إنه يبدأ الخلق» وقرئ يبدىء «ثم يعيده» وهو استئناف علل به وجوب المرجع ~~إليه سبحانه وتعالى فإن غاية البدء والإعادة هو جزاء المكلفين بأعمالهم ~~حسنة أو سيئة وقرئ بالفتح أي لأنه ويجوز كونه منصوبا بما نصب وعد الله أي ~~وعد الله وعدا بدء الخلق ثم إعادته ومرفوعا بما نصب حقا أي حق حقا بدء ~~الخلق الخ «ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط» أي بالعدل وهو حال ~~من فاعل يجزى أي ملتبسا بالعدل أو متعلق بيجزى أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم ~~أجورهم وإنما أجمل ذلك إيذانا بأنه لا يفي به الحصر أو بقسطهم وعدلهم عند ~~إيمانهم ومباشرتهم للأعمال الصالحة وهو الأنسب بقوله عز وجل «والذين كفروا ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون» فإن معناه ويجزى الذين ~~كفروا بسبب ms1437 كفرهم وتكرير الإسناد يجعل الجملة الظرفية خبرا للموصول لتقوية ~~الحكم والجمع بين صيغتى الماضي والمستقبل للدلالة PageV04P119 # على مواظبتهم على الكفر وتغيير النظم الكريم للإيذان بكمال استحقاقهم ~~للعقاب وأن التعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلة الغائية للخلق بدءا ~~وإعادة وإنما يحيق ذلك بالكفرة على موجب سوء اختيارهم وأما المقصود الأصلي ~~من ذلك فهو الإثابة «هو الذي جعل الشمس ضياء» تنبيه على الاستدلال على ~~وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته بآثار صنعه في النيرين بعد التنبيه ~~على الاستدلال بما مر من إبداع السماوات والأرض والاستواء على العرش وغير ~~ذلك وبيان لبعض أفراد التدبير الذي أشير إليه إشارة إجمالية وإرشاد إلى أنه ~~حيث دبرت أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبير البديع فلأن يدبر مصالحهم ~~المتعلقة بالمعاد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وتبيين طرائق الهدى وتعيين ~~مهاوى الردى أولى وأحرى والجعل إن جعل بمعنى الإنشاء والإبداع فضياء حال من ~~مفعوله أي خلقها حال كونها ذات ضياء على حذف المضاف أو ضياء محضا للمابلغة ~~وإن جعل بمعنى التصيير فهو مفعوله الثاني أي جعلها ضياء على أحد الوجهين ~~المذكورين لكن لا بعد أن كانت خالية عن تلك الحالة بل أبدعها كذلك كما في ~~قولهم ضيق فم الركية ووسع أسفلها والضياء مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط ~~وياؤه منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها وقرئ ضئاء بهمزتين بينهما ألف ~~بتقديم اللام على العين «والقمر نورا» الكلام فيه كالكلام في الشمس والضياء ~~أقوى من النور وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور ففيه إشعار بأن نوره ~~مستفاد من الشمس «وقدره» أي قدر له وهيأ «منازل» أو قدر مسيره في منازل أو ~~قدره ذا منازل على تضمين التقدير معنى التصيير وتخصيص القمر بهذا التقدير ~~لسرعة سيره ومعاينة منازله وتعلق أحكام الشريعة به وكونه عمدة في تواريخ ~~العرب وقد جعل الضمير لكل منهما وهى ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ~~ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستو لا يتفاوت يسير ~~فيها من ليلة المستهل إلى ms1438 الثامنة والعشرين فإذا كان في آخر منازله دق ~~واستقوس ثم يستسر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ويكون مقام الشمس في كل ~~منزلة منها ثلاثة عشر يوما وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها ~~العرب الأنواء المستمطرة وهى الشرطان والبطين والثريا الدبران الهقعة ~~الهنعة الذراع النثرة الطرف الجبهة الزبرة الصرفة العواء السماك الغفر ~~الزبانى الإكليل القلب الشولة النعائم البلدة سعد الذابح سعد بلع سعد ~~السعود سعد الأخبية فرغ الدلو المقدم فرغ الدلو المؤخر الرشا وهو بطن الحوت ~~«لتعلموا» إما بتعاقب الليل والنهار المنوطين بطلوع الشمس وغروبها أو ~~باعتبار نزول كل منهما في تلك المنازل «عدد السنين» التي يتعلق بها غرض ~~علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية «والحساب» أي حساب الأوقات من ~~الأشهر والأيام والليالي وغير ذلك مما نيط به شئ من المصالح المذكورة ~~وتخصيص العدد بالسنين والحساب بالأوقات لما أنه لم يعتبر في السنين ~~المعدودة معنى مغاير لمراتب الأعداد كما اعتبر في PageV04P120 # الأوقات المحسوبة وتحقيقه أن الحساب إحصاء ما له كمية انفصالية بتكرير ~~أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل ~~كالسنة المتحصلة من اثنى عشر شهرا قد تحصل كل من ذلك من ثلاثين يوما قد ~~تحصل كل من ذلك من أربع وعشرين ساعة مثلا والعد مجرد إحصائه بتكرير أمثاله ~~من غير اعتبار أن يتحصل بذلك شئ كذلك ولما لم يعتبر في السنين المعدودة ~~تحصل حد معين له اسم خاص غير أسامي مراتب الأعداد وحكم مستقل أضيف إليها ~~العدد وتحصل مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدى في ~~تحصل المعدودة نفعا وحيث اعتبر في الأوقات المحسوبة تحصل ما ذكر من المراتب ~~التي لها أسام خاصة وأحكام مستقلة علق بها الحساب المنبىء عن ذلك والسنة من ~~حيث تحققها في نفسها مما يتعلق به الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة ~~منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة من تلك الطائفة ليس من الحيثية المذكورة ~~أعنى حيثية تحصلها من عدة أشهر قد تحصل كل ms1439 واحد منها من عدة أيام قد حصل كل ~~منها بطائفة من الساعات فإن ذلك وظيفة الحساب بل من حيث إنها فرد من تلك ~~الطائفة المعدودة من غير أن يعتبر معها شئ غير ذلك وتقديم العدد على الحساب ~~مع أن الترتيب بين متعلقيهما وجودا وعلما على العكس لأن العلم المتعلق بعدد ~~السنين علم إجمالى بما تعلق به الحساب تفصيلا وإن لم تتحد الجهة أو لأن ~~العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصل أمرا آخر حسبما حقق آنفا نازل من ~~الحساب الذي اعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب «ما خلق الله ذلك» أي ما ~~ذكر من الشمس والقمر على ما حكى من الأحوال وفيه إيذان بأن معنى جعلهما على ~~تلك الأحوال والهيئات ليس إلا خلقهما كذلك كما أشير إليه ولا يقدح في ذلك ~~أن استفادة القمر النور من الشمس أمر حادث فإن المراد بجعله نورا إنما هو ~~جعله بحيث يتصف بالنور عند وجود شرائط الاتصاف به بالفعل «إلا بالحق» ~~استثناء مفرغ من أعم أحوال الفاعل أو المفعول أي ما خلق ذلك ملتبسا بشئ من ~~الأشياء إلا ملتبسا بالحق مراعيا لمقتضى الحكمة البالغة أو مراعى فيه ذلك ~~وهو ما أشير إليه إجمالا من العلم بأحوال السنين والأوقات المنوط به أمور ~~معاملاتهم وعباداتهم «يفصل الآيات» أي الآيات التكوينية المذكورة أو جميع ~~الآيات فيدخل فيها الآيات المذكورة دخولا أوليا أو يفصل الآيات التنزيلية ~~المنبهة على ذلك وقرئ بنون العظمة «لقوم يعلمون» الحكمة في إبداع الكائنات ~~فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآيات ~~المنزلة فيؤمنون بها وتخصيص التفصيل بهم لأنهم المنتفعون به «إن في اختلاف ~~الليل والنهار» تنبيه آخر إجمالى على ما ذكر أي في تعاقبهما وكون كل منهما ~~خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين لحركات السماوات وسكون الأرض ~~أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه ~~بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة أو في ~~اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة إما ms1440 في الطول والقصر فإن البلاد القريبة ~~من القطب PageV04P121 # الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أيام البلاد ~~البعيدة منه ولياليها وأما في أنفسهما فإن كرية الأرض تقتضى أن يكون بعض ~~الأوقات في بعض الأماكن ليلا وفى مقابله نهارا «وما خلق الله في السماوات ~~والأرض» من أصناف المصنوعات «لآيات» عظيمة أو كثيرة دالة على وجود الصانع ~~تعالى ووحدته وكمال علمه وقدرته وبالغ حكمته التي من جملة مقتضياتها ما ~~أنكروه من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتب والبعث والجزاء ~~«لقوم يتقون» خصهم بذلك لأن الداعي إلى النظر والتدبر إنما هو تقوى الله ~~تعالى والحذر من العاقبة فهم الواقفون على أن جميع المخلوقات آيات دون ~~غيرهم وكأى من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون «إن ~~الذين لا يرجون لقاءنا» بيان لمآل أمر من كفر بالبعث وأعرض عن البينات ~~الدالة عليه بعد تحقيق أن مرجع الكل إليه تعالى وأنه يعيدهم بعد بدئهم ~~للجزاء ثوابا وعقابا وتفصيل بعض الآيات الشاهدة بذلك والمراد بلقائه إما ~~الرجوع إليه تعالى بالبعث أو لقاء الحساب كما في قوله عز وعلا إني ظننت أنى ~~ملاق حسابيه وأيا ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من تهويل الأمر ~~ما لا يخفى والمراد بعدم الرجاء عدم التوقع مطلقا المنتظم لعدم الأمل وعدم ~~الخوف فإن عدمهما لا يستدعى عدم اعتقاد وقوع المأمول والمخوف أي لا يتوقعون ~~الرجوع إلينا أو لقاء حسابنا المؤدى إما إلى حسن الثواب أو إلى سوء العذاب ~~فلا يأملون الأول وإليه أشير بقوله عز وجل «ورضوا بالحياة الدنيا» فإنه ~~منبىء عن إيثار الأدنى الخسيس على الأعلى النفيس كقوله تعالى أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة ولا يخافون الثاني وإليه أشير بقوله تعالى ~~«واطمأنوا بها» أي سكنوا فيها سكون من لا براح له منها آمنين من اعتراء ~~المزعجات غير مخطرين ببالهم ما يسوؤهم من عذابنا وقيل المراد بالرجاء معناه ~~الحقيقي وباللقاء حسن اللقاء أي لا يأملون حسن لقائنا بالبعث والإحياء ~~بالحياة الأبدية ورضوا بدلا منها ms1441 ومما فيها من فنون الكرامات السنية ~~بالحياة الدنيا الدنية الفانية واطمأنوا بها أي سكنوا إليها منكبين عليها ~~قاصرين مجامع هممهم على لذائذها وزخارفها من غير صارف يلويهم ولا عاطف ~~يثنيهم وإيثار الباء على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الوصول والانتهاء ~~للإيذان بتمام الملابسة ودوام المصاحبة والمؤانسة وحمل الرجاء على الخوف ~~فقط يأباه كلمة الرضا بالحياة الدنيا فإنها منبئة عما ذكر من ترك الأعلى ~~وأخذ الأدنى واختيار صيغة الماضي في الصلتين الأخيرتين للدلالة على التحقق ~~والتقرر كما أن اختيار صيغة المستقبل في الأولى للإيذان باستمرار عدم ~~الرجاء «والذين هم عن آياتنا» المفصلة في صحائف الأكوان حسبما أشير إلى ~~بعضها أو آياتنا المنزلة المنبهة على الاستشهاد بها المتفقة معها في ~~الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتب على البعث وعلى بطلان ما ~~رضوا به واطمأنوا إليه من الحياة الدنيا «غافلون» لا يتفكرون فيها أصلا وإن ~~نبهوا على ذلك وذكروا بأنواع القوارع لانهماكهم فيما يصدهم PageV04P122 # عنها من الأحوال المعدودة وتكرير الموصول للتوسل به إلى جعل صلته جملة ~~اسمية منبئة عما هم عليه من استمرار الغفلة ودوامها وتنزيل التغاير الوصفي ~~منزلة التغاير الذاتي إيذانا بمغايرة الوصف الأخير للأوصاف الأول واستقلاله ~~باستتباع العذاب هذا وأما ما قيل من أن العطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه ~~على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشهوات ~~بحيث لا يخطر ببالهم الآخرة أصلا وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من ~~أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن ~~التأمل في الآجل فكلام ناء عن السداد فتأمل «أولئك» الموصوفون بما ذكر من ~~صفات السوء «مأواهم» أي مسكنهم ومقرهم الذي لا براح لهم منه «النار» لا ما ~~اطمأنوا بها من الحياة الدنيا ونعيمها «بما كانوا يكسبون» من الأعمال ~~القلبية المعدودة وما يستتبعه من أصناف المعاصي والسيئات أو بكسبهم إياها ~~والجمع بين صيغتى الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي والباء ~~متعلقة بمضمون الجملة الأخيرة الواقعة خبرا عن اسم الإشارة وهو مع خبره ms1442 خبر ~~لأن في قوله تعالى إن الذين لا يرجون لقاءنا الخ «إن الذين آمنوا» أي فعلوا ~~الإيمان أو آمنوا بما يشهد به الآيات التي غفل عنها الغافلون أو بكل ما يجب ~~أن يؤمن به فيندرج فيه ذلك اندراجا أوليا «وعملوا الصالحات» أي الأعمال ~~الصالحة في أنفسها اللائقة بالإيمان وإنما ترك ذكر الموصوف لجريانها مجرى ~~الأسماء «يهديهم ربهم» أوثر الالتفات تشريفا لهم بإضافة الرب وإشعارا بعلة ~~الهداية «بإيمانهم» أي يهديهم بسبب إيمانهم إلى مأواهم ومقصدهم وهى الجنة ~~وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها لا سيما بملاحظة ما ~~سبق من بيان مأوى الكفرة وما أواهم إليه من أعمالهم السيئة ومشاهدة ما لحق ~~من التلويح والتصريح وفى النظم الكريم إشعار بأن مجرد الإيمان والعمل ~~الصالح لا يكفى في الوصول إلى الجنة بل لا بد بعد ذلك من الهداية الربانية ~~وأن الكفر والمعاصي كافية في دخول النار ثم إنه لا نزاع في أن المراد ~~بالإيمان الذي جعل سببا لتلك الهداية هو إيمانهم الخاص المشفوع بالأعمال ~~الصالحة لا الإيمان المجرد عنها ولا ما هو أعم منهما إلا أن ذلك بمعزل عن ~~الدلالة على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان الخالي عن ~~العمل الصالح يفضى إلى الجنة في الجملة ولا يخلد صاحبه في النار فإن منطوق ~~الآية الكريمة أن الإيمان المقرون بالعمل الصالح سبب للهداية إلى الجنة ~~وأما أن كل ما هو سبب لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالة لها ولا لغيرها عليه ~~قطعا كيف لا وقوله عز وجل الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون مناد بخلافه فإن المراد بالظلم هو الشرك كما أطبق عليه ~~المفسرون والمعنى لم يخلطوا إيمانهم بشرك ولئن حمل على ظاهره أيضا يدخل في ~~الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحا ثم مات قبل أن يظلم PageV04P123 # بفعل حرام أو بترك واجب «تجري من تحتهم الأنهار» أي بين أيديهم كقوله ~~سبحانه وهذه الأنهار تجرى من تحتي أو تجرى وهم على سرر مرفوعة ms1443 وأرائك ~~مصفوفة والجملة مستأنفة أو خبر ثان لأن أو حال من مفعول يهديهم على تقدير ~~كونه المهدى إليه ما يريدونه في الجنة كما قيل وقيل يهديهم ويسددهم ~~للاستقامة على سلوك السبيل المؤدى إلى الثواب والجنة وقوله تجرى من تحتهم ~~الأنهار جار مجرى التفسير والبيان فإن التمسك بحبل السعادة في حكم الموصول ~~إليها وقيل يهديهم إلى إدراك الحقائق البديعة بحسب القوة العملية كما قال ~~صلى الله عليه وسلم من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم «في جنات ~~النعيم» خبر آخر أو حال أخرى منه أو من الأنهار أو متعلق بتجرى أو بيهدى ~~فالمراد بالمهدى إليه إما منازلهم في الجنة أو ما يريدونه فيها «دعواهم» أي ~~دعاؤهم وهو مبتدأ وقوله عز وجل فيها متعلق به وقوله تعالى «سبحانك اللهم» ~~خبره أي دعاؤهم هذا الكلام وهو معمول لمقدر لا يجوز إظهاره والمعنى اللهم ~~إنا نسبحك تسبيحا ولعلهم يقولونه عندما عاينوا فيها من تعاجيب اثار قدرته ~~تعالى ونتائج رحمته ورأفته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~تقديسا لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصان وتنزيها لوعده الكريم عن سمات ~~الخلف «وتحيتهم فيها» التحية التكرمة بالحالة الجليلة أصلها أحياك الله ~~حياة طيبة أي ما يحيى به بعضهم بعضا أو تحية الملائكة إياهم كما في قوله ~~تعالى والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام أو تحية الله عز وجل لهم كما ~~في قوله تعالى سلام قولا من رب رحيم «سلام» أي سلامة عن كل مكروه «وآخر ~~دعواهم» أي خاتمة دعائهم «أن الحمد لله رب العالمين» أي أن يقولوا ذلك نعتا ~~له عز وجل بصفات الإكرام إثر نعته تعالى بصفات الجلال أي دعاؤهم منحصر فيما ~~ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء وأن هي المخففة من أن ~~المثقلة أصله أنه الحمد لله فحذف ضمير الشأن كما في قوله أن هالك كل من ~~يحفى وينتعل وقرئ أن الحمد لله بالتشديد ونصل الحمد ولعل توسيط ذكر تحيتهم ms1444 ~~عند الحكاية بين دعائهم وخاتمته للتوسل إلى ختم الحكاية بالتحميد تركا مع ~~أن التحية ليست بأجنبية على الإطلاق ودعوى كون ترتيب الوقوع أيضا كذلك بأن ~~كانوا حين دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءه مجدوه ونعتوه ~~بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة بالسلامة من الآفات والفوز بأصناف الكرامات ~~أو حياهم بذلك رب العزة فحمدوه تعالى وأثنوا عليه يأباها إضافة الآخر إلى ~~دعواهم وقد جوز أن يكون المراد بالدعاء العبادة كما في قوله تعالى وأعتزلكم ~~وما تدعون الخ إيذانا بأن لا تكليف في الجنة أي ما عبادتهم إلا أن يسبحوه ~~ويحمدوه وليس ذلك بعبادة إنما يلهمونه وينطقون به تلذذا ولا يساعده تعيين ~~الخاتمة «ولو يعجل الله للناس» هم الذين لا يرجون لقاء الله تعالى لإنكارهم ~~البعث وما يترتب عليه PageV04P124 # من الحساب والجزاء أشير إلى بعض من عظائم معاصيهم المتفرعة على ذلك وهو ~~استعجالهم بما أوعدوا به من العذاب تكذيبا واستهزاء وإيرادهم باسم الجنس ~~لما أن تعجيل الخير لهم ليس دائرا على وصفهم المذكور إذ ليس كل ذلك بطريق ~~الاستدراج أي لو يعجل الله لهم «الشر» الذي كانوا يستعجلون به فإنهم كانوا ~~يقولون اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم ونحو ذلك وقوله تعالى «استعجالهم بالخير» نصب على أنه ~~مصدر تشبيهى وضع موضع مصدر ناصبه دلالة على اعتبار الاستعجال في جانب ~~المشبه كاعتبار التعجيل في جانب المشبه به وإشعارا بسرعة إجابته تعالى لهم ~~حتى كان استعجالهم بالخير نفس تعجيله لهم والتقدير ولو يعجل الله لهم الشر ~~عند استعجالهم به تعجيلا مثل تعجيله لهم الخير عند استعجالهم به فحذف ما ~~حذف تعويلا على دلالة الباقي عليه «لقضي إليهم أجلهم» لأدى إليهم الأجل ~~الذي عين لعذابهم وأميتوا وأهلكوا بالمرة وما أمهلوا طرفة عين وفى إيثار ~~صيغة المبنى للمفعول جرى على سنن الكبرياء مع الإيذان بتعين الفاعل وقرئ ~~على البناء للفاعل كما قرىء لقضينا واختيار صيغة الاستقبال في الشرط وإن ~~كان المعنى على المضي لإفادة أن ms1445 عدم قضاء الأجل لاستمرار عدم التعجيل فإن ~~المضارع المنفى الواقع موقع الماضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل ~~بل قد يفيد استمرار انتفائه أيضا بحسب المقام كما حقق في موضعه واعلم أن ~~مدار الإفادة في الشرطية أن يكون التالي أمرا مغايرا للمقدم في نفسه مترتبا ~~عليه في الوجود كما في قوله عز وجل لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم فإن ~~العنت أي الوقوع في المشقة والهلاك أمر مغاير لطاعته صلى الله عليه وسلم ~~لهم مترتب عليها في الوجود أو يكون فردا كاملا من أفراده ممتازا عن البقية ~~بأمر يخصه كما في الأجوبة المحذوفة في مثل قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم وقوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على النار وقوله تعالى ولو ترى إذ ~~المجرمون ونظائرها أي لرأيت أمرا هائلا فظيعا أو نحو ذلك وكما في قوله ~~تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ما دابة إذا فسر ~~الجواب بالاستئصال فإنه فرد كامل من أفراد مطلق المؤاخذة قد عبر عنه بما لا ~~مزيد عليه في الدلالة على الشدة والفظاعة فحسن موقعه في معرض التالي ~~للمؤاخذة المطلقة وأما ما نحن فيه من القضاء فليس بأمر مغاير لتعجيل الشر ~~في نفسه وهو ظاهر بل هو إما نفسه أو جزئي منه كسائر جزئياته من غير مزية ~~على البقية إذ لم يعتبر في مفهومه ما ليس في مفهوم تعجيل الشر من الشدة ~~والهول فلا يكون في ترتبه عليه وجودا أو عدها مزيد فائدة مصححة لجعله تاليا ~~له فالحق أن المقدم ليس نفس التعجيل المذكور بل هو إرادته المستتبعة للقضاء ~~المذكور وجودا وعدما كما في قوله تعالى لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب أي لو يريد مؤاخذتهم فإن تعجيل العذاب لهم نفس المؤاخذة أو جزئي من ~~جزئياتها غير ممتاز عن البقية فليس في بيان ترتبه عليها وجودا أو عدما مزيد ~~فائدة وإنما الفائدة في بيان ترتبه على إرادتها حسبما ذكر وأيضا في ترتب ~~التالي على إرادة ms1446 المقدم ما ليس في ترتبه على نفسه من الدلالة على المبالغة ~~وتهويل الأمر والدلالة على أن الأمور منوطة بإرادته تعالى المبنية على ~~الحكم البالغة «فنذر الذين لا يرجون لقاءنا» بنون العظمة الدالة على ~~التشديد في الوعيد وهو عطف على مقدر تنبىء عنه الشرطية كأنه قيل لكن لا ~~نفعل ذلك لما تقتضيه PageV04P125 # الحكمة فنتركهم إمهالا واستدراجا «في طغيانهم» الذي هو عدم رجاء اللقاء ~~وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على ذلك من أعمالهم السيئة ومقالاتهم ~~الشنيعة «يعمهون» أي يترددون ويتحيرون ففي وضع الموصول موضع الضمير نوع ~~بيان للطغيان بما في حيز الصلة وإشعار بعليته للترك والاستدراج «وإذا مس ~~الإنسان الضر» أي أصابه جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة ~~يسيره «دعانا» لكشفه وإزالته «لجنبه» حال من فاعل دعا بشهادة ما عطف عليه ~~من الحالين واللام بمعنى على كما في قوله تعالى يخرون للأذقان أي دعانا ~~كائنا على جنبه أي مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي في جميع الأحوال مما ذكر ~~وما لم يذكر وتخصيص المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة أو دعانا ~~في جميع أحوال مرضه على أنه المراد بالضر خاصة مضطجعا عاجزا عن القعود ~~وقاعدا غير قادر على النهوض وقائما لا يستطيع الحراك «فلما كشفنا عنه ضره» ~~الذي مسه غب ما دعانا حسبما ينبئ عنه الفاء «مر» أي مضى واستمر على طريقته ~~التي كان ينتحيها قبل مساس الضر ونسي حالة الجهد والبلاء أو مر عن موقف ~~الضراعة والابتهال ونأى بجانبه «كأن لم يدعنا» أي كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ~~ضمير الشأن كما في قوله * كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * والجملة ~~التشبيهية في محل النصب على الحالية من فاعل مر أي مر مشبها بمن لم يدعنا ~~«إلى ضر» أي إلى كشف ضر «مسه» وهذا وصف للجنس باعتبار حال بعض أفراده ممن ~~هو متصف بهذه الصفات «كذلك» نصب على المصدرية وذلك إشارة إلى مصدر الفعل ~~الآتي وما فيه من معنى البعد للتفخيم والكاف مقحمة للدلالة على زيادة فخامة ms1447 ~~المشار إليه إقحاما لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم ~~مثلك لا يبخل مكان أنت لا تبخل أي مثل ذلك التزيين العجيب «زين للمسرفين» ~~أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمة وإسرافهم لما أن الله تعالى إنما ~~أعطاهم القوى والمشاعر ليصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من ~~العلوم والأعمال الصالحة فلما صرفوها إلى ما لا ينبغي وهى رأس مالهم فقد ~~أتلفوها وأسرفوا إسرافا ظاهرا والتزيين إما من جهة الله سبحانه على طريقة ~~التخلية والخذلان أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل «ما كانوا يعملون» من ~~الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات وتعلق الآية الكريمة بما ~~قبلها من حيث إن في كل منهما إملاء للكفرة على طريقة الاستدراج بعد الإنقاذ ~~من الشر المقدر في الأولى ومن الضر المقرر في الأخرى «ولقد أهلكنا القرون» ~~أي القرون الخالية مثل قوم نوح وعاد وأضرابهم ومن في قوله تعالى «من قبلكم» ~~متعلقة بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانكم والخطاب لأهل مكة على طريقة ~~الالتفات PageV04P126 # للمبالغة في تشديد التهديد بعد تأييده بالتوكيد القسمي «لما ظلموا» ظرف ~~للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب والتمادي في الغى والضلال من ~~غير تأخير وقوله تعالى «وجاءتهم رسلهم» حال من ضمير ظلموا بإضمار قد وقوله ~~تعالى «بالبينات» متعلق بجاءتهم على أن الباء للتعدية أو بمحذوف وقع حالا ~~من رسلهم دالة على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة أي ظلموا ~~بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينة الدالة على صدقهم أو ملتبسين بها ~~حين لا مجال للتكذيب وقد جوز أن يكون قوله تعالى وجاءتهم عطفا على ظلموا ~~فلا محل له من الإعراب عند سيبويه وعند غيره محله الجر لأنه معطوف على ما ~~هو مجرور بإضافة الظرف إليه وليس الظلم منحصرا في التكذيب حتى يحتاج إلى ~~الاعتذار بأن الترتيب الذكرى لا يجب كونه على وفق الترتيب الوقوعي كما في ~~قوله تعالى ورفع أبويه على العرش وخروا له الخ بل هو محمول على سائر أنواع ~~الظلم والتكذيب مستفاد من ms1448 قوله تعالى «وما كانوا ليؤمنوا» على أبلغ وجه ~~وآكده فإن اللام لتأكيد النفي أي وما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد ~~استعدادهم وخذلان الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطاف لا تنجع فيهم والجملة ~~على الأول عطف على ظلموا لأنه إخبار بإحداث التكذيب وهذا بالإصرار عليه ~~وعلى الثاني عطف على ما عطف عليه وقيل اعتراض بين الفعل وما يجرى مجرى ~~مصدره التشبيهى أعنى قوله تعالى «كذلك» فإن الجزاء المشار إليه عبارة عن ~~مصدره أي مثل ذلك الجزاء الفظيع أي الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال ~~بالمرة «نجزي القوم المجرمين» أي كل طائفة مجرمة وفيه وعيد شديد وتهديد ~~أكيد لأهل مكة لاشتراكهم لأولئك المهلكين في الجرائم والجرائر التي هي ~~تكذيب الرسول والإصرار عليه وتقرير لمضمون ما سبق من قوله تعالى ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير وقرئ بالياء على الالتفات إلى الغيبة وقد ~~جوز أن يكون المراد بالقوم المجرمين أهل مكة على طريقة وضع الظاهر موضع ~~ضمير الخطاب إيذانا بأنهم أعلام في الإجرام ويأباه كل الإباء قوله عز وجل ~~«ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم» فإنه صريح في أنه ابتداء تعرض ~~لأمورهم وأن ما بين فيه إنما هو مبادى أحوالهم لاختبار كيفيات أعمالهم على ~~وجه يشعر باستمالتهم نحو الإيمان والطاعة فمحال أن يكون ذلك إثر بيان منتهى ~~أمرهم وخطابهم ببت القول بإهلاكهم لكمال إجرامهم والمعنى ثم استخلفناكم في ~~الأرض من بعد إهلاك أولئك القرون التي تسمعون أخبارها وتشاهدون آثارها ~~استخلاف من يختبر «لننظر» أي لنعامل معاملة من ينظر «كيف تعملون» فهي ~~استعارة تمثيلية وكيف منصوب على المصدرية بتعملون لا بننظر فإن ما فيه من ~~معنى الاستفهام مانع من تقدم عامله عليه أي أي عمل أو على الحالية أي على ~~أي حال تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف من أوصاف الحسن كقوله عز وعلا ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا ففيه إشعار بأن المراد بالذات والمقصود الأصلي من ~~الاستخلاف إنما هو ظهور الكيفيات الحسنة للأعمال الصالحة وأما الأعمال ~~السيئة فبمعزل من أن تصدر عنهم لا ms1449 سيما بعد ما سمعوا أخبار القرون المهلكة ~~وشاهدوا آثار بعضها فضلا عن أن ينظم ظهورها في سلك العلة الغائبة ~~PageV04P127 # للاستخلاف وقيل منصوب على أنه مفعول به أي أي عمل تعملون أخيرا أم شرا ~~فنعاملكم بحسبه فلا يكون في كلمة كيف حينئذ دلالة على أن المعتبر في الجزاء ~~جهات الأعمال وكيفياتها لا ذواتها كما هو رأى القائل بل تكون حينئذ مستعارة ~~لمعنى أي شئ «وإذا تتلى عليهم» التفات من خطابهم إلى الغيبة إعراضا عنهم ~~وتوجيها لخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديد جناياتهم المضادة ~~لما أريد منهم بالاستخلاف من تكذيب الرسول والكفر بالآيات البينات وغير ذلك ~~كدأب من قبلهم من القرون المهلكة وصيغة المضارع للدلالة على تجدد جوابهم ~~الآتي حسب تجدد التلاوة «آياتنا» الدالة على حقية التوحيد وبطلان الشرك ~~والإضافة لتشريف المضاف والترغيب في الإيمان به والترهيب عن تكذيبه «بينات» ~~حال كونها واضحات الدلالة على ذلك وإيراد فعل التلاوة مبنيا للمفعول مسندا ~~إلى الآيات دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدم ~~الحاجة لتعين التالي وللإيذان بأن كلامهم في نفس المتلو دون التالي «قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا» وضع الموصول موضع الضمير إشعارا بعلية ما في حيز ~~الصلة للعظيمة المحكية عنهم وأنهم إنما اجترءوا عليها لعدم خوفهم من عقابه ~~تعالى يوم اللقاء لإنكارهم له ولما هو من مباديه من البعث وذما لهم بذلك أي ~~قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما لم يذكر ~~إيذانا بتعينه «ائت بقرآن غير هذا» أشاروا بهذا إلى القرآن المشتمل على تلك ~~الآيات لا إلى نفسها فقط قصدا إلى إخراج الكل من البين أي ائت بكتاب آخر ~~نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والحساب والجزاء وما نكرهه من ذم آلهتنا ~~ومعايبها والوعيد على عبادتها «أو بدله» بتغيير ترتيبه بأن تجعل مكان الآية ~~المشتملة على ذلك آية أخرى خالية عنها وإنما قالوه كيدا وطمعا في المساعدة ~~ليتوسلوا به إلى الإلزام والاستهزاء به «قل» لهم «ما يكون لي» ms1450 أي ما يصح ~~وما يستقيم لي ولا يمكنني أصلا «أن أبدله من تلقاء نفسي» أي من قبل نفسي ~~وهو مصدر استعمل ظرفا وقرئ بفتح التاء وقصر الجواب ببيان امتناع ما اقترحوه ~~على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أو لا من الظهور بحيث ~~لا حاجة إلى بيانها وأن التصدي لذلك مع كونه ضائعا ربما يعد من قبيل ~~المجاراة مع السفهاء إذا لا يصدر مثل ذلك الاقتراح عن العقلاء ولأن ما يدل ~~على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق الأولى «إن أتبع» أي ما ~~أتبع في شئ مما آتى وأذر «إلا ما يوحى إلي» من غير تغيير له في شئ أصلا على ~~معنى قصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه لا قصر اتباعه ~~على ما يوحى إليه كما هو المتبادر من ظاهر العبارة كأنه قيل ما أفعل إلا ~~اتباع ما يوحى إلى وقد مر تحقيق المقام في سورة الأنعام وهو تعليل لصدر ~~الكلام فإن من شأنه اتباع الوحي على ما هو عليه لا يستبد بشئ دونه قطعا ~~وفيه جواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا به صلى الله عليه وسلم ~~PageV04P128 # بهذا السؤال من أن القرآن كلامه صلى الله عليه وسلم ولذلك قيد التبديل في ~~الجواب بقوله من تلقاء نفسي وسماه عصيانا عظيما مستتبعا لعذاب عظيم بقوله ~~تعالى «إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم» فإنه تعليل لمضمون ما قبله من ~~امتناع التبديل واقتصار أمره صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي أي أخاف ~~إن عصيته تعالى بتعاطى ما ليس لي من التبديل من تلقاء نفسي والإعراض عن ~~اتباع الوحي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة أو يوم اللقاء الذي لا يرجونه ~~وفيه إشعار بأنهم استوجبوه بهذا الاقتراح والتعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتهويل أمر العصيان وإظهار كمال ~~نزاهته صلى الله عليه وسلم عنه وإيراد اليوم بالتنوين التفخيمي ووصفه ~~بالعظم لتهويل ما فيه من العذاب وتفظيعه ولا ms1451 مساغ لحمل مقترحهم على التبديل ~~والإتيان بقرآن آخر من جهة الوحي بتفسير قوله تعالى ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقاء نفسي بأنه لا يتسهل لي أن أبدله بالاستدعاء من جهة الوحي ما أتبع إلا ~~ما يوحى إلي من غير صنع ما من الاستدعاء وغيره من قبلي لأنه يرده التعليل ~~المذكور لا لأن المقترح حينئذ ليس فيه معصية أصلا كما توهم فإن استدعاء ~~تبديل الآيات النازلة حسبما تقتضيه الحكمة التشعريعية بعضها ببعض لا سيما ~~بموجب اقتراح الكفرة مما لا ريب في كونه معصية بل لأنه ليس فيه معصية ~~الافتراء مع أنها المقصودة بما ذكر في التعليل ألا يرى إلى ما بعده من ~~الآيتين الكريمتين فإنه صريح في أن مقترحهم الإتيان بغير القرآن وتبديله ~~بطريق الافتراء وأن زعمهم في الأصل أيضا كذلك وقوله عز وجل «قل لو شاء الله ~~ما تلوته عليكم» تحقيق لحقية القرآن وكونه من عند الله تعالى إثر بيان ~~بطلان ما اقترحوا الإتيان به واستحالته عبارة ودلالة وإنما صدر بالأمر ~~المستقل مع كونه داخلا تحت الأمر السابق إظهارا لكمال الاعتناء بشأنه ~~وإيذانا باستقلاله مفهوما وأسلوبا فإنه برهان دال على كونه بأمر الله تعالى ~~ومشيئته كما سيأتي وما سبق مجرد أخبار باستحالة ما اقترحوه ومفعول شاء ~~محذوف ينبئ عنه الجزاء لا غير ذلك كما قيل فإن مفعول المشيئة إنما يحذف إذا ~~وقعت شرطا وكان مفعولها مضمون الجزاء ولم يكن في تعلقها به غرابة كما في ~~قوله * ولو شئت أن أبكى دما لبكيته * حيث لم يحذف لفقدان الشرط الأخير ولأن ~~المستلزم للجزاء أعنى عدم تلاوته صلى الله عليه وسلم للقرآن عليهم إنما هو ~~مشيئته تعالى له لا مشيئته لغير القرآن والمعنى أن الأمر كله منوط بمشيئته ~~تعالى وليس لي منه شئ قط ولو شاء عدم تلاوتى له عليكم لا بأن شاء عدم ~~تلاوتى له من تلقاء نفسي بل بأن لم لنزله على ولم يأمرني بتلاوته كما ينبئ ~~عنه إيثار التلاوة على القراءة ما تلوته عليكم «ولا أدراكم به» أي ولا ms1452 ~~أعلمكم به بواسطتى والتالي وهو عدم التلاوة والإدراء منتف فينتفى المقدم ~~أعنى مشيئة عدم التلاوة ولا يخفى أنها مستلزمة لعدم مشيئة التلاوة قطعا ~~فانتفاؤها مستلزم لانتفائه حتما وانتفاء عدم مشيئة التلاوة إنما يكون بتحقق ~~مشيئة التلاوة فثبت أن تلاوته صلى الله عليه وسلم للقرآن بمشيئته تعالى ~~وأمره وإنما قيدنا الإدراء بكونه PageV04P129 # بواسطته صلى الله عليه وسلم لأن عدم الإعلام مطلقا ليس من لوازم الشرط ~~الذي هو مشيئة عدم تلاوته صلى الله عليه وسلم فلا يجوز نظمه في سلك الجزاء ~~وفى إسناد عدم الإدراء إليه تعالى المنبىء عن استناد الإدراء إليه تعالى ~~إيذان بأن لا دخل له صلى الله عليه وسلم في ذلك حسبما يقتضيه المقام وقرئ ~~ولا أدرأتكم ولا أدرأكم بالهمزة فيهما على لغة من يقول أعطأت وأرضأت في ~~أعطيت وأرضيت أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته عليكم ~~خصماء تدرءوننى بالجدال وقرئ ولا أنذرتكم به وقرئ لأدراكم بلام الجواب أي ~~لو شاء الله ما تلوته عليكم أنا ولأعلمكم به على لسان غيرى على معنى إنه ~~الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به أنا لأرسل به غيرى البتة أو على معنى ~~أنه تعالى يمن على من يشاء فخصنى بهذه الكرامة «فقد لبثت فيكم عمرا» تعليل ~~للملازمة المستلزمة لكون تلاوته بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بين آنفا ~~لكن لا بطريق الاستدلال عليها بعدم تلاوته صلى الله عليه وسلم فيما سبق ~~بسبب مشيئته تعالى إياه بل بطريق الاستشهاد عليها بما شاهدوا منه صلى الله ~~عليه وسلم في تلك المدة الطويلة من الأمور الدالة على استحالة كون التلاوة ~~من جهته صلى الله عليه وسلم بلا وحى وعمرا نصب على التشبيه بظرف الزمان ~~والمعنى قد أقمت فيما بينكم دهرا مديدا مقدار أربعين سنة تحفظون تفاصيل ~~أحوالي طرا وتحيطون بما لدى خبرا «من قبله» أي من قبل نزول القرآن لا ~~أتعاطى شيئا مما يتعلق به لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشف ~~عن أسرار الحقائق وأحكام ms1453 الشرائع «أفلا تعقلون» أي ألا تلاحظون ذلك فلا ~~تعقلون امتناع صدوره عن مثلي ووجوب كونه منزلا من عند الله العزيز الحكيم ~~فإنه غير خاف على من له عقل سليم والحق الذي لا محيد عنه أن من له أدنى ~~مسكة من العقل إذا تأمل في أمره صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ فيما بينهم ~~هذا الدهر الطويل من غير مصاحبة العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعة إليهم ~~في فن من الفنون ولا مخالطة البلغاء في المفاوضة والحوار ولا خوض معهم في ~~إنشاء الخطب والأشعار ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل فصيح فائق وبذت بلاغته ~~كل بليغ رائق وعلا نظمه كل منثور ومنظوم وحوى فحواه بدائع أصناف العلوم ~~كاشف عن أسرار الغيب من وراء أستار الكمون ناطق بأخبار ما قد كان وما سيكون ~~مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة مهيمن عليها في أحكامها المجملة ~~والمفصلة لا يبقى عنده شائب اشتباه في أنه وحى منزل من عند الله هذا هو ~~الذي اتفقت عليه كلمة الجمهور ولكن الأنسب ببناء الجواب فيما سلف على مجرد ~~امتناع صدور التغيير والتبديل عنه صلى الله عليه وسلم لكونه معصية موجبة ~~للعذاب العظيم واقتصار حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي وامتناع ~~الاستبداد بالرأي من غير تعرض هناك ولا ههنا لكون القرآن في نفسه أمرا ~~خارجا عن طوق البشر ولا لكونه صلى الله عليه وسلم غير قادر على الإتيان ~~بمثله أن يستشهد ههنا على المطلب بملا يلائم ذلك من أحواله المستمرة في تلك ~~الكدة المتطاولة من كمال نزاهته صلى الله عليه وسلم عما يوهم شائبة صدور ~~الكذب والافتراء عنه في حق أحد كائنا من كان كما ينبئ عنه تعقيبه بتظليم ~~المفترى على الله تعالى والمعنى قد لبثت فيما بين ظهرانيكم قبل الوحي لا ~~أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدال ولا أحوم حول مقال فيه شائبة شبهة فضلا عما ~~فيه كذب أو افتراء ألا تلاحظون فلا تعقلون أن من هذا شأنه المطرد في هذا ~~العهد البعيد مستحيل ms1454 أن يفترى على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلق ~~بالأوامر والنواهي الموجبة لسلب الأموال وسفك الدماء ونحو ذلك وأن ما أتى ~~به وحى PageV04P130 # مبين تنزيل من رب العالمين وقوله عز وجل «فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا» استفهام إنكاري معناه الجحد أي لا أحد أظلم منه على معنى أنه أظلم من ~~كل ظالم وإن كان سبك التركيب مفيدا لإنكار أن يكون أحد أظلم منه من غير ~~تعرض لإنكار المساواة ونفيها فإنه إذا قيل من أفضل من فلان أولا أعلم منه ~~يفهم منه حتما أنه أفضل من كل فاضل وأعلم من كل عالم وزيادة قوله تعالى ~~كذبا مع أن الافتراء لا يكون إلا كذاك للإيذان بأن ما أضافوه إليه ضمنا ~~وحملوه صلى الله عليه وسلم عليه صريحا مع كونه افتراء على الله تعالى كذب ~~في نفسه فرب افتراء يكون كذبه في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنب زيد إلى ~~عمرو وهذا للمبالغة منه صلى الله عليه وسلم في التفادى عما ذكر من الافتراء ~~على الله سبحانه «أو كذب بآياته» فكفر بها وهذا تظليم للمشركين بتكذيبهم ~~للقرآن وحملهم على أنه من جهته صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب الكلام ~~على ما سبق من بيان كون القرآن بمشيئته تعالى وأمره فلا مجال لحمل الافتراء ~~على الافتراء باتخاذ الولد والشريك أي وإذا كان الأمر كذلك فمن افترى عليه ~~تعالى بأن يختلق كلاما فيقول هذا من عند الله أو يبدل بعض آياته تعالى ببعض ~~كما تجوزون ذلك في شأني وكذلك من كذب بآياته تعالى كما تفعلونه أظلم من كل ~~ظالم «أنه» الضمير للشأن وقع اسما لأن والخبر ما يعقبه من الجملة ومدار ~~وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره وفائدة تصديرها به الإيذان بفخامة ~~مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه من أول ~~الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند وروده ~~عليه فضل تمكن فكأنه قيل إن الشأن هذا أي ms1455 «لا يفلح المجرمون» أي لا ينجون ~~من محذور ولا يظفرون بمطلوب والمراد جنس المجرمين فيندرج فيه المفترى ~~والمكذب إندراجا أوليا «ويعبدون من دون الله» حكاية لجناية أخرى لهم نشأت ~~عنها جنايتهم الأولى معطوفة على قوله تعالى وإذا تتلى عليهم الآية عطف قصة ~~على قصة ومن دون متعلق بيعبدون ومحله النصب على الحالية من فاعله أي ~~متجاوزين الله سبحانه لا بمعنى ترك عبادته بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاء ~~بها وجعلها قرينا لعبادة الأصنام كما يفصح عنه سياق النطم الكريم «ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم» أي ما ليس من شأنه الضر والنفع من الأصنام التي هي ~~جمادات وما موصولة أو موصوفة وتقديم نفى الضرر لأن أدنى أحكام العبادة دفع ~~الضرر الذي هو أول المنافع والعبادة أمر حادث مسبوق بالعدم الذي هو مظنة ~~الضرر فحيث لم تقدر الأصنام على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سبب وقيل لا ~~يضرهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن عبدوها كان أهل الطائف يعبدون اللات ~~وأهل مكة عزى ومناة وهبل وأسافا ونائلة «ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله» ~~عن النضر بن الحرث إذا كان يوم القيامة يشفع لي اللات قيل إنهم كانوا ~~يعتقدون أن المتولى لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلاك PageV04P131 # فعينوا لذلك الروح صنما معينا من الأصنام واشتغلوا بعبادته ومقصودهم ذلك ~~الروح ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عند الإله الأعظم مشتغلا بعبوديته وقيل ~~إنهم كانوا يعبدون الكواكب فوضعوا لها أصناما معينة واشتغلوا بعبادتها قصدا ~~إلى عبادة الكواكب وقيل إنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام ثم تقربوا ~~إليها وقيل إنهم وضعوا هذه الأصنام على صور أنبيائهم وأكابرهم وزعموا أنهم ~~متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يشفعون لهم عند الله ~~تعالى «قل» تبكيتا لهم «أتنبئون الله بما لا يعلم» أي أتخبرونه بما لا وجود ~~له أصلا وهو كون الأصنام شفعاءهم عند الله تعالى إذ لولاه لعلمه علام ~~الغيوب وفيه تقريع لهم وتهكم بهم وبما يدعونه من المحال الذي لا يكاد يدخل ~~تحت الصحة والإمكان وقرئ ms1456 أتنبيون بالتخفيف وقوله تعالى «في السماوات ولا في ~~الأرض» حال من العائد المحذوف في يعلم مؤكدة للنفي لأن ما لا يوجد فيهما ~~فهو منتف عادة «سبحانه وتعالى عما يشركون» عن إشراكهم المستلزم لتلك ~~المقالة الباطلة أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاءهم عند الله تعالى ~~وقرئ تشركون بتاء الخطاب على أنه من جملة القول المأمور به وعلى الأول هو ~~اعتراض تذييلى من جهته سبحانه وتعالى «وما كان الناس إلا أمة واحدة» بيان ~~لأن التوحيد والإسلام ملة قديمة أجمعت عليها الناس قاطبة فطرة وتشريعا وأن ~~الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة خلافا للجمهور وشقا لعصا الجماعة وأما ~~حمل اتخاذهم على الاتفاق على الضلال عند الفترة واختلافهم على ما كان منهم ~~من الاتباع والإصرار فمما لا احتمال له أي وما كان الناس كافة من أول الأمر ~~إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف وذلك من عهد آدم عليه الصلاة ~~والسلام إلى أن قتل قابيل هابيل وقيل إلى زمن إدريس عليه السلام وقيل إلى ~~زمن نوح عليه السلام وقيل من حين الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ~~ديارا إلى أن ظهر فيما بينهم الكفر وقيل من لدن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام إلى أن أظهر عمرو بن لحى عبادة الأصنام فالمراد بالناس العرب خاصة ~~وهو الأنسب بإيراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من الهنات وتنزيه ~~ساحة الكبرياء عن ذلك «فاختلفوا» بأن كفر بعضهم وثبت آخرون على ما هم عليه ~~فخالف كل من الفريقين الآخر لا أن كلا منهما أحدث ملة على حدة من ملل الكفر ~~مخالفة لملة الآخر فإن الكلام ليس في ذلك الاختلاف إذ كل منهما مبطل حينئذ ~~فلا يتصور أن يقضى بينهما بإبقاء المحق وإهلاك المبطل والفاء التعقيبية لا ~~تنافى امتداد زمان الاتفاق إذ المراد بيان وقوع الاختلاف عقيب انصرام مدة ~~الاتفاق لا عقيب حدوث الاتفاق «ولولا كلمة سبقت من ربك» بتأخير القضاء ~~بينهم أو بتأخير العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل «لقضي ~~بينهم» عاجلا «فيما فيه ms1457 يختلفون» بتمييز الحق من الباطل بإبقاء المحق ~~وإهلاك المبطل وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وللدلالة على ~~الاستمرار PageV04P132 # «ويقولون» حكاية لجناية أخرى لهم معطوفة على قوله تعالى ويعبدون وصيغة ~~المضارع لاستحضار صورة مقالتهم الشنعاء والدلالة على الاستمرار والقائلون ~~أهل مكة «لولا أنزل عليه آية من ربه» أرادوا آية من الآيات التي اقترحوها ~~كأنهم لفرط العتو والفساد ونهاية التمادي في المكابرة والعناد لم يعدوا ~~البينات النازلة عليه صلى الله عليه وسلم من جنس الآيات واقترحوا غيرها مع ~~أنه قد أنزل عليه من الآيات الباهرة والمعجزات المتكاثرة ما يضطرهم إلى ~~الانقياد والقبول لو كانوا من أرباب العقول «فقل» لهم في الجواب «إنما ~~الغيب لله» اللام للاختصاص العلمي دون التكويني فإن الغيب والشهادة في ذلك ~~الاختصاص سيان والمعنى أن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازم النبوة وعلقتم ~~إيمانكم بنزوله من الغيوب المختصة بالله تعالى لا وقوف لي عليه «فانتظروا» ~~نزوله «إني معكم من المنتظرين» أي لما يفعل الله بكم لاجترائكم على مثل هذه ~~العظيمة من جحود الآيات واقتراح غيرها وجعل الغيب عبارة عن الصارف عن إنزال ~~الآيات المقترحة يأباه ترتيب الأمر بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالى ~~«وإذا أذقنا الناس رحمة» صحة وسعة «من بعد ضراء مستهم» أي خالطتهم حتى ~~أحسوا بسوء أثرها فيهم وإسناد المساس إلى الضراء بعد إسناد الإذاقة إلى ~~ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما في قوله تعالى وإذا مرضت فهو يشفين ~~ونظائره قيل سلط الله تعالى على أهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون ~~ثم رحمهم بالحيا فطفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعادون رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ويكيدونه وذلك قوله تعالى «إذا لهم مكر في آياتنا» أي بالطعن فيها ~~وعدم الاعتداد بها والاحتيال في دفعها وإذا الأولى شرطية والثانية جوابها ~~كأنه قيل فاجؤوا وقع المكر منهم وتنكير مكر للتفخيم وفى متعلقة بالاستقرار ~~الذي يتعلق به اللام «قل الله أسرع مكرا» أي أعجل عقوبة أي عذابه أسرع ~~وصولا إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها ms1458 في ~~مقابلة مكرهم وجودا أو ذكرا «إن رسلنا» الذين يحفظون أعمالكم والإضافة ~~للتشريف «يكتبون ما تمكرون» أي مكركم أو ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام ~~منهم وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه غير خاف على الحفظة فضلا عن العليم ~~الخبير وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي والجملة ~~تعليل من جهته تعالى لأسرعية مكره سبحانه غير داخل في الكلام الملقن كقوله ~~تعالى ولو جئنا بمثله مددا فإن كتابة الرسل لما يمكرون من مبادئ بطلان ~~مكرهم وتخلف أثره عنه بالكلية وفيه من المبالغة ما لا يوصف وتلوين الخطاب ~~بصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم للتشديد في التوبيخ وقرئ على ~~لفظ الغيبة فيكون حينئذ تعليلا لما ذكر أو للأمر PageV04P133 # «هو الذي يسيركم» كلام مستأنف مسوق لبيان جناية أخرى لهم مبنية على ما مر ~~أنفا من اختلاف حالهم حسب اختلاف ما يعتريهم من السراء والضراء أي يمكنكم ~~من السير تمكينا مستمرا عند الملابسة به وقبلها «في البر» مشاة وركبانا ~~وقرئ ينشركم من النشر ومنه قوله عز وجل بشر تنتشرون «والبحر حتى إذا كنتم ~~في الفلك» أي السفن فإنه جمع فلك على زنة أسد جمع أسد لا على وزن قفل وغاية ~~التسيير ليست ابتداء ركوبهم فيها بل مضمون الشرطية بتمامه كما ينبئ عنه ~~إيثار الكون المؤذن بالدوام على الركوب المشعر بالحدوث «وجرين» أي السفن ~~«بهم» بالذين فيها والالتفات إلى الغيبة للإيذان بما لهم من سوء الحال ~~الموجب للإعراض عنهم كأنه يذكر لغيرهم مساوى أحوالهم ليعجبهم منها ويستدعى ~~منه الإنكار والتقبيح وقيل ليس فيه التفات بل معنى قوله تعالى حتى إذا كنتم ~~في الفلك إذا كان بعضكم فيها إذ الخطاب للكل ومنهم المسيرون في البر ~~فالضمير الغائب عائد إلى ذلك المضاف المقدر كما في قوله تعالى أو كظلمات في ~~بحر لجي يغشاه أي أو كذى ظلمات يغشاه موج «بريح طيبة» لينة الهبوب موافقة ~~لمقصدهم «وفرحوا بها» بتلك الريح لطيبها وموافقتها «جاءتها» جواب إذا ~~والضمير المنصوب للريح الطيبة أي تلقتها واستولت عليها ms1459 من طرف مخالف لها ~~فإن الهبوب على وفقها لا يسمى مجيئا لريح أخرى عادة بل هو اشتداد للريح ~~الأولى وقيل للفلك والأول أظهر لاستلزامه للثاني من غير عكس لأن الهبوب على ~~طريقة الريح اللينة يعد مجيئا بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة مع أنه ~~لا يستتبع تلاطم الأمواج الموجب لمجيئها من كل مكان ولأن التهويل في بيان ~~استيلائها على ما فرحوا به وعلقوا به حبال رجائهم أكثر «ريح عاصف» أي ذات ~~عصف وقيل العصوف مختص بالريح فلا حاجة إلى الفارق وقيل الريح قد يذكر ~~«وجاءهم الموج» في الفلك «من كل مكان» أي من أمكنة مجىء الموج عادة ولا بعد ~~في مجيئه من جميع الجوانب أيضا إذ لا يجب أن يكون مجيئه من جهة هبوب الريح ~~فقط بل قد يكون من غيرها بحسب أسباب تتفق له «وظنوا أنهم أحيط بهم» أي ~~هلكوا فإن ذلك مثل في الهلاك أصله إحاطة العدو بالحي أو سدت عليهم مسالك ~~الخلاص «دعوا الله» بدل من ظنوا بدل اشتمال لما بينهما من الملابسة ~~والتلازم أو استئناف مبنى على سؤال ينساق إليه الأذهان كأنه قيل فماذا ~~صنعوا فقيل دعوا الله «مخلصين له الدين» من غير أن يشركوا به شيئا من ~~آلهتهم لا مخصصين للدعاء به تعالى فقط بل للعبادة أيضا فإنهم بمجرد تخصيص ~~الدعاء به تعالى لا يكونون مخلصين له الدين «لئن أنجيتنا» اللام موطئة ~~للقسم على إرادة القول أي قائلين والله لئن أنجيتنا «من هذه» الورطة ~~«لنكونن» البتة بعد ذلك أبدا «من الشاكرين» لنعمك التي من جملتها هذه ~~النعمة المسئولة وقيل الجملة مفعول دعوا لأن الدعاء من قبيل القول والأول ~~هو PageV04P134 # الأولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائهم على ذلك فقط وفى قوله لنكونن من ~~الشاكرين من المبالغة في الدلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه ~~منتظمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن ~~«فلما أنجاهم» مما غشيهم من الكربة والفاء للدلالة على سرعة الإجابة «إذا ~~هم يبغون في الأرض» أي فاجئوا الفساد ms1460 فيها وسارعوا إليه متراقين في ذلك ~~متجاوزين عما كانوا عليه من حدود العيث من قولهم بغى الجرح إذا ترامى في ~~الفساد وزيادة في الأرض للدلالة على شمول بغيهم لأقطارها وصيغة المضارع ~~للدلالة على التجدد والاستمرار وقوله تعالى «بغير الحق» تأكيد لما يفيده ~~البغى أو معناه أنه بغير الحق عندهم أيضا بأن يكون ذلك ظلما ظاهرا لا يخفى ~~قبحه على أحد كما في قوله تعالى ويقتلون النبيين بغير الحق وأما ما قيل من ~~أنه للاحتراز عن البغى بحق كتخريب الغزاة ديار الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق ~~زرعهم فلا يساعده النظم الكريم لابتنائه على كون البغى بمعنى إفساد صورة ~~الشيء وإبطال منفعته دون ما ذكر من المعنى اللائق بحال المفسدين «يا أيها ~~الناس» توجيه للخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في التهديد والمبالغة في ~~الوعيد «إنما بغيكم» الذي تتعاطونه وهو مبتدأ وقوله تعالى «على أنفسكم» ~~خبره أي عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظن كذلك وقوله ~~تعالى «متاع الحياة الدنيا» بيان لكون ما فيه من المنفعة العاجلة شيئا غير ~~معتد به سريع الزوال دائم الوبال وهو نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر ~~بطريق الاستئناف أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا وقيل على أنه مصدر وقع موقع ~~الحال أي متمتعين بالحياة الدنيا والعامل هو الاستقرار الذي في الخبر لا ~~نفس البغى لأنه يؤدى إلى الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر ولا يخبر عن ~~الموصول إلا بعد تمام صلته وأنت خبير بأنه ليس في تقييد كون بغيهم على ~~أنفسهم بحال تمتعهم بالحياة الدنيا معنى يعتد به وقيل على أنه ظرف زمان نحو ~~مقدم الحاج أي زمن متاع الحياة الدنيا وفيه ما مر بعينه وقيل على أنه مفعول ~~لفعل دل عليه المصدر أي تبغون متاع الحياة الدنيا ولا يخفى أنه لا يدل على ~~البغى بمعنى الطلب وجعل المصدر أيضا بمعناه مما يخل بجزالة النظم الكريم ~~لأن الاستئناف لبيان سوء عاقبة ما حكى عنهم من البغى المفسر بالإفساد ~~المفرط اللائق بحالهم فأي مناسبة بينه وبين البغى ms1461 بمعنى الطلب وجعل الأول ~~أيضا بمعناه مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه وقيل على أنه مفعول له أي لأجل ~~متاع الحياة الدنيا والعامل ما ذكر من الاستقرار وفيه أن المعلل بما ذكر ~~نفس البغى لا كونه على أنفسهم وقيل أنفسهم وقيل العامل فيه فعل مدلول عليه ~~بالمصدر أي تبغون لأجل متاع الحياة الدنيا على أن الجملة مستأنفة وقيل على ~~أنه مفعول صريح للمصدر وعلى أنفسكم ظرف لغو متعلق به والمراد بالأنفس الجنس ~~والخبر محذوف لطول الكلام والتقدير إنما بغيكم على أبناء جنسكم متاع الحياة ~~الدنيا محذورا أو ظاهر الفساد أو نحو ذلك وفيه ما مر من ابتنائه على ما لا ~~يليق بالمقام PageV04P135 # من كون البغى بمعنى الطلب نعم لو جعل نصبه على العلة أي إنما بغيكم على ~~أبناء جنسكم لأجل متاع الحياة الدنيا محذور كما اختاره بعضهم لكان له وجه ~~في الجملة لكن الحق الذي تقتضيه جزالة التنزيل إنما هو الأول وقرئ متاع ~~بالرفع على أنه الخبر والظرف صلة للمصدر أو خبر ثان أو خبر لمبتدأ محذوف أي ~~هو متاع الخ كما في قوله تعالى إلا ساعة من نهار بلاغ أي هذا بلاغ فالمراد ~~بأنفسهم على الوجه الأول أبناء جنسهم وإنما عبر عنهم بذلك هزا لشفقتهم ~~عليهم وحثا لهم على ترك إيثار التمتع المذكور على حقوقهم ولا مجال للحمل ~~على الحقيقة لأن كون بغيهم وبالا عليهم ليس بثابت عندهم حسبما يقتضيه ما ~~حكى عنهم ولم يخبر به بعد حتى يجعل من تتمة الكلام ويجعل كونه متاعا مقصود ~~الإفادة على أن عنوان كونه وبالا عليهم قادح في كونه متاعا فضلا عن كونه من ~~مبادئ ثبوته للمبتدأ كما هو المتبادر من السوق وأما كون البغى على أبناء ~~الجنس فمعلوم الثبوت عندهم ومتضمن لمبادى التمتع من أخذ المال والاستيلاء ~~على الناس وغير ذلك وأما على الوجهين الأخيرين فلا موجب للعدول عن الحقيقة ~~فإن المبتدأ إما نفس البغى أو الضمير العائد إليه من حيث هو هو لا من حيث ~~كونه وبالا عليهم كما في ms1462 صورة كون الظرف صلة للمصدر فتدبر وقرئ متاعا ~~الحياة الدنيا أما نصب متاعا فعلى ما مر وأما نصب الحياة فعلى أنه بدل من ~~متاعا بدل اشتمال وقيل على أنه مفعول به لمتاعا إذا لم يكن انتصابه على ~~المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لا تمكر ولا تعن ماكرا ولا تبغ ولا تعن باغيا ولا تنكث ولا تعن ناكثا وكان ~~يتلوها وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه كن عليه البغى والنكث والمكر قال ~~تعالى إنما بغيكم على أنفسكم وما يمكرون إلا بأنفسهم فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه وعنه صلى الله عليه وسلم أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشر ~~عقابا البغى واليمين الفاجرة وروى ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا ~~البغى وعقوق الوالدين وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما لو بغى جبل على ~~جبل لدك الباغي «ثم إلينا مرجعكم» عطف على ما مر من الجملة المستأنفة ~~المقدرة كأنه قيل تتمتعون متاع الحياة الدنيا ثم ترجعون إلينا وإنما غير ~~السبك إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجار والمجرور للدلالة على الثبات ~~والقصر «فننبئكم بما كنتم تعملون» في الدنيا على الاستمرار من البغى وهو ~~وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتة ~~خفية مبنية على حكمة أبية وهى أن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان ~~والأعراض فإنما يظهر بصورة مغايرة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة ~~الآخرة فإن المعاصي مثلا سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس ~~العصاة وكذا الطاعات مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهة ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حفت الجبة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ~~فالبغى في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاة وتستحسنها الغواة ~~لتمتعهم به من حيث أخذ المال والتشفى من الأعداء ونحو ذلك لكن ذلك ليس ~~بتمتع في الحقيقة بل هو تضرر من حيث لا يحتسبون وإنما يظهر لهم ذلك عند ~~إبراز ما ms1463 كانوا يعملونه من البغى بصورة الحقيقة المضادة لما كانوا يشاهدونه ~~على ذلك من الصورة وهو المراد بالتنبئة المذكورة والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV04P136 # «إنما مثل الحياة الدنيا» كلام مستأنف مسوق لبيان شأن الحياة الدنيا وقصر ~~مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود وقد شبه حالها العجيبة الشأن ~~البديعة المثال المنتظمة لغرابتها في سلك الأمثال في سرعة تقضيها وانصرام ~~نعيمها غب إقبالها واغترار الناس بها بحال ما على الأرض من أنواع النبات في ~~زوال رونقها ونضارتها فجأة وذهابها حطاما لم يبق لها أثر أصلا بعد ما كانت ~~غضة طرية قد التف بعضها ببعض وزينت الأرض بألوانها وتقوت بعد ضعفها بحيث ~~طمع الناس وظنوا أنها سلمت من الجوائح وليس المشبه به ما دخله الكاف في ~~قوله عز وجل «كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض» بل ما يفهم من ~~الكلام فإنه من التشبيه المركب «مما يأكل الناس والأنعام» من البقول ~~والزروع والحشيش «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها» جعلت الأرض في تزينها بما ~~عليها من أصناف النباتات وأشكالها وألوانها المختلفة المونقة آخذة زخرفها ~~على طريقة التمثيل بالعروس التي قد أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها ~~وازينت أصله تزينت فأدغم وقرئ على الأصل وقرئ وأزينت كأغيلت من غير إعلال ~~والمعنى صارت ذات زينة وازيانت كابياضت «وظن أهلها أنهم قادرون عليها» ~~متمكنون من حصدها ورفع غلتها «أتاها أمرنا» جواب إذا أي ضرب زرعها ما ~~يجتاحه من الآفات والعاهات «ليلا أو نهارا فجعلناها» أي زرعها وساء ما ~~عليها «حصيدا» أي شبيها بما حصد من أصله «كأن لم تغن» كأن لم يغن زرعها ~~والمضاف محذوف للمبالغة وقرئ بتذكير الفعل «بالأمس» أي فيما قبل بزمان قريب ~~فإن الأمس مثل في ذلك كأنه قيل لم تغن آنفا «كذلك» أي مثل ذلك التفصيل ~~البديع «نفصل الآيات» أي الآيات القرآنية التي من جملتها هذه الآيات ~~المنبهة على أحوال الحياة الدنيا أي نوضحها ونبينها «لقوم يتفكرون» في ~~تضاعيفها ويقفون على معانيها وتخصيص تفصيلها بهم لأنهم المنتفعون بها ويجوز ~~أن يراد بالآيات ms1464 ما ذكر في أثناء التمثيل من الكائنات والفاسدات وبتفصيلها ~~تصريفها على الترتيب المحكى إيجادا وإعداما فإنها آيات وعلامات يستدل بها ~~من يتفكر فيها على أحوال الحياة الدنيا حالا ومآلا «والله يدعو إلى دار ~~السلام» ترغيب للناس في الحياة الأخروية الباقية إثر ترغيبهم عن الحياة ~~الدنيا الفانية أي يدعو الناس جميعا إلى دار السلامة عن كل مكروه وآفة وهى ~~الجنة وإنما ذكرت PageV04P137 # بهذا الاسم لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معرضا للآفات أو إلى دار ~~الله تعالى وتخصيص الإضافة التشريفية بهذا الاسم الكريم للتنبيه على ذلك أو ~~إلى دار يسلم الله أو الملائكة فيها على من يدخلها أو يسلم بعضهم على بعض ~~«ويهدي من يشاء» هدايته منهم «إلى صراط مستقيم» موصل إليها وهو الإسلام ~~والتزود بالتقوى وفى تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن ~~الأمر غير الإرادة وأن من أصر على الضلالة لم يرد الله رشده «للذين أحسنوا» ~~أي أعمالهم أي عملوها على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها ~~الذاتي وقد فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك «الحسنى» أي المثوبة الحسنى «وزيادة» أي ~~وما يزيد على تلك المثوبة تفضلا لقوله عز اسمه ويزيدهم من فضله وقيل الحسنى ~~مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر وقيل الزيادة ~~مغفرة من الله ورضوان وقيل الحسنى الجنة والزيادة اللقاء «ولا يرهق وجوههم» ~~أي لا يغشاها «قتر» غبرة فيها سواد «ولا ذلة» أي أثر هوان وكسوف بال ~~والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من الحزن ~~وسوء الحال والتنكير للتحقير أي شئ منهما والجملة مستأنفة لبيان أمنهم من ~~المكاره إثر بيان فوزهم بالمطالب والثاني وإن اقتضى الأول إلا أنه ذكر ~~إذكارا بما ينقذهم الله تعالى منه برحمته وتقديم المفعول على الفاعل ~~للاهتمام ببيان أن المصون من الرهق أشرف أعضائهم وللتشويق إلى المؤخر فإن ~~ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة لوروده فعند ms1465 وروده عليها يتمكن ~~عندها فضل تمكن ولأن في الفاعل ضرب تفصيل كما في قوله تعالى يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان وقوله عز وجل وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ~~«أولئك» إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بالصفات المذكورة وما في اسم ~~الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وسمو طبقتهم أي أولئك الموصوفون ~~بما ذكر من النعوت الجميلة الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره «أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون» بلا زوال دائمون بلا انتقال «والذين كسبوا السيئات» ~~أي الشرك والمعاصي وهو مبتدأ بتقدير المضاف خبره قوله تعالى «جزاء سيئة ~~بمثلها» أي جزاء الذين كسبوا السيئات أن يجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا ~~يزاد عليها كما يزاد في الحسنة وتغيير السبك حيث لم يقل وللذين كسبوا ~~السيئات السوأى لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائى والتباين وإيراد ~~الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعهم وبسبب جنايتهم على أنفسهم أو ~~الموصول معطوف على الموصول الأول كأنه PageV04P138 # قيل وللذين كسبوا السيئات جزاء بسيئة مثلها كقولك في الدار زيد والحجرة ~~عمرو وفيه دلالة على أن المراد بالزيادة الفضل «وترهقهم ذلة» وأي ذلة كما ~~ينبئ عنه التنوين التفخيمى وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم إيذان ~~بأنها محيطة بهم غاشية لهم جميعا وقرئ يرهقهم بالياء التحتانية «ما لهم من ~~الله من عاصم» أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعذابه تعالى أو ما لهم من عنده ~~تعالى من يعصمهم كما يكون للمؤمنين وفى نفى العاصم من المبالغة في نفى ~~العصمة ما لا يخفى والجملة مستأنفة أو حال من ضمير ترهقهم «كأنما أغشيت ~~وجوههم قطعا من الليل» لفرط سوادها وظلمتها «مظلما» حال من الليل والعامل ~~فيه أغشيت لأنه العامل في قطعا وهو موصوف بالجار والمجرور والعامل في ~~الموصوف عامل في الصفة أو معنى الفعل في من الليل وقرئ قطعا بسكون الطاء ~~وهو طائفة من الليل قال [افتحي الباب وانظرى في النجوم * كم علينا من قطع ~~ليل بهيم] * فيجوز كون مظلما صفة له أو حالا منه وقرئ كأنما يغشى ms1466 وجوههم ~~قطع من الليل مظلم والجملة كما قبلها مستأنفة أو حال من ضمير ترهقهم ~~«أولئك» أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة «أصحاب النار هم فيها ~~خالدون» وحيث كانت الآية الكريمة في حق الكفار بشهادة السياق والسباق لم ~~يكن فيها تمسك للوعيدية «ويوم نحشرهم» كلام مستأنف مسوق لبيان بعض أخر من ~~أحوالهم الفظيعة وتأخيره في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالهم ~~المحكية سابقا للإيذان باستقلال كل من السابق واللاحق بالاعتبار ولو روعى ~~الترتيب الخارجي لعد الكل شيئا واحدا كما مر في قصة البقرة ولذلك فصل عما ~~قبله ويوم منصوب على المفعولية بمضمر أي أنذرهم أو ذكرهم وضمير نحشرهم لكلا ~~الفريقين الذي أحسنوا والذين كسبوا السيئات لأنه المتبادر من قوله تعالى ~~«جميعا» ومن إفراد الفريق الثاني بالذكر في قوله تعالى «ثم نقول للذين ~~أشركوا» أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخهم وتهديدهم على رؤوس الأشهاد ~~أفظع والإخبار بحشر الكل في تهويل اليوم أدخل وتخصيص وصف إشراكهم بالذكر في ~~حيز الصلة من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبيخ والتقريع ~~عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظم جناياتهم وعمدة سيئاتهم وقيل للفريق ~~الثاني خاصة فيكون وضع الموصول موضع الضمير لما ذكر آنفا «مكانكم» نصب على ~~أنه في الأصل ظرف لفعل أقيم مقامه لا على أنه اسم فعل وحركته حركة بناء كما ~~هو رأى الفارسي أي ألزموه حتى تنظروا ما يفعل بكم «أنتم» تأكيد للضمير ~~المنتقل إليه من عامله لسده مسده «وشركاؤكم» عطف عليه وقرئ بالنصب على أن ~~الواو بمعنى مع «فزيلنا» من زلت الشئ عن مكانه أزيله أي أزلته والتضعيف ~~للتكثير لا للتعدية وقرئ فزايلنا بمعناه نحو كلمته وكالمته وهو معطوف على ~~نقول وإيثار صيغة الماضي للدلالة على التحقق الموروث لزيادة التوبيخ ~~والتحسير والفاء للدلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيب الخطاب من غير مهلة ~~إيذانا PageV04P139 # بكمال رخاوة ما بين الفريقين من العلاقة والوصلة أي ففرقنا بينهم وقطعنا ~~أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا لكن لا من الجانبين ms1467 بل من جانب ~~العبدة فقط لعدم احتمال شمول الشركاء للشياطين كما سيجئ فخابت آمالهم ~~وانصرمت عرى أطماعهم وحصل لهم اليأس الكلى من حصول ما كانوا يرجونه من ~~جهتهم والحال وإن كانت معلومة لهم من حين الموت والابتلاء بالعذاب لكن هذه ~~المرتبة من اليقين إنما حصلت عند المشاهدة والمشافهة وقيل المراد بالتزييل ~~التفريق الحسى أي فباعدنا بينهم بعد الجمع في الموقف وتبرؤ شركائهم منهم ~~ومن عبادتهم كما في قوله أينما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا ~~فالواو حينئذ في قوله تعالى «وقال شركاؤهم» حالية بتقدير كلمة قد عند من ~~يشترطها وبدونه عند غيره لا عاطفة كما في التفسير الأول لاستدعاء المحاورة ~~المحاضرة الفائتة بالمباعدة وليس في ترتيب التزييل بهذا المعنى على الأمر ~~بلزوم المكان ما في ترتيبه عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورة ليصار ~~لأجل رعايتها إلى تغيير الترتيب الخارجي فإن المباعدة بعد المحاورة حتما ~~وأما قطع الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤه حاصل من حين الحشر بل بعض ~~مراتبه حاصل قبله أيضا وإنما الحاصل عند المحاورة أقصاها كما أشير إليه فلا ~~اعتداد بما في تقديمه من التغيير لا سيما مع رعاية ما ذكر من النكتة ولو ~~سلم تأخر جميع مراتبه عن المحاورة فمراعاة تلك النكتة كافية في استدعاء ~~تقديمه عليها ويجوز أن تكون حالية على هذا التقدير أيضا والمراد بالشركاء ~~قيل الملائكة وعزيز والمسيح وغيرهم ممن عبدوه من أولى العلم ففيه تأييد ~~لرجوع الضمير إلى الكل وقولهم «ما كنتم إيانا تعبدون» عبارة عن تبرئهم من ~~عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم وشياطينهم الذين أغووهم لأنها ~~الآمرة لهم بالإشراك دونهم كقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم الآية وقيل ~~الأصنام ينطقها الله الذي أنطق كل شئ فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي ~~كانوا يتوقعونها «فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم» فإنه العليم الخبير «إن ~~كنا عن عبادتكم لغافلين» أي عن عبادتكم لنا وتركه للظهور وللإيذان بكمال ~~الغفلة عنها والغفلة عبارة عن عدم الارتضاء وإلا فعدم شعور الملائكة ~~بعبادتهم لهم غير ظاهر ms1468 وهذا يقطع احتمال كون المراد بالشركاء الشياطين كما ~~قيل فإن ارتضاءهم بإشراكهم مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مجبرين لهم على ~~ذلك وإن مخففة من إن واللام فارقة هنالك أي في ذلك المقام الدهش أو في ذلك ~~الوقت على استعارة ظرف المكان للزمان تبلو أي تختبر وتذوق «كل نفس» مؤمنة ~~كانت أو كافرة سعيدة أو شقية «ما أسلفت» من العمل وتعاينه بكنهه مستتبعا ~~لآثاره من نفع أو ضر وخير أو شر وأما ما علمت من حالها من حين الموت ~~والابتلاء بالعذاب في البرزخ فأمر مجمل وقرئ نبلو بنون العظمة ونصب كل ~~وإبدال ما منه أي نعاملها معاملة من يبلوها ويتعرف أحوالها من السعادة ~~والشقاوة باختبار ما أسلفت من العمل ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء أي العذاب ~~PageV04P140 # عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبة بنزع الخافض وقرئ تتلو أي ~~تتبع لأن عملها هو الذي يهديها إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار أو تقرأ ~~في صحيفة أعمالها ما قدمت من خير أو شر «وردوا» الضمير للذين أشركوا على ~~أنه معطوف على زيلنا وما عطف عليه قوله عز وجل «هنالك تبلو» الخ اعتراض في ~~أثناء الحكاية مقرر لمضمونها «إلى الله» أي إلى جزائه وعقابه «مولاهم» ربهم ~~«الحق» أي المتحقق الصادق ربوبيته لا ما اتخذوه ربا باطلا وقرئ الحق بالنصب ~~على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد لله أهل الحمد أو على المصدر المؤكد ~~«وضل عنهم» وضاع أي ظهر ضياعه وضلاله لا أنه كان قبل ذلك غير ضال أو ضل في ~~اعتقادهم أيضا «ما كانوا يفترون» من أن آلهتهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون ~~أنها آلهة هذا وجعل الضمير في ردوا للنفوس المدلول عليها بكل نفس على أنه ~~معطوف على تبلو وأن العدول إلى الماضي للدلالة على التحقق والتقرر وأن ~~إيثار صيغة الجمع للإيذان بأن ردهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماع لا ~~يلائمه التعرض لوصف الحقية في قوله تعالى مولاهم الحق فإنه للتعريض ~~بالمردودين حسبما أشير إليه ولئن ms1469 اكتفى فيه بالتعريض ببعضهم أو حمل الحق ~~على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله عز وجل وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~مما لا مجال فيه للتدارك قطعا فإن ما فيه من الضمائر الثلاثة للمشركين ~~فيلزم التفكيك حتما وتخصيص كل نفس بالنفوس المشركة مع عموم البلوى للكل ~~يأباه مقام تهويل المقام والله تعالى أعلم «قل» أي لأولئك المشركين الذين ~~حكيت أحوالهم وبين ما يؤدى إليه أعمالهم احتجاجا على حقية التوحيد وبطلان ~~ما هم عليه من الإشراك «من يرزقكم من السماء والأرض» أي منهما جميعا فإن ~~الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو من كل واحدة منهما توسعة عليكم ~~وقيل من لبيان كلمة من على حذف المضاف أي من أهل السماء والأرض «أم من يملك ~~السمع والأبصار» أم منقطعة وما فيها من كلمة بل للإضراب عن الاستفهام الأول ~~لكن لا على طريقة الإبطال بل على وجه الانتقال وصرف الكلام عنه إلى استفهام ~~آخر تنبيها على كفايته فيما هو المقصود أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على ~~هذه الفطرة العجيبة أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من ~~أدنى شيء يصيبهما «ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي» أي ومن ~~يحيى ويميت أو ومن ينشئ الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان «ومن يدبر ~~الأمر» أي ومن يلي تدبير أمر العالم جميعا وهو تعميم بعد تخصيص بعض ما ~~اندرج تحته من الأمور الظاهرة بالذكر «فسيقولون» بلا تلعثم ولا تأخير ~~«الله» إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه والخبر محذوف أي الله يفعل ما ذكر ~~من الأفاعيل لا غيره فقل عند ذلك تبكيتا لهم أفلا تتقون الهمزة لإنكار عدم ~~الاتقاء بمعنى إنكار الواقع كما في أتضرب أباك لا بمعنى إنكار الوقوع كما ~~في أأضرب أبى والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي أتعلمون ~~ذلك فلا تقون PageV04P141 # أنفسكم عذابه الذي ذكر لكم بما تتعاطونه من إشراككم به ما لا يشاركه في ~~شئ مما ذكر من خواص الإلهية «فذلكم» فذلكة لما تقدم أي ms1470 ذلكم الذي اعترفتم ~~باتصافه بالنعوت المذكورة وهو مبتدأ وقوله تعالى «الله» خبره وقوله تعالى ~~«ربكم» أي مالككم ومتولي أموركم على الإطلاق بدل منه أو بيان له وقوله ~~تعالى الحق صفة له أي ربكم الثابت ربوبيته والمتحقق ألوهيته تحققا لا ريب ~~فيه فماذا يجوز أن يكون الكل اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم ~~الإشارة وأن يكون ذا موصولا بمعنى الذي أي ما الذي «بعد الحق» أي غيره ~~بطريق الاستعارة وإظهار الحق إما لأن المراد به غير الأول وإما لزيادة ~~التقرير ومراعاة كمال المقابلة بينه وبين الضلال والاستفهام إنكاري بمعنى ~~إنكار الوقوع ونفيه أي ليس غير الحق «إلا الضلال» الذي لا يختاره أحد فحيث ~~ثبت أن عبادة من هو منعوت بما ذكر من النعوت الجميلة حق ظهر أن ما عداها من ~~عبادة الأصنام ضلال محض إذ لا واسطة بينهما وإنما سميت ضلالا مع كونها من ~~أعمال الجوارح باعتبار ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد والرأي هذا على ~~تقدير كون الحق عبارة عن التوحيد وأما علي تقدير كونه عبارة عن الأول ~~فالمراد بالضلال هو الأصنام لا عبادتها والمعنى فماذا بعد الرب الحق الثابت ~~ربوبيته إلا الضلال أي الباطل الضائع المضمحل وإنما سمى بالمصدر مبالغة ~~كأنه نفس الضلال والضياع وهذا أنسب بقوله تعالى وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~على التفسير الثاني «فأنى تصرفون» استفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع ~~واستبعاده والتعجيب منه وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار إلى نفس ~~الفعل لأن كل موجود لا بد من أن يكون وجوده على حال من الأحوال قطعا فإذا ~~انتفى جميع أحوال وجوده فقد انتفى وجوده علي الطريق البرهاني كما مر مرارا ~~والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله أي كيف تصرفون من الحق الذي لا محيد عنه ~~وهو التوحيد إلى الضلال عن السبيل المستبين وهو الإشراك وعبادة الأصنام أو ~~من عبادة ربكم الحق الثابت ربوبيته إلى عبادة الباطل الذي سمعتم ضلاله ~~وضياعه في الآخرة وفى إيثار صيغة المبنى للمفعول إيذان بأن الانصراف من ms1471 ~~الحق إلى الضلال مما لا يصدر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعه بالقسر ~~من جهة صارف خارجي «كذلك» أي كما حقت الربوبية لله تعالى أو كما أنه ليس ~~بعد الحق إلا الضلال أو أنهم مصروفون عن الحق «حقت كلمة ربك» وحكمه وقضاؤه ~~على الذين فسقوا أي تمردوا في الكفر وخرجوا من أقصى حدوده «أنهم لا يؤمنون» ~~بدل الكلمة من أو تعليل لحقيتها والمراد بها العدة بالعذاب «قل PageV04P142 # هل من شركائكم» احتجاج آخر على حقية التوحيد وبطلان الإشراك بإظهار كون ~~شركائهم بمعزل من استحقاق الإلهية ببيان اختصاص خواصها من بدء الخلق ~~وإعادته به سبحانه وتعالى وإنما لم يعطف على ما قبله إيذانا باستقلاله في ~~إثبات المطلوب والسؤال للتبكيت والإلزام وقد جعلت عليه الإعادة وتحققها ~~لوضوح مكانها وسنوح برهانها بمنزلة بدء الخلق فنظمت في سلكه حيث قيل «من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده» إيذانا بتلازمهما وجودا وعلما يستلزم الاعتراف بها ~~وإن صدهم عن ذلك ما بهم من المكابرة والعناد ثم أمر صلى الله عليه وسلم بأن ~~يبين لهم من يفعل ذلك فقيل له «قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده» أي هو يفعلهما ~~لا غير كائنا ما كان لا بأن ينوب صلى الله عليه وسلم عنهم في ذلك كما قيل ~~لأن القول المأمور به غير ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزما له إذ ~~ليس المسؤول عنه من يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله تعالى قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله حتى يكون القول المأمور به عين الجواب الذي أريد ~~منهم ويكون صلى الله عليه وسلم نائبا عنهم في ذلك بل إنما هو وجود من يفعل ~~البدء والإعادة من شركائهم فالجواب المطلوب منهم لا لا غير نعم أمر صلى ~~الله عليه وسلم بأن يضمنه مقالته إيذانا بتعينه وتحققه وإشعارا بأنهم لا ~~يجترئون على التصريح به مخافة التبكيت وإلقام الحجر لا مكابرة ولجاجا فتدبر ~~وإعادة الجملة في الجواب بتمامها غير محذوفة الخبر كما في الجواب السابق ~~لمزيد التأكيد والتحقيق «فأنى تؤفكون» ms1472 الإفك الصرف والقلب عن الشئ وقد يخص ~~بالقلب عن الرأي وهو الأنسب بالمقام أي كيف تقلبون من الحق إلي الباطل ~~والكلام فيه كما ذكر في تصرفون «قل هل من شركائكم» احتجاج آخر على ما ذكر ~~جيء به إلزاما لهم غب إلزام وإفحاما إثر إفحام وفصله عما قبله لما ذكر من ~~الدلالة على استقلاله «من يهدي إلى الحق» أي بوجه من الوجوه فإن أدنى مراتب ~~المعبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه صلاح أمرهم وأما تعيين طريق ~~الهداية وتخصيصه بنصب الحجج وإرسال الرسل والتوفيق للنظر والتدبر كما قيل ~~فمخل بما يقتضيه المقام من كمال التبكيت والإلزام فإن العجز عن الهداية على ~~وجه خاص لا يستلزم العجز عن مطلق الهداية وهدى كما يستعمل بكلمة إلى لتضمنه ~~معنى الانتهاء يستعمل باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية وأنها لم ~~تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك استعمل بها ما أسند إلى الله تعالى حيث ~~قيل «قل الله يهدي للحق» أي هو يهدى له دون غيره وذلك بما ذكر من نصب ~~الأدلة والحجج وإرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق للنظر والتدبر وغير ذلك ~~من فنون الهدايات والكلام في الأمر بالسؤال والجواب كما مر فيما مر «أفمن ~~يهدي إلى الحق» وهو الله عز وجل «أحق أن يتبع أم من لا يهدي» بكسر الهاء ~~أصله يهتدى فأدغم وكسرت الهاء لالقتاء الساكنين وقرئ بكسر الياء اتباعا لها ~~لحركة الهاء وقرئ بفتح الهاء نقلا لحركة التاء إليها أي لا يهتدى بنفسه ~~فضلا عن هداية غيره وفيه من المبالغة ما لا يخفي وإنما نفى عنه الاهتداء مع ~~أن المفهوم مما سبق نفى الهداية لما أن نفيها مستتبع لنفيه غالبا فإن من ~~اهتدى إلى الحق PageV04P143 # لا يخلو عن هداية غيره في الجملة وأدناها كونه قدوة له بأن يراه فيسلك ~~مسلكه من حيث لا يدرى والفاء لترتيب الاستفهام على ما سبق من تحقق هدايته ~~تعالى صريحا وعدم هداية شركائهم المفهوم من القصر ومن عدم الجواب المنبىء ~~عن الجواب بالعدم فإن ذلك مما يضطرهم ms1473 إلى الجواب الحق لا لتوجيه الاستفهام ~~إلى الترتيب كما يقع في بعض المواقع فإن ذلك مختص بالإنكارى كما في قوله ~~تعالى أفمن أتبع رضوان الله الخ ونحوه والهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما ~~تقديمها في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء الصدارة كما هو رأى الجمهور حتى ~~لو كان السؤال بكلمة أي لأخرت حتما ألا يرى إلى قوله تعالى فأي الفريقين ~~أحق بالأمن إثر تقدير ما يلجىء المشركين إلى الجواب من حالهم وحال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقرئ لا يهدى بمعنى لا يهتدى لمجيئه لازما أو لا ~~يهدي غيره وصيغة التفضيل إما على حقيقتها والمفضل عليه محذوف كما اختاره ~~مكي والتقدير أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدى أم من لا يهدى ~~أحق الخ وإما بمعني حقيق كما اختاره أبو حيان وأيا ما كان فالاستفهام ~~للإلزام وأن يتبع في حيز النصب أو الجر بعد حذف الجار علي الخلاف المعروف ~~أي بأن يتبع «إلا أن يهدى» استثناء مفرغ من أعمى الأحوال أي لا يهتدى أولا ~~يهدى غيره في حال من الأحوال إلا حال هدايته تعالى له إلي الاهتداء أو إلى ~~هداية الغير وهذا حال إشراف شركائهم من الملائكة والمسيح وعزيز عليهم ~~السلام وقيل المعنى أم من لا يهتدى من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ~~ينتقل إليه أو إلا أن ينقله الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا ~~فيهديه وقرئ إلا أن يهدى من التفعيل للمبالغة «فما لكم» أي أي شيء لكم في ~~اتخاذكم هؤلاء شركاء لله سبحانه وتعالى والاستفهام للإنكار التوبيخي وفيه ~~تعجيب من حالهم وقوله تعالى «كيف تحكمون» أي بما يقضى صريح العقل ببطلانه ~~إنكار لحكمهم الباطل وتعجب منه وتشنيع لهم بذلك والفاء لترتيب كلا ~~الإنكارين على ما ظهر من وجوب اتباع الهادي إلى الحق إن قلت التبكيت ~~بالاستفهام السابق إنما يظهر في حق من يعكس جوابه الصحيح فيحكم بأحقية من ~~لا يهدى بالاتباع دون من يهدى وهم ليسوا حاكمين بأحقية شركائهم لذلك ms1474 دون ~~الله سبحانه وتعالى بل باستحقاقهما جميعا مع رجحان جانبه تعالى حيث يقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قلت حكمهم باستحقاقه تعالى للاتباع بطريق الاشتراك ~~حكم منهم بعدم استحقاقه تعالى لذلك بطريق الاستقلال فصاروا حاكمين باستحقاق ~~شركائهم له دون الله تعالى من حيث لا يحتسبون «وما يتبع أكثرهم» كلام مبتدأ ~~غير داخل في حيز الأمر مسوق من قبله تعالى لبيان عدم فهمهم لمضمون ما ~~أفحمهم وألقمهم الحجر من البرهان النير الموجب لاتباع الهادي إلى الحق ~~الناعي عليهم بطلان حكمهم وعدم تأثرهم من ذلك لعدم اهتدائهم إلى طريق العلم ~~أصلا أن ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحاوراتهم إلا ظنا واهيا من غير ~~التفات إلى فرد من أفراد العلم فضلا عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة ~~الهادية إلى الحق المبنية على المقدمات اليقينية الحقة فيفهموا مضمونها ~~ويقفوا على صحتها وبطلان ما يخالفها من أحكامهم الباطلة فيحصل التبكيت ~~والإلزام فالمراد بالاتباع مطلق الاعتقاد الشامل لما يقارن القبول ~~والانقياد وما لا PageV04P144 # يقارنه وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكون لهم في أثنائه اتباع لفرد من ~~أفراد العلم والتفات إليه ووجه تخصيص هذا الاتباع بأكثرهم الإشعار بأن ~~بعضهم قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيد وبطلان الشرك لكن لا ~~يقبلونه مكابرة وعنادا فيحصل بالنسبة إليهم التأثر من البرهان المزبور وإن ~~لم يظهروه وكونهم أشد كفرا وأكثر من الفريق الأول لا يقدح فيما يفهم من ~~فحوى الكلام عرفا من كون أولئك أسوأ حالا من غيرهم إذ المعتبر سوء الحال من ~~حيث الفهم والإدراك لا من حيث الكفر والعذاب أو ما يتبع أكثرهم مدة عمرهم ~~إلا ظنا ولا يتركونه أبدا فإن حرف النفي الداخل على المضارع يفيد استمرار ~~النفي بحسب المقام فالمراد بالاتباع حينئذ هو الإذعان والانقياد والقصر ~~باعتبار الزمان ووجه تخصيص هذا الاتباع بأكثرهم مع مشاركة المعاندين لهم في ~~ذلك التلويح بما سيكون من بعضهم من اتباع الحق والتوبة كما سيأتي هذا وقد ~~قيل المعنى وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا غير مستند ms1475 إلى ~~برهان عندهم وقيل وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام أنها آلهة إلا ظنا ~~والمراد بالأكثر الجميع فتأمل وقيل الضمير في أكثرهم للناس فلا حاجة إلى ~~التكليف «إن الظن لا يغني من الحق» من العلم اليقيني والاعتقاد الصحيح ~~المطابق للواقع «شيئا» من الإغناء ويجوز أن يكون مفعولا به ومن الحق حالا ~~منه والجملة استئناف ببيان شأن الظن وبطلانه وفيه دلالة على وجوب العلم في ~~الأصول وعدم جواز الاكتفاء بالتقليد «إن الله عليم بما يفعلون» وعيد لهم ~~على أفعالهم القبيحة فيندرج تحتها ما حكى عنهم من الإعراض عن البراهين ~~القاطعة والاتباع للظنون الفاسدة اندراجا أوليا وقرئ تفعلون بالالتفات إلى ~~الخطاب لتشديد الوعيد «وما كان هذا القرآن» شروع في بيان ردهم للقرآن ~~الكريم إثر بيان ردهم للأدلة العقلية المندرجة في تضاعيفه أي وما صح وما ~~استقام أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الهدايات المستوجبة للاتباع التي ~~من جملتها هاتيك الحجج البينة الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك «أن ~~يفترى من دون الله» أي افتراء من الخلق أي مفترى منهم سمى بالمصدر مبالغة ~~«ولكن تصديق الذي بين يديه» من الكتب الإلهية المشهود على صدقها أي مصدقا ~~لها كيف لا وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد بصحتها ونصبه بأنه خبر ~~كان مقدرا وقد جوز كونه علة لفعل محذوف تقديره لكن أنزله الله تصديق الخ ~~وقرئ بالرفع على تقدير المبتدأ أي ولكن هو تصديق الخ «وتفصيل الكتاب» عطف ~~عليه نصبا ورفعا أي وتفصيل ما كتب وأثبت من الحقائق والشرائع «لا ريب فيه» ~~خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك أي منتفيا عنه الريب أو حال من الكتاب وإن ~~كان مضافا إليه فإنه مفعول في المعنى أو استئناف لا محل له من الإعراب «من ~~رب العالمين» خبر آخر أي كائنا من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو بتفصيل ~~أو بالفعل المعلل بهما ولا ريب فيه اعتراض كما في قولك زيد لا شك فيه كريم ~~أو حال من الكتاب أو من الضمير في PageV04P145 # فيه ومساق الآية الكريمة بعد ms1476 المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه ~~«أم يقولون افتراه» أي بل أيقولون افتراه محمد صلى الله عليه وسلم والهمزة ~~لإنكار الواقع واستبعاده «قل» تبكيتا لهم وإظهارا لبطلان مقالتهم الفاسدة ~~إن كان الأمر كما تقولون «فأتوا بسورة مثله» أي في البلاغة وحسن الصياغة ~~وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنا ~~منى في في النظم والعبارة وقرئ بسورة مثله على الإضافة أي بسورة كتاب مثله ~~«وادعوا» للمظاهرة والمعاونة «من استطعتم» دعاءه والاستعانة به من آلهتكم ~~التي تزعمون أنها ممدة لكم في المهمات والملمات ومدارهكم الذين تلجئون إلى ~~آرائهم في كل ما تأتون وما تذرون «من دون الله» متعلق بادعوا ودون جار مجرى ~~أداة الاستثناء وقد مر تفصيله في قوله تعالى وادعوا شهداءكم من دون الله أي ~~ادعوا سواه تعالى من استطعتم من خلقه فإنه لا يقدر عليه أحد وإخراجه سبحانه ~~من حكم الدعاء للتنصيص على براءتهم منه تعالى وكونهم في عدوة المضادة ~~والمشاقة لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه فإن ذلك مما يوهم ~~أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه «إن كنتم صادقين» أي في أنى افتريته فإن ~~ذلك مستلزم لإمكان الإتيان بمثله وهو أيضا مستلزم لقدرتكم عليه والجواب ~~محذوف لدلالة المذكور عليه «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» إضراب وانتقال ~~عن إظهار بطلان ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدى إلى إظهاره ببيان أنه ~~كلام ناشىء عن جهلهم بشأنه الجليل فما عبارة عن كله لا عما فيه من ذكر ~~البعث والجزاء وما يخالف دينهم كما قيل فإنه مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن ~~مثله أي سارعوا إلى تكذيبه آثر ذي أثير من غير أن يتدبروا فيه ويقفوا على ~~ما في تضاعيفه من الشواهد الدالة على كونه كما وصف آنفا ويعلموا أنه ليس ~~مما يمكن أن يكون له نظير يقدر عليه المخلوق والتعبير عنه بما لم يحيطوا ~~بعلمه دون أن يقال بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحو ذلك للإيذان ~~بكمال ms1477 جهلهم به وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدم العلم به وبأن تكذيبهم به ~~إنما هو بسبب عدم علمهم به لما أن إدارة الحكم على الموصول مشعرة بعلية ما ~~في حيز الصلة له «ولما يأتهم تأويله» عطف على الصلة أو حال من الموصول أي ~~ولم يقفوا بعد على تأويله ولم يبلغ أذهانهم معانيه الرائقة المنبئة عن علو ~~شأنه والتعبير عن ذلك بإتيان التأويل للإشعار بأن تأويله متوجه إلى الأذهان ~~منساق إليها بنفسه أو لم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى ~~يتبين أنه صدق أم كذب والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة ~~الإخبار بالغيب وهم قد فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفكروا في ~~معناه PageV04P146 # أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة ونفى إتيان التأويل ~~بكلمة لما الدالة علي التوقع بعد نفى الإحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم ~~وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش ~~منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا والمعنى أنه كان يجب عليهم أن يتوقفوا إلى ~~زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا وأما أن المتوقع قد وقع بعد وأنهم استمروا ~~عند ذلك أيضا على ما هم عليه أولا فلا تعرض له ههنا والاستشهاد عليه بعدم ~~انقطاع الذم أو ادعاء أن قولهم افتراه تكذيب بعد التدبر ناشىء من عدم ~~التدبر فتدبر كيف لا وهم لم يقولوه بعد التحدي بل قبله وادعاء كونه مسبوقا ~~بالتحدى الوارد في سورة البقرة يرده أنها مدنية وهذه مكية وإنما الذي يدل ~~عليه ما سيتلى عليك من قوله تعالى ومنهم من يؤمن به ومنهم الخ وقوله تعالى ~~«كذلك» الخ وصف لحالهم المحكي وبيان لما يؤدى إليه من العقوبة أي مثل ذلك ~~التكذيب المبنى على بادي الرأي والمجازفة من غير تدبر وتأمل «كذب الذين من ~~قبلهم» أي فعلوا التكذيب أو كذبوا ما كذبوا من المعجزات التي ظهرت على أيدي ~~أنبيائهم أو كذبوا أنبياءهم «فانظر كيف كان عاقبة الظالمين» وهم الذين من ~~قبلهم من المكذبين ms1478 وإنما وضع المظهر موضع المضمر للإيذان بكون التكذيب ظلما ~~أو بعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الظالمين في ~~زمرتهم جرما ووعيدا دخولا أوليا وقوله عز وجل «ومنهم» الخ وصف لحالهم بعد ~~إتيان التأويل المتوقع إذا حينئذ يمكن تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن ~~ضرورة امتناع الإيمان بشئ من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب والكفر به ~~قبل ذلك حسبما أفاده قوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه أي ومن هؤلاء ~~المكذبين «من يؤمن به» عند الإحالة بعلمه وإتيان تأويله وظهور حقيته بعدما ~~سعوا في المعارضة ورازوا قواهم فيها فتضاءلت دونها أو بعد ما شاهدوا وقوع ~~ما أخبر به كما أخبر به مرارا ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته فقط أي ~~يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ويكابر وهؤلاء هم الذين أشير ~~بقصر اتباع الظن على أكثرهم إلى أنهم يعلمون الحق على التفسير الأول كما ~~أشير إليه فيما سلف وإما الإيمان الحقيقي أي سيؤمن به ويتوب عن الكفر وهم ~~الذين أشير بالقصر المذكور على التفسير الثاني إلى أنهم سيتبعون الحق كما ~~مر «ومنهم من لا يؤمن به» أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق ظاهرا لفرط ~~غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي وإن كان فوق مرتبة عدم الإحاطة ~~به أصلا أو لسخافة عقله واختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه عن مخالطة ~~الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك وهذا القدر من ~~الإحاطة وإتيان التأويل كاف في مقابلة ما سبق من عدم الإحاطة بالمرة وهؤلاء ~~هم الذين أريدوا فيما سلف بقوله عز وجل وما يتبع أكثرهم إلا ظنا علي ~~التفسير الأول أولا لا يؤمنوا به فيما سيأتي بل يموت على كفره معاندا كان ~~أو شاكا وهم المستمرون على اتباع الظن على التفسير الثاني من غير إذعان ~~للحق وانقياد له «وربك أعلم بالمفسدين» أي بكلا الفريقين على الوجه الأول ~~لا بالمعاندين فقط كما قيل لاشتراكهما في أصل الإفساد ms1479 المستدعى لاشتراكهما ~~في الوعيد أو بالمصرين الباقين على الكفر علي الوجه الثاني من المعاندين ~~والشاكين PageV04P147 # «وإن كذبوك» أي إن تموا على تكذيبك وأصروا عليه حسبما أخبر عنهم بعد ~~إلزام الحجة بالتحدي «فقل لي عملي ولكم عملكم» أي تبرأ منهم فقد أعذرت ~~كقوله تعالي فإن عصوك فقل إني برئ والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم ~~حقا كان أو باطلا وتوحيد العمل المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ~~ولمراعاة كمال المقابلة «أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون» تأكيد ~~لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدى جزاء العمل إلى غير عامله أي لا ~~تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ولما فيه من إيهام المتاركة وعدم التعرض ~~لهم قيل إنه منسوخ بآية السيف «ومنهم من يستمعون إليك» بيان لكونهم مطبوعا ~~على قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم وإنما جمع الضمير الراجع إلى كلمة من ~~رعاية لجانب المعنى كما أفرد فيما سيأتي محافظة على ظاهر اللفظ ولعل ذلك ~~للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء على عدم توقف الاستماع على ما يتوقف عليه ~~النظر من المقابلة وانتفاء الحجاب والظلمة أي ومنهم ناس يستمعون إليك عند ~~قراءتك القرآن وتعليمك الشرائع «أفأنت تسمع الصم» همزة الاستفهام إنكارية ~~والفاء عاطفة وليس الجمع بينهما لترتيب إنكار الإسماع على الاستماع كما هو ~~رأى سيبويه والجمهور على أن يجعل تقديم الهمزة على الفاء لاقتضائها الصدارة ~~كما تقرر في موضعه بل لإنكار ترتبه عليه حسبما هو المعتاد لكن لا بطريق ~~العطف على الفعل المذكور لأدائه إلى اختلال المعنى لأنه إما صلة أو صفة ~~وأياما كان فالعطف عليه يستدعى دخول المعطوف في حيزه وتوجه الإنكار إليه من ~~تلك الحيثية ولا ريب في فساده بل بطريق العطف على مقدر مفهوم من فحوى النظم ~~كأنه قيل أيستمعون إليك فأنت تسمعهم لا إنكار لاستماعهم فإنه أمر محقق بل ~~إنكارا لوقوع الاستماع عقيب ذلك وترتبه عليه حسب العادة الكلية بل نفيا ~~لإمكانه أيضا كما ينبئ عنه وضع الصم موضع ضميرهم ووصفهم بعدم العقل بقوله ~~تعالى «ولو كانوا لا ms1480 يعقلون» أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم لأن الأصم ~~العاقل ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه صوت وأما إذا اجتمع فقدان السمع والعقل ~~جميعا فقد تم الأمر «ومنهم من ينظر إليك» ويعاين دلائل نبوتك الواضحة ~~«أفأنت» أي أعقيب ذلك أنت تهديهم وإنما قيل «تهدي العمي» تربية لإنكار ~~هدايتهم وإبرازا لوقوعها في معرض الاستحالة وقد أكد ذلك حيث قيل «ولو كانوا ~~لا يبصرون» أي ولو انضم إلي عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار ~~الاعتبار والاستبصار والعمدة في ذلك هي البصيرة ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ~~ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق فحيث اجتمع فيهم الحمق والعمى فقد انسد ~~عليهم باب الهدى وجواب لو في الجملتين محذوف لدلالة قوله تعالى تسمع الصم ~~وتهدى العمى عليه وكل وكل منهما معطوفة على PageV04P148 # جملة مقدرة مقابلة لها في الفحوى كلتاهما في موضع الحال من مفعول الفعل ~~السابق أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون أفأنت تهدى ~~العمى لو كانوا يبصرون ولو كانوا لا يبصرون أي على كل حال مفروض وقد حذفت ~~الأولى في الباب حذفا مطردا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء ~~إذا تحقق عند تحقق المانع أو المانع القوى فلأن يتحقق عند عدمه أو عند تحقق ~~المانع الضعيف أولى وعلي هذه النكتة يدور ما في لو وإن الوصليتين من ~~التأكيد وقد مر الكلام في قوله تعالى ولو كره الكافرون ونظائره مرارا «إن ~~الله لا يظلم الناس» إشارة إلى أن ما حكى عنهم من عدم اهتدائهم إلى طريق ~~الحق وتعطل مشاعرهم من الإدراك ليس لأمر مستند إلى الله عز وجل من خلقهم ~~مؤفى المشاعر ونحو ذلك بل إنما هو من قبلهم أي لا ينقصهم «شيئا» مما نيط به ~~مصالحهم الدينية والدنيوية وكمالاتهم الأولوية والأخروية من مبادى ~~إدراكاتهم وأسباب علومهم من المشاعر الظاهرة والباطنة والإرشاد إلى الحق ~~بإرسال الرسل وإنزال الكتب بل يوفيهم ذلك من غير إخلال بشئ أصلا «ولكن ~~الناس» وقرئ بالتخفيف ورفع الناس وضع الظاهر موضع الضمير ms1481 لزيادة تعيين ~~وتقرير أي لكنهم بعدم استعمال مشاعرهم فيما خلقت له وإعراضهم عن قبول دعوة ~~الحق وتكذيبهم للرسل والكتب «أنفسهم يظلمون» أي ينقصون ما ينقصون مما يخلون ~~به من مبادى كما لهم وذرائع اهتدائهم وإنما لم يذكر لما أن مرمى الغرض إنما ~~هو قصر الظلم على أنفسهم لا بيان ما يتعلق به الظلم والتعبير عن فعلهم ~~بالنقص مع كونه تفويتا بالكلية وإبطالا بالمرة لمراعاة جانب قرينته وقوله ~~عز وجل أنفسهم إما تأكيد للناس فيكون بمنزلة ضمير الفصل في قوله تعالى وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين في قصر الظالمية عليهم وإما مفعول ليظلمون ~~حسبما وقع في سائر المواقع وتقديمه عليه لمجرد الاهتمام به مع مراعاة ~~الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأى من لا يرى التقديم ~~موجبا للقصر فيكون كما في قوله تعالى وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم من غير ~~قصد للظلم لا على الفاعل ولا على المفعول وأما على على رأى من يراه موجبا ~~له فلعل إيثار قصرها دون قصر الظالمية عليهم للمبالغة في بيان بطلان ~~أفعالهم وسخافة عقولهم لما أن أقبح الأمرين عند اتحاد الفاعل والمفعول ~~وأشدهما إنكارا عند العقل ونفرة لدى الطبع وأوجبهما حذرا منه عند كل أحد هو ~~المظلومية لا الظالمية على أن قصر الأولى عليهم مسلتزم لما يقتضيه ظاهر ~~الحال من قصر الثانية عليهم ضرورة أنه إذا لم يظلم أحد من الناس إلا نفسه ~~يلزم أن لا يظلمه إلا نفسه إذ لو ظلمه غيره يلزم كون ذلك الغير ظالما لغير ~~نفسه والمفروض أن لا يظلم أحد إلا نفسه فاكتفى بالقصر الأول عن الثاني مع ~~رعاية ما ذكر من الفائدة وصيغة المضارع للاستمرار نفيا وإثباتا فإن حرف ~~النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقام استمرار النفي لا نفى ~~الاستمرار ألا يرى أن قولك ما زيدا ضربت يدل على اختصاص النفي لا على نفى ~~الاختصاص ومساق الآية الكريمة لإلزام الحجة ويجوز أن يكون للوعيد فالمضارع ~~المنفى للاستقبال والمثبت للاستمرار والمعنى أن الله لا ms1482 يظلمهم بتعذيبهم ~~يوم القيامة شيئا من الظلم ولكنهم أنفسهم يظلمون ظلما مستمرا فإن مباشرتهم ~~PageV04P149 # المستمرة للسيئات الموجبة للتعذيب عين ظلمهم لأنفسهم وعلى الوجهين فالآية ~~الكريمة تذييل لما سبق «ويوم يحشرهم» منصوب بمضمر وقرئ بالنون على الالتفات ~~أي اذكر لهم أو أنذرهم يوم يحشرهم «كأن لم يلبثوا» أي كأنهم لم يلبثوا «إلا ~~ساعة من النهار» أي شيئا قليلا منه فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها ~~بالنهار لأن ساعاته أعرف حالا من ساعات الليل والجملة في موقع الحال من ~~ضمير المفعول أي يحشرهم مشبهين في أحوالهم الظاهرة للناس بمن لم يلبث في ~~الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا ذلك القدر اليسير فإن من أقام بها دهرا ~~وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثار نعمة وأحكام بهجة منافية لما بهم من ~~رثاثة الهيئة وسوء الحال أو بمن لم يلبث في البرزخ إلا ذلك المقدار ففائدة ~~التقييد بيان كمال يسر الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهر طويل ~~وإظهار بطلان استبعادهم وإنكارهم بقولهم أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا ~~لمبعوثون ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور ~~فإن قلة اللبث في البرزخ من موجبات عدم التبدل والتغير فيكون قوله عز وعلا ~~«يتعارفون بينهم» بيانا وتقريرا له لأن التعارف مع طول العهد ينقلب تناكرا ~~وعلى الأول يكون استئنافا أي يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا ~~وذلك أول ما خرجوا من القبور إذ هم حينئذ على ما كانوا عليه من الهيئة ~~المتعارفة فيما بينهم ثم ينقطع التعارف بشدة الأهوال المذهلة واعتراء ~~الأحوال المعضلة المغيرة للصور والأشكال المبدلة لها من حال إلى حال «قد ~~خسر الذين كذبوا بلقاء الله» شهادة من الله سبحانه وتعالى على خسرانهم ~~وتعجب منه وقيل حال من ضمير يتعارفون على إرادة القول والتعبير عنهم ~~بالموصول مع كون المقام مقام إضمار لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعليته ~~لما أصابهم والمراد بلقاء الله إن كان مطلق الحساب والجزاء أو حسن اللقاء ~~فالمراد بالخسران الوضيعة والمعنى وضعوا في ms1483 تجاراتهم ومعاملاتهم واشترائهم ~~الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى ومعنى قوله تعالى «وما كانوا مهتدين» ما ~~كانوا عارفين بأحوال التجارة مهتدين لطرقها وإن كان سوء اللقاء فالخسار ~~الهلاك والضلال أي قد ضلوا وهلكوا بتكذيبهم وما كانوا مهتدين إلى طريق ~~النجاة «وإما نرينك» أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ومن ثمة أكد ~~الفعل بالنون أي بنصرتك بأن نظهر لك «بعض الذي نعدهم» أي وعدناهم من العذاب ~~ونعجله في حياتك فتراه والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو ~~للدلالة على التجدد والاستمرار أي نعدهم وعدا متجددا حسبما تقتضيه الحكمة ~~من إنذار غب إنذار وفى تخصيص البعض بالذكر رمزا إلى العدة بإراءة بعض ~~الموعود وقد أراه يوم بدر «أو نتوفينك» قبل ذلك «فإلينا مرجعهم» أي كيفما ~~دارات الحال أريناك بعض ما وعدناهم أولا فإلينا مرجعهم في الدنيا والآخرة ~~فنتجز ما وعدناهم البتة PageV04P150 # وقيل المذكور جواب للشرط الثاني كأنه قيل فإلينا مرجعهم فنريكه في الآخرة ~~وجواب الأول محذوف لظهوره أي فذاك «ثم الله شهيد على ما يفعلون» من الأفعال ~~السيئة التي حكيت عنهم والمراد بالشهادة إما مقتضاها ونتيجتها وهى معاقبته ~~تعالى إياهم وإما إقامتها وأداؤها بإنطاق الجوارح وإظهار اسم الجلالة ~~لادخال الروعة وتربية المهابة وتأكيد التهديد وقرئ ثمة إي هناك «ولكل أمة» ~~من الأمم الخالية «رسول» يبعث إليهم بشريعة خاصة مناسبة لأحوالهم ليدعوهم ~~إلى الحق «فإذا جاء رسولهم» فبلغهم ما أرسل به فكذبوه وخالفوه «قضي بينهم» ~~أي بين كل أمة ورسولها «بالقسط» بالعدل وحكم بنجاة الرسول والمؤمنين به ~~وهلاك المكذبين كقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا «وهم لا يظلمون» ~~في ذلك القضاء المستوجب لتعذيبهم لأنه من نتائج أعمالهم أو ولكل أمة من ~~الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد ~~عليهم بالكفر والايمان كقوله عز وجل وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم ~~«ويقولون متى هذا الوعد» استعجالا لما وعدوا من العذاب على طريقة الاستهزاء ~~به والإنكار حسبما يرشد إليه الجواب لا طلبا لتعيين وقت مجيئه على وجه ~~الإلزام ms1484 كما في سورة الملك «إن كنتم صادقين» أي في أنه يأتينا والخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون عليهم الآيات المتضمنة ~~للوعد المذكور وجواب الشرط محذوف اعتمادا على ما تقدم حسبما حذف في مثل ~~قوله تعالى فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فإن الاستعجال في قوة ~~الأمر بالإتيان عجلة كأنه قيل فليأتنا عجلة إن كنتم صادقين ولما فيه من ~~الإشعار بكون إتيانه بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم قيل «قل لا أملك ~~لنفسي ضرا ولا نفعا» أي لا أقدر على شئ منهما بوجه من الوجوه وتقديم الضر ~~لما أن مساق النظم لإظهار العجز عنه وأما ذكر النفع فلتوسيع الدائرة تكملة ~~للعجز وما وقع في سورة الأعراف من تقديم النفع للإشعار بأهميته والمقام ~~مقامه والمعنى إني لا أملك شيئا من شئونى ردا وإيرادا مع أن ذلك أقرب حصولا ~~فكيف أملك شئونكم حتى أتسبب في إتيان عذابكم الموعود «إلا ما شاء الله» ~~استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله كائنا وحمله على الاتصال علي معنى إلا ~~ما شاء الله أن أملكه يأباه مقام التبرؤ من أن يكون له عليه السلام دخل في ~~إتيان الوعد فإن ذلك يستدعى بيان كون المتنازع فيه مما لا يشاء الله أن ~~يملكه عليه السلام وجعل ما عبارة عن بعض الأحوال المعهودة المنوطة بالأفعال ~~الاختيارية المفوضة إلى العباد على أن يكون المعنى لا أملك لنفسي شيئا من ~~الضر والنفع إلا ما شاء الله أن أملكه منهما من الضر والنفع المترتبين على ~~أفعالى الاختيارية كالضر PageV04P151 # والنفع المترتبين على الأكل والشرب عدما ووجودا تعسف ظاهر وقوله تعالى ~~«لكل أمة أجل» بيان لما أبهم في الاستثناء وتقييد لما في القضاء السابق من ~~الإطلاق المشعر بكون المقضى به أمرا منجزا غير متوقف على شئ غير مجىء ~~الرسول وتكذيب الأمة أي لكل أمة أمة ممن قضى بينهم وبين رسولهم أجل معين ~~خاص بهم لا يتعدى إلى أمة أخرى مضروب لعذابهم يحل بهم عند حلوله «إذا جاء ~~أجلهم» إن جعل الأجل ms1485 عبارة عن حد معين من الزمان فمعنى مجيئه ظاهر وإن أريد ~~به ما امتد إليه من الزمان فمجيئه عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه ~~بتمامه والضمير إن جعل للأمم المدلول عليها بكل أمة فإظهار الأجل مضافا ~~إليه لإفادة المعنى المقصود الذي هو بلوغ كل أمة أجلها الخاص بها ومجيئه ~~إياها بعينها من بين الأمم بواسطة اكتساب الأجل بالإضافة عموما يفيده معنى ~~الجمعية كأنه قيل إذا جاءهم آجالهم بأن يجيء كل واحدة من تلك الأمم أجلها ~~الخاص بها وإن جعل لكل أمة خاصة كما هو الظاهر فالإظهار في موقع الإضمار ~~لزيادة التقرير والإضافة إلى الضمير لإفادة كمال التعيين أي إذا جاءها ~~أجلها الخاص بها «فلا يستأخرون» عن ذلك الأجل «ساعة» أي شيئا قليلا من ~~الزمان فإنها مثل في غاية القلة منه أي لا يتأخرون عنه أصلا وصيغة ~~الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له «ولا يستقدمون» أي لا يتقدمون ~~عليه وهو عطف على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه ~~كالتأخر بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلا كما في ~~قوله سبحانه وتعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار فإن من مات كافرا مع ~~ظهور أن لا توبة له رأسا قد نظم في عدم قبول التوبة في سلك من سوفها إلى ~~حضور الموت إيذانا بتساوي وجود التوبة حينئذ وعدمها بالمرة كما مر في سورة ~~الأعراف وقد جوز أن يراد بمجىء الأجل دنوه بحيث يمكن التقدم في الجملة ~~كمجىء اليوم الذي ضرب لهلاكهم ساعة معينة منه لكن ليس في تقييد عدم ~~الاستئخار بدنوه مزيد فائدة وتقديم بيان انتفاء الاستئخار على بيان انتفاء ~~الاستقدام لأن المقصود الأهم بيان عدم خلاصهم من العذاب ولو ساعة وذلك ~~بالتأخر وأما ما في قوله تعالى ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون من سبق ~~السبق في الذكر فلما أن المراد هناك بيان سر تأخير عذابهم مع ms1486 استحقاقهم له ~~حسبما ينبئ عنه قوله عز وجل ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ~~فالأهم إذ ذاك بيان انتفاء السبق كما ذكر هناك «قل» لهم غب ما بينت كيفية ~~جريان سنة الله عز وجل فيما بين الأمم على الإطلاق ونبهتهم على أن عذابهم ~~أمر مقرر محتوم ولا يتوقف إلا على مجىء أجله المعلوم إيذانا بكمال دنوه ~~وتنزيلا له منزلة إتيانه حقيقة «أرأيتم» أي أخبروني «إن أتاكم عذابه» الذي ~~تستعجلون به «بياتا» أي وقت بيات واشتغال بالنوم «أو نهارا» أي عند ~~اشتغالكم بمشاغلكم حسبما عين لكم من الأجل بمقتضى المشيئة التابعة للحكمة ~~كما عين لسائر الأمم المهلكة وقوله عز وجل «ماذا يستعجل منه المجرمون» جواب ~~للشرط بحذف الفاء كما في قولك إن أتيتك ماذا تطعمنى والمجرمون موضوع موضع ~~المضمر لتأكيد الإنكار ببيان مباينة حالهم PageV04P152 # للاستعجال فإن حق المجرم أن يهلك فزعا من إتيان العذاب فضلا عن استعجاله ~~والجملة الشرطية متعلقة بأرأيتم والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابه تعالى أي ~~شئ تستعجلون منه سبحانه والشىء لا يمكن استعجاله بعد إتيانه والمراد به ~~المبالغة في إنكار استعجاله بإخراجه من حيز الإمكان وتنزيله في الاستحالة ~~منزلة استعجاله بعد إتيانه بناء على تنزيل تقرر إتيانه ودنوه منزلة إتيانه ~~حقيقة كما أشير إليه وهذا الإنكار بمنزلة النهى في قوله عز وعلا أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه خلا أن التنزيل هناك صريح وهنا ضمني كما في قول من قال ~~لغريمه الذي يتقضاه حقه أرأيت إن أعطيتك حقك فماذا تطلب منى يريد المبالغة ~~في إنكار التقاضى بنظمه في سلك التقاضى بعد الإعطاء بناء على تنزيل تقرره ~~منزلة نفسه وقوله عز وجل «أثم إذا ما وقع آمنتم به» إنكار لإيمانهم بنزول ~~العذاب بعد وقوعه حقيقة داخل مع ما قبله من إنكار استعجالهم به بعد إتيانه ~~حكما تحت القول المأمور به أي أبعد ما وقع العذاب وحل بكم حقيقة آمنتم به ~~حين لا ينفعكم الإيمان إنكارا لتأخيره إلى هذا الحد وإيذانا باستتباعه ~~للندم والحسرة ليقلعوا عما هم عليه من العناد ms1487 ويتوجهوا نحو التدارك قبل فوت ~~الوقت فتقديم الظرف للقصر وقيل ماذا يستعجل منه متعلق بأرأيتم وجواب الشرط ~~محذوف أي تندموا علي الاستعجال أو تعرفوا خطأه والشرطية اعتراض مقرر لمضمون ~~الاستخبار وقيل الجواب قوله تعالى أثم إذا ما وقع الخ والاستفهامية الأولى ~~اعتراض والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم ~~الإيمان ثم جئ بكلمة التراخي دلالة على الاستبعاد ثم زيد أداة الشرط دلالة ~~على استقلاله بالاستبعاد على أن الأول كالتمهيد له وجىء بإذا مؤكد بما ~~ترشيحا لمعنى الوقوع وزيادة للتجهيل وأنهم لم يؤمنوا إلا بعد أن لم ينفعهم ~~الإيمان البتة وقوله تعالى «الآن» استئناف من جهته تعالى غير داخل تحت ~~القول الملقن مسوق لتقرير مضمون ما سبق على إرادة القول أي قيل لهم عند ~~إيمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به إنكارا للتأخير وتوبيخا عليه ببيان ~~أنه لم يكن ذلك لعدم سبق الإنذار به ولا للتأمل والتدبر في شأنه ولا لشئ ~~آخر مما عسى يعد عذرا في التأخير بل كان ذلك على طريق التكذيب والاستعجال ~~به على وجه الاستهزاء وقرئ آلان بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وقوله ~~تعالى «وقد كنتم به تستعجلون» أي تكذيبا واستهزاء جملة وقعت حالا من فاعل ~~آمنتم المقدر لتشديد التوبيخ والتقريع وزيادة التنديم والتحسير وتقديم ~~الجار والمجرور على الفعل لمراعاة الفواصل دون القصر وقوله تعالي «ثم قيل» ~~الخ تأكيد للتوبيخ والعتاب بوعيد العذاب والعقاب وهو عطف على ما قدر قبل ~~آلآن «الذين ظلموا» أي وضعوا الكفر والتكذيب موضع الإيمان والتصديق أو ~~ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب والهلاك ووضع الموصول موضع الضمير لذمهم بما ~~في حيز الصلة والإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم ذوقوا عذاب الخلد المؤلم ~~على الدوام «هل تجزون» اليوم «إلا بما كنتم تكسبون» في الدنيا من أصناف ~~الكفر والمعاصي التي من جملتها ما مر من PageV04P153 # الاستعجال «ويستنبئونك» أي يستخرونك فيقولون على طريقة الاستهزاء أو ~~الإنكار «أحق هو» أحق خبر قدم على المبتدأ الذي هو الضمير للاهتمام به ~~ويؤيده قوله تعالى إنه ms1488 لحق أو مبتدأ والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر ~~والجملة في موقع النصب بيستنبئونك وقرئ أحق هو تعريضا بأنه باطل كأنه قيل ~~أهو الحق لا الباطل أو أهو الذي سميتموه الحق «قل» لهم غير ملتفت إلى ~~استهزائهم مغضيا عما قصدوا وبانيا للأمر على أساس الحكمة «إي وربي» إي من ~~حروف الإيجاب بمعنى نعم في القسم خاصة كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام ~~خاصة ولذلك يوصل بواوه «أنه» أي العذاب الموعود «لحق» لثابت البتة أكد ~~الجواب بأتم وجوه التأكيد حسب شدة إنكارهم وقوته وقد زيد تقريرا وتحقيقا ~~بقوله عز اسمه «وما أنتم بمعجزين» أي بفائتين العذاب بالهرب وهو لاحق بكم ~~لا محالة وهو إما معطوف على جواب القسم أو مستأنف سيق لبيان عجزهم عن ~~الخلاص مع ما فيه من التقرير المذكور «ولو أن لكل نفس ظلمت» بالشرك أو ~~التعدي على الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم ولو مرة حسبما يفيده كون الصفة ~~فعلا «ما في الأرض» أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة ~~بما كثرت «لافتدت به» أي لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه ~~«وأسروا» أي النفوس المدلول عليها بكل نفس والعدول إلى صيغة الجمع مع تحقق ~~العموم في صورة الإفراد أيضا لإفادة تهويل الخطب بكون الاسرار بطريق المعية ~~والاجتماع وإنما لم يراع ذلك فيما سبق لتحقيق ما يتوخى من فرض كون جميع ما ~~في الأرض لكل واحدة من النفوس وإيثار صيغة الجمع المذكر لحمل لفظ النفس على ~~الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله على إناثه «الندامة» على ما فعلوا من الظلم أي ~~أخفوها ولم يظهروها لكن لا للاصطبار والتجلد هيهات ولات حين اصطبار بل ~~لأنهم بهتوا «لما رأوا العذاب» أي عند معاينتهم من فظاعة الحال وشدة ~~الأهوال ما لم يكونوا يحتسبون فلم يقدروا على أن ينطقوا بشئ فلما بمعنى حين ~~منصوب بأسروا أو حرف شرط حذف جوابه لدلالة ما تقدم عليه وقيل أسرها رؤساؤهم ~~ممن أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم ولكن الأمر أشد ms1489 من أن يعتريهم هناك ~~شيء غير خوف العذاب وقيل أسروا الندامة أخلصوها لأن إسرارها إخلاصها أو لأن ~~سر الشيء خالصته حيث تخفى ويضن بها ففيه تهكم بهم وقيل أظهروا الندامة من ~~قولهم أسر الشئ وأشره إذا ظهره حين عيل صبره وفى تجلده «وقضي بينهم» أي ~~أوقع القضاء بين الظالمين من المشركين وغيرهم من أصناف أهل الظلم بأن أظهر ~~الحق سواء كان من حقوق الله سبحانه أو من حقوق العباد من الباطل وعومل أهل ~~كل منهما بما يليق به «بالقسط» بالعدل وتخصيص الظلم بالتعدى وحمل القضاء ~~على مجرد الحكومة بين الظالمين والمظلومين من غير أن يتعرض لحال المشركين ~~وهم أظلم الظالمين لا يساعده المقام فإن مقتضاه PageV04P154 # إما كون الظلم عبارة عن الشرك أو عما يدخل فيه دخولا أوليا «وهم» أي ~~الظالمون «لا يظلمون» فيما فعلى بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمهم ~~ولوازمه الضرورية «ألا إن لله ما في السماوات والأرض» أي ما وجد فيهما ~~داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما وكلمة ما لتغليب غير ~~العقلاء علي العقلاء فهو تقرير لكمال قدرته سبحانه على جميع الأشياء وبيان ~~لاندارج الكل تحت ملكوته يتصرف فيه كيفما يشاء إيجادا وإعداما وإثابة ~~وعقابا «ألا إن وعد الله» إظهار الاسم الجليل لتفخيم شأن الوعد والإشعار ~~بعلة الحكم وهو إما بمعني الموعود أي جميع ما وعد به كائنا ما كان فيندرج ~~فيه العذاب الذي استعجلوه وما ذكر في أثناء بيان حاله اندراجا أوليا أو ~~بمعناه المصدري أي وعده بجميع ما ذكر فمعنى قوله تعالى «أحق» على الأول ~~ثابت واقع لا محالة وعلى الثاني مطابق للواقع وتصدير الجملتين بحرفي ~~التنبيه والتحقيق للتسجيل على مضمونهما المقرر لمضمون ما سلف من الآيات ~~الكريمة والتنبيه علي وجوب استحضاره والمحافظة عليه «ولكن أكثرهم» لقصور ~~عقولهم واستيلاء الغفلة عليهم والفهم بالأحوال المحسوسة المعتادة «لا ~~يعلمون» ذلك فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون «هو يحيي ويميت» في ~~الدنيا من غير دخل لأحد في ذلك «وإليه ترجعون» في الآخرة بالبعث والحشر «يا ms1490 ~~أيها الناس» التفات ورجوع إلى استمالتهم نحو الحق واستنزالهم إلى قبوله ~~واتباعه غب تحذيرهم من غوائل الضلال بما تلى عليهم من القوارع الناعية ~~عليهم سوء عاقبتهم وإيذان بأن جميع ذلك مسوق لمصالحهم ومنافعهم «قد جاءتكم ~~موعظة» هي والوعظ والعظة التذكير بالعواقب سواء كان بالزجر والترهيب أو ~~بالاستمالة والترغيب وكلمة من في قوله تعالى «من ربكم» ابتدائية متعلقة ~~بجاءتكم أو تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع صفة لموعظة أي موعظة كائنة من مواعظ ~~ربكم وفى التعرض لعنوان الربوبية من حسن الموقع ما لا يخفى «وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين» أي كتاب جامع لهذه الفوائد والمنافع فإنه كاشف ~~عن أحوال الأعمال حسناتها وسيئاتها مرغب في الأولى ورادع عن الأخرى ومبين ~~للمعارف الحقة التي هي شفاء لما في الصدور من الأدواء القلبية كالجهل والشك ~~والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الزائغة وهاد إلى طريق الحق واليقين ~~بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس وفى مجيئه ~~رحمه للمؤمنين حيث نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان وتخلصوا ~~من دركات النيران وارتقوا إلى درجات الجنان والتنكير في الكل للتفخيم ~~PageV04P155 # «قل» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمر ~~الناس بأن يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة «بفضل الله ~~وبرحمته» المراد بهما إما ما في مجيء القرآن من الفضل والرحمة وإما الجنس ~~وهما داخلان فيه دخولا أوليا والباء متعلقة بمحذوف وأصل الكلام ليفرحوا ~~بفضل الله وبرحمته وتكرير الباء في رحمته للإيذان باستقلالها في استيجاب ~~الفرح ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة القصر ثم أدخل عليه الفاء ~~لإفادة معنى السببية فصار بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ثم قيل «فبذلك ~~فليفرحوا» للتأكيد والتقرير ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه والفاء ~~الأولى جزائية والثانية لدلالة على السببية والأصل إن فرحوا بشئ فبذلك ~~ليفرحوا لا بشئ آخر ثم أدخل الفاء لدلالة على السببية ثم حذف الشرط ومعنى ~~البعد في اسم الإشارة لدلالة على بعد درجة فضل الله تعالى ورحمته ويجوز أن ms1491 ~~يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا ويجوز أن يتعلق الباء ~~بجاءتكم أي جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي فبمجيئها فليفرحوا ~~وقرئ فلتفرحوا وقرأ أبى فافرحوا وعن ابن كعب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلا قل بفضل الله وبرحمته فقال بكتاب الله والإسلام وقيل فضله الإسلام ~~ورحمته ما وعد عليه «هو» أي ما ذكر من فضل الله ورحمته «خير مما يجمعون» من ~~حطام الدنيا وقرئ تجمعون أي فبذلك فليفرح المؤمنون هو خير مما تجمعون أيها ~~المخاطبون «قل أرأيتم» أي أخبروني «ما أنزل الله لكم من رزق» ما منصوبة ~~المحل بما بعدها أو بما قبلها واللام للدلالة علي أن المراد بالرزق ما حل ~~لهم وجعله منزلا لأنه مقدر في السماء محصل هو أو ما يتوقف عليه وجودا أو ~~بقاء بأسباب سماوية من المطر والكواكب في الإنضاج والتلوين «فجعلتم منه» أي ~~جعلتم بعضه «حراما» أي حكمتم بأنه حرام «وحلالا» أي وجعلتم بعضه حلالا أي ~~حكمتم بحله مع كون كله حلالا وذلك قولهم هذه أنعام وحرث حجر الآية وقولهم ~~ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ونحو ذلك وتقديم ~~الحرام لظهور أثر الجعل فيه ودوران التوبيخ عليه «قل» تكرير لتأكيد الأمر ~~بالاستخبار أي أخبروني «آلله أذن لكم» في ذلك الجعل فأنتم فيه ممتثلون ~~بأمره تعالى «أم على الله تفترون» أم متصلة والاستفهام للتقرير والتبكيت ~~لتحقق العلم بالشق الأخير قطعا كأنه قيل أم لم يأذن لكم بل تفترون عليه ~~سبحانه فأظهر الاسم الجليل وقدم على الفعل دلالة على كمال قبح افترائهم ~~وتأكيدا للتبكيت إثر تأكيد مع مراعاة الفواصل ويجوز أن يكون الاستفهام ~~للإنكار وأم منقطعة ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ والزجر ~~بإنكار الإذن إلى ما تفيده همزتها من التوبيخ على الافتراء عليه سبحانه ~~وتقريره وتقديم الجار والمجرور على هذا يجوز أن يكون للقصر كأنه قيل بل ~~أعلى الله تعالى خاصة تفترون PageV04P156 # «وما ظن الذين يفترون على الله الكذب» كلام مسوق من قبله تعالى لبيان هول ~~ما ms1492 سيلقونه غير داخل تحت القول المأمور به والتعبير عنهم بالموصول في موقع ~~الإضمار لقطع احتمال الشق الأول من الترديد والتسجيل عليهم بالافتراء ~~وزيادة الكذب مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا لإظهار كمال قبح ما افتعلوا ~~وكونه كذبا في اعتقادهم أيضا وكلمة ما استفهامية وقعت مبتدأ وظن خبرها ~~ومفعولاه محذوفان وقوله عز وجل «يوم القيامة» ظرف لنفس الظن أي أي شئ ظنهم ~~في ذلك اليوم يوم عرض الأفعال والأقوال والمجازاة عليها مثقالا بمثقال ~~والمراد تهويله وتفظيعه بهول ما يتعلق به مما يصنع بهم يومئذ وقيل هو ظرف ~~لما يتعلق به ظنهم اليوم من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلا له ولما ~~فيه من الأحوال لكمال وضوح أمره في التقرر والتحقق منزلة المسلم عندهم أي ~~أي شئ ظنهم لما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم أو لا ~~يجازون عليه أو يجازون جزاء يسيرا ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون كلا إنهم لفي ~~أشد العذاب لأن معصيتهم أشد المعاصي ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا وقرئ ~~على لفظ الماضي أي ظنوا يوم القيامة وإيراد صيغة الماضي لأنه كائن فكأنه قد ~~كان «إن الله لذو فضل» أي عظيم لا يكتنه كنهه «على الناس» أي جميعا حيث ~~أنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح ورحمهم بإنزال ~~الكتب وإرسال الرسل وبين لهم الأسرار التي لا تستقل العقول في إدراكها ~~وأرشدهم إلى ما يهمهم من أمر المعاش والمعاد «ولكن أكثرهم لا يشكرون» تلك ~~النعمة الجليلة فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ولا يتبعون دليل ~~العقل فيما يستبد به ولا دليل الشرع فيما لا يدرك إلا به وقد تفضل عليهم ~~ببيان ما سيلقونه يوم القيامة فلا يلتفتون إليه فيقعون فيما يقعون فهو ~~تذييل لما سبق مقرر لمضمونه «وما تكون في شأن» أي في أمر من شأنت شأنه أي ~~قصدت قصده مصدر بمعني المفعول «وما تتلو منه» الضمير للشأن والظرف صفة ~~لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة من الشأن إذ هي معظم ms1493 شؤونه عليه السلام أو ~~للتنزيل والإضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه ومن ابتدائية أو تبعيضية أو لله عز ~~وجل ومن ابتدائية والتي في قوله تعالى «من قرآن» مزيدة لتأكيد النفي أو ~~ابتدائية على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضية علي الثاني والثالث «ولا ~~تعملون من عمل» تعميم للخطاب إثر تخصيصه بمقتدى الكل وقد روعى في كل من ~~المقامين ما يليق به حيث ذكر أولا من الأعمال ما فيه فخامة وجلالة وثانيا ~~ما يتناول الجليل والحقير «إلا PageV04P157 # كنا عليكم شهودا» استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة ~~أي ما تلابسون بشئ منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه ~~حافظين له «إذ تفيضون فيه» أي تخوضون وتندفعون فيه وأصل الإفاضة الاندفاع ~~بكثرة أو بقوة وحيث أريد بالأفعال السابقة الحالة المستمرة الدائمة ~~المقارنة للزمان الماضي أيضا أوثر في الاستثناء صيغة الماضي وفي الظرف كلمة ~~إذ التي تفيد المضارع معنى الماضي «وما يعزب عن ربك» أي لا يبعد ولا يغيب ~~على علمه الشامل وفى التعرض لعنوان الربوبية من الإشعار باللطف ما لا يخفى ~~وقرئ بكسر الزاي «من مثقال ذرة» كلمة من مزيدة لتأكيد النفي أي ما يعزب عنه ~~ما يساوى في الثقل نملة صغيرة أو هباء «في الأرض ولا في السماء» أي في ~~دائرة الوجود والإمكان فإن العامة لا تعرف سواهما ممكنا ليس في أحدهما أو ~~متعلقا بهما وتقديم الأرض لأن الكلام في حال أهلها والمقصود إقامة البرهان ~~علي إحاطة علمه تعالى بتفاصيلها وقوله تعالى «ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين» كلام برأسه مقرر لما قبله ولا نافية للجنس وأصغر اسمها وفى ~~كتاب خبرها وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر ومن عطف على لفظ مثقال ذرة ~~وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعل الاستثناء ~~منقطعا كأنه قيل لا يعزب عن ربك شئ ما لكن جميع الأشياء في كتاب مبين فكيف ~~يعزب عنه شئ منها وقيل يجوز أن يكون الاستثناء متصلا ويعزب بمعنى يبين ms1494 ~~ويصدر والمعنى لا يصدر عنه تعالى شئ إلا وهو في كتاب مبين والمراد بالكتاب ~~المبين اللوح المحفوظ «ألا إن أولياء الله» بيان على وجه التبشير والوعد ~~لما هو نتيجة لأعمال المؤمنين وغاية لما ذكر قبله من كونه تعالى مهيمنا علي ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته في كل ما يأتون وما يذرون وإحاطة علمه ~~سبحانه بجميع ما في السماء والأرض وكون الكل مثبتا في الكتاب المبين بعد ما ~~أشير إلى فظاعة حال المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم من ~~الهول إشارة إجمالية على طريق التهديد والوعيد وصدرت الجملة بحرفى التنبيه ~~والتحقيق لزيادة تقرير مضمونها والولي لغة القريب والمراد بأولياء الله خلص ~~المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه وتعالى كما سيفصح عنه تفسيرهم «لا خوف ~~عليهم» في الدارين من لحوق مكروه «ولا هم يحزنون» من فوات مطلوب أي لا ~~يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا ~~يعتريهم خوف وحزن أصلا بل يستمرون على النشاط والسرور كيف لا واستشعار ~~الخوف والخشية استعظاما لجلال الله سبحانه وهيبته واستقصارا للجد والسعي في ~~إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين والمراد بيان دوام ~~انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية ~~مضارعا لما مر مرارا من أن النفي إن دخل على نفس المضارع يفيد الاستمرار ~~والدوام بحسب المقام وإنما يعتريهم ذلك لأن مقصدهم ليس إلا طاعة الله تعالي ~~ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال ~~لفواته بموجب الوعد بالنسبة إليه تعالى وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية ~~المترددة بين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصدهم وجودا ~~وعدما حتى يخافوا من حصول PageV04P158 # ضارها أو يحزنوا بفوات نافعها وقوله عز وجل «الذين آمنوا» أي بكل ما جاء ~~من عند الله تعالى «وكانوا يتقون» أي يقون أنفسهم عما يحق وقايتها عنه من ~~الأفعال والتروك وقاية دائمة حسبما يفيده الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل ~~بيان وتفسير ms1495 لهم وإشارة إلى ما به نالوا ما نالوا على طريقة الاستئناف ~~المبنى على السؤال ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل ~~من أولئك وما سبب فوزهم بتلك الكرامة فقيل هم الذين جمعوا بين الإيمان ~~والتقوى المفضيين إلى كل خير المنحيين عن كل شر وقيل محله النصب أو الرفع ~~على المدح أو على أنه وصف مادح للأولياء ولا يقدح في ذلك توسط الخبر ~~والمراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها الجامعة لما تحتها من مرتبة النوقى ~~عن الشرك التي يفيدها الإيمان أيضا ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل ~~وترك أعنى تنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه بالكلية ~~وهي التقوى الحقيقي المأمور به في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته وبه يحصل الشهود والحضور والقرب الذي عليه يدور إطلاق الاسم ~~عليه وهكذا كان حال من دخل معه صلى الله عليه وسلم تحت الخطاب بقوله عز وجل ~~ولا تعملون من عمل خلا أن لهم في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة حسب ~~تفاوت درجات استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية علي الحكم ~~الأبية أقصاها ما انتهى إليه هم الأنبياء عليهم السلام حتى جمعوا بذلك بين ~~رياستي النبوة والولاية ولم يعقهم التعلق بعالم الأشباح عن الاستغراق في ~~عالم الأرواح ولم تصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحق ~~لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية فملاك أمر الولاية هو ~~التقوى المذكور فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ويقرب منه ما قيل من أنهم ~~الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى ~~والدعوة إليه ولا يخالفه ما قيل من أنهم الذين يذكر الله برؤيتهم لما روى ~~عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله فقال ~~هم الذين يذكر الله برؤيتهم أي بسمتهم وإخباتهم وسكينتهم ولا ما قيل من ~~أنهم المتحابون في الله لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه قال سمعت النبي ~~صلى ms1496 الله عليه وسلم يقول إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ~~يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله قالوا يا رسول الله ~~خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا في الله علي غير ~~أرحام منهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوهم لنور وإنهم لعلى منابر من ~~نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس فإن ما ذكر من حسن ~~السمت والسكينة المذكرة لله تعالى والتحاب في الله سبحانه من الأحكام ~~الدنيوية الأزمة للإيمان والتقوى والآثار الخاصة بهما الحقيقة بالتخصيص ~~بالذكر لظهورها وقربها من أفهام الناس قد أورد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلا من ذلك حسبما يقتضيه مقام الإرشاد والذكير ترغيبا للسائلين أو ~~غيرهم من الحاضرين فيما خصه بالذكر هناك من أحكامهما فلعل الحاضرين أولا ~~كانوا محتاجين إلى إصلاح الحال من جهة الأقوال والأفعال والملابس ونحو ذلك ~~والحاضرين ثانيا مفتقرين إلى تأليف قلوبهم وعطفها نحو المؤمنين الذين لا ~~علاقة بينهم وبينهم من جهة النسب والقرابة وتأكيد ما بينهم من الأخوة ~~PageV04P159 # الدينية ببيان عظم شأنها ورفعة مكانتها وحسن عاقبتها ليراعوا حقوقها ~~ويهجروا من لا يوافقهم في الدين من أرحامهم وأما ما ذكر من أنه يغبطهم ~~الأنبياء فتصوير لحسن حالهم على طريقة التمثيل قال الكواشى وهذا مبالغة ~~والمعنى لو فرض قوم بهذه الصفة لكانوا هؤلاء وقيل أولياء الله الذين ~~يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجعل قوله عز وجل الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون تفسير لتوليهم إياه تعالى وقوله عز وجل «لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة» تفسيرا لتوليه تعالى إياهم ولا ريب في أن اعتبار القيد الأخير ~~في مفهوم الولاية غير مناسب لمقام ترغيب المؤمنين في تحصيلها والثبات عليها ~~وبشارتهم بآثارها ونتائجها بل مخل بذلك إذ التحصيل إنما يتعلق بالمقدور ~~والاستبشار لا يحصل إلا بما علم وجود سببه والقيد المذكور ليس بمقدور لهم ~~حتى يحصلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصوله حتى يعرفوا حصول ~~الولاية لهم ويستبشروا بمحاسن آثارها بل التولي ms1497 بالكرامة عين نتيجة الولاية ~~فاعتباره في عنوان الموضوع ثم الإخبار بعدم الخوف والحزن مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل فالذي يقتضيه نظمه الكريم أن الأول تفسير للأولياء حسبما ~~شرح والثاني بيان لما أولاهم من خيرات الدارين بعد بيان إنجائهم من شرورهما ~~ومكارههما والجملة مستأنفة كما سبق كأنه قيل هل لهم وراء ذلك من نعمة ~~وكرامة فقيل لهم ما يسرهم في الدارين وتقديم الأول لما أن التخلية سابقة ~~على التحلية مع ما فيه من مراعاة حق المقابلة بين حسن حال المؤمنين وسوء ~~حال المفتريين وتعجيل إدخال المسرة بتبشير الخلاص عن الأهوال وتوسيط البيان ~~السابق بين بشار الخلاص عن المحذور وبشارة الفوز بالمطلوب لإظهار كمال ~~العناية بتفسير الأولياء مع الإيذان بأن انتفاء الخوف والحزن لاتقائهم عما ~~يؤدى إليهما من الأسباب والبشرى مصدر أريد به المبشر به من الخيرات العاجلة ~~كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك والآجلة الغنية عن البيان وإيثار الإبهام ~~والإجمال للإيذان بكونه وراء البيان والتفصيل والظرفان في موقع الحال منه ~~والعامل ما في الخبر من معنى الاستقرار أي لهم البشرى حال كونها في الحياة ~~الدنيا وحال كونها في الآخرة أي عاجلة وآجلة أو من الضمير المجرور أي حال ~~كونهم في الحياة الخ ومن البشرى العاجلة الثناء الحسن والذكر الجميل ومحبة ~~الناس عن أبى ذر رضى الله عنه قلت يا رسول الله الرجل يعمل العمل لله ويحبه ~~الناس فقال صلى الله عليه وسلم تلك عاجل بشرى المؤمن هذا وقيل البشرى مصدر ~~والظرفان متعلقان به أما البشرى في الدنيا فهي البشارات الواقعة للمؤمنين ~~المتقين في غير موضع من الكتاب المبين وعن النبي صلى الله عليه وسلم هي ~~الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وعنه صلى الله عليه وسلم ذهبت ~~النبوة وبقيت المبشرات وعن عطاء لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة ~~بالرحمة قال الله تعالى تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين ~~بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوهم وإعطاء الصحائف ms1498 بأيمانهم وما ~~يقرءون منها وغير ذلك من البشارات فتكون هذه بشارة بما سيقع من البشارات ~~العاجلة والآجلة المطلوبة لغاياتها لا لذواتها ولا يخفى أن صرف البشارة ~~الناجزة PageV04P160 # عن المقاصد بالذات إلى وسائلها مما لا يساعده جلالة شأن التنزيل الكريم ~~«لا تبديل لكلمات الله» لا تغيير لأقواله التي من جملتها مواعيده الواردة ~~بشارة للمؤمنين المتقين فيدخل فيها البشارات الواردة ههنا دخولا أوليا ~~ويثبت امتناع الإخلاف فيها ثبوتا قطعيا وعلى تقدير كون المراد بالبشرى ~~الرؤيا الصالحة فالمراد بعدم تبديل كلماته تعالى ليس عدم الخلف بينها وبين ~~نتائجها الدنيوية والأخروية بل عدم الخلف بينها وبين ما دل على ثبوتها ~~ووقوعها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى لهم البشرى فتدبر ذلك إشارة ~~إلى ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين «هو الفوز العظيم» الذي لا فوز ~~وراءه وفيه تفسير لما أبهم فيما سبق وهاتيك الجملة والتي قبلها اعتراض ~~لتحقيق المبشر به وتعظيم شأنه وليس من شرطه أن يكون بعده كلام متصل بما ~~قبله أو هذه تذييل والسابقة اعتراض «ولا يحزنك قولهم» تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئة عن مقالاتهم ~~الموحشة وتبشير له صلى الله عليه وسلم بأنه عز وجل ينصره ويعزه عليهم إثر ~~بيان أن له ولأتباعه أمنا من كل محذور وفوزا بكل مطلوب وقرئ ولا يحزنك من ~~أحزنه وهو في الحقيقة نهى له صلى الله عليه وسلم عن الحزن كأنه قيل لا تحزن ~~بقولهم ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك وسائر ما ~~يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه وإنما وجه النهى إلى قولهم للمبالغة في ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن لما أن النهي عن التأثر نهي عن التأثر ~~بأصله ونفى له بالمرة وقد يوجه النهى إلى اللازم والمراد هو النهى عن ~~الملزوم كما في قولك لا أرينك ههنا وتخصيص النهى عن الحزن بالإيراد مع شمول ~~النفي السابق للحزن أيضا لما أنه لم يكن فيه صلى الله ms1499 عليه وسلم في بعض ~~الأوقات نوع حزن فسلى عن ذلك وقوله تعالى شائبة خوف حتى ينهى عنه وربما كان ~~يعتريه صلى الله عليه وسلم «إن العزة» تعليل للنهي على طريقة الاستئناف أي ~~الغلبة والقهر «لله جميعا» أي في ملكته وسلطانه لا يملك أحد شيئا منها أصلا ~~لا هم ولا غيرهم فهو يقهرهم ويعصمك منهم وينصرك عليهم وقد كان كذلك فهي من ~~جملة المبشرات العاجلة وقرئ بفتح أن على صريح التعليل أي لأن العزة لله «هو ~~السميع العليم» يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافئهم ~~بذلك «ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض» أي العقلاء من الملائكة ~~والثقلين وتخصيصهم بالذكر للإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بغيرهم فإنهم مع ~~شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيدا له سبحانه مقهورين تحت قهره وملكته فما ~~عداهم من الموجودات أولى بذلك وهو مع ما فيه من التأكيد لما سبق من اختصاص ~~العزة بالله تعالى الموجب لسلوته صلى الله عليه وسلم وعدم مبالاته ~~بالمشركين وبمقالاتهم تمهيد لما لحق من قوله تعالى «وما يتبع الذين يدعون ~~من دون الله شركاء» وبرهان على بطلان PageV04P161 # ظنونهم واعمالهم المبنية عليها وما إما نافية وشركاء مفعول يتبع ومفعول ~~يدعون محذوف لظهوره أي ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء في الحقيقة ~~وإن سموها شركاء فاقتصر على أحدهما لظهور دلالته على الآخر ويجوز أن يكون ~~المذكور مفعول يدعون ويكون مفعول يتبع محذوفا لانفهامه من قوله تعالى «إن ~~يتبعون إلا الظن» أي ما يتبعون يقينا إنما يتبعون ظنهم الباطل وإما موصولة ~~معطوفة على من كأنه قيل ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي ~~وله شركاؤهم وتخصيصهم بالذكر مع دخولهم فيما سبق عبارة أو دلالة للمبالغة ~~في بيان بطلان اتباعهم وفساد ما بنوه عليه من ظنهم شركاءهم معبودين مع ~~كونهم عبيدا له سبحانه وإما استفهامية أي وأي شئ يتبعون أي لا يتبعون شيئا ~~ما يتبعون إلا الظن والحال الباطل كقوله تعالى ما تعبدون من دونه ms1500 إلا أسماء ~~سميتموها الخ وقرئ تدعون بالتاء فالاستفهام للتبكيت والتوبيخ كأنه قيل وأي ~~شئ يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين تقريرا لكونهم متبعين ~~لله تعالى مطيعين له وتوبيخا لهم على عدم اقتدائهم بهم في ذلك كقوله تعالى ~~أولئك الذيم يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى ~~الغيبة فقيل إن يتبع هؤلاء المشركون إلا الظن ولا يتبعون ما يتبعه الملائكة ~~والنبيون من الحق «وإن هم إلا يخرصون» يكذبون فيما ينسبوبه إليه سبحانه ~~ويحزرون ويقدرون أنهم شركاء تقدير باطلا «هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا» تنبيه على تفرده تعالى بالقدرة الكاملة والنعمة الشاملة ~~ليدلهم على توحده سبحانه باستحقاق العبادة وتقرير لما سلف من كون جميع ~~الموجودات الممكنة تحت قدرته وملكته المفصح عن اختصاص العزة به سبحانه ~~والجعل إن كان بمعنى الإبداع والخلق فمبصرا حال وإلا فلكم مفعوله الثاني أو ~~هو حال كما في الوجه الأول والمفعول الثاني لتسكنوا فيه أو هو محذوف بدل ~~عليه المفعول الثاني من الجملة الثانية كما أن العلة الغائية منها محذوفة ~~اعتمادا على ما في الأولى والتقدير هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا لتتحركوا فيه لمصالحكم كما سيجئ نظيره في قوله تعالى وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله الآية ~~فحذفت في كل واحد من الجانبين ما ذكر في الآخر اكتفاء بالمذكور عن المتروك ~~وإسناد الإبصار إلى النهار مجازى كالذي في نهاره صائم «إن في ذلك» أي في ~~جعل كل منهما كما وصف أو فيهما وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ~~ببعد منزلة المشار إليه وعلو رتبته «لآيات» عجيبة كثيرة أو آيات أخر غير ما ~~ذكر «لقوم يسمعون» أي هذه الآيات المتلوة ونظائرها المنبهة على تلك الآيات ~~التكوينية الآمرة بالتأمل فيها سماع تدبرو اعتبار فيعملون بمقتضاها وتخصيص ~~الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها «قالوا» ~~شروع في ذكر ضرب آخر من أباطيلهم ms1501 وبيان بطلانه «اتخذ الله ولدا» «اتخذ الله ~~ولدا» PageV04P162 # أي تبناه «سبحانه» تنزيه وتقديس له عما نسبوا إليه وتعجيب من كلمتهم ~~الحمقاء «هو الغني» على الإطلاق عن كل شئ في كل شئ وهو علة لتنزيهه سبحانه ~~وإيذان بأن اتخاذ الولد من أحكام الحاجة وقوله عز وجل «له ما في السماوات ~~وما في الأرض» أي من العقلاء وغيرهم تقرير لغناه وتحقيق لمالكيته تعالى لكل ~~ما سواه وقوله تعالى «إن عندكم من سلطان» أي حجة «بهذا» أي بما ذكر من ~~قولهم الباطل توضيح لبطلانه بتحقيق سلامة ما أقيم من البرهان الساطع عن ~~المعارض فمن في قوله تعالى من سلطان زائدة لتأكيد النفي وهو مبتدأ والظرف ~~المقدم خبره أو مرتفع على أنه فاعل للظرف لاعتماده على النفي وبهذا متعلق ~~إما بسلطان لأنه بمعنى الحجة والبرهان وإما بمحذوف وقع صفة له وإما بما في ~~عندكم من معنى الاستقرار كأنه قيل إن عندكم في هذا القول من سلطان ~~والالتفات إلى الخطاب لمزيد المبالغة في الإلزام والإفحام وتأكيد ما في ~~قوله تعالى «أتقولون على الله ما لا تعلمون» من التوبيخ والتقريع على جهلهم ~~واختلافهم وفيه تنبيه على أن كل مقالة لا دليل عليها فهي جهالة وأن العقائد ~~لا بد لها من برهان قطعي وأن التقليد بمعزل من الاعتداد به «قل» تلوين ~~للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم سوء مغبتهم ~~ووخامة عاقبتهم «إن الذين يفترون على الله الكذب» أي في كل أمر فيدخل ما ~~نحن بصدده من الافتراء بنسبة الولد والشريك إليه سبحانه دخولا أوليا «لا ~~يفلحون» أي لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلا وتخصيص عدم النجاة ~~والفوز بما يندرج في ذلك من عدم النجاة من النار وعدم الفوز بالجنة لا ~~يناسب مقام المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه «متاع في الدنيا» ~~كلام مستأنف سيق لبيان أن ما يتراءى فيهم بحسب الظاهر من نيل المطالب ~~والفوز بالحظوظ الدنيوية على الإطلاق أو في ضمن افترائهم بمعزل من أن يكون ~~من ms1502 جنس الفلاح كأنه قيل كيف لا يفلحون وهم في غبطة ونعيم فقيل هو متاع يسير ~~في الدنيا وليس بفوز بالمطلوب ثم أشير إلى انتفاء النجاة عن المكروه أيضا ~~بقوله عز وعلا «ثم إلينا مرجعهم» أي بالموت «ثم نذيقهم العذاب الشديد بما ~~كانوا يكفرون» فيبقون في الشقاء المؤبد بسبب كفرهم المستمر أو بكفرهم في ~~الدنيا فأين هم من الفلاح وقيل المبتدأ المحذوف حياتهم أو تقلبهم وقد قيل ~~إنه افتراؤهم ولا يخفى أن المتاع إنما يطلق على ما يكون مطبوعا عند النفس ~~مرغوبا فيه في نفسه يتمتع وينتفع به وإنما عدم الاعتداد به لسرعة زواله ~~ونفس الافتراء عليه سبحانه أقبح القبائح عند النفس فضلا عن أن يكون مطبوعا ~~عندها وعده كذلك باعتبار إجراء حكم ما يؤدى إليه من رياستهم عليه مما لا ~~وجه له فالوجه ما ذكر أولا وليس ببيعد ما قيل إن المحذوف هو الخبر أي لهم ~~متاع والآية إما مسوقة من جهة الله تعالى لتحقيق عدم إفلاحهم غير داخلة في ~~الكلام المأمور به كما يقتضيه ظاهر قوله تعالى ثم إلينا وقوله تعالى ثم ~~نذيقهم وإما داخلة فيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بنقله ~~وحكايته عنه عز وجل PageV04P163 # «واتل عليهم» أي على المشركين من أهل مكة وغيرهم لتحقيق ما سبق من أنهم ~~لا يفلحون وأن ما يتمتعون به على جناح الفوات وأنهم مشرفون على العذاب ~~الخالد «نبأ نوح» أي خبره الذي له شأن وخطر مع قومه الذين هم أضراب قومك في ~~الكفر والعناد ليتدبروا ما فيه من زوال ما تمتعوا به من النعيم وحلول عذاب ~~الغرق الموصول بالعذاب المقيم لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر أو تنكسر ~~شدة شكيمتهم أو يعترف بعضهم بصحة نبوتك بأن عرفوا أن ما تتلوه موافقا لما ~~ثبت عندهم من غير مخالفة بينهما أصلا مع علمهم بأنك لم تسمع ذلك من أحد ليس ~~إلا بطريق الوحي وفيه من تقرير ما سبق من كون الكل لله سبحانه واختصاص ~~العزة به تعالى وانتفاء الخوف والحزن ms1503 عن أوليائه عز وعلا قاطبة وتشجيع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ~~ما لا يخفى «إذ قال» معمول لنبأ أو بدل منه بدل اشتمال وأياما كان فالمراد ~~بعض نبئه صلى الله عليه وسلم لا كل ما جرى بينه وبين قومه واللام في قوله ~~تعالى «لقومه» للتبليغ «يا قوم إن كان كبر» أي عظم وشق «عليكم مقامي» أي ~~نفسي كما يقال فعلته لمكان فلان أي لفلان ومنه قوله تعالى ولمن خاف مقام ~~ربه أي خاف ربه أو قيامي ومكثى بين ظهرانيكم مدة طويلة أو قيامي «وتذكيري ~~بآيات الله» فإنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة يقومون على أرجلهم والجماعة ~~قعود ليظهر حالهم ويسمع مقالهم «فعلى الله توكلت» جواب الشرط أي دمت على ~~تخصيص التوكل به تعالى ويجوز أن يراد به إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب ~~التوكل «فأجمعوا أمركم» عطف على الجواب والفاء لترتيب الأمر بالإجماع على ~~التوكل لا لترتيب نفس الإجماع عليه أو هو الجواب وما سبق جملة معترضة ~~والإجماع العزم قيل هو متعد بنفسه وقيل فيه حذف وإيصال قال السدوسي أجمعت ~~الأمر أفصح من أجمعت عليه وقال أبو الهيثم أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما ~~كان متفرقا وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا وأخرى أفعل كذا وإذا عزم على أمر ~~واحد فقد جمعه أي جعله جميعا «وشركاءكم» بالنصب على أن الواو بمعنى مع كما ~~تدل عليه القراءة بالرفع عطفا على الضمير المتصل تنزيلا للفصل منزلة ~~التأكيد وإسناد الإجماع إلى الشركاء على طريقة التهكم وقيل إنه عطف على ~~أمركم بحذف المضاف أي أمر شركائهم وقيل منصوب بفعل محذوف أي وادعوا شركاءكم ~~وقد قرىء كذلك وقرئ فاجمعوا من الجمع أي فاعزموا على أمركم الذي تريدون بي ~~من السعي في إهلاكى واحتشدوا فيه على أي وجه يمكنكم «ثم لا يكن أمركم» ذلك ~~«عليكم غمة» أي مستورا من غمه إذا ستره بل مكشوفا مشهورا تجاهروننى به فإن ~~السر إنما يصار إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه فحيث استحال ms1504 ذلك ~~في حقي لم يكن للسروجه وإنما خاطبهم صلى الله عليه وسلم بذلك إظهارا لعدم ~~المبالاة بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبيلا وثقة بالله سبحانه وبما وعده من ~~عصمته وكلاءته فكلمة ثم للتراخى في PageV04P164 # الرتبة وإظهار الأمر في موقع الإضمار لزيادة تقرير يقتضيها مقام الأمر ~~بالإظهار الذي يستلزمه النهى عن التستر والإسرار وقيل المراد بأمرهم ما ~~يعتريهم من جهته صلى الله عليه وسلم من الحال الشديدة عليهم المكروهة لديهم ~~والغمة والغم كالكربة والكرب وثم للتراخى الزماني والمعنى لا يكن حالكم ~~عليكم غمة وتخلصوا بإهلاكى من ثقل مقامي وتذكيري ولا يخفى أنه لا يساعده ~~قوله عز وجل «ثم اقضوا إلي ولا تنظرون» أي أدوا إلى أي أحكموا ذلك الأمر ~~الذي تريدون بي ولا تمهلونى كقوله تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر أو أدوا إلى ~~ما هو حق عليكم عندكم من إهلاكى كما يقضى الرجل غريمه فإن توسيط ما يحصل ~~بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصل ~~بين الشجر ولحائه وقرئ أفضوا بالفاء أي انتهوا إلى بشركم أو ابرزوا إلى من ~~أفضى إذا خرج إلى الفضاء «فإن توليتم» الفاء لترتيب التولي على ما سبق ~~فالمراد به إما الاستمرار عليه وإما إحداث التولي المخصوص أي إن أعرضتم عن ~~نصيحتى وتذكيري إثر ما شاهدتم منى من مخايل صحة ما أقول ودلائلها التي من ~~جملتها دعوتي إياكم جميعا إلى تحقيق ما تريدون بي من السوء غير مبال بكم ~~وبما يأتي منكم وإحجامكم من الإجابة علما منكم بأنى على الحق المبين مؤيد ~~من عند الله العزيز «فما سألتكم» بمقابلة وعظى وتذكيري «من أجر» تؤدونه إلى ~~حتى يؤدى ذلك إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع والسؤال وإما لثقل دفع ~~المسؤول عليكم أو حتى يضرني توليكم المؤدى إلى الحرمان فالأول لإظهار بطلان ~~التولي ببيان عدم ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاته صلى الله عليه وسلم ~~بوجوده وعدمه وعلى التقديرين فالفاء الجزائية لسببية الشرط لإعلام مضمون ~~الجزاء لا لنفسه والمعنى إن توليتم فاعلموا أن ms1505 ليس في مصحح له ولا تأثر منه ~~وقوله عز وجل «إن أجري إلا على الله» ينتظم المعنيين جميعا خلا أنه على ~~الأول تأكيد وعلى الثاني تعليل لاستغنائه صلى الله عليه وسلم عنهم أي ما ~~ثوابي على العظة والتذكير إلا عليه تعالى يثيبنى به آمنتم أو توليتم «وأمرت ~~أن أكون من المسلمين» المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره أو ~~المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى «فكذبوه» فأصروا على ~~ما هم عليه من التكذيب بعد ما ألزمهم الحجة وبين لهم المحجة وحقق أن توليهم ~~ليس له سبب غير التمرد والعناد فلا جرم حقت عليهم كلمة العذاب «فنجيناه ومن ~~معه في الفلك» من المسلمين وكانوا ثمانين «وجعلناهم خلائف» من الهالكين ~~«وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا» أي بالطوفان وتأخير ذكره عن ذكر الإنجاء ~~والاستخلاف حسبما وقع في قوله عز وعلا ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة وغير ذلك من الآيات الكريمة ~~لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق ~~الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات ~~PageV04P165 # جرائم المجرمين 8 «فانظر كيف كان عاقبة المنذرين» تهويل لما جرى عليهم ~~وتحذير لمن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له صلى الله عليه وسلم ~~«ثم بعثنا» أي أرسلنا «من بعده» أي من بعد نوح عليه السلام «رسلا» التنكير ~~للتفخيم ذاتا ووصفا أي رسلا كراما ذوى عدد كثير «إلى قومهم» أي إلى أقوامهم ~~لكن لا بأن أرسلنا كل رسول منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم ما أي قوم كانوا ~~بل كل رسول إلى قومه خاصة مثل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود وغير ذلك ممن قص ~~منهم ومن لم يقص «فجاؤوهم» أي جاء كل رسول قومه المخصوصين به «بالبينات» أي ~~المعجزات الواضحة الدالة على صدق ما قالوا والباء إما متعلقة بالفعل ~~المذكور على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من ضمير جاءوا أي ملتبسين ~~بالبينات لكن ms1506 لا بأن يأتي كل رسول ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصة به ~~معينة له حسب اقتضاء الحكمة فإن مراعاة انقسام الآحاد إلى الآحاد إنما هي ~~فيما بين ضميري جاءوهم كما أشير إليه فما كانوا ليؤمنوا بيان لاستمرار عدم ~~إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرار إيمانهم كما مر مثله في هذه ~~السورة الكريمة غير مرة أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوام في وقت ~~من الأوقات أن يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعا منهم لشدة شكيمتهم في الكفر ~~والعناد ثم إن كان المحكى آخر حال كل قوم حسبما يدل عليه حكاية قوم نوح ~~فالمراد بعدم إيمانهم المذكور ههنا إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما ~~أشير إليه في قوله عز وجل بما كذبوا به من قبل تكذيبهم من حين مجيء الرسل ~~إلى زمان الإصرار والعناد وإنما لم يجعل ذلك مقصودا بالذات كالأول حيث جعل ~~صلة للموصول إيذانا بأنه بين بنفسه غنى عن البيان وإنما المحتاج إلى ذلك ~~عدم إيمانهم بعد تواتر البينات الظاهرة وتظاهر المعجزات الباهرة التي كانت ~~تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أصحاب العقول والموصول الذي تعلق به الإيمان ~~والتكذيب سلبا وإيجابا عبارة عن جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها ~~وفروعها وإن كان المحكى جميع أحوال كل قوم منهم فالمراد بما ذكر أولا كفرهم ~~المستمر من حين مجئ الرسل إلى آخره وبما أشير إليه آخرا تكذيبهم قبل مجيئهم ~~فلابد من كون الموصول المذكور عبارة عن أصول الشرائع التي أجمعت عليها ~~الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها آثر ذي أثير لاستحالة تبدلها وتغيرها مثل ~~ملة التوحيد ولوازمها ومعنى تكذيبهم بها قبل مجئ رسلهم أنهم ما كانوا في ~~زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوكيد قط بل كان كل قوم من أولئك ~~الأقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمود من بقايا عاد وعاد من بقايا ~~قوم نوح عليه السلام فيكذبونها ثم كانت حالتهم بعد مجيء الرسل كحالتهم قبل ~~ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد وتخصيص التكذيب وعدم ms1507 الإيمان بما ذكر من الأصول ~~لظهور حال الباقي بدلالة النص فإنهم حيث لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافة ~~الرسل فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به بعضهم أولى وعدم جعل هذا التكذيب مقصودا ~~بالذات لما أن ما عليه يدور أمر العذاب والعقاب PageV04P166 # عند اجتماع المكذبين هو التكذيب الواقع بعد الدعوة حسبما يعرب عنه قوله ~~تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وإنما ذكر ما وقع قبلها بيانا ~~لعراقتهم في الكفر والتكذيب وعلى التقديرين فالضمائر الثلاثة متوافقة في ~~المرجع وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح عليه السلام والمعنى فما كان قوم ~~الرسل ليؤمنوا بما كذب بمثله قوم نوح ولا يخفى ما فيه من التعسف وقيل الباء ~~للسببية أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل ولا يخفى ~~أن ذلك يؤدى إلى مخالفة الجمهور من جعل ما المصدرية من قبيل الأسماء كما هو ~~رأى الأخفش وابن السراج ليرجع إليها الضمير وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء ~~كونه مركوزا في الأذهان مالا يخفي من التعسف «كذلك» أي مثل ذلك الطبع ~~المحكم «نطبع» بنون العظمة وقرئ بالياء على أن الضمير لله سبحانه «على قلوب ~~المعتدين» المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد المتجافين عن ~~قبول الحق وسلوك طريق الرشاد وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم لانهماكهم في ~~الغى والضلال وفي أمثال هذا دلالة على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى ~~وكسب العبد «ثم بعثنا» عطف على قوله تعالى ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم ~~عطف قصة على قصة «من بعدهم» أي من بعد أولئك الرسل عليهم السلام «موسى ~~وهارون» خصت بعثتهما عليهما السلام بالذكر ولم يكتف باندراج خبرهما فيما ~~أشير إليه إشارة إجمالية من أخبار الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وأوثر في ~~ذلك ضرب تفصيل إيذانا بخطر شأن القصة وعظم وقعها كما في نبأ نوح عليه ~~السلام «إلى فرعون وملئه» أي أشراف قومه وتخصيصهم بالذكر لأصالتهم في إقامة ~~المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في النوازل والملمات «آياتنا» أي ~~ملتبسين بها وهى الآيات المفصلات في ms1508 الأعراف فاستكبروا الاستكبار ادعاء ~~الكبر من غير استحقاق والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا ~~عن اتباعهما وذلك قول للعين لموسى عليه السلام ألم نربك فينا وليدا ولبثت ~~فينا من عمرك سنين الخ «وكانوا قوما مجرمين» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي ~~كانوا معتادين لارتكاب الذنوب العظام فإن الإجرام مؤذن بعظم الذنب ومنه ~~الجرم أي الجثة فلذلك اجترءوا على ما اجترءوا عليه من الاستهانة برسالة ~~الله تعالى وحمل الاستكبار على الامتناع عن قبول الآيات لا يساعده قوله عزو ~~علا «فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين» فإنه صريح في أن ~~المراد باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجئ الحق الذي سموه سحرا أغنى العصا ~~واليد البيضاء كما ينبئ عنه سياق النظم الكريم وذلك أول ما أظهره صلى الله ~~عليه وسلم من الآيات العظام والفاء فيه أيضا فصيحة معربة عما صرح به في ~~مواضع أخر كأنه قيل قال موسى قد جئتكم ببينة من ربكم إلى قوله تعالى فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين فلما جاءهم الحق ~~من عندنا وعرفوه قالوا من فرط عتوهم PageV04P167 # وعنادهم إن هذا السحر مبين أي ظاهر كونه سحرا أو فائق في بابه واضح فيما ~~بين أضرابه وقرئ لساحر «قال موسى» استئناف مبنى على سؤال تنساق إليه ~~الأذهان كأنه قيل فماذا قال لهم موسى حينئذ فقيل قال على طريقة الاستفهام ~~الإنكارى التوبيخي «أتقولون للحق» الذي هو أبعد شيء من السحر الذي هو ~~الباطل البحت «لما جاءكم» أي حين مجيئه إياكم ووقوفكم عليه أو من أول الأمر ~~من غير تأمل وتدبر وكلا الحالين مما ينافي القول المذكور والمقول محذوف ثقة ~~بدلالة ما قبله وما بعده عليه وإيذانا بأنه مما لا ينبغي أن يتفوه به ولو ~~على نهج الحكاية أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحر يعنى به أنه مما لا ~~يمكن أن يقوله قائل ويتكلم به متكلم أو القول بمعنى العيب والطعن من قولهم ~~فلان يخاف القالة وبين الناس تقاول ms1509 إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيره ~~الذكر في قوله تعالى سمعنا فتى يذكرهم الخ فيستغنى عن المفعول أي أتعيبونه ~~وتطعنون فيه وعلى الوجهين فقوله عز وجل «أسحر هذا» إنكار مستأنف من جهته ~~عليه السلام لكونه سحرا وتكذيب لقولهم وتوبيخ لهم على ذلك إثر توبيخ وتجهيل ~~بعد تجهيل أما على الأول فظاهر وأما على الثاني فوجه إيثار إنكار كونه سحرا ~~على إنكار كونه معيبا بأن يقال مثلا أفيه عيب حسبما يقتضيه ظاهر الإنكار ~~السابق التصريح بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبيه بالإنكار ~~السابق على أن ليس فيه شائبة عيب ما وما في هذا من معنى القرب لزيادة تعيين ~~المشار إليه واستحضار ما فيه من الصفات الدالة على كونه آية باهرة من آيات ~~الله المنادية على امتناع كونه سحرا أي أسحر هذا الذي أمره واضح مكشوف ~~وشأنه مشاهد معروف بحيث لا يرتاب فيه أحد ممن له عين مبصرة وتقديم الخبر ~~للإيذان بأنه مصب الإنكار ولما استلزم كونه سحرا كون من اتى به ساحرا أكد ~~الانكار السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل بقوله عز وجل «ولا يفلح ~~الساحرون» وهو جملة حالية من ضمير المخاطبين والرابط هو الواو بلا ضمير كما ~~في قول من قال * جاء الشتاء ولست أملك عدة * وقولك جاء زيد ولم تطلع الشمس ~~أي أتقولون للحق إنه سحر والحال أنه لا يفلح فاعله أي لا يظفر بمطلوب ولا ~~ينجو من مكروه فكيف يمكن صدوره من مثلي من المؤيدين من عند الله العزيز ~~الحكيم الفائزين بكل مطلب الناجين من كل محذور وقوله تعالى أسحر هذا جملة ~~معترضة بين الحال وصاحبها أكد بها الإنكار السابق ببيان استحالة كونه سحرا ~~بالنظر إلى ذاته قبل بيان استحالته بالنظر إلى صدوره عنه عليه السلام هذا ~~وأما تجويز أن يكون الكل مقول القول على أن المعنى أجئتما بالسحر تطلبان به ~~الفلاح ولا يفلح الساحرون فمما لا يساعده النظم الكريم أصلا أما أولا فلأن ~~ما قالوا هو الحكم بأنه سحر من غير أن يكون ms1510 فيه دلالة على ما تعسف فيه من ~~المعنى بوجه من الوجوه فصرف جوابه صلى الله عليه وسلم عن صريح ما خاطبوه به ~~إلى مالا يفهم منه أصلا مما يجب تنزيه النظم التنزيلي عن الحمل على أمثاله ~~وأما ثانيا فلان التعرض لعدم إفلاح السحرة على الإطلاق من وظائف من يتمسك ~~بالحق المبين دون الكفرة المتشبثين بإذيال بعض منهم في معارضته صلى الله ~~عليه وسلم ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيص عدم الإفلاح بمن زعموه ساحرا ~~بناء على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثا فلأن قوله عز وجل ~~PageV04P168 # «قالوا أجئتنا» الخ مسوق لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ألقمهم الحجر ~~فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه صلى الله عليه وسلم فضلا عن ~~الجواب الصحيح واضطروا إلى التثبت بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج ~~وديدن كل معاند لجوج على أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلامه صلى الله ~~عليه وسلم على طريقة قوله تعالى قال موسى الخ حسبما أشير إليه كأنه قيل ~~فماذا قالوا لموسى عليه السلام عندما قال لهم ما قال فقيل قالوا عاجزين عن ~~المحاجة أجئتنا «لتلفتنا» أي لتصرفنا فإن الفتل واللفت أخوان «عما وجدنا ~~عليه آباءنا» أي من عبادة الأصنام ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ~~ذكر من تتمة كلامه عليه السلام على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونه محكيا ~~من قبلهم يكون جوابه عليه السلام خاليا عن التبكيت الملجئ لهم إلى العدول ~~عن سنن المحاجة ولا ريب في أنه لا علاقة بين قولهم أجئتنا الخ وبن إنكاره ~~عليه السلام لما حكى عنهم مصصحة لكونه جوابا عنه «وتكون لكما الكبرياء» أي ~~الملك أو التكبر على الناس باستتباعهم وقرئ ويكون بالياء التحتانية وكلمة ~~في في قوله تعالى «في الأرض» أي أرض مصر متعلقة بتكون أو بالكبرياء أو ~~بالاستقرار في لكما لوقوعه خبرا أو بمحذوف وقع حالا من الكبرياء أو من ~~الضمير في لكما لتحمله إياه «وما نحن لكما بمؤمنين» أي ms1511 بمصدقين فيما جئتما ~~به وتثنية الضمير في هذين الموضعين بعد إفراده فيما تقدم من المقامين ~~باعتبار شمول الكبرياء لهما عليهما السلام واستلزام التصديق لأحدهما ~~التصديق للآخر وأما اللفت والمجئ له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعة اسند ~~إلى موسى عليه السلام خاصة «وقال فرعون» توحيد الفعل لأن الأمر من وظائف ~~فرعون أي قال لملئه يأمرهم بترتيب مبادئ إلزامهما عليهما السلام بالفعل بعد ~~اليأس من إلزامها بالقول «ائتوني بكل ساحر عليم» بفنون السحر حاذق ماهر فيه ~~وقرئ سحار «فلما جاء السحرة» عطف على مقدر يستدعيه المقام قد حذف إيذانا ~~بسرعة امتثالهم لأمر فرعون كما هو شأن الفاء الفصيحة في كل مقام أي فأتوا ~~به فلما جاءوا «قال لهم موسى» لكن لا في ابتداء مجيئهم بل بعد ما قالوا ~~عليه السلام ما حكى عنهم في السور الأخر من قولهم إما أن تلقى وإما أن نكون ~~نحن الملقين ونحو ذلك «ألقوا ما أنتم ملقون» أي ملقون له كائنا ما كان من ~~أصناف السحر «فلما ألقوا» ما ألقوا من العصى والحبال واسترهبوا الناس ~~وجاءوا بسحر عظيم «قال» لهم «موسى» غير مكترث بهم وبما صنعوا «ما جئتم به ~~السحر» ما موصولة PageV04P169 # وقعت مبتدأ والسحر خبره أي هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه من آيات الله ~~سبحانه أو هو من جنس السحر يريهم أن حاله بين لا يعبأ به كأنه قال ما جئتم ~~به مما لا ينبغي أن يجاء به وقرئ آلسحر على الاستفهام فما استفهامية أي أي ~~شيء جئتم به أهو السحر الذي يعرف حاله كل أحد ولا يتصدى له عاقل وقرئ ما ~~جئتم به سحر وقرئ ما أتيتم به سحر ودلالتهما على المعنى الثاني في القراءة ~~المشهورة أظهر «إن الله سيبطله» أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من ~~المعجزة فلا يبقى له أثر أصلا أو سيظهر بطلانه للناس والسين للتأكيد «إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين» أي عمل جنس المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه ~~السحر دخولا أوليا أو عملكم فيكون من باب ms1512 وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل ~~عليهم بالإفساد والإشعار بعلة الحكم وليس المراد بعدم إصلاح عملهم عدم جعل ~~فسادهم صلاحا بل عدم إثابته وإتمامه أي لا يثبته ولا يكلمه ولا يديمه بل ~~يمحقه ويهلكه ويسلط عليه الدمار والجملة تعليل لما سبق من قوله إن الله ~~سيبطله والكل اعتراض تذييلى وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة ~~له «ويحق الله الحق» عطف على قوله سيبطله أي يثبته ويقويه وإظهار الاسم ~~الجليل في المقامين الأخيرين لإلقاء الروعة وتربية المهابة «بكلماته» ~~بأوامره وقضاياه وقرئ بكلمته «ولو كره المجرمون» ذلك والمراد بهم كل من ~~اتصف بالإجرام من السحرة وغيرهم «فما آمن لموسى» معطوف على مقدر قد فصل في ~~مواقع أخر أي فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون الخ وإنما لم يذكر تعويلا ~~على ذلك وإيثار للإيجاز وإيذانا بأن قوله تعالى إن الله سيبطله مما لا ~~يحتمل الخلف أصلا وعطفه على ذلك بالفاء مع كونه عدما مستمرا من قبيل ما في ~~قوله عز وجل فاتبعوا أمر فرعون وما في قولك وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ~~ينزجر والسر في ذلك أن الإتيان بالشئ بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان ~~استمرار عليه لكنه بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث أي فما آمن له عليه ~~السلام بمشاهدة تلك الآيات القاهرة «إلا ذرية من قومه» أي إلا أولاد من ~~أولاد قومه بنى إسرائيل حيث دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته ~~طائفة من شبانهم وقيل الضمير لفرعون والذرية طائفة من شبابهم أمنوا به عليه ~~السلام أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنه وامرأته وماشطته وهو بعيد ~~«على خوف» أي كائنين على خوف عظيم «من فرعون وملئهم» الضمير لفرعون والجمع ~~لما هو المعتاد في ضمائر العظماء ولا يأباه مقام بيان علوه في الفساد وغلوه ~~في الشر والتسلط على العباد أو لأن المراد به آله كما يقال ربيعة ومضر أو ~~للذرية أو للقوم أي على خوف من فرعون ومن اشراف بنى إسرائيل حيث كانوا ~~يمنعون ms1513 أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم «أن يفتنهم» PageV04P170 # أي يعذبهم وهو بدل اشتمال أو مفعول خوف فإن إعمال المصدر المنكر كثير كما ~~في قوله عز وجل أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما أو مفعول له بعد حذف اللام ~~وإسناد الفعل إلى فرعون خاصة لأنه الآمر بالتعذيب «وإن فرعون لعال في ~~الأرض» لغالب في أرض مصر «وإنه لمن المسرفين» في الظلم والفساد بالقتل وسفك ~~الدماء أو في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء ~~والجملتان اعتراض تذييلى مؤكد لمضمون ما سبق «وقال موسى» لما رأى تخوف ~~المؤمنين منه «يا قوم إن كنتم آمنتم بالله» أي صدقتم به وبآياته «فعليه ~~توكلوا» وبه ثقوا ولا تخافوا أحدا غيره فإنه كافيكم كل شر وضر «إن كنتم ~~مسلمين» مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له وليس هذا من تعليل الحكم ~~بشرطين فإن المعلل بالإيمان وجوب التوكل عليه تعالى فإنه المقتضى له ~~والمشروط بالإسلام وجوده فإنه لا يتحقق مع التخليط ونظيره إن أحسن إليك زيد ~~فأحسن إليه إن قدرت عليه «فقالوا» مجيبين له عليه السلام من غير تلعثم في ~~ذلك «على الله توكلنا» لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ثم دعوا ربهم قائلين ~~«ربنا لا تجعلنا فتنة» أي موقع فتنة «للقوم الظالمين» أي لا تسلطهم علينا ~~حتى يعذبونا أو يفتنونا عن ديننا أو يفتتنوا بنا ويقولوا لو كان هؤلاء على ~~الحق لما أصيبوا وقوله تعالى «ونجنا برحمتك من القوم الكافرين» دعاء منهم ~~بالإنجاء من سوء جوارهم وشؤم مصاحبتهم بعد الإنجاء من ظلمهم ولذلك عبر عنهم ~~بالكفر بعد ما وصفوا بالظلم وفي ترتيب الدعاء على التوكل تلويح بأن الداعي ~~حقه أن يبنى دعاءه على التوكل على الله تعالى «وأوحينا إلى موسى وأخيه أن ~~تبوآ» أن مفسرة لأن في الوحي معنى القول أي اتخذا مباءة «لقومكما بمصر ~~بيوتا» تسكنون فيها وترجعون إليها للعبادة «واجعلوا» أنتما وقومكما ~~«بيوتكم» تلك «قبلة» مصلى وقيل مساجد متوجهة نحو القبلة يعنى الكعبة فإن ~~موسى عليه السلام كان يصلى إليها «وأقيموا الصلاة» أي فيها ms1514 أمروا بذلك في ~~أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم «وبشر ~~المؤمنين» بالنصرة في الدنيا إجابة لدعوتهم والجنة في العقبى وإنما ثنى ~~الضمير أولا لأن التبوؤ للقوم واتخاد المعابد مما يتولاه رؤساء القوم ~~بتشاور ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما يفعله كل أحد ثم وحد ~~لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة ووضع المؤمنين موضع ضمير القوم لمدحهم ~~بالايمان وللإشعار بأنه المدار في التبشير PageV04P171 # «وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة» أي ما يتزين به من اللباس ~~والمراكب ونحوها «وأموالا» وأنواعا كثيرة من المال «في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك» دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم بممارسة أحوالهم أنه لا ~~يكون غيره كقولك لعن الله إبليس وقيل اللام للعاقبة وهى متعلقة بآتيت أو ~~للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال ولأنهم لما ~~جعلوها ذريعة إلى الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون ربنا تكرير للأول ~~تأكيدا أو تنبيها على أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله تعالى ~~«ربنا اطمس على أموالهم» الطمس المحو وقرئ بضم الميم أي أهلكها «واشدد على ~~قلوبهم» أي اجعلها قاسية واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان كما هو قضية ~~شأنهم «فلا يؤمنوا» جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهى أو عطف على ليضلوا وما ~~بينهما دعاء معترض «حتى يروا العذاب الأليم» أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ~~ينفعهم ذلك إذ ذاك «قال قد أجيبت دعوتكما» يعنى موسى وهارون عليهما السلام ~~لأنه كان يؤمن كما يشعر به إضافة الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في ~~المواقع الثلاثة «فاستقيما» فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوى وإلزام ~~الحجة ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن في وقته لا محالة روى أنه مكث فيهم ~~بعد الدعاء أربعين سنة «ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون» أي بعادات الله ~~سبحانه في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلة في الاستعجال أو ~~عدم الوثوق بوعد الله تعالى وقرئ بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين ~~ولا تتبعان من ms1515 تبع ولا تتبعان أيضا «وجاوزنا ببني إسرائيل البحر» هو من ~~جاوز المكان إذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحر بأن ~~جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط وقرئ جوزنا وهو من التجويز المرادف ~~للمجاوزة لا مما هو بمعنى التنفيذ نحو ما وقع في قول الأعشى * كما جوز ~~السكى في الباب فيتق * وإلا لقيل وجوزنا نبي إسرائيل في البحر ولخلا النظم ~~الكريم عن الإيذان بانفصالهم عن البحر وبمقارنة العناية الإلهية لهم عند ~~الجواز كما هو المشهور في الفرق بين أذهبه وذهب به «فأتبعهم» يقال تبعته ~~حتى اتبعته إذا كان سبقك فلحقته أي أدركهم ولحقهم 8 فرعون وجنوده 8 حتى ~~تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان 8 بغيا وعدوا 8 ظلما واعتداء PageV04P172 # أي باغين وعادين أو للبغى والعدوان وقرئ وعدوا وذلك أن موسى عليه السلام ~~خرج ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل ~~إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده ~~أجمعين فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم «حتى إذا ~~أدركه الغرق» أي لحقه وألجمه «قال آمنت أنه» أي بأنه والضمير للشأن وقرئ ~~إنه على الاستئناف بدلا من آمنت وتفسير له «لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل» لم يقل كما قاله السحرة آمنا برب العالمين رب موسى وهارون بل عبر ~~عنه تعالى بالموصول وجعل صلته إيمان بنى إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه ~~عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا في القبول والانتظام معهم في ~~سلك النجاة «وأنا من المسلمين» أي الذين أسلموا نفوسهم لله أي جعلوها سالمة ~~خاصة له تعالى وأراد بهم إما بنى إسرائيل خاصة وإما الجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أولياء والجملة على الأول عطف على آمنت وإيثار الاسمية لا دعاء ~~الدوام والاستمرار وعلى الثاني يحتمل الحالية أيضا من ضمير المتكلم أي آمنت ~~مخلصا لله منتظما في سلك الراسخين فيه ولقد كرر المعنى الواحد بثلاث عبارات ~~حرصا على القبول المفضى ms1516 إلى النجاة وهيهات هيهات بعد ما فات ما فات وأتى ما ~~هو آت وقوله عز وجل 8 «الآن» مقول لقول مقدر معطوف على قال أي فقيل آلآن ~~وهو إلى قوله تعالى آية حكاية لما جرى منه سبحانه من الغضب على المخذول ~~ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكار التوبيخى على تأخيره وتقريعه ~~بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكور وإبراز الخبر المحكى في ~~صورة الإنشاء من الدلالة على عظم السخط وشدة الغضب مالا يخفى كما يفصح عنه ~~ما روى من أن جبريل دس فاه عند ذلك يحال البحر وسده به فإنه تأكيد الرد ~~القولي بالرد الفعلي ولا ينافيه تعليله بمخافة إدراك الرحمة فيما نقل أنه ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم فلو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر ~~فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة إذ المراد بها الرحمة الدنيوية أي ~~النجاة التي هي طلبة المخذول وليس من ضرورة إدراكها صحة الإيمان كما في ~~إيمان قوم يونس عليه السلام حتى يلزم من كراهته مالا يتصور في شأن جبريل ~~عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالة في ترتب هذه الرحمة على مجرد ~~التفوه بكلمة الإيمان وإن كان ذلك في حالة البأس واليأس فيحمل دسه صلى الله ~~عليه وسلم على سد باب الاحتمال البعيد لكمال الغيظ وشدة الحرد فتدبر والله ~~الموفق وحق العامل في الظرف أن يقدر مؤخرا ليتوجه الإنكار والتوبيخ إلى ~~تأخير الإيمان إلى حد يمتنع قبوله فيه أي آلآن تؤمن حين يئست من الحياة ~~وأيقنت بالممات وقوله عز وعلا «وقد عصيت قبل» حال من فاعل الفعل المقدر جئ ~~به لتشديد التوبيخ والتقريع على تأخير الإيمان إلى هذا الآن ببيان أنه لم ~~يكن تأخيره لعدم بلوغ الدعوة إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياته ولا ~~لشئ آخر مما عسى يعد عذرا في التأخير بل كان ذلك على طريقة الرد والاستعصاء ~~والإفساد فإن قوله تعالى «وكنت من المفسدين» عطف على عصيت داخل في حيز ~~الحال أي وكنت من ms1517 الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان كقوله تعالى الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم PageV04P173 # عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون فهذا عبارة عن فساده الراجع إلى نفسه ~~والسارى إلى غيره من الظلم والتعدى وصد بنى إسرائيل عن الإيمان والأول عن ~~عصيانه الخاص به «فاليوم ننجيك» أي نخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ~~ونجعلك طافيا وفي التعبير عنه بالتنجية تلويح بأن مراده بالإيمان هو النجاة ~~كما مر وتهكم به أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل وقرئ ننجيك ~~من الإنجاء وننحيك بالحاء من التنحية أي نلقيك بناحية الساحل «ببدنك» في ~~موضع الحال من ضمير المخاطب أي ننجيك ملابسا ببدنك فقط لا مع روحك كما هو ~~مطلوبك فهو تخييب له وحسم لأطماعه بالمرة أو عاريا عن اللباس أو كاملا سويا ~~أو بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها وقرئ بأبدانك أي بأجزاء بدنك كلها ~~كقولهم هوى بأجرامه أو بدروعك كأنه كان مظاهرا بينها «لتكون لمن خلفك آية» ~~لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم ~~أنه لا يهلك حتى يروى أنهم لم يصدقوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه ~~إلى أن عاينوه مطرحا على ممرهم من الساحل أو تكون لمن يأتي بعدك من الأمم ~~إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالا من الطغيان أو حجة تدلهم على أن ~~الإنسان وإن بلغ الغاية القصوى من عظم الشأن وعلو الكبرياء وقوة السلطان ~~فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية وقرئ لمن خلفك فعلا ماضيا أي لمن ~~خلفك من الجبابرة وقرئ لمن خلقك بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر الآيات ~~فإن إفراده سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليل على أنه قصد منه لكشف ~~تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك وبرهان نير على كمال علمه وقدرته وحكمته ~~وإرادته وهذا الوجه محتمل على القراءة المشهورة أيضا وفي تعليل تنجيته بما ~~ذكر إيذان بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدة إليه بل لكمال ~~الاستهانة به ms1518 وتفضيحه على رؤوس الأشهاد وزيادة تفظيع حاله كمن يقتل ثم يجر ~~جسده في الأسواق أو يدار برأسه في البلاد واللام الأولى متعلقة بننجيك ~~والثانية بمحذوف وقع حالا من آية أي كائنة لمن خلفك «وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون» لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها وهو اعتراض تذييلى جيء به ~~عند الحكاية تقريرا لفحوى الكلام المحكى «ولقد بوأنا بني إسرائيل» كلام ~~مستأنف سيق لبيان النعم الفائضة عليهم إثر نعمة الإنجاء على وجه الإجمال ~~وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها أي أسكناهم وأنزلناهم بعد ما أنجيناهم ~~وأهلكنا أعداءهم «مبوأ صدق» أي منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر ملكوهما ~~بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا PageV04P174 # في نواحيهما حسبما نطق به قوله تعالى «وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها» «ورزقناهم من الطيبات» أي ~~اللذائذ «فما اختلفوا» في أمر دينهم «حتى جاءهم العلم» أي إلا بعد ما جاءهم ~~العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها أو في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~إلا من بعد ما علموا صدق نبوته وتظاهر معجزاته فالمراد بالمختلفين أعقابهم ~~الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم «إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» فيميز بين المحق والمبطل بالإثابة ~~والتعذيب «فإن كنت في شك» أي في شك ما يسير على الفرض والتقدير فإن مضمون ~~الشرطية إنما هو تعليق شيء بشيء من غير تعرض لإمكان شيء منهما كيف لا وقد ~~يكون كلاهما ممتنعا كقوله عز وجل قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ~~وقوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك ونظائرهما «مما أنزلنا إليك» من القصص ~~التي من جملتها قصة فرعون وقومه وأخبار بنى إسرائيل «فاسأل الذين يقرؤون ~~الكتاب من قبلك» فإن ذلك محقق عندهم ثابت في كتبهم حسبما ألقينا إليك ~~والمراد إظهار نبوته صلى الله عليه وسلم بشهادة الأحبار حسبما هو المسطور ~~في كتبهم وإن لم يكن إليه حاجة أصلا أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم ~~بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم أو ms1519 تهييجه صلى الله عليه وسلم وزيادة تثبيته ~~على ما هو عليه من اليقين لا تجويز صدور الشك منه صلى الله عليه وسلم ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم لا أشك ولا اسأل وقيل المراد بالموصول مؤمنوا أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وتميم الداري وكعب وأضرابهم وقيل الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت إيها السامع في ~~شك مما أنزلنا إليك على لسان نبينا وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في ~~الدين ينبغي ان يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم وقرئ فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب «لقد جاءك الحق» الذي لا محيد عنه ولا ريب في حقيته «من ربك» ~~وظهر ذلك بالآيات القاطعة التي لا يحوم حولها شائبة الارتياب وفي التعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من التشريف ما لا ~~يخفى «فلا تكونن من الممترين» بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين ودم ~~على ذلك كما كنت من قبل «ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله» من باب ~~التهييج والإلهاب والمراد به إعلام أن التكذيب من القبح والمحذورية بحيث ~~ينبغي أن ينهى عنه من لا يتصور إمكان صدوره عنه فكيف بمن يمكن اتصافه به ~~وفيه قطع لأطماع الكفرة «فتكون» بذلك «من الخاسرين» أنفسا وأعمالا 8 إن ~~الذين حقت عليهم 8 شروع في بيان سر إصرار الكفرة على ما هم عليه من الكفر ~~والضلال أي ثبتت ووجبت بمقتضى المشيئة المبنية على الحكمة البالغة «كلمة ~~ربك» حكمة وقضاؤه PageV04P175 # بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله تعالى «ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم» إلى آخره «لا يؤمنون» ابدا إذ لا كذب لكلامه ولا انتقاض ~~لقضائه أي لا يؤمنون إيمانا نافعا واقعا في أوانه فيندرج فيهم المؤمنون عند ~~معاينة العذاب مثل فرعون باقيا عند الموت فيدخل فيهم المرتدون «ولو جاءتهم ~~كل آية» واضحة المدلول مقبولة لدى العقول لأن سبب إيمانهم وهو تعلق إرادته ~~تعالى به مفقود لكن فقدانه ليس ms1520 لمنع منه سبحانه مع استحقاقهم له بل لسوء ~~اختيارهم المتفرع على عدم استعدادهم لذلك «حتى يروا العذاب الأليم» كدأب آل ~~فرعون وأضرابهم «فلولا كانت» كلام مستأنف لتقرير ما سبق من استحالة إيمان ~~من حقت عليهم كلمته تعالى لسوء اختيارهم مع تمكنهم من التدارك فيكون ~~الاستثناء الآتي بيانا لكون قوم يونس عليه السلام ممن لم يحق عليه الكلمة ~~لاهتدائهم إلى التدارك في وقته ولولا بمعنى هلا وقرئ كذلك أي فلا كانت ~~«قرية» من القرى المهلكة «آمنت» قبل معاينة العذاب ولم تؤخر إيمانها إلى ~~حين معاينته كما فعل فرعون وقومه «فنفعها إيمانها» بأن يقبله الله تعالى ~~منها ويكشف بسببه العذاب عنها «إلا قوم يونس» استثناء منقطع أي لكن قوم ~~يونس «لما آمنوا» أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله «كشفنا ~~عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا» بعد ما أظلهم وكاد يحل بهم ويجوز أن ~~تكون الجملة في معنى النفي كما يفصح عنه حرف التخصيص فيكون الاستثناء متصلا ~~إذ المراد بالقرى أهاليها كأنه قيل ما آمنت طائفة من الأمم العاصية فنفعهم ~~إيمانهم إلا قوم يونس عليه السلام فيكون قوله تعالى لما آمنوا استئنافا ~~لبيان نفع إيمانهم ويؤيده قراءة الرفع على البدلية «ومتعناهم» بمتاع الدنيا ~~بعد كشف العذاب عنهم «إلى حين» مقدر لهم في علم الله سبحانه روى أن يونس ~~عليه السلام بعث إلى نينوى من ارض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا فلما ~~فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة وقيل قال لهم ~~يونس عليه السلام أجلكم أربعون ليلة فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ~~فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم ~~يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسود سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد ~~بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب ~~وأولادها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة ~~وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه ms1521 بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى أن الرجل ~~كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده إلى صاحبه وقيل خرجوا إلى ~~الشيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى فقال لهم قولوا يا ~~حي حين لا حي ويا حي محي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها PageV04P176 # فكشف عنهم وعن الفضيل بن عياض قالوا إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم ~~منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله «ولو شاء ربك ~~لآمن من في الأرض» تحقيق لدوران إيمان كافة المكلفين وجودا وعدما على قطب ~~مشيئته تعالى مطلقا إثر بيان تبعية كفر الكفرة لكلمته ومفعول المشيئة محذوف ~~لوجود ما يقتضيه من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وأن لا يكون في ~~تعلقها به غرابة كما هو المشهور أي لو شاء سبحانه إيمان من في الأرض من ~~الثقلين لآمن «كلهم» بحيث لا يشد عنهم أحد «جميعا» مجتمعين على الإيمان لا ~~يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفا للحكمة التي عليها بنى أساس ~~التكوين والتشريع وفيه دلالة على أن من شاء الله تعالى إيمانه يؤمن لا ~~محالة «أفأنت تكره الناس» على ما لم يشأ الله منهم حسبما ينيء عنه حرف ~~الامتناع في الشرطية والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل ~~أربك لا يشاء ذلك فأنت تكرههم «حتى يكونوا مؤمنين» فيكون الإنكار متوجها ~~إلى ترتيب الإكراه المذكور على عدم مشيئته تعالى ويجوز أن تكون الفاء ~~لترتيب الإنكار على عدم مشيئته تعالى بناء على أن الهمزة متأخرة في ~~الاعتبار وإنما قدمت لاقتضائها الصدارة كما هو رأى الجمهور وأيا ما كان ~~فالمشيئة على إطلاقها إذ لا فائدة بل لا وجه لاعتبار عدم مشيئة الإلجاء ~~خاصة في إنكار الترتيب عليه أو ترتيب الإنكار عليه وفي إيلاء الاسم حرف ~~الاستفهام إيذان بأن الإكراه أمر ممكن لكن الشأن في المكره من هو وما هو ~~إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه القادر على أن يفعل ms1522 في قلوبهم ما يضطرهم إلى ~~الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر وفيه إيذان باعتبار الإلجاء في المشيئة كما ~~أشير إليه «وما كان لنفس» بيان لتبعية إيمان النفوس المؤمنة لمشيئته تعالى ~~وجودا بعد بيان الدوران الكلى عليها وجودا وعدما أي ما صح وما استقام لنفس ~~من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمن «أن تؤمن إلا بإذن الله» أي ~~بتسهيله ومنحه للألطاف وإنما خصت النفس بمن ذكر ولم يجعل من قبيل قوله ~~تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله لأن الاستثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حال كونها ملابسة ~~بإذنه تعالى فلا بد من كون الإيمان مما يؤول إليه حالها كما أن الموت مآل ~~لكل نفس بحيث لا محيص لها عنه فلا بد من تخصيص النفس بمن ذكر فإن النفوس ~~التي علم الله أنها لا تؤمن ليس لها حال تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من ~~غيرها «ويجعل الرجس» أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارة ~~عن القبيح المستقذر المستكره لكونه علما في القبح والاستكراه وقيل هو ~~العذاب أو الخذلان المؤدى إليه وقرى بنون العظمة وقرئ بالزاي أي يجعل الكفر ~~ويبقيه «على الذين لا يعقلون» لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات ~~أولا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع PageV04P177 # فلا يحصل لهم الهداية التي عبر عنها بالإذن فيبقون مغمورين بقبائح الكفر ~~والضلال أو مقهورين بالعذاب والنكال والجملة معطوفة على مقدر ينسحب عليه ~~النظم الكريم كأنه قيل فيأذن لهم بمنح الألطاف ويجعل الخ «قل» مخاطبا لأهل ~~مكة بعثا لهم على التدبر في ملكوت السماوات والأرض وما فيهما من تعاجيب ~~الآيات الأنفسية والآفاقية ليتضح لك أنهم من الذين لا يعقلون وحقت عليهم ~~الكلمة «انظروا» أي تفكروا وقرئ بنقل حركة الهمزة إلى لام قل «ماذا في ~~السماوات والأرض» أي أي شيء بديع فيهما من عجائب صنعه الدالة على وحدته ~~وكمال قدرته على أن ماذا جعل بالتركيب اسما ms1523 واحدا مغلبا فيه الاستفهام على ~~اسم الإشارة فهو مبتدأ خبره الظرف ويجوز أن يكون ما مبتدأ وذا بمعنى الذي ~~والظرف صلته والجملة خبر للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبر في محل ~~النصب بإسقاط الخافض وفعل النظر معلق بالاستفهام «وما تغني» أي ما تنفع ~~وقرئ بالتذكير «الآيات» وهي التي عبر عنها بقوله تعالى ماذا في السماوات ~~والأرض «والنذر» جمع نذير على أنه فاعل بمعنى منذر أو على أنه مصدر أي لا ~~تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات «عن قوم لا يؤمنون» في علم الله ~~تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ويجوز كون ما ~~استفهامية إنكارية في موضع النصب على المصدرية أي أي إغناء تغنى الخ ~~فالجملة حينئذ اعتراضية «فهل ينتظرون» أي مشركو مكة وأضرابهم «إلا مثل أيام ~~الذين خلوا» أي إلا يوما مثل أيام الذين خلوا «من قبلهم» من مشركي الأمم ~~الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم ~~أيام العرب لوقائعها «قل» تهديدا لهم «فانتظروا» ما هو عاقبتكم «إني معكم ~~من المنتظرين» لذلك «ثم ننجي رسلنا» بالتشديد وقرئ بالتخفيف وهو عطف على ~~مقدر يدل عليه قوله مثل أيام الذين خلوا وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة ~~إلى التهديد ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا رسلنا ~~المرسلة إليهم «والذين آمنوا» وصيغة الاستقبال لحكاية الأحوال الماضية ~~لتهويل أمرها باستحضار صورها وتأخير حكاية التنجية عن حكاية الإهلاك على ~~عكس ما في قوله تعالى فنجيناه ومن معه في الفلك الخ ونظائره الواردة في ~~مواقع عديدة ليتصل به قوله عز وجل «كذلك» أي مثل ذلك الإنجاء «حقا علينا» ~~اعتراض بين العامل والمعمول أي حق ذلك حقا وقيل بدل من المحذوف الذي ناب ~~عنه كذلك أي إنجاء مثل ذلك حقا والكاف متعلقة بقوله تعالى «ننجي المؤمنين» ~~أي من كل شدة وعذاب والجملة تذييل لما قبلها مقرر لمضمونه والمراد ~~بالمؤمنين إما الجنس المتناول للرسل عليهم السلام والأتباع وإما الأتباع ~~فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل ms1524 إيذانا بعدم الحاجة إليه وأيا ما كان ففيه ~~PageV04P178 # تنبيه على أن مدار النجاة هو الإيمان «قل» لجمهور المشركين «يا أيها ~~الناس» أوثر الخطاب باسم الجنس مصدرا بحرف التنبيه تعميما للتبليغ وإظهارا ~~لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم «إن كنتم في شك من ديني» الذي أتعبد الله ~~عز وجل به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفته «فلا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله» في وقت من الأوقات «ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم» ثم يفعل بكم ~~ما يفعل من فنون العذاب أي فاعلموا أنه تخصيص العبادة به ورفض عبادة ما ~~سواه من الأصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا وتقديم ترك عبادة الغير على ~~عبادته تعالى لتقدم التخلية على التحلية كما في كلمة التوحيد وللإيذان ~~بالمخالفة من أول الأمر أو إن كنتم في شك من صحة ديني وسداده فاعلموا أن ~~خلاصته إخلاص العبادة لمن بيده الإيجاد والإعدام دون ما هو بمعزل منهما من ~~الأصنام فاعرضوها على عقولكم وأجيلوا فيها أفكاركم وانظروا فيها بعين ~~الإنصاف لتعلموا أنه حق لا ريب فيه وفي تخصيص التوفي بالذكر متعلقا بهم ما ~~لا يخفى من التهديد والتعبير عما هم فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة ~~للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه للعاقل في هذا الباب هو الشك في صحته وأما ~~القطع بعدمها فمما لا سبيل إليه أو إن كنتم في شك من ثباتي على الدين ~~فاعلموا أني لا أتركه أبدأ «وأمرت أن أكون من المؤمنين» بما دل عليه العقل ~~ونطق به الوحي وهو تصريح بأن ما هو عليه من دين التوحيد ليس بطريق العقل ~~الصرف بل بالإمداد السماوي والتوفيق الإلهي وحذف حرف الجر من أن يجوز أن ~~يكون من باب الحذف المطرد مع أن وأن يكون خاصا بفعل الأمر كما في قوله ~~أمرتك الخير فافعل ما أمرت به «وأن أقم وجهك للدين» عطف على أن أكون خلا أن ~~صلة أن محكية بصيغة الأمر ولا ضير في ذلك لأن مناط جواز وصلها بصيغ الأفعال ~~دلالتها على المصدر ms1525 وذلك لا يختلف بالخبرية والطلبية ووجوب كون الصلة خبرية ~~في الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف إلا ~~بالجمل الخبرية وليس الموصول الحرفي كذلك أي وأمرت بالاستقامة في الدين ~~والاستبداد فيه بأداء المأمور به والانتهاء عن المنهى عنه أو باستقبال ~~القبلة في الصلاة وعدم الالتفات إلى اليمين والشمال حنيفا حال من الدين أو ~~الوجه أي مائلا عن الأديان الباطلة «ولا تكونن من المشركين» عطف على أقم ~~داخل تحت الأمر أي لا تكونن منهم اعتقادا ولا عملا وقوله عز وعلا «ولا تدع» ~~عطف على قوله تعالى قل يا أيها الناس غير داخل تحت الأمر وقيل على ما قبله ~~من النهى والوجه هو الأول لأن ما بعده من الجمل إلى آخر الآيتين متسقة لا ~~يمكن فصل بعضها عن بعض كما ترى ولا وجه لادراج الكل تحت PageV04P179 # الأمر وهو تأكيد للنهي المذكور وتفصيل لما أجمل فيه إظهارا لكمال العناية ~~بالأمر وكشفا عن وجه بطلان ما عليه المشركون أي لا تدع من دون الله ~~استقلالا ولا اشتراكا ما لا ينفعك إذا دعوته بدفع مكروه أو جلب محبوب «ولا ~~يضرك» إذا تركته بسلب المحبوب دفعا أو رفعا أو بإيقاع المكروه وتقديم النفع ~~على الضرر غنى عن بيان السبب «فإن فعلت» أي ما نهيت عنه من دعاء ما لا ينفع ~~ولا يضر كني به عنه تنويها لشأنه صلى الله عليه وسلم وتنبيها على رفعة ~~مكانه من أن ينسب إليه عبادة غير الله سبحانه ولو في ضمن الجملة الشرطية ~~«فإنك إذا من الظالمين» جزاء للشرط وجواب لسؤال من يسأل عن تبعة ما نهى عنه ~~«وإن يمسسك الله بضر» تقرير لما أورد في حيز الصلة من سلب النفع من الأصنام ~~وتصوير لاختصاصه به سبحانه «فلا كاشف له» عنك كائنا من كان وما كان «إلا ~~هو» وحده فيثبت عدم كشف الأصنام بالطريق البرهاني وهو بيان لعدم النفع برفع ~~المكروه المستلزم لعدم النفع بجلب المحبوب استلزاما ظاهرا فإن رفع المكروه ~~أدنى مراتب النفع فإذا انتفى ms1526 انتفى بالكلية «وإن يردك بخير» تحقيق لسلب ~~الضرر الوارد في حيز الصلة أي إن يرد أن يصيبك بخير «فلا راد لفضله» الذي ~~من جملته ما أرادك به من الخير فهو دليل على جواب الشرط لا نفس الجواب وفيه ~~إيذان بأن فيضان الخير منه تعالى بطريق التفضل من غير استحقاق عليه سبحانه ~~أي لا أحد يقدر على رده كائنا ما كان فيدخل فيه الأصنام دخولا أوليا وهو ~~بيان لعدم ضرها بدفع المحبوب قبل وقوعه المستلزم لعدم ضرها برفعه أو بإيقاع ~~المكروه استلزاما جليا ولعل ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم ~~الأمرين للإيذان بأن الخير مراد بالذات وأن الضر إنما يمس من يمسه لما ~~يوجبه من الدواعي الخارجية لا بالقصد الأولى أو أريد معنى الفعلين في كل من ~~الضر والخير وأنه لا راد لما يريد منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما فأوجز ~~الكلام بأن ذكر في أحدهما المس وفي الآخر الإرادة ليدل بما ذكر في كل جانب ~~على ما ترك في الجانب الآخر على أنه قد صرح بالإصابة حيث قيل «يصيب به» ~~إظهارا لكمال العناية بجانب الخير كما ينبيء عنه ترك الاستثناء فيه أي يصيب ~~بفضله الواسع المنتظم لما أرادك به من الخير وجعل الفضل عبارة عن ذلك الخير ~~بعينه على أن يكون من باب وضع المظهر في موضع المضمر لما ذكر من الفائدة ~~يأباه قوله عز وجل «من يشاء من عباده» فإن ذلك ينادى بعموم الفضل وقوله عز ~~قائلا «وهو الغفور الرحيم» تذليل لقوله تعالى يصيب به الخ مقرر لمضمونه ~~والكل تذييل للشرطية الأخيرة محقق لمضمونها «قل» مخاطبا لأولئك PageV04P180 # الكفرة بعد ما بلغتهم ما أوحى إليك «يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم» وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مر ~~آنفا من أصول الدين واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبق ~~لكم عذر «فمن اهتدى» بالإيمان به والعمل بما في مطلوبه «فإنما يهتدي لنفسه» ~~أي منفعة اهتدائه لها ms1527 خاصة «ومن ضل» بالكفر به والإعراض عنه «فإنما يضل ~~عليها» أي فوبال الضلال مقصور عليها والمراد تنزيه ساحة الرسالة عن شائبة ~~غرض عائد إليه صلى الله عليه وسلم من جلب نفع أو دفع ضر كما يلوح به إسناد ~~المجيء إلى الحق من غير إشعار بكون ذلك بواسطته «وما أنا عليكم بوكيل» ~~بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير «واتبع» اعتقادا وعملا وتبليغا ~~«ما يوحى إليك» على نهج التجدد والاستمرار من الحق المذكور المتأكد يوما ~~فيوما وفي التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه صلى الله عليه وسلم بالوحي ~~تنبيه على ما بين المرتبتين من التنائي «واصبر» على ما يعتريك من مشاق ~~التبليغ «حتى يحكم الله» بالنصرة عليهم أو بالأمر بالقتال «وهو خير ~~الحاكمين» إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على ~~الظواهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة يونس أعطى له من ~~الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون والحمد ~~لله وحده PageV04P181 # سورة هود عليه السلام مكية وهي مائة وثلاث وعشرون آية «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» «الر» محله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وقيل على أنه مبتدأ ~~والأول هو الأظهر كما أشير إليه في سورة يونس أو النصب بتقدير فعل يناسب ~~المقام نحو اذكر أو اقرأ على تقدير كونه اسما للسورة على ما عليه إطباق ~~الأكثر أو لا محل له من الإعراب مسرود على نمط التعديد حسبما فصل في أخواته ~~وقوله تعالى «كتاب» خبر له على الوجه الثاني ولمبتدأ محذوف على الوجوه ~~الباقية «أحكمت آياته» نظمت نظما متقنا لا يعتريه خلل بوجه من الوجوه أو ~~جعلت حكيمة لانطوائها على جلائل الحكم البالغة ودقائقها أو منعت من النسخ ~~بمعنى التغيير مطلقا أو أيدت بالحجج القاطعة الدالة على كونها من عند الله ~~عز وجل أو على ثبوت مدلولاتها فالمراد بالآيات جميعها أو على حقية ما تشتمل ~~عليه من الأحكام الشرعية فالمراد بها بعضها المشتمل عليها كما إذا ms1528 فسر ~~الإحكام بالمنع من النسخ بمعنى تبديل الحكم الشرعي خاصة وأما تفسيره بالمنع ~~من الفساد أخذا من قولهم أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من ~~الجماح ففيه إيهام ما لا يكاد يليق بشأن الآيات الكريمة من التداعي إلى ~~الفساد لولا المانع وفي اسناد الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات ~~الكتاب دون نفسه لا سيما على الوجوه الشاملة لكل آية آية منه من حسن الموقع ~~والدلالة على كونه في أقصى غاية منه ما لا يخفى «ثم فصلت» أي جعلت فصولا من ~~الأحكام والدلائل والمواعظ والقصص أو فصل فيها مهمات العباد في المعاش ~~والمعاد على الإسناد المجازي والتفسير بجعلها آية آية لا يساعده المقام لأن ~~ذلك من الأوصاف الأولية فلا يناسب عطفه على إحكامها بكلمة التراخي وأما ~~المعنيان الأولان فهما وإن كانا مع الإحكام زمانا حيث لم تزل الآيات محكمة ~~مفصلة لا أنها أحكمت أو فصلت بعد أن لم تكن كذلك إذ الفعلان من قبيل قولهم ~~سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل إلا أنهما حيث كانا من صفات الآيات باعتبار ~~نسبة بعضها إلى بعض على وجه يستتبع أحكاما مخصوصة وآثارا معتدا بها ~~وبملاحظة مصالح العباد ناسب أن يشار إلى تراخى رتبتهما عن رتبة الإحكام وإن ~~حمل جعلها آية آية على معنى تفريق بعضها عن بعض يكون من هذا القبيل إلا أنه ~~ليس في مثابته في استتباع ما يستتبعه من الأحكام والآثار أو فرقت في ~~التنزيل منجمة بحسب المصالح فإن أريد تنزيلها المنجم بالفعل فالتراخي زماني ~~وإن أريد جعلها في نفسها بحيث يكون نزولها منجما حسبما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة فهو رتبي لأن ذلك وصف لازم لها حقيق بأن يرتب على وصف إحكامها ~~وقرئ أحكمت PageV04P182 # آياته ثم فصلت على صيغة التكلم وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت أي فرقت بين ~~الحق والباطل «من لدن حكيم خبير» صفة للكتاب وصف بها بعد ما وصف بإحكام ~~آياته وتفصيلها الدالين على علو رتبته من حيث الذات إبانة لجلالة شأنه من ~~حيث الإضافة أو خبر بعد خبر للمبتدأ ms1529 المذكور أو المحذوف أو صلة للفعلين وفي ~~بنائهما للمفعول ثم إيراد الفاعل بعنوان الحكمة البالغة والإحاطة بجلائلها ~~ودقائقها منكرا بالتنكير التفخيمي وربطهما به لا على النهج المعهود في ~~إسناد الأفاعيل إلى قواعدها مع رعاية حسن الطباق من الجزالة والدلالة على ~~فخامتهما وكونهما على أكمل ما يكون مالا يكتنه كنهه «ألا تعبدوا إلا الله» ~~مفعول له حذف عنه اللام مع فقدان الشرط أعنى كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل ~~جريا على سنن القياس المطرد في حذف حرف الجر مع أن المصدرية كأنه قيل كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله أي لتتركوا عبادة غير الله عز ~~وجل وتتمحضوا في عبادته فإن الإحكام والتفصيل على ما فصل من المعاني مما ~~يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبة وقيل أن ~~مفسرة لما في التفصيل من معنى القول أي قيل لا تعبدوا إلا الله «إنني لكم ~~منه» من جهة الله تعالى «نذير» أنذركم عذابه إن لم تتركوا ما أنتم عليه من ~~الكفر وعبادة غير الله تعالى «وبشير» أبشركم بثوابه إن آمنتم به وتمحضتم في ~~عبادته ولما ذكر شؤون الكتاب من إحكام آياته وتفصيلها وكون ذلك من قبل الله ~~تعالى وأورد معظم ما نظم في سلك الغاية والأمر من التوحيد وترك الإشراك وسط ~~بينه وبين قرينيه أعني الاستغفار والتوبة ذكر أن من نزل عليه ذلك الكتاب ~~مرسل من عند الله تعالى لتبليغ أحكامه وترشيحها بالمؤيدات من الوعد والوعيد ~~للإيذان بأن التوحيد في أقصى مراتب الأهمية حتى أفرد بالذكر وأيد إيجابه ~~بالخطاب غب الكتاب مع تلويح بأنه كما لا يتحقق في نفسه إلا مقارنا للحكم ~~برسالته صلى الله عليه وسلم كذلك في الذكر لا ينفك أحدهما عن الآخر وقد ~~روعى في سوق الخطاب بتقديم الإنذار على التبشير ما روعى في الكتاب من تقديم ~~النفي على الإثبات والتخلية على التحلية ليتجاوب أطراف الكلام ويجوز أن ~~يكون قوله تعالى ألا تعبدوا إلا الله كلاما منقطعا عما قبله وارادا على ~~لسانه صلى الله عليه وسلم ms1530 إغراء لهم على اختصاصه تعالى بالعبادة كأنه صلى ~~الله عليه وسلم قال ترك عبادة غير الله أي الزموه على معنى اتركوا عبادة ~~غير الله تركا مستمرا إنني لكم من جهة الله تعالى نذير وبشير أي نذير ~~أنذركم من عقابه على تقدير استمراركم على الكفر وبشير أبشركم بثوابه على ~~تقدير ترككم له وتوحيدكم ولما سبق إليهم حديث التوحيد وأكد ذلك بخطاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الإنذار والتبشير شرع في ذكر ما هو من ~~تتماته على وجه يتضمن تفصيل ما أجمل في وصف البشير والنذير فقيل «وأن ~~استغفروا ربكم» وهو معطوف على أن لا تعبدوا على ما ذكر من الوجهين فعلى ~~الأول أن PageV04P183 # مصدرية لجواز كون صلتها أمرا أو نهيا كما في قوله تعالى وأن أقم وجهك ~~للدين حنيفا لأن مدار جواز كونها فعلا إنما هو دلالته على المصدر وهو موجود ~~فيهما ووجوب كونها خبرية في صلة الموصول الأسمى إنما هو للتوصل إلى وصف ~~المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية وأما الموصول الحرفي ~~فليس كذلك ولما كان الخبر والإنشاء في الدلالة على المصدر سواء ساغ وقوع ~~الأمر والنهي صلة حسبما ساغ وقوع الفعل فيتجرد عند ذلك عن معنى الأمر ~~والنهي نحو تجرد الصلة الفعلية عن معنى المضي والاستقبال «ثم توبوا إليه» ~~عطف على استغفروا والكلام فيه كالكلام فيه والمعنى فعل ما فعل من الإحكام ~~والتفصيل لتخصوا الله تعالى بالعبادة وتطلبوا منه ستر ما فرط منكم من الشرك ~~ثم ترجعوا إليه بالطاعة أو تستمروا على ما أنتم عليه من التوحيد والاستغفار ~~أو تستغفروا من الشرك وتتوبوا من المعاصي وعلى الثاني أن مفسرة أي قيل في ~~أثناء تفصيل الآيات لا تعبدوا إلا الله واستغفروه ثم توبوا إليه والتعرض ~~لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وإرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال ~~وترشيح لما يعقبه من التمتيع وإيتاء الفضل بقوله تعالى «يمتعكم متاعا حسنا» ~~أي تمتيعا وانتصابه على أنه مصدر حذف منه الزوائد كقوله تعالى أنبتكم من ~~الأرض نباتا أو ms1531 على أنه مفعول به وهو اسم لما يتمتع به من منافع الدنيا من ~~الأموال والبنين وغير ذلك والمعنى يعشكم عيشا مرضيا لا يفوتكم فيه شيء مما ~~تشتهون ولا ينغصه شيء من المكدرات «إلى أجل مسمى» مقدر عند الله عز وجل وهو ~~آخر أعماركم ولما كان ذلك غاية لا يطمح وراءها طامح جرى التمتيع إليها مجرى ~~التأبيد عادة أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال «ويؤت كل ذي فضل» في الطاعة ~~والعمل «فضله» جزاء فضله إما في الدنيا أو في الآخرة وهذه تكملة لما أجمل ~~من التمتيع إلى أجل مسمى وتبيين لما عسى يعسر فهم حكمته من بعض ما يتفق في ~~الدنيا من تفاوت الحال بين العاملين فرب إنسان له فضل طاعة وعمل لا يمتع في ~~الدنيا أكثر مما متع آخر دونه في الفضل وربما يكون المفضول أكثر تمتيعا ~~فقيل ويعط كل فاضل جزاء فضله إما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في ~~الآخرة وذلك مما لا مرد له وهذا ضرب تفصيل لما أجمل فيما سبق من البشارة ثم ~~شرع في الإنذار فقيل «وإن تولوا» أي تتولوا عما القى إليكم من التوحيد ~~والاستغفار والتوبة وإنما أخر عن البشارة جريا على سنن تقدم الرحمة على ~~الغضب أو لأن العذاب قد علق بالتولى عما ذكر من التوحيد والاستغفار والتوبة ~~وذلك يستدعي سابقة ذكره وقرئ تولوا من ولى «فإني أخاف عليكم» بموجب الشفقة ~~والرأفة أو أتوقع «عذاب يوم كبير» هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف ~~بالعظم في قوله تعالى ألا يظن أولئك أنهم مبعثون ليوم عظيم إما لكونه كذلك ~~في نفسه أو وصف بوصف ما يكون فيه كما وصف بالثقل في قوله تعالى ثقلت في ~~السماوات والأرض وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بقحط أكلوا فيه الجيف وأيا ما ~~كان ففي إضافة العذاب إليه تهويل وتفظيع له «إلى الله مرجعكم» رجوعكم ~~بالموت ثم البعث للجزاء في مثل ذلك اليوم لا إلى غيره «وهو على كل شيء ~~قدير» فيندرج في تلك الكلية قدرته على أماتتكم ms1532 ثم بعثكم وجزائكم فيعذبكم ~~بأفانين PageV04P184 # العذاب وهو تقرير لما سلف من كبر اليوم وتعليل للخوف ولما ألقى إليهم ~~فحوى الكتاب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وسيق إليهم ما ينبغي أن ~~يساق من الترغيب والترهيب وقع في ذهن السامع أنهم بعد ما سمعوا مثل هذا ~~المقال الذي تخر له صم الجبال هل قابلوه بالإقبال أم تمادوا فيما كانوا ~~عليه من الإعراض والضلال فقيل مصدرا بكلمة التنبيه إشعارا بأن ما يعقبها من ~~هناتهم أمر يجب أن يفهم ويتعجب منه «ألا إنهم يثنون صدورهم» يزورون عن الحق ~~وينحرفون عنه أي يستمرون على ما كانوا عليه من التولي والإعراض لأن من أعرض ~~عن شيء ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه وهذا معنى جزل مناسب لما سبق وقد نحا ~~نحوه العلامة الزمخشري ولكن حيث لم يصلح التولي سببا للاستخفاء في قوله عز ~~وجل «ليستخفوا منه» التجأ إلى إضمار الإرادة حيث قال ويريدون ليستخفوا من ~~الله تعالى فلا يطلع رسوله والمؤمنين على إعراضهم وجعله في قود المعنى إليه ~~من قبيل الإضمار قي قوله تعالى اضرب بعصاك البحر فانفلق أي فضرب فانفلق ولا ~~يخفى أن انسياق الذهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصدور وبين الاستخفاء ليس ~~كانسياقه إلى توسيط الضرب بين الأمر به وبين الانفلاق ولعل الأظهر أن معناه ~~يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق وعداوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفيا مستورا فيها كما تعطف الثياب على ما ~~فيها من الأشياء المستورة وإنما لم يذكر ذلك استهجانا بذكره أو إيماء إلى ~~أن ظهوره مغن عن ذكره أو ليذهب ذهن السامع إلى كل ما لا خير فيه من الأمور ~~المذكورة فيدخل فيه ما ذكر من توليهم عن الحق الذي ألقى إليهم دخولا أوليا ~~فحينئذ يظهر وجه كون ذلك سببا للاستخفاء ويؤيده ما روى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق ~~للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه ms1533 وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها ~~وقال ابن شداد إنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه لو رآه النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه والمصاحبة معه وربما يؤدى ذلك إلى ظهور ~~ما في قلبه من الكفر والنفاق وقرئ يثنوني صدورهم بالياء والتاء من اثنوني ~~افعوعل من الثنى كاحلولى من الحلاوة وهو بناء مبالغة وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما لتثنونى وقرئ تثنون وأصله تثنون من تفعوعل من الثن وهو ما هش من ~~الكلأ وضعف يريد مطاوعة صدروهم للثني كما يثني الهش من النبات أو أراد ضعف ~~إيمانهم ورخاوة قلوبهم وقرئ تثنن من اثنان افعال منه ثم همز كما قيل ابيأضت ~~وادهأمت وقرئ تثنوي بوزن ترعوى «ألا حين يستغشون ثيابهم» أي يتغطون بها ~~للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد أو حين يأوون إلى فراشهم ويتدثرون ~~بثيابهم فإن ما يقع حينئذ حديث النفس عادة وقيل كان الرجل من الكفار يدخل ~~بيته ويرخى ستره ويحيى ظهره PageV04P185 # ويتغشى بثوبه ويقول هل يعلم الله ما في قلبي «يعلم ما يسرون» أي يضمرون ~~في قلوبهم «وما يعلنون» أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف ~~يخفى عليه ما عسى يظهرونه وإنما قدم السر على العلن نعيا عليهم من أول ~~الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين ~~العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه ونظيره ~~قوله تعالى قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله حيث قدم فيه ~~الإخفاء على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبة بما يخفونه أولى ~~منها بما يبدونه غرض بل الأمر بالعكس وأما ههنا فقد تعلق بإشعار كون ms1534 تعلق ~~علمه تعالى بما يسرونه أولى منه بما يعلنونه غرض مهم مع كونهما على السوية ~~كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء في ~~نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء ~~البارزة والكامنة وأما قوله تعالى وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فحيث كان ~~واردا بصدد الخطاب مع الملائكة عليهم السلام المنزه مقامهم عن اقتضاء ~~التأكيد والمبالغة في الإخبار بإحاطة علمه تعالى بالظاهر والباطن لم يسلك ~~فيه ذلك المسلك مع أنه وقع الغنية عنه بما قبله من قوله عز وجل إني أعلم ~~غيب السماوات والأرض ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السر متقدمة على ~~مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب ~~فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية «إنه عليم ~~بذات الصدور» تعليل لما سبق وتقرير له واقع موقع الكبرى من القياس وفي صيغة ~~الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق والتعبير عن الضمائر بعنوان صاحبيتها ~~من البراعة ما لا يصفه الواصفون كأنه قيل إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات ~~جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم بحيث لا تفارقها أصلا فكيف ~~يخفى عليه ما يسرون وما يعلنون ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب من قوله ~~تعالى ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والمعنى أنه عليم بالقلوب وأحوالها ~~فلا يخفى عليه سر من أسرارها «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» ~~غذاؤها اللائق بها من حيث الخلق ومن حيث الإيصال إليها بطريق طبيعي أو ~~إرادي لتكفله إياه تفضلا ورحمة وإنما جيء به على طريق الوجوب اعتبارا لسبق ~~الوعد وتحقيقا لوصوله إليها البتة وحملا للمكلفين على الثقة به تعالى ~~والإعراض عن إتعاب النفس في طلبه «ويعلم مستقرها» محل قرارها في الأصلاب ~~«ومستودعها» موضعها في الأرحام وما يجرى مجراها من البيض ونحوها وإنما خص ~~كل من الاسمين بما خص به من المحلين لأن النطفة بالنسبة إلى الأصلاب في ~~حيزها ms1535 الطبيعي ومنشئها الخلقي وأما بالنسبة إلى الأرحام وما يجرى مجراها ~~فهي مودعة فيها إلى وقت معين أو مسكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها ~~من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة ولعل تقديم محلها PageV04P186 # باعتبار حالتها الأخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة في ~~الأرض والمعنى وما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله تعالى حيث كانت من ~~أماكنها يسوقه إليها ويعلم موادها المتخالفة المندرجة في مراتب الاستعدادات ~~المتفاوتة المتطورة في الأطوار المتباينة ومقارها المتنوعة ويفيض عليها في ~~كل مرتبة ما يليق بها من مبادى وجودها وكمالاتها المتفرعة عليه وقد فسر ~~المستودع بأماكنها في الممات ولا يلائمه مقام التكفل بأرزاقها «كل» من ~~الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها «في كتاب مبين» أي مثبت في اللوح المحفوظ ~~البين لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم السلام أو المظهر لما أثبت فيه ~~للناظرين ولما انتهى الامر إلى أنه سبحانه محيط بجميع أحوال ما في الأرض من ~~المخلوقات التي لا تكاد تحصى من مبدأ فطرتها إلى منتهاها اقتضى الحال ~~التعرض لمبدأ خلق السماوات والأرض والحكمة الداعية إلى ذلك فقيل «وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام» السماوات في يومين والأرض في يومين وما ~~عليها من أنواع الحيوانات والنبات وغير ذلك في يومين حسبما فعل في سورة حم ~~السجدة ولم يذكر خلق ما في الأرض لكونه من تتمات خلقها وهو السر في جعل ~~الزمان خلقه تتمة لزمان خلقها في قوله تعالى في أربعة أيام في تتمة أربعة ~~أيام والمراد بالأيام الأوقات كما في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره أي ~~في ستة أوقات أو مقدار ستة أيام فإن اليوم في المتعارف زمان كون الشمس فوق ~~الأرض ولا يتصور ذلك حين لا لأرض ولا سماء وفي خلقها مدرجا مع القدرة ~~التامة على خلقها دفعة دليل على أنه قادر مختار وحث على التأني في الأمور ~~وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فأمر استأثر بعلم ما يقتضيه علم الغيوب جلت ~~حكمته وإيثار صيغة الجمع في السماوات لما هو المشهور ms1536 من الإشارة إلى كونها ~~أجراما مختلفة الطبائع ومتفاوتة الآثار والأحكام «وكان عرشه» قبل خلقهما ~~«على الماء» ليس تحته شيء غيره سواء كان بينهما فرجة وكان موضوعا على متنه ~~كما ورد في الأثر فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل على ~~وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد العرش ~~وإنما يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السماوات والأرض من غير تعرض للنسبة ~~بينهما «ليبلوكم» متعلق بخلق أي خلق السماوات والأرض وما فيهما من ~~المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادى ~~وجودكم وأسباب معايشكم وأودع في تضاعيفهما من تعاجيب الصنائع والعبر ما ~~تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يبتليكم «أيكم أحسن ~~عملا» فيجازيكم بالثواب والعقاب غب ما تبين المحسن من المسئ وامتازت درجات ~~أفراد كل من الفريقين حسب امتياز طبقات علومهم واعتقاداتهم المترتبة على ~~أنظارهم فيما نصب من الحجج والدلائل والإمارات والمخايل ومراتب أعمالهم ~~المتفرعة على ذلك فإن العمل غير مختص بعلم الجوارح ولذلك فسره صلى الله ~~عليه وسلم بقوله أيكم PageV04P187 # أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله فإن لكل من القلب ~~والقالب عملا مخصوصا به فكما أن الأول أشرف من الثاني فكذا الحال في عمله ~~كيف لا ولا عمل بدون معرفة الله عز وجل الواجبة على العباد آثر ذي أثير ~~وإنما طريقها النظري التفكر في بدائع صنائع الملك الخلاق والتدبر في آياته ~~البينات المنصوبة في الأنفس والآفاق ولا طاعة بدون فهم ما في مطاوي الكتاب ~~الحكيم من الأوامر والنواهي وغير ذلك مما له مدخل في الباب وقد روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان ~~يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض قالوا وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله ~~عز وجل الذي هو عمل القلب لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل في اليوم بجوارحه ~~مثل ms1537 علم أهل الأرض وتعليق فعل البلوى أي تعقيبه بحرف الاستفهام لا التعليق ~~المشهور الذي يقتضى عدم إيراد المفعول أصلا مع اختصاصه بأفعال القلوب لما ~~فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالنظر ونظائره ولذلك أجرى مجراه بطريق ~~التمثيل أو الاستعارة التبعية وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل ~~للفريقين باعتبار أعمالهم المقسمة إلى الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن ~~والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصود الأصلي مما ذكر من إبداع ~~تلك البدائع على ذلك النمط الرائع إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين وأن ~~ذلك لكونه على أتم الوجوه اللائقة وأكمل الأساليب الرائقة يوجب العمل ~~بموجبه بحيث لا يحيد أحد عن سننه المستبين بل يهتدى كل فرد إلى ما يرشد ~~إليه من مطلق الإيمان والطاعة وإنما التفاوت بينهم في مراتبهما بحسب القوة ~~والضعف والكثرة والقلة وأما الإعراض عن ذلك والوقوع في مهاوى الضلال فبمعزل ~~من الاندراج تحت الوقوع فضلا عن أن ينظم ظهوره في سلك العلة الغائبة لذلك ~~الصنع البديع وإنما هو عمل يصدر عن عاملة بسوء اختياره من غير مصحح له ولا ~~تقريب ولا يخفى ما فيه من الترغيب في الترقي إلى معارج العلوم ومدارج ~~الطاعات والزجر عن مباشرة نقائضها والله تعالى أعلم «ولئن قلت إنكم مبعوثون ~~من بعد الموت» على ما يوجبه قضية الابتلاء ليترتب عليه الجزاء المتفرع على ~~ظهور مراتب الأعمال «ليقولن الذين كفروا» إن وجه الخطاب في قوله تعالى إنكم ~~إلى جميع المكلفين فالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولن الكافرون منهم وإن ~~وجه إلى الكافرين منهم فهو وارد على طريقة الذم «إن هذا إلا سحر مبين» أي ~~مثله في الخديعة أو البطلان وهذا إشارة إلى القول المذكور أو إلى القرآن ~~فإن الإخبار عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب كونه بطريق الوحي المتلو إلا أنهم ~~عند سماعهم ذلك تخلصوا إلى القرآن لانبائه عنه في كل موضع وكونه علما عندهم ~~في ذلك فعمدوا إلى تكذيبه وتسميته سحرا تماديا منهم في العناد وتفاديا عن ~~سنن الرشاد وقيل هو إشارة إلى ms1538 نفس البعث ولا يلائمه التسمية بالسحر فإنه ~~إنما يطلق على شيء موجود ظاهرا لا أصل له في الحقيقة ونفس البعث عندهم ~~معدوم بحت وتعلق الآية الكريمة بما قبلها إما من حيث أن البعث كما أشير ~~إليه من تتمات الابتلاء المذكور فكأنه قيل الأمر كما ذكر ومع ذلك إن ~~أخبرتهم بمقدمة فذة من مقدماته وقضية فرده من تتماته لا يتلعثمون في الرد ~~ويعدون ذلك من قبيل ما لا صحة له أصلا فضلا عن تصديق ما هذه من تتماته وأما ~~من حيث أن البعث خلق جديد فكأنه قيل وهو الذي خلق جميع المخلوقات ابتداء ~~لهذه الحكمة البالغة ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه يعيدهم تارة أخرى وهو ~~PageV04P188 # أهون عليه يقولون ما يقولون فسبحان الله عما يصفون وقرأ حمزة والكسائي ~~إلا ساحر على ان الإشارة إلى القاتل أو إلى القرآن على أسلوب شعر شاعر وقرئ ~~بالفتح على تضمين قلت معنى ذكرت أو على أن أنك بمعنى عنك في علك أي ولئن ~~قلت لعلكم مبعوثون على أن الرجاء والتوقع باعتبار حال المخاطبين أي توقعوا ~~ذلك ولا تبتوا القول بإنكاره أو على أنه مجاراة معهم في الكلام على نهج ~~المساعدة لئلا يسارعوا إلى اللجاج والعناد ريثما قرع أسماعهم بت القول ~~بخلاف ما ألفوا وألفوا عليه آباءهم من إنكار البعث ويكون ذلك أدعى لهم إلى ~~التأمل والتدبر وما فعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون «ولئن أخرنا عنهم العذاب» ~~المترتب على بعثهم أو العذاب الموعود في قوله تعالى فإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم كبير وقيل عذاب يوم بدر وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قتل جبريل عليه السلام للمستهزئين والظاهر أن المراد به العذاب الشامل ~~للكفرة دون ما يخص ببعض منهم على أنه لم يكن موعودا يستعجل منه المجرمون ~~«إلى أمة معدودة» إلى طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل ~~«ليقولن ما يحبسه» أي أي شيء يمنعه من المجيء فكأنه يريده فيمنعه مانع ~~وإنما كانوا يقولونه بطريق الاستعجال استهزاء لقوله تعالى ما كانوا به ms1539 ~~يستهزئون ومرادهم إنكار المجيء والحبس رأسا لا الاعتراف به والاستفسار عن ~~حابسه «ألا يوم يأتيهم» ذلك «ليس مصروفا» محبوسا «عنهم» على معنى أنه لا ~~يرفعه رافع أبدا إن أريد به عذاب الآخرة أو لا يدفعه عنكم دافع بل هو واقع ~~بكم إن أريد به عذاب الدنيا ويوم منصوب بخبر ليس مقدما عليه واستدل به ~~البصريون على جواز تقديمه على ليس إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث ~~يقع متبوعه ورد بأن الظرف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسعا وبأنه قد يقدم ~~المعمول حيث لا مجال لتقدم العامل كما في قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر ~~وأما السائل فلا تنهر فإن اليتيم والسائل مع كونهما منصوبين بالفعلين ~~المجزومين قد تقدما على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعلين عليها قال أبو ~~حيان وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها ولا ~~بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة وقول الشاعر * فيأبى ~~فما يزداد إلا لجاجة * وكنت أبيا في الخنا لست أقدم * «وحاق بهم» أي أحاط ~~بهم «ما كانوا به يستهزؤون» أي العذاب الذي كانوا يستعجلون به استهزاء وفي ~~التعبير عنه بالموصول تهويل لمكانه وإشعار بعلية ما ورد في حيز الصلة من ~~استهزائهم به لنزوله وإحاطته والتعبير عنها بالماضي وارد على عادة الله ~~تعالى في أخباره لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة وفي ذلك ~~من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر وتقرير وقوع المخبر به ما لا يخفى ~~«ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة» أي أعطيناه نعمة من صحة وأمن وجدة وغيرها ~~وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها «ثم نزعناها منه» أي PageV04P189 # سلبناه وإياها وإيراد النزع للإشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليها «إنه ~~ليؤوس» شديد القنوط من روح الله قطوع رجاءه من عود أمثالها عاجلا أو آجلا ~~بفضل الله تعالى لقلة صبره وعدم توكله عليه وثقته به «كفور» عظيم الكفران ~~لما سلف من النعم وفيه إشارة إلى أن النزع إنما كان بسبب كفرانهم بما ms1540 كانوا ~~يتقلبون فيه من نعم الله عز وجل وتأخيره عن وصف يأسهم مع تقدمه عليه لرعاية ~~الفواصل على أن اليأس من فضل الله سبحانه وقطع الرجاء عن إضافة أمثاله في ~~العاجل وإيصال أجره في الآجل من باب الكفران للنعمة السالفة أيضا «ولئن ~~أذقناه نعماء بعد ضراء مسته» كصحة بعد سقم وجدة بعد عدم وفرج بعد شدة وفي ~~التعبير عن ملابسه الرحمة والنعماء بالذوق المؤذن بلذتهما وكونهما مما يرغب ~~فيه وعن ملابسه الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسم ~~الملاقاة من مراتبها وإسناد الأول إلى الله عز وجل دون الثاني ما لا يخفي ~~من الجزالة والدلالة على أن مراده تعالى إنما هو إيصال الخير المرغوب فيه ~~على أحسن ما يكون وأنه إنما يريد بعبادة اليسر دون العسر وإنما ينالهم ذلك ~~بسوء اختيارهم نيلا يسيرا كأنما يلاصق البشرة من غير تأثير وأما نزع الرحمة ~~فإنما صدر عنه بقضية الحكمة الداعية إلى ذلك وهي كفرانهم بها كما سبق ~~وتنكير الرحمة باعتبار لحقوق النزع بها «ليقولن ذهب السيئات عني» أي ~~المصائب التي تسوؤني ولن يعتريني بعد أمثالها كما هو شأن أولئك الأشرار فإن ~~الترقب لورود أمثالها مما يكدر السرور وينغص العيش «إنه لفرح» بطر وأشر ~~بالنعم مغتر بها «فخور» على الناس بما أوتى من النعم مشغول بذلك عن القيام ~~بحقها واللام في لئن في الآيات الأربع موطئة للقسم وجوابه ساد مسد جواب ~~الشرط «إلا الذين صبروا» على ما أصابهم من الضراء سابقا أو لاحقا إيمانا ~~بالله واستسلاما لقضائه «وعملوا الصالحات» شكرا على آلائه السالفة والآنفة ~~والام في الإنسان إما لاستغراق الجنس فالاستثناء متصل أو للعهد فمنقطع ~~«أولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون ~~بتلك الصفات الحميدة «لهم مغفرة» عظيمة لذنوبهم وإن جمت «وأجر» ثواب ~~لأعمالهم الحسنة «كبير» ووجه تعلق الآيات الثلاث بما قبلهن من حيث إن إذاقة ~~النعماء ومساس الضراء فصل من باب ms1541 الابتلاء واقع موقع التفصيل من الإجمال ~~الواقع في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا والمعنى أن كلا من إذاقة ~~النعماء ونزعها مع كونه ابتلاء للإنسان أيشكر أم يكفر لا يهتدي إلى حسن ~~الصواب بل يحيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلال فلا يظهر منه حسن ~~عمل إلا من الصابرين الصالحين أو من حيث أن إنكارهم بالبعث واستهزائهم ~~بالعذاب بسبب بطرهم وفخرهم كأنه قيل إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعة الإنسان ~~مجبولة على ذلك PageV04P190 # «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك» من البينات الدالة على حقيقة نبوتك ~~المنادية بكونها من عند الله عز وجل لمن له أذن واعية «وضائق به صدرك» أي ~~عارض لك ضيق صدر بتلاوته عليهم وتبليغه إليهم في أثناء الدعوة والمحاجة «أن ~~يقولوا» لأن يقولوا تعاميا عن تلك البراهين التي لا تكاد تخفي صحتها على ~~أحد ممن له أدنى بصيرة وتماديا في العناد على وجه الاقتراح «لولا أنزل عليه ~~كنز» مال خطير مخزون يدل على صدقة «أو جاء معه ملك» يصدقه قيل قاله عبد ~~الله بن أمية المخزومي وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا ~~يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا وقال آخرون ائتنا بالملائكة ~~يشهدوا بنبوتك فقال لا أقدر على ذلك فنزلت كأنه صلى الله عليه وسلم لما ~~عاين اجتراءهم على اقتراح مثل هذه العظائم غير قانعين بالبينات الباهرة ~~التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أرباب العقول وشاهد ركوبهم من ~~المكابرة متن كل صعب وذلول مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاء ~~وتسميتها سحرا مثل حاله صلى الله عليه وسلم بحال من يتوقع منه أن يضيق صدره ~~بتلاوة تلك الآيات الساطعة عليهم وتبليغها إليهم فحمل على الحذر منه بما في ~~لعل من الإشفاق فقيل «إنما أنت نذير» ليس عليك إلا الإنذار بما أوحى إليك ~~غير مبال بما صدر عنهم من الرد والقبول «والله على كل شيء وكيل» يحفظ ~~أحوالك وأحوالهم فتوكل عليه في جميع أمورك فإنه فاعل بهم ما ms1542 يليق بحالهم ~~والاقتصار على النذير في أقصى غاية من إصابة المحز «أم يقولون افتراه» ~~إضراب بأم المنقطة عن ذكر ترك اعتدادهم بما يوحى وتهاونهم به وعدم اقتناعهم ~~بما فيه من المعجزات الظاهرة الدالة على كونه من عند الله عز وجل وعلى حقية ~~نبوته صلى الله عليه وسلم وشروع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد منه وأعظم وما ~~فيها من معنى الهمزة للتوبيخ والإنكار والتعجيب والضمير المستكن في افتراه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والبارز لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من ~~عند الله «قل» إن كان الأمر كما تقولون «فأتوا» أنتم أيضا «بعشر سور مثله» ~~في البلاغة وحسن النظم وهو نعت لسور أي أمثاله وتوحيده إما باعتبار مماثلة ~~كل واحد منها أو لأن المطابقة ليست بشرط حتى يوصف المثنى بالمفرد كما في ~~قوله تعالى أنؤمن لبشرين مثلنا أو للإماء إلى أن وجه الشبه ومدار المماثلة ~~في الجميع شيء واحد هو البلاغة المؤدية إلى مرتبة الإعجاز فكان الجميع واحد ~~«مفتريات» صفة أخرى لسور أخرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحي لأنها الصفة ~~المقصودة بالتكليف إذ بها يظهر عجزهم وقعودهم عن المعارضة وأما وصف ~~الافتراء فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام التحدي وإنما ذكر على نهج ~~المساهلة وإرخاء العنان ولأنه PageV04P191 # لو عكس الترتيب لربما توهم أن المراد هو المماثلة في الافتراء والمعنى ~~فأتوا بعشر سور مماثلة له في البلاغة مختلقات من عند أنفسكم إن صح أن ~~اختلقته من عندي فإنكم أقدر على ذلك مني لأنكم عرب فصحاء بلغاء قد مارستم ~~مبادى ذلك من الخطب والأشعار وحفظتم الوقائع والأيام وزاولتم أساليب النظم ~~والنثر «وادعوا» للاستظهار في المعارضة «من استطعتم» دعاءه والاستعانة به ~~من آلهتكم التي تزعمون أنها ممدة لكم في كل ما تأتون وما تذرون والكهنة ~~ومدارهكم الذين تلجئون إلى آرائهم في الملمات ليسعدوكم فيها «من دون الله» ~~متعلق بادعوا أي متجاوزين الله تعالى «إن كنتم صادقين» في إني افتريته فإن ~~ذلك يستلزم إمكان الإتيان بمثله وهو أيضا يستلزم قدرتكم ms1543 عليه والجواب محذوف ~~يدل عليه المذكور «فإن لم يستجيبوا لكم» أي فإن لم يفعلوا ما كلفوه من ~~الإتيان بمثله كقوله تعالى فإن لم تفعلوا وإنما عبر عنه بالاستجابة إيماء ~~إلى أنه صلى الله عليه وسلم على كمال أمن من أمره كأن أمره لهم بالإتيان ~~بمثله دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه والضمير في لكم للرسول صلى الله عليه ~~وسلم والجمع للتعظيم كما في قول من قال * وإن شئت حرمت النساء سواكم * أوله ~~وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي وفيه تنبيه ~~لطيف على أن حقهم ان لا ينفكوا عنه صلى الله عليه وسلم ويناصبوا معه ~~لمعارضة المعارضين كما كان يفعلونه في الجهاد وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد ~~الرسوخ في الإيمان والطمأنينة في الإيقان ولذلك رتب عليه قوله عز وجل ~~فاعلموا أي اعلموا حين ظهر لكم عجزهم عن المعرضة مع تهالكهم عليها علما ~~يقينا متاخما لعين اليقين بحيث لا مجال معه لشائبة ريب بوجه من الوجوه كأن ~~ما عداه من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل ~~بارتفاع هذه المرتبة وبه يتضح سرا يراد كلمة الشك مع القطع بعدم الاستجابة ~~فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل الجزم بعدم الاستجابة ~~منزلة الشك فيه أو اثبتوا واستمروا على ما كنتم عليه من العلم «إنما أنزل» ~~ملتبسا «بعلم الله» المخصوص به بحيث لا تحوم حوله العقول والأفهام مستبدا ~~بخصائص الإعجاز من جهتي النظم الرائق والإخبار بالغيب «وأن لا إله إلا هو» ~~أي واعلموا أيضا أن لا شريك له في الألوهية وأحكامها ولا يقدر على ما يقدر ~~عليه أحد «فهل أنتم مسلمون» أي مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه وهذا من ~~باب التثبيت والترقية إلى معارج اليقين ويجوز أن يكون الخطاب في الكل ~~للمشركين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم داخلا تحت الأمر بالتحدي ~~والضمير في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجب لكم آلهتكم وسائر من ~~إليهم تجأرون في مهماتكم وملماتكم ms1544 إلى المعاونة والمظاهرة فاعلموا أن ذلك ~~خارج عن دائرة قدرة البشر وأنه منزل من خالق القوى والقدر فإيراد كلمة الشك ~~حينئذ مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة آلهتكم تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال ~~سخافة العقل وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق ~~بالدعاء المسبوق بعجزهم واضطرارهم فكأنه قيل فإن لم يستجيبوا لكم عند ~~التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيل وعيت بكم العلل ~~أو من حيث إن من يستمدون بهم أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم بعدم ~~استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور PageV04P192 # عجز أنفسهم يكون عجزهم أظهر وأوضح واعلموا أيضا أن آلهتكم بمعزل عن رتبة ~~الشركة في الألوهية وأحكامها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد ~~شائبة شبهة في حقيته وفي بطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخل فيه الإذعان ~~لكون القرآن من عند الله تعالى دخولا أوليا أو منقادون للحق الذي هو كون ~~القرآن من عند الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعناد وفي ~~هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب ~~وزوال العذر وإقناط من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه هذا والأول ~~أنسب لما سلف من قوله تعالى وضائق به صدرك ولما سيأتي من قوله تعالى فلا تك ~~في مرية منه وأشد ارتباطا بما يعقبه كما ستحيط به خبرا «من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها» أي ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق ~~وكثرة الأولاد والرياسة وغير ذلك والمراد بالإرادة ما يحصل عند مباشرة ~~الأعمال لا مجرد الإدارة القلبية لقوله تعالى «نوف إليهم أعمالهم فيها» ~~وإدخال كان عليه للدلالة على استمرارها منهم بحيث لا يكادون يريدون الآخرة ~~أصلا وليس المراد بأعمالهم أعمال كلهم فإنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ولا ~~كل أحد ينال كل ما يهواه فإن ذلك منوط بالمشيئة الجارية على قضية الحكمة ~~كما نطق به قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا ms1545 له فيها ما نشاء لمن نريد ~~ولا كل أعمالهم بل بعضها الذي يترتب عليه الأمور المذكورة بطريق الأجر ~~والجزاء من أعمال البر وقد أطلقت وأريد بها ثمراتها فالمعنى نوصل إليهم ~~ثمرات أعمالهم في الحياة الدنيا كاملة وقرئ يوف على الإسناد إلى الله عز ~~وجل وتوف بالفوقانية على البناء للمفعول ورفع أعمالهم وقرئ نوفي بالتخفيف ~~والرفع لكون الشرط ماضيا كقوله * وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب ~~ما لي ولا حرم * «وهم فيها» أي في الحياة الدنيا «لا يبخسون» أي لا ينقصون ~~وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما ~~أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم ~~بمعزل عن كونها مستوجبة لذلك بناء للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور ~~الأعمال ومبالغة في نفي النقص كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع ~~والصدور عن الكريم أصلا والمعنى إنهم فيها خاصة لا ينقصون ثمرات أعمالهم ~~وأجورها نقصا كليا مطردا ولا يحرمونها حرمانا كليا وما في الآخرة فهم في ~~الحرمان المطلق واليأس المحقق كما ينطق به قوله تعالى «أولئك» الخ فإنه ~~إشارة إلى المذكورين باعتبار إرادتهم الحياة الدنيا أو باعتبار توفيتهم ~~أجورهم من غير بخس أو باعتبارهما معا وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم في سوء الحال لأي أولئك المريدون للحياة الدنيا وزينتها الموفون ~~فيها ثمرات أعمالهم من غير بخس «الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار» لأن ~~هممهم كانت مصروفة إلى الدنيا وأعمالهم مقصورة على تحصيلها وقد PageV04P193 # اجتنبوا ثمرتها ولم يكونوا يريدون بها شيئا آخر فلا جرم لم يكن لهم في ~~الآخرة إلا النار وعذابها المخلد «وحبط ما صنعوا فيها» أي ظهر في الآخرة ~~حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب لو كانت معمولة للآخرة ~~أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر إذ شرط الاعتداد بها الإخلاص ~~«وباطل» أي في نفسه «ما كانوا يعملون» في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية ms1546 ~~ولأجل ان الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته ~~للإيمان والنية الصحيحة وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط ~~المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبيء عن الحدوث وبالثاني البطلان المفصح ~~عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلا بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفا لازما له ~~ثابتا فيه وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماء إلى أن صدور أعمال البر ~~منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي من ~~مقدمات مطالبهم الدنية وقرئ وبطل على الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ~~ذلك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره ~~الدنيوي فبطل مطلقا وقرئ وباطلا ما كانوا يعملون على أن ما إبهامية أو في ~~معنى المصدر كقوله ولا خارجا من في زور كلام وعن أنس رضى الله عنه أن ~~المراد بقوله تعالى من كان يريد الخ اليهود والنصارى إن أعطوا سائلا أو ~~وصلوا رحما عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن وقيل هم الذين ~~جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في الغنائم ~~وأنت خبير بأن ذلك إنما كان بعد الهجرة والسورة مكية وقيل هم أهل الرياء ~~يقال للقراء منهم أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك وهكذا لغيرة ممن يعمل ~~أعمال البر لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لا بد من تقييد قوله تعالى لهم إلا ~~النار بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك والذي تقتضيه جزالة النظم ~~الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن ~~العظيم اندراجا أوليا فإنه عز وعلا لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بأن يزدادوا علما ويقينا بأن القرآن منزل بعلم الله وبأن لا قدرة ~~لغيره على شيء أصلا وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور ~~عجز الكفرة وما يدعون من دون الله عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على ms1547 شيء ~~أصلا اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة ~~من نيلهم الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية وبيان أن ذلك ~~بمعزل عن الدلالة عليه ولقد بين ذلك أي بيان ثم أعيد الترغيب فيما ذكر من ~~الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام فقيل «أفمن كان على بينة من ربه» أي ~~برهان نير عظيم الشأن يدل على حقية ما رغب في الثبات علية من الإسلام وهو ~~القرآن وباعتباره أو بتأويل البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله تعالى ~~«ويتلوه» أي يتبعه «شاهد» يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو الإعجاز في ~~PageV04P194 # نظمه المطرد في كل مقدار سورة منه أو ما وقع في بعض آياته من الأخبار ~~بالغيب وكلاهما وصف تابع له شاهد بكونه من عند الله عز وجل غير أنه على ~~التقدير الأول يكون في الكلام إشارة إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين في تمسكهم بالقرآن عند تبين كونه منزلا بعلم الله بشهادة الإعجاز ~~منه أي من القرآن غير خارج عنه أو من جهة الله تعالى فإن كلا منهما وارد من ~~جهته تعالى للشهادة ويجوز على هذا التقدير أن يراد بالشاهد المعجزات ~~الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أيضا من الشواهد ~~التابعة للقرآن الواردة من جهته تعالى فالمراد بمن في قوله تعالى أفمن كل ~~من اتصف بهذه الصفة الحميدة فيدخل فيه المخاطبون بقوله تعالى فاعلموا فهل ~~أنتم دخولا أوليا وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل مؤمنو أهل الكتاب ~~كعبد الله بن سلام وأضرابه وقيل المراد بالبينة دليل العقل وبالشاهد القرآن ~~فالضمير في منه لله تعالى أو البينة القرآن ويتلوه من التلاوة والشاهد ~~جبريل أو لسان النبي صلى الله عليه وسلم على أن الضمير له أو من التلو ~~والشاهد ملك يحفظ والأولى هو الأول ولما كان المراد بتلو الشاهد للبرهان ~~إقامة الشهادة بصحته وكونه من عند الله تابعا له بحيث لا يفارقه في مشهد من ~~المشاهد فإن القرآن بينة باقية ms1548 على وجه الدهر مع شاهدها الذي يشهد بأمرها ~~إلى يوم القيامة عند كل مؤمن وجاحد عطف كتاب موسى في قوله عز قائلا «ومن ~~قبله كتاب موسى» على فاعله مع كونه مقدما عليه في النزول فكأنه قيل أفمن ~~كان على بينة من ربه ويشهد به شاهد منه وشاهد آخر من قبله هو كتاب موسى ~~وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفا لازما له غير مفارق عنه ~~ولعراقته في وصف التلو والتنكير في بينة وشاهد للتفخيم «إماما» أي مؤتما به ~~في الدين ومقتدى وفي التعرض لهذا الوصف بصدد بيان تلو الكتاب ما لا يخفي من ~~تفخيم شأن المتلو «ورحمة» أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى ~~يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من ~~الكتاب «أولئك» الموصوفون بتلك الصف الحميدة وهو الكون على بينة من الله ~~ولما أن ذلك عبارة عن مطلق التمسك بها وقد يكون ذلك بطريق التقليد لمن سلف ~~من عظماء الدين من غير عثور على دقائق الحقائق وصفهم بأنهم «يؤمنون» أي ~~يصدقونه حق التصديق حسبما تشهد به الشواهد الحقة المعربة عن حقيته «ومن ~~يكفر به» أي بالقرآن ولم يصدق بتلك الشواهد الحقة «من الأحزاب» من أهل مكة ~~ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم «فالنار موعده» يردها لا ~~محالة حسبما نطق به قوله تعالى ليس لهم في الآخرة إلا النار وفي جعلها ~~موعدا إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب «فلا تك في مرية منه» ~~أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله عز وجل غبما شهدت به الشواهد ~~المذكورة وظهر فضل من تمسك به «إنه الحق من ربك» الذي يربيك في دينك ودنياك ~~«ولكن أكثر الناس لا يؤمنون» بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما ~~لعنادهم واستكبارهم فمن في قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه مبتدأ حذف ~~خبره لإغناء الحال عن ذكره وتقديره أفمن كان على بينة من ربه كأولئك ms1549 الذين ~~ذكرت أعمالهم وبين مصيرهم ومآلهم يعني أن بينهما تفاوتا عظيما بحيث لا يكاد ~~يتراءى ناراهما وإيراد الفاء بعد الهمزة لإنكار ترتب توهم المماثلة على ما ~~ذكر من صفاتهم وعدد من هناتهم كأنه قيل أبعد ظهور حالهم في الدنيا والآخرة ~~كما وصف يتوهم المماثلة بينهم وبين من كان على أحسن ما يكون PageV04P195 # في العاجل والآجل كما في قوله تعالى أفاتخذتم من دونه أولياء أي أبعد أن ~~علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء وقوله تعالى أمن يعلم ~~أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى «ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا» بأن نسب إليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بنات الله تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا وقولهم لآلهتم هؤلاء شفعاؤنا عند الله يعنى أنهم مع كفرهم ~~بآيات الله تعالى مفترون عليه كذبا وهذا التركيب وإن كان سبكه على إنكار أن ~~يكون أحد أظلم منهم من غير تعرض لإنكار المساواة ونفيها ولكن المقصود به ~~قصدا مطردا إنكار المساواة ونفيها وإفادة أنهم أظلم من كل ظالم كما ينبيء ~~عنه ما سيتلى من قوله عز وجل لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون فإذا قيل ~~من أكرم من فلان أولا أفضل منه فالمراد منه حتما انه أكرم من كل كريم وأفضل ~~من كل فاضل «أولئك» الموصوفون بالظلم البالغ الذي هو الافتراء على الله ~~تعالى وبهذه الإشارة حصلت الغنية عن إسناد العرض إلى أعمالهم واكتفى ~~بإسناده إليهم حيث قيل «يعرضون» لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك العنوان ~~عرض لأعمالهم على وجه أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من عرض عمله مع غيبته ~~«على ربهم» الحق وفيه إيماء إلى بطلان رأيهم في اتخاذهم أربابا من دون الله ~~عز وجل «ويقول الأشهاد» عند العرض من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم وهو ~~جمع شاهد أو شهيد كأصحاب وأشراف «هؤلاء الذين كذبوا على ربهم» بالافتراء ~~عليه كأن ذلك أمر واضح غنى عن الشهادة بوقوعه وإنما المحتاج إلى الشهادة ~~تعيين من صدر عنه ذلك ms1550 فلذلك لا يقولون هؤلاء كذبوا على ربهم ويجوز أن يكون ~~المراد بالأشهاد الحضار وهم جميع أهل الموقف على ما قاله قتادة ومقاتل ~~ويكون قولهم هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ذما لهم بذلك لإشهاده عليهم كما ~~يشعر به قوله تعالى ويقول دون ويشهد الخ وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى ~~«ألا لعنة الله على الظالمين» بالافتراء المذكور ويجوز أن يكون هذا على ~~الوجه الأول من كلام الله تعالى وفيه تهويل عظيم لما يحيق بهم من عاقبة ~~ظلمهم اللهم إنا نعوذ بك من الخزي على رؤوس الأشهاد «الذين يصدون» أي كل من ~~يقدرون على صده أو يفعلون الصد «عن سبيل الله» عن دينه القويم «ويبغونها ~~عوجا» انحرافا أي يصفونها بذلك وهي أبعد شيء منه أو يبغون أهلها أن ينحرفوا ~~عنها يقال بغيتك خيرا أو شرا أي طلبت لك وهذا شامل لتكذيبهم بالقرآن وقولهم ~~إنه ليس من عند الله «وهم بالآخرة هم كافرون» أي يصفونها بالعوج والحال ~~أنهم كافرون بها لا أنهم يؤمنون بها ويزعمون أن لها سبيلا سويا يهدون الناس ~~إليه وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به كأن كفر غيرهم ليس بشيء عند ~~كفرهم «أولئك» PageV04P196 # مع وصف من أحوالهم الموجبة للتدمير «لم يكونوا معجزين» الله تعالى مفلتين ~~بأنفسهم من أخذه لو أراد ذلك «في الأرض» مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب ~~«وما كان لهم من دون الله من أولياء» ينصرونهم من بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة ~~تقتضيه والجمع إما باعتبار أفراد الكفرة كأنه قيل وما كان لأحد منهم من ولى ~~أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى فيكون ذلك بيانا لحال ~~آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية «يضاعف لهم العذاب» استئناف يتضمن حكمة ~~تأخير المؤاخذة وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالتشديد «ما كانوا ~~يستطيعون السمع» لفرط تصامهم عن الحق وبغضهم له كأنهم لا يقدرون على السمع ~~ولما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن الذي طريق تلقيه السمع أشد منه ~~في عدم قبولهم لسائر الآيات المنوطة بالأبصار ms1551 بالغ في نفي الأول عنهم حيث ~~نفى عنهم الاستطاعة واكتفى في الثاني بنفي الإبصار فقال تعالى «وما كانوا ~~يبصرون» لتعاميهم عن آيات الله المبسوطة في الأنفس والآفاق وهو استئناف وقع ~~تعليلا لمضاعفة العذاب وقيل هو بيان لما نفى من ولاية الآلهة فإن ما لا ~~يسمع ولا يبصر بمعزل من الولاية وقوله تعالى يضاعف لهم العذاب اعتراض وسط ~~بينهما نعيا عليهم من أول الأمر سوء العاقبة «أولئك» المنعوتون بما ذكر من ~~القبائح «الذين خسروا أنفسهم» باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله عز سلطانه ~~«وضل عنهم ما كانوا يفترون» من الآلهة وشفاعتها أو خسروا ما بذلوا وضاع ~~عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة «لا جرم» فيه ثلاثة أوجه ~~الأول أن لا نافية لما سبق وجرم فعل بمعنى حق وأن مع ما في حيزه فاعله ~~والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعل حق «أنهم في الآخرة هم الأخسرون» وهذا مذهب ~~سيبويه والثاني جرم بمعنى كسب وما بعده مفعوله وفاعله ما دل عليه الكلام أي ~~كسب ذلك خسرانهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور خسرانهم والثالث أن لا جرم ~~بمعنى لا بد أي لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون وأيا ما كان فمعناه أنهم ~~أخسر من كل خاسر فتبين أنهم أظلم من كل ظالم وهذه الآيات الكريمة كما ترى ~~مقررة لما سبق من إنكار المماثلة بين من كان على بينة من ربه وبين من كان ~~يريد الحياة الدنيا أبلغ تقرير فإنهم حيث كانوا أظلم من كل ظالم وأخسر من ~~كل خاسر لم يتصور مماثلة بينهم وبين أحد من الظلمة الأخسرين فما ظنك ~~بالمماثلة بينهم وبين من هو في أعلى مدارج الكمال ولما ذكر فريق الكفار ~~وأعمالهم وبين مصيرهم ومآلهم شرع في بيان حال أضدادهم أعنى فريق المؤمنين ~~وما يؤول إليه أمرهم من العواقب الحميدة تكملة لما سلف من محاسنهم المذكورة ~~في قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه الآية ليتبين ما بينهما من التباين ~~البين حالا ومآلا فقيل «إن الذين آمنوا» ms1552 أي بكل ما يجب أن يؤمن PageV04P197 # به فيندرج تحته ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبر عنه بالكون على ~~بينة من الله وإنما يحصل ذلك باستماع الوحي والتدبر فيه ومشاهدة ما يؤدى ~~إلى ذلك في الأنفس والآفاق أو فعلوا الإيمان كما في يعطى ويمنع (وعملوا ~~الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع ~~والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخبت كأنهم وأنجد ~~دخل في تهامة ونجد (أوليك) المنعوتون بتلك النعوت الجميلة (أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون) دائمون وبعد بيان تباين حاليهما عقلا أريد بيان تباينهما حسا ~~فقيل (مثل الفريقين) المذكورين أي حالهما العجيب لأن المثل لا يطلق إلا على ~~ما فيه غرابة من الأحوال والصفات (كالأعمى والأصم والبصير والسميع) أي كحال ~~هؤلاء فيكون ذواتهم كذواتهم والكلام وإن أمكن أن يحمل على تشبيه الفريق ~~الأول بالأعمى وبالأصم وتشبيه الفريق الثاني بالبصير وبالسميع لكن الأدخل ~~في المبالغة والأقرب إلى ما يشير إليه لفظ المثل والأنسب بما سبق من وصف ~~الكفرة بعدم استطاعة السمع وبعدم الإبصار أن يحمل على تشبيه الفريق الأول ~~بمن جمع بين العمى والصمم وتشبيه الفريق الثاني بمن جمع بين البصر والسمع ~~على أن تكون الواو في قوله تعالى والأصم وفي قوله والسميع لعطف الصفة على ~~الصفة كما في قول من قال * إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في ~~المزدحم * وأيا ما كان فالظاهر أن المراد بالحال المدلول عليها بلفظ المثل ~~وهى التي يدور عليها أمر التشبيه ما يلائم الأحوال المذكورة المعتبرة في ~~جانب المشبه به من تعامى الفريق الأول عن مشاهدة آيات الله المنصوبة في ~~العالم والنظر إليها بعين الاعتبار وتصامهم عن استماع آيات القرآن الكريم ~~وتلقيها بالقبول حسبما ذكر في قوله تعالى ما كانوا يستطيعون السمع وما ~~كانوا يبصرون وإنما لم يراع هذا الترتيب ههنا لكون الأعمى أظهر وأشهر في ~~سوء الحال من الأصم ومن استعمال الفريق الثاني لكل من أبصارهم وأسماعهم ~~فيما ذكر كما ينبغي المدلول عليه بما ms1553 سبق من الإيمان والعمل الصالح ~~والإخبات حسبما فسر به فيما مر فلا يكون التشبيه تمثيليا لا جميع الأحوال ~~المعدودة لكل من الفريقين مما ذكر وما يؤدى إليه من العذاب المضاعف ~~والخسران البالغ في أحدهما ومن النعيم المقيم في الآخر فإن اعتبار ذلك ينزع ~~إلى كون التشبيه تمثيليا بأن ينتزع من حال الفريق الأول في تصامهم وتعاميهم ~~المذكورين ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المضاعف والخسران الذي لا خسران فوقه ~~هيئة فتشبه بهيئة منتزعة ممن فقد مشعرى البصر والسمع فتخبط في مسلكه فوقع ~~في مهاوى الردى ولم يجد إلى مقصده سبيلا وينتزع من حال الفريق الثاني في ~~استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزهم بدار الخلود هيئة ~~فتشبيه بهيئة منتزعة ممن له بصر وسمع يستعملهما في مهماته فيهتدي إلى سبيله ~~وينال مرامه يعنى الفريقين المذكورين والاستفهام إنكاري مذكر لما سبق من ~~إنكار المماثلة في قوله عز وجل أفمن كان على بيته الآية مثلا أي حالا وصفة ~~وهو تمييز من فاعل يستويان أفلا تذكرون أي أتشكون في عدم الاستواء وما ~~بينهما من التباين أو أتغفلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ضرب ~~PageV04P198 # لكم من المثل فيكون الإنكار واردا على المعطوفين معا أو أتسمعون هذا فلا ~~تتذكرون فيكون راجعا إلى عدم التذكر بعد تحقق ما يوجب وجوده وهو المثل ~~المضروب كما في قوله تعالى أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فإن الفاء ~~هناك لإنكار الانقلاب بعد تحقق ما يوجب عدمه من علمهم بخلو الرسل قبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو أفلا تفعلون التذكر أو أفلا تعقلون ومعنى ~~الهمزة إنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين وأنه ليس مما يصلح أن ~~يقع لا من قبيل الإنكار في قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه وقوله ~~تعالى هل يستويان فإن ذلك لنفى المماثلة ونفى الاستواء ولما بين من فاتحة ~~السورة الكريمة إلى هذا المقام أنها كتاب محكم الآيات مفصلها نازل في شأن ~~التوحيد وترك عبادة غير الله سبحانه وأن الذي انزل ms1554 عليه نذير وبشير من جهته ~~تعالى وقرر في تضاعيف ذلك ما له مدخل في تحقيق هذا المرام من الترغيب ~~والترهيب وإلزام المعاندين بما يقارنه من الشواهد الحقه الدالة على كونه من ~~عند الله تعالى وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم مما عراه من ضيق الصدر ~~العارض له من اقتراحاتهم الشنيعة وتكذيبهم له وتسميتهم للقرآن تارة سحر ~~وأخرى مفترى وتثبيته صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على التمسك به والعمل ~~بموجبه على أبلغ وجه وأبدع أسلوب شرع في تحقيق ما ذكر وتقريره بذكر قصص ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين المشتملة على ما اشتمل عليه فاتحة السورة ~~الكريمة ليتأكد ذلك بطريقين أحدهما أن ما أمر به من التوحيد وفروعه مما ~~أطبق عليه الأنبياء قاطبة والثاني أن ذلك إنما علمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بطريق الوحي فلا يبقى في حقيته كلام أصلا وليتسلى بما يشاهده من ~~معاناة الرسل قبله من أممهم ومقاساتهم الشدائد من جهتهم فقيل (ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه) الواو ابتدائية واللام جواب قسم محذوف وحرفه الباء لا الواو ~~كما في سورة الأعراف لئلا يجتمع واوان ولا يكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد ~~لأنها مظنة التوقع وان المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها ونوح هو ابن ~~لمك بن متوشلخ بن إدريس عليهما السلام وهو أول نبي بعث بعده قال ابن عباس ~~رضى الله تعالى عنهما بعث صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين من عمره ولبث ~~يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا ~~وخمسين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابن مائة سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل ~~وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد ~~الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة 8 إني لكم ~~نذير 8 بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~والكسائي بالفتح على إضمار حرف الجر أي أرسلناه ملتبسا بذلك الكلام وهو ms1555 إني ~~لكم نذير بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في كأن والمعنى على الكسر ~~وهو قولك إن زيدا كالأسد واقتصر على ذكر كونه صلى الله عليه وسلم نذيرا لا ~~لأن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت بطريق الإنذار فقط الا يرى إلى قوله ~~تعالى فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدار الخ بل ~~لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشاره صلى الله عليه وسلم 8 مبين 8 أبين لكم ~~موجبات العذاب ووجه الخلاص منه لأن الإنذار إعلام المحذور لا لمجرد التخويف ~~والازعاج بل للحذر منه فيتعلق بكلا وصفيه PageV04P199 # «ألا تعبدوا إلا الله» أي بأن لا تعبدوا على أن أن مصدرية والباء متعلقة ~~بأرسلنا ولا ناهية أي أرسلناه متلبسا بنهيهم عن الشرك إلا أنه وسط بينهما ~~بيان بعض أوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم وهو كونه نذيرا مبينا ليكون ~~أدخل في القبول ولم يفعل ذلك في صدر السورة لئلا يفرق بين الكتاب ومضمونه ~~بما ليس من أوصافه وأحواله أو مفسرة متعلقة به أو بنذير أو مفعول لمبين ~~وعلى قراءة الفتح بدل من أني لكم نذير مبين وتعيين لما يوجب وقوع المحذور ~~وتبيين لوجه الخلاص وهو عبادة الله تعالى وقوله تعالى «إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم أليم» تعليل لموجب النهي وتصريح بالمحذور وتحقيق للإنذار والمراد به ~~يوم القيامة أو يوم الطوفان ووصفه بالأليم على الإسناد المجازي للمبالغة ~~كما في نهاره صائم وهذه المقالة وما في معناها مما قاله صلى الله عليه وسلم ~~في أثناء الدعوة على ما عزى إليه في سائر السور لما لم تصدر عنه صلى الله ~~عليه وسلم مرة واحدة بل كان يكررها عليهم في تلك المدة المتطاولة على ما ~~نطق به قوله تعالى رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا الآيات عطف على فعل ~~الإرسال المقارن لها أو القول المقدر بعده جوابهم المتعرض لأحوال المؤمنين ~~الذين اتبعوه صلى الله عليه وسلم بعد اللتيا والتي بالفاء التعقيبية فقيل ~~«فقال الملأ الذين كفروا من قومه» أي الإشراف منهم من ms1556 قولهم فلان مليء بكذا ~~أي مطيق له لأنهم ملئوا بكفايات الأمور أو لأنهم ملئوا القلوب هيبة ~~والمجالس أبهة أر لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة ووصفهم بالكفر ~~لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن بعض أشرافهم ليسوا بكفره ~~«ما نراك إلا بشرا مثلنا» مرادهم ما أنت إلا بشرا مثلنا ليس فيك مزية تخصك ~~من دوننا بما تدعيه من النبوة ولو كان كذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل ولكن ~~لا نراه وكذا الحال في قولهم «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي» فالفعلان من رؤية العين وقوله تعالى إلا بشرا مثلنا حال من المفعول ~~وكذا قوله اتبعك في موضع الحال منه إما على حاله أو بتقدير قد عند من يشترط ~~ذلك ويجوز أن يكون من رؤية القلب وهو الظاهر فهما المفعول الثاني وتعلق ~~الرأي في الأول بالمثلية لا بالبشرية فقط وإنما لم يبتوا القول بذلك مع ~~جزمهم به وإصرارهم عليه إراءة بأن ذلك لم يصدر عنهم جزافا بل بعد التأمل في ~~الأمر والتدبر فيه ولذلك اقتصروا على ذلك الظن فيما سيأتي وتعريضا من أول ~~الأمر برأي المتبين فكأن قولهم وما نراك جواب عما يرد عليهم من أنه صلى ~~الله عليه وسلم ليس مثلهم حيث عاين دلائل نبوته واغتنم اتباعه من له عين ~~تبصر وقلب يدرك فزعموا أن هؤلاء أراذلنا أي أخساؤنا وأدانينا جمع أرذل فإنه ~~صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم كالأكبر والأكابر أو جمع أرذل جمع رذل كأكالب ~~وأكلب وكلب يعنون أنه لا عبرة باتباعهم لك إذ ليس لهم رزانة عقل ولا إصالة ~~رأى وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي أي ظاهره من غير تعمق من البدو أو في ~~أوله من البدء والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد PageV04P200 # قرأه أبو عمرو بها وانتصابه على الظرفية على حذف المضاف أي وقت حدوث بادي ~~الرأي والعامل فيه اتبعك وإنما استرذلوهم مع كونهم أولي الألباب الراجحة ~~لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم ms1557 ~~الأكثر منها حظا والأرذل من حرمها ولم يفقهوا أن ذلك لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم الآخرة والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه ~~نعوذ بالله تعالى من ذلك «وما نرى لكم» أي لك ولمتبعيك فغلب المخاطب على ~~الغائبين «علينا من فضل» يعنون أن اتباعهم لك لا يدل على نبوتك ولا يجديهم ~~فضيلة تستتبع اتباعنا لكم واقتصارهم ههنا على ذكر عدم رؤية الفضل بعد ~~تصريحهم برذالتهم فيما سبق باعتبار حالهم السابق واللاحق ومرادهم أنهم ~~كانوا أراذل قبل اتباعهم لك ولا نرى فيهم وفيك بعد الاتباع فضيلة علينا «بل ~~نظنكم كاذبين» جميعا لكون كلامكم واحدا ودعواكم واحدة أو إياك في دعوى ~~النبوة وإياهم في تصديقك واقتصارهم على الظن احتراز منهم عن نسبتهم إلى ~~المجازفة ومجاراة معه صلى الله عليه وسلم بطريق الإراءة على نهج الإنصاف ~~«قال يا قوم أرأيتم» أي أخبروني وفيه إيماء إلى ركاكة رأيهم المذكور «إن ~~كنت على بينة» برهان ظاهر «من ربي» وشاهد يشهد بصحة دعواي «وآتاني رحمة من ~~عنده» هي النبوة ويجوز أن تكون هي البينة نفسها جيء بها إيذانا بأنها مع ~~كونها بينة من الله تعالى رحمة ونعمة عظيمة من عنده فوجه إفراد الضمير في ~~قوله تعالى «فعميت عليكم» حينئذ ظاهر وإن أريد بها النبوة وبالبينة البرهان ~~الدال على صحتها فالإفراد لإرادة كل واحدة منهما أو لكون الضمير للبينة ~~والاكتفاء بذلك لاستلزام خفائها خفاء النبوة أو لتقدير فعل آخر بعد البينة ~~ومعنى عميت أخفيت وقريء عميت ومعناه خفيت وحقيقته أن الحجة كما تجعل مبصرة ~~وبصيرة تجعل عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدى غيره وفي قراءة أبي فعماها ~~عليكم على الإسناد إلى الله عز وجل «أنلزمكموها» أي أنكرهكم على الاهتداء ~~بها وهو جواب أرأيتم وساد مسد جواب الشرط وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركة الميم ~~وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قدم أعرفهما جاز في الثاني الوصل والفصل ~~فوصل كما في قوله تعالى فسيكفيكهم الله «وأنتم لها كارهون» لا تختارونها ~~ولا تتأملون فيها ms1558 ومحصول الجواب أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على ~~صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم مسلمة عندكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها ~~وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك وظاهره مشعر بصدوره عنه ~~صلى الله عليه وسلم بطريق إظهار اليأس عن إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله ~~تعالى ولا ينفعكم نصحي الخ لكنه محمول على أن مراده صلى الله عليه وسلم ~~ردهم عن الإعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار إلى الإلزام حال ~~كراهتهم لها لا إلى الإلزام مطلقا هذا ويجوز أن يكون المراد بالبينة دليل ~~العقل الذي هو ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد البشر بعضها من بعض وبه يناط ~~الكرامة عند الله عز وجل والإجتباء للرسالة وبالكون عليها التمسك به ~~والثبات PageV04P201 # عليه وبخفائها على الكفرة على أن الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونه صلى ~~الله عليه وسلم عليها وبالرحمة النبوة التي أنكروا اختصاصه صلى الله عليه ~~وسلم بها بين ظهرانيهم والمعنى أنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من ~~له فضيلة على سائر الناس مستتبعة لاختصاصه به دونهم أخبروني إن امتزت عنكم ~~بزيادة مزية وحيازة فضيلة من ربي وآتاني بحسبها نبوة من عنده فخفيت عليكم ~~تلك البينة ولم تصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى ~~الآن حتى زعمتم إني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة ~~لها والحال أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار وهو الأنسب ~~بمقام المحاجة وحينئذ يكون كلامه صلى الله عليه وسلم جوابا عن شبههم التي ~~أدرجوها في خلال مقالهم من كونه صلى الله عليه وسلم بشرا قصارى أمره أن ~~يكون مثلهم من غير فضل له عليهم وقطعا لشأفة آرائهم الركيكة «ويا قوم لا ~~أسألكم عليه» أي على ما قلته في أثناء دعوتكم «ما لا» تؤدونه إلى بعد ~~إيمانكم واتباعكم لي فيكون ذلك أجرا لي في مقابلة اهتدائكم «إن أجري إلا ~~على الله» الذي يثيبني في الآخرة وفي التعبير عنه حين نسب إليهم بالمال ما ms1559 ~~لا يخفى من المزية «وما أنا بطارد الذين آمنوا» جواب عما لوحوا به بقولهم ~~وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن ~~اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون فكان ذلك التماسا منهم لطردهم وتعليقا لإيمانهم به صلى الله عليه ~~وسلم بذلك أنفه من الإنتظام معهم في سلك واحد «إنهم ملاقوا ربهم» تعليل ~~لامتناعه صلى الله عليه وسلم عن طردهم أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله ~~عز وجل كأنه قيل لا أطردهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم مقربون في حضرة القدس ~~والتعرض لوصف الربوبية لتربية وجوب رعايتهم وتحتم الامتناع عن طردهم أو ~~مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف ~~أطردهم وحمله على معنى أنهم يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان ~~صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء إيمانهم على ~~بادي الرأي من غير نظر وتفكر وما علي أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم ~~حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون يأباه الجزم بترتب غضب الله عز وجل على ~~طردهم كما سيأتي وأيضا فهم إنما قالوا إن اتباعهم لك إنما هو بحسب بادي ~~الرأي بلا تأمل وتفكر وهذا لا يكاد يصلح مدارا للطرد في الدنيا ولا ~~للمؤاخذة في الآخرة غايته أن لا يكونوا في مرتبه الموقنين وادعاء أن بناء ~~الإيمان على ظاهر الرأي يؤدي إلى الرجوع عنه عند التأمل فكأنهم قالوا إنهم ~~اتبعوك بلا تأمل فلا يثبتون على دينك بل يرتدون عنه تعسف لا يخفى «ولكني ~~أراكم قوما تجهلون» بكل ما ينبغي أن يعلم ويدخل فيه جهلهم بلقاء الله عز ~~وجل وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردهم لغضب الله كما سيأتي وبركاكة رأيهم في ~~التماس ذلك وتوقيف إيمانهم عليه أنفه عن الإنتظام معهم في سلك واحد وزعما ~~منهم أن الرذالة بالفقر والشرف بالغني وإيثار صيغة الفعل للدلالة ~~PageV04P202 # على التجدد والاستمرار أو ms1560 تتسافهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة ~~«ويا قوم من ينصرني من الله» يدفع حلول سخطه عني «إن طردتهم» فإن ذلك أمر ~~لا مرد له لكون الطرد ظلما موجبا لحلول السخط قطعا وإنما لم يصرح به إشعارا ~~بأنه غني عن البيان لا سيما عما قدم ما يلوح به من أحوالهم فكأنه قيل من ~~يدفع عني غضب الله تعالى إن طردتهم وهم بتلك المثابة من الكرامة والزلفى ~~كما ينبيء عنه قوله تعالى «أفلا تذكرون» أي أتستمرون على ما أنتم عليه من ~~الجهل المذكور فلا تتذكرون ما ذكر من حالهم حتى تعرفوا أن ما تأتونه بمعزل ~~عن الصواب ولكون هذه العلة مستقبلة بوجه مخصوص ظاهر الدلالة على وجوب ~~الامتناع عن الطرد أفردت عن التعليل السابق وصدرت بيا قوم «ولا أقول لكم» ~~حين ادعى النبوة «عندي خزائن الله» أي رزقه وأمواله حتى تستدلوا بعدمها على ~~كذبي بقولكم وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين فإن النبوة أعز من ~~أن تنال بأسباب دنيوية ودعواها بمعزل عن ادعاء المال والجاه «ولا أعلم ~~الغيب» أي لا أدعي في قولي إني لكم نذير مبين إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ~~علم الغيب حتى تسارعوا إلى الإنكار والإستبعاد «ولا أقول إني ملك» حتى ~~تقولوا ما نراك إلا بشرا مثلنا فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من ~~مباديها يعني إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبي ~~والحال أني لا أدعي شيئا من ذلك ولا الذي أدعيه يتعلق بشيء منها وإنما ~~يتعلق بالفضائل النفسانية التي بها تتفاوت مقادير البشر «ولا أقول» مساعدة ~~لكم كما تقولون «للذين تزدري أعينكم» أي تقتحمهم وتحتقرهم من زراه إذا عابه ~~وإسناد الازدراء إلى أعينهم بالنظر إلى قولهم وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا وإما للإشعار بأن ذلك القصور نظرهم ولو تدبروا في شأنهم ما فعلوا ~~ذلك اي لا أقول في شأن الذين استرذلتموهم لفقرهم من المؤمنين «لن يؤتيهم ~~الله خيرا» في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله أن يؤتيهم خيري ms1561 الدارين إن ~~قلت هذا القول ليس مما تستنكره الكفرة ولا مما يتوهمون صدوره عنه صلى الله ~~عليه وسلم أصالة أو استتباعا كادعاء الملكية وعلم الغيب وحيازه الخزائن مما ~~نفاه صلى الله عليه وسلم عن نفسه بطريق التبرؤ والتنزه عنه فمن أي وجه عطف ~~نفيه على نفيها قلت من جهة أن كلا النفيين رد لقياسهم الباطل الذي تمسكوا ~~به فيما سلف فإنهم زعموا أن النبوة تستتبع الأمور المذكورة وأنها لا تتسنى ~~ممن ليس على تلك الصفات فإن العثور على مكانها واغتنام مغانهما ليس من دأب ~~الأراذل فأجاب صلى الله عليه وسلم بنفي ذلك جميعا فكأنه قال لا أقول وجود ~~تلك الأشياء من مواجب النبوة ولا عدم المال والجاه من موانع الخير «الله ~~أعلم بما في أنفسهم» من الإيمان وإنما اقتصر على نفي القول المذكور مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم جازم بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيرا عظيما في الدارين ~~وأنهم على يقين راسخ في الإيمان جريا على سنن الأنصاف مع القوم واكتفاء ~~بمخالفة كلامهم وإرشادا PageV04P203 # لهم إلى مسلك الهداية بأن اللائق لكل أحد أن لا يبت القول إلا فيما يعلمه ~~يقينا ويبنى أموره على الشواهد الظاهرة ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ~~ظاهرة «إني إذا» أي إذا قلت ذلك «لمن الظالمين» لهم بحط مرتبتهم ونقص ~~حقوقهم أو من الظالمين لأنفسهم بذلك فإن وباله راجع إلى أنفسهم وفيه تعريض ~~بأنهم ظالمون في إزدرائهم واسترذالهم وقيل إذا قلت شيئا مما ذكر من ادعاه ~~الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن وهو بعيد لأن تبعه تلك الأقوال مغنية عن ~~التعليل بلزوم الإنتظام في زمرة الظالمين «قالوا يا نوح قد جادلتنا» ~~خاصمتنا «فأكثرت جدالنا» أي أطلته أو اتيته بأنواعه فإن إكثار الجدال يتحقق ~~بعد وقوع أصله فلذلك عطف عليه بالفاء أو أردت ذلك فأكثرته كما في قوله ~~تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ولما حجهم صلى الله عليه وسلم وأبرز ~~لهم بينات واضحة المدلول وحججا تتلقاها العقول بالقبول وألقمهم الحجر برد ~~شبههم الباطلة ضاقت عليهم الحيل ms1562 وعيت بهم العلل وقالوا «فأتنا بما تعدنا» ~~من العذاب الذي أشير إليه في قوله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم على تقدير ~~أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة «إن كنت من الصادقين» فيما تقول «قال ~~إنما يأتيكم به الله إن شاء» يعني أن ذلك ليس موكولا إلى ولا هو مما يدخل ~~تحت قدرتي وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به وعصيتموه يأتيكم به عاجلا أو ~~آجلا إن تعلق به مشيئته التابعة للحكمة وفيه ما لا يخفى من تهويل الموعود ~~فكأنه قيل الإتيان به أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله عز ~~وجل «وما أنتم بمعجزين» بالهرب أو بالمدافعة كما تدافعونني في الكلام «ولا ~~ينفعكم نصحي» النصح كلمة جامعة لكل ما يدور عليه الخير من قول أو فعل ~~وحقيقته إمحاض إرادة الخير والدلالة عليه ونقيضه الغش وقيل هو إعلام موقع ~~الغي ليتقي وموضع الرشد ليقتفي «إن أردت أن أنصح لكم» شرط حذف جوابه لدلالة ~~ما سبق عليه والتقدير إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي وهذه الجملة دليل ~~على ما حذف من جواب قوله تعالى «إن كان الله يريد أن يغويكم» والتقدير إن ~~كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي هذا على ما ~~ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاء على الشرط وأما على ما ذهب إليه ~~الكوفيون من جوازه فقوله عز وعلا ولا ينفعكم نصحي جزاء للشرط الأول والجملة ~~جزاء للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاء متعلق بالشرط الأول وتعلقه به ~~معلق بالشرط الثاني وهذا الكلام متعلق بقولهم قد جادلتنا فأكثرت جدالنا صدر ~~عنه صلى الله عليه وسلم إظهار للعجز عن إلزامهم بالحجج والبينات لتماديهم ~~في العناد وإيذانا بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدال والخصام بل PageV04P204 # بطريق النصيحة لهم والشفقة عليهم وبأنه لم يأل جهدا في إرشادهم إلى الحق ~~وهدايتهم إلى سبيله المستبين وإمحاض النصح لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند ~~إرادة الله تعالى لإغوائهم وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع ms1563 أنه محقق لا ~~محال للإيذان بأن ذلك النصح منه مقارن للإرادة والاهتمام به ولتحقيق ~~المقابلة بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم وإنما اقتصر ~~في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم ~~مبالغة في بيان غلبة جنابه عز وعلا حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن ~~للاهتمام به لا يجديهم عند مجرد إرادة الله سبحانه لإغوائهم فكيف عند تحقيق ~~ذلك وخلقه فيهم وزيادة كان للإشعار بتقدم إرادته تعالى زمانا كتقدمها رتبة ~~وللدلالة على تجددها واستمرارها وإنما قدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم ~~فأتنا بما تعدنا من قوله تعالى إنما يأتيكم به الله إن شاء ردا عليهم من ~~أول الأمر وتسجيلا عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال ~~وفيه دليل على ان إرادته تعالى يصح تعلقها بالإغواء وان خلاف مراده غير ~~واقع وقيل معنى أن يغويكم أن يهلككم من غوي الفصيل غوى إذا بشم وهلك «هو ~~ربكم» خالقكم ومالك أمركم «وإليه ترجعون» فيجازيكم على أعمالكم لا محالة ~~«أم يقولون افتراه» قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعني نوحا عليه ~~الصلاة والسلام ومعناه بل أيقول قوم نوح إن نوحا افترى ما جاء به مسندا إلى ~~الله عز وجل «قل» يا نوح «إن افتريته» بالفرض البحث «فعلي إجرامي» إثمي ~~ووبال إجرامي وهو كسب الذنب وقريء بلفظ الجمع وينصره أن فسره الأولون ~~بآثامي «وأنا بريء مما تجرمون» من إجرامكم في إسناد الافتراء إلى فلا وجه ~~لإعراضكم عني ومعاداتكم لي وقال مقاتل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ومعناه بل أيقول مشركو مكة افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح ~~فكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقا لحقيتها ~~وتأكيدا لوقوعها وتشويقا للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة ~~متعلقة بما جرى بينه صلى الله عليه وسلم وبين قومه من المحاجة وبقيت طائفة ~~مستقلة متعلقة بعذابهم «وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن ms1564 من قومك» أي المصرين على ~~الكفر وهو إقناط له صلى الله عليه وسلم من إيمانهم وإعلام لكونه كالمحال ~~الذي لا يصح توقعه «إلا من قد آمن» إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من ~~إيمانه وهذا الاستثناء على طريقة قوله تعالى إلا ما قد سلف «فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون» أي لا تحزن حزن بائس مستكين ولا تغتم بما كانوا يتعاطونه من ~~التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد انتهى أفعالهم وحان ~~وقت الانتقام منهم «واصنع الفلك» ملتبسا «بأعيننا» أي بحفظنا وكلاءتنا كأن ~~معه من الله عز وجل حفاظا وحراسا يكلئونه بأعينهم من التعدي من الكفرة ومن ~~الزيغ في الصنعة «ووحينا» إليك كيف تصنعها وتعليمنا وإلهامنا عن ابن عباس ~~رضي PageV04P205 # الله تعالى عنهما لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن ~~يصنعها مثل جؤجؤ الطائر والأمر للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق ~~إلا به فيجب كوجوبها واللام إما للعهد بأن يحمل على أن هذا مسوق بوحي الله ~~تعالى إليه عليه السلام أنه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء سيصنعه ~~بأمره تعالى ووحيه من شأنه كيت وكيت واسمه كذا وإما للجنس قيل صنعها عليه ~~الصلاة والسلام في سنتين وقيل في أربعمائة سنة وكانت من خشب الساج وجعلت ~~ثلاثة بطون حمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط ~~الدواب والأنعام وفي البطن الأعلى جنس البشر هو ومن معه مع ما يحتاجون إليه ~~من الزاد وحمل معه جسد آدم عليه الصلاة والسلام وقيل جعل في الأول الدواب ~~والوحوش وفي الثاني الإنس وفي الأعلى الطير قيل كان طولها ثلاثمائة ذراع ~~وعرضها خمسين ذراعا وسمكها ثلاثين ذراعا وقال الحسن كان طولها ألفا ومائتي ~~ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقيل إن الحواريين قالوا لعيسى عليه الصلاة ~~والسلام لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى ~~إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك الترب فقال أتدرون من هذا قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال هذا ms1565 كعب بن حام قال فضرب بعصاه فقال قم بإذن الله فإذا هو ~~قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام أهكذا ~~هلكت قال لا مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثمة شبت فقال حدثنا عن ~~سفينة نوح قال كان طولها ألفا مائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث ~~طبقات طبقة للدواب والوحش وطبقة للإنس وطبقة للطير ثم قال عد بإذن الله ~~تعالى كما كنت فعاد ترابا «ولا تخاطبني في الذين ظلموا» أي لا تراجعني فيهم ~~ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل ولا ~~تدعني فيهم وحيث كان فيه ما يلوح بالسببية أكد التعليل فقيل «إنهم مغرقون» ~~أي محكوم عليهم بالإغراق قد مضى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه ~~ولزمتهم الحجة فلم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين « ويصنع ~~الفلك» حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة وقيل تقديره وأخذ يصنع ~~الفلك أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وأيا ما كان ففيه ملأمة للاستمرار ~~المفهوم من الجملة الواقعة حالا من ضميره أعنى قوله تعالى «وكلما مر عليه ~~ملأ من قومه سخروا منه» استهزءوا به لعلمه السفينة إما لأنهم ما كانوا ~~يعرفونها ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك وسخروا منه ~~وإما لأنه كان يصنعها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء وفي وقت عزته ~~عزة شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون يا نوح صرت نجارا بعد ما كنت نبيا وقيل ~~لأنه عليه الصلاة والسلام كان ينذرهم الغرق فلما طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا ~~منه عينا ولا أثرا عدوه من باب المحال ثم لما رأوا اشتغاله بأسباب الخلاص ~~من ذلك فعلوا ما فعلوا ومدار الجميع إنكار أن يكون لعلمه عليه الصلاة ~~والسلام عاقبة حميدة مع ما فيه من تحمل المشاق PageV04P206 # العظيمة التي لا تكاد تطاق واستجهاله عليه السلام في ذلك «قال إن تسخروا ~~منا» مستجهلين لنا فيما نحن فيه «فإنا نسخر منكم» أي نستجهلكم فيما أنتم ms1566 ~~عيه وإطلاق السخرية عليه للمشاكلة وجمع الضمير في منا إما لأن سخريتهم منه ~~صلى الله عليه وسلم سخرية من المؤمنين أيضا أو لأنهم كانوا يسخرون منهم ~~أيضا إلا أنه اكتفى بذكر سخريتهم منه صلى الله عليه وسلم ولذلك تعرض الجميع ~~للمجازاة في قوله تعالى فإنا نسخر منكم الخ فتكافأ الكلام من الجانين ~~وتعليق استجهاله صلى الله عليه وسلم إياهم بما فعلوا من السخرية باعتبار ~~إظهاره ومشافهته صلى الله عليه وسلم إياهم جاهلين فيما يأتون ويذرون أمر ~~مطرد لا تعلق له بسخريتهم منهم لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتصدى ~~لإظهاره جريا على نهج الأخلاق الحميدة وإنما أظهره جزاء بما صنعوا بعد ~~اللتيا والتي فإن سخريتهم كانت مستمرة ومتجددة حسب تجدد مرورهم عليه ولم ~~يكن يجيبهم في كل مرة وإلا لقيل ويقول إن تسخروا منا الخ بل إنما أجابهم ~~بعد بلوغ أذاهم الغاية كما يؤذن به الاستئناف فكأن سائلا سأل فقال فما صنع ~~نوح عند بلوغهم منه هذا المبلغ فقيل قال إن تسخروا منا إن تنسبونا فيما نحن ~~بصدده من التأهب المباشرة لأسباب الخلاص من العذاب إلى الجهل وتسخروا منا ~~لأجله فإنا ننسبكم إليه فيما أنتم فيه من الإعراض عند استدفاعه بالإيمان ~~والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي والتعرض لأسباب حلول سخط الله ~~تعالى التي من جملتها استجهالكم إيانا وسخريتكم منا والتشبيه في قوله تعالى ~~«كما تسخرون» إما في مجرد التحقق والوقوع أو في التجدد والتكرر حسبما صدر ~~عن ملأ غب ملأ لا في الكيفيات والأحوال التي تليق بشأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكلا الأمرين واقع في الحال وقيل نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل ~~سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة ولعل مراده ~~نعاملكم معاملة من يفعل ذلك لأن نفس السخرية مما لا يكاد يليق بمنصب النبوة ~~ومع ذلك لا سداد له لأن حالهم إذا ذاك ليس مما لا يلائمه السخرية أو ما ~~يجري مجراها فتأمل «فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه» وهو عذاب الغرق ms1567 «ويحل ~~عليه» حلول الدين المؤجل «عذاب مقيم» هو عذاب النار الدائم وهو تهديد بليغ ~~ومن عبارة عنهم وهي إما استفهامية في حيز الرفع أو موصولة في محل النصب ~~بتعلمون وما في حيزها سد مسد مفعولين أو مفعول واحد إن جعل العلم بمعنى ~~المعرفة ولما كان مدار سخريتهم استجهالهم إياه صلى الله عليه وسلم في ~~مكابدة المشاق الفادحة لدفع ما لا يكاد يدخل تحت الصحة على زعمهم من ~~الطوفان ومقاساة الشدائد في بناء السفينة وكانوا يعدونه عذابا قيل بعد ~~استجهالهم فسوف تعلمون من يأتيه العذاب يعني أن ما أباشره ليس فيه عذاب ~~لاحق بي فسوف تعلمون من المعذب ولقد أصاب العلم بعد استجهالهم محزة ووصف ~~العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزي والعار عادة ~~والتعرض لحلول العذاب المقيم للمبالغة في التهديد وتخصيصه بالمؤجل وإيراد ~~الأول بالإتيان في غاية الجزالة «حتى إذا PageV04P207 # جاء أمرنا» حتى هي التي يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهي مع ~~ذلك غاية لقوله ويصنع وما بينهما حال من الضمير فيه وسخروا منه جواب لكلما ~~وقال استئناف على تقدير سؤال سائل كما ذكرناه وقيل هو الجواب وسخروا منه ~~بدل من مر أو صفة لملأ وقد عرفت أن الحق هو الأول لأن المقصود بيان تناهيهم ~~في إيذائه صلى الله عليه وسلم وتحمله لأذيتهم لا مسارعته صلى الله عليه ~~وسلم إلى جوابهم كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام «وفار التنور» نبع منه ~~الماء وارتفع بشدة كما تفور القدر بغليانها والتنور تنور الخبز وهو قول ~~الجمهور روى أنه قيل لنوح عليه الصلاة والسلام إذا رأيت الماء يفور من ~~التنور فاركب ومن معك في السفينة فلما نبع الماء أخبرته امرأته فركب وقيل ~~كان تنور آدم عليه الصلاة والسلام وكان من حجارة فصار إلى نوح وإنما نبع ~~منه وهو أبعد شيء من الماء على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها ~~عن يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان عمل السفينة في ذلك الموضع أو في ~~الهند أو ms1568 في موضع بالشام يقال له عين ورده وعن ابن عباس رضي الله عنه تعالى ~~عنهما وعكرمة والزهري أن التنور وجه الأرض وعن قتادة أشرف موضع في الأرض أي ~~أعلاه وعن علي رضي الله تعالى عنه فار التنور طلح الفجر «قلنا احمل فيها» ~~أي في السفينة وهو جواب إذا «من كل» أي من كل نوع لا بد منه في الأرض ~~«زوجين» الزوج ما له مشاكل من نوعه فالذكر زوج للأنثى كما هي زوج له وقد ~~يطلق على مجموعهما فيقابل الفرد ولإزالة ذلك الاحتمال قيل «اثنين» كل منهما ~~زوج للآخر وقريء على الإضافة وإنما قدم ذلك على أهله وسائر المؤمنين لكونه ~~عريقا فيما أمر به من الحمل لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمال منه صلى الله ~~عليه وسلم في تمييز بعضه من بعض وتعيين الأزواج فإنه روى أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين فحشر الله تعالى إليه السباع ~~والطير وغيرهما فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى ~~والأنثى في اليسرى فيجعلهما في السفينة وأما البشر فإنما يدخل الفلك ~~باختياره فيخف فيه معنى الحمل أو لأنها إنما تحمل بمباشرة البشر وهم إنما ~~يدخلونها بعد حملهم إياها «وأهلك» عطف على زوجين أو على اثنين والمراد ~~امرأته وبنوه ونساؤهم «إلا من سبق عليه القول» بأنه من المغرقين بسبب ظلمهم ~~في قوله تعالى ولا تخاطبني في الذين ظلموا الآية والمراد به ابنه كنعان ~~وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين والاستثناء منقطع إن أريد بالأهل الأهل ~~إيمانا وهو الظاهر كما ستعرفه أو متصل إن أريد به الأهل قرابة ويكتفي في ~~صحة الاستثناء المعلومية عند المراجعة إلى أحوالهم والتفحص عن أعمالهم وجئ ~~بعلي لكون السابق ضارا لهم كما جيء باللام فيما هو نافع لهم من قوله عز وجل ~~ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~«ومن آمن» من غيرهم وإفراد الأهل منهم للاستثناء المذكور وإيثار صيغة ~~الإفراد في آمن محافظة على لفظ من ms1569 للإيذان بقلتهم كما أعرب عنه قوله عز ~~قائلا «وما آمن معه إلا قليل» قيل كانوا ثمانية نوح عليه الصلاة والسلام ~~وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم وعن ابن إسحق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة ~~وعنه أيضا أنهم كانوا عشرة سوى نسائهم وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة ~~وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ~~ونصفهم نساء واعتبار المعية في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان ~~والنجاة PageV04P208 # «وقال» أي نوح عليه الصلاة والسلام لمن معه من المؤمنين كما ينبيء عنه ~~قوله تعالى إن ربي لغفور رحيم ولو رجع الضمير إلى الله تعالى لناسب أن يقال ~~إن ربكم ولعل ذلك بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل ~~فحمل الأزواج أو أدخلها في الفلك وقال للمؤمنين «اركبوا فيها» كما سيأتي ~~مثله في قوله تعالى وهي تجري بهم والركوب العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه ~~واستعماله ههنا بكلمة في ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ~~ظن فإن أظهر الرويات أنه عليه السلام جعل الوحوش ونظائر في البطن الأسفل ~~والأنعام في الأوسط وركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانب المحلية ~~والمكانية في الفلك والسر فيه أن معنى الركوب العلو على شيء له حركة إما ~~إرادية كالحيوان أو قسرية السفينة والعجلة ونحوهما فإذا استعمل في الأول ~~يوفر له حظ الأصل فيقال ركبت الفرس وعليه قوله عز من قائل والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال ~~ركبت في السفينة وعليه الآية الكريمة وقوله عز وجل قائلا فإذا ركبوا في ~~الفلك وقوله تعالى فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها «بسم الله» متعلق ~~باركبوا حال من فاعله أي اركبوا مسمين الله تعالى أو قائلين بسم الله ~~«مجراها ومرساها» نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها على أنهما اسما ~~زمان أو مصدران كالإجراء والإرساء بحذف الوقت كقولك آتيك حقوق النجم أو ~~اسما مكان انتصبا بما في بسم الله ms1570 من معنى الفعل أو إرادة القول ويجوز أن ~~يكون بسم الله مجريها ومرساها مستقلة من مبتدأ وخبر في موضع الحال من ضمير ~~الفلك أي اركبوا فيها مجراة ومرساة باسم الله بمعنى التقدير كقوله تعالى ~~ادخلوها خالدين أو جملة مقتضبة على أن نوحا أمرهم بالركوب فيها ثم أخبرهم ~~بأن إجراءها وإرساءها بسم الله تعالى فيكونان كلامين له عليه الصلاة ~~والسلام قيل كان عليه السلام إذا أراد أن يجريها يقول بسم الله فتجري وإذا ~~أراد أن يرسيها يقول بسم الله فترسو ويجوز أن يكون الاسم مقحما كما في قوله ~~وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ثم أسم السلام عليكما ويراد بالله إجراؤها ~~وإرساؤها اي بقدرته وأمره وقريء مجريها ومرسيها على صيغة الفاعل مجروري ~~المحل صفتين لله عز وجل ومجراها ومرساها بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو ~~مكانين من جرى ورسا «إن ربي لغفور» للذنوب والخطايا «رحيم» لعباده ولذلك ~~نجاكم من هذه الطامة والداهية العامة ولولا ذلك لما فعله وفيه دلالة على أن ~~نجاتهم ليست بسبب استحقاقهم لها بل بمحض فضل الله سبحانه وغفرانه ورحمته ~~على ما عليه رأى أهل السنة «وهي تجري بهم» متعلق بمحذوف دل عليه الأمر ~~بالركوب أي فركبوا فيها مسمين وهي تجري ملتبسة لهم «في موج PageV04P209 # كالجبال» وهو ما ارتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة من ذلك كجبل في ~~ارتفاعها وتراكمها وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت ~~السفينة تجري في جوفه كالحوت فغير ثابت والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة ~~عشر ذراعا أو أربعين ذراعا ولئن صح ذلك فهذا الجريان إنما هو قبل أن يتفاقم ~~الخطب كما يدل عليه قوله تعالى «ونادى نوح ابنه» فإن ذلك إنما يتصور قبل أن ~~تنقطع العلاقة بين السفينة والبر إذ حينئذ يمكن جريان ما جرى بين نوح عليه ~~الصلاة والسلام وبين ابنه من المفاوضة بالاستدعاء إلى السفينة والجواب ~~بالاعتصام بالجبل وقريء ابنها وابنه بحذف الألف على أن الضمير لامرأته وكان ~~ربيبه وما يقال من أنه كان لغير رشدة ms1571 لقوله تعالى فخانتاهما فارتكاب عظيمة ~~لا يقادر قدرها فإن جناب الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه أرفع من ~~أن يشار إليه بإصبع الطعن وإنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين وقريء ~~ابناه على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف حرفها وأنت خبير بأنه لا يلائمه ~~الاستدعاء إلى السفينة فإنه صريح في أنه لم يقع في حياته يأس بعد «وكان في ~~معزل» أي مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقومه بحيث لم يتناوله الخطاب ~~باركبوا واحتاج إلى النداء المذكور وقيل في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم ~~وظن نوح أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى السفينة وقيل كان ينافق أباه فظن ~~أنه مؤمن وقيل كان يعلم أنه كافر إلى ذلك الوقت لكنه عليه الصلاة والسلام ~~ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال ينزجر عما كان عليه ويقبل وقيل الإيمان لم ~~يكن الذي تقدم من قوله تعالى إلا من سبق عليه القول نصا في كونه ابنه داخلا ~~تحته بل كان كالمجمل فحملته شفقة الأبوة على ذلك «يا بني» بفتح الياء ~~اقتصارا عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك يا بنيا وقريء بكسر ~~الياء اقتصارا عليه من ياء الإضافة أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين ~~لأن الراء بعدهما ساكنة «اركب معنا» قرأ أبو عمرو والكسائي وحفص بإدغام ~~الباء في الميم لتقاربهما في المخرج وإنما أطلق الركوب عن ذكر الفلك ~~لتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع اغناء المعية ~~عن ذلك «ولا تكن مع الكافرين» أي في المكان وهو وجه الأرض خارج الفلك لا في ~~الدين وإن كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبه معه عليه الصلاة والسلام كونه ~~معه في الإيمان لأنه عليه الصلاة والسلام بصدد التحذير عن الهلكة فلا ~~يلائمه النهي عن الكفر «قال سآوي إلى جبل» من الجبال «يعصمني» بارتفاعه من ~~«الماء» زعمنا منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي ربما ~~يتقي منها بالصعود إلى الربا وأنى له ذلك وقد بلغ السيل الزبي وجهلا بأن ms1572 ~~ذلك إنما كان لإهلال الكفرة وأن لا محيص من ذلك سوى الالتجاء إلى ملجأ ~~المؤمنين فلذلك أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين له حقيقة الحال ويصرفه عن ~~ذلك الفكر المحال وكان مقتضى الظاهر أن يجب بما ينطبق عليه كلامه ويتعرض ~~لنفي ما أثبته للجبل من كونه عاصما له من الماء بأن PageV04P210 # يقول لا يعصمك منه مفيدا لنفى وصف العصمة عنه فقط من غير تعرض لنفيه عن ~~غيره ولا لنفي الموصوف أصلا لكنه عليه الصلاة والسلام حيث «قال لا عاصم ~~اليوم من أمر الله» سالك طريقة نفي الجنس المنتظم لنفي جميع أفراد العاصم ~~ذاتا وصفة كما في قولهم ليس فيه داع ولا مجيب أي أحد من الناس للمبالغة في ~~نفي كون الجبل عاصما بالوجهين المذكورين وزاد اليوم للتنبيه على أنه ليس ~~كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع وتلم فيها الملمات المعتادة التي ربما ~~يتخلص من ذلك بالإلتجاء إلى بعض الأسباب العادية وعبر عن الماء في محل ~~إضماره بأمر الله أي عذابه الذي أشير إليه حيث قيل حتى إذا جاء أمرنا ~~تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره وتنبيها لابنه على خطئه في تسميته ماء ويوهم ~~أنه كسائر المياه التي يتفصى منها بالهرب إلى بعض المهارب المعهودة وتعليلا ~~للنفي المذكور فإن أمر الله لا يغالب وعذابه لا يرد وتمهيدا لحصر العصمة في ~~جناب الله عز جاره بالاستثناء كأنه قيل لا عاصم من أمر الله إلا هو وإنما ~~قيل «إلا من رحم» تفخيما لشأنه الجليل بالإبهام ثم التفسير وبالإجمال ثم ~~التفصيل وإشعارا بعلية رحمته في ذلك بموجب سبقها على غضبه وكل ذلك لكمال ~~عنايته عليه الصلاة والسلام بتحقيق ما يتوخاه من نجاة ابنه ببيان شأن ~~الداهية وقطع أطماعه الفارغة وصرفه عن التعلل بما لا يغني عنه شيئا وإرشاده ~~إلى العياذ بالمعاذ الحق عز حماه وقيل لا مكان يعصم من أمر الله إلا مكان ~~من رحمه الله وهو الفلك وقيل معنى لا عاصم لا ذا عصمة إلا من رحمه الله ~~تعالى «وحال بينهما الموج» أي بين نوح ms1573 وبين ابنه فانقطع ما بينهما من ~~المجاوبة لا بين ابنه وبين الجبل لقوله تعالى «فكان من المغرقين» إذ هو ~~إنما يتفرع على حيلولة الموج بينه عليه الصلاة والسلام وبين ابنه لا بينه ~~وبين الجبل لأنه بمعزل من كونه عاصما وإن لم يحل بينه وبين الملتجىء إليه ~~موج وفيه دلالة على هلاك سائر الكفرة على أبلغ وجه فكان ذلك أمرا مقرر ~~الوقوع غير مفتقر إلى البيان وفي إيراد كان دون صار مبالغة في كونه منهم ~~«وقيل يا أرض ابلعي» أي انشقي استعير له من ازرداد الحيوان ما يأكله ~~الدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد التدريجي «ماءك» أي ما على وجهك من ~~ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والأنهار وعبر عنه بالماء ~~بعد ما عبر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقام مقام النقص والتقليل ~~لا مقام التفخم والتهويل «ويا سماء أقلعي» أي أمسكي عن إرسال المطر يقال ~~أقلعت السماء إذا انقطع مطرها وأقلعت الحمى أي كفت «وغيض الماء» أي نقص ما ~~بين السماء والأرض من الماء «وقضي الأمر» أي أنجز ما وعد الله تعالى نوحا ~~من إهلاك قومه وإنجائه بأهله أو أتم الأمر «واستوت» أي استقرت الفلك «على ~~الجودي» هو جبل بالموصل أو بالشام أو بآمل روى أنه عليه الصلاة والسلام ركب ~~في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر المحرم فصام ذلك اليوم شكرا فصار ~~سنة «وقيل بعدا للقوم الظالمين» أي هلاكا لهم والتعرض لوصف الظلم للإشعار ~~بعليته للهلاك ولتذكيره ما سبق من قوله تعالى ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم PageV04P211 # مغرقون ولقد بلغت الآية الكريمة من مراتب الإعجاز قاصيتها وملكت من غرر ~~المزايا ناصيتها وقد تصدى لتفصيلها المهرة المتقنون ولعمري إن ذلك فوق ما ~~يصفه الواصفون فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوض الأمر إلى تأمل ~~أولى الألباب والله عنده علم الكتاب «ونادى نوح ربه» أي أراد ذلك بدليل ~~الفاء في قوله تعالى «فقال رب إن ابني من أهلي» وقد وعدتني إنجاءهم ms1574 في ضمن ~~الأمر بحملهم في الفلك أو النداء على الحقيقة والفاء لتفصيل ما فيه من ~~الإجمال «وإن وعدك الحق» أي وعدك ذلك أو إن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه ~~خلف فيدخل فيه الوعد المعهود دخولا أوليا «وأنت أحكم الحاكمين» لأنك أعلمهم ~~وأعدلهم أو أنت أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من ~~الدرع وهذا الدعاء منه عليه الصلاة والسلام على طريقة دعاء أيوب عليه ~~الصلاة والسلام إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين «قال يا نوح» ~~لما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بتذكير وعده جل ذكره مبنيا على كون ~~كنعان من أهله نفى أولا كونه منهم بقوله تعالى «إنه ليس من أهلك» أي ليس ~~منهم أصلا لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية ولا علاقة بين المؤمن ~~والكافر أو ليس من أهلك الذين أمرتك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم ~~بالاستثناء وعلى التقديرين ليس هو من الذين وعد بإنجائهم ثم علل عدم كونه ~~منهم على طريقة الاستئناف التحقيقي بقوله تعالى «إنه عمل غير صالح» أصله ~~إنه ذو عمل غير صالح فجعل نفس العمل مبالغة كما في قول الخنساء فإنما هي ~~إقبال وإدبار وإيثار غير صالح على فاسد إما لأن الفاسد ربما يطلق على ما ~~فسد ومن شأنه الصلاح فلا يكون نصا فيما هو من قبيل الفاسد المحض كالقتل ~~والمظالم وإما للتلويح بأن نجاة من نجا إنما هي لصلاحه وقرأ الكسائي ويعقوب ~~إنه عمل غير صالح أي عملا غير صالح ولما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام ~~مبنيا على ما ذكر من اعتقاد كون كنعان من أهله وقد نفى ذلك وحقق ببيان علته ~~فرع على ذلك النهي عن سؤال إنجائه إلا أنه جيء بالنهي على وجه عام يندرج ~~فيه ذلك اندارجا أوليا فقيل «فلا تسألني» أي إذا وقفت على جلية الحال فلا ~~تطلب مني «ما ليس لك به علم» أي مطلبا لا تعلم يقينا أن حصوله صواب وموافق ~~للحكمة على تقدير كون ما عبارة عن المسؤول ms1575 الذي هو مفعول للسؤال أو طلبا لا ~~تعلم أنه صواب على تقدير كونه عبارة عن المصدر الذي هو مفعول مطلق فيكون ~~النهي واردا بصريحه في كل من معلوم الفساد ومشتبه الحال ويجوز أن يكون ~~المعنى ما ليس لك علم بأنه صواب أو غير صواب فيكون النهي واردا في مشتبه ~~الحال ويفهم منه حال معلوم الفساد بالطريق الأولى وعلى التقديرين فهو عام ~~يندرج تحته ما نحن فيه كما ذكرناه وهذا كما ترى صريح في أن نداءه عليه ~~الصلاة والسلام ربه عز وعلا ليس استفسارا عن سبب عدم إنجاء ابنه مع سبق ~~وعده بإنجاء أهله وهو PageV04P212 # منهم كما قيل فإن النهي عن استفسار ما لم يعلم غير موافق للحكمة إذ عدم ~~العلم بالشيء داع إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه بل هو دعاء منه لإنجاء ~~ابنه حين حال الموج بينهما ولم يعلم بهلاكه بعد إما بتقريبه إلى الفلك ~~بتلاطم الأمواج أو بتقريبها إليه وقيل أو بإنجائه في قلة الجبل ويأباه ~~تذكير الوعد في الدعاء فإنه مخصوص بالإنجاء في الفلك وقوله تعالى لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم ومجرد حيلولة الموج بينهما لا يستوجب هلاكه ~~فضلا عن العلم به لظهور إمكان عصمة الله تعالى إياه برحمته وقد وعد بإنجاء ~~أهله ولم يكن ابنه مجاهرا بالكفر كما ذكرناه حتى لا يجوز عليه عليه السلام ~~أن يدعوه إلى الفلك أو يدعو ربه لإنجائه واعتزاله عنه عليه الصلاة والسلام ~~وقصده الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جواز أن يكون ~~ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفلك وزعمه أن الجبل أيضا يجري مجراه أو ~~لكراهة الإحتباس في الفلك بل قوله سآوي إلى جبل يعصمني من الماء بعد ما قال ~~له نوح عليه الصلاة والسلام ولا تكن مع الكافرين ربما يطمعه عليه السلام في ~~إيمانه حيث لم يقل أكون معهم أو سنأوي أو يعصمنا فإن إفراد نفسه بنسبة ~~الفعلين المذكورين ربما يشعر بانفرداه من الكافرين واعتزاله عنهم وامتثاله ~~ببعض ما أمره به ms1576 نوح عليه الصلاة والسلام إلا أنه عليه الصلاة والسلام لو ~~تأمل في شأنه حق التأمل وتفحص عن أحواله في كل ما يأتي ويذر لما اشتبه عليه ~~أنه ليس بمؤمن وأنه المستثنى من أهله ولذلك قيل «إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين» فعبر عن ترك الأولى بذلك وقرئ فلا تسألن بغير ياء الإضافة ~~وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء «قال رب إني أعوذ بك أن أسألك» أي أطلب منك ~~من بعد «ما ليس لي به علم» أي مطلوبا لا أعلم أن حصوله مقتضى الحكمة أو ~~طلبا لا أعلم أنه صواب سواء كان معلوم الفساد أو مشتبه الحال أولا أعلم أنه ~~صواب أو غير صواب على ما مر وهذه توبة منه عليه السلام مما وقع منه وإنما ~~لم يقل أعوذ بك منه أو من ذلك مبالغة في التوبة وإظهارا للرغبة والنشاط ~~فيها وتبركا بذكر ما لقنه الله تعالى وهو أبلغ من أن يقول أتوب إليك أن ~~أسألك لما فيه من الدلالة على كون ذلك أمرا هائلا محذورا لا محيص منه إلا ~~بالعوذ بالله تعالى وأن قدرته قاصرة عن النجاة من المكاره إلا بذلك «وإلا ~~تغفر لي» ما صدر عني من السؤال المذكور «وترحمني» بقبول توبتي «أكن من ~~الخاسرين» أعمالا بسبب ذلك فإن الذهول عن شكر الله تعالى لا سيما عند وصول ~~مثل هذه النعمة الجليلة التي هي النجاة وهلاك الأعداء والاشتغال بما لا ~~يعني خصوصا بمبادى خلاص من قيل في شأنه إنه عمل غير صالح والتضرع إلى الله ~~تعالى في أمره معاملة غير رابحة وخسران مبين وتأخير ذكر هذا النداء عن ~~حكاية الأمر الوارد على الأرض والسماء وما يتلوه من زوال الطوفان وقضاء ~~الأمر واستواء الفلك على الجودى والدعاء بالهلاك على الظالمين مع أن حقه أن ~~يذكر عقيب قوله تعالى فكان من المغرقين حسبما وقع في الخارج إذ حينئذ يتصور ~~الدعاء بالإنجاء لا بعد العلم بالهلاك ليس لما PageV04P213 # قيل من استقلاله بغرض مهم هو جعل قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن لا ~~يقدم ms1577 في الأمور الدينية الأصولية إلا بعد اليقين قياسا على ما وقع في قصة ~~البقرة من تقديم ذكر الأمر بذبحها على ذكر القتيل الذي هو أول القصة وكان ~~حقها أن يقال وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة فاضربوه ~~ببعضها كما قرر في موضعه فإن تغيير الترتيب هناك للدلالة على كمال سوء حال ~~اليهود بتعديد جناياتهم المتنوعة وتثنية التقريع عليهم بكل نوع على حدة ~~فقوله تعالى وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة الخ ~~لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك وقوله ~~تعالى وإذ قتلتم نفسا الخ للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من ~~الأمور العظيمة ولو قصت القصة على ترتيبها لفات الغرض الذي هو تثنية ~~التقريع ولظن أن المجموع تقريع واحد وأما ما نحن فيه فليس مما يمكن أن ~~يراعى فيه مثل تلك النكتة أصلا وما ذكر من جعل القرابة الدينية غامرة ~~للقرابة النسبية الخ لا يفوت على تقدير سوق الكلام على ترتيب الوقوع أيضا ~~بل لأن ذكر هذا النداء كما ترى مستدع لذكر ما مر من الجواب المستدعى لذكر ~~ما مر من توبته عليه الصلاة والسلام المؤدي ذكرها إلى ذكر قبولها في ضمن ~~الأمر الوارد بنزوله عليه الصلاة والسلام من الفلك بالسلام والبركات ~~الفائضة عليه وعلى المؤمنين حسبما سيجئ مفصلا ولا ريب في أن هذه المعاني ~~آخذ بعضها بحجزه بعض بحيث لا يكاد يفرق الآيات الكريمة المنطوية عليها ~~بعضها من بعض وأن ذلك إنما يتم بتمام القصة ولا ريب أن ذلك إنما يكون بتمام ~~الطوفان فلا جرم اقتضى الحال ذكر تمامها قبل هذا النداء وذلك إنما يكون عند ~~ذكر كون كنعان من المغرقين ولهذه النكتة ازداد حسن موقع الإيجاز البليغ ~~وفيه فائدة أخرى هي التصريح بهلاكه من أول الأمر ولو ذكر النداء الثاني ~~عقيب قوله تعالى فكان من المغرقين لربما توهم من أول الأمر إلى أن يرد قوله ~~إنه ليس من أهلك أنه ينجو بدعائه عليه الصلاة والسلام فنص على هلاكه ms1578 من أول ~~الأمر ثم ذكر الأمر الوارد على الأرض والسماء الذي هو عبارة عن تعلق ~~الإرادة الربانية الأزلية بما ذكر من الغيض والإقلاع وبين بلوغ أمر الله ~~محله وجريان قضائه ونفوذ حكمه عليهم بهلاك من هلك ونجاة من نجا بتمام ذلك ~~الطوفان واستواء الفلك على الجودى فقصت القصة إلى هذه المرتبة وبين ذلك أي ~~بيان ثم تعرض لما وقع في تضاعيف ذلك مما جرى بين نوح عليه السلام وبين رب ~~العزة جلت حكمته فذكر بعد توبته عليه الصلاة والسلام قبولها بقوله «قيل يا ~~نوح اهبط» أي انزل من الفلك وقرئ بضم الباء «بسلام» ملتبسا بسلامة من ~~المكاره كائنة «منا» أو بسلام وتحية منا عليك كما قال سلام على نوح في ~~العالمين «وبركات عليك» أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم ~~من أنواع الأرزاق وقرئ بركة وهذا إعلان وبشارة من الله تعالى بقبول توبته ~~وخلاصه من الخسران بفيضان أنواع الخيرات عليه في كل PageV04P214 # ما يأتي وما يذر «وعلى أمم» ناشئة «ممن معك» إلى يوم القيامة متشعبة منهم ~~فمن ابتدائية والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى يوم القيامة ~~«وأمم سنمتعهم» أي ومنهم على أنه خبر حذف لدلالة ما سبق عليه فإن إيراد ~~الأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم نكرة يدل على أن بعض من يتشعب منهم ~~ليسوا على صفتهم يعنى ليس جميع من تشعب منهم مسلما ومباركا عليه بل منهم ~~أمم ممتعون في الدينا معذبون في الآخرة وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح ~~عليه السلام مسلما ومباركا عليهم صريحا وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح ~~عليه الصلاة والسلام ومن كون ذرياتهم كذلك بدلالة النص ويجوز أن تكون من ~~بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سموا أمما لأنهم أمم متحزبة وجماعات ~~متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم فحينئذ يكون المراد بالأمم ~~المشار إليهم في قوله تعالى وأمم سنمتعهم بعض الأمم المتشعبة منهم وهي ~~الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة ويبقى أمر الأمم المؤمنة ms1579 ~~الناشئة منهم مبهما غير متعرض له ولا مدلول عليه مع ذلك ففي دلالة المذكور ~~على خبره المحذوف خفاء لأن من المذكورة بيانية والمحذوفة تبعيضية أو ~~ابتدائية فتأمل «ثم يمسهم» إما في الآخرة أو في الدنيا أيضا «منا عذاب ~~أليم» عن محمد بن كعب القرظي دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم ~~القيامة وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر وعن ابن زيد هبطوا والله ~~عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا منهم من رحم ومنهم من عذب وقيل المراد بالأمم ~~الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام وبالعذاب ما نزل بهم «تلك» ~~إشارة إلى ما قص من قصة نوح عليه الصلاة والسلام إما لكونها بتقضيها في حكم ~~البعيد أو الدلالة على بعد منزلتها وهي مبتدأ خبره «من أنباء الغيب» أي من ~~جنسها أي ليست من قبيل سائر الأنباء بل هي نسيج وحدها منفردة عما عداها أو ~~بعضها «نوحيها إليك» خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك أو هو الخبر ومن ~~أنباء متعلق به فالتعبير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة أو حال من أنباء ~~الغيب أي موحاة إليك «ما كنت تعلمها أنت ولا قومك» خبر آخر أي مجهولة عندك ~~وعند قومك «من قبل هذا» أي من قبل إيحائنا إليك وإخبارك بها أو من قبل هذا ~~العلم الذي كسبته بالوحي أو من قبل هذا الوقت أو حال من الهاء في نوحيها أو ~~الكاف إليك أي جاهلا أنت وقومك بها وفي ذكر جهلهم تنبيه على أنه عليه ~~الصلاة والسلام لم يتعلمه إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يعلموه ~~فكيف بواحد منهم «فاصبر» متفرع على الإيحاء أو العلم المستفاد منه المدلول ~~عليه بقوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا أي وإذ قد أوحيناها إليك ~~أو علمتها بذلك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح على ~~ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولة وهذا ناظر إلى ما سبق من ~~قوله تعالى فلعلك تارك ms1580 بعض ما يوحى إليك الخ «إن العاقبة» بالظفر في الدنيا ~~وبالفوز في الآخرة «للمتقين» كما شاهدته في نوح عليه الصلاة والسلام وقومه ~~ولك فيه أسوة حسنة فهي PageV04P215 # تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليل للأمر بالصبر فإن كون ~~العاقبة الحميدة للمتقين وهو في أقصى درجات التقوى والمؤمنون كلهم متقون ~~مما يسليه صلى الله عليه وسلم ويهون عليه الخطوب ويذهب عنه ما عسى يعتريه ~~من ضيق صدره وهذا على تقدير أن يراد بالتقوى الدرجة الأولى منه أعنى التوقي ~~من العذاب المخلد بالتبرؤ من الشرك وعليه قوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى ~~ويجوز أن يراد الدرجة الثالثة منه وهي أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ~~ويتبتل إليه بشرا شره وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى اتقوا الله ~~حق تقاته فإن التقوى بهذا المعنى منطو على الصبر المذكور فكأنه قيل فاصبر ~~فإن العاقبة للصابرين «وإلى عاد» متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى أرسلنا ~~في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى «أخاهم» أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي ~~واحدا منهم في النسب كقولهم يا أخا العرب وتقديم المجرور على المنصوب ههنا ~~للحذار عن الإضمار قبل الذكر وقيل متعلق بالفعل المذكور فيما سبق وأخاهم ~~معطوف على نوحا وقد مر في سورة الأعراف وقوله تعالى «هودا» عطف بيان لأخاهم ~~وكان صلى الله عليه وسلم من جملتهم فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ~~ابن العوص بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام وقيل هود بن شالح بن ~~أرفخشذ بن سام بن نوح ابن عم أبي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لكلامه ~~وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه «قال» لما كان ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم مظنة للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أجيب عنه بطريق الاستئناف فقيل ~~قال «يا قوم اعبدوا الله» أي وحدوه كما ينبئ عنه قوله تعالى «ما لكم من إله ~~غيره» فإنه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها والتعليل للأمر ~~بها كأنه قيل خصوه بالعبادة ms1581 ولا تشركوا به شيئا إذ ليس لكم من إله سواه ~~وغيره بالرفع صفة لإله باعتبار محله وقرئ بالجر حملا له على لفظه «إن أنتم» ~~ما أنتم باتخاذكم الأصنام شركاء له أو بقولكم إن الله أمرنا بعبادتها «إلا ~~مفترون» عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا «يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري ~~إلا على الذي فطرني» خاطب به كل نبي قومه إزاحة لما عسى يتوهمونه وإمحاضا ~~للنصيحة فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع بمعزل عن التأثير وإيراد الموصول ~~للتفخيم وجعل الصلة فعل الفطرة لكونه أقدم النعم الفائضة من جناب الله ~~تعالى المستوجبة للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجريان على موجب أمره الغالب ~~معرضا عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجر «أفلا تعقلون» أي أتغفلون ~~عن هذه القضية أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقلونها أو أتجهلون كل شيء فلا ~~تعقلون شيئا أصلا فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء «ويا ~~قوم استغفروا ربكم» أي اطلبوا مغفرته PageV04P216 # لما سلف منكم من الذنوب بالإيمان والطاعة «ثم توبوا إليه» أي توسلوا إليه ~~بالتوبة وأيضا التبرؤ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى والرغبة ~~فيما عنده «يرسل السماء» أي المطر «عليكم مدرارا» أي كثير الدرور «ويزدكم ~~قوة» مضافة ومنضمة «إلى قوتكم» أي يضاعفها لكم وإنما رغبهم بكثرة المطر ~~لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات وقيل حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم ~~أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم عليه الصلاة والسلام كثرة الأمطار وتضاعف ~~القوة بالتناسل على الإيمان والتوبة «ولا تتولوا» أي لا تعرضوا عما دعوتكم ~~إليه «مجرمين» مصرين على ما كنتم عليه من الإجرام «قالوا يا هود ما جئتنا ~~ببينة» أي بحجة تدل على صحة دعواك وإنما قالوه لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم ~~بما جاءهم من البينات الفائتة للحصر «وما نحن بتاركي آلهتنا» أي بتاركي ~~عبادتها «عن قولك» أي صادرين عنه أي صادرا تركنا عن ذلك بإسناد حال الوصف ~~إلى الموصوف ومعناه التعليل على أبلغ وجه لدلالته على كونه علة فاعلية ولا ~~يفيده الباء ms1582 واللام وهذا كقولهم المنقول عنهم في سورة الأعراف أجئتنا لنعبد ~~الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا «وما نحن لك بمؤمنين» أي بمصدقين في شيء ~~مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وترك عبادة الآلهة ~~وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوز الحد في العتو ما لا يخفى «إن نقول ~~إلا اعتراك» أي ما نقول إلا قولنا اعتراك أي أصابك «بعض آلهتنا بسوء» بجنون ~~لسبك إياها وصدك عن عبادتها وحطك لها عن رتبة الألوهية والمعبودية بما مر ~~من قولك ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون والتنكير في سوء للتقليل ~~كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبئ عنه نسبة ذلك إلى بعض آلهتهم دون كلها ~~والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ وهذا الكلام مقرر لما مر ~~من قولهم وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين فإن اعتقادهم ~~بكونه عليه الصلاة والسلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدم الاعتداد ~~بقوله وعده من قبيل الخرافات فضلا عن التصديق والعمل بمقتضاه يعنون أنا لا ~~نعد كلامك إلا من قبيل ما لا يحتمل الصدق والكذب من الهذيانات الصادرة عن ~~المجانين فكيف نصدقه ونؤمن به ونعمل بموجبه ولقد سلكوا في طريقة المخالفة ~~والعناد إلى سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى حيث أخبروا أولا عن عدم ~~مجيئه بالبينة مع احتمال كون ما جاء به عليه الصلاة والسلام حجة في نفسه ~~وإن لم تكن واضحة الدلالة على المراد وثانيا عن ترك الامتثال بقوله عليه ~~الصلاة والسلام بقولهم وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك مع إمكان تحقق ذلك ~~بتصديقهم له عليه الصلاة والسلام في كلامه ثم نفوا تصديقهم له عليه الصلاة ~~والسلام بقولهم وما نحن لك بمؤمنين مع كون كلامه عليه الصلاة والسلام مما ~~يقبل التصديق ثم نفوا عنه تلك المرتبة أيضا حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون «قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون PageV04P217 # من دونه» أي من إشراككم من دون الله ms1583 أي من غير أن ينزل به سلطانا كما قال ~~في سورة الأعراف أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان أو مما تشركونه من آلهة غير الله أجاب به عن مقالتهم الحمقاء ~~المبنية على اعتقاد كون آلهتهم مما يضر أو ينفع وأنها بمعزل من ذلك ولما ~~كان ما وقع أولا عنه عليه الصلاة والسلام في حق آلهتهم من كونها بمعزل عن ~~الألوهية إنما وقع في ضمن الأمر بعبادة الله تعالى واختصاصه بها وقد شق ~~عليهم ذلك وعدوه مما يورث شينا حتى زعموا أنها تصيبه عليه الصلاة والسلام ~~بسوء مجازاة لصنيعه معها صرح عليه الصلاة والسلام بالحق وصدع به حيث أخبر ~~ببراءته القديمة عنها بالجملة الاسمية المصدرة بأن وأشهد الله على ذلك ~~وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به استهانة بهم ثم أمرهم بالاجتماع ~~والاحتشاد مع آلهتم جميعا دون بعض منها حسبما يشعر به قولهم بعض آلهتنا ~~والتعاون في إيصال الكيد إليه عليه الصلاة والسلام ونهاهم عن الإنظار ~~والإمهال في ذلك فقال «فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون» أي إن صح ما لوحتم به ~~من كون آلهتكم مما يقدر على إضرار من ينال منها ويصد عن عبادتها ولو بطريق ~~ضمني فإني برئ منها فكونوا أنتم معها جميعا وباشروا كيدي ثم لا تمهلوني ولا ~~تسامحوني في ذلك فالفاء لتفريع الأمر على زعمهم في قدرة آلهتهم على ما ~~قالوا وعلى البراءة كليهما وهذا من أعظم المعجزات فإنه عليه الصلاة والسلام ~~كان رجلا مفردا بين الجم الغفير والجمع الكثير من عتاة عاد الغلاظ الشداد ~~وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقرهم وآلهتهم وهيجهم على مباشرة مبادى المضادة ~~والمضارة وحثهم على التصدي لأسباب المعازة والمعارة فلم يقدروا على مباشرة ~~شيء مما كلفوه وظهر عجزهم عن ذلك ظهورا بينا كيف لا وقد التجأ إلى ركن منيع ~~رفيع واعتصم بحبل متين حيث قال «إني توكلت على الله ربي وربكم» يعني إنكم ~~وإن بذلتم في مضارتى مجهودكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكل ~~على الله ms1584 تعالى وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدل على الإنشاء المناسب ~~للمقام وواثق بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالككم لا يصدر عنكم شيء ~~ولا يصيبني أمر إلا بإرادته ومشيئته ثم برهن عليه بقوله «ما من دابة إلا هو ~~آخذ بناصيتها» أي إلا هو مالك لها قادر عليها يصرفها كيف يشاء غير مستعصية ~~عليه فإن الأخذ بالناصية تمثيل لذلك «إن ربي على صراط مستقيم» تعليل لما ~~يدل عليه التوكل من عدم قدرتهم على إضراره أي هو على الحق والعدل فلا يكاد ~~يسلطكم على إذ لا يضيع عنده معتصم ولا يفتات عليه ظالم والاقتصار على إضافة ~~الرب إلى نفسه إما بطريق الاكتفاء لظهور المراد وإما لأن فائدة كونه تعالى ~~مالكا لهم أيضا راجعة إليه عليه الصلاة والسلام PageV04P218 # «فإن تولوا» أي تتولوا بحذف إحدى التاءين أي إن تستمروا على ما كنتم عليه ~~من التولي والإعراض «فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم» أي لم أعاتب على تفريط ~~في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلغكم الحق فأبيتم إلا التكذيب والجحود ~~«ويستخلف ربي قوما غيركم» استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ~~ويستخلف في ديارهم وأموالهم قوما آخرين أو عطف على الجواب بالفاء ويؤيده ~~قراءة ابن مسعود رضي الله عنه بالجزم عطفا على الموضع كأنه قيل فإن تولوا ~~يعذرني ويهلكهم ويستخلف مكانكم آخرين وفي اقتصار إضافة الرب عليه الصلاة ~~والسلام رمز إلى اللطف به والتدمير للمخاطبين «ولا تضرونه» بتوليكم «شيئا» ~~من الضرر لاستحالة ذلك عليه ومن جزم ويستخلف أسقط منه النون «إن ربي على كل ~~شيء حفيظ» أي رقيب مهيمن فلا تخفى عليه أعمالكم فيجازيكم بحسبها أو حافظ ~~مستول على كل شيء فكيف يضره شيء وهو الحافظ للكل «ولما جاء أمرنا» أي نزل ~~عذابنا وفي التعبير عنه بالأمر مضافا إلى ضميره جل جلاله وعن نزوله بالمجىء ~~ما لا يخفى من التفخيم والتهويل أو ورد أمرنا بالعذاب «نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه» وكانوا أربعة آلاف «برحمة» عظيمة كائنة لهم «منا» وهي الايمان ~~الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له ms1585 والهداية إليه «ونجيناهم من عذاب غليظ» ~~أي كانت تلك التنجية تنجية من عذاب غليظ وهي السموم التي كانت تدخل أنوف ~~الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إربا إربا وقيل أريد بالثانية التنجية من ~~عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه وأشد وهذه التنجية وإن لم تكن مقيدة بمجىء ~~الأمر لكن جيء بها تكملة للنعمة عليهم وتعريضا بأن المهلكين كما عذبوا في ~~الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ «وتلك عاد» أنث الاسم ~~الإشارة باعتبار القبيلة أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم «جحدوا بآيات ~~ربهم» كفروا بها بعدما استيقنوها «وعصوا رسله» جمع الرسل مع أنه لم يرسل ~~إليهم غير هود عليه الصلاة والسلام تفظيعا لحالهم وإظهارا لكمال كفرهم ~~وعنادهم ببيان أن عصيانهم له عليه الصلاة والسلام عصيان لجميع الرسل ~~السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد لا نفرق بين أحد من رسله ~~فيجوز أن يراد بالآيات ما أتى به هود وغيره من الأنبياء عليهم السلام وفيه ~~زيادة ملاءمة لما تقدم من جميع الآيات وما تأخر من قوله «واتبعوا أمر كل ~~جبار عنيد» من كبرائهم ورؤسائهم الدعاة إلى الضلال وإلى تكذيب الرسل فكأنه ~~قيل عصوا كل رسول واتبعوا أمر كل جبار وهذا الوصف ليس كما سبق من جحود ~~الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد منهم فإن الاتباع للأمر من أوصاف ~~الأسافل دون الرؤساء PageV04P219 # وعنيد فعيل من عند عندا وعندا إذا طغا والمعنى عصوا من دعاهم إلى الهدى ~~وأطاعوا من حداهم إلى الردى «وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة» إبعادا عن الرحمة ~~وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها ~~لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حيثما داروا ولوقوعه في صحبة ~~اتباعهم رؤساءهم يعني أنهم لما اتبعوهم أتبعوا ذلك جزاء لصنيعهم جزاء وفاقا ~~«ويوم القيامة» أي اتبعوا يوم القيامة أيضا لعنة وهي عذاب النار المخلد ~~حذفت لدلالة الأولى عليها وللإيذان بكون كل من اللغتين نوعا برأسه لم تجمعا ~~في قرن واحد بأن يقال وأتبعوا في هذه ms1586 الدنيا ويوم القيامة لعنة كما في قوله ~~تعالى واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إيذانا باختلاف نوعي ~~الحسنتين فإن المراد بالحسنة الدنيوية نحو الصحة والكفاف والتوفيق للخير ~~وبالحسنة الأخروية الثواب والرحمة «ألا إن عادا كفروا ربهم» أي بربهم أو ~~نعمة ربهم حملا له على نقيضه الذي هو الشكر أو جحدوه «ألا بعدا لعاد» دعاء ~~عليهم بالهلاك مع كونهم هالكين أي هلاك تسجيلا عليهم باستحقاق الهلاك ~~واستيجاب الدمار وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم ~~والحث على الاعتبار بقصتهم «قوم هود» عطف بيان لعاد فائدته التمييز عن عاد ~~الثانية عاد إرم والإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين ~~هود عليه الصلاة والسلام وهم قومه «وإلى ثمود أخاهم صالحا» عطف على ما سبق ~~من قوله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا وثمود قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم ~~الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام وقيل إنما سموا بذلك لقلة مائهم من ~~الثمد وهو الماء القليل وصالح عليه الصلاة والسلام هو ابن عبيد بن أسف بن ~~ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود ولما كان الإخبار بإرساله إليهم مظنة لأن ~~يسأل ويقال ماذا قال لهم قيل جوابا عنه بطريق الاستئناف «قال يا قوم اعبدوا ~~الله» أي وحده وعلل ذلك بقوله «ما لكم من إله غيره» ثم زيد فيما يبعثهم على ~~الإيمان والتوحيد ويحثهم على زيادة الإخلاص فيه بقوله «هو أنشأكم من الأرض» ~~أين هو كونكم وخلقكم منها لا غيره قصر قلب أو قصر إفراد فإن خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام منها خلق لجميع أفراد البشر منها لما مر مرارا من أن خلقته ~~عليه الصلاة والسلام لم تكن مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على ~~خلق جيمع ذرياته التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواء إجماليا وقيل إن خلق ~~آدم عليه الصلاة والسلام وإنشاء مواد النطف التي منها خلق نسله من التراب ~~إنشاء لجميع الخلق من الأرض فتدبر «واستعمركم» من العمر أي عمركم واستبقاكم ~~«فيها» أو ms1587 من العمارة أي PageV04P220 # أقدركم على عمارتها أو أمركم بها وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها ~~دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها ~~مدة عمركم ثم تتركونها لمثلكم «فاستغفروه ثم توبوا إليه» فإن ما فصل من ~~فنون الإحسان داع إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبة عما كانوا ~~يباشرونه من القبائح وقد زيد في بيان ما يوجب ذلك فقيل «إن ربي قريب» أي ~~قريب الرحمة كقوله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين «مجيب» لمن دعاه ~~وسأله وقد روعي في النظم الكريمة نكتة حيث قدم ذكر العلة الباعثة المتقدمة ~~على الأمر بالاستغفار والتوبة وأخر عنه ذكر الغائبة المتأخرة عنهما في ~~الوجود أعني الإجابة «قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا» أي كنا نرجو منك ~~لما كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد أن تكون لنا سيدا ومستشارا ~~في الأمور وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا ~~وقيل كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه «قبل هذا» الذي ~~باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة آلهة أو قبل هذا الوقت فكأنهم لم ~~يكونوا إلى الآن على يأس من ذلك ولو بعد الدعوة إلى الحق فالآن قد انصرم ~~عنك رجاؤنا وقرأ طلحة مرجوءا بالمد والهمزة «أتنهانا أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا» أي عبدوه والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية «وإننا ~~لفي شك مما تدعونا إليه» من التوحيد وترك عبادة الأوثان وغير ذلك من ~~الاستغفار والتوبة «مريب» أي موقع في الريبة من أرابه أي أوقعه في الريبة ~~أي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة أو من أراب إذا كان ذا ريبة وأيهما كان ~~فالاسناد مجازي والتنوين فيه وفي شك للتفخيم «قال يا قوم أرأيتم» أي ~~أخبروني «إن كنت» في الحقيقة «على بينة» أي حجة ظاهرة وبرهان وبصيرة «من ~~ربي» مالكي ومتولي أمرى «وآتاني منه» من جهته «رحمة» نبوة وهذه الأمور وإن ~~كانت محققة الوقوع لكنها صدرت بكلمة الشك اعتبارا ms1588 لحال المخاطبين ورعاية ~~لحسن المحاورة لاستنزالهم عن المكابرة «فمن ينصرني من الله» أي ينجيني من ~~عذابه والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل والفاء لترتيب إنكار النصرة على ~~ما سبق من إيتاء النبوة وكونه على بينة من ربه على تقدير العصيان حسبما ~~يعرب عنه قوله تعالى «إن عصيته» أي بالمساهلة في تبليغ الرسالة والمجاراة ~~معكم فيما تأتون وتذرون فإن العصيان ممن ذلك شأنه أبعد والمؤاخذة عليه ألزم ~~وإنكار نصرته أدخل «فما تزيدونني» إذن باستتباعكم إياي كما ينبئ عنه قولهم ~~قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصل الخسران حتى ~~يزيدوه «غير تخسير» أي غير أن تجعلوني خاسرا بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط ~~الله تعالى أو فما PageV04P221 # تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم لخاسرون ~~فالزيادة على معناه والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم ~~من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة والسلام ~~على بينة من ربه وإيتائه النبوة «ويا قوم هذه ناقة الله» الإضافة للتشريف ~~والتنبيه على أنها مفارقة لسائر ما يجانسها من حيث الخلقة ومن حيث الخلق ~~«لكم آية» معجزة دالة على صدق نبوتي وهي حال من ناقة الله والعامل ما في ~~هذه من معنى الفعل ولكم حال من آية متقدمة عليها لكونها نكرة ولو تأخرت ~~لكانت صفة لها ويجوز أن يكون ناقة الله بدلا من هذه أو عطف بيان ولكم خبرا ~~وعاملا في آية «فذروها» خلوها وشأنها «تأكل في أرض الله» ترع نباتها وتشرب ~~ماءها وإضافة الأرض إلى الله تعالى لتربية استحقاقها لذلك وتعليل الأمر ~~بتركها وشأنها «ولا تمسوها بسوء» بولغ في النهي عن التعرض لها بما يضرها ~~حيث نهى عن المس الذي هو من مبادئ الإصابة ونكر السوء أي لا تضربوها ولا ~~تطردوها ولا تقربوها بشيء من السوء فضلا عن عقرها وقتلها «فيأخذكم عذاب ~~قريب» أي قريب النزول روي أنهم طلبوا منه أن يخرج من صخرة تسمى الكاثبة ~~ناقة عشراء مخترجة جوفاء وبراء ms1589 وقالوا إن فعلت ذلك صدقناك فأخذ صالح عليه ~~الصلاة والسلام عليهم مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن فقالوا نعم فصلى ودعا ~~ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء كما وصفوا وهم ~~ينظرون ثم أنتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع بن عمرو في جماعة ومنع ~~الباقين من الإيمان دواب ابن عمرو والحباب صاحب أوثانهم ورباب كاهنهم فمكثت ~~الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غبا فما ترفع رأسها من البئر حتى ~~تشرب كل ما فيها ثم تتفحج فيحلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ~~ويدخرون وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه وتشتو ببطنه ~~فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق عليهم ذلك «فعقروها» قيل زينت عقرها لهم عنيزة ~~أم غنم وصدقه بنت المختار فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقيها جبلا اسمه ~~قارة فرغا ثلاثا فقال صالح لهم أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم ~~يقدروا عليه وانفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها «فقال» لهم صالح «تمتعوا» أي ~~عيشوا «في داركم» أي في منازلكم أو في الدنيا «ثلاثة أيام» قيل قال لهم ~~تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب ~~«ذلك» إشارة إلى ما يدل عليه الأمر بالتمتع ثلاثة أيام من نزول العذاب ~~عقيبها والمراد بما فيه من معنى البعد تفخيمه «وعد غير مكذوب» أي غير مكذوب ~~فيه فحذف الجار للاتساع المشهور كقوله * ويوم شهدناه سليما وعامرا * أو غير ~~مكذوب كأن الواعد قال له أفي بك فإن وفى به صدقه وإلا كذبه أو وعد غير كذب ~~على أنه مصدر كالمجلود والمعقول PageV04P222 # «فلما جاء أمرنا» أي عذابنا أو أمرنا بنزوله وفيه مالا يخفى من التهويل ~~«نجينا صالحا والذين آمنوا معه» متعلق بنجينا أو بآمنوا «برحمة» بسبب رحمة ~~عظيمة «منا» وهي بالنسبة إلى صالح النبوة وإلى المؤمنين الإيمان كما مر أو ~~ملتبسين برحمة ورأفة منا «ومن خزي يومئذ» أي ونجيناهم من خزي يومئذ وهو ~~هلاكهم بالصيحة كقوله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ على معنى أنه ms1590 كانت تلك ~~التنجية تنجية من خزي يومئذ أي من ذلته ومهانته أو ذلهم وفضيحتهم يوم ~~القيامة كما فسر به العذاب الغليظ فيما سبق فيكون المعنى ونجيناهم من عذاب ~~يوم القيامة بعد تنجيتنا إياهم من عذاب الدنيا وعن نافع بالفتح على اكتساب ~~المضاف البناء من المضاف إليه هنا وفي المعارج في قوله تعالى من عذاب يومئذ ~~وقرئ بالتنوين ونصب يومئذ «إن ربك» الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«هو القوي العزيز» القادر على كل شيء والغالب عليه لا غيره ولكون الإخبار ~~بتنجية الأولياء لا سيما عند الأنباء بحلول العذاب أهم ذكرها أولا ثم أخبر ~~بهلاك الأعداء فقال «وأخذ الذين ظلموا» عدل عن المضمر إلى المظهر تسجيلا ~~عليهم بالظلم وإشعارا بعليته لنزول العذاب بهم «الصيحة» أي صيحة جبريل عليه ~~الصلاة والسلام وقيل أتتهم من السماء صيحة فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء ~~في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم وفي سورة الأعراف فأخذتهم الرجفة ولعلها ~~وقعت عقيب الصيحة المستتبعة لتموج الهواء «فأصبحوا» أي صاروا «في ديارهم» ~~أي بلادهم أو مساكنهم «جاثمين» هامدين موتى لا يتحركون والمراد كونهم كذلك ~~عند ابتداء نزول العذاب بهم من غير اضطراب وحركة كما يكون ذلك عند الموت ~~المعتاد ولا يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذ وسرعته اللهم إنا نعوذ ~~بك من حلول غضبك قيل لما رأوا العلامات التي بينها صالح من اصفرار وجوهم ~~واحمرارها واسودادها عمدوا إلى قتله عليه الصلاة والسلام فنجاه الله تعالى ~~إلى أرض فلسطين ولما كان ضحوة اليوم الرابع وهو يوم السبت تحنطوا وتكفنوا ~~بالأنطاع فأتتهم الصيحة فتقطعت قلوبهم فهلكوا «كأن لم يغنوا» أي كأنهم في ~~بلادهم أو في مساكنهم وهو في موقع الحال أي أصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم ~~يوجد ولم يقم في مقام قط «ألا إن ثمود» وضع موضع الضمير لزيادة البيان ~~ونونه أبو بكر هنا وفي النجم وقرأ حفص هنا وفي الفرقان والعنكبوت بغير ~~تنوين «كفروا ربهم» صرح بكفرهم مع كونه معلوما مما سبق من أحوالهم تقبيحا ~~لحالهم ms1591 وتعليلا لاستحقاقهم بالدعاء عليهم بالبعد والهلاك في قوله تعالى ~~«ألا بعدا لثمود» وقرأ الكسائي بالتنوين PageV04P223 # «ولقد جاءت رسلنا إبراهيم» وهم الملائكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم ~~جبريل وملكان وقيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام وقال الضحاك ~~كانوا تسعة وعن محمد بن كعب جبريل ومعه سبعة وعن السدى أحد عشر على صور ~~الغلمان الوضاء وجوههم وعن مقاتل كانوا اثنى عشر ملكا وإنما أسند إليهم ~~مطلق المجىء بالبشرى دون الإرسال لأنهم لم يكونوا مرسلين إليه عليه السلام ~~بل إلى قوم لوط لقوله تعالى إنا أرسلنا إلى قوم لوط وإنما جاءوه لداعية ~~البشرى ولما كان المقصود في السورة الكريمة ذكر سوء صنيع الأمم السالفة مع ~~الرسل المرسلة إليهم ولحوق العذاب بهم بسبب ذلك ولم يكن جميع قوم إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام ممن لحق بهم العذاب بل إنما لحق بقوم لوط منهم خاصة ~~غير الأسلوب المطرد فيما سبق من قوله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا ثم رجع إليه حيث قيل وإلى مدين أخاهم شعيبا «بالبشرى» أي ~~ملتبسين بها قيل هي مطلق البشرى المنتظمة للبشارة بالولد من سارة لقوله ~~تعالى فبشرناها بإسحاق الآية وقوله تعالى وبشرناه بغلام حليم وقوله وبشروه ~~بغلام عليم وللبشارة بعدم لحوق الضرر به لقوله تعالى فلما ذهب عن إبراهيم ~~الروع وجاءته البشرى لظهور تفرع المجادلة على مجيئها كما سيأتي وقيل هي ~~البشارة بهلاك قوم لوط ويأباه مجادلته عليه الصلاة والسلام في شأنهم ~~والأظهر أنها البشارة بالولد وستعرف سر تفرع المجادلة على ذلك ولما كان ~~الإخبار بمجيئهم بالبشرى مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم ~~«قالوا سلاما» أي سلمنا أو نسلم عليك سلاما ويجوز أن يكون نصبه بقالوا أي ~~قالوا قولا ذا سلام أو ذكروا سلاما «قال سلام» أي عليكم سلام أو سلام عليكم ~~حياهم بأحسن من تحيتهم وقرئ سلم كحرم في حرام وقرأ ابن أبي عبلة قال سلاما ~~وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما «فما لبث» أي إبراهيم «أن جاء بعجل» أي في ~~المجىء ms1592 به أو ما لبث مجيئه بعجل «حنيذ» أي مشوي بالرضف في الأخدود وقيل ~~سمين يقطر ودكه لقوله بعجل سمين من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال «فلما رأى ~~أيديهم لا تصل إليه» لا يمدون إليه أيديهم للأكل «نكرهم» أي أنكرهم يقال ~~نكره وأنكره واستنكره بمعنى وإنما أنكرهم لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف ولم ~~يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ بخير وقد روي أنهم كانوا ينكتون بقداح كانت ~~في أيديهم في اللحم ولا تصل إليه أيديهم وهذا الإنكار منه عليه الصلاة ~~والسلام راجع إلى فعلهم المذكور وأما إنكاره المتعلق بأنفسهم فلا تعلق له ~~برؤية عدم أكلهم وإنما وقع ذلك عند رؤيته لهم لعدم كونهم من جنس ما كان ~~يعهده من الناس ألا يرى إلى قوله تعالى في سورة الذاريات سلام قوم منكرون ~~«وأوجس منهم» أي أحس أو أضمر من جهتهم «خيفة» لما ظن أن نزولهم لأمر أنكره ~~الله تعالى عليه أو لتعذيب قومه وإنما أخر PageV04P224 # المفعول الصريح عن الظرف لأن المراد الإخبار بأنه عليه الصلاة والسلام ~~أوجس من جهتهم شيئا هو الخيفة لا أنه أوجس الخيفة من جهتهم لا من جهة غيرهم ~~وتحقيقه أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده ~~عليها فضل تمكن «قالوا لا تخف» ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايل الخوف ~~إزالة له منه بل بعد إظهاره عليه الصلاة والسلام له قال تعالى في سورة ~~الحجر قال إنا منكم وجلون ولم يذكر ذلك ههنا اكتفاء بذلك «إنا أرسلنا» ~~ظاهره أنه استئناف في معنى التعليل للنهي المذكور كما أن قوله تعالى إنا ~~نبشرك تعليل لذلك فإن إرسالهم إلى قوم آخرين يوجب أمنهم من الخوف أي أرسلنا ~~بالعذاب «إلى قوم لوط» خاصة إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى قال فما خطبكم ~~أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين صريح في أنهم قالوه جوابا ~~عن سؤاله عليه الصلاة والسلام وقد أوجز الكلام اكتفاء بذلك «وامرأته قائمة» ~~وراء الستر بحيث تسمع محاورتهم أو على ms1593 رؤوسهم للخدمة حسبما هو المعتاد ~~والجملة حال من ضمير قالوا أي قالوه وهي قائمة تسمع مقالتهم «فضحكت» سرورا ~~بزوال الخوف أو بهلاك أهل الفساد أو بهما جميعا وقيل بوقوع الأمر حسبما ~~كانت تقول فيما سلف فإنها كانت تقول لإبراهيم اضمم إليك لوطا فإني أرى أن ~~العذاب نازلا بهؤلاء القوم وقيل ضحكت حاضت ومنه ضحكت الشجرة إذا سال صمغها ~~وهو بعيد وقرئ بفتح الحاء «فبشرناها بإسحاق» أي عقبنا سرورها بسرور أتم منه ~~على ألسنة رسلنا «ومن وراء إسحاق يعقوب» بالنصب على أنه مفعول لما دل عليه ~~قوله بشرناها أي ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب وقرئ بالرفع على الابتداء ~~خبره الظرف أي من بعد إسحق يعقوب مولود أو موجود وكلا الاسمين داخل في ~~البشارة كيحيى أو واقع في الحكاية بعد أن ولدا فسميا بذلك وتوجيه البشارة ~~ههنا إليها مع أن الأصل في ذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقد وجهت إليه ~~حيث قيل وبشرناه بغلام حليم وبشرناه بغلام عليم للإيذان بأن ما بشر به يكون ~~منهما ولكونها عقيمة حريصة على الولد «قالت» استئناف ورد جوابا عن سؤال من ~~سأل وقال فما فعلت إذ بشرت بذلك فقيل قالت «يا ويلتي» أصل الويل الخزي ثم ~~شاع في كل أمر فظيع والألف مبدلة من ياء الإضافة كما في يا لهفا ويا عجبا ~~وقرأ الحسن على الأصل وأمالها أبو عمرو وعاصم في رواية ومعناه يا ويلتي ~~احضري فهذا أو أن حضورك وقيل هي ألف الندبة ويوقف عليها بهاء السكت «أألد ~~وأنا عجوز» بنت تسعين أو تسع وتسعين سنة «وهذا» الذي تشاهدونه «بعلي» أي ~~زوجي وأصل البعل القائم بالأمر «شيخا» وكان ابن مائة وعشرين سنة ونصبه على ~~الحال والعامل معنى الإشارة وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو شيخ ~~أو خبر بعد خبر أو هو الخبر وبعلي بدل من اسم الإشارة أو بيان له وكلتا ~~الجملتين وقعت حالا من الضمير في أألد لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليله ~~أي أألد وكلانا على حالة منافية لذلك ms1594 وإنما قدمت بيان PageV04P225 # حالها على بيان حاله عليه الصلاة والسلام لأن مباينة حالها لما ذكر من ~~الولادة أكثر إذ ربما يولد للشيوخ من الشواب أما العجائز داؤهن عقام ولأن ~~البشارة متوجهة إليها صريحا ولأن العكس في البيان ربما يوهم من أول الأمر ~~نسبة المانع من الولادة إلى جانب إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفيه ما لا ~~يخفى من المحذور واقتصارها الاستبعاد على ولادتها من غير تعرض لحال النافلة ~~لأنها المستبعد وأما ولادة ولدها فلا يتعلق بها استبعاد «إن هذا» أي ما ذكر ~~من حصول الولد من هرمين مثلنا «لشيء عجيب» بالنسبة إلى سنة الله تعالى ~~المسلوكة فيما بين عباده وهذه الجملة لتعليل الاستبعاد بطريق الاستئناف ~~التحقيقي ومقصدها استعظام نعمة الله تعالى عليها في ضمن الاستعجاب العادي ~~لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى «قالوا أتعجبين من أمر ~~الله» أي قدرته وحكمته أو تكوينه أو شأنه أنكروا عليها تعجبها من ذلك لأنها ~~كانت ناشئة في بيت النبوة ومهبط الوحي والآيات ومظهر المعجزات والأمور ~~الخارقة للعادات فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء من ~~أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله تعالى الخفية ولطائف صنعه الفائضة على كل ~~أحد مما يتعلق بذلك مشيئته الأزلية لا سيما على أهل بيت النبوة الذين ليست ~~مرتبتهم عند الله سبحانه كمراتب سائر الناس وأن تسبح الله تعالى وتحمده ~~وتمجده وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى «رحمة الله» التي وسعت كل شيء واستتبعت ~~كل خير وإنما وضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها «وبركاته» أي خيراته ~~النامية المتكاثرة في كل باب التي من جملتها هبة الأولاد وقيل الرحمة ~~النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام «عليكم أهل البيت» نصب على المدح أو الاختصاص ~~لأنهم أهل بيت خليل الرحمن وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى جمع المذكر ~~لتعميم حكمه لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضا ليكون جوابهم لها جوابا له ~~أيضا إن خطر بباله مثل ما خطر ببالها والجملة كلام ms1595 مستأنف علل به إنكار ~~تعجبها كأنه قيل ليس المقام مقام التعجب فإن الله تعالى على كل شيء قدير ~~ولستم يأهل بيت النبوة والكرامة والزلفى كسائر الطوائف بل رحمته المستتبعة ~~لكل خير الواسعة لكل شيء وبركاته أي خيراته النامية الفائضة منه بواسطة تلك ~~الرحمة الواسعة لازمة لكم لا تفارقكم «إنه حميد» فاعل ما يستوجب الحمد ~~«مجيد» كثير الخير والإحسان إلى عباده والجملة لتعليل ما سبق من قوله رحمة ~~الله وبركاته عليكم «فلما ذهب عن إبراهيم الروع» أي ما أوجس منهم من الخيفة ~~واطمأن قلبه بعرفانهم وعرفان سبب مجيئهم والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبي من كل وجه بل له مدخل ~~تام في السباق والسياق وتأخير الفاعل عن الظرف لأنه مصب الفائدة فإن بتأخير ~~ما حقه التقديم تبقى النفس منتظرة إلى وروده فيتمكن فيها عند وروده إليها ~~فضل تمكن «وجاءته البشرى» إن فسرت البشرى بقولهم لا تخف فسببية ذهاب ~~PageV04P226 # الخوف ومجئ السرور للمجادلة المدلول عليها بقوله تعالى «يجادلنا في قوم ~~لوط» أي جادل رسلنا في شأنهم وعدل إلى صيغة الاستقبال لاستحضار صورتها أو ~~طفق يجادلنا ظاهرة وأما إن فسرت ببشارة الولد أو بما يعمها فلعل سببيتها ~~لها من حيث إنها تفيد زيادة اطمئنان قلب بسلامته وسلامة أهله كافة ومجادلته ~~إياهم أنه قال لهم حين قالوا له إنا مهلكوا أهل هذه القرية أرأيتم لو كان ~~فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها قالوا لا قال فأربعون قالوا لا قال ~~فثلاثون قالوا لا حتى بلغ العشرة قالوا لا قال أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم ~~أتهلكونها قالوا لا فعند ذلك قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~الننجينه وأهله إن قيل المتبادر من هذا الكلام أن يكون إبراهيم عليه السلام ~~قد علم أنهم مرسلون لإهلاك قوم لوط قبل ذهاب الروع عن نفسه ولكن لم يقدر ~~على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسه فلما ذهب عنه الروع فرغ لها مع ~~أن ذهاب الروع إنما هو قبل ms1596 العلم بذلك لقوله تعالى قالوا لا تخف إنا أرسلنا ~~إلى قوم لوط قلنا كان لوط عليه السلام على شريعة إبراهيم عليه السلام وقومه ~~مكلفين بها فلما رأى من الملائكة ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمته التي ~~من جملتهم قوم لوط ولا ريب في تقدم هذا الخوف على قولهم لا تخف وأما الذي ~~علمه السلام بعد النهي عن الخوف فهو اختصاص قوم لوط بالهلاك لا دخولهم تحت ~~العموم فتأمل والله الموفق «إن إبراهيم لحليم» غير عجول على الانتقام ممن ~~أساء إليه «أواه» كثير التأوه على الذنوب والتأسف على الناس «منيب» راجع ~~إلى الله تعالى والمقصود بتعداد صفاته الجميلة المذكورة بيان ما حمله عليه ~~السلام على ما صدر عنه من المجادلة «يا إبراهيم» أي قالت الملائكة يا ~~إبراهيم «أعرض عن هذا» الجدال «أنه» أي الشأن «قد جاء أمر ربك» أي قدره ~~الجاري على وفق قضائه الأزلي الذي هو عبارة عن الإرادة الأزلية والعناية ~~الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص حسب تعلقها بالأشياء في ~~أوقاتها وهو المعبر عنه بالقدر «وإنهم آتيهم عذاب غير مردود» لا بجدال ولا ~~بدعاء ولا بغيرهما «ولما جاءت رسلنا لوطا» قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~انطلقوا من عند إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام وبين القريتين ~~أربعة فراسخ ودخلوا عليه في صور غلمان مرد حسان الوجوه فلذلك «سئ بهم» أي ~~ساءه مجيئهم لظنه أنهم أناس فخاف أن يقصدهم قومه ويعجز عن مدافعتهم وقرأ ~~نافع وابن عامر والكسائي وأبو عمر وسيء وسيئت بإشمام السين الضم روى أن ~~الله تعالى قال للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات فلما ~~مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله قال لهم أما بلغكم أمر هذه القرية قالوا وما ~~أمرها قال أشهد إنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع مرات فدخلوا معه ~~منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت به قومها وقالت في بيت لوط ~~رجالا ما رأيت مثل وجوههم PageV04P227 # قط «وضاق بهم ذرعا» أي ضاق ms1597 بمكانهم صدره أو قلبه أو وسعه وطاقته وهو ~~كناية عن شدة الإنقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه وقيل ضاقت ~~نفسه عن هذا الحادث وذكر الذرع مثل وهو المساحة وكأنه قدر البدن مجازا أي ~~إن بدنه ضاق قدره من احتمال ما وقع وقيل الذراع اسم للجارحة من المرفق إلى ~~الأنامل والذرع مدها ومعنى ضيق الذرع في قوله تعالى ضاق بهم ذرعا قصرها كما ~~أن معنى سعتها وبسطتها طولها ووجه التمثيل بذلك أن القصير الذراع إذا مدها ~~ليتناول ما يتناول الطويل الذراع تقاصر عنه وعجز عن تعاطيه فضرب مثلا للذي ~~قصرت طاقته دون بلوغ الأمر «وقال هذا يوم عصيب» شديد من عصبه إذا شده ~~«وجاءه» أي لوطا وهو في بيته مع أضيافه «قومه يهرعون إليه» أي يسرعون كأنما ~~يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه والجملة حال من قومه وكذا قوله تعالى ~~«ومن قبل» أي من قبل هذا الوقت «كانوا يعملون السيئات» أي جاءوا مسرعين ~~والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات فضروا بها وتمرنوا فيها حتى لم ~~يبق عندهم قبحتها ولذلك لم يستحيوا مما فعلوا من مجيئهم مهرعين مجاهرين ~~«قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم» فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا ~~يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعيته فإن تزويج المسلمات من الكفار ~~كان جائزا وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي لهب ~~وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان ~~فأراد أن يزوجهما ابنتيه وأيا ما كان فقد أراد به وقاية ضيفه وذلك غاية ~~الكرم وقيل ما كان ذلك القول منه مجرى على الحقيقة من إرادة النكاح بل كان ~~ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهارا لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه طمعا في ~~أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فينزجروا عما أقدموا عليه مع ظهور ~~الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم جميعا بأن لا مناكحة بينهم وهو الأنسب ~~بقولهم لقد علمت ما لنا في بناتك من حق كما ms1598 ستقف عليه «فاتقوا الله» بترك ~~الفواحش أو بإيثارهن عليهم «ولا تخزون في ضيفي» أي لا تفضحوني في شأنهم فإن ~~إخزاء ضيف الرجل وجاره إخزاء له أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء «أليس ~~منكم رجل رشيد» يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح «قالوا» ~~معرضين عما نصحهم به من الأمر بتقوى الله والنهي عن إخزائه مجيبين عن أول ~~كلامه «لقد علمت ما لنا في بناتك من حق» مستشهدين بعلمه بذلك يعنون إنك قد ~~علمت أن لا سبيل إلى المناكحة بيننا وبينك وما عرضك إلا عرض سابرى ولا مطمع ~~لنا في ذلك «وإنك لتعلم ما نريد» من إتيان الذكران ولما يئس عليه السلام من ~~ارعوائهم عما هم عليه من الغي «قال لو أن لي PageV04P228 # بكم قوة» أي لفعلت بكم ما فعلت وصنعت ما صنعت كقوله تعالى ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى «أو آوي إلى ركن شديد» ~~عطف على أن لي بكم إلى آخره لما فيه من معنى الفعل أي لو قويت على دفعكم ~~بنفسي أو أويت إلى ناصر عزيز قوي أتمنع به عنكم شبهه بركن الجبل في الشدة ~~والمنعة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ~~ركن شديد روى أنه عليه السلام أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء ~~الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب «قالوا» أي ~~الرسل لما شاهدوا عجزه عن مدافعة قومه «يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك» ~~بضرر ولا مكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ~~عليه السلام ربه رب العزة جل جلاله في عقوبتهم فأذن له فقام في الصورة التي ~~يكون فيها فنشر جناحه وله جناحان وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا ~~فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال عز وعلى فطمسنا أعينهم ~~فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط ms1599 ~~قوما سحرة «فأسر بأهلك» بالقطع من الإسراء وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث ~~جاء في القرآن من السرى والفاء لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم ~~المؤذنة بورود الأمر والنهي من جنابه عز وجل إليه عليه السلام «بقطع من ~~الليل» بطائفة منه «ولا يلتفت منكم» أي لا يتخلف أولا ينظر إلى ورائه «أحد» ~~منك ومن أهلك وإنما نهوا عن ذلك ليجدوا في السير فإن من يلتفت إلى ما وراءه ~~لا يخلو عن أدنى وقفة أو لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم ~~«إلا امرأتك» استثناء من قوله تعالى فأسر بأهلك ويؤيده أنه قرى فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل إلا امرأتك وقرئ بالرفع على البدل من أحد فالإلتفات بمعنى ~~التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف كيلا يلزم التناقض بين القراءتين ~~المتواترتين فإن النصب يقتضي كونه عليه السلام غير مأمور بالإسراء بها ~~والرفع كونه مأمورا بذلك والاعتذار بأن مقتضى الرفع إنما هو مجرد كونها ~~معهم وذلك لا يستدعي الأمر بالإسراء بها حتى يلزم المناقضة لجواز أن تسري ~~هي بنفسها كما يروي أنه عليه السلام لما أسرى بأهله تبعتهم فلما سمعت هدة ~~العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها وأن يسري بها عليه السلام ~~من غير أمر بذلك إذ موجب النصب إنما هو عدم الأمر بالإسراء بها لا النهي عن ~~الإسراء بها حتى يكون عليه السلام بالإسراء بها مخالفا للنهي لا يجدي نفعا ~~لأن انصراف الاستثناء إلى الالتفات يستدعي بقاء الأهل على العموم فيكون ~~الإسراء بها مأمورا به قطعا وفي حمل الأهلية في إحدى القراءتين على الأهلية ~~الدينية وفي الأخرى على النسبية مع أن فيه ما لا يخفى من التحكم والاعتساف ~~كر على ما فر منه من المناقضة فالأولى حينئذ جعل الاستثناء على القراءتين ~~من قوله لا يلتفت مثل الذي في قوله تعالى ما فعلوه إلى قليل منهم فإن ابن ~~عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصح الرفع على البدل ولا بعد في كون أكثر ~~القراء PageV04P229 # على غير الأفصح ولا يلزم من ms1600 ذلك أمرها بالإلتفات بل عدم نهيها عنه بطريق ~~الاستصلاح ولذلك علله على طريقة الاستئناف بقوله «إنه مصيبها ما أصابهم» من ~~العذاب وهو أمطار الأحجار وإن لم يصبها الخسف والضمير في إنه للشأن وقوله ~~تعالى مصيبها خبر وقوله ما أصابهم مبتدأ والجملة خبر لأن الذي اسمه ضمير ~~الشأن وفيه ما لا يخفى من تفخيم شأن ما أصابهم ولا يحسن جعل الاستثناء ~~منقطعا على قراءة الرفع «إن موعدهم الصبح» أي موعد عذابهم وهلاكهم تعليل ~~للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع «أليس الصبح ~~بقريب» تأكيد للتعليل فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن ~~مواقع العذاب وروى أنه قال للملائكة متى موعد هلاكهم قالوا الصبح قال أريد ~~أسرع من ذلك فقالوا ذلك وإنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة ~~والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين ~~«فلما جاء أمرنا» أي وقت عذابنا وموعده وهو الصبح «جعلنا عاليها» أي عالي ~~قرى قوم لوط وهي التي عبر عنها بالمؤتفكات وهي خمس مدائن فيها أربعمائة ألف ~~ألف «سافلها» أي قلبناها على تلك الهيئة وجعل عاليها مفعولا أول للجعل ~~وسافلها مفعولا ثانيا له وإن تحقق القلب بالعكس أيضا لتهويل الأمر وتفظيع ~~الخطب لأن جعل عاليها الذي هو مقارهم ومساكنهم سافلها أشد عليهم وأشق من ~~جعل سافلها عاليها وإن كان مستلزما له روى أنه جعل جبريل عليه السلام جناحه ~~في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح ~~الديكة ثم قلبها عليهم وإسناد الجعل والأمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه ~~المسبب لتفخيم الأمر وتهويل الخطب «وأمطرنا عليها» على أهل المدائن أو ~~شذاذهم «حجارة من سجيل» من طين متحجر كقوله حجارة من طين وأصله سنك كل فعرب ~~وقيل هو من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته والمعنى من مثل الشيء المرسل أو ~~مثل العطية في الإدرار أو من السجل أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به ~~وقيل أصله من سجين أي من جهنم ms1601 فأبدلت نونه لاما «منضود» نضد في السماء نضدا ~~معدا للعذاب وقيل يرسل بعضه إثر بعض كقطار الأمطار «مسومة» معلمة للعذاب ~~وقيل معلمة ببياض وحمرة أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم من ترمي ~~به «عند ربك» في خزائنه التي لا يتصرف فيها غيره عز وجل «وما هي» أي ~~الحجارة الموصوفة «من الظالمين» من كل ظالم «ببعيد» فإنهم بسبب ظلمهم ~~مستحقون لها وملابسون بها وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام فقال يعني ظالمي أمتك ما من ~~ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى سعة وقيل الضمير للقرى ~~أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم وأسفارهم إلى الشام وتذكير ~~البعيد على تأويل الحجارة بالحجر أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد أو ~~بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض ~~PageV04P230 # إلا أنها حين هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بهم فكأنها بمكان قريب منهم أو ~~لأنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر ~~والمؤنث «وإلى مدين» أي أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام أو جعل اسما ~~للقبيلة بالغلبة أو أهل مدين وهو بلد بناه مدين فسمى باسمه «أخاهم» أي ~~نسيبهم «شعيبا» وهو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين وكان يقال له خطيب الأنبياء ~~لحسن مراجعته قومه والجملة معطوفة على قوله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا أي ~~وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا «قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عن صدر ~~الكلام فكأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال كما قال من قبله من الرسل عليهم ~~السلام «يا قوم اعبدوا الله» وحدوه ولا تشركوا به شيئا «ما لكم من إله ~~غيره» تحقيق للتوحيد وتعليل للأمر به وبعد ما أمرهم بما هو ملاك أمر الدين ~~وأول ما يجب على المكلفين نهاهم عن ترتيب مبادى ما اعتادوه من البخس ~~والتطفيف عادة مستمرة فقال «ولا ms1602 تنقصوا المكيال والميزان» كي تتوسلوا بذلك ~~إلى بخس حقوق الناس «إني أراكم بخير» أي ملتبسين بثروة وسعة تغنيكم عن ذلك ~~أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما تأتونه من المسامحة والتفضل ~~على الناس شكرا عليها أو أراكم بخير فلا تزيلوه بما أنتم عليه من الشر وهو ~~على كل حال علة للنهي عقبت بعلة أخرى أعني قوله عز وجل «وإني أخاف عليكم» ~~إن لم تنتهوا عن ذلك «عذاب يوم محيط» لا يشذ منه شاذمنكم وقيل عذاب يوم ~~مهلك من قوله تعالى وأحيط بثمره وأصله من إحاطة العدو والمراد عذاب يوم ~~القيامة أو عذاب الاستئصال ووصف اليوم بالإحاطة وهي حال العذاب على الإسناد ~~المجازي وفيه من المبالغة ما لا يخفى فإن اليوم زمان يشتمل على ما وقع فيه ~~من الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا ~~أحاط بنعيمه ويجوز أن يكون هذا تعليلا للأمر والنهي جميعا «ويا قوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط» أي بالعدل من غير زيادة ولا نقصان فإن الزيادة في ~~الكيل والوزن وإن كان تفضلا مندوبا إليه لكنها في الآلة محظورة كالنقص فلعل ~~الزائد للاستعمال عند الإكتيال والناقص للاستعمال وقت الكيل وإنما أمر ~~بتسويتهما وتعديلهما صريحا بعد النهي عن نقصهما مبالغة في الحمل على ~~الإيفاء والمنع من البخس وتنبيها على أنه لا يكفيهم مجرد الكف عن النقص ~~والبخس بل يجب عليهم إصلاح ما أفسدوه وجعلوه معيارا لظلمهم وقانونا ~~لعدوانهم «ولا تبخسوا الناس» بسبب نقصهما وعدم اعتدالهما «أشياءهم» التي ~~يشترونها بهما وقد صرح بالنهي عن البخس بعد ما علم ذلك في ضمن النهي عن نقص ~~المعيار والأمر بإيفائه اهتماما بشأنه وترغيبا في إيفاء الحقوق بعد الترهيب ~~والزجر عن نقصها ويجوز أن يكون المراد بالأمر بإيفاء المكيال PageV04P231 # والميزان الأمر بإيفاء المكيلات والمزونات ويكون النهي عن البخس عاما ~~للنقص في المقدار وغيره تعميما بعد التخصيص كما في قوله تعالى «ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين» فإن العثى يعم نقص الحقوق وغيره من أنواع الفساد وقيل ms1603 ~~البخس المكس كأخذ العشور في المعاملات قال زهير بن أبي سلمى * أفي كل أسواق ~~العراق أتاوة * وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم * والعثى في الأرض السرقة وقطع ~~الطريق والغارة وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه ~~السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~أمر آخرتكم ومصالح دينكم «بقية الله» أي ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه ~~عن تعاطي المحرمات «خير لكم» مما تجمعون بالبخس والتطفيف فإن ذلك هباء ~~منثورا بل شر محض وإن زعمتم أن فيه خيرا كقوله تعالى يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات «إن كنتم مؤمنين» بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع ~~النجاة وذلك مشروط بالإيمان لا محالة أو إن كنتم مصدقين لي في مقالتي لكم ~~وقيل البقية الطاعات كقوله عز وجل والباقيات الصالحات خير عند ربك وقرئ ~~تقية الله بالفوقانية وهي تقواه عن المعاصي «وما أنا عليكم بحفيظ» أحفظكم ~~من القبائح أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت ~~إذ أنذرت ولم آل في ذلك جهدا أو ما أنا بحافظ ومستبق عليكم نعم الله تعالى ~~إن لم تتركوا ما أنتم عليه من سوء الصنيع «قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن ~~نترك ما يعبد آباؤنا» من الأوثان أجابوا بذلك أمره عليه السلام إياهم ~~بعبادة الله وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأصنام ولقد بالغوا في ذلك ~~وبلغوا أقصى مراتب الخلاعة والمجون والضلال حيث لم يكتفوا بإنكار الوحي ~~الآمر بذلك حتى ادعوا أن لا آمر به من العقل واللب أصلا وأنه من أحكام ~~الوسوسة والجنون وعلى ذلك بنوا استفهامهم وقالوا بطريق الاستهزاء أصلاتك ~~التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان ~~التي توارثناها أبا عن جد وإنما جعلوه عليه السلام مأمورا مع أن الصادر عنه ~~إنما هو الأمر بعبادة الله تعالى وغير ذلك من الشرائع لأنه عليه السلام لم ~~يكن يأمرهم بذلك من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه ms1604 كان يعلمهم بأنه مأمور ~~بتبليغه إليهم وتخصيصهم بإسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكام النبوة ~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان كثير الصلاة معروفا بذلك وكانوا إذا رأوه يصلي ~~يتغامزون ويتضاحكون فكانت هي من بين سائر شعائر الدين ضحكة لهم وقرئ ~~أصلواتك «أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء» جواب عن أمر عليه السلام بإيفاء ~~الحقوق ونهيه عن البخس والنقص معطوف على ما أي أو أن نترك أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص وقرئ بالتاء في الفعلين ~~عطفا على مفعول تأمرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء ~~وتجويز PageV04P232 # العطف على ما قيل يستدعى أن يراد بالترك معنيان متخالفان والمراد بفعله ~~عليه السلام إيجاب الإيفاء والعدل في معاملاتهم لا نفس الإيفاء فإن ذلك ليس ~~من أفعاله عليه السلام بل من أفعالهم وإنما لم نقل عطفا على أن نترك لأن ~~الترك ليس مأمورا به على الحقيقة بل المأمور به تكليفه عليه السلام إياهم ~~وأمره بذلك والمعنى أصلاتك تأمرك أن تكلفنا أن نترك ما يعبد آباؤنا وحمله ~~على معنى أصلاتك تأمرك بما ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك ليكون ذلك ~~تعريضا منهم بركاكة رأيه عليه السلام واستهزاء به من تلك الجهة يأباه دخول ~~الهمزة على الصلاة دون الأمر ويستدعى أن يصدر عنه عليه السلام في أثناء ~~الدعوة ما يدل على ذلك أو يوهمه وأبى ذلك فتأمل وقرئ بالنون في الأول ~~والتاء في الثاني عطفا على أن نترك أي أو أن نفعل نحن في أموالنا عند ~~المعاملة ما تشاء أنت من التسوية والإيفاء «إنك لأنت الحليم الرشيد» وصفوه ~~عليه السلام بالوصفين على طريقة التهكم وإنما أرادوا بذلك وصفه بضديهما ~~كقول الخزنة ذق إنك أنت العزيز الكريم ويجوز أن يكون تعليلا لما سبق من ~~استبعاد ما ذكروه على معنى إنك لأنت الحليم الرشيد على زعمك وأما وصفه بهما ~~على الحقيقة فيأباه مقام الاستهزاء اللهم إلا أن يراد بالصلاة الدين كما ~~قيل «قال يا قوم ms1605 أرأيتم إن كنت على بينة» أي حجة واضحة وبرهان نير عبر بها ~~عما آتاه الله تعالى من النبوة والحكمة ردا على مقالتهم الشنعاء في جعلهم ~~أمره ونهيه غير مستند إلى سند «من ربي» ومالك أموري وإيراد حرف الشرط مع ~~جزمه عليه السلام بكونه على ما هو عليه من البينات والحجج لاعتبار حال ~~المخاطبين ومراعاة حسن المحاورة معهم كما ذكرناه في نظائره «ورزقني منه» أي ~~من لدنه «رزقا حسنا» هو النبوة والحكمة أيضا عبر عنهما بذلك تنبيها على ~~أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الأبدية له ولأمته ~~وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي أتقولون في شأني ما تقولون ~~والمعنى إنكم نظمتموني في سلك السفهاء والغواة وعددتم ما صدر عني من ~~الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقل وجعلتموه من أحكام ~~الوسوسة والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي حتى قلتم إن ما أمرتكم به من ~~التوحيد وترك عبادة الأصنام والاجتناب عن البخس والتطفيف ليس مما يأمر به ~~آمر العقل ويقضي به قاضي الفطنة وإنما يأمر به صلاتك التي هي من أحكام ~~الوسوسة والجنون فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالك أموري ثابتا على النبوة ~~والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني بذلك رزقا حسنا ~~أتقولون في شأني وشأن أفعال ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه هذا هو ~~الجواب الذي يستدعيه السباق والسياق ويساعده النظم الكريم وأما ما قيل من ~~أن المحذوف أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي أو هل ~~يسع لي مع هذا الإنعام الجامع PageV04P233 # للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه ~~فبمعزل من ذلك وإنما يناسب تقديره إن حمل كلامهم على الحقيقة وأريد بالصلاة ~~الدين على معنى أدينك يأمرك أن تكلفنا بترك عبادة آلهتنا القديمة وترك ~~التصرف المطلق في أموالنا وتخالفنا في ذلك وتشق عصانا وهذا مما لا ينبغي أن ~~يصدر عنك فإنك أنت المشهور بالحلم الفاضل ms1606 والرشد الكامل فيما بيننا كما كان ~~قول قوم صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا مسرودا على ذلك النمط فأجيبوا بما ~~أجيبوا به وعلى هذا الوجه يكون المراد بالرزق الحسن الحلال الذي أتاه الله ~~تعالى والمعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالا ~~حلالا أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره وأوافقكم فيما تأتون وما ~~تذرون «وما أريد» بنهي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف «أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه» أي أقصده بعد ما وليتم عنه وأستبد به دونكم يقال خالفت ~~زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عن كذا إذا كان الأمر على ~~العكس «إن أريد» أي ما أريد بما أباشره من الأمر والنية «إلا الإصلاح» إلا ~~أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة «ما استطعت» أي مقدار ما استطعته من الإصلاح ~~والتقييد به للإحتراز عن الاكتفاء بالإصلاح في الجملة لا عن إرادة ما ليس ~~في وسعه منه «وما توفيقي» أي كوني موفقا لتحقيق ما أنتحيه من إصلاحكم «إلا ~~بالله» أي بتأييده ومعونته بل الإصلاح من حيث الخلق مستند إليه سبحانه ~~وإنما أنا من مباديه الظاهرة قاله عليه السلام تحقيقا للحق وإزاحة لما عسى ~~يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك «عليه توكلت» في ذلك ~~معرضا عما عداه فإنه القادر على كل مقدور وما عداه عاجز محض في حد ذاته بل ~~معدوم ساقط عن درجة الاعتبار بمعزل عن مرتبة الإستمداد به والاستظهار ~~«وإليه أنيب» أي أرجع فيما أنا بصدده ويجوز أن يكون المراد وما كوني موفقا ~~لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته ومعونته عليه توكلت وهو ~~إشارة إلى محض التوحيد الذاتي والفعلي وإليه أنيب أي عليه أقبل بشراشر نفسي ~~في مجامع أموري وإيثار صيغة الاستقبال على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق ~~كما في التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار ولا يخفى ما في ~~جوابه عليه السلام من مراعاة لطف المراجعة ورفق الإستنزال والمحافظة على ~~قواعد حسن المجاراة والمحاورة وتمهيد ms1607 معاقد الحق بطلب التوفيق من جناب الله ~~تعالى والاستعانة به في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم ~~المبالاة بمعاداتهم وأما تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء كما قيل ~~فلا لأن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إلى الله تعالى لا الرجوع ~~الاضطراري للجزاء أو ما يعمه «ويا قوم لا يجرمنكم» أي لا يكسبنكم من جرمته ~~ذنبا مثل كسبته مالا «شقاقي» معاداتي وأصلهما أن أحد المتعاديين يكون في ~~عدوة وشق والآخر في آخر «أن يصيبكم» مفعول ثان ليجرمنكم أي لا يكسبنكم ~~معاداتكم لي أن يصيبكم PageV04P234 # «مثل ما أصاب قوم نوح» من الغرق «أو قوم هود» من الريح «أو قوم صالح» من ~~الصيحة والرجفة وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له ~~أي كاسبا وهو منقول من جرم المعتدي إلى مفعول واحد كما نقل أكسبه المال من ~~كسب المال فكما لا فرق بين كسبته مالا وأكسبته إياه لا فرق بين جرمته ذنبا ~~وأجرمته إياه في المعنى إلا أن الأول أصح وأدور على ألسنة الفصحاء وقرا أبو ~~حيوة مثل ما أصاب بالفتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله * لم يمنع الشرب منها ~~غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات * أو قال وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيا ~~للشقاق عن كسب إصابة العذاب لكنه في الحقيقة نهى للكفرة عن مشاقته عليه ~~السلام على ألطف أسلوب وأبدعه كما مر في سورة المائدة عند قوله تعالى ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم الآية «وما قوم لوط منكم ببعيد» زمانا أو مكانا فإن لم ~~تعتبروا بمن قبلهم من الأمم المعدودة فاعتبروا بهم فكأنه إنما غير أسلوب ~~التحذير بهم ولم يصرح بما أصابهم بل اكتفى بذكر قربهم إيذانا بأن ذلك مغن ~~عن ذكره لشهرة كونه منظوما في سمط ما ذكر من دواهي الأمم المرقومة أو ليسوا ~~ببعيد منكم في الكفر والمعاصي فلا يبعد أن يصيبكم مثل ما أصابهم وإفراد ~~البعيد مع تذكيره لأن المراد وما إهلاكهم على نية المضاف أو وما هم بشيء ~~بعيد لأن ms1608 المقصود إفادة عدم بعدهم على الإطلاق لا من حيث خصوصية كونهم قوما ~~أوما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد ولا يبعد أن يكون ذلك لكونه على زنة ~~المصادر كالنهيق والشهيق ولما أنذرهم عليه السلام بسوء عاقبة صنيعهم عقبه ~~طمعا في ارعوائهم عما كانوا فيه يعمهون من طغيانهم بالحمل على الاستغفار ~~والتوبة فقال «واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه» مر تفسير مثله في أول السورة ~~«إن ربي رحيم» عظيم الرحمة للتائبين «ودود» مبالغ في فعل ما يفعل البليغ ~~المودة بمن يوده من اللطف والإحسان وهذا تعليل للأمر بالاستغفار والتوبة ~~وحث عليهما «قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول» الفقه معرفة غرض ~~المتكلم من كلامه أي ما نفهم مرادك وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائل ~~الحق المبين على أحسن وجه وأبلغه وضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل فلم ~~يجدوا إلى محاورته سبيلا سوى الصدود عن منهاج الحق والسلوك إلى سبيل الشقاء ~~كما هو ديدن المفحم المحجوج يقابل البينات بالسب والإبراق والإرعاد فجعلوا ~~كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ وأنواع العلوم والمعارف من قبيل ما ~~لا يفهم معناه ولا يدرك فحواه وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب ~~أقصى ما يكون من المؤاخذة والعقاب ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب ~~الأمم السالفة ولذلك قالوا «وإنا لنراك فينا» فيما بيننا «ضعيفا» لا قوة لك ~~ولا قدرة على شيء من الضر والنفع والإيقاع والدفع «ولولا رهطك» لولا مراعاة ~~جانبهم لا لولاهم يمانعوننا ويدافعوننا «لرجمناك» فإن ممانعة الرهط وهو اسم ~~للثلاثة إلى PageV04P235 # السبعة أو إلى العشرة لهم وهم ألوف مؤلفة مما لا يكاد يتوهم وقد أيد ذلك ~~بقوله عز وجل «وما أنت علينا بعزيز» مكرم محترم حتى نمتنع من رجمك وإنما ~~نكف عنه للمحافظة على حرمة رهطك الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا ~~ولم يتبعوك دوننا وإيلاء الضمير حرف النفي وإن لم يكن الخبر فعليا غير خال ~~عن الدلالة على رجوع النفي إلى الفاعل دون الفعل لا سيما مع ms1609 قرينة قوله ~~ولولا رهطك كأنه قيل وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا وحيث كان ~~غرضهم من عظيمتهم هذه عائدا إلى نفي ما فيه عليه السلام من القوة والعزة ~~الربانيتين حسبما يوجبه كونه على بينة من ربه مؤيدا من عنده ويقتضيه قضية ~~طلب التوفيق منه والتوكل عليه والإنابة إليه وإلى إسقاط ذلك كله عن درجة ~~الاعتداد به والاعتبار «قال» عليه السلام في جوابهم «يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله» فإن الاستهانة بمن لا يتعزز إلا به عز وجل استهانة بجنابه ~~العزيز وإنما أنكر عليهم أعزية رهطه منه تعالى مع أن ما أثبتوه إنما هو ~~مطلق عزة رهطه لا أعزبتهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزة لتثنية ~~التقريع وتكرير التوبيخ حيث أنكر عليهم أولا ترجيح جنبة الرهط على جنبة ~~الله تعالى وثانيا بنفي العزة بالمرة والمعنى أرهطي أعز عليكم من الله فإنه ~~مما لا يكاد يصح والحال إنكم لم تجعلوا له تعالى حظا من العزة أصلا ~~«واتخذتموه» بسبب عدم اعتدادكم بمن لا يرد ولا يصدر إلا بأمره «وراءكم ~~ظهريا» أي شيئا منبوذا وراء الظهر منسيا لا يبالي به منسوب إلى الظهر ~~والكسر لتغيير النسب كالأمسى في النسبة إلى الأمس «إن ربي بما تعملون» من ~~الأعمال السيئة التي من جملتها عدم مراعاتكم لجانبه «محيط» لا يخفى عليه ~~منها خافية وإن جعلتموه منسيا فيجازيكم عليها ويحتمل أن يكون الإنكار للرد ~~والتكذيب فإنهم لما ادعوا أنهم لا يكفون عن رجمه عليه السلام لقوته وعزته ~~بل لمراعاة جانب رهطه رد عليهم ذلك بأنكم ما قدرتم الله حق قدره العزيز ولم ~~تراعوا جنابه القوي فكيف تراعون جانب رهطي الأذلة «ويا قوم اعملوا» لما رأى ~~عليه السلام إصرارهم على الكفر وأنهم لا يرعوون عما هم عليه من المعاصي حتى ~~اجترءوا على العظيمة التي هي الاستهانة به والعزيمة على رجمه لولا حرمة ~~رهطه قال لهم على طريقة التهديد اعملوا «على مكانتكم» أي على غاية تمكنكم ~~واستطاعتكم يقال مكن مكانه إذا تمكن أبلغ التمكن ms1610 وإنما قاله عليه السلام ~~ردا لما ادعوا أنهم أقوياء قادرون على رجمه وأنه ضعيف فيما بينهم لا عزة له ~~أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة ~~والمعنى أثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والمشاقة لي وسائر ما أنتم عليه ~~مما لا خير PageV04P236 # فيه وأبدلوا جهدكم في مضارتي وإيقاع ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من ~~القوة إلى الفعل «إني عامل» على مكانتي حسبما يؤيدني الله ويوفقني بأنواع ~~التأييد والتوفيق «سوف تعلمون» لما هددهم عليه السلام بقوله اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل كان مظنة أن يسأل منهم سائل فيقول فماذا يكون بعد ذلك ~~فقيل سوف تعلمون «من يأتيه عذاب يخزيه» وصف العذاب بالإخزاء تعريضا بما ~~اوعدوه عليه السلام به من الرجم فإنه مع كونه عذابا فيه خزي ظاهر حيث لا ~~يكون إلا بجناية عظيمة توجبه «ومن هو كاذب» عطف على من يأتيه لا على أنه ~~قسيمه بل حيث أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل سوف تعلمون من المعذب ومن الكاذب ~~وفيه تعريض بكذبهم في ادعائهم القوة والقدرة على رجمه عليه السلام وفي ~~نسبته إلى الضعف والهوان وفي ادعائهم الإبقاء عليه لرعاية جانب الرهط ~~والاختلاف بين المعطوفين بالفعلية والإسمية لأن كذب الكاذب ليس بمرتقب ~~كإتيان العذاب بل إنما المرتقب ظهور الكذب السابق المستمر ومن إما ~~استفهامية معلقة للعلم عن العمل كأنه قيل سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه ~~وأينا كاذب وإما موصولة أي سوف تعرفون الذي يأتيه عذاب والذي هو كاذب ~~«وارتقبوا» وانتظروا مآل ما أقول «إني معكم رقيب» منتظر فعيل بمعنى الراقب ~~كالصريم أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة معكم إظهار منه ~~عليه السلام لكمال الوثوق بأمره «ولما جاء أمرنا» أي عذابنا كما ينبئ عنه ~~قوله تعالى سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه أو وقته فإن الإرتقاب مؤذن بذلك ~~«نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا» وهي الإيمان الذي وفقناهم له أو ~~بمرحمة كائنة منا لهم وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد ms1611 لما أنه لم يسبقه ~~فيها ذكر وعد يجري مجرى السبب المقتضي لدخول الفاء في معلوله كما في قصتي ~~صالح ولوط فإنه قد سبق هنالك سابقة الوعد بقوله ذلك وعد غير مكذوب وقوله إن ~~موعدهم الصبح «وأخذت الذين ظلموا» عدل إليه عن الضمير تسجيلا عليهم بالظلم ~~وإشعارا بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمهم الذي فصل فيما سبق فنونه ~~«الصيحة» قيل صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا وفي سورة الأعراف فأخذتهم ~~الرجفة وفي سورة العنكبوت فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة ولعلها من روادف ~~الصيحة المستتبعة لتموج الهواء المفضي إليها كما مر فيما قبل «فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين» ميتين لازمين لأماكنهم لا براح لهم منها ولما لم يجعل متعلق ~~العلم في قوله تعالى سوف تعلمون من يأته عذاب الخ نفس مجيء العذاب بل من ~~يجيئه ذلك جعل مجيئه بعد ذلك أمرا مسلم الوقوع غنيا عن الإخبار به حيث جعل ~~شرطا وجعل تنجية شعيب عليه السلام وإهلاك الكفرة جوابا له ومقصود الإفادة ~~وإنما قدم تنجيته اهتماما بشأنها وإيذانا بسبق الرحمة التي هي مقتضى ~~الربوبية على الغضب الذي يظهر أثره بموجب جرائرهم وجرائمهم «كأن لم يغنوا» ~~أي لم يقيموا PageV04P237 # «فيها» متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها «ألا بعدا لمدين كما بعدت ~~ثمود» العدول عن الإضمار إلى الإظهار ليكون أدل على طغيانهم الذي أداهم إلى ~~هذه المرتبة وليكون أنسب بمن شبه هلاكهم بهلاكهم أعني ثمود وإنما شبه ~~هلاكهم بهلاكهم لأنهما أهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة غير أن هؤلاء صيح ~~بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وقرئ بعدت بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير ~~لتخصيص معنى البعد بما يكون سبب الهلاك والبعد مصدر لهما والبعد مصدر ~~للمكسور «ولقد أرسلنا موسى بآياتنا» وهي الآيات التسع المفصلات التي هي ~~العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات ~~والأنفس ومنهم من جعلهما آية واحدة وعد منها إظلال الجبل وليس كذلك فإنه ~~لقبول أحكام التوراة حين أباه بنو إسرائيل والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا ~~من مفعول أرسلنا أو ms1612 نعتا لمصدره المؤكد أي أرسلناه حال كونه ملتبسا بآياتنا ~~أو أرسلناه إرسالا ملتبسا بها «وسلطان مبين» هو المعجزات الباهرة منها أو ~~هو العصا والإفراد بالذكر لإظهار شرفها لكونها أبهرها أو المراد بالآيات ما ~~عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد أي أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وبين ~~كونه سلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها من أبان لازما ~~ومتعديا أو هو الغلبة والاستيلاء كقوله تعالى ونجعل لكما سلطانا ويجوز أن ~~يكون المراد ما بينه عليه السلام في تضاعيف دعوته حين قال له فرعون من ~~ربكما فما بال القرون الأولى من الحقائق الرائقة والدقائق اللائقة وجعله ~~عبارة عن التوراة أو إدراجها في جملة الآيات يرده قوله عز وجل «إلى فرعون ~~وملئه» فإن نزولها إنما كان بعد مهلك فرعون وقومه قاطبة ليعمل بها بنو ~~إسرائيل فيما يأتون وما يذرون وأما فرعون وقومه فإنما كانوا مأمورين بعبادة ~~رب العالمين عز سلطانه وترك العظيمة الشنعاء التي كان يدعيها الطاغية ~~ويقبلها منه فئته الباغية وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر وتخصيص ملئه ~~بالذكر مع عموم رسالته عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبير ~~الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود والصدور وإنما لم يصرح بكفر فرعون بآيات ~~الله تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ذكر ~~شأن ملئه فقيل «فاتبعوا أمر فرعون» أي أمره بالكفر بما جاء به موسى عليه ~~السلام من الحق المبين للإيذان بوضوح حاله فكأن كفره وأمر ملئه بذلك أمر ~~محقق الوجود غير محتاج إلى الذكر صريحا وإنما المحتاج إلى ذلك شأن ملئه ~~المترددين بين هاد إلى الحق وداع إلى الضلال فنعى عليهم سوء اختيارهم ~~وإيراد الفاء في اتباعهم المترتب على أمر فرعون المبني على كفره المسبوق ~~بتبليغ الرسالة للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعة فرعون إلى الكفر ~~وأمرهم به فكأن ذلك كله لم يتراخ عن الإرسال والتبليغ بل وقع جميع ذلك في ~~وقت واحد فوقع أثر ذلك اتباعهم ويجوز أن يراد بأمر فرعون شأنه المشهور ms1613 ~~وطريقته الزائغة فيكون معنى فاتبعوا فاستمروا على الاتباع والفاء ~~PageV04P238 # مثل ما في قولك وعظته فلم يتعظ وصحت به فلم ينزجر فإن الإتيان بالشيء بعد ~~ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمرارا عليه لكنه بحسب العنوان فعل ~~جديد وصنع حادث فتأمل وترك الإضمار لدفع توهم الرجوع إلى موسى عليه السلام ~~من أول الأمر ولزيادة تقبيح حال المتبعين فإن فرعون علم في الفساد والإفساد ~~والضلال والإضلال فاتباعه لفرط الجهالة وعدم الإستبصار وكذا الحال في قوله ~~تعالى «وما أمر فرعون برشيد» الرشد ضد الغي وقد يراد به محمودية العاقبة ~~فهو على الأول بمعنى المرشد أو ذي الرشد حقيقة لغوية والإسناد مجازي وعلى ~~الثاني مجاز والإسناد حقيقي «يقدم قومه» جميعا من الأشراف وغيرهم «يوم ~~القيامة» أي يتقدمهم من قدمه بمعنى تقدمه وهو استئناف لبيان حاله في الآخرة ~~أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه أو ~~لتوضيح عدم صلاح مآل أمره وسوء عاقبته «فأوردهم النار» أي يوردهم وإيثار ~~صيغة الماضي للدلالة على تحقيق الوقوع لا محالة شبه فرعون بالفارط الذي ~~يتقدم الواردة إلى الماء وأتباعه بالواردة والنار بالماء الذي يردونه ثم ~~قيل «وبئس الورد المورود» أي بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد إنما ~~يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك «واتبعوا» أي الملأ ~~الذين اتبعوا أمر فرعون «في هذه» أي في الدنيا «لعنة» عظيمة حيث يلعنهم من ~~بعدهم من الأمم إلى يوم القيامة «ويوم القيامة» أيضا حيث يلعنهم أهل الموقف ~~قاطبة فهي تابعة لهم حينما ساروا دائرة معهم أينما داروا في الموقف فكما ~~اتبعوا فرعون اتبعتهم اللعنة في الدارين جزاء وفاقا واكتفى ببيان حالهم ~~الفظيع وشأنهم الشنيع عن بيان حال فرعون إذ حين كان حالهم هكذا فما ظنك ~~بحال من أغواهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد وحيث كان شأن الأتباع أن ~~يكونوا أعوانا للمتبوع جعلت اللعنة رفدا لهم على طريقة التهكم فقيل «بئس ~~الرفد المرفود» أي بئس العون المعان وقد فسر الرفد بالعطاء ولا يلائمه ms1614 ~~المقام وأصله ما يضاف إلى غيره ليعمده والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهي ~~اللعنة في الدارين وكونه مرفودا من حيث أن كل لعنة منها معينة وممدة ~~لصاحبتها ومؤيدة لها «ذلك» إشارة إلى ما قص من أنباء الأمم وبعده باعتبار ~~تقضيه في الذكر والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره «من ~~أنباء القرى» المهلكة بما جنته أيدي أهلها «نقصه عليك» خبر بعد خبر أي ذلك ~~النبأ بعض أنباء القرى مقصوص عليك «منها» أي من تلك القرى «قائم وحصيد» أي ~~ومنها حصيد حذف لدلالة الأول عليه شبه ما بقي منها بالزرع القائم على ساقه ~~وما عفا وبطل بالحصيد والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب PageV04P239 # «وما ظلمناهم» بأن أهلكناهم «ولكن ظلموا أنفسهم» بأن جعلوها عرضة للهلاك ~~باقتراف ما يوجبه «فما أغنت عنهم» فما نفعتهم ولا دفعت بأس الله تعالى عنهم ~~«آلهتهم التي يدعون» أي يعبدونها «من دون الله» أوثر صيغة المضارع حكاية ~~للحال الماضية أو دلالة على استمرار عبادتهم لها «من شيء» في موضع المصدر ~~أي شيئا من الإغناء «لما جاء أمر ربك» أي حين مجيء عذابه وهو منصوب بأغنت ~~وقرئ آلهتهم اللاتي ويدعون على البناء للمجهول «وما زادوهم غير تتبيب» أي ~~إهلاك وتخسير فإنهم إنما هلكوا وخسروا بسبب عبادتهم لها «وكذلك» أي ومثل ~~ذلك الأخذ الذي مر بيانه وهو رفع على الابتداء وخبره قوله «أخذ ربك» وقرئ ~~أخذ ربك فمحل الكاف النصب على أنه مصدر مؤكد «إذا أخذ القرى» أي أهلها ~~وإنما أسند إليها للإشعار بسريان أثره إليها حسبما ذكر وقرئ إذ أخذ «وهي ~~ظالمة» حال من القرى وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامهم في ~~الأخذ أجريت الحال عليها وفائدتها الإشعار بأنهم إنما أخذوا بظلمهم ليكون ~~ذلك عبرة لكل ظالم «إن أخذه أليم شديد» وجيع صعب على المأخوذ لا يرجى منه ~~الخلاص وفيه ما لا يخفى من التهديد والتحذير «إن في ذلك» أي في أخذه تعالى ~~للأمم المهلكة أو في قصصهم «لآية» لعبرة «لمن خاف عذاب ms1615 الآخرة» فإنه ~~المعتبر به حيث يستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسبب ما عملوا من ~~السيئات على أحوال عذاب الآخرة وأما من أنكر الآخرة وأحال فناء العالم وزعم ~~أن ليس هو ولا شيء من أحواله مستندا إلى الفاعل المختار وأن ما يقع فيه من ~~الحوادث فإنما يقع لأسباب تقتضيه من أوضاع فلكية تتفق في بعض الأوقات لا ~~لما ذكر من المعاصي التي يقترفها الأمم الهالكة فهو بمعزل من هذا الاعتبار ~~تبا لهم ولما لهم من الأفكار «ذلك» إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه ~~بذكر الآخرة «يوم مجموع له الناس» أي يجمع له الناس للمحاسبة والجزاء ~~والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع وتحقق وقوعه لا محالة وعدم انفكاك ~~الناس عنه فهو أبلغ من قوله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع «وذلك» أي يوم ~~القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له «يوم مشهود» أي مشهود فيه حيث يشهد ~~فيه أهل السماوات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظفر مجرى المفعول به كما في ~~قوله * في محفل من نواصي الناس مشهود * أي كثير شاهدوه ولو جعل نفس اليوم ~~مشهودا لفات ما هو الغرض من تعظيم اليوم وتهويله وتمييزه عن غيره فإن سائر ~~الأيام أيضا كذلك «وما PageV04P240 # نؤخره» أي ذلك اليوم الملحوظ بعنواني الجمع والشهود «إلا لأجل معدود» إلا ~~لانقضاء مدة قليلة مضروبة حسبما تقتضيه الحكمة «يوم يأت» أي حين يأتي ذلك ~~اليوم المؤخر بانقضاء أجله كقوله تعالى أن تأتيهم الساعة وقيل يوم يأتي ~~الجزاء الواقع فيه وقيل أي الله عز وجل فإن المقام مقام تفخيم شأن اليوم ~~وقرئ بإثبات الياء على الأصل «لا تكلم نفس» أي لا تتكلم بما ينفع وينجي من ~~جواب أو شفاعة وهو العامل في الظرف أو الانتهاء المحذوف في قوله تعالى إلا ~~لأجل معدود أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني اذكر «إلا ~~بإذنه» عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وهذا في موطن من مواطن ذلك اليوم وقوله عز وجل هذا يوم ms1616 لا ينطقون ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون في موقف آخر من مواقفه كما أن قوله سبحانه يوم تأتي كل نفس ~~تجادل عن نفسها في آخر منها أو المأذون فيه الجوابات الحقة والممنوع عنه ~~الأعذار الباطلة نعم قد يؤذن فيها أيضا لإظهار بطلانها كما في قول الكفرة ~~والله ربنا ما كنا مشركين ونظائره «فمنهم شقي» وجبت له النار بموجب الوعيد ~~«وسعيد» أي ومنهم سعيد حذف الخبر لدلالة الأول عليه وهو من وجبت له الجنة ~~بمقتضى الوعد والضمير لأهل الموقف المدلول عليهم بقوله لا تكلم نفس أو ~~للناس وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام التحذير والإنذار «فأما ~~الذين شقوا» أي سبقت لهم الشقاوة «ففي النار» أي مستقرون فيها «لهم فيها ~~زفير وشهيق» الزفير إخراج النفس والشهيق رده واستعمالهما في أول النهيق ~~وآخره قال الشماخ يصف حمار الوحش * بعيد مدى التطريب أول صوته * زفير ~~ويتلوه شهيق محشرج * والمراد بهما وصف شدة كربهم وتشبيه حالهم بحال من ~~استولت على قلبه الحرارة وانحصر فيه روحه أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير ~~وقرئ شقوا بالضم والجملة مستأنفة كأن سائلا قال ما شأنهم فيها فقيل لهم ~~فيها كذا وكذا أو منصوبة المحل على الحالية من النار أو من الضمير في الجار ~~والمجرور كقوله عز اسمه «خالدين فيها» خلا أنه إن أريد حدوث كونهم في النار ~~فالحال مقدرة «ما دامت السماوات والأرض» أي مدة دوامهما وهذا التوقيت عبارة ~~عن التأييد ونفى الانقطاع بناء على منهاج قول العرب ما دام تعار وما أقام ~~ثبير وما لاح كوكب وما اختلف الليل والنهار وما طما البحر وغير ذلك من ~~كلمات التأبيد لا تعليق قرارهم فيها بدوام هذه السماوات والأرض فإن النصوص ~~القاطعة دالة على تأبيد قرارهم فيها وانقطاع دوامهما وإن أريد التعليق ~~فالمراد سماوات الآخرة وأرضها كما يدل على ذلك النصوص كقوله تعالى يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات وقوله تعالى وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء وجزم كل أحد بأن أهل الآخرة PageV04P241 # لا بد لهم من مظلة ومقلة دائمتين يكفي ms1617 في تعليقي دوام قرارهم فيها ~~بدوامهما ولا حاجة إلى الوقوف على تفاصيل أحوالهما وكيفياتهما «إلا ما شاء ~~ربك» استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى وقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ~~وقوله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط غير أن استحالة الأمور المذكورة ~~معلومة بحكم العقل واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل ~~يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا في زمان مشيئة الله تعالى ~~لعدم قرارهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص ~~القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى ~~يتوهم من كون استحالة تعلق مشيئة الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوب على ~~الله تعالى قال «إن ربك فعال لما يريد» يعني إنه في تخليد الأشقياء في ~~النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية ~~على سنن حكمته الداعية إلى ترتيب الأجزية على أفعال العباد والعدول من ~~الإضمار إلى الإظهار لتربية المهابة وزيادة التقرير وقيل هو استثناء من ~~الخلود في عذاب النار فإنهم لا يخلدون فيه بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع أخر ~~من العذاب وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله تعالى عليهم وخسؤه لهم ~~وإهانته إياهم وأنت تدري أنا وإن سلمنا أن المراد بالنار ليس مطل قدار ~~العذاب المشتملة على أنواع العذاب بل نفس النار فما خلا عذاب الزمهرير من ~~تلك الأنواع مقارن لعذاب النار فلا مصداق في ذلك للاستثناء ولك أن تقول ~~إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجسماني الذي هو عذاب النار بل لهم من ~~أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وهي العقوبات والآلام الروحانية ~~التي لا يقف عليها في هذه الحياة الدنيا المنغمسون في أحكام الطبيعة ~~المقصور إدراكهم على ما ألفوا من الأحوال الجسمانية وليس لهم استعداد لتلقي ~~ما رواء ذلك من الأحوال الروحانية إذا ألقى إليهم ولذلك لم يتعرض لبيانه ~~واكتفى بهذه المرتبة الإجمالية ms1618 المنبئة عن التهويل وهذه العقوبات وإن كان ~~تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون به وهذه ~~المرتبة كافية في تحقيق معنى الاستثناء هذا وقد قيل إلا بمعنى سوى وهو أوفق ~~بما ذكر وقيل ما بمعنى من على إرادة معنى الوصفية فالمعنى إن الذين شقوا في ~~النار مقدرين الخلود فيها إلا الذين شاء الله عدم خلودهم فيها وهم عصاة ~~المؤمنين «وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض» الكلام فيه كالكلام فيما سبق خلا أنه لم يذكر ههنا أن لهم فيها ~~بهجة وسرورا كما ذكر في أهل النار من أنه لهم فيها زفير وشهيق لأن المقام ~~مقام التحذير والإنذار «إلا ما شاء ربك» إن حمل على طريقة التعليق بالمحال ~~فقوله سبحانه «عطاء غير مجذوذ» نصب على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله ~~تعالى ففي الجنة خالدين فيها يقتضي إعطاء وإنعاما فكأنه قيل يعطيهم عطاء ~~وهو إما اسم مصدر هو الإعطاء أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى أنبتكم ~~PageV04P242 # من الأرض نباتا وإن حمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم ~~الروحاني الذي عبر عنه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~فهو نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة أو تمييز فإن نسبة مشيئة ~~الخروج إلى الله تعالى يحتمل أن تكون على جهة عطاء مجذوذ وعلى جهة عطاء غير ~~مجذوذ فهو رافع للإبهام عن النسبة قال ابن زيد أخبرنا الله تعالى بالذي ~~يشاء لأهل الجنة فقال عطاء غير مجذوذ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار ~~ويجوز أن يتعلق بكلا النعيمين أو بالأول دفعا لما يتوهم من ظاهر الاستثناء ~~من انقطاعه «فلا تك في مرية» أي في شك والفاء لترتيب النهي على ما قص من ~~القصص وبين في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية «مما يعبد هؤلاء» أي ~~من جهة عبادة هؤلاء المشركين وسوء عاقبتها أو من حال ما يعبدونه من الأوثان ~~في عدم نفعه لهم ولما كان مساق النظم الكريم ms1619 قبيل الشروع في القصص لبيان ~~غاية سوء حال الكفرة وكمال حسن حال المؤمنين وقد ضرب لهم مثل فقيل مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون وقد ~~قص عقيب ذلك من أنباء الأمم السالفة مع رسلهم المبعوثة إليهم ما يتذكر به ~~المتذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كونه في شك من مصير أمر هؤلاء ~~المشركين في العاجل والآجل ثم علل ذلك بطريق الاستئناف فقيل «ما يعبدون إلا ~~كما يعبد آباؤهم» الذين قصت عليك قصصهم «من قبل» أي هم وآباؤهم سواء في ~~الشرك ما يعبدون عبادة إلا كعبادتهم أو ما يعبدون شيئا إلا مثل ما عبدوه من ~~الأوثان والعدول إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها أو ~~مثل ما كانوا يعبدونه فحذف كان لدلالة قوله من قبل عليه ولقد بلغك ما لحق ~~بآبائهم فسيلحقهم مثل ذلك فإن تماثل الأسباب يقتضي تماثل المسببات «وإنا ~~لموفوهم» أي هؤلاء الكفرة «نصيبهم» أي حظهم المعين لهم حسن جرائمهم ~~وجرائرهم من العذاب عاجلا وآجلا كما وفينا آباءهم أنصباءهم المقدرة لهم أو ~~من الرزق المقسوم لهم فيكون بيانا لوجه تأخر العذاب عنهم مع تحقق ما يوجبه ~~«غير منقوص» حال مؤكدة من النصيب كقوله تعالى ثم وليتم مدبرين وفائدته دفع ~~توهم التجوز وجعلها مقيدة له لدفع احتمال كونه منقوصا في حد نفسه مبني على ~~الذهول عن كون العامل هو التوفية فتأمل «ولقد آتينا موسى الكتاب» أي ~~التوراة «فاختلف فيه» أي في شأنه وكونه من عند الله تعالى فآمن به قوم وكفر ~~به آخرون فلا تبال باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن وقولهم لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك وزعمهم إنك افتريته «ولولا كلمة سبقت PageV04P243 # من ربك» وهي كلمة القضاء بإنظارهم إلى يوم القيامة على حسب الحكمة ~~الداعية إلى ذلك «لقضي بينهم» أي لأوقع القضاء بين المختلفين من قومك ~~بإنزال العذاب الذي يستحقه المبطلون ليتميزوا به عن المحقين وقيل بين قوم ~~موسى وليس بذاك «وأنهم» أي وإن كفار قومك أريد ms1620 به بعض من رجع إليهم ضمير ~~بينهم للأمن من الإلباس «لفي شك» عظيم «منه» أي من القرآن وإن لم يجر له ~~ذكر فإن ذكر إيتاء كتاب موسى ووقوع الاختلاف فيه لا سيما بصدد التسلية ~~ينادي به نداء غير خفي «مريب» موقع في الريبة «وإن كلا» التنوين عوض عن ~~المضاف إليه أي وإن كل المختلفين فيه المؤمنين منهم والكافرين وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإعمال اعتبارا للأصل «لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم» أي أجزية أعمالهم واللام الأولى موطئة للقسم والثانية جواب للقسم ~~المحذوف ولما مركبة من الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وأصلها لمن فقلبت ~~النون ميما للإدغام فاجتمع ثلاث ميمات فحذفت أولاهن والمعنى لمن الذي أو ~~لمن خلق أو لمن فريق والله ليوفينهم ربك وقرئ لما بالتخفيف على أن ما مزيدة ~~للفصل بين اللامين والمعنى وإن جميعهم والله ليوفينهم الآية وقرئ لما ~~بالتنوين أي جميعا كقوله سبحانه أكلا لما وقرأ أبي وإن كل لما ليوفينهم على ~~أن إن نافية ولما بمعنى إلا وقد قرىء به «إنه بما يعملون» أي بما يعمله كل ~~فرد من المختلفين من الخير والشر «خبير» بحيث لا يخفى عليه شيء من جلائله ~~ودقائقه وهو تعليل لما سبق من توفية أجزية أعمالهم فإن الإحاطة بتفاصيل ~~أعمال الفريقين وما يستوجبه كل عمل بمقتضى الحكمة من الجزاء المخصوص توجب ~~توفية كل ذي حق حقه إن خيرا فخير وإن شرا فشر «فاستقم كما أمرت» لما بين في ~~تضاعيف القصص المحكية عن الأمم الماضية سوء عاقبة الكفر وعصيان الرسل وأشير ~~إلى أن حال هؤلاء الكفرة في الكفر والضلال واستحقاق العذاب مثل أولئك ~~المعذبين وأن نصيبهم من العذاب واصل إليهم من غير نقص وأن تكذيبهم للقرآن ~~مثل تكذيب قوم موسى عليه السلام للتوراة وأنه لو لم تسبق كلمة القضاء ~~بتأخير عقوبتهم العامة ومؤاخذتهم التامة إلى يوم القيامة لفعل بهم ما فعل ~~بآبائهم من قبل وأنهم يوفون نصيبهم غير منقوص وأن كل واحد من المؤمنين ~~والكافرين يوفى جزاء عمله أمر رسول الله ms1621 صلى الله عليه وسلم بالإستقامة كما ~~أمر به في العقائد والأعمال المشتركة بينه وبين سائر المؤمنين ولا سيما ~~الأعمال الخاصة به عليه السلام من تبليغ الأحكام الشرعية والقيام بوظائف ~~النبوة وتحمل أعباء الرسالة بحيث يدخل تحته ما أمر به فيما سبق من قوله ~~تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك الآية وبالجملة فهذا ~~الأمر منتظم لجميع محاسن الاحكام الأصلية والفرعية والكمالات النظرية ~~والعملية والخروج من عهدته في غاية ما يكون من الصعوبة ولذلك قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيبتني سورة هود «ومن تاب معك» أي تاب من الشرك والكفر ~~وشاركك في الإيمان وهو المعنى بالمعية وهو معطوف على PageV04P244 # المستكن في قوله فاستقم وحسن من غير تأكيد لمكان الفاصل القائم مقامه وفي ~~الحقيقة هو من عطف الجملة على الجملة إذ المعنى وليستقم من تاب معك وقيل هو ~~منصوب على أنه مفعول معه كما قاله أبو البقاء والمعنى استقم مصاحبا لمن تاب ~~معك «ولا تطغوا» ولا تنحرفوا عما حد لكم بإفراط أو تفريط فإن كلا طرف قصد ~~الأمور ذميم وإنما سمى ذلك طغيانا وهو تجاوز الحد تغليظا أو تغليبا لحال ~~سائر المؤمنين على حاله عليه السلام «إنه بما تعملون بصير» فيجازيكم على ~~ذلك وهو تعليل للأمر والنهي وفي الآية دلالة على وجوب اتباع المنصوص عليه ~~من غير انحراف بمجرد الرأي فإنه طغيان وضلال وأما العمل بمقتضى الإجتهاد ~~التابع لعلل النصوص فذلك من باب الإستقامة كما أمر على موجب النصوص الآمرة ~~بالاجتهاد «ولا تركنوا» أي لا تميلوا أدنى ميل «إلى الذين ظلموا» أي إلى ~~الذين وجد منهم الظلم في الجملة ومدار النهي هو الظلم والجمع باعتبار جمعية ~~المخاطبين وما قيل من أن ذلك للمبالغة في النهي من حيث إن كونهم جماعة مظنة ~~الرخصة في مداهنتهم إنما يتم أن لو كان المراد النهي عن الركون إليهم من ~~حيث إنهم جماعة وليس كذلك «فتمسكم» بسبب ذلك «النار» وإذا كان حال الميل في ~~الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في ms1622 الإفضاء إلى مساس النار هكذا فما ظنك بمن ~~يمل إلى الراسخين في الظلم والعدوان ميلا عظيما ويتهالك على مصاحبتهم ~~ومنادمتهم ويلقى شراشره على مؤانستهم ومعاشرتهم ويبتهج بالتزيي بزيهم ويمد ~~عينيه إلى زهرتهم الفانية ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية وهو في ~~الحقيقة من الحبة طفيف ومن جناح البعوض خفيف بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ~~ضعف الطالب والمطلوب والآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ~~وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين للتثبيت على ~~الإستقامة التي هي العدل فإن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط ظلم على ~~نفسه أو على غيره وقرئ تركنوا على لغة تميم وتركنوا على صيغة البناء ~~للمفعول من أركنه «وما لكم من دون الله من أولياء» أي من أنصار ينقذونكم من ~~النار والجملة نصب على الحالية من قوله فتمسكم النار ونفى الأولياء ليس ~~بطريق نفي أن يكون لكل واحد منهم أولياء حتى يصدق أن يكون له ولي بل لمكان ~~لكم بطريق انقسام الآحاد على الآحاد لكن لا على معنى نفي استقلال كل منهم ~~بنصير بل على معنى نفي أن يكون لواحد منهم نصير بقرينة المقام «ثم لا ~~تنصرون» من جهة الله سبحانه إذ قد سبق في حكمه أن يعذبكم بركونكم إليهم ولا ~~يبقى عليكم وثم لتراخي رتبة كونهم غير منصورين من جهة الله بعد ما أوعدهم ~~بالعذاب وأوجبه عليهم ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء بمعنى الاستبعاد ~~فإنه لما بين أن الله تعالى معذبهم وأن غيره لا ينقذهم أنتج أنهم لا ينصرون ~~أصلا «وأقم الصلاة طرفي النهار» أي غدوة وعشية وانتصابه على الظرفية لكونه ~~مضافا إلى الوقت «وزلفا من الليل» أي ساعات منه قريبة من النهار فإنه من ~~أزلفه إذا قربه جمع زلفة عطف على طرفي النهار والمراد بصلاتهما صلاة ~~PageV04P245 # الغداة والعصر وقيل الظهر موضع العصر لأن ما بعد الزوال عشي وبصلاة الزلف ~~المغرب والعشاء وقرئ زلفا بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر وزلفى بمعنى زلفة ~~كقربي بمعنى قربة «إن ms1623 الحسنات» التي من جملتها بل عمدتها ما أمرت به من ~~الصلوات «يذهبن السيئات» التي قلما يخلو منها البشر أي يكفرنها وفي الحديث ~~إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنب الكبائر وقيل نزلت في أبي ~~اليسر الأنصاري إذ قبل امرأة ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بما فعل فقال صلى الله عليه وسلم أنتظر أمر ربي فلما صلى صلاة العصر ~~نزلت قال صلى الله عليه وسلم نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت أو يمنعن من ~~اقترافها كقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر «ذلك» إشارة إلى ~~قوله تعالى فاستقم فما بعده وقيل إلى القرآن «ذكرى للذاكرين» أي عظة ~~للمتعظين «واصبر» على مشاق ما أمرت به في تضاعيف الأوامر السابقة وأما ما ~~نهى عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء عنه مشقة فلا ~~وجه لتعميم الصبر له اللهم إلا أن يراد به ما لا يمكن عادة خلو البشر عنه ~~من أدنى ميل بحكم الطبيعة عن الإستقامة المأمور بها ومن يسير ميل بحكم ~~البشرية إلى من وجد منه ظلم ما فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا ~~يخفى «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» أي يوفيهم أجور أعمالهم من غير بخس ~~أصلا وإنما عبر عن ذلك بنفي الإضاعة مع أن عدم إعطاء الأجر ليس بإضاعة ~~حقيقة كيف لا والأعمال غير موجبة للثواب حتى يلزم من تخلفه عنها ضياعها ~~لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدوره عنه سبحانه ~~من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه وإنما عدل عن ~~الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدة عامة لكل من يتصف به وهو ~~تعليل للأمر بالصبر وفيه إيماء إلى أن الصبر على ما ذكر من باب الإحسان ~~«فلولا كان» فهلا كان «من القرون» الكائنة «من قبلكم» على رأي من جوز حذف ~~الموصول مع بعض صلته أو كائنة من قبلكم «أولوا بقية» من الرأي والعقل أو ~~أولوا فضل ms1624 وخير وسميا بها لأن الرجل إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجوده ~~وأفضله فصار مثلا في الجودة والفضل ويقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ~~ومنه ما قيل في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ويجوز أن تكون البقية بمعنى ~~البقوى كالتقية من التقوى أي فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة ~~لها من سخط الله تعالى وعقابه ويؤيده أنه قرىء أولو بقية وهي المرة من مصدر ~~بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو مراقبة وخشية من عذاب الله تعالى ~~كأنهم ينتظرون نزوله لإشفاقهم «ينهون عن الفساد في الأرض» الواقع منهم حسب ~~ما حكى عنه «إلا قليلا ممن أنجينا منهم» استثناء منقطع أي لكن قليلا منهم ~~أنجيناهم لكونهم على تلك الصفة على ان من للبيان لا للتبعيض لأن جميع ~~الناجين ناهون ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلام PageV04P246 # لأنه يكون تحضيضا لأولى البقية على النهي المذكور إلا للقليل من الناجين ~~منهم كما إذا قلت هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم مريدا لاستثناء ~~الصلحاء من المحضضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل استثناء من النفي ~~اللازم للتحضيض فكأنه قيل ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا منهم لكن ~~الرفع هو الأفصح حينئذ على البدلية «واتبع الذين ظلموا» بمباشرة الفساد ~~وترك النهي عنه «ما أترفوا فيه» أي أنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها أما ~~المباشرون فظاهر وأما المساهلون فلما لهم في ذلك من نيل حظوظهم الفاسدة ~~وقيل المراد بهم تاركو النهي وأنت خبير بأنه يلزم منه عدم دخول مباشري ~~الفساد في الظلم والإجرام عبارة «وكانوا مجرمين» أي كافرين فهو بيان لسبب ~~استئصال الأمم المهلكة وهو فشو الظلم واتباع الهوى فيهم وشيوع ترك النهي عن ~~المنكرات مع الكفر وقوله واتبع عطف على مضمر دل عليه الكلام أي لم ينهوا ~~واتبع الخ فيكون العدول إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم ~~والتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب أو على ~~استئناف يترتب على قوله إلا قليلا أي إلا قليلا ms1625 ممن أنجينا منهم نهوا عن ~~الفساد واتبع الذين ظلموا من مباشري الفساد وتاركي النهي عنه فيكون الإظهار ~~مقتضى الظاهر وقوله وكانوا مجرمين عطف على أترفوا أي اتبعوا الإتراف وكونهم ~~مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر أو ~~على اتبع أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بذلك الاتباع مجرمين ويجوز أن يكون ~~اعتراضا وتسجيلا عليهم بأنهم قوم مجرمون وقرئ وأتبع أي أتبعوا جزاء ما ~~أترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يفسر به المشهورة ويعضده تقدم الإنجاء ~~«وما كان ربك ليهلك القرى» أي ما صح وما استقام بل استحال في الحكمة أن ~~يهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك أنباؤها ويعلم من ذلك حال باقيها من ~~القرى الظالمة واللام لتأكيد النفي وقوله «بظلم» أي ملتبسا به قيل هو حال ~~من الفاعل أي ظالما لها والتنكير للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم ~~عظيم والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل ~~صدوره عنه تعالى وإلا فلا ظلم فيما فعله الله تعالى بعباده كائنا ما كان ~~لما تقرر من قاعدة أهل السنة وقد مر تفصليه في سورة آل عمران عند قوله ~~تعالى وأن الله ليس بظلام للعبيد وقوله تعالى «وأهلها مصلحون» حال من ~~المفعول والعامل عامله ولكن لا باعتبار تقيده بما وقع حالا من فاعله أعني ~~بظلم لدلالته على تقيد نفي الإهلاك ظلما بحال كون أهلها مصلحين ولا ريب في ~~فساده بل مطلقا عن ذلك وقيل المراد بالظلم الشرك والباء للسببية أي لا يهلك ~~القرى بسبب إشراك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى ~~شركهم فسادا آخر وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى ومن ذلك قدم ~~الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد الفقراء على حقوق الله تعالى الغني ~~الحميد وقيل الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم وأنت تدري أن مقام ~~النهي عن المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله لا يلائمه فإن الشرك داخل في ~~الفساد في الأرض دخولا أوليا ولذلك كان ينهى كل من ms1626 الرسل الذين قصت أنباؤهم ~~أمته أولا عن الإشراك ثم عن PageV04P247 # سائر المعاصي التي كانوا يتعاطونها فالوجه حمل الظلم على مطلق الفساد ~~الشامل للشرك وغيره من أصناف المعاصي وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه ~~بكون بعضهم متصدين للنهي عنه وبعضهم متوجهين إلى الإتعاظ غير مصرين على ما ~~هم عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة» مجتمعة على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحد ولكن لم ~~يشأ ذلك فلم يكونوا متفقين على الحق «ولا يزالون مختلفين» في الحق أي ~~مخالفين له كقوله تعالى وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم «إلا من رحم ربك» إلا قوما قد هداهم الله تعالى بفضله ~~إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه أي لم يخالفوه وحمله على مطلق ~~الاختلاف الشامل لما يصدر من المحق والمبطل يأباه الاستثناء المذكور ~~«ولذلك» أي ولما ذكر من الاختلاف «خلقهم» أي الذين بقوا بعد الثنيا وهم ~~المختلفون فاللام للعاقبة أو للترحم فالضمير لمن واللام في معناها أولهما ~~معا فالضمير للناس كافة واللام بمعنى مجازي عام لكلا المعنيين «وتمت كلمة ~~ربك» أي وعيده أو قوله للملائكة «لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين» أي ~~من عصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما «وكلا» أي وكل نبأ ~~فالتنوين عوضا عن المضاف إليه «نقص عليك» يخبرك به وقوله تعالى «من أنباء ~~الرسل» بيان لكلا وقوله تعالى «ما نثبت به فؤادك» بدل منه والأظهر أن يكون ~~المضاف إليه المحذوف في كلا المفعول المطلق لنقص أي كل اقتصاص أي كل أسلوب ~~من أساليبه نقص عليك من أنباء الرسل وقوله تعالى ما نثبت به فؤادك مفعول ~~نقص وفائدته التنبيه على أن المقصود بالإقتصاص زيادة يقينه عليه السلام ~~وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف ~~على تفاصيل أحوال الأمم السالفة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من ~~جهتهم من مكابدة المشاق «وجاءك في هذه» السورة أو الأنباء ms1627 المقصوصة عليك ~~«الحق» الذي لا محيد عنه «وموعظة وذكرى للمؤمنين» أي الجامع بين كونه حقا ~~في نفسه وكونه موعظة وذكرى للمؤمنين ولكون الوصف الأول حالا له في نفسه حلى ~~باللام دون ما هو وصف له بالقياس إلى غيره وتقديم الظرف أعني في هذه على ~~الفاعل لأن المقصود بيان منافع السورة أو الأنباء المقصوصة فيها واشتمالها ~~على ما ذكر من المنافع المفصلة لا بيان كون ذلك فيها لا في غيرها ولأن عند ~~تأخير ما حقه التقديم تبقى النفس مترقبة إليه فيتمكن فيها عند الورود فضل ~~تمكن ولأن PageV04P248 # في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم «وقل للذين لا ~~يؤمنون» بهذا الحق ولا يتعظون به ولا يتذكرون «اعملوا على مكانتكم» على ~~حالكم وجهتكم التي هي عدم الإيمان «إنا عاملون» على حالنا وهو الإيمان به ~~والإتعاظ والتذكر به «وانتظروا» بنا الدوائر «إنا منتظرون» أن ينزل بكم نحو ~~ما نزل بأمثالكم من الكفرة «ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر ~~كله» فيرجع لا محالة أمرك وأمرهم إليه وقرئ على البناء للفاعل من رجع رجوعا ~~«فاعبده وتوكل عليه» فإنه كافيك والفاء لترتيب الأمر بالعبادة والتوكل على ~~كون مرجع الأمور كلها إلى الله تعالى وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر ~~بالعبادة إشعار لأنه لا ينفع دونها «وما ربك بغافل عما يعملون» فيجازيهم ~~بموجبه وقرئ تعملون على تغليب المخاطب أي أنت وهم فيجازي كلا منك ومنهم ~~بموجب الاستحقاق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة هود أعطى من ~~الأجر عشر حسنات بعدد من صدق كل واحد من الأنبياء المعدودين فيها عليهم ~~الصلاة والسلام وبعدد من كذبهم وكان يوم القيامة من السعداء بفضل الله ~~سبحانه وتعالى PageV04P249 # سورة يوسف عليه السلام مكية إلا الآيات 1 و 2 و 3 و 7 فمدنية وآياتها 111 ~~بسم الله الرحمن الرحيم «الر» الكلام فيه وفي محله وفيما أريد بالإشارة ~~والآيات والكتاب في قوله «تلك آيات الكتاب» عين ما سلف في مطلع سورة يونس ~~«المبين» من أبان بمعنى ms1628 بان أي الظاهر أمره في كونه من عند الله تعالى وفي ~~إعجازه بنوعيه لا سيما الإخبار عن الغيب أو الوضاح معانيه للعرب بحيث لا ~~يشتبه عليهم حقائقه ولا يلتبس لديهم دقائقه لنزوله على لغتهم أو بمعنى بين ~~أي المبين لما فيه من الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار ~~النشأتين في الدارين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص وعلى تقدير كون ~~الكتاب عبارة عن السورة فإبانته إنباؤه عن قصة يوسف عليه السلام فإنه قد ~~روى أن أحبار اليهود قالوا لرؤساء المشركين سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لماذا انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام ففعلوا ~~ذلك فيكون وصف الكتاب بالإبانة من قبيل براعة الإستهلال لما سيأتي ولما وصف ~~الكتاب بما يدل على الشرف الذاتي عقب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل ~~«إنا أنزلناه» أي الكتاب المنعوت بما ذكر من النعوت الجليلة فإن كان عبارة ~~عن الكل وهو الأظهر الأنسب بقوله تعالى «قرآنا عربيا» إذ هو المشهور بهذا ~~الاسم المعروف بهذا النعت المتسارع إلى الفهم عند إطلاقهما فالأمر ظاهر وإن ~~جعل عبارة عن السورة فتسميتها قرآنا لما عرفته فيما سلف والسر في ذلك أنه ~~اسم جنس في الأصل يقع على الكل والبعض كالكتاب أو لأنه مصدر بمعنى المفعول ~~أي أنزلناه حال كونه مقروءا بلغتكم «لعلكم تعقلون» أي لكي تفهموا معانيه ~~طرا وتحيطوا بما فيه من البدائع خبرا وتطلعوا على أنه خارج عن طوق البشر ~~منزل من عند خلاق القوى والقدر «نحن نقص عليك» أي نخبرك ونحدثك واشتقاقه من ~~قص أثره إذا اتبعه لأن من يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال ~~تلا القرآن لأنه يتبع ما حفظ منه آية بعد آية «أحسن القصص» أي أحسن ~~الإقتصاص فنصبه على PageV04P250 # المصدرية وفيه مع بيان الواقع إيهام لما في اقتصاص أهل الكتاب من القبح ~~والخلل وترك المفعول إما للاعتماد على انفهامه من قوله عز وجل «بما أوحينا» ~~أي بإيحائنا «إليك هذا القرآن» أي هذه السورة ms1629 فإن كونها موحاة منبىء عن كون ~~ما في ضمنها مقصوصا والتعرض لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن الإقتصاص ليس بطريق ~~الإلهام أو الوحي غير المتلو وإما لظهوره من سؤال المشركين بتلقين علماء ~~اليهود وأحسنيته لأنه قد اقتص على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة وأعجب ~~الأساليب الفائقة اللائقة كما لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب ~~الأولين والآخرين وإن كان لا يميز الغث من السمين ولا يفرق بين الشمال ~~واليمين وفي كلمة هذا إيماء إلى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى قرآنا ~~عربيا بأن يكون المراد بذلك المجموع فتأمل أو نقص عليك أحسن ما نقص من ~~الأنباء وهو قصة آل يعقوب عليه السلام على أن القصص فعل بمعنى المفعول ~~كالنبأ والخبر أو مصدر سمى به المفعول كالخلق والصيد ونصب أحسن على ~~المفعولية وأحسنيتها لتضمنها من الحكم والعبر ما لا يخفى كمال حسنه «وإن ~~كنت» إن مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الواقع اسما لها محذوف واللام فارقة ~~والجملة خبر والمعنى وإن الشان كنت «من قبله» من قبل إيحائنا إليك هذه ~~السورة «لمن الغافلين» عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط وهو ~~تعليل لكونه موحى والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإن غفل عنه بعض الغافلين «إذ قال يوسف» نصب بإضمار اذكر وشروع ~~في القصة إنجازا للوعد بأحسن الإقتصاص أو بدل من أحسن القصص على تقدير كونه ~~مفعولا بدل اشتمال فإن اقتصاص الوقت المشتمل على المقصوص من حيث اشتماله ~~عليه اقتصاص للمقصوص ويوسف اسم عبري لا عربي لخلوه عن سبب آخر غير التعريف ~~وفتح السين وكسرها على بعض القراءات بناء على التلعب به لا على أنه مضارع ~~بني للمفعول أو الفاعل من آسف لشهادة المشهورة بعجمته «لأبيه» يعقوب بن ~~إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أن ~~الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ~~«يا أبت» أصله يا أبي فعوض عن ms1630 الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ~~فلذلك قلبت هاء في الوقف على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وكسرتها ~~لأنها عوض عن حرف يناسبها وفتحها ابن عامر في كل القرآن لأنها حركة أصلها ~~أو لأن الأصل يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة وإنما لم يجز يا أبتي لأنه ~~جمع بين العوض والمعوض وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الألفاظ المؤنثة بالتاء ~~من غير اعتبار التعويض وعدم تسكينها كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة ~~الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب «إني رأيت» من الرؤيا لا من الرؤية لقوله ~~لا تقصص رؤياك هذا تأويل رؤياي ولأن الظاهر أن وقوع مثل هذه الأمور البديعة ~~في عالم الشهادة لا يختص برؤية راء دون راء فيكون طامة كبرى لا يخفى على ~~أحد من الناس «أحد عشر PageV04P251 # كوكبا والشمس والقمر» روى عن جابر رضي الله عنه أن يهوديا جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف ~~عليه السلام فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام فأخبره ~~بذلك فقال صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتك بذلك هل تسلم فقال نعم قال صلى ~~الله عليه وسلم جريان والطراق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح ~~والضروح والفرع ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف عليه السلام والشمس والقمر ~~نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي أي والله إنها لأسماؤها وقيل الشمس ~~والقمر أبواه وقيل أبوه وخالته والكواكب إخوته وإنما أخر الشمس والقمر عن ~~الكواكب لإظهار مزيتهما وشرفهما على سائر الطوالع بعطفهما عليها كما في عطف ~~جبريل وميكائيل على الملائكة عليهم السلام وقد جوز أن تكون الواو بمعنى مع ~~أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر ولا يبعد أن يكون ذلك إشارة إلى تأخر ~~ملاقاته عليه السلام لهما عن ملاقاته لإخوته وعن وهب أن يوسف عليه السلام ~~رأى وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة ~~الدارة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه ms1631 فقال ~~إياك أن تذكر هذا لإخوتك ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر ~~والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل ~~وقيل كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة وقيل ثمانون «رأيتهم ~~لي ساجدين» استئناف ببيان حالهم التي رآهم عليها كأن سائلا سأل فقال كيف ~~رأيتهم فأجاب بذلك وإنما أجريت مجرى العقلاء في الضمير لوصفها بوصف العقلاء ~~أعني السجود وتقديم الجار والمجرور لإظهار العناية والاهتمام بما هو الأهم ~~مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة «قال يا بني» صغره للشفقة أو لها ولصغر ~~السن وهو أيضا استئناف مبني على سؤال من قال فماذا قال يعقوب بعد سماع هذه ~~الرؤيا العجيبة ولما عرف يعقوب عليه السلام من هذه الرؤيا أن يوسف يبلغه ~~الله تعالى مبلغا جليلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين ~~كما فعل بآبائه الكرام خاف عليه حسد الأخوة وبغيهم فقال صيانة لهم من ذلك ~~وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وإن كان واثقا بأن الله تعالى سيحقق ~~ذلك لا محالة وطمعا في حصوله بلا مشقة «لا تقصص رؤياك» هي ما في المنام كما ~~أن الرؤية ما في اليقظة فرق بينهما بحر في التأنيث كما في القربى والقربة ~~وحقيقتها ارتسام الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ~~والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند ~~فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني ~~الحاصلة هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك ~~فتصير مشاهدة ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت ~~إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجبت إليه «على ~~إخوتك فيكيدوا» نصب بإضمار أن أي فيفعلوا PageV04P252 # «لك» أي لأجلك ولإهلاكك «كيدا» متينا راسخا لا تقدر على التفصي عنه أو ~~خفيا عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفق بمقام التحذير وإن كان يعقوب ~~عليه السلام يعلم أنهم ليسوا بقادرين على ms1632 تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه ~~وهذا الأسلوب آكد من أن يقال فيكيدوك كيدا إذ ليس فيه دلالة على كون نفس ~~الفعل مقصود الإيقاع وقد قيل إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيال ~~المتعدي باللام ليفيد معنى المضمن والمضمن فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ~~ولإهلاكك حيلة وكيدا والمراد بإخوته ههنا الذين يخشى غوائلهم ومكايدهم بنو ~~علاته الأحد عشر وهم يهوذا وروبيل وشمعون ولاوى وربالون ويشجر ودينة بنو ~~يعقوب من ليا بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريتين زلفة وبلهة ~~وهؤلاء هم المشار إليهم بالكواكب الأحد عشر وأما بنيامين الذي هو شقيق يوسف ~~عليه السلام وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب عليه السلام بعد وفاة أختها ~~ليا أو في حياتها إذ لم يكن جمع الأختين إذ ذاك محرما فليس بداخل تحت هذا ~~النهي إذ لا يتوهم مضرته ولا يخشى معرته ولم يكن معدودا معهم في الرؤيا إذ ~~لم يكن معهم في السجود ليوسف والمراد نهيه عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلا أو ~~بعضا «إن الشيطان للإنسان عدو مبين» ظاهر العداوة فلا يألو جهدا في إغواء ~~إخوتك وإضلالهم وحملهم على ما لا خير فيه وهو استئناف كأن يوسف عليه السلام ~~قال كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في بيت النبوة فقيل إن الشيطان يحملهم ~~على ذلك ولما نبهه عليهما السلام على أن لرؤياه شأنا عظيما يستتبع منافع ~~وحذره إشاعتها المؤدية إلى أن يحول إخوته بينها وبين ظهور آثارها وحصولها ~~أو يوعروا سبيل وصولها شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال ~~«وكذلك» أي ومثل ذلك الاجتباء البديع الذي شاهدت آثاره في عالم المثال من ~~سجود تلك الأجرام العلوية النيرة لك وبحسبه وعلى وفقه «يجتبيك ربك» يختارك ~~لجناب كبريائه ويستنبؤك افتعال من جباه إذا جمعه ويصطفيك على أشراف الخلائق ~~وسراة الناس قاطبة ويبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته ~~من غير قصور والمراد بالتشبيه بيان المضاهاة المتحققة بين الصور المرئية في ~~عالم المثال وبين ما وقعت هي صورا وأشباحا له من ms1633 الكائنات الظاهرة بحسبها ~~في عالم الشهادة أي كما سخرت لك تلك الأجرام العظام يسخر لك وجوه الناس ~~ونواصيهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الإستكانة ومراده بيان إطاعة ~~أبويه وإخوته له لكنه إنما لم يصرح به حذرا من إذاعته «ويعلمك» كلام مبتدأ ~~غير داخل تحت التشبيه أراد به عليه السلام تأكيد مقالته وتحقيقها وتوطين ~~نفس يوسف عليه السلام بما أخبر به على طريقة التعبير والتأويل كأنه قال وهو ~~يعلمك «من تأويل الأحاديث» أي ذلك الجنس من العلوم أو طرفا صالحا منه فتطلع ~~على حقية ما أقول ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعث على تلقى ما ~~سيأتي بالقبول والمراد بتأويل الأحاديث تعبير الرؤيا إذ هي أحاديث الملك إن ~~كانت صادقة أو أحاديث PageV04P253 # النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك والأحاديث اسم جمع للحديث كالأباطيل اسم ~~جمع للباطل لا جمع أحدوثة وقيل كأنهم جمعوا حديثا على أحدثة ثم جمعوا الجمع ~~على أحاديث كقطيع وأقطعة وأقاطيع وقيل هو تأويل غوامض كتب الله تعالى وسنن ~~الأنبياء عليهم السلام والأول هو الأظهر وتسمية التعبير تأويلا لأنه جعل ~~المرئي آيلا إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير ورجعه إليه فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام من تعبيره لرؤيا ~~صاحبي السجن ورؤيا الملك وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله تعالى إليه من ~~الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة وإنما عرف يعقوب عليه السلام ~~ذلك منه من جهة الوحي أو أراد كون هذه الخصلة سببا لظهور أمره عليه السلام ~~على الإطلاق فيجوز حينئذ أن تكون معرفته عليه السلام لذلك بطريق الفراسة ~~والاستدلال من الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل بأن من وفقه الله تعالى ~~لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالها وتمييز ما هو ~~آفاقي منها مما هو أنفسي كيف لا وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام في ~~عالم المثال وقوة تصرفاتها فيه فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك ~~العالم وبما يحاكيه من الأمور ms1634 الواقعة بحسبها في عالم الشهادة وأقوى وقوفا ~~على النسب الوقاعة بين الصور المعاينة في أحد ذينك العالمين وبين الكائنات ~~الظاهرة على وفقها في العالم الآخر وأن هذا الشأن البديع لا بد أن يكون ~~أنموذجا لظهور أمر من اتصف به ومدارا لجريان أحكامه فإن لكل نبي من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزة بها تظهر آثاره وتجري أحكامه «ويتم ~~نعمته عليك» بأن يضم إلى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة ~~لها وتوسيط ذكر التعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النبوة والإجتباء ~~ولرعاية ترتيب الوجود الخارجي ولما أشرنا إليه من كون أثره وسيلة إلى تمام ~~النعمة ويجوز أن يعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم ~~الواصلة إليه بحسبها مصداقا لها تماما لتلك النعمة «وعلى آل يعقوب» وهم ~~أهله من بنيه وغيرهم فإن رؤية يوسف عليه السلام إخوته كواكب يهتدي بأنوارها ~~من نعم الله تعالى عليهم لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبوة فيقع كل ما ~~يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماما لتلك النعمة لا محالة ~~وأما إذا أريد بتمام تلك النعمة الملك فكونه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار ~~أنهم يغتنمون آثاره من العز والجاه والمال «كما أتمها على أبويك» نصب على ~~المصدرية أي ويتم نعمته عليك إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك وهي نعمة ~~الرسالة والنبوة وإتمامها على إبراهيم عليه السلام باتخاذه خليلا وإنجائه ~~من النار ومن ذبح الولد وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم ~~وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه وكل ذلك نعم جليلة وقعت تتمة لنعمة النبوة ~~ولا يجب في تحقيق التشبيه كون ذلك في جانب المشبه به مثل ما وقع في جانب ~~المشبه من كل وجه «من قبل» أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك «إبراهيم ~~وإسحاق» عطف بيان لأبويك والتعبير عنهما بالأب مع كونهما أبا جده وأبا أبيه ~~للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكير معنى ~~الولد سر أبيه ليطمئن قلبه بما أخبر به في ضمن التعبير الإجمالي ms1635 لرؤياه ~~والاقتصار في المشبه به على ذكر إتمام النعمة من غير تعرض للاجتباء من باب ~~الاكتفاء فإن إتمام النعمة PageV04P254 # يقتضي سابقة النعمة المستدعية للإجتباء لا محالة «إن ربك» استئناف لتحقيق ~~مضمون الجمل المذكورة أي يفعل ما ذكر لأنه «عليم» بكل شيء فيعلم من يستحق ~~الاجتباء وما يتفرع عليه من التعليم المذكور وإتمام النعمة العامة على ~~الوجه المذكور «حكيم» فاعل لكل شيء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة فيفعل ما ~~يفعل كما يفعل جريا على سنن علمه وحكمته والتعرض لعنوان الربوبية في ~~الموضعين لتربية تحقق وقوع ما ذكر من الأفاعيل هذا وقد قيل في تفسير الآية ~~الكريمة أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس ~~يجتبيك ربك للنبوة والملك أو لأمور عظام ويتم نعمته عليك بالنبوة أو بأن ~~يصل نعمة الدينا بنعمة الآخرة حيث جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكا ونقلهم ~~عنها إلى الدرجات العلا في الجنة كما أتمها على أبويك بالرسالة فتأمل والله ~~الهادي «لقد كان في يوسف وإخوته» أي في قصتهم والمراد بهم ههنا إما جميعهم ~~فإن لبنيامين أيضا حصة من القصة أو بنو علاته المعدودون فيما سلف إذ عليهم ~~يدور رحاها «آيات» علامات عظيمة الشأن دالة على قدرة الله تعالى القاهرة ~~وحكمته الباهرة «للسائلين» لكل من يسأل عن قصتهم وعرفها أو الطالبين للآيات ~~المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها والمنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج ~~تحت قوله تعالى وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون فالمراد بالقصة نفس المقصوص أو على نبوته عليه السلام لمن سأله من ~~المشركين أو اليهود عن قصتهم فأخبرهم بذلك على ما هي عليه من غير سماع من ~~أحد ولا ممارسة شيء من الكتب فالمراد بها اقتصاصها وجمع الآيات حينئذ ~~للإشعار بأن اقتصاص كل طائفة من القصة آية بينة كافية في الدلالة على نبوته ~~عليه السلام على نحو ما ذكر في قوله تعالى مقام إبراهيم على تقدير كونه عطف ~~بيان لقوله تعالى آيات بينات لا لما قيل من أنه ms1636 لتعدد جهة الإعجاز لفظا ~~ومعنى وقرأ ابن كثير آية وفي بعض المصاحف عبرة وقيل إنما قص الله تعالى على ~~النبي صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغى إخوته عليه لما رأى من بغي قومه ~~عليه ليأتي به «إذ قالوا ليوسف وأخوه» أي شقيقه بنيامين وإنما لم يذكر ~~باسمه تلويحا بأن مدار المحبة أخوته ليوسف من الطرفين ألا يرى إلى أنهم كيف ~~اكتفوا بإخراج يوسف من البين من غير تعرض له حيث قالوا اقتلوا يوسف «أحب ~~إلى أبينا منا» وحد الخبر مع تعدد المبتدأ لأن أفعل من كذا لا يفرق فيه بين ~~الواحد وما فوقه ولا بين المذكر والمؤنث نعم إذا عرف وجب الفرق وإذا أضيف ~~جاز الأمران وفائدة لام الابتداء في يوسف تحقيق مضمون الجملة وتأكيده «ونحن ~~عصبة» أي والحال أنا جماعة قادرون على الحل والعقد أحقاء بالمحبة والعصبة ~~والعصابة العشرة من الرجال فصاعدا سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم «إن ~~أبانا» في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من ~~كفاية الأمور بالصغر والقلة «لفي ضلال» أي ذهاب عن طريق التعديل اللائق ~~وتنزيل كل منا منزلته «مبين» PageV04P255 # ظاهر الحال روى أنه كان أحب إليه لما يرى فيه من مخايل الخير وكانت إخوته ~~يحسدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه فتضاعف حسدهم حتى ~~حملهم على مباشرة ما قص عنهم «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا» من جملة ما حكى ~~بعد قوله إذا قالوا وقد قاله بعض منهم مخاطبا للباقين بقضية الصيغة فكأنهم ~~رضوا بذلك كما يروي أن القائل شمعون أو دان والباقون كانوا راضين إلا من ~~قال لا تقتلوا الخ فجعلوا كأنهم القائلون وأدرجوا تحت القول المسند إلى ~~الجميع أو قاله كل واحد منهم مخاطبا للبقية وهو أدل على مسارعتهم إلى ذلك ~~القول وتنكير أرضا وإخلاؤها من الوصف للإبهام أي أرضا منكورة مجهولة بعيدة ~~من العمران ولذلك نصبت نصب الظروف المبهمة «يخل» بالجزم جواب للأمر أي يخلص ~~«لكم وجه أبيكم» فيقبل عليكم بكليته ولا يلتفت ms1637 عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم ~~في محبته أحد فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم «وتكونوا» بالجزم عطفا ~~على يخل أو بالنصب على إضمار أن أو الواو بمعنى مع مثل قوله وتكتموا الحق ~~وإيثار الخطاب في لكم وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناء ~~المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل «من بعده» من بعد يوسف ~~أي من بعد الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه «قوما صالحين» تائبين إلى الله ~~تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه أو ~~صالحين في أمور دنياكم بانتظامها بعده بخلو وجه أبيكم «قال قائل منهم» هو ~~يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا وهو الذي قال فلن أبرح الأرض الخ وقيل روبيل ~~وهو استئناف مبني على سؤال من سأل وقال اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي ~~الضيع أم خالفهم في ذلك أحد فقيل قال قائل منهم «لا تقتلوا يوسف» أظهره في ~~مقام الإضمار استجلابا لشفقتهم عليه أو استعظاما لقتله وهو هو فإنه يروي ~~أنه قال لهم القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى وأحاله على ~~أولوية ما عرضه عليهم بقوله «وألقوه في غيابة الجب» أي في قعره وغوره سمى ~~بها لغيبته عن عين الناظر والجب البئر التي لم تطو بعد لأنها أرض جبت جبا ~~من غير أن يزاد على ذلك شيء وقرأ نافع في غيابات الجب في الموضعين كأن لتلك ~~الجب غيابات أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب وقرئ غيابات وغيبة ~~«يلتقطه» يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الإلتقاط أخذ شيء ~~مشرف على الضياع «بعض السيارة» أي بعض طائفة تسير في الأرض واللام في ~~السيارة كما في الجب وما فيهما وفي بعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ~~ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائى يوسف عنهم بحيث لا يدري أثره ~~ولا يروي خبره وقرئ تلتقطه على التأنيث لأن بعض السيارة سيارة كقوله * كما ~~شرقت صدر القناة من الدم * ومنه قطعت ms1638 بعض أصابعه «إن كنتم فاعلين» بمشورتي ~~لم يبت القول عليهم بل إنما عرض PageV04P256 # عليهم ذلك تأليفا لقلبهم وتوجيها لهم إلى رأيه وحذرا من نسبتهم له إلى ~~التحكم والإفتيات أو إن كنتم فاعلين ما أزمعتم عليه من إزالته من عند أبيه ~~لا محالة ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا ~~ذلك منه أو لا أجيب بطريق الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم لله ~~بما سيجيء من قوله وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب فقيل «قالوا يا أبانا» ~~خاطبوه بذلك تحريكا لسلسلة النسب بينه وبينهم وتذكيرا لرابطة الأخوة بينهم ~~وبين يوسف عليه الصلاة والسلام ليتسببوا بذلك إلى استنزاله عليه السلام عن ~~رأيه في حفظه منهم لما أحس منهم بأمارات الحسد والبغي فكأنهم قالوا «مالك» ~~أي أي شيء لك «لا تأمنا» أي لا تجعلنا أمناء «على يوسف» مع أنك أبونا ونحن ~~بنوك وهو أخونا «وإنا له لناصحون» مريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ~~ما يخل بالنصيحة والمقة قط والقراءة المشهورة بالإدغام والإشمام وعن نافع ~~رضي الله عنه ترك الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام «أرسله معنا غدا» إلى ~~الصحراء «يرتع» أي يتسع في أكل الفواكه ونحوهما فإن الرتع هو الإتساع في ~~الملاذ «ويلعب» بالإستباق والتناضل ونظائرهما مما يعد من باب التأهب للغزو ~~وإنما عبروا عن ذلك باللعب لكونه على هيئته تحقيقا لما راموه من استصحاب ~~يوسف عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام وقرئ نرتع ~~ونلعب بالنون وقرأ ابن كثير نرتع من ارتعى ونافع بالكسر والياء فيه وفي ~~يلعب وقرئ يرتع من أرتع ماشيته ويرتع بكسر العين ويلعب بالرفع على الابتداء ~~«وإنا له لحافظون» من أن يناله مكروه أكدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من ~~إيراد الجملة اسمية وتحليتها بأن واللام وإسناد الحفظ إلى كلهم وتقديم له ~~على الخبر احتيالا في تحصيل مقصدهم «قال» استئناف مبني على سؤال من يقول ~~فماذا قال يعقوب عليه السلام فقيل قال «إني ليحزنني» اللام للابتداء كما في ~~قوله عز ms1639 وجل إن ربك ليحكم بينهم «أن تذهبوا به» لشدة مفارقته علي وقلة صبري ~~عنه «و» مع ذلك «أخاف أن يأكله الذئب» لأن الأرض كانت مذأبة والحزن ألم ~~القلب بفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه ولذلك أسند الأول ~~إلى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسف والثاني إلى ما ~~يتوقع نزوله من أكل الذئب وقيل رأى في المنام أنه قد شد عليه عليه السلام ~~ذئب وكان يحذره فقال ذلك وقد لقنهم العلة * إن البلاء موكل بالمنطق * وقرأ ~~ابن كثير ونافع في رواية البزي بالهمزة على الأصل وأبو عمرو به وقفا وعاصم ~~وابن عامر وحمزة درجا وقيل اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هاجت من كل جانب ~~وقال الأصمعي الأمر بالعكس وهو أظهر لفظا ومعنى «وأنتم عنه غافلون» ~~لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه PageV04P257 # «قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة» أي والحال أنا جماعة كثيرة جديرة بأن ~~يعصب بنا الأمور العظام وتكفى الخطوب بآرائنا وتدبيراتنا واللام الداخلة ~~على الشرط موطئة للقسم وقوله «إنا إذا لخاسرون» جواب مجزىء عن الجزاء أي ~~لهالكون ضعفا وخورا وعجزا أو مستحقون للهلاك إذ لا غناء عندنا ولا جدوى في ~~حياتنا أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسار والدمار ويقال خسرهم الله تعالى ~~ودمرهم حيث أكل الذئب بعضهم وهم حضور وقيل إن لم نقدر على حفظه وهو أعز شيء ~~عندنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها وإنما اقتصروا على جواب خوف يعقوب ~~عليه السلام من أكل الذئب لأنه السبب القوي في المنع دون الحزن لقصر مدته ~~بناء على أنهم يأتون به عن قريب «فلما ذهبوا به وأجمعوا» أي أزمعوا «أن ~~يجعلوه» مفعول لأجمعوا يقال أجمع الأمر ومنه فأجمعوا أمركم ولا يستعمل ذلك ~~إلا في الأفعال التي قويت الدواعي إلى فعلها «في غيابة الجب» قيل هي بئر ~~بأرض الأردن وقيل بين مصر ومدين وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه ~~السلام بكنعان التي هي من نواحي الأردن كما أن مدين كذلك وأما يقال من أنها ~~بئر بيت المقدس فيرده ms1640 التعليل بالتقاط السيارة ومجيئهم أباهم عشاء ذلك ~~اليوم فإن بين منزل يعقوب عليه السلام وبين بيت المقدس مراحل وجواب لما ~~محذوف إيذانا بظهوره وإشعارا بأن تفصيله مما لا يحويه فلك العبارة ومجمله ~~فعلوا به من الأذية ما فعلوا يروى أنهم لما برزوا إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ~~ويضربونه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا أما عاهدتموني أن ~~لا تقتلوه فأتوا به إلى البئر فتعلق بثيابهم فنزعوها من يديه فدلوه فيها ~~فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه لما عزموا عليه من تلطيخه بالدم ~~احتيالا لأبيه فقال يا إخوتاه ردوا على قميصي أتواري به فقالوا ادع الشمس ~~والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك فدلوه فيها فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان ~~في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه ظن أنها ~~رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه فمنعهم يهوذا وكان يأتيه بالطعام ~~كل يوم ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرد عن ثيابه أتاه ~~جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحق ~~وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف فجاءه جبريل عليه ~~السلام فأخرجه من التميمة فألبسه إياه «وأوحينا إليه» عند ذلك تبشيرا له ~~بما يؤول إليه أمره وإزالة لوحشته وإيناسا له قيل كان ذلك قبل إدراكه كما ~~أوحى إلى يحيى وعيسى وقيل كان إذ ذاك مدركا قال الحسن رضي الله عنه كان له ~~سبع عشرة سنة «لتنبئنهم بأمرهم هذا» أي لتتخلصن مما أنت فيه من سوء الحال ~~وضيق المجال ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك «وهم لا يشعرون» بأنك يوسف لتباين ~~حاليك PageV04P258 # حالك هذا وحالك يومئذ لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ~~وقيل لبعد العهد المبدل للهيئات المغير للأشكال والأول أدخل في التسلية روى ~~أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على ~~يده ثم نقره فطن فقال إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ms1641 يقال ~~له يوسف وكان يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم ~~لأبيكم أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس ويجوز أن يتعلق وهم لا يشعرون بالإيحاء ~~على معنى أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوشحة التي أورثوه وهم لا ~~يشعرون بذلك ويحسبون أنه مرهق ومستوحش لا أنيس له وقرئ لننبئنهم بالنون على ~~أنه وعيد لهم فقوله تعالى وهم لا يشعرون متعلق بأوحينا لا غير «وجاؤوا ~~أباهم عشاء» آخر النهار وقرئ عشيا وهو تصغير عشى وعشى بالضم والقصر جمع ~~أعشى أي عشوا من البكاء «يبكون» متباكين روى أنه لما سمع يعقوب عليه السلام ~~بكاءهم فزع وقال ما لكم يا بني وأين يوسف «قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق» ~~أي متسابقين في العدو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالإنتضال ~~والتناضل ونظائرهما «وتركنا يوسف عند متاعنا» أي ما نتمتع به من الثياب ~~والأزواد وغيرهما «فأكله الذئب» عقيب ذلك من غير مضى زمان يعتاد فيه التفقد ~~والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم ~~يعهد تركه عليه السلام عنده من باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذا ~~لم يبرحوه ولم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا إنا لم نقصر في محافظته ولم نغفل عن ~~مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا لأن ميدان السباق لا يكون ~~عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعة يسيرة بيننا وبينه مسافة ~~قصيرة فكان ما كان «وما أنت بمؤمن لنا» بمصدق لنا في هذه المقالة الدالة ~~على عدم تقصيرنا في أمره «ولو كنا» عندك وفي اعتقادك «صادقين» موصوفين ~~بالصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سئ الظن بنا غير واثق بقولنا ~~وكلمة لو في أمثال هذه المواقع لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم ~~الموجب أو المنفي على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال ~~بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر بثبوته أو انتفائه معه ~~ثبوته أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية لما ms1642 أن الشيء متى تحقق ~~مع المنافي القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيء من سائر ~~الأحوال ويكتفي عنه بذكر الواو العاطفة للجملة على نظيرتها المقابلة لها ~~الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها وقد مر تفصيله في سورة ~~البقرة عند قوله تعالى أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون وفي سورة ~~الأعراف عند قوله تعالى أولو كنا كارهين PageV04P259 # «وجاؤوا على قميصه» محله النصب على الظرفية من قوله «بدم» أي جاءوا فوق ~~قميصه بدم كما تقول جاء على جماله بأحمال أو على الحالية منه والخلاف في ~~تقدم الحال على المجرور فيما إذا لم يكن الحال ظرفا «كذب» مصدر وصف به الدم ~~مبالغة أو مصدر بمعنى المفعول أي مكذوب فيه أو بمعنى ذي كذب أي ملابس لكذب ~~وقرئ كذبا على أنه حال من الضمير أي جاءوا كاذبين أو مفعول له وقرأت عائشة ~~رضي الله تعالى عنها بغير المعجمة أي كدر وقيل طري قال ابن جني أصله من ~~الكذب وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الاحداث كأنه دم قد أثر في ~~قميصه روى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وزل عنهم أن يمزقوه فلما سمع يعقوب ~~بخبر يوسف عليهما السلام صاح بأعلى صوته وقال أين القميص فأخذه وألقاه على ~~وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من ~~هذا أكل ولم يمزق عليه قميصه وقيل كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاث آيات ~~كان دليلا ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيرا ودليلا على براءة ~~يوسف عليه السلام حين قدمن دبر «قال» استئناف مبنى على سؤال فكأنه قيل ما ~~قال يعقوب هل صدقهم فيما قالوا أم لا فقيل قال لم يكن ذلك «بل سولت لكم ~~أنفسكم» أي زينت وسهلت قاله ابن عباس رضي الله عنهما والتسويل تقدير شيء في ~~النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري كأن التسويل تفعيل من سؤال الإنسان ~~وهو أميته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره واصله ms1643 مهموز وقيل من ~~السول وهو الإسترخاء «أمرا» من الأمور منكرا لا يوصف ولا يعرف فصبر جميل أي ~~فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل أو أمثل وفي الحديث الصبر الجميل الذي لا ~~شكوى فيه أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوب عليه السلام إنما أشكو بثي وحزني ~~إلى الله وقيل سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل ما هذا قال ~~طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله عز وجل إليه يا يعقوب أتشكوني قال يا ~~رب خطيئة فاغفرها لي وقرأ أبي فصبرا جميلا «والله المستعان» أي المطلوب منه ~~العون وهو إنشاء منه عليه السلام للاستعانة المستمرة «على ما تصفون» على ~~إظهار حال ما تصفون وبيان كونه كذبا وإظهار سلامته فإنه علم في الكذب قال ~~سبحانه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وهو الأليق بما سيجيء من قوله تعالى ~~فصبر جميل عسى الله أني يأتيني بهم جميعا وتفسير المستعان عليه باحتمال ما ~~يصفون من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه يأباه تكذيبه عليه السلام لهم في ~~ذلك ولا تساعده الصيغة فإنها قد غلبت في وصف الشيء بما ليس فيه كما أشير ~~إليه «وجاءت» شروع في بيان PageV04P260 # ما جرى على يوسف في الجب بعد الفراغ من ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه ~~والتعبير بالمجيء ليس بالنسبة إلى مكانهم فإن كنعان ليس بالجانب المصري من ~~مدين بل إلى مكان يوسف وفي إيثاره على المرور أو الإتيان أو نحوهما إيماء ~~إلى كونه عليه السلام في الكرامة والزلفى عند مليك مقتدر والظاهر أن الجب ~~كان في الأمم المئتاء فإن المتبادر من إسناد المجيء إلى السيارة مطلقا في ~~قوله عز وجل وجاءت «سيارة» أي رفقة تسير من جهة مدين إلى مصر وقوعه باعتبار ~~سيرهم المعتاد وهو الذي يقتضيه قوله تعالى فيما سلف يلتقطه بعض السيارة وقد ~~قيل إنه كان في قفرة بعيدة من العمران لم تكن إلا للرعاة فأخطئوا الطريق ~~فنزلوا قريبا منه وقيل كان ماؤه ملحا فعذب حين ألقى فيه عليه السلام ~~«فأرسلوا واردهم» ms1644 الذي يرد الماء ويستقي لهم وكان ذلك مالك بن ذعر الخزاعي ~~وإنما لم يذكر منتهى الإرسال كما لم يذكر منتهى المجيء أعني الجب للإيذان ~~بأن ذلك معهود لا يضرب عنه الذكر صفحا «فأدلى دلوه» أي أرسلها إلى الجب ~~والحذف لما عرفته فتدلى بها يوسف فخرج «قال» استئناف مبني على سؤال يقتضيه ~~الحال «يا بشرى هذا غلام» كأنه نادى البشرى وقال تعالى فهذا أوانك حيث فاز ~~بنعمة باردة وأي نعمة مكان ما يوجد مباحا من الماء وقيل هو اسم صاحب له ~~ناداه ليعينه على إخراجه وقرأ غير الكوفيين يا بشراي وأمال فتحة الراء حمزة ~~والكسائي وقرأ ورش بين اللفظين وقرئ يا بشرى بالإدغام وهي لغة وبشراي على ~~قصد الوقف «وأسروه» أي أخفاه الوارد وأصحابه عن بقية الرفقة وقيل أخفوا ~~أمره ووجدانهم له في الجب وقالوا لهم دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر ~~وقيل الضمير لأخوة يوسف وذلك أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بطعام فأتاه يومئذ ~~فلم يجده فيها فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا هذا غلامنا أبق فاشتروه ~~منهم وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه ولا يخفى ما فيه من البعد «بضاعة» نصب على ~~الحالية أي أخفوه حال كونه بضاعة أي متاعا للتجارة فإنها قطعة من المال ~~بضعت عنه أي قطعت للتجارة «والله عليم بما يعملون» وعيد لهم على ما صنعوا ~~من جعلهم مثل يوسف وهو هو عرضة للإبتذال بالبيع والشراء وما دبروا في ذلك ~~من الحيل «وشروه» أي باعوه والضمير للوارد وأصحابه «بثمن بخس» زيف ناقص ~~العيار «دراهم» بدل من ثمن أي لا دنانير «معدودة» أي غير موزونة فهو بيان ~~لقلته ونقصانه مقدارا بعد بيان نقصانه في نفسه إذ المعتاد فيما لا يبلغ ~~أربعين العد دون الوزن فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت عشرين درهما ~~وعن السدي رضي الله عنه أنها كانت اثنين وعشرين درهما «وكانوا» أي البائعون ~~«فيه» في يوسف «من الزاهدين» من الذين لا يرغبون فيما بأيديهم فلذلك باعوه ~~بما ذكر من الثمن البخس وسبب ذلك ms1645 أنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به أو ~~غير واثق بأمره يخاف أن يظهر له مستحق فينتزعه منه فيبيعه من أول مساوم ~~بأوكس ثمن ويجوز أن يكون معنى شروه اشتروه من إخوته على ما حكى وهم غير ~~راغبين في شراه خشية ذهاب ما لهم لما طن في آذانهم من الإباق والعدول عن ~~صيغة الافتعال المنبئة عن الإتخاذ لما مر من أن أخذهم إنما كان بطريق ~~البضاعة دوت الاجتباء والإقتناء وفيه متعلق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف ~~PageV04P261 # وبيان لما زهدوا فيه إن جعلت موصولة كأنه قيل في أي شيء زهدوا فقيل زهدوا ~~فيه لأن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول «وقال الذي اشتراه من مصر» ~~وهو العزيز الذي كان على خزائنه وسمه قطفير أو اطفير وبيان كونه من مصر ~~لتربية ما يتفرع عليه من الأمور مع الإشعار بكونه غير من اشتراه من ~~الملتقطين بما ذكر من الثمن البخس وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد ~~العمليقي ومات في حياة يوسف عليه السلام بعد أن آمن به فملك بعده قابوس بن ~~مصعب فدعاه إلى الإسلام فأبى وقيل كان الملك في أيامه فرعون موسى عليه ~~السلام عاش أربعمائة سنة لقوله عز وجل ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ~~وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال ~~الآباء واختلف في مقدار ما اشتراه به العزيز فقيل بعشرين دينارا وزوجي نعل ~~وثوبين أبيضين وقيل أدخلوه في السوق يعرضونه فترافعوا في ثمن حتى بلغ ثمنه ~~وزنه مسكا ووزنه ورقا ووزنه حريرا فاشتراه قطفير بذلك المبلغ وكان سنه إذ ~~ذاك سبع عشرة سنة وأقام في منزله مع ما مر عليه من مدة لبثه في السجن ثلاث ~~عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله العلم والحكمة وهو ~~ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة «لامرأته» راعيل أو ~~زليخا وقيل اسمها هو الأول والثاني لقبها واللام متعلقة بقال لا باشتراه ~~«أكرمي مثواه» اجعلي محل إقامته كريما مرضيا والمعنى أحسني ms1646 تعهده «عسى أن ~~ينفعنا» في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا «أو نتخذه ولدا» أي ~~نتبناه وكان ذلك لما تفرس فيه من مخايل الرشد والنجابة ولذلك قيل أفرس ~~الناس ثلاثة عزيز مصر وابنة شعيب التي قالت يا أبت استأجره وأبو بكر حين ~~استخلف عمر رضي الله عنهما «وكذلك» نصب على المصدرية وذلك إشارة إلى ما ~~يفهم من كلام العزيز وما فيه من معنى البعد لتفخيمه أي مثل ذلك التمكين ~~البديع «مكنا ليوسف في الأرض» أي جعلنا له فيها مكانا يقال مكنه فيه أي ~~اثبته فيه ومكن له فيه أي جعل له فيه مكانا ولتقاربهما وتلازمهما يستعمل كل ~~منهما في محل الآخر قال عز وجل وكم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ~~ما لم نمكن لكم أي ما لم نمكنكم فيها أو مكنا لهم في الأرض الخ والمعنى كما ~~جعلنا له مثوى كريما في منزل العزيز أو مكانا عليا في قلبه حتى أمر امرأته ~~دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانة رفيعة في أرض مصر ولعله عبارة ~~عن جعله وجيها بين أهلها ومحببا في قلوبهم كافة كما في قلب العزيز لأنه ~~الذي يؤدي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى «ولنعلمه من تأويل الأحاديث» ~~أي نوفقه لتعبير بعض المنامات التي عمدتها رؤيا الملك وصاحبي السجن لقوله ~~تعالى ذلكما مما علمني ربي سواء جعلناه معطوفا على غاية مقدرة ينساق إليها ~~الكلام ويستدعيها النظام كأنه قيل ومثل ذلك التمكين مكنا ليوسف في الأرض ~~وجعلنا قلوب PageV04P262 # أهلها كافة محال محبته ليترتب عليه ما ترتب مما جرى بينه وبين امرأة ~~العزيز ولنعلمه تأويل الأحاديث وهو تأويل الرؤيا المذكورة فيؤدي ذلك إلى ~~الرياسة العظمى ولعل ترك المعطوف عليه للإشعار بعدم كونه مرادا بالذات أو ~~جعلناه علة لمعلل محذوف كأنه قيل ولهذا الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين ~~دون غيرها مما ليس له عاقبة حميدة هذا ولا يخفى عليك أن الذي عليه تدور هذه ~~الأمور إنما هو التمكين في جانب العزيز وأما التمكين في جانب الناس ms1647 كافة ~~فتأديته إلى ذلك إنما هي باعتبار اشتماله على ذلك التمكين فإذن الحق أن ~~يكون ذلك إشارة إلى مصدر قوله تعالى مكنا ليوسف على أن يكون هو عبارة عن ~~التمكين في قلب العزيز أو في منزله وكون ذلك تمكينا في الأرض بملابسة أنه ~~عزيز فيها لا عن تمكين آخر يشبه به كما مر في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا من أن ذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعده لا إلى جعل آخر يقصد ~~تشبيه هذا الجعل به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن المشار إليه إقحاما ~~لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم مثلك لا يبخل وهكذا ~~ينبغي أن يحقق المقام وأما التمكين بمعنى جعله ملكا يتصرف في أرض مصر ~~بالأمر والنهي فهو من آثار ذلك التعليم ونتائجه المتفرعة عليه كما عرفته لا ~~من مباديه المؤدية إليه فلا سبيل إلى جعله غاية له ولم يعهد منه عليه ~~السلام في تضاعيف قضاياه العمل بموجب المنامات المنبهة على الحوادث قبل ~~وقوعها عهدا مصححا لجعله غاية لولايته وما وقع من التدارك في أمر السنين ~~فإنما هو عمل بموجب الرؤيا السابقة المعهودة اللهم إلا أن يراد بتعليم ~~تأويل الأحاديث ما سبق من تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن ~~الأنبياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له في أرض مصر ليتصرف فيها ~~بالعدل ولنعلمه معاني كتب الله تعالى وأحكامها ودقائق سنن الأنبياء عليهم ~~السلام فيقضي بها فيما بين أهلها والتعليم الإجمالي لتلك المعاني والأحكام ~~وإن كان غير متأخر عن تمكينه بذلك المعنى إلا أن تعليم كل معنى شخصي يتفق ~~في ضمن الحوادث والإرشاد إلى الحق في كل نازلة من النوازل متأخر عن ذلك ~~صالح لأن يكون غاية له «والله غالب على أمره» لا يستعصى عليه أمر ولا ~~يمانعه شيء بل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فيدخل في ذلك ~~شؤونه المتعلقة بيوسف دخولا أوليا أو متول على أمر يوسف لا يكله إلى غيره ~~وقد ms1648 أريد به من الفتنة ما أريد مرة غب مرة فلم يكن إلا ما أراد الله له من ~~العاقبة الحميدة «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» أن الأمر كذلك فيأتون ويذرون ~~زعما منهم أن لهم من الأمر شيئا وأني لهم ذلك وإن الأمر كله لله عز وجل أو ~~لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله «ولما بلغ أشده» أي منتهى اشتداد جسمه ~~وقوته وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين إلى الأربعين وقيل سن الشباب ومبدأ ~~بلوغ الحلم والأول هو الأظهر لقوله تعالى «آتيناه حكما» حكمة وهو العلم ~~المؤيد بالعمل أو حكما بين الناس وفقها أو نبوة «وعلما» أي تفقها في الدين ~~وتنكيرهما للتفخيم أي حكما وعلما لا يكتنه كنههما ولا يقادر قدرهما فهما ما ~~آتاه الله تعالى عند تكامل قواه سواء كانا عبارة عن النبوة والحكم بين ~~الناس أو غيرهما كيف لا وقد جعل إيتاؤهما PageV04P263 # جزاء لعمله عليه السلام حيث قال «وكذلك» أي مثل ذلك الجزاء العجيب «نجزي ~~المحسنين» أي كل من يحسن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاء أعماله ~~الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد وقد فسر العلم بعلم تأويل ~~الأحاديث ولا صحة له إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا الملك فإن ذلك حيث كان عند ~~تناهي أيام البلاء صح أن يعد إيتاؤه من جملة الجزاء وأما رؤيا صاحبي السجن ~~فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين وفي تعليق الجزاء ~~المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له وتنبيه على أنه سبحانه إنما آتاه ~~ما آتاه لكونه محسنا من أعماله متقيا في عنفوان أمره هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان «وراودته التي هو في بيتها» رجوع إلى شرح ما جرى عليه في منزل ~~العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه وقوله تعالى وكذلك مكنا ليوسف إلى ~~هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه ~~عليه السلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة ~~وأنه عليه السلام محسن في جميع أعماله لم ms1649 يصدر عنه في حالتي السراء والضراء ~~ما يخل بنزاهته ولا يخفى أن مدار حسن التخليص إلى هذا الاعتراض قبل تمام ~~الآية الكريمة إنما هو التمكين البالغ المفهوم من كلام العزيز فإدراج ~~الإنجاء السابق تحت الإشارة بذلك في قوله تعالى وكذلك مكنا كما فعله ~~الجمهور ناء من التقريب فتأمل والمراودة المطالبة من راد يرود إذا جاء وذهب ~~لطلب شيء ومنه الرائد لطلب الماء والكلأ وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة ~~الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب ونظائرها مما يكون من أحد الجانبين ~~الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن ~~لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما وهذا باب ~~لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقام مقامه ويطلق ~~عليه اسمه كما في قولهم كما تدين تدان أي كما تجزى تجزى فإن فعل البادي وإن ~~لم يكن جزاء لكنه لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمه وكذلك إرادة القيام إلى ~~الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما ~~فقيل إذا قمتم إلى الصلاة فإذا قرأت القرآن وهذه قاعدة مطردة مستمرة ولما ~~كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب ~~فاعلها فإن مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه ~~للمطالبة التي هي من جانب الدائن وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب ~~المريض وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدورها عن ~~محالها بمنزلة صدور مسبباتهما التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك ~~وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل ~~ويجوز أن يراد بصيغة المغالبة مجرد المبالغة وقيل الصيغة على بابها بمعنى ~~أنها طلبت منه الفعل وهو منها الترك ويجوز أن يكون من الرويد وهو الرفق ~~والتحمل وتعديتها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعته «عن نفسه» أي ~~فعلت PageV04P264 # ما يفعل المخادع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجه من يده ms1650 وهو يحتال أن يأخذه ~~منه وهي عبارة عن التمحل في مواقعته إياها والعدول عن التصريح باسمها ~~للمحافظة على السر أو للإستهجان بذكره وإيراد الموصول لتقرير المراودة فإن ~~كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك قيل لواحدة ما حملك على ما أنت عليه مما لا ~~خير فيه قالت قرب الوساد وطول السواد ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن ~~عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ~~ملكتها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة «وغلقت ~~الأبواب» قيل كانت سبعة ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال وقيل ~~للمبالغة في الإيثاق والإحكام «وقالت هيت لك» قرىء بفتح الهاء وكسرها مع ~~فتح التاء وبناؤه كبناء أين وعيط وهيت كجير وهيت كحيث اسم فعل معناه أقبل ~~وبادر واللام للبيان أي لك أقول هذا كما في هلم لك وقرئ هئت لك على صيغة ~~الفعل بمعنى تهيأت يقال هاء يهيىء كجاء يجيء إذا تهيأ وهيئت لك واللام صلة ~~للفعل «قال معاذ الله» أي أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه وهذا اجتناب ~~منه على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله ~~تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهده بما أراه الله ~~تعالى من البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية ~~السوء وقوله عز وجل «إنه ربي أحسن مثواي» تعليلا للإمتناع ببعض الأسباب ~~الخارجية مما عسى يكون مؤثرا عندها وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على ~~سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها والضمير للشأن ومدار ~~وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن ذكره وفائدة تصدير الجملة به الإيذان ~~بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه ~~من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن عند ~~وروده له فضل تمكن فكأنه قيل إن الشأن الخطير هذا وهو ربي أي سيدي العزيز ~~أحسن ms1651 مثواي أي أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أسيء إليه ~~بالخيانة في حرمه وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه وقيل ~~الضمير لله عز وجل وربي خبر إن وأحسن مثواي خبر ثان أو هو الخبر والأول بدل ~~من الضمير والمعنى أن الحال هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة ~~وفيه تحذير لها من عقاب الله عز وجل وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر ~~هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه ~~المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت ~~الوقوع أصلا وقوله تعالى «إنه لا يفلح الظالمون» تعليل للإمتناع المذكور غب ~~تعليل والفلاح الظفر وقيل البقاء في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح ~~وأخواته والمراد بالظالمين كل من ظلم كائنا من كان فيدخل في ذلك المجازون ~~للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله تعالى دخولا أوليا وقيل الزناة لأنهم ~~ظالمون لأنفسهم وللمزني بأهله «ولقد همت به» بمخالطته إذ الهم لا يتعلق ~~PageV04P265 # بالأعيان أي قصدتها وعزمت عليها عزما جازما لا يلوبها عنه صارف بعد ما ~~باشرت مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليق الأبواب ودعوته عليه ~~السلام إلى نفسها بقولها هيت لك ولعلها قصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها ~~إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما يضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب ~~والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته ~~عليه السلام من الزواجر «وهم بها» بمخالطتها أي مال إليها بمقتضى الطبيعة ~~البشرية وشهوة الشباب وقرمه ميلا جبليا لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه ~~قصدها قصدا اختياريا ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبىء عن كمال ~~كراهيته له ونفرته عنه وحكمه بعدم إفلاح الظالمين وهل هو إلا تسجيل ~~باستحالة صدور الهم منه عليه السلام تسجيلا محكما وإنما عبر عنه بالهم ~~لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق المشاكلة لا لشبهه به كما قيل ~~ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم ms1652 يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل ولقد ~~هما بالمخالطة أو هم كل منهما بالآخر وصدر الأول بما يقرر وجوده من التوكيد ~~القسمي وعقب الثاني بما يعفو أثره من قوله عز وجل «لولا أن رأى برهان ربه» ~~أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنى وسوء سبيله والمراد برؤيته لها ~~كمال إيقانه بها ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين الذي ~~تنجلي هناك حقائق الأشياء بصورها الحقيقة وتنخلع عن صورها المستعارة التي ~~بها تظهر في هذه النشأة على ما نطق به قوله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة ~~بالمكاره وحفت النار بالشهوات وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى بموجب ذلك ~~البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته أقبح ما يكون وأوجب ما يجب أن ~~يحذر منه ولذلك فعل ما فعل من الإستعصام والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه وجواب ~~لولا محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته برهان ربه في شأن الزنى لجرى ~~على موجب ميله الجبلي ولكنه حيث كان مشاهدا له من قبل استمر على ما هو عليه ~~من قضية البرهان وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه السلام لم يكن ~~لعدم مساعدة من جهة الطبيعة بل لمحض العفة والنزاهة مع وفور الدواعي ~~الداخلية وترتب المقدمات الخارجية الموجبة لظهور الأحكام الطبيعية هذا وقد ~~نص أئمة الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقع جار من حيث المعنى لا من ~~حيث الصيغة مجرى التقييد للحكم المطلق كما في مثل قوله تعالى إن كاد ليضلنا ~~عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها فلا يتحقق هناك هم أصلا وقد جوز أن يكون وهم ~~بها جواب لولا جريا على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم فالهم حينئذ على ~~معناه الحقيقي فالمعنى لولا أنه قد شاهد برهان ربه لهم بها كما همت به ولكن ~~حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامه وما يتفرع عليه انتفى الهم رأسا هذا ~~وقد فسر همه عليه السلام بأنه عليه السلام حل الهيمان وجلس مجلس الختان ~~وبأنه حل تكة ms1653 سراويله وقعد بين شعبها ورؤيته للبرهان بأنه سمع صوتا إياك ~~وإياها فلم يكتري ثم وثم إلى أن تمثل له يعقوب عليه السلام عاضا على أنملته ~~وقيل ضرب على صدره فخرجت شهوته من أنامله وقيل بدت كف فيما بينهما ليس فيها ~~عضد ولا معصم مكتوب فيها وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين فلم ينصرف ثم رأى ~~فيها ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا فلم ينته ثم رأى فيها ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فلم ينجع فقال الله عز وجل لجبريل أدرك ~~عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل عليه السلام وهو يقول يا يوسف أتعمل ~~عمل PageV04P266 # السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء وقيل رأى تمثال العزيز وقيل وقيل ~~إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن ~~لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها «كذلك» الكاف منصوب المحل وذلك إشارة إلى ~~الإراءة المدلول عليها بقوله تعالى لولا أن رأى برهان ربه أي مثل ذلك ~~التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قبل أو إلى التثبيت اللازم له أي مثل ~~ذلك التثبيت ثبتناه «لنصرف عنه السوء» على الإطلاق فيدخل فيه خيانة السيد ~~دخولا أوليا «والفحشاء» والزنى لأنه مفرط في القبح وفيه آية بينة وحجة ~~قاطعة على أنه عليه السلام لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط وإلا ~~لقيل لنصرفه عن السوء والفحشاء وإنما توجه إليه ذلك من خارج فصرفه الله ~~تعالى عنه بما فيه من موجبات العفة والعصمة فتأمل وقرئ ليصرف على إسناد ~~الصرف إلى ضمير الرب «إنه من عبادنا المخلصين» تعليل لما سبق من مضمون ~~الجملة بطريق التحقيق والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن ~~عصمهم عما هو قادح فيها وقرئ على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصوا دينهم لله ~~سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظم في سلكهم داخل في زمرتهم من أول أمره ~~بقضية الجملة الإسمية لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادة ~~احتمال صدور الهم بالسوء منه عليه السلام بالكلية ms1654 «واستبقا الباب» متصل ~~بقوله ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وقوله كذلك إلى آخره ~~اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته عليه السلام كقوله تعالى وكذلك ~~نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا ~~الباب أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص ولذلك وحد بعد الجمع ~~فيما سلف وحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المجرور نحو وإذا كالوهم أو ضمن ~~الإستباق معنى الإبتدار وإسناد السبق في ضمن الإستباق إليها مع أن مرادها ~~مجرد منع يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته يسرع إلى ~~الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضا لتسبقه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج أو ~~عبر عن إسراعها أثره بذلك مبالغة «وقدت قميصه من دبر» اجتذبته من ورائه ~~فانشق طولا وهو القد كما أن الشق عرضا هو القط وقد قيل في وصف على رضى الله ~~عنه إنه كان إذا اعتلى قد وإذا اعترض قط وإسناد القد إليها خاصة مع أن لقوة ~~يوسف أيضا دخلا فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة التامة وإما للإيذان ~~بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك لفوت المحبوب أو لخوف ~~الإفتضاح «وألفيا سيدها» أي صادفا زوجها وإذ لم يكن ملكه ليوسف عليه السلام ~~صحيحا لم يقل سيدهما قيل ألفياه مقبلا وقيل كان جالسا مع ابن عم للمرأة ~~«لدى الباب» أي البراني كما مر روى كعب رضي الله عنه أنه لما هرب يوسف عليه ~~السلام جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب «قالت» استئناف ~~مبنى على سؤال سائل يقول فماذا كان حين ألفيا العزيز عند الباب فقيل قالت ~~«ما جزاء من أراد بأهلك سوءا» من الزنى ونحوه PageV04P267 # «إلا أن يسجن أو عذاب أليم» ما نافيه أي ليس جزاؤه إلا السجن أو العذاب ~~الأليم قيل المراد به الضرب بالسياط أو استفهامية أي أي شيء جزاؤه غير ذاك ~~أو ذلك ولقد أتت في تلك الحالة التي تدهش فيها الفطن حيث شاهدها العزيز ms1655 على ~~تلك الهيئة المريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ~~ظاهر الحال واستنزال يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدم مواتاته على ~~مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعا في مواقعته لها كرها عند يأسها ~~عن ذلك اختيارا كما قالت ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ~~ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمرا محققا مفروغا ~~عنه غنيا عن الإخبار بوقوعه وأن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها ~~فهي تريد إيقاعه حسبما يقتضيه قانون الإيالة وفي إبهام المريد تهويل لشأن ~~الجزاء المذكور بكونه قانونا مطردا في حق كل أحد كائنا من كان وفي ذكر ~~نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظام للخطب وإغراء له على تحقيق ما تتوخاه بحكم ~~الغضب والحمية «قال» استئناف وجواب عما يقال فماذا قال يوسف حينئذ فقيل قال ~~«هي راودتني عن نفسي» أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت بها سوءا كما قالت ~~وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عما أسند إليه من الخيانة وعدم معرفة ~~حق السيد ودفع ما عرضته له من الأمرين الأمرين وفي التعبير عنها بضمير ~~الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن الأدب مع الإيماء إلى ~~الإعراض عنها «وشهد شاهد من أهلها» قيل هو ابن عمها وقيل هو الذي كان جالسا ~~مع زوجها لدى الباب وقيل كان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره وقد جوز أن ~~يكون بعض أهلها قد بصر بها من حيث لا تشعر فأغضبه الله تعالى ليوسف عليه ~~السلام بالشهادة له والقيام بالحق وإنما ألقى الله سبحانه الشهادة إلى من ~~هو من أهلها ليكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة وقيل كان ~~الشاهد ابن خال لها صبيا في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته وهو الأظهر ~~فإنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ~~بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى عليه السلام رواه الحاكم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه وقال ms1656 صحيح على شرط الشيخين وذكر كونه من أهلها لبيان ~~الواقع إذ لا يختلف الحال في هذه الصورة بين كون الشاهد من أهلها أو من ~~غيرهم «إن كان قميصه قد من قبل» أي إن علم أنه قد من قبل من قبل ونظيره إن ~~أحسنت إلي فقد أحسنت إليك فيما قبل فإن معناه إن تعتد بإحسانك إلي فاعتد ~~بإحساني السابق إليك «فصدقت» بتقدير قد لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي فقد ~~صدقت وكذا الحال في قوله فكذبت وهي وإن لم تصرح بأنه عليه السلام أراد بها ~~سوءا إلا أن كلامها حيث كان واضح الدلالة عليه أسند إليها الصدق والكذب ~~بذلك الاعتبار فإنهم كما يعرضان للكلام باعتبار منطوقه يعرضان له باعتبار ~~ما يستلزمه وبذلك الاعتبار يعترضان للإنشاءات «وهو من الكاذبين» وهذه ~~الشرطية حيث لا ملازمة PageV04P268 # عقلية ولا عادية بين مقدمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء وإنما ذكرت ~~توسيعا للدائرة وإرخاء للعنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحال ~~في الجملة بأن يقع القد من قبل بمدافعتها له عليه السلام عن نفسها عند ~~إرادته المخالطة والتكشف مجرى الظاهر الغالب الوقوع تقريبا لما هو المقصود ~~بإقامة للشهادة أعني مضمون الشرطية الثانية التي هي قوله عز وجل «وإن كان ~~قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين» إلى التسليم والقبول عند السامع ~~لكونه أقرب إلى الوقوع وأدل على المطلوب وإن لم يكن بين طرفيها أيضا ملازمة ~~وحكاية الشرطية بعد فعل الشهادة لكونها من قبيل الأقوال أو بتقدير القول أي ~~شهد قائلا الخ وتسميتها شهادة مع أنه لا حكم فيها بالفعل بالصدق والكذب ~~لتأديتها مؤداها بل لأنها شهادة على الحقيقة وحكم بصدقه وكذبها أما على ~~تقدير كون الشاهد هو الصبي فظاهر إذ هو إخبار بهما من قبل علام الغيوب ~~والتصوير بصورة الشرطية للإيذان بأن ذلك ظاهر من العلائم أيضا وأما على ~~تقدير كونه غيره فلأن الظاهر أن صورة الحال معلومة له على ما هي عليه إما ~~مشاهدة أو إخبارا فهو متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى ms1657 وبوجود مقدم الشرطية ~~الثانية ومن ضرورته الجزم بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية فإذن هو ~~إخبار بكذبها وصدقه عليه السلام لكنه ساق شهادته مساقا مأمونا من الجرح ~~والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهرا بين نفعها ونفعه وأما حقيقة ~~فلا تردد فيها قطعا لأن الشرطية الأولى تعليق لصدقها بما يستحيل وجوده من ~~قد القميص من قبل فيكون محالا لا محالة ومن ضرورته تقرر كذبها والثانية ~~تعليق لصدقه عليه السلام بأمر محقق الوجود وهو القد من دبر فيكون محقق ~~البتة وهذا كما قيل فيمن قال لامرأة زوجيني نفسك فقالت لي زوج فكذبها في ~~ذلك فقالت إن لم يكن لي زوج فقد زوجتك نفسي فقبل الرجل فإذا لا زوج لها فهو ~~نكاح إذ تعليق الشيء بأمر مقرر تنجيز له وقرئ من قبل ومن دبر بالضم لأنهما ~~قطعا عن الإضافة كقبل وبعد وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرف ~~للتأنيث والعلمية وقرئ بسكون العين «فلما رأى قميصه قد من دبر» كأنه لم يكن ~~رأى ذلك بعد أو لم يتدبره فلما تنبه له وعلم حقيقة الحال «قال إنه» أي ~~الأمر الذي وقع فيه التشاجر وهو عبارة عن إرادة السوء التي أسندت إلى يوسف ~~وتدبير عقوبته بقولها ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلى آخره لكن لا من حيث ~~صدور تلك الإرادة والإسناد عنها بل مع قطع النظر عن ذلك لئلا يخلو قوله ~~تعالى «من كيدكن» أي من جنس حيلتكن ومكركن أيتها النساء لا من غيركن عن ~~الإفادة وتدبير العقوبة وإن لم يمكن تجريده عن الإضافة إليها إلا أنها لما ~~صورته بصورة الحق أفاد الحكم بكونه من كيدهن إفادة ظاهرة فتأمل وتعميم ~~الخطاب للتنبيه على أن ذلك خلق لهن عريق * ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ~~* سجية نفس كل غانية هند * ورجع الضمير إلى قولها ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا فقط عدول عن البحث عن أصل ما وقع فيه النزاع من أن PageV04P269 # إرادة السوء ممن هي إلى البحث عن شعبة من شعبه وجعل للسوء ms1658 أو للأمر ~~المعبر به عن طمعها في يوسف عليه السلام يأباه الخبر فإن الكيد يستدعي أن ~~يعتبر مع ذلك هنات أخر من قبلها كما أشرنا إليه «إن كيدكن عظيم» فإنه ألطف ~~وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء ما ~~لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول إن كيد الشيطان كان ضعيفا وقال للنساء ~~إن كيدكن عظيم ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به الرجال «يوسف» حذف ~~منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله «أعرض ~~عن هذا» أي عن هذا الأمر وعن التحدث به واكتمه فقد ظهر صدقك ونزاهتك ~~«واستغفري» أنت يا هذه «لذنبك» الذي صدر عنك وثبت عليك «إنك كنت» بسبب ذلك ~~«من الخاطئين» من جملة القوم المعتمدين للذنب أو من جنسهم يقال خطىء إذا ~~أذنب عمدا وهو تعليل للأمر بالاستغفار والتذكير لتغليب الذكور على الإناث ~~وكان العزيز رجلا حليما فاكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها وقيل كان قليل ~~الغيرة «وقال نسوة» أي جماعة من النساء وكن خمسا امرأة الساقي وامرأة ~~الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب والنسوة اسم ~~مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة وهي اسم لجماعة النساء ~~والثبة وهي اسم لجماعة الرجال ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث «في المدينة» ~~ظرف لقال أي أشعن الأمر في مصر أو صفة النسوة «امرأة العزيز» أي الملك يردن ~~قطفير وإضافتهن لها إليه بذلك العنوان دون أن يصرحن باسمها أو اسمه ليست ~~لقصد المبالغة في إشاعة الخبر بحكم أن النفوس إلى سماع أخبار ذوي الأخطار ~~أميل كما قيل إذ ليس مرادهن تفضيح العزيز بل هي لقصد الإشباع في لومها ~~بقولهن «تراود فتاها» أي تطالبه بمواقعته لها وتتمحل في ذلك وتخادعه «عن ~~نفسه» وقيل تطلب منه الفاحشة وإيثارهن لصيغة المضارع للدلالة على دوام ~~المراودة والفتى من الناس الشاب وأصله فتى لقولهم فتيان والفتوة شاذة وجمعه ~~فتية وفتيان ويستعار للمملوك وهو المراد ههنا وفي الحديث لا يقل أحدكم عبدي ms1659 ~~وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وتعبيرهن عن يوسف عليه السلام بذلك مضافا إليها لا ~~إلى العزيز الذي لا تستلزم الإضافة إليه الهوان بل ربما يشعر بنوع عزة ~~لإبانة ما بينهما من التباين البين الناشئ عن المالكية والمملوكية وكل ذلك ~~لتربية ما مر من المبالغة والإشباع في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء ~~أو لها زوج دنيء قد تعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان فيهم علو ~~الجناب وأما التي لها زوج وأي زوج عزيز مصر فمراودتها لغيره لا سيما لعبدها ~~الذي لا كفاءة بينها وبينه أصلا وتماديها في ذلك غاية الغي ونهاية الضلال ~~«قد شغفها حبا» أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه أو جلدة رقيقة يقال لها ~~لسان القلب حتى وصل إلى فؤادها وقرئ شعفها بالعين من PageV04P270 # شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما الشغف الحب القاتل والشعف حب دون ذلك وكان الشعبي يقول الشغف حب ~~والشعف جنون والجملة خبر ثان أو حال من فاعل تراود أو من مفعوله وأيا ما ~~كان فهو تكرير للوم وتأكيد للعذل ببيان اختلال أحوالها القلبية كأحوالها ~~القالبية وجعلها تعليلا لدوام المراودة من حيث الإنية مصير إلى الإستدلال ~~على الأجلى بالأخفى ومن حيث اللمية ميل إلى تمهيد العذر من قبلها ولسن بذلك ~~المقام وانتصاب حبا على التمييز لنقله عن الفاعلية إذ الأصل قد شغفها حبه ~~كما أشير إليه «إنا لنراها» أي نعلمها علما متاخما للمشاهدة والعيان فيما ~~صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة «في ضلال» عن طريق الرشد والصواب ~~أو عن سنن العقل «مبين» واضح لا يخفى كونه ضلالا على أحد أو مظهر لأمرها ~~بين الناس فالجملة مقررة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم ~~والتشنيع وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم وإنما لم يقلن إنها لفي ~~ضلال مبين إشعارا بأن ذلك الحكم غير صادر عنهن مجازفة بل عن علم ورأى مع ~~التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه «فلما سمعت بمكرهن» باغتيابهن ~~وسوء ms1660 قالهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني وهو مقتها وتسميته ~~مكرا لكونه خفية منها كمكر الماكر وإن كان ظاهرا لغيرها وقيل استكتمتهن ~~سرها فأفشينه عليها وقيل إنما قلن ذلك لتريهن يوسف عليه السلام «أرسلت ~~إليهن» تدعوهن قيل دعت أربعين امرأة منهن الخمس المذكورات «وأعتدت» أي ~~أحضرت وهيأت «لهن متكأ» أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد أو رتبت لهن ~~مجلس طعام وشراب لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشارب والحديث كعادة المترفين ~~ولذلك نهى الرجل أن يأكل متكئا وقيل متكأ طعاما من قولهم اتكأنا عند فلان ~~أي طعمنا قال جميل * فظللنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله * وعن ~~مجاهد متكأ طعاما يحز حزا كأن المعنى يعتمد بالسكين عند القطع لأن القاطع ~~يتكئ على المقطوع بالسكين وقرئ بغير همز وقرئ بالمد بإشباع حركة الكاف ~~كمنتزاح في منتزح وينباع في ينبع وقرأ متكأ وهو الأترج وأنشدوا * وأهدت ~~متكة لبني أبيها * تخب بها العثمثمة الوقاح * أو ما يقطع من متك الشيء إذا ~~بتكه ومتكأ من تكى إذا اتكى «وآتت كل واحدة منهن سكينا» لنستعمله في قطع ما ~~يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وهن ~~متكئات وغرضها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن «وقالت» ليوسف وهن مشغولات ~~بمعالجة السكاكين وإعمالها فيما بأيديهن من الفواكه وأضرابها والعطف بالواو ~~ربما يشير إلى أن قولها «اخرج عليهن» أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهن ~~ليتم غرضها من استغفالهن «فلما رأينه» عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج ~~وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه PageV04P271 # وإنما حذف تحقيقا لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن كما حذف ~~لتحقيق السرعة في قوله عز وجل فلما رآه مستقرا عنده بعد قوله أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك وفيه إيذان بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما ~~لا يشاهد مضرته من الأفاعيل «أكبرنه» عظمنه وهبن حسنه الفائق وجماله الرائع ~~الرائق فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر ms1661 ~~الكواكب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت يوسف ليلة المعراج ~~كالقمر ليلة البدر وقيل كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس ~~على الماء وقيل معنى أكبرن حضن والهاء للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف عليه ~~السلام على حذف اللام أي حضن له من شدة الشبق كما قال المتنبىء * خف الله ~~واستر ذا الجمال برقع * فإن لحت حاضت في الخدور العوانق * «وقطعن أيديهن» ~~أي جرحتها بما في أيديهن من السكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن ~~منهاج الاختيار والإعتياد حتى لم يعلمن ما فعلن وفي التعبير عن الجرح ~~بالقطع ما لا يخفى من الدلالة على كثرة جرحهن ومع ذلك لم يبالين بذلك ولم ~~يشعرن به «وقلن حاش لله» تنزيها له سبحانه عن صفات النقص والعجز وتعجبا من ~~قدرته على مثل ذلك الصنع البديع وأصله حاشا كما قرأه أبو عمرو في الدرج ~~فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا وهو حرف جر يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء ~~فلا يستثني به إلا ما يكون موجبا للتنزيه فوضع موضعه فمعنى حاشا الله تنزيه ~~الله وبراءة الله وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه واللام لبيان المنزه ~~والمبرأ كما في سقيا لك والدليل على وضعه موضع المصدر قراءة أبي السمال ~~حاشا بالتنوين وقراءة أبي عمرو بحذف الألف الأخيرة وقراءة الأعمش بحذف ~~الأولى فإن التصرف من خصائص الاسم فيدل على تنزيله منزلته وعدم التنوين ~~لمراعاة أصله كما في قولك جلست من عن يمينه وقوله غدت من عليه منقلب الألف ~~إلى الياء مع الضمير وقرئ حاش لله بسكون الشين اتباعا للفتحة الألف في ~~الإسقاط وحاش الإله وقيل حاشا فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير ~~يوسف أي صار في ناحية من أن يقارف ما رمته به لله أي لطاعته أو لمكانه أو ~~جانب المعصية لأجل الله «ما هذا بشرا» على إعمال ما بمعنى ليس وهي لغة أهل ~~الحجاز لمشاركتهما في نفي الحال وقرئ بشر على لغة تميم وبشرى أي بعبد مشتري ~~لئيم ms1662 نفين عنه البشرية لما شاهدن فيه من الجمال العبقري الذي لم يعهد مثاله ~~في البشر وقصرنه على الملكية بقولهن «إن هذا إلا ملك كريم» بناء على ما ركز ~~في العقول من أن لا حي أحسن من الملك كما ركب فيها أن لا أقبح من الشيطان ~~ولذلك لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وغرضهن وصفه بأقصى مراتب ~~الحسن والجمال «قالت فذلكن» الفاء فصيحة والخطاب للنسوة والإشارة إلى يوسف ~~بالعنوان الذي وصفنه به الآن من الخروج في الحسن والجمال عن المراتب ~~البشرية والاقتصار على الملكية فاسم الإشارة مبتدأ والموصول PageV04P272 # خبره والمعنى إن كان الأمر كما قلتن فذلكن الملك الكريم النائي من ~~المراتب البشرية هو «الذي لمتنني فيه» أي عيرتنني في الافتتان به حيث ربأتن ~~بمحلي بنسبتي إلى العزيز ووضعتن قدره بكونه من المماليك أو بالعنوان الذي ~~وصفنه به فيما سبق بقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني فهو خبر لمبتدأ ~~محذوف أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن وقلتن فيه وفي ما ~~قلتن فالآن قد علمتن من هو وما قولكن فينا وأما ما يقال تعني أنكن لم ~~تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به فلا يلائم ~~المقام فإن مرادها بدعوتهن وتمهيد ما مهدته لهن تبكيتهن وتنديمهن على ما ~~صدر عنهن من اللوم وقد فعلت ذلك بما لا مزيد عليه وما ذكر من المقال فحق ~~المعتذر قبل ظهور معذرته وقد قيل في تعليل الملكية أن الجمع بين الجمال ~~الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من الخواص الملكية وهو أيضا لا ~~يلائم قولها فذلكن الذي لمتنني فيه فإن عنوان العصمة مما ينافي تمشية ~~مرامها ثم بعد ما أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله ~~عليه السلام ما أصابها باحت لهن ببقية سرها فقالت «ولقد راودته عن نفسه» ~~حسبما قلتن وسمعتن «فاستعصم» امتنع طالبا للعصمة وهو بناء مبالغة يدل على ~~الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الإستزاده منها ~~كما في استمسك ms1663 واستجمع الرأي وفيه برهان نير على أنه لم يصدر عنه عليه ~~السلام شيء مخل باستعصامه بقوله معاذ الله من الهم وغيره اعترفت لهن أولا ~~بما كن يسمعنه من مراودتها له وأكدته إظهارا لابتهاجها بذلك ثم زادت على ~~ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون ولم يمل إليها قط ثم زادت عليه أيضا ~~أنها مستمرة على ما كانت عليه غير مرعوية عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض ~~الحبيب فقالت «ولئن لم يفعل ما آمره» أي آمر به فيما سيأتي كما لم يفعل ~~فيما مضى فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير كما في أمرتك الخير الضمير ~~للموصول أو أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه فما مصدرية فالضمير ليوسف وعبرت ~~عن مراودتها بالأمر إظهارا لجريان حكومتها عليه واقتضاء للإمتثال بأمرها ~~«ليسجنن» بالنون المثقلة آثرت بناء الفعل للمفعول جريا على رسم الملوك أو ~~إيهاما لسرعة ترتب ذلك على عدم امتثاله لأمرها كأنه لا يدخل بينهما فعل ~~فاعل «وليكونن» بالمخففة «من الصاغرين» أي الأذلاء في السجن وقد قرىء ~~الفعلان بالتثقيل ولكن المشهورة أولى لأن النون كتبت في المصحف ألفا على ~~حكم الوقف واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه ساد مسد ~~الجوابين ولقد أتت بهذا الوعيد المنطوى على فنون التأكيد بمحضر منهن ليعلم ~~يوسف عليه السلام أنها ليست في أمرها على خفية ولا خيفة من أحد فتضيق عليه ~~الحيل وتعيا به العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها ولما كان هذا الإبراق ~~والإرعاد منها مظنة لسؤال سائل يقول فما صنع يوسف حينئذ قيل «قال» مناجيا ~~لربه عز سلطانه «رب السجن» الذي أوعدتني بالإلقاء فيه وقرأ يعقوب بالفتح ~~على المصدر «أحب إلى» PageV04P273 # أي آثر عندي لأنه مشقة قليلة نافذة أثرها راحات جليلة أبدية «مما يدعونني ~~إليه» من مؤاتانها التي تؤدي إلى الشقاء والعذاب الأليم وهذا الكلام منه ~~عليه السلام مبني على ما مر من انكشاف الحقائق لديه وبروز كل منها بصورتها ~~اللائقة بها فصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له شائبة محبة لما دعته ms1664 ~~إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن والتعبير ~~علن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة خوفا من الحبس والاقتصار ~~على ذكر السجن من حيث إن الصغار من فروعه ومستتبعاته وإسناد الدعوة إليهن ~~جميعا لأن النسوة رغبته في مطاوعتها وخوفته من مخالفتها وقيل دعونه إلى ~~أنفسهن وقيل إنما ابتلى عليه السلام بالسجن لقوله هذا وكان الأولى به أن ~~يسأل الله تعالى العافية ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من كان ~~يسأل الصبر «وإلا تصرف» أي إن لم تصرف «عني كيدهن» في تحبيب ذلك إلي ~~وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة «أصب إليهن» أي ~~أمل إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية وهذا ~~فزع منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين ~~في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل وسلب القوى ~~والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة ~~له بالمدافعة كقول المستغيث أدركني وإلا هلكت لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء ~~إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن والصبوة الميل إلى الهوى ~~ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وقرئ أصب إليهن من ~~الصبابة وهي رقة الشوق «وأكن من الجاهلين» الذين لا يعملون بما يعلمون لأن ~~من لا جدوى لعلمه فهو والجاهل سواء أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه ~~من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح «فاستجاب له ربه» دعاءه الذي تضمنه ~~قوله وإلا تصرف عني كيدهن الخ فإن فيه استدعاء لصرف كيدهن على أبلغ وجه ~~وألطفه كما مر وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافا إليه عليه السلام ما لا ~~يخفى من إظهار اللطف «فصرف عنه كيدهن» حسب دعائه وثبته على العصمة والعفة ~~«إنه هو السميع» لدعاء المتضرعين إليه «العليم» بأحوالهم وما يصلحهم «ثم ~~بدا لهم» أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ريثما اكتفوا بأمر ms1665 ~~يوسف بالكتمان والإعراض عن ذلك «من بعد ما رأوا الآيات» الصارفة لهم عن ذلك ~~البداء وهي الشواهد الدالة على براءته عليه السلام وفاعل بدأ إما مصدره أو ~~الرأي المفهوم من السياق أو المصدر المدلول عليه بقوله «ليسجننه» والمعنى ~~بذا لهم بداء أو رأى أو سجنه المحتوم قائلين والله ليسجننه فالقسم المحذوف ~~وجوابه معمول للقول المقدر حالا من ضميرهم وما كان ذلك البداء إلا باستنزال ~~المرأة لزوجها ومثلها منه في الذروة والغارب وكان مطواعة لها تقوده حيث ~~شاءت قال السدي إنها قالت للعزيز إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس ~~يخبرهم بأني راودته عن نفسه فإما أن تأذن لي PageV04P274 # فأخرج فأعتذر إلى الناس وإما أن تحبسه فحبسه ولقد أرادت بذلك تحقيق ~~وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن ~~استتباعه بعرض الجمال والترغيب بنفسها وبأعوانها وقرئ لتسجننه على صيغة ~~الخطاب بأن خاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه التعظيم أو ~~خاطب به العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس «حتى حين» ~~إلى حين انقطاع قالة الناس وهذا بادي الرأي عند العزيز وذويه وأما عندها ~~فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم وقرئ عتى حين بلغة ~~هذيل «ودخل معه» أي في صحبته «السجن فتيان» من فتيان الملك ومماليكه أحدهما ~~شرابيه والآخر خبازه روى أن جماعة من أهل مصر ضمنوا لهما مالا ليسما الملك ~~في طعامه وشرابه فأجاباهم إلى ذلك ثم إن الساقي نكل عن ذلك ومضى عليه ~~الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال الساقي لا تأكل أيها الملك فإن الخبز ~~مسموم وقال الخباز لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقي ~~اشربه فشربه فلم يضره وقال للخباز كله فأبى فجرب بدابة فهلكت فأمر بحبسهما ~~فاتفق أن أدخلاه معه وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام ~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده عليها فضل تمكن ~~ونظيره تقديم الظرف على المفعول الصريح في ms1666 قوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة ~~وتأخير السجن عن الظرف لإيهام العكس أن يكون الظرف خبرا مقدما على المبتدأ ~~وتكون الجملة حالا من فاعل دخل فتأمل «قال أحدهما» استئناف مبنى على سؤال ~~من يقول ما صنعا بعد ما دخلا معه السجن فأجيب بأنه قال أحدهما وهو الشرابي ~~«إني أراني» أي رأيتني والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية «أعصر ~~خمرا» أي عنبا سماه بما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر وقيل الخمر بلغة ~~عمان اسم للعنب وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه أعصر عنبا «وقال الآخر» ~~وهو الخباز «إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا» تأخير المفعول عن الظرف لما مر ~~آنفا وقوله «تأكل الطير منه» أي تنهس منه صفة للخبز أو استئناف مبني على ~~السؤال «نبئنا بتأويله» بتأويل ما ذكر من الرؤيين أو ما رئى بإجراء الضمير ~~مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما في قوله * ~~فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق * أي كأن ذلك والسر في ~~المصير إلى إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة مع أنه لا حاجة إليه بعد تأويل ~~المرجع بما ذكر أو بما رئى أن الضمير إنما يتعرض لنفس المرجع من حيث هو من ~~غير تعرض لحال من أحواله فلا يتسنى تأويله بأحد الإعتبارين إلا بإجرائه ~~مجرى اسم الإشارة الذي يدل على المشار إليه بالاعتبار الذي جرى عليه في ~~الكلام فتأمل هذا إذا قالاه معا أو قاله أحدهما من جهتهما معا وأما ما إذا ~~قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالخطاب المذكور ليس عبارتهما ولا عبارة ~~أحدهما من جهتهما ليتعدد المرجع بل عبارة كل منهما نبئني بتأويله مستفسرا ~~لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة ~~قوله عز وجل يا أيها الرسل كلوا من الطيبات فإنهم PageV04P275 # لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم في زمانه بصيغة مفردة خاصة به «إنا ~~نراك» تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارها منه عليه السلام «من المحسنين» ms1667 ~~من الذين يجيدون عبارة الرؤيا لما إياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه ~~فيؤولها له تأويلا حسنا أو من العلماء لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على ~~علمه وفضله أو من المحسنين إلى أهل السجن أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت ~~قادرا على ذلك روى أنه عليه السلام كان إذا مرض منهم رجل قام عليه وإذا ضاق ~~مكانه أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن قتادة رضى الله عنه كان في السجن ناس ~~قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا فقالوا بارك ~~الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا ~~فتى فقال أنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل الله ~~إبراهيم فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في ~~أي بيوت السجن شئت وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي أراني ~~في بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتهما وعصرتها في ~~كأس الملك وسقيته وقال الخباز إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع ~~الأطعمة إذا سباع الطير تنهس منها «قال لا يأتيكما طعام ترزقانه» في ~~مقامكما هذا حسب عادتكما المطردة «إلا نبأتكما بتأويله» استثناء مفرغ من ~~أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما به ~~بأن بينت لكما ما هيته وكيفيته وسائر أحواله «قبل أن يأتيكما» وإطلاق ~~التأويل عليه إما بطريق الاستعارة فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم ~~بمنزلة التأويل بالنظر إلى ما رئى في المنام وشبيه له وإما بطريق المشاكلة ~~حسبما وقع في عبارتهما من قولهما نبئنا بتأويله ولا يبعد أن يراد بالتأويل ~~الشيء الآئل لا المآل فإنه في الأصل جعل شيء آئلا إلى شيء آخر فكما يجوز أن ~~يراد به الثاني يجوز أن يراد به الأول فالمعنى إلا نبأتكما بما يؤول إليه ~~من الكلام والخبر المطابق للواقع وكان عليه السلام يقول لهما اليوم يأتيكما ms1668 ~~طعام من صفته كيت وكيت فيجدنه كذلك ومراده عليه السلام بذلك بيان كل ما ~~يهمهما من الأمور المترقبة قبل وقوعها وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه ~~عريقا في ذلك بحسب الحال مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه ~~من الرؤييين المتعلقتين بالشراب والطعام وقد جعل الضمير لما قصا من ~~الرؤييين على معنى لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلا أخبرتكما ~~بتأويل ما قصصتما علي قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت مرادا به الإخبار ~~بالاستعجال في التنبئة وأنت خبير بأن النظم الكريم ظاهر في تعدد إتيان ~~الطعام والإخبار بالتأويل وتجددهما وأن المقام مقام إظهار فضله في فنون ~~العلوم بحيث يدخل في ذلك تأويل رؤياهما دخولا أوليا وإنما لم يكتف عليه ~~السلام بمجرد تأويل رؤياهما مع أن فيه دلالة على فضله لأنهما لما نعتاه ~~عليه السلام بالانتظام في سمط المحسنين وإنهما قد علما ذلك حيث قالا إنا ~~نراك PageV04P276 # من المحسنين توسم عليه السلام فيهما خيرا وتوجها إلى قبول الحق فأراد أن ~~يخرج آثر ذي أثير عما في عهدته من دعوة الخلق إلى الحق فمهد قبل الخوض في ~~ذلك مقدمة تزيدهما علما بعظم شأنه وثقة بأمره ووقوفا على علو طبقته في ~~بدائع العلوم توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه وقد تخلص إليها من كلامهما ~~فكأنه قال تأويل ما قصصتماه علي في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام ~~وإني أبين لكما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمة ~~المنام حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيكما كل يوم أبينه لكما قبل إتيانه ثم ~~أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من قبيل علوم الكهنة والعرافين بل هو أفضل إلهي ~~يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال «ذلكما» أي ذلك التأويل والإخبار ~~بالمغيبات ومعنى البعد في ذلك للإشارة إلى علو درجته وبعد منزلته «مما ~~علمني ربي» بالوحي والإلهام أي بعض منه أو من ذلك الجنس الذي لا يحوم حول ~~إدراكه العقول ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه ms1669 قطعة من ~~جملتها وشعبة من دوحتها ثم بين أن نيل تلك الكرامة بسبب اتباعه ملة آبائه ~~الأنبياء العظام وامتناعه عن الشرك فقال «إني تركت ملة قوم لا يؤمنون ~~بالله» وهو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من قوله ذلكما مما علمني ربي ~~وتعليلا له لا للتعليم الواقع صلة للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ~~ربي لهذا السبب دون غيره ولا لمضمون الجملة الخبرية لأن ما ذكر بصدد ~~التعليل ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه أو لكونه من جنسه ~~بل لنفس تعليم ما علمه فكأنه قيل لماذا علمك ربك تلك العلوم البديعة فقيل ~~لأني تركت ملة الكفرة أي دينهم الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان ~~والمراد بتركها الامتناع عنها رأسا كما يفصح عنه قوله ما كان لنا أن نشرك ~~بالله من شيء لا تركها بعد ملابستها وإنما عبر عنه بذلك لكونه أدخل بحسب ~~الظاهر في إقتدائهما به عليه السلام والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب ~~الإيمان به للتنصيص على أن عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليست بإيمان ~~به تعالى كما هو زعمهم الباطل على ما مر في قوله تعالى إنه عمل غير صالح ~~«وهم بالآخرة» وما فيها من الجزاء «هم كافرون» على الخصوص دون غيرهم ~~لإفراطهم في الكفر «واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب» يعنى أنه إنما ~~حاز هذه الكمالات وفاز بتلك الكرامات بسبب أنه اتبع ملة آبائه الكرام ولم ~~يتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله عليه السلام ترغيبا لصاحبيه ~~في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال وقدم ذكر ~~تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه لأن التخلية متقدمة على التحلية «ما ~~كان» أي ما صح وما استقام فضلا عن الوقوع «لنا» معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ~~ووفور علومنا «أن نشرك بالله من شيء» أي شيء كان من ملك أو جنى أو إنسي ~~فضلا عن الجماد البحث «ذلك» أي التوحيد المدلول عليه بقوله ما كان لنا أن ~~نشرك بالله من ms1670 شيء «من فضل الله علينا» أي ناشىء من تأييده لنا بالنبوة ~~وترشيحه إيانا لقيادة الأمة PageV04P277 # وهدايتهم إلى الحق وذلك مع كونه من موجبات التوحيد ودواعيه نعمة جليلة ~~وفضل عظيم علينا بالذات «وعلى الناس» كافة بواسطتنا وحيث عبر عن ذلك بذلك ~~العنوان عبر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر فقيل «ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون» أي لا يوحدون فإن التوحيد مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكر ~~لله عز وجل على النعمة وإنما وضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى الناس ~~لزيادة توضيح وبيان ولقطع توهم رجوعه إلى المجموع الموهم لعدم اختصاص غير ~~الشاكر بالناس وقيل ذلك التوحيد من فضل الله علينا حيث نصب لنا أدلة ننظر ~~فيها ونستدل بها على الحق وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس أيضا ولكن ~~أكثرهم لا ينظرون ولا سيتدلون بها اتباعا لأهوائهم فيبقون كافرين غير ~~شاكرين ولك أن تقول ذلك التوحيد من فضل الله علينا حيث أعطانا عقولا ومشاعر ~~نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاق وقد أعطى سائر ~~الناس أيضا مثلها ولكن أكثرهم لا يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر ~~إلى ما خلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الآفاقية ~~والأنفسية والعقلية والنقلية «يا صاحبي السجن» أي يا صاحبي في السجن كما ~~تقول يا سارق الليلة ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان ~~التي تصفو فيها المودة وتخلص النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته وقد ضرب ~~لهما مثلا يتضح به الحق عندهما حق اتضاح فقال «أأرباب متفرقون» لا ارتباط ~~بينهم ولا اتفاق يستعبد كما كل منهم حسبما أراد غير مراقب للآخرين مع عدم ~~استقلاله «خير» لكما «أم الله» المعبود بالحق «الواحد» المتفرد بالألوهية ~~«القهار» الغالب الذي لا يغالبه أحد وبعد ما نبه ما على فساد تعدد الأرباب ~~بين لهما سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار رأسا فضلا عن الألوهية فقال معمما ~~للخطاب لهما ولمن على دينهما «ما تعبدون من دونه» أي من دون الله شيئا «إلا ~~أسماء» فارغة ms1671 لا مطابق لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداق إطلاق الاسم ~~عليه لا وجود له أصلا فكانت عبادتهم لتلك الأسماء فقط «سميتموها» جعلتموها ~~أسماء وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه المقام من إسقاطها عن مرتبة ~~الوجود وإيذانا بان تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمى كعبادتهم حيث كان ~~بلا معبود «أنتم وآباؤكم» بمحض جهلكم وضلالتكم «ما أنزل الله بها» أي بتلك ~~التسمية المستتبعة للعبادة «من سلطان» من حجة تدل على صحتها «إن الحكم» في ~~أمر العبادة المتفرعة على تلك التسمية «إلا الله» عز سلطانه لأنه المستحق ~~لها بالذات إذ هو الواجب بالذات الموجد للكل والمالك لأمره «أمر» استئناف ~~مبنى على سؤال ناشىء من قوله إن الحكم إلا لله فكأنه قيل فماذا حكم الله في ~~هذا الشأن فقيل أمر على السنة الأنبياء عليهم السلام «ألا تعبدوا» أي بأن ~~لا تعبدوا «إلا إياه» حسبما PageV04P278 # تقضى به قضية العقل أيضا «ذلك» أي تخصيصه تعالى بالعبادة «الدين القيم» ~~الثابت المستقيم الذي تعاضدت عليه البراهين عقلا ونقلا «ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون» أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم بتلك البراهين أو لا يعلمون شيئا ~~أصلا فيبعدون أسماء سموها من تلقاء أنفسهم معرضين عن البرهان العقلي ~~والسلطان العقلي وبعد تحقيق الحق ودعوتهما إليه وبيانه لهما مقداره الرفيع ~~ومرتبة علمه الواسع شرع في تفسير ما استفسراه ولكونه بحثا مغايرا لما سبق ~~فصله عنه بتكرير الخطاب فقال «يا صاحبي السجن أما أحدكما» وهو الشرابي ~~وإنما لم يعينه ثقة بدلالة التعبير وتوسلا بذلك إلى إبهام أمر صاحبه حذار ~~مشافهته بما يسوءه «فيسقي ربه» أي سيده «خمرا» روى أنه عليه السلام قال له ~~ما رأيت من الكرمة وحسنها الملك وحسن حالك عنده واما القضبان الثلاثة ~~فثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه وقرأ عكرمة فيسقى ~~ربه على البناء للمفعول أي يسقى ما يروى به «وأما الآخر» وهو الخباز «فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه» روى أنه عليه السلام قال له ما رأيت من السلال ms1672 الثلاث ~~ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتقتل «قضى» اي أتم وأحكم «الأمر الذي فيه ~~تستفتيان» وهو ما رأياه من الرؤييين قطعا لا مآله الذي هو عبارة عن نجاة ~~أحدهما وهلاك الآخر كما يوهمه إسناد القضاء إليه إذ الاستفتاء إنما يكون في ~~الحادثة لا في حكمها يقال استفتى الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ~~ولا يقال استفتاه في حكمها وكذا الإفتاء فإنه يقال أفتى فلان في الواقعة ~~الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا ومما هو علم في ذلك ~~قوله تعالى «يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي» ومعنى استفتائهما فيه طلبهما ~~لتأويله بقولهما نبئنا بتأويله وإنما عبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله ~~بالاستفتاء تهويلا لأمره وتفخيما لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل ~~المشكلة الحكم المبهمة الجواب وإيثاره صيغة الاستقبال مع سبق استفتائهما في ~~ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضى عليه السلام من الجواب وطره وإسناد القضاء ~~إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل وقد ظهر في عالم ~~المثال بتلك الصورة وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحده في ~~قولهما نبئنا بتأويله لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سم الملك ~~فإنهما لم يستفيا فيه ولا فيما هو صورته بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته ~~فتأمل وإنما أخبرهما عليه السلام بذلك تحقيقا لتعبيره وتأكيدا له وقيل لما ~~عبر رؤياهما جحدا وقالا ما رأينا شيئا فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو ~~كذبتما ولعل الجحود من الخباز إذ لا داعى إلى جحود الشرابى إلا أن يكون ذلك ~~لمراعاة جانبه «وقال» PageV04P279 # أي يوسف عليه السلام «للذي ظن أنه ناج» أوثر على صيغة المضارع مبالغة في ~~الدلالة على تحقق النجاة حسبما يفيده قوله تعالى «قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان» وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال للذي ظنه ~~ناجيا «منهما» من صاحبيه وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيدا لمناط التوصية ~~بالذكر عند الملك وعنوان التقرب ms1673 المفهوم من التعبير المذكور وإن كان أدخل ~~في ذلك وأدعى إلى تحقيق ما وصاه به لكنه ليس بوصف فارق يدور عليه الامتياز ~~بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك والظان هو يوسف عليه السلام لا صاحبه ~~لأن التوصية المذكورة لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسف وهو بمعنى ~~اليقين كما في قوله تعالى «ظننت أني ملاق حسابيه» فالتعبير بالوحي كما ينبئ ~~عنه قوله تعالى «قضي الأمر» الخ وقيل هو بمعناه والتعبير بالاجتهاد والحكم ~~بقضاء الأمر أيضا اجتهادي «اذكرني» بما أنا عليه من الحال والصفة «عند ربك» ~~سيدك وصفني له بصفتي التي شاهدتها «فأنساه الشيطان» أي أنسى الشرابي ~~بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالا تعوقه عن الذكر وإلا فالإنساء في الحقيقة ~~لله عز وجل والفاء للسببية فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة ~~بغيره سبحانه كانت باعثة لما ذكر عن الإنساء «ذكر ربه» اي ذكر الشرابي له ~~عليه السلام عند الملك والإضافة لأدنى ملابسة أو ذكر اخبار ربه «فلبث» أي ~~يوسف عليه السلام بسبب ذلك الإنساء أو القول «في السجن بضع سنين» البضع ما ~~بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع وأكثر الأقاويل إنه لبث فيه سبع ~~سنين وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذكرني ~~عند ربك لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس والاستعانة بالعباد وإن كانت ~~مرخصة لكن اللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام الأخذ بالعزائم «وقال ~~الملك» أي الريان «إني أرى» أي رأيت وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال ~~الماضية «سبع بقرات سمان» جمع سمين وسمينة ككرام في جمع كريم وكريمة يقال ~~رجال كرام ونسوة كرام «يأكلهن» أي أكلهن والعدول إلى المضارع لاستحضار ~~الصورة تعجيبا والجملة حال من البقرات أو صفة لها «سبع عجاف» أي سبع بقرات ~~عجاف وهي جمع عجفاء والقياس عجف لأن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال ولكن عدل ~~به عن القياس حملا لأحد النقيضين على الآخر وإنما لم يقل سبع عجاف بالإضافة ~~لأن التمييز موضوع لبيان الجنس والصفة ms1674 ليست بصالحة لذلك فلا يقال ثلاثة ~~ضخام وأربعة غلاظ وأما قولك ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس ~~والراكب مجرى الأسماء روى أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وخرج ~~عقيبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال فابتلعت العجاف السمان «وسبع سنبلات ~~خضر» قد انعقد حبها «وأخر يابسات» أي وسبعا أخر يابسات قد أدركت والتوت على ~~الخضر حتى غلبتها على ما روى ولعل عدم التعرض لذكره للاكتفاء بما ذكر من ~~حال البقرات «يا أيها الملأ» خطاب للأشراف من العلماء والحكماء «أفتوني في ~~رؤياي» هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة والتعبير عن ~~التعبير بالإفتاء PageV04P280 # لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه «إن كنتم للرؤيا تعبرون» أي تعلمون عبارة جنس ~~الرؤيا علما مستمرا وهي الإنتقال من الصور الخيالية المشاهدة في المنام إلى ~~ما هي صور وأمثله لها من الأمور الآفاقية أو الأنفسية الواقعة في الخارج من ~~العبور وهو المجاوزة تقول عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته ونحوه أولتها أي ~~ذكرت مآلها وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها تعبيرا والجمع بين الماضي ~~والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه واللام للبيان أو لتقوية ~~العامل المؤخر لرعاية الفواصل أو لتضمين تعبرون معنى فعل متعد باللام كأنه ~~قيل إن كنتم تنتدبون لعبارتها ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان كما يقال فلان ~~لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه وتعبرون خبر آخر «قالوا» استئناف ~~مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال الملأ للملك فقيل قالوا هي «أضغاث ~~أحلام» أي تخاليطها جمع ضغث وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحزم ثم ~~استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان وتريها في ~~المنام والأحلام جمع حلم وهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها والإضافة ~~بمعنى من أي هي أضغاث من أحلام أخرجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبة تؤول ~~إليها ويعتنى بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدة مبالغة في وصفها بالبطلان كما ~~في قولهم فلان يركب الخيل ويلبس العمائم لمن لا يملك إلا ms1675 فرسا واحدا وعمامة ~~فردة أو لتضمنها أشياء مختلفة من البقرات السبع السمان والسبع العجاف ~~والسنابل السبع الخضر والأخر اليابسات فتأمل حسن موضع الأضغاث مع السنابل ~~فلله در شأن التنزيل «وما نحن بتأويل الأحلام» أي المنامات الباطلة التي لا ~~أصل لها «بعالمين» لا لأن لها تأويلا ولكن لا نعلمه بل لأنه لا تأويل لها ~~وإنما التأويل للمنامات الصادقة يجوز أن يكون ذلك اعترافا منهم بقصور علمهم ~~وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الأحلام مع أن لها تأويلا كما يشعر به عدو ~~لهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعربة عن مجرد الإنتقال من الدال ~~إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبىء ~~عن التصرف والتكلف في ذلك لما بين الآئل والمآل من البعد ويؤيده قوله عز ~~وجل أنا أنبئكم بتأويله «وقال الذي نجا منهما» أي من صاحبي يوسف وهو ~~الشرابي «وادكر» بغير المعجمة وهو الفصيح وعن الحسن بالمعجمة أي تذكر يوسف ~~عليه السلام وشئونه التي شاهدها ووصيته بتقريب رؤيا الملك وإشكال تأويلها ~~على الملأ «بعد أمة» أي مدة طويلة وقرئ أمة بالكسر وهي النعمة أي بعد ما ~~أنعم عليه بالنجاة وأمه أي نسيان والجملة حال من الموصول أو من ضميره في ~~الصلة وقيل معطوفة على نجا وليس بذاك لأن حق كل من الصفة والصلة أن تكون ~~معلومة الانتساب إلى الموصوف والموصول عند المخاطب كما عند المتكلم ولذلك ~~قيل إن الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها صفات وأنت تدري ~~أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا مجال لنظمه مع نجاته المعلومة ~~قبل في سلك الصلة «أنا أنبئكم بتأويله» أي أخبركم PageV04P281 # بالتلقي عمن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أنا أفتيكم فيها ~~وعقبه بقوله «فأرسلون» أي إلى يوسف وإنما لم يذكره ثقة بما سبق من التذكر ~~وما لحق من قوله «يوسف أيها الصديق» أي أرسل إليه فأتاه فقال يا يوسف ووصفه ~~بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحواله وجربها لكونه بصدد ms1676 اغتنام ~~آثاره واقتباس أنواره فهو من باب براعة الإستهلال «أفتنا في سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات» أي في رؤيا ذلك وإنما لم ~~يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة ~~عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادة أي بين لنا مآلها وحكمها وحيث ~~عاين علو رتبته عليه السلام في الفضل عبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال ~~هو وصاحبه أولا نبئنا بتأويله وفي قوله أفتنا مع أنه المستفتي وحده إشعار ~~بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر ~~وسفير كما آذن بذلك حيث قال «لعلي أرجع إلى الناس» أي إلى الملك ومن عنده ~~أو إلى أهل البلد إن كان السجن في الخارج كما قيل فأنبئهم بذلك «لعلهم ~~يعلمون» ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال ~~فتتخلص منه وإنما لم يبت القول في ذلك مجاراة معه على نهج الأدب واحترازا ~~عن المجازفة إذ لم يعلموه على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه لعل المنايا ~~دون ما تعداني ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه «قال» استئناف مبني على ~~السؤال كأنه قيل فماذا قال يوسف عليه السلام في التأويل فقيل قال «تزرعون ~~سبع سنين دأبا» قرىء بفتح الهمزة وسكونها وكلاهما مصدر دأب في العمل إذا جد ~~فيه وتعب وانتصابه على الحالية من فاعل تزرعون أي دائبين أو تدأبون دأبا ~~على أنه مصدر مؤكد لفعل هو الحال أول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات ~~الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة فأخذهم بأنهم يواظبون ~~سبع سنين على الزراع ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق ~~البقرات السمان وتأويلها ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافع لهم فقال «فما ~~حصدتم» أي في كل سنة «فذروه في سنبله» ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو ~~شأن غلال مصر ونواحيها ولعله عليه السلام استدل على ذلك بالسنبلات الخضر ~~وإنما أمرهم ms1677 بذلك إذ لم يكن معتادا فيما بينهم وحيث كانوا معتادين للزراعة ~~لم يأمرهم بها وجعلها أمرا محقق الوقوع وتأويلا للرؤيا مصداقا لما فيها من ~~البقرات السمان «إلا قليلا مما تأكلون» في تلك السنين وفيه إرشاد منه عليه ~~السلام لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر ~~لكون ذلك معلوما من قوله تزرعون سبع سنين وبعد إتمام ما أمرهم به شرع في ~~بيان بقية التأويل التي يظهر منها حكمة الأمر المذكور فقال PageV04P282 # «ثم يأتي» وهو عطف على تزرعون فلا وجه لجعله بمعنى الأمر حثا لهم على ~~الجد والمبالغة في الزراعة على أنه يحصل بالإخبار بذلك أيضا «من بعد ذلك» ~~أي من بعد السنين السبع المذكورات وإنما لم يقل من بعدهن قصدا إلى الإشارة ~~إلى وصفهن فإن الضمير ساكت عن أوصاف المرجع بالكلية «سبع شداد» أي سبع سنين ~~صعاب على الناس «يأكلن ما قدمتم لهن» من الحبوب المتروكة في سنابلها وفيه ~~تنبيه على أن أمره عليه السلام بذلك كان لوقت الضرورة وإسناد الأكل إليهن ~~مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في نهاره صائم وفيه تلويح بأنه تأويل لأكل ~~العجاف السمان واللام في لهن ترشيح لذلك فكأن ما ادخر في السنابل من الحبوب ~~شيء قد هيىء وقدم لهن كالذي يقدم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدم للناس ~~فيهن «إلا قليلا مما تحصنون» تحرزون مبذور الزراعة «ثم يأتي من بعد ذلك» أي ~~من بعد السنين الموصوفة بما ذكر من الشدة وأكل الغلال المدخر «عام» لم يعبر ~~عنه بالسنة تحاشيا عن المدلول الأصلي لها من عام القحط وتنبيها من أول ~~الأمر على اختلاف الحال بينه وبين السوابق «فيه يغاث الناس» من الغيث أي ~~يمطرون يقال غيثت البلاد إذا مطرت في وقت الحاجة أو من الغوث يقال أغاثنا ~~الله تعالى أي أمدنا برفع المكاره حين أظلتنا «وفيه يعصرون» أي ما من شأنه ~~أن يعصر من العنب والقصب والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها ~~والتعرض لذكر العصر مع جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث ms1678 المستلزم له عادة كما ~~اكتفى به عن ذكر تصرفهم في الحبوب إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه ~~للحبوب إذ المذكرات يتوقف صلاحها على مباد أخرى غير المطر وإما لمراعاة ~~جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له وهي التي يدور عليها حسن ~~موقع تغليبه على الناس في القراءة بالفوقانية وقيل معنى يعصرون يحلبون ~~الضروع وتكرير فيه إما للإشعار باختلاف أوقات ما يقع فيه من الغيث والعصر ~~زمانا وهو ظاهر وعنوانا فإن الغيث والغوث من فضل الله تعالى والعصر من فعل ~~الناس وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك العام ولأجله قدم في الموضعين ~~على الفعلين فإن المقصود الأصلي بيان أنه يقع في ذلك العام هذا النفع وذاك ~~النفع لا بيان أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير ويجوز أن يكون ~~التقديم للقصر على معنى أن غيثهم وعصرهم في سائر السنين بمنزلة العدم ~~بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعات الفواصل وفي الأول ~~لرعاية حاله وقرئ يعصرون على البناء للمفعول من عصره إذا أنجاه وهو المناسب ~~للإغاثة ويجوز أن يكون المبنى للفاعل أيضا منه كأنه قيل فيه يغاث الناس ~~وفيه يغيثون أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضا وقيل معنى يعصرون يمطرون من ~~أعصرت السحابة إما بتضمين أعصرت معنى مطرت وتعديته وإما بحذف الجار وإيصال ~~الفعل على أن الأصل أعصرت عليهم وأحكام هذا العام المبارك ليست مستنبطة من ~~رؤيا الملك وإنما تلقاها عليه السلام من جهة الوحي فبشرهم بها بعد ما أول ~~PageV04P283 # الرؤيا بما أول وأمرهم بالتدبير اللائق في شأنه إبانة لعلو كعبه ورسوخ ~~قدمه في الفضل وأنه محيط بما لم يخطر ببال أحد فضلا عما يرى صورته في ~~المنام على نحو قوله لصاحبيه عند استفتائهما في منامهما لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله وإتماما للنعمة عليهم حيث لم يشاركه عليه ~~السلام في العلم بوقوعها أحد ولو برؤية ما يدل عليها في المنام «وقال ~~الملك» بعدما جاءه السفير بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير ms1679 «ائتوني ~~به» لما علم من علمه وفضله «فلما جاءه» أي يوسف «الرسول» واستدعاه إلى ~~الملك «قال ارجع إلى ربك» أي سيدك «فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن» أي ففتشه عن شأنهم وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثا للملك ~~على الجد في التفتيش ليتبين برءاته ويتضح نزاهته إذ السؤال مما يهيج ~~الإنسان على الاهتمام في البحث للتفصي عما توجه إليه وأما الطلب فمما قد ~~يتسامح ويتساهل فيه ولا يبالي به وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز مع ما لقي ~~منها ما لقي من مقاساة الأحزان ومعاناة الأشجان والأحزان محافظة على مواجب ~~الحقوق واحترازا عن مكرها حيث اعتقدها مقيمة في عدوة العداوة وأما النسوة ~~فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له وقولهن ~~أطع مولاتك واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله «إن ربي بكيدهن عليم» مجاملة ~~معهن واحترازا عن سوء قالتهن عند الملك وانتصابهن للخصومة مدافعة عن أنفسهن ~~متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد «قال» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل ~~فماذا كان بعد ذلك فقيل قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن «ما ~~خطبكن» أي شأنكن وهو الأمر الذي يحق لعظمه أن يخاطب المرء فيه صاحبه «إذ ~~راودتن يوسف» وخادعتنه «عن نفسه» ورغبتنه في إطاعة مولاته هل وجدتن فيه ~~شيئا من سوء وريبة «قلن حاش لله» تنزيها له وتعجبا من نزاهته وعفته «ما ~~علمنا عليه من سوء» بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة من «قالت ~~امرأة العزيز» وكانت حاضرة في المجلس وقيل أقبلت النسوة عليها يقررنها وقيل ~~خافت أن يشهدن عليها بما قالت لهن ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم ~~يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين فأقرت قائلة «الآن حصحص الحق» أي ~~ثبت واستقر أو تبين وظهر بعد خفاء قاله الخليل وقيل هو مأخوذ من الحصة وهي ~~القطعة من الجملة أي تبين حصة الحق من حصة الباطل كما تتبين ms1680 حصص الأراضي ~~وغيرها وقيل بان وظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه وقرئ على ~~البناء للمفعول من حصحص البعير مباركة أي ألقاها في PageV04P284 # الأرض للإناخة قال * فحصحص في صم الصفا ثفناته * وناء بسلمى نوأة ثم صمما ~~* والمعنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه ولم ترد بذلك مجرد ظهور ما ظهر ~~بشهادتهن من مطلق نزاهته عليه السلام فيما أحاط به علمهن من غير تعرض ~~لنزاهته في سائر المواطن خصوصا فيما وقع فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث ~~عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر ~~وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل النزاع وخيانتها فقالت «أنا راودته عن ~~نفسه» لا أنه راودني عن نفسي «وإنه لمن الصادقين» أي في قوله حين افتريت ~~عليه هي راودتني عن نفسي وأرادت بالآن زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان ~~شهادتهن فتأمل أيها المنصف هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم تتمالك ~~الخصماء من الشهادة بها والفضل ما شهدت به الخصماء وإنما تصدى عليه السلام ~~لتمهيد هذه المقدمة قبل الخروج ليظهر براءة ساحته مما قذف به لا سيما عند ~~العزيز قبل أن يحل ما عقده كما يعرب عنه قوله عليه السلام لما رجع إليه ~~الرسول وأخبره بكلامهن «ذلك» أي ذلك التثبيت المؤدي إلى ظهور حقيقة الحال ~~«ليعلم» أي العزيز «أني لم أخنه» في حرمته كما زعمه لا علما مطلقا فإن ذلك ~~لا يستدعي تقديم التفتيش على الخروج من السجن بل قبل ما ذكر من نقض ما ~~أبرمه ولعله لمراعاة حقوق السيادة لأن المباشرة للخروج من حبسه قبل ظهور ~~بطلان ما جعله سببا له وإن كان ذلك بأمر الملك مما يوهم الافتيات على رأيه ~~وأما أن يكون ذلك لئلا يتمكن من تقبيح أمره عند الملك تمحلا لإمضاء ما قضاه ~~فلا يليق بشأنه عليه السلام في الوثوق بأمره والتوكل على ربه جل جلاله ~~«بالغيب» أي بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم ms1681 أخنه وأنا غائب ~~عنه أو وهو غائب عنه أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار ~~والأبواب المغلقة وأيا ما كان فالمقصود بيان كمال نزاهته عن الخيانة وغاية ~~اجتنابه عنها عند تعاضد أسبابها «وأن الله» أي وليعلم أنه تعالى «لا يهدي ~~كيد الخائنين» أي لا ينفذه ولا يسدده بل يبطله ويزهقه أو لا يهديهم في ~~كيدهم إيقاعا للفعل على الكيد مبالغة كما في قوله تعالى يضاهئون قول الذين ~~كفروا أي يضاهئونهم في قولهم وفيه تعريض بامرأته في خيانتها أمانته وبه في ~~خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا آيات نزاهته عليه ~~السلام ويجوز أن يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنه لو كان خائنا لما هدى الله عز ~~وجل أمره وأحسن عاقبته «وما أبرئ نفسي» أي لا أنزهها عن السوء قاله عليه ~~السلام هضما لنفسه الكريمة البريئة عن كل سوء وربأ بمكانها عن التزكية ~~والإعجاب بحالها عند ظهور كمال نزاهتها على أسلوب قوله عليه السلام أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر أو تحديثا بنعمة الله عز وجل عليه وإبرازا لسره المكنون في ~~شأن أفعال العباد أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي ولا أسند هذه الفضيلة ~~إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله عز وعلا «أن النفس» البشرية التي ~~من جملتها نفسي في حد ذاتها «لأمارة بالسوء» مائلة إلى الشهوات PageV04P285 # مستعملة للقوى والآلات في تحصيلها بل إنما ذلك بتوفيق الله تعالى وعصمته ~~ورحمته كما يفيده قوله «إلا ما رحم ربي» من النفوس التي يعصمها من الوقوع ~~في المهالك ومن جملتها نفسي أو هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت رحمة ربي ~~وعصمته لها وقيل الاستثناء منقطع أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف عنها السوء ~~كما في قوله تعالى ولا هم ينقذون إلا رحمة «إن ربي غفور رحيم» عظيم المغفرة ~~لما يعتري النفوس بموجب طباعها ومبالغ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان ~~بمقتضى ذلك وإيثار الإظهار في مقام الإضمار مع التعرض ms1682 لعنوان الربوبية ~~لتربية مبادى المغفرة والرحمة وقيل إلى هنا من كلام امرأة العزيز والمعنى ~~ذلك الذي قلت ليعلم يوسف عليه السلام أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال ~~الغيبة وجئت بما هو الحق الواقع وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت ~~في حقه ما قلت وفعلت به ما فعلت إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي أي ~~إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه ~~واعترف به رحيم له فعلى هذا يكون تأنيه عليه السلام في الخروج من السجن ~~لعدم رضاه عليه السلام بملاقاة الملك وأمره بين بين ففعل ما فعل حتى يتبين ~~نزاهته وأنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من الفضل ونباهة الشأن ليتلقاه ~~الملك بما يليق به من الإعظام والإجلال وقد وقع «وقال الملك ائتوني به ~~أستخلصه» أجعله خالصا «لنفسي» وخاصا بي «فلما كلمه» أي فأتوا به فحذف ~~للإيذان بسرعة الإتيان به فكأنه لم يكن بين الأمر بإحضاره والخطاب معه زمان ~~أصلا والضمير المستكن في كلمه ليوسف والبارز للملك أي فلما كلمه يوسف إثر ~~ما أتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد «قال إنك اليوم لدينا مكين» ذو مكانة ~~ومنزلة رفيعة «آمين» مؤتمن على كل شيء واليوم ليس بمعيار لمدة المكانة ~~والأمانة بل هو آن التكلم والمراد تحديد مبدئهما احترازا عن احتمال كونهما ~~بعد حين روى أنه عليه السلام لما جاءه الرسول خرج من السجن ودعا لأهله ~~واغتسل ولبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من ~~خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره وشر غيره ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية ~~فقال ما هذا اللسان قال لسان آبائي وكان الملك يعرف سبعين لسانا فكلمه بها ~~فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال أحب أن أسمع منك رؤياي فحكاها ونعت له ~~البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره ~~وقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوجه راعيل فوجدها عذراء ~~وولدت ms1683 له إفراييم وميشا ولعل ذلك إنما كان بعد تعيينه عليه السلام لما عين ~~له من أمر الخزائن كما يعرب عنه قوله عز وجل «قال اجعلني على خزائن الأرض» ~~أي أرض مصر أي ولني أمرها من الإيراد والصرف «إني حفيظ» لها ممن لا يستحقها ~~«عليم» بوجوه التصرف فيها وفيه دليل على جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ~~ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو ~~الكافر وعن مجاهد أنه أسلم الملك على يده PageV04P286 # عليه السلام ولعل إيثاره عليه السلام لتلك الولاية خاصة إنما كان للقيام ~~بما هو أهم أمور السلطنة إذ ذاك من تدبير أمر السنين حسبما فصل في التأويل ~~لكونه من فروع تلك الولاية لمجرد عموم الفائدة وجموم العائدة كما قيل وإنما ~~لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله عليه السلام من جعله على خزائن الأرض ~~إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له غني عن التصريح به لا سيما بعد تقديم ما ~~يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها من قوله إنك اليوم لدينا مكين أمين ~~وللتنبيه على أن كل ذلك من الله عز وجل وإنما الملك آلة في ذلك قيل «وكذلك» ~~أي مثل ذلك التمكين البليغ «مكنا ليوسف» أي جعلنا له مكانا «في الأرض» أي ~~أرض مصر روى أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين وفي التعبير عن الجعل ~~المذكور بالتمكين في الأرض مسندا إلى ضميره عز سلطانه من تشريفه عليه ~~السلام والمبالغة في كمال ولايته والإشارة إلى حصول ذلك من أول الأمر لا ~~أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى «يتبوأ منها» ينزل من بلادها «حيث يشاء» ~~ويتخذه مباءة وهو عبارة عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ملكته ~~وسلطانه فكأنها منزله يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله وقرأ ابن كثير ~~بالنون روى أن الملك توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب ~~مكللا بالدر والياقوت فقال عليه السلام أما السرير فأشد به ملكك وأما ~~الخاتم فأدبر به أمرك وأما ms1684 التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال قد ~~وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه ~~الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء وباع من أهل مصر في سنى ~~القحط الطعام في السنة الأولى بالدنانير والدراهم وفي الثانية بالحلى ~~والجواهر وفي الثالثة بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم ~~جميعا فقالوا ما رأينا كاليوم ملكا أجل وأعظم منه ثم أعتقهم ورد إليهم ~~أموالهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا بين ~~الناس «نصيب برحمتنا» بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم ~~«من نشاء» بمقتضى الحكمة الداعية إلى المشيئة «ولا نضيع أجر المحسنين» بل ~~نوفيه بكماله وفيه إشعار بأن مدار المشيئة المذكورة إحسان من تصيبه الرحمة ~~المرقومة وأنها أجر له ولدفع توهم انحصار ثمرات الإحسان فيما ذكر من الأجر ~~العاجل قيل على سبيل التوكيد «ولأجر الآخرة» أي أجرهم في الآخرة فالإضافة ~~للملابسة وهو النعيم المقيم الذي لا نفاد له «خير» لهم أي للمحسنين ~~المذكورين وإنما وضع موضعه الموصول فقيل «للذين آمنوا وكانوا يتقون» تنبيها ~~على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمان والثبات على التقوى المستفاد من ~~جمع صيغتي الماضي والمستقبل «وجاء PageV04P287 # إخوة يوسف» ممتارين لما أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب أرض مصر وقد ~~كان أرسلهم يعقوب عليه السلام جميعا غير بنيامين «فدخلوا عليه» أي على يوسف ~~وهو في مجلس ولايته «فعرفهم» لقوة فهمه وعدم مباينة أحوالهم السابقة لحالهم ~~يومئذ لمفارقته إياهم وهم رجال وتشابه هيآتهم وزيهم في الحالين ولكون همته ~~معقودة بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط وعن الحسن ما عرفهم حتى ~~تعرفوا له «وهم له منكرون» أي والحال أنهم منكرون له لطول العهد وتباين ما ~~بين حاليه عليه السلام في نفسه ومنزلته وزيه ولاعتقادهم أنه هلك وحيث كان ~~إنكارهم له أمرا مستمرا في حالتي المحضر والمغيب أخبر عنه بالجملة الإسمية ~~بخلاف عرفانه عليه السلام إياهم «ولما جهزهم بجهازهم» أي أصلحهم بعدتهم ms1685 من ~~الزاد وما يحتاج إليه المسافر وأوقر ركائبهم بما جاءوا له من الميرة وقرئ ~~بكسر الجيم «قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم» لم يقل بأخيكم مبالغة في إظهار ~~عدم معرفته لهم ولعله عليه السلام إنما قاله لما قيل من أنهم سألوه عليه ~~السلام حملا زائدا على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرطهم أن يأتوا به لا ~~لما قيل من أنه لما رأوه وكلموه بالعبرية قال لهم من أنتم فإني أنكركم ~~فقالوا له نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال لهم ~~لعلكم جئتم عيونا فقالوا معاذ الله نحن أخوة من أبي واحد وهو شيخ كبير صديق ~~نبي من الأنبياء اسمه يعقوب قال كم أنتم قالوا كنا اثني عشر فهلك منا واحد ~~فقال كم أنتم قالوا عشرة قال فأين الحادي عشر قالوا هو عند أبيه يتسلى به ~~عن الهالك قال فمن يشهد لكم أنكم لستم عيونا وأن ما تقولون حق قالوا نحن ~~ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا قال فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني ~~بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم فاقترعوا فأصاب القرعة ~~شمعون فخلفوه عنده إذ لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا ~~الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل ~~على تقدير عمد الإتيان به ولا جعل بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعهم ولا عدتهم ~~بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلهم عند أبيهم إرسال أخيهم بمنع الكيل ~~من غير ذكر الرسالة على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ينسى عندها ~~كل قيل وقال «ألا ترون أني أوفي الكيل» أتمه لكم وإيثار صيغة الاستقبال مع ~~كون هذا الكلام بعد التجهيز للدلالة على أن ذلك عادة له مستمرة «وأنا خير ~~المنزلين» جملة حالية أي ألا ترون أني أوفي الكيل لكم إيفاء مستمرا والحال ~~أني في غاية الإحسان في إنزالكم وضيافتكم وقد كان الأمر كذلك وتخصيص الرؤية ~~بالإيفاء لوقوع الخطاب في أثنائه وأما الإحسان في الإنزال فقد ms1686 كان مستمرا ~~فيما سبق ولحق ولذلك أخبر عنه بالجملة الإسمية ولم يقله عليه السلام بطريق ~~الامتنان بل لحثهم على تحقيق ما أمرهم به والاقتصار في الكيل على ذكر ~~الإيفاء لأن معاملته عليه السلام معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعاة ~~مواجب العدل وأما الضيافة فليس للناس فيها حق فخصهم في ذلك بما شاء ~~PageV04P288 # «فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي» من بعد فضلا عن إيفائه «ولا تقربون» ~~بدخول بلادي فضلا عن الإحسان في الإنزال والضيافة وهو إما نهى أو نفى معطوف ~~على محل الجزاء وفيه دليل على أنهم كانوا على نية الإمتيار مرة بعد أخرى ~~وأن ذلك كان معلوما له عليه السلام «قالوا سنراود عنه أباه» أي سنخادعه عنه ~~ونحتال في انتزاعه من يده ونجتهد في ذلك وفيه تنبيه على عزة المطلب وصعوبة ~~مناله «وإنا لفاعلون» ذلك غير مفرطين فيه ولا متوانين أو لقادرون عليه لا ~~نتعانى به «وقال» يوسف «لفتيانه» غلمانه الكيالين جمع فتى وقرئ لفتيته وهي ~~جمع قلة له «اجعلوا بضاعتهم في رحالهم» فإنه وكل بكل رحل رجلا يعبى فيه ~~بضاعتهم التي شروا بها الطعام وكانت نعالا وأدما وإنما فعله عليه السلام ~~تفضلا عليهم وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرة أخرى وكل ذلك ~~لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيه كما يؤذن به قوله «لعلهم يعرفونها» أي ~~يعرفون حق ردها والتكرم في ذلك أو لكي يعرفوها وهو ظاهر التعلق بقوله «إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم» فإن معرفتهم لها مقيدة بالرجوع وتفريغ الأوعية قطعا ~~وأما معرفة حق التكرم في ردها فهي وإن كانت في ذاتها غير مقيدة بذلك لكن ~~لما كان ابتداؤها حينئذ قيدت به «لعلهم يرجعون» حسبما أمرتهم به فإن التفضل ~~عليهم بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعواز البضاعة من أقوى الدواعي إلى ~~الرجوع وما قيل إنما فعله عليه السلام لما لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه ~~وإخوته ثمنا فكلام حق في نفسه ولكن يأباه التعليل المذكور وأما أن علية ~~الجعل ms1687 المذكور للرجوع من حيث إن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لأنهم لا ~~يستحلون إمساكهم فمداره حسبانهم أنها بقيت في رحالهم نسيانا وظاهر أن ذلك ~~مما لا يخطر ببال أحد أصلا فإن هيئة التعبية تنادي بأن ذلك بطريق التفضل ~~ألا يرى أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلا على التفضلات ~~السابقة كما ستحيط به خبرا «فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا» قبل أن يشتغلوا ~~بفتح المتاع «يا أبانا منع منا الكيل» أي فيما بعد وفيه ما لا يخفى من ~~الدلالة على أن كون الإمتيار مرة بعد مرة معهودا فيما بينهم وبينه عليه ~~السلام «فأرسل معنا أخانا» بنيامين إلى مصر وفيه إيذان بأن مدار المنع عدم ~~كونه معهم «نكتل» بسببه من الطعام ما نشاء وقرأ حمزة PageV04P289 # والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ لكونه سببا للإكتيال أو يكتل لنفسه ~~مع اكتيالنا «وإنا له لحافظون» من أن يصيبه مكروه «قال هل آمنكم عليه إلا ~~كما أمنتكم على أخيه» يوسف «من قبل» وقد قلتم في حقه أيضا ما قلتم ثم فعلتم ~~به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوض الأمر إلى الله «فالله خير ~~حافظا» وقرئ حفظا وانتصابهما على التمييز والحالية على القراءة الأولى توهم ~~تقيد الخيرية بتلك الحالة «وهو أرحم الراحمين» فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا ~~يجمع على مصيبتين وهذا كما ترى ميل منه عليه السلام إلى الإيذان والإرسال ~~لما رأى فيه من المصلحة «ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم» أي ~~تفضلا وقد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال وقرئ بنقل حركة الدال المدغمة ~~إلى الراء كما قيل في قيل وكيل «وقالوا» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل ~~ماذا قالوا حينئذ فقيل قالوا لأبيهم ولعله كان حاضرا عند الفتح «يا أبانا ~~ما نبغي» إذا فسر البغي بالطلب فما إما استفهامية منصوبة به فالمعنى ماذا ~~نبتغي وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الداعي إلى امتثال أمره ~~والمراجعة إليه في الحوايج وقد كانوا أخبروه بذلك وقالوا له إنا ms1688 قدمنا على ~~خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته ~~وقوله تعالى «هذه بضاعتنا ردت إلينا» جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه ~~الإنكار من بلوغ اللطف غايته كأنهم قالوا كيف لا وهذه بضاعتنا ردها إلينا ~~تفضلا من حيث لا ندري بعدما من علينا من المنن العظام هل من مزيد على هذا ~~فنطلبه ولم يريدوا به الاكتفاء بذلك مطلقا أو التقاعد عن طل بنظائره بل ~~أرادوا الاكتفاء به في استيجاب الامتثال لأمره والإلتجاء إليه في استجلاب ~~المزيد كما أشرنا إليه وقوله تعالى ردت إلينا حال من بضاعتنا والعامل معنى ~~الإشارة وإيثار صيغة البناء للمفعول للإيذان بكمال الإحسان الناشئ عن كمال ~~الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعروا به ولا بفاعله وقوله عز ~~وجل «ونمير أهلنا» أي نجلب إليهم الطعام من عند الملك معطوف على مقدر ينسحب ~~عليه رد البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا «ونحفظ أخانا» من المكاره ~~حسبما وعدنا فما يصيبه من مكروه «ونزداد» أي بواسطته ولذلك وسط الإخبار ~~بحفظه بين الأصل والمزيد «كيل بعير» أي وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا ~~على قضية التقسيط «ذلك» أي ما يحمله أباعرنا «كيل يسير» أي مكيل قليل لا ~~يقوم بأودنا فهو استئناف وقع تعليلا لما سبق كأنه قيل أي حاجة إلى الازدياد ~~فقيل ما قيل أو ذلك الكيل الزائد شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك أو سهل ~~عليه لا يتعاظمه أو أي مطلب نطلب من مهماتنا والجملة الواقعة بعده توضيح ~~PageV04P290 # وبيان لما يشعر به الإنكار من كونهم فائزين ببعض المطالب أو متمكنين من ~~تحصيله فكأنهم قالوا بضاعتنا حاضرة فنستظهر بها ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ~~فما يصيبه شيء من المكاره ونزداد بسببه غير ما نكتاله لأنفسنا كيل بعير فأي ~~شيء نبتغي وراء هذه المباغي وقريء ما تبغي على خطاب يعقوب عليه السلام أي ~~أي شيء تبغي وراء هذه المباغي المشتملة على سلامة أخينا وسعة ذات أيدينا أو ~~وراء ما فعل بنا الملك من الإحسان داعيا ms1689 إلى التوجه إليه والجملة ~~الإستئنافية موضحة لذلك أو أي شيء تبغي شاهدا على صدقنا فيما وصفنا لك من ~~إحسانه والجملة المذكورة عبارة عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإنكار وإما ~~نافية فالمعنى ما نبغي شيئا غير ما رأينا من إحسان الملك في وجوب المراجعة ~~إليه أو ما نبغي غير هذه المباغي وقيل ما نطلب منك بضاعة أخرى والجملة ~~المستأنفة تعليل له وأما إذا فسر البغي بمجاوزة الحد فما نافية فقط والمعنى ~~ما نبغي في القول وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه ~~الموجب لما ذكر والجملة المستأنفة لبيان ما ادعوا من عدم البغي وقوله ونمير ~~أهلنا عطف على ما نبغي أي ما نبغي فيما ذكرنا من إحسانه وتحصيل أمثاله من ~~مير أهلنا وحفظ أخينا فإن ذلك أهون شيء بواسطة إحسانه وقد جوز أن يكون ~~كلاما مبتدأ أي جملة اعتراضية تذييلية على معنى وينبغي أن نمير أهلنا وشبه ~~ذلك بقولك سعيت في حاجة فلان ويجب أن أسعى وأنت خبير بأن شأن الجمل ~~التذييلية أن تكون مؤكدة لمضمون الصدر ومقررة له كما في المثال المذكور ~~وقولك فلان ينطق بالحق فالحق أبلج وإن قوله ونمير الخ وإن ساعدنا في حمله ~~على معنى ينبغي أن نمير أهلنا بمعزل من ذلك أو ما نبغي في الرأي وما نعدل ~~عن الصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا والجمل إلى آخرها تفصيل ~~وبيان لعدم بغيهم وإصابة رأيهم أي بضاعتنا حاضرة نستظهر بها ونمير أهلها ~~ونصنع كيت وذيت فتأمل «قال لن أرسله معكم» بعدما عاينت منكم ما عاينت «حتى ~~تؤتون موثقا من الله» أي ما أتوثق به من جهة الله عز وجل وإنما جعله موثقا ~~منه تعالى لأن تأكيد العهود به مأذون فيه من جهته تعالى فهو إذن منه عز وجل ~~«لتأتنني به» جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به «إلا أن ~~يحاط بكم» أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلكوا وأصله من إحاطة ~~العدو فإن من أحاط ms1690 به العدو فقد هلك غالبا وهو استثناء من أعم الأحوال أو ~~أعم العلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتنني به ولا ~~تمتنعن منه في حال من الأحوال أو لعله من العلل إلا حال الإحاطة بكم أو ~~لعلة الإحاطة بكم ونظيره قولهم أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت أي ما أريد ~~منك إلا فعلك وقد جوز الأول بلا تأويل أيضا أي لتأتنني به على كل حال إلا ~~حال الإحاطة بكم وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيان به من الأفعال الممتدة ~~الشاملة للأحوال على سبيل المعية كما في قولك لألزمنك إلا أن تعطيني حقي ~~ولم يكن مراده عليه السلام مقارنته على سبيل البدل لما عدا الحال المستثناة ~~كما إذا قلت صل إلا أن تكون PageV04P291 # محدثا بل مجرد تحققه ووقوعه من غير إخلال به كما في قولك لأحجن العام إلا ~~أن أحصر فإن مرادك إنما هو الإخبار بعدم منع ما سوى حال الإحصار عن الحج ~~إلا الإخبار بمقارنته لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادك في مثال ~~الصلاة كان اعتبار الأحوال معه من حيث عدم منعها منه فآل المعنى إلى ~~التأويل المذكور «فلما آتوه موثقهم» عهدهم من الله حسبما أراد يعقوب عليه ~~السلام «قال الله على ما نقول» أي على ما قلنا في أثناء طلب الموثق وإيتائه ~~من الجانبين وإيثار صيغة الاستقبال لاستحضار صورته المؤدي إلى تثبتهم ~~ومحافظتهم على تذكره ومراقبته «وكيل» مطلع رقيب يريد به عرض ثقته بالله ~~تعالى وحثهم على مراعاة ميثاقهم «وقال» ناصحا لهم لما أزمع على إرسالهم ~~جميعا «يا بني لا تدخلوا» مصر «من باب واحد» نهاهم عن ذلك حذارا من إصابة ~~العين فإنهم كانوا ذوي جمال وشارة حسنة وقد كانوا تجملوا في هذه الكرة أكثر ~~مما في المرة الأولى وقد اشتهروا في مصر بالكرامة والزلفى لدى الملك بخلاف ~~النوبة الأولى فكانوا مئنة لدنو كل ناظر وطموح كل طامح وإصابة العين بتقدير ~~العزيز الحكيم ليست مما ينكر وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ms1691 إن العين حق ~~وعنه صلى الله عليه وسلم إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله أعوذ بكلمات الله ~~التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة وكان صلى الله عليه وسلم يقول ~~كان أبوكما يعوذ بها إسماعيل وإسحاق عليهم السلام رواه البخاري في صحيحه ~~وقد شهدت بذلك التجارب ولما لم يكن عدم الدخول من باب واحد مستلزما للدخول ~~من أبواب متفرقة وكان في دخولهم من بابين أو ثلاثة بعض ما في الدخول من باب ~~واحد من نوع اجتماع مصحح لوقوع المحذور قال «وادخلوا من أبواب متفرقة» ~~بيانا لما هو المراد بالنهي وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزما له ~~إظهار لكمال العناية وإيذانا بأنه المراد بالأمر المذكور لا تحقيق لشيء آخر ~~«وما أغني عنكم» أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري «من الله من شيء» أي ~~شيئا مما قضى عليكم فإن الحذر لا يمنع القدر ولم يرد به عليه السلام إلغاء ~~الحذر بالمرة كيف لا وقد قال عز قائلا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال ~~خذوا حذركم بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة بل ~~هو تدبير في الجملة وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير وأن ~~ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه «إن الحكم» ~~مطلقا «إلا لله» لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء «عليه» لا على أحد سواه ~~«توكلت» في كل ما آتي وأذر وفيه دلالة على أن ترتيب الأسباب غير مخل ~~بالتوكل «وعليه» دون غيره «فليتوكل المتوكلون» جمع بين الحرفين في عطف ~~الجملة على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص مقيدا بالواو وعطف فعل غيره من ~~تخصيص التوكل بالله عز وجل على فعل نفسه وبإلقاء سببية فعله لكونه نبيا ~~لفعل غيره من المقتدين به فيدخل فيهم بنوه دخولا أوليا وفيه ما لا يخفى من ~~حسن هدايتهم وإرشادهم إلى التوكل فيما هم بصدده ms1692 على الله عز وجل غير مغترين ~~PageV04P292 # بما وصاهم به من التدبير «ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم» من الأبواب ~~المتفرقة من البلد قيل كانت له أربعة أبواب فدخلوا منها وإنما أكتفي بذكره ~~لاستلزامه الانتهاء عما نهوا عنه «ما كان» ذلك الدخول «يغني» فيما سيأتي ~~عند وقوع ما وقع «عنهم» عن الداخلين لأن المقصود به استدفاع الضرر عنهم ~~والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقيق المقارنة الواجبة بين جواب لما ~~ومدخوله فإن عدم الإغناء بالفعل إنما يتحقق عند نزول المحذور لا وقت الدخول ~~وإنما المتحقق حينئذ ما أفاده الجمع المذكور من عدم كون الدخول المذكور ~~مغنيا فيما سيأتي فتأمل «من الله» من جهته «من شيء» أي شيئا مما قضاه عليهم ~~مع كونه مظنة لذلك في بادي الرأي حيث وصاهم به يعقوب عليه السلام وعملوا ~~بموجبه واثقين بجدواه من فضل الله تعالى فليس المراد بيان سببية الدخول ~~المذكور لعدم الإغناء كما في قوله تعالى فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا ~~نفورا فإن مجيء النذير هناك سبب لزيادة نفورهم بل بيان عدم سببيته للإغناء ~~مع كونها متوقعة في بادي الرأي كما في قولك حلف أن يعطيني حقي عند حلول ~~الأجل فلما حل لم يعطني شيئا فإن المراد بيان عدم سببية حلول الأجل للإعطاء ~~مع كونها مرجوة بموجب الحلف لا بيان سببيته لعدم الإعطاء فالمآل بيان عدم ~~ترتب الغرض المقصود على التدبير المعهود مع كونه مرجو الوجود لا بيان ترتب ~~عدمه عليه ويجوز أن يراد ذلك أيضا بناء على ما ذكره عليه السلام في تضاعيف ~~وصيته من أنه لا يغني عنهم من الله شيئا فكأنه قيل ولما فعلوا ما وصاهم به ~~لم يفد ذلك شيئا ووقع الأمر حسبما قال عليه السلام فلقوا ما لقوا فيكون من ~~باب وقوع المتوقع فتأمل «إلا حاجة» استثناء منقطع أي ولكن حاجة وحرازة ~~كائنة «في نفس يعقوب قضاها» أي أظهرها ووصاهم بها دفعا للخاطرة غير معتقد ~~أن للتدبير تأثيرا في تغيير التقدير وقد جعل ضمير الفاعل في قضاها للدخول ~~على ms1693 معنى أن ذلك الدخول قضى حاجة في نفس يعقوب وهي إرادته أن يكون دخولهم ~~من أبواب متفرقة فالمعنى ما كان ذلك الدخول يغني عنهم من جهة الله تعالى ~~شيئا ولكن قضى حاجة حاصلة في نفس يعقوب بوقوعه حسب إرادته فالإستثناء منقطع ~~أيضا وعلى التقديرين لم يكن للتدبير فائدة سوى دفع الخاطرة وأما إصابة ~~العين فإنما لم تقع لكونها غير مقدرة عليهم لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها ~~مقتضية عليهم «وإنه لذو علم» جليل «لما علمناه» لتعليمنا إياه بالوحي ونصب ~~الأدلة حيث لم يعتقد أن الحذر يدفع القدر وأن التدبير له حظ من التأثير حتى ~~يتبين الخلل في رأيه عند تخلف الأثر أو حيث بت القول بأنه لا يغني عنهم من ~~الله شيئا فكان الحال كما قال وفي تأكيد الجملة بأن واللام وتنكير العلم ~~وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدلالة على جلالة شأن يعقوب ~~عليه السلام وعلو مرتبة علمه وفخامته ما لا يخفى «ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون» أسرار القدر ويزعمون أنه يغني عنه الحذر وأما ما يقال من أن المعنى ~~لا يعلمون إيجاب الحذر مع أنه لا يغني شيئا من القدر فيأباه مقام بيان تخلف ~~المطلوب عن المبادي PageV04P293 # «ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه» بنيامين أي ضمه إليه في الطعام أو ~~في المنزل أو فيهما روى أنهم لما دخلوا عليه قالوا له هذا أخونا قد جئناك ~~به فقال لهم أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى ~~فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه فقال يوسف ~~بقي أخوكم فريدا وأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كل اثنين منهم ~~بيتا فقال هذا لا ثاني معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى ~~أصبح وسأله عن ولده فقال لي عشرة بنين أشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك ~~فقال له أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال من يجد أخا مثلك ولكن لم ~~يلدك يعقوب ولا راحيل ms1694 فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ذلك «قال ~~إني أنا أخوك» يوسف «فلا تبتئس» أي فلا تحزن «بما كانوا يعملون» بنا فيما ~~مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تعلمهم بما أعلمتك قاله ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن وهب إنه لم يتعرف إليه بل قال له أنا ~~أخوك بدل أخيك المفقود ومعنى فلا تبتئس لا تحزن بما كنت تلقى منهم من الحسد ~~والأذى فقد أمنتهم وروى أنه قال له فأنا لا أفارقك قال قد علمت باغتمام ~~والدي بي فإذا حبستك يزداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا ~~يجمل قال لا أبالي فأفعل ما بدا لك قال أدس صاعى في رحلك ثم أنادى عليك ~~بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم قال افعل «فلما جهزهم بجهازهم ~~جعل السقاية» أي المشربة قيل كانت مشربة جعلت صاعا يكال به وقيل كانت تسقى ~~بها الدواب ويكال بها الحبوب وكانت من فضة وقيل من ذهب وقيل من فضة مموهة ~~بالذهب وقيل كانت إناء مستطيلة تشبه المكوك الفارسي الذي يلتقى طرفاه ~~يستعمله الأعاجم وقيل كانت مرصعة بالجواهر «في رحل أخيه» بنيامين وقرئ وجعل ~~على حذف جواب لما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا «ثم أذن مؤذن» نادى مناد ~~«أيتها العير» وهي الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء وقيل ~~هي قافلة الحمير ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وأصلها فعل ~~مثل سقف وسقف ففعل به ما فعل ببيض وغيد والمراد أصحابها كما في قوله عليه ~~السلام يا خيل الله اركبى روى أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا منزلا ~~وقيل خرجوا من العمارة ثم أمر بهم فأدركوا ونودوا «إنكم لسارقون» هذا ~~الخطاب إن كان يأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذهم له من أبيه ودخول ~~بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه والأول هو ~~الأظهر الأوفق للسياق وقرأ اليماني سارقون بلا لام «قالوا» أي الأخوة ~~«وأقبلوا ms1695 PageV04P294 # عليهم» جملة حالية من ضمير قالوا جيء بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه ~~لمباينته لحالهم «ماذا تفقدون» أي تعدمون تقول فقدت الشيء إذا عدمته بأن ضل ~~عنك لا بفعلك والمآل ماذا أضاع عنكم وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة وقريء ~~تفقدون من أفقدته إذا وجدته فقيدا وعلى التقديرين فالعدول عما يقتضيه ~~الظاهر من قولهم ماذا سرق منكم لبيان كمال نزاهتهم بإظهار أنه لم يسرق منهم ~~شيء فضلا أن يكونوا هم السارقين له وإنما الممكن أن يضيع منهم شيء ~~فيسألونهم أنه ماذا وفيه إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب والاحتراز عن ~~المجازفة ونسبة البرآء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق التوكيد فلذلك ~~غيروا كلامهم حيث «قالوا» في جوابهم «نفقد صواع الملك» ولم يقولوا سرقتموه ~~أو سرق وقريء صاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها وبإهمال العين وإعجامها من ~~الصياغة ثم قالوا تربية لما تلقوه من قبلهم وإراءة لاعتقاد أنه إنما بقي في ~~رحلهم اتفاقا «ولمن جاء به» من عند نفسه مظهرا له قبل التفتيش «حمل بعير» ~~من الطعام جعلا له لا على نية تحقيق الوعد لجزمهم بامتناع وجود الشرط ~~وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد في رحله «وأنا به زعيم» كفيل أؤديه ~~إليه وهو قول المؤذن «قالوا تالله» الجمهور على أن التاء بدل من الواو ~~ولذلك لا تدخل إلا على الجلالة المعظمة أو الرب المضاف إلى الكعبة أو ~~الرحمن في قول ضعيف ولو قلت تا لرحيم لم يجز وقيل من الباء وقيل أصل بنفسها ~~وأيا ما كان ففيه تعجب «لقد علمتم» علما جازما مطابقا للواقع «ما جئنا ~~لنفسد في الأرض» أي لنسرق فإنه من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أي ~~إفساد كان مما عز أو هان فضلا عما نسبتمونا إليه من السرقة ونفي المجيء ~~للإفساد وإن لم يكن مستلزما لما هو مقتضى المقام من نفي الإفساد مطلقا ~~لكنهم جعلوا المجيء الذي يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئا لغرض ~~الإفساد مفعولا لأجله ادعاء إظهار لكمال قبحه عندهم وتربية ms1696 لاستحالة صدوره ~~عنهم كما قيل في قوله تعالى ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد الدال ~~بظاهره على نفي المبالغة في الظلم دون نفي الظلم في الجملة الذي هو مقتضى ~~المقام من أن المعنى إذا عذبت من لا يستحق التعذيب كنت ظلاما مفرطا في ~~الظلم فكأنهم قالوا إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله ~~وإظهار كمال نزاهتهم عنه يعنون أنه قد شاع بينكم في كرتي مجيئنا ما نحن ~~عليه وقد كانوا على غاية ما يكون من الديانة والصيانة فيما يأتون ويذرون ~~حتى روى أنهم دخلوا مصر وأفواه رواحلهم مكمومة لئلا تتناول زرعا أو طعاما ~~لأحد وكانوا مثابرين على فنون الطاعات وعلمتم بذلك أنه لا يصدر عنا إفساد ~~«وما كنا سارقين» أي ما كنا نوصف بالسرقة قط وإنما حكموا بعلمهم ذلك لأن ~~العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الغائبة وإنما لم يكتفوا ~~بنفي الأمرين المذكورين بل استشهدوا بعلمهم بذلك إلزاما للحجة عليهم ~~وتحقيقا للتعجب المفهوم من تاء القسم PageV04P295 # «قالوا» أي أصحاب يوسف عليه السلام «فما جزاؤه» الضمير للصواع على حذف ~~المضاف أي فما جزاء سرقته عندكم وفي شريعتكم «إن كنتم كاذبين» لا في دعوى ~~البراءة عن السرقة فإنهم صادقون فيها بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون ~~الصواع فيهم كما يؤذن به قوله عز وجل «قالوا جزاؤه من وجد» أي أخذ من وجد ~~الصواع «في رحله» حيث ذكر بعنوان الوجدان في الرحل دون عنوان السرقة وإن ~~كان ذلك مستلزما لها في اعتقادهم المبني على قواعد العادة ولذلك أجابوا بما ~~أجابوا فإن الأخذ والإسترقاق سنة إنما هو جزاء السارق دون من وجد في يده ~~مال غيره كيفما كان فتأمل واحمل كلام كل فريق على ما لا يزاحم رأيه فإنه ~~أقرب إلى معنى الكيد وأبعد من الافتراء وقوله تعالى «فهو جزاؤه» تقرير لذلك ~~الحكم أي فأخذه جزاؤه كقولك حق الضيف أن يكرم فهو حقه ويجوز أن يكون جزاؤه ~~مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره على إقامة الظاهر مقام ms1697 المضمر والأصل ~~جزاؤه من وجد في رحله فهو هو على أن الأول لمن والثاني للظاهر الذي وضع ~~موضعه «كذلك» أي مثل ذلك الجزاء الأوفى «نجزي الظالمين» بالسرقة تأكيد ~~للحكم المذكور غب تأكيد وبيان لقبح السرقة ولقد فعلوا ذلك ثقة بكمال ~~براءتهم عنها وهم عما فعل بهم غافلون «فبدأ» يوسف بعد ما راجعوا إليه ~~للتفتيش «بأوعيتهم» بأوعية الأخوة العشرة أي بتفتيشها قبل تفتيش «وعاء ~~أخيه» بنيامين لنفي التهمة روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه قال ما أظن ~~هذا أخذ شيئا فقالوا والله لا نتركه حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ~~وأنفسنا «ثم استخرجها» أي السقاية أو الصواع فإنه يذكر ويؤنث «من وعاء ~~أخيه» لم يقل منه على رجع الضمير إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه ~~قصدا إلى زيادة كشف وبيان وقريء بضم الواو وبقلبها همزة كما في أشاح في ~~وشاح «كذلك» نصب على المصدرية والكاف مقحمة الدلالة على فخامة المشار إليه ~~وكذا ما في ذلك من معنى البعد أي مثل ذلك الكيد العجيب وهو عبارة عن إرشاد ~~الأخوة إلى الإفتاء المذكور بإجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة ~~المستفتين من حيث لم يحتسبوا فمعنى قوله عز وجل «كدنا ليوسف» صنعنا له ~~ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه ~~فاللام ليست كما في قوله فيكيدوا لك كيدا فإنها داخلة على المتضرر على ما ~~هو الاستعمال الشائع وقوله تعالى «ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك» استئناف ~~وتعليل لذلك الكيد وصنعه لا تفسير وبيان له كما قيل كأنه قيل لماذا فعل ذلك ~~فقيل لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعله في دين الملك في أمر السارق أي في ~~سلطانه قاله ابن عباس PageV04P296 # أو في حكمه وقضائه قاله قتادة إلا به لأن جزاء السارق في دينه إنما كان ~~ضربه وتغريمه ضعف ما أخذ دون الاسترقاق والاستعباد كما هو شريعة يعقوب عليه ~~السلام فلم يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بالسرقة التي نسبها إليه ms1698 في حال ~~من الأحوال «إلا أن يشاء الله» أي إلا حال مشيئته التي هي عبارة عن إرادته ~~لذلك الكيد أو إلا حال مشيئته للأخذ بذلك الوجه ويجوز أن يكون الكيد عبارة ~~عنه وعن مباديه المؤدية إليه جميعا من إرشاد يوسف وقومه إلى ما صدر عنهم من ~~الأفعال والأقوال حسبما شرح مرتبا لكن لا على أن يكون القصر المستفاد من ~~تقديم المجرور مأخوذا بالنسبة إلى غيره مطلقا على معنى مثل ذلك الكيد كدنا ~~لا كيدا آخر إذ لا معنى لتعليله بعجز يوسف عن أخذ أخيه في دين الملك في شأن ~~السارق قطعا إذا لا علاقة بين مطلق الكيد ودين الملك في أمر السارق أصلا بل ~~بالنسبة إلى بعضه على معنى مثل ذلك الكيد البالغ إلى هذا الحد كدنا له ولم ~~نكتف ببعض من ذلك لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حال مشيئتنا ~~له بإيجاد ما يجري مجرى الجزاء الصوري من العلة التامة وهو إرشاد إخوته إلى ~~الإفتاء المذكور وعلى هذا ينبغي أن يحمل القصر في تفسير من فسر قوله تعالى ~~كدنا ليوسف بقوله علمناه إياه وأوحينا به إليه أي مثل ذلك التعليم المستتبع ~~لما شرح مرتبا علمناه دون بعض من ذلك فقط الخ وعلى كل حال فالإستثناء من ~~أعم الأحوال كما أشير إليه ويجوز أن يكون من أعم العلل والأسباب أي لم يكن ~~يأخذ أخاه لعلة من العلل أو بسبب من الأسباب إلا لعلة مشيئته تعالى أو إلا ~~بسبب مشيئته تعالى وأيا ما كان فهو متصل لأن أخذ السارق إذا كان ممن يرى ~~ذلك ويعتقده دينا لا سيما عند رضاه وإفتائه به ليس مخالفا لدين الملك وقد ~~قيل معنى الاستثناء إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك وأنت ~~تدري أن المراد بدينه ما عليه حينئذ فتغييره مخل بالاتصال وإرادة مطلق ما ~~يتدين به أعم منه ومما يحدث تفضي إلى كون الاستثناء من قبيل التطبيق ~~بالمحال إذ المقصود بيان عجز يوسف عليه السلام عن أخذ ms1699 أخيه حينئذ ولم تتعلق ~~المشيئة بالجعل المذكور إذا ذاك وإرادة عجزه مطلقا تؤدي إلى خلاف المراد ~~فإن استثناء حال المشيئة المذكورة من أحوال عجزه عليه السلام مما يشعر بعدم ~~الحاجة إلى الكيد المذكور فتدبر وقد جوز الانقطاع أي لكن أخذه بمشيئة الله ~~تعالى وإذنه في دين غير دين الملك «نرفع درجات» أي رتبا كثيرة عالية من ~~العلم وانتصابها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات ~~والمفعول قوله تعالى «من نشاء» أي نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه ~~المصلحة كما رفعنا يوسف وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بأن ذلك سنة مستمرة ~~غير مختصة بهذه المادة والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب «وفوق كل ذي ~~علم» من أولئك المرفوعين «عليم» لا ينالون شأوه واعمل أنه إن جعل الكيد ~~عبارة عن المعنيين الأولين فالمراد برفع يوسف عليه السلام ما اعتبر فيه ~~بالشرطية أو الشطرية من إرشاده عليه السلام إلى دس الصواع في رحل أخيه وما ~~يتفرع عليه من المقدمات المرتبة لاستبقاء أخيه مما يتم من قبله والمعنى ~~أرشدنا أخوته إلى الإفتاء المذكور لأنه لم يكن متمكنا من أخذ أخيه بدونه أو ~~أرشدنا كلا منهم ومن يوسف وأصحابه إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم من قبل ~~يوسف فقط لأنه لم يكن متمكنا من أخذ أخيه بذلك فقوله تعالى نرفع درجات إلى ~~PageV04P297 # قوله تعالى عليم توضيح لذلك على معنى أن الرفع المذكور لا يوجب تمام ~~مرامه إذ ليس ذلك بحيث لا يعزب عن علمه شيء بل إنما نرفع كل من نرفع حسب ~~استعداده وفوق كل واحد منهم عليم لا يقادر قدر علمه ولا يكتنه كنهه يرفع ~~كلا منهم إلى ما يليق به من معارج العلم ومدارجه وقد رفع يوسف إلى ما يليق ~~به من الدرجات العالية وعلم أن ما حواه دائرة علمه لا يفي بمرامه فأرشد ~~إخوته إلى الإفتاء المذكور فكان ما كان وكأنه عليه السلام لم يكن على يقين ~~من صدور الإفتاء المذكور عن إخوته وإن كان على ms1700 طمع منه فإن ذلك إلى الله عز ~~وجل وجودا وعلما والتعرض لوصف العلم لتعيين جهة الفوقية وفي صيغة المبالغة ~~مع التنكير والالتفات إلى الغيبة من الدلالة على فخامة شأنه عز وعلا وجلالة ~~مقدار علمه المحيط ما لا يخفى وأما إن جعل عبارة عن التعليم المستتبع ~~للإفتاء المذكور فالرفع عبارة عن ذلك التعليم والإفتاء وإن لم يكن داخلا ~~تحت قدرته عليه السلام لكنه كان داخلا تحت عمله بواسطة الوحي والتعليم ~~والمعنى مثل ذلك التعليم البالغ إلى هذا الحد علمناه ولم نقتصر على تعليم ~~ما عدا الإفتاء الذي سيصدر عن إخوته إذ لم يكن متمكنا من أخذ أخيه إلا بذلك ~~فقوله نرفع درجات من نشاء توضيح لقوله كدنا وبيان لأن ذلك من باب الرفع إلى ~~الدرجات العالية من العلم ومدح ليوسف برفعه إليها وقوله وفوق كل ذي علم ~~عليم تذييل له أي نرفع درجات عالية من العلم من نشاء رفعه وفوق كل منهم ~~عليم هو أعلى درجة قال ابن عباس رضي الله عنهما فوق كل عالم عالم إلى أن ~~ينتهي العلم إلى الله تعالى والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء ~~إلا أن يوسف عليه السلام أفضل منهم وقرئ درجات من نشاء بالإضافة والأول ~~أنسب بالتذييل حيث نسب فيه الرفع إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى درجته ~~ويجوز أن يكون العليم في هذا التفسير أيضا عبارة عن الله عز وجل أي وفوق كل ~~من أولئك المرفوعين عليم يرفع كلا منهم إلى درجته اللائقة به والله تعالى ~~أعلم «قالوا إن يسرق» يعنون بنيامين «فقد سرق أخ له من قبل» يريدون به يوسف ~~عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمته على ما قيل من أنها كانت تحضنه فلما ~~شب أراد يعقوب عليه السلام انتزاعه منها وكانت لا تصبر عنه ساعة وكانت لها ~~منطقة ورثتها من أبيها إسحق عليه السلام فاحتالت لاستبقاء يوسف عليه السلام ~~فعمدت إلى المنطقة فحزمتها عليه من تحت ثيابه ثم قالت فقدت منطقة إسحاق ~~عليه السلام فانظروا من ms1701 أخذها فوجدوها محزومة على يوسف فقالت إنه لي سلم ~~أفعل به ما أشاء فخلاه يعقوب عليه السلام عندها حتى ماتت وقيل كان أخذ في ~~صباه صنما لأبي أمه فكسره وألقاه في الجيف وقيل دخل كنيسة فأخذ تمثالا ~~صغيرا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه «فأسرها يوسف» أي أكن الحزازة الحاصلة ~~مما قالوا «في نفسه» لا أنه أسرها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى وأسررت ~~لهم إسرارا «ولم يبدها لهم» لا قولا ولا فعلا صفحا عنهم وحلما وهو تأكيد ~~لما سبق «قال» أي في نفسه وهو استئناف PageV04P298 # مبني على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنه قيل فماذا قال في ~~نفسه في تضاعيف ذلك الإسرار فقيل قال «أنتم شر مكانا» أي منزلة حيث سرقتم ~~أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء وقيل بدل من أسرها والضمير ~~للمقالة المفسرة بقوله أنتم شر مكانا «والله أعلم بما تصفون» أي عالم علما ~~بالغا إلى أقصى المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا بل ~~إنما هو افتراء علينا فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه عز وجل على ~~علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم «قالوا» عندما شاهدوا مخايل أخذ بنيامين ~~مستطفين «يا أيها العزيز إن له أبا» لم يريدوا بذلك الإخبار بأن له أبا فإن ~~ذلك معلوم مما سبق وإنما أرادوا الإخبار بأن له أبا «شيخا كبيرا» في السن ~~لا يكاد يستطيع فراقه وهو علالة به يتعلل عن شقيقه الهالك «فخذ أحدنا ~~مكانه» فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة «إنا نراك من المحسنين» إلينا ~~فأتمم إحسانك بهذه التتمة أو المتعودين بالإحسان فلا تغير عادتك «قال معاذ ~~الله» أي نعوذ بالله معاذا من «أن نأخذ» فحذف الفعل وأقيم مقامه المصدر ~~مضافا إلى المفعول به بعد حذف الجار «إلا من وجدنا متاعنا عنده» لأن أخذنا ~~له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلال بموجبها وإيثار صيغة التكلم مع ~~الغير مع كون الخطاب من جانب إخوته على التوحيد من باب السلوك إلى سنن ~~الملوك ms1702 أو للإشعار بأن الأخذ والإعطاء ليس مما يستبد به بل هو منوط بآراء ~~أولى الحل والعقد وإيثار من وجدنا متاعنا عنده دون سرق متاعنا لتحقيق الحق ~~والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحملون وجدان الصواع ~~في الرحل على محمل غير السرقة «إنا إذا» أي إذا أخذنا غير من وجدنا متاعنا ~~عنده ولو برضاه «لظالمون» في مذهبكم وما لنا ذلك وهذا المعنى هو الذي أريد ~~بالكلام في أثناء الحوار وله معنى باطن هو أن الله عز وجل إنما أمرني ~~بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح علمها الله في ذلك فلو أخذت غيره كنت ظالما ~~وعاملا بخلاف الوحي «فلما استيأسوا منه» أي يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشد ~~يأس بدلالة صيغة الاستفعال وإنما حصلت لهم هذه المرتبة من اليأس لما شاهدوه ~~من عوذه بالله مما طلبوه الدال على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة ~~وأنه مما يجب أن يحترز عنه ويعاذ منه بالله عز وجل ومن تسميته ظلما بقوله ~~إنا إذا لظالمون «خلصوا» اعتزلوا وانفردوا عن الناس «نجيا» أي ذوي نجوى على ~~أن يكون بمعنى النجوى والتناجي أو فوجا نجيا على أن يكون بمعنى المناجي ~~كالشعير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر PageV04P299 # ومنه قوله تعالى وقربناه نجيا ويجوز أن يقال هم نجى كما يقال هم صديق ~~لأنه بزنة المصادر من الزفير والزئير «قال كبيرهم» في السن وهو روبيل أو في ~~العقل وهو يهوذا أو رئيسهم شمعون «ألم تعلموا» كأنهم أجمعوا عند التناجي ~~على الانقلاب جملة ولم يرض به فقال منكرا عليهم ألم تعلموا «أن أباكم قد ~~أخذ عليكم موثقا من الله» عهدا يوثق به وهو حلفهم بالله تعالى وكونه من ~~الله لإذنه فيه وكون الحلف باسمه الكريم «ومن قبل» أي ومن قبل هذا «ما ~~فرطتم في يوسف» قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهد أبيكم وقد قلتم وإنا له ~~لناصحون وإنا له لحافظون وما مزيدة أو مصدرية ومحل المصدر النصب عطفا على ~~مفعول تعلموا أي ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا ms1703 وتفريطكم السابق في شأن ~~يوسف عليه السلام ولا ضير في الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف وقد جوز ~~النصب عطفا على اسم أن والخبر في يوسف أو من قبل على معنى ألم تعلموا أن ~~تفريطكم السابق وقع في شأن يوسف عليه السلام أو أن تفريطكم الكائن أو كائنا ~~في شأن يوسف عليه السلام وقع من قبل وفيه أن مقتضى المقام إنما هو الإخبار ~~بوقوع ذلك التفريط لا بكون تفريطهم السابق واقعا في شأن يوسف كما هو مفاد ~~الأول ولا بكون تفريطهم الكائن في شأنه واقعا من قبل كما هو مفاد الثاني ~~على أن الظرف المقطوع عن الإضافة لا يقع خبرا ولا صفة ولا صلة ولا حالا عند ~~البعض كما تقرر في موضعه وقيل محله الرفع على الابتداء والخبر من قبل وفيه ~~ما فيه وقيل ما موصولة أو موصوفة ومحلها النصب عطفا على مفعول تعلموا أي ما ~~فرطتموه بمعنى قدمتموه في حقه من الخيانة وأما النصب عطفا على اسم أن ~~والرفع على الابتداء فقد عرفت حاله «فلن أبرح الأرض» متفرع على ما ذكره ~~وذكره إياهم من ميثاق أبيه وقوله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم أي فلن أفارق ~~أرض مصر جاريا على قضية الميثاق «حتى يأذن لي أبي» في البراح بالانصراف ~~إليه وكأن أيمانهم كانت معقودة على عدم الرجوع بغير إذن يعقوب عليه السلام ~~«أو يحكم الله لي» بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص ~~أخي بسبب من الأسباب روى أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل أيها ~~الملك لتردن إلينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقت ولدها ~~ووقفت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لا يطاقون ~~خلا أنه إذا مس من غضب واحد منهم سكن غضبه فقال يوسف لابنه قم إلى جنبه ~~فمسه فمسه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد بذرا من بذر يعقوب «وهو خير ~~الحاكمين» إذا لا يحكم إلا بالحق والعدل «ارجعوا» أنتم ms1704 «إلى أبيكم فقولوا ~~يا أبانا إن ابنك سرق» على ظاهر الحال وقرئ سرق أي نسب إلى السرقة «وما ~~شهدنا» عليه «إلا بما علمنا» وشاهدنا أن الصواع استخرجت من وعائه «وما كنا ~~للغيب» أي باطن الحال «حافظين» فما ندري أن حقيقة الأمر كما شاهدنا أم ~~بخلافه أو وما كنا عالمين حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق أو أنا PageV04P300 # نلاقي هذا الأمر أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف «واسأل القرية التي كنا ~~فيها» أي مصر أو قرية بقربها لحقهم المنادي عندها أي أرسل إلى أهلها ~~واسألهم عن القصة «والعير التي أقبلنا فيها» أي أصحابها فإن القصة معروفة ~~فيما بينهم وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب عليه السلام وقيل من صنعاء ~~«وإنا لصادقون» تأكيد في محل القسم «قال» أي يعقوب عليه السلام وهو استئناف ~~مبني على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل فماذا كان عند قول المتوقف لإخوته ما ~~قال فقيل قال يعقوب عندما رجعوا إليه فقالوا له ما قالوا وإنما حذف للإيذان ~~بأن مسارعتهم إلى قبوله ورجوعهم به إلى أبيهم أمر مسلم غني عن البيان وإنما ~~المحتاج إليه جواب أبيهم «بل سولت» أي زينت وسهلت وهو إضراب لا عن صريح ~~كلامهم فإنهم صادقون في ذلك بل عما يقتضيه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما ~~نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما يؤدي إلى ذلك من قول أو فعل كأنه قيل لم يكن ~~الأمر كذلك بل زينت «لكم أنفسكم أمرا» من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم ~~بأخذ السارق بسرقته «فصبر جميل» أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل «عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا» بيوسف وأخيه والمتوقف بمصر «إنه هو العليم» ~~بحالي وحالهم «الحكيم» الذي لم يبتلني إلا لحكمة بالغة «وتولى» أي أعرض ~~«عنهم» كراهة لما سمع منهم «وقال يا أسفى على يوسف» الأسف أشد الحزن ~~والحسرة أضافه إلى نفسه والألف بدل من الياء فناداه أي يا أسفي تعالى فهذا ~~أوانك وإنما أسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن ms1705 رزأه كان قاعدة ~~الأرزاء غضا عنده وإن تقادم عهده آخذا بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان ~~واثقا بحياتهما عالما بمكانهما طامعا في إيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ~~ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمه الله تعالى وفضله وفي الخبر لم تعط أمة من ~~الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يرى ~~إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع بل قال ما قال والتجانس بين لفظي ~~الأسف ويوسف مما يزيد النظم الكريم بهجة كما في قوله عز وجل وهم ينهون عنه ~~وينأون عنه وقوله إثاقلتم إلى الأرض أرضيتم وقوله ثم كلي من كل الثمرات ~~وجئتك من سبأ بنبأ يقين ونظائرها «وابيضت عيناه من الحزن» الموجب للبكاء ~~فإن العبرة إذا كثرت محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر قيل قد عمي بصره ~~وقيل كان يدرك إدراكا ضعيفا روى أنه ما جفت عينا يعقوب من يوم فراق يوسف ~~إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على الله عز وجل من ~~يعقوب عليه السلام وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه ~~السلام ما بلغ من وجد يعقوب عليه السلام PageV04P301 # على يوسف قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الأجر قال أجر مائة شهيد ~~وما ساء ظنه بالله ساعة قط وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب ~~فإن الكف عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ~~ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال القلب يحزن ~~والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون وإنما ~~الذي لا يجوز ما يفعله الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الخدود والصدور وشق ~~الجيوب وتمزيق الثياب وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بكى على ولد بعض ~~بناته وهو يجود بنفسه فقيل يا رسول الله تبكى وقد نهيتنا عن البكاء فقال ما ~~نهيتهم عن البكاء وإنما ms1706 نهيتكم عن صورتين أحمقين صوت عند الفرح وصوت عند ~~الترح «فهو كظيم» مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره فعيل ~~بمعنى مفعول بدليل قوله تعالى وهو مكظوم من كظم السقاء إذا شده على ملئه أو ~~بمعنى فاعل كقوله والكاظمين الغيظ من كظم الغيظ إذا اجترعه وأصله كظم ~~البعير جرته إذا ردها في جوفه «قالوا تالله تفتأ» أي لا تفتأ ولا تزال ~~«تذكر يوسف» تفجعا عليه فحذف حرف النفي كما في قوله * فقلت يمين الله أبرح ~~قاعدا * لعدم الالتباس بالإثبات فإن القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات ~~يكون على النفي البتة «حتى تكون حرضا» مريضا مشفيا على الهلاك وقيل الحرض ~~من أذابه هم أو مرض وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع ~~والنعت منه بالكسر كدنف وقد قريء به وبضمتين كجنب وغرب «أو تكون من ~~الهالكين» أي الميتين «قال إنما أشكو بثي» البث أصعب الهم الذي لا يصبر ~~عليه صاحبه فيبثه إلى الناس أي ينشره فكأنهم قالوا له ما قالوا بطريق ~~التسلية والإشكاء فقال لهم إني لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم حتى ~~تتصدوا لتسليتي وإنما أشكو همي «وحزني إلى الله» تعالى ملتجئا إلى جنابه ~~متضرعا لدى بابه في دفعه وقري بفتحتين وضمتين «وأعلم من الله ما لا تعلمون» ~~من لطفه ورحمته فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي أو أعلم وحيا أو ~~إلهاما من جهته ما لا تعلمون من حياة يوسف قيل رأى ملك الموت في المنام ~~فسأله عنه فقال هو حي وقيل علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنه سيخر له أبواه ~~وإخوته سجدا «يا بني اذهبوا فتحسسوا» أي تعرفوا وهو تفعل من الحس وقريء ~~بالجيم من الجس وهو الطلب أي تطلبوا «من يوسف وأخيه» أي من خبرهما ولم يذكر ~~الثالث لأن غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها «ولا تيأسوا من روح الله» لا ~~تقنطوا من فرجه وتنفيسه وقريء بضم الراء أي من رحمته التي يحيي بها العباد ms1707 ~~وهذا إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله وأعلم من الله ما لا PageV04P302 # تعلمون ثم حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله «إنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرون» لعدم علمهم بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا يقنط في ~~حال من الأحوال «فلما دخلوا عليه» أي على يوسف بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب ~~أمر أبيهم وإنما لم يذكر ذلك إيذانا بمسارعتهم إلى ما أمروا به وإشعارا بأن ~~ذلك أمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان «قالوا يا أيها العزيز» أي الملك ~~القادر المتمنع «مسنا وأهلنا الضر» الهزال من شدة الجوع «وجئنا ببضاعة ~~مزجاة» مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها من أزجيته إذا دفعته ~~وطردته والريح تزجى السحاب قيل كانت بضاعتهم من متاع الأعراب صوفا وسمنا ~~وقيل الصنوبر وحبة الخضراء وقيل سويق المقل والأقط وقيل دراهم زيوفا لا ~~تؤخذ إلا بوضيعة وإنما قدموا ذلك ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقة ~~وهز العطف والرأفة وتحريك سلسلة المرحمة ثم قالوا «فأوف لنا الكيل» أي ~~أتممه لنا «وتصدق علينا» برد أخينا إلينا قاله الضحاك وابن جريج وهو الأنسب ~~بحالهم نظرا إلى أمر أبيهم أو بالإيفاء أو بالمسامحة وقبول المزجاة أو ~~بالزيادة على ما يساويها تفضلا وإنما سموه تصدقا تواضعا أو أرادوا التصدق ~~فوق ما يعطيهم بالثمن بناء على اختصاص حرمة الصدقة بنبينا صلى الله عليه ~~وسلم وإنما لم يبدءوا بما أمروا به استجلابا للرأفة والشفقة ليبعثوا بما ~~قدموا من رقة الحال رقة القلب والحنو على أن ما ساقوه كلام ذو وجهين فإن ~~قولهم وتصدق علينا «إن الله يجزي المتصدقين» يحتمل الحمل على المحملين ~~فلعله عليه السلام حمله على المحمل الأول ولذلك «قال» مجيبا عما عرضوا به ~~وضمنوه كلامهم من طلب رد أخيهم «هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه» وكان ~~الظاهر أن يتعرض لما فعلوا بأخيه فقط وإنما تعرض لما فعلوا بيوسف ~~لاشتراكهما في قوع الفعل عليهما فإن المراد بذلك إفرادهم له عن يوسف ~~وإذلاله بذلك حتى كان ms1708 لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة أي هل تبتم عن ذلك ~~بعد علمكم بقبحه فهو سؤال عن الملزوم والمراد لازمه «إذ أنتم جاهلون» بقبحه ~~فلذلك أقدمتم على ذلك أو جاهلون عاقبته وإنما قاله نصحا لهم وتحريضا على ~~التوبة وشفقة عليهم لما رأى عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريبا ويجوز أن ~~يكون هذا الكلام منه عليه السلام منقطعا عن كلامهم وتنبيها لهم على ما هو ~~حقهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحض في طلب بنيامين بل يجوز ~~أن يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه وإرساله إياهم ~~للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال وقيل أعطوه ~~كتاب يعقوب عليه السلام وقد كتب فيه كتاب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ~~ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا أهل بيت موكل ~~بنا البلاء أما جدى فشدت يده ورجلاه فرمى به في النار فنجاه الله تعالى ~~وجعلت له بردا وسلاما وأما أبي فوضع السكين PageV04P303 # على قفاه ليقتل ففداه الله تعالى وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي ~~إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم فقالوا قد أكله ~~الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت ~~أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته وإنا أهل بيت لا ~~نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته على وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك ~~والسلام فلما قرأه لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ما قال وقيل لما قرأه بكي ~~وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا «قالوا أئنك لأنت يوسف» استفهام ~~تقرير ولذلك أكدوه بأن واللام قالوه استغرابا وتعجبا وقرئ إنك بالإيجاب قيل ~~عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به وقيل تبسم فعرفوه بثناياه وقيل رفع ~~التاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكان لسارة ويعقوب ~~مثلها وقرئ أئنك أو أنت يوسف على ms1709 معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف فحذف الأول ~~لدلالة الثاني عليه وفيه زيادة استغراب «قال أنا يوسف» جوابا عن مسئلتهم ~~وقد زاد عليه قوله «وهذا أخي» أي من أبوى مبالغة في تعريف نفسه وتفخيما ~~لشأن أخيه وتكملة لما أفاده قوله هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه حسبما ~~يفيده قوله «قد من الله علينا» فكأنه قال هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق ~~والإذلال فأنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا بالخلاص عما ابتلينا به ~~والاجتماع بعد الفرقة والعزة بعد الذلة والأنس بعد الوحشة ولا يبعد أن يكون ~~فيه إشارة إلى الجواب عن طلبهم لرد بنيامين بأنه أخي لا أخوكم فلا وجه ~~لطلبكم ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي بقوله «إنه من يتق» أي يفعل ~~التقوى في جميع أحواله أو يق نفسه عما يوجب سخط الله تعالى وعذابه «ويصبر» ~~على المحن أو على مشقة الطاعات أو عن المعاصي التي تستلذها النفس «فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين» أي أجرهم وإنما وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على ~~أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان «قالوا تالله لقد آثرك الله ~~علينا» اختارك وفضلك علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة «وإن كنا» وإن الشأن ~~كنا «لخاطئين» لمتعمدين للذنب إذ فعلنا بك ما فعلنا ولذلك أعزك وأذلنا وفيه ~~إشعار بالتوبة والاستغفار ولذلك «قال لا تثريب» أي لا عتب ولا تأنيب ~~«عليكم» وهو تفعيل من الثرب وهو الشحم الغاشي للكرش ومعناه إزالته كما أن ~~التجليد إزالة الجلد والتقريع إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية ~~الهزال فضرب مثلا للتقريع الذي يذهب بماء الوجوه وقوله عز وعلا «اليوم» ~~منصوب بالتثريب أو بالمقدر خبرا للاأى لا أثر بكم أو لا تثريب مستقر عليكم ~~اليوم الذي هو مظنة له فما ظنكم بسائر الأيام PageV04P304 # أو بقوله «يغفر الله لكم» لأنه حينئذ صفح عن جريمتهم وعفا عن جريرتهم بما ~~فعلوا من التوبة «وهو أرحم الراحمين» يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على ~~التائب بالقبول ومن كرمه عليه الصلاة والسلام أن إخوته أرسلوا ms1710 إليه إنك ~~تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك بما فرط منا فيك فقال عليه ~~الصلاة والسلام إن أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ~~ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ولقد شرفت بكم الآن ~~وعظمت في العيون حيث علم الناس إنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام «اذهبوا بقميصي هذا» قيل هو الذي كان عليه حينئذ وقيل هو ~~القميص المتوارث الذي كان في التعويذ أمره جبريل بإرساله إليه وأوحى إليه ~~أن فيح ريح الجنة لا يقع على مبتلى إلا عوفي «فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا» يكن بصيرا أو يأت إلي بصيرا وينصره قوله «وأتوني بأهلكم أجمعين» أي ~~بأبي وغيره ممن ينتظمه لفظ الأهل جميعا من النساء والذراري قيل إنما حمل ~~القميص يهوذا وقال أنا أحزنته بحمل القميص ملطخا بالدم إليه فأفرحه كما ~~أحزنته وقيل حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين ~~فرسخا «ولما فصلت العير» خرجت من عريش مصر يقال فصل من البلد فصولا إذا ~~انفصل منه وجاوز حيطانه وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفصل العير ~~«قال أبوهم» يعقوب عليه الصلاة والسلام لمن عنده «إني لأجد ريح يوسف» أوجده ~~الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح يوسف من ثمانين فرسخا حين أقبل به يهوذا ~~«لولا أن تفندون» أي تنسبوني إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل وفساد الرأي ~~من هرم يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة إذ لم تكن في شبيبتها ذات رأي ~~فتفند في كبرها وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني «قالوا» أي الحاضرون عنده ~~«تالله إنك لفي ضلالك القديم» لفي ذهابك عن الصواب قدما في إفراط محبتك ~~ليوسف ولهجك بذكره ورجائك للقائه وكان عندهم أنه قد مات «فلما أن جاء ~~البشير» وهو يهوذا «ألقاه» أي ألقى البشير القميص «على وجهه» أي وجهه يعقوب ~~أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه «فارتد» عاد «بصيرا» لما انتعش فيه من القوة ~~«قال ألم أقل لكم» ms1711 يعني قوله إني لأجد ريح يوسف فالخطاب لمن كان عنده ~~بكنعان أو قوله ولا تيأسوا من روح الله فالخطاب لبنيه وهو الأنسب بقوله ~~«إني أعلم من الله ما لا تعلمون» PageV04P305 # فإن مدار النهي المذكور إنما هو العلم الذي أوتي يعقوب من جهة الله ~~سبحانه وعلى هذا يجوز أن يكون هذا مقول القول أي ألم أقل لكم حين أرسلتكم ~~إلى مصر وأمرتكم بالتحسس ونهيتكم عن اليأس من روح الله تعالى وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه الصلاة والسلام روى أنه سأل البشير كيف ~~يوسف فقال هو ملك مصر قال ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال على دين ~~الإسلام قال الآن تمت النعمة «قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين» ومن حق من اعترف بذنبه أن يصفح عنه ويستغفر له فكأنهم كانوا على ~~ثقة من عفوه عليه الصلاة والسلام ولذلك اقتصروا على استدعاء الاستغفار ~~وأدرجوا ذلك في الاستغفار «قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم» ~~وهذا مشعر بعفوه قيل أخر الاستغفار إلى وقت السحر وقيل إلى ليلة الجمعة ~~ليتحرى به وقت الإجابة وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف عليه الصلاة ~~والسلام أو يعلم أنه قد عفا عنهم فإن عفو المظلوم شرط المغفرة ويعضده أنه ~~روى عنه أنه استقبل القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما ~~أذلة خاشعين عشرين سنة حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فقال إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على ~~النبوة فإن صح ثبتت نبوتهم وإن ما صدر عنهم إنما صدر قبل الإستنباء وقيل ~~المراد الاستمرار على الدعاء فقد روى أنه كان يستغفر كل ليلة جمعة في نيف ~~وعشرين سنة وقيل قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه فقال اللهم ~~اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحى ~~الله إليه إن الله قد غفر لك ولهم ms1712 أجمعين «فلما دخلوا على يوسف» روى أنه ~~وجه يوسف إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه فاستقبله يوسف ~~والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام وهو يمشي متوكئا على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال ~~يا يهوذا أهذا فرعون مصر قال لا بل ولدك فلما لقيه قال عليه الصلاة والسلام ~~السلام عليك يا مذهب الأحزان وقيل قال له يوسف يا أبت بكيت علي حتى ذهب ~~بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا فقال بلى ولكني خشيت أن يسلب دينك فيحال ~~بيني وبينك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل ~~وامرأة وكانوا حين خرجوا مع موسى ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا ~~سوى الذرية والهرمى وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف «آوى إليه أبويه» أي ~~أباه وخالته وتنزيلها منزلة الأم كتنزيل العم منزلة الأب في قوله عز وجل ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق أو لأن يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~تزوجها بعد أمه وقال PageV04P306 # الحسن وابن إسحق كانت أمه في الحياة فلا حاجة إلى التأويل ومعنى آوى إليه ~~ضمهما إليه واعتناقهما وكأنه عليه الصلاة والسلام ضرب في الملتقى مضربا ~~فنزل فيه فدخلوا عليه فآواهما إليه «وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» من ~~الشدائد والمكاره قاطبة والمشيئة متعلقة بالدخول على الأمن ورفع أبويه عند ~~نزولهم بمصر «على العرش» على السرير تكرمة لهما فوق ما فعله لإخوته «وخروا ~~له» أي أبواه وإخوته «سجدا» تحية له فإنه كان السجود عندهم جاريا مجرى ~~التحية والتكرمة كالقيامة والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس ~~الفاشية في التعظيم والتوقير وقيل ما كان ذلك إلا انحناء دون تعفير الجباه ~~ويأباه الخرور وقيل خروا لأجله سجدا لله شكرا ويرده قوله تعالى «وقال يا ~~أبت هذا تأويل رؤياي» التي رأيتها وقصصتها عليك «من قبل» في زمن الصبا «قد ~~جعلها ربي حقا» صدقا واقعا بعينه والاعتذار بجعل يوسف لمنزلة القبلة وجعل ~~اللام كما في قوله * أليس أول ms1713 من صلى لقبلتكم * يخفى وتأخيره عن الرفع على ~~العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيب الذكرى لا يجب كونه على وفق الترتيب ~~الوقوعي فلعل تأخيره عنه ليصل به ذكر كونه تعبيرا لرؤياه وما يتصل به من ~~قوله «وقد أحسن بي» المشهور استعمال الإحسان بإلى وقد يستعمل بالباء أيضا ~~كما في قوله عز اسمه وبالوالدين إحسانا وقيل هذا بتضمين لطف وهو الإحسان ~~الخفي كما يؤذن به قوله تعالى إن ربي لطيف لما يشاء وفيه فائدة لا تخفى أي ~~لطف بي محسنا إلى غير هذا الإحسان «إذ أخرجني من السجن» بعدما ابتليت به ~~ولم يصرح بقصة الجب حذارا من تثريب إخوته لأن الظاهر حضورهم لوقوع الكلام ~~عقيب خرورهم سجدا واكتفاء بما يتضمنه قوله تعالى «وجاء بكم من البدو» أي ~~البادية «من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي» أي أفسد بيننا بالإغواء ~~وأصله من نخس الرائض الدابة وحملها على الجري يقال نزغه ونسغه إذا نخسه ~~ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان «إن ~~ربي لطيف لما يشاء» أي لطيف التدبير لأجله رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة ~~والصواب ما من صعب إلا وهو بالنسبة إلى تدبيره سهل «إنه هو العليم» بوجوه ~~المصالح «الحكيم» الذي يفعل كل شيء على قضية الحكمة روى أن يوسف أخذ بيد ~~يعقوب عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورق ~~والذهب وخزائن الحلي وخزائن الثياب وخزائن السلاح وغير ذلك فلما أدخله ~~خزائن القراطيس قال يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلى على ~~ثماني مراحل قال أمرني جبريل قال أو ما تسأله قال أنت أبسط إليه مني فسأله ~~قال جبريل الله تعالى أمرني بذلك لقولك أخاف أن يأكله الذئب قال فهلا خفتني ~~وروى أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات وأوصى ~~أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر ~~وعاش بعد PageV04P307 # أبيه ثلاثا وعشرين سنة فلما ms1714 تم أمره وعلم أنه لا يدوم له تاقت نفسه إلى ~~الملك الدائم الخالد فتمنى الموت فقال «رب قد آتيتني من الملك» أي بعضا منه ~~عظيما وهو ملك مصر «وعلمتني من تأويل الأحاديث» أي بعضا من ذلك كذلك إن ~~أريد بتعليم تأويل الأحاديث تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالترتيب ظاهر وأما إن أريد به تعليم تعبير ~~الرؤيا كما هو الظاهر فلعل تقديم إيتاء الملك عليه في الذكر لأنه بمقام ~~تعداد النعم الفائضة عليه من الله سبحانه والملك أعرق في كونه نعمة من ~~التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضا نعمة جليلة في نفسه ولا يمكن تمشية هذا ~~الاعتذار فيما سبق لأن التعليم هناك وارد على نهج العلة الغائية للتمكين ~~فإن حمل على معنى التمليك لزم تأخره عنه وأما الواقع ههنا فمجرد التأخير في ~~الذكر والعطف بحرف الواو لا يستدعى ذلك الترتيب في الوجود «فاطر السماوات ~~والأرض» مبدعهما وخالقهما نصب على أنه صفة للمنادى أو منادى آخر وصفه تعالى ~~به بعد وصفه بالربوبية مبالغة في ترتيب مبادى ما يعقبه من قوله «أنت وليي» ~~مالك أموري «في الدنيا والآخرة» أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما وإذ قد ~~أتممت علي نعمة الدنيا «توفني» اقبضني «مسلما وألحقني بالصالحين» من آبائي ~~أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة فإنما تتم النعمة بذلك قيل لما دعا ~~توفاه الله عز وجل طيبا طاهرا فتخاصم أهل مصر في دفنه وتشاحوا في ذلك حتى ~~هموا بالقتال فرأوا أن يصنعوا له تابوتا من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في ~~النيل ليمر عليه ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعا واحدا في التبرك به وولد له ~~أفراييم وميشا ولإفراييم نون ولنون يوشع فتى موسى عليه الصلاة والسلام ولقد ~~توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على ~~بقايا دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام ~~«ذلك» إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من ms1715 ~~الدلالة على بعد منزلته أو كونه بالإنقضاء في حكم البعيد والخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبره «من أنباء الغيب» الذي لا يحوم حوله أحد ~~وقوله «نوحيه إليك» خبر بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر ويجوز أن يكون ~~ذلك اسما موصولا ومن أنباء الغيب صلته ويكون الخبر نوحيه إليك «وما كنت ~~لديهم» يريد إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام «إذ أجمعوا أمرهم» وهو جعلهم ~~إياه في غيابة الجب «وهم يمكرون» به ويبغون له الغوائل حتى تقف على ظواهر ~~أسرارهم وبواطنها وتطلع على سرائرهم طرا وتحيط بما لديهم خبرا وليس المراد ~~مجرد نفي حضوره عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعهم ومكرهم فقط بل في سائر ~~المشاهد أيضا وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع القصة وأخفى أحوالها كما ينبئ ~~عنه قوله وهم يمكرون والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن ~~PageV04P308 # المراد إلزام المكذبين والمعنى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك إذ لا سبيل ~~إلى معرفتك إياه سوى ذلك إذ عدم سماعك ذلك من الغير وعدم مطالعتك للكتب أمر ~~لا يشك فيه المكذبون أيضا ولم تكن بين ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه ~~كما هو فتبلغه إليهم وفيه تهكم بالكفار فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم ~~وفيه أيضا إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع وما ينقله أهل ~~الكتاب ليس على ما هو عليه يعني أن مثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا ~~بالحضور والمشاهدة وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي ومثله قوله تعالى وما ~~كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وقوله وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينا إلى موسى الأمر «وما أكثر الناس» يريد به العموم أو أهل مكة «ولو ~~حرصت» أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك ~~«بمؤمنين» لتصميمهم على الكفر وإصرارهم على العناد روى أن اليهود وقريشا ~~لما سألوا عن قصة يوسف وعدوا أن يسلموا فلما أخبرهم بها على موافقة التوراة ~~فلم يسلموا حزن النبي ms1716 صلى الله عليه وسلم فقيل له ذلك «وما تسألهم عليه» أي ~~على الأنباء أو القرآن «من أجر» من جعل كما يفعله حملة الأخبار «إن هو إلا ~~ذكر» عظة من الله تعالى «للعالمين» كافة لا أن ذلك مختص بهم «وكأين من آية» ~~أي كأي عدد شئت من الآيات والعلامات الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال ~~علمه وقدرته وحكمته غير هذه الآية التي جئت بها «في السماوات والأرض» أي ~~كائنة فيهما من الأجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغير أحوالها ومن ~~الجبال والبحار وسائر ما في الأرض من العجائب الفائتة للحصر «يمرون عليها» ~~أي يشاهدونها ولا يعبئون بها وقرئ برفع الأرض على الابتداء ويمرون خبره ~~وقرئ بنصبها على معنى ويطئون الأرض يمرون عليها وفي مصحف عبد الله والأرض ~~يمشون عليها والمراد ما يرون فيها من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من ~~الآيات والعبر «وهم عنها معرضون» غير ناظرين إليها ولا متفكرين فيها «وما ~~يؤمن أكثرهم بالله» في إقرارهم بوجوده وخالقيته «إلا وهم مشركون» بعبادتهم ~~لغيره أو باتخاذهم الأحبار والرهبان أرباب أو بقولهم باتخاذه تعالى ولدا ~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا أو بالنور والظلمة وهي جلمة حالية أي لا ~~يؤمن أكثرهم إلا في حال شركهم قيل نزلت الآية في أهل مكة وقيل في المنافقين ~~وقيل في أهل الكتاب «أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله» أي عقوبة ~~PageV04P309 # تغشاهم وتشملهم «أو تأتيهم الساعة بغتة» فجأة من غير سابقة علامة «وهم لا ~~يشعرون» بإتيانها غير مستعدين لها «قل هذه سبيلي» وهي الدعوة إلى التوحيد ~~والإيمان والإخلاص وفسرها بقوله «أدعو إلى الله على بصيرة» بيان وحجة واضحة ~~غير عمياء أو حال من الضمير في سبيلي والعامل فيها معنى الإشارة «إنا» ~~تأكيد للمستكن في أدعو أو على بصيرة لأنه حال منه أو مبتدأ خبره على بصيرة ~~«ومن اتبعني» عطف عليه «وسبحان الله وما أنا من المشركين» مؤكد لما سبق من ~~الدعوة إلى الله «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا» رد لقولهم لو شاء الله ~~لأنزل ملائكة ms1717 «نوحي إليهم» كما أوحينا إليك وقرئ بالياء «من أهل القرى» ~~لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة «أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» من المكذبين بالرسل والآيات ~~فيحذروا تكذيبك «ولدار الآخرة» أي الساعة أو الحياة الآخرة «خير للذين ~~اتقوا» الشرك والمعاصي «أفلا تعقلون» فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية دار ~~الآخرة وقرئ بالياء على أنه غير داخل تحت قل «حتى إذا استيأس الرسل» غاية ~~لمحذوف دل عليه السياق أي لا يغرنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء ~~فإن من قبلهم قد أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا أو عن ~~إيمانهم لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع «وظنوا أنهم ~~قد كذبوا» كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون عليه أو كذبهم رجاؤهم ~~فإنه يوصف بالصدق والكذب والمعنى إن مدة التكذيب والعداوة من الكفار ~~وانتظار النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا ~~أن لا نصر لهم في الدنيا «جاءهم نصرنا» فجأة وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما وظنوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر فإن صح ذلك عنه فلعله ~~أراد بالظن ما يخطر بالبال من شبه الوسوسة وحديث النفس وإنما عبر عنه بالظن ~~تهويلا للخطب وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجانبين على الآخر فلا يتصور ذلك ~~من آحاد الأمة فما ظنك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم هم ومنزلتهم في ~~معرفة شؤون الله سبحانه منزلتهم وقيل الضميران للمرسل إليهم وقيل الأول لهم ~~والثاني للرسل وقرئ بالتشديد أي ظن الرسل أن القوم كذبوهم فيما أوعدوهم ~~وقرئ بالتخفيف على بناء الفاعل على أن الضمير للرسل أي ظنوا أنهم كذبوا عند ~~قومهم فيما حدثوا به لما تراخى عنهم ولم يروا له أثرا PageV04P310 # أو على أن الأول لقومهم «فنجي من نشاء» هم الرسل والمؤمنون بهم وقرئ ~~فننجي على لفظ المستقبل بالتخفيف والتشديد وقرئ فنجا «ولا يرد بأسنا عن ~~القوم المجرمين» إذا نزل بهم وفيه بيان لمن تعلق بهم ms1718 المشيئة «لقد كان في ~~قصصهم» أي قصص الأنبياء وأممهم وينصره قراءة من قرا بكسر القاف أو قصص يوسف ~~وإخوته «عبرة لأولي الألباب» لذوي العقول المبرأة عن شوائب أحكام الحس «ما ~~كان» أي القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة «حديثا يفترى ولكن» كان ~~«تصديق الذي بين يديه» من الكتب السماوية وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي ولكن هو تصديق الذي بين يديه «وتفصيل كل شيء» مما يحتاج إليه في ~~الدين إذ ما من أمر ديني إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط «وهدى» ~~من الضلالة «ورحمة» ينال بها خير الدارين «لقوم يؤمنون» أي يصدقونه لأنهم ~~المنتفعون به وأما من عداهم فلا يهتدون بهداه ولا ينتفعون بجدواه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم علموا أرقاءكم سورة يوسف فإنه أيما مسلم تلاها ~~وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا ~~يحسد مسلما (تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة الرعد) ~~PageV04P311 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الخامس الناشر دار المصحف - مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد 13 ~~شارع الصنادقية بالأزهر - ص ب 406 بالقاهرة مركز التوزيع بلبنان - بناية ~~صالحة وصمدي بشارع سوريا ببيروت PageV05P001 # سورة الرعد مدنية وقيل مكية إلا قوله ويقول الذين كفروا الآية وآيها ثلاث ~~وأربعون «بسم الله الرحمن الرحيم» «المر» اسم للسورة ومحله إما الرفع على ~~أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بهذا الاسم وهو أظهر من الرفع ~~على الابتداء إذ لم يسبق العلم بالتسمية كما مر مرارا وقوله تعالى «تلك» ~~على الوجه الأول مبتدأ مستقل وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثان أو بدل من الأول ~~أشير به إليه إيذانا بفخامته وأما النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اقرأ ~~أو اذكر فتلك مبتدأ كما إذا جعل المر مسرودا على نمط التعديد أو بمعنى أنا ~~الله أعلم وأرى على ما روى ms1719 عن ابن عباس رضي الله عنهما والخبر على التقادير ~~قوله تعالى «آيات الكتاب» أي الكتاب العجيب الكامل الغني عن الوصف به ~~المعروف بذلك من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به فهو عبارة عن جميع ~~القرآن أو عن الجميع المنزل حينئذ حسبما مر في مطلع سورة يونس إذ هو ~~المتبادر من مطلق الكتاب المستغنى عن النعت وبه يظهر ما أريد من وصف الآيات ~~بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمال بخلاف ما إذا جعل عبارة عن السورة فإنها ~~ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك المغنية عن التصريح بالوصف ~~على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك إشارة إلى كل واحدة منها ~~وفيه مالا يخفى من التعسف الذي مر تفصيله في سورة يونس «والذي أنزل إليك من ~~ربك» أي الكتاب المذكور بكماله لا هذه السورة وحدها «الحق» الثابت المطابق ~~للواقع في كل ما نطق به الحقيق بأن يخص به الحقية لعراقته فيها وليس فيه ما ~~يدل على إن ما عداه ليس بحق أصلا على أن حقيته مستتبعة لحقية سائر الكتب ~~السماوية لكونه مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه وفي التعبير عنه بالموصول ~~وإسناد الإنزال إليه بصيغة المبني للمفعول والتعرض لوصف الربوبية مضافا إلى ~~ضميره عليه السلام من الدلالة على فخامة المنزل التابعة لجلالة شأن المنزل ~~وتشريف المنزل إليه والإيماء إلى وجه بناء الخبر مالا يخفى «ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون» بذلك الحق المبين لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه فعدم ~~إيمانهم متعلق بعنوان حقيته لأنه المرجع للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونه ~~منزلا كما قيل ولأنه وارد على طريقة الوصف دون الأخبار «الله الذي رفع ~~السماوات» PageV05P002 # أي خلقهن مرتفعات على طريقة قولهم سبحان من كبر الفيل وصغر البعوض لا أنه ~~رفعها بعد أن لم تكن كذلك والجملة مبتدأ وخبر كقوله وهو الذي مد الأرض ~~«بغير عمد» أي بغير دعائم جمع عماد كإهاب وأهب وهو ما يعمد به أي يسند يقال ~~عمدت الحائط أي أدعمته وقرئ عمد على جمع عمود ms1720 بمعنى عماد كرسل ورسول إيراد ~~صيغة الجمع لجمع السماوات لا لأن المنفي عن كل واحدة منها عمد لا عماد ~~«ترونها» استئناف استشهد به على ما ذكر من رفع السماوات بغير عمد وقيل صفة ~~لعمد جيء بها إيهاما لأن لها عمدا غير مرئية هي قدرة الله تعالى «ثم استوى» ~~أي استولى «على العرش» بالحفظ والتدبير أو استوى أمره وعن أصحابنا أن ~~الاستواء على العرش صفة لله عز وجل بلا كيف وأياما كان فليس المراد به ~~القصد إلى إيجاد العرش وخلقه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة ~~«وسخر الشمس والقمر» ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منهما من الحركات ~~وغيرها «كل» من الشمس والقمر «يجري» حسبما أريد منها «لأجل مسمى» لمدة ~~معينة فيها تتم دورته كالسنة للشمس والشهر للقمر فان كل منهما يجري كل يوم ~~على مدار معين من المدارات اليومية أو لمدة ينتهي فيها حركاتهما ويخرج جميع ~~ما أريد منهما من القوة إلى الفعل أو لغاية يتم عندها ذلك والجملة بيان ~~لحكم تسخيرهما «يدبر» بما صنع من الرفع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدر ~~حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة «الأمر» الخلق كله وأمر ملكوته وربوبيته ~~«يفصل الآيات» الدلالة على كمال قدرته وبالغ حكمته أي يأتي بها مفصلة وهي ~~ما ذكر من الأفعال العجيبة وما يتلوها من الأوضاع الفلكية الحادثة شيئا ~~فشيئا المستتبعة للآثار الغريبة في السفليات على موجب التدبير والتقدير ~~فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله وسخر الشمس والقمر من تتمة ~~الاستواء وإما مفسرتان له أو الأولى حال منه والثانية من الضمير فيها أو ~~كلاهما من ضمائر الأفعال المذكورة وقوله كل يجري لأجل مسمى من تتمة التسخير ~~أو خبران عن قوله الله خبرا بعد خبر والموصول صفة للمبتدأ جيء به للدلالة ~~على تحقيق الخبر وتعظيم شأنه كما في قول الفرزدق * إن الذي سمك السماء بنى ~~لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول * «لعلكم» عند معاينتكم لها وعثوركم على ~~تفاصيلها «بلقاء ربكم» بملاقاته للجزاء «توقنون» فان من تدبرها حق التدبر ~~أيقن أن من ms1721 قدر على إبداع هذه الصنائع البديعة على كل شيء قدير وأن لهذه ~~التدبيرات المتينة عواقب وغايات لا بد من وصولها وقد بينت على ألسنة ~~الأنبياء عليهم السلام أن ذلك ابتلاء المكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالهم فإذن ~~لا بد من الإيقان بالجزاء ولما قرر الشواهد العلوية أردفها بذكر الدلائل ~~السفلية فقال (وهو الذي مد الأرض) أي بسطها طولا وعرضا قال الأصم المد هو ~~البسط إلى ما لا يدرك منتهاه ففيه دلالة على بعد مداها وسعة أقطارها «وجعل ~~فيها رواسي» أي جبالا ثوابت في أحيازها من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة ~~ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها PageV05P003 # عن ذلك وانحصار مجيء فواعل جمعا لفاعل في فوارس وهوالك ونواكس إنما هو في ~~صفات العقلاء وأما في غيرهم فلا يراعى ذلك أصلا كما في قوله تعالى أياما ~~معدودات وقوله الحج أشهر معلومات إلى غير ذلك فلا حاجة إلى أن يجعل مفردها ~~صفة لجمع القلة أعنى أجبلا ويعتبر في جمع الكثرة أعنى جبالا انتظامها ~~لطائفة من جموع القلة وتنزيل كل منها منزلة مفردها كما قيل على أنه لا مجال ~~لذلك فان جمعية كل من صبغتي الجمعين إنما هي باعتبار الأفراد التي تحتها لا ~~باعتبار انتظام جمع القلة للأفراد وجمع الكثرة لجموع القلة فكل منها جمع ~~جبل لا أن جبالا جمع أجبل كما أن طوائف جمع طائفة ولا إلى أن يلتجأ إلى جعل ~~الوصف المذكور بالغلبة في عداد الأسماء التي تجمع على فواعل كما ظن على أنه ~~لا وجه له لما أن الغلبة إنما هي في الجمع دون المفرد والتعبير عن الجبال ~~بهذا العنوان لبيان تفرع قرار الأرض على ثباتها «وأنهارا» مجاري واسعة ~~والمراد ما يجري فيها من المياه وفي نظمها مع الجبال في معمولية فعل واحد ~~إشارة إلى أن الجبال منشأ للأنهار وبيان لفائدة أخرى للجبال غير كونها ~~حافظة للأرض عن الاضطراب المخل بثبات الإقدام وتقلب الحيوان متفرعة على ~~تمكنه وتقلبه وهي تعيشه بالماء والكلأ «ومن كل الثمرات» متعلق بجعل في قوله ~~تعالى «جعل ms1722 فيها زوجين اثنين» أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل ~~منهما زوج الآخر وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان إذ يطلق ~~الزوج على المجموع ولكن اثنينية ذلك اثنينية اعتبارية أي جعل من كل نوع من ~~أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضر بين صنفين إما في اللون كالأبيض ~~والأسود أو في الطعم كالحلو والحامض أو في القدر كالصغير والكبير أو في ~~الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك ويجوز أن يتعلق بجعل الأول ويكون ~~الثاني استئنافا لبيان كيفية ذلك الجعل «يغشي الليل النهار» استعارة تبعية ~~تمثيلية مبنية على تشبيه إزالة نور الجو بالظلمة بتغطية الأشياء الظاهرة ~~بالأغطية أي يستر النهار بالليل والتركيب وان احتمل العكس أيضا بالحمل على ~~تقديم المفعول الثاني على الأول فان ضوء النهار أيضا ساتر لظلمة الليل إلا ~~أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية وان ~~كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرا باعتبار أن ظهوره في الأرض فان الليل إنما ~~هو ظلها وفيما فرق موقع ظلها لا ليل أصلا ولأن الليل والنهار لهما تعلق ~~بالثمرات من حيث العقد والإنضاج على أنهما أيضا زوجان متقابلان مثلها وقرئ ~~يغشى من التغشية «إن في ذلك» أي فيما ذكر من مد الأرض وايتادها بالرواسي ~~وإجراء الأنهار وخلق الثمرات وإغشاء الليل النهار وفي الإشارة بذلك تنبيه ~~على عظم شأن المشار إليه في بابه (لآيات) باهرة وهي آثار تلك الأفاعيل ~~البديعة جلت حكمت صانعها ففي على معناها فان تلك الآثار مستقرة في تلك ~~الأفاعيل منوطة بها ويجوز أن يشار بذلك إلى تلك الآثار المدلول عليها بتلك ~~الأفاعيل ففي تجريدية «لقوم يتفكرون» فان التفكر فيها يؤدى إلى الحكم بأن ~~تكوين كل من ذلك على هذا النمط الرائق والأسلوب اللائق لا بد له من مكون ~~قادر حكيم يفعل ما يشاء ويختار ما يريد لا معقب لحكمه وهو الحميد المجيد ~~PageV05P004 # «وفي الأرض قطع» جملة مستأنفة مشتملة على طائفة أخرى من الآيات أي بقاع ~~كثيرة مختلفة في الأوصاف فمن طيبة إلى ms1723 سبخة وكريمة إلى زهيدة وصلبة إلى ~~رخوة إلى غير ذلك «متجاورات» أي متلاصقات وفي بعض المصاحف قطعا متجاورات أي ~~جعل في الأرض قطعا «وجنات من أعناب» أي بساتين كثيرة منها «وزرع» من كل نوع ~~من أنواع الحبوب وإفراده لمراعاة أصله ولعل تقديم ذكر الجنات عليه مع كونه ~~عمود المعاش لظهور حالها في اختلافها ومباينتها لسائرها ورسوخ ذلك فيها ~~وتأخير قوله تعالى «ونخيل» لئلا يقع بينها وبين صفتها وهي قوله تعالى ~~«صنوان وغير صنوان» فاصلة والصنوان جمع صنو كقنوان وقنو وهي النخلة التي ~~لها رأسان وأصلها واحد وقرئ بضم الصاد على لغة بني تميم وقيس وقرئ جنات ~~بالنصب عطفا على زوجين وبالجر على كل الثمرات فلعل عدم نظم قوله تعالى وفي ~~الأرض قطع متجاورات في هذا السلك مع أن اختصاص كل من تلك القطع بما لها من ~~الأحوال والصفات بمحض جعل الخالق الحكيم جلت قدرته حين مد الأرض ودحاها ~~للإيماء إلى كون تلك الأحوال صفات راسخة لتلك القطع وقرئ وزرع ونخيل بالجر ~~عطفا على أعناب أو جنات «يسقى» أي ما ذكر من القطع والجنات والزرع والنخيل ~~وقرئ بالتأنيث مراعاة للفظ والأول أوفق بمقام بيان اتحاد الكل في حالة ~~السقي «بماء واحد» اختلاف في طبعه سواء كان السقي بماء الأمطار أو بماء ~~الأنهار «ونفضل» مع تآخذ أسباب التشابه بمحض قدرتنا واختيارنا «بعضها على ~~بعض» آخر منها «في الأكل» فيما يحصل منها من الثمر والطعم وقرئ بالياء على ~~بناء الفاعل ردا على يدبر ويفصل ويغشى وعلى بناء المفعول وفيه مالا يخفى من ~~الفخامة والدلالة على أن عدم احتمال استناد الفعل إلى فاعل آخر مغن عن بناء ~~الفعل للفاعل «إن في ذلك» الذي فصل من أحوال القطع والجنات «لآيات» كثيرة ~~عظيمة ظاهرة «لقوم يعقلون» يعلمون على قضية عقولهم فان من عقل هذه الأحوال ~~العجيبة لا يتعلثم في الجزم بأن من قدر على إبداع هذه البدائع وخلق تلك ~~الثمار المختلفة في الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك القطع ~~المتباينة المتجاورة وجعلها حدائق ذات بهجة قادر ms1724 على إعادة ما أبداه بل هي ~~أهون في القياس وهذه الأحوال وان كانت هي الآيات أنفسها لا أنها فيها إلا ~~انه قد جردت عنها أمثالها مبالغة في كونها آية ففي تجريدية مثلها في قوله ~~تعالى لهم فيها دار الخلد أو المشار إليه الأحوال الكلية والآيات أفرادها ~~الحادثة شيئا فشيئا في الأزمنة وآحادها الواقعة في الأقطار والأمكنة ~~المشاهدة لأهلها ففي على معناها وحيث كانت دلالة هذه الأحوال على مدلولاتها ~~أظهر مما سبق علق كونها آيات بمحض التعقل ولذلك لم يتعرض لغير تفضيل بعضها ~~على بعض في الأكل الظاهر لكل عاقل مع تحقق ذلك في الخواص والكيفيات مما ~~يتوقف العثور عليه على نوع تأمل وتفكر كأنه لا حاجة في ذلك إلى التفكر أيضا ~~وفيه تعريض بأن المشركين غير عاقلين PageV05P005 # «وإن تعجب» يا محمد من شيء «فعجب» لا أعجب منه حقيق بأن يقصر عليه التعجب ~~«قولهم» بعد مشاهدة ما عدد لك من الآيات الشاهدة بأنه تعالى على كل شيء ~~قدير «أئذا كنا ترابا» على طريقة الاستفهام الإنكاري المفيد لكمال ~~الاستبعاد والاستنكار وهو في محل الرفع على البدلية من قولهم على أنه بمعنى ~~المقول أو في محل النصب على المفعولية منه على أنه مصدر فالعجب على الأول ~~كلامهم وعلى الثاني تكلمهم بذلك والعامل في إذا ما دل عليه قوله «أئنا لفي ~~خلق جديد» وهو نبعث أو نعاد وتقديم الظرف لتقوية الإنكار بالبعث بتوجيهه ~~إليه في حالة منافية له وتكرير الهمزة في قولهم أئنا لتأكيد الإنكار وليس ~~مدار إنكارهم كونهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونهم بعريضة ذلك ~~واستعدادهم له وفيه من الدلالة على عتوهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى ~~وقيل إن تعجب من قولهم في إنكار البعث فعجب قولهم والمآل وان تعجب فقد ~~تعجبت في موضع التعجب وقيل وان تعجب من إنكارهم البعث فعجب قولهم الدال ~~عليه فتأمل وقد جوز كون الخطاب لكل من يصلح له أي إن تعجب يا من ينظر في ~~هذه الآيات من قدرة من هذه أفعاله فازدد تعجبا ms1725 ممن ينكر مع هذه الدلائل ~~قدرته تعالى على البعث وهو أهون من هذه والأنسب بقوله ويستعجلونك بالسيئة ~~هو الأول وقوله تعالى فعجب خبر قدم على المبتدأ للقصر والتسجيل من أول ~~الأمر بكون قولهم ذاك أمرا عجيبا ويجوز أن يكون مبتدأ لكونه موصوفا بالوصف ~~المقدر كما أشير إليه فالمعنى وان تعجب فالعجب الذي لا عجب وراءه قولهم هذا ~~فاعجب منه وعلى الأول وان تعجب فقولهم هذا عجب لا عجب فوقه «أولئك» مبتدأ ~~والموصول خبره أي أولئك المنكرون لقدرته تعالى على البعث ريثما عاينوا ما ~~فصل من الآيات الباهرة الملجئة لهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون «الذين ~~كفروا بربهم» وتمادوا في ذلك فان إنكارهم لقدرته عز وجل كفر به وأي كفر ~~«وأولئك» مبتدأ خبره قوله «الأغلال في أعناقهم» أي مقيدون بقيود الضلال لا ~~يرجى خلاصهم أو مغلولون يوم القيامة «وأولئك» الموصوفون بما ذكر من الصفات ~~«أصحاب النار هم فيها خالدون» لا ينفكون عنها وتوسيط ضمير الفصل ليس لتخصيص ~~الخلود بمنكري البعث خاصة بل بالجميع المدلول عليه بقوله تعالى «أولئك ~~الذين كفروا بربهم» «ويستعجلونك بالسيئة» بالعقوبة التي أنذروها وذلك حين ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم ~~بإنذاره «قبل الحسنة» أي العافية والإحسان إليهم بالإمهال «وقد خلت من ~~قبلهم المثلات» أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها ولا ~~يحترزون حلول مثلها PageV05P006 # بهم والجملة الحالية لبيان ركاكة رأيهم في الاستعجال بطريق الاستهزاء أي ~~يستعجلونك بها مستهزئين بإنذارك منكرين لوقوع ما أنذرتهم إياه والحال أنه ~~قد مضت العقوبات النازلة على أمثالهم من المكذبين والمستهزئين والمثلة بوزن ~~السمرة العقوبة سميت بها لما بينها وبين المعاقب عليه من المماثلة ومنه ~~المثال القصاص وقرئ المثلات بضمتين باتباع الفاء العين والمثلات بفتح الميم ~~وسكون الثاء كما يقال السمرة والمثلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات ~~جمع مثلة كركبة وركبات «وإن ربك لذو مغفرة» عظيمة «للناس على ظلمهم» أنفسهم ~~بالذنوب والمعاصي ومحله النصب على الحالية أي ظالمين والعامل فيه المغفرة ~~والمعنى إن ms1726 ربك لغفور للناس لا يعجل لهم العقوبة وان كانوا ظالمين بل ~~يمهلهم بتأخيرها «وإن ربك لشديد العقاب» يعاقب من يشاء منهم حين يشاء ~~فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال وعنه عليه الصلاة والسلام لولا عفو الله ~~وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد «ويقول الذين ~~كفروا» وهم المستعجلون أيضا وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصول ذما لهم ~~ونعيا عليهم كفرهم بآيات الله تعالى التي تخر لها صم الجبال حيث لم يرفعوا ~~لها رأسا ولم يعدوها من جنس الآيات وقالوا «لولا أنزل عليه آية من ربه» مثل ~~آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة السلام عنادا ومكابرة وإلا ففي أدنى آية ~~أنزلت عليه الصلاة والسلام غنية وعبرة لأولي الألباب «إنما أنت منذر» مرسل ~~للإنذار من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون كدأب من قبلك من الرسل وليس عليك إلا ~~الإتيان بما يعلم به نبوتك وقد حصل ذلك بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى ~~إلزامهم وإلقامهم الحجر بالإتيان بما اقترحوا من الآيات «ولكل قوم هاد» ~~معين لا بالذات بل بعنوان الهداية يعني لكل قوم نبي مخصوص له هداية مخصوصة ~~يقتضي اختصاص كل منهم بما يختص به حكم لا يعلمها إلا الله أو لكل قوم هاد ~~عظيم الشأن قادر على ذلك هو الله سبحانه وما عليك إلا إنذارهم فلا يهمنك ~~عنادهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك وازدراؤهم بها ثم عقبه بما يدل على ~~كمال علمه وقدرته وشمول قضائه وقدره المبنيين على الحكم والمصالح تنبها على ~~أن تخصيص كل قوم بنبي وكل نبي بجنس معين من الآيات إنما هو للحكم الداعية ~~إلى ذلك إظهارا لكمال قدرته على هدايتهم لكن لا يهدي آلا من تعلق بهدايته ~~مشيئته التابعة لحكم استأثر بعلمها فقال «الله يعلم ما تحمل كل أنثى» أي ~~تحمله فما موصولة أريد بها ما في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا ~~بعد تكامل الخلق فقط والعلم متعد إلى واحد أو أي شيء تحمل وعلى أي حال هو ~~من الأحوال المتواردة عليه ms1727 طورا فطورا فهي استفهامية معلقة للعلم أو حملها ~~فهي مصدرية «وما تغيض الأرحام وما تزداد» أي تنقصه وتزداده في الجثة ~~كالخديج والتام وفي المدة كالمولود في أقل مدة الحمل والمولود في أكثرها ~~وفيما بينهما قيل إن الضحاك ولد في سنتين وهرم بن حيان في أربع ومن ذلك سمي ~~هرما وفي العدد كالواحد فما فوقه يروى أن شريكا كان رابع أربعة أو يعلم ~~نقصها وإزديادها PageV05P007 # لما فيها فالفعلان متعديان كما في قوله تعالى «وغيض الماء» وقوله تعالى ~~«وازدادوا تسعا» وقوله تزداد كيل بعير أولا زمان قد أسند إلى الأرحام مجازا ~~وهما لما فيها «وكل شيء» من الأشياء «عنده بمقدار» بقدر لا يمكن تجاوزه عنه ~~كقوله انا كل شيء خلقناه بقدر فان كل حادث من الأعيان والأعراض له في كل ~~مرتبة من مراتب التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه ~~والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري فان تحقق الأشياء في ~~أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتب الوجود والاستعداد لذلك علم له بالنسبة ~~إلى الله عز وجل «عالم الغيب» أي الغائب عن الحس «والشهادة» أي الحاضر له ~~عبر عنهما بهما مبالغة وقيل أريد بالغيب المعدوم وبالشهادة الموجود وهو خبر ~~مبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر وقرئ بالنصب على المدح وهذا كالدليل على ما ~~قبله من قوله تعالى الله يعلم الخ «الكبير» العظيم الشأن الذي كل شيء دونه ~~«المتعال» المستعلي على كل شيء بقدرته أو المنزه عن نعوت المخلوقات وبعد ما ~~بين سبحانه أنه عالم بجميع أحوال الإنسان في مراتب فطرته ومحيط بعالمي ~~الغيب والشهادة بين أنه تعالى عالم بجميع ما يأتون وما يذرون من الأفعال ~~والأقوال وأنه لا فرق بالنسبة إليه بين السر والعلن فقال «سواء منكم من أسر ~~القول» في نفسه «ومن جهر به» أظهره لغيره «ومن هو مستخف» مبالغ في الاختفاء ~~كأنه مختف «بالليل» وطالب للزيادة «وسارب» بارز يراه كل أحد «بالنهار» من ~~سرب سروبا أي برز وهو عطف على من هو مستخف أو على مستخف ومن ms1728 عبارة عن ~~الاثنين كما في قوله تعالى (فان عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب ~~يصطحبان) كأنه قيل سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار والاستواء ~~وان أسند إلي من أسر ومن جهر والى المستخفي والسارب لكنه في الحقيقة مسند ~~إلي ما أسره وما جهر به أو والى الفاعل من حيث هو فاعل كما في الأخيرين ~~وتقديم الأسرار والاستخفاء لإظهار كمال علمه تعالى فكأنه في التعلق ~~بالخفيات أقدم منه بالظواهر والا فنسبته إلي الكل سواء لما عرفته آنفا «له» ~~أي لكل ممن أسر أو جهر والمستخفي أو السارب «معقبات» ملائكة تعتقب في حفظه ~~جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا أو ~~لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونه أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف ~~والتاء للمبالغة أو المراد بالمعقبات الجماعات وقرئ معاقيب جمع معقب أو ~~معقبة على تعويض الياء من إحدى القافين «من بين يديه ومن خلفه» من جميع ~~جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر «يحفظونه من أمر الله» من بأسه حين أذنب ~~بالاستمهال والاستغفار له أو يحفظونه من المضار أو PageV05P008 # يراقبون أحوال من أجل أمر الله تعالى وقد قرىء به وقيل من بمعنى الباء ~~وقيل من أمر الله صفة ثانية لمعقبات وقيل المعقبات الحراس والجلاوزة حول ~~السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى «إن الله لا يغير ما بقوم» من ~~النعمة والعافية «حتى يغيروا ما بأنفسهم» من الأعمال الصالحة أو ملكاتها ~~التي هي فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى أضدادها «وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا» لسوء اختيارهم واستحقاقهم لذلك «فلا مرد له» فلا رد له والعامل في ~~إذا ما دل عليه الجواب «وما لهم من دونه من وال» يلي أمرهم ويدفع عنهم ~~السوء الذي أراده الله بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما بهم وفيه دلالة على ~~أن تخلف مراده تعالى محال وإيذان بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال ~~السيئة واقتراح الآية قد غيروا ما بأنفسهم من الفطرة واستحقوا ms1729 لذلك حلول ~~غضب الله تعالى وعذابه «هو الذي يريكم البرق خوفا» من الصاعقة «وطمعا» في ~~المطر فوجه تقديم الخوف على الطمع ظاهر لما أن المخوف عليه النفس أو الرزق ~~العتيد والمطموع فيه الرزق المترقب وقيل الخوف أيضا من المطر لكن الخائف ~~منه غير الطامع فيه كالخزاف والحراث ويأباه الترتيب إلا أن يتكلف ما أشير ~~إليه من أن المخوف عتيد والمطموع فيه مترقب وانتصابهما إما على المصدرية أي ~~فتخافون خوفا وتطمعون طمعا أو على الحالية من البرق أو المخاطبين باضمار ~~ذوى أو بجعل المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغة أو على العلية بتقدير ~~المضاف أي إرادة خوف وطمع أو بتأويل الإخافة والإطماع ليتحد فاعل العلة ~~والفعل المعلل وأما جعل المعلل هي الرؤية التي تتضمنها الإرادة على طريقة ~~قول النابغة * وحلت بيوتي في يفاع ممنع * تخال به راعي الحمولة طائرا * ~~حذارا على أن لا ينال معاوني * ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا * أي أحللت بيوتي ~~حذارا فلا سبيل إليه لأن ما وقع في معرض العلة الغائبة لا سيما الخوف لا ~~يصلح علة لرؤيتهم «وينشئ السحاب» الغمام المنسحب في الجو «الثقال» بالماء ~~وهي جمع ثقيلة وصف بها السحاب لكونها اسم جنس في معنى الجمع والواحدة سحابة ~~يقال سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما يقال امرأة كريمة ونسوة كرام «ويسبح ~~الرعد» أي سامعوه من العباد الراجين للمطر ملتبسين «بحمده» أي يضجون بسبحان ~~الله والحمد لله وإسناده إلى الرعد لحمله لهم على ذلك أو يسبح الرعد نفسه ~~على أن تسبيحه عبارة عن دلالته على وحدانيته تعالى وفضله المستوجب لحمده ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول سبحان من يسبح الرعد بحمده وإذا ~~اشتد يقول اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك وعن علي ~~رضي الله عنه سبحان من سبحت له وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد فقال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه ~~مخا ريق من نار PageV05P009 # يسوق بها السحاب وعن الحسن ms1730 خلق من خلق الله تعالى ليس بملك «والملائكة» ~~أي يسبح الملائكة «من خيفته» من هيبته واجلاله جل جلاله وقيل الضمير للرعد ~~«ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء» فيهلكه بذلك «وهم» أي الكفرة المخاطبون ~~في قوله تعالى «هو الذي يريكم البرق» وقد التفت إلى الغيبة ايذانا بإسقاطهم ~~عن درجة الخطاب وإعراضا عنهم وتعديدا لجناياتهم لدى كل من يستحق الخطاب ~~كأنه قيل هو الذي يفعل أمثال هذه الأفاعيل العجيبة من إراءة البرق وإنشاء ~~السحاب الثقال وإرسال الصواعق الدالة على كمال علمه وقدرته ويعقلها من ~~يعقلها من المؤمنين أو الرعد نفسه أو الملك الموكل به والملائكة ويعملون ~~بموجب ذلك من التسبيح والحمد والخوف من هيبته تعالى وهم أي الكفرة الذين ~~حكيت هناتهم مع ذلهم وهوانهم وحقارة شأنهم «يجادلون في الله» أي في شأنه ~~تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من إنكار البعث واستعجال العذاب استهزاء ~~واقتراح الآيات فالواو لعطف الجملة على ما قبلها من قوله تعالى «هو الذي ~~يريكم البرق» الخ أو على قوله «الله يعلم ما تحمل» الخ وأما العطف على قوله ~~تعالى «ويقول الذين كفروا» كما قيل فلا مجال له لأن قوله تعالى الله يعلم ~~الخ استئناف لبيان بطلان قولهم ذلك ونظائره من استعجال العذاب وإنكار البعث ~~قاطع لعطف ما بعده على ما قبله وقيل للحال أي فيصيب بالصواعق من يشاء وهم ~~في الجدال وقد أريد به ما أصاب أربد بن ربيعه أخا لبيد فإنه أقبل مع عامر ~~بن الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغيانه الغوائل فدخلا المسجد ~~وهو عليه الصلاة والسلام جالس في نفر من الأصحاب رضي الله عنهم فاستشرفوا ~~الجمال عامر وكان من أجمل الناس وقد كان أوصى إلى أربد أنه إذا رأيتني أكلم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فدر من خلفه واضربه بالسيف فجعل يكلمه صلى الله ~~عليه وسلم فدار أربد من خلفه صلى الله عليه وسلم فاخترط من سيفه شبرا فحبسه ~~الله تعالى فلم يقدر على سله وجعل عامر يومىء إليه فرأى النبي صلى الله ms1731 ~~عليه وسلم الحال فقال اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله عز وجل على أربد ~~صاعقة في يوم صحو صائف فأحرقته وولى عامر هاربا فنزل في بيت امرأة سلولية ~~فلما أصبح ضم عليه سلاحه وتغير لونه وركب فرسه فجعل يركض في الصحراء ويقول ~~ابرز يا ملك الموت ويقول الشعر ويقول واللات لئن أصحر لي محمد وصاحبه يعني ~~ملك الموت لأنفذتهما برمحي فأرسل الله تعالى ملكا فلطمه بجناحه فأرداه في ~~التراب فخرجت على ركبته في الوقت غدة عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول ~~غرة كغرة البعير وموت في بيت سلولية ثم دعا بفرسه فركبه فأجراه حتى مات على ~~ظهره وقيل أريد به ما روى عن الحسن أنه كان رجل من طواغيت العرب فبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه يدعونه إلى الله عز وجل فقال لهم ~~أخبروني عما تدعونني إليه ما هو ومم هو من ذهب أم من فضة أم من نحاس أم من ~~حديد أم من در فاستعظموا مقالته فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه فقال صلى الله عليه ~~وسلم ارجعوا اليه فرجعوا إليه فما زاد إلا مقالته الأولى وأخبث فرجعوا إليه ~~صلى الله عليه وسلم وأخبروه بما صنع فقال صلى الله عليه وسلم ارجعوا إليه ~~فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه إذ ارتفعت سحابة ورعدت وبرقت ورمت بصاعقة ~~فاحترق الكافر فجاءوا يسعون ليخبروه صلى الله عليه وسلم بالخبر فاستقبلهم ~~الأصحاب فقالوا احترق صاحبكم قالوا من أين علمتم قالوا أوحى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم «وهو شديد المحال» أي والحال أنه شديدا لمما حلة والمكابرة ~~والمماكرة لأعدائه من محله إذا كاده وعرضه للهلاك ومنه تمحل إذا تكلف ~~استعمال الحيل وقيل هو محال من PageV05P010 # المحل بمعنى القوة وقيل محول من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس ويعضده ~~أنه قرىء بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال ويجوز أن يكون ~~بمعنى الفقار فيكون مثلا ms1732 في القوة والقدرة كقولهم فساعد الله أشد وموساه ~~أحد «له دعوة الحق» أي الدعوة الثابتة الواقعة في محلها المجابة عند وقوعها ~~والإضافة للإيذان بملابستها للحق واختصاصها به وكونه بمعزل من شائبة ~~البطلان والضياع والضلال كما يقال كلمة الحق وقبل له دعوة الله سبحانه أي ~~الدعوة اللائقة بحضرته كما في قوله صلى الله عليه وسلم فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله والتعرض لوصف الحقية لتربية معنى ~~الاستجابة والأولى هو الأول لقوله تعالى وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ~~وتعلق الجملتين بما قبلهما من حيث أن إهلاك أربد وعامر محال من الله تعالى ~~وإجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما إن كانت الآية نزلت في ~~شأنهما أو من حيث انه وعيد للكفرة على مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحلول محاله بهم وتحذير لهم بإجابة دعوته عليهم «والذين يدعون» أي الأصنام ~~الذين يدعوهم المشركون فحذف العائد «من دونه» من دون الله عز وجل «لا ~~يستجيبون لهم بشيء» من طلباتهم «إلا كباسط كفيه إلى الماء» أي إلا استجابة ~~كائنة كإستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد فالاستجابة مصدر من المبني ~~للفاعل على ما يقتضيه الفعل الظاهر عني لا يستجيبون ويجوز أن يكون من ~~المبني للمفعول ويضاف إلى الباسط بناء على استلزام المصدر من المبنى للفاعل ~~للمصدر من المبنى للمفعول وجودا وعدما فكأنه قيل لا يستجيبون لهم بشيء فلا ~~يستجاب لهم إلا استجابة كائنة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء كما في قوله ~~* وعضة دهر يا أبن مروان لم تدع * من المال إلا مسحت أو مجلف * أي لم تدع ~~فلم يبق إلا مسحت أو مجلف «ليبلغ» أي الماء بنفسه من غير أن يؤخذ بشيء من ~~إناء ونحوه «فاه وما هو» أي الماء «ببالغه» ببالغ فيه أبدا لكونه جمادا لا ~~يشعر بعطشه ولا ببسط يده إليه فضلا عن الاستطاعة لما أراده من البلوغ إلى ~~فيه شبه حال المشركين في عدم حصولهم في دعاء آلهتهم على شيء أصلا ms1733 وركاكة ~~رأيهم في ذلك بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل قد بسط كفيه من بعيد إلى ~~الماء يبغي وصوله إلى فيه من غير ملاحظة التشبيه في جميع مفردات الأطراف ~~فان الماء في نفسه شيء نافع بخلاف آلهتهم والمراد نفي الاستجابة رأسا إلا ~~انه قد أخرج الكلام مخرج التهكم بهم فقيل لا يستجيبون لهم شيئا من ~~الاستجابة كائنة في هذه الصورة التي ليست فيها شائبة الاستجابة قطعا فهو في ~~الحقيقة من باب التعليق بالمحال وقرئ تدعون بالتاء وكباسط بالتنوين «وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال» أي ذهاب وضياع وخسار «ولله» وحده «يسجد» يخضع ~~وينقاد لا لشيء غيره استقلالا ولا اشتراكا فالقصر ينتظم القلب والأفراد «من ~~في السماوات والأرض» من الملائكة والثقلين «طوعا وكرها» أي الطائعين ~~وكارهين أو انقياد طوع وكره أو حال طوع وكره فان خضوع الكل لعظمة الله عز ~~PageV05P011 # وجل وانقيادهم لإحداث ما أراده فيهم من أحكام التكوين والإعدام شاءوا أو ~~أبوا وعدم مداخلة حكم غيره بل غير حكمه تعالى في تلك الشؤون مما لا يخفى ~~على أحد «وظلالهم» أي وتنقاد له تعالى ظلال من له ظل منهم أعني الإنس حيث ~~تتصرف على مشيئته وتتأتى لإرادته في الامتداد والتقلص والفيء والزوال ~~«بالغدو والآصال» ظرف السجود المقدر أو حال من الظلال وتخصيص الوقتين ~~بالذكر مع أن انقيادها متحقق في جميع أوقات وجودها لظهور ذلك فيهما والغدو ~~جميع غداة كفتى في جمع فتاة والآصال جمع أصيل وقيل جمع أصل وهو جمع أصيل ~~وهو ما بين العصر والمغرب وقيل الغدو مصدر ويؤيده أنه قرىء والإيصال أي ~~الدخول في الأصيل هذا وقد قيل إن المراد حقيقة السجود فان الكفرة حال ~~الاضطرار وهو المعنى بقوله تعالى وكرها يخصون السجود به سبحانه قال تعالى ~~فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ولا يبعد أن يخلق الله ~~تعالى في الظلال أفهاما وعقولا بها تسجد لله سبحانه كما خلقها للجبال حتى ~~اشتغلت بالتسبيح وظهر فيها آثار التجلي كما قاله ابن الأنباري ويجوز أن ~~يراد بسجودها ms1734 ما يشاهد فيها من هيئة السجود تبعا لأصحابها وأنت خبير بأن ~~اختصاص سجود الكافر حالة الضرورة والشدة بالله سبحانه لا يجدى فان سجودهم ~~لأصنامهم حالة الرخاء تخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور فالوجه ~~حمل السجود على الانقياد ولأن تحقيق انقياد الكل في الإبداع والإعدام له ~~تعالى أدخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه من تحقيق سجودهم له تعالى ~~وتخصيص انقياد العقلاء بالذكر مع كون غيرهم أيضا كذلك لأنهم العمدة ~~وانقيادهم دليل انقياد غيرهم على أنه بين ذلك بقوله عز وجل «قل من رب ~~السماوات والأرض» فإنه لتحقيق أن خالقهما ومتولي أمرهما مع ما فيهما على ~~الإطلاق هو الله سبحانه وقوله تعالى «قل الله» أمر بالجواب من قبله صلى ~~الله عليه وسلم إشعارا بأنه متعين للجوابية فهو والخصم في تقريره سواء أو ~~أمر بحكاية اعترافهم إيذانا بأنه أمر لا بد لهم من ذلك كأنه قيل أحك ~~اعترافهم فبكتهم بما يلزمهم من الحجة وألقمهم الحجر أو أمر بتلقينهم ذلك إن ~~تلعثموا في الجواب حذرا من الإلزام فإنهم لا يتمالكون إذ ذاك ولا يقدرون ~~على إنكاره «قل » إلزاما لهم وتبكيتا «أفاتخذتم» لأنفسكم والهمزة لإنكار ~~الواقع كما في قولك أضربت أباك لا لإنكار الوقوع كما في قولك أضربت أبي ~~والفاء للعطف على مقدر بعد الهمزة أي أعلمتم أن ربهما هو الله الذي ينقاد ~~لأمره من فيهما كافة فاتخذتم عقيبه «من دونه أولياء» عاجزين «لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا» يستجلبونه «ولا ضرا» يدفعونه عن أنفسهم فضلا عن القدرة على ~~جلب النفع لغيره ودفع الضرر عنه لا على الإنكار متوجها إلى المعطوفين معا ~~كما في قوله تعالى «أفلا تعقلون» إذا قدر المعطوف عليه ألا تسمعون بل إلى ~~ترتب الثاني على الأول مع PageV05P012 # وجوب أن يترتب عليه نقيضه كما إذا قدر أتسمعون والمعنى أبعد أن علمتم أن ~~ربهما هو الله جل جلاله اتخذتم من دونه أولياء عجزة والحال أن قضية العلم ~~بذلك إنما هو الاقتصار على توليه فعكستم الأمر كما في قوله تعالى كان من ~~الجن ms1735 ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ووصف الأولياء ههنا ~~بعدم المالكية للنفع والضر في ترشيح الإنكار وتأكيده كتقييد الاتخاذ هناك ~~بالجملة الحالية أعنى قوله تعالى «وهم لكم عدو» فان كلا منهما مما ينفي ~~الاتخاذ المذكور ويؤكد إنكاره «قل» تصويرا لآرائهم الركيكة بصورة المحسوس ~~«هل يستوي الأعمى» الذي هو المشرك الجاهل بالعبادة ومستحقها «والبصير» الذي ~~هو الموحد العالم بذلك أو الأول عبارة عن المعبود الغافل والثاني إشارة إلى ~~المعبود العالم بكل شيء «أم هل تستوي الظلمات» التي هي عبارة عن الكفر ~~والضلال «والنور» الذي هو عبارة عن التوحيد والإيمان وقرئ بالياء ولما دل ~~النظم الكريم على أن الكفر فيما فعلوا من اتخاذ الأصنام أولياء من دون الله ~~سبحانه في الضلال المحض والخطأ البحت بحيث لا يخفى بطلانه على أحد وأنهم في ~~ذلك كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء أصلا وليس لهم في ذلك شبهة تصلح أن تكون ~~منشأ لغلطهم وخطئهم فضلا عن الحجة أكد ذلك فقيل «أم جعلوا لله» أي بل ~~اجعلوا له «شركاء خلقوا كخلقه» سبحانه والهمزة لإنكار الوقوع لا لإنكار ~~الواقع مع وقوعه وقوله خلقوا كخلقه هو الذي يتوجه إليه الإنكار وأما نفس ~~الجعل فهو واقع لا يتعلق به الإنكار بهذا المعنى والمعنى أنهم لم يجعلوا ~~لله تعالى شركاء خلقوا كخلقه «فتشابه الخلق عليهم» بسبب ذلك وقالوا هؤلاء ~~خلقوا كخلقه تعالى فاستحقوا بذلك العبادة كما استحقها ليكون ذلك منشأ ~~لخطئهم بل إنما جعلوا له شركاء ما هو بمعزل من ذلك بالمرة وفيه ما لا يخفى ~~من التعريض بركاكة رأيهم والتهكم بهم «قل» تحقيقا للحق وإرشادا لهم إليه ~~«الله خالق كل شيء» كافة لا خالق سواه فيشاركه في استحقاق العبادة «وهو ~~الواحد» المتوحد بالألوهية المتفرد بالربوبية «القهار» لكل ما سواه فكيف ~~يتوهم أن يكون له شريك وبعد مثل المشرك والشرك بالأعمى والظلمات والموحد ~~والتوحيد بالبصير والنور مثل الحق الذي هو القرآن العظيم في فيضانه من جناب ~~القدس على قلوب خالية عنه متفاوتة الاستعداد وفي جريانه عليها ملاحظة ms1736 وحفظا ~~وعلى الألسنة مذاكرة وتلاوة وفي ثباته فيهما مع كونه ممدا لحياتها ~~الروحانية وما يتلوها من الملكات السنية والأعمال المرضية بالماء النازل من ~~السماء السائل في أودية يابسة لم تجر عادتها بذلك سيلانا مقدرا بمقدار ~~اقتضته الحكمة في إحياء الأرض وما عليها الباقي فيها حسبما يدور عليه منافع ~~الناس وفي كونه حلية تتحلى به النفوس وتصل إلى البهجة الأبدية ومتاعا يتمتع ~~به في المعاش والمعاد بالذهب والفضة وسائر الفلزات التي يتخذ منها أنواع ~~الآلات والأدوات وتبقى منتفعا بها مدة طويلة ومثل الباطل الذي ابتلى به ~~الكفرة لقصور نظرهم بما يظهر فيهما من غير مداخلة له فيهما واخلال بصفائهما ~~من الزبد الرابي فوقهما المضمحل سريعا فقيل PageV05P013 # «أنزل من السماء» أي من جهتها «ماء» أي كثيرا أو نوعا منه وهو ماء المطر ~~«فسالت» بذلك «أودية» واقعة في مواقعة لا جميع الأودية إذ الأمطار لا ~~نستوعب الأقطار وهو جمع واد وهو مفرج بين جبال أو تلال أو آكام على الشذوذ ~~كناد وأندية وناج وأنجية قالوا وجهه أن فاعلا يجيء بمعنى فعيل كناصر ونصير ~~وشاهد وشهيد وعالم وعليم وحيث جمع فعيل على أفعلة كجريب وأجربة جمع فاعل ~~أيضا على أفعلة فان أريد بها ما يسيل فيها مجازا فاسناد السيلان إليها ~~حقيقي وان أريد معناها الحقيقي فالإسناد مجازى كما في جرى النهر وإيثار ~~التمثيل بها على الأنهار المستمرة الجريان لوضوح المماثلة بين شأنها وشأن ~~ما مثل بها كما أشير إليه «بقدرها» أي سالت ملتبسة بمقدارها الذي عينه الله ~~تعالى واقتضته حكمته في نفع الناس أو بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة بحسب ~~تفاوت محالها صغرا وكبرا لا بكونها مالئة لها منطبقة عليها بل بمجرد قلتها ~~بصغرها المستلزم لقلة موارد الماء وكثرتها بكبرها المستدعي لكثرة الموارد ~~فأن مورد السيل الجاري في الوادي الصغير أقل من مورد السيل الجاري في ~~الوادي الكبير هذا ان أريد بالأودية ما يسيل فيها أما أن أريد بها معناها ~~الحقيقي فالمعنى سالت مياهها بقدر تلك الأودية على نحو ما عرفته آنفا أو ~~يراد بضميرها ms1737 مياهها بطريق الاستخدام ويراد بقدرها ما ذكر أولا من المعنيين ~~«فاحتمل السيل» الجاري في تلك الأودية أي حمل معه «زبدا» أي غثاء ورغوة ~~وانما وصف ذلك بقوله تعالى «رابيا» أي عاليا منتفخا فوقه بيانا لما أريد ~~بالاحتمال المحتمل لكون الحميل غير طاف كالأشجار الثقيلة وانما لم يدفع ذلك ~~الاحتمال بأن يقال فاحتمل السيل فوقه للإيذان بأن تلك الفوقية مقتضى شأن ~~الزبد لا من جهة المحتمل تحقيقا للماثلة بينه وبين ما مثل به من الباطل ~~الذي شأنه الظهور في بادي الرأي من غير مداخلة في الحق «ومما يوقدون عليه ~~في النار» أي يفعلون الإيقاد عليه كائنا في النار والضمير للناس أضمر مع ~~عدم سبق الذكر لظهوره وقرئ بالخطاب «ابتغاء حلية أو متاع» أي لطلب اتخاذ ~~حلية وهي ما يتزين ويتجمل به كالحلي المتخذة من الذهب والفضة أو اتخاذ متاع ~~وهو ما يتمتع به من الأواني والآلات المتخذة من الرصاص والحديد وغير ذلك من ~~الفلزات «زبد» خبث «مثله» مثل ما ذكر من زبد الماء في كونه رابيا فوقه ~~فقوله زبد مبتدأ خبره الظرف المقدم ومن ابتدائية دالة على مجرد كونه مبتدأ ~~وناشئا منه لا تبعيضية معربة عن كونه بعضا منه كما قيل لاخلال ذلك بالتمثيل ~~وفي التعبير عن ذلك بالموصول والتعرض لما في حيز الصلة من ايقاد النار عليه ~~جرى على سنن الكبرياء باظهار التهاون به كما في قوله تعالى فأوقد لي يا ~~هامان على الطين وإشارة إلى كيفية حصول الزبد منه بذوبانه وفي زيادة في ~~النار إشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصول الزبد كما أشير إليه وعدم ~~التعرض لاخراجه من PageV05P014 # الأرض لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل كما أن لعنوان إنزال الماء من ~~السماء دخلا فيه حسبما فصل فيما سلف بل له إخلال بذلك «كذلك» أي مثل ذلك ~~الضرب البديع المشتمل على نكت رائقة «يضرب الله الحق والباطل» أي مثل الحق ~~ومثل الباطل والحذف للأنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به كأن ~~المثل المضروب عين الحق والباطل وبعد تحقيق التمثيل ms1738 مع الإيماء في تضاعيف ~~ذلك إلى وجوه المماثلة على أبدع وجوه وآنقها حسبما أشير إليه في مواقعها ~~بين عاقبة كل من الممثلين على وجه التمثيل مع التصريح ببعض ما به المماثلة ~~من الذهاب والبقاء تتمة للغرض من التمثيل من الحث على اتباع الحق الثابت ~~والردع عن الباطل الزائد فقيل «فأما الزبد» من كل منهما «فيذهب جفاء» أي ~~مرميا به وقرئ جفالا والمعنى واحد «وأما ما ينفع الناس» منهما كالماء ~~الصافي والفلز الخاص «فيمكث في الأرض» أما الماء فيثبت بعضه في منافعه ~~ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنا والآبار وأما الفلز فيصاغ من ~~بعضه أنواع الحلي ويتخذ من بعضه أصناف الآلات والأدوات فينتفع بكل من ذلك ~~أنواع الانتفاعات مدة طويلة فالمراد ابا لمكث في الأرض ما هو أعم من المكث ~~في نفسها ومن البقاء في أيدي المتقلبين فيها وتغيير ترتيب اللف الواقع في ~~الفذلكة الموافق للترتيب الواقع في التمثيل لمراعاة الملاءمة بين حالتي ~~الذهاب والبقاء وبين ذكريهما فان المعتبر إنما هو بقاء الباقي بعد ذهاب ~~الذاهب لا قبله «كذلك يضرب الله» أي مثل ذلك الضرب العجيب يضرب «الأمثال» ~~في كل باب إظهارا لكمال اللطف والعناية في الإرشاد والهداية وفيه تفخيم ~~لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله كذلك يضرب الله الحق والباطل إما باعتبار ~~ابتناء هذا على التمثيل الأول أو بجعل ذلك إشارة إليهما جميعا وبعد ما بين ~~شأن كل من الحق والباطل حالا ومآلا أكمل بيان شرع في بيان حال أهل كل منهما ~~مآلا تكميلا للدعوة ترغيبا وترهيبا فقيل «للذين استجابوا لربهم» إذ دعاهم ~~إلى الحق بفنون الدعوة التي من جملتها ضرب الأمثال فإنه الطف ذريعة إلى ~~تفهيم القلوب الغبية وأقوى وسيلة إلى تسخير النفوس الأبية كيف لا وهو تصوير ~~للمعقول بصورة المحسوس وإبراز لا وابد المعاني في هيئة المأنوس فأي دعوة ~~أولى منه بالاستجابة والقبول «الحسنى» أي المثوبة الحسنى وهي الجنة «والذين ~~لم يستجيبوا له» وعاندوا الحق الجلي «لو أن لهم ما في الأرض» من أصناف ~~الأموال «جميعا» بحيث ms1739 لم يشذ منه شاذ في أقطارها أو مجموعا غير متفرق بحسب ~~الأزمان «ومثله معه لافتدوا به» أي بما في الأرض ومثله معه جميعا ليتخلصوا ~~عما بهم وفيه من تهويل ما يلقاهم ما لا يحيط به البيان فالموصول مبتدأ ~~والشرطية كما هي خبره لكن لا على أنها وضعت موضع السوءى فوقعت في مقابلة ~~الحسنى الواقعة في القرينة الأولى لمراعاة حسن المقابلة فصار كأنه قيل ~~والذين لم يستجيبوا له السوءى كما يوهم فإن الشرطية وإن دلت على كما سوء ~~حالهم لكنها بمعزل من القيام مقام لفظ السوءى مصحوبا باللام الداخلة على ~~الموصول أو ضميره PageV05P015 # وعليه يدور حصول المرام وإنما الواقع في تلك المقابلة سوء الحساب في قوله ~~تعالى «أولئك لهم سوء الحساب» وحيث كان اسم الإشارة الواقع مبتدأ في هذه ~~الجملة عبارة عن الموصول الواقع مبتدأ في الجملة السابقة كان خبرها أعني ~~الجملة الظرفية خبرا عن الموصول في الحقيقة ومبينا لإبهام مضمون الشرطية ~~الواقعة خبرا عنه أولا ولذلك ترك العطف فصار كأنه قيل والذين لم يستجيبوا ~~له لهم سوء الحساب وذلك في قوة أن يقال وللذين لم يستجيبوا له سوء الحساب ~~مع زيادة تأكيد فتم حسن المقابلة على أبلغ وجه وآكده ثم بين مؤدى ذلك فقيل ~~«ومأواهم» أي مرجعهم «جهنم» وفيه نوع تأكيد لتفسير الحسنى بالجنة «وبئس ~~المهاد» أي المستقر والمخصوص بالذم محذوف وقيل اللام في قوله تعالى للذين ~~استجابوا لربهم متعلقة بقوله يضرب الله الأمثال أي الأمثال السالفة وقوله ~~الحسنى صفة للمصدر أي استجابوا الاستجابة الحسنى وقوله والذين لم يستجيبوا ~~له معطوف على الموصول الأول وقوله لو أن لهم الخ كلام مستأنف مسوق لبيان ما ~~أعد لغير المستجيبين من العذاب والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين ~~المستجيبين والكافرين المعاندين أي هما مثلا الفريقين وأنت خبير بأن عنوان ~~الاستجابة وعدمها لا مناسبة بينه وبين ما يدور عليه أمر التمثيل وأن ~~الاستعمال المستفيض دخول اللام على من يقصد تذكيره بالمثل نعم قد يستعمل في ~~هذا المعنى أيضا كما في قوله سبحانه ضرب الله ms1740 مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ~~ونظائره على أن بعض الأمثال المضروبة لا سيما المثل الأخير الموصول بالكلام ~~ليس مثل الفريقين بل مثل للحق والباطل ولا مساغ لجعل الفريقين مضروبا لهم ~~أيضا بأن يجعل في حكم أن يقال كذلك يضرب الله الأمثال للناس إذ لا وجه ~~حينئذ لتنويعهم إلى المستجيبين وغير المستجيبين فنأمل «أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك» من القرآن الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص ~~في المنفعة والجدوى «الحق» الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه ~~بالأمثال المضروبة فيستجيب له «كمن هو أعمى» عمى القلب لا يشاهده وهو نار ~~على علم ولا يقدر قدره وهو في أقصى مراتب العلو والعظم فيبقى حائرا في ~~ظلمات الجهل وغيا هب الضلال أو لا يتذكر بما ضرب من الأمثال أي كمن لا يعلم ~~ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر عنه بالأعمى وإيراد الفاء بعد ~~الهمزة لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ~~ضرب من الأمثال وبين المصير والمآل كأنه قيل أبعد ما بين حال كل من ~~الفريقين ومآلهما يتوهم المماثلة بينهما ثم استؤنف فقبل «إنما يتذكر» بما ~~ذكر من المذكرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي «أولوا الألباب» ~~أي العقول الخالصة المبرأة من مشايعة الإلف ومعارضة الوهم «الذين يوفون ~~بعهد الله» بما عقدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا بلى ~~أو ما عهد الله عليهم في كتبه «ولا ينقضون الميثاق» ما وثقوه على أنفسهم ~~وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين ~~PageV05P016 # العباد وهو تعميم بعد تخصيص وفيه تأكيد للإستمرار المفهوم من صيغة ~~المستقبل «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل» من الرحم وموالاة المؤمنين ~~والإيمان بجميع الأنبياء المجمعين على الحق من غير تفريق بين أحد منهم ~~ويندرج فيه مراعاة جميع حقوق الناس بل حقوق كل ما يتعلق بهم من الهر ~~والدجاج «ويخشون ربهم» خشية جلال وهيبة ورهبة فلا يعصونه فيما أمر به ~~«ويخافون ms1741 سوء الحساب» فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا وفيه دلالة على كمال ~~فظاعته حسبما ذكر فيما قبل «والذين صبروا» على كل ما تكرهه النفس من ~~الأفعال والتروك «ابتغاء وجه ربهم» طلبا لرضاه خاصة من غير أن ينظر إلى ~~جانب الخلق رياء وسمعة ولا إلى جانب النفس زينة وعجبا وحيث كان الصبر على ~~الوجه المذكور ملاك الأمر في كل ما ذكر من الصلات السابقة واللاحقة أورد ~~على صيغة الماضي اعتناء بشأنه ودلالة على وجوب تحققه فإن ذلك مما لا بد منه ~~إما في نفس الصلات كما فيما عدا الأولى والرابعة والخامسة أو في إظهار ~~أحكامها كما في الصلات الثلاث المذكورات فإنها وإن استغنت عن الصبر في ~~أنفسها حيث لا مشقة على النفس في الاعتراف بالربوبية والخشية والخوف لكن ~~إظهار أحكامها والجرى على موجبها غير خال عن الاحتياج إليه «وأقاموا ~~الصلاة» المفروضة «وأنفقوا من ما رزقناهم» أي بعضه الذي يجب عليهم إنفاقه ~~«سرا» لمن لم يعرف بالمال أو لمن لا يتهم بترك الزكاة أو عند إنفاقه ~~وإعطائه من تمنعه المروءة من أخذه ظاهرا «وعلانية» لمن لم يكن كما ذكر أو ~~الأول في التطوع والثاني في الفرض «ويدرؤون بالحسنة» أي يجازون الإساءة ~~بالإحسان أو يتبعون الحسنة السيئة فنمحوها عن أبي عباس رضي الله عنهما ~~يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سئ غيرهم وعن الحسن إذا حرموا ~~أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا ~~وقيل إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره وتقديم المجرور على المنصوب لإظهار كما ~~العناية بالحسنة «أولئك» المنعوتون بالنعوت الجليلة والملكات الجميلة وهو ~~مبتدأ خبره الجملة الظرفية أعنى قوله تعالى «لهم عقبى الدار» أي عاقبة ~~الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أمر أهلها وهي الجنة وقيل الجار والمجرور خبر ~~لأولئك وعقبى الدار فاعل الاستقرار وأياما كان فليس فيه قصر حتى يرد أن بعض ~~ما في الصلة ليس من العزائم التي يخل إخلالها بالموصول إلى حسن العاقبة ~~والجملة خبر للموصولات المتعاطفة أو استئناف لبيان ما استوجبه ms1742 بتلك الصفات ~~أن جعلت الموصولات المتعاطفة صفات لأولي الألباب على طريقة المدح من غير أن ~~يقصد أن يكون للصلات المذكورة مدخل في التذكر «جنات عدن» بدل من عقبى الدار ~~أو مبتدأ PageV05P017 # خبره «يدخلونها» والعدن الإقامة ثم صار علما لجنة من الجنات أي جنات ~~يقيمون فيها وقيل هو بطنان الجنة «ومن صلح من آبائهم» جمع أبوي كل واحد ~~منهم فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم «وأزواجهم» وذرياتهم وهو عطف على ~~المرفوع في يدخلون وإنما ساغ ذلك للفصل بالضمير الآخر أو مفعول معه والمعنى ~~أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم تعظيما ~~لشأنهم وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة وأن الموصوف بتلك الصفات يقرن ~~بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم وفي ~~التقييد بالصلاح قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب ~~«والملائكة يدخلون عليهم من كل باب» من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح ~~والتحف قائلين «سلام عليكم» بشارة لهم بدوام السلامة «بما صبرتم» متعلق ~~بعليكم أو بمحذوف أي هذه الكرامة العظمى بما صبرتم أي بسبب صبركم أو بدل ما ~~احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه والمعنى لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم ~~الساعة وتخصيص الصبر بما ذكر من بين الصلات السابقة لما قدمناه من أن له ~~دخلا في كل منها ومزية زائدة من حيث إنه ملاك الأمر في كل منها وإن شيئا ~~منها لا يعتد به إلا بأن يكون لإبتغاء وجه الرب تعالى وتقدس «فنعم عقبى ~~الدار» أي فنعم عقبى الدار الجنة وقرئ بفتح النون والأصل نعم فسكن العين ~~بنقل حركتها إلى النون تارة وبدونه أخرى وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يأتي قبور الشهداء على راس كل حول فيقول سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار وكذا عن الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين «والذين ~~ينقضون عهد الله» أريد بهم من يقابل الأولين ويعاندهم في الاتصاف بنقائض ~~صفاتهم «من بعد ميثاقه» من بعد ما أوثقوه ms1743 من الاعتراف والقبول «ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل» من الإيمان بجميع الأنبياء المجمعين على الحق حيث ~~يؤمنون ببعضهم ويكفرون ببعضهم ومن حقوق الأرحام وموالاة المؤمنين وغير ذلك ~~مما لا يراعون حقوقه من الأمور المعدودة فيما سلف وإنما لم يتعرض لنفي ~~الخشية والخوف عنهم صريحا لدلالة النقض والقطع على ذلك وأما عدم التعرض ~~لنفي الصبر المذكور فلأنه إنما اعتبر تحققه في ضمن الحسنات المعدودة ليقعن ~~معتدا بهن فلا وجه لنفيه عمن بينه وبين الحسنات بعد المشرقين كما لا وجه ~~لنفي الصلاة والزكاة ممن لا يحوم حول أصل الإيمان بالله تعالى فضلا عن فروع ~~الشرائع وإن أريد بالإنفاق التطوع فنفيه مندرج تحت قطع ما أمر الله تعالى ~~بوصله وأما درء السيئة بالحسنة فانتفاؤه عنهم ظاهر مما سبق ولحق فإن من ~~يجازى إحسانه عز وجل بنقض العهد ومخالفة الأمر ويباشر الفساد بدأ حسبما ~~يحكيه قوله تعالى عز وعلا «ويفسدون في الأرض» أي بالظلم وتهيج الفتن كيف ~~يتصور منه مجازاة الإساءة بالإحسان على أن يشعر بان له دخلا في الإفضاء إلى ~~PageV05P018 # العقوبة التي ينبئ عنها قوله تعالى «أولئك» الخ أي أولئك الموصوفون بما ~~ذكر من القبائح «لهم» بسبب ذلك «اللعنة» أي الإبعاد من رحمة الله تعالى ~~«ولهم» مع ذلك «سوء الدار» أي سوء عاقبة الدنيا أو عذاب جهنم فإنها دارهم ~~لأن ترتيب الحكم على الموصول مشعر بعلية الصلة له ولا يخفى أنه لا دخل له ~~في ذلك على أكثر التفاسير فإن مجازاة السيئة بمثلها مأذون فيها ودفع الكلام ~~السيء بالحسن وكذا الإعطاء عند المنع والعفو عند الظلم والوصل عند القطع ~~ليس مما يورث تركه تبعة وأما ما اعتبر اندراجه تحت الصلة الثانية من ~~الإخلال ببعض الحقوق المندوبة فلا ضير في ذلك لأن اعتباره من حيث إنه من ~~مستتبعات الإخلال بالعزائم بالكفر ببعض الأنبياء وعقوق الوالدين وترك سائر ~~الحقوق الواجبة وتكرير لهم للتأكيد والإيذان باختلافهما واستقلال كل منهما ~~في الثبوت «الله يبسط الرزق» أي يوسعه «لمن يشاء» من عباده «ويقدر» أي ~~يضيقه على ms1744 من يشاء حسبما تقتضيه الحكمة من غير أن يكون لأحد مدخل في ذلك ~~ولا شعور بحكمته فربما يبسطه للكافر إملاء واستدراجا وربما يضيقه على ~~المؤمن زيادة لأجره فلا يغتر ببسط الكافر كما لا يقنط بقدره المؤمن ~~«وفرحوا» أي أهل مكة فرح أشر وبطر لا فرح سرور بفضل الله تعالى «بالحياة ~~الدنيا» وما بسط لهم فيها من نعيمها «وما الحياة الدنيا» وما يتبعها من ~~النعيم «في الآخرة» أي في جنب نعيم الآخرة «إلا متاع» إلا شيء نزر يتمتع به ~~كعجالة الراكب وزاد الراعي والمعنى أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم ~~الآخرة والحال أن ما أشروا به في جنب ما أعرضوا عنه شيء قليل النفع سريع ~~النفاد «ويقول الذين كفروا» أي أهل مكة وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ~~ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بالحياة الدنيا لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر ~~فيما حكى عنهم من قولهم «لولا أنزل عليه آية من ربه» فإن ذلك في أقصى مراتب ~~المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه السلام من الآيات العظام الباهرة ليس ~~بآية حتى اقترحوا مالا تقتضيه الحكمة من الآيات المحسوسة التي لا يبقى لأحد ~~بعد ذلك طاقة بعدم القبول ولذلك أمر في الجواب بقوله تعالى «قل إن الله يضل ~~من يشاء» إضلاله مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها أي يخلق فيه الضلال ~~لصرفه اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكا فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ~~ولا ينفعه الإرشاد كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة ~~والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية «ويهدي إليه» ~~أي إلى جنابه العلي الكبير هداية موصلة إليه لا دلالة مطلقة على ما يوصل ~~إليه فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم مالا يوصف «من أناب» أقبل ~~PageV05P019 # إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة لدخول ~~في نوبة الخير وإيثار إيرادها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة ~~الأولى للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار ms1745 بما دعا ~~إلى المشيئة الأولى من المكابرة وفيه حث للكفرة على الإقلاع عماهم عليه من ~~العتو والعناد وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية لسابقة ~~الإنابة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار ~~المشيئة حسب استمرار مكابرتهم «الذين آمنوا» بدل ممن أناب فإن أريد ~~بالهداية الهداية المستمرة فالأمر ظاهر لظهور كون الإيمان مؤديا إليها وإن ~~أريد إحداثها فالمراد بالذين آمنوا الذين صار أمرهم إلى الإيمان كما في ~~قوله تعالى هدى للمتقين أي الصائرين إلى التقوى وإلا فالإيمان لا يؤدي إلى ~~الهداية نفسها أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين آمنوا أو منصوب على المدح ~~«وتطمئن قلوبهم» أي تستقر وتسكن «بذكر الله» بكلامه المعجز الذي لا ريب فيه ~~كقوله تعالى وهذا ذكر مبارك أنزلناه وقوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون ويعلمون أن لا أعظم منه فيقترحوها والعدول إلى صيغة المضارع لإفادة ~~دوام الاطمئنان وتجدده حسب تجدد الآيات وتعددها «ألا بذكر الله» وحده ~~«تطمئن القلوب» دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنياويات ~~وهذا ظاهر وأما سائر المعجزات فالقصر من حيث إنها ليست في إفادة الطمأنينة ~~بالنسبة إلى من لم يشاهدها بمثابة القرآن المجيد فإنه معجزة باقية إلى يوم ~~القيامة يشاهدها كل أحد وتطمئن به القلوب كافة وفيه إشعار بأن الكفرة ليست ~~لهم قلوب وأفئدتهم هواء حيث لم يطمئنوا بذكر الله تعالى ولم يعدوه آية وهو ~~أظهر الآيات وأبهرها وقيل تطمئن قلوبهم بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق ~~والاضطراب من خشيته كقوله تعالى ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله أو ~~بذكر دلائله الدالة على وحدانيته أو بذكره جل وعلا نسا به وتبتلا إليه ~~فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بدل من ~~القلوب على حذف المضاف بدل الكل حسبما رمز إليه أي قلوب الذين آمنوا وفيه ~~إيماء إلى أن الإنسان إنما هو القلب أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية على ~~التأويل أعنى قوله «طوبى لهم» أو خبر مبتدأ مضمر أو نصب على المدح فطوبى ms1746 ~~لهم حال عاملها الفعلان وطوبى مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من ~~الياء كموقن وموسر وقرأ مكوزة الأعرابي طيبي لتسلم الياء والمعنى أصابوا ~~خيرا ومحلها النصب كسلاما لك أو الرفع على الابتداء وإن كانت نكرة لكونها ~~في معنى الدعاء كسلام عليك يدل على ذلك القراءة في قوله تعالى «وحسن مآب» ~~بالنصب والرفع واللام في لهم للبيان مثلها في سقيا لك «كذلك» PageV05P020 # مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المصحوب بهذه المعجزة الباهرة «أرسلناك في ~~أمة قد خلت» أي مضت «من قبلها أمم» كثيرة قد أرسل إليهم رسل «لتتلو» لتقرأ ~~«عليهم الذي أوحينا إليك» من الكتاب العظيم الشأن وتهديهم إلى الحق رحمة ~~لهم وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله ~~تعالى ووضعنا عنك وزرك وفيه مالا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن ~~قبولها له عند وروده عليها «وهم» أي والحال أنهم «يكفرون بالرحمن» بالبليغ ~~الرحمة الذي وسعت كل شيء رحمته وأحاطت به نعمته والعدول إلى المظهر المتعرض ~~لوصف الرحمة من حيث إن الإرسال ناشىء منها كما قال تعالى وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين فلم يقدروا قدره ولم يشكروا نعمه لا سيما ما أنعم به عليهم ~~بإرسال مثلك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنياوية ~~عليهم وقيل نزلت في مشركي مكة حين أمروا بالسجود فقالوا وما الرحمن «قل هو» ~~أي الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته «ربي» الرب في الأصل بمعنى التربية ~~وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا ثم وصف به مبالغة كالصوم والعدل وقيل ~~هو نعت أي خالقي ومبلغي إلى مراتب الكمال وإيراده قبل قوله «لا إله إلا هو» ~~أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية ~~وقيل إن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا الله يا رحمن فرجع ~~إلى المشركين فقال إن محمدا يدعو إلهين فنزلت ونزل قوله تعالى قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن الآية «عليه توكلت» في جميع أموري لا سيما ms1747 في النصرة ~~عليكم لا على أحد سواه «وإليه» خاصة «متاب» أي توبتي كقوله تعالى واستغفر ~~لذنبك أمر عليه السلام بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى ~~وأنها صفة الأنبياء وبعثا للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطفه ~~فإنه عليه السلام حيث أمر بها وهو منزه عن شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب ~~وإن قل فتوبتهم وهو عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلا ~~وقد فسر المتاب بمطلق الرجوع فقيل مرجعي ومرجعكم وزيد فيحكم بيني وبينكم ~~وقد قيل فيثيبني على مصابرتكم فتأمل «ولو أن قرآنا» أي قرآنا ما وهو اسم أن ~~والخبر قوله تعالى «سيرت به الجبال» وجواب لو محذوف لانسياق الكلام إليه ~~بحيث يتلقفه السامع من التالي والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن العظيم ~~وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره العلي ولم يعدوه من قبيل الآيات ~~فاقترحوا غيره مما أوتى موسى وعيسى عليهما السلام وإما بيان غلوهم في ~~المكابرة والعناد وتماديهم في الضلال والفساد فالمعنى على الأول لو أن ~~قرآنا سيرت به الجبال أي بإنزاله أو بتلاوته عليها وزعزعت عن مقارها كما ~~فعل ذلك بالطور لموسى عليه الصلاة والسلام «أو قطعت به الأرض» أي شققت ~~وجعلت أنهارا وعيونا كما فعل بالحجر حين ضربه عليه السلام بعصاه أو جعلت ~~قطعا متصدعة «أو كلم به الموتى» أي بعد أن PageV05P021 # أحيى بقراءته عليها كما أحييت لعيسى عليه السلام لكان ذلك هذا القرآن ~~لكونه الغاية القصوى في الإنطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته عز ~~وجل كقوله تعالى لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله لا في الإعجاز إذ لا مدخل له في هذه الآثار ولا في التذكير والإنذار ~~والتخويف لاختصاصها بالعقلاء مع أنه لا علاقة لها بتكليم الموتى واعتبار ~~فيض العقول إليها مخل بالمبالغة المقصودة وتقديم المجرور في المواضع ~~الثلاثة على المرفوع لما مر غير مرة من قصد الإبهام ثم التفسير لزيادة ~~التقرير لأن بتقديم ما حقه التأخير تبقى النفس ms1748 مستشرفة ومترقبة إلى المؤخر ~~أنه ماذا فيتمكن عند وروده عليها فضل تمكن وكلمة أو في الموضعين لمنع الخلو ~~لا لمنع الجمع واقتراحهم وإن كان متعلقا بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل ~~العجيبة على يده عليه السلام لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان ~~مبنيا على عدم اشتماله في زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به مبالغة في بيان ~~اشتماله عليها وأنه حقيق بأن يكون مصدرا لكل خارق وإبانة لركاكة رأيهم في ~~شأنه الرفيع كأنه قيل لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات الحكمة لكان ~~مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية وفيه من تفخيم شأنه العزيز ووصفهم ~~بركاكة العقل مالا يخفى (بل لله الأمر جميعا) أي له الأمر الذي عليه يدور ~~فلك الأكوان وجودا وعدما يفعل ما يشاء وبحكم ما يريد لما يدعو إليه من ~~الحكم البالغة وهو إضراب عما تضمنه الشرطية من معنى النفي لا بحسب منطوقة ~~بل باعتبار موجبة ومؤداه أي لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآن ~~ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده فالإضراب ~~ليس بمتوجه إلى كون الأمر لله سبحانه بل إلى ما يؤدى إليه ذلك من كون الشأن ~~على ما كان لما تقتضيه الحكمة من بناء التكليف على الاختبار «أفلم ييأس ~~الذين آمنوا» أي أفلم يعلموا على لغة هوازن أو قوم من النخع أو على استعمال ~~اليأس في معنى العلم لتضمنه له ويؤيده قراءة علي وابن عباس وجماعة من ~~الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أفلم يتبين بطريق التفسير والفاء للعطف ~~على مقدر أي أغفلوا عن كون الأمر جميعا لله تعالى فلم يعلموا «أن لو يشاء ~~الله» على حذف ضمير الشأن وتخفيف أن «لهدى الناس جميعا» بإظهار أمثال تلك ~~الآثار العظيمة فالإنكار متوجه إلى المعطوفين جميعا أو اعلموا كون الأمر ~~جميعا لله فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلم مما ذكر فهو متوجه إلى ترتب ~~المعطوف على المعطوف عليه أي تخلف العلم الثاني عن العلم ms1749 الأول وعلى ~~التقديرين فالإنكار إنكار الوقوع كما في قوله تعالى ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا إنكار الواقع كما في قولك ألم تخف الله حتى عصيته ثم إن مناط الإنكار ~~ليس عدم علمهم بمضمون الشرطية فقط بل مع عدم علمهم بعدم تحقق مقدمها كأنه ~~قيل ألم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم وأنه لم يشأها وذلك ~~لأنهم كانوا يودون أن يظهر ما اقترحوا من الآيات ليجتمعوا على الإيمان وعلى ~~الثاني لو أن قرآنا فعل به ما فصل من التعاجيب لما آمنوا به كقوله تعالى ~~ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى الآية فالإضراب حينئذ متوجه ~~إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شرح أي فليس لهم ذلك بل ~~لله الأمر جميعا إن شاء أتى بما اقترحوا وإن شاء لم يأت به حسبما تستدعيه ~~داعية الحكمة من غير أن يكون لأحد عليه تحكم أو اقتراح واليأس بمعنى القنوط ~~أي ألم يعلم الذين آمنوا حالهم هذه فلم يقنطوا من إيمانهم حتى أحبوا ظهور ~~مقترحاتهم فالإنكار متوجه PageV05P022 # إلى المعطوفين أو وأعلموا ذلك فلم يقنطوا من إيمانهم فهو متوجه إلى وقوع ~~المعطوف بعد المعطوف عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور والإنكار ~~على التقديرين إنكار الواقع كما في قوله تعالى «أفلا تتقون» ونظائره لا ~~إنكار الوقوع فإن عدم قنوطهم منه مما لا مرد له وقوله تعالى أن لو يشاء ~~الله الخ متعلق بمحدوف أي أفلم ييأسوا من إيمانهم علما منهم أو عالمين بأنه ~~لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وأنه لم يشأ ذلك أو بآمنوا أي أفلم يقنط ~~الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا على معنى أفلم ييأس من ~~إيمانهم المؤمنون بمضمون الشرطية وبعدم تحقق مقدمها المنفهم من مكابرتهم ~~حسبما تحكيه كلمة لو فالوصف المذكور من دواعي إنكار يأسهم وقيل أن أبا جهل ~~وأضرابه قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا سير بقرآنك ~~الجبال عن مكة حتى تتسع لنا ونتخذ فيها لبساتين ms1750 والقطائع وقد سخرت لداود ~~عليه السلام فلست بأهون على الله منه إن كنت نبيا كما زعمت أو سخر لنا به ~~الريح كما سخرت لسليمان عليه السلام لنتجر عليها إلى الشام فقد شق علينا ~~قطع الشقة البعيدة أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا فنزلت ~~فمعنى تقطيع الأرض حينئذ قطعها بالسير ولا حاجة حينئذ إلى الاعتذار في ~~إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه في الوجهين الأولين وعن ~~القراء أنه متعلق بما قبله من قوله وهم يكفرون بالرحمن وما بينهما اعتراض ~~وهو بالحقيقة دال على الجواب والتقدير ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت ~~به الأرض أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن والتذكير في كلم به الموتى ~~لتغليب المذكر من الموتى على غيره «ولا يزال الذين كفروا» من أهل مكة ~~«تصيبهم بما صنعوا» أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه وعدم بيانه إما ~~للقصد إلى تهويله أو استهجانه وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على ~~الموصول من عليه الصلة له مع ما في صيغة الصنع من الإيذان برسوخهم في ذلك ~~«قارعة» داهية تقرعهم وتقلقهم وهو ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائب ~~من القتل والأسر والنهب والسلب وتقديم المجرور على الفاعل لما مر مرارا من ~~إرادة التفسير إثر الإبهام لزيادة التقرير والإحكام مع ما فيه من بيان أن ~~مدار الإصابة من جهتهم آثر ذي أثير «أو تحل» تلك القارعة «قريبا» أي مكانا ~~قريبا «من دارهم» فيفزعون منها أو يتطاير إليهم شرارها شبهت القارعة بالعدو ~~المتوجه إليهم فاسند إليها الإصابة تارة والحلول أخرى ففيه استعارة ~~بالكناية وتخييل وترشيح «حتى يأتي وعد الله» أي موتهم أو القيامة فإن كلا ~~منهما وعد محتوم ولا مرد له وفيه دلالة على أن ما يصيبهم عند ذلك من العذاب ~~في غاية الشدة وأن ما ذكر سابقة نفحة يسيرة بالنسبة ألية ثم حقق ذلك بقوله ~~تعالى «إن الله لا يخلف الميعاد» أي الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة ~~والتوثقة لاستحالة ذلك ms1751 على الله سبحانه وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها ~~وكانوا بين إغارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في ديارهم فالإصابة والحلول ~~حينئذ من أحوالهم ويجوز على هذا أن يكون قوله تعالى أو تحل قريبا من دارهم ~~خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم مرادا به حلوله الحديبية والمراد بوعد ~~الله ما وعد به من فتح مكة «ولقد استهزئ برسل» كثيرة حلت «من قبلك فأمليت ~~للذين كفروا» أي تركتهم ملاوة من الزمان في أمن PageV05P023 # ودعة كما يملي للبهيمة في المرعى وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عما لقي من المشركين من التكذيب والاقتراح على طريقة الاستهزاء به ~~ووعيد لهم والمعنى إن ذلك ليس مختصا بك بل هو أمر مطرد قد فعل ذلك برسل ~~كثيرة كائنة من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم والعدول في الصلة إلى وصف ~~الكفر ليس لأن المملى لهم غير المستهزئين بل لإرادة الجمع بين الوصفين أي ~~فأمليت للذين كفروا مع استهزائهم فقط «ثم أخذتهم فكيف كان عقاب» أي عقابي ~~إياهم وفيه من الدلالة على تناهي كيفيته في الشدة والفظاعة ما يخفى «أفمن ~~هو قائم» أي رقيب مهيمن «على كل نفس» كائنة من كانت «بما كسبت» من خير أو ~~شر لا يخفى عليه شيء من ذلك بل يجازي كلا بعمله وهو الله تعالى والخبر ~~محذوف أي كمن ليس كذلك إنكارا لذلك وإدخال الفاء لتوجيه الإنكار إلى توهم ~~المماثلة غب ما علم مما فعل تعالى بالمستهزئين من الإملاء المديد والأخذ ~~الشديد ومن كون الأمر كله لله تعالى وكون هداية الناس جميعا منوطة بمشيئته ~~تعالى ومن تواتر القوارع على الكفرة إلى أن يأتي وعد الله كأنه قيل الأمر ~~كذلك فمن هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى تشركوه به فالإنكار متوجه ~~إلى ترتب المعطوف أعنى توهم المماثلة على المعطوف عليه المقدر أعني كون ~~الأمر كما ذكر كما في قولك أتعلم الحق فلا تعمل به لا إلى المعطوفين ms1752 جميعا ~~كما إذا قلت ألا تعلمه فلا تعمل به وقوله تعالى «وجعلوا لله شركاء» جملة ~~مستقلة جيء بها للدلالة على الخبر أو حالية أي أفمن هذه صفاته كما ليس كذلك ~~وقد جعلوا له شركاء لا شريكا واحدا أو معطوفة على الخبر إن قدر ما يصلح ~~لذلك أي أفمن هذا شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء ووضع المظهر للتنصيص على ~~وحدانيته ذاتا وإسما وللتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من ~~البيان بعد الإبهام بإيراده موصولا للدلالة على التفخيم وقوله تعالى «قل ~~سموهم» تبكيت لهم إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم أو صفوهم وانظروا ~~هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة «أم تنبئونه» أي بل أتنبئون ~~الله «بما لا يعلم في الأرض» أي بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم الله ~~تعالى ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض وقرئ بالتخفيف «أم بظاهر ~~من القول» أي بل أتسمونهم بشركاء بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى ~~وحقيقة كتسمية الزنجي كافورا كقوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم وهاتيك ~~الأساليب البديعة التي ورد عليها الآية الكريمة منادية على أنها خارجة عن ~~قدرة البشر من كلام خلاق القوى والقدر فتبارك الله رب العالمين «بل زين ~~للذين كفروا» وضع الموصول موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالكفر ~~«مكرهم» تمويههم الأباطيل أو كيدهم للإسلام بشركهم «وصدوا عن سبيل الله» أي ~~سبيل الحق من صده صدا وقرئ بكسر الصاد على نقل حركة الدال إليها وقرئ ~~بفتحها أي صدوا الناس أو PageV05P024 # من صد صدودا «ومن يضلل الله» أي يخلق فيه الضلال بسوء اختياره أو يخذله ~~«فما له من هاد» وفقه للهدى «لهم عذاب» شاق «في الحياة الدنيا» بالقتل ~~والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبة على كفرهم ~~(ولعذاب الآخرة أشق) من ذلك بالشدة والمدة (وما لهم من الله) من عذابه ~~المذكور (من واق) من حافظ يعصمهم من ذلك فمن الأولى صلة للوقاية والثانية ~~مزيدة للتأكيد (مثل الجنة) أي صفتها العجيبة الشأن ms1753 التي في الغرابة كالمثل ~~(التي وعد المتقون) عن الكفر والمعاصي وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه أي ~~فيما قصصنا عليك مثل الجنة وقوله تعالى (تجرى من تحتها الأنهار) تفسير لذلك ~~المثل على أنه حال من الضمير المحذوف من الصلة العائد إلى الجنة أي وعدها ~~وهو الخبر عند غيره كقولك شأن زيد يأتيه الناس ويعظمونه أو على حذف موصوف ~~أي مثل الجنة جنة تجري الخ (أكلها) ثمرها (دائم) لا ينقطع (وظلها) أيضا ~~كذلك لا تنسخه الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا (تلك) الجنة المنعوتة بما ذكر ~~(عقبى الذين اتقوا) الكفر والمعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم (وعقبى الكافرين ~~النار) لا غير وفيه مالا يخفى من إطماع المتقين وإقناط الكافرين (والذين ~~آتيناهم الكتاب) هم المسلمون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب ~~وإضرابهما ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران وثمانية ~~باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة (يفرحون بما أنزل إليك) إذ هو الكتاب ~~الموعود في التوراة والإنجيل (ومن الأحزاب) أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة نحو كعب بن الأشرف ~~والسيد العاقب اسقفى نجران واتباعهما (من ينكر بعضه) وهو الشرائع الحادثة ~~إنشاء أو نسخا لا ما يوافق ما حرفوه وإلا لنعي عليهم من أول الأمر أن مدار ~~ذلك إنما هو جنايات أيديهم وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه وإن لم يفرحوا ~~به وقيل يجوز أن يراد بالموصول الأول عامتهم فإنهم أيضا يفرحون به لكونه ~~مصداقا لكتبهم في الجملة فحينئذ يكون قوله تعالى ومن الأحزاب الخ تتمة ~~بمنزلة أن يقال ومنهم من ينكر بعضه (قل) إلزاما لهم وردا لإنكارهم (إنما ~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به) أي شيئا من الأشياء أو لا افعل الإشراك به ~~والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر الأمر مطلقا على عبادته ~~تعالى خاصة أي قل إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة الله وتوحيده وظاهر أن لا ~~سبيل PageV05P025 # لكم إلى إنكاره لإطباق جميع الأنبياء والكتب على ذلك كقوله ms1754 تعالى قل يا ~~أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا فما لكم تشركون به عزير أو المسيح وقرئ ولا أشرك به بالرفع ~~على الاستئناف أي وأنا لا أشرك به (إليه) إلى الله تعالى خاصة على النهج ~~المذكور من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد (أدعو) الناس لا إلى غيره ~~أولا إلى شيء آخر مما لم يطبق عليه الكتب الإلهية والأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فما وجه إنكاركم (وإليه) إلى الله تعالى وحده (مآب) مرجعي للجزاء ~~وحيث كانت هذه الحجة الباهرة لازمة لهم لا يجدون عنها محيصا أمر عليه ~~الصلاة والسلام بأن يخاطبهم بذلك إلزاما وتبكيتا لهم ثم شرع في رد إنكارهم ~~لفروع الشرائع الواردة ابتداء أو بدلا من الشرائع المنسوخة ببيان الحكمة في ~~ذلك فقيل (وكذلك أنزلناه) أي ما أنزل إليك وذلك إشارة إلى مصدر أنزلناه أو ~~أنزل إليك ومحله النصب على المصدرية أي مثل ذلك الإنزال البديع المنتظم ~~لأصول مجمع عليها وفروع متشعبة إلى موافقة ومخالفة حسبما تقتضيه قضية ~~الحكمة والمصلحة أنزلناه (حكما) حاكما يحكم في القضايا والواقعات بالحق أو ~~يحكم به كذلك والتعرض لذلك العنوان مع أن بعضه ليس بحكم لتربية وجوب ~~مراعاته وتحتم المحافظة عليه (عربيا) مترجما بلسان العرب والتعرض لذلك ~~للإشارة إلى أن ذلك إحدى مواد المخالفة للكتب السابقة مع أن ذلك مقتضى ~~الحكمة إذ بذلك يسهل فهمه وإدراك إعجازه والاقتصار على اشتمال الإنزال على ~~أصول الديانات المجمع عليها حسبما يفيده قوله تعالى قل إنما أمرت أن أعبد ~~الله الخ يأباه التعرض لاتباع أهوائهم وحديث المحور والإثبات وأن لكل أجل ~~كتاب فإن المجمع عليه لا يتصور فيه الاستتباع والاتباع (ولئن تبعت أهواءهم) ~~التي يدعونك إليها من تقرير الأمور المخالفة لما أنزل إليك من الحق كالصلاة ~~إلى بيت المقدس بعد التحويل (بعد ما جاءك من العلم) العظيم الشأن الفائض من ~~ذلك الحكم العربي أو العلم بمضمونه (مالك من الله) من جنابه العزيز ~~والالتفات من التكلم إلى ms1755 الغيبة وإيراد الاسم الجليل لتربية المهابة قال ~~الأزهري لا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون خالقا ورازقا ومدبرا (من ~~ولي) يلي أمرك وينصرك على من يبغيك الغوائل (ولا واق) يقيك من مصارع السوء ~~وحيث لم يستلزم نفي الناصر على العدو نفي الواقي من نكايته أدخل على ~~المعطوف حرف النفي للتأكيد كقولك مالي دينار ولا درهم أو مالك من باس الله ~~من ناصر وواق لاتباعك أهواءهم وأمثال هاتيك القوارع إنما هي لقطع أطماع ~~الكفرة وتهييج المؤمنين على الثبات في الدين واللام في لئن موطئة ومالك ساد ~~مسد جوابي الشرط والقسم (ولقد أرسلنا رسلا) كثيرة كائنة (من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذريته) PageV05P026 # نساء وأولادا كما جعلناها لك وهو رد لما كانوا يعيبونه صلى الله عليه ~~وسلم بالزواج والولاد كما كانوا يقولون ما لهذا الرسول يأكل الطعام الخ ~~(وما كان لرسول) منهم أي ما صح وما استقام ولم يكن في وسعه (أن يأتي آية) ~~مما اقترح عليه وحكم مما التمس منه (إلا بإذن الله) ومشيئته المنية على ~~الحكم والمصالح التي عليها يدور أمر الكائنات لا سيما مثل هذه الأمور ~~العظام والالتفات لما قدمناه ولتحقيق مضمون الجملة بالإيماء إلى العلة (لكل ~~أجل) أي لكل مدة ووقت من المدد والأوقات (كتاب) حكم معين يكتب على العباد ~~حسبما تقتضيه الحكمة فإن الشرائع كلها الإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد ~~ومن قضية ذلك انه يختلف حسب اختلاف أحوالهم المتغيرة حسب تغيرا الأوقات ~~كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات (يمحو الله ما يشاء) ~~أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت (ويثبت) ~~بدله ما فيه المصلحة أو يبقيه على حاله غير منسوخ أو يثبت ما شاء إثباته ~~مطلقا أعم منهما ومن الإنشاء ابتداء أو يمحو من ديوان الحفظة الذين ديدنهم ~~كتب كل قول وعمل مالا يتعلق به الجزاء ويثبت الباقي أو يمحو سيئات التائب ~~ويثبت مكانها الحسنة أو يمحو قرنا ويثبت آخرين أو يمحو الفاسدات من العالم ~~الجسماني ويثبت الكائنات أو يمحو ms1756 الرزق ويزيد فيه أو يمحو الأجل أو السعادة ~~والشقاوة وبه قال ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم والقائلون به يتضرعون ~~إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء وهذا رواه جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ليشمل الكل ويدخل في ذلك مواد ~~الإنكار دخولا أولياء وقرئ بالتشديد (وعنده أم الكتاب) أي أصله وهو اللوح ~~المحفوظ إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو (وإما ~~نرينك) أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ومن ثمة ألحقت النون ~~بالفعل (بعض الذي نعدهم) أي وعدناهم من إنزال العذاب عليهم والعدول إلى ~~صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو نعدهم وعدا متجددا حسبما تقتضيه ~~الحكمة من إنذار غب إنذار وفي إيراد البعض رمزا إلى إرادة بعض الموعود (أو ~~نتوفينك) قبل ذلك (فإنما عليك البلاغ) أي تبليغ إحكام الرسالة بتمامها لا ~~تحقيق مضمون ما بلغته من الوعيد الذي هو من جملتها (وعلينا) لا عليك ~~(الحساب) محاسبة أعمالهم السيئة والمؤاخذة بها أي كيفما دارت الحال أريناك ~~بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم تركه فعلينا ذلك وما عليك إلا ~~تبليغ الرسالة فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر ~~ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية ثم طيب نفسه عليه ~~الصلاة والسلام بطلوع تباشيره فقال (أولم يروا) استفهام إنكاري والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول PageV05P027 # ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك ولم يروا (أنا نأتي الأرض) أي ~~ارض الكفر (ننقصها من أطرافها) بأن نفتحها على المسلمين شيئا فشيئا ونلحقها ~~بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا من ذلك ~~ومثله قوله عز سلطانه أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم ~~الغالبون وقوله ننقصها حال من فاعل نأتي أو من مفعوله وقرئ ننقصها بالتشديد ~~وفي لفظ الإتيان المؤذن بالإستواء المحتوم والاستيلاء العظيم من الفخامة ما ~~لا يخفى كما ms1757 في قوله عز وجل وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا (والله يحكم) ما يشاء كما يشاء وقد حكم للإسلام بالعزة والإقبال ~~وعلى الكفر بالذلة والإدبار حسبما يشاهد من المخايل والآثار وفي الالتفات ~~من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة ~~وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى وهي جملة ~~اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها وقوله تعالى (لا معقب لحكمه) ~~اعتراض في اعتراض لبيان علو شأن حكمه جل جلاله وقيل نصب على الحالية كأنه ~~قيل والله يحكم نافذا حكمه كما تقول جاء زيد لا عمامة على رأسه أي حاسرا ~~والمعقب من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته من يعقبه ويقفيه بالرد والإبطال ~~ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفى غريمه بالاقتضاء والطلب (وهو سريع ~~الحساب) فعما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بأفانين العذاب غب ما عذبهم ~~بالقتل والأسر والإجلاء حسبما يرى وقال ابن عباس رضي الله عنهما سريع ~~الانتقام (وقد مكر) الكفار (الذين) خلوا (من قبلهم) من قبل كفار مكة ~~بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاء وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه لا عبرة بمكرهم ولا تأثير بل لا وجود له في الحقيقة ولم يصرح ~~بذلك اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله أعني قوله تعالى (فلله المكر) ~~أي جنس المكر (جميعا) لا وجود لمكرهم أصلا إذ هو عبارة عن إيصال المكروه ~~إلى الغير من حيث لا يشعر به وحيث كان جميع ما يأتون وما يذرون بعلم الله ~~تعالى وقدرته وإنما لهم مجرد الكسب من غير فعل ولا تأثير حسبما يبينه قوله ~~عز وجل (يعلم ما تكسب كل نفس) ومن قضيته عصمة أوليائه وعقاب الماكرين بهم ~~توفية لكل نفس جزاء ما تكسبه ظهر أن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم ~~عين ولا أثر وأن المكر كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون ~~المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون أو لله المكر ms1758 الذي باشروه ~~جميعا لا لهم على معنى أن ذلك ليس مكرا منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكر من ~~الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق المكر السيء إلا بأهله (وسيعلم ~~الكفار) حين يقضي بمقتضى علمه فيوفى كل نفس جزاء ما تكسبه (لمن عقبى الدار) ~~أي العاقبة الحميدة من الفريقين وإن جهلوا ذلك يومئذ وقيل السين لتأكيد ~~وقوع ذلك وعلمهم به حينئذ وقرئ سيعلم الكافر على إرادة الجنس والكافرون ~~والكفر أي أهله والذين كفروا وسيعلم على صيغة المجهول من الإعلام أي سيخبر ~~PageV05P028 # (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) قيل قاله رؤساء اليهود وصيغة الاستقبال ~~لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيبا منها أو للدلالة على تجدد ذلك ~~واستمراره منهم (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) فإنه قد أظهر على رسالتي ~~من الحجج القاطعة والبينات الساطعة ما فيه مندوحة عن شهادة شاهد آخر (ومن ~~عنده علم الكتاب) أي علم القرآن وما عليه من النظم المعجز أو من هو من ~~علماء أهل الكتاب الذين أسلموا لأنهم يشهدون بنعته عليه الصلاة والسلام في ~~كتبهم والآية مدنية بالاتفاق أو من عنده علم اللوح المحفوظ وهو الله سبحانه ~~أي كفى به شاهدا بيننا بالذي يستحق العبادة فإنه قد شحن كتابه بالدعوة إلى ~~عبادته وأيدني بأنواع التأييد وبالذي يختص بعلم ما في اللوح من الأشياء ~~الكائنة الثابتة التي من جملتها رسالتي وقرئ من عنده بالكسر وعلم الكتاب ~~على الأول مرتفع بالظرف المعتمد الموصول أو مبتدأ خبره الظرف وهو متعين على ~~الثاني ومن عنده علم الكتاب بالكسر وبناء المفعول ورفع الكتاب عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل ~~سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد ~~الله عز وجل والله أعلم بالصواب PageV05P029 # سورة إبراهيم عليه السلام آيتي ثمانية وعشرون وتسعة وعشرون فمدنيتان ~~وآيها اثنان وخمسون) بسم الله الرحمن الرحيم (الر) مر الكلام فيه وفي محله ~~غير مرة وقوله تعالى (كتاب) خبر له ms1759 على تقدير كون الر مبتدأ أو لمبتدأ مضمر ~~على تقدير كونه خبرا لمبتدأ محذوف أو مسرودا على نمط التعديد ويجوز أن يكون ~~خبرا ثانيا لهذا المبتدأ المحذوف وقوله تعالى «أنزلناه إليك» صفة له وقوله ~~تعالى «لتخرج الناس» متعلق بأنزلناه أي لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من ~~البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله عز وجل الكاشفة عن العقائد ~~الحقة وقرئ ليخرج الناس (من الظلمات) أي ليخرج به الناس من عقائد الكفر ~~والضلال التي كلها ظلمات محضة وجهالات صرفة (إلى النور) إلى الحق الذي هو ~~نور بحت لكن لا كيفما كان فإنك لا تهدى من أحببت بل (بإذن ربهم) أي بتيسيره ~~وتوفيقه وللأنباء عن كون ذلك منوطا بإقبالهم إلى الحق كما يفصح عنه قوله ~~تعالى ويهدي إليه من أناب استعير له الإذن الذي هو عبارة عن تسهيل الحجاب ~~لمن يقصد الورود وأضيف إلى ضميرهم اسم الرب المفصح عن التربية التي هي ~~عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه وشمول الإذن بهذا المعنى للكل ~~واضح وعليه يدور كون الإنزال لإخراجهم جميعا وعدم تحقق الإذن بالفعل في ~~بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم غير مخل بذلك والياء متعلقة ~~بتخرج أو بمضمر وقع حالا من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم وجعله حالا من ~~فاعله يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه وحيث كان الحق مع وضوحه في نفسه ~~وإيضاحه لغيره موصلا إلى الله عز وجل استعير له النور تارة والصراط أخرى ~~فقيل (إلى صراط العزيز الحميد) على وجه الإبدال بتكرير العامل كما في قوله ~~تعالى للذين استضعفوا لمن آمن منهم وإخلال البدل والبيان بالاستعارة إنما ~~هو في الحقيقة لا في المجاز كما في قوله سبحانه حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر وقيل هو استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل إلى أي ~~نور فقيل إلى صراط العزيز الحميد وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو ~~المبين له وتخصيص الوصفين بالذكر للترغيب في سلوكه ببيان ما فيه من الأمن ms1760 ~~والعاقبة الحميدة (الله) بالجر عطف بيان للعزيز الحميد لجريانه مجرى ~~الأعلام الغالبة بالاختصاص بالمعبود بالحق PageV05P030 # كالنجم في الثريا وقرئ بالرفع على هو الله أي العزيز الحميد الذي أضيف ~~إليه الصراط الله (الذي له) ملكا وملكا (ما في السماوات وما في الأرض) أي ~~ما وجد فيهما داخلا فيهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما كما مر في آية ~~الكرسي ففيه على القراءتين بيان لكمال فخامة شأن الصراط وإظهار لتحتم سلوكه ~~على الناس قاطبة وتجويز الرفع على الابتداء يجعل الموصول خبرا مبناه الغفول ~~عن هذه النكتة وقوله عز وجل (وويل للكافرين) وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج ~~به من الظلمات إلى النور بالويل وهو نقيض الوال وهو النجاة واصله النصب ~~كسائر المصادر ثم رفع رفعها للدلالة على الثبات كسلام عليك (من عذاب شديد) ~~متعلق بويل على معنى يولولون ويضجون منه قائلين يا ويلاه كقوله تعالى دعوا ~~هنالك ثبورا (الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يؤثرونها استفعال من المحبة ~~فإن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل ~~عندها من غيره (على الآخرة) أي الحياة الآخرة الأبدية (ويصدون) الناس (عن ~~سبيل الله) التي بين شأنها والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي ~~على كل وصف جميل لروم الاختصار وهو من صده صدا وقرئ يصدون من أصد المنقول ~~من صد صدودا إذا نكب وهو غير فصيح كأوقف فإن في صده ووقفه لمندوحة عن تكلف ~~النقل (ويبغونها) أي يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي ~~يطلبون لها (عوجا) أي زيغا واعوجاجا وهي أبعد شيء من ذلك أي يقولون لمن ~~يريدون صده وإضلاله إنها سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة ومحل موصول هذه ~~الصلات الجر على أنه بدل من الكافرين أو صفة له فيعتبر كل وصف من أوصافهم ~~بإزار ما يناسبه من المعاني المعتبرة في الصراط فالكفر المنبىء عن الستر ~~بإزاء كونه نورا واستحباب الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة ~~بمقابلة كون سلوكه محمود العاقبة والصد عنه بإزاء كونه مأمونا وفيه ms1761 من ~~الدلالة على تماديهم في الغي مالا يخفى أو النصب على الذم أو الرفع على ~~الابتداء والخبر قوله تعالى «أولئك في ضلال بعيد» وعلى الأول جملة مستأنفة ~~وقعت معللة لما سبق من لحوق الويل بهم تأكيدا لما شعر به بناء الحكم على ~~الموصول أي أولئك الموصوفون بالقبائح المذكورة من استحباب الحياة الدنيا ~~على الآخرة وصد الناس عن سبيل الله المستقيمة ووصفها بالاعوجاج وهي منه ~~بنزه في ضلال عن طريق الحق بعيد بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية والبعد ~~وإن كان من أحوال الضال إلا أنه قد وصف به وصفه مجازا للمبالغة كجد جده ~~وداهية دهياء ويجوز أن يكون المعنى في ضلال ذي بعد أو فيه بعد فإن الضال قد ~~يضل عن الطريق مكانا قريبا وقد يضل بعيدا وفي جعل الضلال محيطا بهم إحاطة ~~الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة PageV05P031 # (وما أرسلنا) أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إجمالا (من رسول ~~إلا) ملتبسا (بلسان قومه) متكلما بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على ~~لغة سواء بعث فيهم أولا وقرئ بلسن وهو لغة فيه كريش ورياش وبلسن بضمتين ~~وضمة وسكون كعمد وعمد (ليبين لهم) ما أمروا به فيلتقوا منه بيسر وسرعة ~~ويعملوا بموجبه من غير حاجة إلى الترجمة ممن لم يؤمر به وحيث لم يمكن ~~مراعاة هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ~~لعموم بعثته للثقلين كافة على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل ~~إليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي ~~التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز دون غيره مئنة لقدح القادحين ~~واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء وحصر البيان بالترجمة والتفسير ~~اقتضت الحكمة اتحاد النظم المنبىء عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد ~~غنية عن البيان على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل ~~أمة من معرفة توافق الكل وتحاذيه حذو القذة بالقذة من غير مخالفة ولو في ~~خصلة ms1762 فذة وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحدا أو متعددا وفيه من التعذر ~~ما يتاخم الامتناع ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته عليه الصلاة ~~والسلام قومه الذين بعث فيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المتين بلسان ~~عربي مبين وانتشرت أحكامه فيما بين الأمم أجمعين وقيل الضمير في قومه لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فإنه تعالى أنزل الكتب كلها عربية ثم ترجمها جبريل عليه ~~الصلاة والسلام أو كل من نزل عليه من الأنبياء عليهم السلام بلغة من نزل ~~عليهم ويرده قوله تعالى ليبين لهم فإنه ضمير القوم وظاهر أن جميع الكتب لم ~~ينزل لتبيين العرب وفي رجعه إلى قوم كل نبي كأنه قيل وما أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قوم محمد صلى الله عليه وسلم ليبين الرسول لقومه الذين أرسل ~~إليهم مالا يخفى من التكلف (فيضل الله من يشاء) إضلاله أي يخلق فيه الضلال ~~لمباشرة أسبابه المؤدية إليه أو يخذله ولا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع ~~فيه الألطاف (ويهدي) بالتوفيق ومنح الألطاف (من يشاء) هدايته لما فيه من ~~الإنابة والإقبال إلى الحق والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل ~~المنطوي على الصفات لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما والفاء فصيحة مثلها ~~في قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق كأنه قيل فبينوه لهم فأضل ~~الله منهم من شاء إضلاله لما لا يليق إلا به وهدى من شاء هدايته لاستحقاقه ~~لها والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من أهل ~~الخذلان والهداية على سنته أمر محقق غني عن الذكر والبيان والعدول إلى صيغة ~~الاستقبال لاستحضار الصورة أو للدلالة على التجدد والاستمرار حسب تجدد ~~البيان من الرسل المتعاقبة عليهم السلام وتقديم الإضلال على الهداية إما ~~لأنه إبقاء ما كان على من كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في ~~بيان أن لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل وأن مدار الأمر إنما هو ~~مشيئته تعالى بإيهام أن ترتب الضلالة على ذلك أسرع من PageV05P032 # ترتب ms1763 الاهتداء وهذا محقق لما سلف من تقييد الإخراج من الظلمات إلى النور ~~بإذن الله تعالى (وهو العزيز) فلا يغالب في مشيئته (الحكيم) الذي لا يفعل ~~شيئا من الإضلال والهداية إلا لحكمة بالغة وفيه أن ما فوض إلى الرسل إنما ~~هو تبليغ الرسالة وتبيين طريق الحق وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد ~~الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (ولقد أرسلنا موسى) شروع في تفصيل ~~ما أجمل في قوله عز وجل وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية ~~(بآياتنا) أي ملتبسا بها وهي معجزاته التي أظهرها لبني إسرائيل (أن أخرج ~~قومك) بمعنى أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج كما في قوله ~~تعالى وأن أقم وجهك فإن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواء وهو المدار ~~في صحة الوصل والمراد بذلك إخراج بني إسرائيل بعد مهلك فرعون (من الظلمات) ~~من الكفر والجهالات التي أدتهم إلى أن يقولوا يا موسى اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة (إلى النور) إلى الإيمان بالله وتوحيده وسائر ما أمروا به (وذكرهم ~~بأيام الله) أي بنعمائه وبلائه كما ينبئ عنه قوله اذكروا نعمة الله عليكم ~~لكن لا بما جرى عليهم فقط بل عليهم وعلى من قبلهم من الأمم في الأيام ~~الخالية حسبما ينبى عنه قوله تعالى ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم الآيات أو ~~بأيامه المنطوية على ذلك كما يلوح به قوله تعالى إذ أنجاكم والالتفات من ~~التكلم إلى الغبية بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها ~~والإشعار بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما توهمه ~~الإضافة إلى ضمير المتكلم أي عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد وقيل ~~أيام الله وقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم وأيام العرب وقائعها وحروبها ~~وملاحمها أي أنذرهم وقائعه التي دهمت الأمم الدارجة ويرده ما تصدى له صلى ~~الله عليه وسلم بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى ~~عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى عليك (إن في ذلك) أي في التذكير ms1764 بها أو في ~~مجموع تلك النعماء والبلاء أو في أيامها (لآيات) عظيمة أو كثيرة دالة على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته فهي على الأول عبارة عن الأيام ~~سواء أريد بها أنفسها أو ما فيها من النعماء والبلاء ومعنى ظرفية التذكير ~~لها كونه مناطا لظهورها وعلى الثالث عن تلك النعماء والبلاء ومعنى الظرفية ~~ظاهر وأما على الثاني وهو كونه إشارة إلى مجموع النعماء فعن كل واحدة من ~~تلك النعماء والبلاء والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع ~~أو كلمة في تجريدية مثلها في قوله تعالى لهم فيها دار الخلد (لكل صبار) على ~~بلائه (شكور) لنعمائه وقيل مؤمن والتعبير عنهم بذلك للإشعار بأن الصبر ~~والشكر عنوان المؤمن أي لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير ~~أمره إليها لا لمن اتصف بها بالفعل لأنه تعليل للأمر بالتذكير المذكور ~~السابق على التذكير المؤدى إلى تلك المرتبة فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه ~~أو على من قبله من النعماء والبلاء وتنبه لعاقبة الشكر والصبر أو الإيمان ~~لا يكاد يفارقها وتخصيص الآيات بهم لأنهم المنتفعون بها لا لأنها خافية ~~PageV05P033 # عن غيرهم فإن النبيين حاصل بالنسبة إلى الكل وتقديم الصبار على الشكور ~~لتقدم متعلق الصبر أعنى البلاء على متعلق الشكر أعني النعماء وكون الشكر ~~عافية الصبر (وإذ قال موسى لقومه) شروع في بيان تصديه عليه الصلاة والسلام ~~لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور وإذ منصوب على المفعولية بمضمر خوطب ~~به النبي صلى الله عليه وسلم وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما ~~وقع فيه من الحوادث قد مر سره غير مرة أي أذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة ~~والسلام لقومه (اذكروا نعمة الله عليكم) بدأ عليه الصلاة والسلام بالترغيب ~~لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل والظرف متعلق بنفس النعمة إن جعلت مصدرا ~~أو بمحذوف وقع حالا منها إن جعلت اسما أي اذكروا إنعامه عليكم واذكروا ~~نعمته كائنة عليكم وكذلك كلمة إذ في قوله تعالى (إذ أنجاكم من ms1765 آل فرعون) إي ~~اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائه إياكم من آل فرعون أو اذكروا نعمة الله ~~مستقرة عليكم وقت إنجائه إياكم منهم أو بدل اشتمال من نعمة الله مرادا بها ~~الإنعام أو العطية (يسومونكم) يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما وأصل ~~السوم الذهاب في طلب الشيء (سوء العذاب) السوء مصدر ساء يسوء والمراد به ~~جنس العذاب السيء أو استبعادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة والاستهانة ~~بهم وغير ذلك مما لا يحصرو نصبه على أنه مفعول ليسومونكم (ويذبحون أبناءكم) ~~المولودين وإنما عطفه على يسومونكم إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد ~~وإنما فعلوا ذلك لأن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة أنه سيولد منهم ~~من يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلن يغن عنهم من قضاء الله شيئا (ويستحيون ~~نساءكم) أي يبقونهن في الحياة مع الذل والصغار ولذلك عد من جملة البلاء ~~والجمل أحوال من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعا لأن فيها ~~ضمير كل منهما (وفي ذلكم) أي فيما ذكر من أفعالهم الفظيعة (بلاء من ربكم) ~~أي ابتلاء منه لا أن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل في تجريدية ~~فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق أو الأقدار والتمكين (عظيم) لا ~~يطاق ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك والبلاء الابتلاء بالنعمة ~~وهو الأنسب كما يلوح به التعرض لوصف الربوبية وعلى الأول يكون ذلك باعتبار ~~المآل الذي هو الإنجاء أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربية له (وإذ تأذن ربكم) ~~من جملة موسى عليه الصلاة والسلام لقومه معطوف على نعمة الله أي اذكروا ~~نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم أي آذن إيذانا بليغا لا تبقى معه ~~شائبة لما في صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول في حقه سبحانه على غايته ~~التي هي الكمال وقيل هو معطوف على قوله تعالى إذ أنجاكم أي اذكروا نعمته ~~تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضا نعمة من الله تعالى عليهم ~~ينالون بها خيرى الدنيا والآخرة وفي ms1766 قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ~~وإذ قال ربكم ولقد ذكرهم عليه الصلاة والسلام أولا بنعمائه تعالى ~~PageV05P034 # عليهم صريحا وضمنه تذكير ما أصابهم قبل ذلك من الضراء ثم أمرهم ثانيا ~~بذكر ما جرى من الله سبحانه من الوعد بالزيادة على تقدير الشكر والوعيد ~~بالعذاب على تقدير الكفر والمراد بتذكير الأوقات تذكير ما وقع فيها من ~~الحوادث مفصلة إذ هي محيطة بذلك فإذا ذكرت ذكر ما فيها كأنه مشاهد معاين ~~(لئن شكرتم) يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وإهلاك العدو وغير ~~ذلك من النعم والآلاء الفائتة للحصر وقابلتموه بالإيمان والطاعة (لأزيدنكم) ~~نعمة إلى نعمة (ولئن كفرتم) ذلك وغمصتموه (إن عذابي لشديد) فعسى يصيبكم منه ~~ما يصيبكم ومن عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض الوعيد فما ظنك بأكرم ~~الأكرمين ويجوز أن يكون المذكور تعليلا للجواب المحذوف أي لأعذبنكم واللام ~~في الموضعين موطئة للقسم وكل من الجوابين ساد مسد جوابي الشرط والقسم ~~والجملة إما مفعول لتأذن لأنه ضرب من القول أو لقول مقدر بعده كأنه قيل وإذ ~~تأذن ربكم فقال الخ (وقال موسى إن تكفروا) نعمه تعالى ولم تشكروها (أنتم) ~~يا بني إسرائيل (ومن في الأرض) من الخلائق (جميعا فإن الله لغني) عن شكركم ~~وشكر غيركم (حميد) مستوجب للحمد بذاته لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم ~~يحمده أحد أو محمود يحمده الملائكة بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده ~~والحمد حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله سبحانه ~~وهو تعليل لما حذف من جواب إن أي إن تكفروا لم يرجع وباله إلا عليكم فإن ~~الله تعالى لغني عن شكر الشاكرين ولعله عليه الصلاة والسلام إنما قاله عند ~~ما عاين منهم دلائل العناد ومخايل الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ~~ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب أو قاله غب تذكيرهم من قول الله عز ~~سلطانه وتحقيقا لمضمونه وتحذيرا لهم من الكفران ثم شرع في الترهيب بتذكير ~~ما جرى على الأمم الخالية فقال (ألم يأتيكم نبأ الذين ms1767 من قبلكم) ليتدبروا ~~ما أصاب كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيقلعوا عماهم عليه من الشر ~~وينيبوا إلى الله تعالى وقيل هو ابتداء كلام من الله تعالى خطابا للكفرة في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيختص تذكير موسى عليه الصلاة والسلام بما ~~اختص ببني إسرائيل من السراء والضراء والأيام بالأيام الجارية عليهم فقط ~~وفيه مالا يخفى من البعد وأيضا لا يظهر حينئذ وجه تخصيص تذكير الكفرة الذين ~~في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما أصاب أولئك المعدودين مع أن غيرهم ~~أسوة لهم في الخلو قبل هؤلاء (قوم نوح) بدل من الموصول أو عطف بيان (وعاد) ~~معطوف على قوم نوح (وثمود والذين من بعدهم) أي من هؤلاء المذكورين عطف عام ~~على قوم نوح وما عطف PageV05P035 # عليه وقوله تعالى (لا يعلمهم إلا الله) اعتراض أو الموصول مبتدأ ولا ~~يعلمهم إلى آخره خبره والجملة اعتراض والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم ~~عددهم إلا الله سبحانه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بين عدنان ~~وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا قرأ ~~هذه الآية قال كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله ~~تعالى علمها عن العباد (جاءتهم رسلهم) استئناف لبيان نبئهم (بالبينات) ~~بالمعجزات الظاهرة والبينات الباهرة فبين كل رسول لأمته طريق الحق وهداهم ~~إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور (فردوا أيديهم في أفواههم) مشيرين بذلك ~~إلى ألسنتهم وما يصدر عنها من المقالة اعتناء منهم بشأنها وتنبيها للرسل ~~على تلقيها والمحافظة عليها وإقناطا لهم عن التصديق والإيمان بإعلام أن لا ~~جواب لهم سواه (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) أي على زعمكم وهي البينات ~~التي أظهروها حجة على صحة رسالاتهم كقوله تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالاتهم أو فعضوها غيضا وضجرا ~~مما جاءت به الرسل كقوله تعالى عضوا عليكم الأنامل من الغيض أو وضعوها ~~عليها تعجبا منه واستهزاء به كمن غلبه الضحك أو إسكانا للأنبياء ms1768 عليهم ~~السلام وأمرا لهم بإطباق الأفواه أو ردوها في أفواه الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام يمنعونهم من التكلم تحقيقا أو تمثيلا أو جعلوا أيدي الأنبياء في ~~أفواههم تعجبا من عتوهم وعنادهم كما ينبئ عنه تعجبهم بقولهم أفي الله شك ~~الخ وقيل الأيدي بمعنى الأيادي عبر بها عن مواعظهم ونصائحهم وشرائعهم التي ~~مدار النعم الدينية والدنياوية لأنهم لما كذبوها فلم يقبلوها فكأنهم ردوها ~~إلى حيث جاءت منه (وإنا لفي شك) عظيم (مما تدعوننا إليه) من الإيمان بالله ~~والتوحيد فلا ينافي شكهم في ذلك كفرهم القطعي بما أرسل به الرسل من البينات ~~فإنهم كفروا بها قطعا حيث لم يعتدوا بها ولم يجعلوها من جنس المعجزات ولذلك ~~قالوا فأتونا بسلطان مبين وقرئ تدعون بالإدغام (مريب) موقع في الريبة من ~~أرابه أو ذي ريبة من أراب الرجل وهي قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء (قالت ~~رسلهم) استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقال كأنه قيل فماذا قالت لهم ~~رسلهم فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء (أفي ~~الله شك) بإدخال الهمزة على الظرف للإيذان بان مدار الإنكار ليس نفس الشك ~~بل وقوعه فيما لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلا منقادين عن تطبيق الجواب على ~~كلام الكفرة بأن يقولوا أأنتم في شك مريب من الله تعالى مبالغة في تنزيه ~~ساحة السبحان عن شائبة الشك وتسجيلا عليهم بسخافة العقول أي أفي شأنه ~~سبحانه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك ما وهو أظهر من كل ظاهر ~~وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله في شك مريب وحيث كان مقصدهم الأقصى ~~الدعوة إلى الإيمان والتوحيد PageV05P036 # وكان إظهار البينات وسيلة إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قول الكفرة إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به واقتصروا على بيان ما هو الغاية القصوى ثم عقبوا ذلك ~~الإنكار بما يوجبه من الشواهد الدالة على انتفاء المنكر فقالوا (فاطر ~~السماوات والأرض) أي مبدعهما وما فيهما من المصنوعات على نظام أنيق شاهد ~~بتحقق ما أنتم منه في شك وهو صفة للإسم الجليل ms1769 أو بدل منه وشك مرتفع بالظرف ~~لاعتماده على الاستفهام وجعله مبتدأ على أن الظرف خبره يفضي إلى الفصل بين ~~الموصوف والصفة بالأجنبي أعني المبتدأ والفاعل ليس بأجنبي من رافعه وقد جوز ~~ذلك أيضا (يدعوكم) إلى الإيمان بإرساله إبانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء ~~أنفسنا كما يوهمه قولكم مما تدعوننا إليه (ليغفر لكم) بسببه أو يدعوكم لأجل ~~المغفرة كقولك دعوته ليأكل معي (من ذنوبكم) أي بعضها وهو ما عدا المظالم ~~مما بينهم وبينه تعالى فإن الإسلام بحبه قيل هكذا وقع في جميع القرآن في ~~وعد الكفرة دون وعد المؤمنين تفرقة بين الوعد ولعل ذلك لما أن المغفرة حيث ~~جاءت في خطاب الكفرة مرتبة على محض الإيمان وفي شأن المؤمنين مشفوعة ~~بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فيتناول الخروج من المظالم وقيل ~~المعنى ليغفر لكم بدلا من ذنوبكم (ويؤخركم إلى أجل مسمى) إلى وقت سماه الله ~~تعالى وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان (قالوا) استئناف كما سبق (إن ~~أنتم) أي ما أنتم (إلا بشر مثلنا) من غير فضل يؤهلكم لما تدعونه من النبوة ~~(تريدون) صفة ثانية لبشر حملا على المعنى كقوله تعالى أبشر يهدوننا أو كلام ~~مستأنف أي تريدون بما تتصدون له من الدعوة والإرشاد (إن تصدونا) بتخصيص ~~العبادة بالله سبحانه (عما كان يعبد آباؤنا) أي عن عبادة ما استمر آباؤنا ~~على عبادته من غير شيء يوجبه وإلا (فأتونا) أي وإن لم يكن الأمر كما قلنا ~~بل كنتم رسلا من جهة الله تعالى كما تدعونه فأتونا (بسلطان مبين) يدل على ~~فضلكم واستحقاقكم لتلك الرتبة أو على صحة ما تدعونه من النبوة حتى نترك ما ~~لم نزل نعبده أبا عن جد ولقد كانوا آتوهم من الآيات الظاهرة والبينات ~~الباهرة ما تخر له صم الجبال ولكنهم إنما يقولون ما يقولون من العظائم ~~مكابرة وعنادا وإراءة لمن وراءهم أن ذلك ليس من جنس ما ينطلق عليه السلطان ~~المبين (قالت لهم رسلهم) مجاراة معهم في أول مقالتهم وإنما قيل لهم لاختصاص ~~الكلام بهم حيث أريد ms1770 إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك في الله ~~سبحانه فإن ذلك عام وإن اختص بهم ما يعقبه (إن نحن إلا بشر مثلكم) كما ~~تقولون (ولكن الله يمن) بالنبوة (على من يشاء من عباده) يعنون أن ذلك عطية ~~من الله تعالى يعطيها من يشاء من عباده بمحض الفضل والامتنان من غير داعية ~~توجبه قالوه تواضعا وهضما للنفس أو ما نحن من الملائكة بل نحن بشر مثلكم في ~~الصورة أو في الدخول تحت الجنس ولكن الله يمن بالفضائل والكمالات ~~والإستعدادات على من يشاء المن وما يشاء ذلك إلا لعلمه باستحقاقه لها وتلك ~~الفضائل والكمالات والإستعدادات هي التي يدور عليها فلك الاصطفاء للنبوة ~~(وما كان) وما صح وما استقام (لنا أن نأتيكم PageV05P037 # بسلطان) أي بحجة من الحجيج فضلا عن السلطان المبين بشيء من الأشياء وسبب ~~من الأسباب (إلا بإذن الله) فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا ~~فلا (وعلى الله) وحده دون ما عداه مطلقا (فليتوكل المؤمنون) أمر منهم ~~للمؤمنين بالتوكل ومقصود هم حمل أنفسهم عليه آثر ذي أثير ألا يرى إلى قوله ~~عز وجل (ومالنا) أي أي عذر لنا (أن لا نتوكل على الله) أي في أن لا نتوكل ~~عليه والإظهار لإظهار النشاط بالتوكل عليه والاستلذاذ بذكر اسمه تعالى ~~وتعليل التوكل (وقد هدانا) أي والحال أنه قد فعل بنا ما يوجبه ويستدعيه حيث ~~هدانا (سبلنا) أي أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه سلوكه ~~في الدين وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل ~~قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة (ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا) بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه (وعلى الله) ~~خاصة (فليتوكل المتوكلون) أي فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل ~~والمراد هو المراد مما سبق من إيجاب التوكل على أنفسهم والمراد بالمتوكلين ~~المؤمنون والتعبير عنهم بذلك لسبق ذكر اتصافهم به ويجوز أن يراد وعليه ~~فليتوكل من توكل دون غيره (وقال الذين كفروا) لعل هؤلاء ms1771 القائلين بعض ~~المتمردين العاتين الغالين في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت ~~مقالاتهم الشنيعة دون جميعهم كقوم شعيب وأضرابهم ولذلك لم يقل وقالوا ~~(لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) لم يقنعوا بعصيانهم الرسل ~~ومعاندتهم الحق بعد مار أو البينات الفائتة للحصر حتى اجترءوا على مثل ~~هاتيك العظيمة التي لا يكاد يحيط بها دائرة الإمكان فخلفوا على أن يكون أحد ~~المحالين والعود إما بمعنى مطلق الصيرورة أو باعتبار تغليب المؤمنين على ~~الرسل وقد مر في الأعراف وسيأتي في الكهف (فأوحى إليهم) أي إلى الرسل ~~(ربهم) مالك أمرهم عند تناهي كفر الكفرة وبلوغهم من العتو إلى غاية لا مطمع ~~بعدها في إيمانهم (لنهلكن الظالمين) على إضمار القول أو على إجراء الإيحاء ~~مجراه لكونه ضربا منه (ولنسكننكم الأرض) أي أرضهم وديارهم عقوبة لهم بقولهم ~~لنخرجنكم من أرضنا كقوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها (من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم وقرئ ليهلكن وليسكننكم بالياء ~~اعتبارا لأوحى كقولهم حلف زيد ليخرجن غدا (ذلك) إشارة إلى الموحى به وهو ~~إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أي ذلك الأمر محقق ثابت (لمن خاف ~~PageV05P038 # مقامي) موقفي وهو الموقف الذي يقف فيه العباد يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين أو قيامي عليه وحفظي لأعماله وقيل لفظ المقام مقحم (وخاف وعيد) ~~وعيدى بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار والمعنى إن ذلك حق للمتقين كقوله ~~والعافية للمتقين (واستفتحوا) أي استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح أو استحكموا وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي ~~الحكومة كقوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق فالضمير للرسل وقيل ~~للكفرة وقيل للفريقين فإنهم سألوا أن ينصر المحق ويهلك المبطل وهو معطوف ~~على أوحى إليهم وقرئ بلفظ الأمر عطفا على لتهلكن الظالمين أي أوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن وقال لهم استفتحوا (وخاب) أي خسر وهلك (كل جبار عنيد) متصف بضد ~~ما اتصف به المتقون أي فنصروا عند استفتاحهم وظفرا بما سألوا وأفلحوا وخاب ~~كل جبار عنيد وهم قومهم ms1772 المعاندون فالخيبة بمعنى مطلق الحرمان دون الحرمان ~~عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق أو استفتح ~~الكفار على الرسل وخابوا ولم يفلحوا وإنما قيل وخاب كل جبا عنيد ذما لهم ~~وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك وأنه لم يصبهم ~~الخيبة أو استفتحوا جميعا فنصر الرسل وأنجز لهم الوعد وخاب كل عات متمرد ~~فالخيبة بمعنى الحرمان غب الطلب وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم مالا يخفى من ~~المبالغة (من ورائه جهنم) أي بين يديه فإنه مرصد لها واقف على شفيرها في ~~الدنيا مبعوث إليها في الآخرة وقيل من وراء حياته وحقيقته ما توارى عنك ~~(ويسقى) معطوف على مقدر جوابا عن سؤال سائل كأنه قيل فماذا يكون إذن فقيل ~~يلقى فيها ويسقى (من ماء) مخصوص لا كالمياه المعهودة (صديد) وهو قيح أو دم ~~مختلط بمدة يسيل من الجرح قال مجاهد وغيره هو ما يسيل من أجساد أهل النار ~~وهو عطف بيان لما أبهم أولا ثم بين بالصديد تهويلا لأمره وتخصيصه بالذكر من ~~بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه (يتجرعه) قيل هو صفة لماء أو حال منه ~~والأظهر أنه استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا يفعل به فقيل يتجرعه ~~أي يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش واستيلاء الحرارة عليه (ولا يكاد ~~يسيغه) أي لا يقارب أن يسيغه فضلا عن الإساغة بل يغص به فيشربه بعد اللتيا ~~والتي جرعة غب جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك ~~الحال فإن السواغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب ~~نفي ما ذكر جميعا وقيل لا يكاد يدخله في جوفه وعبر عنه بالإساغة لما أنها ~~المعهودة في الأشربة وهو حال من فاعل يتجرعه أو من PageV05P039 # مفعوله أو منهما جميعا (ويأتيه الموت) أي أسبابه من الشدائد (من كل مكان) ~~ويحيط به من جميع الجهات أو من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام ~~رجله (وما هو بميت) أي والحال ms1773 أنه ليس بميت حقيقة كما هو الظاهر من مجىء ~~أسبابه لا سيما من جميع الجهات حتى لا يتألم بما غشية من أصناف الموبقات ~~(ومن ورائه) من بين يديه (عذاب غليظ) يستقبل كل وقت عذابا أشد واشق مما كان ~~قبله ففيه دفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا وقيل هو ~~الخلود في النار وقيل هو حبس الأنفاس وقيل المراد بالاستفتاح والخيبة ~~استسقاء أهل مكة في سنيهم التي أرسلها الله تعالى عليهم بدعوته عليه الصلاة ~~والسلام وخيبتهم في ذلك وقد وعد لهم بدل صديد أهل النار (مثل الذين كفروا ~~بربهم) أي صفتهم وحالهم العجيبة الشأن التي هي كالمثل في الغرابة وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى (أعمالهم كرماد) كقولك صفة زيد عرضه مهتوك وماله منهوب وهو ~~استئناف مبني على سؤال من قال ما بال أعمالهم التي عملوها في وجوه البر من ~~صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفداء الأسارى وإغاثة الملهوفين وقرى الأضياف ~~وغير ذلك مما هو من باب المكارم حتى آل أمرهم إلى هذا المآل فأجيب بأن ذلك ~~كرماد (اشتدت به الريح) حملته وأسرعت الذهاب به (في يوم عاصف) العصف اشتداد ~~الريح وصف به زمانها مبالغة كقولك ليلة ساكرة وإنما السكور لريحها شبهت ~~صنائعهم المعدودة لابتنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والإيمان به ~~والتوجه بها إليه تعالى برماد طيرته الريح العاصفة أو استئناف مسوق لبيان ~~أعمالهم للأصنام أو مبتدأ خبره محذوف كما هو رأي سيبويه أي فيما يتلى عليك ~~مثلهم وقوله أعمالهم جملة مستأنفة مبنية على سؤال من يقول كيف مثلهم فقيل ~~أعمالهم كيت وكيت سواء أريد بها صنائعهم أو أعمالهم لأصنامهم وقيل أعمالهم ~~بدل من مثل الذين وقوله كرماد خبره (لا يقدرون) أي يوم القيامة (مما كسبوا) ~~من تلك الأعمال (على شيء) ما أي لا يرون له أثرا من ثواب أو تخفيف عذاب ~~كدأب الرماد المذكور وهو فذلكة التمثيل والاكتفاء ببيان عدم رؤية الأثر ~~لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوبات هائلة للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم ~~أنها شفعاء ms1774 لهم عند الله تعالى وفيه تهكم بهم (ذلك) أي ما دل عليه التمثل ~~دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء (هو الضلال البعيد) عن طريق ~~الصواب أو عن نيل الثواب (ألم تر) خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد ~~به أمته وقيل لكل أحد من الكفرة لقوله تعالى يذهبكم والرؤية رؤية القلب ~~وقوله تعالى «أن الله خلق السماوات والأرض» ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم ~~أنه تعالى خلقهما (بالحق) ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق أن تخلق ~~عليه وقرئ خالق السماوات والأرض (إن يشأ يذهبكم) يعدمكم بالمرة (ويأت بخلق ~~جديد) أي يخلق بدلكم خلقا مستأنفا لا علاقة PageV05P040 # بينكم وبينهم رتب قدرته تعالى على ذلك على قدرته تعالى على خلق السماوات ~~والأرض على هذا النمط البديع إرشادا إلى طريق الاستدلال فإن من قدر على خلق ~~مثل هاتيك الأجرام العظيمة كان على تبديل خلق آخر بهم أقدر ولذلك قال (وما ~~ذلك) أي إذهابكم والإتيان بخلق جديد مكانكم (على الله بعزيز) بمتعذر أو ~~متعسر فإنه قادر لذاته على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ~~ومن هذا شأنه حقيق بأن يؤمن به ويرجى ثوابه ويخشى عقابه (وبرزوا الله ~~جميعا) أي يبرزون يوم القيامة وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقيق وقوعه ~~كما في قوله سبحانه ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أو لأنه لا مضى ولا ~~استقبال بالنسبة إليه سبحانه والمراد بروزهم من قبورهم لأمر الله تعالى ~~ومحاسبته أو لله على ظنهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سرا أنها ~~تخفى على الله سبحانه فإذا كان يوم القيامة انكشفوا الله عند أنفسهم (فقال ~~الضعفاء) الأتباع جمع ضعيف والمراد ضعف الرأي وإنما كتب بالواو وعلى لفظ من ~~يفخم الألف قبل الهمزة (للذين استكبروا) لرؤسائهم الذين استتبعوهم ~~واستغووهم (إنا كنا) في الدنيا (لكم تبعا) في تكذيب الرسل عليهم السلام ~~والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كغيب في جمع غائب أو مصدر نعت به مبالغة ~~أو على إضمار أي ذوي تبع (فهل أنتم مغنون) دافعون (عنا) ms1775 والفاء للدالة على ~~سببيه الاتباع للإغناء والمراد التوبيخ والعتاب والتقريع والتبكيت (من عذاب ~~الله من شيء) من الأولى للبيان واقعة موقع الحال والثانية للتبعيض واقعة ~~موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى ويجوز كونهما للتبعيض ~~أي بعض شيء هو بعض عذاب الله والإعراب كما سبق ويجوز أن تكون الأولى مفعولا ~~والثانية مصدرا أي فهل أنتم مغنون عنا بعض العذاب بعض الإغناء ويعضد الأول ~~قوله تعالى فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (قالوا) أي المستكبرون جوابا ~~عن معاتبة الأتباع واعتذارا عما فعلوا بهم (لو هدانا الله) أي للإيماء ~~ووفقنا له (لهديناكم) ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه ~~لأنفسنا أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما ~~عرضنا له ولكن سددوننا طريق الخلاص ولات حين مناص (سواء علينا أجزعنا) مما ~~لقينا (أم صبرنا) على ذلك أي مستو علينا الجزع والصبر في عدم الإنجاء ~~والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله تعالى سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم وإنما أسندوهما ونسبوا استواءهما إلى ضمير المتكلم المنتظم ~~للمخاطبين أيضا مبالغة في النهي عن PageV05P041 # التوبيخ بإعلام أنهم شركاء لهم فيما ابتلوا به وتسلية لهم ويجوز أن يكون ~~قوله سواء علينا الخ من كلام الفريقين على منوال قوله تعالى ذلك ليعلم أني ~~لم أخنه ويؤيده ما روى أنهم يقولون تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ~~ينفعهم فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك فلا ينفعهم فعند ذلك يقولون ذلك ~~ولما كان عتاب الاتباع من باب الجزع ذيلوا جوابهم ببيان أن لا جدوى في ذلك ~~فقالوا (ما لنا من محيص) من منجى ومهرب من العذاب من حاص الحمار إذا عدل ~~بالفرار وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف أو مصدر كالمغيب والمشيب وهي ~~جملة مفسرة لإجمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة أو ~~بدل منه (وقال الشيطان) الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عند ما عتباه بما ~~قاله الأتباع للمستكبرين (لما قضى الأمر) أي أحكم وفرغ ms1776 منه وهو الحساب ودخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين (إن ~~الله وعدكم وعد الحق) أي وعدا من حقه أن ينجز فأنجزه أو وعدا أنجزه وهو ~~الوعد بالبعث والجزاء (ووعدتكم) أي وعد الباطل وهوان لا بعث ولا جزاء ولئن ~~كان فالأصنام شفعاؤكم ولم يصرح ببطلانه لما دل عليه قوله (فأخلفتكم) أي ~~موعدي على حذف المفعول الثاني أي نقضته جعل وعده كالإخلاف منه كأنه كان ~~قادرا على إنجازه وأنى له ذلك (وما كان لي عليكم من سلطان) أي تسلط أو حجة ~~تدل على صدقي (إلا أن دعوتكم) إلا دعائي إياكم إليه وتسويله وهو وإن لم يكن ~~من باب السلطان لكنه أبرزه في مبروزه على طريقة [تحية بينهم ضرب وجيع] ~~مبالغة في نفي السلطان عن نفسه كأنه قال إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان ~~مجرد الدعاء من بابه ويجوز كون الاستثناء منقطعا (فاستجبتم لي) فأسرعتم ~~إجابتي (فلا تلوموني) بوعدي إياكم حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر والإلجاء ~~كما يدل عليه الفاء وقرئ بالياء على وجه الالتفات كما في قوله تعالى حتى ~~إذا كنتم في الفلك وجرين بهم (ولوموا أنفسكم) حيث استجبتم لي باختياركم حين ~~دعوتكم بلا حجة ولا دليل بمجرد تزيين وتسويل ولم تستجيبوا ربكم إذا دعاكم ~~دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج وليس مراده التنصل عن توجه اللائمة ~~إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه وليس فيه دلالة على استقلال العبد في ~~أفعاله كما زعمت المعتزلة بل يكفي في ذلك أن يكون لقدرته الكاسبة التي ~~عليها يدور فلك التكليف مدخل فيه فإنه سبحانه إنما يخلق افعاله حسبما ~~يختاره وعليه تترتب السعادة والشقاوة وما قيل من أنه يستدعى أن يقال فلا ~~تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه مبني على عدم ~~الفرق بين مذهب أهل الحق وبين مسلك الجبرية (ما أنا بمصرخكم) أي بمغيثكم ~~مما أنتم فيه من العذاب (وما أنتم بمصرخي) مما أنا فيه وإنما تعرض لذلك مع ~~أنه لم ms1777 يكن في حيز الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذانا بأنه ~~PageV05P042 # أيضا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الإصراخ فكيف من إصراخ الغير ~~ولذلك آثر الجملة الاسمية فكان ما مضى كان جوابا منه عن توبيخهم وتقريعهم ~~وهذا جواب عن استغاثتهم واستعانتهم به في استدفاع ما دهمهم من العذاب وقرئ ~~بكسر الياء (إني كفرت) اليوم (بما أشركتموني من قبل) أي بإشراككم إياي ~~بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله تعالى ويوم القيامة يكفرون بشرككم يعني أن ~~إشراككم لي بالله سبحانه هو الذي يطمعكم في نصرتي لكم بأن كان لكم على حق ~~حيث جعلتموني معبودا وكنت أود ذلك وأرغب فيه فاليوم كفرت بذلك ولم أحمده ~~ولم أقبله منكم بل تبرأت منه ومنكم فلم يبقى بيني وبينكم علاقة أو كفرت من ~~قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى كما في قوله ~~سبحان ما سخر كن لنا فيكون تعليلا لعدم إصراخه فإن الكافر بالله سبحانه ~~بمعزل من الإغاثة والإعانة سواء كان بالمدافعة أو الشفاعة وأما جعله تعليلا ~~لعدم إصراخهم إياه فلا وجه له إذ لا احتمال له حتى يحتاج إلى التعليل ولأن ~~تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته (إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم) تتمة كلامه أو ابتداء كلام من جهة الله عز وجل وفي ~~حكاية أمثاله لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم ~~(وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم) أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته وفي التعرض لوصف الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد من اللطف بهم والمدخلون هم الملائكة عليهم ~~السلام وقرئ على صيغة التكلم فيكون قوله تعالى بإذن ربهم متعلقا بقوله ~~تعالى (تحيتهم فيها سلام) أي يحيهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم (ألم تر) ~~الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام وقد علق بما بعده من قوله تعالى (كيف ~~ضرب الله مثلا) أي كيف اعتمده ووضعه في موضعه اللائق به (كلمة طيبة) منصوب ~~بمضمر أي ms1778 جعل كلمة طيبة هي كلمة التوحيد أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة ~~والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة (كشجرة طيبة) أي حكم بأنها مثلها لا ~~أنه تعالى صيرها مثلها في الخارج وهو تفسير لقوله ضرب الله مثلا كقولك شرف ~~الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس ويجوز أن يكون كلمة بدلا من مثلا ~~وكشجرة صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة وأن يكون أو مفعولي ضرب إجراء ~~له مجرى جعل قد أخر عن ثانيهما أعني مثلا لئلا يبعد عن صفته التي هي كشجرة ~~وقد قرئت بالرفع على الابتداء (أصلها ثابت) أي ضارب بعروقه في الأرض وقرأ ~~أنس بن مالك رضي الله عنه كشجرة طيبة ثاتب أصلها وقراءة الجماعة أقوى سبكا ~~وأنسب بقرينته أعنى قوله تعالى (وفرعها) أي أعلاها (في السماء) في جهة ~~العلو ويجوز أن يراد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس عن الجمع PageV05P043 # (تؤتى أكلها) تعطي ثمرها (كل حين) وقته الله تعالى لإثمارها (بإذن ربها) ~~بإرادة خالفها والمراد بالشجرة المنعوتة إما النخلة كما روى مرفوعا أو شجرة ~~في الجنة (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) لأن في ضربها زيادة ~~إفهام وتذكير فإنه تصوير للمعاني بصور المحسوسات (ومثل كلمة خبيثة) هي كلمة ~~الكفر والدعاء إليه أو تكذيب الحق أو ما يعم الكل أو كل كلمة قبيحة (كشجرة ~~خبيثة) أي كمثل شجرة خبيثة قيل هي كل شجرة لا يطيب ثمرها كالحنظل والكشوث ~~ونحوهما وتغيير الأسلوب للإيذان بأن ذلك غير مقصود الضرب والبيان وإنما ذلك ~~أمر ظاهر يعرفه كل أحد (اجتثت) استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية (من فوق الأرض) ~~لكون عروقها قريبة منه (مالها من قرار) استقرار عليها (يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت) الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم وهو الكلمة ~~الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة (في الحياة الدنيا) فلا يزالون عنه إذا ~~افتتنوا في دينهم كزكريا ويحيى وجرجيس وشمسون والذين فتنهم أصحاب الأخدود ~~(وفي الآخرة) فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف ولا تدهشهم ~~أهوال القيامة أو عند سؤال القبر روى أنه ms1779 صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح ~~المؤمن فقال ثم يعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولون ~~من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم فينادي مناد من السماء أنه صدق عبدي فذلك قوله تعالى يثبت الله ~~الذين آمنوا وهذا مثال إيتاء الشجرة المذكورة أكلها كل حين قال الثعلبي في ~~تفسيره أخبرني أبو القاسم بن حبيب في سنة وست وثمانين وثلاثمائة قال سمعت ~~أبا الطيب محمد بن علي الخياط يقول سمعت سهل بن عمار العملي يقول رأيت يزيد ~~بن هارون في منامي بعد موته فقلت ما فعل الله بك قال أتاني في قبري ملكان ~~فظان فقالا من ربك وما دينك ومن نبيك فأخذت بلحيتي البيضاء فقلت لهما ~~ألمثلى يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا (ويضل الله ~~الظالمين) أي يخلق فيهما الضلال عن الحق الذي ثبت المؤمنين عليه حسب ~~إرادتهم واختيارهم والمراد بهم الكفرة بدليل ما يقابله ووصفهم بالظلم إما ~~باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه وإما باعتبار ظلمهم لأنفسهم حيث بدلوا ~~فطرة الله التي فطر الناس عليها فلم يهتدوا إلى القول الثابت أو كل من ظلم ~~نفسه بالاقتصار على التقليد والإعراض عن البينات الواضحة فلا يثبت في موقف ~~الفتن ولا يهتدي إلى الحق فالمراد بالذين آمنوا حينئذ المخلصون في الإيمان ~~الراسخون في الإيقان كما ينبئ عنه التثبيت لكنه يوهم كون كلمة التوحيد إذا ~~كانت لا عن إيقان داخله تحت مالا قرار له من الشجرة المضروبة مثلا (ويفعل ~~PageV05P044 # الله ما يشاء) من تثبيت بعض وإضلال آخرين حسبما توجبه مشيئته التابعة ~~للحكم البالغة المقتضية لذلك وفي إظهار الاسم الجليل في الموضعين من ~~الفخامة وتربية المهابة مالا يخفى مع ما فيه من الإيذان بالتفاوت في مبدأ ~~التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور كل منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العلا ~~غير ما هو مبدأ صدور الأخر (ألم تر) تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو لكل أحد مما ms1780 صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى ~~إدراك أي ألم تنظر (إلى الذين بذلوا نعمة الله) أي شكر نعمته تعالى بأن ~~وضعوا موضعه (كفرا) عظيما وغمطا لها أو بدلوا نفس النعمة كفرا فإنهم لما ~~كفروها سلبوها فصاروا مستبدلين بها كفرا كأهل مكة حيث خلقهم الله سبحانه ~~وأسكنهم حرمه الآمن الذي يجيىء إليه ثمرات كل شيء وجعلهم قوام بيته وشرفهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وقتلوا وأسروا يوم ~~بدر فصاروا أذلاء مسلوبي النعمة باقين بالكفر بدلها وعن عمر وعلي رضي الله ~~عنهما هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية أما بنو المغيرة ~~فكفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين كأنهما يتأولان ما سيتلى ~~من قوله عز وجل قل تمتعوا الآية (وأحلوا) أي أنزلوا (قومهم) بإرشادهم إياهم ~~إلى طريقة الشرك والضلال وعدم التعرض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه إذ هو ~~فرع الحلول كقوله تعالى يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار (دار البوار) ~~دار الهلاك الذي لإهلاك وراءه (جهنم) عطف بيان لها وفي الإبهام ثم البيان ~~مالا يخفى من التهويل (يصلونها) حال منها أو من قومهم أي داخلين فيها ~~مقاسين لحرها أو استئناف لبيان كيفية الحلول أو مفسر لفعل يقدر ناصبا لجهنم ~~فالمراد بالإحلال المذكور حينئذ تعريضهم للهلاك بالقتل والأسر لكن قوله ~~تعالى قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار أنسب بالتفسير الأول (وبئس القرار) ~~على حذف المخصوص بالذم أي بئس المقر جهنم أو بئس القرار قرارهم فيها وفيه ~~أن حلولهم وصلبهم على وجه الدوام والاستمرار (وجعلوا) عطف على أحلوا وما ~~عطف عليه داخل معهما في حيز الصلة وحكم التعجيب أي جعلوا في اعتقادهم ~~وحكمهم «الله» الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيء هو في الواحد القهار ~~(أندادا) أشبها في العبادة (ليضلوا) قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا (عن ~~سبيله) القويم الذي هو التوحيد ويوقعوهم في ورطة الكفر والضلال ولعل تغيير ~~الترتيب مع أن مقتضى ظاهر النظم أن يذكر كفرانهم نعمة الله تعالى ثم كفرهم ms1781 ~~بذاته تعالى باتخاذ الأنداد ثم إضلالهم لقومهم المؤدي إلى إحلالهم دار ~~البوار لتثنية التعجيب وتكريره والإيذان بأن كل واحد من وضع الكفر موضع ~~الشكر وإحلال القوم دار البوار واتخاذ الأنداد للإضلال أمر يقضي منه العجب ~~ولو سيق النظم على نسق الوجود لربما فهم التعجيب من مجموع الهنات الثلاث ~~كما في قصة البقرة وقرئ ليضلوا بالفتح PageV05P045 # وأياما كان فليس ذلك غرضا حقيقيا لهم من اتخاذ الأنداد لكن لما كان ذلك ~~نتيجة له شبه بالغرض وأدخل عليه اللام بطريق الاستعارة التبعية (قل) تهديدا ~~لأولئك الضالين المضلين ونعيا عليهم وإيذانا بأنهم لشدة إبائهم قبول الحق ~~وفرط انهما كهم في الباطل وعدم ارعوائهم عن ذلك بحال أحقاء بأن يضرب عنهم ~~صفحا ويعطف عنهم عنان العظة ويخلوا وشأنهم ولا ينهوا عنه بل يؤمروا ~~بمباشرته مبالغة في التخلية والخذلان ومسارعة إلى بيان عاقبته الوخيمة ~~ويقال لهم (تمتعوا) بما أنتم عليه من الشهوات التي من جملتها كفران النعم ~~العظام واستتباع الناس في عبادة الأصنام (فإن مصيركم إلى النار) ليس إلا ~~فلا بد لكم من تعاطي ما يوجب ذلك ويقتضيه من أحوالكم بل هي في الحقيقة صورة ~~لدخولها ومثال له حسبما يلوح به قوله سبحانه وأحلوا قومهم دار البوار الخ ~~فهو تعليل للأمر المأمور وفيه من التهديد الشديد الوعيد الأكيد مالا يوصف ~~أو قل لهم تصوير الحالهم وتعبيرا عما يلجئهم إلى ذلك تمتعوا إيذانا بأنهم ~~لفرط انغماسهم في التمتع بما هم فيه من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم ~~مأمورون بذلك من قبل آمر الشهوة مذعنون لحكمه منقادون لأمره كدأب مأمور ساع ~~في خدمة آمر مطاع فليس قوله تعالى فإن مصيركم إلى النار حينئذ تعليلا للأمر ~~بل هو جواب شرط ينسحب عليه الكلام كأنه قيل هذه حالكم فإن دمتم عليه فإن ~~مصيركم إلى النار وفيه التهديد والوعيد لا في الأمر (قل لعبادي الذين ~~آمنوا) خصهم بالإضافة إليه تنويها لهم وتنبيها على أنهم المقيمون لوظائف ~~العبودية الموفون بحقوقها وترك العاطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهما ~~باعتبار المقول تهديدا وتشريفا ms1782 والمقول ههنا محذوف دل عليه الجواب أي قل ~~لهم أقيموا وأنفقوا (يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم) أي يداوموا على ~~ذلك وفيه إيذان بكمال مطاوعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم وغاية مسارعتهم ~~إلى الامتثال بأوامره وقد جوزوا أن يكون المقول يقيموا وينفقوا بحذف لام ~~الأمر عنهما وإنما حسن ذلك دون الحذف في قوله [محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ~~ما خلفت من أمر تبالا] لدلالة قل عليه وقيل هما جوابا أقيموا وأنفقوا قد ~~أقيما مقامهما وليس بذاك (سرا وعلانية) منتصبان على المصدرية من الأمر ~~المقدر لا من جواب الأمر المذكور أي أنفقوا إنفاق سر وعلانية والأحب في ~~الإنفاق إخفاء المتطوع به وإعلان الواجب والمراد حث المؤمنين على الشكر ~~لنعم الله سبحانه بالعبادة البدنية والمالية وترك التمتع بمتاع الدنيا ~~والركون إليها كما هو صنيع الكفر (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) فيبتاع ~~المقصر ما يتلافى به تقصيره أو تفتدي به نفسه والمقصود نفي عقد المعاوضة ~~بالمرة وتخصيص البيع بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نفي العقد إذ انتفاء ~~البيع المستلزم انتفاء الشراء على أبلغ وجه وانتفاؤه بما يتصور مع تحقق ~~الإيجاب من قبل البائع (ولا خلال) ولا مخالة فيشفع له خليل أو يسامحه بمال ~~يفتدى به نفسه أو من قبل أن يأتي يو لا أثر فيه لما لهجوا بتعاطيه من البيع ~~PageV05P046 # والمخالة ولا انتفاع بذلك وإنما الانتفاع والارتفاق فيه بالإنفاق لوجه ~~الله سبحانه والظاهر أن مت متعلقة بأنفقوا وتذكير إتيان ذلك اليوم لتأكيد ~~مضمونه كما في سورة البقرة من حيث أن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به ~~التقصير معاوضة وتبرعا وانقطاع آثار البيع والخلال الواقعين في الدنيا وعدم ~~الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده ~~من الإنفاق في سبيل الله عز وجل أو من حيث إن إدخار المال وترك إنفاقه إنما ~~يقع غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه لادخاره ~~إلى وقت الموت وتخصيص التأكيد بذلك لميل الطباع إلى المال وكونها ms1783 مجبولة ~~على حبه والضنة به ولا يبعد أن يكون تأكيدا لمضمون الأمر بإقامة الصلاة ~~أيضا من حيث إن تركها كثيرا ما يكون بالاشتغال بالبياعات والمخالات كما في ~~قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وقرئ بالفتح فيهما على ~~إرادة النفي العام ودلالة الرفع على ذلك باعتبار خطابي هو وقوعه في جواب هل ~~فيه بيع أو خلال (الله) مبتدأ خبره (الذي خلق السماوات) وما فيها من ~~الأجرام العلوية (والأرض) وما فيها من أنواع المخلوقات لما ذكر أحوال ~~الكافرين لنعم الله تعالى وأمر المؤمنين بإقامة مراسم الطاعة شكرا لنعمه ~~شرع في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنام المثابرة على الشكر والطاعة من ~~النعم العظام والمنن الجسام حثا للمؤمنين عليها وتقريعا للكفرة المخلين بها ~~الواضعين موضعها الكفر والمعاصي وفي جعل المبتدأ الاسم الجليل والخبر الاسم ~~الموصول بتلك الأفاعيل العظيمة من خلق هذه الأجرام العظام وإنزال الأمطار ~~وإخراج الثمرات وما يتلوها من الآثار العجيبة مالا يخفى من تربية المهابة ~~والدلالة على قوة السلطان (وأنزل من السماء) أي السحاب فإن كل ما علاك سماء ~~أو من الفلك فإن المطر منه يبتدئ إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت ~~عليه ظواهر النصوص أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض ~~إلى الجو فينعقد سحابا ماطرا وأيا ما كان فمن ابتدائية (ماء) أي نوعا منه ~~هو المطر وتقديم المجرور على المنصوب إما باعتبار كونه مبدأ لنزوله أو ~~لتشريفه كما في قولك أعطاه السلطان من خزانته مالا أو لما مر مرارا من ~~التشويق إلى المؤخر (فأخرج به) بذلك الماء (من الثمرات) الفائتة للحصر إما ~~لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض وإما لأنه أريد بمفردها جماعة الثمرة ~~التي في قولك أدركت ثمرة بستان فلان (رزقا لكم) تعيشون له وهو بمعنى ~~المرزوق شامل للمطعوم والملبوس مفعولا لأخرج ومن للتبيين كقولك أنفقت من ~~الدراهم ألفا ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولا ورزقا حالا منه أو مصدرا من ~~أخرج بمعنى رزق أو للتبعيض بدليل قوله تعالى ms1784 فأخرجنا به ثمرات كأنه قيل ~~أنزل من السماء بعض الماء فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم إذ لم ينزل ~~من السماء كل الماء ولا أخرج بالمطر كل الثمار ولا جعل كل الرزق ثمرا وخروج ~~الثمرات وإن كان بمشيئته عز وجل وقدرته لكن جرت عادته تعالى PageV05P047 # بإضافة صورها وكيفياتها على المواد الممتزجة من الماء والتراب أو أودع في ~~الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار وهو ~~قادر على إيجاد الأشياء بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب كذلك لما أن ~~له تعالى في إنشائها مدرجا من طور إلى طور صنائع وحكما يجدد فيها الأولى ~~الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إبداعها دفعة وقوله لكم صفة ~~لقوله رزقا إن أريد به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل رزقا ~~إياكم (وسخر لكم الفلك) بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ~~ذلك (لتجري في البحر) جريا تابعا لإرادتكم (بأمره) بمشيئة التي نيط بها كل ~~شيء وتخصيصه بالذكر للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال ~~الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال (وسخر لكم الأنهار) إن أريد بها المياه ~~العظيمة الجارية في الأنهار العظام كما يومىء إليه ذكرها عند البحر ~~فتسخيرها جعلها معدة لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداول يسقون بها زروعهم ~~وجنانهم وما أشبه ذلك وإن أريد بها نفس الأنهار فتسخيرها تيسيرها لهم (وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين) يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة ~~وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه من المكونات (وسخر لكم الليل والنهار) ~~يتعاقبان خلفه لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها ذكر سبحانه وتعالى ~~أنواع النعم الفائضة عليهم وأبرز كل واحدة منها في جملة مستقلة تنويها ~~لشأنها وتنبيها على رفعة مكانها وتنصيصا على كون كل منها نعمة جليلة ~~مستوجبة للشكر وفي التعبير عن التصريف المتعلق بما ذكر من الفلك والأنهار ~~والشمس والقمر والليل والنهار بالتسخير من الإشعار بما فيها من صعوبة ~~المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ms1785 مالا يخفى وتأخير ~~تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدمه من الأمور المعدودة مع ما بينه وبين ~~خلق السماوات من المناسبة الظاهرة لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعى لذكر ~~إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل ~~بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادى عن توهم كون الكل أعنى خلق السماوات ~~والأرض وتسخير الشمس والقمر نعمة واحدة كما مر في قصة البقرة (وآتاكم من كا ~~ما سألتموه) أي أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة ~~للحكمة والمصلحة كقوله سبحانه من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ونيط به انتظام أحوالكم على ~~الوجه المقدر فكأنكم سألتموه أو كل ما طلبتموه بلسان الاستعداد أو كل ما ~~سألتموه على أن من للبيان وكلمة كل للتكثير كقولك فلان يعلم كل شيء وأتاه ~~كل الناس وعليه قوله عز وجل فتحنا عليهم أبواب كل شيء وقيل الأصل وآتاكم من ~~كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقى على ما القى وقرئ ~~بتنوين كل على أن ما نافية ومحل ما سألتموه النصب على الحالية أي آتاكم من ~~كل غير سائليه (وإن تعدوا نعمة الله) PageV05P048 # التي أنعم بها عليكم (لا تحصوها) لا تطيقوا بحصرها ولو إجمالا فإنها غير ~~متناهية وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع ~~حصاة ليحفظ بها ففيه إيذان بعدم بلوغ مرتبة معتد بها من مراتبها فضلا عن ~~بلوغ غايتها كيف لا وما من فرد من افراد الناس وإن كان في أقصى مراتب الفقر ~~والإفلاس ممنوا بأصناف العنايا مبتلى بأنواع الرزايا فهو بحيث لو تأملته ~~ألفيته متقلبا في نعم لا تحد ومنن لا تحصى ولا تعد كأنه قد أعطى كل ساعة ~~وآن من النعماء ما حواه حيطة الإمكان وإن كنت في ريب من ذلك فقدر أنه ملك ~~ملك أقطار العالم ودانت له كافة الأمم وأذعنت لطاعته السراة وخضعت لهيبته ~~رقاب العتاة وفاز ms1786 بكل مرام ونال كل منال وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف ~~الأموال من غير ند يزاحمه ولا شريك يساهمه بل قدر أن جميع ما فيها من حجر ~~ومدر يواقيت غالية ونفائس درر ثم قدر أنه قد وقع من فقد مشروب أو مطعوم في ~~حالة بلغت نفسه الحلقوم فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع ماله من الملك ~~والمال لقمة تنجيه عن رواه أو شربة ترويه من ظمأه أم يختار الهلاك فتذهب ~~الأموال والأملاك بغير بدل يبقي عليه ولا نفع يعود إليه كلا بل يبذل لذلك ~~كل ما تحويه اليدان كائنا ما كان وليس في صفقته شائبة الخسران فإذن تلك ~~اللقمة والشربة خير مما في الدنيا بألف رتبة مع أنهما في طرف الثمام ~~ينالهما متى شاء من الليالي والأيام أو قدر أنه قد احتبس عليه النفس فلا ~~دخل منه ما خرج ولا خرج منه ما ولح والحين قد حان وأتاه الموت من كل مكان ~~أما يعطي ذلك كله بمقابلة نفس واحد بل يعطيه وهو لرأيه حامد فاذن هو خير من ~~أموال الدنيا بحملتها ومطالبها برمتها مع أنه أبيح له كل آن من آنات ~~الليالي والأيام حال اليقظة والمنام هذا من الظهور والجلاء بحيث لا يكاد ~~يحفى على أحد من العقلاء وان رمت العثور على حقيقة الحق والوقوف على كل ~~ماجل من السرودق فاعلم أن الانسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق ~~الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات الرائقة بحيث لو انقطع ما ~~بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما استقر له القرار ولا اطمأنت به ~~الدار الا في مطمورة العدم والبوار ومهاوى الهلاك والدمار لكن يفيض عليه من ~~الجناب الأقدس تعالى شأنه ونقدس في كل زمان يمضى وكل آن يمر وينقض من أنواع ~~الفيوض المتعلقة بذاته ووجوده وسائر صفاته الروحانية والنفسانية والجسمانية ~~مالا يحيط به نطاق التعبير ولا يعلمه إلا العليم الخبير وتوضيحه أنه كمالا ~~يستحق الوجود ابتداء لا يستحقه بقاء وانما ذلك من جناب المبدأ الأول عز وجل ms1787 ~~فكما لا يتصور وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا ~~يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه ~~الطارىء لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي وأنت خبير بأن ما ~~يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن وجب كونها ~~متناهية لوجوب تناهى ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدمية التي لها دخل في ~~وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية ~~وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود فارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى ~~أعنى بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها في كل آن من آنات وجوده ~~نعم غير متناهية حقيقة PageV05P049 # لا ادعاء وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداء ~~وبقاء وكذا في كمالاته التابعة لوجوده فاتضح أنه يفيض عليه كل آن نعم لا ~~تتناهى من وجوه شتى فسبحانك سبحانك ما أعظم سلطانك لا تلاحظ العيون ~~بأنظارها ولا تطالعك العقول بأفكارها شأنك لا يضاهي وإحسانك لا يتناهى ونحن ~~في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسم شكرك قاصرون نسألك الهداية إلى مناهج ~~معرفتك والتوفيق لاداء حقوق نعمتك لا نحصى تناء عليك لا إله إلا أنت ~~نستغفرك ونتوب إليك (إن الإنسان لظلوم) يظلم النعمة بإغفال شكرها أو بوضعه ~~إياها في غير موضعها أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان (كفار) شديد الكفران ~~وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع واللام في ~~الإنسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم والكفران بعض من وجدا فيه من أفراده ~~ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله كفرا الخ دخولا أوليا (وإذ قال ~~إبراهيم) أي واذكر وقت قوله عليه الصلاة والسلام والمقصود من تذكيره تذكير ~~ما وقع فيه من مقالاته عليه السلام على نهج التفصيل والمراد به تأكيد ما ~~سلف من تعجيبه عليه السلام ببيان فن آخر من جناياتهم حيث كفروا بالنعم ~~الخاصة بهم بعد ما كفروا بالنعم العامة وعصوا أباهم إبراهيم عليه السلام ~~حيث ms1788 أسكنهم مكة شرفها الله تعالى فإقامة الصلاة والاجتناب عن عبادة الأصنام ~~والشكر لنعم الله تعالى وسأله تعالى أن يجعله بلدا آمنا ويرزقهم من الثمرات ~~وتهوى قلوب الناس إليهم من كل أوب سحيق فاستجاب الله تعالى دعاءه وجعله ~~حرما آمنا يجيىء إليه ثمرات كل شيء فكفروا بتلك النعم العظام واستبدلوا ~~بالبلد الحرام دار البوار وجعلوا لله أندادا وفعلوا ما فعلوا (رب اجعل هذا ~~البلد) يعني مكة شرفها الله سبحانه (آمنا) أي ذا أمن أو آمنا أهله بحيث لا ~~يخاف فيه على ما مر في سورة البقرة والفرق بينه وبين ما فيها من قوله رب ~~اجعل هذا بلدا آمنا أن المسؤول هناك البلدية والأمن معا وههنا الأمن فقط ~~حيث جعل هو المفعول الثاني للجعل وجعل البلد صفة للمفعول الأول فإن حمل على ~~تعدد السؤال فلعله عليه السلام سأل أولا كلا الأمرين فاستجيب له في أحدهما ~~وتأخر الآخر إلى وقته المقدر لما يقتضيه من الحكمة الداعية إليه ثم كرر ~~السؤال كما هو المعتاد في الدعاء والابتهال أو كان المسؤول أولا مجرد الأمن ~~المصحح للسكن كما في سائر البلاد وقد أجيب إليه وثانيا الأمن المعهود أو ~~كله هو المسؤول فيهما وقد أجيب إليه أيضا لكن السؤال الثاني للاستدامة ~~والاقتصار على ذلك لأنه المقصود الأصلي أو لأن المعتاد في البلدية ~~الاستمرار بعد التحقق بخلاف الأمن وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية ~~كما هو المتبادر فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين وقد حكى أولا واقتصر ههنا ~~على حكاية سؤال الأمن لا لمجرد أن نعمة الأمن أدخل في استيجاب الشكر فذكره ~~أنسب بمقام تقريع الكفرة على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكى ~~بقوله تعالى فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم إذا لمسئول هويتها إليهم ~~للمساكنة معهم لا للحج فقط وهو عين سؤال قد حكى بعبارة أخرى وكان ذلك أول ~~ما قدم عليه السلام مكة كما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه عليه الصلاة PageV05P050 # والسلام لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك ms1789 وعاد متوجها إلى الشام تبعته هاجر ~~وجعلت تقول إلى من تكلنا في هذا البلقع وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت ~~آلله أمرك بهذا فقال نعم قالت إذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ~~ثنية كداء اقبل على الوادي فقال ربنا إني أسكنت الآية وإنما فصل ما بينهما ~~تثنية للامتنان وإيذانا بأن كلا منهما نعمة جليلة مستتبعة لشكر كثير كما في ~~قصة البقرة (وجنبني وبني) بعدني وإياهم (إن نعبد الأصنام) واجعلنا منها في ~~جانب بعيد أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن ~~عبادة الأصنام وقرئ واجنبني من الأفعال وهما لغة أهل نجد يقولون جنبني شره ~~وأجنبني شره وأما أهل الحجاز فيقولون جنبني شره وفيه دليل على أن عصمة ~~الأنبياء عليهم السلام بتوفيق الله تعالى والظاهر أن المراد ببنيه أولاده ~~الصلبية فلا احتجاج به لا بن عيينة رضي الله عنه على أن أحدا من أولاد ~~إسماعيل عليه السلام لم يعبد الصنم وإنما كان لكل قوم حجر نصبوه وقالوا هو ~~حجر والبيت حجر فكانوا يدورون به ويسمونه الدوار فاستحب أن يقال طاف بالبيت ~~ولا يقال دار بالبيت وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن العظيم من قوارع ~~تنعى على قريش عبادة الأصنام على أن فيما ذكره كرا على ما فر منه (رب إنهن) ~~أي الأصنام (أضللن كثيرا من الناس) أي تسببن له كقوله تعالى وغرتهم الحياة ~~الدنيا وهو تعليل لدعائه وإنما صدره بالنداء إظهارا لاعتنائه به ورغبة في ~~استجابته (فمن تبعني) منهم فيما أدعو إليه من التوحيد وملة الإسلام (فإنه ~~مني) أي بعضي قاله عليه السلام مبالغة في بيان اختصاصه به أو متصل بي لا ~~ينفك عني في أمر الدين (ومن عصاني) أي لم يتبعني والتعبير عنه بالعصيان ~~للإيذان بأنه عليه السلام مستمر على الدعوة وأن عدم اتباع من لم يتبعه إنما ~~هو لعصيانه لا لأنه لم يبلغه الدعوة (فإنك غفور رحيم) قادر على أن تغفر له ~~وترحمه ابتداء أو بعد توبته وفيه أن ms1790 كل ذنب فلله تعالى أن يغفره حتى الشرك ~~خلا أن الوعيد قضى بالفرق بينه وبين غيره (ربنا) آثر عليه السلام ضمير ~~الجماعة لا لما قيل من تقدم ذكره وذكر بنيه وإلا لراعاه في قوله رب إنهن ~~الخ بل لأن الدعاء المصدر به وما أورده بصدد تمهيد مبادى إجابته من قوله ~~(إني أسكنت) الآية متعلق بذريته فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في ~~القبول وإجابة المسؤول (من ذريتي) أي بعضهم أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول ~~وهو إسماعيل عليه السلام وما سيولد له فإن إسكانه حيث كان على وجه ~~الاطمئنان متضمن لإسكانهم روى أن هاجر أم إسماعيل عليه السلام كانت لسارة ~~فوهبتها من إبراهيم عليه السلام فلما ولدت له إسماعيل عليه السلام غارت ~~عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله تعالى ~~عين زمزم (بواد غير ذي زرع) لا يكون فيه زرع أصلا وهو وادي مكة شرفها الله ~~تعالى (عند PageV05P051 # بيتك) ظرف لأسكنت كقولك صليت بمكة عند الركن لا أنه صفة لواد أو بدل منه ~~إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه بالمرة لمحض التقرب إلى ~~الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الحرمة ~~المؤذن بعزة الملتجأ وعصمته عن المكاره في قوله تعالى (المحرم) حيث حر ~~التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظما ممنعا يهابه الجبابرة في كل عصر أو ~~منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمى عتيقا وتسميته إذ ذاك بيتا ولم ~~يكن له بناء وإنما كان نشزا مثل الرابية تأتيه السيول فتأخذ ذات اليمين ~~وذات الشمال ليست باعتبار ما سيئول إليه الأمر من بنائه عليه السلام فإنه ~~ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة أيضا كذلك بل إنما هي باعتبار ما كان من قبل ~~فإن تعدد بناء الكعبة المعظمة مما لا ريب فيه وإنما الاختلاف في كمية عدده ~~وقد ذكرناها في سورة البقرة بفضل الله تعالى (ربنا ليقيموا الصلاة) متوجهين ~~إليه متبركين به وهو متعلق بأسكنت وتخصيصها بالذكر من ms1791 بين سائر شعائر الدين ~~لفضلها وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة والاهتمام ~~بعرض أن الغرض من إسكانهم بذلك الوادي البلقع ذلك المقصد الأقصى والمطلب ~~الأسنى وكل ذلك لتمهيد مبادى إجابة دعائه وإعطاء مسئوله الذي لا يتسنى ذلك ~~المرام إلا به ولذلك أدخل عليه الفاء فقال (فاجعل أفئدة من الناس) أي أفئدة ~~من أفئدتهم فمن للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس ~~والروم وأما ما زيد عليه من قولهم ولحجت اليهود والنصارى فغير مناسب للمقام ~~إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج ~~وإلا لقيل تهوى إليه فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكى بعبارة أخرى كما مر ~~أو لابتداء الغاية كقولك القلب مني سقيم أي أفئدة ناس وقرئ آفدة على القلب ~~كآدر في أدؤر أو على أنه اسم فاعل من أفدت الرحلة أي عجلت أي جماعة من ~~الناس وأفدة بطرح الهمزة من الأفئدة أو على النعت من أفد (تهوى إليهم) تسرع ~~إليهم شوقا وودادا وقرئ على البناء للمفعول من أهواه غيره وتهوى من باب علم ~~أي تحب وتعديته إلى لتضمنه معنى الشوق والنروع وأول آثار هذه الدعوة ما روى ~~أنه مرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأ والطير تحوم على الجبل فقالوا ان هذا ~~الطائر لعائف على الماء فأشر فوا فإذا هم بهاجر فقالوا لها ان شئت كنا معك ~~وآنسناك والماء ماؤك فأذنت لهم وكانوا معها إلى أن شب إسماعيل عليه السلام ~~وماتت هاجر فتزوج إسماعيل منهم كما هو المشهور (وارزقهم) أي ذريتي الذين ~~أسكنهم هناك أو مع من ينحاز إليهم من الناس وإنما لم يخص الدعاء بالمؤمنين ~~منهم كما في قوله وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ~~اكتفاء بذكر إقامة الصلاة (من الثمرات) من أنواعها بأن بجعل بقرب منه قرى ~~يحصل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطار الشاسعة وقد حصل كلاهما حتى إنه ~~يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد 0 روى عن ابن ms1792 ~~عباس رضى الله عنهما أن الطائف كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه ~~السلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقا للحرم وعن ~~الزهري رضى الله عنه أنه تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة ~~إبراهيم عليه السلام (لعلهم يشكرون) تلك النعمة بإقامة الصلاة وأداء سائر ~~مراسم العبودية وقيل اللام في ليقيموا لام الأمر والمراد أمرهم بإقامة ~~الصلاة والدعاء من الله تعالى PageV05P052 # بتوفيقهم لها ولا يناسبه الفاء في قوله تعالى فاجعل الخ وفي دعائه عليه ~~السلام من مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة ~~واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة مالا يخفى فإنه عليه السلام بذكر كون ~~الوادي غير ذي زرع بين كمال افتقارهم إلى المسؤول وبذكر كون إسكانهم عند ~~البيت المحرم أشار إلى أن جوار الكريم يستوجب إفاضة النعيم وبعرض كون ذلك ~~الإسكان مع كمال إعواز مرافق المعاش لمحض إقامة الصلاة وأداء حقوق البيت ~~مهد جميع مبادى إجابة السؤال ولذلك قرنت دعوته عليه السلام بحسن القبول ~~(ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن) من الحاجات وغيرها والمراد بما نخفى ما ~~يقابل ما نعلن سواء تعلق به الإخفاء أولا أي تعلم ما نظهره ومالا نظهره فإن ~~علمه تعالى متعلق بما لا يخطر بباله مما فيه من الأحوال الخفية فضلا عن ~~إخفائه وتقديم ما نخفى على ما نعلن لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم ~~بهما على أبلغ وجه فكأن تعلقه بما يخفى أقدم منه بما يعلن أو لأن مرتبة ~~السرو الخفاء متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شئ يعلن إلا وهو قبل ذلك خفى ~~فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى أقدم من تعلقه بحالته الثانية وقصده عليه ~~السلام أن إظهار هذه الحاجات وما هو من مباديها وتتماتها ليس لكونها غير ~~معلومة لك بل إنما هو لإظهار العبودية والتخشع لعظمتك والتدلل لعزتك وعرض ~~الافتقار إلى ما عندك والاستعجال لنيل أياديك وتكرير النداء للمبالغة في ~~الضراعة والابتهال وضمير الجماعة لأن المراد ليس مجرد علمه تعالى بسره ~~وعلنه بل ms1793 بجميع خفايا الملك والملكوت وقد حققه بقوله على وجه الاعتراض (وما ~~يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) لما أنه العالم بالذات فما ~~من أمر يدخل تحت الوجود كائنا ما كان في زمان من الأزمان إلا ووجوده في ~~ذاته علم بالنسبة إليه سبحانه وإنما قال وما يخفى على الله الخ دون أن يقول ~~ويعلم ما في السماوات والأرض تحقيقا لما عناه بقوله تعلم ما نخفى من أن ~~علمه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه شائبة خفاء بالنسبة إلى علمه تعالى ~~كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم المخلوقات وكلمة في متعلقة بمحذوف وقع صفة ~~لشيء أي من شيء كائن فيهما أعم من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما أو ~~على وجه الجزئية منهما أو بيخفى وتقديم الأرض على السماء مع توسيط لا ~~بينهما باعتبار القرب والبعد منا المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى علو منا ~~والالتفات من الخطاب إلى اسم الذات المستجمعة للصفات لتربية المهابة ~~والإشعار بعلة الحكم على نهج قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~والإيذان بعمومه لأنه ليس بشأن يختص به أو بمن يتعلق به بل شامل لجميع ~~الأشياء فالمناسب ذكره تعالى بعنوان مصحح لمبدأ الكل وقيل هو من كلام الله ~~عز وجل وارد بطريق الاعتراض لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه وكذلك يفعلون ~~ومن للاستغراق على الوجهين (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي مع كبرى ~~ويأسى عن الولد قيد الهبة به استعظاما للنعمة وإظهارا لشكرها (إسماعيل ~~وإسحق) روى أنه ولد له إسماعيل وهو PageV05P053 # ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة أو مائة ~~وسبع عشرة سنة (إن ربي) ومالك أمرى (لسميع الدعاء) لمجيبه من قولهم سمع ~~الملك كلامه إذا اعتد به وهي من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى ~~مفعوله أو فاعله بإسناد السماع إلى دعاء الله تعالى مجازا وهو مع كونه من ~~تتمة الحمد والشكر إذ هو وصف له تعالى بأن ذلك الجميل سنته ms1794 المستمرة تعليل ~~على طريقة التذييل للهبة المذكورة وفيه إيذان بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت ~~بعد الدعاء بقوله رب هب لي من الصالحين فاقترنت الهبة بقبول الدعوة وتوحيد ~~ضمير المتكلم وإن كان عقيب ذكر هبتهما لما أن نعمة الهبة فائضة عليه خاصة ~~وهما من النعم لا من المنعم عليهم (رب اجعلني مقيم الصلاة) مثابرا عليها ~~معدلا لها وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته لذريته أيضا حيث قال (ومن ~~ذريتي) أي بعضهم من المذكورين ومن يسير سيرتهما من أولادهما للإشعار بأنه ~~المقتدى في ذلك وذريته أتباع له وأن ذكرهم بطريق الاستطراد لا كما في قوله ~~ربنا إني أسكنت الخ فإن إسكانه مع عدم تحققه بلا ملابسة لمن اسكنه إنما هو ~~مذكور بطريق التمهيد للدعاء الذي هو مخصوص بذريته وإنما خص هذا الدعاء ببعض ~~ذريته لعلمه من جهة الله تعالى أن بعضا منهم لا يكون مقيم الصلاة كقوله ~~تعالى ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك (ربنا وتقبل دعاء) ~~أي دعائي هذا المتعلق بجعلي وجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ثابتين على ذلك ~~مجتنبين عن عبادة الأصنام ولذلك جئ بضمير الجماعة (ربنا اغفر لي) أي ما فرط ~~مني من ترك الأولى في باب الدين وغير ذلك مما لا يسلم منه البشر (ولوالدي) ~~وقرئ بالتوحيد ولأبوى وهذا الاستغفار منه عليه السلام إنما كان قبل تبين ~~الامر له عليه السلام وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وقيل بشرط الإسلام ويرده ~~قوله تعالى إلا قول إبراهيم الآية وقد مر في سورة التوبة نوع تحقيق للمقام ~~وسيأتي تمامه في سورة مريم بفضل الله تعالى (وللمؤمنين) كافة من ذريته ~~وغيرهم وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة جئ بضمير الجماعة (يوم ~~يقوم الحساب) أي يثبت ويتحقق محاسبة أعمال المكلفين على وجه العدل استعير ~~له من ثبوت القائم على الرجل بالاستقامة ومنه قامت الحرب على ساق والمراد ~~تهويله وقيل أسند إليه قيام أهله مجازا أو حذف المضاف كما في واسأل القرية ~~واعلم أن ما حكى عنه عليه السلام من الأدعية ms1795 والأذكار وما يتعلق بها ليس ~~بصادر عنه على الترتيب المحكي ولا على وجه المعية بل صدر عنه في أزمنة ~~متفرقة حكى مرتبا للدلالة على سوء حال الكفرة بعد ظهور أمره في الملة ~~وإرشاد الناس إليها والتضرع إلى الله تعالى لمصالحهم الدينية والدنيوية ~~(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) خطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تثبيته على ما كان عليه من عدم حسبانه عز وجل كذلك نحو قوله ولا تكونن ~~من PageV05P054 # المشركين ونظائره مع ما فيه من الإيذان بكونه واجب الاحتراز عنه في ~~الغاية حتى نهى عنه من لا يمكن تعاطيه أو نهيه عليه السلام عن حسبانه تعالى ~~تاركا لعقابهم على طريقة العفو والتعبير عنه بذلك للمبالغة في النهي ~~والإيذان بأن ذلك الحسبان بمنزلة حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم إذ العلم ~~بذلك مستوجب لعقابهم لا محالة فتركه لو كان للغفلة عما يوجبه من أعمالهم ~~الخبيثة وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعد له أكيد ووعيد ~~للكفر وسائر الظالمين شديد أو لكل أحد ممن يستعجل عذابهم أو يتوهم إهمالهم ~~للجهل بصفاته تعالى والاغترار بإمهاله وقيل معناه لا تحسبنه تعالى يعاملهم ~~معاملة الغافل عما عملوا بل معاملة من يحافظ على أعمالهم يجازيهم بذلك ~~نقيرا وقطميرا والمراد بالظالمين أهل مكة ممن عدت مساويهم من تبديل نعمة ~~الله تعالى كفرا وإحلال قومهم دار البوار واتخاذ الأنداد كما يؤذن به ~~التعرض لحكمه التأخير المنبىء عنه قوله تعالى قل تمتعوا الآية أو جنس ~~الظالمين وهم داخلون في الحكم دخولا أولياء (إنما يؤخرهم) يمهلهم متمتعين ~~بالحظوظ الدنياوية ولا يعجل عقوبتهم حسبما يشاهد وهو استئناف وقع تعليلا ~~للنهي السابق أي دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلا عن أعمالهم ~~ولا تحزن بتأخير ما تستوجبه من العذاب الأليم إذ تأخيره للتشديد والتغليظ ~~أولا تحسبنه تعالى تاركا لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا ~~أولا ولا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل ولا يؤاخذهم بما عملوا لما ~~ترى من التأخير إنما هو لهذه ms1796 الحكمة وقرئ بالنون وإيقاع التأخير عليهم مع ~~أن المؤخر إنما هو عذابهم لتهويل الخطب وتفظيع الحال ببيان أنهم متوجهون ~~إلى العذاب مرصدون لأمر ما لا أنهم باقون باختيارهم وللدلالة على أن حقهم ~~من العذاب هو الاستئصال بالمرة وأن لا يبقى منهم في الوجود عين ولا أثر ~~وللإيذان بأن المؤخر له من جملة العذاب وعنوانه ولو قيل إنما يؤخر عذابهم ~~الخ لما فهم ذلك (ليوم) هائل (تشخص فيه الأبصار) ترتفع ابصار أهل الموقف ~~فيدخل في زمرتهم الكفرة المعهودون دخولا أوليا أي تبقى مفتوحة لا تتحرك ~~أجفانهم من هول ما يرونه واعتبار عدم قرارها في أماكنها إما باعتبار ~~الارتفاع الحسي في جرم العين وإما بجعل الصيغة من شخص من بلد إلى بلد وسار ~~في الارتفاع (مهطعين) مسرعين إلى الداعي مقبلين عليه بالخوف والذل والخشوع ~~أو مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه ولا يطرفون هيبة وخوفا وحيث كان ~~إدامه النظر ههنا بالنظر إلى الداعي قيل (مقنعي رؤوسهم) أي رافعيها مع ~~إدامة النظر من غير التفات إلى شيء قاله العتبى وابن عرفة أو ناكسيها ويقال ~~أقنع رأسه أي طأطأها ونكسها فهو من الاضداد وهما حالان مما دل عليه الأبصار ~~من أصحابها والثاني حال متداخلة من الضمير في الأول وإضافته غير حقيقية فلا ~~ينافي الحالية (لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم حسبما ~~كان يرجع إليهم كل لحظة بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف أولا ترجع إليهم ~~أجفانهم التي هي آلة الطرف فيكون إسناد الرجوع إلى الطرف مجازيا أو هو نفس ~~الجفن قال الفيروزآبادي الطرف العين لا يجمع لأنه مصدر في الأصل أو اسم ~~جامع للعين أولا يرجع نظرهم إلى أنفسهم فضلا عن أن يرجع إلى شيء آخر ~~PageV05P055 # فيبقون مبهوتين وهو أيضا حال أو بدل من مقنعي الخ أو استئناف والمعنى لا ~~يزول ما اعتراهم من شخوص الأبصار وتأخيره عمن هو من تتمته من الإهطاع ~~والإقناع مع ما بينه وبين الشخوص المذكور من المناسبة لتربية هذا المعنى ~~(وأفئدتهم هواء) خالية من العقل ms1797 والفهم لفرط الحيرة والدهش كأنها نفس ~~الهواء الخالي من كل شاغل ومنه قيل للجبان والأحمق قلبه هواء أي لا قوة ولا ~~رأى فيه واعتبار خلوها عن كل خير لا يناسب المقام وهو إما حال عاملها لا ~~يرتد مفيدة لكون شخوص أبصارهم وعدم ارتداد طرفهم بلا فهم ولا اختيار أو ~~جملة مستقلة (وأنذر الناس) خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعلامه ~~أن تأخيرهم لماذا وأمر له بإنذارهم وتخويفهم منه والمراد بالناس الكفار ~~المعبر عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهر إتيان العذاب والعدول إليه من ~~الإضمار للإشعار بأن المراد بالإنذار هو الزجر عما هم عليه من الظلم شفقة ~~عليهم لا التخويف للإزعاج والإيذاء فالمناسب عدم ذكرهم بعنوان الظلم أو ~~الناس جميعا فإن الإنذار عام للفريقين كقوله تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر ~~والإتيان يعمهما من حيث كونهما في الموقف وإن كان لحوقه بالكفار خاصة أي ~~أنذرهم وخوفهم (يوم يأتيهم العذاب) المعهود وهو اليوم الذي وصف بما لا يوصف ~~من الأوصاف الهائلة أعنى يوم القيامة وقيل هو يوم موتهم معذبين بالسكرات ~~ولقاء الملائكة بلا بشرى أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل ويأباه القصر السابق ~~(فيقول الذين ظلموا) أي فيقولون والعدول عنه إلى ما عليه النظم الكريم ~~للتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بأن ما لقوه من الشدة إنما هو لظلمهم ~~وإيثاره على صيغة الفاعل حسبما ذكر أولا للإيذان بأن الظلم في الجملة كاف ~~في الإفضاء إلى ما ذكر من الأهوال من غير حاجة إلى الاستمرار عليه كما ينبئ ~~عنه صيغة الفاعل وعلى تقدير كون المراد بالناس من يعم المسلمين أيضا ~~فالمعنى الذين ظلموا منهم وهم الكفار أو يقول كل من ظلم بالشرك والتكذيب من ~~المنذرين وغيرهم من الأمم الخالية فإن إتيان العذاب يعمهم كما يشعر بذلك ~~وعدهم باتباع الرسل (ربنا أخرنا) ردنا إلى الدنيا وأمهلنا (إلى أجل قريب) ~~إلى أمد وحد من الزمان قريب (نجب دعوتك) أي الدعوة إليك أي وإلى توحيدك أو ~~دعوتك لنا على ألسنة الرسل ففيه إيماء إلى أنهم صدقوهم في أنهم ms1798 مرسلون من ~~عند الله تعالى (ونتبع الرسل) فيما جاءونا به أي نتدارك ما فرطنا فيه من ~~إجابة الدعوة واتباع الرسل والجمع إما باعتبار اتفاق الجميع على التوحيد ~~وكون عصيانهم للرسول صلى الله عليه وسلم عصيانا لهم جميعا وإما باعتبار أن ~~المحكي كلام ظالمي الأمم جميعا والمقصود بيان وعد كل أمة باتباع رسولها (أو ~~لم تكونوا أقسمتم من قبل) على إضمار القول معطوفا على فيقول أي فيقال لهم ~~توبيخا وتبكيتا ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم إذ ذاك بألسنتكم ~~بطرا وأشرا وجهلا وسفها (مالكم من زوال) مما أنتم عليه من التمتع بالحظوظ ~~الدنياوية أو بألسنة الحال حيث بنيتم مشيدا PageV05P056 # وأملتم بعيدا ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة وفيه ~~إشعار بامتداد زمان التأخير وبعد مداه أو مالكم من زوال من هذه الدار إلى ~~دار أخرى للجزاء كقوله تعالى وأقسموا بالله جهدا أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت وصيغة الخطاب في جواب القسم لمراعاة حال الخطاب في أقسمتم كما في قوله ~~حلف بالله ليخرجن وهو أدخل في التوبيخ من أن يقال مالنا مراعاة لحال المقسم ~~ذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال لأهل النار خمس دعوات يجيبهم ~~الله تعالى في اربع منها فإذا كانت الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون ~~ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ~~فيجيبهم الله تعالى ذلكم بأنه إذا ادعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ~~فالحكم لله تعالى الكبير ثم يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون فيجيبهم الله تعالى فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا الآية ثم ~~يقولون ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل فيجيبهم الله تعالى ~~أو لم تكونوا أقسمتم الآية ثم يقولون ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل فيجيبهم الله تعالى أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ~~فذوقوا فما للظالمين من نصير فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضالين فيجيبهم الله تعالى ms1799 اخسئوا فيها ولا تكلمون فلا يتكلمون بعدها أبدا ~~إن هو إلا زفير وشهيق وعند ذلك انقطع رجاؤهم وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض ~~وأطبقت عليهم جهنم اللهم إنا بك نعوذ وبكنفك نلوذ عز جارك وجل ثناؤك ولا ~~إله غيرك (وسكنتم) من السكنى بمعنى التبوؤوا لإيطان وإنما استعمل بكلمة في ~~حيث قيل (في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) جريا على الأصل لأنه منقول عن مطلق ~~السكون الذي حقه التعدية بها أو من السكون واللبث أي قررتم في مساكنهم ~~مطمئنين سائرين سيرتهم في الظلم والكفر والمعاصي غير محدثين لأنفسكم بما ~~لقوا بسبب ما أجترحوا من الموبقات وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقه ~~فيما سلف إيذان بأن غائلة الظلم آئلة إلى صاحبه والمراد بهم إما جميع من ~~تقدم من الأمم المهلكة على تقدير اختصاص الاستمهال والخطاب السابق ~~بالمنذرين وإما أوائلهم من قوم نوح وهود على تقدير عمومها للكل وهذا الخطاب ~~وما يتلوه باعتبار حال أواخرهم (وتبين لكم) بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار ~~(كيف فعلنا بهم) من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد وكيف ~~منصوب بما بعده من الفعل وليس الجملة فاعلا لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل ~~فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة أي فعلنا العجيب بهم وفيه من المبالغة ما ~~ليس في أن يقال ما فعلنا بهم كما مر في قوله تعالى ليسجننه وقرئ وبين ~~(وضربنا لكم الأمثال) أي بينا لكم في القرآن العظيم على تقدير اختصاص ~~الخطاب بالمنذرين أو على ألسنة الأنبياء عليهم السلام على تقدير عمومه ~~لجميع الظالمين صفات ما فعلوا وما فعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة ~~كالأمثال المضروبة لكل ظالم لتعتبروا بها وتقيسوا أعمالكم على أعمالهم ~~ومآلكم على مآلهم وتنتقلوا من حلول PageV05P057 # العذاب العاجل إلى حلول العذاب الآجل فترتدعوا عما كنتم فيه من الكفر ~~والمعاصي أو بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب والجمل الثلاث ~~في موقع الحال من ضمير أقسمتم أي أقسمتم بالخلود والحال أنكم سكنتم في ~~مساكن المهلكين بظلمهم وتبين لك فعلنا ms1800 العجيب بهم ونبهنا كم على جلية الحال ~~بضرب الأمثال وقوله عز وجل (وقد مكروا مكرهم) حال من الضمير الأول في فعلنا ~~بهم أو من الثاني أو منهما جميعا وإنما قدم عليه قوله تعالى وضربنا لكم ~~الأمثال لشدة ارتباطه بما قبله أي فعلنا بهم ما فعلنا والحال أنهم قد مكروا ~~في إبطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذي استفرغوا في عمله المجهود ~~وجاوزوا فيه كل حد معهود بحيث لا يقدر عليه غيرهم فالمراد بيان تناهيهم في ~~استحقاق ما فعل بهم أو قد مكروا مكرهم المذكور في ترتيب مبادى البقاء ~~ومدافعة أسباب الزوال فالمقصود إظهار عجزهم واضمحلال قدرتهم وحقارتها عند ~~قدرة الله تعالى (وعند الله مكرهم) أي جزاء مكرهم الذي فعلوه على أن المكر ~~مضاف إلى فاعله أو أخذه تعالى بهم على أنه مضاف إلى مفعوله وتسميته مكرا ~~لكونه بمقابلة مكرهم وجودا وذكرا أو لكونه في صورة المكر في الإتيان من حيث ~~لا يشعرون وعلى التقديرين فالمراد به ما أفاده قوله عز وجل كيف فعلنا بهم ~~لا أنه وعيد مستأنف والجملة حال من الضمير في مكروا أي مكروا مكرهم وعند ~~الله جزؤه أو ما هو أعظم منه والمقصود بيان فساد رأيهم حيث باشروا فعلا مع ~~تحقق ما يوجب تركه (وإن كان مكرهم) في العظم والشدة (لتزول منه الجبال) أي ~~وإن كان مكرهم في غاية المتانة والشدة وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدا لإزالة ~~الجبال عن مقارها لكونه مثلا في ذلك والجملة المصدرة بأن الوصلية معطوفة ~~على جملة مقدرة والمعنى وعند الله جزاء مكرهم أو المكر الذي يحيق بهم إن لم ~~يكن مكرهم لتزول منه الجبال وإن كان الخ وقد حذف ذلك حذفا مطردا لدلالة ~~المذكور عليه دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق عند وجود المانع القوى فلأن ~~يتحقق عند عدمه أولى وعلى هذه النكتة يدور ما في إن الوصلية من التأكيد ~~المعنوي والجواب محذوف دل عليه ما سبق وهو قوله تعالى وعند الله مكرهم وقيل ~~إن نافية واللام لتأكيدها كما في قوله ms1801 تعالى وما كان الله ليعذبهم وينصره ~~وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه وما كان مكرهم فالجملة حينئذ حال من الضمير ~~في مكروا لا من قوله تعالى وعند الله مكرهم أي مكروا مكرهم والحال أن مكرهم ~~لم يكن لتزول منه الجبال على أنها عبارة عن آيات الله تعالى وشرائعه ~~ومعجزاته الظاهرة على أيدي الرسل السالفة عليهم السلام التي هي بمنزلة ~~الجبال الراسيات في الرسوخ وأما كونها عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمر القرآن العظيم كما قيل فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلكون لا ~~الساكنون في مساكنهم من المخاطبين وإن خص الخطاب بالمنذرين وقيل هي مخففة ~~من إن والمعنى إنه كان مكرهم ليزول منه ما هو كالجبال في الثبات مما ذكر من ~~الآيات والشرائع والمعجزات والجملة كما هي حال من ضمير مكروا أي مكروا ~~مكرهم المعهود وإن الشأن كان مكرهم لإزالة الآيات والشرائع على معنى أنه لم ~~يكن يصح أن يكون منهم مكر كذلك وكان شأن الآيات والشرائع مانعا من مباشرة ~~المكر PageV05P058 # لإزالته وقد وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام على أنها الفارقة والمعنى ~~تعظيم مكرهم فالجملة حال من قوله تعالى وعند الله مكرهم أي عنده تعالى جزاء ~~مكرهم أو المكر بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبال أي في غاية الشدة ~~وقرئ بالفتح والنصب على لغة من بفتح لام كي وقرئ وإن كاد مكرهم هذا هو الذي ~~يقتضيه النظم الكريم وينساق إليه الطبع السليم وقد قيل إن الضمير في مكروا ~~للمنذرين والمراد بمكرهم ما أفاده قوله عز وجل وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك الآية وغيره من أنواع مكرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولعل الوجه حينئذ أن يكون قوله تعالى وقد مكروا الخ حالا من ~~القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحال أنهم مع ما فعلوا من الإقسام ~~المذكور مع ما ينافيه من السكون في مساكن المهلكين وتبين أحوالهم وضرب ~~الأمثال قد مكروا مكرهم العظيم أي لم يكن الصادر عنهم ms1802 مجرد الإقسام الذي ~~وبخوا به بل اجترءوا على مثل هذه العظيمة وقوله تعالى وعند الله تعالى ~~مكرهم حال من ضمير مكروا حسبما ذكرنا من قبل وقوله تعالى وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال مسوق لبيان عدم تفاوت الحال في تحقيق الجزاء بين كون ~~مكرهم قويا أو ضعيفا كما مر هناك وعلى تقدير كون إن نافية فهو حال من ضمير ~~مكروا والجبال عبارة عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أي وقد مكروا والحال ~~أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائع والآيات التي هي في القوة كالجبال ~~وعلى تقدير كونها مخففة من الثقيلة واللام مكسورة يكون حالا منه أيضا على ~~معنى أن ذلك المكر العظيم منهم كان لهذا الغرض على معنى أنه لم يكن يصح أن ~~يكون منهم مكر كذلك لما أن شأن الشرائع أعظم من أن يمكر بها ماكر وعلى ~~تقدير فتح اللام فهو حال من قوله تعالى وعند الله مكرهم كما ذكرنا من قبل ~~فليتأمل (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) لم يرد به والله سبحانه أعلم ما ~~وعده بقوله تعالى إنا لننصر رسلنا الآية وقوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ~~كما قيل فإنه لا اختصاص له بالتعذيب لا سيما الأخروى بل ما سلف آنفا من ~~وعده بتعذيب الظالمين بقوله تعالى إنما يؤخرهم الآية كما يفصح عنه الفاء ~~الداخلة على النهي الذي أريد به تثبيته عليه الصلاة والسلام على ما كان ~~عليه من الثقة بالله تعالى والتيقن بإنجاز وعده المذكور المقرون بالامر ~~بإنذارهم يوم إتيان العذاب المتضمن لذكر تعذيب الأمم السالفة بسبب كفرهم ~~وعصيانهم رسلهم بعد ما وعدهم بذلك كما فصلت قصة كل منهم في القرآن العظيم ~~فكأنه قيل وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة وأخبرناك بما يلقونه ~~من الشدائد وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا وبما أجبناهم به وقرعناهم بعدم ~~تأملهم في أحوال من سبقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعد ما وعدنا ~~رسلهم بإهلاكهم فدم على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا ms1803 ~~(إن اله عزيز) غالب لا يماكر وقادر (ذو انتقام) لأوليائه من أعدائه والجملة ~~تعليل للنهي المذكور وتذييل له وحيث كان الوعد عبارة عما ذكرنا من تعذيبهم ~~خاصة لم يذيل بأن يقال إن الله لا يخلف الميعاد بل تعرض لوصف العزة ~~والانتقام المشعرين بذلك والمراد بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبر عنه ~~بالمكر PageV05P059 # (يوم تبدل الأرض غير الأرض) ظرف لمضمر مستأنف ينسحب عليه النهي المذكور ~~أي ينجزه يوم الخ أو معطوف عليه نحو وارتقب يوم تبدل الأرض غير الأرض أو ~~لانتقام وهو يوم يأتيهم العذاب بعينه ولكن له أحوال جمة يذكر كل مرة بعنوان ~~مخصوص والتقييد به مع عموم انتقامه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصود من ~~تعذيب الكفرة المؤخر إلى ذلك اليوم بموجب الحكمة الداعية إليه وقيل بدل من ~~يوم يأتيهم العذاب أو نصب باذكر أو بإضمار لا يخلف وعده يوم تبدل الخ وفيه ~~أيضا ما في الوجه الثالث من الحاجة إلى الاعتذار ولا يجوز أن ينتصب بقوله ~~مخلف وعده لأن ما قبل إن لا يعمل فيما بعده وقيل هو غير مانع لان قوله ~~تعالى إن الله عزيز ذو انتقام جملة اعتراضية فلا يبالي بها فاصلا واعلم أن ~~التبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم دنانير وعليه قوله عز وجل ~~بدلناهم جلودا غيرها وقد يكون في الصفات كما في قولك بدلت الحلقة خاتما إذا ~~غيرت شكلها ومنه قوله تعالى يبدل الله سيئاتهم حسنات على بعض الأقوال ~~والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين فعن على رضي الله عنه تبدل أرضا من ~~فضة وسموات من ذهب وعن ابن مسعود رضي الله عنه تبدل الأرض بأرض كالفضة ~~بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها وأنشد * [وما الناس بالناس الذين ~~عهدتهم * وما الدار بالدار التي كنت تعلم] * وتبدل السماوات بانتثار ~~كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا ويدل عليه ما روى ~~أبو هريرة رضي الله ms1804 عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال تبدل الأرض غير الأرض ~~فتبسط وتمد مد الأديم العكاظى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (والسماوات) أي ~~وتبدل السماوات غير السماوات حسبما مر من التفصيل وتقديم تبديل الأرض ~~لقربها منا ولكون تبديلها أعظم أثرا بالنسبة إلينا (وبرزوا) أي الخلائق أو ~~الظالمون المدلول عليهم بمعونة السباق والمراد بروزهم من أجداثهم التي في ~~بطون الأرض أو ظهورهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرا ويزعمون أنها لا ~~تظهر أو يعملون عمل من يزعم ذلك ولعل إسناد البروز إليهم مع أنه لأعمالهم ~~للإيذان بتشكلهم بأشكال تناسبها وهو معطوف على تبدل والعدول إلى صيغة ~~الماضي للدلالة على تحقق وقوعه أو حال من الأرض بتقدير قد والرابط بينها ~~وبين صاحبها الواو (لله الواحد القهار) للحساب والجزاء والتعرض للوصفين ~~لتهويل الخطب وتربية المهابة وإظهار بطلان الشرك وتحقيق الانتقام في ذلك ~~اليوم على تقدير كونه ظرفا له وتحقيق إتيان العذاب الموعود على تقدير كونه ~~بدلا من يوم يأتيهم العذاب فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يعار وقادر لا ~~يضار ولا يغار كان في غاية ما يكون من الشدة والصعوبة (وترى المجرمين) عطف ~~على برزوا والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على ~~الاستمرار وأما لبروز فهو دفعي PageV05P060 # لا استمرار فيه وعلى تقدير حالية برزوا فهو معطوف على تبدل ويجوز عطفه ~~على عامل الظرف المقدم على تقدير كونه ينجزه (يومئذ) يوم إذ برزوا له عز ~~وجل أو يوم إذ تبدل الأرض أو يوم إذ ينجز وعده (مقرنين) قرن بعضهم مع بعض ~~حسب اقترانهم في الجرائم والجرائر أو قرنوا مع الشياطين الذين أغووهم أو ~~قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملكات الردية والأعمال السيئة ~~غب تصور كل منها وتشكلهما بما يناسبها من الصور الموحشة والأشكال الهائلة ~~أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم وهو حال من المجرمين (في الأصفاد) في ~~القيود أو الأغلال وهو إما متعلق بقوله تعالى مقرنين أو حال من ضميره أي ~~مصفدين (سرابيلهم) أي قمصانهم (من قطران) جملة من مبتدأ ms1805 وخبر محلها النصب ~~على الحالية من المجرمين أو من ضميرهم في مقرنين رابطتها الضمير فقط كما في ~~كلمته فوه إلى في أو مستأنفة والقطران ما يتحلب من الإبل فيطبخ فتهنأ به ~~الإبل الجربى فيحرق الجرب بما فيه من الحدة الشديدة وقد تصل حرارته إلى ~~الجوف وهو اسود منتن يسرع فيه اشتعال النار يطلى به جلود أهل النار حتى ~~يعود طلاؤه لهم كالسراويل ليجتمع عليهم الألوان الأربعة من العذاب لذعه ~~وحرقته وإسراع النار في جلودهم واللون الموحش والنتن على أن التفاوت بينه ~~وبين ما نشاهده وبين النارين لا يكاد يقادر قدره فكأن ما نشاهده منهما ~~أسماء مسمياتها في الآخرة فبكرمه العميم نعوذ وبكنفه الواسع نلوذ ويحتمل أن ~~يكون ذلك تمثيلا لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الردية والهنات الوحشية ~~فتجلب إليها الآلام والغموم بل وأن يكون القطران المذكور عين مالا بسوه في ~~هذه النشأة وجعلوه شعارا لهم من العقائد الباطلة والأعمال السيئة المستجلبة ~~لفنون العذاب قد تجسدت في النشأة الآخرة بتلك الصورة المستتبعة لاشتداد ~~العذاب عصمنا الله سبحانه عن ذلك بمنه ولطفه وقرئ من قطرآن أي نحاس مذاب ~~متناه حره (وتغشى وجوههم النار) أي تعلوها وتحيط بها النار التي تمس جسدهم ~~المسربل بالقطران وتخصيص الوجوه بالحكم المذكور مع عمومه لسائر أعضائهم ~~لكونها أعز الأعضاء الظاهرة وأشرفها كقوله تعالى أفمن يتقى بوجهه سوء ~~العذاب الخ ولكونها مجمع المشاعر والحواس التي خلقت لإدراك الحق وقد أعرضوا ~~عنه ولم يستعملوها في تدبيره كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل ~~المعرفة وقد ملئوها بالجهالات لذلك قيل تطلع على الأفئدة أو لخلوها عن ~~القطران المغنى عن ذكر غشيان النار لها ولعل تخليتها عنه ليتعارفوا عند ~~انكشاف اللهب أحيانا ويتضاعف عذابهم بالخزى على رؤوس الأشهاد وقرئ تغشى أي ~~تتغشى بحذف إحدى التاءين والجملة نصب على الحالية لا على أن الواو حالية ~~لأنه مضارع مثبت بل على أنها معطوفة على الحال قاله أبو البقاء (ليجزى ~~الله) متعلق بمضمر أي يفعل بهم ذلك ليجزى (كل نفس) مجرمة (ما كسبت) ms1806 من ~~أنواع الكفر والمعاصي جزاء موافقا لعملها وفيه إبذان بأن جزاءهم مناسب ~~لأعمالهم أو بقوله برزوا PageV05P061 # على تقدير كونه معطوفا على تبدل والضمير للخلق وقوله وترى المجرمين الخ ~~اعتراض بين المتعلق والمتعلق به أي برزوا للحساب ليجزى الله كل نفس مطيعة ~~أو عاصية ما كسبت من خير أو شر وقد اكتفى بذكر عقاب العصاة تعويلا على ~~شهادة الحال لا سيما مع ملاحظة سبق الرحمة الواسعة (إن الله سريع الحساب) ~~إذ لا يشغله شأن عن شأن فيتمه في أعجل ما يكون من الزمان فيوفى الجزاء ~~بحسبه أو سريع المجىء يأتي عن قريب أو سريع الانتقام كما قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما في قوله تعالى وهو سريع الحساب (هذا) أي ما ذكر من قوله سبحانه ~~ولا تحسبن الله غافلا إلى سريع الحساب (بلاغ) كفاية في العظة والتذكير من ~~غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورة الكريمة أو كل القرآن المجيد من فنون ~~العظات والقوارع (للناس) للكفار خاصة على تقدير اختصاص الإنذار بهم في قوله ~~تعالى وأنذر الناس أو لهم وللمؤمنين كافة على تقدير شموله لهم أيضا وإن كان ~~ما شرح مختصا بالظالمين (ولينذروا به) عطف على مقدر واللام متعلقة بالبلاغ ~~أي كفاية لهم في ان ينصحوا وينذروا به أو هذا بلاغ لهم ليفهموه ولينذروا به ~~على أن البلاغ بمعنى الإبلاغ كما في قوله تعالى ما على الرسول إلا البلاغ ~~أو متعلقة بمحذوف أي ولينذروا به أنزل أو تلى وقرئ لينذروا به من نذر الشيء ~~إذا علمه وحذروه واستعد له (وليعلموا) بالتأمل فيما فيه من الدلائل الواضحة ~~التي هي إهلاك الأمم وإسكان آخرين مساكنهم وغيرهما مما سبق ولحق (أنما هو ~~إله واحد) لا شريك له وتقديم الإنذار لأنه الداعي إلى التأمل المؤدى إلى ما ~~هو غاية له من العلم المذكور والتذكير في قوله تعالى (وليذكر أولو الألباب) ~~أي ليتذكروا ما كانوا يعملونه من قبل من التوحيد وغيره من شؤون الله عز وجل ~~ومعاملته مع عبادة فيرتدعوا عما يرديهم من الصفات التي ينصف ms1807 بها الكفار ~~ويتدرعوا بما يحظيهم من العقائد الحقة والأعمال الصالحة وفي تخصيص التذكر ~~بأولى الألباب تلويح باختصاص العلم بالكفار ودلالة على أن المشار إليه بهذا ~~ما ذكرنا من القوارع المسوقة لشأنهم لا كل السورة المشتملة عليها وعلى ما ~~سبق للمؤمنين أيضا فإن فيه ما يفيدهم فائدة جديدة وحيث كان ما يفيده البلاغ ~~من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمرا حادثا ~~وبالنسبة إلى أولى الألباب الثبات على ذلك حسبما أشير إليه عبر عن الأول ~~بالعلم وعن الثاني بالتذكير وروعى ترتيب الوجود مع ما فيه من الختم بالحسنى ~~والله سبحانه أعلم ختم الله لنا بالسعادة والحسنى ورزقنا الفوز بمرضاته في ~~الأولى والعقبى آمين عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة إبراهيم أعطي ~~من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام ومن لم يعبده والحمد لله وحده ~~PageV05P062 # (سورة الحجر مكية إلا آية 87 فمدنية وآيها تسع وتسعون) بسم الله الرحمن ~~الرحيم (الر) قد مر الكلام فيه وفي محله في مطلع سورة الرعد وأخواتها (تلك ~~إشارة إليه أي تلك السورة العظيمة الشأن (أيات الكتاب) الكامل المعهود ~~الغني عن الوصف به المشهور بذلك من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به ~~على الإطلاق أي بعض منه مترجم مستقل باسم خاص فهو عبارة عن جميع القرآن أو ~~عن الجميع المنزل إذ ذاك إذ هو المتسارع إلى الفهم حينئذ عند الإطلاق وعليه ~~يترتب فائدة وصف الآيات بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمال لا على جعله ~~عبارة عن السورة إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبة من الشهرة حتى ~~يستغنى عن التصريح بالوصف على أنها عبارة عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك ~~إشارة إلى كل واحدة منها وفيه من التكليف مالا يخفى كما ذكر في سورة الرعد ~~(وقرآن) أي قرآن عظيم الشأن (مبين) مظهر لما في تضاعيفه من الحكم والأحكام ~~أو لسبيل الرشد والغى أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام ولقد فخم ~~شأنه العظيم مع ما جمع ms1808 فيه من وصفي الكتابية والقرآنية على الطريقتين ~~إحداهما اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإلهية فكأنه كلها والثانية ~~طريقة كونه ممتازا عن غيره نسيج وحده بديعا في بابه خارجا عن دائرة البيان ~~وأخرت الطريقة الثانية لما أن الإشارة إلى امتيازه عن سائر الكتب بعد ~~التنبيه على انطوائه على كمالات غيره من الكتب أدخل في المدح كيلا يتوهم من ~~أول الأمر أن امتيازه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصة به من غير اشتماله على ~~نعوت كمال سائر الكتب الكريمة وهكذا الكلام في فاتحة سورة النمل خلا أنه ~~قدم فيها القرآن على الكتاب لما سيذكر هناك ولما بين كون السورة الكريمة ~~بعضا من الكتاب والقرآن لتوجيه المخاطبين إلى حسن تلقى ما فيها من الأحكام ~~والقصص والمواعظ شرع في بيان ما تتضمنه فقيل (ربما) بضم الراء وتخفيف الباء ~~المفتوحة وقرئ بالتشديد وبفتح الراء مخففا وبزيادة التاء مشددا وفيه ثماني ~~لغات فتح الراء وضمها مشددا ومخففا وبزيادة التاء أيضا مشددا ومخففا ورب ~~حرف جر لا يدخل إلا على الاسم وما كافة مصححة لدخوله على الفعل وحقه الدخول ~~على الماضي ودخوله على قوله تعالى (بود الذين كفروا) لما ان المترقب في ~~اخباره تعالى كالماضي المقطوع في تحقق الوقوع فكأنه قيل ربما ود الذين ~~كفروا والمراد كفرهم بالكتاب والقرآن وكونه PageV05P063 # من عند الله تعالى (لو كانوا مسلمين) منقادين لحكمه ومذعنين لأمره وفيه ~~إيذان بأن كفرهم إنما كان بالجحود بعد ما علموا كونه من عند الله تعالى ~~وتلك الودادة يوم القيامة أو عند موتهم أو عند معاينة حالهم وحال المسلمين ~~أو عند رؤيتهم خروج عصاة المسلمين من النار وروى أبو موسى الأشعري رضي الله ~~عنه أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل ~~النار في النار ومعهم من شاء تعالى من أهل القبلة قال لهم الكفار ألستم ~~مسلمين قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا إلى النار ~~قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيغضب الله سبحانه لهم بفضل رحمته فيأمر ms1809 ~~بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يزال الرب ~~يرحم ويشفع إليه حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فعند ذلك يتمنون ~~الإسلام والحق أن ذلك محمول على شدة ودادتهم وأما نفس الودادة فليست بمختصة ~~بوقت دون وقت بل هي مقررة مستمرة في كل آن يمر عليهم وأن المراد بيان ذلك ~~على ما هو عليه من الكثرة وإنما جئ بصيغة التقليل جريا على سنن العرب فيما ~~يقصدون به الإفراط فيما يعكسون عنه تقول لبعض قواد العساكر كم عندك من ~~الفرسان فيقول رب فارس عندي أو لا تعدم عندي فارسا وعنده مقانب جمه من ~~الكتائب وقصده في ذلك التمارى في تكثير فرسانه ولكنه يريد إظهار براءته من ~~التزيد وإبراز أنه ممن يقلل لعلو الهمة كثير ما عنده فضلا عن تكثير القليل ~~وهذه الطريقة إنما تسلك إذا كان الأمر من الوضوح بحيث لا يحوم حوله شائبة ~~ريب فيصار إليه هضما للحق فدل النظم الكريم على ودادة الكافرين للإسلام في ~~كل آن من آنات اليوم الآخر وأن ذلك من الظهور بحيث لا يشتبه على أحد ولو جئ ~~بكلام يدل على ضده وعلى أن تلك الودادة مع كثرتها في نفسها مما يستقل ~~بالنسبة إلى جناب الكبرياء وهذا هو الموافق لمقام بيان حقارة شأن الكفار ~~وعد الاعتداد بما هم فيه من الكفر والتكذيب كما ينطق به قوله تعالى ذرهم ~~يأكلوا الآية أو ذهابا إلى الإشعار بأن من شأن العاقل إذا عن له أمر يكون ~~مظنون الحمد أو قليلا ما يكون كذلك أن لا يفارقه ولا يقارف ضده فكيف إذا ~~كان متيقن الحمد كما في قولهم لعلك ستندم على ما فعلت وربما ندم الإنسان ~~على ما فعل فإن المقصود ليس بيان كون الندم مرجو الوجود بلا تيقن به أو ~~قليل الوقوع بل التنبيه على أن العاقل لا يباشر ما يرجى فيه الندم أو يقل ms1810 ~~وقوعه فيه فكيف بقطعي الوقوع وأنه يكفى قليل الندم في كونه حاجزا عن ذلك ~~الفعل فكيف كثيرة والمقصود من سلوك هذه الطريقة إظهار الترفع والاستغناء عن ~~التصريح بالغرض بناء على ادعاء ظهوره فالمعنى لو كانوا يودون الإسلام مرة ~~واحدة لوجب عليهم أن لا يفارقوه فكيف وهم يودونه كل آن وهذا أوفق بمقام ~~استنزالهم عما هم عليه من الكفر وهذان طريقان متمايزان ذاتا ومقاما فمن ~~ظنهما واحدا فقد نأى عن توفية المقام حقه (ذرهم) دعهم عن النهي عما هم عليه ~~بالتذكرة والنصيحة إذ لا سبيل إلى إراعوائهم عن ذلك وبالغ في تخليتهم ~~وشأنهم بل مرهم بتعاطى ما يتعاطونه (يأكلوا ويتمتعوا) بدنياهم وفي تقديم ~~الأكل إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم بالمآكل PageV05P064 # والمشارب والمراد دوامهم على ذلك لا إحداثه فإنهم كانوا كذلك أو تمتعهم ~~بلا استماع ما ينغص عيشهم من القوارع والزواجر فإن التمتع على ذلك الوجه ~~أمر حادث يصلح أن يكون مترتبا على تخليتهم وشأنهم (ويلههم) ويشغلهم عن ~~اتباعك أو عن التفكر فيما هم يصيرون إليه أو عن الإيمان والطاعة فإن الأكل ~~والتمتع يفضيان إلى ذلك (الأمل) والتوقع لطول الأعمار وبلوغ الأوطار ~~واستقامة الأحوال وأن لا يلقوا في العاقبة والمآل إلا خيرا فالأفعال ~~الثلاثة مجزومة على الجوابية للأمر حسبما عرفت من تضمن الأمر بالترك للأمر ~~بها على طريقة المجاز أو على أن يكون المراد بالأفعال المرقومة مباشرتهم ~~لها غافلين عن وخامة عاقبتها غير سامعين لسوء مغبتها أصلا ولا ريب في ترتب ~~ذلك على الأمر بالترك فإن النهي عما هم عليه من ارتكاب القبائح مما يشوش ~~عليهم متعهم وينغص عليهم عيشهم فأمر عليه السلام بتركه ليتمرغوا فيما هم ~~فيه من حظوظهم فيدهمهم ما يدهمهم وهم عنه غافلون (فسوف يعلمون) سوء صنيعهم ~~أو وخامة عاقبته أو حقيقة الحال التي ألجأتهم إلى التمني المذكور حيث لم ~~يعلموا ذلك من جهتك وهو مع كونه وعيدا أيما وعيد وتهديدا غب تهديد تعليل ~~للأمر بالترك فإن علمهم ذلك علة لترك النهي والنصيحة لهم وفيه ms1811 إلزام للحجة ~~ومبالغة في الإنذار إذ لا يتحقق الأمر بالضد إلا بعد تكرر الإنذار وتقرر ~~الجحود والإنكار وكذلك ما ترتب عليه من الأكل والتمتع والإلهاء (وما ~~أهلكنا) شروع في بيان سر تأخير عذابهم إلى يوم القيامة وعدم نظمهم في سلك ~~الأمم الدارجة في تعجيل العذاب أي ما أهلكنا (من قرية) من القرى بالخسف بها ~~وبأهلها كما فعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها غب إهلاكهم كما فعل بآخرين ~~(إلا ولها) في ذلك الشأن (كتاب) أي أجل مقدر مكتوب في اللوح واجب المراعاة ~~بحيث لا يمكن تبديله لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له (معلوم) لا ينسى ولا ~~يغفل عنه حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر فكتاب مبتدأ خبره الظرف ~~والجملة حال من قرية فإنها لعمومها لا سيما بعد تأكده بكلمة من في حكم ~~الموصوفة كما أشير إليه والمعنى ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال ~~إلا حال أن يكون لها كتاب أي أجل موقت لمهلكها قد كتبناه لا نهلكها قبل ~~بلوغه معلوم لا يغفل عنه حتى يمكن مخالفته بالتقدم والتأخر أو مرتفع بالظرف ~~والجملة كما هي حال أي ما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا وقد ~~كان لها في حق هلاكها كتاب أي أجل مقدر مكتوب في اللوح معلوم لا يغفل عنه ~~أو صفة لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدل من المذكورة على ~~المختار فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة أي ما أهلكنا قرية من القرى إلا ~~قرية لها كتاب معلوم كما في قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ~~فإن قوله تعالى لا يسمن صفة لكن لا للطعام المذكور لأنه إنما يدل على ~~انحصار طعامهم الذي لا يسمن في الضريع وليس المراد ذلك بل للطعام المقدر ~~بعد إلا أي ليس لهم طعام من شيء من الأشياء إلا طعام لا يسمن فليس فيه فصل ~~بين الموصوف والصفة بكلمة إلا كما توهم وأما توسيط الواو بينهما ~~PageV05P065 # وإن كان القياس عدمه فللإيذان بكمال الالتصاق بينهما ms1812 من حيث إن الواو ~~شأنها الجمع والربط فإن ما نحن فيه من الصفة أقوى لصوقا بالموصوف منها به ~~في قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون فإن امتناع انفكاك ~~الإهلاك عن الأجل المقدر عقلي وعن الإنذار عادى جرى عليه السنة الإلهية ~~ولما بين أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين لهلاكهم لم يكن إلا حسبما ~~كان مكتوبا في اللوح بين أن كل أمة من الأمم منهم ومن غيرهم لها كتاب لا ~~يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه فقيل (ما تسبق من أمة ) من الأمم المهلكة ~~وغيرهم (أجلها) المكتوب في كتابها أي لا يجيء هلاكها قبل مجيء كتابها أولا ~~تمضي أمة قيل مضى أجلها فإن السبق إذا كان واقعا على زماني فمعناه المجاوزة ~~والتخليف فإذا قلت سبق زيد عمرا فمعناه أنه جاوزه وخلفه وراءه وإذا كان ~~واقعا على زمان كان الأمر بالعكس والسر في ذلك أن الزمان يعتبر فيه الحركة ~~والتوجه إلى المتكلم فما سبقه يتحقق قبل تحققه وأما الزماني فإنما يعتبر ~~فيه الحركة والتوجه إلى ما سيأتي من الزمان فالسابق ما تقدم إلى المقصد ~~وإيراده بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيراده بعنوان ~~الكتاب المعلوم باعتبار ما يوجبه من الإهلاك (وما يستأخرون) أي وما يتأخرون ~~وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له وإيثار صيغة المضارع في ~~الفعلين بعد ما ذكر نفي الإهلاك بصيغة الماضي لأن المقصود بيان دوامهما ~~واستمرارهما فيما بين الأمم الماضية والباقية وإسنادهما إلى الأمة بعد ~~إسناد الإهلاك إلى القرية لما أن السبق والاستئخار حال الأمة دون القرية مع ~~ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرهم ممن أخرت عقوباتهم إلى الآخرة ~~وتأخير ذكر عدم تأخرهم عن ذكر عدم سبقهم مع كون المقام مقام المبالغة في ~~بيان تحقق عذابهم إما باعتبار تقدم السبق في الوجود وإما باعتبار أن المراد ~~بيان سر تأخير عذابهم مع استحقاقهم لذلك وإيراد الفعل على صيغة جمع المذكر ~~للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصل ms1813 ولذلك حذف الجار والمجرور ~~والجملة مبينة لما سبق والمعنى أن تأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أشير ~~إليه ببيان ودادتهم للإسلام إذ ذاك وبالأمر بتركهم وشأنهم إلى أن يعلموا ~~حقيقة الحال إنما هو لتأخر أجلهم المقدر لما يقتضيه من الحكم البالغة ومن ~~جملتها ما علم الله تعالى من إيمان بعض من يخرج منهم إلى يوم القيامة ~~(وقالوا) شروع في بيان كفرهم بمن أنزل عليه الكتاب بعد بيان كفرهم بالكتاب ~~وما يؤول إليه حالهم والقائلون مشركو مكة لغاية تماديهم في العتو والغي ~~(يأبها الذي نزل عليه الذكر) خاطبوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تسليما لذلك واعتقادا له بل استهزاء به عليه الصلاة والسلام وإشعارا بعلة ~~حكمهم الباطل في قولهم (إنك لمجنون) كدأب فرعون إذ قال إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون يعنون يامن يدعى مثل هذا الأمر البديع الخارق للعادات إنك ~~بسبب تلك الدعوى أو بشهادة ما يعتريك عند ما تدعى أنه ينزل عليك لمجنون ~~PageV05P066 # وتقديم الجار والمجرور على القائم مقام الفاعل لأن إنكارهم متوجه إلى كون ~~النازل ذكرا من الله تعالى لا إلى كون المنزل عليه رسول الله بعد تسليم كون ~~النازل منه تعالى كما في قوله تعالى لولا نزيل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم فإن الإنكار هناك متوجه إلى كون المنزل عليه رسول الله تعالى ~~وإيراد الفعل على صيغة المجهول لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعل أو لتوجيه ~~الإنكار إلى كون التنزيل عليه لا إلى استناده إلى الفاعل (لو تأتينا) كلمة ~~لو عند تركبها مع ما تفيد ما تفيده عند تركبها مع لامن معنى امتناع الشيء ~~لوجود غيره ومعنى التحضيض خلا أنه عند إرادته لا يليها إلا فعل ظاهر أو ~~مضمر وعند إرادة المعنى الأول لا يليها إلا اسم ظاهر أو مقدر عند البصريين ~~والمراد ههنا هو الثاني أي هلا تأتينا (بالملائكة) يشهدون بصحة نبوتك ~~ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا أو ~~يعاقبوننا على التكذيب كما تأتي ms1814 الأمم المكذبة لرسلهم (إن كنت من الصادقين) ~~في دعواك فإن قدرة الله تعالى على ذلك مما لا ريب فيه وكذا احتياجك إليه في ~~تمشية أمرك فإنا لا نصدقك بدون ذلك أو إن كنت من جملة تلك الرسل الصادقين ~~الذين عذبت أممهم المكذبة لهم (ما ننزل الملائكة) بالنون على بناء الفعل ~~لضمير الجلالة من التنزيل وقرئ من الإنزال وقرئ تنزل مضارعا من التنزيل على ~~صيغة البناء للمفعول ومن التنزيل بحذف إحدى التاءين وما ضيا منه ومن ~~التنزيل ومن الثلاثي وهو كلام مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم جوابا لهم ~~عن مقالتهم المحكية وردا لاقتراحهم الباطل ولشدة استدعاء ذلك للجواب قدم ~~رده على ما هو جواب عن أولها أعني قوله إنا نحن نزلنا الذكر الآية كما فعل ~~في قوله تعالى قال إنما يأتيكم به الله فإنه مع كونه جوابا عن قولهم فائتنا ~~بما تعدنا قدم على قوله ولا ينفعكم نصحى الآية مع كونه جوابا عن أول كلامهم ~~الذي هو قولهم يا نوح قد جادلتنا لما ذكر من شدة اقتضائه للجواب وليكون أحد ~~الجوابين متصلا بالسؤال وفي العكس يلزم انفصال كل من الجوابين عن سؤاله ~~والعدول عن تطبيقه لظاهر كلامهم بصدد الاقتراح وهو أن يقال ما تأتيهم بهم ~~للإيذان بأنهم قد أخطئوا في التعبير حسبما أخطئوا في الاقتراح وأن الملائكة ~~لعلو رتبتهم أعلى من أن ينسب إليهم مطلق الإتيان الشامل للانتقال من أحد ~~الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصد ~~حركاتهم أولئك الكفرة وأن يدخلوا تحت ملكوت أحد من البشر وإنما الذي يليق ~~بشأنهم النزول من مقامهم العالي وكون ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب ~~الجليل (إلا بالحق) أي ملتبسا بالوجه الذي يحق ملابسة التنزيل به مما ~~تقتضيه الحكمة وتجرى به السنة الإلهية كقوله سبحانه وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم ~~وهم هم ومنزلتهم في الحقارة والهوان منزلتهم مما لا يكاد يدخل تحت الصحة ~~الحكمة أصلا فإن ms1815 ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير ~~الأنبياء الكرام من PageV05P067 # أفراد كمل المؤمنين فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئام وإنما الذي يدخل ~~في حقهم تحت الحكمة في الجملة هو التنزيل للتعذيب والاستئصال كما فعل ~~بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة (وما كانوا إذا ~~منتظرين) جزاء الشرط مقدر وفيه إيذان بإنتاج مقدماتهم لنقيض مطلوبهم كما في ~~قوله تعالى وإذن لا يلبثون خلافك إلا قليلا قال صاحب النظم لفظة إذن مركبة ~~من إذ وهو اسم بمعنى الحين تقول أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني ثم ضم إليه أن ~~فصار إذ أن ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها فمجيء لفظة أن دليل على إضمار فعل ~~بعدها والتقدير وما كانوا إذ أن كان ما طلبوه منظرين والمعنى لو نزلناهم ما ~~كانوا مؤخرين كدأب سائر الأمم المكذبة المستهزئة ومع استحقاقهم لذلك قد جرى ~~قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة حسبما أجمل في قوله تعالى ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل الخ وحال حائل الحكمة بينهم وبين استئصالهم ~~لتعلق العلم والإرادة بازديادهم عذابا وبإيمان بعض ذراريهم وأما نظم إيمان ~~بعضهم في سمط الحكمة فيأباه مقام بيان تماديهم في الكفر والفساد ولجاجهم في ~~المكابرة والعناد هذا هو الذي يستدعيه إعجاز التنزيل الجليل وأما ما قيل في ~~تعليل عدم موافقة التنزيل للحكمة من أنهم حينئذ يكونون مصدقين عن اضطرار أو ~~أنه لا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبسا أو أن ~~إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصول الفائدة بإنزالهم وقد علم الله ~~تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل إليهم الملائكة لبقوا مصرين على ~~كفرهم فيصير إنزالهم عبثا باطلا ولا يكون حقا فمع إخلال كل من ذلك بقطيعة ~~الباقي لا يلزم من فرض وقوع شيء من ذلك تعجيل العذاب الذي يفيده قوله تعالى ~~وما كانوا إذا منظرين هذا على تقدير كون اقتراحهم لإتيان الملائكة لأجل ~~الشهادة أما على تقدير كون ذلك لتعذيبهم فالمعنى إنا ما ننزل الملائكة ms1816 ~~للتعذيب غلا تنزيلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة حتما ~~بحيث لا محيد عنه ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك التنزيل ملتبسا ~~بمقتضى الحكمة الموجبة لتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لا رفقا بهم بل ~~تشديدا عليهم كما مر من قبل وحيث كان في نسبة تنزيلهم للتعذيب إلى عدم ~~موافقته الحكمة نوع إيهام لعدم استحقاقهم التعذيب عدل عما يقتضيه الظاهر ~~إلى ما عليه النظم الكريم فكأنه قيل لو نزلناهم ما كانوا منظرين وذلك غير ~~موافق للحكمة الموجبة لتأخير عذابهم لتشديد عقابهم وقيل المراد بالحق الوحي ~~وقيل العذاب فتدبر (إنا نحن نزلنا الذكر) رد لإنكارهم التنزيل واستهزائهم ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وتسلية له أي نحن بعظم شأننا وعلو ~~جنابنا نزلنا ذلك الذكر الذي أنكروه وأنكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك إلى ~~الجنون وعموا منزله حيث بنوا الفعل للمفعول إيماء إلى أنه أمر لا مصدر له ~~وفعل لا فاعل له (وإنا له لحافظون) من كل مالا يليق به فيدخل فيه تكذيبهم ~~له واستهزاؤهم به دخولا أوليا فيكون وعيدا للمستهزئين وأما الحفظ عن مجرد ~~التحريف والزيادة والنقص وأمثالها فليس بمقتضى المقام فالوجه الحمل على ~~الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه والمجادلة في حقيته ويجوز أن يراد ~~حفظه بالإعجاز دليلا على التنزيل من عنده تعالى إذ لو كان من عند ~~PageV05P068 # غير الله لتطرق عليه الزيادة والنقص والاختلاف وفي سبك الجملتين من ~~الدلالة على كمال الكبرياء والجلالة وعلى فخامة شأن التنزيل مالا يخفى وفي ~~إيراد الثانية بالجملة الأسمية دلالة على دوام الحفظ والله سبحانه أعلم ~~وقبل الضمير المجرور للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى والله يعصمك من ~~الناس وتأخير هذا الكلام وإن كان جوابا عن أول كلامهم الباطل ردا له لما ~~ذكر آنفا ولارتباطه بما يعقبه من قوله تعالى (ولقد أرسلنا) أي رسلا وإنما ~~لم يذكر لدلالة ما بعده عليه (من قبلك) متعلق بأرسلنا أو بمحذوف هو نعت ~~للمفعول المحذوف أي رسلا كائنة من قبلك (في شيع الأولين) ms1817 أي فرقهم وأحزابهم ~~جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريقة ومذهب من شاعه إذا تبعه وإضافته إلى ~~الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء ومن حذف الموصوف عند ~~البصريين أي شيع الأمم الأولين ومعنى إرسالهم فيهم جعل كل منهم رسولا فيما ~~بين طائفة منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين (وما يأتيهم من ~~رسول) المراد نفي إتيان كل رسول لشيعته الخاصة به لا نفي إتيان كل رسول لكل ~~واحدة من تلك الشيع جميعا أو على سبيل البدل وصيغة الاستقبال لاستحضاره ~~الصورة على طريقة حكاية الحال الماضية فإن مالا تدخل في الأغلب على مضارع ~~إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال أي ما أتى شيعة ~~من تلك الشيع رسول خاص بها (إلا كانوا به يستهزءون) كما يفعله هؤلاء الكفرة ~~والجملة في محل النصب على أنها حال مقدرة من ضمير المفعول في يأتيهم إذا ~~كان المراد بالإتيان حدوثه أو في محل الرفع على أنها صفة رسول فإن محله ~~الرفع على الفاعلية أي إلا رسول كانوا به يستهزءون وأما الجر على أنها صفة ~~باعتبار لفظه فيفضي إلى زيادة من الإستغراقية في الإثبات ويجوز أن يكون ~~منصوبا على الوصفية بأن يقدر الموصوف منصوبا على الاستثناء وإن كان المختار ~~الرفع على البدلية وهذا كما ترى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~هذه عادة الجهال مع الأنبياء عليهم السلام وحيث كان الرسول مصحوبا بكتاب من ~~عند الله تعالى تضمن ذكر استهزائهم بالرسول استهزاءهم بالكتاب ولذلك قيل ~~(كذلك) إشارة إلى ما دل عليه الكلام السابق من إلقاء الوحي مقرونا ~~بالاستهزاء أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم ~~وبما جاءوا به من الكتب (نسلكه) أي الذكر (في قلوب المجرمين) أي أهل مكة أو ~~جنس المجرمين فيدخلون فيه دخولا أوليا ومحله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف ~~أو حال منه أي نسلكه سلكا مثل ذلك السلك أو نسلك السلك حال كونه مثله أي ms1818 ~~مقرونا بالاستهزاء غير مقبول لما تقضيه الحكمة فإنهم من أهل الخذلان ليس ~~لهم استحقاق لقبول الحق وصيغة المضارع لكون المشبه به مقدرا في الوجود وهو ~~السلك الواقع في الأمم السالفة أو للدلالة على استحضار الصورة والسلك إدخال ~~الشيء في آخر يقال سلكت الخيط في الإبرة PageV05P069 # والرمح في المطعون (لا يؤمنون به) أي بالذكر حال من ضمير نسلكه أي غير ~~مؤمن به أو بيان للجملة السابقة فلا محل لها وقد جعل الضمير للاستهزاء ~~فيتعين البيانية إلا أن يجعل الضمير المجرور أيضا له على أن الباء للملابسة ~~أي نسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسته والحال إما ~~مقدرة أو مقارنة للإيذان بأن كفرهم مقارن للإلقاء كما في قوله تعالى فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به (وقد خلت سنة الأولين) أي قد مضت طريقتهم التي ~~سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء وهو ~~استئناف جئ له تكملة للتسلية وتصريحا بالوعيد والتهديد (ولو فتحنا عليهم) ~~أي على هؤلاء المقترحين المعاندين (بابا من السماء) أي بابا ما لا بابا ~~أبوابها المعهودة كما قيل ويسرنا لهم الرقي والصعود إليه (فظلوا فيه) في ~~ذلك الباب (يعرجون) بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عيانا كما ~~يفيده الظلول أو فظل الملائكة الذين اقترحوا إتيانهم يعرجون في ذلك الباب ~~وهم يرونه عيانا مستوضحين طول نهارهم (لقالوا) لفرط عنادهم وغلوهم في ~~المكابرة وتفاديهم عن قبول الحق (إنما سكرت أبصارنا) أي سدت من الإحساس من ~~السكر كما يدل عليه القراءة بالتخفيف أو حيرت كما يعضده قراءة من قرأ سكرت ~~أي حارت (بل نحن قوم مسحورون) قد سخرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوه ~~عند ظهور سائر الآيات الباهرة وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على أنهم ~~يبتون القول بذلك وأن ما يرونه لا حقيقة له وإنما هو أمر خيل إليهم بالسحر ~~وفي اسمية الجملة الثانية دلالة على دوام مضمونها وإيرادها بعد تسكير ~~الأبصار لبيان إنكارهم لغير ما يرونه فإن عروج كل منهم إلى ms1819 السماء وإن كان ~~مرئيا لغيره فهو معلوم بطريق الوجدان مع قطع النظر عن الإبصار فهم يدعون أن ~~ذلك نوع آخر من السحر غير تسكير الأبصار (ولقد جعلنا في السماء بروجا) ~~قصورا ينزلها السيارات وهي البروج الإثنا عشر المشهورة المختلفة الهيئات ~~والخواص حسبما يدل عليه الرصد والتجربة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة ~~السماء والجعل إن جعل بمعنى الخلق والإبداع وهو الظاهر فالجار متعلق به وإن ~~جعل بمعنى التصيير فهو مفعول ثان له متعلق بمحذوف أي جعلنا بروجا كائنة في ~~السماء (وزيناها) أي السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والكواكب سيارات ~~كانت أو ثوابت (للناظرين) إليها فمعنى التزيين ظاهر أو للمتفكرين المعتبرين ~~المستدلين بذلك على قدرة مقدرها وحكمة مدبرها فتزيينها ترتيبها على نظام ~~بديع مستتبع للآثار الحسنة (وحفظناها من كل PageV05P070 # شيطان رجيم) مرمي بالنجوم فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس في أهلها ويتصرف ~~فيها ويقف على أحوالها (إلا من استرق السمع) محله النصب على الاستثناء ~~المتصل إن فسر الحفظ بمنع الشياطين عن التعرض لها على الإطلاق والوقوف على ~~ما فيها في الجملة أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع عن دخولها والتصرف فيها عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى ~~عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم منعوا ~~من السماوات كلها واستراق السمع اختلاسه سرا شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان ~~السماوات بما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من الأوضاع ~~(فأتبعه) أي تبعه ولحقه (شهاب) لهب محرق وهو شعلة نار ساطعة وقد يطلق على ~~الكواكب والسنان لما فيهما من البريق (مبين) ظاهر أمره للمبصرين قال معمر ~~قلت لابن شهاب الزهري أكان يرمي بالنجوم في الجاهلية قال نعم وإن النجم ~~ينقض ويرمي به الشيطان فيقتله أو يخبله لئلا يعود إلى استراق السمع ثم يعود ~~إلى مكانه قال أفرأيت قوله تعالى وأنا كنا نقعد منها مقاعد الآية قال غلظت ~~وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه ms1820 وسلم قال ابن قتيبة إن الرجم ~~كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن في شدة الحراسة كما بعد ~~مبعثه صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما إن الشياطين يركب ~~بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب ~~فلا يخطئ أبدا فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله ~~تعالى ومنهم من يخبله فيصير غولا فيضل الناس في البوادي قال القرطبي ~~اختلفوا في أن الشهاب هل يقتل أم لا قال ابن عباس رضي الله عنهما يجرح ~~ويحرق ويخبل ولا يقتل وقال الحسن وطائفة يقتل قال والأول أصح (والأرض ~~مددناها) بسطناها وهو بالنصب على الحذف على شريطة التفسير ولم يقرأ بالرفع ~~لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية أعني قوله تعالى ولقد جعلنا الخ ~~وليوافق ما بعده أعني قوله تعالى (وألقينا فيها رواسي) أي جبالا ثوابت وقد ~~مر بيانه في أول الرعد (وأنبتنا فيها) أي في الأرض أو فيها وفي رواسيها (من ~~كل شيء موزون) بميزان الحكمة ذاتا وصفة ومقدارا وقيل ما يوزن من الذهب ~~والفضة وغيرهما أو من كل شيء مستحسن مناسب أو ما يوزن ويقدر من أبواب ~~النعمة (وجعلنا لكم فيها معايش) ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما ~~مما يتعلق به البقاء وهي بياء صريحة وقرئ بالهمزة تشبيها له بالشمائل (ومن ~~لستم له برازقين) عطف على معايش أو على محل لكم كأنه قيل جعلنا لكم معايش ~~وجعلنا لكم من لستم برازقيه من العيال والمماليك والخدم والدواب وما أشبهها ~~على طريقة التغليب وذكرهم بهذا العنوان لرد حسبانهم أنهم يكفون مؤناتهم ~~ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم أو وجعلنا لكم فيها معايش ~~ولمن لستم له برازقين PageV05P071 # (وإن من شيء) إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشئ في محل الرفع على الابتداء ~~أي ما من شيء من الأشياء الممكنة فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا (إلا عندنا ~~خزائنه) الظرف خبر للمبتدأ وخزائنه مرتفع به على أنه فاعله لاعتماده أو ms1821 خبر ~~له والجملة خبر للمبتدأ الأول والخزائن جمع الخزانة وهي ما يحفظ فيه نفائس ~~الأموال لا غير غلب في العرف على ما للملوك والسلاطين من خزائن أرزاق الناس ~~شبهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر المندرجة تحت قدرته الشاملة في كونها ~~مستورة عن علوم العالمين ومصونة عن وصول أيديهم مع كمال افتقارهم إليها ~~ورغبتهم فيها وكونها مهيأة متأتية لإيجاده وتكوينه بحيث متى تعلقت الإرادة ~~بوجودها وجدت بلا تأخر بنفائس الأموال المخزونة في الخزائن السلطانية فذكر ~~الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية (وما ننزله) أي ما نوجد وما نكون ~~شيئا من تلك الأشياء ملتبسا بشيء من الأشياء (إلا بقدر معلوم) أي إلا ~~ملتبسا بمقدار معين تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيئة التابعة لها لا بما ~~تقتضيه القدرة فإن ذلك غير متناه فإن تخصيص كل شيء بصفة معينة وقدر معين ~~ووقت محدود دون ما عدا ذلك مع استواء الكل في الإمكان واستحقاق تعلق القدرة ~~به لا بد له من حكمة تقتضي اختصاص كل من ذلك بما اختص به وهذا البيان سر ~~عدم تكوين الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في خزائن القدرة وهو إما عطف ~~على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ أو حال مما سبق أي عندنا خزائن كل شيء ~~والحال أنا ما ننزله إلا بقدر معلوم فالأول لبيان سعة القدرة والثاني لبيان ~~بالغ الحكمة وحيث كان إنشاء ذلك بطريق التفضل من العالم العلوي إلى العلم ~~السفلي كما في قوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وكان ذلك ~~بطريق التدريج عبر عنه بالتنزيل وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار ~~(وأرسلنا الرياح) عطف على جعلنا لكم فيها معايش وما بينهما اعتراض لتحقيق ~~ما سبق وترشيح ما لحق أي أرسلنا الرياح (لواقح) أي حوامل شبهت الريح التي ~~تجيء بالخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه بالعقيم مالا يكون كذلك أو ~~ملقحات بالشجر والسحاب ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله [ومختبط مما ~~تطيح الطوائح] أي المهلكات وقرئ وأرسلنا الريح على إرادة الجنس (فأنزلنا من ~~السماء) بعد ما أنشأنا ms1822 بتلك الرياح سحابا ماطرا (ماء فأسقيناكموه) أي ~~جعلناه لكم سقيا وهو أبلغ من سقيناكموه لما فيه من الدلالة على جعل الماء ~~معدا لهم ينتفعون به متى شاءوا (وما أنتم له بخازنين) نفي عنهم ما أثبته ~~لجنابه بقوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه كأنه قيل نحن القادرون على ~~إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين وقيل ما أنتم ~~بخازنين له بعد ما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزنه فيها ~~ليجعلها سقيا لكم مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور (وإنا لنحن نحي) بإيجاد ~~الحياة في بعض الأجسام القابلة لها PageV05P072 # (ونميت) بإزالتها عنها وقد يعمم الإحياء والإماتة لما يشمل الحيوان ~~والنبات وتقديم الضمير للحصر وهو إما تأكيد للأول أو مبتدأ خبره الفعل ~~والجملة خبر لأنا ولا يجوز كونه ضمير الفصل لا لأن اللام مانعة من ذلك كما ~~قيل فإن النجاة جوزوا دخول لام التأكيد على ضمير الفصل كما في قوله تعالى ~~إن هذا لهو القصص الحق بل لأنه لم يقع بين اسمين (ونحن الوارثون) أي ~~الباقون بعد فناء الخلق قاطبة المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك ~~المجازى الحاكمون في الكل أولا وآخرا وليس لهم إلا التصرف الصوري والملك ~~المجازى وفيه تنبيه على أن المتأخر ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر ~~الحال (ولقد علمنا المستقدمين منكم) من تقدم منكم ولادة وموتا (ولقد علمنا ~~المستأخرين) من تأخر ولادة وموتا أو من خرج من أصلاب الآباء ومن لم يخرج ~~بعد أو من تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ومن تأخر في ذلك لا ~~يخفى علينا شيء من أحوالكم وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال ~~قدرته فإن ما يدل عليها دليل عليه وفي تكرير قوله تعالى ولقد علمنا مالا ~~يخفى من الدلالة على كمال التأكيد وقيل رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت وقيل إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتقدم بعض الناس لئلا يراها ms1823 وتأخر آخرون ليروها ~~فنزلت والأول هو المناسب لما سبق وما لحق من قوله تعالى (وإن ربك هو ~~يحشرهم) أي للجزاء وتوسيط ضمير العظمة للدلالة على أنه هو القادر على حشرهم ~~والمتولى له لا غير لأنهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون من يحي ~~العظام وهي رميم أي هو يحشرهم لا غير وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبية ~~إشعارا بعلة الحكم وفي الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم دلالة على ~~اللطف به عليه الصلاة والسلام (إنه حكيم) بالغ الحكمة متقن في أفعاله فإنها ~~عبارة عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والإتيان بالأفعال على ما ~~ينبغي (عليم) وسع علمه كل شيء ولعل تقديم صفة الحكمة للإيذان باقتضائها ~~للحشر والجزاء (ولقد خلقنا الإنسان) أي هذا النوع بأن خلقنا أصله وأول فرد ~~من أفراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر أفراده انطواء إجماليا كما مر ~~تحقيقه في سورة الأنعام (من صلصال) من طين يابس غير مطبوخ يصلصل أي يصوت ~~عند نقره قيل إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل وإن توهمت فيه ترجيعا فهو ~~صلصلة وقيل هو تضعيف صل إذا أنتن (من حمأ) من طين تغير واسود بطول مجاورة ~~الماء وهو صفة لصلصال أي من صلصال كائن من حمأ (مسنون) أي مصور من سنة ~~الوجه وهي صورته أو مصبوب من سن الماء صبه أي مفرغ على هيئة الإنسان كما ~~يفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب وقيل منتن فهو صفة لحمأ وعلى ~~الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال وإنما أخر عن حمأ تنبيها على أن ابتداء ~~PageV05P073 # مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا بل في حال كونه حمأ كأنه سبحانه أفرغ ~~الحمأ فصور من ذلك تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صوت ثم غيره إلى جوهر ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (والجان) أبا الجن وقيل إبليس ويجوز أن يراد ~~به الجنس كما هو الظاهر من الإنسان لأن تشعب الجنس لما كان من فرد واحد ~~مخلوق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها ms1824 وقرئ بالهمزة وانتصابه ~~بفعل يفسره (خلقناه) وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية (من قبل) ~~من قبل خلق الإنسان ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين ~~وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله منكم للكل (من نار السموم) من نار الحر ~~الشديد النافذ في المسام ولا امتناع من خلق الحياة من الأجرام البسيطة كما ~~لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة فضلا عن الأجسام المؤلفة التي غالب ~~أجزائها الجزء الناري فإنها أقبل لها من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي ~~وقوله تعالى من نار باعتبار الغالب كقوله تعالى خلقكم من تراب ومساق الآية ~~الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين ~~فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول ~~المواد للجمع والإحياء (وإذ قال ربك) نصب بإضمار اذكر وتذكير الوقت لما مر ~~مرارا من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث وفي التعرض لوصف ~~الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئا فشيئا مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعارا بعلة الحكم وتشريف له عليه ~~الصلاة والسلام أي اذكر وقت قوله تعالى (للملائكة إني خالق) فيما سيأتي ~~وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له البتة من ~~غير صارف يثنيه ولا عاطف يلويه (بشرا) أي إنسانا قيل ليس هذا عين العبارة ~~الجارية وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم إني خالق خلقا من صفته ~~كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم وقيل جسما كثيفا يلاقي ويباشر ~~وقيل خلقا بادي البشر بلا صوف ولا شعرة (من صلصال) متعلق بخالق أو بمحذوف ~~وقع صفة لمفعوله أي بشرا كائنا من صلصال كائن (من حمأ مسنون) تقدم تفسيره ~~ولا ينافي هذا ما في قوله تعالى في سورة ص من قوله بشرا من طين فإن عدم ~~التعرض عند الحكاية لوصف الطين من التغير والأسود ولما ورد عليه من آثار ~~التكوين لا يستلزم عدم التعرض ms1825 لذلك عند وقوع المحكي غايته أنه لم يتعرض له ~~هناك اكتفاء بما شرح ههنا (فإذا سويته) أي صورته بالصورة الإنسانية والخلقة ~~البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه (ونفخت فيه من روحي) النفخ إجراء ~~الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ ~~وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فإذا ~~كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري PageV05P074 # (فقعوا له) من وقع يقع وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء ~~كما قيل أي أسقطوا له (ساجدين) تحية له وتعظيما أو اسجدوا لله تعالى على ~~أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته ~~تعالى وحكمته كقول حسان رضي الله تعالى عنه * أليس أول من صلى قبلتكم * ~~وأعلم الناس بالقرآن والسنن * (فسجد الملائكة) أي فخلقه فسواه فنفخ فيه ~~الروح فسجد الملائكة (كلهم) بحيث لم يشذ منهم أحد (أجمعون) بحيث لم يتأخر ~~في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده ~~التأكيد أيضا فإن الاشتقاق الواضح يرشد إلى أن فيه معنى الجمع والمعية بحسب ~~الوضع والأصل في الخطاب التنزيل على أكمل أحوال الشيء ولا ريب في أن السجود ~~معا أكمل أصناف السجود لكن شاع استعماله تأكيدا وأقيم مقام كل من إفادة ~~معنى الإحاطة من غير نظر إلى الكمال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر لم يكن ~~بد من مراعاة الأصل صونا للكلام عن الإلغاء وقيل أكد بتأكيدين مبالغة في ~~التعميم هذا وأما أن سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى من الأمر التعليقي كما ~~تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة ص أو على الأمر التنجيزى كما ~~يستدعيه ما في غيرهما فقد خرجنا بفضل الله عز وجل عن عهدة تحقيقه في تفسير ~~سورة البقرة (إلا إبليس) استثناء متصل إما لأنه كان جنيا مفردا مغمورا ~~بألوف من الملائكة فعد منهم تغليبا وإما لأن من الملائكة جنسا يتوالدون ms1826 وهو ~~منهم وقوله تعالى (أبى أن يكون من الساجدين) استئناف مبين لكيفية عدم ~~السجود المفهوم من الاستثناء فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد وبه ~~علم أنه مع الإباء والاستكبار أو منقطع فيتصل به ما بعده أي لكن إبليس أبى ~~أن يكون معهم وفيه دلالة على كمال ركاكة رأيه حيث أدمج في معصية واحدة ثلاث ~~معاص مخالفة الأمر والاستكبار مع تحقير آدم عليه الصلاة والسلام ومفارقة ~~الجماعة والإباء عن الإنتظام في سلك أولئك المقربين الكرام (قال) استئناف ~~مبنى على سؤال من قال فماذا قال الله تعالى عند ذلك فقيل قال (يا إبليس ~~مالك) أي أي سبب لا أي غرض لك كما قيل لقوله تعالى ما منعك (ألا تكون) في ~~أو لا تكون (مع الساجدين) لآدم مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرف منزلتهم وما ~~كان التوبيخ عند وقوعه لمجرد تخلفه عنهم بل لكل من المعاصي الثلاث المذكورة ~~قال تعالى في سورة الأعراف قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك وفي سورة ص قال ~~يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ولكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن ~~على ما ذكر فيه اجتزاء بما ذكر في موطن آخر وإشعارا بأن كل واحدة من تلك ~~المعاصي الثلاث كافية في التوبيخ وإظهار بطلان ما ارتكبه وقد تركت حكاية ~~التوبيخ رأسا في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه ~~PageV05P075 # (قال) أي إبليس وهو أيضا استئناف مبنى على السؤال الذي ينساق إليه الكلام ~~(لم أكن لأسجد) اللام لتأكيد النفي أي ينافي حالي ولا يستقيم مني لأني ~~مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها أن أسجد (لبشر) أي جسم كثيف (خلقته من صلصال ~~من حمأ مسنون) اقتصر ههنا على الإشارة الإجمالية إلى ادعاء الخيرية وشرف ~~المادة اكتفاء بما صرح به حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ~~ولم يكتف اللعين بمجرد ذكر كونه عليه الصلاة والسلام من التراب الذي هو أخس ~~العناصر وأسفلها بل تعرض لكونه مخلوقا منه في ms1827 أخس أحواله من كونه طينا ~~متغيرا وقد اكتفى في سورة الأعراف وسورة ص بما حكى عنه ههنا فاقتصر على ~~حكاية تعرضه لخلقه عليه الصلاة والسلام من طين وكذا في سورة بني إسرائيل ~~حيث قيل أأسجد لمن خلقت طينا وفي جوابه دليل على أن قوله تعالى مالك ليس ~~استفسار عن الغرض بل هو استفسار عن السبب وفي عدوله عن تطبيق جوابه على ~~السؤال روم للتفصي عن المناقشة وأني له ذلك كأنه قال لم أمتنع عن امتثال ~~الامر ولا عن الانتظام في سلك الملائكة بل عما لا يليق بشأني من الخضوع ~~للمفضول ولقد جرى خذله الله تعالى على سنن قياس عقيم وزل عنه أن ما يدور ~~عليه فلك الفضل والكمال هو التحلي بالمعارف الربانية والتخلي عن الملكات ~~الردية التي أقبحها الكبر والاستعصاء على أمر رب العالمين جلا جلاله (قال ~~فأخرج منها) أي من زمرة الملائكة المعززين لا من السماء فإن وسوسته لآدم ~~عليه الصلاة والسلام في الجنة إنما كانت بعد هذا الطرد وقوله تعالى فاهبط ~~منها ليس نصافي ذلك فإن الخروج من بين الملأ الأعلى هبوط وأي هبوط أو من ~~الجنة على أن وسوسته كانت بطريق النداء من بابها كما روى عن الحسن البصري ~~أو بطريق المشافهة بعد أن احتال في دخولها وتوسل إليه بالحية كما روى عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولا ينافي هذا طرده على رؤوس الأشهاد لما ~~يقتضيه من الحكم البالغة (فإنك رجيم) مطرود من كل خير وكرامة فإن من يطرد ~~يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته فإن من ~~عارض النص بالقياس فهو رجيم ملعون (وأن عليك اللعنة) الإبعاد عن الرحمة ~~وحيث كان ذلك من جهة الله سبحانه وإن كان جاريا على السنة العباد قيل في ~~سورة ص وإن عليك لعنتي (إلى يوم الدين) إلى يوم الجزاء والعقوبة وفيه ~~إشعارا بتأخير عقابه وجزائه إليه وأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء ~~لفعله وإنما يتحقق ذلك يومئذ وفيه من التهويل مالا يوصف ms1828 وجعل ذلك أقصى أمد ~~اللعنة ليس لأنها تنقطع هنالك بل لأنه عند ذلك يعذب بما ينسى به اللعنة من ~~أفانين العذاب فتصير هي كالزائل وقيل إنما حدت به لأنه ابعد غاية يضربها ~~الناس كقوله تعالى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وحيث أمكن كون ~~تأخير العقوبة مع الموت PageV05P076 # كسائر من أخرت عقوباتهم إلى الآخرة من الكفرة طلب اللعين تأخير موته كما ~~حكى عنه بقوله تعالى (قال ربي فأنظرني) أي أمهلني وأخرني ولا تمتنى والفاء ~~متعلق بمحذوف ينسحب عليه الكلام أي إذ جعلتني رجيما فأمهلني (إلى يوم ~~يبعثون) أي أدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم ~~ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت لاستحالته بعد يوم البعث (قال فإنك من ~~المنظرين) ورود الجواب بالجملة الأسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على ~~وجه يؤذن بكون السائل تبعا لهم في ذلك دليل على أنه إخبار بالإنظار المقدر ~~لهم أزلالا إنشاء فإنظار خاص به وقع إجابة لدعائه أي إنك من جملة الذين ~~أخرت آجالهم أزلا حسبما تقتضيه حكمة التكوين فالفاء ليست لربط نفس الإنظار ~~بالاستنظار بل لربط الإخبار المذكور به كما في قوله * فإن ترحم فأنت لذاك ~~أهل * فإنه لا إمكان لجعل الفاء فيه لربط ما فيه تعالى من الأهلية القديمة ~~للرحمة بوقوع الرحمة الحادثة بل هي لربط الإخبار بتلك الأهلية للرحمة ~~بوقوعها وأن استنظاره كان طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه من جملتهم لا ~~لتأخير العقوبة كما قيل ونظمه في ذلك في سلك من أخرت عقوبتهم إلى الآخرة في ~~علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحق من الثقلين لا يلائم مقام الاستنظار ~~مع الحياة ولأن ذلك التأخير معلوم من إضافة اليوم إلى الدين مع إضافته في ~~السؤال إلى البعث كما عرفته وفي سورة الأعراف قال أنظرني إلى يوم يبعثون ~~قال إنك من المنظرين يترك التوقيت والنداء والفاء في الاستنظار والإنظار ~~تعويلا على ما ذكر ههنا وفي سورة ص فإن إيراد كلام واحد على أساليب متعددة ~~غير عزيز ms1829 في الكتاب العزيز وأما أن كل أسلوب من أساليب النظم الكريم لا بد ~~أن يكون له مقام يقتضيه مغاير لمقام غيره وأن ما حكى من اللعين إنما صدر ~~عنه مرة وكذا جوابه لم يقع إلا دفعة فمقام المحاورة إن اقتضى أحد الأساليب ~~المذكورة فهو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى طبقة الإعجاز وما عداه قاصر ~~عن رتبة البلاغة فضلا عن الارتقاء إلى معالم الإعجاز فقد مر تحقيقه بتوفيق ~~الله تعالى في سورة الأعراف (إلى يوم الوقت المعلوم) وهو وقت النفخة الأولى ~~التي علم أنه يصعق عندها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~تعالى ويجوز أن يكون المراد بالأيام واحدا والاختلاف في العبارات لاختلاف ~~الاعتبارات فالتعبير بيوم البعث لأن غرض اللعين به يتحقق وبيوم الدين لما ~~ذكر من الجزاء بيوم الوقت المعلوم لما ذكر أو لاستئثاره تعالى بعلمه فلعل ~~كلا من هلاك الخلق جميعا وبعثهم وجزائهم في يوم واحد يموت اللعين في أوله ~~ويبعث في أواسطه ويعاقب في بقيته يروى أن بين موته وبعثه أربعين سنة من سنى ~~الدنيا مقدار ما بين النفختين ونقل عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى أنه ~~قال قدمت المدينة أريد أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه فإذا أنا ~~بحلقة عظيمة وكعب الأحبار فيها يحدث PageV05P077 # الناس وهو يقول لما حضر آدم عليه الصلاة والسلام الوفاة قال يا رب سيشمت ~~بي عدوي إبليس إذا رآني ميتا وهو منظر إلى يوم القيامة فأجيب أن يا آدم إنك ~~سترد إلى الجنة ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعدد الأولين ~~والآخرين ثم قال لملك الموت صف كيف تذيقه الموت فلما وصفه قال يا رب حسبي ~~فضج الناس وقالوا يا ابا إسحق كيف ذلك فأبى فألحوا فقال يقول الله سبحانه ~~لملك الموت عقيب النفخة الأولى قد جعلت فيك قوة أهل السماوات السبع وأهل ~~الأرضين السبع وإني ألبستك اليوم أثواب السخط والعضب كلها فانزل بغضبي ~~وسطوتي على رجيمي إبليس فأذقته الموت واحمل عليه فيه مرارة الأولين ~~والآخرين ms1830 من الثقلين اضعافا مضاعفة وليكن معك من الزبانية سبعون ألفا قد ~~امتلأوا غيظا وغضبا وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من أغلالها ~~وانزع روحه المنتن بسبعين ألف كلاب من كلاليبها وناد مالكا ليفتح أبواب ~~النيران فينزل ملك الموت بصورة لو نظر إليها أهل السماوات والأرضين لماتوا ~~بغتة من هولها فينتهي إلى إبليس فيقول قف لي يا خبيث لأذيقنك الموت كم من ~~عمر أدركت وقرون أضللت وهذه هو الوقت المعلوم قال فيهرب اللعين إلى المشرق ~~فإذا هو بملك الموت بين عينيه فيهرب إلى المغرب فإذا هو به بين عينيه فيغوص ~~البحار فتنز منه البحار فلا تقبله فلا يزال يهرب في الأرض ولا محيص له ولا ~~ملاذ ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدم ويتمرغ في التراب من المشرق إلى ~~المغرب ومن المغرب إلى المشرق حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط فيه آدم ~~عليه الصلاة والسلام وقد نصبت له الزبانية الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة ~~احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب ويبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء ~~الله تعالى ويقال لآدم وحواء اطلعا اليوم إلى عدو كما كيف يذوق الموت ~~فيطلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان ربنا أتممت علينا ~~نعمتك (قال رب بما أغويتني) الباء للقسم وما مصدرية والجواب (لأزينن لهم) ~~أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي (في الأرض) أي في الدنيا التي هي ~~دار الغرور كقوله تعالى أخلد إلى الأرض وإقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه ~~وقهره لا ينافي إقسامه بهذا فإنه فرع من فروعها وأثر من آثارها فلعله أقسم ~~بهما جميعا فحكى تارة فسمه بهذا وأخرى بذاك أو للسببية وقوله لأزينن جواب ~~قسم محذوف والمعنى بسبب تسببك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم مثل ما فعلت بي من ~~التسبب لإغوائهم بتزيين المعاصي وتسويل الأباطيل والمعتزلة أولوا الإغواء ~~بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه الصلاة ~~والسلام واعتذروا عن إمهال الله تعالى وتسليطه له على إغواء بني آدم بأنه ~~تعالى قد علم ms1831 منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل ~~أم لم يمهل وأن في إمهاله تعريضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب ~~(ولأغوينهم أجمعين) لأحملنهم على الغواية (إلا عبادك منهم المخلصين) الذين ~~أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب PageV05P078 # فلا يعمل فيهم كيدي وقرئ بكسر اللام أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى ~~(قال هذا صراط) أي حق (على) أن أراعيه (مستقيم) لا عوج فيه والإشارة إلى ما ~~تضمنه الاستثناء وهو تخلص المخلصين من إغوائه أو الإخلاص على معنى أنه طريق ~~يؤدى إلى الوصول إلى من غير اعوجاج وضلال والأظهر أن ذلك لما وقع في عبارة ~~إبليس حيث قال لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم الآية وقرئ على من علو الشرف (إن عبادي) وهم المشار إليهم بالمخلصين ~~(ليس عليك سلطان) تسلط وتصرف بالإغواء (إلا من اتبعك من الغاوين) وفيه مع ~~كونه تحقيقا لما قاله اللعين تفخيم لشأن المخلصين وبيان لمنزلتهم ولانقطاع ~~مخالب الإغواء عنهم وأن إغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان بل بطريق اتباعهم ~~له بسوء اختيارهم (وإن جهنم لموعدهم) أي موعد المتبعين أو الغاوين والأول ~~أنسب وأدخل في الزجر عن اتباعه وفيه دلالة على أن جهنم مكان الوعد وأن ~~الموعود مما لا يوصف في الفظاعة (أجمعين) تأكيد للضمير أو حال والعامل فيه ~~الموعد إن جعل مصدرا على تقدير المضاف أو معنى الإضافة إن جعل اسم مكان ~~(لها سبعة أبواب) يدخلونها لكثرتهم أو سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في ~~الغواية والمتابعة وهي جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ~~ثم الهاوية (لكل باب منهم) من الأتباع أو الغواة (جزء مقسوم) حزب معين مفرز ~~من غيره حسبما يقتضيه استعداده فأعلاها للموحدين والثانية لليهود والثالثة ~~للنصارى والرابعة للصابئين والخامسة للمجوس والسادسة للمشركين والسابعة ~~للمنافقين وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن جهنم لمن ادعى الربوبية ~~ولظى لعبدة النار والحطمة لعبدة الأصنام وسقر لليهود والسعير للنصارى ~~والجحيم للصابئين والهاوية للموحدين ولعل حصرها في السبع لانحصار المهلكات ms1832 ~~في المحسوسات بالحواس الخمس ومقتضيات القوة الشهوية والغضبية وقرئ بضم ~~الزاي وبحذف الهمزة وإلقاء حركتها إلى ما قبلها مع تشديدها في الوقف والوصل ~~ومنهم حال من جزء أو من ضميره في الظرف لا في مقسوم لأن الصفة لا تعمل فيما ~~تقدم موصوفها (إن المتقين) من اتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفر (في ~~جنات وعيون) أي مستقرون فيها خالدين لكل واحد منهم جنة وعين منهما كقوله ~~تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان وقرئ بكسر العين حيث وقع في القرآن العظيم ~~PageV05P079 # (ادخلوها) على إرادة القول أمرا من الله تعالى لهم بالدخول وقرئ أدخلوها ~~أمرا منه تعالى للملائكة بإدخالهم وقرأ الحسن أدخلوها مبنيا للمفعول على ~~صيغة الماضي من الإدخال (بسلام) ملتبسين بسلام أي سالمين أو مسلما عليكم ~~(آمنين) من الآفات والزوال (ونزعنا ما في صدورهم من غل) أي حقد كان في ~~الدنيا وعن علي رضي الله تعالى عنه أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ~~منهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (إخوانا) حال من الضمير في قوله تعالى ~~في جنات أو من فاعل ادخلوها أو من الضمير في آمنين أو الضمير المضاف إليه ~~والعامل فيه معنى الإضافة وكذلك قوله تعالى (على سرر متقابلين) ويجوز ~~كونهما صفتين لإخوانا أو حالين من ضميره لأنه بمعنى متصافين وكون الثاني ~~حالا من المستكن في الأول وعن مجاهد تدور بهم الأسرة حيثما داروا فهم ~~متقابلون في جميع أحوالهم (لا يمسهم فيها نصب) أي تعب بأن لا يكون لهم فيها ~~ما يوجبه من الكد في تحصيل مالا بد لهم منه لحصول كل ما يريدونه من غير ~~مزاولة عمل أصلا أو بأن لا يعتريهم ذلك وإن باشروا الحركات العنيفة لكمال ~~قوتهم وهو استئناف أو حال بعد حال أو حال من الضمير في متقابلين (وما هم ~~منها بمخرجين) أبد الآباد لأن تمام النعمة بالخلود (نبىء عبادي) وهم الذين ~~عبر عنهم بالمتقين (أني أنا الغفور الرحيم) (وأن عذاب هو العذاب الأليم) ~~فذلكة لما سلف من الوعد والوعيد وتقرير له وفي ذكر ms1833 المغفرة إشعارا بأن ليس ~~المراد بالمتقين من يتقي جميع الذنوب كبيرها وصغيرها وفي وصف ذاته تعالى ~~بها وبالرحمة على وجه القصر دون التعذيب إيذان بأنهما مما يقتضيهما الذات ~~وأن العذاب إنما يتحقق بما يوجبه من خارج (ونبئهم) عطف على نبيء عبادي ~~والمقصود اعتبارهم بما جرى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أهله من ~~البشرى في تضاعيف الخوف وبما حل بقوم لوط من العذاب ونجاته عليه الصلاة ~~والسلام مع أهله التابعين له في ضمن الخوف وتنبيههم بحلول انتقامه تعالى من ~~المجرمين وعلمهم بأن عذاب الله هو العذاب الأليم (عن ضيف إبراهيم) عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم جبريل عليه الصلاة والسلام وملكان معه وقال ~~محمد بن كعب وسبعة معه وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام ~~وقال الضحاك كانوا تسعة وعن السدى كانوا أحد PageV05P080 # عشر على صور الغلمان الوضاء وجوههم وعن مقاتل أنهم كانوا اثني عشر ملكا ~~وإنما لم يتعرض لعنوان رسالتهم لأنهم لم يكونوا مرسلين إلى إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام بل إلى قوم لوط حسبما يأتي ذكره (إذ دخلوا عليه) نصب بفعل ~~مضمر معطوف على نبيء أي واذكر وقت دخولهم عليه أو خبر مقدر مضاف إلى ضيف أي ~~خبر ضيف إبراهيم حين دخولهم عليه أو بنفس ضيف على أنه مصدر في الأصل ~~(فقالوا) عند ذلك (سلاما) أي نسلم سلاما أو سلمنا أو سلمت سلاما (قال إنا ~~منكم وجلون) أي خائفون فإن الوجل اضطراب النفس لتوقع مكروه قاله عليه ~~الصلاة والسلام حين امتنعوا من أكل ما قربه إليهم من العجل الحنيذ لما أن ~~المعتاد عندهم أنه إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء ~~بخير لا عند ابتداء دخولهم لقوله تعالى فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة فلا مجال لكون خوفه عليه الصلاة والسلام بسبب دخولهم بغير ~~إذن ولا بغير وقت إذ لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا حينئذ به ولم ~~يتصد عليه الصلاة والسلام لتقريب الطعام إليهم وإنما لم ms1834 يذكر ههنا اكتفاء ~~بما بين في غير هذا الموضع ألا يرى إلى أنه لم يذكر ههنا رده عليه الصلاة ~~والسلام لسلامهم (قالوا لا توجل) لا تخف وقرئ لا تأجل ولا توجل من أوجله أي ~~أخافه ولا تواجل من واجله بمعنى أوجله (إنا نبشرك) استئناف لتعليل النهي عن ~~الوجل فإن المبشر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوف ولا حزن كيف لا وهو بشارة ~~ببقائه وبقاء أهله في عافية وسلامة زمانا طويلا (بغلام) هو إسحق عليه ~~الصلاة والسلام لقوله تعالى فبشرناها بإسحق ولم يتعرض ههنا لبشارة يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام اكتفاء بما ذكر في سورة هود (عليم) إذا بلغ وفي موضع ~~آخر بغلام حليم (قال أبشرتموني) بذلك (على أن مسني الكبر) وأثر في تعجب ~~عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة وزاد في ذلك ~~فقال (فبم تبشرون) أي بأي أعجوبة تبشرونني فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه ~~عادة بشارة بغير شيء أو بأي طريقة تبشرونني وقرئ بتشديد النون المكسورة على ~~إدغام نون الجمع في نون الوقاية (قالوا بشرناك بالحق) أي بما يكون لا محالة ~~أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو أمر الله تعالى وقوله (فلا ~~تكن من القانطين) من الآيسين من ذلك فإن الله قادر على أن يخلق بشرا بغير ~~أبوين فكيف من شيخ فإن وعجوز عاقر وقرئ من القنطين وكان مقصده عليه الصلاة ~~والسلام استعظام نعمته تعالى في ضمن التعجب العادي المبني على سنة الله ~~PageV05P081 # تعالى المسلوكة فيما بين عبادة لا استبعاد ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه ~~كما ينبئ عنه قول الملائكة فلا تكن من القانطين دون أن يقولوا من الممترين ~~أو نحوه (قال ومن يقنط) استفهام إنكاري أي لا يقنط (من رحمة ربه إلا ~~الضالون) المخطئون طريق المعرفة والصواب فلا يعرفون سعة رحمته وكمال علمه ~~وقدرته كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلام لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون ومراده نفي القنوط عن نفسه على أبلغ وجه أي ليس بي ms1835 قنوط من رحمته ~~تعالى وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة على ~~وفي التعرض لوصف الربوبية والرحمة مالا يخفى من الجزالة وقرئ بضم النون ~~وبكسرها من قنط بالفتح ولم تكن هذه المفاوضة من الملائكة مع إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام خاصة بل مع سارة أيضا حسبما شرح في سورة هود ولم يذكر ذلك ~~ههنا اكتفاء بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر هذه هناك اكتفاء بما ذكر ههنا ~~(قال) أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتوسيطه بين قوله السابق وبين قوله ~~(فما خطبكم) أي أمركم وشأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة (أيها ~~المرسلون) صريح في أن بينهما مقالة مطوية لهم أشير به إلى مكانها كما في ~~قوله تعالى قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت على الآية ~~فإن قوله الأخير ليس موصولا بقوله الأول بل هو مبني على قوله تعالى فأخرج ~~منها فإنك رجيم فإن توسيط قال بين قوليه للإيذان بعدم اتصال الثاني بالأول ~~وعدم ابتنائه عليه بل غيره ثم خطابه لهم عليهم الصلاة والسلام بعنوان ~~الرسالة بعد ما كان خطابه السابق مجردا عن ذلك مع تصديره بالفاء دليل على ~~أن مقالتهم المطوية كانت متضمنة لبيان أن مجيئهم ليس لمجرد البشارة بل لهم ~~شأن آخر لأجله أرسلوا فكأنه قال عليه الصلاة والسلام إن لم يكن شأنكم مجرد ~~البشارة فماذا هو فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمه عليه الصلاة والسلام ~~بأن كل المقصود ليس البشارة بسبب أنهم كانوا ذوى عدد والبشارة لا تحتاج إلى ~~عدد وذلك اكتفى بالواحد في زكريا عليه الصلاة والسلام ومريم ولا إلى أنهم ~~بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدءوا بها ~~فتأمل (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) هم قوم لوط لكن وصفوا بالإجرام ~~وجىء بهم بطريق التنكير ذما لهم واستهانة بهم (إلا آل لوط) استثناء متصل من ~~الضمير في مجرمين أي إلى قوم أجرموا جميعا إلا آل لوط فالقوم والإرسال ~~شاملان للمجرمين وغيرهم والمعنى إنا أرسلنا ms1836 إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط ~~لنهلك الأولين وننجى الآخرين ويدل عليه قوله تعالى (إنا لمنجوهم) أي لوطا ~~وآله (أجمعين) أي مما يصيب القوم فإنه PageV05P082 # استئناف للإخبار بنجاتهم لعدم إجرامهم أو لبيان ما فهم من الاستثناء من ~~مطلق عدم شمول العذاب لهم فإن ذلك قد يكون يكون حالهم بين بين أو لتعليله ~~فإن من تعلق بهم التنجية يمنجى من شمول العذاب أو منقطع من قوم وقوله تعالى ~~إنا لمنجوهم متصل بآل لوط جار مجرى خير لكن وعلى هذا فقوله تعالى (إلا ~~امرأته) استثناء من آل لوط أو من ضميرهم وعلى الأول من الضمير خاصة لاختلاف ~~الحكمين اللهم إلا أن يجعل إنا لمنجوهم اعتراضا وقرئ بالتخفيف (قدرنا إنا ~~لمن الغابرين) الباقين مع الكفرة لتهلك معهم وقرئ قدرنا بالتخفيف وإنما علق ~~فعل التقدير مع اختصاص ذلك بأفعال القلوب لتضمنه معنى العلم ويجوز حمله على ~~معنى قلنا لأنه بمعنى القضاء قول وأصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم ~~له إلى أنفسهم وهو فعل الله سبحانه لما لهم من الزلفى والاختصاص (فلما جاء ~~آل لوط المرسلون) شروع في بيان كيفية إهلاك المجرمين وتنجية آل لوط حسبما ~~أجمل في الاستثناء ثم فصل في التعليل نوع تفصيل ووضع المظهر موضع المضمر ~~للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من الإهلاك والتنجية وليس المراد ~~به ابتداء مجيئهم بل مطلق كينونتهم عند آل لوط فإن ما حكى عنه عليه الصلاة ~~والسلام بقوله تعالى (قال إنكم قوم منكرون) إنما قاله عليه الصلاة والسلام ~~بعدا للتيا والتي حين ضاقت عليه الحيل وعيت به العلل لما لم يشاهد من ~~المرسلين عند مقاساته الشدائد ومعاناته المكايد من قومه الذين يريدون بهم ~~ما يريدون ما هو المعهود والمعتاد من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند ~~تجشمه في تخليصهم إنكارا لخذلانهم له وترك نصرته في مثل تلك المضايقة ~~المعترية له بسببهم حيث لم يكونوا مباشرين معه لأسباب المدافعة والممانعة ~~حتى ألجأته إلى أن قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن ms1837 شديد حسبما فصل في ~~سورة هود لا أنه قاله عند ابتداء ورودهم له خوفا أن يطرقوه بشر كما قيل كيف ~~لا وهم بجوابهم المحكي بقوله تعالى (قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) ~~أي بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون فيه ويكذبونك قد قشروا العصا ~~وبينوا له عليه الصلاة والسلام جلية الأمر فأنى يمكن أن يعتريه بعد ذلك ~~المساءة وضيق الذرع وليست كلمة بل إضرابا عن موجب الخوف المذكور على معنى ~~ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل بما يسرك وتقر به عينيك بل هي إضراب عما فهمه ~~عليه الصلاة والسلام من ترك النصرة له والمعنى ما خذلناك وما خلينا بينك ~~وبينهم بل جئناك بما يدمرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم ~~به ولعل تقديم هذه المقاولة على ما جرى بينه وبين أهل المدينة من المجادلة ~~للمسارعة إلى ذكر بشارة لوط عليه الصلاة والسلام بإهلاك PageV05P083 # قومه وتنجية آله عقيب ذكر بشارة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهما وحيث ~~كان مستدعيا لبيان كيفية النجاة وترتيب مباديها أشير إلى ذلك إجمالا ثم ذكر ~~ما فعل القوم وما فعل بهم ولم يبال بتغيير الترتيب الوقوعي ثقة بمراعاته في ~~مواقع أخر ونسبة المجىء بالعذاب إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه نازل ~~بالقوم بطريق تفويض أمره إليه لا بطريق نزوله عليه كأنهم جاءوه وفوضوا أمره ~~إليه ليرسله عليهم حسبما كان يتوعدهم به (وأتيناك بالحق) أي باليقين الذي ~~لا مجال فيه للإمتراء والشك وهو عذابهم عبر عنه بذلك تنصيصا على نفي ~~الإمتراء عنه أو المراد بالحق الإخبار بمجىء العذاب المذكور وقوله تعالى ~~(وإنا لصادقون) تأكيد له أي أتيناك فيما قلنا بالخبر الحق أي المطابق ~~للواقع وإنا لصادقون في ذلك الخبر أو في كل كلام فيكون كالدليل على صدقهم ~~فيه وعلى الأول تأكيد إثر تأكيد وقوله تعالى (فأسر بأهلك) شروع في ترتيب ~~مبادئ النجاة أي إذهب بهم في الليل وقرئ بالوصل وكلاهما من السرى وهو السير ~~في الليل وقرئ فسر من السير (بقطع من الليل) بطائفة منه ms1838 أو من آخرة قال * ~~افتحي الباب وانظري في النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم * وقيل هو بعد ما ~~مضى منه شيء صالح (واتبع أدبارهم) وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع ~~على أحوالهم ولعل إيثار الاتباع على السوق مع أنه المقصود بالأمر للمبالغة ~~في ذلك إذ السوق ربما يكون بالتقدم على بعض مع التأخر عن بعض ويلزمه عادة ~~الغفلة عن حال المتأخر والالتفات المنهي عنه بقوله تعالى (ولا يلتفت منكم) ~~أي منك ومنهم (أحد) فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه أو يصيبه ما أصابهم ~~أو ولا ينصرف منكم أحد ولا يتخلف لغرض فيصيبه العذاب وقيل نهوا عن ذلك ~~ليوطنوا أنفسهم على المهاجرة أو هو نهي عن ربط القلب بما خلفوه أو هو ~~للإسراع في السير فإن الملتفت قلما يخلو عن أدنى وقفه وعدم ذكر استثناء ~~المرأة من الإسراء والالتفات لا يستدعي عدم وقوعه فإن ذلك لما عرفت مرارا ~~للاكتفاء بما ذكر في مواضع أخر (وامضوا حيث تؤمرون) إلى حيث أمركم الله ~~تعالى بالمضي إليه وهو الشام أو مصر وحذف الصلتين على الاتساع المشهور ~~وإيثار المضي إلى ما ذكر على الوصول إليه واللحوق به للإيذان بأهمية النجاة ~~ولمراعاة المناسبة بينه وبين ما سلف من الغابرين (وقضينا) أي أوحينا (إليه) ~~مقضيا ولذلك عدى بإلى (ذلك الأمر) مبهم يفسره (أن دابر هؤلاء مقطوع) على ~~أنه بدل منه وإيثار اسم الإشارة على الضمير للدلالة على اتصافهم بصفاتهم ~~القبيحة التي هي مدار ثبوت الحكم أي دابر هؤلاء المجرمين وإيراد صيغة ~~المفعول بدل صيغة المضارع لكونها أدخل في الدلالة على الوقوع وفي لفظ ~~القضاء والتعبير عن العذاب بالأمر والإشارة PageV05P084 # إليه بذلك وتأخيره عن الجار والمجرور وإبهامه أولا ثم تفسيره ثانيا من ~~الدلالة على فخامة الأمر وفظاعته مالا يخفى وقرئ بالكسر على الاستئناف ~~والمعنى أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد (مصبحين) داخلين في ~~الصبح وهو حال من هؤلاء أو من الضمير وفي مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن ~~دابر هؤلاء بمعنى مدبرى ms1839 هؤلاء (وجاء أهل المدينة) شروع في حكاية ما صدر عن ~~القوم عند وقوفهم على مكان الأضياف من الفعل والقول وما ترتب عليه معد ما ~~أشير إلى ذلك إجمالا حسبما نبه عليه أي جاء أهل سدوم منزل لوط عليه الصلاة ~~والسلام (يستبشرون) أي مستبشرين بأضيافه عليه الصلاة والسلام طمعا فيهم ~~(قال إن هؤلاء ضيفي) الضيف حيث كان مصدرا في الأصل أطلق على الواحد ~~والمتعدد والمذكر والمؤنث وإطلاقه على الملائكة بحسب اعتقاده عليه الصلاة ~~والسلام لكونهم في زي الضيف والتأكيد ليس لإنكارهم بذلك بل لتحقيق اتصافهم ~~به وإظهار اعتنائه بشأنهم وتشمره لمراعاة حقوقهم وحمايتهم من السوء ولذلك ~~قال (فلا تفضحون) أي عندهم بأن تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا أنه ليس لي عندكم ~~قدر وحرمة أولا تفضحون بفضيحة ضيفي فإن من أسىء إلى ضيفه فقد أسيء إليه ~~يقال فضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار (واتقوا الله) في ~~مباشرتكم لما يسؤوني (ولا تخزون) أي لا تذلوني ولا نهينوني بالتعرض لمن ~~أجرتهم بمثل تلك الفعلة الخبيثة وحيث كان التعرض لهم بعد أن نهاهم عليه ~~الصلاة والسلام عن ذلك بقوله فلا تفضحون أكثر تأثيرا في جانبه عليه الصلاة ~~والسلام وأجلب للعار إليه إذ التعرض للجار قبل شعور المجير بذلك ربما ~~يتسامح فيه وأما بعد الشعور به والمناصبة لحمايته والذب عنه فذاك أعظم ~~العار عبر عليه الصلاة والسلام عما يعتريه من جهتهم بعد النهي المذكور بسبب ~~لجاجهم ومجاهرتهم بمخالفته بالخزي وأمرهم بتقوى الله تعالى في ذلك وإنما لم ~~يصرح بالنهي عن نفس تلك الفاحشة لأنه كان يعرف أنه لا يفيدهم ذلك وقيل ~~المراد تقوى الله تعالى في ركوب الفاحشة ولا يساعده توسيطه بين النهيين عن ~~أمرين متعلقين بنفسه عليه الصلاة والسلام وكذلك قوله تعالى (أو لم ننهك عن ~~العالمين) أي عن التعرض لهم بمنعهم عنا وضيافتهم والهمزة للإنكار والواو ~~للعطف على مقدر أي ألم نتقدم إليك ولم ننهك عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون لكل ~~أحد من الغرباء بالسوء وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ms1840 ذلك بقدر وسعه ~~وكانوا قد نهوه عليه الصلاة والسلام عن أن يجير أحدا فكأنهم قالوا ما ذكرت ~~من الفضيحة والخزي إنما جاءك من قبلك لا من قبلنا إذ لولا تعرضك لما نتصدى ~~له لما اعتراك PageV05P085 # تلك الحالة ولما رآهم لا يقلعون عما هم عليه (قال هؤلاء بناتي) يعني نساء ~~القوم فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم أو بناته حقيقة أي فتزوجوهن وقد كانوا ~~من قبل يطلبونهن ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعية المناكحة ~~بين المسلمات والكفار وقد فصل في سورة هود (إن كنتم فاعلين) أي قضاء الوطر ~~أو ما أقول لكم (لعمرك) قسم من الله تعالى بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو من الملائكة بحياة لوط عليه الصلاة والسلام والتقدير لعمرك قسمي وهي لغة ~~في العمر يختص به القسم إيثارا للخفة لكثرة دورانه على الألسنة (إنهم لفي ~~سكرتهم) غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ ~~والصواب (يعمهون) يتحيرون ويتمادون فكيف يسمعون النصح وقيل الضمير لقريش ~~والجملة اعتراض (فأخذتهم الصيحة) أي الصيحة العظيمة الهائلة وقيل صيحة ~~جبريل عليه الصلاة والسلام (مشرقين) داخلين في وقت شروق الشمس (فجعلنا ~~عاليها) عالي المدينة أو عالي قراهم وهو المفعول الأول لجعلنا وقوله تعالى ~~(سافلها) مفعول ثان له وهو أدخل في الهول والفظاعة من العكس كما مر ~~(وأمطرنا عليهم) في تضاعيف ذلك قبل تمام الانقلاب (حجارة) كائنة (من سجيل) ~~من طين متحجرا أو طين عليه كتاب وقد فصل ذلك في سورة هود (إن في ذلك) أي ~~فيما ذكر من القصة (لآيات) لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق (للمتوسمين) ~~أي المتفكرين المتفرسين الذين يثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء ~~بسمته (وإنها) أي المدينة أو القرى (لبسبيل مقيم) أي طريق ثابت يسلكه الناس ~~ويرون آثارها (إن في ذلك) فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمر أي ~~من الناس يشاهدونها في ذهابهم وإيابهم (لآية) عظيمة (للمؤمنين) بالله ~~ورسوله فإنهم الذين يعرفون أن ما حاق بهم العذاب الذي ترك ديارهم ms1841 بلا قع ~~إنما حاق بهم لسوء صنيعهم وأما غيرهم فيحملون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع ~~الفلكية وإفراده الآية بعد جمعها فيما سبق لما أن المشاهد ههنا بقية الآثار ~~لا كل القصة كما فيما سلف PageV05P086 # (وإن كان) إن مخففة من إن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف واللام هي ~~الفارقة أي وإن الشأن كان (أصحاب الأيكة) وهو قوم شعيب عليه الصلاة والسلام ~~والأيكة الشجرة الملتفة المتكاثفة وكان عامة شجرهم المقل وكانوا يسكنونها ~~فبعثه الله تعالى إليهم (لظالمين) متجاوزين عن الحد (فانتقمنا منهم) ~~بالعذاب روى إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام ثم بعث سحابة فالتجئوا إليها ~~يلتمسون الروح فبعث الله تعالى عليهم منها نارا فأحرقتهم فهو عذاب يوم ~~الظلة (وإنهما) يعني سدوم والأيكة وقيل الأيكة ومدين فإنه عليه الصلاة ~~والسلام كان مبعوثا إليهما فذكر أحدهما منبه على الآخر (لبإمام مبين) ~~لبطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به سمى به الطريق ومطمر البناء واللوح ~~الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به (ولقد كذب أصحاب الحجر) يعني ثمود ~~(المرسلين) أي صالحا فإن من كذب واحدا من الأنبياء عليهم السلام فقد كذب ~~الجميع لاتفاقهم على التوحيد والأصول التي لا تخلف باختلاف الأمم والأعصار ~~وقيل المراد صالح ومن معه من المؤمنين كما قيل الخبيبون لخبيب بن عبد الله ~~بين الزبير وأصحابه والحجر واد بين المدينة والشام كانوا يسكنونه (وآتيناهم ~~آياتنا) وهي الآيات المنزلة على نبيهم أو المعجزات من الناقة وسقيها وشربها ~~ودرها أو الأدلة المنصوبة لهم (فكانوا عنها معرضين) إعراضا كليا بل كانوا ~~معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين) من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها أو من العذاب ~~لحسبانهم أن ذلك يحميهم منه عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال مررنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذارا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ثم زجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms1842 راحلته فاسرع حتى خلفها (فأخذتهم الصيحة مصبحين) ~~وهكذا وقع في سورة هود قيل صاح بهم جبريل عليه الصلاة والسلام وقيل أتتهم ~~من السماء صيحة فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في ~~صدورهم وفي سورة الأعراف فأخذتهم الرجفة أي الزلزلة ولعلها من روادف الصيحة ~~المستتبعة لتموج الهواء تموجا شديدا يفضي إليها كما مر في سورة هود ~~PageV05P087 # (فما أعنى عنهم) ولم يدفع عنهم ما نزل بهم (ما كانوا يكسبون) من بناء ~~البيوت الوثيقة والأموال الوافرة والعدد المتكاثرة وفيه تهكم بهم والفاء ~~لترتيب عدم الإغناء الخاص بوقت نزول العذاب حسبما كانوا يرجونه لا عدم ~~الإغناء المطلق فإنه أمر مستمر (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق) أي إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والمصلحة بحيث لا يلائم استمرار ~~الفساد واستقرار الشرور ولذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء دفعا لفسادهم ~~وإرشادا لمن بقي إلى الصلاح أو إلا بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على ~~الأعمال كما ينبئ عنه قوله تعالى (وإن الساعة لآتية) فينتقم الله تعالى لك ~~فيها ممن كذبك (فاصفح) أي أعرض عنهم (الصفح الجميل) إعراضا جميلا وتحمل ~~أذيتهم ولا تعجل بالانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم وقيل هي ~~منسوخة بآية السيف (إن ربك) الذي يبلغك إلى غاية الكمال (هو الخلاق) لك ~~ولهم ولسائر الموجودات على الإطلاق (العليم) بأحوالك وأحوالهم بتفاصيلها ~~فلا يخفى عليه شيء مما جرى بينك وبينهم فهو حقيق بأن تكل جميع الأمور إليه ~~ليحكم بينكم أو هو الذي خلقكم وعلم تفاصيل أحوالكم وقد علم أن الصفح اليوم ~~أصلح إلى أن يكون السيف أصلح فهو تعليل للأمر بالصفح على التقديرين وفي ~~مصحف عثمان وأبي رضي الله تعالى عنهما هو الخالق وهو صالح للقليل والكثير ~~والخلاق مختص بالكثير (ولقد آتيناك سبعا) سبع آيات وهي الفاتحة وعليه عمر ~~وعلي وابن مسعود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم والحسن وأبو العالية ~~ومجاهد والضحاك وسعيد ابن جبير وقتادة رحمهم الله تعالى وقيل سبع سور وهي ~~الطوال التي سابعتها الأنفال والتوبة فإنهما ms1843 في حكم سورة واحدة ولذلك لم ~~يفصل بينهما بالتسمية وقيل يونس أو الحواميم السبع وقيل الصحائف السبع وهي ~~الأسباع (من المثاني) بيان للسبع من التثنية وهي التكرير فإن كان المراد ~~الفاتحة وهو الظاهر فتسميتها مثاني لتكرر قراءتها في الصلاة وأما تكرر ~~قراءتها في غير الصلاة كما قيل فليس بحيث يكون مدا ر للتسمية ولأنها تثني ~~بما يقرأ بعدها في الصلاة واما تكرر نزولها فلا يكون وجها للتسمية لأنها ~~كانت مسماة بهذا الاسم قبل نزولها الثاني إذ السورة مكية بالاتفاق وإن كان ~~المراد غيرها من السور فوجه كونها من المثاني أن كلا من ذلك تكرر قراءته ~~وألفاظه أو قصصه ومواعظه أو من الثناء لاشتماله على ما هو ثناء على الله ~~واحدتها مثناة أو مثنية صفة للآية وأما الصحائف وهي الأسباع فلما وقع فيها ~~من تكرير القصص PageV05P088 # والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك ولما فيها من الثناء على الله تعالى ~~كأنها تثني عليه سبحانه بأفعاله وصفاته الحسنى ويجوز أن يراد بالمثاني ~~القرآن لما ذكر أولا لأنه مثنى عليه بالإعجاز أو كتب الله تعالى كلها فمن ~~للتبعيض وعلى الأول للبيان (والقرآن العظيم) إن أريد بالسبع الآيات أو ~~السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص وإن أريد به الأسباع أو ~~كل القرآن فهو عطف أحد الوصفين على الآخر كما في قوله * إلى الملك القرم ~~وابن الهمام * وليث الكتائب في المزدحم * أي ولقد آتيناك ما يقال له السبع ~~المثاني والقرآن العظيم (لا تمدن عينيك) لا تطمح ببصرك طموح راغب ولا تدم ~~نظرك (إلى ما متعنا به) من زخارف الدنيا وزينتها ومحاسنها وزهرتها (أزواجا ~~منهم) أصنافا من الكفرة فإن ما في الدنيا من أصناف الأموال والذخائر ~~بالنسبة إلى ما أوتيته مستحقر لا يعبأ به أصلا وفي حديث أبي بكر رضي الله ~~تعالى عنه من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما ~~وعظم صغيرا وروى أنه وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة ~~والنضير فيها أنواع البز والطيب ms1844 والجواهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون لو ~~كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقيل لهم قد ~~أعطيتم سبع آيات وهي خير من هذه القوافل السبع (ولا تحزن عليهم) حيث لم ~~يؤمنوا ولم ينتظموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاء المسلمين وقيل أو أنهم ~~المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتعهم به لا يكون مدارا للحزن عليهم ~~(واخفض جناحك للمؤمنين) أي تواضع لهم وارفق بهم وألن جانبك لهم وطب نفسا من ~~إيمان الأغنياء (وقل إني أنا النذير المبين) أي المنذر المظهر لنزول عذاب ~~الله وحلوله (كما أنزلنا على المقتسمين) قيل إنه متعلق بقوله تعالى ولقد ~~آتيناك الخ أي أنزلناه عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب (الذين جعلوا القرآن ~~عضين) أي قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا عنادا وعدوانا بعضه حق موافق ~~للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما أو اقتسموه لأنفسهم استهزاء حيث ~~كان يقول بعضهم سورة البقرة لي وبعضهم سورة آل عمران لي وهكذا أو قسموا ما ~~قرءوا من كتبهم وحرفوه فأقروا ببعضه وكذبوا ببعضه وحمل توسط قوله تعالى لا ~~تمدن عينيك على إمداد ما هو المراد بالكلام من التسلية وعقب ذلك بأنه جل ~~المقام عن التشبيه ولقد أوتي عليه الصلاة والسلام ما لم يؤت أحد قبله ولا ~~بعده مثله وقيل PageV05P089 # إنه متعلق بقوله إني أنا النذير المبين فإنه في قوة الأمر بالإنذار كأنه ~~قيل أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على المقتسمين يعني اليهود وهو ما جرى على ~~بني قريظة والنضير بأن جعل المتوقع كالواقع وقد وقع كذلك وأنت خبير بأن ما ~~يشبه به العذاب المنذر لا بد أن يكون محقق الوقوع معلوم الحال عند المنذرين ~~إذ به تتحقق فائدة التشبيه وهي تأكيد الإنذار وتشديده وعذاب بني قريظة ~~والنضير مع عدم وقوعه إذ ذاك لم يسبق به وعد ووعيد فهم منه في غفلة محصنة ~~وشك مريب وتنزيل المتوقع منزلة الواقع له موقع جليل من الإعجاز لكن إذا ~~صادف مقاما يقتضيه كما في قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا ms1845 مبينا ونظائره على ~~أن تخصيص الاقتسام باليهود بمجرد احتصاص العذاب المذكور بهم مع شركتهم ~~للنصارى في الاقتسام المتفرع على الموافقة والمخالفة وفي الاقتسام بمعنى ~~التحريف الشامل للكتابين بل تخصيص العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج ~~الاقتسام تخصيص من غير مخصص وقد جعل الموصول مفعولا أول لأنذر أي أنذر ~~المعضين الذين جزءوا القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على ~~المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم فقعد كل ~~منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~بعضهم لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر ويقول الآخر شاعر والآخر كذاب ~~فأهلكهم الله تعالى يوم بدر وقبله بآفات وفيه مع ما فيه من الاشتراك لما ~~سبق في عدم كون العذاب الذي شبه به العذاب المنذر واقعا ولا معلوما ~~للمنذرين ولا موعود الوقوع أنه لا داعي إلى تخصيص وصف التعضية بهم وإخراج ~~المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوة لهم في ذلك فإن وصفهم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرع على وصفهم للقرآن ~~بذلك وهل هو إلا نفس التعضية ولا إخراجهم من حكم الإنذار على أن ما نزل بهم ~~من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يشبه به عذاب غيرهم ولا مخصوصا بهم بل عاما ~~لكلا الفريقين وغيرهم مع أن بعض المنذرين كالوليد بن المغيرة والعاص بن ~~وائل والأسود ابن المطلب قد هلكوا قبل مهلك أكثر المقتسمين يوم بدر ولا إلى ~~تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى وقيل إنه وصف لمفعول النذير أقيم ~~مقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر وفيه مع ما مر أن قوله ~~تعالى كما أنزلنا صريح في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم والاعتذار بأن ذلك من باب ما يقوله بعض خواص الملك أمرنا بكذا ~~وإن كان الأمر هو الملك حسبما سلف في قوله تعالى قدرنا إنها لمن الغابرين ~~تعسف لا يخفى وأن ms1846 إعمال الوصف الموصوف مما لم يجوزه البصريون فلا بد من ~~الهرب إلى مسلك الكوفيين أو المصير إلى جعله مفعولا غير صريح أي أنا النذير ~~المبين بعذاب مثل عذاب المقتسمين وقيل المراد بالمقتسمين الرهط الذين ~~تقاسموا على أن يبيتوا صالحا عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى وأنت ~~تدرى أن عذابهم حيث كان متحققا ومعلوما للمنذرين حسبما نطق به القرآن ~~العظيم صالح لأن يقع مشبها به العذاب المنذر لكن الموصول المذكور عقيبه حيث ~~لم يمكن كونه صفة للمقتسمين حينئذ فسواء جعلناه مفعولا أول للنذير أو لما ~~دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان ~~الإقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة لما أن ذلك إنما ~~يكون للإشعار بعلية الصلة والصفة للحكم الثابت للموصول والموصوف فلا يكون ~~هناك وجه شبه يدور عليه PageV05P090 # تشبيه عذابهم خاصة لعدم اشتراكهم في السبب فإن المعضين بمعزل من التقاسم ~~على التثبيت الذي هو السبب لهلاك أولئك كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي ~~هي السبب لهلاك هؤلاء ولا علاقة بين السببين مفهوما ولا وجودا تصحح وقوع ~~أحدهما في جانب والآخر في جانب واتفاق الفريقين على مطلق الاتفاق على الشر ~~المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التثبيت المدلول عليه ~~بالتقاسم غير مفيد إذ لا دلالة لعنوان التعضية على ذلك وإنما يدل عليه ~~اقتسام المداخل وجعل الموصول مبتدأ على أن خبره الجملة القسمية لا يليق ~~بجزالة التنزيل وجلالة شأنه الجليل إذا عرفت هذا فأعلم أن الأقرب من ~~الأقوال المذكورة أنه متعلق بالأول وأن المراد بالمقتسمين أهل الكتابين وأن ~~الموصول مع صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامهم ومحل الكاف النصب على المصدرية ~~وحديث جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظر الجليل والمعنى لقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم إيتاء مماثلا لإنزال الكتابين على أهلهما ~~وعدم التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرض بيان المماثلة بين ~~الإيتاءين لا بين متعلقيهما والعدول عن تطبيق ما في جانب المشبه به على ما ms1847 ~~في جانب المشبه بأن يقال كما آتينا المقتسمين حسبما وقع في قوله تعالى ~~الذين آتيناهم الكتاب الخ للتنبيه على ما بين الإيتاءين من التنائي فأن ~~الأول على وجه التكرمة والامتنان وشتان بينه وبين الثاني ولا يقدح ذلك في ~~وقوعه مشبها به فإن ذلك إنما هو لمسلميته عندهم وتقديم وجوده على المشبه ~~زمانا لا لمزية وتعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية فإن التشبيه فيها ~~ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضة على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله ~~أتم وأكمل مما فاض على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذلك للتقدم في ~~الوجود والتنصيص عليه في القرآن العظيم فليس في التشبيه شائبة إشعار ~~بأفضلية المشبه به من المشبه فضلا عن إيهام أفضلية ما تعلق به الأول مما ~~تعلق به الثاني وإنما ذكروا بعنوان الاقتسام إنكارا لاتصافهم به مع تحقق ما ~~ينفيه من الإنزال المذكور وإيذانا بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب ~~إيمانهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراك في العلة والاتحاد في الحقيقة التي ~~هي مطلق الوحي وتوسيط قوله تعالى لا تمدن الخ لكمال اتصاله بما هو المقصود ~~من بيان حال ما أوتي النبي صلى الله عليه وسلم ولقد بين أولا علو شأنه ~~ورفعة مكانه بحيث يستوجب اغتباطه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءه به ~~عما سواه ثم نهى عن الالتفات إلى زهرة الدنيا وعبر عن إيتائها لأهلها ~~بالتمتيع المنبىء عن وشك زوالها عنهم ثم عن الحزن بعدم إيمان المنهمكين ~~فيها بمراعاة المؤمنين والاكتفاء بهم عن غيرهم وبإظهار قيامه بمواجب ~~الرسالة ومراسم النذارة حسبما فصل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم ثم ~~رجع إلى كيفية إيتائه على وجه أدمج فيه ما يزيح شبه المنكرين ويستنزلهم عن ~~العناد من بيان مشاركته لما لا ريب لهم في كونه وحيا صادقا فتأمل والله ~~عنده علم الكتاب هذا وقد قيل المعنى قل إني أنا النذير المبين كما قد ~~أنزلنا في الكتب إنك ستأتي نذيرا على أن المقتسمين أهل الكتاب انتهى يريد ~~أن ما في كما ms1848 موصولة والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقة وهي مع ~~ما في حيزها في محل النصب على الحالية من مفعول قل أي قل هذا القول حال ~~كونه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقا لذلك فالأنسب حينئذ حمل ~~الاقتسام على التحريف ليكون وصفهم بذلك تعريضا بما فعلوا من تحريفهم ~~وكتمانهم لنعت النبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى عضين جمع عضة وهي ~~الفرقة PageV05P091 # أصلها عضوة فعلة من عضى الشاة تعضية إذا جعلها أعضاء وإنما جمعت جمع ~~السلامة جبرا للمحذوف كسنين وعزين والتعبير عن تجزئة القرآن بالتعضية التي ~~هي تفريق الأعضاء من ذي الروح المستلزم لإزالة حياته وإبطال اسمه دون مطلق ~~التجزئة والتفريق اللذين ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيض من المثليات ~~للتنصيص على كمال قبح ما فعلوه بالقرآن العظيم وقيل هي فعلة من عضهته إذا ~~بهته وعن عكرمة العضة السحر بلسان قريش فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني ~~هاء (فوربك لنسألنهم أجمعين) أي لنسألن يوم القيامة أصناف الكفرة من ~~المقتسمين وغيرهم سؤال توبيخ وتقريع (عما كانوا يعملون) في الدنيا من قول ~~وفعل وترك فيدخل فيه ما ذكر من الاقتسام والتعضية دخولا أوليا ولنجزينهم ~~بذلك جزاءا موفورا وفيه من التشديد وتأكيد الوعيد مالا يخفى والفاء لترتيب ~~الوعيد على أعمالهم التي ذكر بعضها وفي التعرض لوصف الربوبية مضافا إليه ~~عليه الصلاة والسلام إظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام (فاصدع بما تؤمر) ~~فاجهر به من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو أفرق بين الحق والباطل وأصله ~~الإبانة والتمييز وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمر به من ~~الشرائع المودعة في تضاعيف ما أوتيته من المثاني السبع والقرآن العظيم ~~(وأعرض عن المشركين) أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبال بهم ولا تتصد ~~للانتقام منهم (إنا كفيناك المستهزئين) بقمعهم وتدميرهم قيل كانوا خمسة من ~~اشراف قريش الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والحرث بن قيس بن الطلاطلة ~~والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب يبالغون في إيذاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms1849 والاستهزاء به فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال قد أمرت أن ~~أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيما ~~لأخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطه فمات وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيه شوكة ~~فقال لدغت لدغت وانتفخت رجله حتى صارت كالرحى فمات وأشار إلى عيني الأسود ~~بن المطلب فعمى وإلى أنف الحرث فامتخط قيحا فمات وإلى الأسود بن عبد يغوث ~~وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات ~~(الذين يجعلون مع الله إلها آخر) وصفهم بذلك تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتهوينا للخطب عليه بإعلام أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء به ~~عليه الصلاة والسلام بل اجترءوا على العظيمة التي هي الإشراك بالله سبحانه ~~(فسوف يعلمون) عاقبة ما يأتون ويذرون PageV05P092 # (ولقد نعلم أنك بضيق صدرك بما يقولون) من كلمات الشرك والطعن في القرآن ~~والاستهزاء به وبك وتحلية الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيق ما تتضمنه من ~~التسلية وصيغة الاستقبال لإفادة استمرار العلم حسب استمرار متعلقة باستمرار ~~ما يوجبه من أقوال الكفرة (فسبح بحمد ربك) فافزع إلى الله تعالى فيما نابك ~~من ضيق الصدر والحرج بالتسبيح والتقديس ملتبسا بحمده وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مالا يخفى من إظهار ~~اللطف به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الحكم أعني الأمر بالتسبيح ~~والحمد (وكن من الساجدين) أي المصلين يكفيك ويكشف الغم عنك أو فنزهه عما ~~يقولون ملتبسا بحمده على أن هداك للحق المبين وعنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (واعبد ربك) دم على ما أنت عليه من عبادته ~~تعالى وإيثار الإظهار بالعنوان السالف آنفا لتأكيد ما سبق من إظهار اللطف ~~به عليه الصلاة والسلام والإشعار بعلة الأمر بالعبادة (حتى يأتيك اليقين) ~~أي الموت فإنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق وإسناد الإتيان إليه للإيذان بأنه ~~متوجه إلى الحي طالب للوصول إليه والمعنى دم على العبادة ما دمت حيا من غير ~~إخلال بها لحظة ms1850 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الحجر كان له ~~من الأجر عشر حسنا بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم PageV05P093 # (سورة النحل مكية إلا وإن عاقبتم إلى آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية) ~~بسم الله الرحمن الرحيم (أتى أمر الله) أي الساعة أو ما يعمها وغيرها من ~~العذاب الموعود للكفرة عبر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن ~~تحققه في نفسه وإيتانه منوط بحكمة النافذ وقضائه الغالب وإتيانه عبارة عن ~~دنوه واقترابه على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع أو عن إتيان مباديه ~~القريبة على نهج إسناد حال الأسباب إلى المسببات وأياما كان ففيه تنبيه على ~~كمال قربه من الوقوع واتصاله وتكميل لحسن موقع التفريع في قوله عز وجل (فلا ~~تستعجلوه) فإن النهي عن استعجال الشيء وإن صح تفريعه على قرب وقوعه أو على ~~وقوع أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعه على وقوعه إذ بالوقوع يستحيل ~~الاستعجال رأسا لا بما ذكر من قرب وقوعه ووقوع مباديه والخطاب للكفرة خاصة ~~كما يدل عليه القراءة على صيغة نهي الغائب واستعجالهم وإن كان بطريق ~~الاستهزاء لكنه حمل على الحقيقة ونهوا عنه بضرب من التهكم لا مع المؤمنين ~~سواء أريد بأمر الله ما ذكر أو العذاب الموعود للكفرة خاصة أما الأول فلأنه ~~لا يتصور من المؤمنين استعجال الساعة أو ما يعمها وغيرها من العذاب حتى ~~يعمهم النهي عنه وأما الثاني فلأن استعجالهم له بطريق الحقيقة واستعجال ~~الكفرة بطريق الاستهزاء كما عرفته فلا ينتظمها صيغة واحدة والالتجاء إلى ~~إرادة معنى مجازى يعمهما معا من غير أن يكون هناك رعاية نكتة سرية تعسف لا ~~يليق بشأن التنزيل الجليل وما روى من أنه لما نزلت اقتربت الساعة قال ~~الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما ~~تعملون حتى ننظر ما هو كائن فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا فنزلت اقترب ~~للناس حسابهم فأشفقوا وانتظروا أقربها فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد ما ~~نرى شيئا ms1851 مما تخوفنا به فنزلت أتي أمر الله فوثب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرفع الناس رؤوسهم فلما نزل فلا تستعجلوه اطمأنوا فليس فيه دلالة على ~~عموم الخطاب كما قيل لا لما توهم من أن التصدير بالفاء يأباه فإنه بمعزل عن ~~إبائه حسبما تحققته بل لأن مناط اطمئنانهم إنما وقوفهم على أن المراد ~~بالإتيان هو الإتيان الادعائي لا الحقيقي الموجب لاستحالة الاستعجال ~~المستلزم لامتناع النهي عنه لما أن النهي عن الشيء يقتضي إمكانه في الجملة ~~ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزم لإمكانه المقتضي ~~لعدم وقوع المستعجل بعد ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجل كائنا من كان بل ~~فيه دلالة واضحة على عدم PageV05P094 # العموم لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعة وقد عرفت استحالة صدور ~~استعجالها عن المؤمنين نعم يجوز تخصيص الخطاب بهم على تقدير كون أمر الله ~~عبارة عن العذاب الموعود للكفرة خاصة لكن الذي يقضي به الإعجاز التنزيلي ~~أنه خاص بالكفرة كما ستقف عليه ولما كان استعجالهم ذلك من نتائج إشراكهم ~~المستتبع لنسبة الله عز وجل إلى مالا يليق به من العجز والاحتياج إلى الغير ~~واعتقاد أن واحدا يحجزه عن إنجاز وعده وإمضاء وعيده وقد قالوا في تضاعيفه ~~إن صح مجيء العذاب فالأصنام تخلصنا عنه بشفاعتها رد ذلك فقيل بطريق ~~الاستئناف (سبحانه وتعالى عما يشركون) أي تنزه وتقدس بذاته وجل عن إشراكهم ~~المؤدي إلى صدور أمثال هذه الأباطيل عنهم أو عن أن يكون له شريك فيدفع ما ~~أراد بهم بوجه من الوجوه وصيغة الاستقبال للدلالة على تجدد إشراكهم ~~واستمراره والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم للإعراض عنهم ~~وطرحهم عن رتبة الخطاب وحكاية شنائعهم لغيرهم وعلى تقدير تخصيص الخطاب ~~بالمؤمنين تفوت هذه النكتة كما يفوت ارتباط المنهي عنه بالمتنزه عنه وقرئ ~~على صيغة الخطاب (ينزل الملائكة) بيان لتحتم التوحيد حسبما نبه عليه تنبيها ~~إجماليا ببيان تقدس جناب الكبرياء وتعاليه عن أن يحوم حول شائبة أن يشاركه ~~شيء في شيء وإيذان بأنه دين أجمع عليه جمهور الأنبياء عليهم ms1852 الصلاة والسلام ~~وأمروا بدعوة الناس إليه مع الإشارة إلى سر البغتة والتشريع وكيفية إلقاء ~~الوحي والتنبيه على طريق علم الرسول صلى الله عليه وسلم بإتيان ما أوعدهم ~~به وباقترابه إزاحة لاستبعادهم اختصاصه عليه الصلاة والسلام بذلك وإظهارا ~~لبطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بأن ذلك ~~عادة مستمرة له سبحانه والمراد بالملائكة إما جبريل عليه السلام قال ~~الواحدي يسمى الواحد بالجمع إذا كان رئيسا أو هو ومن معه من حفظة الوحي ~~بأمر الله تعالى وقرئ ينزل من الإنزال وتنزل بحذف إحدى التاءين وعلى صيغة ~~المبني للمفعول من التنزيل (بالروح) أي بالوحي الذي من جملته القرآن على ~~نهج الاستعارة فإنه يحي القلوب الميتة بالجهل أو يقوم في الدين مقام الروح ~~في الجسد والباء متعلقة بالفعل أو بما هو حال من مفعوله أي ملتبسين بالروح ~~(من أمره) بيان للروح الذي أريد به الوحي فإنه أمر بالخير أو حال منه أي ~~حال كونه ناشئا ومبتدأ منه أو صفة له على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض ~~صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشئ منه أو متعلق بينزل ومن للسببية ~~كالباء مثل ما في قوله تعالى مما خطيئاتهم أي ينزلهم بأمره (على من يشاء من ~~عباده) أن ينزلهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهلهم لذلك (أن أنذروا) بدل من ~~الروح أي ينزلهم ملتبسين بأن أنذروا أي بهذا القول والمخاطبون به الأنبياء ~~الذين نزلت الملائكة عليهم والأمر هو الله سبحانه والملائكة نقلة للأمر كما ~~يشعر به الباء في المبدل منه وأن إما مخففة من أن وضمير الشأن الذي هو ~~اسمها محذوف أي ينزلهم ملتبسين بأن PageV05P095 # الشأن أقول لكم انذروا أو مفسرة على أن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى ~~القول كأنه قيل يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أنذروا فلا محل لها ~~من الإعراب أو مصدرية لجواز كون صلتها إنشائية كما في قوله تعالى وأن أقم ~~وجهك حسبما ذكر في أوائل سورة هود فمحلها الجر على البدلية أيضا والإنذار ~~الإعلام خلا أنه مختص ms1853 بإعلام المحذور من نذر بالشيء إذا علمه فخذوه وأنذره ~~بالأمر إنذارا أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلموا ~~الناس (أنه لا إله إلا أنا) فالضمير للشأن ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته ~~المغنية عن التصريح به وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة ~~مضمونها مع ما فيه من زيادة تقرير له في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه ~~ابتداء إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن لديه عند ~~وروده فضل تمكن كأنه قيل انذروا أن الشأن الخطير هذا وأنباء مضمونه عن ~~المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الإشراك وذلك كاف ~~في كون إعلامه إنذارا وقوله سبحانه (فائقون) خطاب للمستعجلين على طريقة ~~الالتفات والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى ~~بتنزيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا ~~شريك له في الألوهية فائقون في الإخلال بمضمونه ومباشرة ما ينافيه من ~~الإشراك وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء وبعد تمهيد الدليل ~~السمعي للتوحيد شرع في تحرير الأدلة العقلية فقيل (خلق السماوات والأرض ~~بالحق) أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمط اللائق (تعالى) ~~وتقدس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداع هذين المخلوقين (عما ~~يشركون) عن إشراكهم المعهود أو عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذي لا ~~يبدىء ولا يعيد وبعد ما نبه على صنعه الكلي المنطوي على تفاصيل مخلوقاته ~~شرع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال (خلق ~~الإنسان) أي هذا النوع غير الفرد الأول منه (من نطفة) جماد لا حس له ولا ~~حراك سيال لا يحفظ شكلا ولا وضعا (فإذا هو) بعد الخلق (خصيم) منطيق مجادل ~~عن نفسه مكافح للخصوم (مبين) لحجته لقن بها وهذا أنسب بمقام الامتنان ~~بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدته أو مخاصم لخالقه ~~منكر له قائل من يحي العظام وهي رميم وهذا ms1854 أنسب بمقام تعداد هنات الكفرة ~~روى أن أبي به خلف الجمحي أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال يا ~~محمدا أترى الله تعالى يحي هذا بعدما قد رم فنزلت (والأنعام) وهي الأزواج ~~الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز وانتصابه بمضمر يفسره قوله تعالى ~~(خلقها) أو بالعطف على الإنسان وما بعده بيان ما خلق لأجله والذي بعده ~~تفصيل لذلك وقوله تعالى (لكم) إما متعلق بخلقها وقوله (فيها) خبر مقدم ~~وقوله (دفء) مبتدأ وهو ما يدفأ به فيقي من البرد والجملة حال من المفعول أو ~~PageV05P096 # الظرف الأول خبر للمبتدأ المذكور وفيها حال من دفء إذ لو تأخر لكان صفة ~~(ومنافع) هي درها وركوبها وحملها والحراثة بها وغير ذلك وإنما عبر عنها بها ~~ليتناول الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم وتقديم الدفء على ~~المنافع لرعاية أسلوب الترقي إلى الأعلى (ومنها تأكلون) أي تأكلون ما يؤكل ~~منها من اللحوم والشحوم وغير ذلك وتغيير النظم للإيماء إلى أنها لا تبقى ~~عند الأكل كما في السابق واللاحق فإن الدفء والمنافع والجمال يحصل منها وهي ~~باقية على حالها ولذلك جعلت محال لها بخلاف الأكل وتقديم الظرف للإيذان بأن ~~الأكل منها هو المعتاد المعتمد في المعاش لأن الأكل مما عداها من الدجاج ~~والبط وصيد البر والبحر من قبيل التفكه مع أن فيه مراعاة للفواصل ويحتمل أن ~~يكون معنى الأكل منها أكل ما يحصل بسببها فإن الحبوب والثمار المأكولة ~~تكتسب بإكراء الإبل وبإثمار نتاجها وألبانها وجلودها (ولكم فيها) مع ما فصل ~~من أنواع المنافع الضرورية (حمال) أي زينة في أعين الناس ووجاهة عندهم (حين ~~تريحون) تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي (وحين تسرحون) تخرجونها ~~بالغداة من حظائرها إلى مسارحها فالمفعول محذوف من كلا الفعلين لرعاية ~~الفواصل وتعيين الوقتين لأن ما يدور عليه أمر الجمال من تزين الأفنية ~~والأكناف بها وبتجاوب ثغائها ورغائها إنما هو عند ورودها وصدورها في ذينك ~~الوقتين وأما عند كونها في المراعي فينقطع إضافتها الحسية إلى أربابها وعند ~~كونها في الحظائر لا يراها ms1855 راء ولا ينظر إليها ناظر وتقديم الإراحة على ~~السرح لتقدم الورود على الصدور ولكونها أظهر منه في استتباع ما ذكر من ~~الجمال وأتم في استجلاب الأنس والبهجة إذ فيها حضور بعد غيبة وإقبال بعد ~~إدبار على أحسن ما يكون ملأي البطون مرتفعة الضروع وقرئ حينا تريحون وحينا ~~تسرحون على أن كلا الفعلين وصف لحينا بمعنى تريحون فيه وتسرحون فيه (وتحمل ~~أثقالكم) جمع ثقل وهو متاع المسافر وقيل أثقالكم أجرامكم (إلى بلد) قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما أريد به اليمن ومصر والشام ولعله نظر إلى أنها متاجر ~~أهل مكة وقال عكرمة أريد به مكة ولعله نظر إلى أن أثقالهم وأحمالهم عند ~~القفول من متاجرهم أكثر وحاجتهم إلى الحمولة أمس والظاهر أنه عام لكل بلد ~~سحيق (لم تكونوا بالغيه) واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا الإبل ~~(إلا بشق الأنفس) فضلا عن استصحابها معكم وقرئ بفتح الشين وهما لغتان بمعنى ~~الكلفة والمشقة وقيل المفتوح مصدر من شق الأمر عليه شقا وحقيقته راجعة إلى ~~الشق الذي هو الصدع والمكسور النصف كأنه يذهب نصف القوة لما يناله من الجهد ~~فالإضافة إلى الأنفس مجازية أو على تقدير مضاف أي وإلا بشق قوى الأنفس وهو ~~استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق ~~الأنفس ولعل تغيير النظم الكريم السابق الدال على كون الأنعام مدار للنعم ~~السابقة إلى الجملة الفعلية المفيدة لمجرد الحوث للإشعار بأن PageV05P097 # هذه النعمة ليست في العموم بحسب المنشأ وبحسب المتعلق وفي الشمول للأوقات ~~والاطراد في الأحيان المعهودة بمثابة النعم السالفة فإنها بحسب المنشأ ~~وخاصة بالإبل وبحسب المتعلق بالضاربين في الأرض المتقلبين فيها للتجارة ~~وغيرها في أحايين غير مطردة وأما سائر النعم المعدودة فموجودة في جميع ~~أصناف الأنعام وعامة لكافة المخاطبين دائما أو في عامة الأوقات (إن ربكم ~~لرءوف رحيم) ولذلك أسبغ عليكم هذه النعم الجليلة ويسر لكم الأمور الشاقة ~~(والخيل) هو اسم جنس للفرس لا واحد له من لفظه كالإبل وهو عطف على الأنعام ~~أي خلق ms1856 الخيل (والبغال والحمير لتركبوها) تعليل بمعظم منافعها وإلا ~~فالإنتفاع بها بالحمل أيضا مما لا ريب في تحققه (وزينة) عطف على محل ~~لتركبوها وتجريده عن اللام لكونه فعلا لفاعل المعلل دون الأول وتأخيره لكون ~~الركوب أهم منه أو مصدر لفعل محذوف أي وتتزينوا بها زينة وقرئ بغير واو أي ~~خلقها زينة لتركبوها ويجوز أن يكون مصدرا واقعا موقع الحال من فاعل تركبوها ~~أو مفعوله أي متزينيين بها أو متزينا بها (ويخلق مالا تعلمون) أي يخلق في ~~الدنيا غير ما عدد من أصناف النعم فيكم ولكم مالا تعلمون كنهه وكيفية خلقه ~~فالعدول إلى صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار والتجدد أو لاستحضار ~~الصورة أو يخلق لكم في الجنة غير ما ذكر من النعم الدنيوية مالا تعلمون أي ~~ما ليس من شأنكم ان تعلموه وهو ما أشير إليه بقوله صلى الله عليه وسلم ~~حكاية عن الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر ويجوز أن يكون هذا إخبارا بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ~~مالا علم لنا به دلالة على قدرته الباهرة الموجبة للتوحيد كنعمته الباطنة ~~والظاهرة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عن يمين العرش نهرا من نور مثل ~~السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام ~~كل سحر فيغتسل فيزداد نورا إلى نور وجمالا إلى جمال وعظما إلى عظم ثم ينتفض ~~فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك فيدخل منهم كل ~~يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إليه إلى ~~يوم القيامة (وعلى الله قصد السبيل) القصد مصدر بمعنى الفاعل يقال سبيل قصد ~~وقاصد أي مستقيم على طريقة الاستعارة أو على نهج إسناد حال سالكه إليه كأنه ~~يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه أي حق عليه سبحانه وتعالى بموجب ~~رحمته ووعده المحتوم بيان الطريق المستقيم الموصل لمن يسلكه إلى الحق الذي ~~هو التوحيد بنصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال ms1857 الكتب لدعوة الناس إليه أو ~~مصدر بمعنى الإقامة والتعديل قاله أبو البقاء ي عليه عز وجل تقويمها ~~وتعديلها أي جعلها بحيث يصل سالكها إلى الحق لكن لا بعدما كانت في نفسها ~~منحرفة عنه بل إبداعها ابتداء كذلك على نهج قوله سبحان من صغر البعوض وكبر ~~الفيل وحقيقته راجعة إلى ما ذكر من نصب الأدلة وقد فعل ذلك حيث أبدع هذه ~~البدائع التي كل واحد منها PageV05P098 # لاحب يهتدي بمناره وعلم يستضاء بناره وارسل رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل ~~عليهم كتبا من جملتها هذا الوحي الناطق بحقيقة الحق الفاحص عن كل ما جل من ~~الاسرار ودق الهادي إلى سبيل الاستدلال بتلك الأدلة المفضية إلى معالم ~~الهدى المنحية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى ألا يرى كيف بين أولا تنزه ~~جناب الكبرياء وتعاليه بحسب الذات عن أن يحوم حوله شائبة توهم الإشراك ثم ~~أوضح سر إلقاء الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكيفية أمرهم ~~بإنذار الناس ودعوتهم إلى التوحيد ونهيهم عن الإشراك ثم كر على بيان تعاليه ~~عن ذلك بحسب الأفعال مرشدا إلى طريقة الاستدلال فبدأ بفعله المتعلق بمحيط ~~العالم الجسماني ومركزه بقوله تعالى خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون ثم فصل افعاله المتعلقة بما بينهما فبدأ بفعله المتعلق بأنفس ~~المخاطبين ثم ذكر ما يتعلق بما لا بد لهم منه في معايشهم ثم بين قدرته على ~~خلق مالا يحيط به علم البشر بقوله ويخلق مالا تعلمون وكل ذلك كما ترى بيان ~~لسبيل التوحيد غب بيان وتعديل له أيما تعديل فالمراد بالسبيل على الأول ~~الجنس بدليل إضافة القصد إليه قوله تعالى (ومنها) في محل الرفع على ~~الابتداء إما باعتبار مضمونه وإما بتقدير الموصوف كما في قوله تعالى ~~ومنادون ذلك وقد مر في قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر الخ أي بعض السبيل أو بعض من السبيل فإنها تؤنث وتذكر (جائر) أي مائل ~~عن الحق منحرف عنه لا يوصل سالكه إليه وهو طرق الضلال التي لا يكاد يحصى ~~عددها المندرج كلها تحت ms1858 الجائر وعلى الثاني نفس السبيل المستقيم والضمير في ~~منها راجع إليها بتقدير المضاف أي ومن جنسها لما عرفت من أن تعديل السبيل ~~وتقويمه إبداعه ابتداء على وجه الاستقامة والعدالة لا تقويمه بعد انحرافه ~~وأياما كان فليس في النظم الكريم تغيير الأسلوب رعاية لأمر مطلوب كما قيل ~~فإن ذلك إنما يكون فيما اقتضى الظاهر سبكا معينا ولكن يعدل عن ذلك لنكتة ~~أهم منه كما في قوله سبحانه الذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين فإن ~~مقتضى الظاهر أن يقال والذي يسقمني ويشفين ولكن غير إلى ما عليه النظم ~~الكريم تفاديا عن إسناد ما تكرهه النفس إليه سبحانه وليس المراد ببيان قصد ~~السبيل مجرد إعلام أنه مستقيم حتى يصح إسناد أنه جائر إليه تعالى فيحتاج ~~إلى الاعتذار عن عدم ذلك على أنه لو أريد ذاك لم يوجد لتغيير الأسلوب نكتة ~~وقد بين ذلك في مواضع غير معدودة بل المراد ما مر من نصب الأدلة لهداية ~~الناس إليه ولا إمكان لإسناد مثله إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر ~~بأن يقال وجائرها ثم يغير سبك النظم عن ذلك لداعية أقوى منه بل الجملة ~~الظرفية اعتراضية جيء بها لبيان الحاجة إلى البيان والتعديل وإظهار جلالة ~~قدر النعمة في ذلك والمعنى على الله تعالى بيان الطريق المستقيم الموصل إلى ~~الحق وتعديله بما ذكر من نصب الأدلة ليسلكه الناس باختيارهم ويصلوا إلى ~~المقصد وهذا هو الهداية المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا ~~الهداية المستلزمة للاهتداء البتة فإن ذلك مما ليس بحق على الله تعالى لا ~~بحسب ذاته ولا بحسب رحمته بل هو مخل بحكمته حيث يستدعيه تسوية المحسن ~~والمسيء والمطيع والعاصي بحسب الاستعداد وإليه أشير بقوله تعالى (ولو شاء ~~الله لهداكم أجمعين) أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد هداية ~~موصلة إليه البتة مستلزمة لاهتدائكم أجمعين لفعل ذلك ولكن لم يشأه لأن ~~مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها ولا PageV05P099 # حكمة في تلك المشيئة لما أن الذي عليه يدور فلك التكليف وإليه ينسحب ~~الثواب ms1859 والعقاب إنما هو الاختيار الجزئي الذي عليه يترتب الأعمال التي بها ~~نيط الجزاء هذا هو الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن الانتظام وقد فسر كون ~~قصد السبيل عليه تعالى بانتهائه إليه نهج الاستقامة وإيثار حرف الاستعلاء ~~على أداة الانتهاء لتأكيد الاستقامة على وجه تمثيلي من غير أن يكون هناك ~~استعلاء لشيء عليه سبحانه وتعالى عنه علوا كبيرا كما في قوله تعالى هذا ~~صراط على مستقيم فالقصد مصدر بمعنى الفاعل والمراد بالسبيل الجنس كما مر ~~وقوله تعالى ومنها جائر معطوف على الجملة الأولى والمعنى أن قصد السبيل ~~واصل إليه تعالى بالاستقامة وبعضها منحرف عنه ولو شاء لهداكم جميعا إلى ~~الأول وأنت خبير بأن هذا حق في نفسه ولكنه بمعزل عن نكتة موجبة لتوسيطه بين ~~ما سبق من أدلة التوحيد وبين ما لحق ولما بين الطريق السمعي للتوحيد على ~~وجه إجمالي وفصل بعض أدلته المتعلقة بأحوال الحيوانات وعقب ذلك ببيان السر ~~الداعي إليه بعثا للمخاطبين على التأمل فيما سبق وحثا على حسن التلقي لما ~~لحق أتبع ذلك ذكر ما يدل عليه من أحوال النبات فقيل (هو الذي أنزل) بقدرته ~~القاهرة (من السماء) أي من السحاب أو من جانب السماء (ماء) أي نوعا منه وهو ~~المطر وتأخره عن المجرور لما مر مرارا من أن المقصود هو الإخبار بأنه أنزل ~~من السماء شيئا هو الماء لا أنه أنزله من السماء والسر فيه ما سلف من أن ~~عند تأخير ما حقه التقديم يبقى الذهن مترقبا له مشتاقا إليه فيتمكن لديه ~~عند وروده عليه فضل تمكن (لكم منه شراب) أي ما تشربونه وهو إما مرتفع ~~بالظرف الأول أو مبتدأ وهو خبره والجملة صفة لماء والظرف الثاني نصب على ~~الحالية من شراب ومن تبعيضية وليس في تقديمه إيهام حصر المشروب فيه حتى ~~يفتقر إلى الاعتذار بأنه لا باس به لأن مياه العيون والأبيار منه لقوله ~~تعالى فسلكه ينابيع في الأرض وقوله تعالى فأسكناه في الأرض وقيل الظرف ~~الأول متعلق بأنزل والثاني خبر لشراب والجملة صفة لماء وأنت خبير ms1860 بأن ما ~~فيه من توسيط المنصوب بين المجرورين وتوسيط الثاني منهما بين الماء وصفته ~~مما لا يليق بجزالة نظم التنزيل الجليل (ومنه شجر) من ابتدائية أي ومنه ~~يحصل شجر ترعاه المواشي والمراد به ما ينبت من الأرض سواء كان له ساق أو لا ~~أو تبعيضية مجازا لأنه لما كان سقيه من الماء جعل كأنه منه كقوله أسنمة ~~الآبال في ربابه يعني به المطر الذي ينبت به الكلأ الذي تأكله الإبل فتسمن ~~أسنمتها وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ (فيه ~~تسيمون) ترعون من سامت الماشية وأسامها صاحبها وأصلها السومة وهي العلامة ~~لأنها تؤثر بالرعي علامات في الأرض (ينبت) أي الله عز وجل وقرئ بالنون (لكم ~~به) بما أنزل من السماء (الزرع والزيتون والنخيل والأعناب) بيان للنعم ~~الفائضة عليهم من الأرض PageV05P100 # بطريق الاستئناف وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار ~~وأنها سنته الجارية على مر الدهور أو لاستحضار صورة الإنبات وتقديم الظرفين ~~على المفعول الصريح لما مر آنفا مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به ~~لإدخال المسرة ابتداء وتقديم الزرع على ما عداه لأنه أصل الأغذية وعمود ~~المعاش وتقديم الزيتون لما فيه من الشرف من حيث إنه أدام من وجه وفاكهة من ~~وجه وتقديم النخيل على الأعناب لظهور أصالتها وبقائها وجمع الأعناب للإشارة ~~إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة وتخصيص الأنواع المعدودة ~~بالذكر مع اندراجها تحت قوله تعالى (ومن كل الثمرات) للإشعار بفضلها وتقديم ~~الشجر عليها مع كونه غذاء للأنعام لحصوله بغير صنع من البشر أو للإرشاد إلى ~~مكارم الأخلاق فإن مقتضاها أن يكون اهتمام الإنسان بأمر ما تحت يده وأكمل ~~من اهتمامه بأمر نفسه أو لأن أكثر المخاطبين من أصحاب المواشي ليس لهم زرع ~~ولا ثمر وقيل المراد تقديم ما يسام لا تقديم غذائه فإنه غذاء حيواني ~~للإنسان وهو أشرف الأغذية وقرئ ينبت من الثلاثي مسندا إلى الزرع وما عطف ~~عليه (إن في ذلك) أي في إنزال الماء وإنبات ما فصل (لآية) عظيمة ms1861 دالة على ~~تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة (لقوم ~~يتفكرون) فإن من تفكر في أن الحبة أو النواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة ~~تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض وينشق أعلاها ~~وإن كانت منتكسة في الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار ~~والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص ~~والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية مع ~~اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية بالنسبة إلى ~~الكل علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات ~~الكمال فضلا عن أن يشاركه أخص الأشياء في أخص صفاته التي هي الألوهية ~~واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علوا كبيرا وحيث افتقر سلوك هذه الطريقة إلى ~~ترتيب المقدمات الفكرية قطع الآية الكريمة بالتفكر (وسخر لكم الليل ~~والنهار) يتعاقبان خلفه لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها (والشمس ~~والقمر) يدأبان في سيرهما وإنارتهما اصالة وخلافة وإصلاحهما لما نيط بهما ~~صلاحه من المكونات التي من جملتها ما فصل وأجمل كل ذلك لمصالحكم ومنافعكم ~~وليس المراد بتسخيرها لها تمكينهم من تصرفها كيف شاءوا كما في قوله تعالى ~~سبحان الذي سخر لنا هذا ونظائره بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه ~~منافعهم ومصالحهم كان ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم وفي ~~التعبير عن ذلك التصريف بالتسخير إيماء إلى ما في المسخرات من صعوبة المأخذ ~~بالنسبة إلى المخاطبين وإيثار صيغة الماضي للدلالة على أن ذلك أمر واحد ~~مستمر وإن تجددت آثاره (والنجوم مسخرات بأمره) مبتدأ وخبر أي سائر النجوم ~~في PageV05P101 # حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات لله تعالى أو لما ~~خلقن له بإرادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور ~~بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص ~~بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملكوته تعالى من غير دلالة على شيء آخر ~~ولذلك عدل ms1862 عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام ~~والاستمرار وقرئ برفع الشمس والقمر أيضا وقرئ بنصب النجوم على أنه مفعول ~~أول لفعل مقدر ينبئ عنه الفعل المذكور ومسخرات مفعول ثان له أي وجعل النجوم ~~مسخرات بأمره أو على أنه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل ~~والعامل ما في سخر من معنى نفع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات الله الذي ~~خلقها ودبرها كيف شاء أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه أو مصدر ~~ميمي جمع لاختلاف الأنواع أي أنواعا من التسخير وما قيل من أن فيه إيذانا ~~بالجواب عما عسى يقال أن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها ~~بأن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا أمور ممكنة الذات والصفات واقعة على ~~بعض الوجوه الممكنة فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور ~~والتسلسل فمبناه حسبان ما ذكر أدلة على وجود الصانع تعالى وقدرته واختياره ~~وأنت تدرى أن ليس الأمر كذلك فإنه ليس مما ينازع فيه الخصم ولا يتلعثم في ~~قبوله قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون وقال تعالى ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله الآية وإنما ذلك أدلة التوحيد من ~~حيث أن من هذا شأنه لا يتوهم أن يشاركه شيء في شيء فضلا عن أن يشاركه ~~الجماد في الألوهية (إن في ذلك) أي فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر ~~مجملا ومفصلا (لآيات) باهرة متكاثرة (لقوم يعقلون) وحيث كانت هذه الآثار ~~العلوية متعددة ودلالة إما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على ~~الوحدانية أظهر جمع الآيات وعلقت بمجرد العقل من غير حاجة إلى التأمل ~~والتفكر ويجوز أن يكون المراد لقوم يعقلون ذلك فالمشار إليه حينئذ تعاجيب ~~الدقائق المودعة في العلويات المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى ~~لمعرفتها إلا المهرة من أساطين علماء الحكمة ولا ريب في أن احتياجها إلى ~~التفكر أكثر ms1863 (وما ذرأ) عطف على قوله تعالى والنجوم رفعا ونصبا على أنه ~~مفعول لجعل أي وما خلق (لكم في الأرض) من حيوان ونبات حال كونه (مختلفا ~~ألوانه) أي أصنافه فإن اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون مسخر لله تعالى ~~أو لما خلق له من الخواص والأحوال والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الألوان أي ~~الأصناف لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم وقد عطف على ما قبله من المنصوبات ~~وعقب بأن ذكر الخلق لهم مغن عن ذكر التسخير واعتذر بأن الأول لا يستلزم ~~الثاني لزوما عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال وقيل هو ~~منصوب بفعل مقدر أي خلق وأنبت على أن قوله مختلفا ألوانه حال من مفعوله (إن ~~في ذلك) الذي ذكر من التسخيرات ونحوها (لآية) بينة الدلالة على أن من هذا ~~شأنه واحد لا ند له ولا ضد (لقوم يذكرون) فإن ذلك غير محتاج إلا إلى تذكر ~~ما عسى يغفل عنه من العلوم PageV05P102 # الضرورية وأما ما يقال من أن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس ~~إلا بصنع صانع حكيم فمداره ما لو حنا به من حسبان ما ذكر دليلا على إثبات ~~الصانع تعالى وقد عرفت حقيقة الحال فإن إيراد ما يدل على اتصافه سبحانه بما ~~ذكر من صفات الكمال ليس بطريق الاستدلال عليه بل من المقدمات المسلمة جئ به ~~للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورة من وحدانيته تعالى واستحالة أن يشاركه ~~شيء في الألوهية (وهو الذي سخر البحر) شروع في تعداد النعم المتعلقة بالبحر ~~إثر تفصيل النعم المتعلقة بالبر حيوانا ونباتا أي جعله بحيث تتمكنون من ~~الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد (لتأكلوا منه لحما طريا) هو السمك ~~والتعبير عنه باللحم مع كونه حيوانا للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل ~~ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيه على وجوب المسارعة إلى أكله كيلا ~~يتسارع إليه الفساد كما ينبئ عنه جعل البحر مبتدأ أكله وللإيذان بكمال ~~قدرته تعالى في خلقه عذبا طريا في ماء زعاق ومن إطلاق اللحم عليه ذهب مالك ~~والثوري أن ms1864 من حلف لا يأكل اللحم حنث بأكله والجواب أن مبنى الإيمان العرف ~~ولا ريب في أنه لا يفهم من اللحم عند الإطلاق ولذلك لو أمر خادمه بشراء ~~اللحم فجاء بالسمك لم يكن ممتثلا بالأمر ألا يرى إلى أن الله تعالى سمى ~~الكافر دابة حيث قال إن شر الدواب عند الله الذين كفروا ولا يحنث بركوبه من ~~حلف لا يركب دابة (وتستخرجوا منه حلية) كاللؤلؤ والمرجان (تلبسونها) عبر في ~~مقام الامتنان عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لبسهن لأجلهم ~~(وترى الفلك) السفن (مواخر فيه) جواري فيه مقبلة ومدبرة ومعترضة بريح واحدة ~~تشقه بحيزومها من المخر وهو شق الماء وقيل هو صوت جرى الفلك (ولتبتغوا) عطف ~~على تستخرجوا وما عطف هو عليه وما بينهما اعتراض لتمهيد مبادئ الابتغاء ~~ودفع توهم كونه باستخراج الحلية أو على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ~~ولتبتغوا ذكره ابن الأنباري أو متعلقة بفعل محذوف أي وفعل ذلك لتبتغوا (من ~~فضله) من سعة رزقه بركوبها للتجارة (ولعلكم تشكرون) أي تعرفون حقوق نعمه ~~الجليلة فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد ولعل تخصيص هذه النعمة بالتعقيب ~~بالشكر من حيث إن فيها قطعا لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة في مدة قليلة من ~~غير مزاولة أسباب السفر بل من غير حركة أصلا مع أنها في تضاعيف المهالك ~~وعدم توسيط الفوز بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن ~~التصريح به وبحصولهما معا (وألقي في الأرض ورأسي) أي جبالا ثوابت وقد مر ~~تحقيقه في أول سورة الرعد (أن تميد بكم) كراهة أن تميل بكم وتضطرب أو لئلا ~~تميد بكم فإن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع ~~وكان من حقها أن تتحرك بالإستدارة كالأفلاك أو تتحرك بأدنى سبب محرك فلما ~~خلقت الجبال تفاوتت حافاتها وتوجهت الجبال PageV05P103 # بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد وقيل لما خلق الله تعالى الأرض جعلت ~~تمور فقالت الملائكة ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ~~«وأنهارا» أي وجعل فيه أنهارا لأن في ألقى معنى الجعل ms1865 «وسبلا لعلكم تهتدون» ~~بها إلى مقاصدكم «وعلامات» معالم يستدل بها السابلة بالنهار من جبل ومنهل ~~وريح وقد نقل أن جماعة يشمون التراب ويتعرفون به الطرقات «وبالنجم هم ~~يهتدون» بالليل في البراري والبحار حيث لا علامة غيره والمراد بالنجم الجنس ~~وقيل هو الثريا والفرقدان وبنات النعش والجدي وقرئ بضمتين وبضمة وسكون وهو ~~جمع كرهن ورهن وقيل الأول بطريق حذف الواو من النجوم للتخفيف ولعل الضمير ~~لقريش فإنهم كانوا كثيري التردد للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في ~~أسفارهم وصرف النظم عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص كأنه ~~قيل وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم ~~وأوجب عليهم «أفمن يخلق» هذه المصنوعات العظيمة ويفعل هاتيك الأفاعيل ~~البديعة أو يخلق كل شيء «كمن لا يخلق» شيئا أصلا وهو تبكيت للكفرة وإبطال ~~لإشراكهم وعبادتهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينها وبينه ~~سبحانه وتعالى بعد تعداد ما يقتضي ذلك اقتضاء ظاهرا وتعقيب الهمزة بالفاء ~~لتوجيه الإنكار إلى توهم المشابهة المذكورة على ما فصل من الأمور العظيمة ~~الظاهرة الاختصاص به تعالى المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يؤذن به ما ~~تلوناه من قوله تعالى ولئن سألتهم الآيتين والاقتصار على ذكر الخلق من ~~بينها لكونه أعظمها وأظهرها واستتباعه إياها أو لكون كل منها خلقا مخصوصا ~~أي أبعد ظهور اختصاصه تعالى بمبدئية هذه الشؤون الواضحة الدلالة على ~~وحدانيته تعالى وتفرده بالألوهية واستبداده باستحقاق العبادة يتصور ~~المشابهة بينه وبين ما هو بمعزل من ذلك بالمرة كما هو قضية إشراككم ومدارها ~~وإن كان على تشبيه غير الخالق بالخالق لكن التشبيه حيث كان نسبة تقوم ~~بالمنتسبين اختير ما عليه النظم الكريم مراعاة لحق سبق الملكة على العدم ~~وتفاديا عن توسيط عدمها بينها وبين جزئياتها المفصلة قبلها وتنبيها على ~~كمال قبح ما فعلوه من حيث إن ذلك ليس مجرد رفع الأصنام عن محلها بل هو حط ~~لمنزلة الربوبية إلى مرتبة الجمادات ولا ريب في أنه أقبح من الأول والمراد ~~بمن لا يخلق كل ما هذا شأنه كائنا ms1866 ما كان والتعبير عنه بما يختص بالعقلاء ~~للمشاكلة أو العقلاء خاصة ويعرف منه حال غيرهم لدلالة النص فإن من يخلق حيث ~~لم يكن كمن لا يخلق وهو من جملة العقلاء فما ظنك بالجماد وأياما كان فدخول ~~الأصنام في حكم عدم المماثلة والمشابهة إما بطريق الاندراج تحت الموصول ~~العام وإما بطريق الانفهام بدلالة النص على الطريقة البرهانية لا بأنها هي ~~المرادة بالموصول خاصة «أفلا تذكرون» أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه ~~لوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر PageV05P104 # «وإن تعدوا نعمة الله» تذكير إجمالي لنعمه تعالى بعد تعداد طائفة منها ~~وكان الظاهر إيراده عقيبها تكملة لها على طريقة قوله تعالى ويخلق مالا ~~تعلمون ولعل فصل ما بينهما بقوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~للمبادرة إلى إلزام الحجة وإلقام الحجر إثر تفصيل ما فصل من الأفاعيل التي ~~هي أدلة الوحدانية مع ما فيه من سر ستقف عليه ودلالتها عليها وإن لم تكن ~~مقصورة على حيثية الخلق ضرورة ظهور دلالتها من حيثية الإنعام أيضا لكنها ~~حيث كانت مستتبعات الحيثية الأولى استغنى عن التصريح بهائم بين حالها بطريق ~~الإجمال أي إن تعدو نعمته الفائضة عليكم مما ذكر وما لم يذكر حسبما يعرب ~~عنه قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا «لا تحصوها» أي لا ~~تطيقوا حصرها وضبط عددها ولو إجمالا فضلا عن القيام بشكرها قد خرجنا عن ~~عهدة تحقيقه في سورة إبراهيم بفضل الله سبحانه «إن الله لغفور» حيث يستر ما ~~فرط منكم من كفرانها والإخلال بالقيام بحقوقها ولا يعاجلكم بالعقوبة على ~~ذلك «رحيم» حيث يفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحرمان بما تأتون وتذرون ~~من أصناف الكفر التي من جملتها عدم الفرق بين الخالق وغيره وكل من ذلك نعمة ~~وأيما نعمة فالجملة تعليل للحكم بعدم الإحصاء وتقديم وصف المغفرة على نعت ~~الرحمة لتقدم التخلية على التحلية «والله يعلم ما تسرون» تضمرونه من ~~العقائد والأعمال «وما تعلنون» أي تظهرونه منهما وحذف العائد لمراعاة ~~الفواصل أي يستوي بالنسبة ms1867 إلى علمه المحيط سركم وعلنكم وفيه من الوعيد ~~والدلالة على اختصاصه سبحانه بنعوت الإلهية مالا يخفى وتقديم السر على ~~العلن لما ذكرناه في سورة البقرة وسورة هود من تحقيق المساواة بين علمية ~~المتعلقين بهما على أبلغ وجه كان علمه تعالى بالسر أقدم منه بالعلن أو لأن ~~كل شيء يعلن فهو قبل ذلك مضمر في القلب فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى ~~أقدم من تعلقه بحالته الثانية «والذين يدعون» شروع في تحقيق كون الأصنام ~~بمعزل من استحقاق العبادة وتوضيحه بحيث لا يبقى فيه شائبة ريب بتعديد ~~أوصافها وأحوالها المنافية لذلك منافاة ظاهرة وتلك الأحوال وإن كانت غنية ~~عن البيان لكنها شرحت للتنبيه على كمال حماقة عبدتها وأنهم لا يعرفون ذلك ~~إلا بالتصريح أي والآلهة الذين يعبدهم الكفار «من دون الله» سبحانه وقرئ ~~على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب «لا يخلقون شيئا» من الأشياء أصلا أي ~~ليس من شأنهم ذلك ولما لم يكن بين نفي الخالقية وبين المخلوقية تلازم بحسب ~~المفهوم وإن تلازما في الصدق أثبت لهم ذلك تصريحا فقيل «وهم يخلقون» أي ~~شأنهم ومقتضى ذاتهم المخلوقية لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهياتها ~~ووجوداتها إلى الموجد وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضاد والمقابلة بين ما ~~أثبت لهم وبين ما نفي PageV05P105 # عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية وللإيذان بعدم الافتقار إلى بيان ~~الفاعل لظهور اختصاص الفعل بفاعله جل جلاله ويجوز أن يجعل الخلق الثاني ~~عبارة عن النحت والتصوير رعاية للمشاكلة بينه وبين الأول ومبالغة في كونها ~~مصنوعين لعبدتهم وأعجز عنهم وإيذانا بكمال ركاكة عقولهم حيث أشركوا بخالقهم ~~مخلوقهم وأما جعل الأول أيضا أيضا عبارة عن ذلك كما فعل فلا وجه له إذ ~~القدرة على مثل ذلك الخلق ليست مما يدور عليه استحقاق العبادة أصلا ولما أن ~~إثبات المخلوقية لهم غير مستدع لنفي الحياة عنهم لما أن بعض المخلوقين ~~أحياء صرح بذلك فقيل «أموات» وهو خبر ثان للموصول لا للضمير كما قيل أو خبر ~~مبتدأ محذوف وحيث كان بعض الأموات مما يعتريه الحياة سابقا أو لاحقا كأجساد ms1868 ~~الحيوان والنطف التي ينشئها الله تعالى حيوانا احترز عن ذلك فقيل «غير ~~أحياء» أي لا يعتريها الحياة أصلا فهي أموات على الإطلاق وأما قوله تعالى ~~«وما يشعرون أيان يبعثون» أي ما يشعر أولئك الآلهة أيان يبعث عبدتهم فعلى ~~طريقة التهكم بهم لأن شعور الجماد بالأمور الظاهرة بديهي الاستحالة عند كل ~~أحد فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبير وفيه إيذان بأن البعث من لوازم ~~التكليف وإن معرفة وقته مما لابد منه في الألوهية «إلهكم إله واحد» لا ~~يشاركه شيء في شيء وهو تصريح بالمدعى وتمحيض للنتيجة غب إقامة الحجة ~~«فالذين لا يؤمنون بالآخرة» وأحوالها التي من جملتها ما ذكر من البعث وما ~~يعقبه من الجزاء المستلزم لعقوبتهم وذلتهم «قلوبهم منكرة» للوحدانية جاحدة ~~لها أو للآيات الدالة عليها «وهم مستكبرون» عن الاعتراف بها أو عن الآيات ~~الدالة عليها والفاء للإيذان بأن إصرارهم على الإنكار واستمرارهم على ~~الاستكبار وقع موقع النتيجة للدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة والمعنى أنه ~~قد ثبت بما قرر من الحجج والبينات اختصاص الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ~~ذلك إصرارهم على ما ذكر من الإنكار والاستكبار وبناء الحكم المذكور على ~~الموصول للإشعار بكونه معللا بما في حيز الصلة فإن الكفر بالآخرة وبما فيها ~~من البعث والجزاء المتنوع إلى الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية يؤدي ~~إلى قصر النظر على العاجل والإعراض عن الدلائل السمعية والعقلية الموجب ~~لإنكارها وإنكار مؤداها والاستكبار عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتصديقه وأما الإيمان بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى التأمل في الآيات ~~والدلائل رغبة ورهبة فيورث ذلك يقينا بالوحدانية وخضوعا لأمر الله تعالى ~~«لا جرم» أي حقا وقد مر تحقيقه في سورة هود «أن الله يعلم ما يسرون» من ~~إنكار قلوبهم «وما يعلنون» من استكبارهم وقولهم للقرآن أساطير الأولين وغير ~~ذلك من قبائحهم فيجازيهم بذلك «إنه لا يحب المستكبرين» تعليل لما تضمنه ~~الكلام من الوعيد أي لا يحب المستكبرين عن التوحيد أو عن الآيات الدالة ~~عليها أو PageV05P106 # لا يحب جنس المستكبرين ms1869 فكيف بمن استكبر عما ذكر «وإذا قيل لهم» أي لأولئك ~~المنكرين المستكبرين وهو بيان لإضلالهم غب بيان ضلالهم «ماذا أنزل ربكم» ~~القائل الوافدون عليهم أو المسلمون أو بعض منهم على طريق التهكم وماذا ~~منصوب بما بعده أو مرفوع أي أي شيء أنزل أو ما الذي أنزله «قالوا أساطير ~~الأولين» أي ما تدعون نزوله والمنزل بطريق السخرية أحاديث الأولين ~~وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء قيل هؤلاء القائلون هم المقتسمون الذين ~~اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سؤال وفود ~~الحاج عما نزل عليه صلى الله عليه وسلم «ليحملوا» متعلق بقالوا أي قالوا ما ~~قالوا ليحملوا «أوزارهم» الخاصة بهم وهي أوزار ضلالهم «كاملة» لم يكفر منها ~~شيء بنكبة أصابتهم في الدنيا كما يكفر بها أوزار المؤمنين «يوم القيامة» ~~ظرف ليحملوا «ومن أوزار الذين يضلونهم» وبعض أوزار من ضل بإضلالهم وهو وزر ~~الإضلال لأنهما شريكان هذا يضله وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر واللام ~~للتعليل في نفس الأمر من غير أن يكون غرضا وصيغة الاستقبال الدلالة على ~~استمرار الإضلال أو باعتبار حال قولهم لا حال الحمل «بغير علم» حال من ~~الفاعل أي يضلونهم غير عالمين بأن ما يدعون إليه طريق الضلال وأما حمله على ~~معنى غير عالمين بأنهم يحملون يوم القيامة أوزار الضلال والإضلال على أن ~~يكون العامل في الحال قالوا وتأييده بما سيأتي م قوله تعالى وأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون من حيث إن من حمل ما ذكر من أوزار الضلال والإضلال من ~~قبيل إتيان العذاب من حيث لا يشعرون فيرده أن الحمل المذكور إنما هو يوم ~~القيامة والعذاب المذكور إنما هو العذاب الدنيوي كما ستقف عليه أوحال من ~~المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وفائدة التقييد بها الإشعار بأن ~~مكرهم لا يروج عند ذي لب وإنما يتبعهم الأغبياء والجهلة والتنبيه على أن ~~جهلهم ذلك لا يكون عذرا إذ كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق ~~الحقيق بالاتباع وبين المبطل «ألا ساء ما يزرون» ms1870 أي بئس شيئا يزرونه ما ذكر ~~«قد مكر الذين من قبلهم» وعيد لهم برجوع غائلة مكرهم إلى أنفسهم كدأب من ~~قبلهم من الأمم الخالية الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب العاجل أي قدسوا ~~منصوبات ليمكروا بها رسل الله تعالى «فأتى الله» أي أمر ه وحكمه «بنيانهم» ~~وقرئ بيتهم وبيوتهم «من القواعد» وهي الأساطين التي تعمده أو أساسه فضعضعت ~~أركانه «فخر عليهم السقف من فوقهم» أي سقط عليهم سقف بنيانهم إذ لا يتصور ~~له القيام PageV05P107 # بعد تهدم القواعد شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد والمنصوبات ~~التي أرادوا بها الإيقاع برسل الله سبحانه وفي إبطاله تعالى تلك الحيل ~~والمكايد وجعله إياها أسبابا لهلاكهم بحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه ~~بالأساطين فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا وقرئ ~~فخر عليهم السقف بضمتين «وأتاهم العذاب» أي الهلاك والدمار «من حيث لا ~~يشعرون» بإتيانه منه بل يتوقعون إتيان مقابله مما يريدون ويشتهون والمعنى ~~أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطير الأولين سيأتيهم من ~~العذاب مثل ما أتاهم وهم لا يحتسبون والمراد به العذاب العاجل لقوله سبحانه ~~«ثم يوم القيامة يخزيهم» فإنه عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي هذا الذي ~~فهم من التمثيل من عذاب هؤلاء أو ما هو أعم منه ومما ذكر من عذاب أولئك ~~جزاؤهم في الدنيا ويوم القيامة يخزيهم أي يذلهم بعذاب الخزي على رؤس ~~الأشهاد وأصل الخزي ذل يستحي منه وثم للإيماء إلى ما بين الجزاءين من ~~التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني وتغيير السبك بتقديم الظرف ليس ~~لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادر من تقدير الظرف على الفعل بل ~~لأن الإخبار بجزائهم في الدنيا مؤذن بأن لهم جزاء أخرويا فتقي النفس مترقبة ~~إلى وروده سائلة عنه بأنه ماذا مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلام على ~~وجه يؤذن بأن المقصود بالذكر إخزاؤهم لا كونه يوم القيامة والضمير إما ~~للمفترين في حق القرآن الكريم أولهم ولمن مثلوا بهم من الماكرين كما أشير ms1871 ~~إليه وتخصيصه بهم يأباه السباق والسياق كما ستقف عليه «ويقول» لهم تفضيحا ~~وتوبيخا فهو الخ بيان للإخزاء «أين شركائي» أضافهم إليه سبحانه حكاية ~~لإضافتهم الكاذبة ففيه توبيخ إثر توبيخ مع الاستهزاء بهم «الذين كنتم ~~تشاقون فيهم» أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاء حقا حين ~~بينوا لكم بطلانها والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة أو المدافعة على ~~طريقة الاستهزاء والتبكيت والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم حقيقة حتى ~~يعتذر بأنهم يجوز أن يحال بينهم وبين عبدتهم حينئذ ليتفقدوها في ساعة علقوا ~~بها الرجاء فيها أو بأنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب بل يكفي في ذلك عدم ~~حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متصفون من عنوان الإلهية فليس هناك ~~شركاء ولا أماكنها على أن قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبين عندهم ~~الأمر حينئذ فرجعوا عن ذلك الزعم الباطل فكيف يتصور منهم التفقد وقرئ بكسر ~~النون أي تشاقونني على أن مشاقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين ~~لا سيما في شأن متعلق به سبحانه مشاقة له عز وجل (قال الذين أوتوا العلم) ~~من أهل الموقف وهم الأنبياء والمؤمنون الذين أوتوا علما بدلائل التوحيد ~~وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم أي توبيخا ~~لهم وإظهار للشماتة بهم وتقريرا لما كانوا يعظونهم وتحقيقا لما أوعدوهم به ~~وإيثار صيغة الماضي الدلالة على تحققه وتحتم وقوعه حسبما هو PageV05P108 # المعتاد في اخباره سبحانه وتعالى كقوله ونادى أصحاب الجنة ونادى أصحاب ~~الأعراف «إن الخزي» الفضيحة والذل والهوان «اليوم» منصوب بالخزي على رأي من ~~يرى إعمال المصدر المصدر باللام أو بالاستقرار في الظرف وفيه فصل بين ~~العامل والمعمول بالمعطوف إلا أنه مغتفر في الظروف وإبراده للإشعار بأنهم ~~كانوا قبل ذلك في عزة وشقاق «والسوء» العذاب «على الكافرين» بالله تعالى ~~وبآياته ورسله «الذين تتوفاهم الملائكة» بتأنيث الفعل وقرئ بتذكيره وبإدغام ~~التاء في التاء والعدول إلى صيغة المضارع لاستحضار صورة توفيهم إياهم لما ~~فيها من الهول والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين أو بدل منه أوفى ~~محل النصب ms1872 أو الرفع على الذم وفائدته تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره ~~إلى حين الموت دون من آمن منهم ولو في آخر عمره أي على الكافرين المستمرين ~~على الكفر إلى أن يتوفاهم الملائكة «ظالمي أنفسهم» أي حال كونهم مستمرين ~~على الكفر فإنه ظلم منهم لأنفسهم وأي ظلم حيث عرضوها للعذاب المخلد وبدلوا ~~فطرة الله تبديلا «فألقوا السلم» أي فيلقون والعدول إلى صيغة الماضي ~~الدلالة على تحقق الوقوع وهو عطف على قوله تعالى ويقول أين شركائي وما ~~بينهما جملة اعتراضية جيء بها تحقيقا لما حاق بهم من الخزي على رؤوس ~~الأشهاد أي فيسالمون ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه في الدنيا من ~~الكبر وشدة الشكيمة قائلين «ما كنا نعمل» في الدنيا «من سوء» أي من شرك ~~قالوه منكرين لصدوره عنهم كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين وإنما عبر واعنه ~~بالسوء اعترافا بكونه سيئا لا إنكارا لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم ~~ويجوز أن يكون تفسيرا للسلم على أن يكون المراد به الكلام الدال عليه وعلى ~~التقديرين فهو جواب عن قوله سبحانه أين شركائي في سورة الأنعام لا عن قول ~~أولى العلم ادعاء لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء «بلى» رد عليهم ~~من قبل أولى العلم وإثبات لما نفوه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون «إن الله ~~عليم بما كنتم تعملون» فهو يجازيكم عليه وهذا أوانه «فأدخلوا أبواب جهنم» ~~أي كل صنف بابه المعدلة وقيل أبوابها أصناف عذابها فالدخول عبارة عن ~~الملابسة والمقاساة «خالدين فيها» إن أريد بالدخول حدوثه فالحال مقدرة وإن ~~أريد مطلق الكون فيها فهي مقارنة «فلبئس مثوى المتكبرين» عن التوحيد كما ~~قال تعالى قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وذكرهم بعنوان التكبر للإشعار بعليته ~~لثوائهم فيها والمخصوص بالذم محذوف أي جهنم وتأويل قولهم ما كنا نعمل من ~~سوء بأنا ما كنا عاملين ذلك في اعتقادنا روما للمحافظة على أن لا كذب ثمة ~~يرده الرد المذكور وما فيه سورة الأنعام من قوله تعالى انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم PageV05P109 # «وقيل للذين اتقوا» أي ms1873 المؤمنين وصفوا بالتقوى إشعارا بأن ما صدر عنهم من ~~الجواب ناشئ عن التقوى «ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا» سلكوا في الجواب مسلك ~~السؤال من غير تلعثم ولا تغيير في الصورة والمعنى أي أنزل خيرا فإنه جواب ~~مطابق للسؤال ولسبك الواقع في نفس الأمر مضمونا وأما الكفرة فإنهم خذلهم ~~الله تعالى كما غيروا الجواب عن نهج الحق الواقع الذي ليس له من دافع غيروا ~~صورته وعدلوا بها عن سنن السؤال حيث رفعوا الأساطير روما لما مر من إنكار ~~النزول روى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا ~~إن لم تلفه كان خيرا لك فيقول أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع ~~أمر محمد وأراه فيلقى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فيخبرونه ~~بحقيقة الحال فهم الذين قالوا خيرا «للذين أحسنوا» أي أعمالهم أو فعلوا ~~الإحسان «في هذه» الدار «الدنيا حسنة» أي مثوبة حسنة مكافأة فيها «ولدار ~~الآخرة» أي مثوبتهم فيها «خير» مما أوتوا في الدنيا من المثوبة أو خير على ~~الإطلاق فيجوز إسناد الخيرية إلى نفس دار الآخرة «ولنعم دار المتقين» أي ~~دار الآخرة حذف لدلالة ما سبق عليه وهذا كلام مبتدأ مدح الله تعالى به ~~المتقين وعد جوابهم المحكى من جملة إحسانهم ووعدهم بذلك ثوابي الدنيا ~~والآخرة فلا محل له من الإعراب أو بدل من خيرا أو تفسير له أي انزل خيرا هو ~~هذا الكلام الجامع قالوه ترغيبا للسائل «جنات عدن» خبر مبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ خبره محذوف أي لهم جنات ويجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح «يدخلونها» ~~صفة لجنات على تقدير تنكير عدن وكذلك «تجري من تحتها الأنهار» أو كلاهما ~~حال على تقدير علميته «لهم فيها» في تلك الجنات «ما يشاؤون» الظرف الأول ~~خبر لما والثاني حال منه والعامل ما في الأول أو متعلق به أي حاصل لهم فيها ~~ما يشاءون من أنواع المشتهيات وتقديمه للاحتراز عن توهم ms1874 تعلقه بالمشيئة أو ~~لما مر مرارا من أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند ~~وروده عليها فضل تمكن «كذلك» مثل ذلك الجزاء الأوفى «يجزي الله المتقين» ~~اللام للجنس أي كل من يتقي من الشرك والمعاصي ويدخل فيه المتقون المذكورون ~~دخولا أوليا ويكون فيه بعث لغيرهم على التقوى أو للعهد فيكون فيه تحسير ~~للكفرة «الذين تتوفاهم الملائكة» نعت للمتقين وقوله تعالى «طيبين» أي ~~طاهرين عن دنس الظلم لأنفسهم حال من الضمير PageV05P110 # وفائدته الإيذان بأن ملاك الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى وقت ~~توفيهم ففيه حث للمؤمنين على الاستمرار على ذلك ولغيرهم على تحصيله وقيل ~~فرحين طيبي النفوس ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحهم ~~لتوجه نفسهم بالكلية إلى جناب القدس «يقولون» حال من الملائكة أي قائلين ~~لهم «سلام عليكم» قال القرظي رحمه الله إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك ~~الموت عليه السلام فقال السلام عليك يا ولي الله الله تعالى يقرأ عليك ~~السلام وبشره بالجنة «ادخلوا الجنة» اللام للعهد أي جنات عدن الخ لذلك جردت ~~عن النعت والمراد دخولهم لها في وقته فإن ذلك بشارة عظيمة وإن تراخي المبشر ~~به لا دخول القبر الذي هو روضة من رياضها إذ ليس في البشارة به ما في ~~البشارة بدخول نفس الجنة «بما كنتم تعملون» بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة ~~أو بالذي كنتم تعملونه من ذلك وقيل المراد بالتوفي التوفي للحشر لأن الأمر ~~بالدخول حينئذ يتحقق «هل ينظرون» أي ما ينتظر كفار مكة المار ذكرهم «إلا أن ~~تأتيهم الملائكة» لقبض أرواحهم بالعذاب جعلوا منتظرين لذلك وشتان بينهم ~~وبين انتظاره لا لأنه يلحقهم البتة لحوق الأمر المنتظر بل لمباشرتهم ~~لأسبابه الموجبة المؤدية إليه فكأنهم يقصدون إتيانه ويترصدون لوروده وقرئ ~~بتذكير الفصل «أو يأتي أمر ربك» التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ~~صلى الله عليه وسلم إشعار بأن إتيانه لطف به صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~عذابا عليهم والمراد بالأمر العذاب الدنيوي لا القيامة لكن لا لأن ms1875 انتظارها ~~يجامع انتظار إتيان الملائكة فلا يلائمه العطف بأو لأنها ليست نصافى العناد ~~إذ يجوز أن يعتبر منع الخلو ويراد بإيرادها كفاية كل واحد من الأمرين في ~~عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم ~~الآية صريح في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي «كذلك» أي مثل فعل ~~هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء «فعل الذين» خلوا «من قبلهم» من ~~الأمم «وما ظلمهم الله» بما سيتلى من عذابهم «ولكن كانوا» بما كانوا ~~مستمرين عليه من القبائح الموجبة لذلك «أنفسهم يظلمون» كان الظاهر أن يقال ~~ولكن كانوا هم الظالمين كما في سورة الزخرف لكنه أوثر ما عليه النظم الكريم ~~لإفادة أن غائلة ظلمهم آيلة إليهم وعاقبته مقصورة عليهم مع استلزام اقتصار ~~ظلم كل أحد على نفسه من حيث الوقوع اقتصاره عليه من حيث الصدور وقد مر ~~تحقيقه في سورة يونس «فأصابهم» عطف على قوله تعالى فعل الذين من قبلهم وما ~~بينهما اعتراض لبيان أن فعلهم ذلك ظلم لأنفسهم «سيئات ما عملوا» أي أجزية ~~أعمالهم السيئة على طريقة تسمية المسبب باسم سببه إيذانا بفظاعته لا على ~~حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم أعمالا غير سيئاتهم «وحاق بهم» أي أحاط بهم من ~~الحيق الذي هو إحاطة الشر وهو أبلغ من الإصابة وأفظع «ما كانوا به ~~يستهزؤون» من العذاب PageV05P111 # «وقال الذين أشركوا» أي أهل مكة وهو بيان لفن آخر من كفرهم والعدول عن ~~الإضمار إلى الموصول لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمهم بذلك من أول الأمر ~~«لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء» أي لو شاء عدم عبادتنا لشيء غيره ~~كما تقول لما عبدنا ذلك «نحن ولا آباؤنا» الذي نقتدي بهم في ديننا «ولا ~~حرمنا من دونه من شيء» من السوائب والبحائر وغيرها وإنما قالوا ذلك تكذيبا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم وطعنا في الرسالة رأسا متمسكين بأن ما شاء الله ~~تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع فلو أنه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئا ms1876 ولا ~~نحرم مما حرمنا شيئا كما يقول الرسل وينقلونه من جهة الله عز وجل لكان ~~الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك وما يتبعهما وحيث لم يكن كذلك ثبت ~~أنه لم يشأ شيئا من ذلك وإنما يقوله الرسل من تلقاء أنفسهم فأجيب عنه بقوله ~~عز وجل «كذلك» أي مثل ذلك الفعل الشنيع «فعل الذين من قبلهم» من الأمم أي ~~أشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ ~~وهدوهم إلى الحق «فهل على الرسل» الذين يبلغون رسالات الله وعزائم أمره ~~ونهيه «إلا البلاغ المبين» أي ليست وظيفتهم إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحا ~~أو موضحا وإبانة طريق الحق وإظهار أحكام الوحي الذي من جملتها تحتم تعلق ~~مشيئة الله تعالى باهتداء من صرف قدرته واختباره إلى تحصيل الحق لقوله ~~تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذ ~~قولهم عليهم شاءوا أو أبواكما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من وظيفتهم ولا ~~من الحكمة التي عليها يدور أمر التكليف في شيء حتى يستدل بعدم ظهور آثاره ~~على عدم حقيقة الرسل أو على عدم تعلق مشيئته تعالى بذلك فإن ما يترتب عليه ~~الثواب والعقاب من أفعال العباد لابد في تعلق مشيئته تعالى بذلك فإن ما ~~يترتب عليه الثواب والعقاب من أفعال العباد لابد في تعلق مشيئته تعالى ~~بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية له وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله وإلا ~~لكان الثواب والعقاب اضطراريين فالفاء للتعليل كأنه قيل كذلك فعل أسلافهم ~~وذلك باطل فإن الرسل ليس شأنهم إلا تبليغ أوامر الله تعالى ونواهيه لا ~~تحقيق مضمونهما وإجراء موجبهما على الناس قسرا وإلجاء وإبراد كلمة على ~~للإيذان بأنهم في ذلك مأمورون أو بأن ما يبلغونه حق للناس عليهم إيفاؤه ~~وبهذا ظهر أن حمل قولهم لو شاء الله الخ على الاستهزاء لا يلائم الجواب ~~والله تعالى أعلم بالصواب «ولقد بعثنا في كل أمة رسولا» تحقيق لكيفية تعلق ~~مشيئته تعالى بأفعال العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف الرسالة ولا ~~من باب المشيئة ms1877 المتعلقة بما يدور عليه الثواب والعقاب من الأفعال ~~الاختيارية لهم أي بعثنا في كل أمة من الأمم الخالية رسولا خاصة بهم «أن ~~اعبدوا الله» يجوز أن تكون أن مفسرة لما في البعث من معنى القول وأن تكون ~~مصدرية أي بعثنا بأن اعبدوا الله حده «واجتنبوا PageV05P112 # الطاغوت» هو الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلالة «فمنهم» أي من تلك الأمم ~~والفاء فصيحة أي فبلغوا ما بعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتناب ~~الطاغوت فتفرقوا فمنهم «من هدى الله» إلى الحق الذي هو عبادته واجتناب ~~الطاغوت بعد صرف قدرتهم واختيارهم الجزئي إلى تحصيله «ومنهم من حقت عليه ~~الضلالة» أي وجبت وثبتت إلى حين الموت لعناده وإصراره عليها وعدم صرف قدرته ~~إلى تحصيل الحق وتغيير الأسلوب للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارهم كقوله تعالى ~~وإذا مرضت فهو يشفين فلم يكن كل من مشيئة الهداية وعدمها إلا حسبما حصل ~~منهم من التوجه إلى الحق وعدمه إلا بطريق القسر والإلجاء حتى يستدل بعدمهما ~~على عدم تعلق مشيئته تعالى بعبادتهم له تعالى وحده «فسيروا» يا معشر قريش ~~«في الأرض فانظروا» في أكنافها «كيف كان عاقبة المكذبين» من عاد وثمود ومن ~~سار سيرتهم ممن حقت عليه الضلالة لعلكم تعتبرون حين تشاهدون في منازلهم ~~وديارهم آثار الهلاك والعذاب وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت ~~الضلالة عليهم من غير إخبار بحلول العذاب للإيذان بأنه غني عن البيان وأن ~~ليس الخبر كالعيان وترتيب النظر على السير لما أنه بعده وأن ملاك الأمر في ~~تلك العاقبة هو التكذيب والتعلل بأنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ~~«إن تحرص» خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقرئ بفتح الراء وهي لغية ~~«على هداهم» أي إن تطلب هدايتهم بجهدك «فإن الله لا يهدي من يضل» أي فاعلم ~~أنه تعالى لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره ~~والمراد به قريش وإنما وضع الموصول موضع الضمير للتنصيص على أنهم ممن حقت ~~عليه الضلالة وللإشعار بعلة الحكم ويجوز أن ms1878 يكون المذكور علة للجزاء ~~المحذوف أي إن تحرص على هداهم فلست بقادر على ذلك لأن الله لا يهدي من يضله ~~وهؤلاء من جملتهم وقرئ لا يهدي على بناء المفعول أي لا يقدر أحد على هداية ~~من يضله الله تعالى وقرئ لا يهدي بفتح الهاء وإدغام تاء يهتدي في الدال ~~ويجوز أن يكون يهدي بمعنى يهتدي وقرئ يضل بفتح الياء وقرئ لا هادي لمن يضل ~~ولمن أضل «وما لهم من ناصرين» ينصرونهم في الهداية أو يدفعون العذاب عنهم ~~وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير فإن مقابلة الجمع ~~بالجمع يقتضي انقسام الآحاد إلى الآحاد لا لأن المراد نفي طائفة من ~~الناصرين من كل منهم «وأقسموا بالله» شروع في بيان فن آخر من أباطيلهم وهو ~~إنكارهم البعث «جهد أيمانهم» مصدر في موقع الحال أي جاهدين في أيمانهم «لا ~~يبعث الله من يموت» ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغ رد بقوله الحق «بلى» أي ~~بلى يبعثهم «وعدا» مصدر مؤكد لما دل عليه بلى فإن ذلك موعد من الله سبحانه ~~أو المحذوف أي وعد بذلك وعدا «عليه» صفة لوعد أي وعدا ثابتا عليه ~~PageV05P113 # إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث من مقتضيات الحكمة «حقا» صفة ~~أخرى له أو نصب على المصدرية أي حق حقا «ولكن أكثر الناس» لجهلهم بشؤون ~~الله عز شأنه من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز ~~عليه وما لا يجوز وعدم وقوفهم على سر التكوين والغاية القصوى منه وعلى أن ~~البعث مما يقتضيه الحكمة التي جرت عادته سبحانه بمراعاتها «لا يعلمون» أنه ~~يبعثهم فيبتون القول بعدمه أو أنه وعد عليه حق فيكذبونه قائلين لقد وعدنا ~~نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين «ليبين لهم» غاية لما دل ~~عليه بلى من البعث والضمير لمن يموت إذ التبيين يعم المؤمنين أيضا فإنهم ~~وإن كانوا عالمين بذلك لكنه عند معاينة حقيقة الحال يتضح الأمر فيصل علمهم ~~إلى مرتبة عين اليقين أي يبعثهم ليبين لهم بذلك وبما ms1879 يحصل لهم من مشاهدة ~~الأحوال كما هي ومعاينتها بصورها الحقيقية الشأن «الذي يختلفون فيه» من ~~الحق المنتظم لجميع ما خالفوه مما جاء به الشرع المبين ويدخل فيه البعث ~~دخولا أوليا «وليعلم الذين كفروا» بالله سبحانه بالإشراك وإنكار البعث ~~وتكذيب وعده الحق «أنهم كانوا كاذبين» في كل ما يقولون لا سيما في قولهم لا ~~يبعث الله من يموت والتعبير عن الحق بالموصول للدلالة على فخامته وللإشعار ~~بعلية ما ذكر في حيز الصلة للتبيين وما عطف عليه وجعلهما غاية للبعث المشار ~~إليه باعتبار وروده في معرض الرد على المخالفين وإبطال مقالة المعاندين ~~المستدعى للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويلجئهم إلى الإذعان للحق فإن ~~الكفرة إذا علموا أن تحقيق البعث إذا كان لتبيين أنه حق وليعلموا أنهم ~~كاذبون في إنكاره كان ذلك أزجر لهم عن إنكاره وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة ~~أنه يدل على صدق العزيمة على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلي لأصلين ~~رغما لأنفك وإظهار لكذبك ولأن تكرر الغايات أدل على وقوع الفعل المغيابها ~~وإلا فالغاية الأصلية للبعث باعتبار ذاته إنما هو الجزاء الذي هو الغاية ~~القصوى للخلق المغيا بمعرفته عز وجل وعبادته وإنما لم يذكر ذلك لتكرار ذكره ~~في مواضع أخر وشهرته وإنما لم يدرج علم الكفار بكذبهم تحت التبيين بأن يقال ~~وإن الذين كفروا كانوا كاذبين بل جئ بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما تعلق به ~~التبيين الذي هو عبارة عن إظهار ما كان مبهما قبل ذلك بأن يخبر به فيختلف ~~فيه كالبعث الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون وأما كذب الكافرين ~~فليس من هذا القبيل فما يتعلق به علم ضروري حاصل لهم من قبل أنفسهم وقد مر ~~تحقيقه في سورة التوبة عند قوله تعالى حتى يتبين لك الذين صدقوا وإنما خص ~~الإسناد بهم حيث لم يقل وليعلموا أن الكافرين الآية لأن علم المؤمنين بذلك ~~حاصل قبل ذلك أيضا «إنما قولنا» استئناف لبيان كيفية التكوين على الإطلاق ~~إبداء وإعادة بعد التنبيه على إنية البعث ومنه يظهر كيفيته ms1880 فما كافة وقولنا ~~مبتدأ وقوله «لشيء» أي أي شيء كان مما عزو هان متعلق به على أن اللام ~~للتبليغ كهي في قولك قلت له قم فقام وجعلها الزجاج سببية أي لأجل شيء وليس ~~بواضح والتعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى به لا أنه ~~كان شيئا PageV05P114 # قبل ذلك «إذا أردناه» ظرف لقولنا أي وقت إرادتنا لوجوده «أن نقول له كن» ~~خبر للمبتدأ «فيكون» إما عطف على مقدر يفصح عنه الفاء وينسحب عليه الكلام ~~أي فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإما ~~جواب لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون وليس هناك قول ولا مقول له ولا ~~أمر ولا مأمور حتى يقال إنه يلزم منه أحد المحالين إما خطاب المعدوم أو ~~تحصيل الحاصل أو يقال إنما يستدعيه انحصار قوله تعالى كن وليس يلزم منه ~~انحصار أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون فإن المراد بالأمر هو الشأن الشامل للقول والفعل ومن ~~ضرورة انحصاره في كلمة كن انحصار أسبابه على الإطلاق فيه بل إنما هو تمثيل ~~لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى بها وتصوير لسرعة حدوثها بما ~~هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع فالمعنى إنما ~~إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون ولما عبر عنه ~~بالأمر الذي هو قول مخصوص وجب أن يعبر عن مطلق الإيجاد بالقول المطلق فتأمل ~~وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالة ما يحار فيه العقول والألباب وقرئ ~~بنصب يكون عطفا على نقول أو تشبيها له بجواب الأمر «والذين هاجروا في الله» ~~أي في شأن الله تعالى ورضاه وفي حقه ولوجهه «من بعد ما ظلموا» ولعلهم الذين ~~ظلمهم أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوهم من ديارهم ~~فهاجروا إلى الحبشة ثم بوأهم الله تعالى المدينة حسبما وعد بقوله سبحانه ~~«لنبوئنهم في الدنيا حسنة» أي ms1881 مباءة حسنة أو تبوئة حسنة كما قال قتادة وهو ~~الأنسب بما هو المشهور من كون السورة غير ثلاث آيات من آخرها مكية وأما ما ~~نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب ~~وعايس وجبير وأبي جندل بن سهيل أخذهم المشركون فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن ~~الإسلام فأما صهيب فقال لهم أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت ~~عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال ~~ربح البيع يا صهيب وقال عمر رضي الله عنه نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم ~~يعصه فإنما يناسب ما حكى عن الأصم من كون كل السورة مدنية وما نقل عن قتادة ~~من كون هذه الآية إلى آخر السورة مدنية فيحمل ما نقلناه عنه من نزول الآية ~~في أصحاب الهجرتين على أن يكون نزولها بالمدينة بين الهجرتين وأما جعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من جملتهم فلا يساعده نظم التنزيل ولا شأنه الجليل ~~وقرئ لنثوينهم ومعناه إثواءة حسنة أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي ~~الغلبة على من ظلمهم من أهل مكة وعلى العرب قاطبة وأهل الشرق والغرب كافة ~~«ولأجر الآخرة» أي أجر أعمالهم المذكورة في الآخرة «أكبر» مما يعجل لهم في ~~الدنيا وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال ~~له خذ بارك الله تعالى لك فيه هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما ادخر ~~في الآخرة أفضل «لو كانوا يعلمون» الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى ~~يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين وقيل للمهاجرين ~~PageV05P115 # أي لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد أو لما تألموا لما أصابهم من ~~المهاجرة وشدائدها «الذين صبروا» على الشدائد من أذية الكفار ومفارقة الأهل ~~والوطن وغير ذلك ومحله النصب أو الرفع على المدح «وعلى ربهم» خاصة ~~«يتوكلون» منقطعين إليه تعالى معرضين عما سواه مفوضين إليه الأمر كله ~~والجملة إما معطوفة ms1882 على الصلة وتقديم الجار والمجرور للدلالة على قصر ~~التوكل على الله تعالى وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام التوكل أو حال من ~~ضمير صبروا «وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم» وقرئ بالياء مبنيا ~~للمفعول وهو رد لقريش حين قالوا الله أجل من أن يكون له رسول من البشر كما ~~هو مبني قولهم لو شاء الله ما عبدنا الخ أي جرت السنة الإلهية حسبما اقتضته ~~الحكمة بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحى إليهم بواسطة الملك أوامره ~~ونواهيه ليبلغوها الناس ولما كان المقصود من الخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تنبيه الكفار على مضمونه صرف الخطاب إليهم فقيل «فاسألوا أهل ~~الذكر» أي أهل الكتاب أو علماء الأخبار أو كل من يذكر بعلم وتحقيق ليعلموكم ~~ذلك «إن كنتم لا تعلمون» حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه وفيه دلالة على أنه ~~لم يرسل للدعوة العامة ملكا وقوله تعالى جاعل الملائكة رسلا معناه رسلا إلى ~~الملائكة أو إلى الرسل ولا امرأة ولا صبيا ولا ينافيه نبوة عيسى عليه ~~الصلاة والسلام وهو في المهد لأنها أعم من الرسالة وإشارة إلى وجوب ~~المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم «بالبينات والزبر» بالمعجزات والكتب ~~والباء متعلقة بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال بم أرسلوا فقيل أرسلوا ~~بالبينات والزبر أو بما أرسلنا داخلا تحت الاستثناء مع رجالا عند من يجوزه ~~أي ما أرسلنا إلا رجالا بالبينات كقولك ما ضربت إلا زيدا بالسوط أو على نية ~~التقديم قبل أداة الاستثناء أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا ~~رجالا عند من يجوز تأخر صلة ما قبل إلا إلى ما بعده أو بما وقع صفة ~~للمستثنى أي إلا رجالا ملتبسين بالبينات أو بنوحي على المفعولية أو الحالية ~~من القائم مقام فاعل يوحى وهو إليهم على أن قوله تعالى فاسئلوا اعتراض أو ~~بقوله لا تعلمون على أن الشرط للتبكيت كقول الأجير إن كنت عملت لك فأعطني ~~حقي «وأنزلنا إليك الذكر» أي القرآن وإنما سمي به لأنه تذكير وتنبيه ms1883 ~~للغافلين «لتبين للناس» كافة ويدخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا «ما نزل ~~إليهم» في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة ~~بأفانين العذاب حسب أعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا كما ~~ينبئ عنه صيغة التفعيل في الفعلين لا سيما بعد ورود الثاني أولا على صيغة ~~الأفعال ولما أن التبيين أعم من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل ~~عليه دخل تحته القياس على الإطلاق سواء كان في الأحكام الشرعية أو غيرها ~~ولعل قوله عز وجل «ولعلهم يتفكرون» إشارة إلى PageV05P116 # ذلك أي إرادة أن يتأملوا فيتنبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترزوا عما ~~يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب «أفأمن الذين مكروا السيئات» هم ~~أهل مكة الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صد أصحابه عن ~~الإيمان عليهم الرضوان لا الذين احتالوا الهلاك الأنبياء كما قيل ولا من ~~يعم الفريقين لما أن المراد تحذير هؤلاء عن إصابة مثل ما أصاب أولئك من ~~فنون العذاب المعدودة والسيئات نعت لمصدر محذوف أي مكروا المكرات السيئات ~~التي قصت عنهم أو مفعول به للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل أي علموا ~~السيئات فقوله تعالى «أن يخسف الله بهم الأرض» مفعول لأمن أو السيئات صفة ~~لما هو المفعول أي أي أفأمن الماكرون العقوبات السيئة وقوله أن يخسف الخ ~~بدل من ذلك وعلى كل حال فالفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم أي ~~أنزلنا إليك الذكر لتبين لهم مضمونه الذي من جملته أنباء الأمم المهلكة ~~بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئات أن ~~يخسف الله بهم الأرض كما فعل بقارون على توجيه الإنكار إلى المعطوفين معا ~~أو أتفكروا فأمنوا على توجيهه إلى المعطوف على أن الأمن بعد التفكر مما لا ~~يكاد يفعله أحد وقيل هو عطف على مقدر ينبئ عنه الصلة أي أمكر فأمن الذين ~~مكروا الخ «أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون» بإتيانه أي في حالة غفلتهم ~~أو من مأمنهم ms1884 أو من حيث يرجون إتيان ما يشتهون كما حكى فيما سلف مما نزل ~~بالماكرين «أو يأخذهم في تقلبهم» أي في حالة تقلبهم في مسائرهم ومتاجرهم ~~«فما هم بمعجزين» بممتنعين أو فائتين بالهرب والفرار على ما يوهمه حال ~~التقلب والسير والفاء إما لتعليل الأخذ أو لترتيب عدم الإعجاز عليه دلالة ~~على دوام النفي لا نفي الدوام «أو يأخذهم على تخوف» أي مخافة وحذر عن ~~الهلاك والعذاب بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم العذاب وهم متخوفون ~~وحيث كانت حالتا التقلب والتخوف مظنة للهرب عبر عن إصابة العذاب فيهما ~~بالأخذ وعن إصابته حالة الغفلة المنبئة عن السكون بالإيتان وقيل التخوف ~~التنقص قال قائلهم * تخوف الرحل منها تامكا قردا * كما تخوف عود النبعة ~~السفن * أي يأخذهم على أن ينقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى ~~يهلكوا والمراد بذكر الأحوال الثلاث بيان قدرة الله سبحانه على إهلاكهم بأي ~~وجه كان لا الحصر فيها «فإن ربكم لرؤوف رحيم» حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ~~ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها PageV05P117 # «أولم يروا» استفهام إنكاري وقرئ على صيغة الخطاب والواو للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي ألم ينظروا ولم يروا متوجهين «إلى ما خلق الله من شيء» أي ~~من كل شيء «يتفيأ ظلاله» أي يرجع شيئا فشيئا حسبما يقتضيه إرادة الخالق ~~تعالى فإن التفيؤ مطاوع الإفاءة وقرئ بتأنيث الفعل «عن اليمين والشمائل» أي ~~ألم يروا الأشياء التي لها ظلال متفيئة عن إيمانها وشمائلها أي عن جانبي كل ~~واحد منها استعير لهما ذلك من يمين الإنسان وشماله «سجدا لله» حال من ~~الظلال كقوله تعالى وظلالهم بالغدو والآصال والمراد بسجودها تصرفها على ~~مشيئة الله سبحانه وتأتيها لإرادته تعالى في الامتداد والتقلص وغيرهما غير ~~ممتنعة عليه فيما سخرها له وقوله تعالى «وهم داخرون» أي صاغرون منقادون حال ~~من الضمير في ظلاله والجمع باعتبار المعنى وإيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء ~~لما أن الدخور من خصائصهم والمعنى ترجع الظلال من جانب إلى جانب بارتفاع ~~الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها فإنها كل يوم من أيام ms1885 السنة ~~تتحرك على مدار معين من المدارات اليومية بتقدير العزيز العليم منقادة لما ~~قدر لها من التفيؤ أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والحال ~~أن أصحابها من الأجرام داخرة منقادة لحكمه تعالى ووصفها بالدخور مغن عن وصف ~~ظلالها به أو كلاهما حال من الضمير المشار إليه والمعنى ترجع ظلال تلك ~~الأجرام حال كونها منقادة لله تعالى داخرة فوصفها بهما مغن عن وصف ظلالها ~~بهما ولعل المراد بالموصول الجمادات من الجبال والأشجار والأحجار التي لا ~~يظهر لظلالها أثر سوى التفيؤ بما ذكر من ارتفاع الشمس وانحدارها أو اختلاف ~~مشارقها ومغاربها وأما الحيوان فظله يتحرك بتحركه وقيل المراد باليمين ~~والشمائل يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب منه تظهر آخذة في ~~الارتفاع والسطوع وشماله وهو جانبه الغربي المقابل له فإن الظلال في أول ~~النهار تبتدئ من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ ~~من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها وبعد ما بين سجود الظلال وأصحابها من ~~الأجرام السفلية الثابتة في أخبارها ودخورها له سبحانه وتعالى شرع في بيان ~~سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أو لا فقيل «ولله ~~يسجد» أي له تعالى وحده يخضع وينقاد لا لشيء غيره استقلالا أو اشتراكا ~~فالقصر ينتظم القلب والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبين قصر الإفراد كما ~~يؤذن به قوله تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين «ما في السماوات» ~~قاطبة «وما في الأرض» كائنا ما كان «من دابة» بيان لما في الأرض وتقديمه ~~لقلته ولئلا يقع بين المبين والمبين فصل والإفراد مع أن المراد الجمل ~~لإفادة وضوح شمول السجود لكل فرد من الدواب قال الأخفش هو كقولك ما أتاني ~~من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله «والملائكة» عطف PageV05P118 # على ما في السماوات عطف جبريل على الملائكة تعظيما وإجلالا أو على أن ~~يراد بما في السماوات الخلق الذي يقال له الروح أو يراد به ملائكة السماوات ~~وبقوله والملائكة ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم «وهم» أي الملائكة ms1886 مع علو ~~شأنهم «لا يستكبرون» عن عبادته عز وجل والسجود له وتقديم الضمير ليس للقصر ~~والجملة إما حال من ضمير الفاعل في يسجد مسند إلى الملائكة أو استئناف أخبر ~~عنهم بذلك «يخافون ربهم» أي مالك أمرهم وفيه تربية للمهابة وإشعار بعلة ~~الحكم «من فوقهم» أي يخافون جل وعلا خوف هيبة وإجلال وهو فوقهم بالقهر ~~كقوله تعالى وهو القاهر فوق عباده أو يخافون أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم ~~والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون أو بيان له وتقرير لأن من يخاف الله ~~سبحانه لا يستكبر عن عبادته «ويفعلون ما يؤمرون» أي ما يؤمرون به من ~~الطاعات والتدبيرات وإيراد الفعل مبنيا للمفعول جرى على سنن الجلالة وإيذان ~~بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه وفيه أن ~~الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء وبعد ما بين أن جميع الموجودات ~~يخصون الخضوع والانقياد الطبيعي وما يجرى مجراه من عبادة الملائكة حيث لا ~~يتصور منهم عدم الانقياد أصلا لله عز وجل أردف ذلك بحكاية نهيه سبحانه ~~وتعالى للمكلفين عن الإشراك فقيل «وقال الله» عطفا على قوله ولله يسجد ~~وإظهار الفاعل وتخصيص لفظه الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعين الألوهية ~~وإنما المنهي عنه هو الإشراك به لا أن المنهي عنه مطلق اتخاذ إلهين بحيث ~~يتحقق الانتهاء عنه برفض أيهما كان أي قال تعالى لجميع المكلفين «لا تتخذوا ~~إلهين اثنين» وإنما ذكر العدد مع أن صيغة التثنية مغنية عن ذلك دلالة على ~~أن مساق النهي هي الاثنينية وإنها منافية للألوهية كما أن وصف الإله ~~بالوحدة في قوله تعالى «إنما هو إله واحد» لدلالة على أن المقصود إثبات ~~الوحدانية وأنها من لوازم الإلهية وأما الإلهية فأمر مسلم الثبوت له سبحانه ~~وإليه أشير حيث أسند إليه القول وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة على رأى ~~من اكتفى في تحقق الالتفات بكون الأسلوب الملتفت عنه حق الكلام ولم يشترط ~~سبق الذكر على ذلك الوجه «فإياي فارهبون» التفات من الغيبة إلى التكلم ~~لتربية المهابة وإلقاء الرهبة في ms1887 القلوب ولذلك قدم وكرر الفعل أي إن كنتم ~~راهبين شيئا فإياي ارهبوا فارهبوا لا غير فإني ذلك الواحد الذي يسجد له ما ~~في السماوات والأرض «وله ما في السماوات والأرض» خلقا وملكا تقرير لعلة ~~انقياد ما فيها له سبحانه خاصة وتحقيق لتخصيص الرهبة به تعالى وتقديم الظرف ~~لتقوية ما في اللام من معنى الاختصاص وكذا في قوله تعالى «وله الدين» أي ~~الطاعة والانقياد «واصبا» أي واجبا ثابتا لا زوال له لما تقرر أنه الإله ~~وحده الحقيق بأن يرهب وقيل واصبا من الوصب أي وله الدين ذا كلفة وقيل الدين ~~الجزاء أي وله PageV05P119 # الجزاء الدائم بحيث لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر «أفغير الله ~~تتقون» الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه السياق أي أعقيب ~~تقرر الشؤون المذكور من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله ~~له ونهيه عن اتخاذ الأنداد وكون الدين له واصبا المستدعى ذلك لتخصيص التقوى ~~به سبحانه غير الله الذي شأنه ما ذكر تتقون فتطيعون «وما بكم» أي أي شيء ~~يلابسكم ويصاحبكم «من نعمة» أية نعمة كانت «فمن الله» فهي من الله فما ~~شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الأخبار دون الحصول فإن ملابسة ~~النعمة بهم سبب للإخبار بأنها منه تعالى لا لكونها منه تعالى «ثم إذا مسكم ~~الضر» مساما يسيرا «فإليه تجأرون» تتضرعون في كشفه لا إلى غيره والجؤار رفع ~~الصوت بالدعاء والاستغاثة قال الأعشى * يراوح من صلوات المليك * طورا سجودا ~~وطورا جؤارا * وقرئ تجرون بطرح الهمزة وإلقاء حركتها إلى ما قبلها وفي ذكر ~~المساس المنبئ عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المعربة عن الحدوث مع ~~ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية الضر بلام الجنس المفيدة ~~لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة بالجملة الاسمية ~~الدالة على الدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء الصاحبة وإيراد ما ~~المعربة عن العموم مالا يخفى من الجزالة والفخامة ولعل إيراد إذا دون إن ~~للتوسل به إلى تحقق وقوع ms1888 الجواب «ثم إذا كشف الضر عنكم» وقرئ كاشف الضر ~~وكلمة ثم ليست للدلالة على تمادى زمان مساس الضر ووقوع الكشف بعد برهة ~~مديدة بل للدلالة على تراخي رتبة ما يترتب عليه من مفاجأة الإشراك المدلول ~~عليها بقوله سبحانه «إذا فريق منكم بربهم يشركون» فإن ترتبها على ذلك في ~~أبعد غاية من الضلال ثم إن وجه الخطاب إلى الناس جميعا فمن للتبعيض والفريق ~~فريق الكفرة وأن وجه إلى الكفرة فمن للبيان كأنه قيل إذا فريق كافر وهم ~~أنتم ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر وازدجر كقوله تعالى فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد فمن تبعيضية أيضا التعرض لوصف الربوبية للإيذان بكمال قبح ما ~~ارتكبوه من الإشراك والكفر ان «ليكفروا بما آتيناهم» من نعمة الكشف عنهم ~~كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفر ان النعمة وإنكار كونها من الله عز وجل ~~«فتمتعوا» أمر تهديد والالتفات إلى الخطاب للإيذان بتناهي السخط وقرئ ~~بالياء مبنيا للمفعول عطفا على ليكفروا على أن يكون كفران النعمة والتمتع ~~غرضا لهم من الإشراك ويجوز أن يكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد «فسوف ~~تعلمون» عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب وفيه وعيد أكيد منبىء عن أخذ ~~شديد حيث لم يذكر المفعول إشعارا بأنه مما لا يوصف PageV05P120 # «ويجعلون» لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى تعدادا لجناياتهم أي يفعلون ~~ما يفعلون من الجؤار إلى الله تعالى عند مساس الضر ومن الإشراك به عند كشفه ~~ويجعلون «لما لا يعلمون» أي لما لا يعلمون حقيقته وقدره الخسيس من الجمادات ~~التي يتخذونها شركاء لله سبحانه وتعالى جهالة وسفاهة ويزعمون أنها تنفعهم ~~وتشفع لهم على أن ما موصولة والعائد إليها محذوف أو لما لا علم له أصلا ~~وليس من شأنه ذلك فما موصولة أيضا والعائد ما في الفعل من الضمير المستكن ~~وصيغة جمع العقلاء لكون ما عبارة عن آلهتهم التي وصفوها بصفات العقلاء أو ~~مصدرية واللام للتعليل أي لعدم علمهم والمجعول له للعلم بمكانه «نصيبا مما ~~رزقناهم» من الزرع والأنعام وغيرهما تقربا إليها «تالله ms1889 لتسألن» سؤال توبيخ ~~وتقريع «عما كنتم تفترون» في الدنيا بأنها آلهة حقيقة بأن يتقرب إليها وفي ~~تصدير الجملة بالقسم وصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب المنبئ عن كمال ~~الغضب من شدة الوعيد مالا يخفى «ويجعلون لله البنات» هم خزاعة وكنانة الذين ~~يقولون الملائكة بنات الله «سبحانه» تنزيه وتقديس له عز وجل عن مضمون قولهم ~~ذلك أو تعجيب من جرائتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة «ولهم ما يشتهون» من ~~البنين وما مرفوعة المحل على أنه مبتدأ والظرف مقدم خبره والجملة حالية ~~وسبحانه اعتراض في حق موقعه وجعلها منصوبة بالعطف على البنات أي يجعلون ~~لأنفسهم ما يشتهون من البنين يؤدى إلى جعل الجعل بمعنى يعم الزعم والاختيار ~~«وإذا بشر أحدهم بالأنثى» أي أخبر بولادتها «ظل وجهه» أي صار أو دام النهار ~~كله «مسودا» من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام ~~والتشويش «وهو كظيم» ممتلئ حنقا وغيظا «يتوارى» أي يستخفي «من القوم من سوء ~~ما بشر به» من أجل سوئه والتعبير عنها بما لإسقاطه عن درجة العقلاء ~~«أيمسكه» أي مترددا في أمره محدثا نفسه في شأنه أيمسكه «على هون» ذل وقرئ ~~هو أن «أم يدسه» يخفيه «في التراب» بالوأد والتذكير باعتبار لفظ ما وقرئ ~~بالتأنيث «ألا ساء ما يحكمون» حيث يجعلون ما هذا شأنه عندهم من الهون ~~والحقارة لله المتعالي عن الصاحبة والولد والحال أنهم يتحاشون عنه ويختارون ~~لأنفسهم البنين فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله سبحانه مع إبائهم إياه لا جعلهم ~~البنين لأنفسهم ولا عدم جعلهم له سبحانه ويجوز أن يكون مداره التعكيس لقوله ~~تعالى تلك إذا قسمة ضيزى PageV05P121 # «للذين لا يؤمنون بالآخرة» ممن ذكرت قبائحهم «مثل السوء» صفة السوء الذي ~~كالمثل في القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم وإيثار ~~الذكور للاستظهار بهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق المنادى كل ذلك ~~بالعجز والقصور والشح البالغ ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار ~~اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة «ولله» سبحانه وتعالى «المثل ~~الأعلى» أي الصفة العجيبة ms1890 الشأن التي هي مثل في العلو مطلقا وهو الوجوب ~~الذاتي والغني المطلق والجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين ويدخل فيه ~~علوه تعالى عما قالوه علوا كبيرا «وهو العزيز» المتفرد بكمال القدرة لا ~~سيما على مؤاخذتهم بذنوبهم «الحكيم» الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة ~~البالغة وهذا أيضا من جملة صفاته العجيبة تعالى «ولو يؤاخذ الله الناس» ~~الكفار «بظلمهم» بكفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما عدد من قبائحهم وهذا ~~تصريح بما أفاده قوله تعالى «وهو العزيز الحكيم» وإيذان بأن ما أتوه من ~~القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه «ما ترك عليها» على الأرض المدلول ~~عليها بالناس وبقوله تعالى «من دابة» أي ما ترك عليها شيئا من دابة قط بل ~~أهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين كقوله تعالى «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول إن الظالم ~~لا يضر إلا نفسه فقال بلى والله حتى أن الحباري لتموت في وكرها بظلم الظالم ~~وعن ابن مسعود رضي الله عنه كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من ~~دابة ظالمة وقيل لو أهلك الآباء لم يكن الأبناء فيلزم أن لا يكون في الأرض ~~دابة لما أنها مخلوقة لمنافع البشر لقوله سبحانه هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا «ولكن» لا يؤاخذهم بذلك بل «يؤخرهم إلى أجل مسمى» لأعمارهم أو ~~لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم «فإذا جاء أجلهم» المسمى «لا يستأخرون» ~~عن ذلك الأجل أي لا يتأخرون وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم ~~له «ساعة» فذة وهي مثل في قلة المدة «ولا يستقدمون» أي لا يتقدمون وإنما ~~تعرض لذكره مع أنه لا يتصور الاستقدام عند مجئ الأجل مبالغة في بيان عدم ~~الاستئخار بنظمه في سلك ما يمتنع كما في قوله تعالى وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموت ~~وهم كفار فإن من مات كافرا مع أنه لا توبة ms1891 له رأسا قد نظم في سمط من لم ~~تقبل توبته للإيذان فأنهما سيان في ذلك وقد مر في تفسير سورة يونس «ويجعلون ~~لله» PageV05P122 # أي يثبتون له سبحانه وينسبون إليه في زعمهم «ما يكرهون» لأنفسهم مما ذكر ~~وهو تكرير لما سبق تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى «وتصف ألسنتهم الكذب» ~~أي يجعلون له تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو «أن لهم ~~الحسنى» العاقبة الحسنى عند الله تعالى كقوله ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى وقرئ الكذب وهو جمع الكذوب على أنه صفة الألسنة «لا جرم» رد لكلامهم ~~ذلك وإثبات لنقيضه أي حقا «أن لهم» مكانه ما أملوا من الحسنى «النار» التي ~~ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى «وأنهم مفرطون» أي مقدمون إليها من ~~أفرطته أي قدمته في طلب الماء وقيل منسيون من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ~~ونسيته وقرئ بالتشديد وفتح الراء من فرطته في طلب الماء وبكسر الراء ~~المشددة من التفريط في الطاعات وبكسر المخففة من الإفراط في المعاصي فلا ~~يكونان حينئذ من أحوالهم الأخروية كما عطف عليه «تالله لقد أرسلنا إلى أمم ~~من قبلك» تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يناله من جهالات الكفرة ~~ووعيد لهم على ذلك أي أرسلنا إليهم رسلا فدعوهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ~~ذلك «فزين لهم الشيطان أعمالهم» القبيحة فعكفوا عليها مصرين «فهو وليهم» أي ~~قرينهم وبئس القرين «اليوم» أي يوم زين لهم الشيطان أعمالهم فيه على طريق ~~حكاية الحال الماضية أو في الدنيا أو يوم القيامة على طريق حكاية الحال ~~الآتية وهي حال كونهم معذبين في النار والولي بمعنى الناصر أي فهو ناصرهم ~~اليوم لا ناصر لهم غيره مبالغة في نفي الناصر عنهم ويجوز أن يكون الضمير ~~عائدا إلى مشركي قريش والمعنى زين للأمم السالفة أعمالهم فهو ولي هؤلاء ~~لأنهم منهم وأن يكون على حذف المضاف أي ولي أمثالهم «ولهم» في الآخرة «عذاب ~~أليم» هو عذاب النار «وما أنزلنا عليك الكتاب» أي القرآن «إلا لتبين» ms1892 ~~استثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلنا عليك لعلة من العلل إلا لتبين ~~«لهم» أي للناس «الذي اختلفوا فيه» من التوحيد والقدر وأحكام الأفعال ~~وأحوال المعاد «وهدى ورحمة» معطوفان على محل لتبين أي وللهداية والرحمة ~~«لقوم يؤمنون» وإنما انتصبا لكونهما أثرى فاعل الفعل المعلل بخلاف التبين ~~حيث لم ينتصب لفقدان شرطه ولعل تقديمه عليهما لتقدمه في الوجود وتخصيص ~~كونهما هدى ورحمة بالمؤمنين لأنهم المغتنمون أثاره «والله أنزل من السماء» ~~من السحاب أو من جانب السماء حسبما مر وهذا تكرير لما سبق تأكيدا لمضمونه ~~وتوطئة لما يعقبه من أدلة التوحيد «ماء» نوعا خاصا من الماء هو المطر ~~وتقديم المجرور على المنصوب لما مر مرارا PageV05P123 # من التشويق إلى المؤخر فأحيا به الأرض بما أنبت به فيها من أنواع ~~النباتات «بعد موتها» أي بعد يبسها وما يفيده الفاء من التعقيب العادي لا ~~ينافيه ما بين المعطوفين من المهلة «إن في ذلك» أي في إنزال الماء من ~~السماء وإحياء الأرض الميتة به «لآية» وأية آية دالة على وحدته سبحانه ~~وعلمه وقدرته وحكمته «لقوم يسمعون» هذا التذكير ونظائره سماع تفكر وتدبر ~~فكأن من ليس كذلك أصم «وإن لكم في الأنعام لعبرة» عظيمة وأي عبرة تحار في ~~دركها العقول وتهيم في فهمها ألباب الفحول «نسقيكم» استئناف لبيان ما أبهم ~~أولا من العبرة «مما في بطونه» أي بطون الأنعام والتذكير هنا لمراعاة جانب ~~اللفظ فإنه اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأكباش ~~وأخلاق كما أن تأنيثه في سورة المؤمنين لرعاية جانب المعنى ومن جعله جمع ~~نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن ليس لجميعها أوله على المعنى فإن المراد به ~~الجنس وقرئ بفتح النون ههنا وفي سورة المؤمنين «من بين فرث ودم لبنا» الفرث ~~فضالة ما يبقى من العلف في الكرش المنهضمة بعض الانهضام وكثيف ما يبقى في ~~المعاء وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في ~~كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ولعل المراد به ms1893 أن أوسطه يكون ~~مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذو البدن لأن عدم تكونهما في الكرش مما ~~لا ريب فيه بل الكبد تجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش ويبقى ثفله وهو ~~الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها فيحدث أخلاطا أربعة معها مائية فتميز القوة ~~المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين الصفراء والسوداء ~~وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال ثم توزع الباقي على الأعضاء بحسبها ~~فتجري على كل حقه على ما يليق به بتقدير العزيز العليم ثم إن كان الحيوان ~~أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها ~~فيندفع الزائد أولا لأجل الجنين إلى الرحم فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو ~~بعضه إلى الضروع فيبيض لمجاورته لحومها العذوية البيض ويلذ طعمه فيصير لبنا ~~ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وأعداد ~~مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت ~~على ما يليق به اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ~~ورحمته فمن الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطونه لأنه مخلوق من بعض ~~أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما فصل والثانية ~~ابتدائية كقوله سقيت من الحوض لأن بين الفرث والدم مبدأ الإسقاء وهي متعلقة ~~بنسقيكم وتقديمه على المفعول لما مر مرارا من أن تقديم ما حقه التأخير يبعث ~~للنفس شوقا إلى المؤخر موجبا لفضل تمكينه عند وروده عليها لا سيما إذا كان ~~المقدم متضمنا لوصف مناف لوصف المؤخر كالذي نحن فيه فإن بين وصفي المقدم ~~والمؤخر تنافيا وتنائيا بحيث لا يتراءى ناراهما فإن ذلك مما يزيد الشوق ~~والاستشراف إلى المؤخر PageV05P124 # كما في قوله تعالى الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا أو حال من لبنا قدم ~~عليه لتنكيره والتنبيه على أنه موضع العبرة «خالصا» عن شائبة ما في الدم ~~والفرث من الأوصاف ببرزخ من القدرة القاهرة الحاجزة عن بغي أحدهما عليه مع ~~كونهما مكتنفين له «سائغا للشاربين» سهل المرور في ms1894 حلقهم قيل لم يغص أحد ~~باللبن وقرئ سيغا بالتشديد وبالتخفيف مثل هين وهين «ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب» متعلق بما يدل عليه الإسقاء من مطلق الإطعام المنتظم لإعطاء ~~المطعوم والمشروب فإن اللبن مطعوم كما أنه مشروب أي ونطعمكم من ثمرات ~~النخيل ومن الأعناب أي من عصيرهما وقوله تعالى «تتخذون منه سكرا» استئناف ~~لبيان كنه الإطعام وكشفه أو بقوله تتخذون منه وتكرير الظرف للتأكيد أو خبر ~~لمبتدأ محذوف صفته تتخذون أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ~~وحذف الموصوف إذا كان في الكلام كلمة من سائغ نحو قوله تعالى «وما منا إلا ~~له مقام معلوم» وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف ~~أعنى العصير أو لأن المراد هو الجنس والسكر مصدر سمي به الخمر وقيل هو ~~النبيذ وقيل هو الطعم «ورزقا حسنا» كالتمر والدبس والزبيب والخل والآية إن ~~كانت سابقة النزول على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين ~~العتاب والمنة «إن في ذلك لآية» باهرة «لقوم يعقلون» يستعملون عقولهم في ~~الآيات بالنظر والتأمل «وأوحى ربك إلى النحل» أي ألهمها وقذف في قلوبها ~~وعلمها بوجه لا يعلمه إلا العليم الخبير وقرئ بفتحتين «أن اتخذي» أي بأن ~~اتخذي على أن أن مصدرية ويجوز أن تكون مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول ~~وتأنيث الضمير مع أن النحل مذكر للحمل على المعنى أو لأنه جمع نحلة ~~والتأنيث لغة أهل الحجاز «من الجبال بيوتا» أي أوكارا مع ما فيها من ~~الخلايا وقرئ بيوتا بكسر الباء «ومن الشجر ومما يعرشون» أي يعرشه الناس أي ~~يرفعه من كرم أو سقف وقيل المراد به ما يرفعه الناس ويبنونه للنحل والمعنى ~~اتخذي لنفسك بيوتا من الجبال والشجر إذا لم يكن لك أرباب وإلا فاتخذي ما ~~يعرشونه لك وإيراد حرف التبعيض لما أنها لا تبني في كل جبل وكل شجر وكل عرش ~~ولا في كل مكان منها «ثم كلي من كل الثمرات» من كل ثمرة تشتهينها حلوها ~~ومرها «فاسلكي» ما أكلت منها «سبل ربك» أي مسالكه التي ms1895 برأها بحيث يحيل ~~فيها بقدرته القاهرة النور المر عسلا من أجوافك أو فاسلكي الطرق التي ألهمك ~~في عمل العسل أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا ~~PageV05P125 # تلتبس «ذللا» جمع ذلول وهو حال من السبل أي مذللة غير متوعرة ذللها الله ~~سبحانه وسهلها لك أو من الضمير في اسلكي أي أسلكي منقادة لما أمرت به «يخرج ~~من بطونها» استئناف عدل به عن خطاب النحل لبيان ما يظهر منها من تعاجيب صنع ~~الله تعالى التي هي موضع العبرة بعد ما أمرت بما أمرت «شراب» أي عسل لأنه ~~مشروب واحتج به وبقوله تعالى كلي من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق ~~العطرة فتستحيل في بطنها عسلا ثم تقيئ إدخارا للشتاء ومن زعم أنها تلتقط ~~بأفواهها أجزاء قليلة حلوة صغيرة متفرقة على الأزهار والأوراق وتضعها في ~~بيوتها فإذا اجتمع فيها شئ كثير يكون عسلا فسر البطون بالأفواه «مختلف ~~ألوانه» أبيض وأسود وأصفر وأحمر حسب اختلاف سن النحل أو الفصل أو الذي أخذت ~~منه العسل «فيه شفاء للناس» إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره ~~كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون لا يكون فيه عسل مع أن التنكير فيه ~~مشعر بالتبعية ويجوز كونه للتفخيم وعن قتادة أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إن أخي يشتكي بطنه فقال صلى الله عليه وسلم اسقه العسل ~~فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فما نفع فقال اذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله وكذب ~~بطن أخيك فسقاه فبرئ كأنما أنشط من عقال وقيل الضمير للقرآن أو لما بين ~~الله تعالى من أحوال النحل وعن ابن مسعود رضي الله عنه العسل شفاه لكل داء ~~والقرآن شفاء لما في الصدور فعليكم بالشفاءين العسل والقرآن «إن في ذلك» ~~الذي ذكر من أعاجيب آثار قدرة الله تعالى «لآية» عظيمة «لقوم يتفكرون» فإن ~~من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة المشتملة ~~على حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقدر ms1896 عليها حذاق المهندسين إلا بآلات ~~رقيقة وأدوات أنيقة وأنظار دقيقة جزم قطعا بأن له خالقا قادرا حكيما يلهمها ~~ذلك ويهديها إليه جل جلاله «والله خلقكم» لما ذكر سبحانه من عجائب أحوال ما ~~ذكر من الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من ~~أول عمره إلى آخره وتطوراته فيما بين ذلك وقد ضبطوا مراتب العمر في أربع ~~الأولى سن النشور والنماء والثانية سن الوقوف وهي سن الشباب والثالثة سن ~~الانحطاط القليل وهي سن الكهولة والرابعة سن الانحطاط الكبير وهي سن ~~الشيخوخة «ثم يتوفاكم» حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على حكم بالغة بآجال ~~مختلفة أطفالا وشبابا وشيوخا «ومنكم من يرد» قبل توفيه أي يعاد «إلى أرذل ~~العمر» أي أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة على ما روى عن على رضي الله عنه ~~وتسعون سنة على ما نقل عن قتادة رضي الله عنه وقيل خمس وتسعون وإيثار الرد ~~على الوصول والبلوغ ونحوهما للإيذان بأن بلوغه والوصول إليه رجوع في ~~الحقيقة إلى الضعف بعد القوة كقوله تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق ولا عمر ~~أسوأ حالا من عمر الهرم الذي يشبه الطفل في نقصان العقل والقوة «لكي لا ~~يعلم بعد علم» كثير «شيئا» من العلم أو من PageV05P126 # المعلومات أو لكيلا يعلم شيئا بعد علم بذلك الشيء وقيل لئلا يعقل بعد ~~عقله الأول شيئا «إن الله عليم» بمقادير أعماركم «قدير» على كل شيء يميت ~~الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا ~~بتقدير قادر حكيم ركب أبنيتهم وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك ~~مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ «والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق» أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم «فما ~~الذين فضلوا» فيه على غيرهم «برادي رزقهم» الذي رزقهم إياه «على ما ملكت ~~أيمانهم» على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية «فهم» أي ~~الملاك والمماليك «فيه» أي في الرزق «سواء» أي لا يردونه عليهم بحيث ~~يساوونهم في ms1897 التصرف ويشاركونهم في التدبير والفاء للدلالة على ترتيب ~~التساوي على الرد أي لا يردونه عليهم ردا مستتبعا للتساوي وإنما يردون ~~عليهم منه شيئا يسيرا فحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لأنفسهم وهم أمثالهم ~~في البشرية والمخلوقية لله عز سلطانه في شيء لا يختص بهم بل يعمهم وإياهم ~~من الرزق الذي هم أسوة لهم في استحقاقه فما بالهم يشركون بالله سبحانه ~~وتعالى فيما لا يليق إلا به من الألوهية والمعبودية الخاصة بذاته تعالى ~~لذاته بعض مخلوقاته الذي هو بمعزل من درجة الاعتبار وهذا كما ترى مثل ضرب ~~لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم كقوله تعالى «هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء» الآية «أفبنعمة الله ~~يجحدون» حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا نعم الله ~~سبحانه الفائضة عليهم إلى شركائهم ويجحدوا كونها من عند الله تعالى أو يحث ~~أنكروا أمثال هذه الحجج البالغة بعدما أنعم الله بها عليهم والباء لتضمين ~~الجحود معنى الكفر نحو وجحدوا بها والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في ~~المعنى على الفعل أي أيشركون به فيجحدون نعمته وقرئ تجحدون على الخطاب أو ~~ليس الموالي برادي رزقهم على مماليكهم بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا ~~يحسبوا أنهم يعطونهم شيئا وإنما هو رزقي أجريه على أيدهم فهم جميعا في ذلك ~~سواء لا مزية لهم على مماليكهم ألا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله فهو رد ~~على زعم المفضلين أو على فعلهم المؤذن بذلك أو ما المفضلون برادي بعض فضلهم ~~على مماليكهم فيتساووا في ذلك جميعا مع أن التفضيل ليس إلا ليبلوهم أيشكرون ~~أم يكفرون ألا يعرفون ذلك فيجحدون نعمة الله تعالى كأنه قيل فلم يردوه ~~عليهم والجملة الاسمية للدلالة على استمرارهم على عدم الرد يحكى عن أبي ذر ~~رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما هم إخوانكم ~~فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون فما رؤى عبده بعد ذلك إلا ورداؤه ~~رداؤه وإزاره إزراره ms1898 من غير تفاوت «والله جعل لكم من أنفسكم» PageV05P127 # أي من جنسكم «أزواجا» لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون ~~أولادكم أمثالكم وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام «وجعل ~~لكم من أزواجكم» وضع الظاهر موضع المضمر للإيذان بأن المراد جعل لكل منكم ~~من زوجه لا من زوج غيره «بنين» وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد «وحفدة» جمع ~~حافد وهو الذي يسرع في الخدمة والطاعة ومنه قول القانت وإليك نسعى ونحفد أي ~~جعل لكم خدما يسرعون في خدمتكم وطاعتكم فقيل المراد بهم أولاد الأولاد وقيل ~~البنات عبر عنهن بذلك إيذانا بوجه المنة فإنهن يخدمن البيوت أتم خدمة وقيل ~~أولاد المرأة من الزوج الأول وقيل البنون والعطف لاختلاف الوصفين وقيل ~~الأختان على البنات وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر من ~~التشويق وتقديم المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعود ~~منفعة الجعل إليهم إمداد للتشويق وتقوية له أي جعل لمصلحتكم مما يناسبكم ~~أزواجا وجعل لمنفعتكم من جهة مناسبة لكم بنين وحفدة «ورزقكم من الطيبات» من ~~اللذائذ أو من الحلالات ومن للتبعيض إذ المرزوق في الدنيا أنموذج لما في ~~الآخرة «أفبالباطل يؤمنون» وهو أن الأصنام تنفعهم وأن البحائر ونحوها حرام ~~والفاء في المعنى داخلة على الفعل وهي للعطف على مقدر أي أيكفرون بالله ~~الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل أو أبعد تحقق ما ذكر من نعم الله تعالى ~~بالباطل يؤمنون دون الله سبحانه «وبنعمة الله» تعالى الفائضة عليهم مما ذكر ~~ومما لا يحيط به دائرة البيان «هم يكفرون» حيث يضيفونها إلى الأصنام وتقديم ~~الصلة على الفعل للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغة أو لرعاية الفواصل ~~والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالهم للإعراض عنهم وصرف الخطاب إلى ~~غيرهم من السامعين تعجيبا لهم مما فعلوه «ويعبدون من دون الله» لعله عطف ~~على يكفرون داخل تحت الإنكار التوبيخي أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون من ~~دونه «ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا» إن جعل الرزق مصدرا ~~فشيئا نصب على المفعولية ms1899 منه أي فنصب على البدلية منه بمعنى قليلا ومن ~~السماوات مطرا ولا من الأرض نباتا وإن جعل اسما للمرزوق فنصب على البدلية ~~منه بمعنى قليلا ومن السماوات والأرض صفة لرزقا أي كائنا منهما ويجوز كونه ~~تأكيدا للا يملك أي لا يملك رزقا ما شيئا من الملك «ولا يستطيعون» أن ~~يملكوه إذ لا استطاعة لهم رأسا لأنها موات لا حراك بها فالضمير للآلهة ~~ويجوز أن يكون للكفرة على معنى أنهم مع كونهم أحياء متصرفين في الأمور لا ~~يستطيعون من ذلك شيئا فكيف بالجماد الذي لا حس به «فلا تضربوا لله الأمثال» ~~التفات إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي أي لا تشركوا به شيئا ~~والتعبير عن ذلك بضرب المثل للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من ~~الشؤون فإن ضرب المثل مبناه تشبيه حالة بحالة وقصة بقصة أي لا تشبهوا بشأنه ~~تعالى شأنا من الشؤون واللام مثلها في قوله تعالى ضرب الله مثلا للذين ~~كفروا امرأة نوح وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون لا مثلها في قوله ~~تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية PageV05P128 # ونظائره والفاء للدلالة على ترتب النهي على ما عدد من النعم الفائضة ~~عليهم من جهته سبحانه وكون ما يشركون به تعالى بمعزل من أن يملك لهم من ~~أقطار السماوات والأرض شيئا من رزق ما فضلا عما فصل من نعمة الخلق والتفضيل ~~في الرزق ونعمة الأزواج والأولاد «أن الله يعلم» تعليل للنهي المذكور ووعيد ~~على المنهي عنه أي أنه تعالى يعلم كنه ما تأتون وما تذرون وأنه في غاية ~~العظم والقبح «وأنتم لا تعلمون» ذلك وإلا لما فعلتموه أو أنه تعالى يعلم ~~كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم وقفوا مواقف الامتثال لما ورد ~~عليكم من الأمر والنهي ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك فتقعون فيما تقعون فيه من مهاوي ~~الردى والضلال ثم علمهم كيفية ضرب الأمثال في هذا الباب فقال «ضرب الله ~~مثلا» أي ذكر ms1900 وأورد شيئا يستدل به على تباين الحال بين جنابه عز وجل وبين ~~ما أشركوا به وعلى تباعدهما بحيث ينادي بفساد ما ارتكبوه نداء جليا «عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء» بدل من مثلا وتفسير له والمثل في الحقيقة حالته ~~العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلا ووصف العبد ~~بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدان لله سبحانه وقد ~~أدمج فيه أن الكل عبيد له تعالى وبعدم القدرة لتمييزه عن المكاتب والمأذون ~~اللذين لهما تصرف في الجملة وفي إبهام المثل أولا ثم بيانه بما ذكر مالا ~~يخفى من الفخامة والجزالة «ومن رزقناه» من موصوفة معطوفة على عبدا أي ~~رزقناه بطريق الملك والالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حالي ضرب المثل ~~والرزق «منا» من جنابنا الكبير المتعالى «رزقا حسنا» حلالا طيبا أو مستحسنا ~~عند الناس مرضيا «فهو ينفق منه» تفضلا وإحسانا والفاء لترتيب الإنفاق على ~~الرزق كأنه قيل ومن رزقناه منا رزقا حسنا فأنفق وإيثار ما عليه النظم ~~الكريم من الجملة الاسمية الفعلية الخير للدلالة على ثبات الإنفاق ~~واستمراره التجددي «سرا وجهرا» أي حال السر والجهر أو انفاق سر وإنفاق جهر ~~والمراد بيان عموم إنفاقه للأوقات وشمول إنعامه لمن يجتنب عن قبوله جهرا ~~والإشارة إلى أصناف نعم الله تعالى الباطنة والظاهرة وتقديم السر على الجهر ~~للإيذان بفضله عليه والعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال وحرا مالكا ~~للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسيمه لتوخي تحقيق الحق بأن ~~الأحرار أيضا تحت ربقة عبوديته سبحانه وتعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ~~ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع ~~محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين ~~فإن العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك ~~الملك خلاق العالمين «هل يستوون» جمع الضمير للإيذان بأن المراد بما ذكر من ~~اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معنيان منهما أي هل ~~يستوي ms1901 العبيد والأحرار المصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في ~~البشرية والمخلوقية لله سبحانه PageV05P129 # وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده ولا في تملكه بل هو مما ~~أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث ~~تشركون به ما لا ذليل أذل منه وهو الأصنام «الحمد لله» أي كله لأنه مولى ~~جميع النعم لا يستحقه أحد غيره وإن ظهرت على أيدي بعض الوسايط فضلا عن ~~استحقاق العبادة وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ما يظهر على يد من ينفق ~~مما ذكر راجع إلى الله سبحانه كما لوح به قوله تعالى رزقناه «بل أكثرهم لا ~~يعلمون» ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها ونفي العلم عن ~~أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لا يعلمون بموجبه عنادا كقوله ~~تعالى «يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون» «وضرب الله مثلا» ~~أي مثلا آخر يدل على ما دل عليه المثل السابق على وجه أوضح وأظهرو بعد ما ~~أبهم ذلك لتنتظر النفس إلى وروده وتترقبه حتى يتمكن لديها عند وروده بين ~~فقيل «رجلين أحدهما أبكم» وهو من ولد أخرس «لا يقدر على شيء» من الأشياء ~~المتعلقة بنفسه أو بغيره بحدس أو فراسة لقلة فهمه وسوء إدراكه «وهو كل» ثقل ~~وعيال «على مولاه» على من يعوله ويلي أمره وهذا بيان لعدم قدرته على إقامة ~~مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلقا وقوله تعالى «أينما يوجهه» أي ~~حيث يرسله مولاه في أمر بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح مولاه ولو كانت ~~مصلحة يسيرة وقرئ على البناء للمفعول وعلى صيغة الماضي من التوجه «لا يأت ~~بخير» بنجح وكفاية مهم البتة «هل يستوي هو» مع ما فيه من الأوصاف المذكورة ~~«ومن يأمر بالعدل» أي من هو منطبق فهو ذو رأي وكفاية ورشد ينفع الناس بحثهم ~~على العدل الجامع لمجامع الفضائل «وهو» في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام ~~للخاص والعام «على صراط ms1902 مستقيم» ومقابلة الصفات المذكورة بهذين الوصفين ~~لأنهما في حاق ما يقابلها فإن محصل الصفات المذكورة عدم استحقاق المأمورية ~~وملخص هذين استحقاق كمال الآمرية المستتبع لحيازة المحاسن بأجمعها وتغيير ~~الأسلوب حيث لم يقل والآخر آمر بالعدل الآية لمراعاة الملائمة بينه وبين ما ~~هو المقصود من بيان التباين بين القرينتين واعلم أن كلا من الفعلين ليس ~~المراد بهما حكاية الضرب الماضي بل المراد إنشاؤه بما ذكر عقيبه ولا يبعد ~~أن يقال إن الله تعالى ضرب مثلا بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما ~~كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما ~~يشركون فيكون كل من الفعلين حكاية للضرب الماضي «ولله» تعالى خاصة لا لأحد ~~غيره استقلالا ولا اشتراكا «غيب السماوات والأرض» أي الأمور الغائبة عن ~~علوم المخلوقين PageV05P130 # قاطبة بحيث لا سبيل لهم إليها لا مشاهدة ولا استدلالا ومعنى الإضافة ~~إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالا أو مآلا وإما باعتبار ~~الغيبة عن أهلهما والمراد بيان الاختصاص به تعالى من حيث المعلومية حسبما ~~ينبئ عنه عنوان الغيبة لا من حيث المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك ~~في نفس الأمر وفيه إشعار بأن علمه سبحانه حضوري فإن تحقق الغيوب في نفسها ~~علم بالنسبة إليه تعالى ولذلك لم يقل ولله علم غيب السماوات والأرض «وما ~~أمر الساعة» التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من الغيوب المتعلقة بهما من ~~حيث غيبتها عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها فإن وقت وقوعها ~~بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كان إنيتها من الغيوب التي نصبت ~~عليها الأدلة أي ما شأنها في سرعة المجيء «إلا كلمح البصر» أي كرجع الطرف ~~من أعلى الحدقة إلى أسفلها «أو هو» أي بل أمرها فيما ذكر «أقرب» من ذلك ~~وأسرع زمانا بأن يقع في بعض من زمانه فإن ذلك وإن قصر عن حركة أنية لها ~~هوية اتصالية منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي ~~أزمنة أيضا بل في آن غير منقسم ms1903 من ذلك الزمان وهو آن ابتداء تلك الحركة أو ~~ما أمرها إلا كالشئ الذي يستقرب ويقال هو كلمح البصر أو هو أقرب وأياما كان ~~فهو تمثيل لسرعة مجيئها حسبما عبر عنها في فاتحة السورة الشريفة بالإتيان ~~«إن الله على كل شيء قدير» ومن جملة الأشياء أن يجيء بها أسرع ما يكون فهو ~~قادر على ذلك أو وما أمر إقامة الساعة التي كنهها وكيفيتها من الغيوب ~~الخاصة به سبحانه وهي إماتة الأحياء وإيحاء الأموات من الأولين والآخرين ~~وتبديل صور الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل مالا يدخل ~~تحت الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ~~ما مر من الوجهين إن الله على كل شيء قدير فهو قادر على ذلك لا محالة وقيل ~~غيب السماوات والأرض عبارة عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائب ~~عن أهلهما فوضع الساعة موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة «والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم» عطف على قوله تعالى والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا منتظم ~~معه في سلك أدلة التوحيد من قوله تعالى والله أنزل من السماء ماء وقوله ~~تعالى والله خلقكم وقوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض والأمهات بضم ~~الهمزة وقرئ بكسرها أيضا جمع الأمر زيدت الهاء فيه كما زيدت في إهراق من ~~إراق وشذت زيادتها في الواحدة قال * أمهتي خندف واليأس أبى * «لا تعلمون ~~شيئا» في موقع الحال أي غير عالمين شيئا أصلا «وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة» عطف على أخرجكم وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عن ~~الإخراج لما أن مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على أن أثر ذلك ~~الجعل لا يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم ~~والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتتنبهوا ~~لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس فيحصل لكم علوم ~~PageV05P131 # بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية والأفئدة جمع فؤاد ~~وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من ms1904 الصدور وهو من جموع القلة التي جرت ~~مجرى جموع الكثرة وتقديم المجرور على المنصوبات لما مر من الإيذان من أول ~~الأمر بكون المجعول نافعا لهم وتشويق النفس إلى المؤخر ليتمكن عند وروده ~~عليها فضل تمكن «لعلكم تشكرون» كي تعرفوا ما أنعم به عليكم طورا غب طور ~~فتشكروه وتقديم السمع على البصر لما أنه طريق تلقى الوحي أو لأن إدراكه ~~أقدم من إدراك البصر وإفراده باعتبار كونه مصدرا في الأصل «ألم يروا» وقرئ ~~بالتاء «إلى الطير» جمع طائر أي ألم ينظروا إليها «مسخرات» مذللات للطيران ~~بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المساعدة له وفيه مبالغة من حيث إن معنى ~~التسخير جعل الشيء منقادا لآخر يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفلك ~~والدواب للإنسان والواقع ههنا تسخير الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان ~~مقتضى طبيعة الطير السقوط فسخرها الله تعالى للطيران وفيه تنبيه على أن ~~الطيران ليس مقتضى طبع الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى «في جو السماء» أي ~~في الهواء المتباعد من الأرض والسكاك واللوح أبعد منه وإضافته إلى السماء ~~لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمال القدرة «ما يمسكهن» في الجو حين ~~قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن «إلا الله» عز وجل بقدرته الواسعة فإن ثقل ~~جسدها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها ولا دعامة من ~~تحتها وهو إما حال من الضمير المستتر في مسخرات أو من الطير وإما مستأنف ~~«إن في ذلك» الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة تتمكن بها منه ~~بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك وجعل أجسادها من الخفة بحيث إذا بسطت ~~أجنحتها وأذنابها لا يطيق ثقلها يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام ~~وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير «لآيات» ظاهرة ~~«لقوم يؤمنون» أي من شأنهم أن يؤمنوا وإنما خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به ~~«والله جعل لكم» معطوف على ما مر وتقديم لكم على ما سيأتي من المجرور ~~والمنصوب لما مر من الإيذان ms1905 من أول الأمر بأنه لمصلحتهم ومنفعتهم لتشويق ~~النفس إلى وروده وقوله تعالى «من بيوتكم» أي من بيوتكم المعهودة التي ~~تبنونها من الحجر والمدر تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة وتأكيد لما ~~سبق من التشويق «سكنا» فعل بمعنى مفعول أي موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم أو ~~تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه أي جعل بعض بيوتكم بحيث تسكنون إليه ~~وتطمئنون به «وجعل لكم من جلود PageV05P132 # الأنعام بيوتا» أي بيوتا أخر مغايرة لبيوتكم المعهودة هي الخيام والقباب ~~والأخبية والفساطيط «تستخفونها» تجدونها خفيفة سهلة المأخذ «يوم ظعنكم» وقت ~~ترحالكم في النقض والحمل والنقل وقرئ بفتح العين «ويوم إقامتكم» وقت نزولكم ~~في الضرب والبناء «ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها» عطف على قوله تعالى من ~~جلود والضمائر للأنعام على وجه التنويع أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار ~~الإبل وأشعار المعز «أثاثا» أي متاع البيت وأصله الكثرة والاجتماع ومنه شعر ~~أثيث «ومتاعا» أي شيئا يتمتع به بفنون التمتع «إلى حين» إلى أن تقضوا منه ~~أوطاركم أو إلى أن يبلى ويفنى فإنه في معرض البلا والفناء وقيل إلى أن ~~تموتوا والكلام في ترتيب المفاعيل مثل ما مر من قبل «والله جعل لكم مما ~~خلق» من غير صنع من قبلكم «ظلالا» أشياء تستظلون بها من الحر كالغمام ~~والشجر والجبل وغيرها امتن سبحانه بذلك لما أن تلك الديار غالبة الحرارة ~~«وجعل لكم من الجبال أكنانا» مواضع تسكنون فيها من الكهوف والغيران والسروب ~~والكلام في الترتيب الواقع بين المفاعيل كالذي مر غير مرة «وجعل لكم ~~سرابيل» جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم ثيابا من القطن والكتان ~~والصوف وغيرها «تقيكم الحر» خصه بالذكر اكتفاء بذكر أحد الضدين عن ذكر ~~الآخر أو لأن وقايته هي الأهم عندهم لما مر آنفا «وسرابيل» من الدروع ~~والجواشن «تقيكم بأسكم» أي البأس الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من ~~الضرب والطعن ولقد من الله سبحانه علينا حيث ذكر جميع نعمه الفائضة على ~~جميع الطوائف فبدأ بما يخص المقيمين حيث ms1906 قال والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~ثم بما يخص المسافرين ممن لهم قدرة على الخيام وأضرابها حيث قال وجعل لكم ~~من جلود الأنعام الخ ثم بما يعم من لا يقدر على ذلك ولا يأويه إلا الظلال ~~حيث قال «جعل لكم مما خلق ظلالا» الخ ثم بما لابد منه لأحد حيث قال «وجعل ~~لكم سرابيل» الخ ثم بمالا غنى عنه في الحروب حيث قال وسرابيل تقيكم بأسكم ~~ثم قال «كذلك» أي مثل ذلك الإتمام البالغ «يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون» ~~أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرة والباطنة والأنفسية ~~والآفاقية فتعرفوا حق منعهما فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون ~~وتنقادوا لأمره وإفراد النعمة إما لأن المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك ~~بالنسبة إلى جانب الكبرياء شيء قليل وقرئ تسلمون أي تسلمون من العذاب أو من ~~الشرك وقيل من الجراح بلبس الدروع «فإن تولوا» فعل ماض على طريقة الالتفات ~~وصرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له أي فإن أعرضوا ~~عن الإسلام ولم يقبلوا منك ما ألقى إليهم من البينات والعبرة والعظات ~~«فإنما عليك البلاغ المبين» أي فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغ ~~الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع السبب موضع ~~المسبب PageV05P133 # «يعرفون نعمة الله» استئناف لبيان أن توليهم وإعراضهم عن الإسلام ليس ~~لعدم معرفتهم بما عدد من نعم الله تعالى أصلا فإنهم يعرفونها ويعترفون أنها ~~من الله تعالى «ثم ينكرونها» بأفعالهم حيث يعبدون غير منعمها أو بقولهم ~~أنها بشفاعة آلهتنا أو بسب كذا وقيل نعمة الله تعالى نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم عرفوها بالمعجزات كما يعرفون أبناءهم ثم أنكروها عنادا ومعنى ثم ~~لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن حق من عرف النعمة الاعتراف بها لا ~~الإنكار وإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على ~~الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل كقولهم بنو فلان قتلوا فلانا ~~وإنما القاتل واحد ms1907 منهم فإن بعضهم ليسوا كذلك لقوله سبحانه «وأكثرهم ~~الكافرون» أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر والحكم عليهم بمطلق ~~الكفر المؤذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي كمال الفرقة الأولى من حيث ~~الكيفية هذا وقد قيل ذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرفوا لنقصان العقل أو ~~التفريط في النظر أو لم يقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف فتدبر ~~«ويوم نبعث من كل أمة شهيدا» يشهد لهم بالإيمان والطاعة وعليهم بالكفر ~~والعصيان وهو نبيها «ثم لا يؤذن للذين كفروا» في الاعتذار إذ لا عذر لهم ~~وثم للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنيء عن الإقناط الكلي ~~وهو عند ما يقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أشد من ابتلائهم بشهادة ~~الأنبياء عليهم السلام عليهم وأطم «ولا هم يستعتبون» يسترضون أي لا يقال ~~لهم أرضوا ربكم إذ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل وانتصاب الظرف بمحذوف ~~تقديره اذكر أو خوفهم يوم نبعث الخ أو يوم نبعث يحيق بهم ما يحيق مما لا ~~يوصف وكذا قوله تعالى «وإذا رأى الذين ظلموا العذاب» الذي يستوجبونه بظلمهم ~~وهو عذاب جهنم «فلا يخفف عنهم» ذلك «ولا هم ينظرون» أي يمهلون كقوله تعالى ~~بل تأتيهم بغتة فتبهتهم «وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم» الذين كانوا ~~يدعونهم في الدنيا وهم الأوثان أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل ~~عليه وقارنوهم في الغي والضلال «قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو ~~من دونك» أي نعبدهم أو نطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعا في توزيع العذاب بينهم ~~كما ينبئ عنه قوله سبحانه «فألقوا» أي شركاؤهم «إليهم القول إنكم لكاذبون» ~~فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونة ~~وإنما كذبوهم وقد كانوا يعذبونهم ويطيعونهم لأن الأوثان ما كانوا راضين ~~بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة لهم كما قالت الملائكة عليهم ~~PageV05P134 # السلام بل كانوا يعبدون الجن يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين ~~بعبادتهم لا نحن أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها لله سبحانه عن ~~الشريك ms1908 والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم ~~على وجه القسر والإلجاء كما قال إبليس وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فكأنهم قالوا ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم ~~«وألقوا» أي الذين أشركوا «إلى الله يومئذ السلم» الاستسلام والانقياد ~~لحكمه العزيز الغالب عبد الاستكبار عنه في الدنيا «وضل عنهم» أي ضاع وبطل ~~«ما كانوا يفترون» من أن لله سبحانه شركاء وأنهم ينصرون ويشفعون لهم وذلك ~~حين كذبوهم وتبرءوا منهم «الذين كفروا» في أنفسهم «وصدوا» غيرهم «عن سبيل ~~الله» بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر «زدناهم عذابا فوق العذاب» الذي ~~كانوا يستحقونه بكفرهم قيل في زيادة عذابهم حيات أمثال البخت وعقارب أمثال ~~البغال تلسع إحداهن فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا وقيل يخرجون من النار ~~إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار «بما كانوا يفسدون» متعلق ~~بقوله زدناهم أي زدنا عذابهم بسب استمرارهم على الإفساد وهو الصد المذكور ~~«ويوم نبعث» تكرير لما سبق تثنية للتهديد «في كل أمة شهيدا عليهم» أي نبيا ~~«من أنفسهم» من جنسهم قطعا لمعذرتهم وفي قوله تعالى عليهم إشعار بأن شهادة ~~أنبيائهم على الأمم تكون بمحضر منهم «وجئنا بك» إيثار لفظ المجيء على البعث ~~لكمال العناية بشأنه عليه السلام وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع ~~«شهيدا على هؤلاء» الأمم وشهدائهم كقوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وقيل على أمتك والعامل في الظرف محذوف كما ~~مر والمراد به يوم القيامة «ونزلنا عليك الكتاب» الكامل في الكتابية الحقيق ~~بأن يخص باسم الجنس وهو إما استئناف أو حال بتقدير قد «تبيانا» بيانا بليغا ~~«لكل شيء» يتعلق بأمور الدين ومن جملة ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم ~~السلام فيكون كالدليل على كونه عليه السلام شهيدا عليهم وكذا من جملته ما ~~أخبر به هذه الآية الكريمة من بعث الشهداء وبعثه عليه السلام شهيدا عليهم ~~عليهم الصلاة والسلام والتبيان كالتلقاء في كسر أوله وكونه تبيانا لكل ms1909 شيء ~~من أمور الدين باعتبار أن فيه نصا على بعضها وإحالة لبعضها على السنة حيث ~~أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته وقيل فيه وما ينطق عن الهوى ~~وحثا على الإجماع وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع ~~أصحابه حيث قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقد اجتهدوا وقاسوا ~~ووطئوا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان ~~PageV05P135 # الكتاب ولم يضر ما في البعض من الخفاء في كونه تبيانا فإن المبالغة ~~باعتبار الكمية دون الكيفية كما قيل في قوله تعالى «وما أنا بظلام للعبيد» ~~إنه من قولك فلان ظالم لعبيده وظلام لعبيده ومنه قوله سبحانه وما للظالمين ~~من أنصار «وهدى ورحمة» للعالمين فإن حرمان الكفر من مغانم آثاره من تفريطهم ~~لا من جهة الكتاب «وبشرى للمسلمين» خاصة أو يكون كل ذلك خاصا بهم لأنهم ~~المنتفعون بذلك «إن الله يأمر» أي فيما نزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ~~وبشرى للمسلمين وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد ~~والاستمرار «بالعدل» بمراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وهو رأس ~~الفضائل كلها يندرج تحته فضيلة القوة العقلية الملكية من الحكمة المتوسطة ~~بين الحر مزة والبلادة وفضيلة القوة الشهوية البهيمية من العفة المتوسطة ~~بين الخلاعة والخمود وفضيلة القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين ~~التهور والجبن فمن الحكم الاعتقادية التوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ~~نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العدل هو التوحيد والقول بالكسب المتوسط ~~بين الجبر والقدر ومن الحكم العملية التبعد بأداء الواجبات المتوسط بين ~~البطالة والترهب ومن الحكم الخليقية الجود المتوسط بين البخل والتبذير ~~«والإحسان» أي الإتيان بما أمر به على الوجه اللائق وهو إما بحسب الكمية ~~كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام ~~الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك «وإيتاء ذي ~~القربى» أي إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص إثر تعميم اهتماما ~~بشأنه «وينهى عن الفحشاء» الإفراط في مشايعة القوة الشهوية ms1910 كالزنا مثلا ~~«والمنكر» ما ينكر شرعا أو عقلا من الإفراط في إظهار آثار القوة الغضبية ~~«والبغي» الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم وهو من آثار القوة ~~الوهمية الشيطانية التي هي حاصلة من رذيلتي القوتين المذكورتين الشهوية ~~والغضبية وليس في البشر شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر عنه بواسطة ~~هذه القوى الثلاث ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه هي أجمع آية في القرآن ~~للخير والشر ولو لم يكن فيه غير هذه الآية الكريمة لكفت في كونه تبيانا لكل ~~شيء وهدى «يعظكم» بما يأمر وينهى وهو إما استئناف وإما حال من الضميرين في ~~الفعلين «لعلكم تذكرون» طلبا لأن تتعظوا بذلك «وأوفوا بعهد الله» هو البيعة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها مبايعة لله سبحانه لقوله تعالى إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله «إذا عاهدتم» أي حافظوا على حدود ما ~~عاهدتم الله عليه وبايعتم به رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV05P136 # «ولا تنقضوا الأيمان» التي تحلفون بها عند المعاهدة «بعد توكيدها» حسبما ~~هو المعهود في أثناء العهود لا على أن يكون النهي مقيدا بالتوكيد مختصا به ~~«وقد جعلتم الله عليكم كفيلا» شاهدا رقيبا فإن الكفيل مراع لحال المكفول به ~~محافظ عليه «إن الله يعلم ما تفعلون» من نقض الأيمان والعهود فيجازيكم على ~~ذلك «ولا تكونوا» فيما تصنعون من النقض «كالتي نقضت غزلها» أي ما غزلته ~~مصدر بمعنى المفعول «من بعد قوة» متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها ~~من بعد إبرامه وإحكامه «أنكاثا» طاقات نكثت فتلها جمع نكث وانتصابه على ~~الحالية من غزلها أو على أنه مفعول ثان لنقضت فإنه بمعنى صيرت والمراد ~~تقبيح حال النقض بتشبيه الناقض بمثل هذه الخرقاء المعتوهة قيل هي ريطة بنت ~~سعد بن تيم وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة ~~على قدرها فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما ~~غزلن «تتخذون أيمانكم دخلا بينكم» حال من الضمير في لا تكونوا أو في الجار ~~والمجرور ms1911 الواقع موقع الخبر أي مشابهين لا مرأة شأنها هذا حال كونكم متخذين ~~أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه «أن تكون ~~أمة» أي بأن تكون جماعة «هي أربى» أي أزيد عددا وأوفر مالا «من أمة» من ~~جماعة أخرى أي لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذيهم وقوتهم ~~كقريش فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا ~~أعداءهم «إنما يبلوكم الله به» أي بأن تكون أمة أربى من أمة أي يعاملكم ~~بذلك معاملة من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم ~~بحسب ظاهر الحال «وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون» حين جازاكم ~~بأعمالكم ثوابا وعقابا «ولو شاء الله» مشيئة قسر وإلجاء «لجعلكم أمة واحدة» ~~متفقة على الإسلام «ولكن» لا يشاء ذلك لكونه مزاحما لقضية الحكمة بل «يضل ~~من يشاء» إضلاله أي يخلق فيه الضلال حسبما يصرف اختياره الجزئي إليه «ويهدي ~~من يشاء» هدايته حسبما يصرف اختياره إلى تحصيلها «ولتسألن» جميعا يوم ~~القيامة «عما كنتم تعملون» في الدنيا وهذا إشارة إلى ما لوح به من الكسب ~~الذي عليه يدور أمر الهداية والضلال PageV05P137 # «ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم» تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا ~~ومبالغة في بيان قبح المنهي عنه وتمهيدا لقوله سبحانه «فتزل قدم» عن محجة ~~الحق «بعد ثبوتها» عليها ورسوخها فهيا بالإيمان وإفراد القديم وتنكيرها ~~للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام ~~كثيرة «وتذوقوا السوء» أي العذاب الدنيوي «بما صددتم» بصدودكم أو بصدكم ~~غيركم «عن سبيل الله» الذين ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان فإن من نقض ~~البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره «ولكم» في الآخرة «عذاب عظيم» «ولا تشتروا ~~بعهد الله» أي لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى وبيعة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أو آياته الناطقة بإيجاب المحافظة على العهود والأيمان «ثمنا قليلا» ~~أي لا تستبدلوا بها عرضا يسيرا ms1912 وهو ما كانت قريش يعدون ضعفة المسلمين ~~ويشترطون لهم على الارتداد من حطام الدنيا «إنما عند الله» عز وجل من النصر ~~والتغنيم والثواب الأخروي «هو خير لكم» مما يعدونكم «إن كنتم تعلمون» أي إن ~~كنتم من أهل العلم والتمييز وهو تعليل للنهي على طريقة التحقيق كما أن قوله ~~تعالى «ما عندكم» تعليل للخيرية بطريق الاستئناف أي ما تتمتعون به من نعيم ~~الدنيا وإن جل بل الدنيا وما فيها جميعا «ينفد» وإن جم عدده وينقضى وإن طال ~~أمده «وما عند الله» من خزائن رحمته الدنيوية والأخروية «باق» لا نفاذ له ~~أما الأخروية فظاهرة وأما الدنيوية فحيث كانت موصولة بالأخروية ومستتبعة ~~لها فقد انتظمت في سمط الباقيات الصالحات وفي إيثار الاسم على صيغة المضارع ~~من الدلالة على الدوام ما لا يخفى وقوله تعالى «ولنجزين» بنون العظمة على ~~طريقة الالتفات تكرير الموعد المستفاد من قوله تعالى إن ما عند الله هو خير ~~لكم على نهج التوكيد القسمي مبالغة في الحمل على الثبات في الدين والالتفات ~~عما يقتضيه ظاهر الحال من أن يقال ولنجزينكم أجركم بأحسن ما كنتم تعملون ~~للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعار بعليتها للجزاء أي والله لنجزين ~~«الذين صبروا» على أذية المشركين ومشاق الإسلام التي من جملتها الوفاء ~~بالعهود والفقر وقرئ بالياء من غير التفات «أجرهم» مفعول ثان لنجزين أي ~~لنعطينهم أجرهم الخاص بهم بمقابلة صبرهم على ما منوا به من الأمور المذكورة ~~«بأحسن ما كانوا يعملون» أي لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكور ~~وإنما أضيف إليه الأحسن للإشعار بكمال حسنه كما في قوله سبحانه وحسن ثواب ~~الآخرة لا لإفادة قصر الجزاء على الأحسن منه دون الحسن فإن ذلك مما لا يخطر ~~ببال أحد لا سيما بعد قوله تعالى أجرهم أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد ~~أعمالهم المذكور على معنى لنعطيهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم ~~المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل لا أنا نعطي ~~الأجر بحسب PageV05P138 # أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن ms1913 ~~والأحسن بالأحسن وفيه ما لا يخفى من العدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم ~~في تضاعيف الصبر من بعض جزع ونظمه في سلك الصبر الجميل أو لنجزينهم بجزاء ~~أحسن من أعمالهم وأما التفسير بما ترجح فعله من أعمالهم كالواجبات ~~والمندوبات أو بما ترجح تركه أيضا كالمحرمات والمكروهات دلالة على أن ذلك ~~هو المدار للجزاء دون ما يستوي فعله وتركه كالمباحات فلا يساعده مقام الحث ~~على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والترغيب في تحصيل ~~ثمراتها بل التعرض لإخراج بعض أعمالهم عن مدارية الجزاء من قبيل تحجير ~~الرحمة الواسعة في مقام توسيع حماما «من عمل صالحا» أي عملا صالحا أي عمل ~~كان وهذا شروع في تحريض كافة المؤمنين على كل عمل صالح غب ترغيب طائفة منهم ~~في الثبات على ما هم عليه من عمل صالح مخصوص دفعا لتوهم اختصاص الأجر ~~الموفور بهم وبعملهم المذكور وقوله تعالى «من ذكر أو أنثى» مبالغة في بان ~~شموله للكل «وهو مؤمن» قيده به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق ~~الثواب أو تخفيف العذاب لقوله تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا وإيثار إيراده بالجملة الاسمية الحالية على نظمه في سلك الصلة ~~لإفادة وجوب دوامه ومقارنته للعمل الصالح «فلنحيينه حياة طيبة» في الدنيا ~~يعيش عيشا طيبا أما إن كان موسرا فظاهر وأما إن كان معسرا فيطيب عيشه ~~بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الأجر العظيم كالصائم يطيب نهاره بملاحظة ~~نعيم ليله بخلاف الفاجر فإنه إن كان معسرا فظاهر وإن كان موسرا فلا يدعه ~~الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه «ولنجزينهم» في الآخرة «أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون» حسبما نفعل بالصابرين فليس فيه شائبة تكرار والجمع في ~~الضمائر العائدة إلى الموصول لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد فيما سلف ~~لرعاية جانب اللفظ وإيثار ذلك على العكس لما أن وقوع الجزاء بطريق الاجتماع ~~المناسب للجمعية ووقوع ما في حيز الصلة وما يترتب عليه بطريق الافتراق ~~والتعاقب الملائم للإفراد وإذ قد انتهى الأمر إلى أن ms1914 مدار الجزاء المذكور ~~هو صلاح العمل وحسنه رتب عليه بالفاء الإرشاد إلى ما به يحسن العمل الصالح ~~ويخلص عن شوب الفاسد فقيل «فإذا قرأت القرآن» أي إذا أردت قراءته عبر بها ~~عن إرادتها على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب إيذانا بأن المراد هي ~~الإرادة المتصلة بالقراءة «فاستعذ بالله» فاسأله عز جاره أن يعيذك «من ~~الشيطان الرجيم» من وساوسه وخطراته كيلا يوسوسك عند القراءة فإن له همة ~~بذلك قال تعالى «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته» الآية وتوجيه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها ~~للتنبيه على أنها لغيره صلى الله عليه وسلم وفي سائر الأعمال PageV05P139 # الصالحة أهم فإنه صلى الله عليه وسلم حيث أمر بها عند قراءة القرآن الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فما ظنكم بمن عداه صلى الله عليه ~~وسلم فما عدا القراءة من الأعمال والأمر للندب وهذا مذهب الجمهور وعند عطاء ~~للوجوب وقد أخذ بظاهر النظم الكريم فاستعاذ عقيب القراءة أبو هريرة رضي ~~الله عنه ومالك وابن سيرين وداود وحمزة من القراء وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أعوذ بالسميع العليم من ~~الشيطان الرجيم فقال صلى الله عليه وسلم قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ «أنه» الضمير ~~للشأن أو للشيطان «ليس له سلطان» تسلط وولاية «على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون» أي إليه يفوضون أمروهم وبه يعوذون في كل ما يأتون وما يذرون فإن ~~وسوسته لا تؤثر فيهم ودعوته غير مستجابة عندهم وإيثار صيغة الماضي في الصلة ~~الأولى للدلالة على التحقق كما أن اختيار صيغة الاستقبال في الثانية لإفادة ~~الاستمرار التجددي وفي التعرض لوصف الربوبية عدة كريمة بإعادة المتوكلين ~~والجملة تعليل للأمر بالاستعاذة أو لجوابه المنوي أي يعذك أو نحوه «إنما ~~سلطانه» أي ms1915 تسلطه وولايته بدعوته المستتبعة للاستجابة لا سلطانه بالقسر ~~والإلجاء فإنه منتف عن الفريقين لقوله سبحانه حكاية عنه وما كان لي عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي وقد أفصح عنه قوله تعالى «على الذين ~~يتولونه» أي يتخذونه وليا ويستجيبون دعوته ويطيعونه فإنه المقسور بمعزل من ~~ذلك «والذين هم به» سبحانه وتعالى «مشركون» أو بسبب الشيطان مشركون إذ هو ~~الذي حملهم على الإشراك بالله سبحانه وقصر سلطانه عليهم غب نفيه عن ~~المؤمنين المتوكلين دليل على أن لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله ~~تعالى وبين تولي الشيطان وإن كان بينهما واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل ~~عليه تعالى ينتظم في سلك من يتولى الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم ~~التعليل ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذير عن مقابله وإيثار الجملة ~~الفعلية الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرار التجددي ~~كما أن اختيار الجملة الاسمية في الثانية للدلالة على الثبات وتكرير ~~الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير ~~المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه وتقديم الأولى على الثانية التي هي ~~بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها من ~~التوكل على الله تعالى ولو روعي الترتيب السابق لا نفصل كل من القرينتين ~~عما يقابلها «وإذا بدلنا آية مكان آية» أي إذا أنزلنا آية من القرآن مكان ~~آية منه وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها «والله أعلم بما ينزل» أولا ~~وآخرا وبأن كلا من ذلك ما نزلت حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيه الحكمة ~~والمصلحة فإن PageV05P140 # كل وقت له مقتض غير مقتضي الآخر فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخر ~~مفسدة وبالعكس لانقلاب الأمور الداعية إلى ذلك وما الشرائع إلا مصالح ~~للعباد في المعاش والمعاد تدور حسبما تدور المصالح والجملة إما معترضة ~~لتوبيخ الكفرة والتنبيه على فساد رأيهم وفي الالتفات إلى الغيبة مع إسناد ~~الخبر إلى الاسم الجليل المستجمع للصفات ما لا يخفى من تربية المهابة ms1916 ~~وتحقيق معنى الاعتراض أو حالية وقرئ بالتخفيف من الإنزال «قالوا» أي الكفرة ~~الجاهلون بحكمة النسخ «إنما أنت مفتر» أي متقول على الله تعالى تأمر بشيء ~~ثم يبدو لك فتنهى عنه وحكاية هذا القول عنهم ههنا للإيذان بأن ذلك كفرة ~~ناشئة من نزغات الشياطين وأنه وليهم «بل أكثرهم لا يعلمون» أي لا يعملون ~~شيئا أصلا أو لا يعلمون أن في النسخ حكما بالغة وإسناد هذا الحكم إلى ~~الأكثر لما أن منهم من يعلم ذلك وإنما ينكره عنادا «قل نزله» أي القرآن ~~المدلول عليه بالآية «روح القدس» يعني جبريل عليه السلام أي الروح المطهر ~~من الأدناس البشرية وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كإضافة حاتم إلى ~~الجود حيث قيل حاتم الجود للمبالغة في ذلك الوصف كأنه طبع منه وفي صيغة ~~التفعيل في الموضعين إشعار بأن التدريج في الإنزال مما تقتضيه الحكم ~~البالغة «من ربك» في إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة ~~على تحقيق إفاضة آثار الربوبية عليه صلى الله عليه وسلم ما ليس في إضافته ~~إلى ياء المتكلم المبنية على التلقين المحض «بالحق» أي ملتبسا بالحق الثابت ~~الموافق للحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها إنشاء ونسخا وفيه دلالة على أن ~~النسخ حق «ليثبت الذين آمنوا» على الإيمان بأنه كلامه تعالى فإنهم إذا ~~سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم ~~واطمأنت قلوبهم وقرئ ليثبت من الإفعال «وهدى وبشرى للمسلمين» المنقادين ~~لحكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتا وهداية وبشارة وفيه ~~تعريض بحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سواهم من الكفار «ولقد نعلم أنهم ~~يقولون» غير ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء «إنما يعلمه» أي القرآن «بشر» ~~على طريق البت مع ظهور أنه نزله روح القدس عليه الصلاة والسلام وتحلية ~~الجملة بفنون التأكيد لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد وصيغة الاستقبال لإفادة ~~استمرار العلم بحسب الاستمرار التجددي في متعلقه فإنهم مستمرون على تفوه ~~تلك العظيمة يعنون بذلك جبر الرومي غلام عامر بن الحضرمي وقيل جبرا ms1917 ويسيرا ~~كانا يصنعان السيف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل وكان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه قيل عابسا غلام حويطب بن عيد العزي قد ~~أسلم وكان صاحب كتب وقيل سلمان الفارسي وإنما لم يصرح باسم من زعموا أنه ~~يعلمه مع كونه أدخل في ظهور كذبهم للإيذان بأن مدار خطابهم ليس بنسبته عليه ~~السلام إلى التعلم من شخص معين بل من البشر كائنا من كان مع كونه عليه ~~PageV05P141 # السلام معدنا لعلوم الأولين والآخرين «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي» ~~الإلحاد الإمالة من ألحد القبر إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ~~ثم استعير لكل إمالة عن الاستقامة فقالوا ألحد فلان في قوله وألحد في دينه ~~أي لغة الرجل الذي يميلون إليه القول عن الاستقامة أعجمية غير بينة وقرئ ~~بفتح الياء والحاء وبتعريف اللسان «وهذا» أي القرآن الكريم «لسان عربي ~~مبين» ذو بيان وفصاحة والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم وتقريره أن القرآن ~~معجز بنظمه كما أنه معجز بمعناه فإن زعمتم أن بشرا يعلمه معناه فكيف يعلمه ~~هذا النظم الذي أعجز جميع أهل الدنيا والتشبث في أثناء الطعن بأذيال أمثال ~~هذه الخرافات الركيكة دليل كمال عجزهم «إن الذين لا يؤمنون بآيات الله» أي ~~لا يصدقون انها من عند الله بل يقولون فيها ما يقولون يسمونها تارة افتراء ~~وأخرى أساطير معلمة من البشر «لا يهديهم الله» إلى الحق أو إلى سبيل النجاة ~~هداية موصلة إلى المطلوب لما علم أنهم لا يستحقون ذلك لسوء حالهم «ولهم» في ~~الآخرة «عذاب أليم» وهذا تهديد لهم ووعيد على ما هم عليه من الكفر بآيات ~~الله تعالى ونسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء والتعلم من ~~البشر بعد إماطة شبهتهم ورد طعنهم وقوله تعالى «إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله» رد لقولهم إنما أنت مفتر وقلب للأمر عليهم ببيان أنهم ~~هم المفترون بعد رده بتحقيق أنه منزل من عند الله بواسطة روح القدس وإنما ~~وسط بينهما قوله تعالى ولقد نعلم الآية لما ms1918 لا يخفى من شدة اتصاله بالرد ~~الأول والمعنى والله تعالى أعلم أن المفترى هو الذين يكذب بآيات الله ويقول ~~إنه افتراء ومعلم من البشر أي تكذيبها على الوجه المذكور هو الافتراء على ~~الحقيقة لأن حقيقته الكذب والحكم بأن ما هو كلامه تعالى ليس بكلامه تعالى ~~في كونه كذبا وافتراء كالحكم بأن ما ليس بكلامه تعالى كلامه تعالى والتصريح ~~بالكذب للمبالغة في بيان قبحه وصيغة المضارع لرعاية المطابقة بينه وبين ما ~~هو عبارة عنه أعني قوله لا يؤمنون وقيل المعنى إنما يفتري الكذب ويليق ذلك ~~بمن لا يؤمن بآيات الله لأنه لا يتقرب عقابا عليه ليرتدع عنها وأما من يؤمن ~~بها ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن أن يصدر عنه افتراء البتة ~~«وأولئك» الموصوفون بما ذكر من عدم الإيمان بآيات الله «هم الكاذبون» على ~~الحقيقة أو الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آياته تعالى والطعن ~~فيها بأمثال هاتيك الأباطيل والسر في ذلك أن الكذب الساذج الذي هو عبارة عن ~~الإخبار بعدم وقوع ما هو واقع في نفس الأمر بخلق الله تعالى أو بوقوع ما لم ~~يقع كذلك مدافعة لله تعالى في فعله فقط والتكذيب مدافعة له سبحانه في فعله ~~وقوله المنبئ عنه معا أو الذين عادتهم الكذب لا يزعهم عنه وازع من دين أو ~~مروءة وقيل الكاذبون في قولهم إنما أنت مفتر «من كفر بالله» أي تلفظ بكلمة ~~الكفر «من بعد إيمانه» به تعالى وهو ابتداء كلام لبيان حال PageV05P142 # من كفر بآيات الله بعد ما آمن بها بعد بيان حال من لم يؤمن بها رأسا ومن ~~موصولة ومحلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه أو ~~هو خبر لهما معا أو النصب على الذم «إلا من أكره» على ذلك بأمر يخاف على ~~نفسه أو على عضو من أعضائه وهو استثناء متصل من حكم الغضب والعذاب أو الذم ~~لأن الكفر لغة يتم بالقول كما أشير إليه وقوله تعالى «وقلبه مطمئن ~~بالإيمان» حال من المستثنى والعامل ms1919 هو الكفر الواقع بالإكراه لا نفس ~~الاكراه لأن مقارنة اطمئنان القلب بالإيمان للإكراه لا تجدى نفعا وإنما ~~المجدى مقارنته للكفر الواقع به أي إلا من كفر بإكراه من إلا من أكره ~~فكفروا والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته وإنما لم يصرح به ~~إيماء إلى أنه ليس بكفر حقيقة وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ~~«ولكن من» لم يكن كذلك بل «شرح بالكفر صدرا» أي اعتقده وطاب به نفسا ~~«فعليهم غضب» عظيم لا يكتنه كنهه «من الله» إظهار الاسم الجليل لتربية ~~المهابة وتقوية تعظيم العذاب «ولهم عذاب عظيم» إذ لا جرم أعظم من جرمهم ~~والجمع في الضميرين المجرورين لمراعاة جانب المعنى كما أن الإفراد في ~~المستكن في الصلة لرعاية جانب اللفظ روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ~~ياسرا وسمية على الارتداد فأباه أبواه فربطوا سمية بين بعيرين ووجئت بحربة ~~في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال فقتلوها وقتلوا يسارا وهما أول ~~قتيلين في الإسلام وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل يا رسول ~~الله إن عمارا كفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا إن عمارا مليء ~~إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ~~وقال مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت وهو دليل على جواز التكلم بكلمة ~~الكفر عند الإكراه الملجئ وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما ~~فعله أبواه وروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما ما تقول في محمد ~~قال رسول الله قال فما تقول في قال أنت أيضا فخلاه وقال للآخر ما تقول في ~~محمد قال رسول الله قال فما تقول في قال أنا أصم فأعاد ثلاثا فأعاد جوابه ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما الأول فقد أخذ برخصة وأما ~~الثاني فقد صدع بالحق «ذلك» إشارة إلى الكفر بعد الإيمان أو إلى ms1920 الوعيد ~~المذكور «بأنهم» بسبب أنهم «استحبوا الحياة الدنيا» آثروها «على الآخرة وأن ~~الله لا يهدي» إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثبات عليه هداية قسروا إلجاء ~~«القوم الكافرين» في علمه المحيط فلا يعصمهم عن الزيغ وما يؤدي إليه من ~~الغضب والعذاب العظيم ولولا أحدا لأمرين إما إيثار الحياة الدنيا على ~~الآخرة وإما عدم هداية الله سبحانه للكافرين هداية قسر بأن آثروا الآخرة ~~على الدنيا أو بأن هداهم الله تعالى هداية قسر لما كان ذلك لكن الثاني ~~مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت الوقوع وإليه أشير بقوله تعالى ~~«أولئك» أي أولئك الموصوفون بما ذكر من القبائح «الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصارهم» فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه «وأولئك هم PageV05P143 # الغافلون» أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلة أعظم من الغفلة عن تدبر ~~العواقب «لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون» إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها إلى ~~مالا يفضي إلا إلى العذاب المخلد «ثم إن ربك للذين هاجروا» إلى دار الإسلام ~~وهم عمار وأصحابه رضي الله عنهم أي لهم بالولاية والنصر لا عليهم كما يوجبه ~~ظاهر أعمالهم السابقة فالجار والمجرور خبر لأن ويجوز أن يكون خبرها محذوفا ~~لدلالة الخبر الآتي عليه ويجوز أن يكون ذلك خبرا لها وتكون إن الثانية ~~تأكيدا للأولى وثم للدلالة على تباعد رتبة حالهم هذه عن رتبة حالهم التي ~~يفيدها الاستثناء من مجرد الخروج عن حكم الغضب والعذاب بطريق الإشارة لا عن ~~رتبة حال الكفرة «من بعد ما فتنوا» أي عذبوا على الارتداد وتلفظوا بما ~~يرضيهم مع اطمئنان قلوبهم بالإيمان وقرئ على بناء الفاعل أي عذبوا المؤمنين ~~كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا «ثم جاهدوا» في سبيل ~~الله «وصبروا» على مشاق الجهاد «إن ربك من بعدها» من بعد المهاجرة والجهاد ~~والصبر فهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من عليه الصلة له أو ~~من بعد الفتنة المذكورة فهو لبيان عدم إخلال ذلك بالحكم «لغفور» لما فعلوا ~~من قبل «رحيم» ينعم عليهم مجازاة ms1921 على ما صنعوا من بعد وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية في الموضعين إيماء إلى علة الحكم وفي إضافة الرب إلى ضميره عليه ~~السلام مع ظهور الأثر في الطائفة المذكورة إظهار لكمال اللطف به عليه ~~السلام وإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة بواسطته ~~عليه السلام ولكونهم أتباعا له «يوم تأتي كل نفس» منصوب برحيم وما رتب عليه ~~أو بالذكر وهو يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين «تجادل عن نفسها» ~~عن ذاتها تسعى في خلاصها بالاعتذار لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي ~~«وتوفى كل نفس» أي تعطى وافيا كاملا «ما عملت» أي جزاء ما عملت بطريق إطلاق ~~اسم السبب على المسبب إشعارا بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال وإيثار ~~الإظهار على الإضمار لزيادة التقرير وللإيذان باختلاف وفتى المجادلة ~~والتوفية وإن كانتا في يوم واحد «وهم لا يظلمون» لا ينقصون أجورهم أولا ~~يعاقبون بغير موجب ولا يزاد في عقابهم على ذنوبهم «وضرب الله مثلا قرية» ~~قيل ضرب المثل صنعه واعتماله وقد مر تحقيقه في سورة البقرة ولا يتعدى إلا ~~إلى مفعول واحد وإنما عدى إلى الاثنين لتضمنه معنى الجعل وتأخير قرية مع ~~كونها PageV05P144 # مفعولا أول لئلا يحول المفعول الثاني بينها وبين صفتها وما يترتب عليها ~~إذ التأخير عن الكل مخل بتجاذب أطراف النظم وتجاوبها ولأن تأخير ما حقه ~~التقديم مما يورث النفس ترقبا لوروده وتشوقا إليه لا سيما إذا كان في ~~المقدم ما يدعو إليه فإن المثل مما يدعو إلى المحافظة على لا تفاصيل أحوال ~~ما هو مثل فيتمكن المؤخر عند وروده لديها فضل تمكن والقرية إما محققة في ~~الغابرين وإما مقدرة أي جعلها مثلا لأهل مكة خاصة أو لكل قوم أنعم الله ~~تعالى عليهم فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فبدل الله تعالى بنعمتهم نقمة ~~ودخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا «كانت آمنة» ذات أمن من كل مخوف «مطمئنة» لا ~~يزعج أهلها مزعج «يأتيها رزقها» أقوات أهلها صفة ثانية لقرية وتغيير سبكها ~~عن الصفة الأولى لما أن إتيان رزقها متجدد ms1922 وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر ~~«رغدا» واسعا «من كل مكان» من نواحيها «فكفرت» أي كفر أهلها «بأنعم الله» ~~أي بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس ~~وأبؤس والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر وإيثار جمع القلة للإيذان بأن ~~كفران نعمة قلية حيث أوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة «فأذاقها ~~الله» أي أذاق أهلها «لباس الجوع والخوف» شبه أثر الجوع والخوف وضررهما ~~المحيط بهم باللباس الغاشي للابس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة ~~المستعارة لمطلق الإيصال المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع إدراكي ~~اللامسة والذائقة على نهج التجريد فإنها لشيوع استعمالها في ذلك وكثرة ~~جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة كقول كثير [غمر الرداء إذا تبسم ~~ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال] فإن الغمر مع كونه في الحقيقة من أحوال ~~الماء الكثير لما كان كثير الاستعمال في المعروف المشبه بالماء الكثير جري ~~مجرى الحقيقة فصارت إضافته إلى الرداء المستعار للمعروف تجريدا أو شبه ~~أثرهما وضررهما من حيث الإحاطة بهم والكراهة لديهم تارة باللباس الغاشي ~~للابس المناسب للخوف بجامع الإحاطة واللزوم تشبيه معقول بمحسوس فاستعير له ~~اسمه استعارة تصريحية وأخرى بطعم المر البشع الملائم للجوع الناشئ من فقد ~~الرزق بجامع الكراهة فأومى إليه بأن أوقع عليه الإذاقة المستعارة لإيصال ~~المضار المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع إدراكي اللامسة والذائقة ~~وتقديم الجوع الناشئ مما ذكر من فقدان الرزق على الخوف المترتب على زوال ~~الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالإذاقة أو لمراعاة ~~المقارنة بينها وبين إتيان الرزق وقد قرئ بتقديم الخوف وبنصبه أيضا عطفا ~~على المضاف أو إقامة له مقام مضاف محذوف وأصله ولبسا الخوف «بما كانوا ~~يصنعون» فيما قبل أو على وجه الاستمرار وهو الكفران المذكور أسند ذلك إلى ~~أهل القرية تحقيقا للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع الإذاقة عليها ~~إرادة للمبالغة وفي صيغة الصنعة إيذان بأن كفران نعمة صار صنعة راسخة لهم ~~وسنة مسلوكة «ولقد جاءهم» من ms1923 تتمة المثل جئ بها لبيان أن ما فعلوه من كفران ~~النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله على ~~PageV05P145 # الخلق أيضا أي ولقد جاء أهل تلك القرية «رسول منهم» أي من جنسهم يعرفونه ~~بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم سوء عاقبة ما يأتون ~~وما يذرون «فكذبوه» في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر فالفاء فصيحة وعدم ~~ذكره للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم «فأخذهم العذاب» المستأصل ~~لشأفتهم غب ما ذاقوا نبذة من ذلك «وهم ظالمون» أي حال التباسهم بما هم عليه ~~من الظلم الذي هو كفران نعم الله تعالى وتكذيب رسوله غير مقلعين عنه بما ~~ذاقوا من مقدماته الزاجرة عنه وفيه دلالة على تماديهم في الكفر والعناد ~~وتجاوزهم في ذلك كل حد معتاد وترتيب العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة ~~الله تعالى حسبما يرشد إليه قوله سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وبه ~~يتم التمثيل فإن حال أهل مكة سواء ضرب المثل لهم خاصة أو لمن سار سيرتهم ~~كافة محاذية لحال أهل تلك القرية حذو القذة بالقذة من غير تفاوت بينهما ولو ~~في خصلة فذة كيف لا وقد كانوا في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ~~ببالهم طيف من الخوف وكانت تجبى إليه ثمرات كل شيء ولقد جاءهم رسول منهم ~~وأي رسول يحار في إدراك سمو رتبته العقول صلى الله عليه وسلم ما اختلف ~~الدبور والقبول فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم فأذاقهم ~~الله لباس الجوع والخوف حيث أصابهم بدعائه صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم ~~أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ما أصابهم من جدب شديد وأزمة حصت كل شيء حتى ~~اضطرتهم إلى أكل الجيف والكلاب الميتة والعظام المحرفة والعلهز وهو الوبر ~~المعالج بالدم وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم ثم أخذهم يوم بدر ~~ما أخذهم من العذاب هذا ms1924 هو الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسن النظام وأما ما ~~أجمع عليه أكثر أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى ولقد جاءهم لأهل ~~مكة قد ذكر حالهم صريحا بعد ما ذكر مثلهم وأن المراد بالرسول محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما أصابهم من الجدب ووقعة بدر فبمعزل من ~~التحقيق كيف لا وقوله سبحانه «فكلوا مما رزقكم الله» مفرع على نتيجة ~~التمثيل وصد لهم عما يؤدي إلى مثل عاقبته والمعنى وإذ قد استبان لكم حال من ~~كفر بأنعم الله وكذب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولا وآخرا ~~فانتهوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كيلا يحل بكم مثل ما حل بهم واعرفوا حق نعم الله تعالى وأطيعوا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في أمره ونهيه وكلوا من رزق الله حال كونه «حلالا طيبا» ~~وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها «واشكروا نعمة الله» واعرفوا حقها ~~ولا تقابلوها بالكفران والفاء في المعنى داخلة على الأمر بالشكر وإنما ~~أدخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ذريعة إلى الشكر فكأنه قيل فاشكروا نعمة ~~الله غب أكلها حلالا طيبا وقد أدمج فيه النهى عن زعم الحرمة ولا ريب في أن ~~هذا إنما يتصور حين كان العذاب المستأصل متوقعا بعدو قد تمهدت مباديه ~~وبعدما وقع ما وقع فمن ذا الذي يحظر ومن ذا الذي يؤمر بالأكل والشكر وحمل ~~قوله تعالى فأخذهم العذاب وهم ظالمون على الأخبار بذلك قبل الوقوع يأباه ~~الصدى لاستصلاحهم بالأمر والنهي وتوجيه خطاب الأمر بالأكل إلى المؤمنين ~~PageV05P146 # مع أن ما يتلوه من خطاب النهي متوجه إلى الكفار كما فعله الواحدي حيث قال ~~فكلوا أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله من الغنائم مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل «إن كنتم إياه تعبدون» أي تطيعون أو إن صح زعمكم أنكم ~~تقصدون بعبادة الآلهة عبادته تعالى «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل لغير الله به» تعليل لحل ما أمرهم بأكله ms1925 مما رزقهم أي إنما ~~حرم هذه الأشياء دون ما تزعمون حرمته من البحائر والسوائب ونحوها «فمن ~~اضطر» بما اعتراه من الضرورة فتناول شيئا من ذلك «غير باغ» أي على مضطر آخر ~~«ولا عاد» أي متجاوز قدر الضرورة «فإن ربك غفور رحيم» أي لا يؤاخذه بذلك ~~فأقيم سببه مقامه وفي التعرض لوصف الربوبية إيماء إلى علة الحكم وفي ~~الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم إظهار لكمال اللطف به صلى الله عليه ~~وسلم وتصدير الجملة بإنما لحصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه ~~كالسباع والحمر الأهلية ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم ~~فقال «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم» اللام صلة مثلها في قوله تعالى ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات أي لا تقولوا في شأن ما تصفه ألسنتكم ~~من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلا عن استناده ~~إلى وحي أو قياس مبني عليه «الكذب» منتصب بلا تقولوا وقوله تعالى «هذا حلال ~~وهذا حرام» بدل منه ويجوز أن يتعلق بتصف على إرادة القول أي لا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام وأن يكون القول المقدر حالا من ~~ألسنتهم أي قائلة هذا حلال الخ ويجوز أن ينتصب الكذب بتصف ويتعلق هذا حلال ~~الخ بلا تقولوا واللام للتعليل وما مصدرية أي لا تقولا هذا حلال وهذا حرام ~~لوصف ألسنتكم الكذب أي لا تحلوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم الكذب ~~وتصويرها له بصورة مستحسنة وتزيينها له في المسامع كأن ألسنتهم لكونها منشأ ~~للكذب ومنبعا للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس ويعرفه أوضح ~~وصف وأبين تعريف على طريقة الاستعارة بالكناية كما يقال وجهه يصف الجمال ~~وعينه تصف السحر وقرئ بالجر صفة لما مع مدخولها كأنه قيل لوصفها الكذب ~~بمعنى الكاذب كقوله تعالى بدم كذب والمراد بالوصف وصفها البهائم بالحل ~~والحرمة وقرب الكذب جمع كذوب بالرفع صفة للألسنة ms1926 وبالنصب على الشتم أو ~~بمعنى الكلم الكواذب أو هو جمع الكذاب من قولهم كذب كذبا ذكره ابن جني ~~«لتفتروا على الله الكذب» PageV05P147 # فإن مدار الحل والحرمة ليس إلا أمر الله تعالى فالحكم بالحل والحرمة ~~إسناد للتحليل والتحريم إلى الله سبحانه من غير أن يكون ذلك منه واللام لام ~~العاقبة «إن الذين يفترون على الله الكذب» في أمر من الأمور «لا يفلحون» لا ~~يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراء للفوز بها «متاع قليل» خبر مبتدأ ~~محذوف أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة «ولهم» في ~~الآخرة «عذاب أليم» لا يكتنه كنهه «وعلى الذين هادوا» خاصة دون غيرهم من ~~الأولين والآخرين «حرمنا ما قصصنا عليك» أي بقوله تعالى حرمنا كل ذي ظفر ~~ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما الآية «من قبل» متعلق بقصصنا أو ~~بحرمنا وهو تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من ~~فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون لسنا أول من حرمت عليه ~~وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى المر إلينا «وما ~~ظلمناهم» بذلك التحريم «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» حيث فعلوا ما عوقبوا به ~~عليه حسبما نعى عليهم قوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم الآية ولقد ألقمهم الحج قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين روى أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ~~ذلك بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة كيف وقد بين فيها أن تحريم ما حرم ~~عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا أوضح بيان وفيه تنبيه على ~~الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم «ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة» ~~أي بسبب جهالة أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في ~~العواقب لغلبة الشهوة والسوء يعم الافتراء على الله تعالى وغيره «ثم تابوا ~~من بعد ذلك» أي من ms1927 بعد ما عملوا ما عملوا والتصريح به مع دلالة ثم عليه ~~للتأكيد والمبالغة «وأصلحوا» أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح «إن ربك ~~من بعدها» من بعد التوبة «لغفور» لذلك السوء «رحيم» يثيب على طاعته تركا ~~وفعلا وتكرير قوله تعالى إن ربك لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه ~~والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم مع ظهور ~~الأثر في التائبين للإيماء إلى أن إفاضة آثار الربوبية من المغفرة والرحمة ~~عليهم بتوسطه صلى الله عليه وسلم وكونهم من أتباعه كما أشير إليه فيما مر ~~«إن إبراهيم كان أمة» على حياله لحيازته من الفضائل البشرية ما لا تكاد ~~توجد إلا متفرقة في PageV05P148 # أمة جمة حسبما قيل [ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد] وهو ~~رئيس أهل التوحيد وقدوة أصحاب التحقيق جادل أهل الشرك وألقمهم الحجر ببينات ~~باهرة لا تبقى ولا تذر وأبطل مذاهبهم الزائغة بالبراهين القاطعة والحجج ~~الدامغة أو لأنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار وقيل ~~هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده أو اقتدى به فإن ~~الناس كانوا يقصدونه ويقتدون بسيرته لقوله تعالى إني جاعلك للناس إماما ~~وإيراد ذكره صلى الله عليه وسلم عقيب تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن ~~في النبوة وتحريم ما أحله الله تعالى للإيذان بأن حقية دين الإسلام وبطلان ~~الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه «قانتا لله» مطيعا له قائما بأمره ~~«حنيفا» مائلا عن كل دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه بحال «ولم يك من ~~المشركين» في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا صرح بذلك مع ظهوره لا ردا على ~~كفار قريش فقط في قولهم نحن على ملة أبينا إبراهيم بل عليهم وعلى اليهود ~~المشركين بقولهم عزير ابن الله في افترائهم وادعائهم أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان على ما هم عليه كقوله سبحانه ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنفيا مسلما وما كان من المشركين إذ به ينتظم ms1928 أمر إيراد ~~التحريم والسبت سابقا ولاحقا «شاكرا لأنعمه» صفة ثالثة لأمة وإنما أوثر ~~صيغة جمع القلة للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يخل بشكر النعمة القليلة ~~فكيف بالكثيرة وللتصريح بكونه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفران ~~بأنعم الله تعالى حسبما بين ذلك بضرب المثل «اجتباه» للنبوة «وهداه إلى ~~صراط مستقيم» موصل إليه سبحانه وهو ملة الإسلام وليست نتيجة هذه الهداية ~~مجرد اهتدائه عليه السلام بل مع إرشاد الخلق أيضا بمعونة قرينة الاجتباء ~~«وآتيناه في الدنيا حسنة» حالة حسنة من الذكر الجميل والثناء فيما بين ~~الناس قاطبة حتى أنه ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه وقيل هي الخلة والنبوة ~~وقيل قول المصلي منا كما صليت على إبراهيم والالتفات إلى التكلم لإظهار ~~كمال الاعتناء بشأنه وتفخيم مكانه عليه الصلاة والسلام «وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين» أصحاب الدرجات العالية في الجنة حسبما سأله بقوله وألحقني ~~بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم «ثم ~~أوحينا إليك» مع علو طبقتك وسمو رتبتك «أن اتبع ملة إبراهيم» الملة اسم لما ~~شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء عليهم السلام من أمللت الكتاب ~~إذا أمليته وهو الدين بعينه لكن باعتبار الطاعة له وتحقيقه أن الوضع الإلهي ~~مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى يسمى ملة ومهما نسب إلى من يقيمه ~~ويعمل به يسمى دينا قال الراغب الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكاد توجد مضافة إلى الله سبحانه ولا إلى ~~آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها والمراد بملته عليه ~~السلام الإسلام الذي عبر عنه آنفا بالصراط المستقيم «حنيفا» PageV05P149 # حال من المضاف إليه لما أن المضاف لشدة اتصاله به عليه السلام جرى منه ~~مجرى البعض فعد بذلك من قبيل رأيت وجه هند قائمة والمأمور به الاتباع في ~~الأصول دون الشرائع المتبدلة بتبدل الأعصار وما في ثم من التراخي في الرتبة ~~للإيذان بأن هذه النعمة من أجل ms1929 النعم الفائضة عليه السلام «وما كان من ~~المشركين» تكرير لما سبق لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عليه السلام عما هم ~~عليه من عقد وعمل وقوله تعالى «إنما جعل السبت» أي فرض تعظيمه والتخلي فيه ~~للعبادة وترك الصيد فيه تحقيق لذلك النفي الكلي وتوضيح له بإبطال ما عسى ~~يتوهم كونه قادحا في كليته حسبما سلف في قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا ~~الخ فإن اليهود كانوا يدعون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم عليه ~~السلام كان محافظا عليه أي ليس السبت من شرائع إبراهيم وشعائر ملته التي ~~أمرت باتباعها حتى يكون بينه عليه الصلاة والسلام وبين بعض المشركين علاقة ~~في الجملة وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة وإيراد الفعل مبنيا ~~للمفعول جرى على سنن الكبرياء وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل ~~لاستحالة الإسناد إلى الغير وقد قرئ على البناء للفاعل وإنما عبر عن ذلك ~~بالجعل موصولا بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول باختلافهم فقيل إنما جعل ~~السبت «على الذين اختلفوا فيه» للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاء المؤدي ~~إلى العذاب وبكونه معللا باختلافهم في شأنه قبل الوقوع إيثارا له على ما ~~أمر الله تعالى به واختيارا للعكس لكن لا باعتبار شمول العلية لطرفي ~~الاختلاف وعموم الغائلة للفريقين بل باعتبار حال منشأ الاختلاف من الطرف ~~المخالف للحق وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام أمر اليهود أن يجعلوا في ~~الأسبوع يوما واحدا للعبادة وأن يكون ذلك يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا ~~نريد اليوم الذي فرغ الله تعالى فيه من خلق السماوات والأرض وهو السبت إلا ~~شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فأذن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم ~~الصيد فيه فأطاع أمر الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأعقابهم ~~لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله سبحانه قردة دون أولئك المطيعين «وإن ربك ~~ليحكم بينهم» أي بين الفريقين المختلفين فيه «يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون» أي يفصل ما بينهما من الخصومة والاختلاف فيجازي كل فريق بما ~~يستحقه من الثواب والعقاب وفيه إيماء إلى ms1930 أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد ~~الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به هذا ~~هو الذي يستدعيه الإعجاز التنزيلي وقيل المعنى إنما جعل وبال السبت وهو ~~المسخ على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى وكان ~~حتما عليهم أن يتفقوا على تحريمه حسبما أمر الله سبحانه به وفسر الحكم ~~بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالهم بالإحلال تارة والتحريم أخرى ووجه إيراده ~~ههنا بأنه أريد به إنذار المشركين من سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين ~~لأوامره كضرب المثل بالقرية التي كفرت بأنعم الله تعالى ولا ريب في أن كلمة ~~بينهم تحكم بأن المراد بالحكم هو فصل ما بين الفريقين من الاختلاف وأن ~~توسيط حديث المسخ للإنذار المذكور بين PageV05P150 # حكاية أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وبين أمره صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها من قبيل الفصل بين ~~الشجر ولحائه فتأمل «ادع» أي من بعثت إليهم من الأمة قاطبة فحذف المفعول ~~للتعميم أو افعل الدعوة كما في قولهم يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع ~~فحذفه للقصد إلى إيجاد نفس الفعل إشعارا بأن عموم الدعوة غني عن البيان ~~وإنما المقصود الأمر بإيجادها على وجه مخصوص «إلى سبيل ربك» إلى الإسلام ~~الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيم عليه السلام وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية وتبليغ الشيء إلى كماله اللائق ~~شيئا فشيئا مع إضافة الرب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الأمر ~~بدعوة الأمة على الوجه الحكيم وتكميلهم بأحكام الشريعة الشريفة من الدلالة ~~على إظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام والإيماء إلى وجه بناء الحكم ما لا ~~يخفى «بالحكمة» أي بالمقالة المحكمة الصحيحة وهو الدليل الموضح للحق المزيح ~~للشبهة «والموعظة الحسنة» أي الخطابيات المقنعة والعبر النافعة على وجه لا ~~يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين ~~للحقائق والثانية لدعوة عوامهم ويجوز أن يكون المراد بهما القرآن المجيد ms1931 ~~فإنه جامع لكلا الوصفين «وجادلهم» أي ناظر معانديهم «بالتي هي أحسن» ~~بالطريقة التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار ~~الوجه الأيسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكينا لشغبهم وإطفاء للهبهم كما ~~فعله الخليل عليه السلام «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله» الذي أمرك بدعوة ~~الخلق إليه وأعرض عن قبول الحق بعدما عاين ما عاين من الحكم والمواعظ ~~والعبر «وهو أعلم بالمهتدين» إليه بذلك وهو تعليل لما ذكر من الأمرين ~~والمعنى والله تعالى أعلم اسلك في الدعوة والمناظرة الطريقة المذكورة فإنه ~~تعالى هو أعلم بحال من لا يرعوى عن الضلال بموجب استعداده المكتسب وبحال من ~~يصير أمره إلى الاهتداء لما فيه من خير جبلي فما شرعه لك في الدعوة هو الذي ~~تقتضيه الحكمة فإنه كاف في هداية المهتدين وإزالة عذر الضالين أو ما عليك ~~إلا ما ذكر من الدعوة والمجادلة بالأحسن وأما حصول الهداية أو الضلال ~~والمجازاة عليهما فإلى الله سبحانه إذ هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن ~~يهتدي إليه فيجازي كلا منهما بما يستحقه وتقديم الضالين لما أن مساق الكلام ~~لهم وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث لما أنه تغيير لفطرة الله ~~التي فطر الناس عليها وإعراض عن الدعوة وذلك أمر عارض بخلاف الاهتداء الذي ~~هو عبارة عن الثبات على الفطرة والجريان على موجب الدعوة ولذلك جيء به على ~~صيغة الاسم المنبئ عن الثبات وتكرير هو أعلم للتأكيد والإشعار بتباين حال ~~المعلومين ومآلهما من العقاب والثواب وبعد ما أمره عليه الصلاة والسلام ~~فيما يختص به من شأن الدعوة بما أمره به من الوجه اللائق عقبه بخطاب شامل ~~له ولمن شايعه فيما يعم الكل فقال «وإن عاقبتم» PageV05P151 # أي إن أردتم المعاقبة على طريقة قول الطبيب للمحتمي إن أكلت فكل قليلا ~~(فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي بمثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على ~~طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان أو على نهج المشاكلة ~~والمقصود إيجاب مراعاة العدل مع من يناصبهم ms1932 من غير تجاوز حين ما آل الجدال ~~إلى القتال وأدى النزاع إلى القراع فإن الدعوة المأمور بها لا تكاد تنفك عن ~~ذلك كيف لا وهي موجبة لصرف الوجوه عن القبل المعبودة وإدخال الأعناق في ~~قلادة غير معهودة قاضية عليهم بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلان دين استمرت ~~عليه آباؤهم الأولون وقد ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل وسدت عليهم طرق ~~المحاجة والمناظرة وأرتجت دونهم أبواب المباحثة والمحاورة وقيل إنه عليه ~~الصلاة والسلام لما رأى حمزة رضي الله عنه يوم أحد قد مثل به قال لئن ~~أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده ~~وقرئ وإن عقبتم فعقبوا أي وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم غير ~~متجاوزين عنه والأمر وإن دل على إباحة المماثلة في المثلة من غير تجاوز لكن ~~في تقييده بقوله وإن عاقبتم حيث على العفو تعريضا وقد صرح به على الوجه ~~الآكد فقيل «ولئن صبرتم» أي عن المعاقبة بالمثل «لهو» أي لصبركم ذلك «خير» ~~لكم من الانتصار بالمعاقبة وإنما قيل «للصابرين» مدحا لهم وثناء عليهم ~~بالصبر أو وصفا لهم بصفة تحصل لهم عند ترك المعاقبة ويجوز عود الضمير إلى ~~مطلق الصبر المدلول عليه بالفعل فيدخل فيه صبرهم كدخول أنفسهم في جنس ~~الصابرين دخولا أوليا ثم أمر عليه الصلاة والسلام صريحا بما ندب إليه غيره ~~تعريضا من الصبر لأنه أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشئونه سبحانه ~~ووفور وثوقه به فقيل «واصبر» أي على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام ~~والأذية وعاينت من إعراضهم عن الحق بالكلية «وما صبرك إلا بالله» استثناء ~~مفرغ من أعم الأشياء أي وما صبرك ملابسا ومصحوبا بشيء من الأشياء إلا بالله ~~أي بذكره والاستغراق في مراقبة شؤونه والتبتل إليه بمجامع الهمة وفيه من ~~تسليته عليه الصلاة والسلام وتهوين مشاق الصبر عليه وتشريفه مالا مزبد عليه ~~أو إلا بمشيئته المبينة على حكم بالغة مستتبعة لعواقب حميدة فالتسلية من ~~حيث اشتماله على غايات جميلة وقيل إلا بتوفيقه ومعونته ms1933 فهي من حيث تسهيله ~~وتيسيره فقط «ولا تحزن عليهم» أي على الكفارين بوقوع اليأس من إيمانهم بك ~~ومتابعتهم لك نحو فلا تأس على القوم الكافرين وقيل على المؤمنين وما فعل ~~بهم والأول هو الأنسب بجزالة النظم الكريم «ولا تك في ضيق» بالفتح وقرئ ~~بالكسر وهما لغتان كالقول والقيل أي لا تكن في ضيق صدر وحرج ويجوز أن يكون ~~الأول تخفيف ضيق كهين من هين أي في أمر ضيق «مما يمكرون» أي من مكرهم بك ~~فيما يستقبل فالأول نهى عن التألم بمطلوب من قبلهم فات والثاني عن التألم ~~بمحذور من جهتهم آت والنهي عنهما مع أن انتفاءهما من لوازم الصبر المأمور ~~به لا سيما على الوجه الأول لزيادة التأكيد وإظهار كمال العناية بشأن ~~التسلية وإلا فهل يخطر ببال من توجه إلى الله سبحانه بشر أشر نفسه متنزها ~~عن كل ما سواه من الشواغل شيء من المطلوب فينهي عن الحزن PageV05P152 # بفواته أو محظور فكيف عن الخوف من وقوعه «إن الله مع الذين اتقوا» تعليل ~~لما سبق من الأمر والنهي والمراد بالمعية الولاية الدائمة التي لا تحوم حول ~~صاحبها شائبة شيء من الجزع والحزن وضيق الصدر وما يشعر به دخول كلمة مع من ~~متبوعية المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا الحال في قوله ~~سبحانه إن الله مع الصابرين ونظائرهما كافة والمراد بالتقوى المرتبة ~~الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبة التجنب عن ~~كل ما يؤثم من فعل وترك أعني التنزه عن كل ما شغل سره عن الحق والتبتل إليه ~~بشر أشر نفسه وهو التقوى الحقيقي المورث لولايته تعالى المقرونة ببشارة ~~قوله سبحانه ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والمعنى أن ~~الله ولي الذين تبتلوا إليه بالكلية وتنزهوا عن كل ما يشغل سرهم عنه فلم ~~يخطر ببالهم شيء من مطلوب أو محذور فضلا عن الحزن بفواته أو الخوف من وقوعه ~~وهو المعنى بما به الصبر المأمور به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ms1934 ويتم ~~التعليل كما في قوله تعالى فاصبر إن العاقبة للمتقين على أحد التفسيرين كما ~~حقق في مقامه وإلا فمجرد التوقي عن المعاصي لا يكون مدارا لشيء من العزائم ~~المرخص في تركها فكيف بالصبر المشار إليه ورديفيه وإنما مداره المعنى ~~المذكور فكأنه قيل إن الله مع الذين صبروا وإنما أوثر ما عليه النظم الكريم ~~مبالغة في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوت الجليلة ~~وروادفه كما أن قوله تعالى «والذين هم محسنون» للإشعار بأنه من باب الإحسان ~~الذي يتنافس فيه المتنافسون على ما فصل ذلك حيث قيل واصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين وقد نبه على أن كلا من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان في قوله ~~تعالى إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وحقيقة الإحسان ~~الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها ~~الذاتي وقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك وتكرير الموصول للإيذان بكفاية كل من الصلتين في ولايته ~~سبحانه من غير أن تكون إحداهما تتمة للأخرى وإيراد الأولى فعلية للدلالة ~~على الحدوث كما أن إيراد الثانية اسمية لإفادة كون مضمونها شيمة راسخة لهم ~~وتقديم التقوى على الإحسان لما أن التخلية متقدمة على التحلية والمراد ~~بالموصولين إما جنس المتقين والمحسنين وهو عليه الصلاة والسلام داخل في ~~زمرتهم دخولا أوليا وإما هو عليه الصلاة والسلام ومن شايعه عبر عنهم بذلك ~~مدحا لهم وثناء عليهم بالنعتين الجميلين وفيه رمز إلى أن صنيعه عليه الصلاة ~~والسلام مستتبع لإقتداء الأمة به كقول من قال لابن عباس رضي الله عنهما عند ~~التعزية [اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس] عن هرم بن ~~حيان أنه قيل له حين الاحتضار أوص قال إنما الوصية من المال وأوصيكم ~~بخواتيم سورة النحل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة النحل لم ~~يحاسبه الله تعالى بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات ms1935 في يوم تلاها أو ~~ليلته كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية والحمد لله وحده والصلاة ~~والسلام على رسوله وآله أجمعين PageV05P153 # (سورة الإسراء مكية إلا الآيات 26 32 33 57 ومن آية 73 إلى آية 80 فمدنية ~~وآياتها 111) بسم الله الرحمن الرحيم «سبحان الذي أسرى بعبده» سبحان علم ~~للتسبيح كعثمان للرجل وحيث كان المسمى معنى لا عينا وجنسا لا شخصا لم تكن ~~إضافته من قبيل ما في زيد المعارك أو حاتم طئ وانتصابه بفعل متروك الإظهار ~~تقديره أسبح الله سبحان الخ وفيه ما لا يخفي من الدلالة على التنزيه البليغ ~~من حيث الاشتقاق من السبح الذي هو الذهاب والإبعاد في الأرض ومنه فرس سبوح ~~أي واسع الجري ومن جهة النقل إلى التفعيل ومن جهة العدول من المصدر إلى ~~الاسم الموضوع له خاصة لا سيما وهو علم يشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ~~ومن جهة قيامه مقام المصدر مع الفعل وقيل هو مصدر كغفران بمعنى التنزه ففيه ~~مبالغة من حيث إضافة التنزه إلى ذاته المقدسة ومناسبة تامة بين المحذوف ~~وبين ما عطف عليه في قوله تعالى سبحانه وتعالى كأنه قيل تنزه بذاته وتعالى ~~والإسراء السير بالليل خاصة كالسري وقوله تعالى «ليلا» لإفادة قلة زمان ~~الإسراء لما فيه من التنكير الدال على البعضية من حيث الأجزاء دلالته على ~~البعضية من حيث الأفراد فإن قولك سرت ليلا كما يفيد بعضية زمان سيرك من ~~الليالي يفيد بعضيته من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت سرت الليل فإنه ~~يفيد استيعاب السير له جميعا فيكون معيارا للسير لا ظرفا له ويؤيده قراءة ~~من الليل أي بعضه وإيثار لفظ العبد للإيذان بتمحضه عليه الصلاة والسلام في ~~عبادته سبحانه وبلوغه في ذلك غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية ~~حسبما يلوح به مبدأ الإسراء ومنتهاه وإضافة التنزيه أو التنزه إلى الموصول ~~المذكور للإشعار بعلية ما في حيز الصلة للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته ~~وبالغ حكمته ونهاية تنزهه عن صفات المخلوقين «من المسجد الحرام» اختلف في ms1936 ~~مبدأ الإسراء فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الظاهر فإنه روى عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين ~~النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام بالبراق وقيل هو دار ~~أم هانئ بنت أبي طالب والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد ~~والتباسه به أو لأن الحرم كله مسجد فإنه روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فكان ما ~~كان فقصه عليها فلما قام ليخرج إلى المسجد تشبثت بثوبه صلى الله عليه وسلم ~~لتمنعه خشية أن يكذبه القوم قال صلى الله عليه وسلم وإن كذبوني فلما خرج ~~جلس إليه أبو جهل فأخبره صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء فقال أبو جهل يا ~~معشر كعب بن لؤي بن غالب هلم PageV05P154 # فحدثهم فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا وارتد ناس ممن كان آمن ~~به وسعى رجال إلى أبي بكر فقال إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا أتصدقه على ~~ذلك قال إني أصدقه على أبعد من ذلك فسمى الصديق وكان فيهم من يعرف بيت ~~المقدس فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم ~~فقالوا أما النعت فقد أصابه فقالوا أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها ~~وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق فخرجوا يشتدون ~~ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم هذه والله الشمس قد أشرقت فقال آخر ~~هذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ثم لم يؤمنوا ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون واختلف في وقته أيضا فقيل كان قبل الهجرة بسنة وعن ~~أنس والحسن أنه كان قبل البعثة واختلف أيضا أنه في اليقظة أو في المنام فعن ~~الحسن أنه كان في المنام وأكثر الأقاويل بخلافه والحق أنه كان في المنام ~~قبل البعثة وفي اليقظة بعدها واختلف أيضا أنه كان جسمانيا أو روحانيا فعن ~~عائشة رضي الله ms1937 عنها أنها قالت ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولكن عرج بروحه وعن معاوية أنه قال إنما عرج بروحه والحق أنه كان جسمانيا ~~على ما ينبئ عنه التصدير بالتنزيه وما في ضمنه من التعجب فإن الروحاني ليس ~~في الاستبعاد والاستنكار وخرق العادة بهذه المثابة ولذلك تعجبت منه قريش ~~وأحالوه ولا استحالة فيه فإنه قد ثبت في الهندسة أن قطر الشمس ضعف قطر ~~الأرض مائة ونيفا وستين مرة ثم إن طرفها الأسفل يصل إلى موضع طرفها الأعلى ~~بحركة الفلك الأعظم مع معاوقة حركة فلكها لها في أقل من ثانية وقد تقرر أن ~~الأجسام متساوية في قبول الأعراض التي من جملتها الحركة وأن الله سبحانه ~~قادر على كل ما يحيط به حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق يخلق مثل تلك ~~الحركة بل أسرع منها في جسد النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله ولو لم ~~يكن مستبعدا لم يكن معجزة «إلى المسجد الأقصى» أي بيت المقدس سمى به إذ لم ~~يكن حينئذ وراءه مسجد وفي ذلك من تربية معنى التنزيه والتعجب مالا يخفى ~~«الذي باركنا حوله» ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام «لنريه» غاية للإسراء «من آياتنا» العظيمة التي من ~~جملتها ذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ولا يقدح في ذلك كونه قبل الوصول ~~إلى المقصد ومشاهدة بيت المقدس وتمثل الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم ~~العلية عليهم الصلاة والسلام والالتفات إلى التكلم لتعظيم تلك البركات ~~والآيات وقرئ ليريه بالياء «إنه هو السميع» لأقواله عليه الصلاة والسلام ~~بلا أذن «البصير» بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذن به القصر فيكرمه ويقربه بحسب ~~ذلك وفيه إيماء إلى أن الإسراء المذكور ليس إلا لتكرمته عليه الصلاة ~~والسلام ورفع منزلته وإلا فالإحاطة بأقواله وأفعاله حاصلة من غير حاجة إلى ~~التقريب والالتفات إلى الغيبة لتربية المهابة «وآتينا موسى الكتاب» أي ~~التوراة وفيه إيماء إلى دعوته عليه الصلاة والسلام إلى الطور وما وقع فيه ~~من المناجاة جمعا بين الأمرين المتحدين ms1938 في المعنى ولم يذكر ههنا العروج ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وما كان فيه مما لا يكتنه كنهه حسبما ~~نطقت به سورة النجم تقريبا للإسراء إلى قبول السامعين أي آتيناه التوراة ~~بعد ما أسرينا به إلى الطور «وجعلناه» أي ذلك PageV05P155 # الكتاب «هدى لبني إسرائيل» يهتدون بما في مطاويه «ألا تتخذوا» أي لا ~~تتخذوا نحو كتبت إليه أن أفعل كذا وقرئ بالياء على أن أن مصدرية والمعنى ~~آتينا موسى الكتاب لهداية بني إسرائيل لئلا يتخذوا «من دوني وكيلا» أي ربا ~~تكلون إليه أموركم والإفراد لما أن فعيلا مفرد في اللفظ جمع في المعنى ~~«ذرية من حملنا مع نوح» نصب على الاختصاص أو النداء على قراءة النهي ~~والمراد تأكيد الحمل على التوحيد بتذكير إنعامه تعالى عليهم في ضمن إنجاء ~~آبائهم من الغرق في سفينة نوح عليه السلام أو على أنه أحد مفعولي لا يتخذوا ~~على قراءة النفي ومن دوني حال من وكيلا فيكون كقوله تعالى ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~بدل من واو لا تتخذوا بإبدال الظاهر من ضمير المخاطب كما هو مذهب بعض ~~البغاددة وقرئ ذرية بكسر الذال «أنه» أي أن نوحا عليه الصلاة والسلام «كان ~~عبدا شكورا» كثير الشكر في مجامع حالاته وفيه إيذان بأن إنجاء من معه كان ~~ببركة شكره عليه الصلاة والسلام وحث للذرية على الاقتداء به وزجر لهم عن ~~الشرك الذي هو أعظم مراتب الكفران وقيل الضمير لموسى عليه السلام «وقضينا» ~~أي أتممنا وأحكمنا منزلين «إلى بني إسرائيل» أي موحين إليهم «في الكتاب» أي ~~في التوراة فإن الإنزال والوحي إلى موسى عليه السلام إنزال ووحي إليهم ~~«لتفسدن في الأرض» جواب قسم محذوف ويجوز إجراء القضاء المحتوم مجرى القسم ~~كأنه قيل وأقسمنا لتفسدن «مرتين» مصدر والعامل فيه من غير جنسه أولاهما ~~مخالفة حكم التوراة وقتل شعياء عليه الصلاة والسلام وحبس أرمياء حين أنذرهم ~~سخط الله تعالى والثانية قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليهم الصلاة ~~والسلام ms1939 «ولتعلن علوا كبيرا» لتستكبرن عن طاعة الله سبحانه أو لتغلبن الناس ~~بالظلم والعدوان وتفرطن في ذلك إفراطا مجاوز للحدود «فإذا جاء وعد أولاهما» ~~أي أولي كرتي الإفساد أي حان وقت حلول العقاب الموعود «بعثنا عليكم» ~~لمؤاخذتكم بجناياتكم «عبادا لنا» وقرئ عبيدا لنا «أولي بأس شديد» ذوي قوة ~~وبطش في الحروب هم سنجاريب من أهل نينوى وجنوده وقيل بخت نصر عامل لهراسب ~~وقيل جالوت «فجاسوا» أي ترددوا لطلبكم بالفساد وقرئ بالحاء والمعنى واحد ~~وقرئ وجوسوا «خلال الديار» في أوساطها للقتل والغارة وقرئ خلل الديار ~~فقتلوا علماءهم وكبارهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وسبوا منهم سبعين ~~ألفا وذلك من قبيل تولية بعض الظالمين بعضا مما جرت PageV05P156 # به السنة الإلهية «وكان» ذلك «وعدا مفعولا» لا محالة بحيث لا صارف عنه ~~ولا مبدل «ثم رددنا لكم الكرة» أي الدولة والغلبة «عليهم» على الذين فعلوا ~~بكم ما فعلوا بعد مائة سنة حين تبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد ~~والعلو قيل هي قتل بخت نصر واستنقاذ بني إسرائيل أساراهم وأموالهم ورجوع ~~الملك إليهم وذلك أنه لما ورث بهمن بن اسفنديار الملك من جده كشتاسف بن ~~لهراسب ألقى الله تعالى في قلبه الشفقة عليهم فرد أساراهم إلى الشام وملك ~~عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر وقيل ~~هي قتل داود عليه السلام لجالوت «وأمددناكم بأموال» كثيرة بعد ما نهبت ~~أموالكم «وبنين» بعدما سبيت أولادكم «وجعلناكم أكثر نفيرا» مما كنتم من قبل ~~أو من عدوكم والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفروهم القوم ~~المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد والمعين «إن أحسنتم» أعمالكم سواء كانت ~~لازمة لأنفسكم أو متعدية إلى الغير أي عملتموها لا على الوجه اللائق ولا ~~يتصور ذلك إلا بعد أن تكون الأعمال حسنة في أنفسها أو إن فعلتم الإحسان ~~«أحسنتم لأنفسكم» لأن ثوابها لها «وإن أسأتم» أعمالكم بأن عملتموها لا على ~~الوجه اللائق ويلزمه السوء الذاتي أو فعلتم الإساءة «فلها» إذ عليها وبالها ~~وعن على كرم الله ms1940 وجهه ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها «فإذا جاء ~~وعد الآخرة» حان وقت ما وعد من عقوبة المرة الآخرة «ليسوؤوا وجوهكم» متعلق ~~بفعل حذف لدلالة ما سبق عليه أي بعثناهم لسوءوا ومعنى ليسوءوا وجوهكم ~~ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم كقوله تعالى سيئت وجوه الذين ~~كفروا وقرئ ليسوء على أن الضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ولنسوء بنون ~~العظمة وفي قراءة علي رضي الله عنه لنسو أن على أنه جواب إذا وقرئ لنسو أن ~~بالنون الخفيفة وليسو أن واللام في قوله عز وجل «وليدخلوا المسجد» عطف على ~~ليسوءوا متعلق بما تعلق هو به «كما دخلوه أول مرة» أي في أول مرة ~~«وليتبروا» أي يهلكوا «ما علوا» ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم ~~«تتبيرا» فظيعا لا يوصف بان سلط الله عز سلطانه عليهم الفرس فغزاهم ملك ~~بابل من ملوك الطوائف اسمه جودر دوقيل جردوس وقيل دخل صاحب الجيش مذبح ~~قرابينهم فوجد فيه دما يغلي فسألهم عنه فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ~~لم تصدقوني فقتل على ذلك ألوفا فلم يهدأ الدم ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت ~~منكم أحدا فقالوا إنه دم يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال لمثل ~~هذا ينتقم منكم ربكم ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك ~~فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقى منهم أحدا فهدأ «عسى ربكم أن يرحمكم» ~~بعد المرة الآخرة إن تبتم PageV05P157 # توبة أخرى وانزجرتم عما كنتم عليه من المعاصي «وإن عدتم» إلى ما كنتم فيه ~~من الفساد مرة أخرى «عدنا» إلى عقوبتكم ولقد عادوا فأعاد الله سبحانه عليهم ~~النقمة بأن سلط عليهم الأكاسرة ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحو ~~ذلك وعن الحسن عادوا فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون ~~الجزية عن يد وهم صاغرون وعن قتادة مثله «وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا» أي ~~محبسا لا يستطيعون الخروج منها أبد الآبدين وقيل بساطا كما ms1941 يبسط الحصير ~~وإنما عدل عن أن يقال وجعلنا جهنم لكم تسجيلا على كفرهم بالعود وذما لهم ~~بذلك وإشعار بعلة الحكم «إن هذا القرآن» الذي آتيناكه «يهدي» أي الناس كافة ~~لا فرقة مخصوصة منهم كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى «للتي» للطريقة التي «هي ~~أقوم» أي أقوم الطرائق وأسدها أعني ملة الإسلام والتوحيد وترك ذكرها ليس ~~لقصد التعميم لها وللحالة والخصلة ونحوها مما يعبر به عن المقصد المذكور بل ~~للإيذان بالغنى عن التصريح بها لغاية ظهورها لا سيما بعد ذكر الهداية التي ~~هي من روادفها والمراد بهدايته لها كونه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به لا ~~تحصيل الاهتداء بالفعل فإنه مخصوص بالمؤمنين حينئذ «ويبشر المؤمنين» بما في ~~تضاعيفه من الأحكام والشرائع وقرئ بالتخفيف «الذين يعملون الصالحات» التي ~~شرحت فيه «أن لهم» أي بأن لهم بمقابلة تلك الأعمال «أجرا كبيرا» بحسب الذات ~~وبحسب التضعيف عشر مرات فصاعدا «وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة» وأحكامها ~~المشروحة فيه من البعث والحساب والجزاء وتخصيصها بالذكر من بين سائر ما ~~كفروا به لكونها معظم ما أمروا بالإيمان به ولمراعاة التناسب بين أعمالهم ~~وجزائها الذي أنبأ عنه قوله عز وجل «اعتدنا لهم عذابا أليما» وهو عذاب جهنم ~~أي اعتدنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة عذابا أليما وهو أبلغ ~~في الزجر لما أن إتيان العذاب من حيث لا يحتسب أفظع وأفجع والجملة معطوفة ~~على جملة يبشر بإضمار يخبر أو على قوله تعالى أن لهم داخلة معه تحت التبشير ~~المراد به مجازا مطلق الأخبار المنتظم للأخبار بالخبر السار وبالنبأ الضار ~~حقيقة فيكون ذلك بيانا لهداية القرآن بالترغيب والترهيب ويجوز كون التبشير ~~بمعناه والمراد تبشير المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم وقوله تعالى ~~«ويدع الإنسان بالشر» بيان لحال المهدي أثر بيان حال الهادي وإظهار لما ~~بينهما من التبيان والمراد بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده أو حكى ~~عنه حاله في بعض أحيانه فالمعنى على الأول أن القرآن يدعو الإنسان إلى ~~الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير ويحذره ms1942 من الشر الذي لا شر ورائه ~~من العذاب الأليم وهو أي PageV05P158 # بعض منه وهو الكافر يدعو لنفسه بما هو الشر من العذاب المذكور إما بلسانه ~~حقيقة كدأب من قال منهم اللهم إن كان هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب أليم ومن قال فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~إلى غير ذلك مما حكى عنهم وأما بأعمالهم السيئة المفضية إليه الموجبة له ~~مجازا كما هو ديدن كلهم «دعاءه بالخير» أي مثل دعاءه بالخير المذكور فرضا ~~لا تحقيقا فإنه بمعزل من الدعاء به وفيه رمز إلى أنه اللائق بحاله «وكان ~~الإنسان» أي من أسند إليه الدعاء المذكور من أفراده «عجولا» يسارع إلى طلب ~~ما يخطر بباله متعاميا عن ضرره أو مبالغا في العجلة يستعجل العذاب وهو آتيه ~~لا محالة ففيه نوع تهكم به وعلى تقدير حمل الدعاء على أعمالهم تحمل ~~العجولية على اللج والتمادي في استيجاب العذاب بتلك الأعمال وعلى الثاني أن ~~القرآن يدعو الإنسان إلى ما هو خير وهو في بعض أحيانه كما عند الغضب يدعه ~~ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شر وكان الإنسان بحسب جبلته ~~عجولا ضجرا لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه روى أنه عليه الصلاة ~~والسلام دفع إلى سودة أسيرا فأرخت كتافه رحمة لأنينه بالليل من ألم القيد ~~فهرب فلما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم اقطع يديها فرفعت ~~سودة يديها تتوقع الإجابة فقال صلى الله عليه وسلم إن سألت الله تعالى أن ~~يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي عذابا رحمة أو يدعو بما هو شر وهو ~~يحسبه خيرا وكان الإنسان عجولا غير متبصر لا يتدبر في أموره حق التدبر ~~ليتحقق ما هو خير حقيق بالدعاء به وما هو شر جدير بالاستعاذة منه «وجعلنا ~~الليل والنهار آيتين» شروع في بيان بعض وجوه ما ذكر من الهداية بالإرشاد ~~إلى مسلك الاستدلال بالآيات والدلائل الآفاقية التي كل واحدة منها برهان ~~نير لا ريب ms1943 فيه ومنهاج بين لا يضل من لا ينتحيه فإن الجعل المذكور وما عطف ~~عليه من محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة وإن كانت من الهدايات ~~التكوينية لكن الأخبار بذلك من الهدايات القرآنية المنبهة على تلك الهدايات ~~وتقديم الليل لمراعاة الترتيب الوجودي إذ منه ينسلخ النهار وفيه تظهر غرر ~~الشهور ولو أن الليلة أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبها ~~من شهر آخر ولترتيب غاية آية النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملوين بهيا ~~تهما وتعاقبهما واختلافهما في الطول والقصر على وتيرة عجيبة يحار في فهمها ~~العقول آيتين تدلان على أن لهما صانعا حكيما قادرا عليما وتهديان إلى ما ~~هدى إليه القرآن الكريم من ملة الإسلام والتوحيد «فمحونا آية الليل» ~~الإضافة أما بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود أي محونا الآية التي هي ~~الليل وفائدتها تحقيق مضمون الجملة السابقة ومحوها جعلها ممحوة الضوء ~~مطموسته لكن لا بعد أن لم يكن كذلك بل إبداعها على ذلك كما في قولهم سبحان ~~من صغر البعوض وكبر الفيل أي أنشأهما كذلك والفاء تفسيرية لأن المحو ~~المذكور وما عطف عليه ليس مما يحصل عقيب جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ~~ذلك الجعل ومتمماته «وجعلنا آية النهار» أي الآية التي هي النهار على نحو ~~ما مر «مبصرة» PageV05P159 # أي مضيئة يبصر فيها الأشياء وصفا لها بحال أهلها أو مبصرة للناس من أبصره ~~فبصره وإما حقيقية وآية الليل والنهار نيراهما ومحو القمر إما خلقه مطموس ~~التور في نفسه فالفاء كما ذكر وأما نقص ما استفادوا من الشمس شيئا فشيئا ~~إلى المحاق على ما هو معنى المحو والفاء للتعقيب وجعل الشمس مبصرة إبداعها ~~مضيئة بالذات ذات أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة «لتبتغوا» متعلق بقوله ~~تعالى وجعلنا آية النهار كما أشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلبوا لأنفسكم ~~في بياض النهار «فضلا من ربكم» أي رزقا إذ لا يتسنى ذلك في الليل وفي ~~التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرض لصفة الربوبية ~~المنبئة عن التبليغ ms1944 إلى الكمال شيئا فشيئا دلالة على أن ليس للعبد في تحصيل ~~الرزق تأثير سوى الطلب وإنما الإعطاء إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه ~~بل تفضلا بحكم الربوبية «ولتعلموا» متعلق بكلا الفعلين أعنى محو آية الليل ~~وجعل آية النهار مبصرة لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بإنفراده مدارا للعلم ~~المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدين أو نيريهما ذاتا من حيث الإظلام ~~والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعهما وسائر أحوالهما «عدد السنين» ~~التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية «والحساب» أي ~~الحساب المتعلق بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهر والليالي والأيام وغير ~~ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققها مما ~~ينتظمه الحساب وإنما الذي تعلق به العد طائفة منها وتعلقه في ضمن ذلك بكل ~~واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحققها وتحصلها من عدة أشهر ~~قد تحصل كل واحد منها من عدة أيام قد حصل كل منها بطائفة من الساعات مثلا ~~فإن ذلك وظيفة الحساب بل من حيث أنها فرد من تلك الطائفة المعدودة يعدها أي ~~يفنيها من غير أن يعتبر في ذلك تحصل شي معين وتحقيقه ما مر في سورة يونس من ~~أن الحساب أحصاه ماله كمية منفصلة بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة ~~منها حد معين منه له اسم خاص وحكم مستقل كما أشير إليه آنفا والعد إحصاؤه ~~بمجرد تكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء كذلك ولما أن السنين لم يعتبر ~~فيها حد معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف إليها الغدد وعلق الحساب بما ~~عاداها مما اعتبر فيه تحصل مراتب معينة لها أسام خاصة وأحكام مستقلة وتحصل ~~مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدي في تحصل ~~المعدودات وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب بين متعلقيهما وجودا ~~وعلما على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف ~~السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي ms1945 بما تعلق ~~به الحساب تفصيلا أو لأن العدد من حيث أنه لم يعتبر فيه تحصل شيء آخر منه ~~حسبما ذكر نازل من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب أو لأن ~~العلم المتعلق بالأول أقصى المراتب فكان جديرا بالتقديم في مقام الامتنان ~~والله سبحانه أعلم «وكل شيء» تفتقرون إليه في المعاش والمعاد سوى ما ذكر من ~~جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية وهو منصوب ~~بفعل يفسره قوله تعالى «فصلناه تفصيلا» أي بيناه في القرآن الكريم بيانا ~~بليغا لا التباس معه كقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فظهر ~~كونه هاديا للتي هي أقوم ظهورا بينا PageV05P160 # «وكل إنسان» مكلف «ألزمناه طائره» أي عمله الصادر عنه باختياره حسبما قدر ~~له كأنه طار إليه من عش الغيب ووكر القدر أو ما وقع له في القسمة الأزلية ~~الواقعة حسب استحقاقه في العلم الأزلي من قولهم طار له سهم كذا «في عنقه» ~~تصوير لشدة اللزوم وكمال الارتباط أي ألزمناه عمله بحيث لا يفارقه أبدا بل ~~يلزمه لزوم القلادة أو الغل للعنق لا ينفك عنه بحال وقرئ بسكون النون ~~«ونخرج له» بنون العظمة وقد قرئ بالياء مبنيا للفاعل على أن الضمير لله عز ~~وجل وللمفعول والضمير للطائر كما في قراءة يخرج من الخروج «يوم القيامة» ~~والبعث للحساب «كتابا» مسطورا فيه ما ذكر من عمله نقيرا وقطميرا وهو مفعول ~~لنخرج على القراءتين الأوليين أو حال من المفعول المحذوف الراجع إلى الطائر ~~وعلى الأخريين حال من المستتر في الفعل من ضمير الطائر «يلقاه» أي يلقى ~~الإنسان أو يلقاه الإنسان «منشورا» وهما صفتان للكتاب أو الأولى صفة ~~والثاني حال منها وقرئ يلقاه من لقيته كذا أي يلقى الإنسان إياه قال الحسن ~~بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن يمينك ~~فيحفظ حسناتك وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك حتى إذا مت طويت صحيفتك ~~وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة «اقرأ كتابك» أي قائلين لك ms1946 ذلك ~~عن قتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا وقيل المراد بالكتاب ~~نفسه المنتقشة بآثار أعماله فإن كل عمل يصدر من الإنسان خيرا أو شرا يحدث ~~منه في جوهر روحه أمر مخصوص إلا أنه يخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن ~~مشتغلا بواردات الحواس والقوى فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن ~~النفس كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى ~~العالم العلوي فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء ~~عمله في مدة عمره وهذا معنى الكتابة والقراءة «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا» ~~أي كفى نفسك والباء زائدة واليوم ظرف لكفى وحسيبا تمييز وعلى صلته لأنه ~~بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم من حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي ووضع ~~موضع الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه وتذكيره لأن ما ذكر من الحساب ~~والكفاية مما يتولاه الرجال أو لأنه مبنى على تأويل النفس بالشخص على أنها ~~عبارة عن النفس المذكر كقول جبلة بن حريث [يا نفس إنك باللذات مسرور فاذكر ~~فهل ينفعنك اليوم تذكير] «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه» فذلكة لما تقدم من ~~بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطرائق ولزوم الأعمال لأصحابها أي من اهتدى ~~بهدايته وعلم بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود ~~PageV05P161 # منفعته اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد «ومن ضل» عن ~~الطريقة التي يهديه إليها «فإنما يضل عليها» أي فإنما وبال ضلاله عليها لا ~~على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل صاحبه «ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى» تأكيد للجملة الثانية أي لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى ~~يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها ويختل ما بين العامل وعلمه من التلازم بل ~~إنما تحمل كل منها وزرها وهذا تحقيق لمعنى قوله عز وجل ولك إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه وأما ما يدل عليه قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ~~منها ومن ms1947 يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وقوله تعالى ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم من حمل الغير وزر ~~الغير وانتفاعه بحسنته وتضرره بسيئته فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه ~~وتضرر بسيئته فإن جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العامل لازم له وإنما ~~الذين يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته لا جزاء أصل الحسنة والسيئة وكذلك جزاء ~~الضلال مقصور على الضالين وما يحمله المضلون إنما هو جزاء الإضلال لا جزاء ~~الضلال وإنما خص التأكيد بالجملة الثانية قطعا للأطماع الفارغة حيث كانوا ~~يزعمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعة على أسلافهم الذين قلدوهم «وما ~~كنا معذبين» بيان للعناية الربانية إثر بيان اختصاص آثار الهداية والضلال ~~بأصحابها وعدم حرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدم مؤاخذة النفس بجناية ~~غيرها أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم ~~البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابق أن نعذب أحدا من أهل ~~الضلال والأوزار اكتفاء بقضية العقل «حتى نبعث» إليهم «رسولا» يهديهم إلى ~~الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحجج ويمهد الشرائع حسبما في تضاعيف الكتاب ~~المنزل عليه والمراد بالعذاب المنفي إما عذاب الاستئصال كما قاله الشيخ أبو ~~منصورا لما تريدي رحمه الله وهو المناسب لما بعده أو الجنس الشامل للدنيوي ~~والأخروي هو من أفراده وأياما كان فالبعث غاية لعدم صحة وقوعه في وقته ~~المقدر له لا لعدم وقوعه مطلقا كيف لا والأخروي لا يمكن وقوعه عقيب البعث ~~والدنيوي أيضا لا يحصل إلا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق والعصيان ألا يرى ~~إلى قوم نوح كيف تأخر عنهم ما حل بهم زهاء ألف سنة وقوله تعالى «وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية» بيان لكيفية وقوع التعذيب بعد البعثة التي جعلت غاية لعدم ~~صحته وليس المراد بالإرادة تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنها المراد ولا ~~الإرادة الأزلية المتعلقة بوقوع المراد في وقته المقدر له إذ لا يقارنه ~~الجزاء الآتي بل دنو وقتها كما في قوله تعالى أتى ms1948 أمر الله أي وإذا دنا وقت ~~تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بأن نعذب أهلها بما ذكرنا من عذاب الاستئصال الذي ~~بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب ~~أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير ~~أن يكون له حد معين «أمرنا » بواسطة الرسول المبعوث إلى أهلها «مترفيها» ~~متنعميها وجباريها وملوكها خصهم بالذكر مع توجه الأمر PageV05P162 # إلى الكل لأنهم الأصول في الخطاب والباقي أتباع لهم ولأن توجه الأمر ~~إليهم آكدو عدم التعرض للمأمور به إما لظهور أن المراد به الحق والخير لأن ~~الله لا يأمر بالفحشاء لا سيما بعد ذكر هداية القرآن لما يهدي إليه وإما ~~لأن المراد وجد منا الأمر كما يقال فلان يعطي ويمنع «ففسقوا فيها» أي خرجوا ~~عن الطاعة وتمردوا «فحق عليها القول» أي ثبت وتحقق موجبه بحلول العذاب إثر ~~ما ظهر منهم من الفسق والطغيان «فدمرناها» بتدمير أهلها «تدميرا» لا يكتنه ~~كنهه ولا يوصف هذا هو المناسب لما سبق وقيل الأمر مجاز عن الحمل على الفسق ~~والتسبب له بأن صب عليهم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق وقيل هو بمعنى ~~التكثير يقال أمرت الشيء فأمر أي كثرته فكثر وفي الحديث خير المال سكة ~~مأبورة ومهرة مأمورة أي كثيرة النتاج ويعضده قراءة آمرنا وأمرنا من الإفعال ~~والتفعيل وقد جعلتا من الإمارة أي جعلناهم أمراء وكل ذلك لا يساعده مقام ~~الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء فإن مؤدى ذلك أن طغيانهم منوطا بإرادة ~~الله سبحانه وإنعامه عليهم بنعم وافرة أبطرتهم وحملتهم على الفسق حملا ~~حقيقا بأن يعبر عنه بالأمر به «وكم أهلكنا» أي وكثيرا ما أهلكنا «من ~~القرون» بيان لكم وتمييز له والقرن مدة من الزمان يخترم فيها القوم وهي ~~عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ثمانون أو مائة وقد أيد ذلك بأنه عليه الصلاة ~~والسلام دعا لرجل فقال عش قرنا فعاش مائة سنة أو مائة وعشرون «من بعد نوح» ~~من بعد زمنه عليه الصلاة والسلام كعاد ms1949 وثمود ومن بعدهم ممن قصت أحوالهم في ~~القرآن العظيم ومن لم تقص وعدم نظم قومه عليه الصلاة والسلام في تلك القرون ~~المهلكة لظهور أمرهم على أن ذكره عليه الصلاة والسلام رمز إلى ذكرهم «وكفى ~~بربك» أي كفى ربك «بذنوب عباده خبيرا بصيرا» يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب ~~عليها وتقديم الخبير لتقدم متعلقة من الاعتقادات والنيات التي هي مبادئ ~~الأعمال الظاهرة أو لعمومه حيث يتعلق بغير المبصرات أيضا وفيه إشارة إلى أن ~~البعث والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من ~~الذنوب فإن ذلك حاصل قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزام الحجة من كل وجه ~~«من كان يريد» بأعماله التي يعملها سواء كان ترتب المراد عليها بطريق ~~الجزاء كأعمال البر أو بطريق ترتب المعلولات على العلل كالأسباب أو بأعمال ~~الآخرة فالمراد بالمريد على الأول الكفرة وأكثر الفسقة وعلى الثاني أهل ~~الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد لمحض الغنيمة «العاجلة» فقط من ~~غير أن يريد معها الآخرة كما ينبئ عنه الاستمرار المستفاد من زيادة كان ~~ههنا مع الاقتصار على مطلق الإرادة في قسيمة والمراد بالعاجلة الدار الدنيا ~~وبإرادتها إرادة ما فيها من فنون مطالبها كقوله تعالى ومن كان يريد حرث ~~الدنيا ويجوز ان يراد الحياة العاجلة كقوله عز وجل من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها لكن الأول أنسب بقوله «عجلنا له فيها» أي في تلك العاجلة ~~فإن PageV05P163 # الحياة واستمرارها من جملة ما عجل له فالأنسب بذلك كلمة من كما في قوله ~~تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها «ما نشاء» أي ما نشاء تعجيله له من ~~نعيمها لا كل ما يريد «لمن نريد» تعجيل ما نشاء له وهو بدل من الضمير في له ~~بإعادة الجار بدل البعض فإنه راجع إلى الموصول المنبئ عن الكثرة وقرئ لمن ~~يشاء على أن الضمير لله سبحانه وقيل هو لمن فيكون مخصوصا بمن أراد به ذلك ~~وهو واحد من الدهماء وتقييد المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة ~~لما أن الحكمة التي عليها ms1950 يدور فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى ~~مرامه ولا استيفاء كل واصل لما يطلبه بتمامه وأما ما يتراءى من قوله تعالى ~~من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون من نيل كل مؤمل لجميع آماله ووصول كل عامل إلى نتيجة أعماله فقد ~~أشير إلى تحقيق القول فيه في سورة هود بفضل الله تعالى «ثم جعلنا له» مكان ~~ما عجلنا له «جهنم» وما فيها من أصناف العذاب «يصلاها» يدخلها وهو حال من ~~الضمير المجرور أو من جهنم أو استئناف «مذموما مدحورا» مطرودا من رحمة الله ~~تعالى وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن ~~غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها ويأباه ما يقال إن السورة مكية سوى ~~آيات معينة «ومن أراد» بأعماله «الآخرة» الدار الآخرة وما فيها من النعيم ~~المقيم «وسعى لها سعيها» أي السعي اللائق بها وهو الإتيان بما أمر ~~والانتهاء عما نهى لا التقرب بما يخترعون بآرائهم وفائدة اللام اعتبار ~~النية والإخلاص «وهو مؤمن» إيمانا صحيحا لا يخالطه شيء قادح فيه وإيراد ~~الإيمان بالجملة الحالية للدلالة على اشتراط مقارنته لما ذكر في حيز الصلة ~~«فأولئك» إشارة إلى الموصول بعنوان اتصافه بما في حيز الصلة وما في ذلك من ~~معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم والجمعية لمراعاة جانب المعنى ~~إيماء إلى أن الإثابة المفهومة من الخبر تقع على وجه الاجتماع أي أولئك ~~الجامعون لما مر من الخصال الحميدة أعني إرادة الآخرة والسعي الجميل لها ~~والإيمان «كان سعيهم مشكورا» مقبولا عند الله تعالى أحسن القبول مثابا عليه ~~وفي تعليق المشكورية بالسعي دون قرينيه إشعار بأنه العمدة فيها «كلا» ~~التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من الفريقين لا الفريق الأخير ~~المريد للخير الحقيق بالإسعاف فقط «نمد» أي نزيد مرة بعد مرة بحيث يكون ~~الآنف مددا للسالف وما به الإمداد ما عجل لأحدهما من العطايا العاجلة وما ~~أعد للآخر من العطايا الآجلة المشار إليها بمشكورية السعي وإنما لم يصرح ms1951 به ~~تعويلا على ما سبق تصريحا وتلويحا واتكالا على ما لحق عبارة وإشارة كما ~~ستقف عليه وقوله تعالى «هؤلاء» بدل من كلا «وهؤلاء» عطف عليه أي نمد هؤلاء ~~المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم فإن الإشارة متعرضة لذات المشار إليه ~~بماله من العنوان لا للذات فقط كالإضمار ففيه تذكير لما به الإمداد وتعيين ~~المضاف إليه المحذوف دفعا لتوهم كونه أفراد الفريق الأخير وتأكيد للقصر ~~المستفاد من تقديم PageV05P164 # المفعول وقوله تعالى «من عطاء ربك» أي من معطاه الواسع الذي لا تناهي له ~~متعلق بنمد ومغن عن ذكر ما به الإمداد ومنبه على أن الإمداد المذكور ليس ~~بطريق الاستيجاب بالسعي والعمل بل بمحض التفضل «وما كان عطاء ربك» أي ~~دنيويا كان أو أخرويا وإنما أظهر إظهارا لمزيد الاعتناء بشأنه وإشعارا ~~بعليته للحكم «محظورا» ممنوعا ممن يريده بل هو فائض على من قدر له بموجب ~~المشيئة المبينة على الحكمة وإن وجد منه ما يقتضي الحظر كالكافر وهو في ~~معنى التعليل لشمول الإمداد للفريقين والتعرض لعنوان الربوبية في الموضعين ~~للإشعار بمبدئيتها لما ذكر من الإمداد وعدم الحظر «انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض» كيف في محل النصب بفضلنا على الحالية والمراد توضيح ما مر من ~~الإمداد وعدم محظورية العطاء بالتنبيه على استحضار مراتب أحد العطاءين ~~والاستدلال بها على مراتب الآخر أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضهم على ~~بعض فيما أمددناهم به من العطايا العاجلة فمن وضيع ورفيع وظالع وضليع ومالك ~~ومملوك وموسر وصعلوك تعرف بذلك مراتب العطايا الآجلة ودرجات تفاضل أهلها ~~على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله تعالى ~~«وللآخرة أكبر» أي هي وما فيها أكبر من قدرها ولا يكتنه كنهها كيف لا وقد ~~عبر عنه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر هذا ويجوز أن ~~يراد بما به الإمداد العطايا العاجلة فقط ويحمل القصر المذكور على دفع توهم ~~اختصاصها بالفريق الأول فإن تخصيص إرادتهم لها ووصولهم إلهيا بالذكر من غير ~~تعرض لبيان النسبة ms1952 بينها وبين الفريق الثاني إرادة ووصولا مما توهم ~~اختصاصها بالأولين فالمعنى كل واحد من الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا من ~~ذكرنا إرادته لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسع وما كان عطاؤه ~~الدنيوي محظورا من أحد ممن يريده وممن يريد غيره انظر كيف فضلنا في ذلك ~~العطاء بعض كل من الفريقين على بعض آخر منهما وللآخرة الآية واعتبار عدم ~~المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأول تحقيقا لشمول الإمداد له كما فعله ~~الجمهور حيث قالوا لا يمنعه من عاص لعصيانه يقتضي كون القصر لدفع توهم ~~اختصاص الإمداد الدنيوي بالفريق الثاني مع أنه لم يسبق في الكلام ما يوهم ~~ثبوته له فضلا عن إيهام اختصاصه «لا تجعل مع الله إلها آخر» الخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته وهو من باب التهييج والإلهاب أو كل أحد ~~ممن يصلح للخطاب «فتقعد» بالنصب جوابا للنهي والقعود بمعنى الصيرورة من ~~قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها خربة أو بمعنى العجز من قعد عنه أي عجز ~~عنه «مذموما مخذولا» خبران أو حالان أي جامعا على نفسك الذم من الملائكة ~~والمؤمنين والخذلان من الله تعالى وفيه إشعار بأن الموحد جامع بين المدح ~~والنصرة PageV05P165 # «وقضى ربك» أي أمر أمرا مبرما وقرئ وأوصى ربك ووصى ربك «أن لا تعبدوا» أي ~~بأن لا تعبدوا «إلا إياه» على أن أن مصدرية ولا نافيه أو أي لا تعبدوا على ~~أنها مفسرة ولا ناهية لأن العبادة غاية التعظيم فلا تحق إلا لمن له غاية ~~العظمة ونهاية الإنعام وهو كالتفصيل للسعي للآخرة «وبالوالدين» أي وبأن ~~تحسنوا بهما أو وأحسنوا بهما «إحسانا» لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش ~~«إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما» إما مركبة من أن الشرطية وما ~~المزيدة لتأكيدها ولذلك دخل الفعل نون التأكيد ومعنى عندك في كنفك وكفالتك ~~وتقديمه على المفعول مع أن حقه التأخر عنه للتشويق إلى وروده فإنه مدار ~~تضاعف الرعاية والإحسان وأحدهما فاعل للفعل وتأخيره عن الظرف والمفعول لئلا ~~يطول الكلام به وبما عطف عليه ms1953 وقرئ يبلغان فأحدهما بدل من ضمير التثنية ~~وكلاهما عطف عليه ولا سبيل إلى جعل كلاهما تأكيدا للضمير وتوحيد ضمير ~~الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس ~~المراد فإن المقصود نهى كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما ولو قوبل الجمع ~~بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المرام «فلا تقل لهما» أي لواحد منهما ~~حالتي الانفراد والاجتماع «أف» وهو صوت ينبئ عن تضجر أو اسم فعل هو أتضجر ~~وقرئ بالكسر بلا تنوين وبالفتح والضم منونا وغير منون أي لا تتضجر بها ~~تستقذر منهما وتستثقل من مؤنهما وبهذا النهي يفهم الهي عن سائر ما يؤذيهما ~~بدلالة النص وقد خص بالذكر بعضه إظهار اللاعتناء بشأنه فقيل «ولا تنهرهما» ~~أي لا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ قيل النهي والنهر والنهم أخوات «وقل ~~لهما» بدل التأفيف والنهر «قولا كريما» ذات كرم أو هو وصف له بوصف صاحبه أي ~~قولا صادرا عن كرم ولطف وهو القول الجميل الذي يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه ~~النزول على المروءة مثل أن يقول يا أباه ويا أماه كدأب إبراهيم عليه السلام ~~إذ قال لأبيه يا أبت مع ما به من الكفر ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من ~~الجفاء وسوء الأدب وديدن الدعار وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال ~~أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل وقيل أن لا ترفع صوتك عليهما ولا تنظر ~~إليهما شزرا ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن وأن تترحم عليهما ما ~~عاشا وتدعو لهما إذا ماتا وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما فعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه «واخفض لهما جناح ~~الذل» عبارة عن إلانة الجانب والتواضع والتذلل لهما فإن إعزازهما لا يكون ~~إلا بذلك فكأنه قيل واخفض لهما جناحك الذليل أو جعل لذله جناح كما جعل لبيد ~~في قوله [وغداة ريح قد كشفت وقرة إذا أصبحت بيد الشمال زمامها] للقرة زماما ~~وللشمال يدا تشبيها له بطائر يخفض جناحه ms1954 لأفراخه تربية لها وشفقة عليها ~~وأما جعل خفض الجناح عبارة عن ترك الطيران كما فعله القفال فلا يناسب ~~PageV05P166 # المقام «من الرحمة» من فرط رحمتك وعطفك عليهما ورقتك لهما لافتقارهما ~~اليوم إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما ولا تكتف برحمتك الفانية بل ~~ادع الله لهما برحمته الواسعة الباقية «وقل رب ارحمهما» برحمتك الدنيوية ~~والأخروية التي من جملتها الهداية إلى الإسلام فلا ينافي ذلك كفرهما «كما ~~ربياني» الكاف في محل النصب على نعت لمصدر محذوف أي رحمة مثل تربيتهما لي ~~أو مثل رحمتهما لي على أن التربية رحمة ويجوز أن يكون لهما الرحمة والتربية ~~معا وقد ذكر أحدهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر كما يلوح به التعرض ~~لعنوان الربوبية في مطلع الدعاء كأنه قيل رب ارحمهما وربهما كما رحماني ~~وربياني «صغيرا» ويجوز أن تكون الكاف للتعليل أي لأجل تربتهما لي كقوله ~~تعالى واذكروه كما هداكم ولقد بالغ عز وجل في التوصية بهما حيث افتتحها بأن ~~شفع الإحسان إليهما بتوحيده سبحانه ونظمها في سلك القضاء بهما معا ثم ضيق ~~الأمر في باب مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع ماله ~~من موجبات الضجر مالا يكاد يدخل تحت الحصر وختمها بأن جعل رحمته التي وسعت ~~كل شيء مشبهة بتربيتهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله في رضى ~~الوالدين وسخطه في سخطهما وروي يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار ~~ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة وقال رجل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أبوي بلغا من الكبر أني إلي منهما ما وليا مني في الصغر فهل ~~قضيتهما حقهما قال لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ~~ذلك وأنت تريد موتهما وري أن شيخا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن ~~ابني هذا له مال كثير وإنه لا ينفق على من ماله فنزل جبريل عليه السلام ~~وقال إن هذا الشيخ قد أنشأ في أنبه أبياتا ما ms1955 قرع سمع بمثلها فاستنشدها ~~فأنشدها الشيخ فقال * غذوتك مولدا ومنتك يافعا * تعل بما أجني عليك وتنهل * ~~إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت * لسقمك إلا باكيا أتململ * كأني أنا المطروق ~~دونك بالذي * طرقت به دوني وعيني تهمل * فلما بلغت السن والغاية التي * ~~إليها مدى ما كنت فيك أؤمل * جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك * أنت المنعم ~~المتفضل * فليتك إذ لم ترع حق أبوتي * فعلت كما الجار المجاور يفعل * فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أنت ومالك لأبيك «ربكم أعلم بما في ~~نفوسكم» من البر والعقوق «إن تكونوا صالحين» قاصدين للصلاح والبر دون ~~العقوق والفساد «فإنه» تعالى «كان للأوابين» أي الرجاعين إليه تعالى عما ~~فرط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر «غفورا» لما وقع منهم من نوع تقصير أو ~~أذية فعلية أو قولية وفيه مالا يخفى من التشديد في الأمر بمراعاة حقوقهما ~~ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ويدخل فيه الجاني على أبويه دخولا أوليا «وآت ~~ذا القربى» أي ذا القرابة «حقه» توصية بالأقارب إثر التوصية ببر الوالدين ~~ولعل المراد بهم المحارم وبحقهم النفقة كما ينبئ عنه قوله تعالى «والمسكين ~~وابن السبيل» فإن المأمور به في حقهما المواساة المالية لا محالة أي وآتهما ~~حقهما مما كان مفترضا بمكة بمنزلة الزكاة وكذا النهي عن التبذير وعن ~~الإفراط في القبض PageV05P167 # والبسط فإن الكل من التصرفات المالية «ولا تبذر تبذيرا» نهى عن صرف المال ~~إلى من سواهم ممن لا يستحقه فإن التبذير تفريق في غير موضعه مأخوذ من تفريق ~~حبات وإلقائها كيفما كان من غير تعهد لمواقعة لا عن الإكثار في صرفه إليهم ~~وإلا لناسبه الإسراف الذي هو تجاوز الحد في صرفه وقد نهى عنه بقوله تعالى ~~ولا تبسطها وكلاهما مذموم «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين» تعليل للنهي ~~عن التبذير ببيان أنه يجعل صاحبه ملزوزا في قرن الشياطين والمراد بالإخوة ~~المماثلة التامة في كل مالا خير فيه من صفات السوء التي من جملتها التبذير ~~أي كانوا بما فعلوا من التبذير أمثال الشياطين أو ms1956 الصداقة والملازمة أي ~~كانوا أصدقاءهم وأتباعهم فيما ذكر من التبذير والصرف في المعاصي فإنهم ~~كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة وسائر مالا ~~خير فيه من المباهي والملاهي أو المقارنة أي قرناءهم في النار على سبيل ~~الوعيد «وكان الشيطان لربه كفورا» من تتمة التعليل أي مبالغا في كفران ~~نعمته تعالى لأن شأنه أن يصرف جميع ما أعطاه الله تعالى من القوى والقدر ~~إلى غير ما خلقت هي له من أنواع المعاصي والإفساد في الأرض وإضلال الناس ~~وحملهم على الكفر بالله وكفران نعمه الفائضة عليهم وصرفها إلى غير ما أمر ~~الله تعالى به وتخصيص هذا الوصف بالذكر من بين سائر أوصافه القبيحة للإيذان ~~بأن التبذير الذي هو عبارة عن صرف نعم الله تعالى إلى غير مصرفها من باب ~~الكفران المقابل للشكر الذي هو عبارة عن صرفها إلى ما خلقت هي له والتعرض ~~لوصف الربوبية للإشعار بكمال عتوه فإن كفران نعمة الرب مع كون الربوبية من ~~قوى الدواعي إلى شكرها غاية الكفران ونهاية الضلال والطغيان «وإما تعرضن ~~عنهم» أي إن اعتراك أمر اضطرك إلى أن تعرض عن أولئك المستحقين «ابتغاء رحمة ~~من ربك» أي لفقد رزق من ربك إقامة للمسبب مقام السبب فإن الفقد سبب ~~للابتغاء «ترجوها» من الله تعالى لتعطيهم وكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل ~~شيئا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء فأمر بتعهدهم بالقول الجميل لئلا ~~تعتريهم الوحشة بسكوته صلى الله عليه وسلم فقيل «فقل لهم قولا ميسورا» سهلا ~~لينا وعدهم وعدا جميلا من يسر الأمر نحو سعد أو قل لهم رزقنا الله وإياكم ~~من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط» تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجرا لهما عنهما ~~وحملا على ما بينهما من الاقتصاد [كلا طرفي قصد الأمور ذميم] وحيث كان قبح ~~الشح مقارنا له معلوما من أول الأمر روعي ذلك في التصوير بأقبح الصور ولما ~~كان غائلة الإسراف في آخره بين ms1957 قبحه في أثره فقيل «فتقعد ملوما» أي فتصير ~~ملوما عند الله وعند الناس وعند نفسك إذا احتجت وندمت على ما فعلت «محسورا» ~~نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وما قيل من أنه ~~PageV05P168 # روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قاعد إذ أتاه صبي فقال إن أمي تستكسيك درعا فقال صلى الله عليه وسلم من ~~ساعة إلى ساعة فعد إلينا فذهب إلى أمه فقالت له قل إن أمي تستكسيك الدرع ~~الذي عليك فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا ~~وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت فيأباه أن السورة مكية خلا آيات ~~في آخرها كذا ما قيل إنه صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس مائة من ~~الإبل وكذا عيينة بن حصن الفزاري فجاء عباس بن مرداس فأنشأ يقول * أتجعل ~~نهي ونهب العبي * د بين عيينة والأقرع * وما كان حصن ولا حابس * يفوقان ~~مرداس في مجمع * وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع * فقال ~~صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل وكانوا ~~جميعا من المؤلفة القلوب فنزلت «إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر» تعليل ~~لما مر أي يوسعه على بعض ويضيقه على آخرين حسبما تتعلق به مشيئته التابعة ~~للحكمة فليس ما يرهقك من الإضافة التي تحوجك إلى الإعراض عن السائلين أو ~~نفاذ ما في يدك إذا بسطتها كل البسط إلا لمصلحتك «إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا» تعليل لما سبق أي يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ~~ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله العالم بالسرائر والظواهر الذي ~~بيده خزائن السماوات والأرض وأما العباد فعليهم أن يقتصدوا وأن يراد أنه ~~تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته فلا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا ~~كل البسط وأن يراد أنه تعالى يبسط ويقدر حسب مشيئته فلا تبسطوا على ms1958 من قدر ~~عليه رزقه وأن يكون تميهدا لقوله «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق» أي مخافة ~~فقر وقرئ بكسر الخاء كانوا يئدون بناتهم مخافة الفقر فنهوا عن ذلك «نحن ~~نرزقهم وإياكم» لا أنتم فلا تخافوا الفاقة بناء على علمكم بعجزكم عن تحصيل ~~رزقهم وهو ضمان لرزقهم وتعليل للنهي المذكور بإبطال موجبه في زعمهم وتقديم ~~ضمير الأولاد على المخاطبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار ~~بأصالتهم في إفاضة الرزق أو لأن الباعث على القتل هناك الإملاق الناجز ~~ولذلك قيل من إملاق وههنا الإملاق المتوقع ولذلك قيل خشية إملاق فكأنه قيل ~~نرزقهم من غير أن ينتقص من رزقكم شيء فيعتريكم ما تخشونه وإياكم أيضا رزقا ~~إلى رزقكم «إن قتلهم كان خطأ كبيرا» تعليل آخر ببيان أن المنهي عنه في نفسه ~~منكر عظيم والخطء الذنب والإثم يقال خطىء خطأ كإثم إثما وقرئ بالفتح ~~والسكون وبفتحتين بمعناه كالحذر والحذر وقيل بمعنى ضد الصواب وبكسر الخاء ~~والمد وبفتحها ممدودا وبفتحها وحذف الهمزة وبكسرها كذلك «ولا تقربوا الزنى» ~~بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة فضلا عن مباشرته وإنما نهى عن قربانه ~~على خلاف ما سبق ولحق من القتل للمبالغة في النهي عن نفسه ولأن قربانه داع ~~إلى مباشرته وتوسيط النهي PageV05P169 # عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة على الإطلاق ~~باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت ~~حكما «إنه كان فاحشة» فعلة ظاهرة القبح متجاوزة عن الحد «وساء سبيلا» أي ~~بئس طريقا طريقه فإنه غصب الأبضاع المؤدي إلى اختلال أمر الأنساب وهيجان ~~الفتن كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا زنى العبد خرج منه ~~الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا انقطع رجع إليه وقال صلى الله عليه وسلم ~~لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم إياكم والزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ~~فأما التي في الدنيا فذهاب ms1959 البهاء ودوام الفقر وقصر العمر وأما التي في ~~الآخرة فسخط الله تعالى وسوء الحساب والخلود في النار «ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله» قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد «إلا بالحق» إلا بإحدى ~~ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس معصومة عمدا فالاستثناء مفرغ ~~أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق أو ملتبسين أو ملتبسة بشيء من ~~الأشياء ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلا ما إلا قتلا ~~ملتبسا بالحق «ومن قتل مظلوما» بغير حق يوجب قتله أو يبيحه للقاتل حتى إنه ~~لا يعتبر إباحته لغير القاتل فإن من عليه القصاص إذا قتله غير من له القصاص ~~يقتص له ولا يفيده قول الولي أنا أمرته بذلك ما لم يكن الأمر ظاهرا «فقد ~~جعلنا لوليه» لمن يلي أمره من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث «سلطانا» ~~تسلطا واستيلاء على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية حسبما تقتضيه جنايته ~~أو حجة غالبة «فلا يسرف» وقرئ لا نسرف «في القتل» أي لا يسرف الولي في أمر ~~القتل بأن يتجاوز الحد المشروع بأن يزيد عليه المثلة أو بأن يقتل غير ~~القاتل من أقاربه أو بأن يقتل الاثنين مكان الواحد كما يفعله أهل الجاهلية ~~أو بأن يقتل القاتل في مادة الدية وقرئ بصيغة النفي مبالغة في إفادة معنى ~~النهي «إنه كان منصورا» تعليل للنهي والضمير للولي على معنى أنه تعالى نصره ~~بأن أوجب له القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فلا يبغ ~~ما وراء حقه ولا يستزد عليه ولا يخرج من دائرة أمر الناصر أو للمقتول ظلما ~~على معنى أنه تعالى نصره بما ذكر فلا يسرف وليه في شأنه أو للذي يقتله ~~الولي ظلما وإسرافا ووجه التعليل ظاهر وعن مجاهد أن الضمير في لا يسرف ~~للقاتل الأول ويعضده قراءة فلا تسرفوا والضميران في التعليل عائدان إلى ~~الولي أو المقتول فالمراد بالإسراف حينئذ إسراف القاتل على نفسه بتعريضه ~~لها للهلاك العاجل والآجل لا الإسراف وتجاوز الحد في ms1960 القتل أي لا يسرف على ~~نفسه في شأن القتل كما في قوله تعالى «قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم» «ولا تقربوا مال اليتيم» نهى عن قربانه لما ذكر من المبالغة في ~~النهي PageV05P170 # عن التعرض له ومن إفضاء ذلك إليه وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى «إلا ~~بالتي هي أحسن» أي إلا بالخصلة والطريقة التي هي أحسن الخصال والطرائق وهي ~~حفظه واستثماره «حتى يبلغ أشده» غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن ~~المدلول عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط «وأوفوا بالعهد» سواء جرى ~~بينكم وبين ربكم أو بينكم وبين غيركم من الناس والإيفاء بالعهد والوفاء به ~~هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه ولا يكاد يستعمل إلا بالباء فرقا بينه ~~وبين الإيفاء الحسي كإيفاء الكيل والوزن «إن العهد» أظهر في مقام الإضمار ~~إظهارا لكمال العناية بشأنه أو لأن المراد مطلق العهد المنتظم للعهد ~~المعهود «كان مسؤولا» أي مسؤولا عنه على حذف الجار وجعل الضمير بعد انقلابه ~~مرفوعا مستكنا في اسم المفعول كقوله تعالى «وذلك يوم مشهود» أي مشهود فيه ~~ونظيره ما في قوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم على أن أصله الحكيم قائله ~~فحذف المضاف وجعل الضمير مستكنا في الحكيم بعد انقلابه مرفوعا ويجوز أن ~~يكون تخييلا كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتا للناكث كما يقال ~~للموءودة بأي ذنب قتلت «وأوفوا الكيل» أي أتموه ولا تخسروه «إذا كلتم» أي ~~وقت كيلكم للمشترين وتقييد الأمر بذلك لما أن التطفيف هناك يكون وأما وقت ~~الاكتيال على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى إذا اكتالوا على ~~الناس يستوفون الآية «وزنوا بالقسطاس» وهو القرسطون وقيل كل ميزان صغيرا ~~كان أو كبيرا رومي معرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لانتظام المعربات في ~~سلك الكلم العربية وقرئ بضم القاف «المستقيم» أي العدل السوي ولعل الاكتفاء ~~باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن لما أن عند استقامته لا يتصور الجور غالبا ~~بخلاف الكيل فإنه كثيرا ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاء ~~بإيفاء الكيل عن ms1961 الأمر بتعديله لما أن إيفاءه لا يتصور بدون تعديل المكيال ~~وقد أمر بتقويمه أيضا في قوله تعالى وأوفوا الكيل والميزان بالقسط «ذلك» أي ~~إيفاء الكيل والوزن بالميزان السوي «خير» في الدنيا إذ هو أمانة توجب ~~الرغبة في معاملته والذكر الجميل بين الناس «وأحسن تأويلا» عاقبة تفعيل من ~~آل إذا رجع والمراد ما يؤول إليه «ولا تقف» ولا تتبع من قفا أثره إذا تبعه ~~وقرئ ولا تقف من قاف أثره أي قفاه ومنه القافة في جمع القائف «ما ليس لك به ~~علم» أي لا تكن في اتباع مالا علم لك به من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا ~~يدري أنه يوصله إلى مقصده واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد ~~بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند قطعيا كان أو ظنيا واستعماله ~~بهذا المعنى مما لا ينكر شيوعه وقيل إنه مخصوص بالعقائد وقيل بالرمي وشهادة ~~الزور ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله ~~تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ومنه قول الكميت * ولا أرمي البرئ ~~بغير ذنب * ولا أقفوا الحواصن إن رمينا * «إن السمع والبصر والفؤاد» وقرئ ~~بفتح الفاء والواو المقلوبة من الهمزة عند ضم الفاء «كل أولئك» PageV05P171 # أي كل واحد من تلك الأعضاء فأجريت مجرى العقلاء لما كان مسؤولة عن ~~أحوالها شاهدة على أصحابها هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث ~~إنه اسم جمع لذا الذي يعم القبيلين جاء لغيرهم أيضا قال * ذم المنازل بعد ~~منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام * «كان عنه مسؤولا» أي كان كل من ~~تلك الأعضاء مسؤولا عن نفسه على أن اسم كان ضمير يرجع إلى كل وكذا الضمير ~~المجرور وقد جوز أن يكون الاسم ضمير القافي بطريق الالتفات إذ الظاهر أن ~~يقال كنت عنه مسؤولا وقيل الجار والمجرور في محل الرفع قد أسند إليه مسؤولا ~~معللا بأن الجار والمجرور لا يلتبس بالمبتدأ وهو السبب في منع تقديم الفاعل ~~وما يقوم مقامه ms1962 ولكن النحاس حكى الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام ~~الفاعل إذا كان جارا ومجرورا ويجوز أن يكون من باب الحذف على شريطة التفسير ~~ويحذف الجار من المفسر ويعود الضمير مستكنا كما ذكرنا في قوله تعالى يوم ~~مشهود وجوز أن يكون مسؤولا مسندا إلى المصدر المدلول عليه بالفعل وأن يكون ~~فاعله المصدر وهو السؤال وعنه في محل النصب وسأل ابن جني أبا على عن قولهم ~~فيك يرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع فقال المصدر أي فيك يرغب ~~الرغبة بمعنى تفعل الرغبة كما في قولهم يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع ~~وجوز أن يكون اسم كان أو فاعله ضمير كل بحذف المضاف أي كان صاحبه عنه ~~مسؤولا أو مسؤولا صاحبه «ولا تمش في الأرض» التقييد لزيادة التقرير ~~والإشعار بأن المشي عليها مما لا يليق بالمرح «مرحا» تكبرا وبطرا واختيالا ~~وهو مصدر وقع موقع الحال أي ذا مرح أو تمرح مرحا أو لأجل المرح وقرئ بالكسر ~~«إنك لن تخرق الأرض» تعليل للنهي وفيه تهكم بالمختال وإيذان بأن ذلك مفاخرة ~~مع الأرض وتكبر عليها أي لن تخرق الأرض بدوسك وشدة وطأتك وقرئ بضم الراء ~~«ولن تبلغ الجبال» التي هي بعض أجزاء الأرض «طولا» حتى يمكن لك أن تنكير ~~عليها إذ التكبر إنما يكون بكثرة القوة وعظم الجنة وكلاهما مفقود وفيه ~~تعريض بما عليه المختال من رفع رأسه ومشيه على صدور قدميه «كل ذلك» إشارة ~~إلى ما علم في تضاعيف ذكر الأوامر والنواهي من الخصال الخمس والعشرين «كان ~~سيئه» الذي نهى عنه وهي اثنتا عشرة خصلة «عند ربك مكروها» مبغضا غير مرضي ~~أو غير مراد بالإرادة الأولية لا غير مراد مطلقا لقيام الأدلة القاطعة على ~~أن جميع الأشياء واقعة بإرادته سبحانه وهو تتمة لتعليل الأمور المنهي عنها ~~جميعا ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعض من الكبائر للإيذان بأن مجرد ~~الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الانتهاء عن ذلك وتوجيه الإشارة إلى الكل ~~ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء لما أن ms1963 البعض المذكور ليس بمذكور ~~جملة بل على وجه الاختلاط وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده تعالى وإنما ~~لم يصرح بذلك إيذانا بالغني عنه وقيل الإضافة بيانية كما في آية الليل وآية ~~النهار وقرئ سيئة على أنه خبر كان وذلك إشارة إلى ما نهى عنه من الأمور ~~المذكورة PageV05P172 # ومكروها بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى فإنه بمعنى سيئا وقد ~~قرئ به أو مجرى على موصوف مذكر أي أمرا مكروها أو مجرى مجرى الأسماء زال ~~عنه معنى الوصفية ويجوز كونه حالا من المستكن في كان أو في الظرف على أنه ~~صفة سيئة وقرئ سيئاته وقرئ شأنه «ذلك» أي الذي تقدم من التكاليف المفصلة ~~«مما أوحى إليك ربك» أي بعض منه أو من جنسه «من الحكمة» التي هي علم ~~الشرائع أو معرفة الحق لذاته والعمل به أو من الأحكام المحكمة التي لا ~~يتطرق إليها النسخ والفساد وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآيات ~~الثماني عشرة كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها لا تجعل مع الله إلها ~~آخر قال تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وهي عشر آيات في ~~التوراة ومن إما متعلقة بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف ~~وقع حالا من الموصول أو من ضميره المحذوف في الصلة أي كائنا من الحكمة وإما ~~بدل من الموصول بإعادة الجار («ولا تجعل مع الله إلها آخر» الخطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ممن يتصور منه صدور المنهي عنه وقد كرر ~~للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة وملاكها ومن ~~عدمه لم ينفعه علومه وحكمه وإن بذفيها أساطين الحكماء وحك بيافوخه عنان ~~السماء وقد رتب عليه ما هو عائدة الإشراك أو لا حيث قيل فتقعد مذموما ~~مخذولا ورتب عليه ههنا نتيجته في العقبى فقيل «فتلقى في جهنم ملوما» من جهة ~~نفسك ومن جهة غيرك «مدحورا» مبعدا من رحمة الله تعالى وفي إيراد الإلقاء ~~مبينا للمفعول جرى على سنن ms1964 الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له من قبيل خشبة ~~يأخذها آخذ بكفه فيطرحها في التنور «أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا» خطاب للقائلين بأن الملائكة بنات الله سبحانه والإصفاء ~~بالشيء جعله خالصا والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يفسره المذكور أي ~~أفضلكم على جنابه فخصكم بأفضل الأولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها ~~وأدناها كما في قوله سبحانه ألكم الذكر وله الأنثى وقوله تعالى «أم له ~~البنات ولكم البنون» وقد قصد ههنا بالتعرض لعنوان الربوبية تشديد النكير ~~وتأكيده وأشير بذكر الملائكة عليهم السلام وإيراد الإناث مكان البنات إلى ~~كفرة لهم أخرى وهي وصفهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخس صفات ~~الحيوان كقوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا «إنكم ~~لتقولون» بمقتضى مذهبكم الباطل الذي هو إضافة الولد إليه سبحانه «قولا ~~عظيما» لا يقادر قدره في استتباع الإثم وخرقه لقضايا العقول بحيث لا يجترئ ~~عليه أحد حيث يجعلونه تعالى من قبيل الأجسام المتجانسة السريعة الزوال وليس ~~كمثله شيء وهو الواحد القهار الباقي بذاته ثم تضيفون إليه ما تكرهون من أخس ~~الأولاد وتفضلون عليه أنفسكم بالبنين ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف ~~الخلائق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان فيالها PageV05P173 # من ضلة ما أقبحها وكفرة ما أشنعها وأفظعها «ولقد صرفنا» هذا المعنى ~~وكررناه «في هذا القرآن» على وجوه من التصريف في مواضع منه وإنما ترك ~~الضمير تعويلا على الظهور وقرئ بالتخفيف «ليذكروا» ما فيه ويقفوا على بطلان ~~ما يقولونه والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء الحال أن يعرض عنهم ويحكي ~~للسامعين هناتهم وقرئ بالتخفيف من الذكر بمعنى التذكر ويجوز أن يراد بهذا ~~القرآن ما نطق ببطلان مقالتهم المذكورة من الآيات الكريمة الواردة على ~~أساليب مختلفة ومعنى التصريف فيه جعله مكانا له أي أوقعنا فيه التصريف ~~كقوله يجرح في عراقيها نصلي وقد جوز أن يراد به إبطال إضافتهم إليه تعالى ~~البنات وأنت تعلم أن إبطالها من آثار القرآن ونتائجها «وما يزيدهم» أي ~~والحال أنه ما يزيدهم ذلك التصريف البالغ «إلا ms1965 نفورا» عن الحق وإعراضا عنه ~~فضلا عن التذكر المؤدي إلى معرفة بطلان ما هم عليه من القبائح «قل» في ~~إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى «لو كان معه» تعالى «آلهة كما يقولون» أي ~~المشركون قاطبة وقرئ بالتاء خطابا لهم من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~والكاف في محل النصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابها لما يقولون ~~والمراد بالمشابهة الموافقة والمطابقة «إذا لابتغوا» جواب عن مقالتهم ~~الشنعاء وجزاء للو أي لطلبوا «إلى ذي العرش» أي إلى من له الملك والربوبية ~~على الإطلاق «سبيلا» بالمغالبة والممانعة كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض ~~على طريقة قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقيل بالتقرب إليه ~~تعالى كقوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة والأول هو ~~الأظهر الأنسب «سبحانه» فإنه صريح في أن المراد بيان أنه يلزم مما يقولونه ~~محذور عظيم من حيث لا يحتسبون وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس ~~مما يختص بهذا التقرير ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون بل هو أمر ~~يعتقدونه رأسا أي تنزه بذاته تنزها حقيقا به «وتعالى» متباعدا «عما يقولون» ~~من العظيمة التي هي أن يكون معه آلهة وأن يكون له بنات «علوا» تعاليا كقوله ~~تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا «كبيرا» لا غاية وراءه كيف لا وإنه ~~سبحانه في أقصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي وما يقولونه من أن له تعالى ~~شركاء وأولادا في أبعد مراتب العدم أعني الامتناع لا لأنه تعالى في أعلى ~~مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود لذاته واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه ~~من خواص ما يمتنع بقاؤه كما قيل فإن ما يقولونه ليس مجرد اتخاذ الولد بل ~~اتخاذه تعالى له وأن يكون معه آلهة ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد ~~الإمكان فضلا عن دخوله تحت الوجود وكونه من أدنى مراتب الوجود إنما هو ~~بالنسبة إلى من شأنه ذلك PageV05P174 # «تسبح» بالفوقانية وقرئ بالتحتانية وقرئ سبحت «له السماوات السبع ms1966 والأرض ~~ومن فيهن» من الملائكة والثقلين على أن لمراد بالتسبيح معنى منتظم لما ينطق ~~به لسان المقال ولسان الحال بطريق عموم المجاز (وإن من شيء) من الأشياء ~~حيوانا كان أو نباتا أو جمادا (إلا يسبح) ملتبسا (بحمده) أي ينزهه تعالى ~~بلسان الحال عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق الحدوث إذ ~~ما من موجود إلا وهو بإمكانه وحدوثه يدل دلالة واضحة على أن له صانعا عليما ~~قادرا حكيما واجبا لذاته قطعا للسلسلة (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) أيها ~~المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم ذلك وقرئ لا يفقهون على صيغة ~~المبني للمفعول من باب التفعيل (إنه كان حليما) ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة ~~مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن التدبر في الدلائل الواضحة ~~الدالة على التوحيد والانهماك في الكفر والإشراك (غفورا لمن تاب منكم (وإذا ~~قرأت القرآن) الناطق بالتسبيح والتنزيه ودعوتهم إلى العمل بما فيه من ~~التوحيد ورفض الشرك وغير ذلك من الشرائع (جعلنا) بقدرتنا ومشيئتنا المنية ~~على دواعي الحكم الخفية (بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة) أوثر الموصول ~~على الضمير ذما لهم بما في حيز الصلة وإنما خص بالذكر كفرهم بالآخرة من بين ~~سائر ما كفروا به من التوحيد ونحوه دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان ~~به في القرآن وتمهيدا لما سينقل عنهم من إنكار البعث واستعجاله ونحو ذلك ~~(حجابا) يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة ويفهموا قدرك ~~الجليل ولذلك اجترموا على تفوه العظيمة التي هي قولهم إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا أو حمل الحجاب على ما روى عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه من أنه ~~لما نزلت سورة تبت أقبلت العوراء أم جميل امرأة أبي لهب وفي يدها فهر ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه فلما ~~رآها قال يا رسول الله لقد أقبلت هذه وأخاف إن تراك قال صلى الله عليه وسلم ~~إنها لن تراني وقرأ قرآنا فوقفت على ms1967 أبي بكر رضي الله عنه ولم تر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مما لا يقبله الذوق السليم ولا يساعده النظم الكريم ~~(مستورا) ذا ستر كما في قولهم سيل مفعم أو مستورا عن الحسن بمعنى غير حسي ~~أو مستورا في نفسه بحجاب آخر أو مستورا كونه حجابا حيث لا يدرون أنهم لا ~~يدرون (وجعلنا على قلوبهم أكنه) أغطية كثيرة جمع كنان (أن يفقهوه) مفعول ~~لأجله أي كراهة أن يفقهوه أو مفعول لما دل عليه الكلام أي منعناهم أن يقفوا ~~على كنهه ويعرفوا أنه من عند الله تعال (وفي PageV05P175 # آذانهم وقرا) صمما وثقلا مانعا من سماعه اللائق به وهذه تمثيلات معربة عن ~~كمال جهلهم بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم وفرط نبو قلوبهم عن فهم القرآن ~~الكريم ومج أسماعهم له جيء بها بيانا لعدم فقههم لتسبيح لسان المقال إثر ~~بيان عدم فقههم لتسبيح لسان الحال وإيذانا بأن هذا التسبيح من الظهور بحيث ~~لا يتصور عدم فهمه إلا لمانع قوي يعتري المشاعر فيبطلها وتنبيها على أن ~~حالهم هذا أقبح من حالهم السابق لا حكاية لما فهمه إلا لمانع قوي يعتري ~~المشاعر فيبطلها وتنبيها على أن حالهم هذا أقبح من حالهم السابق لا حكاية ~~لما قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب كيف لا وقصدهم بذلك أنما هو الإخبار بما اعتقدوه في حق القرآن والنبي ~~صلى الله عليه وسلم جهلا وكفرا من اتصافهما بأوصاف مانعة من التصديق ~~والأيمان ككون القرآن سحرا وشعرا وأساطير وقس عليه حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا الإخبار بأن هناك أمرا وراء ما أدركوه قد حال بينهم وبين إدراكه ~~حائل من قبلهم ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام (وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده) واحدا غير مشفوع به آلهتهم وهو مصدر وقع موقع ~~الحال أصله يحدو حده (ولوا على أدبارهم) أي هربوا ونفروا (نفورا) أو ولوا ~~نافرين (نحن أعلم بما يستمعون به) ملتبسين به من اللغو ms1968 الاستخفاف والهزء بك ~~وبالقرآن يروي أنه كان يقوم عن يمينه صلى الله عليه وسلم رجلان من بني عبد ~~الدار وعن يساره رجلان فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار (إذ يستمعون ~~إليك) ظرف لأعلم وفائدته تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع ~~المزبور منهم يتعلق به العلم لا أن العلم يستفاد هناك من أحد وكذا قوله ~~تعالى (وإذ هم نجوى) لكن لا من حيث تعلقه بما به الاستماع بل بما به ~~التناجي المدلول عليه بسياق النظم والمعنى نحن أعلم بالذي يستمعون ملتبسين ~~به مما لا خير فيه من الأمور المذكورة وبالذي يتناجون به فيما بينهم أو ~~الأول ظرف ليستمعون والثاني ليتناجون والمعنى نحن أعلم بما به الاستماع وقت ~~استماعهم غير تأخير وبما به التناجي وقت تناجيهم ونجوى مرفوع على الخبرية ~~بتقدير المضاف أي ذوو نجوى أو هو جمع نجى كقتلى جمع قتيل أي متناجون (إذ ~~يقول الظالمون) بدل من إذ هم وفيه دليل على أن ما يتناجون به غير ما ~~يستمعون به وإنما وضع الظالمون موضع المضمر إشعارا بأنهم في ذلك ظالمون ~~مجاوزون للحد أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم (إن تتبعون) ما تتبعون ~~إن وجد منكم الاتباع فرضا أو ما تتبعون باللغو والهزء (إلا رجلا مسحورا) أي ~~سحر فجن أو رجلا ذا سحر أي رئة يتنفس أي بشرا مثلكم (انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال) أي مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون (فضلوا) في جميع ذلك عن منهاج ~~المحاجة (فلا يستطيعون سبيلا) إلى طعن يمكن أن يقبله أحد فيتهافتون ويخبطون ~~ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد أو إلى سبيل الحق والرشاد وفيه من ~~الوعيد وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى PageV05P176 # «وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا» استفهام إنكاري مفيد لكمال الاستبعاد ~~والاستنكار للبعث بعد ما آل الحال إلى هذا المآل لما بين غضاضة الحي ويبوسة ~~الرميم من التنافي كان استحالة الأمر من الظهور بحيث لا يقدر المخاطب على ~~التكلم به والرفات ما بولغ في دقه وتفتيته وقال الفراء هو التراب ms1969 وهو قول ~~مجاهد وقيل هو الحطام وإذا متمحضة للظرفية وهو الأظهر والعامل فيها ما دل ~~عليه قوله تعالى (أئنا لمبعوثون) لا نفسه لأن ما بعد إن والهمزة واللام لا ~~يعمل فيما قبلها وهو نبعث أو نعاد وهو المرجع للإنكار وتقييده بالوقت ~~المذكور ليس لتخصيصه به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن على ~~حاله بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له وتكرير ~~الهمزة في قولهم أئنا لتأكيد النكير وتحلية الجملة بأن واللام لتأكيد ~~الإنكار لا لإنكار التأكيد كما عسى يتوهم من ظاهر النظم فإن تقديم الهمزة ~~لاقتضائها الصدارة كما في مثل قوله تعالى أفلا تعقلون ونظائره على رأي ~~الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيب الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور ~~وليس مدار إنكارهم كونهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم عظاما ~~ورفاتا كما يتراءى من ظاهر الجملة الاسمية بل كونهم بعرضية ذلك واستعدادهم ~~له ومرجعه إلى إنكار البعث بعد تلك الحالة وفيه من الدلالة على غلوهم في ~~الكفر وتماديهم في الضلال ما لا مزيد عليه (خلقا جديدا) نصب على المصدر من ~~غير لفظه أو الحالية على أن الخلق بمعنى المخلوق (قل) جوابا لهم وقريبا لما ~~استبعدوه (كونوا حجارة أو حديدا) (أو خلقا) آخر (مما يكبر في صدوركم) أي ~~يعظم عندكم عن قبول الحياة لكمال المباينة والمنافاة بينها وبينه فإنكم ~~مبعوثون ومعادون لا محالة (فسيقولون من يعيدنا) مع ما بيننا وبين الإعادة ~~من مثل هذه المباعدة والمباينة (قل) لهم تحقيقا للحق وإزاحة للاستبعاد ~~وإرشاد لهم إلى طريقة الاستدلال (الذي) أي يعيدكم القادر العظيم الذي ~~(فطركم) اخترعكم (أول مرة) من غير مثال يحتذيه ولا أسلوب ينتحيه وكنتم ~~ترابا ما شم رائحة الحياة أليس الذي يقدر على ذلك بقادر على أن يعيد العظام ~~البالية إلى حالتها المعهودة بلى إنه على كل شيء قدير (فسينغضون إليك ~~رؤوسهم) أي سيحركونها نحوك تعجبا وإنكارا (ويقولون) استهزاء (متى هو) أي ما ~~ذكرته من الإعادة (قل) لهم (عسى أن يكون) ذلك (قريبا) نصب ms1970 على أنه خبر ~~ليكون أو ظرف على أن كان تامة أي أن يقع في زمان قريب ومحل أن مع ما في ~~حيزها إما نصب على أنه خبر لعسى وهي ناقصة واسمها ضمير عائد إلى ما عاد ~~إليه هو أي عسى البعث أن يكون قريبا أو عسى البعث يقع في زمان قريب أو رفع ~~على أنه فاعل PageV05P177 # لعسى وهي تامة أي عسى كونه قريبا أو وقوعه في زمان قريب (يوم يدعوكم) ~~منصوب بفعل مضمر أي اذكروا أو على أنه بدل من قريبا على أنه ظرف أو بيكون ~~تامة بالاتفاق أو ناقصة عند من يجوز إعمال الناقصة في الظروف أو بضمير ~~المصدر المستكن في عسى أو يكون أعنى البعث عند من يجوز إعمال ضمير المصدر ~~كما في قول زهير * وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث ~~المرجم * فهو ضمير المصدر وقد تعلق به ما بعده من الجار (فتستجيبون) أي يوم ~~يبعثكم فتبعثون وقد استعير لهما الدعاء والإجابة إيذانا بكمال سهولة التأتي ~~وبأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجواب (بحمده) حال من ضمير تستجيبون ~~أي منقادين له حامدين لما فعل بكم غير مستعصين أو حامدين له تعالى على كمال ~~قدرته عند مشاهدة آثارها ومعاينة أحكامها (وتظنون) عطف على تستجيبون أي ~~تظنون عند ما ترون ما ترون من الأمور الهائلة (إن لبثتم) أي ما لبثتم في ~~القبور (إلا قليلا) كالذي مر على قرية أو ما لبثتم في الدنيا (وقل لعبادي) ~~أي المؤمنين (يقولوا) عند محاورتهم مع المشركين (التي) أي الكلمة التي (هي ~~أحسن) ولا يخاشنوهم كقوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~(إن الشيطان ينزغ بينهم) أي يفسد ويهيج الشر والمراء ويغري بعضهم على بعض ~~لتقع بينهم المشاقة والمشارة والمعارة والمضارة فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد ~~العناد وتمادي الفساد فهو تعليل للأمر السابق وقرئ بكسر الزاء (إن الشيطان ~~كان) قدما (للإنسان عدوا مبينا) ظاهر العداوة وهو تعليل لما سبق من أن ~~الشيطان ينزغ بينهم (ربكم أعلم بكم إن يشأ ms1971 يرحمكم) بالتوفيق للإيمان (أو إن ~~يشأ يعذبكم) بالإمانة على الكفر وهذا تفسير التي هي أحسن وما بينهما اعتراض ~~أي قولوا لهم هذه الكلمة وما يشاكلها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه ~~مما يهيجهم على الشر مع أن العاقبة مما لا يعلمه إلا الله سبحانه فعسى ~~يهديهم إلى الإيمان (وما أرسلناك عليهم وكيلا) موكولا إليك أمورهم تقسرهم ~~على الإيمان وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة ~~والاحتمال وترك المحاقة والمشاقة وذلك قبل نزول آية السيف وقبل نزلت في عمر ~~رضي الله عنه شتمه رجل فأمر بالعفو وقيل أفرط أذية المشركين بالمؤمنين ~~فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقيل الكلمة التي هي أحسن أن ~~يقولوا يهديكم الله ويرحمكم الله (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) ~~PageV05P178 # وتفاصيل أحوالهم الظاهرة والكامنة التي بها يستأهلون الاصطفاء والاجتباء ~~فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن يستحقه وهو رد عليهم إذ قالوا بعيد ~~أن يكون يتيم أبي طالب نبيا وأن يكون العراة الجوع أصحابه دون أن يكون ذلك ~~من الأكابر والصناديد وذكر من في السماوات لإبطال قولهم لولا أنزل علينا ~~الملائكة وذكر من في الأرض لرد قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) بالفضائل النفسانية ~~والتنزه عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والاتباع (وآتينا داود ~~زبورا) بيان لحيثية تفضيله عليه الصلاة والسلام فإن ذلك إيتاء الزبور لا ~~إيتاء الملك والسلطنة وفيه إيذان بتفضيل النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~نعوته الجليلة وكونه خاتم النبيين مسطورة في الزبور وأن المراد بعباد الله ~~الصالحين في قوله تعالى إن الأرض يرثها عبادي الصالحون هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمته وتعريف الزبور تارة وتنكيره أخرى إما لأنه في الأصل فعول ~~بمعنى المفعول كالحلوب أو مصدر بمعناه كالقول وإما لأن المراد آتينا داود ~~زبورا من الزبر أو بعضا من الزبور فيه ذكره صلى الله عليه وسلم وقرئ بضم ~~الزاي على أنه جمع زبر بمعنى مزبور (قل ادعوا ms1972 الذين زعمتم) أنها آلهة (من ~~دونه) تعالى من الملائكة والمسيح وعزير (فلا يملكون) فلا يستطيعون (كشف ~~الضر عنكم) بالمرة كالمرض والفقر والقحط ونحو ذلك (ولا تحويلا) أي ولا ~~تحويله إلى غيركم (أولئك الذين يدعون) أي أولئك الآلهة الذين يدعوهم ~~المشركون من المذكورين (يبتغون) يطلبون لأنفسهم (إلى ربهم) ومالك أمورهم ~~(الوسيلة) القربة بالطاعة والعبادة (أيهم أقرب) بدل من فاعل يبتغون وأي ~~موصولة أي يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة فكيف بمن دونه أو ضمن ~~الابتغاء معنى الحرص فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقرب إليه تعالى بالطاعة ~~والعبادة (ويرجون رحمته) بها (ويخافون عذابه) بتركها كدأب سائر العباد فأين ~~هم من كشف الضر فضلا عن الآلهية (إن عذاب ربك كان محذورا) حقيقا بأن يحذره ~~كل أحد حتى الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام وهو تعليل لقوله تعالى ~~ويخافون عذابه وتخصيصه بالتعليل لما أن المقام مقام التحذير من العذاب وأن ~~بينهم وبين العذاب بونا بعيدا (وإن من قرية) بيان لتحتم حلول عذابه تعالى ~~بمن لا يحذره إثر بيان أنه حقيق بالحذر وأن أساطين الخلق من الملائكة ~~والنبيين عليهم الصلاة والسلام على حذر من ذلك وكلمة إن نافية ومن ~~استغراقية والمراد بالقرية القرية الكافرة أي ما من قرية من قرى الكفار ~~(إلا نحن مهلكوها) PageV05P179 # أي مخربوها بالخسف بها أو بإهلاك أهلها أهلها بالمرة لما ارتكبوا من ~~عظائم الموبقات المستوجب لذلك وفي صيغة الفاعل وإن كانت بمعنى المستقبل ما ~~ليس فيه من الدلالة على التحقق والتقرر وإنما قيل (قبل يوم القيامة) لأن ~~الإهلاك يومئذ غير مختص بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وإنما هو ~~لانقضاء عمر الدنيا (أو معذبوها) أي معذبوا أهلها على الإسناد المجازي ~~(عذابا شديدا) لا بالقتل والسبي ونحوهما من البلايا الدنيوية فقط بل بما لا ~~يكتنه كنهه من فنون العقوبات الأخروية أيضا حسبما يفصح عنه إطلاق التعذيب ~~عما قيد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة كيف لا وكثير من القرى العاتية ~~العاصية قد أخرت عقوباتها إلى يوم القيامة (كأن ذلك) الذي ذكر من ms1973 الإهلاك ~~والتعذيب (في الكتاب) أي اللوح المحفوظ (مسطورا) مكتوبا لم يغادر منه شيء ~~إلا بين فيه بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له هذا وقد قيل ~~الهلاك للقرى الصالحة والعذاب للطالحة وعن مقاتل وجدت في كتاب الضحاك بن ~~مزاحم في تفسيرها أما مكة فيخربها الحبشة وتهلك المدينة بالجوع والبصرة ~~بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف وأما خراسان فهلاكها ضروب ~~ثم ذكرها بلدا بلدا وقال الحافظ أبو عمرو الدواني في كتاب الفتن أنه روى عن ~~وهب ابن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية آمنة حتى تخرب ~~مصر ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة ~~فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم وخراب ~~الأندلس من قبل الزنج وخراب أفريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع ~~النيل واختلاف الجيوش فيها وخراب العراق من الجوع وخراب الكوفة من قبل عدو ~~من ورائهم يحصرهم حتى لا يستطيعون أن يشربوا من الفرات قطرة وخراب البصرة ~~من قبل الغرق وخراب الأيلة من قبل عدو يحصرهم برا وبحرا وخراب الري من ~~الديلم وخراب خراسان من قبل التبت وخراب التبت من قبل الصين وخراب الهند ~~واليمن من قبل الجراد والسلطان وخراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من قبل ~~الجوع وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال آخر ~~قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة وقد أخرجه العمري من هذا الوجه وأنت ~~خبير بأن تعميم القرية لا يساعده السباق ولا السياق (وما منعنا أن نرسل ~~بالآيات) أي الآيات التي اقترحتها قريش من إحياء الموتى وقلب الصفا ذهبا ~~ونحو ذلك (إل أن كذب بها الأولون) استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما ~~منعنا إرسالها شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين بها حين جاءتهم باقتراحهم ~~وعدم إرساله تعالى بها وإن كان بمشيئته المبنية على الحكم البالغة لا لمنع ~~مانع عن ذلك من التكذيب أو غيره لاستحالة العجز عليه تعالى لكن تكذيبهم ~~المذكور بواسطة ms1974 استتباعه لاستئصالهم بحكم السنة الإلهية واستلزمه لتكذيب ~~الآخرين بحكم الاشتراك في العتو والعتاد وإفضائه إلى أن يحل بهم مثل ما حل ~~بهم بحكم الشركة في الجريرة لما كان منافيا لإرسال ما اقترحوه PageV05P180 # من الآيات لتعيين التكذيب المستدعى للاستئصال المخالف لما جرى به قلم ~~القضاء من تأخير عقوبات هذه الأمة إلى الآخرة لحكم باهرة من جملتها ما ~~يتوهم من إيمان بعض أعقابهم عبر عن تلك المنافاة بالمنع على نهج الاستعارة ~~إيذانا بتعاضد مبادئ الإرسال لا كما زعموا من عدم إرادته تعالى لتأييده صلى ~~الله عليه وسلم بالمعجزات وهو السر في إيثار الإرسال على الإيتاء لما فيه ~~من الإشعار بتداعي الآيات إلى النزول لولا أن تمسكها يد التقدير وإسناد على ~~هذا المنع إلى تكذيب الأولين لا إلى عمله تعالى بما سيكون من الآخرين كما ~~في قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم ~~معرضون لإقامة الحجة عليهم بإبراز الا نموذج وللإيذان بان مدار عدم الإجابة ~~إلى إيتاء مقترحهم ليس إلا صنيعهم (وآتينا ثمود الناقة) عطف على ما يفصح ~~عنه النظم الكريم كأنه قيل وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرة فكذبوها وآتينا ~~باقتراحهم ثمود الناقة (مبصرة) على صيغة الفاعل أي بينة ذات إبصار أو بصائر ~~يدركها الناس أو أسند إليها حال من يشاهدها مجازا أو جاعلتهم ذوي بصائر من ~~أبصره جعله بصيرا وقرئ على صيغة المفعول وبفتح الميم والصادر وهي نصب على ~~الحالية وقرئ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف (فظلموا بها) فكفروا بها ~~ظالمين أي لم يكتفو بمجرد الكفر بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر أو ~~ظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها ولعل تخصيصها بالذكر لما أن ثمود ~~عرب مثلهم وأن لهم من العلم بحالهم مالا مزيد عليه حيث يشاهدون آثار هلاكهم ~~ورودا أو صدودا أو لأنها من جهة أنها حيوان أخرج من الحجر أوضح دليل على ~~تحقق مضمون قوله تعالى قل كونوا حجارة أو ms1975 حديدا (وما نرسل بالآيات) ~~المقترحة (إلا تخويفا) لمن أرسلت هي عليهم مما يعقبها من العذاب المستأصل ~~كالطليعة له وحيث لم يخافوا ذلك فعل بهم ما فعل فلا محل للجملة حينئذ من ~~الاعراب ويجوز أن تكون حالا من ضمير ظلموا أي ظلموا بها ولم يخافوا عاقبته ~~والحال أنا ما نرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفا من العذاب الذي ~~يعقبها فنزل بهم ما نزل (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) أي علما كما نقله ~~الإمام الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما فلا يخفى عليه شيء من أفعالهم ~~الماضية والمستقبلة من الكفر والتكذيب وفي قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس) إلى آخر الآية تنبيه على تحققها بالاستدلال ~~عليها بما صدر عنهم عند مجىء بعض الآيات لاشتراك الكل في كونها أمورا خارقة ~~للعادات منزلة من جانب الله سبحانه لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتكذيبهم لبعضها مستلزم لتكذيب الباقي كما أن تكذيب الآخرين بغير المقترحة ~~يدل على تكذيبهم بالآيات المقترحة والمراد بالرؤيا ما عاينه صلى الله عليه ~~وسلم ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء حسبما ذكر في فاتحة السورة ~~الكريمة والتعبير عن ذلك بالرؤيا إما لأنه لا فرق بينها وبين الرؤية أو ~~لأنها وقعت بالليل أو لأن الكفرة قالوا لعلها رؤيا أي وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناكها عيانا مع كونها أية عظيمة وآية آية حقيقة بأن PageV05P181 # لا يتلعثم في تصديقها أحد ممن له أدنى بصيرة إلا فتنة افتتن بها الناس ~~حتى ارتد بعضهم (والشجرة الملعونة في القرآن) عطف على الرؤيا والمراد ~~بلعنها فيه لعن طاعمها على الإسناد المجازي أو إبعادها عن الرحمة فإنها ~~تنبت في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة أي وما جعلناها إلى فتنة لهم ~~حيث أنكروا ذلك وقالوا إن محمدا يزعم أن الجحيم يحرق الحجارة ثم يقول ينبت ~~فيها الشجر ولقد ضلوا في ذلك ضلالا بعيدا حيث كابروا قضية عقولهم فإنهم ~~يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة فلا تضرها ويشاهدون المناديل ms1976 ~~المتخذة من وبر السمندر تلقى في النار فلا تؤثر فيها ويرون أن في كل شجر ~~نارا وقرئ بالرفع على حذف الخبر كأنه قيل والشجرة الملعونة في القرآن كذلك ~~(وتخوفهم) بذلك وبنظائرها من الآيات فإن الكل للتخويف وإيثار صيغة ~~الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار فما يزيدهم التخويف (إلا طغيانا ~~كبيرا) متجاوزا عن الحد فلو أنا أرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ~~ما فعلوا بنظائرها وفعل بهم ما فعل بأشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبة ~~العامة لهذه الأمة إلى الطامة الكبرى هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم وقد ~~حمل أكثر المفسرين الإحاطة على الإحاطة بالقدرة تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات التي اقترحوها ~~لأن إنزالها ليس بمصلحة من نوع حزن من طعن الكفرة حيث كانوا يقولون لو كنت ~~رسولا حقا لأتيت بهذه المعجزات كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فكأنه قيل اذكر وقت قولنا لك إن ربك اللطيف بك قد أحاط ~~بالناس فهم في قبضة قدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته فهو يحفظك منهم ~~فلا تهتم بهم وامضى لما أمرتك به من تبليغ الرسالة ألا يرى أن الرؤيا التي ~~أريناك من قبل جعلناها فتنة للناس مورثة للشبهة مع أنها ما أورثت ضعفا ~~لأمرك وفتورا في حالك وقد فسر الإحاطة بإهلاك قريش يوم بدر وإنما عبر عنه ~~بالماضي مع كونه منتظرا حسبما ينبئ عنه قوله تعالى سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر وقوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وغير ذلك جريا ~~على عادته سبحانه في أخباره وأولت الرؤيا بما رآه صلى الله عليه وسلم في ~~المنام من مصارعهم لما روى أنه صلى الله عليه وسلم لما ورد ماء بدر قال ~~والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض هذا مصرع فلان وهذا ~~مصرع فلان فتسامعت به قريش فاستسخروا منه وبما رآه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه سيدخل مكة وأخبر به أصحابه فتوجه إليها فصده ms1977 عام المشركون ~~الحديبية واعتذر عن كون ما ذكر مدنيا بأنه يجوز أن يكون الوحي بإهلاكهم ~~وكذا الرؤيا واقعا بمكة وذكر الرؤيا وتعيين المصارع واقعين بعد الهجرة وأنت ~~خبير بأنه يلزم منه أن يكون افتتان الناس بذلك واقعا بعد الهجرة وأن يكون ~~ازديادهم طغيانا متوقعا غير واقع عند نزول الآية وقد قيل الرؤيا ما رآه صلى ~~الله عليه وسلم في وقعة بدر من مضمون قوله تعالى إذ يريكهم الله في منامك ~~قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولا ريب في أن تلك الرؤيا مع وقوعها في ~~المدينة ما جعلت فتنة للناس (وإذا قلنا للملائكة) تذكير لما جرى منه تعالى ~~من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعة من غير تردد وتحقيق لمضمون ما ~~سبق من قوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ويعلم PageV05P182 # من حال الملائكة حال غيرهم من عيسى وعزير عليهما السلام في الطاعة ~~وابتغاء الوسيلة ورجاء الرحمة ومخافة العذاب ومن حال إبليس حال من يعاند ~~الحق ويخالف الأمر أي واذكر وقت قولنا لهم (اسجدوا لآدم) تحية وتكريما لما ~~له من الفضائل المستوجبة لذلك (فسجدوا) له من غير تلعثم امتثالا للأمر ~~وأداء لحقه عليه الصلاد والسلام (إلا إبليس) وكان داخلا في زمرتهم مندرجا ~~تحت الأمر بالسجود (قال) أي عند ما وبخ بقوله عز سلطانه يا إبليس ما لك أن ~~لا تكون مع الساجدين وقوله ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك وقوله ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي كما أشير إليه في سورة الحجر (أأسجد) وأنا مخلوق من ~~العنصر العالي (لمن خلقت طينا) نصب على نزع الخافض أي من طين أو حال من ~~الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين أو من نفس الموصول أي أأسجد له وأصله ~~طين والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم بالموصول لتعليل إنكاره بما في حيز ~~الصلة (قال) أي إبليس لكن لا عقيب كلامه المحكي بل بعد الإنظار المترتب على ~~استنظاره المتفرع على ms1978 الأمر بخروجه من بين الملأ الأعلى باللعن المؤبد ~~وإنما لم تصرح بذلك اكتفاء بما ذكر في مواضع أخر فإن توسيط قال بين كلامي ~~اللعين للإيذان بعدم اتصال الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره ~~كما في قوله تعالى قال فما خطبكم بعد قوله تعالى قال ومن يقنط من رحمة ربه ~~إلا لضالون (أرأيتك هذا الذي كرمت على) الكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من ~~الإعراب وهذا مفعول أول والموصول صفته والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي ~~أخبرني عن هذا الذي كرمته على بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته على وقيل هذا ~~مبتدأ حذف عنه حرف الاستفهام والموصول مع صلته خبره ومقصوده الاستصغار ~~والاستحقار ما يخاطبه به عقيبه (لئن أخرتن) حيا (إلى يوم القيامة) كلام ~~مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه قوله (لأحتنكن ذريته) أي لأستأصلنهم من ~~قولهم احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا أو لأقودنهم حيث ما شئت ~~ولأستولين عليهم استيلاء قويا من قولهم حنكت الدابة واحتنكتها إذا جعلت في ~~حنكها الأسفل حبلا تقودها به وهذا كقوله لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين وإنما علم تسني ذلك المطلب له تلقيا من جهة الملائكة عليهم الصلاة ~~والسلام أو استنباطا من قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أو ~~نوسما من خلقه (إلا قليلا) منهم وهم المخلصون الذين عصمهم الله تعالى (قال ~~اذهب) أي امض لشأنك الذي اخترته وهو طرد له وتخلية بينه وبين ما سولت له ~~نفسه (فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم) أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب في ~~الغائب رعاية الحق المتبوعية (جزاء موفورا) أي جزاء مكملا من قولهم فر ~~لصاحبك عرضه فرة أي وفر وهو نصب على أنه مصدر مؤكد لما في قوله فإن جهنم ~~جزاؤكم من معنى تجازون أو للفعل المقدر أو حال موطئه لقوله موفورا ~~PageV05P183 # (واستفزز) أي استخف (من استطعت منهم) أن تستفزه (بصوتك) بدعائك إلى ~~الفساد (واجلب عليهم) أي صح عليهم من الجلبة وهي الصياح (بخيلك ورجلك) أي ~~بأعوانك وأنصارك من راكب وراجل ms1979 من أهل العبث والفساد قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ومجاهد وقتادة إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس فما كان من راكب ~~يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وما كان من راجل يقاتل في ~~معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس والخيل الخيالة ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم يا خيل الله اركبي والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والركب وقرئ بكسر ~~الجيم وهي قراءة حفص على أنه فعل بمعنى فاعل كتعب وتاعب وبضمه مثل حدث وحدث ~~وندس وندس وندس ونظائرهما أي جمعك الراجل ليطابق الخيل وقرئ رجالك ورجالك ~~ويجوز أن يكون استفزازه بصوته وإجلابه بخيله ورجله تمثيلا لتسلطه على من ~~يغويه فكأنه مغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتا يزعجهم من أماكنهم ويقلقهم ~~عن مراكزهم واجلب عليهم يجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم (وشاركهم في ~~الأموال) بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي ~~(والأولاد) بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة والإشراك كتسميتهم ~~بعبد العزى والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال ~~القبيحة (وعدهم) المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء ~~وتأخير التوبة بتطويل الأمل (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) اعتراض لبيان ~~شأن مواعيده والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض مع ما فيه من صرف ~~الكلام عن خطابه وبيان شأنه للناس ومن الإشعار بعلية شيطنته للغرور وهو ~~تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب (إن عبادي) الإضافة للتشريف وهم المخلصون ~~وفيه أن من تبعه ليس منهم وأن الإضافة لثبوت الحكم في قوله تعالى (ليس لك ~~عليهم سلطان) أي تسلط وقدرة على إغوائهم كقوله تعالى إنه ليس له سلطان على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (وكفى بربك وكيلا) لهم يتوكلون عليه ~~ويستمدون به في الخلاص عن إغوائك والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن ~~المالكية المطلقة والتصرف الكلي مع الإضافة إلى ضمير إبليس للإشعار بكيفية ~~كفايته تعالى لهم أعني سلب قدرته على إغوائهم (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر) مبتدأ وخبر والإزجاء السوق ms1980 حالا بعد حال أي هو القادر الحكيم الذي ~~يسوق لمنافعكم الفلك ويجريها في البحر (لتبتغوا من فضله) من رزقه الذي هو ~~فضل من قبله أو من الربح الذي هو معطيه ومن مزيدة أو تبعيضية وهذا تذكير ~~لبعض النعم التي هي دلائل التوحيد وتمهيد لذكر توحيدهم PageV05P184 # عند مساس الضر تكملة لما مر من قوله تعالى فلا يملكون الآية (إنه كان ~~بكم) أزلا وأبدا (رحيما) حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر ~~من مباديه وهذا تذييل فيه تعليل لما سبق من الإزجاء لابتغاء الفضل وصيغة ~~الرحيم للدلالة على أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية والنعمة العاجلة ~~المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة (وإذا مسكم الضر في البحر) خوف الغرق فيه ~~(ضل من تدعون) أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تدعون من دون اله من الملائكة أو ~~المسيح أو غيرهم (إلا إياه) وحده من غير أن يخطر ببالكم أحد منهم وتدعوه ~~لكشفه استقلالا أو اشتراكا أو ضل كل من تدعونه عن إغاثتكم وإنقاذكم ولم ~~يقدر على ذلك إلا الله على الاستثناء المنقطع (فلما نجاكم) من الغرق ~~وأوصلكم (إلى البر أعرضتم) عن التوحيد أو اتسعتم في كفران النعمة (وكان ~~الإنسان كفورا) تعليل لما سبق من الإعراض (أفأمنتم) الهمزة للإنكار والفاء ~~للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم (أن يخسف بكم جانب البر) الذي هو ~~مأمنكم أي يقلبه ملتبسا بكم أو بسبب كونكم فيه وفي زيادة الجانب تنبيه على ~~تساوي الجوانب والجهات بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى وقهره وسلطانه وقرئ ~~بنون العظمة (أو يرسل عليكم) من فوقكم وقرئ بالنون (حاصبا) ريحا ترمى ~~بالحصباء (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) يحفظكم من ذلك أو يصرفه عنكم فإنه لا راد ~~لأمره الغالب (أم أمنتم أن يعيدكم فيها) في البحر أو ثرت كلمة في على كلمة ~~إلى المنبئة عن مجرد الانتهاء للدلالة على استقرارهم فيه (تارة أخرى) أسناد ~~لإعادة إليه تعالى مع أن العود إليه باختيارهم باعتبار خلق الدواعي الملجئة ~~لهم إلى ذلك وفيه إيماء إلى كمال شدة هول ما ms1981 لا قوة في التارة الأولى بحيث ~~لولا الإعادة لما عادوا (فيرسل عليكم) وأنتم في البحر وقرئ بالنون (قاصفا ~~من الريح) وهي التي لا تمر بشيء إلا كسرته وجعلته كالرميم أو التي لها قصيف ~~وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر (فيغرقكم) بعد كسر فلككم كما ينبئ ~~عنه عنوان القصف وقرئ بالنون وبالتاء على الإسناد إلى ضمير الريح (بما ~~كفرتم) بسبب إشراككم أو كفرانكم لنعمة الإنجاء (ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا) أي ثائرا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من جهتنا كقوله ~~سبحانه ولا يخاف عقباها PageV05P185 # (ولقد كرمنا بني آدم) قاطبة تكريما شاملا لبرهم وفاجرهم أي كرمناهم ~~بالصورة والقامة المعتدل والتسلط على ما في الأرض والتمتع به والتمكن من ~~الصناعات وغير ذلك مما لا يكاد يحيط به نطاق العبارة ومن جملته ما ذكره ابن ~~عباس رضي الله عنهما من أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه ~~يرفعه إليه بيده وما قيل من شركة القرد له في ذلك مبنى على عدم الفرق بين ~~اليد والرجل فإنه متناول له برجله التي يطأ بها القاذورات لا بيده ~~(وحملناهم في البر والبحر) على الدواب والسفن من حملته إذا جعلت له ما ~~يركبه وليس من المخلوقات شيء كذلك وقيل حملناهم فيها حيث لم نخسف بهم الأرض ~~ولم نغرقهم بالماء وأنت خبير بأن الأول هو الأنسب بالتكريم إذ جميع ~~الحيوانات كذلك (ورزقناهم من الطيبات) أي فنون النعم وضروب المستلذات مما ~~يحصل بصنيعهم وبغير صنيعهم (وفضلناهم) في العلوم والإدراكات بما ركبنا فيهم ~~من القوى المدركة التي بها يتميز الحق من الباطل والحسن من القبيح (على ~~كثير ممن خلقنا) وهم من عدا الملائكة عليهم الصلاة والسلام (تفضيلا) عظيما ~~فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ولا يكفروها ويستعملوا قواهم في تحصيل ~~العقائد الحقة ويرفضوا ما هم عليه من الشرك الذي لا يقبله أحد ممن له أدنى ~~تميز فضلا عمن فضل على من عدا الملأ الأعلى الذين هم العقول المحضة وإنما ~~استثنى جنس الملائكة من هذا ms1982 التفضيل لأن علومهم دائمة عارية عن الخطأ ~~والخلل وليس فيه دلالة على أفضليتهم بالمعنى المتنازع فيه فإن المراد هنا ~~بيان التفضيل في أمر مشترك بين جميع أفراد البشر صالحها وطالحها ولا يمكن ~~أن يكون ذلك هو الفضل في عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله سبحانه إن قيل ~~أي حاجة إلى تعيين ما فيه التفضيل بعد بيان ما هو المراد بالمفضلين فإن ~~استثناء الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تفضيل جميع أفراد البشر عليهم لا ~~يستلزم استثناءهم من تفضيل بعض أفراده عليهم قلنا لا بد من تعيينه البتة إذ ~~ليس من الأفراد الفاجرة للبشر أحد يفضل على أحد من المخلوقات فيما هو ~~المتنازع فيه أصلا بل هم أدنى من كل دنئ حسبما ينبئ عنه قوله تعالى أولئك ~~كالانعام بل هم أضل وقوله تعالى إن شر الدواب عند الله الذين كفروا (يوم ~~ندعو) نصب على المفعولية بإضمار اذكر أو ظرف لما دل عليه قوله تعالى ولا ~~يظلمون وقرئ بالياء على البناء للفاعل وللمفعول ويدعو بقلب الألف واوا على ~~لغة من يقول في أفعى افعو وقد جوز كون الواو علامة الجمع كما في قوله تعالى ~~وأسروا النجوى أو ضميره وكل بدلا منه والنون محذوفة لقلة المبالاة فإنها ~~ليست إلا علامة الرفع وقد يكتفي بتقديره كما في يدعي (كل أناس) من بني آدم ~~الذين PageV05P186 # فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا من التكريم والتفضيل وهذا شروع في بيان ~~تفاوت أحوالهم في الآخرة بحسب أحوالهم وأعمالهم في الدنيا (بإمامهم) أي بمن ~~ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين وقيل بكتاب أعمالهم التي ~~قدموها فيقال يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر أو يا أهل دين كذا يا ~~أهل كتاب كذا وقيل الإمام جمع أم كخف وخفاف والحكمة في دعوتهم بأمهاتهم ~~بإجلال عيسى عليه السلام وتشريف الحسنين رضي الله عنهما والستر على أولاد ~~الزنا (فمن أوتي) يومئذ من أولئك المدعوين (كتابه) صحيفة أعماله (بيمينه) ~~إبانة لخطر الكتاب المؤتى وتشريفا لصاحبه وتبشيرا له ms1983 من أول الأمر بما في ~~مطاوية (فأولئك) إشارة إلى من باعتبار معناه إيذانا بأنهم حزب مجتمعون على ~~شأن جليل أو إشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع لا على وجه ~~الانفراد كما في حال الإيتاء وما فيه من الدلالة على البعد للإشعار برفعة ~~درجاتهم أي أولئك المختصون بتلك الكرامة التي يشعر بها الإيتاء المزبور ~~(يقرءون كتابهم) الذي أوتوه على الوجه المبين تبجحا بما سطر فيه من الحسنات ~~المستتبعة لفنون الكرامات (ولا يظلمون) أي لا ينقصون من أجور أعمالهم ~~المرتسمة في كتبهم بل يؤتونها مضاعفة (فتيلا) أي قدر فتيل وهو القشرة التي ~~في شق النواة أو أدنى شيء فإن الفتيل مثل في القلة والحقارة (ومن كان) من ~~المدعوين المذكورين (في هذه) الدنيا التي فعل بهم فيها ما فعل من فنون ~~التكريم والتفضيل (أعمى) فاقد البصيرة لا يهتدي إلى رشده ولا يعرف ما ~~أوليناه من نعمة التكرمة والتفضيل فضلا عن شكرها والقيام بحقوقها ولا ~~يستعمل ما أودعناه فيه من العقول والقوى فيما خلقن له من العلوم والمعارف ~~الحقة (فهو في الآخرة) التي عبر عنها بيوم ندعو (أعمى) كذلك أي لا يهتدي ~~إلى ما ينجيه ولا يظفر بما يجديه لأن العمى الأول موجب للثاني وقد جوز كون ~~الثاني بمعنى التفضيل على أن عماه في الآخرة أشد من عماه في الدنيا ولذلك ~~قرأ أبو عمرو الأول مما لا والثاني مفخما (وأضل سبيلا) أي من الأعمى لزوال ~~الاستعداد الممكن وتعطل الآلات بالكلية وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابه ~~بشماله بدلالة حال ما سبق من الفريق المقابل له ولعل العدول عن ذكره بذلك ~~العنوان مع أنه الذي يستدعيه حسن المقابلة حسبما هو الواقع في سورة الحاقة ~~وسورة الانشقاق للإيذان بالعلة الموجبة له كما في قوله تعالى وأما إن كان ~~من المكذبين الضالين بعد قوله تعالى فأما إن كان من أصحاب اليمين وللرمز ~~إلى علة حال الفريق الأول وقد ذكر في أحد الجانبين المسبب وفي الآخرة السبب ~~ودل بالمذكور في كل منهما على المتروك في الآخر ms1984 تعويلا على شهادة العقل كما ~~في قوله عز وعلا وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله (وإن كادوا ليفتنونك) نزلت في ثقيف إذ قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا ~~نحشر ولا نجبي في صلاتنا كل ربا لنا فهو لنا كل ربا علينا فهو موضوع عنا ~~وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم PageV05P187 # وأدينا وج كما حرمت مكة فإذا قالت العرب لم فعلت فقل إن الله أمرني بذلك ~~وقيل في قريش حيث قالوا اجعل لنا آية عذاب آية رحمة وآية رحمة آية عذاب أو ~~قالوا لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بآلهتنا فإن مخففة من المشددة ~~وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف واللام هي الفارقة بينها وبين النافية أي ~~أن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (عن الذي أوحينا إليك) من ~~أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا (لتفتري علينا غيره) لتتقول علينا غير ~~الذي أوحينا إليك مما اقترحته ثقيف أو قريش حسبما نقل (وإذن لاتخذوك خليلا) ~~أي لو اتبعت أهواءهم لكنت لهم وليا ولخرجت من ولايتي (ولولا أن ثبتناك) على ~~ما أنت عليه من الحق بعصمتنا لك (لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) من الركون ~~الذي هو أدنى ميل أي لولا تثبيتنا لك لقاربت أن تميل إليهم شيئا يسيرا من ~~الميل اليسير لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك العصمة فنمنعك من أن ~~تقرب من أدنى مراتب الركون إليهم فضلا عن نفس الركون وهذا صريح في أنه صلى ~~الله عليه وسلم ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها ودليل على أن العصمة ~~بتوفيق الله تعالى وعنايته (إذن) لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركنة ~~(لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ضعف ما يعذب ~~به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير خطير وكان أصل الكلام ~~عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات بمعنى مضاعفا ms1985 ثم حذف الموصوف ~~وأقيمت الصفة مقامه ثم أضيفت إضافة موصوفها وقيل الضعف من أسماء العذاب ~~وقيل المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة وبضعف الممات عذاب القبر (ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا) يدفع عنك العذاب (وإن كادوا) الكلام فيه كما في الأول أي ~~كاد أهل مكة (ليستفزونك) أي ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم (من الأرض) أي الأرض ~~التي أنت فيها وهي أرض مكة (ليخرجوك منها وإذن لا يلبثون) بالرفع عطفا على ~~خبر كاد وقرئ لا يلبثوا بالنصب بأعمال إذن على أن الجملة معطوفة على جملة ~~وإن كادوا ليستفزونك (خلافك) أي بعدك قال * خلت الديار خلافهم فكأنما * بسط ~~الشواطب بينهن حصيرا * أي وله خرجت لا يبقون بعد خروجك وقرئ خلفك (إلا ~~قليلا) إلا زمانا قليلا وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله ~~عليه وسلم وقيل نزلت الآية في اليهود حيث حسدوا مقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة فقالوا الشام مقام الأنبياء عليهم السلام فإن كنت نبيا فالحق ~~بها حتى نؤمن بك فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم فخرج مرحلة فنزلت ~~فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلى بنوا النضير بقليل (سنة من قد أرسلنا ~~قبلك من رسلنا) نصب على PageV05P188 # المصدرية أي سن الله تعالى سنة وهي أن يهلك كل أمة أخرجت رسولهم من بين ~~أظهرهم فالسنة لله تعالى وإضافتها إلى الرسل لأنها سنت لأجلهم على ما ينطق ~~به قوله عز وجل (ولا تجد لسنتنا تحويلا) أي تغييرا (أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس) لزوالها كما ينبئ عنه قوله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه ~~السلام والدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر واشتقاقه من الدلك لأن من نظر ~~إليها حينئذ يدلك عينه وقيل لغروبها من دلكت الشمس أي غربت وقيل أصل الدلوك ~~الميل فينتظم كلا المعنيين واللام للتأقيت مثلها في قولك لثلاث خلون (إلى ~~غسق الليل) إلى اجتماع ظلمته وهو وقت صلاة العشاء وليس المراد إقامتها فيما ~~بين الوقتين على وجه الاستمرار بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي ms1986 عين لها ~~ببيان جبريل عليه السلام كما أن اعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه صلى ~~الله عليه وسلم ولعل الاكتفاء بيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلوات من ~~غير فصل بينها لما أن الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ~~ببعض بخلاف أول وقت العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم ينقطع ~~أحدهما عن الآخر ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات وقيل المراد بالصلاة ~~صلاة المغرب والتحديد المذكور بيان لمبدئه ومنتهاه واستدل به على امتداد ~~وقته إلى غروب الشفق وقوله تعالى (وقرآن الفجر) أي صلاة الفجر نصب عطفا على ~~مفعول أقم أو على الإغراء قاله الزجاج وإنما سميت قرآنا لأنه ركنها كما ~~تسمى ركوعا وسجودا واستدل به على الركنية ولكن لا دلالة له على ذلك لجواز ~~كون مدار الجوز كون القراءة مندوبة فيها نعم لو فسر بالقراءة في صلاة الفجر ~~لدل الأمر بإقامتها عن الوجوب فيها نصا وفيما عداها دلالة ويجوز أن يكون ~~وقرآن الفجر حثا على تطويل القراءة في صلاة الفجر (إن قرآن الفجر) أظهر في ~~مقام الإضمار إبانة لمزيد الاهتمام به (كان مشهودا) يشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار أو شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة والانتباه بالنوم ~~الذي هو أخو الموت أو يشهده كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم ~~الغفير فالآية على تفسير الدلوك بالزوال جامعة للصلوات الخمس وعلى تفسيره ~~بالغروب لما عدا الظهر والعصر (ومن الليل) قيل هو نصب على الإغراء أي ألزم ~~بعض الليل وقيل لا يكون المغرى به حرفا ولا يجدي نفعا كون معناها التبعيض ~~فإن واو مع ليست اسما بالاجتماع وإن كانت بمعنى الاسم الصريح بل هو منصوب ~~على الظرفية بمضمر أي قم بعض الليل (فتهجد به) أي أزل والق الهجر أي النوم ~~فإن صيغة التفعل تجيء للإزالة كالتحرج والتحنث والتأثم ونظائرها والضمير ~~المجرور للقرآن من حيث هو لا يقيد لا إضافته إلى الفجر أو للبعض المفهوم من ~~قوله تعالى ومن الليل أي تهجد في ذلك البعض على ms1987 أن الباء بمعنى في وقيل ~~منصوب يتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل على طريقة وإياي فارهبون (نافلة لك) ~~فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك دون الأمة ولعله هو الوجه ~~في تأخير ذكرها عن ذكر صلاة الفجر مع تقدم وقتها على وقتها أو تطوعا لكن لا ~~لكونها زيادة PageV05P189 # على الفرائض بل لكونها زيادة له صلى الله عليه وسلم في الدرجات على ما ~~قال مجاهد والسدي فإنه صلى الله عليه وسلم مغفور له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر فيكون تطوعه زيادة في درجاته بخلاف من عداه من الأمة فإن تطوعهم ~~لتكفير ذنوبهم وتدارك الخلل الواقع في فرائضهم وانتصابها إما على المصدرية ~~بتقدير تنفل أو بجعل تهجد بمعناه أو يجعل نافلة بمعنى تهجدا فإن ذلك عبادة ~~زائدة وإما على الحالية من الضمير الراجع إلى القرآن أي حال كونها صلاة ~~نافلة وإما على المفعولية لتهجد إذا جعل بمعنى صل وجعل الضمير المجرور ~~للبعض أي فصل في ذلك البعض نافلة لك (عسى أن يبعثك ربك) الذي يبلغك إلى ~~كمالك اللائق بك من بعد الموت الأكبر كما انبعثت من النوم الذي هو الموت ~~الأصغر بالصلاة والعبادة (مقاما) نصب على الظرفية على إضمار فيقيمك أو ~~تضمين البعث معنى الإقامة إذ لا بد من أن يكون العامل في مثل هذا الظرف ~~فعلا فيه معنى الاستقرار ويجوز أن يكون حالا بتقدير مضاف أي يبعثك ذا مقام ~~(محمودا) عندك وعند جميع الناس وفيه تهوين لمشقة قيام الليل وروى أبو هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المقام المحمود هو ~~المقام الذي أشفع فيه لأمتي وعن ابن عباس رضي الله عنهما مقاما يحمدك فيه ~~الأولون والآخرون تشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى وتشفع فتشفع ليس ~~أحد إلا تحت لوائك وعن حذيفة رضي الله عنه يجمع الناس في صعيد واحد فلا ~~تتكلم فيه نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ~~ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك ms1988 وبك وإليك لا ملجأ ولا منجا إلا ~~إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت (وقل رب أدخلني) أي القبر (مدخل صدق) ~~أي إدخال مرضيا (وأخرجني) أي منه عند البعث (مخرج صدق) أي إخراجا مرضيا ~~ملقى بالكرامة فهو تلقين الدعاء بما وعده من البعث المقرون بالإقامة ~~المعهودة التي لا كرامة فوقها وقيل المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة ~~وتغيير ترتيب الوجود لكون الإدخال هو المقصد وقيل إدخاله صلى الله عليه ~~وسلم مكة ظاهرا عليها وإخراجه منها آمنا من المشركين وقيل إدخاله الغار ~~وإخراجه منه سالما وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه ~~مؤديا حقه وقيل إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه وقرئ ~~مدخل ومخرج بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولا وأخرجوني فأخرج خروجا كقوله ~~* وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع * من المال إلا مسحت أو مجلف * أي لم تدع ~~فلم يبق (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) حجة تنصرني على من يخالفني أو ~~ملكا عزا ناصرا للإسلام مظهرا له على الكفر فأجيبت دعوته صلى الله عليه ~~وسلم بقوله عز وعلا والله يعصمك من الناس الا إن حزب الله هم الغالبون ~~ليظهره على الدين كله ليستخلفنهم في الأرض (وقل جاء الحق) أي الإسلام ~~والوحي الثابت الراسخ (وزهق الباطل) أي ذهب وهلك الشرك والكفر وتسويلات ~~الشيطان من زهق روحه إذا خرج (إن الباطل) كائنا ما كان (كان زهوقا) أي شأنه ~~أن يكون مضمحلا غير ثابت PageV05P190 # وهو عدة كريمة بإجابة الدعاء بالسلطان النصير الذي لقنه عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة ~~وستون صنما فجعل ينكت بمخصرة كانت بيده في عين واحد واحد ويقول جاء الحق ~~وزهق الباطل فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان ~~من صفر فقال يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره (وتنزل من القرآن) وقرئ ننزل ~~من الإنزال (ما هو شفاء) لما في الصدور من أدواء الريب ms1989 وأسقام الأوهام ~~(ورحمة للمؤمنين) به العالمين بما في تضاعيفه أي ما هو في تقويم دينهم ~~واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى من بيانية قدمت على المبين اعتناء ~~فإن كل القرآن كذلك وعن النبي صلى الله عليه وسلم من لم يستشف بالقرآن فلا ~~شفاه الله أو تبعيضية لكن لا بمعنى أن بعضه ليس كذلك بل بمعنى أنا ننزل منه ~~في كل نوبة ما تستدعي الحكمة نزوله حينئذ فيقع ذلك ممن نزل عليهم بسبب ~~موافقته لأحوالهم الداعية إلى نزوله موقع الدواء الشافي المصادف للا بأنه ~~من المرضى المحتاجين إليه بحسب الحال من غير تقديم ولا تأخير فكل بعض منه ~~متصف بالشفاء لكن لا في كل حين بل عند تنزيله وتحقيق التبعيض باعتبار ~~الشفاء الجسماني كما في الفاتحة وآيات الشفاء لا يساعده قوله سبحانه (ولا ~~يزيد الظالمين إلى خسارا) أي لا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الكافرين ~~المكذبين به الواضعين لأشياء في غير مواضعها مع كونه في نفسه شفاء من ~~الأسقام إلا خسارا أي هلاكا بكفرهم وتكذيبهم لا نقصانا كما قيل فإن ما بهم ~~من داء الكفر والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك لا بالنقصان المنبئ عن ~~حصول بعض مبادئ الأسقام فيهم وزيادتهم في مراتب الهلاك من حيث أنهم كلما ~~جددوا الكفر والتكذيب بالآيات النازلة تدريجيا ازدادوا بذلك هلاكا وفيه ~~إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء ~~الاهتداء والاسترشاد بمنزلة الأمراض وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة ~~الموت والهلاك وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن مع أنهم هم المزدادون في ~~ذلك بسوء صنيعهم واعتبار كونه سببا لذلك وفيه تعجيب من أمره حيث يكون مدارا ~~للشفاء والهلاك (وإذا أنعمنا على الإنسان) بالصحة والنعمة (أعرض) عن ذكرنا ~~فضلا عن القيام بموجب الشكر (ونأى) تباعد عن طاعتنا (بجانبه) النأي بالجانب ~~أن يلوي عن الشيء عطفه ويوليه عرض وجهه فهو تأكيد للإعراض أو عبارة عن ~~الاستكبار لأنه من ديدن المستكبرين (وذا مسه الشر) من فقر أو مرض أو نازلة ~~من النوازل وفي ms1990 إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة ~~إيذان بأن الخير مراد بالذات والشر ليس كذلك (كان يئوسا) شديد اليأس من ~~روحنا وهذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة ولا ينافيه ~~وقوله تعالى وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ونظائره فإن ذلك شأن بعض آخرين ~~منهم وقيل أريد به الوليد بن المغيرة وقرئ ناء إما على القلب كما يقال راء ~~في رأى وإما على أنه بمعنى نهض PageV05P191 # (قل كل) أي كل أحد منكم وممن هو على خلافكم (يعمل) عمله (على شاكلته) ~~طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال أو جوهر روحه وأحواله التابعة ~~لمزاج بدنه (قربكم) الذي برأكم على هذه الطبائع المتخالفة (أعلم بمن هو ~~أهدى سبيلا) أي أسد طريقا وأبين منهاجا وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة ~~والدين (ويسألونك عن الروح) الظاهر أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو ~~مدبر البدن الإنساني ومبدأ حياته روى أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب ~~الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها جميعا أو سكت فليس بنبي وإن ~~أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو ~~مبهم في التوراة (قل الروح) أظهر في مقام الإضمار إظهارا لكمال الاعتناء ~~بشأنه (من أمر ربي) كلمة من بيانية والأمر بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص ~~العلمي لا الايجادي لاشتراك الكل فيه وفيها من تشريف المضاف مالا يخفى كما ~~في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه أي هو من جنس ما استأثر الله ~~تعالى بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر (وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا) لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك روى أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب قال صلى الله عليه ~~وسلم بل نحن وأنتم فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا وساعة تقول هذا فنزلت ولو أن ما الأرض من شجرة أقلام ms1991 الآية ~~وإنما قالوا ذلك لركاكة عقولهم فإن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما ~~تسعه الطاقة البشرية بل ما نيط به المعاش والمعاد وذلك بالإضافة إلى مالا ~~نهاية له من معلوماته سبحانه قليل ينال به خير كثير في نفسه أو بالنسبة إلى ~~الإنسان أو هو من الإبداعيات الكائنة بمحض الأمر التكويني من غير تحصل من ~~مادة وتولد من أصل كأعضاء الجسد حتى يمكن تعريفه ببعض مباديه ومآله أنه من ~~عالم الأمر لا من عالم الخلق وليس هذا من قبيل قوله سبحانه إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين سواء كان ~~الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق وفيه تنبيه على أنه مما لا يحيط ~~بكنهه دائرة إدراك البشر وإنما الممكن هذا القدر الإجمالي المندرج تحت ما ~~استثنى بقوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أي إلا علما قليلا ~~تستفيدونه من طرق الحواس فإن تعقل المعارف النظرية إنما هو من إحساس ~~الجزيئات ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما ولعل أكثر الأشياء لا يدركه ~~الحس ولا شيء من أحواله التي يدور عليها معرفة ذاته وأما حمل ما ذكر على ~~السؤال عن قدمه وحدوثه وجعل الجواب إخبارا بحدوثه أي كائن بتكوينه حادث ~~بإحداثه بالأمر التكويني فمع عدم ملاءمته لحال السائلين لا يساعده التعرض ~~لبيان قلة علمهم فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمهم حينئذ وقد أخبر عنه ~~وقيل المراد بالروح خلق عظيم روحاني أعظم من الملك وقيل جبريل عليه السلام ~~وقيل القرآن ومعنى من أمر ربي من وحيه وكلامه لا من كلام البشر PageV05P192 # (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) من القرآن الذي هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ومنبع للعلوم التي أوتيتموها وثبتناك عليه حين كادوا يفتنونك عنه ~~ولولاه لكدت تركن إليهم شيئا قليلا وإنما عبر عنه بالموصول تفخيما لشأنه ~~ووصفا له بما في حيز الصلة ابتداء وإعلاما بحاله من أول الأمر وبأنه ليس من ~~قبيل كلام المخلوق واللام موطئة للقسم ms1992 ولنذهبن جوابه النائب مناب جزاء ~~الشرط وبذلك حسن حذف مفعول المشيئة والمراد من الذهاب به المحو من المصاحف ~~والصدور وهو أبلغ من الإذهاب عن ابن مسعود رضي الله عنه أن أول ما تفقدون ~~من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة وليصلين قوم ولا دين لهم وأن هذا ~~القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء فقال رجل كيف ذلك وقد أثبتناه في ~~قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم فقال ~~يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب (ثم ~~لا تجد لك به) أي القران (علينا وكيلا) من يتوكل علينا استرداده مسطورا ~~محفوظا (الا رحمة من ربك) فإنها ان نالتك لعلها تسترده عليك ويجوز أن يكون ~~الاستثناء منقطعا بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به فيكون امتنانا ~~بابقائه بعد المنة بتنزيله وترغيبا في المحافظة على أداء حقوقه وتحذيرا من ~~أن لا يقدر قدره الجليل ويفرط في القيام بشكره وهو أجل النعم وأعظمها (ان ~~فضله كان عليك كبيرا) كإرسالك وانزال الكتاب عليك وابقائه في حفظك وغير ذلك ~~(قل) للذين لا يعرفون جلالة قدر التنزيل ولا يفهمون فخامة شأنه الجليل بل ~~يزعمون أنه من كلام البشر (لئن اجتمعت الانس والجن) أي اتفقوا (على أن يأتو ~~بمثل هذا القران) المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في ~~البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى وتخصيص الثقلين بالذكر لأن المنكر لكونه ~~من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما لا لأن غيرهما قادر على المعارضة (لا ~~يأتون بمثله) أوثر الإظهار على ايراد الضمير الراجع إلى المثل المذكور ~~احترازا عن أن يتوهم أن له مثلا معينا وايذانا بأن المراد نفي الاتيان بمثل ~~ما أي لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة وفيهم العرب ~~العاربة أرباب البراعة والبيان وهو جواب للقسم الذي ينبئ عنه اللام الموطئة ~~وساد مسد جزاء الشرط ولولاها لكان جوابا له بغير جزم لكون الشرط ماضيا كما ~~في قول زهير * وان أتاه خليل ms1993 يوم مسألة * يقول لا غائب مالي ولا حرم * وحيث ~~كان المراد بالاجتماع على الاتيان بمثل القران مطلق الاتفاق عل ذلك سواء ~~كان التصدي للمعارضة من كل واحد منهم على الانفراد أو من المجموع بأن ~~يتألبوا على تلفيق كلام واحد بتلاحق الأفكار وتعاضد الأنظار قيل ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا PageV05P193 # أي في تحقيق ما يتوخونه من الاتيان بمثله وهو عطف على مقدر أي لا يأتون ~~بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ولو كان الخ وقد حذف المعطوف عليه حذفا ~~مطردا لدلالة المعطوف عليه دلالة واضحة فإن الاتيان بمثله حيث انتفى عند ~~التظاهر فلأن ينتفي عند عدمه أولى وعلى هذه النكتة يدور ما في إن ولو ~~الوصليتين من التأكيد كما مر غير مرة ومحله النصب على الحالية حسبما عطف ~~عليه أي لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ولو في هذه الحال المنافية لعدم ~~الاتيان به فضلا عن غيرها وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في روم تبديل بعض ~~آياته ببعض ولا مساغ لكون الآية تقريرا لما قبلها من قوله تعالى ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا كما قيل لكن لا لما قيل من أن الإتيان بمثله أصعب من ~~استرداد عينه ونفي الشيء إنما يقرره نفي ما دونه لا نفي ما فوقه فإن أصعبية ~~الاسترداد بغير أمره تعالى من الاتيان بمثله مما لا شبهة فيه بل لأن الجملة ~~القسمية ليست مسوقة إلي النبي صلى الله عليه وسلم بل إلي المكابرين من قبله ~~صلى الله عليه وسلم (واقد صر فنا) كررنا ورددنا علي انحاء مختلفه توجب ~~زيادة تقرير وبيان ووكادة رسوخ واطمئنان (للناس في هذا القرآن) المنعوت بما ~~ذكر من النعوت الفاضلة (من كل مثل) من كل معنى بديع هو في الحسن والغرابة ~~واستجلاب النفس كالمثل ليتلقوه بالقبول (فأبى أكثر الناس (أوثر الإظهار على ~~الإضمار تأكيدا وتوضيحا (إلا كفورا) أي إلا جحودا وإنما صح الاستثناء من ~~الموجب مع أنه لا يصح ضربت إلا زيدا لأنه متأول بالنفي كأنه قيل ما قبل ~~أكثرهم إلا ms1994 كفورا وفيه من المبالغة ما ليس في أبو الإيمان لأن فيه دلالة ~~على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور من الإيمان والتوقف في الأمر ونحو ذلك ~~وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء (وقالوا) عند ظهور عجزهم ~~ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي وغيره من المعجزات الباهرة متعللين بما ~~لا يمكن في العادة وجوده ولا تقتضي الحكمة وقوعه من الأمور كما هو ديدن ~~المبهوت المحجوج (لن نؤمن لك حتى تفجر) وقرئ بالتشديد (لنا من الأرض) أرض ~~مكة (ينبوعا) عينا لا ينضب ماؤها بفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء ~~إذا زخر (أو تكون لك جنة) أي بستان تستر أشجاره ما تحتها من العرصة (من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار) أي تجريها بقوة (خلالها تفجيرا) كثرا والمراد إما ~~إجراء الأنهار خلالها عند سقيها أو إدامة إجرائها كما ينبئ عنه الفاء لا ~~ابتداؤه (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا) جمع كسفة كقطعة وقطع لفظا ~~ومعنى وقرئ بالسكون كسدرة وسدر وهي حال من السماء والكاف في كما في محل ~~النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي أسقاطا مماثلا لما زعمت PageV05P194 # يعنون بذلك قوله تعالى أو تسقط عليهم كسفا من السماء (أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا) أي مقابلا كالعشير والمعاشر أو كفيلا يشهد بصحة ما تدعيه ~~وهو حال من الجلالة وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها أي والملائكة ~~قبلاء كما حذف الخبر في قوله فإني وقيار بها الغريب أو جماعة فيكون حالا من ~~الملائكة (أو يكون لك بيت من زخرف) من ذهب وقد قرئ به وأصله الزينة (أو ~~ترقى في السماء) أي في معارجها فحذف المضاف يقال رقى في السلم وفي الدرجة ~~(ولن نؤمن لرقيك) أي لأجل رقيك فيها وحده أو لن نصدق رقيك فيها (حتى تتنزل) ~~منها (علينا كتابا) فيه تصديقك (نقرؤه) نحن من غير أن يتلقى من قبلك عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال عبد الله بن أبي أمية لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى ~~السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا ms1995 أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصك منشور معه ~~أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول وما كانوا يقصدون بهاتيك الاقتراحات ~~الباطلة إلا العناد واللجاج ولو أنهم أوتو أضعاف ما اقترحوا من الآيات ما ~~زادهم ذلك إلا مكابرة وإلا فقد كما يكفيهم بعض ما شاهدوا من المعجزات التي ~~تخر لها صم الجبال (قل) تعجبا من شدة شكيمتهم وتنزيها لساحة السبحات عما لا ~~يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة التي تكاد السماوات يتفطرن ~~منها أو عن طلبك ذلك وتنبيها على بطلان ما قالوه (سبحان ربي) وقرئ قال ~~سبحان ربي (هل كنت إلا بشرا) لا ملكا حتى يتصور مني الرقى في السماء ونحوه ~~(رسولا) مأمورا من قبل ربي بتبليغ الرسالة من غير أن يكون لي خيرة في الأمر ~~كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم حسبما ~~يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله ~~سبحانه بشيء منها وقوله بشرا خبر لكنت ورسولا صفته (وما منع الناس) أي ~~الذين حكيت أباطيلهم (أن يؤمنوا) مفعول ثان لمنع وقوله (إذا جاءهم الهدى) ~~أي الوحي ظرف لمنع أو يؤمنوا أي وما منعهم وقت مجئ الوحي المقرون بالمعجزات ~~المستدعية للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك أو ما منعهم أن يؤمنوا بذلك ~~وقت مجئ ما ذكر (إلا أن قالوا) في محل الرفع على أنه فاعل منع أي إلا قولهم ~~(أبعث الله بشرا رسولا) منكرين أن يكون رسول الله تعالى من جنس البشر وليس ~~المراد أن هذا القول صدر عن بعضهم فمنع بعضا آخر منهم بل المانع هو ~~الاعتقاد الشامل للكل المستتبع لهذا القول منهم وإنما عبر عنه بالقول ~~إيذانا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق ~~وحصر المانع من الإيمان فيما ذكر مع أن لهم موانع شتى لما أنه معظمها أو ~~لأنه هو المانع بحسب الحال أعنى عند سماع الجواب بقوله تعالى هل كنت إلا ~~بشرا رسولا إذ هو الذي يتشبثون به ms1996 حينئذ من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى ~~من شبههم الواهية وفيه إيذان بكمال عنادهم حيث يشير إلى أن الجواب المذكور ~~مع كونه حاسما لمواد PageV05P195 # شبههم ملجئا إلى الإيمان يعكسون الأمر ويجعلونه مانعا منه (قل) لهم أولا ~~من قبلها تبيينا للحكمة وتحقيقا للحق المزيح للريب (لو كان) أي ولو وجد ~~واستقر (في الأرض) بدل البشر (ملائكة يمشون مطمئنين) قارين فيها من غير أن ~~يعرجوا في السماء ويعلموا ما يجب أن يعلم (لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا) يهديهم إلى الحق ويرشدهم إلى الخير لتمكنهم من الاجتماع والتلقي منه ~~وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية فكيف لا وهي منوطة ~~بالتناسب والتجانس فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها مبنى التكوين ~~والتشريع وإنما يبعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية ~~المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ~~ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب وقوله تعالى ملكا يحتمل أن يكون حالا من ~~رسولا وأن يكون موصوفا به وكذلك بشرا في قوله تعالى أبعث الله بشرا رسولا ~~والأول أولى (قل) لهم ثانيا من جهتك بعد ما قلت لهم من قبلنا ما قلت وبينت ~~لهم ما تقتضيه الحكمة في البعثة ولم يرفعوا إليه رأسا 0 كفى بالله) وحده ~~(شهيدا) على أني أديت ما علي من مواجب الرسالة أكمل أداء وأنكم فعلتم ما ~~فعلتم من التكذيب والعناد وتوجيه الشهادة إلى كونه صلى الله عليه وسلم ~~رسولا بإظهار المعجزة على وفق دعواه كما اختير لا يساعده قوله تعالى (بين ~~وبينكم) وما بعده من التعليل وإنما لم يقل بيننا تحقيقا للمفارقة وإبانة ~~للمباينة وشهيدا إما حال أو تمييز (إنه كان بعباده) من الرسل والمرسل إليهم ~~(خبيرا بصيرا) محيطا بظواهر أحوالهم وبواطنها فيجازيهم على ذلك وهو تعليل ~~الكفاية وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار (ومن يهد ~~الله) كلام مبتدأ يفصل ما أشار إليه الكلام السابق من مجازاة العباد إشارة ~~إجمالية أي من يهده الله إلى الحق بما جاء من ms1997 قبله من الهدى (فهو المهتد) ~~إليه وإلى ما يؤدي إليه من الثواب أو المهتد إلى كل مطلوب (ومن يضلل) أي ~~يخلق فيه الضلال بسوء اختياره كهؤلاء المعاندين (فلن تجد لهم) أوثر ضمير ~~الجماعة اعتبارا لمعنى من غب ما أوثر في مقابله الإفراد نظرا إلى لفظها ~~تلويحا بوحدة طريق الحق وقلة سالكيه وتعدد سبل الضلال وكثرة الضلال (أولياء ~~من دونه) من دون الله تعالى أي أنصارا يهدونهم إلى طريق الحق أو إلى طريق ~~يوصلهم إلى مطالبهم الدنيوية والآخروية أو إلى طريق النجاة من العذاب الذي ~~يستدعيه ضلالهم على معنى أن تجد لأحد منهم وليا على ما تقتضيه قضية مقابلة ~~بالجمع من انقسام الآحاد إلى الآحاد (ونحشرهم) التفات من الغيبة إلى التكلم ~~إيذانا بكمال الاعتناء بأمر الحشر (يوم القيامة على وجوههم) حال من الضمير ~~المنصوب أي PageV05P196 # كائنين عليها سحبا كقوله تعالى يوم يسحبون في النار على وجوههم أو مشيا ~~فقد روى أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم قال ~~إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم (عميا) حال من ~~الضمير المجرور في الحال السابقة (وبكما وصما) لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا ~~ينطقون ما يقبل منهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم لما قد كانوا في الدنيا لا ~~يستبصرون بالآيات والعبر ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه ويجوز أن يحشروا ~~بعد الحساب من الموقف إلى النار موفي القوى والحواس وأن يحشروا كذلك ثم ~~يعاد إليهم قواهم وحواسهم فإن إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما ~~لا ريب فيه (مأواهم جهنم) إما حال أو استئناف وكذا قوله تعالى «كلما خبت ~~زدناهم سعيرا» أي كلما سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ولم يبق فيهم ما ~~تتعلق به النار وتحرقه زدناهم توقدا بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ~~ومستعرة ولعل ذلك عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الفناء بتكريرها مرة ~~بعد أخرى ليروها عينا حيث لم يعلموها برهانا كما يفصح عنه قوله تعالى (ذلك) ~~أي ذلك العذاب (جزاؤهم ms1998 بأنهم) أي بسبب أنهم «كفروا بآياتنا» العقلية ~~والنقلية الدالة على صحة الإعادة دلالة واضحة فذلك مبتدأ وجزاؤهم خبره ~~ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وبأنهم خبره والجملة خبرا لذلك وأن يكون جزاؤهم ~~بدلا من ذلك أو بيانا له والخبر هو الظرف (وقالوا) منكرين أشد الانكار ~~«أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا» إما مصدر مؤكد من غير ~~لفظه أي لمبعوثون بعثا جديدا وإما حال أي مخلوقين مستأنفين (أو لم يروا) أي ~~ألم يتفكروا ولم يعلموا «أن الله خلق السماوات والأرض» من غير مادة مع ~~عظمهما «قادر على أن يخلق مثلهم» في الصغر على أن المثل مقحم والمراد ~~بالخلق الإعادة كما عبر عنها بذلك حيث قيل خلقا جديدا «وجعل لهم أجلا لا ~~ريب فيه») عطف على أولم يروا فإنه في قوة قدر أو واو المعنى قد علموا أن من ~~قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس وجعل لهم ~~ولبعثهم أجلا محققا لا ريب فيه هو يوم القيامة «فأبى الظالمون» وضع موضع ~~الضمير تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد بالمرة «إلا كفورا» أي جحودا «قل ~~لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي» خزائن رزقه التي أفاضها على كافة الموجودات ~~وأنتم مرتفع بفعل يفسره المذكور كقول حاتم لو ذات سوار لطمتني وفائدة ذلك ~~المبالغة والدلالة على الاختصاص (إذن لأمسكتم) لبخليم (خشية الانفاق) ~~مخالفة النفاد PageV05P197 # بالإنفاق إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه ولو آثر غيره ~~بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فإذن هو بخيل بالإضافة إلى جود الله سبحانه ~~«وكان الإنسان قتورا» مبالغا في البخل لأن مبنى أمره على الحاجة والضنة بما ~~يحتاج إليه وملاحظة العوض بما يبذله «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات» ~~واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهي العصا واليد ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص الثمرات وقيل انفجار ~~الماء من الحجر ونتق الطور على بنى إسرائيل وانفلاق البحر بدل الثلاث ~~الأخيرة ويأباه أن هذه الثلاث لم تكن منزلة ms1999 إذ ذاك وأن الأولين لا تعلق ~~لهما بفرعون وإنما أوتيهما بنو إسرائيل عن صفوان بن عسال أن يهوديا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال أن لا تشركوا به شيئا ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا ~~الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من ~~الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبل اليهودي يده ورجله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يساعده أيضا ما ذكر ولعل جوابه صلى الله عليه وسلم بذلك ~~لما أنه المهم للسائل وقبوله لما أنه كان في التوراة مسطورا وقد علم أنه ما ~~علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي «فاسأل بني إسرائيل» ~~وقرئ فسل اي فقلنا له سلهم من فرعون وقل له ارسل معي بني إسرائيل أو سلهم ~~عن ايمانهم أو عن حال دينهم أو سلهم أن يعاضدوك ويؤيده قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على صيغة الماضي وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ~~فاسألهم عن تلك الآيات لتزداد يقينا وطمأنينة أو ليظهر صدقك «إذ جاءهم» ~~متعلق بقلنا وبسأل على القراءة المذكورة وبآياتنا أو بمضمر هو يخبروك أو ~~اذكر على تقدير كون الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم (فقال له فرعون) ~~الفاء فصيحة أي فأظهر عند فرعون ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل ~~به فقال له فرعون «إني لأظنك يا موسى مسحورا» سحرت فتخبط عقلك «قال لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء» يعني الآيات التي أظهرها «إلا رب السماوات والأرض») ~~خالقهما ومدبرهما والتعرض لربوبيته تعالى لهما للايذان بأنه لا يقدر على ~~إيتاء مثل هاتيك الآيات العظام الا خالقهما ومدبرهما «بصائر» حال من الآيات ~~أي بينات مكشوفات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وتكابر نحو وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ومن ضرورة ذلك العلم العلم بأنه صلى الله عليه وسلم على كمال رصانة ~~العقل فضلا عن توهم المسحورية وقرئ علمت على صيغة التكلم ms2000 أي لقد علمت بيقين ~~أن هذه الآيات الباهرة أنزلها الله عز سلطانه فكيف يتوهم أن يحوم حولي سحر ~~«وإني لأظنك يا فرعون مثبورا») مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم ~~ما ثبرك عن هذا أي ما صرفك أو هالكا ولقد قارع صلى الله عليه وسلم ظنه بظنه ~~وشتان بينهما كيف لا وظن فرعون PageV05P198 # إنك مبين وظنه صلى الله عليه وسلم يتاخم اليقين (فأراد) أي فرعون (أن ~~يستفزهم) أي يستخفهم ويزعجهم «من الأرض» أرض مصر أو من الأرض مطلقا بالقتل ~~كقوله سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم «فأغرقناه ومن معه جميعا» فعكسنا عليه ~~مكره واستفززناه وقومه بالإغراق «وقلنا من بعده» من بعد إغراقهم «لبني ~~إسرائيل اسكنوا الأرض» التي أراد أن يستفزكم منها «فإذا جاء وعد الآخرة» ~~الكرة الآخرة أو الحياة أو الساعة والدار الآخرة أي قيام القيامة «جئنا بكم ~~لفيفا» مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم ~~اللفيف الجماعات من قبائل شتى «وبالحق أنزلناه وبالحق نزل») أي وما أنزلنا ~~القرآن إلا ملتبسا بالحق المقتضى لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بالحق الذي ~~اشتمل عليه أو ما أنزلناه من السماء الا محفوظا وما نزل على الرسول الا ~~محفوظا من تخليط الشياطين ولعل المراد بيان عدم اعتراء البطلان له أول ~~الأمر وآخره «وما أرسلناك إلا مبشرا» للمطيع بالثواب «ونذيرا» للعاصي من ~~العقاب وهو تحقيق لحقية بعثته صلى الله عليه وسلم إثر تحقيق حقية إنزال ~~القرآن «وقرآنا» منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى «فرقناه» وقرئ بالتشديد ~~دلالة على كثرة نجومه «لتقرأه على الناس على مكث» على مهل وتثبت فإنه أيسر ~~للحفظ وأعون على الفهم وقرئ بالفتح وهو لغة فيه «ونزلناه تنزيلا» حسبما ~~تقتضيه الحكمة والمصلحة ويقع من الحوادث والواقعات «قل» للذين كفروا «آمنوا ~~به أو لا تؤمنوا» فإن ايمانكم به لا يزيده كمالا وامتناعكم لا يورثه نقصا ~~«إن الذين أوتوا العلم من قبله» أي العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من ~~قبل تنزيله وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة وتمكنوا من التمييز بين الحق ~~والباطل والمحق ms2001 والمبطل ورأوا فيها نعتك ونعت ما انزل إليك (إذا يتلى) أي ~~القرآن «عليهم يخرون للأذقان» أي يسقطون على وجوههم «سجدا» تعظيما لأمر ~~الله تعالى أو شكرا لانجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك وتخصيص الأذقان ~~بالذكر للدلالة على كمال التذلل إذ حينئذ يتحقق الخرور عليها وإيثار اللام ~~للدلالة على اختصاص الخرور بها كما في قوله [فخر صريعا لليدين وللفم وهو ~~تعليل لما يفهم من قوله تعالى آمنوا به أو لا تؤمنوا من عدم المبالاة بذلك ~~أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم ويجوز أن يكون ~~تعليلا لقل على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل تسل ~~بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم PageV05P199 # «ويقولون» في سجودهم «سبحان ربنا» عما يفعل الكفرة من التكذيب أو عن خلف ~~وعده «إن كان وعد ربنا لمفعولا» إن مخففة من المثقلة واللام فارقة أي إن ~~الشأن هذا «ويخرون للأذقان يبكون» كرر الخرور للأذقان لاختلاف السبب فإن ~~الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم ~~من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله «ويزيدهم» أي القرآن بسماعهم ~~«خشوعا» كما يزيدهم علما ويقينا بالله تعالى «قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن») نزل حين سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا الله ~~يا رحمن فقالوا أنه ينهانا عن عبادة إلهين وهو يدعو إلها آخر وقالت اليهود ~~إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله تعالى في التوراة والمراد على الأول هو ~~التسوية بين اللفظين بأنهما عبارتان عن ذات واحدة وإن اختلف الاعتبار ~~والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود وعلى الثاني أنهما سيان في حسن ~~الاطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أوفق لقوله تعالى (أياما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى) والدعاء بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما ~~استغناء عنه وأو للتخيير والتنوين في أيا عوض عن المضاف إليه وما مزيدة ~~لتأكيد ما في أي من الإبهام ms2002 والضمير في له للمسمى لأن التسمية له لا للإسم ~~وكان أصل الكلام أياما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى ~~للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه إذ حسن جميع أسمائه يستدعى حسن ~~ذينك الاسمين وكونها حسنى لدلالتها على صفات الكمال من الجلالة والجمال ~~والإكرام (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءة صلاتك بحيث تسمع المشركين فإن ذلك ~~يحملهم على السب واللغو فيها «ولا تخافت بها» أي بقراءتها بحيث لا تسمع من ~~خلفك من المؤمنين «وابتغ بين ذلك» اي بين الجهر والمخافتة على الوجه ~~المذكور «سبيلا» أمرا وسطا قصدا فإن خير الأمور أوساطها والتعبير عن ذلك ~~بالسبيل باعتبار أنه أمر يتوجه إليه المتوجهون ويؤمه المقتدون ويوصلهم إلى ~~المطلوب وروى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يخفت ويقول أناجي ربي وقد ~~علم حاجتي وعمر رضي الله عنه كان يجهر بها ويقول أطرد الشيطان وأوقظ ~~الوسنان فلما نزلت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر أن يرفع قليلا ~~وعمر أن يخفض قليلا وقيل المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها بأسرها ~~وابتغ بين ذلك سبيلا بالمخافتة نهارا والجهر ليلا وقيل بصلاتك بدعائك وذهب ~~قوم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية PageV05P200 # «وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا» كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مليح ~~حيث قالوا عزيز ابن الله والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا «ولم يكن له شريك في الملك» أي الألوهية كما يقوله الثنوية ~~القائلون بتعدد الآلية «ولم يكن له ولي من الذل» ناصر ومانع منه لاعتزازه ~~به أو لم يوال أحدا من أجل مذلة ليدفعها به وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه ~~الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته دون غيره إذ بذلك يتم ~~الكمال والقدرة التامة على الإيجاد وما يتفرع عليه من إضافة أنواع النعم ~~وما عداه ناقص مملوك نعمته أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله تعالى (وكبره ~~تكبيرا) وفيه تنبيه على أن العبد ms2003 وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في ~~الطاعة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور في ذلك روى أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أفصح الغلام من بنى عبد المطلب علمه هذه الآية لكريمة وعنه صلى ~~الله عليه وسلم من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له ~~قنطار في الجنة والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية والحمد لله سبحانه وله ~~الكبرياء والعظمة والجبروت PageV05P201 # (سورة الكهف مكية إلا الآيات 28 ومن آية 83 إلى آية 101 فمدنية وآياتها ~~110) بسم الله الرحمن الرحيم «الحمد لله الذي أنزل على عبده» محمد صلى الله ~~عليه وسلم «الكتاب» أي الكتاب الكامل الغنى عن الوصف بالكمال المعروف بذلك ~~من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به وهو عبارة عن جميع القرآن أو عن ~~جميع المنزل حينئذ كما مر مرارا وفي وصفه تعالى بالموصول إشعار بعلية ما في ~~حيز الصلة لاستحقاق الحمد وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل كيف لا وعليه ~~يدور فلك سعادة الدارين وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد ~~مضافا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى أعلى معارج ~~العبادة وتشريف له أي تشريف وإشعار بأن شان الرسول أن يكون عبدا للمرسل لا ~~كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام وتأخير المفعول الصريح عن الجار ~~والمجرور مع أن حقه التقديم عليه ليتصل به قوله تعالى «ولم يجعل له عوجا» ~~أي شيئا من العوج بنوع اختلال في النظم وتناف في المعنى أو انحرف عن الدعوة ~~إلى الحق وهو في المعاني كالعوج في الأعيان وأما قوله تعالى لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا مع كون الجبال من الأعيان فللدلالة على انتفاء مالا يدرك من ~~العوج بحاسة البصر بل إنما يوقف عليه بالبصيرة بواسطة استعمال المقاييس ~~الهندسية ولما كان ذلك مما لا يشعر به بالمشاعر الظاهرة عد من قبيل ما في ~~المعاني وقيل الفتح في اعوجاج المنتصب كالعود والحائط والكسر في اعوجاج ~~غيره عينا كان أو معنى «قيما» بالمصالح ms2004 الدينية والدنيوية للعباد على ما ~~ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه ~~بالكمال أو على ما قبله من الكتب السماوية شاهدا بصحتها ومهيمنا عليها أو ~~متناهيا في الاستقامة فيكون تأكيدا لما دل عليه نفي العوج مع إفادة كون ذلك ~~من صفاته الذاتية اللازمة له حسبما تنبئ عنه الصيغة لا أنه نفى عنه العوج ~~مع كونه من شأنه وانتصابه على تقدير كون الجملة المتقدمة معطوفة على الصلة ~~بمضمر ينبئ عنه نفي العوج تقديره جعله قيما وأما على تقدير كونها حالية فهو ~~على الحالية من الكتاب إذ لا فصل حينئذ بني أبعاض المعطوف عليه بالمعطوف ~~وقرئ قيما «لينذر» متعلق بأنزل والفاعل ضمير الجلالة كما في الفعلين ~~المعطوفين عليه والإطلاق عن ذكر المفعول الأول للايذان بأن ما سيق له ~~الكلام هو PageV05P202 # المفعول الثاني وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره أي أنزل الكتاب لينذر ~~بما فيه الذين كفروا له «بأسا» أي عذابا «شديدا من لدنه» أي صادرا من عنده ~~نازلا من قبله بمقابلة كفرهم وتكذيبهم وقرئ من لدنه بسكون الدال مع إشمام ~~الضمة وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع «ويبشر» بالشديد ~~وقرئ بالتخفيف «المؤمنين» أي المصدقين به «الذين يعملون الصالحات» الأعمال ~~الصالحة التي بينت في تضاعيفه وإيثار صيغة الاستقبال في الصلة للاشعار ~~بتجدد الأعمال الصالحة وإستمرارها وإجراء الموصول على موصوفه المذكور لما ~~أن مدار قبول الأعمال هو الإيمان «أن لهم» أي بأن لهم بمقابلة إيمانهم ~~وأعمالهم المذكورة «أجرا حسنا» هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى ~~«ماكثين» حال من الضمير المجرور في لهم «فيه» اي في ذلك الأجر «أبدا» من ~~غير انتهاء أي خالدين فيه وهو نصب على الظرفية لماكثين وتقديم الإنذار على ~~التبشير لاظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه مع مراعاة تقديم ~~التخلية على التحلية وتكرير الإنذار بقوله تعالى «وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا» متعلقا بفرقة خاصة ممن عمه الإنذار السابق من مستحقي البأس ~~الشديد لإيذان بكمال فظاعة حالهم لغاية شناعة كفرهم ms2005 وضلالهم أي وينذر من ~~بين سائر الكفرة هؤلاء المتفوهين بمثل هاتيك العظيمة خاصة وهم كفار العرب ~~الذين يقولون الملائكة بنات الله تعالى واليهود القائلون عزيز ابن الله ~~والنصارى القائلون المسيح ابن الله وترك إجراء الموصول على الموصوف كما فعل ~~في قوله تعالى ويبشر المؤمنين للايذان بكفاية ما في حيز الصلة في الكفر على ~~أقبح الوجوه وإيثار صيغة الماضي في الصلة للدلالة على تحقق صدور تلك الكلمة ~~القبيحة عنهم فيما سيق وجعل المفعول المحذوف فيما سلف عبارة عن هذه الطائفة ~~يؤدي إلى خروج سائر أصناف الكفرة عن الإنذار والوعيد وتعميم الإنذار هناك ~~للمؤمنين أيضا بحمله على معنى مجرد الاخبار بالخبر الضار من غير اعتبار ~~حلول المنذر به على المنذر كما في قوله تعالى أن أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا يفضى إلى خلو النظم الكريم عن الدلالة على حلول البأس الشديد على من ~~عدا هذه الفرقة ويجوز أن يكون الفاعل في الأفعال الثلاثة ضمير الكتاب أو ~~ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم «ما لهم به» أي باتخاذه سبحانه وتعالى ولدا ~~«من علم» مرفوع على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرف ومن مزيده لتأكيد ~~النفي والجملة حالية أو مستأنفة لبيان حالهم في مقالهم أي مالهم بذلك شيء ~~من علم أصلا لا لإخلالهم بطريقة مع تحقق المعلوم أو إمكانه بل لاستحالته في ~~نفسه «ولا لآبائهم» الذين قلدوهم فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة أو ~~ما لهم علم بما قالوه أهو صواب أم خطأ بل إنما قالوه رميا عن عمى وجهالة من ~~غير فكر وروية كما في قوله تعالى وخرقوا له بنين وبنات بغير علم أو بحقيقة ~~ما قالوه وبعظم رتبته في الشناعة كما في قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات PageV05P203 # يتفطرن من الآيات وهو الأنسب بقوله تعالى «كبرت كلمة» أي عظمت مقالتهم ~~هذه في الكفر والافتراء لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق ~~بجناب كبريائه والفاعل في كبرت إما ضمير المقالة المدلول عليها بقالوا ~~وكلمة نصب ms2006 على التمييز أو ضمير مبهم مفسر بما بعده من النكرة المنصوبة ~~تمييزا كبئس رجلا والمخصوص بالذم محذوف تقديره كبرت هي كلمة خارجه من ~~أفواههم وقرئ كبرت بإسكان الباء مع إشمام الضم وقرئ كلمة بالرفع (تخرج من ~~أفواههم) صفة للكلمة مفيدة لاستعظام أجترائهم على التفوه بها وإسناد الخروج ~~إليها مع أن الخارج هو الهواء المتكيف بكيفية الصوت لملابسته بها «إن ~~يقولون» ما يقولون في ذلك لا الشأن «إلا كذبا» أي إلا قولا كذبا لا يكاد ~~يدخل تحت إمكان الصدق أصلا والضميران لهم لآبائهم مثل حاله صلى الله عليه ~~وسل 4 م في شدة الوجد على إعراض القوم وتوليهم عن الإيمان بالقرآن وكمال ~~التحسر عليهم بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه عند مفارقة ~~أحبته تأسفا على مفارقتهم وتلهفا عليهم على مهاجرتهم فقيل على طريقة ~~التمثيل حملا له صلى الله عليه وسلم على الحذر والإشفاق من ذلك «فلعلك ~~باخع» أي مهلك «نفسك على آثارهم» غما ووجدا على فراقهم وقرئ بالإضافة «إن ~~لم يؤمنوا بهذا الحديث» أي القرآن الذي عبر عنه في صدر السورة بالكتاب ~~وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه وقرئ بأن المفتوحة أي لأن لم ~~يؤمنوا فإعمال باخع يحمله على حكاية حال ماضيه لاستحضار الصورة كما في قوله ~~عز وجل باسط ذراعيه «أسفا» مفعول له لباخع أي لفرط الحزن والغضب أو حال مما ~~فيه من الضمير أي متأسفا عليهم ويجوز حمل النظم الكريم على الاستعارة ~~التبعية بجعل التشبيه بين أجزاء الطرفين لا بين الهيئتين المنتزعتين منهما ~~كما في التمثيل وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى ختم الله على قلوبهم ~~«إنا جعلنا ما على الأرض» استئناف وتعليل لما في لعل من معنى الإشفاق أي ~~إنا جعلنا ما عليها ممن عدا من وجه إليه التكليف من الزخارف حيوانا كان أو ~~نباتا أو معدنا كقوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا «زينة» ~~مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير أو حال إن حمل على ms2007 معنى الإبداع ~~واللام في «لها» إما متعلقة بزينة أو بمحذوف هو صفة لها أي كائنة لها أي ~~ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظرا واستدلالا فإن الحيات ~~والعقارب من حيث تذكيرهما لعذاب الآخرة من قبيل المنافع بل كل حادث داخل ~~تحت الزينة من حيث دلالته على وجود الصانع ووحدته فإن الأزواج والأولاد ~~أيضا من زينة الحياة الدنيا بل أعظمها ولا يمنع ذلك كونهم من جملة المكلفين ~~فإنهم من جهة انتسابهم إلى أصحابهم داخلون تحت الزينة ومن جهة كونهم مكلفين ~~داخلون تحت الابتلاء «لنبلوهم» متعلق بجعلنا أي جعلنا ما جعلنا لنعاملهم ~~معاملة من يختبرهم «أيهم أحسن عملا» فنجازيهم بالثواب والعقاب حسبما تبين ~~المحسن من المسئ وامتازت طبقات أفراد كل من الفريقين حسب امتياز مراتب ~~علوهم المرتبة PageV05P204 # على انظارهم وتفاوت درجات أعمالهم المتفرعة على ذلك كما قررناه في مطلع ~~سورة هود وأي إما استفهامية مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها والجملة في محل ~~النصب معلقة لفعل البلوى لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال ~~والنظر ولذلك أجرى مجراه بطريق التمثيل أو الاستعارة التبعية وإما موصولة ~~بمعنى الذي وأحسن خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لها وهي في حيز النصب بدل من ~~مفعول لنبلوهم والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا فحينئذ يحتمل أن تكون ~~الضمة في أيهم للبناء كما في قوله عز وجل ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ~~على الرحمن عتيا على أحد الأقوال لتحقق شرط البناء الذي هو الإضافة لفظا ~~وحذف صدر الصلة وأن تكون للأعراب لأن ما ذكر شرط لجواز البناء لا لوجوبه ~~وحسن العمل الزهد فيها وعدم الاغترار بها والقناعة باليسير منها وصرفها على ~~ما ينبغي والتأمل في شأنها وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها ~~حسبما أذن له الشرع وأداء حقوقها والشكر لها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات ~~والأغراض الفاسدة كما يفعله الكفرة وأصحاب الأهواء وإيراد صيغة التفضيل مع ~~أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح ~~أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط للإشعار بأن الغاية ms2008 الأصلية للجعل المذكور ~~إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين على ما حقق في تفسير قوله تعالى ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا «وإنا لجاعلون» فيما سيأتي عند تناهي عمر الدنيا «ما عليها» ~~من المخلوقات قاطبة بإفنائها بالكلية وإنما أظهر في مقام الاضمار لزيادة ~~التقرير أو لادراج المكلفين فيه «صعيدا» مفعول ثان للجعل والصعيد التراب أو ~~وجه الأرض قال أبو عبيدة هو المستوى من الأرض وقال الزجاج هو الطريق الذي ~~لانبات فيه «جرزا» ترابا لا نبات فيه بعد ما كان يتعجب من بهجته النظار ~~وتتشرف بمشاهدته الأبصار يقال أرض جرز لا نبات فيها وسنة جرز لا مطر فيها ~~قال الفراء جرزت الأرض فهي مجروزة أي ذهب نباتها بقحط أو جراد ويقال جرزها ~~الجراد والشاة والإبل إذا أكلت ما عليها وهذه الجملة لتكميل ما في السابقة ~~من التعليل والمعنى لا تحزن بما عاينت من القوم من تكذيب ما أنزلنا عليك من ~~الكتاب فإنا قد جعلنا ما على الأرض من فنون الأشياء زنية لها لنختبر ~~أعمالهم فنجازيهم بحسبها وإنا لمفنون جميع ذلك عن قريب ومجازون لهم بحسب ~~أعمالهم «أم حسبتم» الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد إنكار ~~حسبان أمته وأم منقطعة مقدرة ببل التي هي للانتقال من حديث إلى حديث لا ~~للابطال وبهمزة الاستفهام عند الجمهور وببل وحدها عند غيرهم أي بل أحسبت ~~«أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا» في بقائهم على الحياة مدة طويلة من الدهر ~~«من آياتنا» من بين آياتنا التي من جملتها ما ذكرناه من جعل ما على الأرض ~~زينة لها للحكمة المشار إليها ثم جعل ذلك كله صعيدا جرزا كأن لم تغن بالأمس ~~«عجبا» أي آية ذات عجب وضعا له موضع المضاف أو وصفا لذلك بالمصدر مبالغة ~~وهو خبر لكانوا ومن آياتنا حال منه والمعنى أن قصتهم وإن كانت خارقة ~~للعادات ليست بعجيبة بالنسبة PageV05P205 # إلى سائر الآيات التي من جملتها ما ذكر من تعاجيب خلق الله تعالى بل هي ~~عندها كالنزر الحقير والكهف الغار الواسع في الجبل والرقيم كلبهم قال ms2009 أمية ~~بن أبي الصلت * وليس بها الا الرقيم مجاورا * وصيدهم والقوم في الكهف همد * ~~وقيل هو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف وقيل هو ~~الوادي الذي فيه الكهف فهو من رقمة الوادي أي جانبه وقيل الجبل وقيل قريتهم ~~وقيل مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين وقيل أصحاب الرقيم آخرون وكانوا ~~ثلاثة انطبق عليهم الغار فنجوا بذكر كل منهم أحسن عمله على ما فصل في ~~الصحيحين «إذ أوى» ظرف لعجبا لا لحسبت أو مفعول لا ذكر أي حين التجأ ~~«الفتية» أي أصحاب الكهف أوثر الاظهار على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في ~~أنفسهم من حال الفتوة فإنهم كانوا فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على ~~الشرك فهربوا منه بدينهم ولأن صاحبيه الكهف من فروع التجائهم إلى الكهف فلا ~~يناسب اعتبارها معهم قبل بيانه «إلى الكهف» بجبلهم للجلوس واتخذوه مأوى ~~«فقالوا ربنا آتنا من لدنك» من خزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن عيون أهل ~~العادات فمن ابتدائية متعلقة بآيتنا أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله الثاني ~~قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له أي آتنا كائنة من لدنك «رحمة» ~~خاصة تستوجب المغفرة والرزق والأمن من الأعداء «وهيئ لنا من أمرنا» الذي ~~نحن عليه من مهاجرة الكفار والمثابرة على طاعتك وأصل التهيئة إحداث هيئة ~~الشئ أي اصلح ورتب وأتمم لنا من أمرنا «رشدا» إصابة للطريق الموصل إلى ~~المطلوب واهتداء إليه وكلا الجارين متعلق بهيء لاختلافهما في المعنى وتقديم ~~المجرورين على المفعول الصريح لاظهار الاعتناء بهما وإبراز الرغبة في ~~المؤخر بتقديم أحواله فإن تأخير ما حقه التقديم عما هو من أحواله المرغبة ~~فيه كما يورث شوق السامع إلى وروده ينبيء عن كمال رغبة المتكلم فيه ~~واعتنائه بحصوله لا محالة وكذا الكلام في تقديم قوله تعالى من لدنك على ~~تقدير تعلقه بآتنا وتقديم لنا على من أمرنا للإيذان من أول الأمر يكون ~~المسؤول مرغوبا فيه لديهم أو اجعل أمرنا رشدا كله على أن من تجريدية مثلها ~~في قولك رأيت ms2010 منك أسدا «فضربنا على آذانهم» أي أنمناهم على طريقة التمثيل ~~المبنى على تشبيه الإنامة الثقيلة المانعة عن وصول الأصوات إلى الآذان بضرب ~~الحجاب عليها وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن ~~الشعور عند النوم لما أنها المحتاج إلى الحجب عادة إذ هي الطريقة للتيقظ ~~غالبا لا سيما عند انفراد النائم واعتزاله عن الخلق وقيل الضرب على الآذان ~~كناية عن الإنامة الثقيلة وحمله على تعطيلها كما في قولهم ضرب الأمير على ~~يد الرعية أي منعهم من التصرف مع عدم ملاءمته لما سيأتي من البعث لا يدل ~~على النوم مع أنه المراد قطعا والفاء في فضربنا كما في قوله عز وجل ~~فاستجبنا له بعد قوله تعالى إذ نادى فإن الضرب المذكور وما ترتب عليه من ~~التقليب ذات اليمين وذات الشمال والبعث وغير ذلك PageV05P206 # إيتاء رحمة لدنية خافية عن أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابة ~~لدعوتهم «في الكهف» ظرف مكان لضربنا «سنين» ظرف زمان له باعتبار بقائه لا ~~ابتدائه «عددا» أي ذوات عدد أو تعد عددا على أنه مصدر أو معدودة على أنه ~~بمعنى المفعول ووصف السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسب بإظهار كمال القدرة ~~أو للتقليل وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من بين سائر الآيات ~~العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده عز وجل «ثم بعثناهم» أي أيقظناهم من ~~تلك النومة الثقيلة الشبيهة بالموت «لنعلم» بنون العظمة وقرئ بالياء مبنيا ~~للفاعل بطريق الالتفات وأيا ما كان فهو غاية للبعث لكن لا يجعل العلم مجازا ~~من الإظهار والتمييز أو بحمله على ما يصح وقوعه غاية للبعث الحادث من العلم ~~الحالي الذي يتعلق به الجزاء كما في قوله تعالى إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه وقوله تعالى وليعلم الله الذين آمنوا ونظائرهما التي ~~يتحقق فيها العلم بتحقق متعلقه قطعا فإن تحويل القبلة قد ترتب عليه تحزب ~~الناس إلى متبع ومنقلب وكذا مداولة الأيام بين الناس ترتب عليه تحزبهم إلى ~~الثابت على الإيمان والمتزلزل فيه وتعلق بكل ms2011 من الفريقين العلم الحالي ~~والإظهار والتمييز وأما بعث هؤلاء فلم يترتب عليه تفرقهم إلى المحصي وغيره ~~حتى يتعلق بهما العلم أو الإظهار والتمييز ويتسنى نظم شيء من ذلك في سلك ~~الغاية وإنما الذي تربت عليه تفرقهم إلى مقدر تقديرا غير مصيب ومفوض إلى ~~العلم الرباني وليس شيء منهما من الإحصاء في شيء بل يحمل النظم الكريم على ~~التمثيل المبني على جعل العلم عبارة عن الاختبار مجازا بطريق إطلاق اسم ~~المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار صدور الفعل المختبر به عن المختبر ~~قطعا بل قد يكون لإظهار عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى ~~فأت بها من المغرب وهو المراد ههنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من ~~يختبرهم «أي الحزبين» أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير ~~والتفويض كما سيأتي «أحصى» أي أضبط «لما لبثوا» أي للبثهم «أمدا» أي غاية ~~فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير وليتعرفوا حالهم وما صنع ~~الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم وأديانهم فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه ~~ويستبصروا به أمر البعث ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم ~~وقد اقتصر ههنا من تلك الغايات الجليلة على ذكر مبدئها الصادر عنه عز وجل ~~وفيما سيأتي على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدي إليها وهذا أولي من تصوير ~~التمثيل بأن يقال بعثناهم بعث من يريد أن يعلم الخ حسبما وقع في تفسير قوله ~~تعالى وليعلم الله الذين آمنوا على أحد الوجوه حيث حمل على معنى فعلنا ذلك ~~فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان من غير الثابت إذ ربما يتوهم ~~منه استلزام الإرادة لتحقق المراد فيعود المحذور فيصار إلى جعل إرادة العلم ~~عبارة عن الاختبار فاختبر واختر هذا وقد قرئ ليعلم مبنيا للمفعول ومبنيا ~~للفاعل من الإعلام على أن المفعول الأول محذوف والجملة المصدرة بأي في موقع ~~المفعول الثاني فقط إن جعل العلم عرفانيا أوفى موقع المفعولين إن جعل ~~يقينيا أي ليعمل الله الناس أي الحزبين أحصى الخ وروى عطاء عن ابن ms2012 عباس رضي ~~الله عنهما أن أحد الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا المدينة ~~ملكا PageV05P207 # بعد ملك وقيل كلاهما من غيرهم والأول هو الأظهر فإن اللام للعهد ولا عهد ~~لغيرهم والأمد بمعنى المدى كالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية ~~وهو مفعول لأحصى والجار والمجرور حال منه قدمت عليه لكونه نكرة وليس معنى ~~إحصاء تلك المدة ضبطها من حيث كميتها المتصلة الذاتية فإنه لا يسمى إحصاء ~~بل ضبطها من حيث كميتها المفصلة العارضة لها باعتبار قسمتها إلى السنين ~~وبلوغها من تلك الحيثية إلى مراتب الأعداد على ما يرشدك إليه كون تلك المدة ~~عبارة عما سبق من السنين ويجوز أن يراد بالأمد معناه الوضعي بتقدير المضاف ~~أي لزمان لبثهم وبدونه أيضا فإن اللبث عبارة عن الكون المستمر المنطبق على ~~الزمان المذكور فباعتبار الامتداد العارض له بسبه يكون له أمد لا محالة لكن ~~ليس المارد به ما يقع غاية ومنتهى لذلك الكون المستمر باعتبار كميته ~~المتصلة العارضة له بسبب انطباقه على الزمان الممتد بالذات وهو أن انبعاثهم ~~من نومهم فإن معرفته من تلك الحيثية لا تخفى على أحد ولا تسمى إحصاء كما مر ~~بل باعتبار كميته المفصلة معارضة له بسبب عروضها لزمانه المنطبق هو عليه ~~باعتبار انقسامه إلى السنين ووصوله إلى مرتبة معينة من مراتب العدد كما حقق ~~في الصورة الأولى والفرق بين الاعتبارين أن ما تعلق به الإحصاء في الصورة ~~السابقة نفس المدة المقسمة إلى السنين فهو مجموع ثلاثمائة وتسع سنين وفي ~~الصورة الأخيرة منتهى تلك المدة المنقسمة إلهيا أعني السنة التاسعة بعد ~~الثلثمائة وتعلق الإحصاء بالأمد بالمعنى الأول ظاهر وأما تعلقه به بالمعنى ~~الثاني فباعتبار انتظامه لما تحته من مراتب العدد واشتماله عليها هذا على ~~تقدير كون ما في قوله تعالى لما لبثوا مصدرية ويجوز أن تكون موصولة حذف ~~عائدها من الصلة أي للذي لبثوا فيه من الزمان الذي عبر عنه فيما قبل بسنين ~~عددا فالأمد بمعناه الوضعي على ما تحققته وقيل اللام مزيدة والموصول مفعول ~~وأمدا نصب على التمييز وأما ms2013 ما قيل من أن أحصى اسم تفضيل لأنه الموافق لما ~~وقع في سائر الآيات الكريمة نحو أيهم أحسن عملا أيهم أقرب لكم نفعا إلى غير ~~ذلك مما لا يحصى ولأن كونه فعلا ماضيا يشعر بأن غاية البعث هو العلم ~~بالإحصاء المتقدم على البعث لا بالإحصاء المتأخر عنه وليس كذلك وادعاء أن ~~مجيء أفعل التفضيل من المزيدة عليه غير قياسي مدفوع بأنه عند سيبويه قياس ~~مطلقا وعند ابن عصفور فيما ليست همزته للنقل ولا ريب في أن ما نحن فيه من ~~ذلك القبيل وامتناع عمله إنما هو في غير التمييز من المعمولات وأما أن ~~التمييز يجب كونه فاعلا في المعنى فلمانع أن يمنعه بصحة أن يقال أيهم أحفظ ~~لهذا الشعر وزنا أو تقطيعا أو يقال أن العامل في أمدا فعل محذوف يدل عليه ~~المذكور أي يحصي لما لبثوا أمدا كما في قوله [وأضرب منا بالسيوف القوانسا] ~~وحديث الوقوع في المحذور بلا فائدة مدفوع بما أشير إليه من فائدة الموافقة ~~للنظائر فمع ما فيه من الاعتساف والخلل بمعزل من السداد لأن مؤداه أن يكون ~~المقصود بالإخبار إظهار أفضل الحزبين وتمييزه عن الأدنى مع تحقق أصل ~~الإحصاء فيهما ومن البين أن لا تحقق له أصلا وأن المقصود بالاختبار إظهار ~~عجز الكل عنه رأسا فهو فعل ماض قطعا وتوهم إيذانه بأن غاية البعث هو العلم ~~بالإحصاء المتقدم عليه مردود بأن صيغة الماضي باعتبار حال الحكاية والله ~~تعالى أعلم PageV05P208 # «نحن نقص عليك» شروع في تفصيل ما أجمل فيما سلف من قوله تعالى إذ أوى ~~الفتية الخ أي نحن نخبرك بتفاصيل أخبارهم وقد مر بيان اشتقاقه في مطلع سورة ~~يوسف عليه السلام «نبأهم» النبأ الخبر الذي له شأن وخطر «بالحق» إما صفة ~~لمصدر محذوف أو حال من ضمير نقص أو من نبأهم أو صفة له على رأى من يرى حذف ~~الموصول مع بعض صلته أي نقص قصصا ملتبسا بالحق أو نقصه ملتبسين به أو نقص ~~نبأهم ملتبسا به أو نبأهم الملتبس به أو نبأهم حسبما ذكره ms2014 محمد بن إسحاق بن ~~يسار أنه قد مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم فعبدوا ~~الأصنام وذبحوا للطواغيت وكان ممن بالغ في ذلك وعتا عتوا كبيرا دقيانوس ~~فإنه غلا فيه غلوا شديدا فجاس خلال الديار والبلاد بالعيث والفساد وقتل من ~~خالفه من المتمسكين بدين المسيح عليه السلام وكان يتبع الناس فيخيرهم بين ~~القتل وعبادة الأوثان فمن رغب في الحياة الدنيا الدنية يصنع ما يصنع ومن ~~آثر عليها الحياة الأبدية قتله وقطع آرابه وعلقها في سور المدينة وأبوابها ~~فلما رأى الفتية ذلك وكانوا عظماء أهل مدينتهم وقيل كانوا من خواص الملك ~~قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء فبينما هم كذلك إذ ~~دخل عليهم أعوان الجبار فأحضروهم بين يديه فقال لهم ما قال وخيرهم بين ~~القتل وبين عبادة الأوثان فقالوا إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمته ~~وجبورته لن ندعو من دونه أحدا ولن نقر لما تدعونا إليه أبدا فاقض ما أنت ~~قاض فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخر وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى ~~مدينة نينوى لبعض شأنه وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبعوه وإلا ~~فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين فأزمعت الفتية على الفرار بالدين والالتجاء ~~إلى الكهف الحصين فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئا فتصدقوا ببعضه وتزودوا ~~بالباقي فأووا إلى الكهف فجعلوا يصلون فيه آناء الليل وأطراف النهار ~~ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجؤار وفوضوا أمر نفقتهم إلى يمليخا ~~فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابه الحسان ويلبس لباس المساكين ويدخل المدينة ~~ويشتري ما يهمهم ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى أصحابه فلبثوا على ~~ذلك إلى أن قدم الجبار إلى المدينة فطلبهم وأحضر آباءهم فاعتذروا بأنهم ~~عصوهم ونهبوا أموالهم وبذروها في الأسواق وفروا إلى الجبل فلما رأى يمليخا ~~ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليل من الزاد فأخبرهم بما ~~شهده من الهول ففزعوا إلى الله عز وجل وخروا له سجدا ثم رفعوا رؤوسهم ~~وجلسوا يتحدثون في أمرهم ms2015 فبينما هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم ~~فناموا ونفقتهم عند رؤوسهم فخرج دقيانوس في طلبهم بخيله ورجله فوجدوهم قد ~~دخلوا الكهف فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعا قال ~~قائل منهم أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف ~~ودعهم يموتوا جوعا وعطشا وليكن كهفهم قبرا لهم ففعل ثم كان من شأنهم ما قص ~~الله عز وجل عنهم «إنهم فتية» استئناف تحقيقي مبني على تقدير السؤال من قبل ~~المخاطب والفتية جمع قلة للفتى كالصبية للصبي «آمنوا بربهم» أوثر ~~PageV05P209 # الالتفات للإشعار بعلية وصف الربوبية لإيمانهم ولمراعاة ما صدر عنهم من ~~المقالة حسبما سيحكى عنهم «وزدناهم هدى» بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من ~~الدين وأظهرنا لهم مكنونات محاسنه وفيه التفات من الغيبة إلى ما عليه سبك ~~النظم سباقا وسياقا من التكلم «وربطنا على قلوبهم» أي قويناها حتى اقتحموا ~~مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان والنعيم والإخوان واجترؤا على الصدع ~~بالحق من غير خوف وحذار والرد على دقيانوس الجبار «إذ قاموا» منصوب بربطنا ~~والمراد بقيامهم انتصابهم لإظهار شعار الدين قال مجاهد خرجوا من المدينة ~~فاجتمعوا على غير ميعاد فقال أكبرهم إني لأجد في نفسي شيئا إن ربي رب ~~السماوات والأرض فقالوا نحن أيضا كذلك فقاموا جميعا «فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض» ضمنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيته ~~عز وجل لهما تقتضي ربوبيته لما فيهما أي اقتضاء وقيل المراد قيامهم بين يدي ~~الجبار من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام فحينئذ يكون ما ~~سيأتي من قوله تعالى هؤلاء الخ منقطعا عما قبله صادرا عنهم بعد خروجهم من ~~عنده «لن ندعوا» لن نعبد أبدا «من دونه إلها» معبودا آخر لا استقلالا ولا ~~اشتراكا والعدول عن أن يقال ربا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون ~~أصنامهم آلهة وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية وللإيذان بأن ربوبيته ~~تعالى بطريق الألوهية لا بطريق المالكية المجازية «لقد قلنا إذا شططا» ms2016 أي ~~قولا ذا شطط أي تجاوز عن الحد أو قولا هو عين الشطط على أنه وصف بالمصدر ~~مبالغة ثم اقتصر على الوصف مبالغة على مبالغة وحيث كانت العبادة مستلزمة ~~للقول لما أنها لا تعرى عن الاعتراف بألوهية المعبود والتضرع إليه قيل لقد ~~قلنا وإذا جواب وجزاء أي لو دعونا من دونه إلها والله لقد قلنا قولا خارجا ~~عن حد العقول مفرطا في الظلم «هؤلاء» هو مبتدأ وفي اسم الإشارة تحقير لهم ~~«قومنا» عطف بيان له «اتخذوا من دونه آلهة» خبره وفيه معنى الإنكار «لولا ~~يأتون» تحضيض فيه معنى الإنكار والتعجيز أي هلا يأتون «عليهم» على ألوهيتهم ~~أو على صحة اتخاذهم لها آلهة «بسلطان بين» بحجة ظاهرة الدلالة على مدعاهم ~~وهو تبكيت لهم وإلقام حجر «فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا» بنسبة الشريك ~~إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا والمعنى أنه أظلم من كل ظالم وإن كان سبك ~~النظم على إنكار الأظلمية من غير تعرض لإنكار المساواة كما مر تحقيقه في ~~سورة هود PageV05P210 # «وإذ اعتزلتموهم» أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزال الجسماني ~~«وما يعبدون إلا الله» عطف على الضمير المنصوب وما موصولة أو مصدرية أي إذ ~~اعتزلتموهم ومعبوديهم إلا الله أو وعبادتهم إلا عبادة الله وعلى التقديرين ~~فالاستثناء متصل على تقدير كونهم مشركين كأهل مكة ومنقطع على تقدير تمحضهم ~~في عبادة الأوثان ويجوز كون ما نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن ~~الفتية بالتوحيد معترض بين إذ وجوابه «فأووا» أي التجئوا «إلى الكهف» قال ~~الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت فافعل كذا وقيل هو دليل على جوابه أي ~~إذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا أو إذا أردتم ~~اعتزالهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف «ينشر لكم» يبسط لكم ويوسع عليكم ~~«ربكم» مالك أمركم «من رحمته» في الدارين «ويهيئ لكم» يسهل لكم «من أمركم» ~~الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين «مرفقا» ما ترتفقون وتنتفعون به وقرئ ~~بفتح الميم وكسر الفاء مصدرا كالمرجع وتقديم لكم في الموضعين لما ms2017 مر مرارا ~~من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويق إلى وروده «وترى ~~الشمس» بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف ولم يصرح به إيذانا بعدم الحاجة ~~إليه لظهور جريانهم على موجب الأمر به لكونه صادرا عن رأي صائب وتعويلا على ~~ما سلف من قوله سبحانه إذ أوى الفتية إلى الكهف وما لحق من إضافة الكهف ~~إليهم وكونهم في فجوة منه والخطاب للرسول صلى لله عليه وسلم أو لكل أحد ممن ~~يصلح للخطاب وليس المراد به الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا بل الإنباء بكون ~~الكهف بحيث لو رأيته ترى الشمس «إذا طلعت تزاور» أي تتزاور وتتنحى بحذف ~~إحدى التاءين وقرئ بإدغام التاء في الزاي وتزور كتخمر وتزوار كتحمار وتزوئر ~~وكلها من الزور وهو الميل «عن كهفهم» الذي أووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة ~~«ذات اليمين» أي جهة ذات يمين الكهف عند توجه الداخل إلى قعره أي جانبه ~~الذي يلي المغرب فلا يقع عليهم شعاعها فيؤذيهم «وإذا غربت» أي تراها عند ~~غروبها «تقرضهم» أي تقطعهم من القطيعة والصرم ولا تقربهم «ذات الشمال» أي ~~جهة ذات شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرق وكان ذلك بتصريف الله سبحانه ~~على منهاج خرق العادة كرامة لهم وقوله تعالى «وهم في فجوة منه» جملة حالية ~~مبينة لكون ذلك أمرا بديعا أي تراها تميل عنهم يمينا وشمالا ولا تحوم حولهم ~~مع أنهم في متسع من الكهف معرض لإصابتها لولا أن عرفتها عنهم يد التقدير ~~«ذلك» أي ما صنع الله بهم من تزاور الشمس وقرضها حالتي الطلوع والغروب ~~PageV05P211 # مع كونهم في موقع شعاعها «من آيات الله» العجيبة الدالة على كمال علمه ~~وقدرته وحقية التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه وتعالى وهذا قبل أن سد ~~دقيانوس باب الكهف وقيل كان باب الكهف شماليا مستقبل بنات نعش وأقرب ~~المشارق والمغارب إلى محاذاته رأس مشرق السرطان ومغربه والشمس إذا كان ~~مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن وهو الذين يلي المغرب ~~وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جنبيه وتحلل ms2018 عفونته وتعدل ~~هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلى ثيابهم ولعل ميل الباب إلى جانب ~~الغرب كان أكثر ولذلك أوقع التزاور على كهفهم والقرض على أنفسهم فذلك حينئذ ~~إشارة إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنه وأما جعله إشارة إلى حفظ الله سبحانه ~~إياهم في ذلك الكهف تلك المدة الطويلة أو إلى اطلاعه سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم على أخبارهم فلا يساعده إيراده في تضاعيف القصة «من يهد ~~الله» إلى الحق بالتوفيق له «فهو المهتد» الذي أصاب الفلاح والمراد إما ~~الثناء عليهم والشهادة لهم بإصابة المطلوب والإخبار بتحقيق ما أملوه من نشر ~~الرحمة وتهيئة المرافق أو التنبيه على أن أمثال هذه الآية كثيرة ولكن ~~المنتفع بها من وفقه الله تعالى للاستبصار بها «ومن يضلل» أي يخلق فيه ~~الضلال لصرف اختياره إليه «فلن تجد له» أبدا وإن بالغت في التتبع ~~والاستقصاء «وليا» ناصرا «مرشدا» يهديه إلى ما ذكر من الفلاح لاستحالة ~~وجوده في نفسه لا أنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه «وتحسبهم» بفتح السين ~~وقرئ بكسرها أيضا والخطاب فيه كما سبق «أيقاظا» جمع يقظ بكسر القاف وفتحها ~~وهو اليقظان ومدار الحسبان انفتاح عيونهم على هيئة الناظر وقيل كثرة تقلبهم ~~ولا يلائمه قوله تعالى ونقلبهم «وهم رقود» أي نيام وهو تقرير لما لم يذكر ~~فيما سلف اعتمادا على ذكره السابق من الضرب على آذانهم «ونقلبهم» في رقدتهم ~~«ذات اليمين» نصب على الظرفية أي جهة تلي أيمانهم «وذات الشمال» أي جهة تلي ~~شمائلهم كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض قيل لهم تقليبتان في السنة وقيل تقليبة واحدة ~~يوم عاشوراء وقيل في كل تسع سنين وقرئ يقلبهم على الإسناد إلى ضمير الجلالة ~~وتقلبهم على المصدر منصوبا بمضمر ينبئ عنه وتحسبهم أي وترى تقلبهم «وكلبهم» ~~قيل هو كلب مروا به فتبعهم فطروده مرار فلم يرجع فأنطقه الله تعالى فقال لا ~~تخشوا جانبي فإني أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم وقيل هو ms2019 كلب راع ~~قد تبعهم على دينهم ويؤيده قراءة كلبهم إذ الظاهر لحوقه بهم وقيل كلب صيد ~~أحدهم أو زرعه أو غنمه واختلف في لونه فقيل كان أنمر وقيل أصفر وقيل أصهب ~~وقيل غير ذلك وقيل كان اسمه قطمير وقيل ريان وقبل تتوه وقيل قطمور وقيل ثور ~~قال خالد بن معدان ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم ~~وقيل لم يكن ذلك من جنس الكلاب بل كان أسدا «باسط ذراعيه» حكاية حال ماضية ~~ولذلك أعلم اسم الفاعل وعند الكسائي وهشام وأبي جعفر من البصريين يجوز ~~PageV05P212 # إعماله مطلقا والذراع من المرفق إلى رأس الإصبع الوسطى «بالوصيد» أي ~~بموضع الباب من الكهف «لو اطلعت عليهم» أي لو عاينتهم وشاهدتهم وأصل ~~الاطلاع الإشراف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة وقرئ بضم الواو «لوليت منهم ~~فرارا» هربا مما شاهدت منهم وهو إما نصب على المصدرية من معنى ما قبله إذ ~~التولية والفرار من واد واحد وإما على الحالية يجعل المصدر بمعنى الفاعل أي ~~فارا أو يجعل الفاعل مصدرا مبالغة كما في قولها فإنما هي إقبال وإدبار وإما ~~على أنه مفعول له «ولملئت منهم رعبا» وقرئ بضم العين أي خوفا يملأ الصدر ~~ويرعبه وهو إما مفعول ثان أو تمييز ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة ~~والهيئة كانت أعينهم مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وقيل لطول أظفارهم ~~وشعورهم ولا يساعده قولهم لبثنا يوما أو بعض يوم وقوله ولا يشعرون بكم أحدا ~~فإن الظاهر من ذلك عدم اختلاف أحوالهم في أنفسهم وقيل لعظم أجرامهم ولعل ~~تأخير هذا عن ذكر التولية للإيذان باستقلال كل منهما في الترتب على الاطلاع ~~إذ لو روعي ترتيب الوجود لتبادر إلى الفهم ترتب المجموع من حيث هو هو عليه ~~وللإشعار بعدم زوال الرعب بالفرار كما هو المعتاد وعن معاوية لما غزا الروم ~~فمر بالكهف قال لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس رضي ~~الله عنهما ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خير ms2020 منك حيث قال لو اطلعت ~~عليهم الآية قال معاوية لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناسا وقال لهم اذهبوا ~~فانظروا ففعلوا فلما دخلوا الكهف بعث الله تعالى ريحا فأحرقتهم وقرئ بتشديد ~~اللام على التكثير وبإبدال الهمزة ياء مع التخفيف والتشديد «وكذلك بعثناهم» ~~أي كما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلى والتحلل آية دالة على كمال قدرتنا ~~بعثناهم من النوم «ليتساءلوا بينهم» أي ليسأل بعضهم بعضا فيترتب عليه ما ~~فصل من الحكم البالغة وجعله غاية للبعث المعلل فيما سبق بالاختبار من حيث ~~إنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر آثاره ~~«قال» استئناف لبيان تساؤلهم «قائل منهم» هو رئيسهم واسمه مكسلمينا «كم ~~لبثتم» في منامكم لعله قاله لما رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في ~~الجملة «قالوا» أي بعضهم «لبثنا يوما أو بعض يوم» قبل إنما قالوه لما أنهم ~~دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم آخر النهار فقالوا لبثنا يوما فلما رأوا أن ~~الشمس لم تغرب بعد قالوا أو بعض يوم وكان ذلك بناء على الظن الغالب فلم ~~يعزوا إلى الكذب «قالوا» أي بعض آخر منهم بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام ~~من الله سبحانه «ربكم أعلم بما لبثتم» أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم وإنما ~~يعلمها الله سبحانه وهذا رد منهم على الأولين بأجمل ما يكون من مراعاة حسن ~~الأدب وبه يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق وقد قيل القائلون ~~جميعهم ولكن في حالتين ولا يساعده النظم الكريم فإن الاستئناف في الحكاية ~~والخطاب في المحكي يقضي بأن الكلام جار على منهاج المحاورة PageV05P213 # والمجاوبة وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا «فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة» قالوه إعراضا عن التعمق في البحث وإقبالا على ما يهمهم ~~بحسب الحال كما ينبئ عنه الفاء والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة ووصفها ~~باسم الإشارة يشعر بان القائل ناولها بعض أصحابه ليشتري بها قوت يومهم ذلك ~~وقرئ بسكون الراء وإدغام القاف في الكاف وبكسر الواو وبسكون الراء مع ~~الإدغام وحملهم ms2021 لها دليل على أن التزود لا ينافي التوكل على الله تعالى ~~«فلينظر أيها» أي أهلها «أزكى» أحل وأطيب أو أكثر وأرخص «طعاما فليأتكم ~~برزق منه» أي من ذلك الأزكى طعاما «وليتلطف» وليتكلف اللطف في المعاملة ~~كيلا يغبن أو في الاستخفاء لئلا يعرف «ولا يشعرن بكم أحدا» من أهل المدينة ~~فإنه يستدعى شيوع أخباركم أي لا يفعلن ما يؤدي إلى ذلك فالنهي على الأول ~~تأسيس وعلى الثاني تأكيد للأمر بالتلطف «إنهم» تعليل لما سبق من الأمر ~~والنهي أي ليبالغ في التلطف وعدم الإشعار لأنهم «إن يظهروا عليكم» أي ~~يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم والضمير للأهل المقدر في أيها «يرجموكم» إن ~~ثبتم على ما أنتم عليه «أو يعيدوكم في ملتهم» أي يصيروكم إلهيا ويدخلوكم ~~فيها كرها من العود بمعنى الصيرورة كقوله تعالى أو لتعودن في ملتنا وقيل ~~كانوا أولا على دينهم وإيثار كلمة في على كلمة إلى للدلالة على الاستقرار ~~الذي هو أشد شيء عندهم كراهة وتقديم احتمال الرجم على احتمال الإعادة لأن ~~الظاهر من حالهم هو الثبات على الدين المؤدي إليه وضمير الخطاب في المواضع ~~الأربعة للمبالغة في محل المبعوث على الاستخفاء وحث الباقين على الاهتمام ~~بالتوصية فإن محاض النصح أدخل في القبول واهتمام الإنسان بشأن نفسه أكثروا ~~أوفر «ولن تفلحوا إذا» أي إن دخلتم فيها ولو بالكره والإلجاء لن تفوزوا ~~بخير «أبدا» لا في الدنيا ولا في الآخرة وفيه من التشديد في التحذير مالا ~~يخفى «وكذلك» أي وكما أنمناهم وبعثناهم لما مر من ازديادهم في مراتب اليقين ~~«أعثرنا» أي أطلعنا الناس «عليهم ليعلموا» أي الذين أعثرناهم عليهم بما ~~عاينوا من أحوالهم العجيبة «إن وعد الله» أي وعده بالبعث أو موعوده الذي هو ~~البعث أو أن كل وعده أو كل موعوده فيدخل فيه وعده بالبعث أو البعث الموعود ~~دخولا أوليا «حق» صادق لا خلف فيه أو ثابت لا مرد له لأن نومهم وانتباهم ~~كحال من يموت ثم يبعث «وإن الساعة» أي القيامة التي هي عبارة عن وقت بعث ~~الخلائق جميعا للحساب ms2022 والجزاء «لا ريب فيها» لا شك في قيامها فإن من شاهد ~~أنه جل وعلا توفي نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنة وأكثر حافظا أبدانها من ~~التحلل والتفتت ثم أرسلها إليها لا يبقى له شائبة شك في أن وعده تعالى حق ~~وأنه يبعث من في القبور فيرد إليهم PageV05P214 # أرواحهم فيحاسبهم ويجزيهم بحسب أعمالهم «إذ يتنازعون» ظرف لقوله أعثرنا ~~قدم عليه الغاية إظهارا لكمال العناية بذكرها لا لقوله ليعلموا كما قيل ~~لدلالته على أن التنازع يحدث بعد الإعثار وليس كذلك أي أعثرناهم عليهم حين ~~يتنازعون «بينهم أمرهم» ليرتفع الخلاف ويتبين الحق قيل المتنازع فيه أمر ~~دينهم حيث كانوا مختلفين في البعث فمن مقر له وجاحد به وقائل يقول ببعث ~~الأرواح دون الأجساد وآخر يقول ببعثهما معا قيل كان ملك المدينة حينئذ رجلا ~~صالحا مؤمنا وقد اختلف أهل مملكته في البعث حسبما فصل فدخل الملك بيته ~~وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد وسأل ربه أن يظهر الحق فألقى الله عز ~~وجل في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سد به دقيانوس باب الكهف ليتخذه حظيرة ~~لغنمه فعند ذلك بعثهم الله تعالى فجرى بينهم من التقاول ما جرى روي أن ~~المبعوث لما دخل المدينة أخرج الدرهم ليشتري به الطعام وكان على ضرب ~~دقيانوس فاتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك فقص عليه القصة فقال ~~بعضهم إن آباءنا أخبرونا بأن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء ~~فانطلق الملك وأهل المدينة من مسلم وكافر وأبصروهم وكلموهم ثم قالت الفتية ~~للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الإنس والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم ~~فماتوا فألقى الملك عليهم ثيابه وجعل لكم منهم تابوتا من ذهب فرآهم في ~~المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا وقيل لما ~~انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى مكانكم حتى أدخل أولا لئلا يفزعوا فدخل ~~فعمى عليهم المدخل فبنوا ثمة مسجدا وقيل المتنازع فيه أمر الفتية قبل بعثهم ~~أي أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرهم وما جرى بينهم وبين ms2023 دقيانوس من ~~الأحوال والأهوال ويتلقون ذلك من الأساطير وأفواه الرجال وعلى التقديرين ~~فالفاء في قوله عز وجل «فقالوا» فصيحة أي أعثرناهم عليهم فرأوا ما رأوا ~~فماتوا فقالوا أي قال بعضهم «ابنوا عليهم» أي على باب كهفهم «بنيانا» لئلا ~~يتطرق إليهم الناس ضنا يتربتهم ومحافظة عليها وقوله تعالى «ربهم أعلم بهم» ~~من كلام المتنازعين كأنهم لما رأوا عدم اهتدائهم إلى حقيقة حالهم من حيث ~~النسب ومن حيث العدد ومن حيث اللبث في الكهف قالوا ذلك تفويضا للأمر إلى ~~علام الغيوب أو من كلام الله تعالى ردا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك ~~المنازعين وقيل هو أمرهم وتدبيرهم عند وفاتهم أو شأنهم في الموت والنوم حيث ~~اختلفوا في أنهم ماتوا أو ناموا كما في أول مرة فإذا حينئذ متعلق بقوله ~~تعالى «قال الذين غلبوا على أمرهم» وهم الملك والمسلمون «لنتخذن عليهم ~~مسجدا» وقوله تعالى فقالوا معطوف على يتنازعون وإيثار صيغة الماضي للدلالة ~~على أن هذا القول ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازع وقيل متعلق باذكر مضمرا ~~وأما تعلقه بأعثرنا فيأباه أن إعثارهم ليس في زمان تنازعهم فيما ذكر بل ~~قبله وجعل وقت التنازع ممتدا يقع في بعضه الإعثار وفي بعضه التنازع تعسف لا ~~يخفى مع أنه لا مخصص لإضافته إلى التنازع وهو مؤخر في الوقوع «سيقولون» ~~PageV05P215 # الضمير في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أهل الكتاب والمسلمين لكن لا على وجه إسناد كل منها إلى كلهم بل ~~إلى بعضهم «ثلاثة رابعهم كلبهم» أي هم ثلاثة أشخاص رابعهم أي جاعلهم أربعة ~~بانضمامه إليهم كلبهم قيل قالته اليهود وقيل قاله السيد من نصارى نجران ~~وكان يعقوبيا وقرئ ثلاة بإدغام الثاء في التاء «ويقولون خمسة سادسهم كلبهم» ~~قيل قالته النصارى أو العاقب منهم وكان نسطوريا «رجما بالغيب» رميا بالخبر ~~الخفي الذي لا مطلع عليه أو ظنا بالغيب من قولهم رجم بالظن إذا ظن وانتصابه ~~على الحالية من الضمير في الفعلين جميعا أي راجمين أو على المصدرية منهما ~~فإن الرجم ms2024 والقول واحد أو من محذوف مستأنف واقع موقع الحال من ضمير الفعلين ~~معا أي يرجمون رجما وعدم إيراد السين للاكتفاء بعطفه على ما فيه ذلك ~~«ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» هو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا ~~الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم نظمه في سلك الرجم بالغيب وتغيير ~~سبكه بزيادة الواو المفيدة لزيادة وكادة النسبة فيما بين طرفيها لا بوحي ~~آخر كما قيل «قل» تحقيقا للحق وردا على الأولين «ربي أعلم» أي أقوى علما ~~«بعدتهم» بعددهم «ما يعلمهم» أي ما يعلم عدتهم أو ما يعلمهم فضلا عن العلم ~~بعدتهم «إلا قليل» من الناس قد وفقهم الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد ~~قال ابن عباس رضي الله عنه حين وقعت الواو وانقطعت العدة وعليه مدار قوله ~~رضي الله عنه أنا من ذلك القليل ولو كان في ذلك وحي آخر لما خفي عليه ولما ~~احتاج إلى الاستشهاد بالواو ولكان المسلمون أسوة له في العلم بذلك وعن على ~~كرم الله وجهه أنهم سبعة نفر أسماؤهم بمليخا ومكشليينا ومشليينا هؤلاء ~~أصحاب يمين الملك وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء ~~الستة في أمره والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس ~~واسمه كفيشططيوش «فلا تمار» الفاء لتفريع النهي على ما قبله أي إذ قد عرفت ~~جهل أصحاب القولين الأولين فلا تجادلهم «فيهم» في شأن الفتية «إلا مراء ~~ظاهرا» قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم بالرجم بالغيب وعدم العلم على الوجه ~~الإجمالي وتفويض العلم إلى الله سبحانه من غير تصريح بجهلهم وتفضيح لهم ~~فإنه مما يخل بمكارم الأخلاق «ولا تستفت فيهم» في شأنهم «منهم» من الخائضين ~~«أحدا» فإن فيما قص عليك لمندوحة عن ذلك مع أنه لا علم لهم بذلك وقال عطاء ~~إلا قليل من أهل الكتاب فالضمائر الثلاثة في الأفعال الثلاثة لهم وما ذكر ~~من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القول الثالث وفيه محيص عما في الأول ~~من التكلف في جعل أحد الأقوال المحكية المنظومة في سمط ms2025 واحد ناشئا عن ~~الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ووضوح في سبب حذف المفعول في لا تمار ~~والمعنى حينئذ وإذ قد وقفت على أن كلهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادلهم ~~إلا جدالا ظاهرا نطق به الوحي المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مصيبا ~~وإن قل والنهي عن الاستفتاء لدفع ما عسى يتوهم من احتمال جوازه أو احتمال ~~وقوعه بناء على إصابة بعضهم فالمعنى لا تراجع إليهم في شأن الفتية ولا تصدق ~~القول الثالث من حيث صدوره عنهم بل من حيث التلقي من الوحي «ولا تقولن ~~لشيء» أي لأجل شيء تعزم عليه «إني فاعل PageV05P216 # ذلك» الشيء «غدا» أي فيما يستقبل من الزمان مطلقا فيدخل فيه الغد دخولا ~~أوليا فإنه نزل حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي ~~القرنين فسألوه صلى الله عليه وسلم فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ ~~عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش وما قيل من أن المدلول بالعبارة هو ~~الغد وما بعد ذلك مفهوم بطريق دلالة النص يرده أن ما بعده ليس بمعناه في ~~مناط النهي فإن وسعة المجال دليل القدرة فليتأمل «إلا أن يشاء الله» ~~استثناء مفرغ من النهي أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حال ملابسته ~~بمشيئته تعالى على الوجه المعتاد وهو أن يقال إن شاء الله أو في وقت من ~~الأوقات إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله لا مطلقا بل مشيئته إذن مشيئته إذن ~~فإن النسيان أيضا بمشيئته تعالى ولا مساغ لتعليقه بفاعل لعدم سداد استثناء ~~اقتران المشيئة بالفعل ومنافاة استثناء اعتراضها النهي وقيل الاستثناء جار ~~مجرى التأييد كأنه قيل لا تقولنه أبدا كقوله تعالى وما كان لنا أن نعود ~~فهيا إلا أن يشاء الله «واذكر ربك» بقولك إن شاء الله مداركا له «إذا نسيت» ~~إذا فرط منك نسيان ثم ذكرته وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولو بعد سنة ما لم ~~يحث ولذلك جوز تأخير الاستثناء وعامة الفقهاء على خلافه إذ لو ms2026 صح ذلك لما ~~تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب قال القرطبي هذا في ~~تدارك التبرك والتخلص عن الإثم وأما الاستثناء المغير للحكم فلا يكون إلا ~~متصلا ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت ~~الاستثناء مبالغة في الحث عليه أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ~~ليبعثك ذلك على التدارك أو اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي وقد حمل ~~على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها «وقل عسى أن يهدين ربي» أي يوفقني ~~«لأقرب من هذا» أي لشيء أقرب وأظهر من نبأ أصحاب الكهف من الآيات والدلائل ~~الدالة على نبوتي «رشدا» أي إرشادا للناس ودلالة على ذلك وقد فعل عز وجل ~~ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظم من ذلك وأبين كقصص الأنبياء المتباعد ~~أيامهم والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة أو لأقرب ~~رشدا وأدنى خبرا من المنسي «ولبثوا في كهفهم» أحياء مضروبا على آذانهم ~~«ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا» وهي جملة مستأنفة مبينة لما أجمل فيما سلف ~~وأشير إلى عزة مناله وقيل إنه حكاية كلام أهل الكتاب فإنهم اختلفوا في مدة ~~لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم هكذا وبعضهم ثلاثمائة وروى عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية والله ~~تعالى ذكر السنة القمرية والتفاوت بنيهما في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون ~~ثلاثمائة وتسع سنين وسنين عطف بيان ثلاثمائة وقيل بدل وقرئ على الإضافة ~~وضعا للجمع موضع المفرد ومما يحسنه ههنا أن علامة الجمع فيه جبر ~~PageV05P217 # لما حذف في الواحد وأن الأصل في العدد إضافته إلى الجمع «قل الله أعلم ~~بما لبثوا» أي بالزمان الذين لبثوا فيه «له غيب السماوات والأرض» أي ما غاب ~~فيهما وخفي من أحوال أهلهما واللام للاختصاص العلمي دون التكويني فإنه غير ~~مختص بالغيب «أبصر به وأسمع» دل بصيغة التعجب على أن شأن علمه سبحانه ~~بالمبصرات والمسموعات خارج عما عليه إدراك المدركين لا يحجبه ms2027 شيء ولا يحول ~~دونه حائل ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيف والكثيف والصغير والكبير والخفي ~~والجلي والهاء ضمير الجلالة ومحله الرفع على الفاعلية والباء مزيدة عند ~~سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر ثم نقل إلى صيغة الأمر للإنشاء فبرز ~~الضمير لعدم لياقة الصيغة له أو لزيادة الباء كما في كفى به والنصب على ~~المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد والباء مزيدة إن ~~كانت الهمزة التعدية ومعدية إن كانت للصيرورة ولعل تقديم أمر إبصاره تعالى ~~لما أن الذي نحن بصدده من قبيل المبصرات «ما لهم» لأهل السماوات والأرض «من ~~دونه» تعالى «من ولي» يتولى أمورهم وينصرهم استقلالا «ولا يشرك في حكمه» في ~~قضائه أو في علم الغيب «أحدا» منهم ولا يجعل له فيه مدخلا وهو كما ترى أبلغ ~~في نفي الشريك من أن يقال من ولي ولا شريك وقرئ على صيغة نهى الحاضرة على ~~أن الخطاب لكل أحد ولما دل انتظام القرآن الكريم لقصة أصحاب الكهف من يحث ~~إنها بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحي معجز ~~أمره صلى الله عليه وسلم بالمداومة على دراسته فقال «واتل ما أوحي إليك من ~~كتاب ربك» ولا تسمع لقولهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله «لا مبدل لكلماته» لا ~~قادر على تبديله وتغييره غيره «ولن تجد» أبد الدهر وإن بالغت في الطلب «من ~~دونه ملتحدا» ملجأ تعدل إليه عند إلمام ملمة «واصبر نفسك» احبسها وثبتها ~~مصاحبة «مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي» أي دائبين على الدعاء في جميع ~~الأوقات وقيل في طرف في النهار وقرئ بالغدوة على أن إدخال اللام عليها وهي ~~علم في الأغلب على تأويل التنكير بهم والمراد بهم فقراء المؤمنين مثل صهيب ~~وعمار وخباب ونحوهم رضي الله عنهم وقيل أصحاب الصفة وكانوا نحو سبعمائة رجل ~~قيل إنه قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم نح هؤلاء ~~الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن حتى نجالسك كما قال قوم نوح ms2028 عليه السلام ~~أنؤمن لك واتبعك الأرذلون فنزلت والتعبير عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما ~~في حيز PageV05P218 # الصلة من الخصلة الداعية إلى إدامة الصحبة «يريدون» بدعائهم ذلك «وجهه» ~~حال من المستكن في يدعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته «ولا تعد عيناك ~~عنهم» أي لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم من عداه أي جاوزه واستعماله بعن ~~لتضمينه معنى النبو أولا تصرف عيناك النظر عنهم إلى غيرهم من عدوته عن ~~الأمر أي صرفته عنه على أن المفعول محذوف لظهوره وقرئ ولا تعد عينيك ولا ~~تعد عينيك من الإعداء والتعدية ووالمراد نهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~الازدراء بهم لرثاثة زيهم طموحا إلى زي الأغنياء «تريد زينة الحياة الدنيا» ~~أي تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا وهي حال من الكاف على ~~الوجه الأول من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها وضمير ~~تريد للعينين وإسناد الإرادة إليه مجاز وتوحيده للتلازم كما في قوله * لمن ~~زحلوقة زل * بها العينان تنهل * ومن المستكن في الفعل على القراءتين ~~الأخيرتين «ولا تطع» في تحية الفقراء عن مجالسك «من أغفلنا قلبه» أي جعلناه ~~غافلا لبطلان استعداده للذكر بالمرة أو وجدناه غافلا كقولك أجبنته وأبخلته ~~إذا وجدته كذلك أو هو من أغفل إبله أي لم نسمه بالذكر «عن ذكرنا» كأولئك ~~الذين يدعونك إلى طرد الفقراء عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما ~~عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقات وفيه تنبيه على أن الباعث له على ~~ذلك الدعاء غفلة قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكه في الحسيات حتى ~~خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد وقرئ أغفلنا قلبه على إسناد ~~الفعل إلى القلب أي حسبنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة من أغفلته إذا ~~وجدته غافلا «واتبع هواه وكان أمره فرطا» ضياعا وهلاكا أو متقدما للحق ~~والصواب نابذا له وراء ظهره من قولهم فرس فرط أي متقدم للخيل أو هو بمعنى ~~الإفراط والتفريط فإن الغفلة عن ذكره سبحانه تؤدي إلى اتباع الهوى المؤدي ~~إلى التجاوز والتباعد عن ms2029 الحق والصواب والتعبير عنهم بالموصول للإيذان ~~بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة «وقل» لأولئك الغافلين المتبعين ~~هواهم «الحق من ربكم» أي ما أوحى إلى الحق لا غير كائنا من ربكم أو الحق ~~المعهود من جهة ربكم لا من جهتي حتى يتصور فيه التبديل أو يمكن التردد في ~~اتباعه وقوله تعالى «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» إما من تمام القول ~~المأمور به والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه ~~عليه كما في قوله تعالى «هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب» وقوله تعالى ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أي عقيب تحقق أن ما أوحي إلى حق لا ريب ~~فيه وأن ذلك الحق من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن كسائر المؤمنين ~~ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل ومن شاء أن يكفر به فليفعل وفيه من ~~التهديد وإظهار الاستغناء عن متابعتهم وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم وجودا ~~وعدما مالا يخفى وإما تهديد من جهة الله تعالى والفاء لترتيب ما بعدها من ~~التهديد على الأمر لا على مضمون PageV05P219 # المأمور به والمعنى قل لهم ذلك وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدقك ~~فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفر به أو يكذبك فيه فليفعل فقوله تعالى «إنا ~~اعتدنا» وعيد شديد وتأكيد للتهديد وتعليل لما يفيده من الزجر عن الكفر أو ~~لما يفهم من ظاهر التخيير من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بزجرهم عنه ~~فإن إعداد جزائه من دواعي الإملاء والإمهال وعلى الوجه الأول هو تعليل ~~للأمر بما ذكر من التخيير التهديدي أي قل لهم ذلك إنا اعتدنا «للظالمين» أي ~~هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه والتعبير عنهم بالظالمين ~~للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير ~~موضعه «نارا» عظيمة عجيبة «أحاط بهم» أي يحيط بهم وإيثار صيغة الماضي ~~للدلالة على التحقق «سرادقها» أي فسطاطها شبه به ما يحيط بهم من النار وقيل ~~السرادق ms2030 الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من ~~نار «وإن يستغيثوا» من العطش «يغاثوا بماء كالمهل» كالحديد المذاب وقيل ~~كدردى الزيت وهو على طريقة قوله فاعتبوا بالصيلم «يشوي الوجوه» إذا قدم ~~ليشرب انشوى الوجه لحرارته عن النبي صلى الله عليه وسلم هو كعكر الزيت فإذا ~~قرب إليه سقطت فروة وجهه «بئس الشراب» ذلك «وساءت» النار «مرتفقا» متكأ ~~وأصل الاتفاق نصب المرفق تحت الخد وأنى ذلك في النار وإنما هو بمقابلة قوله ~~تعالى «وحسنت مرتفقا» «إن الذين آمنوا» في محل التعليل للحث على الإيمان ~~المنفهم من التخيير كأنه قيل والذين آمنوا ولعل تغيير سبكه للإيذان بكمال ~~تنافي مآلي الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحى إليك «وعملوا ~~الصالحات» حسبما بين في تضاعيفه «إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا» خبر إن ~~الأولى هي الثانية مع ما في حيزها والراجع محذوف أي من أحسن منهم عملا أو ~~مستغنى عنه كما في قولك نعم الرجل زيدا أو واقع موقعه الظاهر فإن من أحسن ~~عملا في الحقيقة هو الذين آمن وعلم الصالحات «أولئك» المنعوتون بالنعوت ~~الجليلة «لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار» استئناف لبيان الأجر أو هو ~~الخبر وما بنيهما اعتراض أو هو خبر بعد خبر «يحلون فيها من أساور من ذهب» ~~من الأولى ابتدائية والثانية بيانية صفة لأساور والتنكير للتفخيم وهو جمع ~~أسورة أو أسور جمع سوار «ويلبسون ثيابا خضرا» خصت الخضرة بثيابهم لأنها ~~أحسن الألوان وأكثرها طراوة «من سندس وإستبرق» أي ممارق من الديباج وما غلظ ~~جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين «متكئين ~~فيها على الأرائك» على السرر على ما هو شأن المتنعمين «نعم الثواب» ذلك ~~«وحسنت» أي الأرائك «مرتفقا» PageV05P220 # أي متكأ «واضرب لهم» أي للفريقين الكافر والمؤمن «مثلا رجلين» مفعولان لا ~~ضرب أولهما ثانيهما لأنه المحتاج إلى التفصيل والبيان أي اضرب للكافرين ~~والمؤمنين لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا من أن للأولين في ~~الآخرة كذا وللآخرين كذا بل ms2031 من حيث عصيان الأولين مع تقلبهم في نعم الله ~~تعالى وطاعة الآخرين مع مكابدتهم مشاق الفقر مثلا حال رجلين مقدرين أو ~~محققين هما أخوان من بني إسرائيل أو شريكان كافر اسمه قطروس ومؤمن اسمه ~~يهوذا اقتسما ثمانية آلاف دينار فاشترى الكافر بنصيبه ضياعا وعقارا وصرف ~~المؤمن نصيبه إلى وجوه المبار فآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى وقيل هما ~~أخوان من نبي مخزوم كافر هو الأسود بن عبد الأسد ومسلم هو أبو سلمة عبد ~~الله بن عبد الأسد زوج أم سلمة رضي الله عنها أولا «جعلنا لأحدهما» وهو ~~الكفار «جنتين» بستانين «من أعناب» من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيان ~~للتمثيل أو صفة لرجلين «وحففناهما بنخل» أي جعلنا النخل محيطة بهما مؤزرا ~~بها كرومهما يقال حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم جعلتهم حافين حوله ~~فيزيده الباء مفعولا آخر كقولك غشيته به «وجعلنا بينهما» وسطهما «زرعا» ~~ليكون كل منهما جامعا للأفوات والفواكه متواصل العمارة على الهيئة الرائقة ~~والوضع الأنيق «كلتا الجنتين آتت أكلها» ثمرها وبلغت مبلغا صالحا للأكل ~~وقرئ بسكون الكاف وقرئ كل الجنتين آتي أكله «ولم تظلم منه» لم تنقص من ~~أكلها «شيئا» كما يعهد ذلك في سائر البساتين فإن الثمار غالبا تكثر في عام ~~وتقل في آخر وكذا بعض الأشجار يأتي بالثمر في بعض الأعوام دون بعض «وفجرنا ~~خلالهما» فيما بين كل من الجنتين «نهرا» على حدة ليدوم شربهما ويزيد ~~بهاؤهما وقرئ بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجير النهر عن ذكر إيتاء الكل مع أن ~~الترتيب الخارجي على العكس للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير ~~النهر في تكميل محاسن الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها ولو عكس لا نفهم أن ~~المجموع خصلة واحدة بعضها مترتب على بعض فإن إيتاء الأكل متفرع على السقي ~~عادة وفيه إيماء إلى أن إيتاء الأكل لا يتوقف على السقي كقوله تعالى «يكاد ~~زيتها يضيء» ولو لم تمسسه نار «وكان له» لصاحب الجنتين «ثمر» أنواع من ~~المال غير الجنتين من ثمر ماله إذا كثرة قال ms2032 ابن عباس رضي الله عنهما هو ~~جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك وقال مجاهد هو الذهب والفضة ~~خاصة «فقال لصاحبه» المؤمن «وهو» أي القائل «يحاوره» أي صاحبه المؤمن وإن ~~جاز العكس أي يراجعه في الكلام من حار إذا رجع «أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا» حشما وأعوانا أو أولادا ذكورا لأنهم الذين ينفرون معه PageV05P221 # «ودخل جنته» التي شرحت أحوالها وعددها وصفاتها وهيآتها وتوحيدها إما لعدم ~~تعلق الغرض بتعدادها وإما لاتصال إحداهما بالأخرى وإما لأن الدخول يكون في ~~واحدة فواحدة «وهو ظالم لنفسه» ضار لها بعجبه وكفره «قال» استئناف مبني على ~~سؤال نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه كأنه قيل فماذا قال إذ ذاك فقيل ~~قال «ما أظن أن تبيد هذه» الجنة أي تفنى «أبدا» لطول أمله وتمادي غفلته ~~واغتراره بمهلته ولعله إنما قاله بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه ~~ونهيه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات «وما أظن الساعة ~~قائمة» كائنة فيما سيأتي «ولئن رددت» بالبعث عند قيامها كما تقول «إلى ربي ~~لأجدن» يومئذ «خيرا منها» أي من هذه الجنة وقرئ منهما أي من الجنتين ~~«منقلبا» مرجعا وعاقبة ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقاد أنه تعالى ~~إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامته عليه سبحانه ولم ~~يدر أن ذلك استدراج «قال له صاحبه» استئناف كما سبق «وهو يحاوره» جملة ~~حالية كما مر فائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوه كلام معتنى ~~بشأنه مسوق للمحاورة «أكفرت» حيث قلت ما أظن الساعة قائمة «بالذي خلقك» أي ~~في ضمن خلق أصلك «من تراب» فإن خلق آدم عليه السلام منه متضمن لخلقه منه ~~لما أن خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن ~~فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر أفراد ~~الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان خلقه عليه ~~السلام من التراب خلقا للكل منه وقيل خلقك منه لأنه أصل ms2033 مادتك إذ به يحصل ~~الغذاء الذي منه تحصل النطفة فتدبر «من نطفة» هي مادتك القريبة فالمخلوق ~~واحد والمبدأ متعدد «ثم سواك رجلا» أي عدلك وكملك إنسانا ذكرا أو صيرك رجلا ~~والتعبير عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما في حيز الصلة لإنكار الكفر ~~والتلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله عز من قائل يا أيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب الخ «لكن هو الله ربي» أصله لكن إنا ~~وقد قرئ كذلك فحذفت الهمزة فتلاقت النونان فكان الإدغام وهو ضمير الشأن وهو ~~مبتدأ خبره الله ربي وتلك الجملة خبر إنا والعائد منها إليه الضمير وقرئ ~~بإثبات ألف إنا في الوصل وفي الوقف جميعا وفي الوقف خاصة وقرئ لكنه بالهاء ~~ولكن بطرح إنا ولكن إنا لا إله إلا هو ربي ومدار الاستدراك قوله تعالى ~~أكفرت كأنه قال أنت كافر لكني مؤمن موحد «ولا أشرك بربي أحدا» فيه إيذان ~~بأن كفره كان PageV05P222 # بطريق الإشراك «ولولا إذ دخلت جنتك قلت» أي هلا قلت عندما دخلتها وتقديم ~~الظرف على المحضض عليه للإيذان بتحتم القول في آن الدخول من غير ريث لا ~~للقصر «ما شاء الله» أي الأمر ما شاء الله أو ما شاء الله كأن على أن ما ~~موصولة مرفوعة المحل أو أي شيء شاء الله كان على أنها شرطية منصوبة والجواب ~~محذوف والمراد تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن ~~شاء أبقاها وإن شاء أفناها «لا قوة إلا بالله» أي هلا قلت ذلك اعترافا ~~بعجزك وبأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته تعالى ~~وإقداره عن النبي صلى الله عليه وسلم من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله لم يضره «إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا» أنا إما مؤكد ~~لياء المتكلم أو ضمير فصل بين مفعولي الرؤية إن جعلت عملية وأقل ثانيهما ~~وحال إن جعلت بصرية فيكون أنا حينئذ تأكيدا لا غير لأن شرط كونه ضمير فصل ms2034 ~~توسطه بين المبتدأ والخبر أو ما أصله المبتدأ والخبر وقرئ أقل بالرفع خبرا ~~لأنا والجملة مفعول ثان للرؤية أو حال وفي قوله تعالى وولدا نصرة لمن فسر ~~النفر بالولد «فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك» هو جواب الشرط والمعنى إن ~~ترن أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وما بك من الفقر ~~والغنى فيرزقني لإيماني جنة خيرا من جنتك ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب جنتك ~~«ويرسل عليها حسبانا» هو مصدر بمعنى الحساب كالبطلان والغفران أي مقدارا ~~قدره الله تعالى وحسبه وهو الحكم بتخريبها وقيل عذاب حسبان وهو حساب ما ~~كسبت يداه وقيل مرامي جمع حسبانا وهي الصواعق ومساعدة النظم الكريم فيما ~~سيأتي للأولين أكثر «من السماء فتصبح صعيدا زلقا» مصدر أريد به المفعول ~~مبالغة أي أرض ملساء يزلق عليها لاستئصال ما عليها من البناء والشجر ~~والنبات «أو يصبح» عطف على قوله تعالى فتصبح وعلى الوجه الثالث على يرسل ~~«ماؤها غورا» أي غائرا في الأرض أطلق عليه المصدر المبالغة «فلن تستطيع» ~~أبدا «له» أي للماء الغائر «طلبا» فضلا عن وجدانه ورده «وأحيط بثمره» أهلك ~~أمواله المعهودة من جنتيه وما فيهما وأصله من إحاطة العدو وهو عطف على مقدر ~~كأنه قيل فوقع بعض ما توقع من المحذور وأهلك أمواله وإنما حذف لدلالة ~~السياق والسياق عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة «فأصبح يقلب كفيه» ~~ظهرا لبطن وهو كناية عن الندم كأنه قيل فأصبح يندم «على ما أنفق فيها» أي ~~في عمارتها من المال لعل تخصيص الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه ~~إنما يكون على الأفعال الاختيارية ولأن ما أتفق في عمارتها كان PageV05P223 # مما يمكن صيانته عن طوارق الحدثان وقد صرفه إلى مصالحها رجاء أي يتمتع ~~بها أكثر مما يتمتع به وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردى ولذلك قال ما أظن ~~أن تبيد هذه أبدا فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك ندم على ما صنع بناء ~~على الزعم الفاسد من إنفاق ما ms2035 يمكن ادخاره في مثل هذا الشيء السريع الزوال ~~«وهي» أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل «خاوية» ساقطة «على عروشها» أي ~~دعائمها المصنوعة للكروم لسقوطها قبل سقوطها وتخصيص حالها بالذكر دون النخل ~~والزرع أما لأنها العمدة وهما من متمماتها وأما لأن ذكر هلاكها مغن عن ذكر ~~هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مشيدة بعروشها فهلاك ما عداها بالطريق ~~الأولي وإما لأن الإنفاق في عمارتها أكثر وقيل أرسل الله تعالى نارا ~~فأحرقتها وغار ماؤها «ويقول» عطف على يقلب أو حال من ضميره أي وهو يقول «يا ~~ليتني لم أشرك بربي أحدا» كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه إنما أتى من قبل ~~شركه فتمنى لو لم يكن مشركا فلم يصبه ما أصابه قبل ويحتمل أن يكون ذلك توبة ~~من الشرك وندما على ما فرط منه «ولم تكن له» وقرئ بالتاء التحتانية «فئة ~~ينصرونه» يقدرون على نصره بدفع الإهلاك وعلى رد المهلك والإتيان بمثله وجمع ~~الضمير باعتبار المعنى كما في قوله عز وعلا يرونهم مثليهم «من دون الله» ~~أنه القادر على ذلك وحده «وما كان» في نفسه «منتصرا» ممتنعا بقوته عن ~~انتقامه سبحانه «هنالك» في ذلك المقام وفي تلك الحال «الولاية لله الحق» أي ~~النصر له وحده لا يقدر عليها أحد فهو تقرير لما قبله وينصر فيها أولياءه ~~المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن ويعضده قوله ~~تعالى «هو خير ثوابا وخير عقبا» أي لأوليائه وقرأ الولاية بكسر الواو ~~ومعناه الملك والسلطان أي هنالك السلطان له عز وجل لا يغلب ولا يمتنع منه ~~أو لا يعبد غيره كقوله تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فيكون تنبيها على أن قوله «يا ليتني لم أشرك» الخ كان عن اضطرار وجزع ~~عما دهاه على أسلوب قوله تعالى الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين وقيل ~~هناك إشارة إلى الآخرة كقوله تعالى «لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» ~~وقرئ برفع الحق على أنه صفة الولاية وبنصبه على أنه مصدر مؤكد وقرئ ms2036 عقبا ~~بضم القاف وعقبا كرجعى والكل بمعنى العاقبة «واضرب لهم مثل الحياة الدنيا» ~~أي واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا بها ~~ولا يعكفوا عليها ولا يضربوا عن الآخرة صفحا بالمرة أو بين لهم صفتها ~~العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل «كماء» استئناف لبيان المثل أي هي كماء ~~«أنزلناه من السماء» ويجوز كونه مفعولا ثانيا لا ضرب على أنه بمعنى صير ~~«فاختلط به» اشتبك بسبيه «نبات PageV05P224 # الأرض» فالتف وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه أو نجع الماء في النبات ~~حتى رو ورف فمقتضى الظاهر حينئذ فاختلط بنبات الأرض وإيثار ما عليه النظم ~~الكريم عليه للمبالغة بالكثرة فإن كلا المختلطين موصوف بصفة صاحبه «فأصبح» ~~ذلك النبات الملتف أثر بهجتها ورفيفها «هشيما» مهشوما مكسورا «تذروه ~~الرياح» تفرقه وقرئ تذريه من أذراه وتذروه الريح وليس المشبه به نفس الماء ~~بل هو الهيئة المنتزعة من الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر ~~وارفا ثم هشيما تطيره الرياح كأن لم يغن بالأمس «وكان الله على كل شيء» من ~~الأشياء التي من جملتها الإنشاء والإفناء «مقتدرا» قادرا على الكمال «المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا» بيان لشأن ما كانوا يفتخرون به من محسنات ~~الحياة الدنيا كما قال الأخ الكافر أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أثر بيان ~~شأن نفسها بما مر من المثل وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه كما ~~في الآية المحكية آنفا وقوله تعالى «وأمددناكم بأموال وبنين» وغير ذلك من ~~الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك وعمومه ~~بالنسبة إلى الأفراد والأوقات فإنه زينة وممد لكل أحد من الآباء والبنين في ~~كل وقت وحين وأما البنون فزينتهم وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ ~~مبلغ الأبوة ولأن المال مناط لبقاء النفس والبنين لبقاء النوع ولأن الحاجة ~~إليه أمس من الحاجة إليهم ولأنه أقدم منهم في الوجود ولأنه زينة بدونهم من ~~غير عكس فإن من له بنون بلا مال فهو في ضيق حال ونكال وإفراد ms2037 الزينة مع ~~أنها مسندة إلى الاثنين لما أنها مصدر في الأصل أطلق على المفعول مبالغة ~~كأنهما نفس الزينة والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيء يتزين به ~~في الحياة الدنيا وقد علم شأنها في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال فكيف بما هو ~~من أوصافها التي شأنها أن تزول قبل زوالها «والباقيات الصالحات» هي أعمال ~~الخير وقيل هي في الصلوات الخمس وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر وقيل كل ما أريد به وجه الله تعالى وعلى كل تقدير يدخل ~~فيها أعمال فقراء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~دخولا أوليا أما صلاحها فظاهر وأما بقاؤها فبقاء عوائدها عند فناء كل ما ~~تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا «خير» أي مما نعت شأنه من المال والبنين ~~وإخراج بقاء تلك الأعمال وصلاحها مخرج الصفات المفروغ عنها مع أن حقهما أي ~~يكون مقصودى الإفادة لا سيما في مقابلة إثبات الفناء لما يقابلها من المال ~~والبنين على طريقة قوله تعالى ما عندكم ينفذ وما عند الله باق للإيذان بأن ~~بقاؤها أمر محقق لا حاجة إلى بيانه بل لفظ الباقيات اسم له وصف ولذلك لم ~~يذكر الموصوف وإنما الذي يحتاج إلى التعرض له خيرتها «عند ربك» أي في ~~الآخرة وهو بيان لما يظهر فيه آثار خيرتها بمنزلة إضافة الزينة إلى الحياة ~~الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكل في الأصل إذ لا ~~مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة «ثوابا» عائدة تعود إلى صاحبها «وخير ~~أملا» حيث ينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا ~~PageV05P225 # وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أملا يناله وتكرير خير للإشعار ~~باختلاف حيثية الخيرية والمبالغة فيها «ويوم نسير الجبال» منصوب بمضمر أي ~~اذكر حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو على هيئاتها كما ينبئ عنه قوله ~~تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب أو نسير أجزاءها بعد أن ~~نجعلها هباء منبثا والمراد بتذكيره تحذير ms2038 المشركين مما فيه من الدواهي وقيل ~~هو معطوف على ما قبله من قوله تعالى «عند ربك» أي الباقيات الصالحات خير ~~عند الله ويوم القيامة وقرئ تسير على صيغة البناء للمفعول من التفعيل جريا ~~على سنن الكبرياء وإيذانا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعينه وقرئ ~~تسير «وترى الأرض» أي جميع جوانبها والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤيا وقرئ ترى على صيغة البناء للمفعول «بارزة» ~~أما بروز ما تحت الجبال فظاهر وأما ما عاداه فكانت الجبال تحول بينه وبين ~~الناظر قبل ذلك فالآن أضحى قاعا صفصفا لنرى فيها ولا أمة «وحشرناهم» ~~جمعناهم إلى الموقف من كل أوب وإيثار صيغة الماضي بعد نسير وترى للدلالة ~~على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر ~~الجزاء وكذا الكلام فيما عطف عليه منفيا وموجبا وقيل هو للدلالة على أن ~~حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك ~~«فلم نغادر» أي لم نترك «منهم أحدا» يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ~~الذي هو ترك الوفاء والغدير الذي هو ماء يتركه السيل في الأرض الغائرة وقرئ ~~بالياء وبالفوقانية على إسناد الفعل إلى ضمير الأرض كما في قوله تعالى ~~وألقت ما فيها وتخلت «وعرضوا على ربك» شبهت حالهم بحال جند عرضوا على ~~السلطان ليأمر فيهم بما يأمر وفي الالتفات إلى الغيبة وبناء الفعل للمفعول ~~مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تربية ~~المهابة والجري على سنن الكبرياء وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا ~~يخفى «صفا» أي غير متفرقين ولا مختلطين فلا تعرض فيه لوحدة الصف وتعدده وقد ~~ورد في الحديث الصحيح يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا «لقد ~~جئتمونا» على إضمار القول على وجه يكون حالا من ضمير عرضوا أي مقولة لهم أو ~~وقلنا لهم وأما كونه عاملا في يوم نسير كما قيل فبعيد من جزالة التنزيل ~~الجليل كيف لا ويلزم منه ms2039 أن هذا القول هو المقصود بالأصالة دون سائر ~~القوارع مع أنه خاص التعلق بما قبله من العرض والحشر دون تسيير الجبال ~~وبروز الأرض «كما خلقناكم» نعت لمصدر مقدر أي مجيئا كائنا مجيئكم عند خلقنا ~~لكم «أول مرة» أوحال من ضمير جئتمونا أي كائنين كما خلقناكم أول مرة حفاة ~~عراة غرلا أو ما معكم شيء مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله تعالى ~~«ولقد جئتمونا» فرادى «كما خلقناكم أول مرة» وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~«بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا» إضراب وانتقال من كلام إلى كلام كلاهما ~~للتوبيخ PageV05P226 # والتقريع أي زعمتم في الدنيا أنه لن نجعل لكم أبدا وقتا ننجز فيه ما ~~وعدناه من البعث وما يتبعه وأن مخففة من المثقلة فصل بحرف النفي بينها وبين ~~خبرها لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاء والظرف أما مفعول ثان للجعل وهو ~~بمعنى التصيير والأول هو موعدا أو حال من موعد أو هو بمعنى الخلق والإبداع ~~«ووضع الكتاب» عطف على عرضوا داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد تذكيرها ~~بتذكير وقتها أورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي دلالة على التقرر ~~أيضا أي وضع صحائف الأعمال وإيثار الأفراد للاكتفاء بالجنس والمراد بوضعها ~~أما وضعها في أيدي أصحابها يمينا وشمالا وأما في الميزان «فترى المجرمين» ~~قاطبة فيدخل فيهم الكفرة المنكرون للبعث دخولا أوليا «مشفقين» خائفين «مما ~~فيه» من الجرائم والذنوب «ويقولون» عند وقوفهم على ما في تضاعيفه نقيرا ~~وقطميرا «يا ويلتنا» منادين لهلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات مستدعين ~~لها ليهلكوا ولا يروا هول ما لقوه أي يا ويلتنا أحضرى فهذا آوان حضورك «ما ~~لهذا الكتاب» أي أي شيء له وقوله تعالى «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها» أي حواها وضبطها جملة حالية محققة لما في الجملة الاستفهامية من ~~التعجب أو استئنافية مبنية على سؤال نشأ من التعجب كأنه قيل ما شأنه حتى ~~يتعجب منه فقيل لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها «ووجدوا ما ~~عملوا» في الدنيا من السيئات أو ms2040 جزاء ما عملوا «حاضرا» مسطورا عتيدا «ولا ~~يظلم ربك أحدا» فيكتب ما لم يعمل من السيئات أو يزيد في عقابه المستحق ~~فيكون إظهارا لمعدلة القلم الأزلي «وإذ قلنا للملائكة» أي اذكر وقت قولنا ~~لهم «اسجدوا لآدم» سجود تحية وتكريم وقد مر تفصيله «فسجدوا» جميعا امتثالا ~~بالأمر «إلا إبليس» فإنه لم يسجد بل أبى واستكبر وقوله تعالى «كان من الجن» ~~كلام مستأنف سيق مساق التعليل لما يفيده استثناء اللعين من الساجدين كأنه ~~قيل ماله لم يسجد فقيل كان أصله جنيا «ففسق عن أمر ربه» أي خرج عن طاعته ~~كما ينبئ عنه الفاء أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر الله تعالى إذ لولاه أبى ~~وتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق لبيان كمال قبح ما فعله والمراد بتذكير ~~قصته تجديد النكير على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين ~~عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنه في ذلك ~~تابعون لتسويله كما ينبئ عنه قوله تعالى «أفتتخذونه» الخ فإن الهمزة ~~للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب والفاء أي أعقيب علمكم بصدور تلك القبائح ~~عنه تتخذونه «وذريته» أي وأولاده وأتباعه جعلوا ذريته مجازا قال قتادة ~~يتوالدون كما يتوالد بنو آدم وقيل يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة ~~عن جماعة من الشياطين «أولياء من دوني» فتستبدلونهم بي فتطيعونهم ~~PageV05P227 # بدل طاعتي «وهم» أي والحال أن إبليس وذريته «لكم عدو» أي أعداءكما في ~~قوله تعالى فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقوله تعالى هم العدو وإنما فعل ~~به ذلك تشبيها له بالمصدر نحو القبول والولوع وتقيد الاتخاذ بالجملة ~~الحالية لتأكيد الإنكار وتشديده فإن مضمونها مانع من وقوع الاتخاذ ومناف له ~~قطعا «بئس للظالمين» أي الواضعين للشيء في غير موضعه «بدلا» من الله سبحانه ~~إبليس وذريته وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع الضمير من ~~الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ما لا يخفى «ما ~~أشهدتهم» استئناف مسوق لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور في أنفسهم بعد ~~بيان الصوارف عن ذلك من خباثة ms2041 المحتد والفسق والعداوة أي ما أحضرت إبليس ~~وذريته «خلق السماوات والأرض» حيث خلقتهما قبل خلقهم «ولا خلق أنفسهم» أي ~~ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله تعالى «ولا تقتلوا أنفسكم» هذا ما أجمع عليه ~~الجمهور حذارا من تفكيك الضميرين ومحافظة على ظاهر لفظ الأنفس ولك أن ترجع ~~الضمير الثاني إلى الظالمين وتلتزم التفكيك بناء على قود المعنى إليه فإن ~~نفي إشهاد الشياطين خلق الذين يتولونهم هو الذي يدور عليه إنكار اتخاذهم ~~أولياء بنا على أن أدنى ما يصحح التولي حضور الولي خلق المتولى وحيث لا ~~حضور لا مصحح للتولي قطعا وأما نفي إشهاد بعض الشياطين خلق بعض منهم فليس ~~من مدارية الإنكار المذكور في شيء على أن إشهاد بعضهم خلق بعض إن كان مصححا ~~لتولي الشاهد بناء على دلالته على كماله باعتبار أن له مدخلا في خلق ~~المشهود في الجملة فهو مخل بتولي المشهود بناء على قصوره عمن شهد خلقه فلا ~~يكون نفي الإشهاد المذكور متمحضا في نفي الكمال المصحح للتولي عن الكل ~~والمناط للإنكار المذكور «وما كنت متخذ المضلين» أي متخذهم وإنما وضع موضعه ~~المظهر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالإضلال وتأكيدا لما سبق من إنكار اتخاذهم ~~أولياء «عضدا» أعوانا في شأن الخلق أو في شأن من شئوني حتى يتوهم شركتهم في ~~التولي بناء على الشركة في بعض أحكام الربوبية وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ~~ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد ~~يشتبه على البله والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به وإيثار نفي الإشهاد على ~~نفي شهودهم ونفي اتخاذهم أعوانا على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون ~~تحت قدرته تعالى تابعون لمشيئته وإرادته فيهم وأنهم بمعزل من استحقاق ~~الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير إحضار واتخاذ وإنما قصارى ما يتوهم ~~في شأنهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله عز وجل ولم يكد ذلك يكون وقيل ~~الضمير للمشركين والمعنى ما أشهدتم خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين ~~وما خصصتهم بفضائل لا يحويها غيرهم حتى يكونوا ms2042 قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم ~~كما يزعمون فلا يلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم الدين فإنه لا ينبغي لي أن ~~أعتضد بالمضلين ويعضده القراءة بفتح التاء خطابا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمعنى ما صح لك الاعتضاد بهم ووصفهم بالإضلال PageV05P228 # لتعليل نفي الاتخاذ وقرئ متخذا المضلين على الأصل وقرئ عضدا بضم العين ~~وسكون الضاد وبفتح وسكون بالتخفيف وبضمتين بالاتباع وبفتحتين على أنه جمع ~~عاضد كرصد وراصد «ويوم يقول» أي الله عز وجل للكافرين توبيخا وتعجيزا وقرئ ~~بنون العظمة «نادوا شركائي الذين زعمتم» أنهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم والمراد ~~بهم كل ما عبد من دونه تعالى وقيل إبليس وذريته «فدعوهم» أي نادوهم للإغاثة ~~وفيه بيان لكمال اعتنائهم بإعانتهم على طريقة الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق ~~إلى المدافعة «فلم يستجيبوا لهم» فلم يغيثوهم إذ لا إمكان لذلك وفي إرادة ~~مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح ~~به «وجعلنا بينهم» بين الداعين والمدعوين «موبقا» اسم مكان أو مصدر من وبق ~~وبوقا كوثب وثوبا أو وبق وبقا كفرح فرحا إذا هلك أي مهلكا يشتركون فيه وهو ~~النار أو عداوة هي في الشدة نفس الهلاك كقول عمر رضي الله عنه لا يكن حبك ~~كلفا ولا بغضك تلفا وقيل البين الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا في ~~الآخرة ويجوز أن يكون المراد بالشركاء الملائكة وعزيرا وعيسى عليهم السلام ~~ومريم وبالموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بينهم أمدا بعيدا يهلك فيه الأشواط ~~لفرط بعدهم لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان «ورأى المجرمون النار» ~~وضع المظهر مقام المضمر تصريحا بإجرامهم وذما لهم بذلك «فظنوا» أي فأيقنوا ~~«أنهم مواقعوها» مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم ~~مواقعوها الساعة «ولم يجدوا عنها مصرفا» انصرافا أو معدلا ينصرفون إليه ~~«ولقد صرفنا» أي كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظم «في هذا القرآن ~~للناس» لمصلحتهم ومنفعتهم «من كل مثل» من جملته ما مر من مثل الرجلين ومثل ~~الحياة الدنيا أو ms2043 من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان ~~التي هي في الغرابة والحسن واستجلاب النفس كالمثل ليتلقوه بالقبول فلم ~~يفعلوا «وكان الإنسان» بحسب جبلته «أكثر شيء جدلا» أي أكثر الأشياء التي ~~يتأتى منها الجدل وهو ههنا شدة الخصومة بالباطل والمماراة من الجدل الذي هو ~~الفتل والمجادلة الملاواة لأن كلا من المجادلين يلتوى على صاحبه وانتصابه ~~على التمييز والمعنى أن جد له أكثر من جدل كل مجادل «وما منع الناس» أي أهل ~~مكة الذين حكيت أباطيلهم «أن يؤمنوا» من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما ~~هم فيه من الإشراك «إذ جاءهم الهدى» أي القرآن العظيم الهادي إلى الإيمان ~~بما فيه من فنون المعاني الموجبة له «ويستغفروا ربهم» عما فرط منهم من ~~أنواع الذنوب PageV05P229 # التي من جملتها مجادلتهم للحق بالباطل «إلا أن تأتيهم سنة الأولين» أي ~~إلا طلب إتيان سنتهم أو إلا انتظار إتيانها أو إلا تقديره فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه وسنتهم الاستئصال «أو يأتيهم العذاب» أي عذاب ~~الآخرة «قبلا» أي أنواعا جمع قبيل أو عيانا كما في قراءة قبلا بكسر القاف ~~وفتح الباء وقرئ بفتحتين أي مستقبلا يقال لقيته قبلا وقبلا وقبلا وانتصابه ~~على الحالية من الضمير أو العذاب والمعنى إن ما تضمنه القرآن الكريم من ~~الأمور المستوجبة للإيمان بحيث لو لم يكن مثل هذه الحكمة القوية لما امتنع ~~الناس من الإيمان وإن كانوا مجبولين على الجدل المفرط «وما نرسل المرسلين» ~~إلى الأمم ملتبسين بحال من الأحوال «إلا» حال كونهم «مبشرين» للمؤمنين ~~بالثواب «ومنذرين» للكفرة والعصاة بالعقاب «ويجادل الذين كفروا بالباطل» ~~باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات والسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعنتا ~~«ليدحضوا به» أي بالجدال «الحق» أي يزيلوه عن مركزه ويبطلوه من إدحاض القدم ~~وهو إزلاقها وهو قولهم للرسل عليهم الصلاة والسلام ما أنتم إلا بشر مثلنا ~~ولو شاء الله لأنزل ملائكة ونحوهما «واتخذوا آياتي» التي تخر لها صم الجبال ~~«وما أنذروا» أي أنذروه من القوارع الناعية عليهم العقاب والعذاب أو ~~إنذارهم «هزوا» استهزاء وقرئ ms2044 بسكون الزاي وهو ما يستهزأ به «ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيات ربه» وهو القرآن العظيم «فأعرض عنها» ولم يتدبرها ولم يتذكر بها ~~وهذا السبك وإن كان مدلوله الوضعي نفي الأظلمية من غير تعرض لنفي المساواة ~~في الظلم إلا أن مفهومه العرفي أنه أظلم من كل ظالم وبناء الأظلمية على ما ~~في حيز الصلة من الإعراض عن القرآن للإشعار بأن ظلم من يجادل فيه ويتخذه ~~هزوا خارج عن الحد «ونسي ما قدمت يداه» أي عمله من الكفر والمعاصي التي من ~~جملتها ما ذكر من المجادلة بالباطل والاستهزاء بالحق ولم يتفكر في عاقبتها ~~«إنا جعلنا على قلوبهم أكنة» أغطية كثيرة جمع كنان وهو تعليل لإعراضهم ~~ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم «أن يفقهوه» مفعول لما دل عليه الكلام أي ~~منعناهم أن قفوا على كنهه أو مفعول له أي كراهة أن يفقهوه «وفي آذانهم» أي ~~جعلنا فيها «وقرا» ثقلا يمنعهم من استماعه «وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا ~~إذا أبدا» أي فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف وإذن جزاء للشرط ~~وجواب عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته ~~بإسلامهم كأنه قال صلى الله عليه وسلم مالي لا أدعوهم فقيل إن تدعهم الخ ~~وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه كما ~~أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار لفظه PageV05P230 # «وربك» مبتدأ وقوله تعالى «الغفور» خبره وقوله تعالى «ذو الرحمة» أي ~~الموصوف بها خبر بعد خبر وإيراد المغفرة على صيغة المبالغة دون الحرمة ~~للتنبيه على كثرة الذنوب ولأن المغفرة ترك المضار وهو سبحانه قادر على ترك ~~ما لا يتناهى من العذاب وأما الرحمة فهي فعل وإيجاد ولا يدخل تحت الوجود ~~إلا ما يتناهى وتقديم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية أو لأنه أهم ~~بحسب الحال إذا المقام مقام بيان تأخر العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما ~~يعرب عنه قوله عز وجل «لو يؤاخذهم» أي لو يريد مؤاخذتهم «بما كسبوا» من ~~المعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم ms2045 من مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن آيات ~~ربهم وعدم المبالاة بما اجترحوا من الموبقات «لعجل لهم العذاب» لاستيجاب ~~أعمالهم لذلك وإيثار المؤاخذة المنبئة عن شدة الأخذ بسرعة على التعذيب ~~والعقوبة ونحوهما للإيذان بأن النفي المستفاد من مقدم الشرطية متعلق بوصف ~~السرعة كما ينبئ عنه تاليها وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على ~~المضي لإفادة أن انتفاء تعجيل العذاب لهم بسبب استمرار عدم إرادة المؤاخذة ~~فإن المضارع الواقع موقع الماضي يفيد استمرار انتفاء الفعل فيما مضى كما ~~حقق في موضعه «بل لهم موعد» اسم زمان هو يوم بدر أو يوم القيامة والجملة ~~معطوفة على مقدر كأنه قيل لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتة «لن يجدوا» البتة «من ~~دونه موئلا» منجي أو ملجأ يقال وأل أي نجا ووأل إليه أي لجأ إليه «وتلك ~~القرى» أي قرى عاد وثمود وأضرابها وهي مبتدأ على تقدير المضاف أي وأهل تلك ~~القرى خبره قوله تعالى «أهلكناهم» أو مفعول مضمر مفسر به «لما ظلموا» أي ~~وقت ظلمهم كما فعلت قريش بما حكى عنهم من القبائح وترك المفعول إما لتعميم ~~الظلم أو لتنزيله منزلة اللازم أي لما فعلوا الظلم ولما إما حرف كما قال ~~ابن عصفور وإما ظرف استعمل للتعليل وليس المراد به الوقت المعين الذي عملوا ~~فيه الظلم بل زمان ممتد من ابتداء الظلم إلى آخره «وجعلنا لمهلكهم» أي عينا ~~لهلاكهم «موعدا» أي وقتا معينا لا محيد لهم عن ذلك وهذا استشهاد على ما فعل ~~بقريش من تعيين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب وقرئ بضم ~~الميم وفتح اللام أي إهلاكهم وبفتحهما «وإذ قال موسى» نصب بإضمار فعل أي ~~اذكر وقت قوله عليه السلام «لفتاه» وهو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف عليه ~~السلام سمى فتاه إذ كان يخدمه ويتبعه وقيل كان يتعلم منه ويسمى التلميذ فتى ~~وإن كان شيخا ولعل المراد بتذكيره عقيب بيان أن لكل أمة موعدا تذكير ما في ~~القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر المنافع الجليلة «لا أبرح» من ~~برح الناقص ms2046 كزال يزال أي لا أزال أسير فحذف الخبر اعتمادا على PageV05P231 # قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالا على ما يعقبه من ~~قوله «حتى أبلغ» فإن ذلك غاية تستدعي ذا غاية يؤدي إليها ويجوز أن يكون أصل ~~الكلام لا يبرح مسيري حاصلا حتى أبلغ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ~~فينقلب الضمير البارز المجرور المحل مرفوعا مستكنا والفعل من صيغة الغيبة ~~إلى التكلم ويجوز أن يكون من برح التام كزال يزول أي لا أفارق ما أنا بصدده ~~حتى أبلغ «مجمع البحرين» هو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق وقيل ~~طنجة وقيل هما الكر والرس بأرمينية وقيل إفريقية وقرئ بكسر الميم كمشرق «أو ~~أمضي حقبا» أسير زمانا طويلا أتيقن معه فوات المطلب والحقب الدهر أو ثمانون ~~سنة وكان منشأ هذه العزيمة أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بني ~~إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط أمره الله عز وجل أن يذكر قومه النعمة ~~فقام فيهم خطيبا بخطبة بديعة رقت بها القلوب وذرفت العيون فقالوا له من ~~أعلم الناس قال أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه عز وجل ~~فأوحى إليه بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر عليه السلام ~~وكان في أيام أفريذون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدمة ذي القرنين ~~الأكبر وبقي إلى أيام موسى وقيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أحب ~~إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني قال فأي عباد أقضي قال الذي يقضي بالحق ~~ولا يتبع الهوى قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى ~~أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى فقال إن كان في عبادك من هو اعلم ~~مني فدلني عليه قال أعلم منك الخضر قال أين أطلبه قال على ساحل البحر عند ~~الصخرة قال يا رب كيف لي به قال تأخذ حوتا في مكتل فحيثما فقدته فهو هناك ~~فأخذ حوتا فجعله في مكتل ms2047 فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ~~«فلما بلغا» الفاء فصيحة كما أشير إليه «مجمع بينهما» أي مجمع البحرين ~~وبينهما ظرف أضيف إليه اتساعا أو بمعنى الوصل «نسيا حوتهما» الذي جعل ~~فقدانه أمارة وجدان المطلوب أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه وقيل نسي يوشع ~~أن يقدمه وموسى عليه أن يأمره فيه بشيء روي أنهما لما بلغا مجمع البحرين ~~وفيه الصخرة وعين الحياة التي لا يصيب ماؤها ميتا إلا حي وضعا رؤوسهما على ~~الصخرة فناما فلما أصاب الحوت برد الماء وروحه عاش وقد كانا أكلا منه وكان ~~ذلك بعد ما استيقظ يوشع عليه السلام وقيل توضأ عليه السلام من تلك العين ~~فانتضح الماء على الحوت فعاش فوقع في الماء «فاتخذ سبيله في البحر سربا» ~~مسلكا كالسرب وهو النفق قيل امسك الله عز وجل جرية الماء على الحوت فصار ~~كالطاق عليه معجزة لموسى أو للخضر عليهما السلام وانتصاب سربا على أنه ~~مفعول ثان لاتخذ وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز أن يتعلق باتخذ ~~«فلما جاوزا» أي مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة قيل أدلجا وسار ~~الليلة والغد إلى الظهر وألقى على موسى عليه السلام الجوع فعند ذلك «قال ~~لفتاه آتنا غداءنا» أي ما نتغدى به وهو الحوت كما ينبئ عنه الجواب «لقد ~~لقينا من PageV05P232 # سفرنا هذا» إشارة إلى ما سارا بعد مجاوزة الموعد «نصبا» تعبا وإعياء قيل ~~لم ينصب ولم يجمع قبل ذلك والجملة في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء إما ~~باعتبار أن النصب إنما يعترى بسب الضعف الناشئ عن الجوع وإما باعتبار ما في ~~أثناء التغدي من استراحة ما «قال» أي فتاه عليه السلام «أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة» أي التجأنا إليها وأقمنا عندها وذكر الإواء إليها مع أن المذكور ~~فيما سبق مرتين بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل الحادثة فإن المجمع محل ~~متسع لا يمكن تحقيق المراد المذكور بنسبة الحادثة إليه ولتمهيد العذر فإن ~~الأواء إليها والنوم عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة والرؤية مستعارة ~~للمعرفة ms2048 التامة والمشاهدة الكاملة ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه ~~السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا ~~تكاد تنسى وقد جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب وهذا أسلوب معتاد فيما بين ~~الناس يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب أرأيت ما نابني يريد بذلك تهويله ~~وتعجيب صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعه لا استخباره عن ذلك كما قيل ~~والمفعول محذوف اعتمادا على ما يدل عليه من قوله عز وجل «فإني نسيت الحوت» ~~وفيه تأكيد للتعجيب وتربية لاستعظام المنسي وإيقاع النسيان على اسم الحوت ~~دون ضمير الغداء مع أنه المأمور بإتيانه للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس ~~من قبيل نسيان المسافر زاده في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوال ~~المتعلقة بالغداء من حيث هو غداء وطعام بل من حيث هو حوت كسائر الحيتان مع ~~زيادة أي نسيت أن أذكر لك أمره وما شاهدت منه من الأمور العجيبة «وما ~~أنسانيه إلا الشيطان» بوسوسته الشاغلة عن ذلك وقوله تعالى «أن أذكره» بدل ~~اشتمال من الضمير أي ما أنساني أن أذكره لك وفي تعليق الإنساء بضمير الحوت ~~أولا وبذكره له ثانيا على طريق الإبدال المنبئ عن تنحية المبدل منه إشارة ~~إلى أن متعلق النسيان أيضا ليس نفس الحوت بل ذكر أمره وقرئ أن أذكره وإيثار ~~أن أذكره على المصدر للمبالغة فإن مدلوله نفس الحدث عند وقوعه والحال وإن ~~كانت غريبة لا يعهد نسيانها لكنه لما تعود بمشاهدة أمثالها عند موسى عليه ~~السلام وألفها قل اهتمامه بالمحافظة عليها «واتخذ سبيله في البحر عجبا» ~~بيان لطرف من أمر الحوت منبئ عن طرف آخر منه وما بينهما اعتراض قدم عليه ~~للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حيي واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه ~~سبيلا عجبا فعجبا ثاني مفعولي اتخذ والظرف حال من أولهما أو ثانيهما أو هو ~~المفعول الثاني وعجبا صفة مصدر محذوف أي اتخاذا عجبا وهو كون مسلكه كالطاق ~~والسرب أو مصدر فعل محذوف أي أتعجب منه عجبا وقد قيل ms2049 إنه من كلام موسى عليه ~~الصلاة والسلام وليس بذاك «قال» أي موسى عليه الصلاة والسلام «ذلك» الذي ~~ذكرت من أمر الحوت «ما كنا PageV05P233 # نبغ» وقرئ بإثبات الياء والضمير العائد إلى الموصول محذوف أصله نبغيه أي ~~نطلبه لكونه أمارة للفوز بالمرام «فارتدا» أي رجعا «على آثارهما» طريقهما ~~الذي جاءا منه «قصصا» يقصان قصصا أي يتبعان آثارهما اتباعا أو مقتصين حتى ~~أتيا الصخرة «فوجدا عبدا من عبادنا» التنكير للتفخيم والإضافة للتشريف ~~والجمهور على أنه الخصر واسمه بليا بن ملكان وقيل اليسع وقيل إلياس عليهم ~~الصلاة والسلام «آتيناه رحمة من عندنا» هي الوحي والنبوة كما يشعر به تنكير ~~الرحمة واختصاصها بجناب الكبرياء «وعلمناه من لدنا علما» خاصا لا يكتنه ~~كنهه ولا يقادر قدره وهو علم الغيوب «قال له موسى» استئناف مبني على سؤال ~~نشأ من السباق كأنه قيل فماذا جرى بنيهما من الكلام فقيل قال له موسى «هل ~~أتبعك على أن تعلمن» استئذانا منه في اتباعه له على وجه التعلم «مما علمت ~~رشدا» أي علما ذا رشد أرشد به في ديني والرشد إصابة الخير وقرئ بفتحتين وهو ~~مفعول تعلمن ومفعول علمت محذوف وكلاهما منقول من علم المتعدي إلى مفعول ~~واحد ويجوز كونه علة لأتبعك أو مصدرا بإضمار فعله ولا ينافي نبوته وكونه ~~صاحب شريعة أن يتعلم من نبي آخر مالا تعلق له بأحكام شريعته من أسرار ~~العلوم الخفية ولقد راعى في سوق الكلام غاية التواضع معه عليهما السلام ~~«قال» أي الخصر «إنك لن تستطيع معي صبرا» نفى عنه استطاعة الصبر معه على ~~وجه التأكيد كأنه مما لا يصح ولا يستقيم وعلله بقوله «وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا» إيذانا بأنه يتولى أمورا خفية المدار منكرة الظواهر والرجل ~~الصالح لا سيما صاحب الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها وفي صحيح ~~البخاري قال الخضر يا موسى إني على علم من علم الله تعالى علمنيه لا تعلمه ~~وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وخبرا تمييز أي لم يحط به ms2050 ~~خبرك «قال» موسى عليه الصلاة والسلام «ستجدني إن شاء الله صابرا» معك غير ~~معترض عليك وتوسيط الاستثناء بين مفعولي الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن ~~ولئلا يتوهم تعلقه بالصبر «ولا أعصي لك أمرا» عطف على صابرا أي ستجدني ~~صابرا وغير عاص وفي وعد هذا الوجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس ~~الصبر وترك العصيان أو على ستجدني فلا محل له من الإعراب والأول هو الأولى ~~لما عرفته ولظهور تعلقه بالاستثناء حينئذ وفيه دليل على أن أفعال العباد ~~بمشيئة الله سبحانه وتعالى PageV05P234 # «قال فإن اتبعتني» إذن له في الاتباع بعد اللتيا والتي والفاء لتفريع ~~الشرطية على ما مر من التزام موسى عليه الصلاة والسلام للصبر والطاعة «فلا ~~تسألني عن شيء» تشاهده من أفعالي أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلا عن ~~المناقشة والاعتراض «حتى أحدث لك منه ذكرا» ي حتى أبتدئ ببيانه وفيه إيذان ~~بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة وهذا من أدب المتعلم من ~~العالم والتابع مع المتبوع وقرئ فلا تسألني بالنون المثقلة «فانطلقا» أي ~~موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام على الساحل يطلبان السفينة وأما يوشع ~~فقد صرفه موسى عليه الصلاة السلام إلى بني إسرائيل قيل إنهما مرا بسفينة ~~فكلما أهلها فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول «حتى إذا ركبا في السفينة» ~~استعمال الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة في مع تجريده عنها في مثل قوله ~~عز وجل لتركبوها وزينة على ما يقتضيه تعديته بنفسه لما أشرنا إليه في قوله ~~تعالى وقال اركبوا فيها لا لما قيل من أن في ركوبها معنى الدخول «خرقها» ~~قيل خرقها بعد ما لججوا حيث أخذ فاسا فقلع من ألواحها لوحين مما يلي الماء ~~فعند ذلك «قال» موسى عليه السلام «أخرقتها لتغرق أهلها» من الإغراق وقرئ ~~بالتشديد من التغريق وليغرق أهلها من الثلاثي «لقد جئت» أتيت وفعلت « شيئا ~~إمرا» أي عظيما هائلا من أمر الأمر إذا عظم قيل الأصل أمرا فخفف «قال» أي ~~الخضر عليه السلام «ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا» ms2051 تذكير لما قاله من قبل ~~وتحقيق لمضمونه متضمن للإنكار على عدم الوفاء وعده «قال لا تؤاخذني بما ~~نسيت» بنسياني أو بالذي نسيته أو بشيء نسيته وهو وصيته بأن لا يسأله عن ~~حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه أراد أنه نسي وصيته ~~ولا مؤاخذة على الناسي كما ورد في صحيح البخاري من أن الأول كان من موسى ~~نسيانا أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد ~~نسي ليبسط عذره في الإنكار وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع ~~التوصل إلى الغرض أو أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك ~~أول مرة «ولا ترهقني» أي لا تغشنى ولا تحملني «من أمري» وهو اتباعه إياه ~~«عسرا» أي لا تعسر على متابعتك ويسرها على بالإغضاء وترك المناقشة وقرئ ~~عسرا بضمتين «فانطلقا» الفاء فصيحة أي فقبل عذره فخرجا من السفينة فانطلقا ~~«حتى PageV05P235 # إذا لقيا غلاما فقتله» قيل كان الغلام يلعب مع الغلمان فقتل عنقه وقيل ~~ضرب برأسه الحائط وقيل أضجعه فذبحه بالسكين «قال» أي موسى عليه الصلاة ~~والسلام «أقتلت نفسا زكية» طاهرة من الذنوب وقرئ زاكية «بغير نفس» أي بغير ~~قتل نفس محرمة وتخصيص نفي هذا المبيح بالذكر من بين سائر المبيحات من الكفر ~~بعد الإيمان والزنا بعد الإحصان لأنه الأقرب إلى الوقوع نظرا إلى حال ~~الغلام ولعل تغيير النظم الكريم بجعل ما صدر عن الخضر عليه الصلاة والسلام ~~ههنا من جملة الشرط وإبراز ما صدر عن موسى عليه الصلاة والسلام في معرض ~~الجزاء المقصود إفادته مع أن الحقيق بذلك إنما هو ما صدر عن الخضر عليه ~~الصلاة والسلام من الخوارق البديعة لاستشراف النفس إلى ورود خبرها لقلة ~~وقوعها في نفس الأمر وندرة وصول خبرها إلى الأذهان ولذلك روعيت تلك النكتة ~~في الشرطية الأولى لما أن صدور الخوارق منه عليه الصلاة والسلام خرج بوقوعه ~~مرة مخرج العادة فانصرفت النفس عن ترقبه إلى ترقب أحوال موسى عليه الصلاة ~~والسلام هل يحافظ على مراعاة ms2052 شرطه بموجب وعده الأكيد عند مشاهدة خارق آخر ~~أو يسارع إلى المناقشة كما مر في المرة الأولى فكان المقصود إفادة ما صدر ~~عنه عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ولله در شأن التنزيل وأما ما قيل من ~~أن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديرا بأن يجعل عمدة في الكلام ~~فليس من دفع الشبهة في شيء بل هو مؤيد لها فإن كون القتل أقبح من مبادى قلة ~~صدوره عن المؤمن العاقل وندرة وصول خبره إلى الأسماع وذلك مما يستدعى جعله ~~مقصودا بالذات وكون الاعتراض عليه أدخل من موجبات كثرة صدوره عن كل عاقل ~~وذلك مما لا يقتضي جعله كذلك «لقد جئت شيئا نكرا» قيل معناه أنكر من الأول ~~إذ لا يمكن تداركه كما يمكن تدارك الأول بالسد ونحوه وقيل الأمر أعظم من ~~النكرة لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة «قال ألم أقل لك إنك ~~لن تستطيع معي صبرا» زيد لك لزيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية وقلة ~~التثبت والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير حتى ~~زاد في النكير في المرة الثانية «قال» أي موسى عليه الصلاة والسلام «إن ~~سألتك عن شيء بعدها» أي بعد هذه المرة «فلا تصاحبني» وقرئ من الإفعال أي لا ~~تجعلني صاحبك «قد بلغت من لدني عذرا» أي قد أعذرت ووجدت من قبلي عذرا حيث ~~خالفتك ثلاث مرات عن النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله أخي موسى استحيا ~~فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب وقرئ لدني بتخفيف النون وقرئ ~~بسكون الدال كعضد في عضد «فانطلقا حتى إذا PageV05P236 # أتيا أهل قرية» هي أنطاكية وقيل أيلة وهي أبعد أرض الله من السماء وقيل ~~هي برقة وقيل بلدة بأندلس عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أهل قرية ~~لئاما وقيل شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه ~~وقوله تعالى «استطعما أهلها» في محل الجر على أنه صفة لقرية ولعل العدول عن ~~استطعماهم على أن يكون ms2053 صفة لأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم فإن الإباء ~~من الضيافة وهم أهلها قاطنون بها أقبح وأشنع روى أيهما طافا في القرية ~~فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم «فأبوا أن يضيفوهما» بالتشديد وقرئ ~~بالتخفيف من الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفا وأضافه وضيفه أنزله وجعله ~~ضيفا له وحقيقة ضاف مال إليه من ضاف السهم عن الغرض ونظيره زاره من ~~الإزورار «فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض» أي يداني أن يسقط فاستعيرت ~~الإرادة للمشارفة للدلالة على المبالغة في ذلك والانقضاض الإسراع في السقوط ~~وهو انفعال من القض يقال قضضته فانقض ومنه انقضاض الطير والكوكب لسقوطه ~~بسرعة وقيل هو افعلال من النقض كاحمر من الحمرة وقرئ أن ينقض من النقض وأن ~~ينقاض من انقاضت السن إذا انشقت طولا «فأقامه» قيل مسحه بيده فقام وقيل ~~نقضه وبناه وقيل أقامه بعمود عمده به قيل كان سمكه مائة ذاع «قال لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا» تحريضا له على أخذ الجعل لينتعشا به أو تعريضا بأنه فضول ~~لما في لو من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا ~~يعنيه لم يتمالك الصبر واتخذ افتعل من تخذ بمعنى أخذ كاتبع من تبع وليس من ~~الأخذ عند البصريين وقرئ لتخذت أي لأخذت وقرئ بإدغام الذال في التاء «قال» ~~أي الخضر عليه الصلاة والسلام «هذا فراق بيني وبينك» على إضافة المصدر إلى ~~الظرف اتساعا وقد قرئ على الأصل والمشار إليه إما نفس الفراق كما في هذا ~~أخوك أو الوقت الحاضر أي هذا الوقت وقت فراق بيني وبينك أو السؤال الثالث ~~أي هذا سبب ذلك الفراق حسبما هو الموعود «سأنبئك» السين للتأكيد لعدم تراخي ~~التنبئة «بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا» التأويل رجع الشيء إلى مآله ~~والمراد به ههنا المآل والعاقبة إذ هو المنبأ به دون التأويل وهو خلاص ~~السفينة من اليد العادية وخلاص أبوي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسن ~~واستخراج اليتيمين للكنز وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعة موسى عليه الصلاة ~~والسلام للصبر دون أن ms2054 يقال بتأويل ما فعلت أو بتأويل ما رأيت ونحوهما نوع ~~تعريض به عليه الصلاة والسلام وعتاب «أما السفينة» التي خرقتها «فكانت ~~لمساكين» لضعفاء لا يقدرون على مدافعه الظلمة وقيل كانت لعشرة إخوة خمسة ~~منهم زمني وخمسة «يعملون في البحر» وإسناد العمل إلى الكل حينئذ إنما هو ~~بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين «فأردت أن أعيبها» ~~أي أجعلها ذات عيب «وكان وراءهم ملك» أي أمامهم وقد قرئ به أو خلفهم وكان ~~رجوعهم PageV05P237 # عليه لا محالة واسمه جلندي بن كركر وقيل منولة بن جلندي الأزدي «يأخذ كل ~~سفينة» أي صالحة وقد قرئ كذلك «غصبا» من أصحابها وانتصابه على أنه مصدر ~~مبين لنوع الأخذ ولعل تفريع إرادة تعييب السفينة على مسكنة أصحابها قبل ~~بيان خوف الغصب مع أن مدارها كلا الأمرين للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجة ~~إلى التأويل وللإيذان بأن الأقوى في المدارية هو الأمر الأول ولذلك لا ~~يبالي بتخليص سفن سائر الناس مع تحقق خوف الغصب في حقهم أيضا ولأن في ~~التأخير فصلا بين السفينة وضميرها مع توهم رجوعه إلى الأقرب «وأما الغلام» ~~الذي قتله «فكان أبواه مؤمنين» لم يصرح بكفرانه أو بكفره إشعارا بعدم ~~الحاجة إلى الذكر لظهوره «فخشينا أن يرهقهما» فخفنا أن يغشى الوالدين ~~المؤمنين «طغيانا» عليهما «وكفرا» لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما ~~شرا وبلاء أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ ~~كافر أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه وإنما خشي الخضر عليه ~~الصلاة والسلام منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره ~~وقرئ فخاف ربك أي كره سبحانه كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره ويجوز أن ~~تكون القراءة المشهورة على الحكاية بمعنى فكرهنا كقوله تعالى لأهب لك ~~«فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا» منه بأن يرزقهما بدله ولدا خيرا «منه» وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما مالا يخفى من الدلالة على إرادة ~~وصول الخير إليهما «زكاة» طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة «وأقرب رحما» ~~أي رحمة وعطفا قيل ms2055 ولدت لهما جارية تزوجها نبيا فولدت نبيا هدى الله تعالى ~~على يديه أمة من الأمم وقيل ولدت سبعين نبيا وقيل أبدلهما ابنا مؤمنا ~~مثلهما وقرئ يبدلهما بالتشديد وقرئ رحما بضم الحاء أيضا وانتصابه على ~~التمييز مثل زكاة «وأما الجدار» المعهود «فكان لغلامين يتيمين في المدينة» ~~هي القرية المذكورة فيما سبق ولعل التعبير عنها بالمدينة لإظهار نوع اعتداد ~~بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح قيل اسماهما إصرم وصريم ~~واسم المقتول جيسور «وكان تحته كنز لهما» من فضة وذهب كما روى مرفوعا والذم ~~على كنزهما في في قوله عز وجل والذين يكنزون الذهب والفضة لمن لا يؤدي ~~زكاتهما وسائر حقوقهما وقيل كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه عجبت لمن يؤمن ~~بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف ~~يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها ~~بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله الله محمد رسول الله وقيل PageV05P238 # صحف فيها علم «وكان أبوهما صالحا» تنبيه على أن سعيه في ذلك كان لصلاحه ~~قيل كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء «فأراد ربك» أي مالكك ~~ومدبر أمورك ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه الصلاة والسلام دون ضميرهما ~~تنبيه له عليه الصلاة والسلام على تحتم كمال الانقياد والاستسلام لإرادته ~~سبحانه ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة «أن ~~يبلغا أشدهما» أي حلمهما وكما رأيهما «ويستخرجا» بالكلية «كنزهما» من تحت ~~الجدار ولولا أنى أقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ ~~المال وتنميته وضاع «رحمة من ربك» مصدر في موقع الحال أي مرحومين منه عز ~~وجل أو مفعول له أو مصدر مؤكد لأراد فإن إرادة الخير رحمة وقيل متعلق بمضمر ~~أي فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها رحمة من ربك ويعضده إضافة الرب إلى ~~ضمير المخاطب دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا «وما فعلته عن أمري» أي عن ~~رأيي واجتهادي تأكيد لذلك «ذلك» إشارة ms2056 إلى العواقب المنظومة في سلك البيان ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتها في الفخامة «تأويل ما لم تسطع» ~~أي لم تستطع فحذف التاء للتخفيف «عليه صبرا» من الأمور التي رابته أي مآله ~~وعاقبته فيكون إنجازا للتنبئة الموعودة أو إلى البيان نفسه فيكون التأويل ~~بمعناه وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم وفي جعل الصلة عين ما مر تكرير ~~للتنكير وتشديد للعتاب تنبيه اختلفوا في حياة الخضر عليه الصلاة والسلام ~~فقيل إنه حي وسببه إنه كان على مقدمة ذي القرنين فلما دخل الظلمات أصاب ~~الخضر عين الحياة فنزل واغتسل منها وشرب من مائها وأخطأ ذو القرنين الطريق ~~فعاد قالوا وإلياس أيضا في الحياة يلتقيان كل سنة بالموسم وقيل إنه ميت لما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء ذات ليلة ثم قال أرأيتكم ~~ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ~~ولو كان الخضر حينئذ حيا لما عاش بعد مائة عام روى أن موسى عليه الصلاة ~~والسلام لما أراد أن يفارقه قال أوصني قال لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه ~~لتعمل به «ويسألونك عن ذي القرنين» هم اليهود سألوه على وجه الامتحان أو ~~سأله قريش بتلقينهم وصيغة الاستقبال للدلالة على استمرارهم على ذلك إلى ~~ورود الجواب وهو ذو القرنين الأكبر واسمه الإسكندر ابن فيلفوس اليوناني ~~وقال ابن إسحاق اسمه مر زبان بن مردبه من ولد يافث بن نوح عليه الصلاة ~~والسلام وكان أسود وقيل اسمه عبد الله بن الضحاك وقيل مصعب بن عبد الله بن ~~الضحاك وقيل مصعب بن عبد الله بن فينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن ~~عون بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان وقال السهيلي قيل إن اسمه ~~مرزبان بن مدركة ذكره ابن هشام وهو أول التبابعة وقيل إنه افريذون بن ~~النعمان الذي قتل الضحاك وذكر أبو الريحان البيروتي في كتابه المسمى ~~بالآثار الباقية عن القرون الخالية أن ذا القرنين ms2057 هو أبو كرب سمى ابن عيرين ~~بن افريقيس الحميري وأن ملكه بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به ~~التبع اليماني حيث قال * قد كان ذو القرنين جدى مسلما * ملكا علا في الأرض ~~غير مفند * بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد * وجعل ~~هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي النون ~~وذي PageV05P239 # رعين وذي يزن وذي جدن قال الإمام الرازي والأول هو الأظهر لأن من بلغ ~~ملكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل الجليل إنما هو ~~الإسكندر اليوناني كما تشهد به كتب التواريخ يروي أنه لما مات أبوه جمع ملك ~~الروم بعد أن كان طوائف ثم قصد ملوك العرب وقهرهم ثم أمعن حتى انتهى إلى ~~البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسمه ثم دخل الشأم ~~وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب ~~الأبواب ودان له العراقيون والقبط والبربر ثم توجه نحو دار ابن دارا وهزمه ~~مرارا إلى أن قتله صاحب حرسه واستولى على ممالك الفرس وقصد الهند وفتحه ~~وبنى مدينة سرنديب وغيرها من المدن العظام ثم قصد الصين وغزا الأمم البعيدة ~~ورجع إلى خراسان وبنى بها مدائن كثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهر زور ومات ~~انتهى كلام الإمام وروى أن أهل النجوم قالوا له إنك لا تموت إلا على أرض من ~~حديد وتحت سماه من خشب وكان يدفن كنز كل بلدة فيها ويكتب ذلك بصفته وموضعه ~~فبلغ بابل فرعف وسقط عن دابته فبسطت له دروع فنام عليها فآذته الشمس فأظلوه ~~بترس فنظر فقال هذه أرض من حديد وسماء من خشب فأيقن بالموت فمات وهو ابن ~~ألف وستمائة سنة وقيل ثلاثة آلاف سنة قال ابن كثير وهذا غريب وأغرب منه ما ~~قاله ابن عساكر من أنه بلغني أنه عاش ستا وثلاثين سنة أو ثنتين وثلاثين سنة ~~وأنه كان بعد داود وسليمان عليهما السلام فإن ذلك لا ينطبق إلا على ذي ms2058 ~~القرنين الثاني كما سنذكره قلت وكذا ما ذكره الإمام من قصد بني إسرائيل ~~وورود بيت المقدس والذبح في مذبحه فإنه مما لا يكاد يتأتى نسبته إلى الأول ~~واختلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايته فقيل كان نبيا لقوله تعالى ~~إنا مكنا له في الأرض وظاهر أنه متناول للتمكين في الدين وكماله بالنبوة ~~ولقوله تعالى «وآتيناه من كل شيء سببا» ومن جملة الأشياء النبوة ولقوله ~~تعالى «قلنا يا ذا القرنين» ونحو ذلك وقيل كان ملكا لما روي أن عمر رضي ~~الله عنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال اللهم غفرا أما رضيتم أن ~~تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة قال ابن كثير والصحيح ~~أنه ما كان نبيا ولا ملكا وإنما كان ملكا صالحا عادلا ملك الأقاليم وقهر ~~أهلها من الملوك وغيرهم ودانت له البلاد وأنه كان داعيا إلى الله تعالى ~~سائرا في الخلق بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المنصور وكان الخضر على ~~مقدمة جيشه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير وقد ذكر ~~الأزرقي وغيره أنه أسلم على يدي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فطاف ~~معه بالكعبة هو وإسماعيل عليهم السلام وروي أنه حج ماشيا فلما سمع إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا ويقال إنه أتى ~~بفرس ليركب فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فعند ذلك سخر له السحاب وطوى له ~~الأسباب وبشره إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذلك فكانت السحاب تحمله ~~وعساكره وجميع آلاتهم إذا أرادوا غزوة قوم وقال أبو الطفيل سئل عنه على كرم ~~الله وجهه أكان نبيا أم ملكا فقال لم يكن نبيا ولا ملكا لكن كان عبدا أحب ~~الله فأحبه وناصح الله فناصحه سخر له السحاب ومد له الأسباب واختلف في وجه ~~تسميته بذي القرنين فقيل لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها وقيل لأنه ملك ~~الروم وفارس وقيل الروم والترك وقيل لأنه كان في رأسه أو في تاجه ما يشبه ~~القرنين وقيل لأنه كان له ذؤابتان وقيل لأنه كانت ms2059 صفحتا رأسه من النحاس ~~وقيل لأنه دعا الناس إلى الله عز وجل فضرب PageV05P240 # بقرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله تعالى فضرب بقرنه الأيسر فمات ثم بعثه ~~الله تعالى وقيل لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك فأخذ بقرني الشمس وقيل ~~لأنه انقرض في عهده قرنان وقيل لأنه سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه ~~النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه وقيل لقب به لشجاعته هذا وأما ذو ~~القرنين الثاني فقد قال ابن كثير أنه الإسكندر بن فيليس بن مصريم بن هرمس ~~بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان ابن يافث بن نونه بن شرخون بن رومية بن ~~ثونط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن العنز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ~~الخليل عليهما الصلاة والسلام كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري ~~باني الإسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل ~~أكثر من ألفي سنة كان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلاثمائة سنة ~~وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وهو الذي قتل دارا ابن دار أو أذل ملوك ~~الفرس ووطئ أرضهم ثم قال ابن كثير وإنما بينا هذا لأن كثيرا من الناس يعتقد ~~أنهما واحد وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا المتأخر فيقع بذلك خطأ ~~كبير وفساد كثير كيف لا والأول كان عبدا صالحا مؤمنا وملكا عادلا وزيره ~~الخضر عليه الصلاة والسلام وقد قيل إنه كان نبيا وأما الثاني فقد كان كافرا ~~وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف وقد كان ما بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة ~~فأين هذا من ذاك انتهى قلت المقدوني نسبة إلى بلد من بلاد الروم غربي دار ~~السلطنة السنية قسطنطينية المحمية لا زالت مشحونة بالشعائر الدينية بينهما ~~من المسافة مسيرة خمسة عشرة يوما أو نحو ذلك عند مدينة سيروز اسمها بلغة ~~اليونانيين مقدونيا كانت سرير ملك هذا الإسكندر وهي اليوم بلقع لا يقيم بها ~~أحد ولكن فيها علائم تحكى كمال عظمها في عهد عمرانها ونهاية شوكة واليها ~~وسلطانها ولقد مررت ms2060 بها عند القفول من بعض المغازي السلطانية فعاينت فيها ~~من تعاجيب الآثار ما فيه عبرة لأولى الأبصار «قل» لهم في الجواب «سأتلو ~~عليكم» أي سأذكر لكم «منه» أي من ذي القرنين «ذكرا» أي نبأ مذكور أو حيث ~~كان ذلك بطريق الوحي المتلو حكاية عن جهة الله عز وجل قيل سأتلو أو سأتلو ~~في شأنه من جهته تعالى ذكرا أي قرآنا والسين للتأكيد والدلالة على التحقيق ~~المناسب لمقام تأييده عليه الصلاة والسلام وتصديقه بإنجاز وعده أي لا أترك ~~التلاوة البتة كما في قول من قال * سأشكر عمرا إن تراخت منيتي * أيادي لم ~~تمنى وإن هي جلت * لا الدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل لأن ~~هذه الآية ما نزلت بانفرادها قبل الوحي بتمام القصة بل موصولة بما بعدها ~~ريثما سألوه صلى الله عليه وسلم عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهف فقال لهم ~~صلى الله عليه وسلم ائتوني غدا أخبركم فأبطأ عليه الوحي خمسة عشرة يوما أو ~~أربعين كما ذكر فيما سلف وقوله عز وجل «إنا مكنا له في الأرض» شروع في ~~تلاوة الذكر المعهود حسبما هو الموعود والتمكين ههنا الإقدار وتمهيد ~~الأسباب يقال مكنه ومكن له ومعنى الأول جعله قادرا وقويا ومعنى الثاني جعل ~~له قدرة وقوة ولتلازمها في الوجود وتقاربهما في المعنى يستعمل كل منهما في ~~محل الآخر كما في قوله عز وعلا مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم أي جعلناهم ~~PageV05P241 # قادرين من حيث القوى والأسباب والآلات على أنواع التصرفات فيها ما لم ~~نجعله لكم من القوة والسعة في المال والاستظهار بالعدد والأسباب فكأنه قيل ~~ما لم نمكنكم فيها أي ما لم نجعلكم قادرين على ذلك فيها أو مكنا لهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم وهكذا إذا كان التمكين مأخوذا من المكان بناء على ~~توهم ميمه أصلية كما أشير إليه في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام والمعنى ~~إنا جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من يحث التدبير والرأي ~~والأسباب حيث سخر له السحاب ومدله ms2061 في الأسباب وبسط له النور وكان الليل ~~والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض وذللت له طرقها «وآتيناه من كل ~~شيء» أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه «سببا» أي طريقا يوصله ~~إليه وهو كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة «فأتبع» بالقطع ~~أي فأراد بلوغ المغرب فأتبع «سببا» يوصله إليه ولعل قصد بلوغ المغرب ابتداء ~~لمراعاة الحركة الشمسية وقرئ فاتبع من الافتعال والفرق أن الأول فيه معنى ~~الإدراك والإسراع دون الثاني «حتى إذا بلغ مغرب الشمس» أي منتهى الأرض من ~~جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيط ~~الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي ~~مبدأ الأطوال على أحد القولين «وجدها» أي الشمس «تغرب في عين حمئة» أي ذات ~~حمأة وهي الطين الأسود من حمئت البئر إذا كثرت حمأتها وقرئ حامية أي حارة ~~روى أن معاوية رضي الله عنه قرأ حامية وعنده ابن عباس رضي الله عنهما فقال ~~حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص كيف تقرأ قال كما يقرأ أمير ~~المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين وروى ~~في ثأط فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما وليس بينهما منافاة قطعية لجواز ~~كون العين جامعة بين الوصفين وكون الياء في الثانية منقلبة عن الهمزة ~~لانكسار ما قبلها وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس رضي الله عنهم بما ~~سمعه من كعب مع أن قراءته محتملة ولعله لما بلغ ساحل المحيط رآها كذلك إذ ~~ليس في مطمح بصره غير الماء كما يلوح به قوله تعالى وجدها تغرب «ووجد ~~عندها» عند تلك العين «قوما» قيل كان لباسهم جلود لوحوش وطعامهم ما لفظه ~~البحر وكانوا كفارا فخيره الله جل ذكره بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم ~~إلى الإيمان وذلك قوله تعالى «قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب» بالقتل من ~~أول الأمر «وإما أن تتخذ فيهم ms2062 حسنا» أي أمرا ذا حسن على حذف المضاف أو على ~~طريقة إطلاق المصدر على موصوفه مبالغة وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد ~~إلى الشرائع ومحل أن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو الخبرية وإما النصب ~~على المفعولية أي إما تعذيبك واقع أو إما أمرك تعذيبك PageV05P242 # أو إما تفعل تعذيبك وهكذا الحال في الاتخاذ ومن لم يقل بنبوته قال كان ~~ذلك الخطاب بواسطة نبي في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاما لا وحيا بعد أن كان ~~ذلك التخيير موافقا لشريعة ذلك النبي «قال» أي ذو القرنين لذلك النبي أو ~~لمن عنده من خواصه بعد ما تلقى أمره تعالى مختار للشق الأخير «أما من ظلم» ~~أي نفسه ولم يقبل دعوتي وأصر على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو ~~الشرك «فسوف نعذبه» بالقتل وعن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور ومن ~~آمن أعطاه وكساه «ثم يرد إلى ربه» في الآخرة «فيعذبه» فيها «عذابا نكرا» أي ~~منكرا فظيعا وهو عذاب النار وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق ~~الوحي إليه وأن مقاولته كانت مع النبي أو مع من عنده من أهل مشورته «وأما ~~من آمن» بموجب دعوتي «وعمل» عملا «صالحا» حسبما يقتضيه الإيمان «فله» في ~~الدارين «جزاء الحسنى» أي فله المثوبة الحسنى أو الفعلة الحسنى أو الجنة ~~جزاء على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة قدم على المبتدأ اعتناء به أو منصوب ~~بمضمر أي نجزي بها جزاء والجملة حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر ~~المتقدم عليه أو حال أي مجزيا بها أو تمييز وقرئ منصوبا غير منون على أنه ~~سقط تنويه لالتقاء الساكنين ومرفوعا منونا على أنه المبتدأ والحسنى بدله ~~ولخبر الجار والمجرور وقيل خير بين القتل والأسر والجواب من باب الأسلوب ~~الحكيم لأن الظاهر التخيير بينهما وهم كفار فقال أما الكافر فيراعى في حقه ~~قوة الإسلام وأما المؤمن فلا يتعرض له إلا بما يجب ويجوز أن تكون إما وإما ~~للتوزيع دون التخيير أي وليكن شأنك معهم إما التعذيب ms2063 وإما الإحسان فالأول ~~لمن بقي على حاله والثاني لمن تاب «وسنقول له من أمرنا» أي مما نأمر به ~~«يسرا» أي سهلا متيسرا غير شاق وتقديره ذا يسر أو أطلق عليه المصدر مبالغة ~~وقرئ بضمتين «ثم أتبع سببا» أي طريقا راجعا من مغرب الشمس موصلا إلى مشرقها ~~«حتى إذا بلغ مطلع الشمس» يعني الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولا من معمورة ~~الأرض وقرئ بفتح اللام على تقدير مضاف أي مكان طلوع الشمس فإنه مصدر قيل ~~«وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا» من اللباس والبناء قيل هم ~~الزنج وعن كعب أن أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب فإذا طلعت الشمس دخلوا ~~الأسراب أو البحر فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم وعن بعضهم خرجت حتى ~~جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقالوا بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم ~~فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى ومعي صاحب يعرف لسانهم فقالوا له جئتنا ~~تنظر كيف PageV05P243 # تطلع الشمس قال فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي على ثم أفقت ~~وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء إذا هو فوق الماء كهيئة ~~الزيت فأدخلونا سربا لهم فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون السمك ~~ويطرحونه في الشمس فينضج لهم وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند ~~مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض «كذلك» أي أمر ذي القرنين كما وصفناه لك ~~في رفعة المحل وبسطة الملك أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير ~~والاختيار ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو نجعل أو صفة قوم أي على ~~قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم أو سترا مثل ~~ستركم من اللباس والأكنان والجبال وغير ذلك «وقد أحطنا بما لديه» من ~~الأسباب والعدد والعدد «خبرا» يعني أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا ~~علم اللطيف الخبير هذا على الوجه الأول وأما على الوجوه الباقية فالمراد ~~بما لديه ما يتناول ما جرى عليه وما ms2064 صدر عنه وما لاقاه فتأمل «ثم أتبع ~~سببا» أي طريقا ثلثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا من الجنوب إلى الشمال ~~«حتى إذا بلغ بين السدين» بين الجبلين الذين سد ما بينهما وهو منقطع أرض ~~الترك مما يلي المشرق لا جبلا أرمينية وأذربيجان كما توهم وقرئ بالضم قيل ~~ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح ~~وانتصاب بين على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف التي تستعمل أسماء ~~أيضا كما ارتفع في قوله تعالى لقد تقطع بينكم وانجر في قوله تعالى هذا فراق ~~بيني وبينك «وجد من دونهما» أي من ورائهما مجاوزا عنهما «قوما» أي أمة من ~~الناس «لا يكادون يفقهون قولا» لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم وقرئ من باب ~~الإفعال أي لا يفهمون السامع كلامهم واختلفوا في أنهم من أي الأقوام فقال ~~الضحاك هم جيل من الترك وقال السدي الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت فضرب ~~ذو القرنين السد فبقيت خارجة فجميع الترك منهم وعن قتادة أنهم اثنتان ~~وعشرون قبيلة سد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة منهم وبقيت واحدة فسموا ~~الترك لأنهم تركوا خارجين قال أهل التاريخ أولاد نوح عليه السلام ثلاثة سام ~~وحام ويافث فسام أبو العرب والعجم والروم وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ~~ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج «قالوا» أي بواسطة مترجمهم ~~أو بالذات على أن يكون فهم PageV05P244 # ذي القرنين كلامهم وإفهام كلامه إياهم من جملة ما آتاه الله تعالى من ~~الأسباب «يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج» قد ذكرنا أنهما من أولاد يافث بن ~~نوح عليه السلام وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل واختلف في صفاتهم ~~فقيل في غاية صغر الجثة وقصر القامة لا يزيد قدهم على شبر واحد وقيل في ~~نهاية عظم الجسم وطول القامة تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعا وفيهم من ~~عرضه كذلك وقيل لهم مخالب وأضراس كالسباع وهما اسمان أعجميان بدليل منع ~~الصرف وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمزة كما ms2065 قرأ عاصم وقد ~~قرئ بغير همزة ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث «يفسدون في الأرض» أي في أرضنا ~~بالقتل والتخريب وإتلاف الزروع قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون ~~أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه وقيل كانوا يأكلون الناس أيضا «فهل ~~نجعل لك خرجا» أي جعلا من أموالنا والفاء لتفريع العرض على إفسادهم في ~~الأرض وقرئ خراجا وكلاهما واحد كالنول والنوال وقيل الخراج ما على الأرض ~~والذمة والخرج المصدر وقيل الخرج ما كان على كل رأس والخراج ما كان على ~~البلد وقيل الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه «على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا» وقرئ بالضم «قال ما مكني» بالإدغام وقرئ بالفك أي ما مكنني ~~«فيه ربي» وجعلني فيه مكينا قادرا من الملك والمال وسائر الأسباب «خير» أي ~~مما تريدون أن تبذلوه إلى من الخرج فلا حاجة بي إليه «فأعينوني بقوة» أي ~~بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل وبآلات لابد منها في البناء والفاء ~~لتفريع الأمر بالإعانة على خيرية ما مكنه الله تعالى فيه من مالهم أو على ~~عدم قبول خرجهم «اجعل» جواب للأمر «بينكم وبينهم» تقديم إضافة الظرف إلى ~~ضمير المخاطبين على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج لإظهار كمال العناية ~~بمصالحهم كما راعوه في قولهم بيننا وبينهم «ردما» أي حاجزا حصينا وبرزخا ~~متينا وهو أكبر من السد وأوثق يقال ثوب مردم أي فيه رقاع فوق رقاع وهذا ~~إسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه «آتوني زبر الحديد» جمع زبرة كغرف في غرفة وهي ~~القطعة الكبيرة وهذا لا ينافي رد خراجهم لأن المأمور به الإيتاء بالثمن أو ~~المناولة كما ينبئ عنه القراءة بوصل الهمزة أي جيئوني بزبر الحديد على حذف ~~الباء كما في أمرتك الخير ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة دون ~~الخراج على العمل ولعل تخصيص الأمر بالإيتاء بها دون سائر الآلات من الصخور ~~والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها أمس إذ هي الركن في السد ووجودها أعز ~~قيل حفر للأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب ms2066 ~~والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى ~~أعلاهما وكان مائة فرسخ وذلك قوله عز قائلا «حتى إذا ساوى بين الصدفين» أي ~~أتوه إياها فأخذ يبني شيئا فشيئا حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من ~~البنيان مساويا لهما PageV05P245 # في السمك على النهج المحكي قيل كان ارتفاعه مائتي ذراع وعرضه خمسين ذراعا ~~وقرئ سوى من التسوية وسووي على البناء للمجهول «قال» للعملة «انفخوا» أي ~~بالكيران في الحديد المبني ففعلوا «حتى إذا جعله» أي المنفوخ فيه «نارا» أي ~~كالنار في الحرارة والهيئة وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل ~~الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلة «قال» للذين يتولون ~~أمر النحاس من الإذابة ونحوها «آتوني أفرغ عليه قطرا» أي آتوني قطرا أي ~~نحاسا مذابا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه وقرئ بالوصل أي ~~جيئوني كأنه يستدعيهم للإعانة باليد عند الإفراغ وإسناد الإفراغ إلى نفسه ~~للسر الذي وقفت عليه آنفا وكذا الكلام في قوله تعالى ساوى وقوله تعالى أجعل ~~«فما اسطاعوا» بحذف تاء الافتعال تخفيفا وحذرا عن تلاقي المتقاربين وقرئ ~~بالإدغام وفيه جمع بين الساكنين على غير حده وقرئ بقلب السين صادا والفاء ~~فصيحة أي فعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر أو الإتيان فأفرغه عليه فاختلط ~~والتصق بعضه ببعض فصار جبلا صلدا فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه ~~وينقبوه فما استطاعوا «أن يظهروه» أي يعلوه ويرقوا فيه لارتفاعه وملاسته ~~«وما استطاعوا له نقبا» لصلابته وثخانته وهذه معجزة عظيمة لأن تلك الزبر ~~الكثيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر الحيوان على أن يحوم حولها فضلا ~~عن النفخ فيها إلى أن تكون كالنار أو عن إفراغ القطر عليها فكأنه سبحانه ~~وتعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال ~~فكان ما كان والله على كل شيء قدير وقيل بناه من الصخور مرتبطا بعضها ببعض ~~بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها بحيث لم يبق هناك فرجة أصلا «قال» ms2067 ~~أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم «هذا» إشارة إلى السد ~~وقيل إلى تمكينه من بنائه والفضل للمتقدم أي هذا الذي ظهر على يدي وحصل ~~بمباشرتي من السد الذي شأنه ما ذكر من المتانة وصعوبة المنال «رحمة» أي أثر ~~رحمة عظيمة عبر عنه بها مبالغة «من ربي» على كافة العباد لا سيما على ~~مجاوريه وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل ~~هو إحسان إلهي محض وإن ظهر بمباشرتي والتعرض لوصف الربوبية لتربية معنى ~~الرحمة «فإذا جاء وعد ربي» مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة لا خروج ~~يأجوج ومأجوج كما قيل إذ لا يساعده النظم الكريم والمراد بمجيئة ما ينتظم ~~مجيئه ومجئ مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ~~ونحو ذلك لا دنو وقوعه فقط كما قيل فإن بعض الأمور التي ستحكى تقع بعد ~~مجيئه حتما «جعله» أي السد المشار إليه مع متانته ورصانته وفيه من الجزالة ~~ما ليس في توجيه الإشارة السابقة إلى التمكين المذكور «دكاء» أي أرضا ~~مستوية وقرئ دكا أي مدكوكا مسوى بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك ~~ومنه الجمل الأدك أي المنبسط السنام وهذا الجعل وقت مجيء الوعد بمجيء بعض ~~مباديه وفيه بيان لعظم قدرته عز PageV05P246 # وجل بعد بيان سعة رحمته «وكان وعد ربي» أي وعده المعهود أو كل ما وعد به ~~فيدخل فيه ذلك دخولا أوليا «حقا» ثابتا لا محالة واقعا البتة وهذه الجملة ~~تذييل من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطية ومقرر مؤكد لمضمونها وهو ~~آخر ما حكى من قصته وقوله عز وجل «وتركنا بعضهم» كلام مسوق من جنابه تعالى ~~معطوف على قوله تعالى جعله دكاء ومحقق لمضمونه أي جعلنا بعض الخلائق ~~«يومئذ» أي يوم إذ جاء الوعد بمجيء بعض مباديه «يموج في بعض» آخر منهم ~~يضطربون اضطراب أمواج البحر ويختلط إنسهم وجنهم حيارى من شدة الهول ولعل ~~ذلك قبل النفخة الأولى أو تركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر ms2068 منهم حين ~~يخرجون من السد مزدحمين في البلاد روى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ~~ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ~~ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عز وجل نغفا في ~~أقفائهم فيدخل آذانهم فيموتون موت نفس واحدة فيرسل الله تعالى عليهم طيرا ~~فتلقيهم في البحر ثم يرسل مطرا يغسل الأرض ويطهرها من نتنهم حتى يتركها ~~كالزلفة ثم يوضع فيها البركة وذلك بعد نزول عيسى عليه الصلاة والسلام وقتل ~~الدجال «ونفخ في الصور» هي النفخة الثانية بقضية الفاء في قوله تعالى ~~«فجمعناهم» ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة ليس فيها ~~حالة مختصة بالكفار ولئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة الأولى من ~~الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة أي جمعنا الخلائق ~~بعدما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء «جمعا» أي ~~جمعا عجيبا لا يكتنه كنهه «وعرضنا جهنم» أي أظهرناها وأبرزناها «يومئذ» أي ~~يوم إذ جمعنا الخلائق كافة «للكافرين» منهم حيث جعلناها بحيث يرونها ~~ويسمعون لها تغيظا وزفيرا «عرضا» أي عرضا فظيعا هائلا لا يقادر قدره وتخصيص ~~العرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمع قاطبة لأن ذلك لأجلهم خاصة «الذين ~~كانت أعينهم» وهم في الدنيا «في غطاء» كثيف وغشاوة غليظة محاطة بذاك من ~~جميع الجوانب «عن ذكري» عن الآيات المؤدية لأولى الأبصار المتدبرين فيها ~~إلى ذكرى بالتوحيد والتمجيد أو كانت أعين بصائرهم في غطاء عن ذكري على وجه ~~يليق بشأني أو عن القرآن الكريم «وكانوا» مع ذلك «لا يستطيعون» لفرط تصامهم ~~عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم «سمعا» استماعا لذكرى ~~وكلامي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهذا تمثيل ~~لإعراضهم عن الأدلة السمعية كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات ~~المشاهدة بالأبصار والموصول نعت للكافرين أو بدل منه أو بيان جيء به لذمهم ~~بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لإصابة ms2069 ما أصابهم من عرض جهنم لهم ~~PageV05P247 # فإن ذلك إنما هو لعدم استعمال مشاعرهم فيما عرض لهم في الدنيا من الآيات ~~وإعراضهم عنها مع كونها أسبابا منجية عما ابتلوا به في الآخرة «أفحسب الذين ~~كفروا» أي كفروا بي كما يعرب عنه قوله تعالى عبادي والحسبان بمعنى الظن وقد ~~قرئ أفظن والهمزة للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه كما في ~~قولك أضربت أباك لا إنكار الوقوع كما في قوله أضرب أبى والفاء للعطف على ~~مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ إلى المعطوفين جميعا كما ~~إذا قدر المعطوف عليه في قوله تعالى أفلا تعقلون منفيا أي ألا تسمعون فلا ~~تعقلون لا إلى المعطوف فقط كما إذا قدر مثبتا أي أتسمعون فلا تعقلون ~~والمعنى أكفروا بي مع جلالة شأني فحسبوا «أن يتخذوا عبادي من دوني» من ~~الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام وهم تحت سلطاني وملكوتي «أولياء» ~~معبودين ينصرونهم من بأسي وما قيل إنها للعطف على ما قبلها من قوله تعالى ~~كانت الخ وكانوا الخ دلالة على أن الحسبان ناشيء من التعامي والتصام وأدخل ~~عليها همزة الإنكار ذما على ذم وقطعا له عن المعطوف عليهما لفظا لا معنى ~~للإيذان بالاستقلال المؤكد للذم يأباه ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير ~~التعامي والتصام على أنهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم ولم يذكروا من ~~حيث أنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما ~~وأيضا فإنه دين قديم لهم لا يمكن جعله ناشئا عن تصامهم عن كلام الله عز وجل ~~وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفى وما في حيز صلة أن ~~ساد مسد مفعولي حسب كما في قوله تعالى وحسبوا أن لا تكون فتنة أي أفحسبوا ~~أنهم يتخذونهم أولياء على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لما أنه إنما ~~يكون من الجانبين وهم عليهم الصلاة والسلام منزهون عن ولايتهم بالمرة ~~لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم وقيل مفعوله الثاني محذوف أي أفحسبوا ~~اتخاذهم نافعا لهم والوجه هو الأول لأن في ms2070 هذا تسليما لنفس الاتخاذ ~~واعتدادا به في الجملة وقرئ أفحسب الذين كفروا أي أفحسبهم وكافيهم أن ~~يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر أو الفعل والفاعل فإن النعت إذا اعتمد ~~الهمزة ساوى الفعل في العمل فالهمزة حينئذ بمعنى إنكار الوقوع «إنا اعتدنا ~~جهنم» أي هيأناها «للكافرين» المعهودين عدل عن الإضمار ذما لهم وإشعارا بأن ~~ذلك الاعتاد بسبب كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل «نزلا» أي شيئا يتمتعون به ~~عند ورودهم وهو ما يقام للنزيل أي الضيف مما حضر من الطعام وفيه تخطئه لهم ~~في حسبانهم وتهكم بهم حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل إعتاد العتاد ~~وإعداد الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل إنا اعتدنا لهم مكان ما أعدوا لأنفسهم ~~من العدة والذخر جهنم عدة وفي إيراد النزل إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من ~~العذاب ما هو أنموذج له وقيل النزل موضع النزول ولذلك فسره ابن عباس رضي ~~الله عنهما بالمثوى «قل هل ننبئكم» الخطاب الثاني للكفرة على وجه ~~PageV05P248 # التوبيخ والجمع في صيغة المتكلم لتعيينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية ~~النبأ للمؤمنين أيضا «بالأخسرين أعمالا» نصب على التمييز والجمع للإيذان ~~بتنوعها وهذا بيان لحال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم من الأعمال الحسنة في ~~أنفسها وفي حسبانهم أيضا حيث كانوا معجبين بها واثقين بنيل ثوابها ومشاهدة ~~آثارها غب بيان حالهم باعتبار أعمالهم السيئة في أنفسها مع كونها حسنة في ~~حسبانهم «الذين ضل سعيهم» في إقامة تلك الأعمال أي ضاع وبطل بالكلية «في ~~الحياة الدنيا» متعلق بالسعي لا بالضلال لأن بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا ~~قيل المراد بهم أهل الكتابين قاله ابن عباس وسعد بن أبي وقاص ومجاهد رضي ~~الله عنهم ويدخل في الأعمال حينئذ ما عملوه من الأحكام المنسوخة المتعلقة ~~بالعبادات وقيل الرهابنة الذين يحبسون أنفسهم في الصوامع ويحملونها على ~~الرياضات الشاقة ولعله ما يعمهم وغيرهم من الكفرة ومحل الموصول الرفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف لأنه جواب للسؤال كأنه قيل من هم فقيل الذين الخ وجعله ~~مجرورا على أنه نعت للأخسرين أو بدل منه ms2071 أو منصوبا على الذم على أن الجواب ~~ما سيأتي من قوله تعالى أولئك الآية يأباه أن صدره ليس منبئا عن خسران ~~الأعمال وضلال السعي كما يستدعيه مقام الجواب والتفريع الأول وإن دل على ~~حبوطها لكنه ساكت عن أنباء ما هو العمدة في تحقيق معنى الخسران من الوثوق ~~بترتب الربح واعتقاد النفع فيما صنعوا على أن التفريع الثاني مما يقطع ذلك ~~الاحتمال رأسا إذ لا مجال لإدراجه تحت الأمر بقضية نون العظمة «وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا» الإحسان الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق وهو حسنها ~~الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي أي يحسبون أنهم يعملون ذلك على الوجه اللائق ~~وذلك لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا في إقامتها وكابدوا في تحصيلها والجملة ~~حال من فاعل ضل أي بطل سعيهم المذكور والحال أنهم يحسبون أنهم يحسنون في ~~ذلك وينتفعون بآثاره أو من المضاف إليه لكونه في محل الرفع نحو قوله تعالى ~~إليه مرجعكم جميعا أي بطل سعيهم والحال أنهم الخ والفرق بينهما أن المقارن ~~لحال حسبانهم المذكور في الأول ضلال سعيهم وفي الثاني نفس سعيهم والأول ~~أدخل في بيان خطئهم «أولئك» كلام مستأنف من جنابه تعالى مسوق لتكميل تعريف ~~الأخسرين وتبيين سبب خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم بحيث ينطبق التعريف على ~~المخاطبين غير داخل تحت الأمر أي أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي مع ~~الحسبان المزبور «الذين كفروا بآيات ربهم» بدلائله الداعية إلى التوحيد ~~عقلا ونقلا والتعرض لعنوان الربوبية لزيادة تقبيح حالهم في الكفر المذكور ~~«ولقائه» بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة على ما هي عليه «فحبطت» لذلك ~~«أعمالهم» المعهودة حبوطا كليا «فلا PageV05P249 # نقيم لهم» أي لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال وقرئ بالياء «يوم ~~القيامة وزنا» أي فنزدريهم ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا لأن مداره الأعمال ~~الصالحة وقد حبطت بالمرة وحيث كان هذا الازدراء من عواقب حبوط الأعمال عطف ~~عليه بطريق التفريع وأما ما هو من أجزيه الكفر فسيجئ بعد ذلك أولا نضع لأجل ~~وزن أعمالهم ميزانا لأنه إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من ms2072 الموحدين ~~ليتميز به مقادير الطاعات والمعاصي ليترتب عليه التكفير أو عدمه لأن ذلك في ~~الموحدين بطريق الكمية وأما الكفر فإحباطه للحسنات بحسب الكيفية دون الكمية ~~فلا يوضع لهم الميزان قطعا «ذلك» بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم إثر بيان ~~مآل أعمالهم المحبطة بذلك أي الأمر ذلك وقوله عز وجل «جزاؤهم جهنم» جملة ~~مبينة له أو ذلك مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف أي جزاؤهم به أو جزاؤهم ~~بدله وجهنم خبره أو جزاؤهم خبره وجهنم عطف بيان للخبر «بما كفروا» تصريح ~~بأن ما ذكر جزاء لكفرهم المتضمن لسائر القبائح التي أنبأ عنها قوله تعالى ~~«واتخذوا آياتي ورسلي هزوا» أي مهزوا بهما فإنهم لم يقتنعوا بمجرد الكفر ~~بالآيات والرسل بل ارتكبوا مثل تلك العظيمة أيضا «إن الذين آمنوا» بيان ~~بطريق الوعد لمآل الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرة إثر بيان مآلهم ~~بطريق الوعيد أي آمنوا بآيات ربهم ولقائه «وعملوا الصالحات» من الأعمال ~~«كانت لهم» فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده وفيه إيماء إلى أن أثر الرحمة ~~يصل إليهم بمقتضى الرأفة الأزلية بخلاف ما مر من جعل جهنم للكافرين نزلا ~~فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم «جنات الفردوس» عن مجاهد أن الفردوس هو ~~البستان بالرومية وقال عكرمة هو الجنة بالحبشية وقال الضحاك هو الجنة ~~الملتفة الأشجار وقيل هي الجنة التي تنبت ضروبا من النبات وقيل هي الجنة من ~~الكرم خاصة وقيل ما كان غالبه كرما وقال المبرد هو فيما سمعت من العرب ~~الشجر الملتف والأغلب عليه أن يكون من العنب وعن كعب أنه ليس في الجنان ~~أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الجنة مائة درجة ما بين كل درجة مسيرة مائة عام ~~والفردوس أعلاها وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه ~~الفردوس فإن فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة «نزلا» خبر كانت والجار ~~والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من نزلا أو على أنه بيان أو حال من ms2073 جنات ~~الفردوس والخبر هو الجار والمجرور فإن جعل النزول بمعنى ما يهيأ للنازل ~~فالمعنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس نزلا أو جعلت نفس الجنات نزلا مبالغة ~~في الإكرام وفيه إيذان بأنها عند ما أعد الله لهم على ما جرى على لسان ~~النبوة من قوله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر بمنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة وإن جعل بمعنى المنزل ~~فالمعنى ظاهر PageV05P250 # (خالدين فيها) نصب على الحالية (لا يبغون عنها حولا) مصدر كالعوج والصغر ~~أي لا يطلبون تحولا عنها إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم وأرفع منها حتى ~~تنازعهم إليه أنفسهم وتطمح نحوه أبصارهم ويجوز أن يراد نفي التحول وتأكيد ~~الخلود والجملة حال من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فيكون حالا متداخلة (قل ~~لو كان البحر) أي جنس البحر (مدادا) وهو ما تمد به الدواة من الحبر (لكلمات ~~ربي) لتحرير كلمات علمه وحكمته التي من جملتها ما ذكر من الآيات الداعية ~~إلى التوحيد المحذرة من الإشراك (لنفذ البحر) مع كثرته ولم يبق منه شيء ~~لتناهيه (قبل أن تنفد) وقرئ بالياء والمعنى من غير أن تنفد (كلمات ربي) ~~لعدم تناهيها فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر وفي إضافة ~~الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في الموضعين من ~~تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى وإظهار البحر والكلمات في موضع ~~الإضمار لزيادة التقرير (ولو جئنا) كلام من جهته تعالى غير داخل في الكلام ~~الملقن جيء به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله مع زيادة مبالغة وتأكيد والواو ~~لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة المذكورة ~~عليها دلالة واضحة أي لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى لو لم نجيء ~~بمثله مدادا ولو جئنا بقدرتنا الباهرة (بمثله مدادا) عونا وزيادة لأن مجموع ~~المتناهيين متناه بل مجموع ما يدخل تحت الوجود من الأجسام لا يكون إلا ~~متناهيا لقيام الأدلة القاطعة على تناهي الأبعاد وقرئ مدادا جمع ms2074 مدة وهي ما ~~يستمده الكاتب وقرئ مدادا (قل) لهم بعد ما بينت لهم شأن كلماته تعالى (إنما ~~أنا بشر مثلكم) لا أدعي الإحاطة بكلماته التامة (بوحي إلى) من تلك الكلمات ~~(إنما إلهكم إله واحد) لا شريك له في الخلق ولا في سائر أحكام الألوهية ~~وإنما تميزت عنكم بذلك (فمن كان يرجو لقاء ربه) الرجاء توقع وصول الخير في ~~المستقبل والمراد بلقائه تعالى كرامته وإدخال الماضي على المستقبل للدلالة ~~على أن اللائق بحال المؤمن الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء أي فمن ~~استمر على رجاء كرامته تعالى (فليعمل) لتحصيل تلك الطلبة العزيزة (عملا ~~صالحا) في نفسه لائقا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~(ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) إشراكا جليا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهل الرياء ومن يطلب به أجرا وإيثار وضع ~~المظهر موضع المضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبية لزيادة التقرير ~~وللإشعار بعلية العنوان للأمر والنهي ووجوب الامتثال فعلا وتركا روى أن ~~جندب بن زهير رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعمل ~~العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه سرني فقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا ~~يقبل ما شورك فيه PageV05P251 # فنزلت تصديقا له وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له لك أجران أجر السر ~~وأجر العلانية وذلك إذا قصد أن يقتدي به وعنه صلى الله عليه وسلم اتقوا ~~الشرك الأصغر قيل وما الشرك الأصغر قال الرياء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها ~~كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ عند ~~مضجعه قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي الخ كان له مضجعه نورا يتلألأ إلى ~~مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له ~~نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك ms2075 النور ملائكة يصلون عليه ~~حتى يستيقظ الحمد لله سبحانه على نعمه العظام سورة مريم عليها السلام مكية ~~إلا الآيات 58 و 71 فمدنيتان وآيتها 98 بسم الله الرحمن الرحيم (كهيعص) ~~بإمالة الهاء والياء وإظهار الدال وقرئ بفتح الهاء وإمالة الياء وبتفخيمهما ~~وبإخفاء النون قبل الصاد لتقاربهما وقد سلف أن مالا يكون من هذه الفواتح ~~مفردة ولا موازنة لمفرد فطريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على ~~الوقف سواء جعلت أسماء للسور أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء ~~الساكنين لكونه مغتفرا في باب الوقف قطعا فحق هذه الفاتحة الكريمة أن يوقف ~~عليها جريا على الأصل وقرئ بإدغام الدال فيما بعدها لتقاربهما في المخرج ~~فإن جعلت اسما للسورة على ما عليه إطباق الأكثر فمحله الرفع إما على أنه ~~خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذا كهيعص أي مسمى به وإنما صحت الإشارة إليه مع ~~عدم جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر ~~المشاهد كما يقال هذا ما اشترى فلان أو على أنه مبتدأ خبره (ذكر رحمة ربك) ~~أي المسمى به ذكر رحمة الخ فإن ذكرها لما كان مطلع السورة الكريمة ومعظم ما ~~انطوت هي عليه جعلت كأنها نفس ذكرها والأول هو الأولى لأن ما يجعل عنوانا ~~للموضوع حقه أن يكون معلوم الانتساب إليه عند المخاطب وإذ لا علم بالتسمية ~~من قبل فحقها الإخبار بها كما في الوجه الأول وإن جعلت مسرودة على نمط ~~التعديد حسما جنح إليه أهل التحقيق فذكر الخ خبر لمبتدأ محذوف هو ما ينبئ ~~عنه تعديد الحروف كأنه قيل المؤلف من جنس هذه الحروف المبسوطة مرادا به ~~السورة ذكر الرحمة الخ أو اسم إشارة أشير به إليه تنزيلا لحضور المادة ~~منزلة حضور المؤلف منها أي هذا ذكر رحمة الخ وقيل هو مبتدأ قد حذف خبره ~~PageV05P252 # أي فيما يتلى عليك ذكرها وقرئ ذكر رحمة ربك على صيغة الماضي من التذكير ~~أي هذا المتلو ذكرها وقرئ ذكر على صيغة الأمر والتعرض لوصف الربوبية ~~المنبئة عن التبليغ ms2076 إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ~~للإيذان بأن تنزيل السورة عليه صلى الله عليه وسلم تكميل له صلى الله عليه ~~وسلم وقوله تعالى (عبده) مفعول لرحمة ربك على أنها مفعول لما أضيف إليها ~~وقيل للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع ومعنى ذكر الرحمة ~~بلوغها وإصابتها كما يقال ذكرني معروف فلان أي بلغني وقوله عز وعلا (زكريا) ~~بدل منه أو عطف بيان له (إذ نادى ربه نداء خفيا) ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر ~~على أنه مضاف إلى فاعله اتساعا لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل هو ~~بدل اشتمال من زكريا كما في قوله واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ولقد راعى ~~عليه الصلاة والسلام حسن الأدب في إخفاء دعائه فإنه مع كونه بالنسبة إليه ~~عز وجل كالجهر أدخل في الإخلاص وأبعد من الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة ~~الناس على طلب الولد لتوقفه على مباد لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر ~~والشيخوخة وعن غائلة مواليه الذين كان يخافهم وقيل كان ذلك منه عليه السلام ~~لضعف الهرم قالوا كان سنة حينئذ ستين وقيل خمسا وستين وقيل سبعين وقيل خمسا ~~وسبعين وقيل ثمانين وقيل أكثر منها كما مر في تفسير سورة آل عمران (قال) ~~جملة مفسرة لنادى لا محل لها من الإعراب (رب إني وهن العظم مني) إسناد ~~الوهن إلى العظم لما أنه عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة ~~أصاب كله أو لأنه أشد أجزائه صلابة وقواما وأقلها تأثرا من العلل فإذا وهن ~~كان ما وراءه أوهن وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن لكل فرد ~~من أفراده ومنى متعلق بمحذوف هو حال من العظم وقرئ وهن بكسر الهاء وبضمها ~~أيضا وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها (واشتغل الرأس ~~شيبا) شبه عليه الصلاة والسلام الشيب في البياض والإنارة بشواظ النار ~~وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ثم أخرجه مخرج ~~الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ms2077 ومنبته وأخرجه مخرج التمييز ~~وأطلق الرأس اكتفاء بما قيد به العظم وفيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ~~مالا يخفى حيث كان الأصل اشتعل شيب رأسي فأسند الاشتعال إلى الرأس كما ذكر ~~لإفادة شموله لكلها فإن وزانه بالنسبة إلى الأصل وزان اشتعل بيته نارا ~~بالنسبة إلى اشتعل النار في بيته ولزيادة تقريره بالإجمال أولا والتفصيل ~~ثانيا ولمزيد تفخيمه بالتنكير وقرئ بإدغام السين في الشين (ولم أكن بدعائك ~~رب شقيا) أي ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ~~بل كلما دعوتك استجبت لي والجملة معطوفة على ما قبلها أو حال من ضمير ~~المتكلم إذ المعنى واشتعل رأسي شيبا وهذا توسل منه عليه الصلاة والسلام بما ~~سلف منه من الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب ~~الرأفة من كبر السن وضعف الحال فإنه تعالى بعد ما عود عبده بالإجابة دهرا ~~طويلا لا يكاد PageV05P253 # يخيبه أبدا لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره والتعرض في الموضعين لوصف ~~الربوبية المنبئة عن إضافة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه ~~الصلاة والسلام لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة ~~بالمبالغة في التضرع ولذلك قيل إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع ~~الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته (وإني خفت الموالي) عطف على قوله ~~تعالى إني وهن العظم مترتب مضمونه على مضمونه فإن ضعف القوي وكبر السن من ~~مبادئ خوفه عليه السلام من يلي أمره بعد موته ومواليه بنو عمه وكانوا أشرار ~~بني إسرائيل فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته ويبدلوا عليهم دينهم وقوله ~~(من ورائي) أي بعد موتي متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي فعل الموالي من ~~بعدي أو جور الموالي وقد قرئ كذلك أو بما في الموالي من معنى الولاية أي ~~خفت الذين يلون الأمر من ورائي لا يخفت لفساد المعنى وقرئ ورأي بالقصر وفتح ~~الياء وقرئ خفت الموالي من ورائي أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمور الدين ~~بعدي أو خفت ms2078 الموالي القادرون على إقامة مراسم الملة ومصالح الأمة من خف ~~القوام أي ارتحلوا مسرعين أي درجوا قدامي ولم يبق منهم من به تقو واعتضاد ~~فالظرف حينئذ متعلق بخفت (وكانت امرأتي عاقرا) أي لا تلد من حين شبابها ~~(فهب لي من لدنك) كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة له ~~ومن لابتداء الغاية مجازا وتقديم الأول لكون مدلوله أهم عنده ويجوز تعلق ~~الثاني بمحذوف وقع حالا من المفعول ولدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان ~~أو مكان أو غيرهما من الذوات وقد مر تفصيله في أوائل سورة آل عمران أي ~~أعطني من محض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة بطريق الاختراع لا بواسطة الأسباب ~~العادية (وليا) أي ولدا من صلبي وتأخيره عن الجارين لإظهار كمال الاعتناء ~~بكون الهبة له على ذلك الوجه البديع مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر فإن ~~ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مستشرفة فعند وروده لها يتمكن عندها فضل ~~تمكن ولأن فيه نوع طول بما بعده من الوصف فتأخيرهما عن الكل أو توسيطهما ~~بين الموصوف والصفة مما لا يليق بجزالة النظم الكريم والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قيلها فإن ما ذكره عليه الصلاة والسلام من كبر السن وضعف ~~القوى وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عليه السلام عن حصول الولد بتوسط ~~الأسباب العادية واستيهابه على الوجه الخارق للعادة ولا يقدح في ذلك أن ~~يكون هناك داع آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور من مشاهدته عليه السلام ~~للخوارق الظاهرة في حق مريم كما يعرب عنه قوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه ~~الآية وعدم ذكره ههنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدم ذكر مقدمة الدعاء ~~هناك للاكتفاء بذكره ههنا فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن ~~آخر من النكت التنزيلية وقوله تعالى (يرثني) صفة لوليا وقرئ هو وما عطف ~~عليه بالجزم جوابا للدعاء أي يرثني من حيث العلم والدين والنبوة فإن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورثون المال قال صلى الله عليه وسلم ms2079 ~~PageV05P254 # نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة وقيل يرثني الحبورة وكان عليه ~~السلام حبرا (ويرث من آل يعقوب) يقال ورثه وورث منه لغتان وآل الرجل خاصته ~~الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين وكانت زوجة ~~زكريا أخت أم مريم أي ويرث منهم الملك قيل هو يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم ~~عليهم الصلاة والسلام وقال الكلبي ومقاتل هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ~~ماثان من نسل سليمان عليه السلام وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكريا قال ~~الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رئيس الأحبار ~~يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم وقرئ ويرث وارث ~~آل يعقوب على أنه حال من المستكن في يرث وقرئ أو يرث آل يعقوب بالتصغير ~~ففيه إيماء إلى وراثته عليه السلام لما يرثه في حالة صغره وقرئ وارث من آل ~~يعقوب على أنه فاعل يرثني على طريقة التجريد أي يرثني به وارث وقيل من ~~للتبعيض إذ لم يكن كل آل يعقوب عليه السلام أنبياء ولا علماء (واجعله رب ~~رضيا) مرضيا عندك قولا وفعلا وتوسيط رب بين مفعولي اجعل للمبالغة في ~~الاعتناء بشأن ما يستدعيه (يا زكريا) على إرادة القول أي قال تعالى يا ~~زكريا (إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) لكن لا بأن يخاطبه عليه الصلاة والسلام ~~بذلك بالذات بل بواسطة الملك على أن يحكي له عليه الصلاة والسلام هذه ~~العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا الآية وقد ~~مر تحقيقه في سورة آل عمران وهذا جواب لندائه عليه الصلاة والسلام ووعد ~~بإجابة دعائه لكن لا كلا كما هو المتبادر من قوله تعالى فاستجبنا له ووهبنا ~~له يحيى الخ بل بعضا حسبما تقتضيه المشيئة الإلهية المبنية على الحكم ~~البالغة فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا مستجابي الدعوة لكنهم ~~ليسوا كذلك في جميع الدعوات ألا يرى إلى دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~في حق أبيه وإلى دعوة ms2080 النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال وسألته أن لا يذيق ~~بعضهم بأس بعض فمنعنيها وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبه يحيى نبيا مرضيا ~~ولا يرثه فاستجيب دعاؤه في الأول دون الثاني حيث قتل قبل موت أبيه عليهما ~~الصلاة والسلام على ما هو المشهور وقيل بقي بعده برهة فلا إشكال حينئذ وفي ~~تعيين اسمه عليه الصلاة والسلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه الصلاة والسلام ~~وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يعرب عنه قوله تعالى (لم نجعل له من قبل ~~سميا) أي شريكا له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى مزيد تشريف وتفخيم ~~له عليه الصلاة والسلام فإن التسمية بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء ~~سائر الناس تنويه بالمسمى لا محالة وقيل سميا شبها في الفضل والكمال كما في ~~قوله تعالى هل تعلم له سميا فإن المتشاركين في الوصف بمنزلة المتشاركين في ~~الاسم قالوا لم يكن له عليه الصلاة والسلام مثل في أنه لم يعص الله تعالى ~~ولم يهم بمعصية قط وأنه ولد من شيخ فان وعجوز عاقر وأنه كان حصورا فيكون ~~هذا إجمالا لما نزل بعده من قوله تعالى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ~~ونبيا من الصالحين والأظهر أنه اسم أعجمي وإن كان عربيا فهو منقول عن الفعل ~~كيعمر ويعيش قيل سمي به لأنه حي به رحم أمه أوحى دين الله تعالى بدعوته ~~PageV05P255 # (قال) استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا قال عليه الصلاة والسلام ~~حينئذ فقيل قال (رب) ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه بتوسيط ~~الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجد في التبتل إليه تعالى والاحتراز ~~عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه تعالى بما يصدر عنه متوقف على ~~توسطه كما أن علم البشر بما يصدر عنه سبحانه متوقف على ذلك في عامة الأوقات ~~(أنى يكون لي غلام) كلمة أنى بمعنى كيف أو من أين وكان إما تامة وأنى ~~واللام متعلقتان بها وتقديم الجار على الفاعل لما مر مرارا من الاعتناء ms2081 بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر أي كيف أو من أين يحدث لي غلام ويجوز أن تتعلق ~~اللام بمحذوف وقع حالا من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له أي أنى يحدث كائنا ~~لي غلام أو ناقصة اسمها ظاهر وخبرها إما أني ولي متعلق بمحذوف كما مر أو هو ~~الخبر وأنى نصب على الظرفية وقوله تعالى (وكانت امرأتي عاقرا) حال من ضمير ~~المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى (وقد بلغت من الكبر عتيا) حال منه مؤكدة ~~للاستبعاد إثر تأكيد أي كانت امرأتي عاقرا لم تلد في شبابها وشبابي فكيف ~~وهي الآن عجوز وقد بلغت أنا من أجل كبر السن جساوة وقحولا في المفاصل ~~والعظام أو بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا من عتا يعتو وأصله ~~عتو وكقعود فاستثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء ~~لسكونها وانكسار ما قبلها ثم قلبت الثانية أيضا لاجماع الواو والياء وسبق ~~إحداهما بالسكون وكسرت العين اتباعا لها لما بعدها وقرئ بضمها ولعل البداءة ~~ههنا بذكر حال امرأته على عكس ما في سورة آل عمران لما أنه قد ذكر حاله في ~~تضاعيف دعائه وإنما المذكور ههنا بلوغه أقصى مراتب الكبر تتمة لما ذكر قبل ~~وأما هنالك فلم يسبق في الدعاء ذكر حاله فلذلك قدمه على ذكر حال امرأته لما ~~أن المسارعة إلى بيان قصور شأنه أنسب وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع ~~سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله لا سيما بعد مشاهدته للشواهد ~~المذكورة في سورة آل عمران استعظاما لقدرة الله تعالى وتعجيبا منها ~~واعتدادا بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محض لطف الله عز وعلا ~~وفضله مع كونه في نفس من الأمور المستحيلة عادة لا استبعادا له وقيل إنما ~~قاله ليجاب بما أجيب به فيزداد المؤمنون إيقانا ويرتدع المبطلون وقيل كان ~~ذلك منه عليه الصلاة والسلام استفهاما عن كيفية حدوثه وقيل بل كان ذلك ~~بطريق الاستبعاد حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة وكان قد نسي دعاءه ~~وهو ms2082 بعيد (قال) استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما سلف والكاف في قوله ~~تعالى (كذلك قال ربك) مقحمة كما في مثلك لا يبخل محلها إما النصب على أنه ~~مصدر تشبيهي لقال الثاني وذلك إشارة إلى مصدره الذي هو عبارة عن الوعد ~~السابق لا إلى قول آخر شبه هذا به وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا وقوله تعالى (هو على هين) جملة مقررة للوعد المذكور دالة ~~على إنجازه داخلة في حيز قال الأول كأنه قيل قال الله عز وجل مثل ~~PageV05P256 # ذلك القول البديع قلت أي مثل ذلك الوعد الخارق للعادة وعدت هو على خاصة ~~هين وإن كان في العادة مستحيلا وقرئ وهو علي هين فالجملة حينئذ حال من ربك ~~والياء عبارة عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراض وعلى كل حال فهي مؤكدة ومقررة ~~لما قبلها ثم أخرج القول الثاني مخرج الالتفات جريا على سنن الكبرياء لنريه ~~المهابة وإدخال الروعة كقول الخلفاء أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم ~~ثم أسند إلى أسم الرب المضاف إلى ضميره عليه السلام تشريفا له وإشعارا بعلة ~~الحكم فإن تذكير جريان أحكام ربوبيته تعالى عليه الصلاة والسلام من إيجاده ~~من العدم وتصريفه في أطوار الخلق من حال إلى حال شيئا فشيئا إلى أن يبلغ ~~كماله اللائق به مما يقلع أساس استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعود ~~ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنان بإنجازه لا محالة ثم التفت من ضمير ~~الغائب العائد إلى الرب إلى ياء العظمة إيذانا بأن مدار كونه هينا عليه ~~سبحانه هو القدرة الذاتية لا ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة ~~وتمهيدا لما يعقبه وقيل ذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله تعالى هو علي هين ~~على طريقة قوله تعالى وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ~~ولا يخرج هذا الوجه على القراءة بالواو ولأنها لا تدخل بين المفسر والمفسر ~~وإما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وذلك إشارة إلى ما تقدم من وعده تعالى ~~أي قال ms2083 عز وعلا الأمر كما وعدت وهو واقع لا محالة وقوله تعالى قال ربك الخ ~~استئناف مقرر لمضمونه والجملة المحكية على القراءة الثانية معطوفة على ~~المحكية الأولى أو حال من المستكن في الجار والمجرور وأيا ما كان فتوسيط ~~قال بينهما مشعر بمزيد الاعتناء بكل منهما والكلام في إسناد القول إلى الرب ~~ثم الالتفات إلى التكلم كالذي مر آنفا وقيل ذلك إشارة إلى ما قاله زكريا ~~عليه الصلاة والسلام أي قال تعالى الأمر كما قلت تصديقا له فيما حكاه من ~~الحالة المباينة للولادة في نفسه وفي امرأته وقوله تعالى قال ربك الخ ~~استئناف مسوق لإزالة استبعاده بعد تقريره أي قال تعالى وهو مع بعده في نفسه ~~علي هين والقراءة الثاني أدخل في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف وأما ~~جعلها للحال فمخل بسداد المعنى لأن مآله تقرير صعوبته حال سهولته عليه ~~تعالى مع أن المقصود بيان سهولته عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه وقوله ~~تعالى (وقد خلقتك من قبل ولم تكن شيئا) جملة مستأنفة مقررة لما قبلها ~~والمراد به ابتداء خلق البشر هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك ~~بطريق التوالد المعتاد وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه الصلاة والسلام وهو ~~المخلوق من العدم حقيقة بأن يقال وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك شيئا ~~مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه الصلاة ~~والسلام لتأكيد الاحتجاج به وتوضيح منهاج القياس حيث نبه على أن كل فرد من ~~أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم إذ لم تكن فطرته ~~البديعة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرية سائر آحاد الجنس ~~انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان إبداعه عليه الصلاة ~~والسلام على ذلك الوجه إبداعا لكل أحد من فروعه كذلك ولما كان خلقه عليه ~~الصلاة والسلام على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدع من أن يكون ~~ذلك مقصورا على نفسه كما ms2084 هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه وأدل على ~~عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم PageV05P257 # زكريا حينئذ أظهر عنده وأجلى وكان حاله أولى بأن يكون معيارا لحال ما بشر ~~به نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله ~~تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم توفية لمقام الامتنان حقه فكأنه قيل وقد ~~خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تكن إذ ذاك شيئا أصلا بل عدما بحتا ~~ونفيا صرفا هذا وأما حمل الشيء على المعتد به أي ولم تكن شيئا معتدا به ~~فيأباه المقام ويرده نظم الكلام وقرئ خلقناك (قال رب اجعل آية) أي علامة ~~تدلني على تحقق المسؤول ووقوع الحبل ولم يكن هذا السؤال منه عليه الصلاة ~~والسلام لتأكيد البشارة وتحقيقها كما قيل فإن ذلك مما لا يليق بمنصب ~~الرسالة وإنما كان ذلك لتعريف وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه ~~وهو أمر خفي لا يوقف عليه فأراد أن يطلعه الله تعالى عليه ليتلقى تلك ~~النعمة الجلية بالشكر من حين حدوثها ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهورا معتادا ~~وقد مرت الإشارة في تفسير سورة آل عمران إلى أن هذا السؤال ينبغي أن يكون ~~بعدما مضى بعد البشارة برهة من الزمان لما روي أن يحيى كان أكبر من عيسى ~~عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين ولا ريب في أن دعاء زكريا ~~عليه الصلاة والسلام كان في صغر مريم لقوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه وهي ~~إنما ولدت عيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنت عشر سنين أو بنت ثلاث عشرة سنة ~~والجعل إبداعي واللام متعلقة به وتقديمها على المفعول به لما مر مرارا من ~~الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوف وقع حالا من آية إذ لو ~~تأخر لكان صفة لها وقيل بمعنى التصبير المستدعي لمفعولين أو لهما آية ~~وثانيهما الظرف وتقديمه لأنه لا مسوغ لكون آية مبتدأ عند انحلال الجملة إلى ~~مبتدأ وخبر سوى تقديم الظرف فلا يتغير حالهما بعد ورود الناسخ ms2085 (قال آيتك أن ~~لا تكلم الناس) أي أن لا تقدر على أن تكلمهم بكلام الناس مع القدرة على ~~الذكر والتسبيح (ثلاث ليال) مع أيامهن للتصريح بها في سورة آل عمران (سويا) ~~حال من فاعل تكلم مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار أي ~~تمنع الكلام فلا تطيق به حال كونك سوى الخلق سليم الجوارح ما بك شائبة بكم ~~ولا خرس (فخرج على قومه من المحراب) أي من المصلى أو من الغرفة وكانوا من ~~وراء المحراب ينتظرونه ان يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا إذ خرج عليهم ~~متغيرا لونه فأنكروه وقالوا مالك (فأوحى إليهم) أي أومأ إليهم لقوله تعالى ~~إلا رمزا وقيل كتب على الأرض وأن في قوله تعالى (أن سبحوا) إما مفسرة لأوحى ~~أو مصدرية والمعنى أي صلوا أو بأن صلوا (بكرة وعشيا) هما ظرفا زمان للتسبيح ~~عن أبي العالية أن المراد بهما صلاة الفجر وصلاة العصر أو نزهوا ربكم طرفي ~~النهار ولعله كان مأمورا بأن يسبح شكرا ويأمر قومه بذلك (يا يحيى) استئناف ~~طوى قبله جمل كثيرة مسارعة إلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم أي قلنا ~~PageV05P258 # يا يحيى (خذ الكتاب) التوراة (بقوة) أي بجد واستظهار بالتوفيق (وآتيناه ~~الحكم صبيا) قال ابن عباس رضي الله عنهما الحكم النبوة استنبأه وهو ابن ~~ثلاث سنين وقيل الحكم الحكمة وفهم التوراة والفقه في الدين روى أنه دعاه ~~الصبيان إلى اللعب فقال ما للعب خلقنا (وحنانا من لدنا) عطف على الحكم ~~وتنوينه للتفخيم وهو التحنن والاشتياق ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة له مؤكدة ~~لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي وآتيناه رحمة ~~عظيمة عليه كائنة من جنابنا أو رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما ~~(وزكاة) أي طهارة من الذنوب أو صدقة تصدقنا به على أبويه أو وفقناه للتصديق ~~على الناس (وكان تقيا) مطيعا متجنبا عن المعاصي (وبرا بوالديه) عطف على ~~تقيا اي بارا بهما لطيفا بهما محسنا إليهما (ولم يكن جبارا عصيا) متكبرا ~~عاقا لهما أو عاصيا لربه (وسلام عليه) من الله ms2086 عز وجل (يوم ولد) من أن ~~يناله الشيطان بما ينال به بني آدم (ويوم يموت) من عذاب القبر (ويوم يبعث ~~حيا) من هول القيامة وعذاب النار (واذكر في الكتاب) مستأنف خوطب به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمر بذكر قصة مريم إثر قصة زكريا لما بينهما من كمال ~~الاشتباك والمراد بالكتاب السورة الكريمة لا القرآن إذ هي التي صدرت بقصة ~~زكريا المستتبعة لذكر قصتها وقصص الأنبياء المذكورين فيها أي واذكر للناس ~~(مريم) أي نبأها فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان وقوله تعالى (إذ انتبذت) ظرف ~~لذلك المضاف لكن لا على أن يكون المأمور به ذكر نبذها عند انتباذها فقط بل ~~كل ما عطف عليه وحكى بعده بطريق الاستئناف داخل في حيز الظرف متمم للنبأ ~~وقيل بدل اشتمال من مريم على أن المراد بها نبؤها فإن الظروف مشتملة على ما ~~فيها وقيل بدل الكل على أن المراد بالظرف ما وقع فيه وقيل إذ بمعنى أن ~~المصدرية كما في قولك أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني فهو بدل اشتمال ~~لا محالة وقوله تعالى (من أهلها) متعلق بانتبذت وقوله (مكانا شرقيا) مفعول ~~له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل ~~معناه العامل في الجار والمجرور وهو السرفي تأخيره عنه أي اعتزلت وانفردت ~~منهم وأتت مكانا شرقيا من بيت المقدس أو من دارها لتتخلى هنالك للعبادة ~~وقيل قعدت مشرقة لتغتسل من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها وذلك قوله ~~تعالى (فاتخذت من دونهم حجابا) وكان موضعها المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت ~~خالتها وإذا طهرت عادت إلى المسجد فبينا هي PageV05P259 # في مغتسلها أتاها الملك عليه الصلاة والسلام في صورة آدمي شاب أمرد وضئ ~~والوجه جعد الشعر وذلك قوله تعالى (فأرسلنا إليها روحنا) أي جبريل عليه ~~الصلاة والسلام عبر عنه بذلك توفية للمقام حقه وقرئ بفتح الراء لكونه سببا ~~لما فيه من روح العباد الذي هو عدة المقربين في قوله تعالى فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان (فتمثل ms2087 لها بشرا سويا) سوى الخلق كامل البنية لم يفقد ~~من حسان نعوت الآدمية شيئا وقيل تمثل في سورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت ~~المقدس وذلك لتستأنس بكلامه وتتلقى منه ما يلقي إليها من كلماته تعالى إذ ~~لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته وأما ما قبل من ~~أن ذلك لتهييج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها فمع مخالفته لمقام بيان آثار ~~القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى (قالت إني أعوذ بالرحمن منك) فإنه ~~شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة ميل ما إليه فضلا عما ذكر من الحالة ~~المترتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة نعم كان تمثيله على ذلك الحسن ~~الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها ولقد ظهر منها من الورع ~~والعفاف ما لا غاية وراءه وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ ~~به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها وقوله ~~تعالى (إن كنت تقيا) أي تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به وجواب الشرط ~~محذوف ثقة بدلالة السياق عليه أي فإني عائذة به أو فتعوذ بتعوذي أو فلا ~~تتعرض لي (قال إنما أنا رسول ربك) يريد عليه الصلاة والسلام إني لست ممن ~~يتوقع منه ما توهمت من الشر وإنما أنا رسول ربك الذي استعذت به (لأهب لك ~~غلاما) أي لأكون سببا في هبته بالنفخ في الدرع ويجوز أن يكون ذلك حكاية ~~لقوله تعالى ويؤيده القراءة بالياء والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميرها لتشريفها وتسليتها والإشعار بعلة الحكم فإن هبة الغلام لها من أحكام ~~تربيتها وفي بعض المصاحف أمرني أن أهب لك غلاما (زكيا) طاهرا من الذنوب أو ~~ناميا على الخير أي مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح (قالت أنى يكون ~~لي غلام) كما وصفت (ولم يمسسني بشر) أي والحال أنه لم يباشرني بالنكاح رجل ~~وإنما قيل بشر مبالغة في بيان تنزهها من مبادئ الولادة (ولم أك بغيا) عطف ~~على لم يمسسني داخل معه في حكم الحالية مفصح عن ms2088 كون المساس عبارة عن ~~المباشرة بالنكاح أي ولم أكن فاجرة تبغي الرجال وهي فعول بمعنى الفاعل ~~أصلها بغوي فأدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء وكسرت الغين للياء وقيل هي ~~فعيل بمعنى الفاعل وإلا لقيل بغو كما يقال فلان نهو عن المنكر وإنما لم ~~تلحقه التاء لأنها من باب النسب كطالق أو بمعنى المفعول أي يبغيها الرجال ~~للفجور بها (قال) أي PageV05P260 # الملك تقرير لمقالته وتحقيقا لها (كذلك) أي الأمر كما قالت لك وقوله ~~تعالى (قال ربك) الخ استئناف مقرر له أي قال ربك الذي أرسلني إليك (هو) أي ~~ما ذكرت لك من هبة الغلام من غير أن يمسك بشر أصلا (على) خاصة (هين) وإن ~~كان مستحيلا عادة لما أنى أحتاج إلى الأسباب والوسائط وقوله تعالى (ولنجعله ~~آية للناس) إما علة لمعلل محذوف أي ولنجعل وهب الغلام آية لهم وبرهانا ~~يستدلون به على كمال قدرتنا نفعل ذلك أو معطوف على علة أخرى مضمرة أي لنبين ~~به عظم قدرتنا ولنجعله آية الخ والواو على الأول اعتراضية والالتفات إلى ~~نون العظمة لإظهار كمال الجلالة (ورحمة) عظيمة كائنة (منا) عليهم يهتدون ~~بهدايته ويسترشدون بإرشاده (وكان) ذلك (أمرا مقضيا) محكما قد تعلق به ~~قضاؤنا الأزلي أو قدر وسطر في اللوح لا بد من جريانه عليك البتة أو كان ~~أمرا حقيقيا بأن يقضي ويفعل لتضمنه حكما بالغة (فحملته) بأن نفخ جبريل علية ~~الصلاة والسلام في درعها فدخلت النفخة في جوفها قيل إنه علية الصلاة ~~والسلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت وقيل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها ~~فحملت في الحال وقيل إن النفحة كانت في فيها وكانت مدة حملها سبعة أشهر ~~وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غيرة وقيل تسعة أشهر وقيل ثلاث ~~ساعات وقيل ساعة كما حملت وضعته وسنها حينئذ ثلاث عشرة سنة وقيل عشر سنين ~~وقد حاضت حيضتين «فانتبذت به» أي فاعتزلت وهو في بطنها كما في قوله * تدوس ~~بنا الجماجم والنريبا * فالجار والمجرور في حيز النصب على الحالية أي ~~فانتبذت ms2089 ملتبسة به «مكانا قصيا» بعيدا من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار ~~وهو الأنسب بقصر مدة الحمل «فأجاءها المخاض» أي فألجأها وهو في الأصل منقول ~~من جاء لكنه لم يستعمل في غيره كآتي في أعطى وقرئ المخاض بكسر الميم ~~وكلاهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج «إلى جذع النخلة» ~~لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة وهو ما بين العرق والغصن وكانت نخلة ~~يابسة لا راس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء والتعريف إما للجنس أو للعهد ~~إذا لم يكن ثمة غيرها وكانت كالمتعالم عند الناس ولعلة تعالى ألهمها ذلك ~~ليريها من آياتها ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء ~~الموافقة لها «قالت يا ليتني مت» بكسر الميم من مات يمات كخفت وقرئ بضمها ~~من مات يموت «قبل هذا» أي هذا الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت وإنما قالته مع ~~أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل عليه السلام من الوعد الكريم ~~استحياء من الناس وخوفا من لأئمتهم أو حذارا من وقوع الناس في المعصية بما ~~تكلموا فيها أو جريا على سنن الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم كما روى عن ~~عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال يا ليتني هذه التبنة ولم أكن ~~شيئا وعن بلال أنه قال ليت بلال لم تلده أمه «وكنت نسيا» أي شيئا تافها ~~شأنه أن ينسى ولا يعتد به أصلا وقرئ بالكسر قيل هما لغتان في ذلك كالوتر ~~والوتر وقيل هو بالكسر اسم لما ينسى كالنقض اسم PageV05P261 # لما ينقض وبالفتح مصدر سمي به المفعول مبالغة وقرئ بهما مهموزا من نسأت ~~اللبن إذا صببت عليه الماء فصار مستهلكا فيه وقرئ نسا كعصا «منسيا» لا يخطر ~~ببال أحد من الناس وهو نعت للمبالغة وقرئ بكسر الميم اتباعا له بالسين ~~«فناداها» أي جبريل عليه السلام «من تحتها» قيل أنه كان يقبل الولد وقيل من ~~تحتها أي من مكان أسفل منها تحت الأكمة وقيل من تحت النخلة وقيل ناداها ~~عيسى عليه ms2090 السلام وقرئ فخاطبها من تحتها بفتح الميم «ألا تحزني» أي لا ~~تحزني على أن أن مفسرة أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار ~~«قد جعل ربك تحتك» أي بمكان أسفل منك وقيل تحت أمرك إن أمرت بالجري جرى وإن ~~أمرت بالإمساك أمسك «سريا» أي نهرا صغيرا حسبما روى مرفوعا قال ابن عباس ~~رضي الله عنه إن جبريل عليه السلام ضرب برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب فجرى ~~جدولا وقيل فعله عيسى عليه السلام وقيل كان هناك نهر يابس أجرى الله عز وجل ~~فيه الماء حينئذ كما فعل مثله بالنخلة فإنها كانت نخلة يابسة لا راس لها ~~ولا ورق فضلا عن الثمر وكان الوقت شتاء فجعل الله لها إذ ذاك رأسا وخوصا ~~وثمرا وقيل كان هناك ماء جار والأول هو الموافق لمقام بيان ظهور الخوارق ~~والمتبادر من النظم الكريم وقيل سريا أي سيدا نبيلا رفيع الشأن جليلا وهو ~~عيسى عليه السلام فالتنوين للتفخيم والجملة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من ~~النهي عنه والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيد ~~التعليل وتكميل التسلية «وهزي» هز الشيء تحريكه إلى الجهات المتقابلة ~~تحريكا عنيفا متداركا والمراد ههنا ما كان منه بطريق الجذب والدفع لقوله ~~تعالى «إليك» أي إلى جهتك والباء في قوله عز وجل «بجذع النخلة» صلة للتأكيد ~~كما في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم الخ قال الفراء تقول العرب هزه وهز به ~~وأخذ الخطام وأخذ بالخطام أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهز بجذعها ~~أو هزي الثمرة بهزه وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالا من مفعول الهز أي هزي ~~إليك الرطب كائنا بجذعها «تساقط» أي تسقط النخلة «عليك» إسقاطا متواترا حسب ~~تواتر الهز وقرئ تسقط ويسقط من الإسقاط بالتاء والياء وتتساقط بإظهار ~~التاءين وتساقط بطرح الثانية وتساقط بإدغامها في السين ويساقط بالياء كذلك ~~وتسقط ويسقط من السقوط على أن التاء في الكل للنخلة والياء للجذع وقوله ~~تعالى «رطبا» على القراءات الثلاث الأولى مفعول وعلى ولست البواقي تمييز ~~وقوله ms2091 تعالى «جنيا» صفة له وهو ما قطع قبل يبسه فعيل بمعنى مفعول أي رطبا ~~مجنيا اي صالحا للاجتناء وقيل بمعنى فاعل أي طريا طيبا وقرئ جنيا بكسر ~~الجيم للاتباع «فكلي واشربي» PageV05P262 # أي ذلك الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره «وقري عينا» وطيبي نفسا ~~وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك فإنه تعالى قد نزه ساحتك عما اختلج في صدور ~~المتعبدين بالأحكام العادية بأن أظهر لهم من البسائط العنصرية والمركبات ~~النباتية ما يخرق العادات التكوينية ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك ~~وقرئ وقرى بكسر القاف وهي لغة نجد واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما ~~يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره أو من القر فإن دمعة السرور باردة ~~ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين وسخنة العين للمحبوب والمكروه «فإما ~~ترين من البشر أحدا» أي آدميا كائنا من كان وقرئ ترئن على لغة من يقول لبأت ~~بالحج لما بين الهمزة والياء من التآخي «فقولي» له إن استنطقك «إني نذرت ~~للرحمن صوما» أي صمتا وقد قرئ كذلك أو صياما وكان صيامهم بالسكوت «فلن أكلم ~~اليوم إنسيا» أي بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي وقيل ~~أمرت بأن تخبر بنذرها بالإشارة وهو الأظهر قال الفراء العرب تسمي كل ما وصل ~~إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد لم يكن إلا ~~حقيقة الكلام وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء ~~بكلام عيسى عليه السلام فإنه نص قاطع في قطع الطعن «فأتت به قومها» أي ~~جائتهم مع ولدها راجعة إليهم عندما طهرت من نفسها «تحمله» أي حاملة له ~~«قالوا» مؤنبين لها «يا مريم لقد جئت» أي فعلت «شيئا فريا» أي عظيما بديعا ~~منكرا من فرى الجلد أي قطعه أو جئت مجيئا عجيبا عبر عنه بالشيء تحقيقا ~~للاستغراب «يا أخت هارون» استئناف لتجديد التعبير وتأكيد التوبيخ عنوا به ~~هارون النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة ~~وقيل كانت من ms2092 نسله وكان بينهما ألف سنة وقيل هو رجل صالح أو طالح كان في ~~زمانهم شبهوها به أي كنت عندنا مثله في الصلاح أو شتموها به «ما كان أبوك ~~امرأ سوء وما كانت أمك بغيا» تقرير لكون ما جاءت به فريا منكرا وتنبيه على ~~أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش «فأشارت إليه» أي إلى عيسى عليه ~~السلام أن كلموه والظاهر أنها حينئذ بينت نذرها وأنها بمعزل عن محاورة ~~الإنس حسبما أمرت ففيه دلالة على أن المأمور به بيان نذرها بالإشارة لا ~~بالعبارة والجمع بينهما مما لا عهد به «قالوا» منكرين لجوابها «كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا» ولم نعهد فيما سلف صبيا يكلمه عاقل وقيل كان لإيقاع ~~مضمون الجملة في زمان ماض مبهم صالح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة ~~بدليل أنه مسوق للتعجب وقيل هي زائدة والظرف صلة من وصبيا حال من المستكن ~~فيه أو هي تامة أو دائمة كما في قوله تعالى وكان الله عليما حكيما ~~PageV05P263 # «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم كأنه قيل فماذا ~~كان بعد ذلك فقيل قال عيسى عليه السلام «إني عبد الله» أنطقه الله عز وجل ~~بذلك آثر ذي أثير تحقيقا للحق وردا على من يزعم ربوبيته قيل كان المستنطق ~~لعيسى زكريا عليهما الصلاة والسلام وعن السدي رضي الله عنه لما أشارت إليه ~~غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا مما فعلت وروى أنه عليه السلام كان ~~يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع واقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار ~~إليهم بسبابته فقال ما قال الخ وقيل كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا ~~يتكلم فيه الصبيان «آتاني الكتاب» أي الإنجيل «وجعلني نبيا» «وجعلني» مع ~~ذلك «مباركا» نفاعا معلما للخير والتعبير بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة ~~إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم أو بجعل ما في شرف الوقوع لا محالة ~~واقعا وقيل أكمله الله عقلا واستنبأه طفلا «أين ما كنت» أي حيثما كنت ~~«وأوصاني بالصلاة» أي أمرني بها ms2093 أمرا مؤكدا «والزكاة» زكاة المال إن ملكته ~~أو بتطهير النفس عن الرذائل «ما دمت حيا» في الدنيا «وبرا بوالدتي» عطف على ~~مباركا أي جعلني بارا بها وقرئ بالكسر على أنه مصدر وصف به مبالغة أو منصوب ~~بمضمر دل عليه أوصاني أي وكلفني برا ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفا على ~~الصلاة والزكاة والتنكير للتفخيم «ولم يجعلني جبارا شقيا» عنيدا لله تعالى ~~لفرط تكبره «والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» كما هو على ~~يحيى على أن التعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه ~~فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض بإثبات ضده لأضداده كما في قوله تعالى ~~والسلام على من اتبع الهدى فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى «ذلك» ~~إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة وما فيه من معنى البعد للدلالة على علو ~~مرتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره ونزوله منزلة ~~المشاهد المحسوس «عيسى ابن مريم» لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم فيما ~~يزعمونه على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعله موصوفا بأضداد ما ~~يصفونه «قول الحق» بالنصب على أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله الخ وقوله ~~تعالى ذلك «عيسى ابن مريم» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله وقرئ بالرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه والإضافة للبيان والضمير ~~للكلام السابق أو لتمام القصة وقيل صفة عيسى أو بدله أو خبر ثان ~~PageV05P264 # ومعناه كلمة الله وقرئ قال الحق وقول الحق فإن القول والقال في معنى واحد ~~«الذي فيه يمترون» أي يشكون أو يتنازعون فيقول اليهود ساحر والنصارى ابن ~~الله وقرئ بتاء الخطاب «ما كان لله» أي ما صح وما استقام له تعالى «أن يتخذ ~~من ولد سبحانه» تكذيب للنصارى وتنزيه له تعالى عما بهتوه وقوله تعالى «إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون» تبكيت لهم ببيان أن شأنه تعالى إذا قضى ~~أمرا من الأمور أن يعلق به إرادته فيكون حينئذ بلا تأخير فمن هذا ms2094 شأنه كيف ~~يتوهم أن يكون له ولد وقرئ فيكون بالنصب على الجواب وقوله تعالى «وإن الله ~~ربي وربكم فاعبدوه» من تمام كلام عيسى عليه السلام قيل هو عطف على قوله إني ~~عبد الله داخل تحت القول وقد قرئ بغير واو وقرئ بفتح الهمزة على حذف اللام ~~أي ولأنه تعالى ربي وربكم فاعبدوه كقوله تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا وقيل معطوف على الصلاة «هذا» أي الذي ذكرته من التوحيد «صراط ~~مستقيم» لا يضل سالكه والفاء في قوله تعالى «فاختلف الأحزاب من بينهم» ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها تنبيها على سوء صنيعهم بجعلهم ما يوجب ~~الاتفاق منشأ للاختلاف فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السلام مع كونها ~~نصوصا قاطعة في كونه عبده تعالى ورسوله قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط ~~والإفراط أو فرق النصارى فقالت النسطورية هو ابن الله وقالت اليعقوبية هو ~~الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء تعالى عن ذلك علوا كبيرا وقالت ~~الملكانية هو عبد الله ونبيه «فويل للذين كفروا» وهم المختلفون عبر عنهم ~~بالموصول إيذانا بكفرهم جميعا وإشعارا بعلة الحكم «من مشهد يوم عظيم» أي من ~~شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء وهو يوم القيامة أو من وقت شهوده أو ~~من مكان الشهود فيه أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن يشهد عليهم ~~الملائكة والأنبياء عليهم السلام وألسنتهم وآذانهم وأيديهم وأرجلهم وسائر ~~آرابهم بالكفر والفسوق أو من وقت الشهادة أو من مكانها وقيل هو ما شهدوا به ~~في حق عيسى وأمه عليهما السلام «أسمع بهم وأبصر» تعجب من حدة سمعهم ~~وأبصارهم يومئذ ومعناه أن أسماعهم وأبصارهم «يوم يأتوننا» للحساب والجزاء ~~أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منها بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا أو ~~تهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك ~~اليوم وما يحيق بهم فيه والجار والمجرور على الأول في موقع الرفع وعلى ~~الثاني في حيز النصب «لكن الظالمون اليوم» أي في الدنيا PageV05P265 # «في ms2095 ضلال مبين» لا تدرك غايته حيث أغفلوا الاستماع والنظر بالكلية ووضع ~~الظالمين موضع الضمير للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم «وأنذرهم يوم ~~الحسرة» أي يوم يتحسر الناس قاطبة أما المسئ فعلى إساءته وأما المحسن فعلى ~~قلة إحسانه «إذ قضي الأمر» أي فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة ~~والنار روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال حين يجاء بالموت ~~على صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظرون فينادي المنادي يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح ~~وأهل النار غما إلى غم وإذ بدل من يوم الحسرة أو ظرف للحسرة فإن المصدر ~~المعرف باللام يعمل في المفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف «وهم في غفلة» ~~أي عما يفعل بهم في الآخرة «وهم لا يؤمنون» وهما جملتان حاليتان من الضمير ~~المستتر في قوله تعالى في ضلال مبين أي مستقرون في ذلك وهم في تينك ~~الحالتين وما بينهما اعتراض أو من مفعول أنذرهم أي أنذرهم غافلين غير ~~مؤمنين فيكون حال متضمنة لمعنى التعليل «إنا نحن نرث الأرض ومن عليها» لا ~~يبقى لأحد غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك أو نتوفى الأرض ومن عليها ~~بالإفناء والإهلاك توفى الوارث لإرثه «وإلينا يرجعون» أي يردون للجزاء لا ~~إلى غيرنا استقلالا أو اشتراكا «واذكر» عطف على أنذرهم «في الكتاب» أي في ~~السورة أو في القرآن «إبراهيم» أي أتل على الناس قصته وبلغها إياهم كقوله ~~تعالى واتل عليهم نبأ إبراهيم فإنهم ينتمون إليه عليه السلام فعساهم ~~باستماع قصته يقلعون عما هم في من القبائح «إنه كان صديقا» ملازما للصدق في ~~كل ما يأتي ويذر أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى ~~وآياته وكتبه ورسله والجملة استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر فإن وصفه عليه ~~السلام بذلك من دواعي ذكره «نبيا» خبر آخر لكان مقيد للأول مخصص له كما ~~ينبئ عنه قوله تعالى من النبيين والصديقين الآية أي كان جامعا بين الصديقية ms2096 ~~والنبوة ولعل هذا الترتيب للمبالغة في الاحتراز عن توهم تخصيص الصديقية ~~بالنوبة فإن كل نبي صديق «إذ قال» بدل اشتمال من إبراهيم وما بينهما اعتراض ~~مقرر لما قبله أو متعلق بكان أو بنبيا وتعليق الذكر بالأوقات مع أن المقصود ~~تذكير ما وقع فيها من الحوادث قد مر سره مرارا أي كان جامعا بين الأثرتين ~~حين قال «لأبيه» آزر متلطفا في الدعوة مستميلا له «يا أبت» أي يا أبي فإن ~~التاء عوض عن ياء الإضافة ولذلك لا يجتمعان وقد قيل يا أبتا لكون الألف ~~بدلا من الياء «لم تعبد ما لا يسمع» ثناءك عليه عند عبادتك له وجؤارك إليه ~~«ولا يبصر» خضوعك وخشوعك بين يديه أولا يسمع ولا يبصر شيئا من المسموعات ~~والمبصرات فيدخل في ذلك PageV05P266 # ما ذكر دخولا أولياء «ولا يغني» أي لا يقدر على أن يغني «عنك شيئا» في ~~جلب نفع أو دفع ضر ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج وأقوم سبيل ~~واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل لئلا يركب متن المكابرة والعناد ~~ولا ينكب بالكلية عن محجة الرشاد حيث طلب منه علة عبادته لما يستخف به عقل ~~كل عاقل من عالم وجاهل ويأبى الركون غليه فضلا عن عبادته التي هي الغاية ~~القاصية من التعظيم مع أنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام ~~العام الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب ونبه على أن العاقل يجب ~~أن يفعل كل ما يفعل لداعية صحيحة وغرض صحيح والشيء لو كان حيا مميزا سميعا ~~بصيرا قادرا على النفع والضر مطيقا بإيصال الخير والشر لكن كان ممكنا ~~لاستنكف العقل السليم عن عبادته وإن كان أشرف الخلائق لما يراه مثله في ~~الحاجة والانقياد للقدرة القاهرة الواجبة فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو ~~شجر ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى ~~الحق المبين لما أنه لم يكن محظوظا من العلم الإلهي مستقلا بالنظر السوي ~~مصدرا لدعوته بما مر من الاستمالة والاستعطاف ms2097 حيث قال «يا أبت إني قد جاءني ~~من العلم ما لم يأتك» ولم يسم أباه بالجهل المفرط وإن كان في أقصاه ولا ~~نفسه بالعلم الفائق وإن كان كذلك بل أبرز نفسه في صورة رفيق له أعرف بأحوال ~~ما سلكاه من الطريق فاستماله برفق حيث قال «فاتبعني أهدك صراطا سويا» أي ~~مستقيما موصلا إلى أسنى المطالب منجيا عن الضلال المؤدي إلى مهاوي الردى ~~والمعاطب ثم ثبطه عما كان عليه بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل ببيان أنه ~~مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلب لضرر عظيم فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان ~~لما أنه الآمر به فقال «يا أبت لا تعبد الشيطان» فإن عبادتك للأصنام عبادة ~~له إذ هو الذي يسو لهالك ويغريك عليها وقوله «إن الشيطان كان للرحمن عصيا» ~~تعليل لموجب النهي وتأكيد له ببيان أنه مستعص على ربك الذي أنعم عليك بفنون ~~النعم ولا ريب أن المطيع للعاصي عاص وكل من هو عاص حقيق بأن يسترد منه ~~النعم وينتقم منه والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير والاقتصاد على ~~ذكر عصيانه من بين سائر جناياته لأنه ملاكها أو لأنه نتيجة معاداته لآدم ~~عليه السلام وذريته فتذكيره داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته ~~والتعرض لعنوان الرحمانية لإظهار كمال شناعة عصيانه وقوله «يا أبت إني أخاف ~~أن يمسك عذاب من الرحمن» تحذير من سوء عاقبة ما كان عليه من عبادة الشيطان ~~وهو ابتلاؤه بما ابتلي به معبوده من العذاب الفظيع وكلمة من متعلقة بمضمر ~~وقع صفة للعذاب مؤكدة لما افاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية وإظهار الرحمن للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب كما ~~في قوله عز وجل ما غرك بربك الكريم «فتكون للشيطان وليا» أي قرينا له في ~~اللعن المخلد وذكر الخوف للمجاملة PageV05P267 # وإبراز الاعتناء بأمره «قال» استئناف مبني على سؤال نشا من صدر الكلام ~~كأنه قيل فماذا قال أبوه عندما سمع منه عليه السلام هذه النصائح الواجبة ~~القبول فقيل قال مصرا على عناده «أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم» ms2098 أي أمعرض ~~ومنصرف أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب كأن ~~الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل فضلا عن ترغيب الغير عنها وقوله «لئن لم ~~تنته لأرجمنك» تهديد وتحذير عما كان عليه من العظة والتذكير أي والله لئن ~~لم تنته عما كنت عليه من النهي عن عبادتها لأرجمنك بالحجارة وقيل باللسان ~~«واهجرني» أي فاحذرني واتركني «مليا» أي زمانا طويلا أو مليا بالذهاب مطيقا ~~به «قال» استئناف كما سلف «سلام عليك» توديع ومتاركة على طريقة مقابلة ~~السيئة بالحسنة أي لا أصيبك بمكروه بعد ولا أشافهك بما يؤذيك ولكن «سأستغفر ~~لك ربي» اي أستدعيه أن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة ويهديك إلى الإيمان كما ~~يلوح به تعليل قوله تعالى واغفر لأبي بقوله تعالى إنه كان من الضالين ~~والاستغفار بهذا المعنى للكافر قبل تبين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في ~~جوازه وإنما المحظور استدعاء المغفرة له مع بقائه على الكفر فإنه مما لا ~~مساغ له عقلا ولا نقلا وأما الاستغفار له بعد موته على الكفر فلا تأباه ~~قضية العقل وإنما الذي يمنعه السمع ألا يرى إلى أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لعمه أبي طالب لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه فنزل قوله تعالى «ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين» الآية والاشتباه في أن هذا الوعد ~~من إبراهيم عليه السلام وكذا قوله لأستغفرن لك وما ترتب عليهما من قوله ~~واغفر لأبي الآية إنما كان قبل انقطاع رجائه عن إيمانه لعدم تبين أمره ~~لقوله تعالى فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما مر في تفسير سورة ~~التوبة واستثناؤه عما يؤتسى به في قوله تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك لا يقدح في جوازه لكن لا لأن ذلك كان قبل ورود النهي أو لموعدة ~~وعدها إياه كما قيل لما أن النهي إنما ورد في شأن الاستغفار بعد تبين الأمر ~~وقد كان استغفاره عليه السلام قبل التبين فلم يتناوله النهي أصلا وأن ms2099 الوعد ~~بالمحظور لا يرفع خطره بل لأن المراد بما يؤتسى به ما يجب الائتساء به حتما ~~لورود الوعيد على الإعراض عنه بقوله تعالى لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد فاستثناؤه ~~عن ذلك إنما يفيد عدم وجوب استدعاء الإيمان للكافر المرجو إيمانه لا سيما ~~وقد انقطع ذلك عند ورود الاستثناء وذلك مما لا يتردد فيه أحد من العقلاء ~~وأما عدم جوازه قبل تبين الأمر فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا وتوجيه ~~الاستثناء إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار بقوله واغفر لأبي ~~الآية لأنها كانت هي الحاملة له عليه السلام عليه وتخصيص تلك العدة بالذكر ~~دون ما وقع ههنا لورودها على نهج التأكيد القسمي واما جعل الاستغفار دائرة ~~عليها وترتيب التبرؤ على تبين الأمر فقد مر تحقيقه في تفسير سورة التوبة ~~وقوله «إنه كان بي حفيا» أي بليغا في البر والألطاف تعليل لمضمون ما قبله ~~PageV05P268 # «وأعتزلكم» أي أتباعد عنك وعن قومك «وما تدعون من دون الله» بالمهاجرة ~~بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي «وأدعو ربي» أعبده وحده وقد جوز أن يراد به ~~دعاؤه المذكور في تفسير سورة الشعراء ولا يبعد أن يراد به استدعاء الولد ~~أيضا بقوله «رب هب لي من الصالحين» حسبما يساعده السباق والسياق «عسى ألا ~~أكون بدعاء ربي شقيا» أي خائبا ضائع السعي وفيه تعريض بشقائهم في عبادة ~~آلهتهم وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه ~~على حقيقة الحق من أن الإجابة والإثابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق ~~الوجوب وأن العبرة بالخاتمة وذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا ~~يخفي «فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله» بالمهاجرة إلى الشام «وهبنا له ~~إسحاق ويعقوب» بدل من فارقهم من أقربائه الكفرة لكن لا عقيب المهاجرة فإن ~~المشهور أن الموهوب حينئذ إسماعيل عليه السلام لقوله تعالى فبشرناه بغلام ~~حليم إثر دعائه بقوله «رب هب لي من الصالحين» ولعل ترتيب هبتهما على ms2100 ~~اعتزاله ههنا لبيان كمال عظم النعم التي أعطاها الله تعالى إياه بمقابلة من ~~اعتزلهم من الأهل والأقرباء فإنها شجرتا الأنبياء لهما أولاد وأحفاد أولو ~~شأن خطير وذو عدد كثير هذا وقد روى أنه عليه السلام لما قصد الشام أتى أولا ~~حران وتزوج بسارة وولدت له إسحق وولد لإسحاق يعقوب والأول هو الأقرب الأظهر ~~«وكلا» أي كل واحد منهما أو منهم وهو مفعول أول لقوله تعالى «جعلنا نبيا» ~~قدم عليه للتخصيص لكن لا بالنسبة إلى من عداهم بل بالنسبة إلى بعضهم أي كل ~~واحد منهم جعلنا نبيا لا بعضهم دون بعض «ووهبنا لهم من رحمتنا» هي النبوة ~~وذكرها بعد ذكر جعلهم نبيا للإيذان بأنها من باب الرحمة وقيل هي المال ~~والأولاد ما بسط لهم من سعة الرزق وقيل هو الكتاب والأظهر أنها عامة لكل ~~خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين (وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا) يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم استجابة لدعوة بقوله واجعل لي لسان صدق ~~في الآخرين والمراد باللسان ما يوجد به الكلام ولسان العرب لغتهم واضافته ~~إلى إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلال على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم وأن ~~محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتبدل الدول وتحول الملل والنحل (واذكر ~~في الكتاب موسى) قدم ذكرة على ذكر إسماعيل لئلا ينفصل عن ذكر يعقوب عليهما ~~السلام (إنه كان مخلصا) موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء أو أسلم وجهه ~~لله تعالى وأخلص نفسه عما سواه وقرئ مخلصا على أن الله تعالى أخلصه (وكان ~~رسولا نبيا) أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبهم عنه ولذلك قدم رسولا مع ~~كونه أخص وأعلى PageV05P269 # (وناديناه من جانب الطور الأيمن) الطور جبل بين مصر ومدين والأيمن صفة ~~للجانب أي ناديناه من ناحيته اليمنى من اليمين وهي التي تلي يمين موسى عليه ~~السلام أو من جانبه الميمون من اليمن ومعنى ندائه منه أنه له الكلام من تلك ~~الجهة (وقربناه نجيا) تقريب تشريف مثل حاله عليه السلام بحال من قربه الملك ~~لمناجاته واصطفاه ms2101 لمصاحبته ونجيا أي مناجيا حال من أحد الضميرين في ناديناه ~~أو قربناه وقيل مرتفعا لما روى أنه عليه السلام رفع فوق السماوات حتى سمع ~~صريف القلم (ووهبنا له من رحمتنا) أي من أجل رحمتنا ورأفتنا له أو بعض ~~رحمتنا (أخاه) أي معاضدة أخيه ومؤازرته إجابة لدعوته بقولة واجعل لي وزيرا ~~من أهلي هارون أخي لا نفسه لأنه كان أكبر منه عليهما السلام وهو على الأول ~~مفعول لوهبنا وعلى الثاني بدل قوله تعالى (هارون) عطف بيان له وقوله تعالى ~~(نبيا) حال منه (واذكر الكتاب إسماعيل) فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه لإبراز ~~كمال الاعتناء بأمره بإيراده مستقلا وقوله تعالى (إنه كان صادق الوعد) ~~تعليل لموجب الأمر وإيرادك عليه السلام بهذا الوصف لكمال شهرته به وناهيك ~~أنه وعد الصبر على الذبح بقوله ستجدني إن شاء الله من الصابرين فوفي (وكان ~~رسولا نبيا) فيه دلالة على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة فإن أولاد ~~إبراهيم عليه السلام كانوا على شريعته (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة) ~~اشتغالا بالأهم وهو أن يقبل الرجل بالتكميل على نفسه ومن هو أقرب الناس ~~إليه قال تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين وأمر أهلك بالصلاة قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقصدا إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوة يؤتسى بهم وقيل ~~أهله أمته فإن الأنبياء عليهم السلام آباء الأمم (وكان عند ربه مرضيا) ~~لاتصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ذكر من خصاله الحميدة (واذكر في ~~الكتاب إدريس) وهو سبط شيث وجد أبي نوح فإنه نوح بن لمك بن متو شلح بن ~~أخنوخ وهو إدريس عليه السلام واشتقاقه من الدرس يرده منع صرفه نعم لا يبعد ~~أن يكون معناه في تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة دراسته روى أنه ~~تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة وأنه أول من حط بالقلم ونظر في علم النجوم ~~والحساب (إنه كان صديقا) ملازما للصدق في جميع أحواله (نبيا) خبر آخر لكان ~~مخصص للأول إذ ليس كل صديق نبيا PageV05P270 # (ورفعنا مكانا عليا) هو شرف النبوة ms2102 والزلفى عند الله عز وجل وقيل علو ~~الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا كما في قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك وقيل ~~الجنة وقيل السماء السادسة أو الرابع روى عن كعب وغيره في سبب رفع إدريس ~~عليه السلام أنه سئل ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال يا رب إني قد ~~مشيت فيها يوما وقد أصابني منها وأصابني فكيف من يحملها مسيرة خمسمائة عام ~~في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فما أصبح الملك وجد من خفة الشمس ~~وحرها مالا يعرف فقال يا رب ما الذي قضيت فيه قال إن عبدي إدريس سألني أن ~~أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال يا رب أجعل بيني وبينه خلة فأذن الله ~~تعالى له فرفعه إلى السماء (أولئك) إشارة إلى المذكورين في السورة الكريمة ~~وما فيه من معنى البعد للإشارة بعلو رتبهم منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ ~~وقوله تعالى (الذين أنعم الله عليهم) صفته أي أنعم عليهم بفنون النعم ~~الدينية والدنيوية حسبما أشير إليه مجملا وقوله تعالى (من النبيين) بيان ~~للموصول وقوله تعالى (من ذرية آدم) بدل منه بإعادة الجار ويجوز أن تكون ~~كلمة من فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية ~~«وممن حملنا مع نوح» أي ومن ذرية من حملنا معه خصوصا وهم من عدا إدريس عليه ~~السلام فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح (ومن ذرية إبراهيم) وهم الباقون ~~(وإسرائيل) عطف على إبراهيم أي ومن ذرية إسرائيل وكان منهم موسى وهارون ~~وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية ~~(وممن هدينا واجتبينا أي ومن جملة من هديناهم إلى الحق واجتبيناهم للنبوة ~~والكرامة وقوله تعالى (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) خبر ~~لأولتك ويجوز أن يكون الخبر هو الموصول وهذا استئنافا مسوقا لبيان خشيتهم ~~من الله تعالى واخباتهم له مع حالهم من علو الرتبة وسمو الطبقة في شرف ~~النسب وكمال النفس والزلفى من الله عز سلطانه وسجدا وبكيا حالان من ms2103 ضمير ~~خروا أي ساجدين باكين عن النبي صلى الله عليه وسلم المو القرآن وابكوا فإن ~~لم تبكوا فتباكوا والبكى جمع باك كالسجد جمع ساجد وأصله بكوى فاجتمعت الواو ~~والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الباء وحركت ~~الكاف بالكسر المجانس للياء وقرئ يتلى بالياء التحتانية لأن التأنيث غير ~~حقيقي وقرئ بكيا بكسر الباء للاتباع قالوا ينبغي أن يدعو الساجد في سجدته ~~بما يليق بآيتها فههنا يقول اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهدبين ~~الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك وفي آية الإسراء يقول اللهم اجعلني من ~~الباكين إليك الخاشعين لك وفي آية التنزيل السجدة يقول اللهم اجعلني من ~~الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك ~~PageV05P271 # «فخلف من بعدهم خلف» يقال لعقب الخير خلف بفتح اللام ولعقب شر خلف ~~بالسكون أي فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء «أضاعوا الصلاة» وقرئ الصلوات أي ~~تركوها أو أخروها عن وقتها «واتبعوا الشهوات» من شرب الخمر واستحلال نكاح ~~الأخت من الأب والانهماك في فنون المعاصي وعن علي رضي الله عنه هم من بني ~~المشيد وركب المنظور ولبس المشهور «فسوف يلقون غيا» أي شرا فإن كل شر عند ~~العرب غي وكل خير رشاد كقوله * فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغولا ~~يعدم على الغي لائما * وعن الضحاك جزاء غي كقوله تعالى «يلق أثاما» أي جزاء ~~أثام أو غيا عن طريق الجنة وقيل غي واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها وقوله ~~تعالى «إلا من تاب وآمن وعمل صالحا» يدل على أن الآية في حق الكفرة ~~«فأولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من ~~معنى البعد لما مر مرارا اي فأولئك المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل ~~الصالح «يدخلون الجنة» بموجب الوعد المحتوم وقرئ يدخلون على البناء للمفعول ~~«ولا يظلمون شيئا» أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا أو لا ينقصون شيئا من ~~النقص وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم «جنات ms2104 عدن» ~~بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها وما بينهما اعتراض أو نصب على ~~المدح وقرئ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو تلك جنات الخ أو ~~مبتدأ خبره إلى وعد الخ وقرئ جنة عدن نصبا ورفعا وعدن علم لمعنى العدن وهو ~~الإقامة كما أن فينة وسحر وأمس فيمن لم يصرفها أعلام لمعاني الفينة وهي ~~الساعة التي أنت فيها والسحر والأمس فجرى لذلك مجرى العدن أو هو علم الأرض ~~الجنة خاصة ولولا ذلك لما ساغ إبدال ما أضيف إليه من الجنة بلا وصف عند غير ~~البصريين ولا وصفة بقوله تعالى «التي وعد الرحمن عباده» وجعله بدلا منه ~~خلاف الظاهر فإن الموصول في حكم المشتق وقد نصوا على أن البدل بالمشتق ضعيف ~~والتعرض لعنوان الرحمة للإيذان بأن وعدها وإنجازه لكمال سعة رحمته تعالى ~~والباء في قوله تعالى «بالغيب» متعلقة بمضمر هو حال من المضمر العائد إلى ~~الجنات أو من عباده أي وعدها إياهم ملتبسة أو ملتبسين بالغيب أي غائبة عنهم ~~غير حاضرة أو غائبين عنها لا يرونها وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار أو ~~بمضمر هو سبب للوعد أي وعدها إياهم بسبب إيمانهم «إنه كان وعده» أي موعوده ~~كائنا ما كان فيدخل فيه الجنات الموعودة دخولا أوليا ولما كانت هي مثابة ~~يرجع إليها قيل «مأتيا» أي يأتيه من وعد له لا محالة بغير خلف وقيل هو ~~مفعول بمعنى فاعل وقيل مأتيا أي مفعولا منجزا من أتى إليه إحسانا أي فعله ~~«لا يسمعون PageV05P272 # فيها لغوا» أي فضول كلام لا طائل تحته وهو كناية عن عدم صدور اللغو عن ~~أهلها وفيه تنبيه على أن اللغو مما ينبغي أن يجتنب عنه في هذه الدار ما ~~أمكن «إلا سلاما» استثناء منقطع أي لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم أو ~~تسليم بعضهم على بعض أو متصل بطريق التعليق بالمحال أي لا يسمعون لغوا ما ~~إلا سلاما فيحث استحال كون السلام لغوا استحال سماعهم له بالكلية كما في ~~قوله * ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول ms2105 من قراع الكتائب * أو على أن ~~معناه الدعاء بالسلامة وهم أغنياء عنه من باب اللغو ظاهرا وإنما فائدته ~~الإكرام وقوله تعالى «ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا» وأراد على عادة ~~المتنعمين في هذه الدار وقيل المراد دوام رزقهم ودروره وإلا فليس فيها بكرة ~~ولا عشى «تلك الجنة» مبتدأ وخبر جيء به لتعظيم شأن الجنة وتعيين أهلها فإن ~~ما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان يبعد منزلتها وعلو رتبتها «التي ~~نورث» أي نورثها «من عبادنا من كان تقيا» أي نبقيها عليهم بتقواهم ونمتعهم ~~بها كما نبقى على الوارث مال مورثه ونمتعه به والوراثة أقوى ما يستعمل في ~~التملك والاستحقاق من الألفاظ من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا ~~إبطال وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا ~~وأطاعوا زيادة في كرامتهم وقرئ نورث بالتشديد «وما نتنزل إلا بأمر ربك» ~~حكاية لقول جبريل حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ~~أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه ~~فأبطأ عليه أربعين يوما أو خمسة عشر فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال المشركون ~~ودعه ربه وقلاه ثم نزل ببيان ذلك وأنزل الله عز وجل هذه الآية وسورة الضحى ~~والتنزيل النزول على مهل لأنه مطاوع للتنزيل وقد يطلق على مطلق النزول كما ~~يطلق التنزيل على الإنزال والمعنى وما نتنزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله ~~تعالى على ما تقتضيه حكمته وقرئ وما يتنزل بالياء والضمير للوحي «له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك» وهو ما نحن فيه من الأماكن والأزمنة ولا ~~ينتقل من مكان إلى مكان ولا نتنزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته «وما ~~كان ربك نسيا» أي تاركا لك يعني أن عدم النزول لم يكن إلا لعدم الأمر به ~~لحكمة بالغة فيه ولم يكن لتركه تعالى لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وفي ~~إعادة اسم الرب المعرب عن التبليغ إلى الكمال اللائق مضافا ms2106 إلى ضميره عليه ~~السلام من تشريفه والإشعار بعلة الحكم مالا يخفى وقيل أول الآية حكاية قول ~~المتقين حين يدخلون الجنة مخاطبا بعضهم بعضا بطريق التبجح والابتهاج ~~والمعنى وما نتنزل الجنة إلا بأمر الله تعالى ولطفه وهو مالك الأمور كلها ~~سالفها ومترقيها وحاضرها فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله تعالى ~~وما كان ربك نسيا تقرير لقولهم من وجهة الله تعالى أي وما كان ناسيا لأعمال ~~العاملين وما وعدهم من الثواب عليها وقوله تعالى «رب السماوات والأرض وما ~~بينهما» بيان لاستحالة النسيان عليه تعالى PageV05P273 # فإن من بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما كيف يتصور أن يحوم حول ~~ساحة سبحانه الغفلة والنسيان وهو خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ربك والفاء في ~~قوله تعالى «فاعبده واصطبر لعبادته» لترتيب ما بعدها من موجب الأمرين على ~~ما قبلها من كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما وقيل من كونه تعالى ~~غير تارك له عليه السلام أو غير ناس لأعمال العاملين والمعنى فحين عرفته ~~تعالى بما ذكر من الربوبية الكاملة فاعبده الخ فإن إيجاب معرفته تعالى كذلك ~~لعبادته مما لا ريب فيه أو حين عرفت أنه تعالى لا ينساك أو ينسى أعمال ~~العاملين كائنا من كان فأقبل على عبادته واصطبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء ~~الوحي وهزؤ الكفرة فإنه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة وتعدية ~~الاصطبار باللام لا بحرف الاستعلاء كما في قوله تعالى «واصطبر عليها» ~~لتضمينه معنى الثبات للعبادة فيما تورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك ~~للمبارز اصطبر لقرنك أي أثبت له فيما يورد عليك من شدائده «هل تعلم له ~~سميا» السمي هو الشريك في الاسم والظاهر أن يراد به ههنا الشريك في اسم خاص ~~قد عبر عنه تعالى بذلك وهو رب السماوات والأرض وما بينهما والمراد بإنكار ~~العلم ونفيه إنكار المعلوم ونفيه على أبلغ وجه وآكد فالجملة تقرير لما ~~أفاده الفاء من علية ربوبيته العامة لوجوب عبادته بل لوجوب تخصيصها به ~~تعالى ببيان استقلاله عز وجل بذلك الاسم وانتفاء إطلاقه ms2107 على الغير بالكلية ~~حقا أو باطلا وقيل المراد هو الشريك في الاسم الجليل فإن المشركين مع غلوهم ~~في المكابرة لم يسموا الصنم بالجلالة أصلا وقيل هو الشريك في اسم الإله ~~والمراد بالتسمية التسمية على الحق فالمعنى هل تعلم شيئا يسمى بالاستحقاق ~~إلها وأما التسمية على الباطل فهي كلا تسمية فتقرير الجملة لوجوب العبادة ~~باعتبار ما في الاسمين الكريمين من الإشعار باستحقاق العبادة فتدبر «ويقول ~~الإنسان» المراد به إما الجنس بأسره وإسناد القول إلى الكل لوجود القول ~~فيما بينهم وإن لم يقله الجميع كما يقال بنو فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل ~~واحد منهم وإما البعض المعهود منهم وهو الكفرة أو أبي بن خلف فإن أخذ عظاما ~~بالية ففتها وقال يزعم محمد أنا نبعث بعد ما نموت ونصير إلى هذه الحال أي ~~يقول بطريق الإنكار والإستبعاد «أئذا ما مت لسوف أخرج حيا» أي أبعث من ~~الأرض أو من حال الموت وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار لما أن المنكر كون ~~ما بعد الموت وقت الحياة وانتصابه بفعل دل عليه أخرج لا به فإن ما بعد ~~اللام لا يعمل فيما قبلها وهي ههنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما ~~خلصت الهمزة واللام للتعويض في يا الله فساغ اقترانها بحرف الاستقبال وقرئ ~~إذا ما مت بهمزة واحدة مكسورة على الخبر «أولا يذكر الإنسان» من الذكر الذي ~~يراد به التفكر والإظهار في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بأن ~~الإنسانية من دواعي التفكر فيما جرى عليه من شؤون التكوين المنحية بالقلع ~~عن القول المذكور وهو السرفي إسناده إلى الجنس أو إلى الفرد بذلك العنوان ~~والهمزة للإنكار التوبيخي والواو PageV05P274 # لعطف الجملة المنفية على مقدر يدل عليه يقول أي أيقول ذلك ولا يذكر «أنا ~~خلقناه من قبل» أي من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه «ولم يك ~~شيئا» أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئا أصلا فحيث خلقناه وهو في تلك الحالة ~~المنافية للخلق بالكلية مع كونه أبعد من الوقوع فلأن نبعثه بجمع المواد ~~المتفرقة وإيجاد ms2108 مثل ما كان فيها من الأعراض أولى وأظهر فماله لا يذكره ~~فيقع فيما يقع فيه من النكير وقرئ يذكر ويتذكر على الأصل «فوربك» إقسامه ~~باسمه عزت أسماؤه مضافا إلى ضميره عليه السلام لتحقيق الأمر بالإشعار ~~بعليته وتفخيم شأنه صلى الله عليه وسلم ورفع منزلته «لنحشرنهم» أي لنجمعن ~~القائلين بالسوق إلى المحشر بعد ما أخرجناهم من الأرض أحياء ففيه إثبات ~~للبعث بالطريق البرهاني على أبلغ وجه وآكده كأنه أمر واضح غني عن التصريح ~~به وإنما المحتاج إلى البيان ما بعد ذلك من الأهوال «والشياطين» معطوف على ~~الضمير المنصوب أو مفعول معه روى أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين ~~التي كانت تغويهم كل منهم مع شيطانه في سلسلة وهذا وإن كان مختصا بهم لكن ~~ساغ نسبته إلى الجنس باعتبار أنهم لما حشروا وفيهم الكفرة مقرونين ~~بالشياطين فقد حشروا معهم جميعا كما ساغ نسبة القول المحكي إليه مع كون ~~القائل بعض أفراده «ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا» ليرى السعداء ما نجاهم الله ~~تعالى منه فيزدادوا غبطة وسرورا وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ~~ويزدادوا غيظا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم بهم والجثي ~~جمع جاث من جثا إذا قعد على ركبتيه وأصله جثو وبواوين فاستثقل اجتماعهما ~~بعد ضمتين فكسرت الثاء لتخفيف فانقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما ~~قبلها فاجتمعت واو وياء وسبق إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها ~~الياء الأولى وكسرت الجيم اتباعا لما بعدها وقرئ بضمها ونصبه على الحالية ~~من الضمير البارز أي لنحضرنهم حول جهنم جاثين على ركبهم لما يدهمهم من هول ~~المطلع أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ~~فإن أهل الموقف جاثون كما ينطق به قوله تعالى وترى كل أمة جاثية على ما هو ~~المعتاد في مواقف التقاول وإن كان المراد بالإنسان الكفرة فلعلهم يساقون من ~~الموقف إلى شاطئ جهنم جثاة إهانة بهم أو لعجزهم عن القيام لما اعتراهم من ~~الشدة «ثم لننزعن من كل شيعة» أي من كل أمة ms2109 شاعت دينا من الأديان «أيهم أشد ~~على الرحمن عتيا» أي من كان منهم أعصى وأعتى فنطرحهم فيها وفي ذكر الأشد ~~تنبيه على أنه تعالى يعفو عن بعض من أهل العصيان وعلى تقدير تفسير الإنسان ~~بالكفرة فالمعنى إنا نميز من كل طائفة منهم أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فأعتاهم ~~فنطرحهم في النار على الترتيب أو ندخل كلا منهم طبقتها اللائقة به وأيهم ~~مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات لكنه أعرب حملا ~~على كل وبعض للزوم الإضافة وغذا حذف صدر صلته زاد نقصه فعاد إلى حقه ومنصوب ~~المحل بننزعن ولذلك قرئ منصوبا ومرفوع عند غيره بالابتداء PageV05P275 # على أنه استفهامي وخبرة أشد والجملة محكية والتقدير لننزعن من كل شيعة ~~الذين يقال لهم أيهم أشد أو معلق عنها لننزعن لتضمنه معنى التمييز اللازم ~~للعلم أو مستأنفة والفعل واقع على كل شيعة على زيادة من أو على معنى لننزعن ~~بعض كل شيعة كقوله تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا وعلى للبيان فيتعلق بمحذوف ~~كأن سائلا قال على من عتوا فقيل على الرحمن أو متعلق بأفعل وكذا الباء في ~~قوله تعالى «ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا» أي هم أولى بصلبها أو ~~صليهم أولى بالنار وهم المنتزعون ويجوز أن يراد بهم وبأشدهم عتيا رؤساء ~~الشيعة فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم والصلي كالعتى صيغة وإعلالا وقرئ ~~بضم الصاد «وإن منكم» التفات لإظهار مزيد الاعتناء بمضمون الكلام وقيل هو ~~خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور ويؤيد الأول أنه قرئ وإن منهم أي ما ~~منكم أيها الإنسان «إلا واردها» أي واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون ~~وهي خامدة وتهار بغيرهم وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال إذا ~~دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار فيقال ~~لهم قد وردتموها وهي خامدة وأما قوله تعالى «أولئك عنها مبعدون» فالمراد به ~~الإبعاد عن عذابها وقيل ورودها الجواز على الصراط الممدود عليها «كان» أي ~~ورودهم إياها «على ms2110 ربك حتما مقضيا» أي أمرا محتوما أوجبه الله عز وجل على ~~ذاته وقضى أنه لا بد من وقوعه البتة وقيل أقسم عليه «ثم ننجي الذين اتقوا» ~~الكفر والمعاصي مما كانوا عليه من حال الجثو على الركب على الوجه الذي سلف ~~فيساقون إلى الجنة وقرئ ننجي بالتخفيف وينجي وينجى على البناء للمفعول وقرئ ~~ثمة ننجي بفتح الثاء أي هناك ننجيهم «ونذر الظالمين» بالكفر والمعاصي «فيها ~~جثيا» منهارا بهم كما كانوا قيل فيه دليل على أن المراد بالورود الجثو ~~حواليها وأن المؤمنين يفارقون الفجرة بعد تجاثيهم حولها ويلقى الفجرة فيها ~~على هيآتهم وقوله تعالى «وإذا تتلى عليهم» الآية إلى آخرها حكاية لما قالوا ~~عند سماع الآيات الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم أي وإذا تتلى على ~~المشركين «آياتنا» التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بحسن حال المؤمنين ~~وسوء حال الكفرة وقوله تعالى «بينات» أي مرتلات الألفاظ مبينات المعاني ~~بنفسها أو ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أو بينات الإعجاز حال مؤكدة من ~~آياتنا «قال الذين كفروا» أي قالوا ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه على ~~أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له أو قال الذين مردوا ~~منهم على الكفر ومرنوا على العتو والعناد وهم النضر بن الحرث وأتباعه ~~PageV05P276 # الفجرة واللام في قوله تعالى «للذين آمنوا» للتبليغ كما في مثل قوله ~~تعالى وقال لهم نبيهم وقيل لام الأجل كما في قوله تعالى وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه أي قالوا لأجلهم وفي حقهم والأول ~~هو الأولى لأن قولهم ليس في حق المؤمنين فقط كما ينطق به قوله تعالى «أي ~~الفريقين» أي المؤمنين والكافرين كأنهم قالوا أينا «خير» نحن أو أنتم ~~«مقاما» أي مكانا وقرئ بضم الميم أي موضع إقامة ومنزل «وأحسن نديا» أي ~~مجلسا ومجتمعا يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ويتطيبون ويتزينون ~~بالزين الفاخر ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين يريدون بذلك أن خيريتهم حالا ~~وأحسنيتهم منالا مما لا يقبل الإنكار وأن ذلك لكرامتهم على الله ms2111 سبحانه ~~وزلفاهم عنده إذ هو العيار على الفضل والنقصان والرفعة والضعة وأن من ~~ضرورته هوان المؤمنين عليه تعالى لقصور حظهم العاجل وما هذا القياس العقيم ~~والرأي السقيم إلا لكونهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وذلك ~~مبلغهم من العلم فرد عليهم ذلك من جهته تعالى بقوله «وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أحسن أثاثا ورئيا» اي كثيرا من القرون التي كانت أفضل منهم فيما ~~يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية كعاد وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية قبل ~~هؤلاء أهلكناهم بفنون العذاب ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا لما فعلنا ~~بهم ما فعلنا وفيه من التهديد والوعيد مالا يخفى كأنه قيل فينتظر هؤلاء ~~أيضا مثل ذلك فكم مفعول أهلكنا ومن قرن بيان لإبهامها وأهل كل عصر قرن لمن ~~بعدهم لأنهم يتقدمونهم مأخوذ من قرن الدابة وهو مقدمها وقوله تعالى «هم ~~أحسن أثاثا» في حيز النصب على انه صفة لكم وأثاثا تمييز النسبة وهو متاع ~~البيت وقيل هو ما جد منه والخرثي ما لبس منه ورث والرئى المنظر فعل من ~~الرؤية لما يرى كالطحن لما يطحن وقرئ ريا على قلب الهمزة ياء وإدغامها أو ~~على أنه من الري وهو النعمة والترفه وقرئ ريئا على القلب وريا بحذف الهمزة ~~وزيا بالزاي المعجمة من الزي وهو الجمع فإنه عبارة عن المحاسن المجموعة «قل ~~من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا» لما بين عاقبة أمر الأمم المهلكة ~~مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظ العاجلة أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ ببيان مآل أمر الفريقين ~~إما على وجه كلي متناول لهم ولغيرهم من المنهمكين في اللذة الفانية ~~المبتهجين بها على أن من على عمومها وإما على وجه خاص بهم على أنها عبارة ~~عنهم ووصفهم بالتمكن لذمهم والإشعار بعلة الحكم أي من كان مستقرا في ~~الضلالة مغمورا بالجهل والغفلة عن عواقب الأمور فليمدد له الرحمن أي يمد له ~~ويمهله بطول العمر وإعطاء المال والتمكين ms2112 من التصرفات وإخراجه على صيغة ~~الأمر للإيذان بأن ذلك مما ينبغي أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير كما ~~ينبئ عنه قوله عز وجل «أولم نعمركم» ما يتذكر فيه من تذكر أو للإستدراج كما ~~ينطق به PageV05P277 # قوله تعالى إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وقيل المراد به الدعاء بالمد ~~والتنفيس وعلى اعتبار الاستقرار في الضلال لما أن المد لا يكون إلا للمصرين ~~عليها إذ رب ضال يهديه الله عز وجل والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد ~~من أحكام الرحمة الدنيوية وقوله تعالى «حتى إذا رأوا ما يوعدون» غاية للمد ~~الممتد لا لقول المفتخرين كما قيل إذ ليس فيه امتداد بحسب الذات وهو ظاهر ~~ولا استمرار بحسب التكرار لوقوعه في حيز جواب إذا وجمع الضمير في الفعلين ~~باعتبار معنى من كما أن الأفراد في الضميرين الأولين باعتبار لفظها وقوله ~~تعالى «إما العذاب وإما الساعة» تفصيل للموعود بدل منه على سبيل البدل فإنه ~~إما لعذاب الدنيوي بغلبة المسلمين واستيلائهم عليهم وتعذيبهم إياهم قتلا ~~وأسرا وإما يوم القيامة وما نالهم فيه من الخزي والنكال على طريقة منع ~~الخلو دون منع الجواب فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال وقوله تعالى ~~«فسيعلمون» جواب الشرط والجملة محكية بعد حتى أي حتى إذا عاينوا ما يوعدون ~~من العذاب الدنيوي أو الأخروي فقط فسيعلمون حينئذ «من هو شر مكانا» من ~~الفريقين بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يقدرونه فيعلمون أنهم شر ~~مكانا لا خير مقاما «وأضعف جندا» أي فئة وأنصار ألا أحسن نديا كما كانوا ~~يدعونه وليس المراد أن له ثمة جندا ضعفاء كلا ولم تكن له فئة ينصرونه من ~~دون الله وما كان منتصرا وإنما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانا ~~من الأعيان وأنصارا من الأخيار ويفتخرون بذلك في الأندية والمحافل «ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى» كلام مستأنف سيق لبيان حال المهتدين إثر بيان حال ~~الضالين وقيل عطف على فليمدد لأنه في معنى الخبر حسبما عرفته كأن قيل من ~~كان في الضلالة يمده الله ms2113 ويزيد المهتدين هداية كقوله تعالى والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وقيل عطف على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن إمهال ~~الكافر وتمتيعه بالحياة ليس لفضله عقب ذلك ببيان أن قصور حظ المؤمن منها ~~ليس لنقصه بل لأنه تعالى أراد به ما هو خير من ذلك وقوله تعالى «والباقيات ~~الصالحات خير» على تقديري الاستئناف والعطف كلام مستأنف وارد من جهته تعالى ~~لبيان فضل أعمال المهتدين غير داخل في حيز الكلام الملقن لقوله تعالى «عند ~~ربك» أي الطاعات التي تبقى فوائدها وتدوم عوائدها ومن جملتها ما قيل من ~~الصلوات الخمس وما قيل من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر خير عند الله تعالى والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره لتشريفه صلى الله عليه وسلم «ثوابا» أي عائدة مما يتمتع به الكفرة من ~~النعم المخدجة الفانية التي يفتخرون بها لا سيما ومآلها النعيم المقيم ومآل ~~هذه الحسرة السرمدية والعذاب الأليم كما أشير إليه بقوله تعالى «وخير مردا» ~~أي مرجعا وعافية وتكرير الخير لمزيد الاعتناء ببيان الخيرية وتأكيد لها وفي ~~التفضيل مع أن ما للكفرة بمعزل من أن يكون له خيرية في العاقبة تهكم بهم ~~«أفرأيت الذي PageV05P278 # كفر بآياتنا» أي بآياتنا التي من جملتها آيات البعث نزلت في العاص بن ~~وائل كان لخباب بن الأرت عليه مال فاقتضاه فقال لا حتى تكفر بمحمد قال لا ~~والله لا أكفر به حيا ولا ميتا ولا حين بعثت قال فإذا بعثت جئني فيكون لي ~~ثمة مال وولد فأعطيك وفي رواية قال لا أكفر به حتى يميتك ثم تبعث فقال إني ~~لميت ثم مبعوث قال نعم قال دعني حتى أموت وأبعث فسأوتى مالا وولدا فاقضيك ~~فنزلت فالهمزة للتعجيب من حاله والإيذان بأنها من الغرابة والشناعة بحيث ~~يجب أن ترى ويقضى منها العجب ومن فرق بين ألم ترو إلى أرأيت بعد بيان ~~اشتراكهما في الاستعمال لقصد التعجيب بأن الأول يعلق بنفس المتعجب منه ~~فيقال ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى انظر ms2114 إليه فتعجب من حاله والثاني يعلق ~~بمثل المتعجب منه فيقال أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث ~~لا يرى له مثل فقد حفظ شيئا وغابت عنه أشياء وكأنه ذهب عليه قوله عز وجل ~~أرأيت الذي يكذب بالدين والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنظرت ~~فرأيت الذي كفر بآياتنا الباهرة التي حقها أن يؤمن بها كل من يشاهدها ~~«وقال» مستهزئا بها مصدر لكلامه باليمن الفاجرة والله «لأوتين» في الآخرة ~~«مالا وولدا» أي أنظر إليه فتعجب من حالته البديعة وجراءته الشنيعة هذا هو ~~الذي يستدعيه جزالة النظم الكريم وقد قيل إن أرأيت بمعنى أخبر والفاء على ~~أصلها والمعنى أخبر بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك الذين قالوا أي ~~الفريقين خير مقاما الآية وأنت خبير بأن المشهور استعمال أرأيت في معنى ~~أخبرني بطريق الاستفهام جاريا على أصله أو مخرجا إلى ما يناسبه من المعاني ~~لا بطريق الأمر بالإخبار لغيره وقرئ ولدا على أنه جمع ولد كأسد جمع أسد أو ~~على أنه لغة فيه كالعرب والعرب وقوله تعالى «أطلع الغيب» رد لكلمته الشنعاء ~~وإظهار لبطلانها إثر ما أشير إليه بالتعجيب منها أي أقد بلغ من عظمة الشأن ~~إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي استأثر به العليم الخبير حتى ادعى أن أن ~~يؤتي في الآخرة مالا وولدا وأقسم عليه «أم اتخذ عند الرحمن عهدا» بذلك فإنه ~~لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين والتعرض لعنوان الرحمانية ~~للإشعار بعلية لإيتاء ما يدعيه وقيل العهد كلمة الشهادة وقيل العمل الصالح ~~فإن وعده تعالى بالثواب عليهما كالعهد وهذا مجاراة مع اللعين بحسب منطوق ~~مقاله كما أن كلامه مع خباب كان كذلك وقوله تعالى «كلا» ردع له عن التفوه ~~بتلك العظيمة وتنبيه على خطئه «سنكتب ما يقول» أي سنظهر أنا كتبنا قوله ~~كقوله * إذا ما نتسبنا لم تلدني لئيمة * أي يتبين أني لم تلدني لئيمة أو ~~سننتقم منه انتقام من كتب جريمة الجاني وحفظها عليه فإن نفس الكتيبة لا ~~تكاد تتأخر عن ms2115 القول لقوله عز وعلا ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~فمبني الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزله إحداث الأمر المعدوم بجامع أن ~~كلا منهما إخراج من الكمون إلى البروز فيكون استعارة تبعية مبنية على تشبيه ~~إظهار الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها ومدار الثاني تسمية الشيء باسم ~~سببه فإن PageV05P279 # كتابه جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعا «ونمد له من العذاب مدا» مكان ما ~~يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد أي نطول له من العذاب ما يستحقه أو ~~نزيد عذابه ونضاعفه له لكفره وافترائه على الله سبحانه واستهزائه بآياته ~~العظام ولذلك اكد بالمصدر دلالة على فرط الغضب «ونرثه» بموته «ما يقول» أي ~~مسمى ما يقول ومصداقه وهو ما أوتيه في الدنيا من المال والولد وفيه إيذان ~~بأنه ليس لما يقوله مصداق موجود سوى ما ذكر أي ننزع عنه ما آتيناه ~~«ويأتينا» يوم القيامة «فردا» لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلا ~~أن يؤتى ثمة زائدا وقيل نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه ما ~~يستحقه ويأباه معنى الإرث وقيل المراد بما يقول نفس القول المذكور لا مسماه ~~والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حيا فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن ~~يقوله ويأتينا رافضا له منفردا عنه وأنت خبير بأن ذلك مبني على أن صدور ~~القول المذكور عنه بطريق الاعتقاد وأنه مستمر على التفوه به راج لوقوع ~~مضمونه ولا ريب في أن ذلك مستحيل ممن كفر بالبعث وإنما قال ما قال بطريق ~~الاستهزاء وتعليق أداء دينه بالمحال «واتخذوا من دون الله آلهة» حكاية ~~لجناية عامة للكل مستتبعة لضد ما يرجعون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة ~~الكافر المعهود واستتباعها لنقيض مضمونها أي اتخذوا الأصنام آلهة متجاوزين ~~الله تعالى «ليكونوا لهم عزا» أي ليتعززوا بهم بأن يكونوا لهم وصلة إليه عز ~~وجل وشفعاء عنده «كلا» ردع لهم عن ذلك الاعتقاد الباطل وإنكار لوقوع ما ~~علقوا به أطماعهم الفارغة «سيكفرون بعبادتهم» أي ستجحد الآلهة بعبادتهم لها ~~بأن ينطقها الله ms2116 تعالى وتقول ما عبدتمونا أو سينكر الكفرة حين شاهدوا سوء ~~عاقبة كفرهم عبادتهم لها كما في قوله تعالى والله ربنا ما كنا مشركين ومعنى ~~قوله تعالى «ويكونون عليهم ضدا» على الأول تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن ~~تكون لهم عزا ضدا للعز أي ذلا وهوانا أو تكون عونا عليهم وآلة لعذابهم حيث ~~تجعل وقود النار وحصب جنهم أو حيث كانت عبادتهم لها سببا لعذابهم وإطلاق ~~الضد على العون لما أن عون الرجل يضاد عدوه وينافيه بإعانته له عليه وعلى ~~الثاني يكون الكفرة ضدا وأعداء اللآلهة كافرين بها بعد أن كانوا يحبونها ~~كحب الله ويعبدونها وتوحيد الضد لوحدة المعنى الذي عليه تدور مضادتهم فإنهم ~~بذلك كشيء واحد كما في قوله عليه السلام وهم يد على من سواهم وقرئ كلا بفتح ~~الكاف والتنوين على قلب الألف نونا في الوقف قلب ألف الإطلاق في قوله * ~~أقلى اللوم عاذل والعتابن * وقولي إن أصبت لقد أصابن * أو على معنى كل هذا ~~الرأي كلا وقرئ كلا على إضمار فعل يفسره ما بعده أي سيجحدون كلا سيكفرون ~~الخ PageV05P280 # «ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين» تعجيب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة السالفة وحكته عن هؤلاء الكفرة ~~والغواة والمردة العتاة من فنون القبائح من الأقاويل والأفاعيل والتمادي في ~~الغي والانهماك في الضلال والإفراط في العناد والتصميم على الكفر من غير ~~صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم والإجماع على مدافعة الحق بعد اتضاحه وانتفاء ~~الشك عنه بالكلية وتنبيه على أن جميع ذلك منهم بإضلال الشياطين وإغوائهم لا ~~لأن له مسوغا ما في الجملة ومعنى إرسال الشياطين عليهم إما تسليطهم عليهم ~~وتمكينهم من إضلالهم وإما تقييضهم لهم وليس المراد تعجيبه عليه السلام من ~~إرسالهم عليهم كما يوهمه تعليق الرؤية به بل مما ذكر من أحوال الكفرة من ~~حيث كونها من آثار إغواء الشياطين كما ينبئ عنه قوله تعالى «تؤزهم أزا» ~~فإنه إما حال مقدرة من الشياطين أو استئناف وقع جوابا عما نشأ من صدر ~~الكلام ms2117 كأنه قيل ماذا يفعل الشياطين بهم حينئذ فقيل تؤزهم أي تغريهم ~~وتهيجهم على المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس والتسويلات فإن الأز ~~والهز والاستفزاز أخوات معناها شدة الإزعاج «فلا تعجل عليهم» أي بأن يهلكوا ~~حسبما تقتضيه جناياتهم ويبيدوا عن آخرهم وتطهر الأرض من فساداتهم والفاء ~~للإشعار بكون ما قبلها مظلة لوقوع المنهي عنه محوجة إلى النهي كما في قوله ~~تعالى إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة وقوله تعالى «إنما نعد ~~لهم عدا» تعليل لموجب النهي ببيان اقتراب هلاكهم أي لا تستعجل بهلاكهم فإنه ~~لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عدا «يوم نحشر المتقين» منصوب على ~~الظرفية بفعل مؤخر قد حذف للإشعار بضيق العبارة عن حصره وشرحه لكمال فظاعة ~~ما يقع فيه من الطامة التامة والدواهي العامة كأنه قيل يوم نحشر المتقين أي ~~نجمعهم «إلى الرحمن» إلى ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة «وفدا» وافدين ~~عليه كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم «ونسوق ~~المجرمين» كما تساق البهائم «إلى جهنم وردا» عطاشا فإن من يرد الماء لا ~~يورده إلا العطش أو كالدواب التي ترد الماء نفعل بالفريقين من الأفعال مالا ~~يفي ببيانه نطاق المقال وقيل منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي ~~الله صلى الله عليه وسلم أي اذكر لهم بطريق الترغيب والترهيب يوم نحشر الخ ~~وقيل على الظرفية لقوله تعالى «لا يملكون PageV05P281 # الشفاعة» والذي يقتضيه مقام التهويل وتستدعيه جزالة التنزيل أن ينتصب ~~بأحد الوجهين الأولين ويكون هذا استئنافا مبينا لبعض ما فيه من الأمور ~~الدالة على هوله وضميره عائدا إلى العباد المدلول عليهم بذكر الفريقين ~~لانحصارهم فيهما وقيل إلى المتقين خاصة وقيل إلى المجرمين من الكفرة وأهل ~~الإسلام والشفاعة على الأولين مصدر من المبني للفاعل وعلى الثالث ينبغي أن ~~تكون مصدرا من المبني للمفعول وقوله تعالى «إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا» ~~على الأول استثناء متصل من لا يملكون ومحل المستثنى إما الرفع على البدل أو ~~النصب على أصل الاستثناء والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا ms2118 لغيرهم إلا من ~~استعد له بالتحلي بالإيمان والتقوى أو من أمر بذلك من قولهم عهد الأمير إلى ~~فلان بكذا إذا أمره به فيكون ترغيبا للناس في تحصيل الإيمان والتقوى المؤدي ~~إلى نيل هذه الرتبة وعلى الثاني استثناء من الشفاعة على حذف المضاف ~~والمستثنى منصوب على البدل أو على أصل الاستثناء أي لا يملك المتقون ~~الشفاعة إلا شفاعة من اتخذ العهد بالإسلام فيكون ترغيبا في الإسلام وعلى ~~الثالث استثناء من لا يملكون أيضا والمستثنى مرفوع على البدل أو منصوب على ~~الأصل والمعنى لا يملك المجرمون أن يشفع لهم إلا من كان منهم مسلما «وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا» حكاية لجناية اليهود والنصارى ومن يزعم من العرب أن ~~الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا إثر حكاية عبدة ~~الأصنام بطريق عطف القصة على القصة وقوله تعالى «لقد جئتم شيئا إدا» رد ~~لمقالتهم الباطلة وتهويل لأمرها بطريق الالتفات المبني عن كمال السخط وشدة ~~الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح وتسجيل عليهم بنهاية الوقاحة والجهل ~~والجراءة والإد بالكسر والفتح العظيم المنكر والإدة الشدة وأدنى الأمر ~~وآدنى أثقلني وعظم على أي فعلتم أمرا منكرا شديدا لا يقادر قدره من جاء ~~وأتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته وقوله تعالى «تكاد السماوات» الخ ~~صفة لإدا أو استئناف ببيان عظيم شأنه في الشدة والهول وقرئ يكاد بالتذكير ~~«يتفطرن منه» يتشققن مرة بعد أخرى من عظم ذلك الأمر وقرئ ينفطرن والأول ~~أبلغ لأن تفعل مطاوع فعل وانفعل مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف «وتنشق ~~الأرض» أي وتكاد تنشق الأرض «وتخر الجبال» أي تسقط وتتهدم وقوله تعالى ~~«هدا» مصدر مؤكد لمحذوف وهو حال من الجبال أي تهد هدا أو مصدر من المبني ~~للمفعول مؤكد لتخر على غير الصدر لأنه حينئذ بمعنى التهدم والخرور كأنه قيل ~~وتخر الجبال خرورا أو مصدر بمعنى المفعول منصوب على الحالية أي مهدودة أو ~~مفعول له أي لأنها تهد وهذا تقرير لكونه إدا والمعنى أن هول تلك الشنعاء ~~وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة ms2119 لم تطق بها هاتيك الأجرام العظام وتفتت ~~من شدتها أو أن فظاعتها في استجلاب الغضب واستيجاب السخط PageV05P282 # بحيث لولا حلمه تعالى لخرب العالم وبددت قوائمه غضبا على من تفوه بها «أن ~~دعوا للرحمن ولدا» منصوب على حذف اللام المتعلقة بتكاد أو مجرور بإضمارها ~~أي تكاد السماوات يتفطرن والأرض تنشق والجبال تخر لأن دعوا له سبحانه ولدا ~~وقيل اللام متعلقة بهدا وقيل الجملة بدل من الضمير المجرور في منه كما في ~~قوله * على جوده لضن بالماء حاتم * وقيل خبر مبتدأ محذوف أي الموجب لذلك أن ~~دعوا الخ وقيل فاعل هدا أي هدها دعاء الولد والأول هو الأولى ودعوا من دعا ~~بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين وقد اقتصر على ثانيهما ليتناول كل ما دعي له ~~ولدا أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان أي انتسب إليه وقوله ~~تعالى «وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا» حال من فاعل قالوا أو دعوا مقررة ~~لبطلان مقالتهم واستحالة تحقق مضمونها أي قالوا اتخذ الرحمن ولدا أو أن ~~دعوا للرحمن ولدا والحال أنه ما يليق به تعالى اتخاذ الولد ولا يتطلب له لو ~~طلب مثلا لاستحالته في نفسه ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم ~~بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه فكيف يتسنى أن ~~يجانس من هو مبدأ النعم ومولي أصولها وفروعها حتى يتوهم أن يتخذه ولدا وقد ~~صرح له قوم به عز قائلا «إن كل من في السماوات والأرض» أي ما منهم أحد من ~~الملائكة والثقلين «إلا آتي الرحمن عبدا» إلا وهو مملوك له يأوي إليه ~~بالعبودية والانقياد وقرئ آت الرحمن على الأصل «لقد أحصاهم» أي حصرهم وأحاط ~~بهم بحيث لا يكاد يخرج منهم أحد من حيطة علمه وقبضة قدرته وملكوته «وعدهم ~~عدا» أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم وكل شيء عنده بمقدار «وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا» أي كل واحد منهم آت إياه تعالى منفردا من الأتباع والأنصار ~~وفي صيغة الفاعل من الدلالة على إتيانهم كذلك البتة ms2120 ما ليس في صيغة المضارع ~~لو قيل يأتيه فإذا كان شأنه تعالى وشأنهم كما ذكر فأنى يتوهم احتمال أن ~~يتخذ شيئا منهم ولدا «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات» لما فصلت قبائح ~~أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين «سيجعل لهم الرحمن ودا» اي ~~سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها سوى ما لهم من الإيمان ~~والعمل الصالح والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن الموعود من آثارها ~~PageV05P283 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله عبدا يقول لجبريل عليه السلام ~~إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله أحب فلانا ~~فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له المحبة في الأرض والسين لأن السورة ~~مكية وكانوا إذ ذاك ممقوتين بين الكفرة فوعدهم ذلك ثم أنجزه حين ربا ~~الإسلام أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد ~~فينزع ما في صدورهم من الغل الذي كان في الدنيا ولعل إفراد هذا بالوعد من ~~بين ما سيؤتون يوم القيامة من الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم ~~يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع وتلاعن «فإنما يسرناه» أي القرآن «بلسانك» بان ~~أنزلناه على لغتك والباء بمعنى على وقيل ضمن التيسير معنى الإنزال أي يسرنا ~~القرآن منزلين له بلغتك والفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه ~~قيل بعد إيحاء السورة الكريمة بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما يسرناه ~~بلسانك العربي المبين «لتبشر به المتقين» أي الصائرين إلى التقوى بامتثال ~~ما فيه من الأمر والنهي «وتنذر به قوما لدا» لا يؤمنون به لجاجا وعنادا ~~واللد جمع الآلد وهو الشديد الخصومة اللجوج المعاند وقوله تعالى «وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن» وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيد ~~الكفرة بالإهلاك وحث له صلى الله عليه وسلم على الإنذار أي قرنا كثيرا ~~أهلكنا قبل هؤلاء المعاندين وقوله تعالى «هل تحس منهم من أحد» استئناف مقرر ~~لمضمون ما قبله أي هل تشعر بأحد منهم وترى «أو ms2121 تسمع لهم ركزا» أي صوتا خفيا ~~واصل الركز هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الرض والركاز المال ~~المدفون المخفى والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا يرى منهم أحد ~~ولا يسمع منهم صوت خفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة مريم ~~أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى وعيسى ومريم وسائر ~~الأنبياء المذكورين فيها وبعدد من دعا الله تعالى في الدنيا ومن لم يدع ~~الله تعالى (تم الجزء الخامس ويليه الجزء السادس وأوله سورة طه) ~~PageV05P284 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء السادس الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV06P001 # (سورة طه مكية إلا آيتي 130 و 131 فمدنيتان وآياتها 135) بسم الله الرحمن ~~الرحيم «طه» فخمهما قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل ~~والطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون وهو من الفواتح التي ~~يصدر بها السور الكريمة وعليه جمهور المتقنين وقيل معناه يا رجل وهو مروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة ~~والكلبي إلا أنه عند سعيد على اللغة النبطية وعند قتادة على السريانية وعند ~~عكرمة على الحبشية وعند الكلبي على لغة عكا وقيل عكل وهي لغة يمانية قالوا ~~إن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بقلب الياء طاء وحذف ذا من هذا وما ~~استشهد به من قول الشاعر [إن السفاهة طه في خلائقكم * لا قدس الله أخلاق ~~الملاعين] ليس بنص في ذلك لجواز كونه قسما كما في حم لا ينصرون وقد جوز أن ~~يكون الأصل طاها بصيغة الأمر من الوطء فقلبت الهمزة في يطأ ألفا لانفتاح ما ~~قبلها كما في قول من قال لا هناك المرتع وها ضمير الأرض على أنه خطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن يطأ الأرض بقدميه لما كان يقوم في تهجده على ~~إحدى رجليه ms2122 مبالغة في المجاهدة ولكن يأباه كتابتهما على صورة الحرف كما ~~تأبى التفسير يا رجل فإن الكتابة على صور الحرف مع كون التلفظ بخلافه من ~~خصائص حروف المعجم وقرئ طه إما على أن أصله طأ فقلب همزته هاء كما في أمثال ~~هرقت أو قلبت الهمزة في يطأ ألفا كما مر ثم بنى منه الأمر والحق به هاء ~~السكت وإما على أنه اكتفى في التلفظ بشطري الاسمين وأقيما مقامهما في ~~الدلالة على المسميين فكأنهما اسماهما الدالان عليهما وعلى هذا ينبغي أن ~~يحمل قول من قال أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما وإلا فالشطران ~~لم يذكرا من حيث إنهما مسميان لا سميهما ليقعا معبرا عنهما بل من حيث إنهما ~~جزءان لهما قد اكتفى بذكرهما عن ذكرهما ولذلك وقع التلفظ بأنفسهما لا ~~بأسميهما بأن يراد بضمير التثنية في الموضعين الشطران من حيث هما مسميان لا ~~من حيث هما جزءان للإسمين ويراد باسمهما الشطران من حيث هما قائمان مقام ~~الاسمين فالمعنى اكتفى في التلفظ بشطري الكلمتين أي الاسمين فعبر عنهما أي ~~عن الشطرين من حيث هما مسميان بهما من حيث هما قائمان مقام الاسمين وأما ~~حمله على معنى أنه اكتفى في الكتابة بشطري الكلمتين يعني طا على تقديري ~~كونه أمرا وكونه حرف نداءوها على تقديري كونها كناية عن الأرض وكونها حرف ~~تنبيه وعدل عن ذينك الشطرين في التلفظ باسمهما فبين البطلان كيف وطاؤها على ~~ما ذكر من التقادير ليسا باسمين للحرفين المذكورين بل الأول PageV06P002 # أمر أو حرف نداء والثاني ضمير الأرض أو حرف تنبيه على أن كتابة صورة ~~الحرف والتلفظ بغيره من خواص حروف المعجم كما مر فالحق ما سلف من أنها من ~~الفواتح إما مسرودة على نمط التعديد بأحد الوجهين المذكورين في مطلع سورة ~~البقرة فلا محل لها من الإعراب وكذا ما بعدها من قوله تعالى «ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى» فإنه استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عما كان ~~يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى ms2123 ومنه أشقى ~~من رائض مهر أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في ~~مقاولة العتاة ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن ~~يؤمنوا كقوله له عز وجل فلعلك باخع نفسك على آثارهم الآية بل للتبليغ ~~والتذكير وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا به بعد ذلك أو لصرفه صلى الله ~~عليه وسلم عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما يروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالليل حتى ترم قدماه قال له جبريل عليه ~~السلام أبق على نفسك فإن لها عليك حقا أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك ~~وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية ~~السمحة وقيل إن أبا جهل والنظر بن الحرث قالا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنك شقي حيث تركت دين آبائك وأن القرآن نزل عليك لتشقى به فرد ذلك ~~بأنا ما أنزلناه عليك لما قالوا والأول هو الأنسب كما يشهد به الاستثناء ~~الآتي هذا وإما اسم للقرآن محله الرفع على أنه مبتدأ وما بعده خبره والقرآن ~~ظاهر أوقع موقع العائد إلى المبتدأ كأنه قيل القرآن ما أنزلناه عليك لتشقى ~~أو النصب على إضمار فعل القسم أو الجر بتقدير حرفه وما بعده جوابه وعلى ~~هذين الوجهين يجوز أن يكون اسما للسورة أيضا بخلاف الوجه الأول فإنه لا ~~يتسنى على ذلك التقدير لكن لا لأن المبتدأ يبقى حينئذ بلا عائد ولا قائم ~~مقامه فإن القرآن صادق على الصورة لا محالة إما بطريق الاتحاد بأن يراد به ~~القدر المشترك بين الكل والبعض أو باعتبار الاندراج إن أريد به الكل بل لأن ~~نفي كون إنزاله للشقاء يستدعي سبق وقوع الشقاء مترتبا على إنزاله قطعا إما ~~بحسب الحقيقة كما لو أريد به معنى التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو أريد به ~~ضد السعادة ولا ريب في أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما أنزل من قبل وأما ~~إنزال السورة الكريمة فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق ms2124 عليه حتى يتصدى ~~لنفيه عنه أما باعتبار الاتحاد فظاهر وأما باعتبار الاندراج فلأن مآله أن ~~يقال هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى ولا يخفى أن جعلها ~~مخبرا عنها مع أنه لا دخل لإنزالها في الشقاء السابق أصلا مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل وقوله تعالى «إلا تذكرة» نصب على أنه مفعول له لأنزلنا لكن ~~لا من حيث إنه معلل بالشقاء على معنى ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بتبليغه ~~إلا تذكرة الآية كقولك ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا لما أنه يجب في أمثاله ~~أن يكون بين العلتين ملابسة بالسببية والمسببية حتما كما في المثال المذكور ~~وفي قولك ما شافهتك بالسوء لتتأذى إلا زجرا لغيرك فإن التأديب في الأول ~~مسبب عن الإشفاق والتأذي في الثاني سبب لزجر PageV06P003 # الغير وقد عرفت ما بين الشقاء والتذكرة من التنافي ولا يجدي أن يراد به ~~التعب في الجملة المجامع للتذكرة لظهور أن لا ملابسة بينهما بما ذكر من ~~السببية والمسببية وإنما يتصور ذلك أن لو قيل مكان إلا تذكرة إلا تكثيرا ~~لثوابك فإن الأجر بقدر التعب ولا من حيث إنه بدل من محل لتشقى كما في قوله ~~تعالى ما فعلوه إلا قليل لوجوب المجانسة بين البدلين وقد عرفت حالهما بل من ~~حيث إنه معطوف عليه بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدارك المستفاد من ~~الاستثناء المنقطع كأنه قيل ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في تبليغه ولكن ~~تذكرة «لمن يخشى» وقد جرد التذكرة عن اللام لكونها فعلا لفاعل الفعل المعلل ~~أي لمن من شأنه أن يخشى الله عز وعلا ويتأثر بالإنذار لرقة قلبه ولين ~~عريكته أو لمن علم الله تعالى أنه يخشى بالتخويف وتخصيصا بهم مع عموم ~~التذكرة والتبليغ لأنهم المنتفعون بها وقوله تعالى «تنزيلا» مصدر مؤكد ~~لمضمر مستأنف مقرر لما قبله أي نزل تنزيلا أو لما تفيده الجملة الاستثنائية ~~فإنها متضمنة لأن يقال أنزلناه للتذكرة والأول هو الأنسب بما بعده من ~~الالتفات أو منصوب على المدح والاختصاص وقيل هو منصوب يخشى على المفعولية ~~أي يخشى ms2125 تنزيلا من الله تعالى وأنت خبير بأن تعليق الخشية والخوف ونظائرهما ~~بمطلق التنزيل غير معهود نعم قد يعلق ذلك ببعض أجزائه المشتملة على الوعيد ~~ونظائره كما في قوله تعالى يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما ~~في قلوبهم وقيل هو بدل من تذكرة لكن لا على أنه مفعول له لأنزلنا إذ لا ~~يعلل الشيء بنفسه ولا بنوعه بل على أنه مصدر بمعنى الفاعل واقع موقع الحال ~~من الكاف في عليك أو من القرآن ولا مساغ له إلا بأن يكون قيدا لأنزلنا بعد ~~تقييده بالقيد الأول وقد عرفت حاله فيما سلف وقرئ تنزيل على أنه خبر لمبتدأ ~~محذوف ومن في قوله تعالى «ممن خلق الأرض والسماوات العلى» متعلقة بتنزيلا ~~أو بمضمر هو صفة له مؤكدة لما في تنكيره من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية ونسبة التنزيل إلى الموصول بطريق الالتفات إلى الغيبة بعد نسبته ~~إلى نون العظمة لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات إثر بيانها بحسب ~~الذات بطريق الإبهام ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير وتخصيص خلقهما بالذكر ~~مع أن المراد خلقهما بجميع ما يتعلق بهما كما يفصح عنه قوله تعالى «له ما ~~في السماوات وما في الأرض» الآية لأصالتهما واستتباعهما لما عداهما وتقديم ~~الأرض لكونه أقرب إلى الحس وأظهر عنده ووصف السماوات بالعلا وهو جمع العليا ~~تأنيث الأعلى لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل وكل ذلك إلى قوله ~~تعالى له الأسماء الحسنى مسوق لتعظيم شأن المنزل عز وجل المتتبع لتعظيم شأن ~~المنزل الداعي إلى تربية المهانة وإدخال الروعة المؤدية إلى استنزال ~~المتمردين عن رتبة العتو والطغيان واستمالهم نحو الخشية المفضية إلى ~~التذكرة والإيمان «الرحمن» رفع على المدح أي هو الرحمن وقد عرفت في صدر ~~سورة البقرة أن المرفوع مدحا في حكم الصفة الجارية في ما قبله وإن لم يكن ~~تابعا له في الإعراب ولذلك التزموا حذف المبتدأ ليكون في صورة متعلق من ~~PageV06P004 # متعلقاته وقد قرئ بالجر على أنه صفة صريحة للموصول وما قيل من أن الأسماء ~~الناقصة لا يوصف ms2126 منها إلا الذي وحده مذهب الكوفيين وأيا ما كان فوصفه ~~بالرحمانية إثر وصفه بخالقية السماوات والأرض للإشعار بأن خلقهما من آثار ~~رحمته تعالى كما أن قوله تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ~~للإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الرحمة وفيه إشارة إلى أن تنزيل القرآن ~~أيضا من أحكام رحمته تعالى كما ينبئ عنه قوله تعالى «الرحمن علم القرآن» أو ~~رفع على الابتداء واللام للعهد والإشارة إلى الموصول والخبر قوله تعالى ~~«على العرش استوى» وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي شأنه أن يكون معلوم ~~الثبوت للموضوع عند المخاطب للإيذان بأن ذلك أمر بين لا سترة به غنى عن ~~الإخبار به صريحا وعلى متعلقة باستوى قدمت عليه لمراعاة الفواصل والجار ~~والمجرور على الأول خبر مبتدأ محذوف كما في القراءة الجر وقد جوز أن يكون ~~خبرا بعد خبر والاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع على ~~الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال استوى فلان على سرير الملك ~~يراد به ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا والمراد بيان تعلق إرادته الشريفة ~~إيجاد الكائنات وتدبير أمرها وقوله تعالى «له ما في السماوات وما في الأرض» ~~سواء كان ذلك بالجزئية مهما أو بالحلول فيهما «وما بينهما» من الموجودات ~~الكائنة في الجو دائما كالهواء والسحاب أو أكثر يا كالطير أي له وحده دون ~~غيره لا شركة ولا استقلالا كل ما ذكر ملكا وتصرفا وإحياء وإمالة وإيجادا ~~وإعداما «وما تحت الثرى» أي ما وراء الترب وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض ~~لزيادة التقرير روى عن محمد بن كعب أنه ما تحت الأرضين السبع وعن السدى أن ~~الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة «وإن تجهر بالقول» بيان لإحاطة ~~علمه تعالى بجميع الأشياء إثر بيان سعة سلطنته وشمول قدرته لجميع الكائنات ~~أي وإن تجهر بذكره تعالى ودعائه فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك «فإنه يعلم ~~السر وأخفى» أي ما أسررته إلى غيرك وشيئا أخفى من ذلك وهو ما أخطرته ببالك ~~من غير أن تتفوه به ms2127 أصلا أو ما أسررته لنفسك وأخفى منه وهو ما ستسره فيما ~~سيأتي تنكيره للمبالغة في الخفاء وهذا إما نهي عن الجهر كقوله تعالى واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول وإما إرشاد للعباد إلى أن ~~الجهر ليس لإسماعه سبحانه بل لغرض آخر من تصوير النفس بالذكر وتثبيته فيها ~~ومنعها من الاشتغال بغيره وقطع الوسوسة عنها وهضمها بالتضرع ولا جؤار وقوله ~~تعالى «الله» خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما ذكر من ~~صفات الكمال موصوفها ذلك المعبود بالحق أي ذلك المنعوت بما ذكر من النعوت ~~الجليلة الله عز وجل وقوله تعالى «لا إله إلا هو» تحقيق للحق وتصريح بما ~~تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه فإن ما أسند إليه تعالى من خلق ~~جميع الموجودات PageV06P005 # والرحمانية والمالكية للكل والعلم الشامل مما يقتضيه اقتضاء بينا وقوله ~~تعالى «له الأسماء الحسنى» بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية ~~والمالكية والعالمية أسماءه وصفاته من غير تعدد في ذاته تعالى فإنه روى أن ~~المشركين حين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا الله يا رحمن قالوا ~~ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر والحسنى تأنيث الأحسن بوصف به ~~الواحدة المؤنثة والجمع من المذكر والمؤنث كمآرب أخرى وآياتنا الكبرى «وهل ~~أتاك حديث موسى» استئناف مسوق لتقرير أمر التوحيد الذي إليه ينتهي مساق ~~الحديث وبيان أنه أمر مستمر فيما بين الأنبياء كابرا عن كابر وقد خوطب به ~~موسى عليه الصلاة والسلام حيث قيل له إني أنا الله لا إله إلا أنا وبه ختم ~~عليه الصلاة والسلام مقاله حيث قال إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ~~وأما ما قيل من أن ذلك لترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في الائتساء بموسى ~~عليه الصلاة والسلام في تحمل أعباء النبوة والصبر على مقاساة الخطوب في ~~تبليغ أحكام الرسالة فيأباه أن مساق النظم الكريم لصرفه عليه الصلاة ~~والسلام عن اقتحام المشاق وقوله تعالى «إذ رأى نارا» ظرف للحديث وقيل لمضمر ~~مؤخر ms2128 أي حين رأى نارا كان كيت وكيت وقيل مفعول لمضمر مقدم أي اذكر وقت ~~رؤيته نارا روى أنه عليه الصلاة والسلام استأذن شعبيا عليهما الصلاة ~~والسلام في الخروج إلى أمه وأخيه فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق مخافة من ~~ملوك الشام فلما وافي وادي طوى وهو بالجانب الغربي من الطور ولد له ولد في ~~ليلة مظلمة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ~~ماء عنده وقدح فصلد زنده فبينما هو في ذلك إذ رأى نارا على يسار الطريق من ~~جانب الطور «فقال لأهله امكثوا» أي أقيموا مكانكم أمرهم عليه الصلاة ~~والسلام بذلك لئلا يتبعوه فيما عزم عليه الصلاة والسلام من الذهاب إلى ~~النار كما هو المعتاد لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخر فإنه مما لا يخطر ~~بالبال والخطاب للمرأة والولد والخادم وقيل لها وحدها والجمع إما لظاهر لفظ ~~الأهل أو للتفخيم كما في قول من قال [وإن شئت حرمت النساء سواكم] «إني آنست ~~نارا» أي أبصرتها إبصارا بينا لا شبهة فيه وقيل الإيناس خاص بإبصار ما يؤنس ~~به والجملة تعليل للأمر أو المأمور به «لعلي آتيكم منها» أي أجيئكم من ~~النار «بقبس» أي بشعلة مقتبسة من معظم النار وهي المرادة بالجذوة في سورة ~~القصص وبالشهاب القبس «أو أجد على النار هدى» هاديا يدلني على الطريق على ~~أنه مصدر سمي به الفاعل مبالغة أو حذف منه المضاف أي ذا هداية أو على أنه ~~إذا وجد الهادي فقد وجد الهدى وقيل هاديا يهديني إلى أبواب الدين فإن أفكار ~~الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في عامة أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل والأول ~~هو الأظهر لأن مساق النظم الكريم لتسلية أهله وقد نص عليه في سورة القصص ~~حيث قيل لعلي آتيكم منها بخير أو جذوة الآية وكلمة أو في الموضعين لمنع ~~الخلو دون منع الجمع ومعنى الاستعلاء في قوله PageV06P006 # تعالى على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها أو لأنهم عند ~~الاصطلاء يكتنفونها قياما وقعودا فيشرفون عليها ولما كان الإتيان ms2129 بهما ~~مترقبا غير محقق الوقوع صدر الجملة بكلمة الترجى وهي إما علة لفعل قد حذف ~~ثقة بما يدل عليه من الأمر بالمكث والإخبار بإيناس النار وتفاديا عن ~~التصريح بما يوحشهم وإما حال من فاعله أي فأذهب إليها لآتيكم أو كي آتيكم ~~أو راجيا أن آتيكم منها بقبس الآية وقد مر تحقيق ذلك مفصلا في تفسير قوله ~~تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~«فلما أتاها» أي النار التي آنسها قال ابن عباس رضي الله عنهما رأى شجرة ~~خضراء أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فوقف ~~متعجبا من شدة ضوئها وشدة خضرة الشجرة فلا النار تغير خضرتها ولا كثرة ماء ~~الشجرة تغير ضوءها قالوا النار أربعة أصناف صنف يأكل ولا يشرب وهي نار ~~الدنيا وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر وصنف يأكل ويشرب وهي نار ~~جهنم وصنف لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى عليه الصلاة والسلام وقالوا أيضا ~~هي أربعة أنواع نوع له نور وإحراق وهي نار الدنيا ونوع لا نور له ولا إحراق ~~وهي نار الأشجار ونوع له نور بلا إحراق وهي نار موسى عليه الصلاة والسلام ~~ونوع له إحراق بلا نور وهي نار جهنم روى أن الشجرة كانت عوسجة وقيل كانت ~~سمرة «نودي يا موسى» أي نودي فقيل يا موسى «إني أنا ربك» أو عومل النداء ~~معاملة القول لكونه ضربا منه وقرئ بالفتح أي بأني وتكرير الضمير لتأكيد ~~الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة روي أنه لما نودي يا موسى قال عليه ~~الصلاة والسلام من المتكلم فقال الله عز وجل أنا ربك فوسوس إليه إبليس لعلك ~~تسمع كلام شيطان فقال أنا عرفت أنه كلام الله تعالى بأني أسمعه من جميع ~~الجهات بجميع الأعضاء قلت وذلك لأن سماع ما ليس من شأنه ذلك من الأعضاء ليس ~~إلا من آثار قدرة الخلاق العليم تعالى وتقدس وقيل تلقى عليه الصلاة والسلام ~~كلام رب العزة تلقيا روحانيا ثم تمثل ms2130 ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس ~~المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة «فاخلع نعليك» أمر عليه الصلاة ~~والسلام بذلك لأن الحفوة أدخل في التواضع وحسن الأدب ولذلك كان السلف ~~الصالحون يطوفون بالكعبة حافين وقيل ليباشر الوادي بقدميه تبركا به وقيل ~~لما أن نعليه كانا من جلد حمار غير مدبوغ وقيل معناه فرغ قلبك من الأهل ~~والمال والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها فإن ربوبيته تعالى له عليه الصلاة ~~والسلام من موجبات الأمر ودواعيه وقوله تعالى «إنك بالواد المقدس» تعليل ~~لوجوب الخلع المأمور به وبيان لسبب ورود الأمر بذلك من شرف البقعة وقدسها ~~روى أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي «طوى» بضم الطاء ~~غير منون وقرئ منونا وقرئ بالكسر منونا وغير منون فمن نونه أوله بالمكان ~~دون البقعة وقيل هو كثنى من الطي مصدر لنودي أو المقدس أي نودي نداءين أو ~~قدس مرة PageV06P007 # بعد أخرى «وأنا اخترتك» أي اصطفيتك للنبوة والرسالة وقرئ وإنا اخترناك ~~بالفتح والكسر والفاء في قوه «فاستمع» لترتيب الأمر أو المأمور به على ما ~~قبلها فإن اختياره عليه السلام لما ذكر مر موجبات الاستماع والأمر به ~~واللام في قوله تعالى «لما يوحى» متعلقة باستمع وما موصولة أو مصدرية أي ~~فاستمع للذي يوحى إليك أو للوحي لا باخترتك كما قيل لكن لا لما قيل من أنه ~~من باب التنازع وإعمال الأول فلا بد حينئذ من إعادة الضمير مع الثاني بل ~~لأن قوله تعالى «إنني أنا الله لا إله إلا أنا» بدل من ما يوحى ولا ريب في ~~ان اختياره عليه الصلاة والسلام ليس لهذا الوحي فقط والفاء في قوله تعالى ~~«فاعبدني» لترتيب المأمور به على ما قبلها فإن اختصاص الألوهية به سبحانه ~~وتعالى من موجبات تخصيص العبادة به عز وجل «وأقم الصلاة» خصت الصلاة بالذكر ~~وأفردت بالأمر مع اندراجها في الأمر بالعبادة لفضلها وإنافتها على سائر ~~العبادات بما نيطت به من ذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره وذلك قوله ~~تعالى «لذكري» أي لتذكرني فإني ذكري ms2131 كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة ~~والصلاة أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار أو لذكرى خاصة لا تشوبه ~~بذكر غيري أو لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضا آخر ~~أو لتكون ذاكرا لي غير ناس وقيل لذكري إياها وأمري بها في الكتب أو لأن ~~أذكرك بالمدح والثناء وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي ~~لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها لأن الله تعالى يقول وأقم الصلاة لذكري وقرئ لذكري بألف التأنيث ~~وللذكرى معروفا وللذكر بالتعريف والتنكير وقوله تعالى «إن الساعة آتية» ~~تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي كائنة لا محالة وإنما عبر عن ذلك ~~بالإتيان تحقيقا لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين ~~«أكاد أخفيها» أي لا أظهرها بأن أقول إنها آتية لولا أن ما في الإخبار بذلك ~~من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت أو أكاد أظهرها بإيقاعها من أخفاه إذا ~~أظهره بسلب خفائه ويؤيده القراءة بفتح الهمزة من خفاه بمعنى أظهره وقيل ~~أخفاه من الأضداد يجيء بمعنى الإظهار والستر وقوله تعالى «لتجزى كل نفس بما ~~تسعى» متعلق بآتية وما بينهما اعتراض أو بأخفيها على المعنى الأخير وما ~~مصدرية أي لتجزي كل نفس بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها ~~وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع أنه الجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء ~~كان سعيا فيما ذكر أو تقاعدا عنه بالمرة أو سعيا في تحصيل ما يضاده للإيذان ~~بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة وأما العقاب بتركها فمن ~~مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة ~~الهول والفظاعة بحيث يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في ~~تحصيل ما ينجيها من الطاعات وحينئذ تحترز عن PageV06P008 # اقتراف ما يرديها من المعاصي وعليه مدار الأمر في قوله تعالى وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ms2132 على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا فإن الابتلاء مع شموله لكافة المكلفين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى ~~الحسن والقبيح أيضا لا إلى الحسن والأحسن فقط قد علق بالأخيرين لما ذكر من ~~أن المقصود الأصلي من إبداع تلك البدائع على ذلك النمط الرائع إنما هو ظهور ~~كمال إحسان المحسنين وإن ذلك لكونه على أتم الوجوه الرائقة وأكمل الأنحاء ~~اللائقة يوجب العمل بموجبه بحيث لا يحيد أحد عن سننه المستبين بل يهتدي كل ~~فرد إلى ما يرشد إليه من مطلق الإيمان والطاعة وإنما التفاوت بينهم في ~~مراتبهما بحسب القوة والضعف وأما الإعراض عن ذلك والوقوع في مهاوي الضلال ~~فبمعزل من الوقوع فضلا عن أن ينتظم في سلك الغاية لذلك الصنع البديع وإنما ~~هو عمل يصدر عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له أو مسوغ هذا ويجوز أن ~~يراد بالسعي مطلق العمل «فلا يصدنك عنها» أي عن ذكر الساعة ومراقبتها وقيل ~~عن تصديقها والأول هو الأليق بشأن موسى عليه الصلاة والسلام وإن كان النهي ~~بطريق التهييج والإلهاب وتقديم الجار والمجرور على قوله تعالى «من لا يؤمن ~~بها» لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه ~~التقديم إذا أخر تبقى النفس مستشرفة له فيتمكن عند وروده لها فضل تمكن ولأن ~~في المؤخر نوع طول ربما يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم وهذا وإن كان بحسب ~~الظاهر نهيا للكافر عن صد موسى عليه الصلاة والسلام عن الساعة لكنه في ~~الحقيقة نهى له عليه الصلاة والسلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجه وآكده ~~فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهى عنه بالطريق البرهاني ~~وإبطال للسبية من أصلها كما في قوله تعالى ولا يجرمنكم الخ فإن صد الكافر ~~حيث كان سببا لانصداده عليه الصلاة والسلام كان النهي عنه نهيا بأصله ~~وموجبه وإبطالا له بالكلية ويجوز أن يكون من باب النهي عن المسبب وإرادة ~~النهي عن السبب على أن يراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن إظهار لين الجانب ~~للكفرة فإن ذلك سبب لصدهم ms2133 إياه عليه الصلاة والسلام كما في قوله لا أرينك ~~ههنا فإن المراد به نهي المخاطب عن الحضور لديه الموجب لرؤيته «واتبع هواه» ~~أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية «فتردى» أي فتهلك فإن الإغفال ~~عنها وعن تحصيل ما ينجي عن أهوالها مستتبع للهلاك لا محالة وهو في محل ~~النصب على جواب النهي أو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي فأنت ~~تردى «وما تلك بيمينك يا موسى» شروع في حكاية ما كلف به عليه الصلاة ~~والسلام من الأمور المتعلقة بالخلق إثر حكاية ما أمر به من الشؤون الخاصة ~~بنفسه فما استفهامية في حيز الرفع بالابتداء وتلك خبرة أو بالعكس وهو أدخل ~~بحسب المعنى وأوفق بنفسه فما استفهامية في حيز الرفع بالابتداء وتلك خبره ~~أو بالعكس وهو أدخل بحسب المعنى وأوفق بالجواب وبيمينك متعلق بمضمر وقع ~~حالا أي وما تلك قارة أو مأخوذة بيمينك والعامل معنى الإشارة كما في قوله ~~عز وعلا وهذا بعلى شيخا وقيل تلك موصولة أي ما التي هي بيمينك وأيا ما كان ~~فالاستفهام PageV06P009 # إيقاظ وتنبيه له عليه الصلاة والسلام على ما سيبدو له من التعاجيب وتكرير ~~النداء لزيادة التأنيس والتنبيه «قال هي عصاي» نسبها إلى نفسه تحقيقا لوجه ~~كونها بيمينه وتمهيدا لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه عليه الصلاة ~~والسلام وقرئ عصى على لغة هذيل «أتوكأ عليها» أي أعتمد عليها عند الإعياء ~~أو الوقوف على رأس القطيع «وأهش بها» أي أخبط بها الورق وأسقطه «على غنمي» ~~وقرئ أهش بكسر الهاء وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته وقرئ ~~بالسين غير المعجمة وهو زجر الغنم وتعديته بعلى لتضمين معنى الإنحاء ~~والإقبال أي أزجرها منحيا ومقبلا عليها «ولي فيها مآرب أخرى» أي حاجات أخر ~~من هذا الباب مثل ما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سار ألقاها على ~~عاتقه فعلق به أدواته من القوس والكنانة والحلاب ونحوها وإذا كان في البرية ~~ركزها وعرض الزندين على شعبيتها وألقى عليها الكساء واستظل به وإذا قصر ~~الرشاء ms2134 وصله بها وإذا تعرضت لغنمه السباع قاتل بها وقيل ومن جملة المآرب ~~أنها كانت ذات شبعتين ومحجن فإذا طال الغصن حناه بالمحجن وإذا أراد كسره ~~لواه بالشعبتين وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم أن المقصود من السؤال بيان ~~حقيقتها وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء حتى إذا ظهرت على خلاف تلك الحقيقة ~~وبدت منها خواص بديعة علم أنها آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله تعالى ~~وليست من الخواص المترتبة عليها فذكر حقيقتها ومنافعها على التفصيل ~~والإجمال على معنى أنها من جنس العصى مستتبعة لمنافع بنات جنسها ليطابق ~~جوابه الغرض الذي فهمه من سؤال العليم الخبير «قال» استئناف مبني على سؤال ~~ينساق إليه الذهن كأنه قيل فماذا قال عز وجل فقيل قال «ألقها يا موسى» لترى ~~من شأنها ما لم يخطر ببالك من الأمور وتكرير النداء لتأكيد التنبيه ~~«فألقاها» على الأرض «فإذا هي حية تسعى» روى أنه عليه الصلاة والسلام حين ~~ألقاها انقلبت حية صفراء في غلظ العصا ثم انتفخت وعظمت فلذلك شبهت بالجان ~~تارة وسميت ثعبانا أخرى وعبر عنها ههنا بالاسم العام للحالين وقيل قد ~~انقلبت من أول الأمر ثعبانا وهو الأليق بالمقام كما يفصح عنه قوله عز وجل ~~فإذا هي ثعبان مبين وإنما شبهت بالجان في الجلادة وسرعة الحركة لا في صغر ~~الجثة وقوله تعالى تسعى إما صفة لحية أو خبر ثان عند من يجوز كونه جملة ~~«قال» استئناف كما سبق «خذها ولا تخف» عن ابن عباس رضي الله عنهما انقلبت ~~ثعبانا ذكرا يبتلع كل شيء من الصخر والشجر فلما رآه كذلك خاف ونفر وملكه ما ~~يملك البشر عند مشاهدة الأهوال والمخاوف من الفزع والنفار وفي عطف النهي ~~على الأمر إشعار بأن عدم النهي عنه PageV06P010 # مقصود لذاته لا لتحقيق المأمور به فقط وقوله تعالى «سنعيدها سيرتها ~~الأولى» مع كونه استئنافا مسوق لتعليل الامتثال بالأمر والنهي فإن إعادتها ~~إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها وعدم الخوف منها عدة كريمة بإظهار معجزة ~~أخرى أخرى على بدء عليه الصلاة والسلام وإيذان بكونها مسخرة له ms2135 عليه الصلاة ~~والسلام ليكون على طمأنينة من أمره ولا يعتريه شائبة تزلزل عند محاجة فرعون ~~أي سنعيدها بعد الأخذ إلى حالتها الأولى التي هي الهيئة العصوية قيل بلغ ~~عليه الصلاة والسلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في ~~فمها ويأخذ بلحييها والسيرة فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة ~~وانتصابها على نزع الجار أي إلى سيرتها أو على أن أعاد منقول من عاده بمعنى ~~عاد إليه أو على الظرفية أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها ~~وإيقاعها حالا من المفعول أي سنعيدها عصا كما كانت من قبل تسير سيرتها ~~الأولى أي سائرة سيرتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تنتفع من قبل «واضمم يدك ~~إلى جناحك» أمر عليه الصلاة والسلام بذلك بعد ما أخذ الحية وانقلبت عصا كما ~~كانت أي أدخلها تحت عضدك فإن جناحي الإنسان جنباه كما أن جناحي العسكر ~~ناحيتاه مستعار من جناحي الطائر وقد سميا جناحين لأنه يجنحهما أي يميلهما ~~عند الطيران وقوله تعالى «تخرج» جواب الأمر وقوله تعالى «بيضاء» حال من ~~الضمير فيه وقوله تعالى «من غير سوء» متعلق بمحذوف هو حال من الضمير في ~~بيضاء أي كائنة من غير عيب وقبح كنى به عن البرص كما كنى بالسوءة عن العورة ~~لما أن الطباع تعافه وتنفر عنه روى أنه عليه الصلاة والسلام كان آدم فأخرج ~~يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس تغشى البصر «آية أخرى» أي معجزة ~~أخرى غير العصا وانتصابها على الحالية إما من الضمير في تخرج على أنها بدل ~~من الحال الأولى وإما من الضمير في بيضاء وقيل من الضمير في الجار والمجرور ~~وقيل هي منصوبة بفعل مضمر نحو خذ أو دونك وقوله تعالى «لنريك من آياتنا ~~الكبرى» متعلق بمضمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه قيل فعلنا ما فعلنا من ~~الأمر والإظهار لنريك بذلك بعض آياتنا الكبرى على أن الكبرى صفة لآياتنا أو ~~نريك بذلك من آياتنا ما هي كبرى على أن الكبرى مفعول ثان لنريك من ms2136 آياتنا ~~متعلق بمحذوف هو حال من ذلك المفعول وأيا ما كان فالآية الكبرى عبارة عن ~~العصا واليد جميعا وإما تعلقه بما دل عليه آية أي دللنا بها لنريك الخ أو ~~بقوله تعالى واضمم أو بقوله تخرج أو بما قدر من نحو خذ ودونك كما قال بكل ~~من ذلك قائل فيؤدي إلى عراء آية العصا عن وصف الكبر فتدبر «اذهب إلى فرعون» ~~تخلص إلى ما هو المقصود من تمهيد المقدمات السالفة فصل عما قبله من الأوامر ~~إيذانا بأصالته أي اذهب إليه بما رأيته من الآيات الكبرى وادعه إلى عبادتي ~~وحذره نقمتي وقوله تعالى «إنه طغى» تعليل للأمر أو لوجوب المأمور به أي ~~جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر حتى تجاسر على PageV06P011 # العظيمة التي هي دعوى الربوبية «قال» استئناف مبني على سؤال ينساق إليه ~~الذهن كأنه قبل فماذا قال عليه الصلاة والسلام حين أمر بهذا الأمر الخطير ~~والخطب العسير فقيل قال مستعينا بربه عز وجل «رب اشرح لي صدري» «ويسر لي ~~أمري» لما أمر بما أمر به من الخطب الجليل تضرع إلى ربه عز وجل وأظهر عجزه ~~بقوله ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وسأله تعالى أن يوسع صدره ويفسح قلبه ~~ويجعله عليما بشؤون الحق وأحوال الخلق حليما حمولا يستقل ما عسى يرد عليه ~~من الشدائد والمكاره بجميل الصبر وحسن الثبات ويتلقاها بصدر فسيح وجأش رابط ~~وأن يسهل عليه مع ذلك أمره الذي هو أجل الأمور وأعظمها وأصعب الخطوب ~~وأهولها بتوفيق الأسباب ورفع الموانع وفي زيادة كلمة لي مع انتظام الكلام ~~بدونها تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإيهام الشروح والميسر أولا وتفسيرهما ~~ثانيا وفي تقديمها وتكريرها إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين وفضل ~~اهتمام باستدعاء حصولهما له واختصاصهما به «واحلل عقدة من لساني» روى أنه ~~كان في لسانه عليه الصلاة والسلام رتة من جمرة أدخلها فاه في صغره وذلك أن ~~فرعون حمله ذات يوم فأخذ لحيته ينتفها لما كان فيها من الجواهر فغضب وأمر ~~بقتله فقالت آسية إنه صبي لا يفرق بين الجمر ms2137 والتمر والياقوت فأحضرا بين ~~يديه فأخذ الجمرة فوضعها في فيه قيل واحترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها ~~فلم تبرأ ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت ~~عنه واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى قد أوتيت ~~سؤلك ومن لم يقل به احتج بقوله تعالى هو أفصح مني وقوله تعالى ولا يكاد ~~يبين وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية بل حل عقدة تمنع ~~الإفهام ولذلك نكرها ووصفها بقوله من لساني أي عقدة كائنة من عقد لساني ~~وجعل قوله تعالى «يفقهوا قولي» جواب الأمر وغرضا من الدعاء فيحلها في ~~الجملة يتحقق إيتاء سؤله عليه الصلاة والسلام والحق أن ما ذكر لا يدل على ~~بقائها في الجملة أما قوله تعالى هو أفصح مني فلأنه عليه الصلاة والسلام ~~قاله استدعاء الحل كما ستعرفه على أن أفصحيته منه عليهما الصلاة والسلام لا ~~تستدعي بقاءها أصلا بل تستدعي عدم البقاء لما أن الأفصيحة توجب ثبوت أصل ~~الفصاحة في المفضول أيضا وذلك مناف للعقدة رأسا وأما قوله تعالى ولا يكاد ~~يبين فمن باب غلو اللعين في العتو والطغيان وإلا لدل على عدم زوالها أصلا ~~وتنكيرها إنما يفيد قلتها في نفسها لا قلتها باعتبار كونها بعضا من الكثير ~~وتعلق كلمة من في قوله تعالى من لساني بمحذوف هو صفة لها ليس بمقطوع به بل ~~الظاهر تعلقها بنفس الفعل فإن المحلول إذا كان PageV06P012 # متعلقا بشيء ومتصلا به فكما يتعلق الحل به يتعلق بذلك الشيء أيضا باعتبار ~~إزالته عنه أو ابتداء حصوله منه «واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي» أي ~~موازرا يعاونني في تحمل أعباء ما كلفته علي أن اشتقاقه من الوزر الذي هو ~~الثقل أو ملجأ اعتصم برأيه على أنه من الوزر وهو الملجأ وقيل أصله أزير من ~~الأزر بمعنى القوة فعيل بمعنى فاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واوا كقلبها ~~في موازر ونصبه على أنه مفعول ثان لا جعل قدم على الأول ms2138 الذي هو قوله تعالى ~~هارون اعتناء بشأن الوزارة ولي صلة للجعل أو متعلق بمحذوف هو حال من وزيرا ~~إذ هو صفة له في الأصل ومن أهلي إما صفة لوزيرا أو صلة لا جعل وقيل مفعولاه ~~لي وزيرا وهارون عطف بيان للوزير ومن أهلي كما مر من الوجهين وأخي في ~~الوجهين بدل من هارون أو عطف بيان آخر وقيل هما وزيرا من أهلي وبي وتبيين ~~كما في قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد ورد بأن شرط المفعولين في باب ~~النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية ولا مساغ لجعل وزيرا مبتدأ ويخبر عنه ~~بما بعده «اشدد به أزري» «وأشركه في أمري» كلاهما على صيغة الدعاء أي أحكم ~~به قوتي واجعله شريكي في أمر الرسالة حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي وفصل ~~الأول عن الدعاء السابق لكمال الاتصال بينهما فإن شد الأزر عبارة عن جعله ~~وزيرا وأما الإشراك في الأمر فحيث كان من أحكام الوزارة توسط بينهما العاطف ~~«كي نسبحك كثيرا» «ونذكرك كثيرا» غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة فإن فعل ~~فيها كل واحد منهما من التسبيح والذكر مع كونه مكثرا لفعل الآخر ومضاعفا له ~~بسبب انضمامه إليه مكثر له في نفسه أيضا بسبب تقويته وتأييده إذ ليس المراد ~~بالتسبيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلوات حتى لا يتفاوت حاله ~~عند التعدد والانفراد بل ما يكون منهما في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة ~~المردة العتاة إلى الحق وذلك مما لا ريب في اختلاف حاله في حالتي التعدد ~~والانفراد فإن كلا منهما يصدر عنه بتأييد الآخر من إظهار الحق ما لا يكاد ~~يصدر عنه مثله في حال الانفراد وكثيرا في الموضعين نعت لمصدر محذوف أو زمان ~~محذوف أي ننزهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما يدعيه ~~فرعون الطاغية ويقبله منه فئته الباغية من ادعاء الشركة في الألوهية ونصفك ~~بما يليق بك من صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال تنزيها PageV06P013 # كثيرا أو زمانا كثيرا من جملته زمان دعوة فرعون وأوان المحاجة معه ms2139 وأما ~~ما قيل من أن المعنى كي نصلي لك كثيرا ونحمدك ونثني عليك فلا يساعده المقام ~~«إنك كنت بنا بصيرا» أي عالما بأحوالنا وبأن ما دعوتك به مما يصلحنا ~~ويفيدنا في تحقيق ما كلفته من إقامة مراسم الرسالة وبأن هارون نعم الردء في ~~أداء ما أمرت به والباء متعلقة ببصيرا قدمت عليه لمراعاة الفواصل «قال قد ~~أوتيت سؤلك» أي أعطيت سؤلك فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز ~~والمأكول والايتاء عبارة عن تعلق ارادته تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها ~~له عليه السلام البتة وتقديره إياها حتما فكلها حاصلة له عليه السلام وإن ~~كان وقوع بعضها بالفعل مترقبا بعد كتيسير الأمر وشد الأزر وباعتباره قيل ~~سنشد عضدك بأخيك وقوله تعالى «يا موسى» تشريف له عليه السلام بشرف الخطاب ~~إثر تشريفه بشرف قبول الدعاء وقوله تعالى «ولقد مننا عليك» كلام مستأنف ~~مسوق لتقرير ما قبله وزيادة توطين نفس موسى عليه السلام بالقبول ببيان أنه ~~تعالى حيث أنعم عليه بتلك النعم التامة من غير سابقة دعاء منه وطلب فلان ~~ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى وتصديره بالقسم لكمال ~~الاعتناء بذلك أي وبالله لقد أنعمنا «مرة أخرى» أي في وقت غير هذا الوقت لا ~~أن ذلك مؤخر عن هذا فإن أخرى تأنيت آخر بمعنى غير والمرة في الأصل اسم ~~للمرور الواحد ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات متعدية كانت أو لازمة ~~ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد ماله أفراد متجددة متعددة فصار علما في ذلك ~~حتى جعل معيارا لما في معناه من سائر الأشياء فقيل هذا بناء المرة ويقرب ~~منها الكرة والتارة والدفعة والمراد بها ههنا الوقت الممتد الذي وقع فيه ما ~~سيأتي ذكره من المنن العظيمة الكثيرة وقوله تعالى «إذ أوحينا إلى أمك ما ~~يوحى» ظرف لمننا والمراد بالإيحاء إما الإيحاء على لسان نبي في وقتها كقوله ~~تعالى وإذا أوحيت إلى الحواريين الآية وإما الإيحاء بواسطة الملك لا على ~~وجه النبوة كما أوحي إلى مريم وإما ms2140 الإلهام كما في قوله تعالى وأوحى ربك ~~إلى النحل وإما الإرادة في المنام والمراد بما يوحى وسيأتي من الأمر بقذفه ~~في التابوت وقذفه في البحر أيهم أولا تهويلا له وتفخيما لشأنه ثم فسر ليكون ~~أقر عند النفس وقيل معناه ما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط ~~الاهتمام به وقيل مالا يعلم إلا بالوحي وفيه إنه لا يلائم المعنيين ~~الأخيرين للوحي إذ لا تفخيم لشأنه في أن يكون مما لا يعلم إلا بالإلهام أو ~~بالإرادة في المنام PageV06P014 # وأن في قوله تعالى «أن اقذفيه في التابوت» مفسرة لأن الوحي من باب القول ~~أو مصدرية محذف منها الباء أي بأن اقذفيه ومعنى القذف ههنا الوضع وأما في ~~قوله تعالى «فاقذفيه في اليم» فالإلقاء وهذا التفصيل هو المراد بقوله تعالى ~~فإذا خفت عليه فألقيه في اليم لا القذف بلا تابوت «فليلقه اليم بالساحل» ~~لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية ~~به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر ~~والضمائر كلها لموسى عليه السلام والمقذوف في البحر والملقى بالساحل وإن ~~كان هو التابوت أصالة لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تابعا ~~له في ذلك «يأخذه عدو لي وعدو له» جواب للأمر بالإلقاء وتكرير العدو ~~للمبالغة والتصريح بالأمر والإشعار بأن عداوته له مع تحققها لا تؤثر فيه ~~ولا تضره بل تؤدي إلى المحبة فإن الأمر بما هو سبب للهلاك صورة من قذفه في ~~البحر ووقوعه في يد عدو الله تعالى وعدوه مشعر بأن هناك لطفا خفيا مندرجا ~~تحت قهر صوري وقيل الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع وليس ~~المراد بالساحل نفس الشاطئ بل ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر ~~بحيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون لما روى أنها جعلت في التابوت قطنا ووضعته ~~فيه ثم قيرته وألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر صغير فدفعه ~~الماء إليه فأتى به إلى بركة في البستان وكان ms2141 فرعون جالسا ثمة مع آسية بنت ~~مزاحم بأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجها فأحبه عدو الله حبا ~~شديدا لا يكاد يتمالك الصبر عنه وذلك قوله تعالى «وألقيت عليك محبة مني» ~~كلمة من متعلقة بمحذوف هو صفة لمحبة مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة ~~الإضافية أي محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر ~~عنك من رآك ولذلك أحبك عدو الله وآله وقيل هي متعلقة بألقيت أي أحببتك ومن ~~أحبه الله تعالى أحبته القلوب لا محالة وقوله تعالى «ولتصنع على عيني» ~~متعلق بألقيت معطوف على علة له مضمرة أي ليتعطف عليك ولنربي بالحنو والشفقة ~~بمراقبتي وحفظي أو بمضمرة مؤخر هو عبارة عما قبله من إلقاء المحبة والجملة ~~مبتدأة أي ولتصنع على عيني فعلت ذلك وقري ولتصنع على صيغة الأمر بسكون ~~اللام وكسرها وقرئ بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك على عين مني لئلا ~~يخالف به عن أمري «إذ تمشي أختك» ظرف لتصنع على أن المراد به وقت وقع فيه ~~مشيها إلى بيت فرعون وما ترتب عليه من القول والرجع إلى أمها وتربيتها له ~~بالبر والحنو وهو المصداق لقوله تعالى ولتصنع على عيني إذ لا شفقة ~~PageV06P015 # أعظم من شفقة الأم وصنعها على موجب مراعاته تعالى وقيل هو بدل من إذ ~~أوحينا على أن المراد به زمان متسع متباعد الأطراف وهو الأنسب بما سيأتي من ~~قوله تعالى فنجيناك من الغم الخ فإن جميع ذلك من المنن الإلهية ولا تعلق ~~لشيء منها الصنع المذكور وأما كونه ظرفا لألقيت كما جوز فربما يوهم أن ~~إلقاء المحبة لم يحص قبل ذلك ولا ريب في أن معظم آثار إلقائها ظهر عند فتح ~~التابوت «فتقول» أي لفرعون وآسية حين رأتهما يطلبان له عليه السلام مرضعة ~~يقبل ثديها وكان لا يقبل ثديا وصيغة المضارع في الفعلين لحكاية الحال ~~الماضية «هل أدلكم على من يكفله» أي يضمه إلى نفسه ويربيه وذلك إنما يكون ~~بقبوله ثديها يروى أنه فشا الخبر بمصر أن آل ms2142 فرعون أخذوا غلاما في النيل لا ~~يرتضع ثدي امرأة واضطروا إلى تبليغ النساء فخرجت أخته مريم لتعرف خبره ~~فجاءتهم متنكرة فقالت ما قالت وقالوا ما قالوا فجاءت بأمه فقبل ثديها ~~فالفاء في قوله تعالى «فرجعناك إلى أمك» فصيحة معربة عن محذوف قبلها يعطف ~~عليه ما بعدها أي فقالوا دلينا عليها فجاءت بأمك فرجعناك إليها «كي تقر ~~عينها» بلقائك «ولا تحزن» أي لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك وإلا ~~فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فإن التخلية متقدمة على ~~التحلية وقيل ولا تحزن أنت بفقد إشفاقها «وقتلت نفسا» هي نفس القبطي الذي ~~استغاثه الإسرائيلي عليه «فنجيناك من الغم» أي غم قتله خوفا من عقاب الله ~~تعالى بالمغفرة ومن اقتصاص فرعون بالإنجاء منه بالمهاجرة إلى مدين «وفتناك ~~فتونا» أي ابتليناك ابتلاء أو فتونا من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة ~~على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز في حجزه وبدور في بدرة أي خلصناك مرة أخرى ~~وهو إجمال ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الإلاف والمشي راجلا ~~وفقد الزاد وقد روي أن سعيد ابن جبير سأل عنه ابن عباس رضي الله عنهما فقال ~~خلصناك من محنة بعد محنة ولد في عام كان يقتل فيه الولدان فهذه فتنة يا ابن ~~جبير وألقته أمه في البحر وهم فرعون بقتله وقتل قبطيا وآجر نفسه عشر سنين ~~وضل الطريق وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ~~ابن جبير ولكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارة نفسه وما بعدها من ~~تلك الفتون ضرورة أن المراد بها ما وقع قبل وصوله عليه السلام إلى مدين ~~بقيضة الفاء في قوله تعالى «فلبثت سنين في أهل مدين» إذ لا ريب في أن ~~الإجارة المذكورة وما بعدها مما وقع بعد الوصول إليهم وقد أشير بذكر لبثه ~~عليه السلام فيهم دون وصوله إليهم إلى جميع ما قاساه عليه السلام في تضاعيف ~~تلك السنين العشر من فنون الشدائد والمكاره ms2143 التي كل واحد منها فتنة وأي ~~فتنة ومدين بلدة شعيب عليه الصلاة والسلام على ثماني مراحل مصر «ثم جئت» ~~إلى المكان الذين أونس فيه النار ووقع فيه النداء والجؤار وفي كلمة التراخي ~~إيذان بأن مجيئه عليه السلام كان بعد اللتيا والتي من ضلال الطريق وتفرق ~~الغنم في الليلة المظلمة الشاتية وغير ذلك «على قدر» أي تقدير قدرته لأن ~~أكلك وأستنبئك في وقت قد عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ~~ولا مستأجر وقيل على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء عليهم السلام ~~وهو رأس أربعين سنة وقوله تعالى «يا موسى» تشريف له عليه الصلاة والسلام ~~وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة ~~المحكية أولا PageV06P016 # وقوله تعالى «واصطنعتك لنفسي» تذكير لقوله تعالى وأنا اخترتك وتمهيد ~~لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيدا بأخيه حسبما استدعاه بعد تذكير المنن ~~السابغة السابقة تأكيدا لوثوقه عليه السلام بحصول نظائرها اللاحقة وهذا ~~تمثيل لما خوله عز وعلا من الكرامة العظمى بتقريب الملك بعض خواصه واصطناعه ~~لنفسه وترشيحه لبعض أموره الجليلة والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله ~~تعالى وفتناك ونظيريه السابقين تمهيد لإفراد لفظ النفس اللائق بالمقام فإنه ~~أدخل في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص أي اصطفيتك برسالاتي وبكلامي وقوله ~~تعالى «اذهب أنت وأخوك» أي وليذهب أخوك حسبما استدعيت استئناف مسوق لبيان ~~ما هو المقصود بالاصطناع «بآياتي» أي بمعجزاتي التي أريتكها من اليد والعصا ~~فإنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات شتى كما في قوله تعالى فيه ~~آيات بينات مقام إبراهيم فإن انقلاب العصا حيوانا آية وكونها ثعبانا عظيما ~~لا يقادر قدره آية أخرى وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى وكونه مع ذلك ~~مسخرا له عليه السلام بحيث كان يدخل يده في فمه فلا يضره آية أخرى ثم ~~انقلابها عصا آية أخرى وكذلك اليد فإن بياضها في نفسه آية وشعاعها آية ثم ~~رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى والباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ms2144 ~~ذهابهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة ~~وإكمال أمر الدعوة لا مجرد إذهابها وإيصالها إليه «ولا تنيا» لا تفترا ولا ~~تقصرا وقرئ لا تنيا بكسر التاء للاتباع «في ذكري» أي بما يليق بي من الصفات ~~الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلى وقيل المعنى لا ~~تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكر يقع على جميع العبادات وهو أجلها وأعظمها ~~وقيل لا تنسياني حيثما تقلبتما واستمدا بذكري العون والتأييد وأعلما أن ~~أمرا من الأمور لا يتأتى ولا يتسنى إلا بذكري «اذهبا إلى فرعون» جمعهما في ~~صيغة أمر الحاضر مع غيبة هارون إذ ذاك للتغليب وكذا الحال في صيغة النهي ~~روى أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى عليهما السلام وقيل سمع ~~بإقباله فتلقاه «إنه طغى» تعليل لموجب الأمر والفاء في قوله تعالى «فقولا ~~له قولا لينا» لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليين القول مما يكسر سورة ~~عناد العتاة ويلين عريكة الطغاة قال ابن عباس رضي الله عنهما لا تعنفا في ~~قولكما وقيل القول اللين مثل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فإنها دعوة ~~في صورة عرض ومشورة ويرده ما سيجئ من قوله تعالى فقولا إنا رسولا ربك ~~الآيتين وقيل كنياه وكان له ثلاث كنى أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة وقيل ~~PageV06P017 # عداه شبابا لا يهرم ويبقى له لذة المطعم والمشرب ومنكح وملكا لا يزول إلا ~~بالموت وقرئ لينا «لعله يتذكر» بما بلغتماه من ذكري ويرغب فيما رغبتماه فيه ~~«أو يخشى» عقاب ومحل الجملة النصب على الحال من ضمير التثنية أي فقولا له ~~قولا لينا راجين أن يتذكر أو يخشى وكلمة أو لمنع الخلو أي باشرا الأمر ~~مباشرة من يرجو ويطمع في أن يثمر علمه ولا يخيب سعيه وهو يجتهد بطوقه ~~ويحتشد بأقصى وسعه وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بحاله إلزام الحجة وقطع ~~المعذرة «قالا ربنا» أسند القول إليهما مع ان القائل حقيقة هو موسى عليه ~~الصلاة والسلام بطريق التغليب إيذانا بأصالته في ms2145 كل قول وفعل وتبعية هارون ~~عليه السلام له في كل ما يأتي ويذر ويجوز أن يكون هارون قد قال ذلك بعد ~~تلاقيهما فحكى ذلك مع قول موسى عليه السلام عند نزول الآية كما في قوله ~~تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة ~~الجمع مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ضرورة استحالة ~~اجتماعهم في الوجود فكيف باجتماعهم في الخطاب «إننا نخاف أن يفرط علينا» أي ~~يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا ~~تقدم ومنه الفارط وفرس فارط يسبق الخيل وقرئ يفرط من أفرطه إذا حمله على ~~العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما ~~على المعاجلة بالعقاب «أو أن يطغى» أي يزداد طغيانا إلى أن يقول في شأنك ما ~~لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب وإظهار كلمة أن مع ~~سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق الخوف من كل ~~منهما «قال» استئناف مبني على السؤال الناشئ من النظم الكريم ولعل إسناد ~~الفعل إلى ضمير الغيبة للإشعار بانتقال الكلام من مساق إلى آخر فإن ما قبله ~~من الأفعال الواردة على صيغة التكلم حكاية لموسى عليه السلام بخلاف ما ~~سيأتي من قوله تعالى فلنا لا تخف إنك أنت الأعلى فإن ما قبله أيضا وارد ~~بطريق الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل فماذا قال لهما ~~ربهما عند تضرعهما إليه فقيل قال «لا تخافا» ما توهمتما من الأمرين وقوله ~~تعالى «إنني معكما» تعليل لموجب النهي ومزيد تسلية لهما والمراد بالمعية ~~كمال الحفظ والنصرة كما ينبئ عنه قوله تعالى «أسمع وأرى» أي ما جري بينكما ~~وبينه من قول وفعل فأفعل في كل حال ما يليق بها من دفع ضر وشر وجلب نفع ~~وخير ويجوز أن لا يقدر شيء على معنى إنني حافظكما سميعا بصيرا والحافظ ~~الناصر إذا كان كذلك فقد تم وبلغت النصرة غايتها «فأتياه» ms2146 أمرا بإتيانه ~~الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعدما أمر بالذهاب إليه فلا تكرار وهو عطف ~~على لا تخافا باعتبار PageV06P018 # تعليله بما بعده «فقولا إنا رسولا ربك» أمرا بذلك تحقيقا للحق من أول ~~الأمر ليعرف الطاغية شأنهما ويبنى جوابه عليه وكذا التعرض لربوبيته تعالى ~~له والفاء في قوله تعالى «فأرسل معنا بني إسرائيل» لترتيب ما بعدها على ما ~~قبلها فإن كونهما رسولي ربه مما يوجب إرسالهم معهما والمراد بالإرسال ~~إطلاقهم من الأسر والقسر وإخراجهم من تحت يده العادية لا تكليفهم أن يذهبوا ~~معه معهما إلى الشام كما ينبئ عنه قوله تعالى «ولا تعذبهم» أي بإبقائهم على ~~ما كانوا عليه من العذاب فإنهم كانوا تحت ملكة القبط يستخدمونهم في الأعمال ~~الصعبة الفادحة من الحفر ونقل الأحجار وغيرهما من الأمور الشاقة ويقتلون ~~ذكور أولادهم عاما دون عام ويستخدمون نساءهم وتوسيط حكم الإرسال بين بيان ~~رسالتهما وبين ذكر المجيء بآية دالة على صحتها لإظهار الاعتناء به مع ما ~~فيه من تهوين الأمر على فرعون فإن إرسالهم معهما من غير تعرض لنفسه وقومه ~~بفنون التكاليف الشاقة كما هو حكم الرسالة عادة ليس مما يشق عليه كل المشقة ~~ولأن في بيان مجيء الآية نوع طول كما ترى فتأخير ذلك عنه مخل بتجاوب أطراف ~~النظم الكريم وأما ما قيل من أن ذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة ~~أهم من دعوتهم إلى الإيمان فكلا «قد جئناك بآية من ربك» تقرير لما تضمنه ~~الكلام السابق من دعوى الرسالة وتعليل لوجوب الإرسال فإن مجيئهما بالآية من ~~جهته تعالى مما يحقق رسالتهما ويقررها ويوجب الامتثال بأمرهما وإظهار اسم ~~الرب في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطب لتأكيد ما ذكر من ~~التقرير والتعليل وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها ~~لا بيان تعدد الحجة وكذلك قوله تعالى قد جئتكم ببينة وقوله تعالى أو لو ~~جئتك بشيء مبين وأما قوله تعالى فأت بآية إن كنت من الصادقين فالظاهر أن ~~المراد بها آية من الآيات «والسلام» المستتبع لسلامة ms2147 الدارين من الله تعالى ~~والملائكة وغيرهم من المسلمين «على من اتبع الهدى» بتصديق آيات الله تعالى ~~الهادية إلى الحق وفيه من ترغيبه في اتباعهما على ألطف وجه مالا يخفى «إنا ~~قد أوحي إلينا» من جهة ربنا «أن العذاب» الدنيوي والأخروي «على من كذب» أي ~~بآياته تعالى «وتولى» أي أعرض عن قبولها وفيه من التلطيف في الوعيد حيث لم ~~يصرح بحلول العذاب به مالا مزبد عليه «قال» أي فرعون بعدما أتياه وبلغاه ما ~~أمرا به وإنما طوى ذكره للإيجاز والإشعار بأنهما كما أمرا بذلك سارعا إلى ~~الامتثال به من غير تلعثم وبأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به ~~«فمن ربكما يا موسى» لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله ~~تعالى إنا رسولا ربك وقوله تعالى قد جئناك بآية من ربك لغاية عتوه ونهاية ~~طغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسل لابد أن يكون ربا للرسول أو لأنهما ~~قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن قالا إنا رسول رب العالمين كما وقع في ~~سورة الشعراء والاقتصار ها هنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما ~~هو المقصود والفاء لترتيب السؤال على ما سق من كونهما رسولي ربهما أي إذا ~~كنتما رسولي ربكما فأخبرا من ربكما الذي PageV06P019 # أرسلكما وتخصيص النداء بموسى عليه الصلاة والسلام مع توجيه الخطاب إليهما ~~لما أنه الأصل في الرسالة وهارون وزيره وأما ما قيل من أن ذلك لأنه قد عرف ~~أن له عليه الصلاة والسلام رتة فأراد أن يفحمه فيرده ما شاهده منه عليه ~~الصلاة والسلام من حسن البيان القاطع لذلك الطمع الفارع وأما قوله ولا يكاد ~~يبين فمن غلوه في الخبث والدعارة كما مر «قال» أي موسى عليه الصلاة والسلام ~~مجيبا له «ربنا» إما مبتدأ وقوله تعالى «الذي أعطى كل شيء خلقه» خبره أو هو ~~خبر لمبتدأ محذوف والموصول صفته وأيا ما كان فلم يريدا بضمير المتكلم ~~أنفسهما فقط حسبما أراد اللعين بل جميع المخلوقات تحقيقا للحق وردا عليه ~~كما يفصح عنه ms2148 ما في حيز الصلة أي هو ربنا الذي أعطى كل شئ من الأشياء خلقه ~~أي صورته وشكله اللائق بما نيط به من الخواص والمنافع أو أعطى مخلوقاته كل ~~شئ تحتاج هي إليه وترتفق به وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به أو أعطى كل ~~حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث زوج الحصان بالفرس والبعير بالناقة ~~والرجل بالمرأة ولم يزوج شيئا من ذلك بخلاف جنسه وقرئ خلقه على صيغة الماضي ~~على أن الجملة صفة للمضاف أو المضاف إليه وحذف المفعول الثاني إما للاقتصار ~~على الأول أي كل شيء خلقه الله تعالى لم يحرمه من عطائه وإنعامه أو ~~للاختصار من كونه منويا مدلولا عليه بقرينة الحال أي أعطى كل شيء خلقه الله ~~تعالى ما يحتاج إليه «ثم هدى» أي إلى طريق الانتفاع والاتفاق بما أعطاه ~~وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله إما اختيارا كما في الحيوانات ولما كان ~~الخلق الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام متقدما على الهداية ~~التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام وسط بينهما ~~كلمة التراخي ولقد ساق عليه الصلاة والسلام جوابه على نمط رائق وأسلوب لائق ~~حيث بين أنه تعالى عالم قادر بالذات خالق لجميع الأشياء منعم عليها بجميع ~~ما يليق بها بطريق التفضل وضمنه أن إرساله تعالى إلى الطاغية من جملة ~~هداياته تعالى إياه بعد أن هداه إلى الحق بالهدايات التكوينية حيث ركب فيه ~~العقل وسائر المشاعر والآلات الظاهرة والباطنة «قال فما بال القرون الأولى» ~~لما شاهر اللعين ما نظمه عليه الصلاة والسلام في سلك الاستدلال من البرهان ~~النير على الطراز الرائع خاف أن يظهر للناس حقية مقالاته عليه الصلاة ~~والسلام وبطلان خرافات نفسه ظهورا بينا فأراد أن يصرفه عليه الصلاة والسلام ~~عن سننه إلى مالا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات ~~ويشغله عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوع غفلة فيتسلق بذلك إلى أن يدعى بين ~~يدي قومه نوع معرفة فقال ما حال القرون الماضية والأمم الخالية وماذا ms2149 جرى ~~عليهم من الحوادث المفصلة فأجاب عليه الصلاة والسلام بأن العلم بأحوالهم ~~مفصلة مما لا ملابسة له بمنصب الرسالة وإنما علمها عند الله عز وجل وأما ما ~~قيل من أنه سأله عن حال من خلا من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من ~~سعد فيأباه PageV06P020 # قوله تعالى «قال علمها عند ربي» فإن معناه أنه من الغيوب التي لا يعلمها ~~إلا الله تعالى وإنما أنا عبد لا أعلم مها إلا ما علمنيه من الأمور ~~المتعلقة بما أرسلت به ولو كان المسؤول عنه ما ذكر من الشقاوة والسعادة ~~لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم ومن تولى فقد عذب حسبما نطق به ~~قوله تعالى والسلام الآيتين «في كتاب» أي مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله ~~ويجوز أن يكون ذلك تمثيلا لتمكنه وقرره في علم الله عزل وجل بما استحفظه ~~العالم وقيده بالكتبة كما يلوح به قوله تعالى «لا يضل ربي ولا ينسى» أي لا ~~يخطئ ابتداء ولا يذهب علمه بقاء بل ثابت أبدا فإنهما محالان عليه سبحانه ~~وهو على الأول لبيان أن إثباته في اللوح ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ~~ابتداء أو بقاء وإظهار ربي في موقع الإضمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقرير ~~والإشعار بعلة الحكم فإن الربوبية مما يقتضى عدم الضلال والنسيان حتما ولقد ~~أجاب عليه الصلاة والسلام عن السؤال بجواب عبقري بديع حيث كشف عن حقيقة ~~الحق حجابها مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى ثم تخلص ~~إليه حيث قال بطريق الحكاية عن الله عز وجل لما سيأتي من الالتفات «الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا» على أن الموصول إما مرفوع على المدح أو منصوب عليه أو ~~خبر مبتدأ محذوف أي جعلها لكم كالمهد تتمهدونها أو ذات مهد وهو مصدر سمي به ~~المفعول وقرئ مهادا وهو اسم لما يمهد كالفراش أو جمع مهد أي جعل كل موضع ~~منها مهدا لكل واحد منكم «وسلك لكم فيها سبلا» أي حصل لكم طرقا ووسطها بين ~~الجبال والأودية ms2150 والبراري تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم ~~وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها «وأنزل من السماء ماء» هو المطر «فأخرجنا به» ~~أي بذلك الماء وهو عطف على أنزل داخل تحت الحكاية وإنما التفت إلى التكلم ~~للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة والإيذان بأنه ~~لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن تنقاد لأمره وتذعن لمشيئته الأشياء ~~المختلفة كما في قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~ثمرات مختلفا ألوانها وقوله تعالى أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة خلا أن ما قبل الالتفات هناك صريح ~~كلامه تعالى وأما ها هنا فحكاية عنه تعالى وجعل قوله تعالى فأخرجا به هو ~~المحكي مع كون ما قبله كلام موسى عليه الصلاة والسلام خلاف الظاهر مع أنه ~~يفوت حينئذ الالتفات لعدم اتحاد المتكلم «أزواجا» أصنافا سميت بذلك ~~لازدواجها واقتران بعضها ببعض «من نبات» بيان أو صفة لأزواجا أي كائنة من ~~نبات وكذا قوله تعالى «شتى» أي متفرقة جمع شتيت ويجوز أن يكون صفة لنبات ~~لما أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة في ~~الطعم والرائحة والشكل والنفع بعضها صالح للباس على اختلاف وجوه الصلاح ~~وبعضها للبهائم فإن من تمام نعمته تعالى PageV06P021 # أن أرزاق عباده لما كان تحصلها بعمل الأنعام جعل علفها مما يفضل عن ~~حاجاتهم ولا يليق بكونه طعاما لهم وقوله تعالى «كلوا وارعوا أنعامكم» حال ~~من ضمير فأخرجنا على إرادة القول أي أخرجنا منها أصناف النبات قائلين كلوا ~~وارعوا أنعامكم أي معديها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك «إن في ~~ذلك» إشارة إلى ما ذكر من شؤونه تعالى وأفعاله وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الكمال والتنكير في قوله تعالى «لآيات» ~~للتفخيم كما وكيفا أي لآيات كثيرة جليلة واضحة الدلالة على شؤون الله تعالى ~~في ذاته وصفاته وأفعاله وعلى صحة نبوة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ms2151 ~~«لأولي النهى» جمع نهيه سمى بها العقل لنهيه عن اتباع الباطل وارتكاب ~~القبائح كما سمى بالعقل والحجر لعقله وحجره عن ذلك أي لذوي العقول الناهية ~~عن الأباطيل التي من جملتها ما يدعيه الطاغية ويقبله منه فئته الباغية ~~وتخصيص كونها آيات بهم مع أنها آيات للعالمين باعتبار أنهم المنتفعون بها ~~«منها خلقناكم» أي في ضمن أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام منها فإن كل فرد ~~من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه الصلاة والسلام إذ لم تكن قطرته البديعة ~~مقصورة على نفسه عليه الصلاة والسلام بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر ~~أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان خلقه عليه ~~الصلاة والسلام منها خلقا للكل مها وقيل المعنى خلقنا أبدانكم من النطفة ~~المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض بوسائط وقيل إن الملك الموكل بالرحم ~~يأخذ من تربة المكان الذي يدفن المولود فيبددها على النطفة فيخلق من التراب ~~والنطفة «وفيها نعيدكم» بالإمانة وتفريق الأجزاء وإيثار كلمة في على كلمة ~~إلى للدلالة على الاستقرار المديد فيها «ومنها نخرجكم تارة أخرى» بتأليف ~~أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الهيئة السابقة ورد الأرواح إليها ~~وكون هذا الإخراج تارة أخرى باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها وإن ~~لم يكن على نهج التارة الثانية والتارة في الأصل اسم للتور الواحد وهو ~~الجريان ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة كما مر في المرة ~~«ولقد أريناه» حكاية إجمالية لما جرى بين موسى عليه الصلاة والسلام وبين ~~فرعون إثر حكاية ما ذكره عليه الصلاة والسلام بجلائل نعمائه الداعية له إلى ~~قبول الحق والانقياد له وتصديرها بالقسم لإبراز كما العناية بمضمونها ~~وإسناد الإراءة إلى نون العظمة نظرا إلى الحقيقة لا إلى موسى نظر إلى ~~الظاهر لتهويل أمر الآيات وتفخيم شأنها وإظهار كمال شاعة للعين وتماديه في ~~المكابرة والعناد أي وبالله لقد بصرنا فرعون أو عرفناه «آياتنا» حين قال ~~لموسى عليه الصلاة والسلام إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~فألقى ms2152 عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين وصيغة ~~الجمع مع كونهما اثنتين باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل ~~منها آية بينة لقوم يعقلون PageV06P022 # حسبما بين في تفسير قوله تعالى اذهب أنت وأخوك بآياتي وقد ظهر عند فرعون ~~أمور أخر كل واحد منها داهية دهياء فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ~~ألقاها انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه ~~الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر وتوجه نحو فرعون فهرب وأحدث وانهزم ~~الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه فصاح فرعون يا موسى ~~أنشدك بالذي أرسلك إلا أخذته فأخذه فعاد عصا وروى أنها انقلبت حية ارتفعت ~~في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما ~~شئت ويقول فرعون أنشدك الخ ونزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا ~~خراجا عن حدود العادات قد غلب شعاعه شعاع الشمس يجتمع عليه النظارة تعجبا ~~من أمره ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة لكنها لما كانت غير مذكورة ~~صراحة أكدت بقوله تعالى «كلها» كأنه قيل أريناه آيتينا بجميع مستتبعاتهما ~~وتفاصيلهما قصدا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر ما ولا مساغ لعد بقية ~~الآيات التسع منها لما أنها إنما ظهرت على يده عليه الصلاة والسلام بعدما ~~غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما مر في تفسير سورة الأعراف ولا ~~ريب في أن أمر السحرة مترقب بعد وأبعد من ذلك أن يعد منها ما جعل لإهلاكهم ~~لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة ~~لبني إسرائيل من نتق الجبل والحجر سواء أريد به الحجر الذي فر بثوبه أو ~~الذي انفجرت منه العيون وكذا أن يعد منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام بناء على أن حكايته عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون ~~في حكم إظهارها بين يديه وإراءته إياها لاستحالة الكذب عليه ms2153 عليه الصلاة ~~والسلام فإن حكايته عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون مما لم يجر ذكره ههنا ~~على أن ما سيأتي من حمل ما أظهره عليه الصلاة والسلام على السحر والتصدي ~~للمعارضة بالمثل يأباه إباء بينا وينطق بأن المراد بها ما ذكرناه قطعا ~~ولولا ذلك لجاز جعل ما فصله عليه الصلاة والسلام من أفعاله تعالى الدالة ~~على اختصاصه بالربوبية وأحكامها من جملة الآيات «فكذب» موسى عليه الصلاة ~~والسلام من غير تردد وتأخر مع ما شاهد في يده من الشواهد الناطقة بصدقه ~~جحودا وعنادا «وأبى» الإيمان والطاعة لعتوه واستكباره وقيل كذب بالآيات ~~جميعا وأبى أن يقبل شيئا منها أو أبى قبول الحق وقوله تعالى «قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى» استئناف مبين لكيفية تكذيبه وإبائه ~~والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وادعاء أنه أمر محال والمجئ إما على ~~حقيقته أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له أي أجئتنا من مكانك الذي كنت ~~فيه بعدما غبت عنا أو أقبلت علينا لتخرجنا من مصر بما أظهرته من السحر فإن ~~ذلك مما لا يصدر عن العاقل لكونه من باب محاولة المحال وإنما قاله لحمل ~~قومه على غاية المقت لموسى عليه الصلاة والسلام بإبراز أن مراده عليه ~~الصلاة والسلام ليس مجرد إنجاء بني إسرائيل من أيديهم بل إخراج القبط من ~~وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكلية حتى لا يتوجه إلى اتباعه أحد ~~ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة وسمي ما أظهره عليه الصلاة والسلام من ~~المعجزة الباهرة سحرا لتجسيرهم على المقابلة ثم ادعى أنه يعارضه ~~PageV06P023 # بمثل ما أتى به عليه الصلاة والسلام فقال «فلنأتينك بسحر مثله» الفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها واللام جواب قسم محذوف كأنه قيل إذا كان كذلك ~~فو الله لنأتينك بسحر مثل سحرك «فاجعل بيننا وبينك موعدا» أي وعدا كما ينبئ ~~عنه وصفه بقوله تعالى «لا نخلفه» فإنه المناسب لا المكان والزمان أي لا ~~نخلف ذلك الوعد «نحن ولا أنت» وإنما فوض اللعين أمر الوعد إلى موسى عليه ~~الصلاة والسلام للاحتراز عن نسبته إلى ضعف ms2154 القلب وضيق المجال وإظهار ~~الجلادة وإراءة أنه متمكن من تهيئة أسباب المعارضة وترتيب آلات المغالبة ~~طال الأمد أم قصر كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه الصلاة والسلام ~~وتوسيط كلمة النفي بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلاف وأن عدم إخلافه ~~لا يوجب إخلافه عليه الصلاة والسلام ولذلك أكد النفي بتكرير حرفه وانتصاب ~~«مكانا سوى» بفعل يدل عليه المصدر لا به فإنه موصوف أو بأنه بدل من موعدا ~~على تقدير مكان مضاف إليه فحينئذ تكون مطابقة الجواب في قوله تعالى «قال ~~موعدكم يوم الزينة» من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر ~~باجتماع الناس فيه يومئذ أو بإضمار مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو ~~على الأول أو وعدكم وعد يوم الزينة وقرئ يوم بالنصب وهو ظاهر في أن المراد ~~به المصدر ومعنى سوى منتصفا تستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم ~~قوم عدى في الشذوذ وقرئ بكسر السين قيل يوم الزينة يوم عاشوراء أو يوم ~~النيروز أو يوم عيد كان لهم في كل عام وإنما خصه عليه الصلاة والسلام ~~بالتعيين لإظهار كمال قوته وكونه على ثقة من أمره وعدم مشهور على رؤوس ~~الأشهاد ويشيع ذلك فيما بين كل حاضر وباد «وأن يحشر الناس ضحى» عطف على يوم ~~أو يوم الزينة وقرئ على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون وبالياء على ~~أن الضمير له على سنن الملوك أو لليوم «فتولى فرعون» أي انصرف عن المجلس ~~«فجمع كيده» أي ما يكاد به من السحرة وأدواتهم «ثم أتى» أي الموعد ومعه ما ~~جمعه من كيده وفي كلمة التراخي إماء إلى أنه لم يسارع إليه بل أتاه بعد لأي ~~وتلعثم وقوله تعالى «قال لهم موسى» الخ بطريق الاستئناف المبني على السؤال ~~يقضي بأن المترقب من أحواله عليه الصلاة والسلام حينئذ والمحتاج إلى السؤال ~~والبيان ليس إلا ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من الكلام وأما إتيانه ~~أولا فأمر محقق غني عن التصريح به كأنه قيل فماذا صنع موسى عليه ms2155 الصلاة ~~والسلام عند إتيان فرعون بما جمعه من السحرة فقيل قال لهم بطريق النصيحة ~~«ويلكم لا تفتروا على الله PageV06P024 # كذبا» بأن تدعوا آياته التي ستظهر على يدي سحرا كما فعل فرعون «فيسحتكم» ~~أي يستأصلكم بسببه «بعذاب» هائل لا يقادر قدره وقرئ يسحتكم من الثلاثي على ~~لغة أهل الحجاز والإسحات لغة بني تميم ونجد «وقد خاب من افترى» أي على الله ~~كائنا من كان بأي وجه كان فيدخل فيه الافتراء المنهي عنه دخولا أوليا أو ~~وقد خاب فرعون المفترى فلا تكونوا مثله في الخيبة والجملة اعتراض مقرر ~~لمضمون ما قلها «فتنازعوا» أي السحرة حين سمعوا كلامه عليه الصلاة والسلام ~~كأن ذلك غاظهم فتنازعوا «أمرهم» الذين أريد منهم من مغالبته عليه الصلاة ~~والسلام وتشاوروا وتناظروا «بينهم» في كيفية المعارضة وتجاذبوا أهداب القول ~~في ذلك «وأسروا النجوى» أي من موسى عليه الصلاة والسلام لئلا يقف عليه ~~فيدافعه وكان نجواهم ما نطق به قوله تعالى «قالوا» أي بطريق التناجي ~~والإسرار «إن هذان لساحران» الخ فإنه تفسير له ونتيجة لتنازعهم وخلاصة ما ~~استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور وإن مخففة من أن قد أهملت عن ~~العمل واللام فارقة وقرئ بتشديد نون هذان وقيل هي نافية واللام بمعنى إلا ~~أي ما هذان إلا ساحران وقرئ إن بالتشديد وهذان اسمها على لغة بلحارث بن كعب ~~فإنهم يعربون التثنية تقديرا وقيل اسمها ضمير الشأن المحذوف وهذان لساحران ~~خبرها وقيل إن بمعنى نعم وما بعدها جملة من مبتدأ وخبر وفيهما أن اللام لا ~~تدخل خبر المبتدأ وقيل أصله أنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن ~~المؤكد باللام لا يليق به الحذف وقرئ إن هذين لساحران وهي قراءة واضحة ~~«يريدان أن يخرجاكم من أرضكم» أي أرض مصر بالاستيلاء عليها «بسحرهما» الذي ~~أظهراه من قبل «ويذهبا بطريقتكم المثلى» أي بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب ~~وأمثلها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما يريدون به ما كان عليه قوم فرعون لا ~~طريقة السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه دينا وقيل أرادوا أهل طريقتكم وهم بنو ms2156 ~~إسرائيل لقول موسى عليه الصلاة والسلام أرسل معنا نبي إسرائيل وكانوا أرباب ~~علم فيما بنيهم ويأباه أن إخراجهم من أرضهم إنما يكون الاستيلاء عليها ~~تمكنا وتصرفا فكيف يتصور حينئذ نقل بني إسرائيل إلى الشأم وحمل الإخراج على ~~إخراج بني إسرائيل منها مع بقاء قوم فرعون على حالهم مما يجب تنزيه التنزيل ~~عن أمثاله على أن هذه المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة ~~والاهتمام بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره وأشقها ~~عليهم ولا ريب في أن إخراج بني إسرائيل من بنيهم والذهاب بهم إلى الشأم وهم ~~آمنون في ديارهم ليس فيه كثير محذور وقيل الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم ~~لما أنهم قدوة لغيرهم ولا يخفى أن تخصيص الإذهاب بهم مما لا مزية فيه ~~PageV06P025 # وقوله تعالى «فأجمعوا كيدكم» تصريح بالمطلوب إثر تمهيد المقدمات والفاء ~~فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين يريد أن بكم ما ذكر من ~~الإخراج والإذهاب فأزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعا عليه بحيث لا يتخلف عنه واحد ~~منكم وارموا عن قوس واحدة وقريء فأجمعوا من الجمع ويعضده قوله تعالى فجمع ~~كيده أي فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي «ثم ائتوا صفا» أي مصطفين ~~أمروا بذلك لأنه أهيب في صدور الرائين وأدخل في استجلاب الرهبة من ~~المشاهدين قيل كانوا سبعين ألفا مع كل منهم حبل وعصا وأقبلوا عليه إقبالة ~~واحدة وقيل كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان من القبط والباقي من بني ~~إسرائيل وقيل تسعمائة ثلاثمائة من الفرس وثلاثمائة من الروم وثلاثمائة من ~~الإسكندرية وقيل خمسة عشر ألفا وقيل بضعة وثلاثين ألفا والله أعلم ولعل ~~الموعد كان مكانا متسعا خاطبهم موسى عليه الصلاة والسلام بما ذكره في قطر ~~من أقطاره وتنازعوا أمرهم في قطر آخر منه ثم أمروا بأن يأتوا وسطه على ~~الوجه المذكور وقد فسر الصف بالمصلى لاجتماع الناس فيه في الأعياد والصلوات ~~ووجه صحته أن يكون علما لموضع معين من المكان المعود وأما إرادة مصلى من ~~مصليات بعد تعين المكان الموعود فلا مساغ لها ms2157 قطعا وقوله تعالى «وقد أفلح ~~اليوم من استعلى» اعتراض تذييلي من قبلهم مؤكد لما قله من الأمرين أي قد ~~فاز بالمطلوب من غلب يريدون بالمطلوب ما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب ~~حسبما نطق به قوله تعالى قال نعم وإنكم لمن المقربين وبمن غلب أنفسهم جميعا ~~على طريقة قولهم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون أو من غلب منهم حثا لهم على ~~بذل المجهود في المغالبة هذا هو اللائق بتجاوب أطراف النظم الكريم وقد قيل ~~كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه الصلاة والسلام ما هذا بقول ~~ساحر وقيل كان ذلك أن قالوا إن غلبنا موسى اتبعناه وقيل كان ذلك قولهم إن ~~كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون ~~وملئه ويحمل قولهم إن هذان لساحران الخ على أنهم اختلفوا فيما بنيهم على ~~الأقاويل المذكورة ثم رجعوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر واستقرت أراؤهم ~~على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وأما جعل ضمير قالوا لفرعون وملئه على ~~أنهم قالوا ذلك للسحرة ردا لهم عن الاختلاف وأمروهم الإجماع والإزماع ~~وإظهار الجلادة بالإتيان على وجه الاصطفاف فمخل بجزالة النظم الكريم كما ~~يشهد به الذوق السليم «قالوا» استئناف مبني على سؤال ناشئ من حكاية ما جرى ~~بين السحرة من المقاولة كأنه قيل فماذا فعلوا بعد ما قالوا فيما بينهم ما ~~قالوا فقيل قالوا «يا موسى» وإنما لم يتعرض لإجماعهم وإتيانهم بطريق ~~الاصطفاف إشعارا بظهور أمرهما وغناهما عن البيان «إما أن تلقي» أي ما نلقيه ~~أولا على أن المفعول محذوف لظهوره أو تفعل الإلقاء أولا على أن الفعل منزل ~~منزلة اللازم «وإما أن نكون أول من ألقى» ما يلقيه أو أول من يفعل الإلقاء ~~خيروه عليه الصلاة والسلام بما ذكر مراعاة للأدب لما رأوا PageV06P026 # منه عليه الصلاة والسلام ما رأوا من مخايل الخير ورزانة الرأي وإظهارا ~~للجلادة بإراءة أنه لا يختلف حالهم بالتقديم والتأخير وأن مع ما في حيزها ~~منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية مبتدأ محذوف أي ms2158 اختر إلقاءك أولا أو ~~إلقاءنا أو الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا «قال» استئناف كما سلف ناشيء من ~~حكاية تخيير السحرة إياه عليه الصلاة والسلام كأنه قيل فماذا قال عليه ~~الصلاة والسلام فقيل قال «بل ألقوا» أنتم أولا مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم ~~حيث بت القول بإلقائهم أولا وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم ومساعدة لما ~~أوهموا من الميل إلى البدء وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا أقصى جهدهم ~~ويستنفدوا قصارى وسعهم ثم يظهر الله عز وجل سلطانه فيقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه لما علم أن ما سيظهر بيده سيلقف ما يصنعون من مكايد السحر «فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى» الفاء فصيحة معربة عن ~~مسارعتهم إلى الإلقاء كما في قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق أي ~~فألقوا فإذا حبالهم وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضا ظرفية تستدعي متعلقا ~~بنصبها وجملة تضاف إليها لكنها خصت بكون متعلقها فعل المفاجأة والجملة ~~ابتدائية والمعنى فألقوا ففاجأ موسى عليه الصلاة والسلام وقت أن يخيل إليه ~~سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق فلما ضربت ~~عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيل إليه أنها تتحرك وقرئ تخيل بالتاء على ~~إسناده إلى ضمير الحبال والعصي وإبدال أنها تسعى منه بدل اشتمال وقرئ يخيل ~~بإسناده إليه تعالى وقرئ تخيل بحذف إحدى التاءين من تتخيل «فأوجس في نفسه ~~خيفة موسى» أي أضمر فيها بعض خوف من مفاجأته بمقتضى البشرية المجبولة على ~~النفرة من الحيات والاحتراز من ضررها المعتاد من اللسع ونحوه وقيل من أن ~~يخالج الناس شك فلا يتبعوه وليس بذاك كما ستعرفه وتأخير الفاعل لمراعاة ~~الفواصل «قلنا لا تخف» أي ما توهمت «إنك أنت الأعلى» تعليل لما يوجبه النهي ~~من الانتهاء عن الخوف وتقرير لغلبته على أبلغ وجه وآكده كما يعرب عنه ~~الاستئناف وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو المنبئ عن ~~الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل «وألق ما في يمينك» أي عصاك كما وقع في سورة ~~الأعراف وإما أوثر الإبهام تهويلا لأمرها وتفخيما لشأنها وإيذانا بأنها ms2159 ~~ليست من جنس العصي المعهودة المستتبعة للآثار المعتادة بل خارجة عن حدود ~~سائر أفراد الجنس مبهمة الكنه مستتبعة لآثار غريبة وعدم مراعاة هذه النكتة ~~عند حكاية الأمر في موضع آخر لا يستدعى عدم مراعاتها عند وقوع المحكي هذا ~~وحمل الإبهام على التحقير بان يراد لا تبال بكثرة حبالهم PageV06P027 # وعصيهم وألق العويد الذي في يدك فإنه بقدرة الله تعالى يلقفها مع وحدته ~~وكثرتها وصغره وعظمها يأباه ظهور حالها فيما مر مرتين على أن ذلك المعنى ~~إنما يليق بما لو فعلت العصا ما فعلت وهي على هيئتها الأصلية وقد كان منها ~~ما كان وقوله تعالى «تلقف ما صنعوا» بالجزم جوابا للأمر من لقفه إذا ابتلعه ~~والتقمه بسرعة والتأنيث لكون ما عبارة عن العصا أي تبتلع ما صنعوه من ~~الحبال والعصي التي خيل إليك سعيها وخفتها والتعبير عنها بما صنعوا للتحقير ~~والإيذان بالتمويه والتزوير وقرئ تلقف بتشديد القاف وإسقاط إحدى التاءين من ~~تتلقف وقرئ بالرفع على الحال أو الاستئناف والجملة الأمرية معطوفة على ~~النهي متممة بما في حيزها لتعليل موجبه ببيان كيفية غلبته عليه الصلاة ~~والسلام وعلوه فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم التي منها أوجس في نفسه ما أوجس ~~مما يقلع مادته بالكلية وهذا كما ترى صريح في أن خوفه عليه الصلاة والسلام ~~لم يكن مما ذكر من مخالجة الشك للناس وعدم اتباعهم له عليه الصلاة والسلام ~~وإلا لعلل بما يزيله من الوعد بما يوجب إيمانهم واتباعهم له عليه الصلاة ~~والسلام وقوله تعالى «إنما صنعوا» الخ تعليل لقوله تعالى تلقف ما صنعوا وما ~~إما موصولة أو موصوفة أي إن الذي صنعوه أو إن شيئا صنعوه «كيد ساحر» بالرفع ~~على أنه خبر لن أي كيد جنس الساحر وتنكيره للتوسل به إلى تنكير ما أضيف إيه ~~للتحقير وقرئ بالنصب على أنه مفعول صنعوا وما كافة وقرئ كيد سحر على أن ~~الإضافة للبيان كما في علم فقه أو على معنى ذي سحر أو على تسمية الساحر ~~سحرا مبالغة وقوله تعالى «ولا يفلح الساحر» أي هذا الجنس «حيث ms2160 أتى» أي حيث ~~كان وأين اقبل من تمام التعليل وعدم التعرض لشأن العصا وكونها معجزة إلهية ~~مع ما في ذلك من تقوية التعليل للإيذان بظهور أمرها والفاء في قوله تعالى ~~«فألقي السحرة سجدا» كما سلف فصيحة معربة عن محذوفين ينساق إليهما النظم ~~الكريم غنيين عن التصريح بهما لعدم احتمال تردد موسى عليه السلام في ~~الامتثال بالأمر واستحالة عدم وقوع اللقف الموعود أي فألقاه عليه السلام ~~فوقع ما وقع من اللقف فألقى السحرة سجدا لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب ~~السحر وإنما هي آية من آيات الله عز وجل روى أن رئيسهم قال كنا نغلب الناس ~~وكانت الآلات تبقى علينا فلو كان هذا سحرا فأين ما ألقيناه من الآلات ~~فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم وبظهور ذلك على يد ~~موسى عليه الصلاة والسلام على صحة رسالته لا جرم ألقاهم ما شاهدوه على ~~وجوههم وتابوا وآمنوا وأتوا بما هو غاية الخضوع قيل لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب وعن عكرمة لما خروا سجدا أراهم الله ~~تعالى في سجودهم منازلهم في الجنة ولا ينافيه قولهم إنا آمنا بربنا يغفر ~~لنا خطايانا الخ لأن كون تلك المنازل منازلهم باعتبار صدور هذا القول عنهم ~~«قالوا» استئناف كما مر غير مرة «آمنا برب هارون وموسى» تأخير موسى عند ~~حكاية كلامهم لرعاية الفواصل وقد جوز أن يكون ترتيب كلامهم أيضا هكذا إما ~~لكبر سن هارون عليه الصلاة والسلام وإما للمبالغة في الاحتراز عن التوهم ~~الباطل من جهة فرعون وقومه حيث كان فرعون ربي موسى عليه الصلاة والسلام فلو ~~قدموا موسى عليه الصلاة والسلام لربما توهم اللعين وقومه من أول الأمر ~~PageV06P028 # أن مرادهم فرعون «قال» أي فرعون للسحرة «آمنتم له» أي لموسى عليه الصلاة ~~والسلام واللام لتضمين الفعل معنى الاتباع وقرئ على الاستفهام التوبيخي ~~«قبل أن آذن لكم» أي من غير أن آذن لكم في الإيمان له كما في قوله تعالى ~~لنقد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي لا أن إذنه لهم ms2161 في ذلك واقع بعده أو ~~متوقع «أنه» يعني موسى عليه الصلاة والسلام «لكبيركم» أي في فنكم وأعلمكم ~~به وأستاذكم «الذي علمكم السحر» فتواطأتم على ما فعلتم أو فعلمكم شيئا دون ~~شيء فلذلك غلبكم وهذه شبهة زورها اللعين وألقاها على قومه وأراهم أن أمر ~~الإيمان منوط بإذنه فلما كان إيمانهم بغير إذنه لم يكن معتدا به وأنهم من ~~تلامذته عليه الصلاة والسلام فلا عبرة بما أظهره كما لا عبرة بما أظهروه ~~وذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان بالله تعالى ~~ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال «فلأقطعن» أي فو الله لأقطعن «أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف» أي اليد اليمنى والرجل اليسرى ومن ابتدائية كأن القطع ~~ابتداء من مخالفة العضو العضو فإن المبتدئ من المعروض مبتدئ من العارض أيضا ~~وهي مع مجرورها في حيز النصب على الحالية أي لأقطعنها مخلفات وتعيين تلك ~~الحال للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته المعهودة في ~~باب السياسة لا لأنها أفظع من غيرها «ولأصلبنكم في جذوع النخل» أي عليها ~~وإيثار كلمة في للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا تشبيها لاستمرارهم ~~عليها باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه قالوا وهو أول من صلب وصيغة ~~التفعيل في الفعلين للتكثير وقد قرئا بالتخفيف «ولتعلمن أينا» يريد به نفسه ~~وموسى عليه الصلاة والسلام لقوله آمنتم له قبل أن آذن لكم واللام مع ~~الإيمان في كتاب الله تعالى لغيره تعالى وهذا إما لقصد توضيع موسى عليه ~~الصلاة والسلام والهزء به لأنه لم يكن من التعذيب في شيء وإما لإراءة أن ~~إيمانهم لم يكن عن مشاهدة المعجزة ومعاينة البرهان بل كان عن خوف من قبل ~~موسى عليه الصلاة والسلام حيث رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم فخافوا على ~~أنفسهم أيضا وقيل يريد به رب موسى الذي آمنوا به بقولهم آمنا برب هارون ~~وموسى «أشد عذابا وأبقى» أي أدوم «قالوا» غير مكترثين بوعيده «لن نؤثرك» لن ~~نختارك بالإيمان والاتباع «على ما جاءنا» من الله على يد موسى عليه الصلاة ms2162 ~~والسلام «من البينات» من المعجزات الظاهرة فإن ما ظهر بيده عليه الصلاة ~~والسلام من العصا كان مشتملا على معجزاته جمعة كما مر تحقيقه فيما سلف ~~فإنهم كانوا عارفين بجلائلها ودقائقها «والذي فطرنا» أي خلقنا وسائر ~~المخلوقات وهو عطف على ما جاءنا وتأخيره لأن ما في ضمنه آية عقلية نظرية ~~وما شاهدوه آية حسية ظاهرة وإيراده تعالى بعنوان فاطريته تعالى لهم للإشعار ~~بعلة الحكم فإن خالقيته تعالى لهم وكون فرعون من جملة مخلوقاته مما يوجب ~~عدم إيثارهم له عليه PageV06P029 # سبحانه وتعالى وهذا جواب منهم لتوبيخ فرعون بقوله آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم وقيل هو قسم محذوف الجواب لدلالة المذكور عليه أي وحق الذي فطرنا لا ~~نؤثرك الخ ولا مساغ لكون المذكور جوابا له عند من يجوز تقديم الجواب أيضا ~~لما أن القسم لا يجاب بلن إلا على شذوذ وقوله تعالى «فاقض ما أنت قاض» جواب ~~عن تهديده قوله لأقطعن الخ أي فاصنع ما أنت صانعه أو فاحكم ما أنت حاكم به ~~وقوله تعالى «إنما تقضي هذه الحياة الدنيا» مع ما بعده تعليل لعدم المبالاة ~~المستفاد مما سبق من الأمر بالقضاء أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه ~~في هذه الحياة الدنيا فحسب وما لنا من رغبة في عذبها ولا رهبة من عذابها ~~«إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا» التي اقترفنا فيها من الكفر والمعاصي ~~ولا يؤاخذنا بها في الدار الآخرة لا ليمتعنا بتلك الحياة الفانية حتى نتأثر ~~بما أوعدتنا به من القطع والصلب وقوله تعالى «وما أكرهتنا عليه من السحر» ~~عطف على خطايانا أي ويغفر لنا السحر الذي علمناه في معارضة موسى عليه ~~الصلاة والسلام بإكراهك وحشرك إيانا من المدائن القاصية خصوه بالذكر مع ~~اندراجه في خطاياهم إظهارا لغاية نفرتهم عنه ورغبتهم في مغفرته وذكر ~~الإكراه للإيذان بأنه مما يجب أن يفرد بالاستغفار منه مع صدوره عنهم ~~بالإكراه وفيه نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة وقيل أرادوا الإكراه على تعلم ~~السحر حيث روى أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم ms2163 من القبط والباقي ~~من بني إسرائيل وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر وقيل إنه أكرههم على ~~المعارضة حيث روى أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائما ففعل فوجدوه تحرسه ~~عصاه فقالوا ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه ~~ويأباه تصديهم للمعارضة على الرغبة والنشاط كما يعرب عنه قولهم أئن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين وقولهم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون «والله ~~خير» أي في خد ذاته وهو ناظر إلى قولهم والذي فطرنا «وأبقى» أي جزاء ثوابا ~~كان أو عذابا خير ثوابا وأبقى عذابا وقوله تعالى «أنه» إلى آخر الشرطيتين ~~تعليل من جهتهم لكونه تعالى خيرا وأبقى جزاء وتحقيق له وإبطال لما ادعاه ~~فرعون وتصديرهما بضمير الشأن للتنبيه على فخامة مضمونهما لأن مناط وضع ~~الضمير موضعه ادعاء شهدته المغنية عن ذكره مع ما فيه من زيادة التقرير فإن ~~الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا ~~لما يعقبه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن كأنه قيل إن الشأن الخطير هذا أي ~~قوله تعالى «من يأت ربه مجرما» بأن مات على الكفر والمعاصي «فإن له جهنم لا ~~يموت فيها» فينتهي عذابه وهذا تحقيق لكون عذابه أبقى «ولا يحيى» حياة ينتفع ~~بها «ومن يأته مؤمنا» به تعالى وبما جاء من عنده من المعجزات التي من ~~جملتها ما شاهدناه «قد عمل الصالحات» الصالحة كالحسنة جارية مجرى الاسم ~~ولذلك لا تذكر غالبا مع PageV06P030 # الموصوف وهي كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والنقل «فأولئك» إشارة ~~إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار ~~لفظها وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم أي فأولئك ~~المؤمنون العاملون للصالحات «لهم» بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة «الدرجات ~~العلى» أي المنازل الرفيعة وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد ~~عن العمل الصالح في استتباع الثواب لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال ~~الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى لا بالثواب مطلقا ms2164 وهل التشاجر إلا فيه ~~«جنات عدن» بدل من الدرجات العلى أو بيان وقد مر أن عدنا علم لمعنى الإقامة ~~أو لأرض الجنة فقوله تعالى «تجري من تحتها الأنهار» حال من الجنات وقوله ~~تعالى «خالدين فيها» حال من الضمير في لهم والعامل معنى الاستقرار أو ~~الإشارة «وذلك» إشارة إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذكر من الدرجات العلى ~~ومعنى البعد لما مر من التفخيم «جزاء من تزكى» أي تطهر من دنس الكفر ~~والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة وهذا تحقيق لكون ثوابه تعالى ~~أبقى وتقديم ذكر حال المجرم للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه ودوامه ردا على ~~ما ادعاه فرعون بقوله أينا أشد عذابا وأبقى هذا وقد قيل هذه الآيات الثلاث ~~ابتداء كلام من الله عز وجل قالوا ليس في القرآن أن فرعون فعل بأولئك ~~المؤمنين ما أوعدهم به ولم يثبت في الأخبار «ولقد أوحينا إلى موسى» حكاية ~~إجمالية لما انتهى إليه أمر فرعون وقومه وقد طوى في البين ذكر ما جرى عليهم ~~من الآيات المفصلات الظاهرة على يد موسى عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب ~~السحرة في نحو من عشرين سنة حسبما فصل في سورة الأعراف وتصديرها بالقسم ~~لإبراز كمال العناية بمضمونها وأن في قوله تعالى «أن أسر بعبادي» إما مفسرة ~~لأن الوحي فيه معنى القول أو مصدرية حذف عنها الجار والتعبير عنهم بعنوان ~~كونهم عبادا له تعالى لإظهار المرحمة والاعتناء بأمرهم والتنبيه على غاية ~~قبح صنيع فرعون بهم حيث استعبدهم وهم عباده عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ~~ما فعل أي وبالله لقد أوحينا إليه عليه الصلاة والسلام أن أسر بعبادي الذين ~~أرسلتك لإنقاذهم من ملكة فرعون أي سربهم من مصر ليلا «فاضرب لهم» أي فاجعل ~~أو فاتخذ لهم «طريقا في البحر يبسا» أي يابسا على أنه مصدر وصف به الفاعل ~~مبالغة وقرئ يبسا وهو إما مخفف منه أو وصف كصعب أو جمع يابس كصحب وصف به ~~الواحد للمبالغة أو لتعدده حسب تعدد الأسباط «لا تخاف دركا» ms2165 حال من المأمور ~~رأى آمنا من أن يدرككم العدو أو صفة أخرى لطريقا والعائد محذوف وقرئ لا تخف ~~جوابا للأمر «ولا تخشى» عطف على لا تخاف داخل في حكمه أي ولا تخشى الغرق ~~وعلى قراءة الجزم استئناف أي وأنت لا تخشى أو عطف عليه والألف للإطلاق كما ~~في قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا وتقديم نفي الخوف المذكور للمسارعة إلى ~~إزاحة PageV06P031 # ما كانوا عليه من الخوف العظيم حيث قالوا إنا لمدركون «فأتبعهم فرعون ~~بجنوده» أي تبعهم ومعه جنوده حتى لحقوهم يقال أتبعتهم أي تبعتهم وذلك إذا ~~كانوا سبقوك فلحقتهم ويؤيده أنه قرئ فأتبعهم من الافتعال وقيل المعنى ~~أتبعهم فرعون نفسه فحذف المفعول الثاني وقيل الباء زائدة والمعنى فأتبعهم ~~فرعون جنوده أي ساقهم خلفهم وأيا ما كان فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ~~ذكره ثقة بغاية ظهوره وإيذانا بكمال مسارعة موسى عليه الصلاة والسلام إلى ~~الامتثال بالأمر أي ففعل ما أمر به من الإسراء بهم وضرب الطريق وسلوكه ~~فأتبعهم فرعون بجنوده برا وبحرا روي أن موسى عليه الصلاة والسلام خرج بهم ~~أول الليل وكانوا ستمائة وسبعين ألفا فأخبر فرعون بذلك فأتبعهم بعساكره ~~وكانت مقدمته سبعمائة ألف فقص أثرهم فلحقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ~~ضرب عليه الصلاة والسلام بعصاه البحر فانفلق على اثني عشر فرقا كل فرق ~~كالطود العظيم فعبر موسى عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأسباط سالمين ~~وتبعهم فرعون بجنوده «فغشيهم من اليم ما غشيهم» أي علاهم منه وغمرهم ما ~~غرمهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه وقيل غشيهم ما ~~سمعت قصته وليس بذاك فإن مدار التهويل والتفخيم خروجه عن حدود الفهم والوصف ~~لا سماع قصته وقرئ فغشاهم من اليم ما غشاهم أي غطاهم ما غطاهم والفاعل هو ~~الله عز وعلا أو ما غشاهم وقيل فرعون لأنه الذي ورطهم للهلكة ويأباه ~~الإظهار في قوله تعالى «وأضل فرعون قومه» أي سلك بهم مسلكا أداهم إلى ~~الخيبة والخسران في الدين والدنيا معا حيث ماتوا على الكفر بالعذاب ms2166 الهائل ~~الدنيوي المتصل بالعذاب الخالد الأخروي وقوله تعالى «وما هدى» أي ما أرشدهم ~~قط إلى طريق موصل إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقرير لإضلاله ~~وتأكيد له إذ رب مضل قد يرشد من يضله إلى بعض مطالبه وفيه نوع تهكم به في ~~قوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن ~~يتصور منه الهداية في الجملة وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم وحمل ~~الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقام بيان سوقه بجنوده ~~إلى مساق الهلاك الدنيوي وجعلهما عبارة عن الإضلال في البحر والإنجاء منه ~~مما لا يقبله العقل السليم «يا بني إسرائيل» حكاية لما خاطبهم الله تعالى ~~بعد إغراق فرعون وقومه وإنجائهم منهم لكن لا عقيب ذلك بل بعد ما أفاض عليهم ~~من فنون النعم الدينية والدنيوية ما أفاض وقيل هو إنشاء خطاب للذين كانوا ~~منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على معنى أنه تعالى قد من عليهم بما ~~فعل بآبائهم أصالة وبهم تبعا ويرده ما سيأتي من قوله تعالى وما أعجلك الآية ~~ضرورة استحالة حمله على الإنشاء فالوجه PageV06P032 # هو الحكاية بتقدير قلنا عطفا على أوحينا أي وقلنا يا بني إسرائيل «قد ~~أنجيناكم من عدوكم» فرعون وقومه حيث كانوا يبغونكم الغوائل ويسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وقرئ نجيناكم ونجيتكم «وواعدناكم ~~جانب الطور الأيمن» بالنصب على أنه صفة للمضاف وقرئ بالجر للجوار أي ~~واعدناكم بواسطة نبيكم إيتان جانبه الأيمن نظرا إلى السالك من مصر إلى ~~الشام أي إتيان موسى عليه الصلاة والسلام للمناجاة وإنزال التوراة عليه ~~ونسبت المواعدة إليهم مع كونها لموسى عليه الصلاة والسلام نظرا إلى ~~ملابستها إياهم وسراية منفعتها إليهم وإيفاء لمقام الامتنان حقه كما في ~~قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم حيث نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين ~~مع أن المخلوق المصور بالذات هو آدم عليه الصلاة والسلام وقرئ واعدتكم ~~ووعدناكم «ونزلنا عليكم المن والسلوى» أي الترنجبين والسماني حيث كان ينزل ~~عليهم المن وهم في التيه ms2167 مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسان صاع ~~ويبعب الجنوب عليهم السماء فيذبح الرجل منه ما يكفيه كما مر مرارا «كلوا» ~~جملة مستأنفة مسوقة لبيان إباحة ما ذكر لهم وإماما للنعمة عليهم «من طيبات ~~ما رزقناكم» أي من لذائذه أو حلالاته وقرئ رزقتكم وفي البدء بنعمة الإنجاء ~~ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن النظم ولطف الترتيب مالا ~~يخفى «ولا تطغوا فيه» أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره والتعدي لما حد لكم ~~فيه كالسرف والبطر والمنع من المستحق «فيحل عليكم غضبي» جواب للنهي أي ~~فنلزمكم عقوبتي وتجب لكم من حل الدين إذا وجب أداؤه «ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى» أي تردى وهلك وقيل وقع في الهاوية وقرئ فيحل بضم الحاء من حل يحل ~~إذا نزل «وإني لغفار لمن تاب» من الشرك والمعاصي التي من جملتها الطغيان ~~فيما ذكره «وآمن» بما يجب الإيمان به «وعمل صالحا» أي علم صالحا مستقيما ~~عند الشرع والعقل وفيه ترغيب لمن وقع منه الطغيان فيما ذكر وحث على التوبة ~~والإيمان وقوله تعالى «ثم اهتدى» أي استقام على الهدى إشارة إلى أن من لم ~~يسئمر عليه بمعزل من الغفران وثم للتراخي الرتبي «وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى» حكاية لما جرى بينه تعالى وبين موسى عليه الصلاة والسلام من الكلام ~~عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة أي وقلنا له أي شئ ~~أعجلك منفردا عن قومك وهذا كما ترى سؤال عن سبب تقدمه على النقباء مسوق ~~لإنكار انفراده عنهم لما في ذلك بحسب الظاهر من مخايل إغفالهم وعدم ~~الاعتداد بهم مع كونه مأمورا باستصحابهم وإحضارهم معه لا لإنكار نفس العجلة ~~الصادرة عنه عليه الصلاة والسلام لكونها نقيصة منافية للحزم اللائق بأولي ~~العزم ولذلك أجاب عليه PageV06P033 # الصلاة والسلام بنفي الانفراد المنافي للاستصحاب والمعية حيث «قال هم ~~أولاء على أثري» يعني أنهم معي وإنما سبقتهم بخطا يسيرة ظننت انها لا تخل ~~بالمعية ولا تقدح في الاستصحاب فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة ~~أصلا وبعد ms2168 ما ذكر عليه الصلاة والسلام أن تقدمه ذلك ليس لأمر منكر ذكر أنه ~~لأمر مرضي حيث قال «وعجلت إليك رب لترضى» عني بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك ~~واعتنائي بالوفاء بعهدك وزيادة رب لمزيد الضراعة والابتهال رغبة في قبول ~~العذر «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه الصلاة ~~والسلام وهو السر في وروده على صيغة الغائب لا أنه التفات من التكلم إلى ~~الغيبة لما أن المقدر فيما سبق من الموضعين على صيغة التكلم كأنه قيل من ~~جهة السامعين فماذا قال له ربه حينئذ فقيل قال «فإنا قد فتنا قومك من بعدك» ~~أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم وهم الذين خلقهم مع هارون ~~عليه الصلاة والسلام وكانوا ستمائة ألف ما نجا منهم من عبادة العجل إلا ~~اثنا عشر ألفا والفاء لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى ~~عليه الصلاة والسلام بعجلته لكن لا لأن الإخبار بها سبب موجب للإخبار به بل ~~لما بينهما من المناسبة المصححة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث إن ~~مدار الابتلاء المذكور عجلة القوم فإنه روى أنهم أقاموا على ما وصى به موسى ~~عليه الصلاة والسلام عشرين ليلة بعد ذهابه فحسبوها مع أيامها أربعين وقالوا ~~قد أكملنا العدة وليس من موسى عليه الصلاة والسلام عين ولا أثر «وأضلهم ~~السامري» حيث كان هو المدبر في الفتنة فقال لهم إنما أخلف موسى عليه الصلاة ~~والسلام ميعادكم لما معكم من حلي القوم وهو حرام عليكم فكان من أمر العجل ~~ما كان فأخبره تعالى بوقوع هذه الفتنة عند قدومه عليه الصلاة والسلام إما ~~باعتبار تحققها في علمه تعالى ومشيئته وإما بطريق التعبير عن المتوقع ~~بالواقع كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة ونظائره أو لأن السامري كان ~~قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه الصلاة والسلام وتصدى لترتيب ~~مبانيها وتمهيد مباديها فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها وقرئ وأضلهم ~~السامري على صيغة لتفضيل أي أشدهم ضلالا لأنه ضال ومضل والسامري منسوب إلى ms2169 ~~قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة وقيل كان علجا من كرمان وقيل من أهل ~~باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقا قد أظهر الإسلام وكان من قوم يبعدون ~~البقر «فرجع موسى إلى قومه» عند رجوعه المعهود أي بعد ما استوفى الأربعين ~~وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار بالفتنة فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما ~~هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله تعالى PageV06P034 # «غضبان أسفا» لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلة عليه حقيقة فإن كون الرجوع ~~بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار ~~بالفتنة كما إذا قلت شايعت الحجاج ودعوت لهم بالسلامة فرجعوا سالمين فإن ~~أحدا لا يرتاب في أن المراد رجوعهم المعتاد لا رجوعهم إثر الدعاء وأن سببية ~~الدعاء باعتبار وصف السلامة لا باعتبار نفس الرجوع والأسف الشديد الغضب ~~وقيل الحزين «قال» استئناف مبني على سؤال ناشيء من حكاية رجوعه كذلك كأنه ~~قيل فماذا فعل بهم فقيل قال «يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا» بأن يعطيكم ~~التوراة فيها ما فيها من النور والهدى والهمزة لإنكار عدم الوعد ونفيه ~~وتقرير وجوده على أبلغ وجه وآكدة أي وعدكم بحيث لا سبيل لكم إلى إنكاره ~~والفاء في قوله تعالى «أفطال عليكم العهد» أي الزمان للعطف على مقدر ~~والهمزة لإنكار المعطوف ونفيه فقط أي أوعدكم ذلك فطال زمان الإنجاز فأخطأتم ~~بسبيه «أم أردتم أن يحل» أي يجب «عليكم غضب» شديد لا يقادر قدره كائن «من ~~ربكم» أي من مالك أمركم على الإطلاق «فأخلفتم موعدي» أي وعدكم إياي بالثبات ~~على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات على إضافة المصدر إلى مفعوله ~~للقصد إلى زيادة تقبيح حالهم فإن إخلافهم الوعد الجاري فيما بينهم وبينه ~~عليه السلام من حيث إضافته إليه عليه السلام أشنع منه من حيث إضافته إليهم ~~والفاء لترتيب ما بعدها على كل واحد من شقي الترديد على سبيل البدل كأنه ~~قيل أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموه خطأ أم أردتم حلول الغضب عليكم ~~فأخلفتموه عمدا ms2170 وأما جعل الموعد مضافا إلى فاعله وحمل إخلافه على معنى ~~وجدان الخلف فيه أي فوجدتم الخلف في موعدي لكم بالعود بعد الأربعين فما لا ~~يساعده السباق ولا السياق أصلا «قالوا ما أخلفنا موعدك» أي وعدنا إياك ~~الثابت على ما أمرتنا به وإيثاره على أن يقال موعدنا على إضافة المصدر إلى ~~فاعله لما مر آنفا «بملكنا» أي بأن ملكنا أمورنا يعنون أنا لو خلينا ~~وأمورنا ولم يسول لنا السامري ما سوله مع مساعدة بعض الأحوال لما أخلفناه ~~وقرئ بملكنا بكسر الميم وضمها والكل لغات في مصدر ملكت الشيء «ولكنا حملنا ~~أوزارا من زينة القوم» استدراك عما سبق واعتذار عما فعلوا ببيان منشأ الخطأ ~~وقرئ حلمنا بالتخفيف أي حملنا أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم حين ~~هممنا بالخروج من مصر باسم العرس وقيل كانوا استعاروها لعبد كان لهم ثم لم ~~يردوها إليهم عند الخروج مخافة أن يقفوا على أمرهم وقيل هي ما ألقاه البحر ~~على الساحل بعد إغراقهم فأخذوها ولعل تسميتهم لها أوزارا لأنها تبعات وآثام ~~حيث لم تكن الغنائم تحل حينئذ «فقذفناها» أي في النار رجاء للخلاص عن ذنبها ~~«فكذلك» أي فمثل ذلك القذف «ألقى السامري» أي ما كان معه منها وقد كان ~~أراهم أنه أيضا يلقى ما كان معه من الحلي فقالوا ما قالوا على زعمهم وإما ~~كان الذي ألقاه التربة التي أخذها من أثر الرسول كما سيأتي روى أنه قال لهم ~~إنما تأخر موسى عنكم لما معكم من الأوزار فالرأي أن نحفر PageV06P035 # حفيرة ونسجر فيها نارا ونقذف فيها كل ما معنا ففعلوا «فأخرج» أي السامري ~~«لهم» للقائلين «عجلا» من تلك الحلي المذابة وتأخيره مع كونه مفعولا صريحا ~~عن الجار والمجرور لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ~~مع ما فيه من نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم فإن قوله تعالى ~~«جسدا» أي جثة ذا دم ولحم أو جسدا من ذهب لا روح له بدل منه وقوله تعالى ~~«له خوار» أي صوت عجل نعت له ms2171 «فقالوا» أي السامري ومن افتتن به أول ما رآه ~~«هذا إلهكم وإله موسى فنسي» أي غفل عنه وذهب يطلبه في الطور وهذا حكاية ~~لنتيجة فتنة السامري فعلا وقولا من جهته تعالى قصدا إلى زيادة تقريرها ثم ~~ترتيب الإنكار عليها لا من جهة القائلين وإلا لقيل فأخرج لنا والحمل على أن ~~عدولهم إلى ضمير الغيبة لبيان أن الإخراج والقول المذكورين للكل لا للعبادة ~~فقط خلاف الظاهر مع أنه مخل باعتذارهم فإن مخالفة بعضهم للسامري وعدم ~~افتتانهم بتسويله مع كون الإخراج والخطاب لهم مما يهون مخالفته للمعتذرين ~~فافتتانهم بعد ذلك أعظم جناية وأكثر شناعة وأما ما قيل من أن المعتذرين هم ~~الذين لم يعبدوا العجل وأن نسبة الإخلاف إلى أنفسهم وهم برآء منه من قبيل ~~قولهم بنو فلان قتلوا فلانا مع أن القاتل واحد منهم كأنهم قالوا ما وجد ~~الإخلاف فيما بيننا بأمر كنا نملكه بل تمكنت الشبهة في قلوب العبدة حيث فعل ~~السامري ما فعل فأخرج لهم ما أخرج وقال ما قال فلم نقدر على صرفهم عن ذلك ~~ولم نفارقهم مخافة ازدياد الفتنة فيقضي بفساده سباق النظم الكريم وسياقه ~~وقوله تعالى «أفلا يرون» الخ إنكار وتقيح من جهته تعالى الحال الضالين ~~والمضلين جميعا وتسفيه لهم فيما اقدموا عليه من المنكر الذي لا يشتبه ~~بطلانه واستحالته على أحد وهو اتخاذه إلها والفاء للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام أي ألا يتفكرون فلا يعلمون «ألا يرجع إليهم قولا» أي أنه لا يرجع ~~إليهم كلاما ولا يرد عليهم جوابا فكيف يتوهمون أنه إله وقرئ يرجع بالنصب ~~قالوا فالرؤية حينئذ بصرية فإن الناصبة لا تقع بد أفعال اليقين أي ألا ~~ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم قولا من الأقوال وتعليق الإبصار بما ذكر ~~مع كونه أمرا عديما للتنبيه على كمال ظهوره المستدعى لمزيد تشنيعهم وتركيك ~~عقولهم وقوله تعالى «ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا» عطف على لا يرجع داخل معه ~~في حيز الرؤية أي أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرا أو يجلب ms2172 لهم ~~نفعا أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه أو ينفعهم إن عبدوه «ولقد قال ~~لهم هارون من قبل» جملة قسمية مؤكدة لما قبلها من الإنكار والتشنيع ببيان ~~عتوهم واستعصائهم على الرسول إثر بيان مكابرتهم لقضية PageV06P036 # العقول اي وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع ~~موسى عليه السلام إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من المقالات وقيل من قبل قول ~~السامري كأنه عليه السلام أو وما أبصره حين طلع من الحفيرة توهم منهم ~~الافتتان به فسارع إلى تحذيرهم وقال لهم «يا قوم إنما فتنتم به» اي أوقعتم ~~في الفتنة بالعجل أو أضللتم به على توجيه القصر المستفاد من كلمة إنما إلى ~~نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور ~~بالقياس إلى قيد آخر على معنى إنما فعل بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا ~~على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره وقوله تعالى «وإن ربكم الرحمن» بكسر ~~إن عطفا على إنما إرشاد لهم إلى الحق إثر زجرهم عن الباطل والتعرض لعنوان ~~الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق كما أن التعرض لوصف العجل ~~للاهتمام بالزجر عن الباطل أي أن ربكم المستحق للعبادة هو الرحمن لا غير ~~والفاء في قوله تعالى «فاتبعوني» لترتيب ما بعدها على ما قبلها من مضمون ~~الجملتين اي إذا كان الأمر كذلك فاتبعوني في الثبات على الدين «وأطيعوا ~~أمري» هذا واتركوا عبادة ما عرفتم شأنه «قالوا» في جواب هارون عليه السلام ~~«لن نبرح عليه» على العجل وعبادته «عاكفين» مقيمين «حتى يرجع إلينا موسى» ~~جعلوا رجوعه عليه السلام إليهم غاية لعكوفهم على عبادة العجل لكن لا على ~~طريق الوعد بتركها عند رجوعه عليه السلام بل بطريق التعليل والتسويق وقد ~~دسوا تحت ذلك أنه عليه السلام لا يرجع بشيء مبين تعويلا على مقالة السامري ~~روى أنهم لما قالوه اعتزلهم هارون عليه السلام في اثنى عشر ألفا وهم الذين ~~لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى عليه السلام وسمع الصياح وكانوا يرقصون ms2173 حول ~~العجل قال للسبعين الذين كانوا معه هذا صوت الفتنة فقال لهم ما قال وسمع ~~منهم ما قالوا وقوله تعالى «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ~~جوابهم لهارون عليه السلام كأنه قيل فماذا قال موسى لهارون عليهما السلام ~~حين سمع جوابهم له وهل رضي بسكوته بعد ما شاهد منهم ما شاهد فقيل قال له ~~وهو مغتاظ قد أخذ بلحيته ورأسه «يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا» بعبادة ~~العجل وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بتلك المقالة الشنعاء أن لا تتبعر ~~أي أن تتبعني على أن لا تريدة وهو مفعول ثان لمنع وهو عامل في إذ أي شيء ~~منعك حين رؤيتك لضلالهم أن تتبعني في الغضب لله تعالى والمقاتلة مع من كفر ~~به وقيل المعنى ما حملك على أن لا تتبعني فإن المنع عن الشيء مستلزم للحمل ~~على مقابلة وقيل ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم فتكون مفارقتك مزجرة ~~لهم وفيه أن نصائح هارون عليه السلام حيث لم تزجرهم عما كانوا عليه فلأن لا ~~تزجرهم مفارقته إياهم عنه أولى والاعتذار بأنهم إذا علموا أنه يلحقه ويخبره ~~القصة يخافون رجوع موسى عليه السلام فينزجروا عن ذلك بمعزل من حيز القبول ~~كيف لا وهم قد صرحوا بأنهم عاكفون عليه إلى حين رجوعه عليه السلام ~~PageV06P037 # «أفعصيت أمري» اي بالصلابة في الدين والمحاماة عليه فإن قوله له عليهما ~~السلام اخلفني متضمن الأمر بهما حتما فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة ~~الخليفة ما كان يباشره المستخف لو كان حاضرا والهمزة للإنكار التوبيخي ~~والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألم تتبعني أو أخالفتني فعصيت أمري ~~«قال يا ابن أم» خص الأم بالإضافة استعظاما لحقها وترقيقا لقلبه لا لما قيل ~~من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين «لا تأخذ بلحيتي ~~ولا برأسي» أي ولا بشعر رأسي روى أنه عليه السلام أخذ شعر رأسه بيمينه ~~ولحيته بشماله من شدة غيظه وفرط غضبه لله وكان عليه السلام حديدا متصلبا في ~~كل شيء ms2174 فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ففعل ما فعل وقوله تعالى «إني ~~خشيت» الخ استئناف سيق لتعليل موجب النهي ببيان الداعي إلى ترك المقاتلة ~~وتحقيق أنه غير عاص لأمره بل ممتثل به أي إني خشيت لو قاتلت بعضهم بعض ~~وتفانوا وتفرقوا «أن تقول فرقت بين بني إسرائيل» برأيك مع كونهم أبناء واحد ~~كما ينبأ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه وأراد عليه السلام ~~بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق الذي لا يرجى بعده الاجتماع «ولم ~~ترقب قولي» يريد به قوله عليه السلام اخلفني في قومي وأصلح الخ يعني إني ~~رأيت أن الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة معهم إلى أن ترجع إليهم فلذلك ~~استأنيتك لتكون أنت المتدارك للأمر حسبما رأيت لا سيما وقد كانوا في غاية ~~القوة ونحن على القلة والضعف كما يعرب عنه قوله تعالى إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني قال استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار ~~القوم بإسناد الفساد إلى السامري واعتذار هارون عليه السلام كأنه قيل فماذا ~~صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حكى من الاعتذارين واستقرار أصل الفتنة ~~على السامري فقيل قال موبخا له هذا شأنهم «فما خطبك يا سامري» أي ما شأنك ~~وما مطلوبك مما فعلت خاطبه عليه السلام بذلك ليظهر للناس بطلان كيده ~~باعترافه ويفعل به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به ولمن ~~خلفهم من الأمم قال أي السامري مجيبا له عليه السلام «بصرت بما لم يبصروا ~~به» بضم الصاد فيما وقرئ بكسرها في الأول وفتحها في الثاني وقرئ بالتاء على ~~الوجهين على خطاب موسى عليه السلام وقومه أي علمت ما لم يعلمه القوم وفطن ~~لما لم يفطنوا له أو رأيت ما لم يروه وهو الأنسب بما سيأتي من قوله وكذلك ~~سولت لي نفسي لا سيما على القراءة بالخطاب فإن ادعاء علم ما لم يعلمه موسى ~~عليه السلام جرأة عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف ادعاء رؤية ما لم ~~يره PageV06P038 # عليه السلام فإن مما ms2175 يقع بحسب ما يتفق وقد كان رأي أن جبريل عليه السلام ~~جاء راكبا فرسا وكان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه على الطريق اليبس يخرج ~~من تحته النبات في الحال فعرف أن له شأنا فأخذ من موطئه حفنة وذلك قوله ~~تعالى «فقبضت قبضة من أثر الرسول» وقرئ من أثر فرس الرسول أي من تربة موطئ ~~فرس الملك الذي ارسل إليك ليذهب بك إلى الطور ولعل ذكره بعنوان الرسالة ~~للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم من الأسرار الإلهية تأكيدا لما ~~صدر به مقالته والتنبيه على وقت أخذ ما اخذ والقبضة المرة من القبض أطلقت ~~على المقبوض مرة وقرئ بضم القاف وهو اسم المقبوض كالغرفة والمضغة وقرئ ~~فقبصت قبصة بالصاد المهملة والأول للأخذ بجميع الكف والثاني بأطراف الأصابع ~~ونحوهما الخضم والقضم فنبذتها أي في الحلي المذابة فكان ما كان «وكذلك سولت ~~لي نفسي» أي ما فعلته من القبض والنبذ فقوله تعالى ذلك إشارة إلى مصدر ~~الفعل المذكور بعده ومحل كذلك في الأصل النصب على أنه مصدر تشبيهي أي نعت ~~لمصدر محذوف والتقدير سولت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل فقدم على ~~الفعل لإفادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة لإفادة تأكيد ما أفاده اسم الإشارة ~~من الفخامة فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتا له أي ذلك التزيين البديع زيت ~~لي نفسي ما فعلته لا تزيينا أدنى منه ولذلك فعلته وحاصل جوابه أن ما فعله ~~إنما صدر عنه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء وإغوائها لا بشيء آخر من ~~البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي فعند ذلك «قال» عليه السلام «فاذهب» أي ~~من بين الناس وقوله تعالى «فإن لك في الحياة» الخ تعليل لموجب الأمر وفي ~~متعلقة بالاستقرار في لك أي ثابت لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالا من الكاف ~~والعامل معنى الاستقرار في الظرف المذكور لاعتماده على ما هو مبتدأ معنى لا ~~بقوله تعالى «أن تقول لا مساس» لمكان أي أن ثابت لك كائنا في الحياة أي مدة ~~حياتك أن تفارقهم ms2176 مفارقة كلية لكن لا بحسب الاختيار بموجب التكليف بل بحسب ~~الاضطرار الملجئ إليها وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام لا يكاد يمس أحدا أو ~~بمسه أحد كائنا من كان إلا حما من ساعته حمى شديدة فتحامى الناس وتحاموه ~~وكان يصيح بأقصى طوقه لا مساس وحرم عليهم ملاقاته ومواجهته ومكالمته ~~ومبايعته وغيرها مما يعتاد جريانه فيما بين الناس من المعاملات وصار بين ~~الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم ومن الوحش النافر في البرية ويقال ~~إن قومه باق فيهم تلك الحالة إلى اليوم وقرئ لا مساس كفجار وهو علم للمسة ~~ولعل السر في مقابلة جنايته بتلك العقوبة خاصة ما بينهما من مناسة التضاد ~~فإنه لما أنشأ الفتنة بما كانت ملابسته سببا لحياة الموات عوقب مما يضاده ~~حيث جعلت ملابسته سببا للحمى التي هي من أسباب موت الأحياء «وإن لك موعدا» ~~أي في الآخرة «لن تخلفه» اي لن يخلفك الله ذلك الوعد بل ينجزه لك البتة بعد ~~ما عاقبك في الدنيا وقرئ بكسر اللام والأظهر أنه من أخلفت الموعد أي وجدته ~~خلفا وقرئ PageV06P039 # بالنون على حكاية قوله عز وجل «وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا» أي ~~ظللت مقيما على عبادته فحذفت اللام الأولى تخفيفا وقرئ بكسر الظاء بنقل ~~حركة اللام إليها «لنحرقنه» جواب قسم محذوف أي بالنار ويؤيده قراءة لنحرقنه ~~من الإحراق وقيل بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد ويعضده ~~قراءة لنحرقنه «ثم لننسفنه» أي لنذرينه وقرئ بضم السين «في اليم» رمادا أو ~~مبرودا كأنه هباء «نسفا» بحيث لا يبقى منه عين ولا اثر ولقد فعل عليه ~~السلام ذلك كله يشهد به الأمر بالنظر وإنما لم يصرح به تنبيها على كمال ~~ظهوره واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين «إنما إلهكم الله» استئناف ~~مسوق لتحقيق الحق إثر إبطال الباطل بتلوين الخطاب وتوجيه إلى الكل أي إنما ~~معبودكم المستحق للعبادة الله «الذي لا إله» في الوجود لشيء من الأشياء ~~«إلا هو» وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء بوجه ms2177 من الوجوه التي من ~~جملتها أحكام الألوهية وقرئ الله لا إله إلا هو الرحمن رب العرش وقوله ~~تعالى «وسع كل شيء علما» اي وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم بدل من الصلة ~~كأنه قيل إنما إلهكم الله الذي وسع كل شيء علما لا غيره كائنا ما كان فيدخل ~~فيه العجل دخولا أوليا وقرئ وسع بالتشديد فيكون انتصاب علما على المفعولية ~~لأنه على القراءة الأولى فاعل حقيقة وبنقل الفعل إلى التعدية إلى المفعولين ~~صار الفاعل مفعولا أول كأنه قيل وسع علمه كل شيء وبه تم حديث موسى عليه ~~السلام المذكور لتقرير أمر التوحيد حسبما نطقت به خاتمته وقوله تعالى «كذلك ~~نقص عليك» كلام مستأنف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الوعد ~~الجميل بتنزيل أمثال ما مر من أنباء الأمم السالفة وذلك إشارة إلى اقتصاص ~~حديث موسى عليه السلام وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته وبعد ~~منزلته في الفضل ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر مقدر أي نقص عليك «من ~~أنباء ما قد سبق» من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية قصا مثل ~~ذلك القص المار والتقديم للقصر المفيد لزيادة التعيين ومن في قوله تعالى من ~~أنباء في حيز النصب إما على أنه مفعول نقص باعتبار مضمونه وإما على أنه ~~متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول كما في قوله تعالى ومنا دون ذلك أي جمع دون ~~ذلك والمعنى نقص عليك بعض من أنباء ما قد سبق أو بعضا كائنا من أنباء ما قد ~~سبق وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى ومن الناس من يقول الخ وتأخيره عن ~~عليك لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أي مثل ذلك ~~القص البديع الذي سمعته نقص عليك ما ذكر من الأنباء لا قصا ناقصا عنه تبصرة ~~لك وتوفير لعلمك وتكثيرا لمعجزاتك وتذكر للمستبصرين من أمتك «وقد آتيناك من ~~لدنا ذكرا» أي كتابا منطويا على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقا بالتفكر ~~والاعتبار وكلمة من متعلقة بآتيناك وتنكير ذكر ms2178 للتفخيم وتأخيره عن الجار ~~والمجرور لما أن مرجع الإفادة في الجملة كون المؤتى من لدنه تعالى ذكرا ~~عظيما وقرآنا كريما جامعا لكل كمال لا كون ذلك الذكر مؤتى من لدنه عز وجل ~~مع ما فيه من نوع طول بما بعده من PageV06P040 # الصفة فتقديمه يذهب برونق النظم الكريم «من أعرض عنه» عن ذلك الذكر ~~العظيم الشأن المستتبع لسعادة الدارين وقيل عن الله عز وجل ومن إما شرطية ~~أو موصولة وأيا ما كانت فالجملة صفة لذكرا «فإنه» أي المعرض عنه «يحمل يوم ~~القيامة وزرا» أي عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه وتسميتها وزرا ~~إما لتشبيهها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح ~~الحامل وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم والأول هو الأنسب بما ~~سيأتي من تسميتها حملا وقوله تعالى «خالدين فيه» أي في الوزر أو في احتماله ~~المستمر حال من المستكن في يحمل والجمع بالنظر إلى معنى من لما أن الخلود ~~في النار مما يتحقق حال اجتماع أهلها كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر ~~الثلاثة بالنظر إلى لفظها «وساء لهم يوم القيامة حملا» أي بئس لهم ففيه ~~ضمير مبهم يفسره حملا والمخصوص بالذم محذوف اي ساء حملا وزرهم واللام ~~للبيان كما في هيت لك كأنه لما قيل ساء قيل لمن يقال هذا فأجيب لهم وإعادة ~~يوم القيامة لزيادة التقرير وتهويل الأمر «يوم ينفخ في الصور» بدل من يوم ~~القيامة أو منصوب بإضمار اذكر أو ظرف لمضمر قد حذف للإيذان بضيق العبارة عن ~~حصره وبيان حسبما مر في تفسير قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل وقوله تعالى ~~يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا وقرئ ننفخ بالنون على إسناد النفخ إلى ~~الآمر به تعظيما له وبالياء المفتوحة على أن ضميره لله عز وجل أو لإسرافيل ~~عليه السلام وإن لم يجر ذكره لشهرته «ونحشر المجرمين يومئذ» أي يوم إذ ينفخ ~~في الصور وذكره صريحا مع تعين أن الحشر لا يكون إلا يومئذ للتهويل وقرئ ~~ويحشر المجرمون «زرقا» أي حال ms2179 كونهم زرق العيون وإنما جعلوا كذلك لأن ~~الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب فإن الروم الذين كانوا أعدى ~~عدوهم زرق ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد واصهب السبال وازرق العين ~~أو عميا لأن حدقة الأعمى تزرق وقوله تعالى «يتخافتون بينهم» اي يخفضون ~~أصواتهم ويخفونها لما يملأ صدورهم من الرعب والهول استئناف ببيان ما يأتون ~~وما يذرون حينئذ أو حال أخرى من المجرمين أي يقول بعضهم لبعض بطريق ~~المخافتة «إن لبثتم» أي ما لبثتم في الدنيا «إلا عشرا» أي عشر ليال استقصار ~~لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدة الآخرة أو لتأسفهم عليها لما ~~عاينوا الشدائد وأيقنوا انهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع ~~الشهوات أو في القمر وهو الأنسب بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعث الذي كانوا ~~ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك ~~اعترافا به وتحقيقا لسرعة وقوعه كأنهم قالوا قد بعثتم وما لبثتم في القبر ~~إلا مدة يسيرة PageV06P041 # وإلا فحالهم أفظع من أن تمكنهم من الاشتغال بتذكر أيام النعمة والسرور ~~واستقصارها والتأسف عليها «نحن أعلم بما يقولون» وهو مدة لبثهم «إذ يقول ~~أمثلهم طريقة» اي أعد لهم رأيا أو عملا «إن لبثتم إلا يوما» ونسبة هذا ~~القول إلى أمثلهم استرجاع منه تعالى له لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق بل ~~لكونه أدل على شدة الهول «ويسألونك عن الجبال» أي عن مآل أمرها وقد سأل عنه ~~رجل من ثقيف وقيل مشركو مكة على طريق الاستهزاء «فقل ينسفها ربي نسفا» أي ~~يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها والفاء للمسارعة إلى إلزام ~~السائلين «فيذرها» الضمير إما للجبال باعتبار أجزائها السالفة الباقية بعد ~~النسف وهي مقارها ومراكزها أي فيذر ما انبسط منها وساوى سطحه سطوح سائر ~~أجزاء الأرض بعد نسف ما نتأمنها ونشز وإما للأرض المدلول عليها بقرينة ~~الحال لأنها الباقية بعد نسف الجبال وعلى التقديرين يذر الكل «قاعا صفصفا» ~~لأن الجبال إذا سويت وجعل سطحها مساويا لسطوح سائر أجزاء الأرض فقد جعل ms2180 ~~الكل سطحا واحدا والقاع قيل السهل وقيل المنكشف من الأرض وقيل المستوي ~~الصلب منها وقيل مالا نبات فيه ولا بناء والصفصف الأض المستوية الملساء كان ~~أجزاءه صف واحد من كل جهة وانتصاب قاعا على الحالية من الضمير المنصوب أو ~~هو مفعول ثان ليذر على تضمين معنى التصيير وصفصفا إما حال ثانية أو بدل من ~~المفعول الثاني وقوله تعالى «لا ترى فيها» أي في مقار الجبال أو في الأرض ~~على ما مر من التفصيل «عوجا» بكسر العين أي اعوجاجا ما كأنه لغاية خفائه من ~~قبيل ما في المعاني أي لا تدركه إن تأملت بالمقاييس الهندسية «ولا أمتا» أي ~~نتوءا يسيرا استئناف مبين لكيفية ما سبق من القاع الصفصف أو حال أخرى أو ~~صفة لقاعا والخطاب لكل أحد ممن تأتي منه الرؤية وتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ~~ما فيه من طول ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم «يومئذ» أي يوم ~~إذ نسفت الجبال على إضافة اليوم إلى وقت النسف وهو ظرف لقوله تعالى «يتبعون ~~الداعي» وقيل بدل من يوم القيامة وليس بذاك اي يتبع الناس داعي الله عز وجل ~~إلى المحشر وهو إسرافيل عليه السلام يدعو الناس عند النفخة الثانية قائما ~~على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم ~~المتمزقة قومي إلى PageV06P042 # عرض الرحمن فيقبلون من كل أوب إلى صوبه «لا عوج له» لا يعوج له مدعو ولا ~~يعدل عنه «وخشعت الأصوات للرحمن» اي خضعت لهيبته «فلا تسمع إلا همسا» اي ~~صوتا خفيا ومنه الهميس لصوت إخفاف الإبل وقد فسر الهمس بخفق أقدامهم ونقلها ~~إلى المحشر «يومئذ» اي يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة «لا تنفع ~~الشفاعة» من الشعفاء أحدا «إلا من أذن له الرحمن» أن يشفع له «ورضي له ~~قولا» إي ورضي لأجله قول الشافع في شأنه أو رضي قوله لأجله وفي شأنه وأما ~~من عداه فلا تكاد تنفعه وإن فرض صدورها عن الشفعاء ms2181 المتصدين للشفاعة للناس ~~كقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين فالاستثناء كما ترى من أعم المفاعيل ~~وأما كونه استثناء من الشفاعة على معنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن ~~له الرحمن أن يشفع لغيره كما جوزوه فلا سبيل إليه لما أن حكم الشفاعة ممن ~~لم يؤذن له أن لا يملكها ولا تصدر هي عنه أصلا كما في قوله تعالى لا يملكون ~~الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وقوله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~فالإخبار عنها بمجرد عدم نفعها للمشفوع له ربما يوهم إمكان صدورها عمن لم ~~يؤذن له مع إخلاله بمقتضى مقام تهويل اليوم وأما قوله تعالى ولا يقبل منها ~~شفاعة فمعناه عدم الإذن في الشفاعة لا عدم قبولها بعد وقوعها «يعلم ما بين ~~أيديهم» اي ما تقدمهم من الأحوال وقيل من أمر الدنيا «وما خلفهم» وما بعدهم ~~مما يستقبلونه وقيل من امر الآخرة «ولا يحيطون به علما» اي لا تحيط علومهم ~~بمعلوماته تعالى وقيل بذاته اي من حيث اتصافه بصفات الكمال التي من جملتها ~~العلم الشامل وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعها فإنهم لا يعلمون جميع ~~ذلك ولا تفصيل ما علموا منه «وعنت الوجوه للحي القيوم» أي ذلت وخضعت خضوع ~~العتاة أي الأسارى في يد الملك القهار ولعلها وجوه المجرمين كقوله تعالى ~~سيئت وجوه الذين كفورا ويؤيده قوله تعالى «وقد خاب من حمل ظلما» قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما خسر من اشرك بالله ولم يتب وهو استئناف لبيان ما لأجله ~~عنت وجوههم أو اعتراض كأنه قيل خابوا وخسروا وقيل حال من الوجوه ومن عبارة ~~عنها مغنية عن ضميرها وقيل الوجوه على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل ~~منهم ظلما فقوله تعالى «ومن يعمل من الصالحات» الخ قسم لقوله تعالى وقد خاب ~~من حمل ظلما لا لقوله تعالى وعنت الوجوه الخ كما أنه كذلك على الوجه الأول ~~أي ومن يعمل بعض الصالحات أو بعضا من الصالحات على أحد الوجهين المذكورين ~~في تفسير قوله تعالى من أنباء ms2182 ما قد سبق «وهو مؤمن» فإن الإيمان شرط في صحة ~~الطاعات وقبول الحسنات «فلا يخاف ظلما» اي منع ثواب مستحق بموجب الوعد «ولا ~~PageV06P043 # هضما» ولا كسرا منه ينقص أو لا يخاف جزاء ظلم وهضم إذا لم يصدر عنه ظلم ~~ولا هضم حتى يخافهما وقرئ فلا يخف على النهي «وكذلك» عطف على كذلك نقص وذلك ~~إشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبثة عما سيقع من ~~أحوال القيامة وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال «أنزلناه» اي القرآن كله ~~وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزا في العقول حاضرا ~~في الأذهان «قرآنا عربيا» ليفهمه العرب ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز ~~الدال على كونه خارجا عن طوق البشر نازلا من عند خلاق القوى والقدر «وصرفنا ~~فيه من الوعيد» اي كررنا فيه بعض الوعيد أو بعضا من الوعيد حسبما أشير إليه ~~آنفا «لعلهم يتقون» أي كي يتقو الكفر والمعاصي بالفعل «أو يحدث لهم ذكرا» ~~اتعاظا واعتبارا مؤديا بالآخرة إلى الاتقاء «فتعالى الله» استعظام له تعالى ~~ولشئونه التي يصرف عليها عباده من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد وغير ~~ذلك اي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله ~~وأحواله «الملك» النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده ~~«الحق» في ملكوته وألوهيته لذاته أو الثابت في ذاته وصفاته «ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك» أي يتم «وحيه» كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا ألقى إليه جبريل عليه السلام الوحي يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل ~~كلمة لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ فنهى عن ذلك إثر ذكر الإنزال بطريق ~~الاستطراد لما أن استقرار الألفاظ في الأذهان تابع لاستقرار معانيها فيها ~~وربما يشغل التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها وامر باستفاضة العلم واستزادته ~~منه تعالى فقيل «وقل» أي في نفسك «رب زدني علما» أي سل الله عز وجل زيادة ~~العلم فإنه الموصل إلى طلبتك دون الاستعجال وقيل أنه نهى عن تبليغ ما كان ~~مجملا قبل أن ms2183 يأتي بيانه وليس بذلك فإن تبليغ المجمل وتلاوته قبل البيان ~~مما لا ريب في صحته ومشروعيته «ولقد عهدنا إلى آدم» كلام مستأنف مسوق ~~لتقرير ما سبق من تصريف الوعيد في القرآن وبيان ان أساس بني آدم على ~~العصيان وعرقه راسخ في النسيان مع ما فيه من إنجاز الموعود في قوله تعالى ~~كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق يقال عهد إليه الملك وعزم عليه وتقدم ~~إليه إذا امره ووصاه والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده واللام جواب قسم ~~محذوف أي واقسم أو وبالله أو تالله لقد أمرناه ووصيناه «من قبل» اي من قبل ~~هذا الزمان «فنسي» أي العهد ولم يعتن به حتى غفل عنه أو تركه ترك المسي عنه ~~وقرئ فنسي أي نساه الشيطان «ولم نجد له عزما» PageV06P044 # تصميم رأي وثبات قدم في المور إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطان ولما ~~استطاع أن يغره وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره من قبل أن يجرب ~~الأمور ويتولى حارها وقارها ويذوق شريها وأريها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله تعالى ولم نجد ~~له عزما وقيل عزما على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمد وقوله تعالى ولم نجد إن ~~كان من الوجود العلمي فله عزما مفعولا قدم الثاني على الأول لكونه ظرفا وإن ~~كان من الوجود المقابل للعدم وهو الأنسب لأن مصب الفائدة هو المفعول وليس ~~في الإخبار بكون العزم المعدوم له مزيد مزية فله متعلق به قدم على مفعوله ~~لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوف هو حال من ~~مفعوله المنكر كأنه قيل ولم نصادف له عزما وقوله تعالى «وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم» شروع في بيان المعود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه وإذ ~~منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي واذكر وقت ~~قولنا لهم وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث ms2184 ~~لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها فإن الوقت مشتمل على تفاصيل ~~الأمور الواقعة فيه فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق ~~البرهاني ولأن الوقت مشتمل على أعيان الحوادث فإذا ذكر صارت الحوادث كأنها ~~موجودة في ذهن المخاطب بوجوداتها لعينية اي اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ~~ومنه حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه «فسجدوا إلا إبليس» قد سبق الكلام ~~فيه مرارا «أبى» جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن الإخبار بعدم ~~سجوده كأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل أبى واستكبر ومفعول أبى إما محذوف اي ~~أبى السجود كما قوله تعالى أبى أن يكون مع الساجدين أو غير منوي رأسا ~~بتنزيله منزلة اللازم اي فعل الإباء واظهره «فقلنا» عقيب ذلك اعتناء بنصحه ~~«يا آدم إن هذا» الذي رايت ما فعل «عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما» اي لا ~~يكونن سببا لإخراجكما (من الجنة) والمراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يستبب ~~الشيطان إلى إخراجهما منها بالطريق البرهاني كما في قولك لا ارينك ههنا ~~والفاء لترتيب موجب النهي على عداوته لهما أو على الإخبار بها فتشقى جواب ~~للنهي وإسناد الشقاء إليه خاصة بعد تعليق الإخراج الموجب له بهما معا ~~لأصالته في الأمور واستلزام شقائه لشقائها مع ما فيه من مراعاة الفواصل ~~وقيل المراد بالشقاء التعب في تحصيل مبادئ المعاش وذلك من وظائف الرجال «إن ~~لك ألا تجوع فيها ولا تعرى» «وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى» تعليل لما يوجبه ~~النهي فإن اجتماع أسباب الراحة فيها مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل ~~PageV06P045 # مبادئ البقاء فيها والجد في الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها والعدول ~~عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعما بفنون النعم من المآكل والمشارب ~~وتمتعا بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية مع أن فيه من الترغيب في ~~البقاء فيها ما لا يخفى إلى ما ذكر من نفي نقائضها التي هي الجوع والعطش ~~والعري والضحى لتذكير تلك الأمور المنكرة والتنبيه على ما فيها من أنواع ~~الشقوة التي ms2185 حذره عنها ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها على أن ~~الترغيب قد حصل بما سوغ له من التمتع بجميع ما فيها سوى ما استثنى من ~~الشجرة حسبما نطق به قوله تعالى ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ~~رغدا حيث شئتما وقد طوى ذكره ههنا اكتفاء بما ذكر في موضع آخر واقتصر على ~~ما ذكر من الترغيب المتضمن الترهيب ومعنى أن لا تجوع فيها الخ أن لا يصيبه ~~شيء من الأمور الأربعة أصلا فغن الشبع والري والكسوة والكن قد تحصل بعد ~~عروض أضدادها بإعواز الطعام والشراب واللباس والمسكن وليس الأمر فيها كذلك ~~بل كل ما وقع فيها شهوة وميل إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن ~~يصل إلى حد الضرورة ووجه إفراده عليه السلام بما ذكر ما مر آنفا وفصل الظمأ ~~عن الجوع في الذكر مع تجانسهما وتقارنهما في الذكر عادة وكذا حال العري ~~والضحو المتجانسين لتوفيه مقام الامتنان حقه بالإشارة إلى أن نفي كل واحد ~~من تلك الأمور نعمة على حيالها ولو جمع بين الجوع والظمأ لربما توهم أن ~~نفيهما نعمة واحدة وكذا الحال في الجمع بين العري والضحو على منهاج قصة ~~البقرة ولزيادة التقرير بالتنبيه على أن نفي كل واحد من الأمور المذكورة ~~مقصوده بالذات مذكور بالإصالة لا أن نفي بعضها مذكورة بطريق والتبعية لنفي ~~بعض آخر كما عسى يتوهم لو جمع بين كل من المتجانسين وقرىء إنك بالكسر ~~والجمهور على الفتح بالعطف على أن لا تجوع وصحة وقوع الجملة بأن المفتوحة ~~اسما للمكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيق مع امتناع وقوعها خبرا لها ~~لما أن المحذور اجتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة لا اجتماع فيما نحن فيه ~~لاختلاف مناط التحقيق فيما في حيز هما بخلاف ما لو وقعت خبرا لها فإن اتحاد ~~المناط حينئذ مما لا ريب فيه بيانه أن كل واحد من المكسورة والمفتوحة ~~موضوعة لتحقيق مضمون الجملة الخبرية المنعقدة من اسمها وخبرها ولا يخفى أن ~~مرجع خبريتها ما فيها من ms2186 الحكم الإيجابي أو السلبي وأن مناط ذلك الحكم خرها ~~لا اسمها فمدلول كل منهما تحقيق ثبوت خبرها لا سمها لا ثبوت اسمها في نفسها ~~فاللازم من وقوع الجملة المصدرة بالمفتوحة اسما للمكسورة تحقيق ثبوت خبرها ~~لتلك الجملة المؤولة بالمصدر وأما تحقيق ثبوتها في نفسها فهو مدلول ~~المفتوحة حتما فلم يلزم اجتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعا وإنما لم ~~يجوزوا أن يقال إن أن زيدا قائم حق مع اختلاف المناط بل شرطوا الفصل بالخبر ~~كقولنا إن عندي أن زيادا قائم للتجافي عن صورة الاجتماع والواو العاطفة وإن ~~كانت نائبة عن المكسورة التي يمتنع دخولها على المفتوحة بلا فصل وقائمة ~~مقامها في إفضاء معناها وإجراء أحكامها على مدخولها لكنها حيث لم تكن حرفا ~~موضوعا للتحقيق لم يلزم من دخولها على المفتوحة اجتماع حرفي التحقيق أصلا ~~فالمعنى إن لك عدم الجوع وعدم العري وعدم الظمأ خلا أنه لم يقتصر على بيان ~~أن الثابت له عليه السلام عدم الظمأ والضحو مطلقا كما فعل مثله في المعطوف ~~عليه بل قصد بيان أن الثابت له عليه السلام تحقيق عدمها فوضع موضع الحرف ~~المصدري PageV06P046 # المحض أن المفيدة له كأنه قيل إن لك فيها عدم ظمئك على التحقيق «فوسوس ~~إليه الشيطان» أي أنهى إليه وسوسته أو أسرها إليه «قال» إما بدل من وسوس أن ~~استئناف وقع وجوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل فماذا قال في وسوسته فقيل قال ~~«يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد» أي شجرة من أكل منها خلد ولم يمت أصلا ~~سواء كان على حاله أو بأن يكون ملكا لقوله تعالى إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين «وملك لا يبلى» أي لا يزول ولا يختل بوجه من الوجوه ~~«فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما» قال ابن عباس رضي الله عنهما عريا عن النور ~~الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجهما «وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة» قد مر تفسيره في سورة الأعراف «وعصى آدم ربه» بما ذكر من أكل الشجرة ~~«فغوى» ms2187 ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اغتر ~~بقول العدو العدو وقرئ فغوى من غوى الفصيل إذا اتخم من اللبن وفي وصفه عليه ~~السلام بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم لها وزجر بليغ لأولاده عن ~~أمثالها «ثم اجتباه ربه» أي اصطفاه وقربه إليه بالجمل على التوبة والتوفيق ~~لها من اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه كقولك اجتمعته أو من جبى إلى ~~كذا فاجتبيته مثل جليب على العروس فاجتليتها وأصل الكلمة الجمع وفي التعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام مزيد تشريف له عليه ~~السلام «فتاب عليه» أي قبل توبته حين تاب هو وزوجته قائلين ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وإفراده عليه السلام ~~بالاجتباء وقبول التوبة قد مر وجهه «وهدى» أي إلى الثبات على التوبة ~~والتمسك بأسباب العصمة «قال» استئناف مبنى على السؤال نشأ من الإخبار بأنه ~~تعالى قبل توبته وهداه كأنه قيل فماذا أمره تعالى بعد ذلك فقيل قال له ~~ولزوجته «اهبطا منها جميعا» أي انزلا من الجنة إلى الأرض وقوله تعالى ~~«بعضكم لبعض عدو» حال من ضمير المخاطب في اهبطا والجمع لما أنهما أصل ~~الذرية ومنشأ الأولاد أي متعادين في أمر المعاش كما علي الناس من التجاذب ~~والتحارب «فإما يأتينكم مني هدى» من كتاب ورسول «فمن اتبع هداي» وضع الظاهر ~~موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه ~~«فلا يضل» في الدنيا «ولا يشقى» في الآخرة PageV06P047 # «ومن أعرض عن ذكري» أي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى «فأن له» في ~~الدنيا «معيشة ضنكا» ضيقا مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث وقرئ ~~ضنكى كسكرى وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره مقصورة على أعراض الدنيا وهو ~~متهالك على ازديادها وخائف من انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه ~~قد يضيق الله بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالى وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وقال تعالى ولو أن أهل القرى ms2188 آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض وقوله تعالى ولو أن أهل الكتاب آمنوا إلى قوله ~~تعالى لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم وقيل هو الضريع والزقوم في النار ~~وقيل عذاب القبر «ونحشره» وقرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف والجزم عطفا على ~~محل فإن له معيشة ضنكا لأنه جواب الشرط «يوم القيامة أعمى» فاقد البصر كما ~~في قوله تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما لا أعمى عن ~~الحجة كما قيل «قال» استئناف كما مر «رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا» أي ~~في الدنيا وقرئ أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط لكونه جديرا ~~بالتغيير لكونه رأس الآية ومحل الوقف «قال كذلك» أي مثل ذلك فعلت أنت ثم ~~فسره بقوله تعالى « أتتك آياتنا» واضحة نيرة بحيث لا تخفى على أحد ~~«فنسيتها» أي عميت عنها وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر أصلا «وكذلك» ومثل ~~ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا «اليوم تنسى» تترك في العمى والعذاب ~~جزاء وفاقا لكن لا أبدا كما قيل بل إلى ما شاء الله ثم يزيله عنه فيرى ~~أهوال القيامة ويشاهد مقعده من النار ويكون ذلك له عذابا فوق العذاب وكذا ~~البكم والصمم يزيلهما الله تعالى عنهم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا «وكذلك» ~~أي مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية «نجزي من أسرف» بالانهماك في الشهوات ~~«ولم يؤمن بآيات ربه» بل كذبها وأعرض عنها «ولعذاب الآخرة» على الإطلاق أو ~~عذاب النار «أشد وأبقى» أي من ضنك العيش أو منه ومن الحشر على العمى «أفلم ~~يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون» كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من ~~قوله تعالى وكذلك نجزي الآية والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام واستعمال الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللام فلا ~~حاجة PageV06P048 # إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبيين والمفعول محذوف وأيا ما كان فالفاعل ~~هو الجملة بمضمونها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين لرسوله الله صلى ~~الله عليه وسلم والمعنى أغفلوا فلم يفعل الهداية لهم ms2189 أو فلم يبين لهم مآل ~~أمرهم كثرة أهلا كنا للقرون الأولى وقد مر في قوله عز وجل أو لم يهد للذين ~~يرثون الأرض من بعد أهلها الآية وقيل الفاعل الضمير العائد إلى الله عز وجل ~~ويؤيده القراءة بنون العظمة وقوله تعالى كم أهلكنا الخ إما معلق للفعل ساد ~~مسد مفعوله أو مفسر لمفعوله المحذوف هكذا قيل والأوجه أن لا يلاحظ له مفعول ~~كأنه قيل أفلم يفعل الله تعالى لهم الهداية ثم قيل بطريق الالتفات كم ~~أهلكنا الخ بيانا لتلك الهداية ومن القرون في محل النصب على أنه وصف ~~لمميزكم أي كم قرنا كائنا من القرون وقوله تعالى «يمشون في مساكنهم» حال من ~~القرون أو من مفعول أهلكنا أي أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم أو ~~من الضمير في لهم مؤكد للإنكار والعامل يهد والمعنى أفلم يهد لهم إهلاكنا ~~للقرون السالفة من أصحاب الحجر وثمود وقريات قوم لوط حال كونهم ماشين في ~~مساكنهم إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكهم مع أن ذلك مما يوجب أن ~~يهتدوا إلى الحق فيعتبروا لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك وقرئ يمشون على ~~البناء للمفعول أي يمكنون من المشي «إن في ذلك» تعليل للإنكار وتقرير ~~للهداية مع عدم اهتدائهم وذلك إشارة إلى مضمون قوله تعالى كم أهلكنا ألخ ~~وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو شأنه في بابه «لآيات» ~~كثيرة عظيمة واضحات الهداية ظاهرات الدلالة على الحق فإذن هو هادوا إيما ~~هاد ويجوز أن تكون كلمة في تجريدية فافهم «لأولي النهى» لذوي العقول ~~الناهية عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات ~~الله تعالى والتعامى عنها وغير ذلك من فنون المعاصي وفيه دلالة على أن ~~مضمون الجملة هو الفاعل لا المفعول وقوله تعالى «ولولا كلمة سبقت من ربك» ~~كلام مستأنف سيق لبيان حكمة عدم وقوع ما يشعر به قوله تعالى أفلم يهد لهم ~~الآية من أن يصيبهم مثل ما أصاب القرون المهلكة أي ولولا الكلمة السابقة ms2190 ~~وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة لحكمة تقتضيه ومصلحة تستدعيه ~~«لكان» عقاب جناياتهم «لزاما» أي لازما لهؤلاء الكفرة بحيث لا يتأخر عن ~~جناياتهم ساعة لزوم ما نزل بأولئك العابرين وفي التعرض لعنوان الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره عليه السلام تلويح بان ذلك لتأخير لتشريفه عليه السلام ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم واللزام إما مصدر ~~لازم وصف به مبالغة وإما فعال بمعنى مفعل جعل آلة اللزوم لفرط لزومه كما ~~يقال لزاز خصم «وأجل مسمى» عطف على كلمة أي ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو ~~لعذابهم وهو يوم القيامة ويوم بدر لما تأخر عذابهم أصلا وفصله عما عطف عليه ~~للمسارعة إلى بيان جواب لولا وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب ~~ومراعاة فواصل الآي الكريمة وقد جوز عطفه على المستكن في كان العائد إلى ~~الأخذ العاجل المفهوم من السياق تنزيلا للفصل بالخبر منزلة التأكيد اي لكان ~~الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كدأب عاد وثمود PageV06P049 # وأضرابهم ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل «فاصبر على ما يقولون» ~~أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال وانه ~~لازم لهم البتة فاصبر على ما يقولون من كلمات الكفر فإن علمه عليه السلام ~~بأنهم معذبون لا محالة مما يسليه ويحمله على الصبر «وسبح» ملتبسا «بحمد ~~ربك» أي صل وأنت حامد لربك الذي يبلغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقه أو ~~نزهه تعالى عما ينسبونه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيع حامدا له على ما ~~ميزك بالهدى معترفا بأنه مولى النعم كلها والأول هو الأظهر المناسب لقوله ~~تعالى «قبل طلوع الشمس» الخ فإن توقيت التنزيه غير معهود فالمراد صلاة ~~الفجر «وقبل غروبها» يعني صلاتي الظهر والعصر لأنهما قبل غروبها بعد زوالها ~~وجمعها لمناسبة قوله تعالى قبل طلوع الشمس وقبل صلاة العصر «ومن آناء ~~الليل» اي من ساعاته جمع إني بالكسر والقصر وأناء بالفتح والمد «فسبح» أي ~~فصل والمراد به المغرب والعشاء وتقديم الوقت ms2191 فيهما لاختصاصهما بمزيد الفضل ~~فإن القلب فيهما أجمع والنفس إلى الاستراحة أميل فتكون العبادة فيهما أشق ~~ولذلك قال تعالى إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا «وأطراف النهار» ~~تكرير لصلاة الفجر والمغرب إيذانا باختصاصهما بمزيد مزية ومجيئه بلفظ الجمع ~~لأمن من الإلباس كقول من قال ظهراهما مثل ظهور الترسين أو أمر بصلاة الظهر ~~فإنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الأخير وجمعه باعتبار ~~النصفين أو لأن النهار جنس أو أمر بالتطوع في أجزاء النهار «لعلك ترضى» ~~متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك ~~وقرئ ترضى على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يرضيك ربك «ولا تمدن عينيك» ~~اي لا تطل نظر هما بطريق الرغبة والميل «إلى ما متعنا به» من زخارف الدنيا ~~وقوله تعالى «أزواجا منهم» أي أصناما من الكفرة مفعول متعنا قدم عليه الجار ~~والمجرور للاعتناء به أو هو حال من الضمير والمفعول منهم أي إلى الذي متعنا ~~به وهو أصناف وأنواع بعضهم على أنه معنى من التبعيضية أو بعضا منهم على حذف ~~الموصوف كما مر مرارا «زهرة الحياة الدنيا» منصوب بمحذوف يدل عليه متعنا أي ~~أعطينا أو به على تضمين معناه أو بالبدلية من محل به أومن أزواجا بتقدير ~~مضاف أو بدونه أو بالذم وهي الزينة والبهجة وقرئ زهرة بفتح الهاء وهي لغة ~~كالجهرة في الجهرة أو جمع زاهر وصف لهم بأنهم زاهر والدنيا لتنعمهم وبهاء ~~زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهاد «لنفتنهم فيه» متعلق بمتعنا جيء به ~~للتنفير عنه ببيان سوء عاقبته مآلا إثر إظهار بهجته حالا أي لنعاملهم ~~معاملة من يبتليهم ويختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه «ورزق ربك» أي ~~ما ادخر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى «خير» مما ~~منحهم في الدنيا لأنه مع كونه PageV06P050 # في نفسه أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة بخلاف ما منحوه ~~«وأبقى» فإنه لا يكاد ينقطع نفسه أو أثره أبدا كما عليه ms2192 زهرة الدينا «وأمر ~~أهلك بالصلاة» أمر صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أهل بيته أو التابعين له من ~~أمته بالصلاة بعد ما أمر هو بها ليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم ولا ~~يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة «واصطبر عليها» وثابر ~~عليها غير غير مشتغل بأمر المعاش «لا نسألك رزقا» أي لا نكلفك أن ترزق نفسك ~~ولا أهلك «نحن نرزقك» وإياهم ففرغ بالك بأمر الآخرة «والعاقبة» الحميدة ~~«للتقوى» أي لأهل التقوى على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تنبيها ~~على أن ملاك الأمر هو التقوى روى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ~~ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية «وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه» حكاية ~~لبعض أقاويلهم الباطلة التي أمر صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها أي هلا ~~يأتينا بآية تدل على صدقه في دعوى النبوة أو أية مما اقترحوها بلغوا من ~~المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخر لها صم ~~الجبال من قبيل الآيات حتى اجترءوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء وقوله ~~تعالى «أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى» أي التوراة والإنجيل وسائر ~~الكتب السماوية رد من جهته عز وعلا لمقالتهم القبيحة وتكذيب لهم دسوا تحتها ~~من إنكار إتيان الآية بإتيان القرآن الكريم الذي هو أم الآيات وأس المعجزات ~~وأعظمها فيما وأبقاها لأن حقيقة المعجزة اختصاص مدعى النبوة بنوع من الأمور ~~الخارقة للعادات أي أمر كان ولا ريب في أن العلم أجل الأمور وأعلاها إذ هو ~~أصل الأعمال ومبدأ الأفعال ولقد ظهر مع حيازته لجميع علوم الأولين والآخرين ~~على يد أمي لم يمارس شيئا من العلوم ولم يدارس أحدا من أهلها أصلا فأي ~~معجزة تراد بعد وروده وأي آية ترام مع وجوده وفي إيراده بعنوان كونه بينة ~~لما في الصحف الأولى من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية أي شاهدا ~~بحقية ما فيها من العقائد الحقة وأصول الأحكام التي أجمعت عليها كافة الرسل ~~وبصحة ما تنطق به من أنباء ms2193 الأمم من حيث إنه غنى بإعجازه عما يشهد بحقيته ~~حقيق بإثبات حقية غيره مالا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه ومزيد تقرير ~~وتحقيق لإتيانه وإسناد الإتيان إليه مع جعلهم إياه مأتيا به للتنبيه على ~~أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة والهمزة لإنكار الوقوع والواو ~~للعطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل ألم تأتهم سائر الآيات ولم تأتهم ~~خاصة بينة ما في الصحف الأولى تقريرا لإتيانه وإيذانا بأنه من الوضوح بحيث ~~لا يتأتى منهم إنكاره أصلا وإن اجترءوا على إنكار سائر الآيات مكابرة ~~وعنادا وقرئ أو لم يأتهم بالياء التحتانية وقرئ الصحف بالسكون تخفيفا وقوله ~~تعالى «ولو أنا PageV06P051 # أهلكناهم بعذاب» إلى آخر الآية جملة مستأنفة سيقت لتقرير ما قبلها من كون ~~القرآن آية بينة لا يمكن إنكارها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة ~~والمعنى لو أنا أهلكناهم في الدينا بعذاب مستأصل «من قبله» متعلق بأهلكنا ~~أو بمحذوف هو صفة لعذاب أي بعذاب كائن من قبل إتيان البينة أو من قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم «لقالوا» أي يوم القيامة «ربنا لولا أرسلت إلينا» في ~~الدنيا «رسولا» مع كتاب «فنتبع آياتك» التي جاءنا بها «من قبل أن نذل» ~~بالعذاب في الدنيا «ونخزى» بدخول النار اليوم اليوم ولكنا لم نهلكهم قبل ~~إتيانها فانقطعت معذرتهم فعند ذلك قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء «قل» لأولئك الكفرة المتمردين «كل» أي كل واحد منا ومنكم ~~«متربص» منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم «فتربصوا» وقرئ فتمتعوا ~~«فستعلمون» عن قريب «من أصحاب الصراط السوي» أي المستقيم وقرئ السواء أي ~~الوسط الجيد وقرئ السوء والسوءى والسوى تصغير السوء «ومن اهتدى» من الضلالة ~~ومن في الموضعين استفهامية محلها الرفع بالابتداء خبرها وما بعدها والجملة ~~سادة مسد مفعولى العلم أو مفعوله ويجوز كون الثانية موصولة بخلاف الأولى ~~لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة الإستفهامية المعلق عنها الفعل ~~على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط وقيل العائد في ~~الأولى ms2194 محذوف والتقدير من هم أصحاب الصراط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ سورة طه أعطى يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار وقال لا يقرأ أهل ~~الجنة من القرآن إلا سورة طه ويس PageV06P052 # سورة الأنبياء مكية وآياتها مائة واثنتا عشرة آية 1 «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» «اقترب للناس حسابهم» مناسبة هذه الفاتحة الكريمة لما قبلها من ~~الخاتمة الشريفة غنية عن البيان قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بالناس ~~المشركون وهو الذي يفصح عنه ما بعده والمراد باقتراب حسابهم اقترابه في ضمن ~~اقتراب الساعة وإسناد الاقتراب إليه لا إلى الساعة مع استتباعها له ولسائر ~~ما فيها من الأحوال والأهوال الفظيعة لانسياق الكلام إلى بيان غفلتهم عنه ~~وإعراضهم عما يذكرهم ذلك واللام متعلقة بالفعل وتقديمها على الفاعل ~~للمسارعة إلى إدخال الروعة فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما ~~يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا من المقترب كما أن تقديم الجار والمجرور على ~~المفعول الصريح في قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض لتعجيل المسرة ~~لما أن بيان كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة فيما خلق لهم ~~وشوقا إليه وجعلها تأكيدا للإضافة على أن الأصل المتعارف فيما بين الأوساط ~~اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم مع أنه تعسف ~~تام بمعزل عما يقتضيه المقام وإنما الذي يستدعيه حسن النظام ما قدمناه ~~والمعنى دنا منهم حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب وفي إسناد الاقتراب ~~المنبىء عن التوجه نحوهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يعتبر التوجه ~~والإقبال من جهتهم نحوه من تفخيم شأنه وتهويل أمره مالا يخفى لما فيه من ~~تصويره بصورة شيء مقبل عليهم لا يزال يطالبهم ويصيبهم لا محالة ومعنى ~~اقترابه لهم تقاربه ودنوه منهم بعد بعده عنهم فإنه في كل ساعة من ساعات ~~الزمان أقرب إليهم منه في الساعة السابقة هذا وأما الاعتذار بان قربه ~~بالإضافة إلى ما مضى من الزمان أو بالنسبة إلى الله عز وجل أو باعتبار أن ~~كل آت قريب ms2195 فلا تعلق له بما نحن فيه من الاقتراب المستفاد من صيغة الماضي ~~ولا حاجة إليه في تحقيق أصل معناه نعم قد يفهم عنه عرفا كونه قريبا في نفسه ~~أيضا فيصار حينئذ إلى التوجيه بالوجه الأول دون الأخرين أما الثاني فلا ~~سبيل إلى اعتباره ههنا لأن قربه بالنسبة إليه تعالى مما لا يتصور فيه ~~التجدد والتفاوت حتما وإنما اعتباره في قوله تعالى لعل الساعة قريب ونظائره ~~مما لا دلالة فيه على الحدوث وأما الثالث فلا دلالة فيه على الحدوث وأما ~~الثالث فلا دلالة فيه على القرب حقيقة ولو بالنسبة إلى شيء آخر «وهم في ~~غفلة» أي في غفلة تامة منه ساهون عنه بالمرة لا أنهم غير مبالين به مع ~~اعترافهم بإتيانه بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء عقولهم أن الأعمال لا ~~بد لها من الجزاء «معرضون» أي عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة ~~وهما خبران للضمير وحيث كانت PageV06P053 # الغفلة أمرا جبليا لهم جعل الخبر الأول ظرفا منبئا عن الاستقرار بخلاف ~~الإعراض والجملة حال من الناس وقد جوز كون الظرف حالا من المستكن في معرضون ~~«ما يأتيهم من ذكر» من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم ذلك أكمل تذكير ~~وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر ومن في قوله تعالى «من ربهم» ~~لابتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر وأياما كان ~~ففيه دلالة على فضله وشرفه وكمال شناعة ما فعلوا به والتعرض لعنوان ~~الربوبية لتشديد التشنيع «محدث» بالجر صفة لذكر وقرئ بالرفع حملا على محله ~~أي محدث تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة وقوله تعالى «إلا استمعوه» استثناء مفرغ ~~محله النصب على أنه حال من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف ~~المشهور وقوله تعالى «وهم يلعبون» حال من فاعل استمعوه وقوله تعالى «لاهية ~~قلوبهم» إما حال أخرى منه أومن واو يلعبون والمعنى ما يأتيهم ذكر من ربهم ~~محدث في حال من الأحوال إلا حال استماعهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين ~~عنه أو لاعبين به حال كون ms2196 قلوبهم لاهية عنه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن ~~النظر في الأمور والتفكر في العواقب وقرئ لاهية بالفرع على أنه خبر بعد خبر ~~«وأسروا النجوى» كلام مستأنف مسوق لبيان جناياتهم خاصة إثر حكاية جناياتهم ~~المعتادة والنجوى اسم من التناجي ومعنى إسرارها مع أنها لا تكون إلا سرا ~~أنهم بالغوا في إخفائها أو أسروا نفس التناجي بحيث لم يشعر أحد بأنهم ~~متناجون وقوله تعالى «الذين ظلموا» بدل من واو أسروا منبىء عن كونهم ~~موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو هو مبتدأ خبره أسروا النجوى قدم ~~عليه اهتماما به والمعنى هم أسروا النجوى فوضع الموصول موضع الضمير تسجيلا ~~على فعلهم بكونه ظلما أو منصوب على الذم وقوله تعالى «هل هذا إلا بشر ~~مثلكم» الخ في حيز النصب على أنه مفعول لقول مضمر هو جواب عن سؤال نشأ عما ~~قبله كأنه قيل ماذا قالوا في نجواهم فقيل قالوا هل هذا الخ أو بدل من أسروا ~~أو معطوف عليه أو على أنه بدل من النجوى أي أسروا هذا الحديث وهل بمعنى ~~النفي والهمزة في قوله تعالى «أفتأتون السحر» للانكار والفاء للعطب على ~~مقدر يقتضيه المقام وقوله تعالى «وأنتم تبصرون» حال من فاعل تأتون مقررة ~~للانكار ومؤكدة للاستبعاد والمعنى ما هذا إلا بشر مثلكم أي من جنسكم وما ~~أتى به سحر أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الاذعان والقبول وأنتم ~~تعاينون أنه سحر قالوه بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا ~~يكون إلا ملكا وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر وزل ~~عنهم أن ارسال البشر إلى عامة البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيق العهد ~~وترتيب مبادى الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة ~~وإطفاء نور الدين والله PageV06P054 # متم نوره ولو كره الكافرون (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) حكاية ~~من جهته تعالى لما قله عليه السلام بعد ما أوحي إليه ms2197 أحوالهم وأقوالهم ~~بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم وإيثار القول المنتظم للسر والجهر على السر ~~لإثبات علمه تعالى بالسر على النهج البرهاني مع ما فيه من الإيذان بأن علمه ~~تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء قطعا ~~كما في علوم الخلق وقرئ قل ربي الخ وقوله تعالى في السماء والأرض متعلق ~~بمحذوف وقع حالا من القول أي كائنا في السماء والأرض وقوله تعالى «وهو ~~السميع العليم» أي المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات التي من جملتها ~~ما أسروه من النجوى فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ~~ما قبله متضمن للوعيد (بل قالوا أضغاث أحلام) إضراب من جهته تعالى وانتقال ~~من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مسالك البطلان أي لم ~~يقتصروا على أن يقولوا في حقه عليه السلام هل هذا إلا بشر وفى حق ما ظهر ~~على يده من القرآن الكريم إنه سحر بل قالوا تخاليط الأحلام ثم أضربوا عنه ~~فقالوا (بل افتراه) من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل أو شبه أصل ثم ~~قالوا (بل هو شاعر) وما أتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ~~وهكذا شأن المبطل المحجوج متحير لا يزال يتردد بين باطل وأبطل ويتذبذب بين ~~فاسد وأفسد فالاضراب الأول كما ترى من جهته تعالى والثاني والثالث من قبلهم ~~وقد قيل الكل من قبلهم حيث أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم ~~إلى أنه كلام مفترى ثم إلى أنه قول شاعر ولا ريب في أنه كان ينبغي حينئذ ~~بأن قال قالوا بل أضغاث أحلام والاعتذار بأن بل قالوا مقول لقالوا المضمر ~~قبل قوله تعالى هل هذا إلا بشر الخ كأنه قيل وأسرو النجوى قالوا هل هذا إلى ~~قوله بل أضغاث أحلام وإنما صرح بقالوا بعد بل لبعد العهد مما يجب ننزيه ~~ساحة التنزيل عن أمثاله (فليأتنا بآية) جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق ~~كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولا ms2198 من الله تعالى فليأتنا بآية ~~(كما أرسل الأولون) أي مثل الأية التي أرسل بها الأولون كا ليد والعصا ~~ونظائرهما حتى نؤمن به فما موصولة ومحل الكاف الجر على أنها صفة لآية ويجوز ~~أن تكون مصدرية فالكاف منصوبة على أنها مصدر تشبيهي أي نعت لمصدر محذوف إي ~~فليأتنا بآية إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين بها وصحة التشبيه من حيث إن ~~الإتيان بالآية من فروع الارسال بها إلى مثل إتيان مترتب على الإرسال ويجوز ~~أن يحمل النظم الكريم على أنه أريد كل واحد من الإتيان والارسال في كل واحد ~~من طرفي التشبيه لكنه ترك في جانب المشبه ذكر الإرسال وفى جانب المشبه به ~~ذكر الاتيان اكتفاء بما ذكر في كل موطن عما ترك في الموطن الآخر حسبما مر ~~في آخر سورة يونس عليه السلام (ما آمنت قبلهم من قرية) كلام مستأنف مسوق ~~لتكذيبهم فيما تنبىء عنه خاتمة مقالهم من الوعد PageV06P055 # الضمني بالإيمان كما أشير إليه وبيان أنهم في اقتراح تلك الآيات كالباحث ~~عن حتفه بظلفه وأن في ترك الإجابة إليه إبقاء عليهم كيف لا ولو أعطوا ما ~~اقترحوا مع عدم إيمانهم قطعا لوجب استئصالهم لجريان سنة الله عز وجل في ~~الأمم السالفة على أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم ~~عذاب الاستئصال لا محالة وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هذه الأمة لا ~~يعذبون بعذاب الاستئصال فقوله من قرية أي من أهل قرية في محل الرفع على ~~الفاعلية ومن مزيدة لتأكيد العموم وقوله تعالى «أهلكناها» أي بإهلاك أهلها ~~لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات صفة لقرية والهمزة في قوله ~~تعالى «أفهم يؤمنون» لإنكار الوقوع والفاء للعطف إما على مقدر دخلته الهمزة ~~فأفادت إنكار وقوع إيمانهم ونفيه عقيب عدم إيمان الأولين فالمعنى أنه لم ~~تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات أهم لم يؤمنوا ~~فهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعنى ~~منهم وأطغى وإما على ما ms2199 آمنت على أن الفاء متقدمة على الهمزة في الاعتبار ~~مفيدة لترتيب إنكار وقوع إيمانهم على عدم إيمان الأولين وإنما قدمت عليها ~~الهمزة لاقتضائها الصدارة كما هو رأى الجمهور وقوله عز وجل «وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا» جواب لقولهم هل هذا إلا بشر الخ متضمن لرد ما دسوا تحت ~~قولهم كما أرسل الأولون من التعرض بعدم كونه عليه السلام مثل أولئك الرسل ~~صلوات الله تعالى عليهم أجمعين ولذلك قدم عليه جواب قولهم فليأتنا بآية ~~ولأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطاله كما مر ~~في تفسير قوله تعالى قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ~~وقوله تعالى ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ولأن في هذا ~~الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم والحق أن ما اتخذوه ~~سببا للتكذيب موجب للتصديق في الحقيقة لأن مقتضى الحكمة أن يرسل إلى البشر ~~البشر وإلى الملك الملك حسبما ينطق به قوله تعالى قل لو كان في الأرض ~~ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا فإن عامة البشر ~~بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية لتوقفها على التناسب بين المفيض ~~والمستفيض فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين ~~والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة أن يبعث الملك منهم إلى الخواص المختصين ~~بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني ~~والجسماني ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب آخر وقوله تعالى «نوحي إليهم» ~~استئناف مبين لكيفية الإرسال وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة ~~وحذف المفعول لعدم القصد إلى خصوصه والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبل ~~إرسالك إلى أمتك إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس مستأهلين للاصطفاء ~~والإرسال نوحي إليهم بواسطة الملك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من ~~القصص والأخبار كما نوحى إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقية ~~مدلوله حسبما يحكيه قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين إلى قوله تعالى وكلم الله موسى تكليما كمالا ms2200 فرق بينك وبينك ~~وبينهم في البشرية فمالهم لا يفهمون أنك لست بدعا من الرسل وأن ما أوحي ~~إليك ليس مخالفا لما أوحي إليهم PageV06P056 # فيقولون ما يقولون وقرئ يوحي إليهم بالياء على صيغة المبنى للمفعول جريا ~~على سنن الكبرياء وإيذانا بتعين الفاعل وقوله تعالى «فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن ~~رتبة الاستبعاد والنكير إثر تحقيق الحق على طريقة الخطاب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك الحقائق الأنيقة وأما ~~الوقوف عليها بالاستخبار من الغير فهو من وظائف العوام والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم ~~لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الجهلة أهل الكتاب الواقفين على أحوال الرسل ~~السالفة عليهم الصلوات لنزول شبهتكم أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يوجب ~~العلم لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته عليه السلام ~~ويشاورونهم في أمره عليه السلام ففيه من الدلالة على كمال وضوح الأمر وقوة ~~شأن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى «وما جعلناهم جسدا» بيان لكون ~~الرسل عليهم السلام أسوة لسائر أفراد الجنس في أحكام الطبيعة البشرية إثر ~~بيان كونهم أسوة لهم في نفس البشرية والجسد جسم الإنسان والجن والملائكة ~~ونصبه إما على أنه مفعول ثان للجعل لكن لا بمعنى جعله جسدا بعد أن لم يكن ~~كذلك كما هو المشهور من معنى التصبير بل بمعنى جعله كذلك ابتداء على طريقة ~~قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل كما مر في قوله تعالى وجعلنا آية ~~النهار مبصرة وإما حال من الضمير والجعل إبداعي وإفراده لإرادة الجنس ~~المنتظم للكثير أيضا وقيل بتقدير المضاف أي ذوي جسد وقوله تعالى «لا يأكلون ~~الطعام» صفة له أي وما جعلناهم جسدا مستغنيا عن الأكل والشرب بل محتاجا إلى ~~ذلك لتحصيل بدل ما يتحلل منه (وما كانوا خالدين) لأن مال التحلل هو الفناء ~~لا محالة وفي إيثار ما كانوا على ما ms2201 جعلناهم تنبيه على أن عدم الخلود مقتضى ~~جبلتهم التي أشير إليها بقوله تعالى وما جعلنا هم الخ لا بالجعل المستأنف ~~والمراد بالخلود إما المكث المديد كما هو شأن الملائكة أو الا بدية وهم ~~معتقدون أنهم لا يموتون والمعنى جعلناهم أجسادا متغذية صائرة إلى الموت ~~بالآخرة على حسب آجالهم لا ملائكة ولا أجسادا مستغنية عن الأغذية مصونة عن ~~التحلل كالملائكة فلم يكن لها خلود كخلودهم فالجملة مقررة لما قيلها من كون ~~الرسل السالفة عليهم السلام بشرا لا ملكا مع ما في ذلك من الرد على قولهم ~~ما لهذا الرسول يأكل الطعام وقوله تعالى «ثم صدقناهم الوعد» عطف على ما ~~يفهم من حكاية وحيه تعالى إليهم على الاستمرار النجددي كأنه قيل أوحينا ~~إليهم ما أوحينا ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي بإهلاك ~~أعدائهم «فأنجيناهم ومن نشاء» من المؤمنين وغيرهم ممن تستدعي الحكمة إبقاءه ~~كمن سيؤمن هو أو بعض فروعه بالآخرة وهو السر في حماية العرب من عذاب ~~الاستئصال «وأهلكنا المسرفين» أي المجاوزين للحدود في الكفر والمعاصي ~~PageV06P057 # «لقد أنزلنا إليكم» كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقية القرآن العظيم الذي ذكر ~~في صدر السورة الكريمة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤهم به ~~وتسميتهم تارة سحرا أو تارة أضغاث أحلام وأخرى مفترى وشعرا وبيان علو رتبته ~~إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسل الكرام عليهم ~~الصلاة والسالم قد صدر بالتوكيد القسمي إظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه ~~وإيذانا يكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير أي والله لقد أنزلنا إليكم يا ~~معشر قريش «كتابا» عظيم الشأن نير البرهان وقوله تعالى «فيه ذكركم» صفة ~~لكتابا مؤكدة لما أفاده التنكير التفخيمي من كونه جليل المقدار بأنه جميل ~~الآثار مستجلب لهم منافع جليلة أي فيه شرفكم وصيتكم كقوله تعالى وإنه لذكر ~~لك ولقومك وقيل ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم وقيل ما تطلبون به ~~حسن الذكر من مكارم الأخلاف وقيل فيه موعظتكم وهو الأنسب بسباق النظم ~~الكريم وسياقه فإن قوله تعالى «أفلا تعقلون» ms2202 إنكار توبيخي فيه بعث لهم على ~~التدبر في أمر الكتاب والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر ~~التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه ~~الكلام أي ألا تتفكرون فلا تعقلون ان الأمر كذلك أولا تعقلون شيئا من ~~الأشياء التي من جملتها ما ذكر وقوله تعالى «وكم قصمنا من قرية» نوع تفصيل ~~لإجمال قوله تعالى وأهلكنا المسرفين وبيان لكيفية إهلاكهم وسببه وتنبيه على ~~كثرتهم وكم خبرية مفيدة للتكثير محلها النصب على أنها مفعول لقصمنا ومن ~~قرية تمييز وفي لفظ القصم الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة أجزاء المكسورة ~~وإزالة تأليفها بالكلية من الدلالة على قوة الغضب وشدة السخط مالا يخفي ~~وقوله تعالى «كانت ظالمة» في محل الجر على أنها صفة لقرية بتقدير مضاف ينبئ ~~عنه الضمير الآتي أي وكثيرا قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين بآيات الله ~~تعالى كافرين بها كدأبكم «وأنشأنا بعدها» أي بعد إهلاكها «قوما آخرين» اي ~~ليسوا منهم نسبا ولا دينا ففيه تنبيه على استئصال الأولين وقطع دابرهم ~~بالكلية وهو السر في تقديم حكاية إنشاء هؤلاء على حكاية مبادئ إهلاك أولئك ~~بقوله تعالى «فلما أحسوا بأسنا إذا هم») أي أدركوا عذابنا الشديد إدراكا ~~تاما كأنه إدراك المشاهد المحسوس «منها يركضون» يهربون مسرعين راكضين ~~دوابهم أو مشبهين بهم في فرط الإسراع «لا تركضوا» أي قيل لهم بلسان الحال ~~أو بلسان المقال من الملك أو ممن ثمة من المؤمنين بطريق الاستهزاء والتوبيخ ~~لا تركضوا «وارجعوا إلى ما أترفتم فيه» من التنعم والتلذذ والإتراف إبطار ~~النعمة «ومساكنكم» التي كنتم تفتخرون بها «لعلكم تسألون» تقصدون للسؤال ~~والتشاور والتدبير في المهمات PageV06P058 # والنوازل أو تنفقدون إذا رئيت مساكنكم خالية وتسألون أين أصحابها أو ~~يسألكم الوافدون نوالكم على أنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رياء وبخلاء ~~فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم «قالوا» لما يئسوا من الخلاص بالهرب وأيقنوا ~~بنزول العذاب «يا ويلنا» أي هلاكنا «إنا كنا ظالمين» أي مستوجبين للعذاب ~~وهو اعتراف منهم بالظلم وباستتباعه للعذاب وندم عليه حين ms2203 لم ينفعهم ذلك ~~«فما زالت تلك دعواهم» أي فما زالوا يرددون تلك الكلمة وتسميتها دعوى أي ~~دعوة لأن المدلول كأنه يدعوا الويل قائلا يا ويل تعال فهذا أوانك «حتى ~~جعلناهم حصيدا» أي مثل الحصيد وهو المحصود من الزرع والنبت ولذلك لم يجمع ~~«خامدين» أي ميتين من خمدت النار إذا طفئت وهو مع حصيدا في حيز المفعول ~~الثاني للجعل كقولك جعلته حلوا حامضا والمعنى جعلنا هم جامعين لمماثلة ~~الحصيد والخمود أو حال من الضمير المنصوب في جعلناهم أو من المستكن في ~~حصيدا أو صفة لحصيدا لتعدده معنى لأنه في حكم جعلناهم أمثال حصيد «وما ~~خلقنا السماء والأرض» إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم وإبداع بني آدم ~~مؤسس على قواعد الحكم البالغة المستتبعة للغايات الجليلة وتنبيه على أن ما ~~حكى من العذاب الهائل والعقاب النازل بأهل القرى من مقتضيات تلك الحكم ~~ومتفرعاتها حسب اقتضاء أعمالهم إياه وأن للمخاطبين المقتدرين بآثارهم ذنوبا ~~مثل ذنوبهم أي ما خلقناهما «وما بينهما» من المخلوقات التي لا تحصى أجناسها ~~وأفرادها ولا تحصر أنواعها وآحادها على هذا النمط البديع والأسلوب المنيع ~~خالية عن الحكم والمصالح وإنما عبر عن ذلك باللعب واللهو حيث قيل «لاعبين» ~~لبيان كمال تنزهه تعالى عن الخلق الخالي عن الحكمة بتصويره بصورة مالا ~~يرتاب أحد في استحالة صدوره عنه سبحانه بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون ~~مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا التي هي ~~الغاية القصوى بواسطة طاعتنا وعبادتنا كما ينطق به قوله تعالى وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~وقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله تعالى «لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا» استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو أي لو أردنا أن ~~نتخذ ما يتلهى به ويلعب «لاتخذناه من لدنا» أي من جهة قدرتنا أو من عندنا ~~مما يليق بشأننا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة ~~كديدن الجبابرة في رفع العروش وتحسينها وتسوية الفروش ms2204 وتزيينها لكن يستحيل ~~إرادتنا له لما فاته الحكمة فيستحيل إتخاذنا له قطعا وقوله تعالى «إن كنا ~~فاعلين» جرا به محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه اي إن كنا فاعلين لاتخذناه ~~وقيل إن نافية أي ما كنا فاعلين أي لاتخاذ اللهو لعدم إرادتنا إياه فيكون ~~بيانا PageV06P059 # لانتفاء التالي لانتفاء المقدم أو لإرادة اتخاذ فيكون بيانا لانتفاء ~~المقدم المستلزم لانتفاء التالي وقيل اللهو 18 الولد بلغة اليمن وقيل ~~الزوجة والمراد الرد على النصارى ولا يخفي بعده «بل نقذف بالحق على الباطل» ~~إضراب عن اتخاذ اللهو بل عن إرادته كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا أن ~~نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من قبيله اللهو وتخصيص شأنه ~~هذا من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من الوعيد ~~«فيدمغه» أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية وقد استعير لإيراد ~~الحق على الباطل القذف الذي هو الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة ولمحقه ~~للباطل الدمغ الذي هو كسر الشيء الرخو الأجوف وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه ~~المؤدى إلى زهوق الروح تصويرا له بذلك وقرئ فيدمغه بالنصب وهو ضعيف وقرئ ~~فيدمغه بضم الميم «فإذا هو زاهق» أي ذاهب بالكلية وفي إذا الفجائية والجملة ~~الإسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان مالا يخفي فكأنه ~~زاهق من الأصل «ولكم الويل مما تصفون» وعيد لقريش بأن لهم أيضا مثل ما ~~لأولئك من العذاب والعقاب ومن تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به ~~الخبر أو بمحذوف هو حال من الويل أومن ضميره في الخبر وما إما مصدرية أو ~~موصولة أو موصوفة أي واستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له سبحانه بما ~~لا يليق بشأنه الجليل أو بالذي تصفونه به من الولد أو كائنا مما تصفونه ~~تعالى به «وله من في السماوات والأرض» استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى ~~لجميع مخلوقاته على حكمة بالغة ونظام كامل وأنه تعالى يحق الحق ويزهق ~~الباطل أي له تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقا وملكا وتدبيرا ms2205 وتصرفا وإحياء ~~وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالا أو ~~استتباعا «ومن عنده» وهم الملائكة عليهم السلام عبر عنهم بذلك إثر ما عبر ~~عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم لكرامتهم عليه عز وعلا وزلفاهم عنده منزلة ~~المقربين عند الملوك بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبره «لا يستكبرون عن عبادته» ~~أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبيرا «ولا يستحسرون» ولا يكلون ولا ~~يعبون وصيغة الاستفعال المنبئة عن المبالغة في الحسور للتنبيه على أن ~~عباداتهم بثقلها ودوامها حقيقة بان يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون لا ~~لإفادة نفى المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة كا أن نفى الظلامية ~~في قوله تعالى وما أنا بظلام للعبيد لإفادة كثرة الظلم المفروض تعلقه ~~بالعبيد لا لإفادة نفى المبالغة في الظلم مع ثبوت أصل الظلم في الجملة وقيل ~~من عنده معطوف على من الأولى وإفرادهم بالذكر مع دخولهم في من في السماوات ~~والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى وجبريل وميكال فقوله تعالى لا يستكبرون ~~حينئذ حال من الثانية «يسبحون الليل والنهار» أي ينزهونه في جميع الأوقات ~~ويعظمونه ويمجدونه دائما وهو استئناف PageV06P060 # وقع جوابا عما نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا يصنعون في عباداتهم أو كيف ~~يعبدون فقيل يسبحون ألخ أوحال من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى «لا ~~يفترون» أي لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا بفراغ أو بشغل آخر «أم اتخذوا آلهة» ~~حكاية لجناية أخرى من جناياتهم بطريق الإضراب والانتقال من فن إلى فن آخر ~~من التوبيخ إثر تحقيق الحق ببيان انه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج ~~الحكمة وأنهم قاطبة تحت ملكوته وقهره وأن عباده مذعنون لطاعته ومثابرون على ~~عبادته منزهون له عن كل مالا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها الأنداد ~~ومعنى الهمزة في أم المنقطعة إنكار الواقع وقوله تعالى «من الأرض» متعلق ~~باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأيا ما كان فالمراد هو التحقير لا التخصيص ~~وقوله تعالى «هم ينشرون» أي يبعثون الموتى صفة لآلهة ms2206 وهو الذي يدور عليه ~~الإنكار والتجهيل والتشنيع لا نفس الإتخاذ فإنه واقع لا محالة اي بل اتخذوا ~~آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى كلا فإن ما ~~اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحا لكنهم حيث ادعوا ~~لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الإنشار ضرورة أنه من الخصائص الإلهية حتما ~~ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبيه على كمال مباينة ~~حالهم للإنشار الموجبة لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى أفي الله شك وقوله ~~تعالى أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون فإن تقديم الجار والمجرور ~~للتنبيه على كمال مباينة أمره تعالى لأن يشك فيه ويستهزأ به ويجوز أن يجعل ~~ذلك من مستتبعات ادعائهم الباطل لأن الألوهية مقتضية للاستقلال بالإبداء ~~والإعادة فحيث ادعوا للأصنام الآلهية فكأنهم ادعوا لها الاستقلال بالإنشار ~~كما أنهم جعلوا بذلك مدعين لأصل الإنشار «لو كان فيهما آلهة إلا الله» ~~إبطال لتعدد الإله بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته وإيراد ~~الجمع لوروده إثر إنكار اتخاذ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلا في الإستدلال ~~وكذا فرض كونها فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفة لآلهة ولا مساغ ~~للاستثناء لاستحالة شمول ما قبلها لما بعدها وإفضائه إلى فساد المعنى ~~لدلالته حينئذ على أن الفساد لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل ~~لأنه متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب أي لو كان في ~~السماوات والأرض آلهة غير الله كما هو اعتقادهم الباطل «لفسدتا» اي لبطلتا ~~بما فيهما جميعا وحيث انتفى التالي علم انتفاء المقدم قطعا بيان الملازمة ~~أن الإلهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييرا ~~وتبديلا وإيجادا وإعداما وإحياء وإماتة فبقاؤهما على ما هما عليه إما ~~بتأثير كل منها وهو محال لاستحالة وقوع المعلول المعين بعلل متعددة وإما ~~بتأثير واحد منها فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعا واعلم ان جعل التالي ~~فسادهما بعد وجودهما لما أنه اعتبر في المقدم تعدد الآلهة فيهما وإلا ~~فالبرهان يقضى باستحالة التعدد ms2207 على الإطلاق فإنه لو تعدد الإله فإن توافق ~~الكل في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت PageV06P061 # تعاوقت فلا يوجد موجود أصلا وحيث انتفى التالي تعين انتفاء المقدم والفاء ~~في قوله تعالى «فسبحان الله» لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت ~~الوحدانية بالبرهان أي فسبحوه سبحانه اللائق به ونزهوه عما لا يليق به من ~~الأمور التي من جملتها أن يكون له شريط في الألوهية وإيراد الجلالة في موضع ~~الإضمار للإشعار بعلة الحكم فإن الألوهية مناط لجميع صفات كماله التي من ~~جملتها تنزهه تعالى عما لا يليق به ولتربية المهابة وإدخال الروعة وقوله ~~تعالى «رب العرش» صفة للإسم الجليل مؤكدة لتنزهه عز وجل «عما يصفون» متعلق ~~بالتسبيح أي فسبحوه عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهة «لا يسأل عما يفعل» ~~استئناف ببيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزة سلطانه القاهر بحيث ليس لأحد من ~~مخلوقاته أن يناقشه ويسأله عما يفعل من أفعاله إثر بيان أن ليس له شريك في ~~الإلهية «وهم» أي العباد «يسألون» عما يفعلون نقيرا 24 وقطميرا لأنهم ~~مملوكون له تعالى مستعبدون ففيه وعيد للكفرة «أم اتخذوا من دونه آلهة» ~~إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة آلهة حقيقة بإظهار خلوها ~~عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشار وإقامة البرهان القاطع على ~~استحالة تعدد الإله على الإطلاق وتفرده سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلان ~~اتخاذهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله عز سلطانه ~~وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيق أن جميع ~~الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد وبطلان الإشراك والهمزة لإنكار الاتخاذ ~~المذكور واستقباحه واستعظامه ومن متعلقة باتخذوا والمعنى بل اتخذوا ~~متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهة ~~مع ظهور خلودهم عن خواص الألوهية بالكلية «قل» لهم بطريق التبكيت وإلقام ~~الحجر «هاتوا برهانكم» على ما تدعونه من جهة العقل والنقل فإنه لا صحة لقول ~~لا دليل عليه في الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأن الخطير وما ms2208 في ~~إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بان لهم برهانا ضرب من التهكم بهم ~~وقوله تعالى «هذا ذكر من معي وذكر من قبلي» إنارة لبرهانه وإشارة إلى أنه ~~مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة وشهدت به ألسنة الرسل المتقدمة كافة ~~وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال عجزهم أي هذا الوحي الوارد ~~في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع العقلي ذكر أمتي اى عظمتهم وذكرهم ~~الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضا برهانكم وقيل المعنى هذا كتاب ~~أنزل على أمتي وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب ~~الثلاثة والصحف فراجعوها وانظروا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد ~~والنهى عن الإشراك ففيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم وقرئ بالتنوين ~~والإعمال كقوله تعالى أو إطعام في يوم ذي مسغبة يقيما وبه وبمن الجارة على ~~أن مع اسم هو ظرف كقبل وبعد وقوله تعالى «بل أكثرهم لا يعلمون الحق» ~~PageV06P062 # إضراب من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر ~~بتبكيتهم بمطالبة البرهان إلى بيان أنه لا ينجح فيهم المحاجة بإظهار حقية ~~الحق وبطلان الباطل فإن أكثرهم لا يفهمون الحق ولا يميزون بينه وبين الباطل ~~«فهم» لأجل ذلك «معرضون» أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول ~~لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كررت عليهم البينات والحجج أو ~~معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية وقرئ الحق بالرفع على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف وسط بين السبب والمسبب تأكيدا للسببية وقوله تعالى ~~«وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون» 25 ~~استئناف مقرر لما أجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية ~~وأجمعت عليه الرسل عليهم السلام وقرئ يوحى على صيغة الغائب مبنيا للمفعول ~~وأيا ما كان فصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورة الوحي ~~«وقالوا اتخذ الرحمن ولدا» حكاية لجناية فريق من المشركين جئ بها لإظهار 26 ~~بطلانها وبيان تنزهه تعالى عن ذلك ms2209 إثر بيان تنزهه سبحانه عن الشركاء على ~~الإطلاق وهم حي من خزاعة يقولون الملائكة بنات الله تعالى ونقل الواحدي أن ~~قريشا وبعض أجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح يقولون ذلك ~~والتعرض لعنوان الرحمانية المنبئة عن كون جميع ما سواه تعالى مربوبا له ~~تعالى نعمة أو منعما عليه لإبراز كمال شناعة مقالتهم الباطلة «سبحانه» أي ~~تنزه بالذات تنزهه اللائق به على أن السبحان مصدر من سبح اي بعد أو أسبحه ~~تسبيحه على أنه علم للتسبيح وهو مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحه ~~وقوله تعالى «بل عباد» إضراب وإبطال لما قالوه كأنه قيل ليست الملائكة كما ~~قالوا بل هم عباد له تعالى «مكرمون» مقربون عنده وقرى مكرمون بالتشديد وفيه ~~تنبيه على منشأ غلط القوم وقوله تعالى «لا يسبقونه بالقول» صفة أخرى لعباد ~~منبئة عن كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى أي 27 لا يقولون شيئا حتى ~~يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصله لا يسبق قولهم قوله تعالى فأسند السبق ~~إليهم منسوبا إليه تعالى تنزيلا لسبق قولهم قوله تعالى منزلة سبقهم إياه ~~تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبق المعرض به ~~للذين يقولون مالا يقوله الله تعالى وجعل القول محلا للسبق وأداة له ثم ~~أنيب اللام عن الإضافة للاختصار والتجافى عن التكرار وقرئ لا يسبقونه بضم ~~الباء من سابقته فسبقته أسبقه وفيه مزيد استهجان للسبق وإشعار بان من سبق ~~قوله قوله تعالى فقد تصدى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ ~~بالله تعالى وزيادة تنزيه لهم عما نفى عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة ~~الغلبة بعد المغالبة فأتى يتوهم صدور عنهم «وهم بأمره يعملون» بيان ~~لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثر بيان تبعيتهم له تعالى في الأقوال فإن ~~نفى سبقهم له تعالى بالقول عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه كأنه قيل هم ~~بأمره يقولون وبأمره PageV06P063 # يعملون لا بغير أمره أصلا فالقصر المستفاد من تقديم الجار معتبر بالنسبة ~~إلى غير أمره لا إلى أمر 28 غير «يعلم ما بين ms2210 أيديهم وما خلفهم» استئناف ~~وقع تعليلا لما قبله وتمهيدا لما بعده فإن لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا ~~وأخروا من الأقوال والأعمال لا يزالون يراقبون أحوالهم فلا يقدرون على قول ~~أو عمل بغير أمره تعالى «ولا يشفعون إلا لمن ارتضى» أن يشفع له مهابة منه ~~تعالى «وهم» مع ذلك «من خشيته» عز وجل «مشفقون» مر تعدون وأصل الخشية الخوف ~~مع التعظيم ولذلك خص بها العلماء والإشفاق الخوف مع الاعتناء فعند تعديته ~~بمن يكون معنى الخوف فيه أظهر وعند تعديته 29 بعلى ينعكس الأمر «ومن يقل ~~منهم» أي من الملائكة الكلام فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم «إني ~~إله من دونه» متجاوزا إياه تعالى «فذلك» الذي فرض قوله فرض محال «نجزيه ~~جهنم» كسائر المجرمين ولا يغنى عنهم ما ذكر من صفاتهم السنية وأفعالهم ~~المرضية وفيه من الدلالة على قوة ملكوته تعالى وعزة جبروته واستحالة كون ~~الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرة مالا يخفى «كذلك نجزي ~~الظالمين» مصدر تشبيهي مؤكد لمضمون ما قبله اي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي ~~الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ويتعدون أطوارهم والقصر المستفاد من ~~التقديم معتبر بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة أي لا جزاء أنقص منه «أولم ~~ير الذين كفروا» تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة ~~على استقاله تعالى بالألوهية وكن جميع ما سواه مقهورا تحت ملكوته والهمزة ~~للإنكار والواو للعطف على مقدر وقرئ بغير واو الرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ~~ولم يعلموا «أن السماوات والأرض كانتا» أي جماعتا السماوات والأرضين كما في ~~قوله تعالى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا «رتقا» الرتق الضم ~~والالتحام والمعنى إما على حذف المضاف أو هو بمعنى المفعول أي كانتا ذواتي ~~رتق أو مر توقتين وقرئ رتقا شيئا رتقا أي مرتوقا «ففتقناهما» قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير كانتا ~~شيئا واحدا ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر ~~الأرض ms2211 وقال كعب خلق الله تعالى السماوات والأرض ملتصقين ثم خلق ريحا ~~فتوسطتها ففتقتها وعن الحسن خلق الله تعالى الأرض في موضع بيت المقدس كيئة ~~الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السماوات وامسك الفهر ~~في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى كانتا رتقا ففتقناهما وقال ~~مجاهد والسدي كانت السماوات مرتتقة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ~~وكذلك الأرض كانت مرتفعة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين وقال ابن عباس ~~في PageV06P064 # رواية عطاء وعليه أكثر المفسرين ابن السماوات كانت رتقا مستوية صلبة لا ~~تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات فيكون المراد ~~بالسموات السماء الدنيا والجمع باعتبار الآفاق أو السماوات جميعا على ان ~~لها مدخلا في الأمطار وعلم الكفرة الرتق والفتق بهذا المعنى مما لا سترة به ~~وأما بالمعاني الأول فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمها إما بطريق ~~النظر والتفكير فغن الفتق عارض مفترق إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من ~~العلماء ومطالعة الكتب «وجعلنا من الماء كل شيء حي» أي خلقنا من الماء كل ~~حيوان كقوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء وذلك لأنه من أعظم مواده أو ~~لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به أو صيرنا كل شئ حي من الماء أي بسبب منه لا ~~بد له من ذلك وتقديم المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في ~~الأصل مبتدأ وخبر وحق الخبر عند كونه ظرفا أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك ~~مصحح محض لامر جح وقرئ حيا على أنه صفة كل أو مفعول ثان والظرف كما في ~~الوجه الأول قدم على المفعول للاهتمام به والتشوق إلى المؤخر «أفلا يؤمنون» ~~إنكار لعدم إيمانهم بالله وحده مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الآفاقية ~~والأنفسية الدالة على تفرده عز وجل بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته ~~مقهورة تحت ملكوته وقدرته والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الانكار السابق اى ~~أيعلمون ذلك فلا يؤمنون «وجعلنا في الأرض رواسي» أي جبالا ثوابت جمع راسية ms2212 ~~من رسا الشئ 31 إذا ثبت ورسخ ووصف جمع المذكر يجمع المؤنث في غير العقلاء ~~مما لا ريب في صحته كقوله تعالى أشهر معلومات وأياما معدودات «أن تميد بهم» ~~أي كراهة أن تتحرك وتضطرب بهم أو لئلا تميد بهم بحذف اللام ولا لعدم ~~الالباس «وجعلنا فيها» أي في الأرض وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية ~~مقام الامتنان حقه أو في الرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق «فجاجا» مسالك ~~واسعة وإنما قدم على قوله تعالى «سبلا» وهو وصف له ليصير حالا فيفيد انه ~~تعالى حين خلقها كذلك أو ليبدل منها سبلا فيدل ضمنا على أنه تعالى خلقها ~~ووسعها للسابلة مع ما فيه من التوكيد «لعلهم يهتدون» أي إلى مصالحهم ~~ومهماتهم «وجعلنا السماء سقفا محفوظا» من الوقوع بقدرتنا القاهرة أو الفساد ~~والانحلال إلى الوقت المعلوم 32 بمشيئتنا أو من استراق السمع بالشهب «وهم ~~عن آياتها» الدالة على وحدانيته تعالى وعلمه وحكمته وقدرته وإرادته التي ~~بعضها محسوس وبعضها معلوم بالبحث عنه في علمي الطبيعة والهيئة «معرضون» لا ~~يتدبرون فيها فيبقون على ما هم عليه من الكفر والضلال وقوله تعالى «وهو ~~الذي خلق الليل والنهار والشمس» 33 القمر اللذين هما آيتاهما بيان لبعض تلك ~~الآيات التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب PageV06P065 # لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام أي هو الذي خلقهن وحده «كل» أي كل واحد ~~منهما على أن التنوين عوض عن المضاف إليه «في فلك يسبحون» إي يجرون في سطح ~~الفلك كالسبح في الماء والمراد بالفلك الجنس كقولك كساهم الخليفة حلة ~~والجملة حال من الشمس والقمر وجاز انفرادهما بها لعدم اللبس 34 والضمير ~~لهما والجمع باعتبار المطالع وجعل الضمير واو العق لأن السباحة حالهم «وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد» إي في الدنيا لكونه مخالفا للحكمة التكوينية ~~والتشريعية «أفإن مت» بمقتضى حكمتنا «فهم الخالدون» نزلت حين قالوا نتربص ~~به ريب المنون والفاء لتعليق الشرطية بما قبلها والهمزة لإنكار مضمونها بعد ~~تقرر القاعدة الكلية النافية لذلك بالمرة والمراد بإنكار خلودهم ونفيه ~~إنكار ما هو مدار له وجودا ms2213 وعدما من شماتتهم بموته صلى الله عليه وسلم فإن ~~الشماتة بما يعتريه أيضا مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل كأنه قيل أفإن 35 ~~مت فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك وقوله تعالى «كل نفس ذائقة الموت» أي ~~ذائقة مرارة مفارقها جسدها برهان على ما أنكر من خلودكم «ونبلوكم» الخطاب ~~إما للناس كافة بطريق التلوين أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة ~~من يبلوكم «بالشر والخير» بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أولا «فتنة» ~~مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه «وإلينا ترجعون» لا إلى غيرنا لا استقلالا ~~ولا اشتراكا فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال فهو على الأول وعد ووعيد ~~وعلى الثاني وعيد محض وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا ~~الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب وقرئ يرجعون بالياء على الالتفات 26 ~~«وإذا رآك الذين كفروا» أي المشركون «إن يتخذونك إلا هزوا» اي ما يتخذونك ~~إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه عليه السلام على اتخاذهم إياه ~~هزوا لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزوا كما هو المتبادر كأنه قيل ما ~~يفعلون بك إلا إتخاذك هزوا وقد مر تحقيقه في قوله تعالى إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلى في سورة الأنعام «أهذا الذي يذكر آلهتكم» على إرادة القول أي ~~ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم بسوء كما في قوله تعالى سمعنا فتى يذكرهم ~~الخ وقوله تعالى «وهم بذكر الرحمن هم كافرون» في حيز النصب على الحالية من ~~ضمير القول المقدر والمعنى أنهم يعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكر ~~آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء والحال أنهم بذكر الرحمن المنعم عليهم ~~بما يليق به من التوحيد أو بإرشاد الخلق بإرسال الرسل وإنزال الكتب أو ~~بالقرآن كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار فالضمير الأول مبتدأ خبره كافرون ~~وبذكر متعلق بالخبر والتقدير وهم كافرون بذكر الرحمن والضمير الثاني تأكيد ~~لفظي للأول PageV06P066 # فوقع الفصل بين العامل ومعموله بالمؤكد وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول ~~«خلق الإنسان من عجل» جعل لفرط 37 استعجاله وقلة صبره ms2214 كأنه مخلوق منه ~~تنزيلا لما طبع عليه من الأخلاق منزلة ما طبع منه من الأركان إيذانا بغاية ~~لزومه له وعدم انفكاكه عنه ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد ~~روى أنها نزلت في النضر بن الحرث حين استعجل العذاب بقوله اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك فأمطر الآية وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان المراد ~~بالإنسان آدم عليه السلام وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن ~~يقوم وروى أنه لما دخل الروع في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفه ~~اشتهى الطعام وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب ~~الشمس فأسرع في خلقه قبل غيبتها فالمعنى خلق الإنسان خلقا ناشئا من عجل ~~فذكره لبيان أنه من دواعي عجلته في الأمور والأظهر أن المراد به الجنس وإن ~~كان خلقه عليه السلام ساريا إلى أولاده وقيل العجل الطين بلغة حمير ولا ~~تقريب له ههنا وقوله تعالى «سأريكم آياتي» تلوين للخطاب وصرف له عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المستعجلين بطريق التهديد والوعيد أي سأريكم ~~نقماتي في الآخرة كعذاب النار وغيره «فلا تستعجلون» بالإتيان بها والنهى ~~عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها «ويقولون متى هذا الوعد» أي وقت ~~مجىء الساعة التي كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالا لمجيئه بطريق ~~الاستهزاء والإنكار كا يرشد إليه الجواب لا طلبا لتعيين وقته بطريق الإلزام ~~كما في سورة الملك «إن كنتم صادقين» أي في وعدكم بأنه يأتينا والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآيات الكريمة المنبئة عن مجيء ~~الساعة وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه حسبما حذف في مثل قوله ~~تعالى فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين فإن قولهم متى هذا الوعد استبطاء ~~منهم للموعود وطلب لإتيانه بطريق العجلة فإن ذلك في قوة الامر بالإتيان ~~عجلة كأنه قيل فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين «لو يعلم الذين كفروا» استئناف ~~39 مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه وفظاعة ما ms2215 فيه من العذاب وأنهم إنما ~~يستعجلونه لجهلهم بشأنه وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على ~~المضي لإفادة استمرار عدم العلم فإن المضارع المنفي الواقع موقع الماضي ليس ~~بنص في إفادة انتفاء استمرار الفعل بل يفيد استمرار انتفائه أيضا بحسب ~~المقام كما في قولك لو تحسن إلى لشكرتك فإن المعنى أن انتفاء الشكر ~~لاستمرار انتفاء الإحسان لا لإنتفاء استمرار الإحسان ووضع الموصول موضع ~~الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على علة استعجالهم وقوله تعالى «حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم» مفعول يعلم وهو عبارة عن الوقت ~~الموعود الذي كانوا PageV06P067 # يستعجلونه وإضافته إلى الجملة الجارية مجرى الصفة التي حقها أن تكون ~~معلومة الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضا مع إنكار الكفرة لذلك ~~للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقه الإنتظام ~~في سلك المسلمات المفروغ عنها وجواب لو محذوف أي لو لم يستمر عدم عليهم ~~بالوقت الذي يستعلجونه بقولهم متى هذا الوعد من الحين الذي تحيط بهم النار ~~فيه من كل جانب وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما ~~أشهر الجوانب واستلزام الإحاطة بهما الإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على ~~دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم «ولا هم ينصرون» من جهة الغير في دفعها ~~الخ لما فعلوا ما فعلوا من الاستعجال ويجوز أن يكون يعلم متروك المفعول ~~منزلا منزلة اللازم أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى حين ألخ ~~استئناف مقرر لجهلهم ومبين لاستمراره إلى ذلك الوقت 40 كأنه قيل حين يرون ~~ما يرون يعلمون حقيقة الحال «بل تأتيهم» عطف على لا يكفون أي لا يكفونها بل ~~تأتيهم أي العدة أو النار أو الساعة «بغتة فتبهتهم» أي تغلبهم أو تحيرهم ~~وقرئ الفعلان بالتذكير على ان الضمير للوعد أو الحين وكذا الهاء في قوله ~~تعالى «فلا يستطيعون ردها» بتأويل الوعد بالنار أو العدة والحين بالساعة ~~ويجوز عودة إلى النار وقيل إلى البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية ~~«ولا هم ms2216 ينظرون» أي يمهلون ليستريحوا طرفة عين وفيه تذكير لإمهالهم في ~~الدنيا «ولقد استهزئ برسل من قبلك» تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~استهزائهم به صلى الله عليه وسلم في ضمن الاستعجال وعدة ضمنية بأنه يصيبهم ~~مثل ما أصاب المتسهزئين بالرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام وتصديرها ~~بالقسم لزيادة تحقيق مضمونها وتنوين الرسل للتفخيم والتكثير ومن متعلقة ~~بمحذوف هو صفة له أي وبالله لقد استهزىء برسل أولى شأن خطير وذوي عدد كثير ~~أو حل أو نحو ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يستعمل إلا ~~في الشر والحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله وقوله تعالى «بالذين ~~سخروا منهم» أي من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق وتقديمه على فاعله ~~الذي هو قوله تعالى «ما كانوا به يستهزؤون» للمسارعة إلى بيان لحوق الشر ~~بهم وما إما موصولة مفيدة للتهويل والضمير المجرور عائد إليها والجار متعلق ~~بالفعل وتقديمه عليه لرعاية الفواصل أي فأحاط بهم الذين كانوا يستهزئون به ~~حيث أهلكوا لأجله وإما مصدرية فالضمير المجرور راجع حينئذ إلى جنس الرسول ~~المدلول عليه بالجمع كما قالوا ولعل إيثاره على الجمع للتنبيه على أنه يحيق ~~بهم جزاء استهزائهم بكل واحد واحد منهم عليه السلام لا جزاء استهزائهم ~~بكلهم من حيث هو كل فقط أي فنزل بهم جزاء استهزائهم على وضع السبب موضع ~~السبب إيذانا بكمال الملابسة بينهما أو عين استهزائهم إن أريد بذلك العذاب ~~الأخروى بناء على تجسم الأعمال فإن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصور ~~عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبة لها في الحسن والقبح ~~PageV06P068 # وعلى ذلك بني الوزن وقد مر تفصيله في سورة الأعراف وفي قوله تعالى إنما ~~بغيكم على أنفسكم الآية إلى آخرها «قل» خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إثر تسليته بما ذكر من مصير أمرهم إلى الهلاك وأمر له عليه 42 السلام بأن ~~يقول لأولئك المتسهزئين بطريق التقريع والتبكيت «من يكلؤكم» أي يحفظكم ~~«بالليل والنهار من الرحمن» اى بأسه الذي تستحقون نزوله ms2217 ليلا أو نهار أو ~~تقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعا وأشد وقعا وفي التعرض لعنوان ~~الرحمانية إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة وبعد ما أمر عليه السلام ~~بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور حسبما تقتضيه حالهم لأنهم بحيث لولا ~~أن الله تعالى يحفظهم في الملوين لحل بهم فنون الآفات فهم أحقاد بأن يكلفوا ~~الاعتراف بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك أضرب عن ذلك بقوله تعالى ~~«بل هم عن ذكر ربهم معرضون» ببيان أن لهم حالا أخرى مقتضية لصرف الخطاب ~~عنهم هي أنهم لا يخطرون ذكره تعالى ببالهم فضلا ان يخافوا بأسه ويعدوا ما ~~كانوا عليه من الأمن والدعة حفظا وكلاءة حتى يسألوا عن الكالىء على طريقة ~~قول من قال [عوجوا فحيوا النعمى دمنة الدار * ماذا تحيون من نؤى وأحجار] ~~وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبىء ~~عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية ~~القاصية من الضلالة والغي مالا يخفى وكلمة أم في قوله تعالى «أم لهم آلهة ~~تمنعهم من دوننا» منقطعة وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقال عما قبله ~~من بيان أن جهلهم بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفهم الناشئ عن إعراضهم عن ذكر ~~ربهم بالكلية إلى توبيخهم بإعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إليها ~~والهمزة لإنكار أن يكون لهم آلهة تقدر على ذلك والمعنى ألهم آلهة تمنعهم من ~~العذاب تتجاوز منعنا أو حفظنا أو من عذاب كائن من عندنا فهم معولون عليها ~~واثقون بحفظها وفي توجيه الإنكار والنفي إلى وجود الآلهة الموصوفة بما ذكر ~~من المنع لا إلى نفس الصفة بأن يقال أم تمنعهم آلهتهم الخ من الدلالة على ~~سقوطها عن مرتبة الوجود فضلا عن رتبة المنع مالا يخفى وقولع عز وعلا «لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون» استئناف مقرر لما قبله من الإنكار ~~وموضح لبطلان اعتقادهم أي هم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ولا يصحبون ~~بالنصر من جهتنا فكيف يتوهم ms2218 أن ينصروا غيرهم وقوله تعالى «بل متعنا هؤلاء ~~وآباءهم حتى طال عليهم العمر» إضراب عما توهما ببيان أن الداعي 44 إلى ~~حفظهم تمتيعنا إياهم بما قدر لهم من الأعمال أو عن الدلالة على بطلانه بيان ~~ما أوهمهم ذلك هو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم ~~فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وانه بسبب ما هم عليه PageV06P069 # ولذلك عقب بما يدل على أنه طمع فارغ وأمل كذاب حيث قيل «أفلا يرون» أي ~~ألا ينظرون فلا يرون «أنا نأتي الأرض» أي أرض الكفرة «ننقصها من أطرافها» ~~فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا وهو تمثيل وتصوير لما يخربه الله عز وجل ~~من ديارهم على أيدي المسلمين ويضيفها إلى دار الإسلام «أفهم الغالبون» على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والفاء لإنكار ترتيب الغالبية على ~~ما ذكر من نقص ارض الكفرة بتسليط المسلمين عليها كأنه قيل أبعد ظهور ما ذكر ~~ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم كما مر في قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ~~وقوله تعالى قل أفاتخذتم من دونه أولياء وفي التعريف تعريض بأن المسلمين هم ~~المتعينون للغلبة 45 المعروفون بها «قل إنما أنذركم» بعد ما بين من جهته ~~تعالى غاية هول ما يستعجله المستعجلون ونهاية سوء حالهم عند إتيانه ونعي ~~عليهم جهلهم بذلك وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار ~~وغير ذلك من مساوى أحوالهم امر صلى الله عليه وسلم بان يقول لهم إنما ~~أنذركم ما تستعجلونه من الساعة «بالوحي» الصادق الناطق بإتيانها وفظاعة ما ~~فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذركم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها ~~فإنه مزاحم للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمان برهاني لا عيانى وقوله ~~تعالى «ولا يسمع الصم الدعاء» إما من تتمة الكلام الملقن تذييل له بطريق ~~الاعتراض قد أمر عليه السلام بأن يقوله لهم توبيخا وتقريعا وتسجيلا عليهم ~~بكمال الجهل والعناد واللام للجنس المنتظم للمخاطبين انتظاما أوليا أو ~~للعهد فوضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالتصام وتقييد نفى السماع ms2219 ~~بقوله تعالى «إذا ما ينذرون» مع ان الصم لا يسمعون الكلام إنذارا كان أو ~~تبشيرا لبيان كمال شدة الصمم كما أن إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن الصوت ~~والنداء على الكلام لذلك فإن الإنذار عادة يكون بأصواب عالية مكررة مقارنة ~~لهيآت دالة عليه فإذا لم يسمعوها يكون صممهم في غاية لا غاية وراءها وإما ~~من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى بل هم عن ذكر ربهم معرضون ويؤيده ~~القراءة على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم من الإسماع بنصب الصم والدعاء ~~كأنه قيل قل لهم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم وقرئ بالياء أيضا على أن الفاعل ~~هو عليه السلام وقرئ على 46 البناء للمفعول أي لا يقدر أحد على إسماع الصم ~~وقوله تعالى «ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك» بيان لسرعة تأثرهم من مجىء نفس ~~العذاب إثر بيان عدم تأثرهم من مجيء خبرة على نهج التوكيد القسمي اي وبالله ~~لئن أصابهم أدنى إصابة أدنه شيء من عذابه تعالى كما ينبئ عنه المس والنفحة ~~بجوهرها وبنائها فإن أصل النفخ هبوب رائحة الشيء «ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين» ليدعن على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفن 47 عليها بالظلم وقوله ~~تعالى «ونضع الموازين القسط» بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه أي نقيم ~~الموازين PageV06P070 # العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال وقيل وضع الموازين تمثيل لإرصاد ~~الحساب السوى والجزاء على حسب الأعمال وقد مر تفصيل ما فيه من الكلام في ~~سورة الأعراف وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به مبالغة «ليوم القيامة» التي ~~كانوا يستعجلونها أي لجزائه أو لأجل أهله أو فيه كما في قولك جئت لخمس خلون ~~من الشهر «فلا تظلم نفس» من النفوس «شيئا» حقا من حقوقها أو شيئا ما من ~~الظلم بل يوفى كل ذي حق حقه إن خيرا فخير وإن شرا فشر والفاء لترتيب انتفاء ~~الظلم على وضع الموازين «وإن كان» أي العمل المدلول عليه بوضع الموازين ~~«مثقال حبة من خردل» أي مقدار حبة كائنة من خردل أي وإن كان في ms2220 غاية القلة ~~والحقارة فإن حبة الخردل مثل في الصغر وقرئ مثقال حبة بالرفع على أن كان ~~تامة «أتينا بها» أي أحضرنا ذلك العمل المعبر عنه بمثقال حبة الخردل للوزن ~~والتأنيث لإضافته إلى الحبة وقرئ آتينا بها أي جازينا بها من الإتيان بمعنى ~~المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وقرئ أثبنا من ~~الثواب وقرئ جئنا بها «وكفى بنا حاسبين» إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا «ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان» «وضياء وذكرا للمتقين» نوع تفصيل لما أجمل في ~~قوله تعالى وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم إلى قوله تعالى وأهلكنا ~~المسرفين وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم وتصديره بالتوكيد القسمي ~~لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه والمراد بالفرقان هو التوراة وكذا بالضياء ~~والذكر أي وبالله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين ~~الحق والباطل وضياء الجهل والغواية وذكرا يتعظ به الناس وتخصيص المتقين ~~بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره المغتنمون لمغانم آثاره أو ذكر ما يحتاجون ~~إليه من الشرائع والأحكام وقيل الفرقا النصر وقيل فلق البحر والأول هو ~~اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب ~~الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح ~~الكفرة مثله بقولهم فليأتنا بآية كما أرسل الأولون وقرئ ضياء بغير واو على ~~أنه حال من الفرقان وقوله تعالى «الذين يخشون ربهم» أي عذابه مجرور المحل ~~على أنه صفة مادحة للمتقين أو بدل أو بيان أو منصوب أو مرفوع على المدح ~~«بالغيب» حال من المفعول أي يخشون عذابه تعالى وهو غائب عنهم غير مشاهد لهم ~~ففيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه وقيل ~~من الفاعل «وهم من الساعة مشفقون» أي خائفون منها بطريق الاعتناء وتقديم ~~الجار لمراعاة الفواصل وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على ~~الإطلاق للإيذان بكونها معظم المخوفات وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به ~~المستعجلون وإيثار الجملة الإسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه «وهذا» ~~أي القرآن الكريم أشير ms2221 إليه بهذا إيذانا بغاية وضوح أمره «ذكر» يتذكر به ~~PageV06P071 # من يتذكر وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقته لما مر في ~~صدر السورة الكريمة «مبارك» كثير الخير غزير النفع يتبرك به «أنزلناه» إما ~~صفة ثانية لذكر أو خبر آخر «أفأنتم له منكرون» إنكار لإنكارهم بعد ظهور كون ~~إنزاله كإيتاء التوراة كأنه قيل أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة في ~~الإيتاء والإيحاء أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظة حال ~~التوراة مما لا مساغ له أصلا «ولقد آتينا إبراهيم رشده» أي الرشد اللائق به ~~وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة ~~الحاصلة بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية وقرئ ~~رشده وهما لغتان كالحزن والحزن «من قبل» أي من قبل إيتاء موسى وهارون ~~التوراة وتقديم ذكر إيتائها لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التام ~~وقيل من قبل استنبائه أو قبل بلوغه ويأباه المقام «وكنا به عالمين» أي بأنه ~~أهل لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات مختار في ~~افعاله ما لا يخفي «إذ قال لأبيه وقومه» ظرف لآتينا على أنه وقت متسع وقع ~~فيه الإيتاء وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله وقيل مفعول لمضمر مستأنف وقع ~~تعليلا لما قبله أي اذكر وقت قوله لهم «ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون» لتقف على كمال رشده وغاية فضله والتمثال اسم لشيء مصنوع مشبه بخلق ~~من خلائق الله تعالى وهذا تجاهل منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بما ~~التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع إحاطته ~~بان حقيقتها حجر أو شجر اتخذوها معبودا وعبر عن عبادتهم لها بمطلق العكوف ~~الذي هو عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصدا إلى ~~تحقيرها وإذلالها وتوبيخا لهم على إجلالها واللام في لها للاختصاص دون ~~التعدية وإلا لجىء بكلمة على والمعنى أنتم فاعلون العكوف لها وقد جوز تضمين ~~العكوف معنى العبادة كما ينبئ عنه ms2222 قوله تعالى «قالوا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين» أجابوا بذلك لما أن مآل سؤاله عليه السلام الاستفسار عن سبب ~~عبادتهم لها كما ينبئ عنه وصفه عليه السلام إياهم بالعكوف لها كأنه قال ما ~~هي هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها فلما لم يكن لهم ملجأ يعتد به ~~التجأوا إلى التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث «قال ~~لقد كنتم أنتم وآباؤكم» الذين سنوا للكم هذه السنة الباطلة «في ضلال» عجيب ~~لا يقادر قدره «مبين» أي ظاهر بين بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه ~~كذلك ومعنى كنتم مطلق استقرارهم على الضلال لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل ~~زمان الخطاب المتناول لهم ولآبائهم أي والله لقد كنتم مستقرين على ضلال ~~عظيم PageV06P072 # ظاهر لعدم استناده إلى دليل ما والتقليد إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في ~~الجملة «قالوا» لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعادا لكون ما هم عليه ~~ضلالا وتعجبا من تضليله عليه السلام إياهم بطريق التوكيد القسمي وترددا في ~~كون ذلك منه عليه السلام على وجه الجد «أجئتنا بالحق» اي بالجد «أم أنت من ~~اللاعبين» فتقول ما تقول على وجه المداعبة والمزاح وفي إيراد الشق الأخير ~~بالجملة الإسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم «قال» عليه السلام ~~إضرابا عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كونها أربابا لهم كما يفصح عنه ~~قولهم نعبد أصناما فنظل لها عاكفين كأنه قيل ليس الامر كذلك «بل ربكم رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن» وقيل هو إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان ~~على ما ادعاه وضمير هن للسموات والأرض وصفه تعالى بإيجادهن إثر وصفة تعالى ~~بربوبيته تعالى لهن تحقيقا للحق وتنبيها على ان ها لا يكون كذلك بمعزل من ~~الربوبية أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما ~~تعبدون من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه ورجع الضمير إلى التماثيل أدخل ~~في تضليلهم وأظهر في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغنى عن ~~التأمل في كون ما يعبدونه من جملة المخلوقات ms2223 «وأنا على ذلكم» الذي ذكرته من ~~كون ربكم رب السماوات والأرض فقط دون ما عداه كائنا ما كان «من الشاهدين» ~~أي العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه فإن الشاهد على الشيء من ~~تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباته بها كأنه قال وإنا ~~أبين ذلك وأبرهن عله «وتالله» وقرئ بالباء وهو الأصل والتاء بدل من الواو ~~التي هي بدل من الأصل وفيها تعجيب «لأكيدن أصنامكم» أي لأجتهدن في كسرها ~~وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل وإنما قاله عليه ~~السلام سرا وقيل سمعه رجل واحد «بعد أن تولوا مدبرين» من عبادتهم إلى عيدكم ~~وقرئ تولوا من التولي بحذف إحدى التاءين ويعضدها قوله تعالى فتولوا عنه ~~مدبرين والفاء في قوله تعالى «فجعلهم» فصيحة أي فولوا فجعلهم «جذاذا» أي ~~قطاعا فعال بمعنى مفعول من الجذ الذي هو القطع كالحطام من الحطم الذي هو ~~الكسر وقرئ بالكسر وهي لغة أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف وقرئ بالفتح وجذذا جمع ~~جذيذ وجذذا جمع جذة روى أن آزر خرج به في يوم عيد لهم فبدءوا ببيت الأصنام ~~فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع ~~تركت الآلهة على طعامنا فذهبوا وبقى إبراهيم عليه السلام فنظر إلى الأصنام ~~وكانت سبعين صنما مصطفا وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وفي عينيه ~~PageV06P073 # جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكل بفأس كانت في يده ولم يبق إلا الكبير ~~وعلق الفأس في عنقه وذلك قوله تعالى «إلا كبيرا لهم» أي للأصنام «لعلهم ~~إليه» أي إلى إبراهيم عليه السلام «يرجعون» فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم ~~ويبكتهم وقيل يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن الكاسر لأن من شأن المعبود أن ~~يرجع إليه في الملمات وقيل يرجعون إلى الله تعالى وتوحيده عند تحققهم عجز ~~آلهتهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم «قالوا» أي حين رجعوا من ~~عيدهم ورأوا ما رأوا «من فعل هذا بآلهتنا» على طريقة الإنكار والتوبيخ ~~والتشنيع وإنما عبروا عنها بما ذكر ولم ms2224 يشتروا إليها بهؤلاء وهي بين أيديهم ~~مبالغة في التشنيع وقوله تعالى «إنه لمن الظالمين» استئناف مقرر لما قبله ~~وقيل من موصولة وهذه الجملة في حين الرفع على أنها خبر لها والمعنى الذي ~~فعل هذا الكسر والحطم بآلهتنا إنه معدود من جملة الظلمة إما لجرأته على ~~إهانتها وهي حقيقة بالإعظام أو لإفراطه في الكسر والحطم وتماديه في ~~الاستهانة بها أو بتعريض نفسه للهلكة «قالوا» أي بعض منهم مجيبين للسائلين ~~«سمعنا فتى يذكرهم» أي يعيبهم فلعله فعل ذلك بها فقوله تعالى يذكرهم إما ~~مفعول ثان لسمع لتعلقه بالعين أو صفة لفتى مصححة لتعلقه به هذا إذا كان ~~القائلون سمعوه عليه السلام بالذات يذكرهم وإن كانوا قد سمعوا من الناس أنه ~~عليه السلام يذكرهم بسوء فلا حاجة إلى المصحح «يقال له إبراهيم» صفة أخرى ~~لفتى أي يطلق عليه هذا الاسم «قالوا» أي السائلون «فأتوا به على أعين ~~الناس» أي بمرأى منهم بحيث يكون نصب أعينهم في مكان مرتفع لا يكاد يخفى على ~~أحد «لعلهم يشهدون» أي يحضرون عقوبتنا له وقيل لعلهم يشهدون بفعله أو بقوله ~~ذلك فالضمير حينئذ ليس للباس بل لبعض منهم مبهم أو معهود «قالوا» استئناف ~~مبنى على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنه قيل فماذا فعلوا به عليه السلام بعد ~~ذلك هل أتوا به أولا فقيل أتوا به ثم قالوا «أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ~~إبراهيم» اقتصارا على حكاية مخاطبتهم إياه عليه السلام للتنبيه على ان ~~إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غنى عن البيان «قال بل فعله كبيرهم ~~هذا» مشيرا إلى الذي لم يكسره سلك عليه السلام مسلكا تعريضيا يؤديه إلى ~~مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه بحملهم على التأمل في شأن ~~آلهتهم مع ما فيه من التوقي من الكذب حيث أبرز الكبير قولا في معرض المباشر ~~للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك PageV06P074 # المعرض فعلا يجعل الفأس في عنقه وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبيب حيث ~~كانت تلك الأصنام غاظته عليه السلام حين أبصرها ms2225 مصطفة مرتبة للعبادة من دون ~~الله سبحانه وكان غيظ كبيرهم أكبر وأشد حسب زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل ~~إليه باعتبار أنه الحامل عليه وقيل هو حكاية لما يقود إلى تجويزه مذهبهم ~~كأنه قال لهم ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبد ويدعي إلها أن ~~يقدر على ما هو أشد من ذلك ويحكى أنه عليه السلام قال فعله كبيرهم هذا غضب ~~أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها فيكون تمثيلا أراد به عليه السلام ~~تنبيههم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام وأما ما قيل من ~~أنه عليه السلام لم يقصد نسبة الفعل الصادر عنه إلى الضم بل إنما قصد ~~تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة ~~وتبكيتهم ومثل لذلك بما لو قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن ~~الحظ أأنت كتبت هذا فقلت له بل أنت كتبته كان قصدك تقرير الكتابة لنفسك مع ~~الاستهزاء بالسائل لا نفيها عنك وإثباتها له فبمعزل من التحقيق لأن خلاصة ~~المعنى في المثال المذكور مجرد تقرير الكتابة لنفسك وادعاء ظهور الامر مع ~~الاستهزاء بالسائل وتجهيله في السؤال لابتنائه على أن صدورها عن غيرك محتمل ~~عنده مع استحالته عندك ولا ريب في أن مراده عليه السلام من إسناد الكسر إلى ~~الصنم ليس مجرد تقريره لنفسه ولا تجهيلهم في سؤالهم لابتنائه على احتمال ~~صدوره عن الغير عندهم بل إنما مراده عليه السلام توجيههم نحو التأمل في ~~أحوال أصنامهم كما ينبئ عنه قوله «فاسألوهم إن كانوا ينطقون» أي إن كانوا ~~ممن يمكن ان ينطقوا وإنما لم يقل عليه السلام إن كانوا يسمعون أو يعقلون مع ~~أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا لما أن نتيجة السؤال هو الجواب وأن ~~عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق به قوله ~~تعالى «فرجعوا إلى أنفسهم» أي راجعوا عقولهم وتذكروا أن مالا يقدر على دفع ~~المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره ms2226 بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر ~~على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبودا «فقالوا» ~~أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم «إنكم أنتم الظالمون» أي بهذه السؤال لأنه ~~كان على طريقة التوبيخ المستتبع للمؤاخذة أو بعبادة الأصنام لامن ظلمتموه ~~بقولكم إنه لمن الظالمين أو أنتم ظالمون بعبادتها لا من كسرها «ثم نكسوا ~~على رؤوسهم» أي انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة شبه عودهم ~~إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه وقرئ نكسوا بالتشديد ونكسوا على ~~البناء للفاعل أي نكسوا أنفسهم «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» على إرادة القول ~~أي قائلين والله لقد علمت أن ليس من شأنهم النطق فيكف تأمرنا بسؤالهم على ~~أن المراد استمرار نفى النطق لا نفى استمراره كما توهمه صيغة المضارع ~~PageV06P075 # «قال» مبكتا لهم «أفتعبدون» أي أتعلمون ذلك فتعبدون «من دون الله» أي ~~متجاوزين عبادته تعالى «ما لا ينفعكم شيئا» من النفع «ولا يضركم» فإن العلم ~~بحاله المنافية للألوهية مما يوجب الإجتناب عن عبادته قطعا «أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله» تضجر منه عليه السلام من إصرارهم على الباطل البين ~~وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لمزيد استقباح ما فعلوا وأف صوت ~~المتضجر ومعناه قبحا ونتنا واللام لبيان المتأفف له «أفلا تعقلون» اى الا ~~تتفكرون فلا تعقلون قبح صنيعكم «قالوا» اى قال بعضهم لبعض لما عجزوا عن ~~المحاجة وضاقت عليه الحيل وعيت بهم العلل وهكذا ديدن المبطل المحجوج إذا ~~قرعت شبهته بالحجة القاطعة وافتضح لا يبقى له مفزع إلا المناصبة «حرقوه» ~~فإنه أشد العقوبات «وانصروا آلهتكم» الانتقام لها «إن كنتم فاعلين» أي ~~للنصر أو لشيء يعتد به قيل القائل نمرود بن كنعان بن السنجاريب ابن نمرود ~~بن كوس بن حاء بن نوح وقيل رجل من أكراد فارس اسمه هيون وقيل هدير خسفت به ~~الأرض روى أنهم لما أجمعوا على إحراقه عليه السلام بنوا له حظيرة بكوثى ~~قرية من قرى الأنباط وذلك قوله تعالى قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم ms2227 فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة أربعين يوما فأوقدوا نارا ~~عظيمة لا يكاد يحوم حولها أحد حتى إن كانت الطير لتمر بها وهي في أقصى الجو ~~فتحترق من شدة وهجها ولم يكد أحد يحوم حولها فلم يعلموا كيف يلقونه عليه ~~السلام فيها فأتى إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه وقيل صنعه لهم رجل من ~~الأكراد فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم ~~عمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه فيه مغلولا فرموا به فيها فقال له ~~جبريل عليهما السلام هل لك حاجة قال أما إليك فلا قال فاسأل ربك قال حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي فجعل الله تعالى ببركة قوله الحظيرة روضة وذلك قوله ~~تعالى «قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم» أي كوني ذات برد وسلام ~~أي ابردى بردا غير ضار وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته تعالى مأمورة ~~مطاوعة وإقامة كونى ذات برد مقام أبردى ثم حذف المضاف وإقامة المضاف غليه ~~مقامه وقيل نصب سلاما بفعله أي وسلمنا سلاما عليه روى أن الملائكة أخذوا ~~بضبعي إبراهيم وأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ولم ~~تحرق النار إلا وثاقه وروى أنه عليه السلام مكث فيها أربعين يوما أو خمسين ~~وقال ما كنت أطيب عيشا منى إذ كنت فيها قال ابن يسار وبعث الله تعالى ملك ~~الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه فنظر نمرود من صرحه فأشرف عليه فرآه جالسا في ~~روضة مونقة ومعه جليس على أحسن ما يكون من الهيئة PageV06P076 # والنار محيطة به فناداه يا إبراهيم هل تسطيع أن تخرج منها قال نعم قال ~~فقم فأخرج فقام يمشي فخرج منها فاستقبله نمرود وعظمه وقال من الرجل الذي ~~رأيته معك قال ذلك ملك الظل ارسله ربى ليؤنسني فقال إني مقرب إلى إلهك ~~قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك فقال عليه السلام لا يقبل الله ~~منك ما دمت على دينك هذا قال لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح له ms2228 أربعة ~~آلاف بقرة فذبحها وكف عن إبراهيم عليه السلام وكان إذ ذاك ابن ست عشرة سنة ~~وهذا كما ترى من أبدع المعجزات فإن انقلاب النار هواء طيبا وإن لم يكن بدعا ~~من قدرة الله عز وجل لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة مما يخرق العادات وقيل ~~كانت النار على حالها لكنه تعالى دفع عنه عليه السلام إذاها كما تراه في ~~السمندل كما يشعر به ظاهر قوله تعالى على إبراهيم «وأرادوا به كيدا» مكرا ~~عظيما في الإضرار به «فجعلناهم الأخسرين» أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم ~~في إطفاء نور الحق برهانا قاطعا على أنه عليه السلام على الحق وهم على ~~الباطل وموجبا لارتفاع درجته واستحقاقهم لأشد العذاب «ونجيناه ولوطا إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين» أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة ~~أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادى ~~الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية وقيل كثرة النعم والخصب الغالب روى ~~انه عليه السلام نزل بفلسطين ولوط عليه السلام بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم ~~وليلة «ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة» أي عطية فهي حال منهما أو ولد ولد أو ~~زيادة على ما سأل وهو إسحق فتختص بيعقوب ولا لبس فيه للقرينة الظاهرة ~~«وكلا» أي كل واحد من هؤلاء الأربعة لا بعضهم دون بعض «جعلنا صالحين» بأن ~~وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا فصاروا كاملين «وجعلناهم أئمة» يقتدى بهم ~~في أمور الدين إجابة لدعائه عليه السلام بقوله ومن ذريتي «يهدون» أي الأمة ~~إلى الحق «بأمرنا» لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين «وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات» ليحثوهم عليه فيتم كمالهم بانضمام العمل إلى العلم ~~وأصله ان تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات وكذا قوله تعالى «وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة» وهو من عطف الخاص على العام دلالة على فضله وإنافته وحذفت ~~تاء الإقامة المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامه «وكانوا لنا» ~~خاصة دون غيرنا «عابدين» لا يخطر ببالهم غير عبادتنا PageV06P077 # «ولوطا» قيل هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى «آتيناه» ms2229 أي وآتينا لوطا ~~وقيل باذكر «حكما» أي حكمة أو نبوة أو فصلا بين الخصوم بالحق «وعلما» بما ~~ينبغي علمه للأنبياء عليهم السلام «ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث» أي اللواطة وصفت بصفة أهلها وأسندت إليها على حذف المضاف وإقامتها ~~مقامه كما يؤذن به قوله تعالى «إنهم كانوا قوم سوء فاسقين» فإنه كالتعليل ~~له «وأدخلناه في رحمتنا» أي في أهل رحمتنا أو في جنتنا «إنه من الصالحين» ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى «ونوحا» أي اذكر نوحا أي خبره وقوله تعالى «إذ ~~نادى» أي دعا الله تعالى على قومه بالهلاك ظرف للمضاف المقدر أي اذكر نبأة ~~الواقع وقت دعائه «من قبل» أي من قبل هؤلاء المذكورين «فاستجبنا له» أي ~~دعاءه الذي من جملته قوله إني مغلوب فانتصر «فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم» وهو الطوفان وقيل أذية قومه وأصل الكرب الغم الشديد «ونصرناه» نصرا ~~مستتبعا للانتقام والانتصار ولذلك قيل «من القوم الذين كذبوا بآياتنا» ~~وحمله على فانتصر يأباه ما ذكر من دعائه عليه السلام فإن ظاهره يوجب إسناد ~~الانتصار إليه تعالى مع ما فيه من تهويل الامر وقوله تعالى «إنهم كانوا قوم ~~سوء» تعليل لما قبله وتمهيد لما بعده من قوله تعالى « فأغرقناهم أجمعين» ~~فإن الاصرار على تكذيب الحق والانهماك في الشر والفساد مما يوجب الإهلاك ~~قطعا «وداود وسليمان» إما عطف على نوحا معمول لعامله وإما لمضمر معطوف على ~~ذلك العامل بتقدير المضاف وقوله تعالى «إذ يحكمان» ظرف للمضاف المقدر وصيغة ~~المضارع حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها أي اذكر خبرهما وقت حكمهما ~~«في الحرث» أي في حق الزرع أو الكرم المتدلى عناقيده كما قبل أو بدل اشتمال ~~منهما وقوله تعالى «إذ نفشت» أي تفرقت وانتشرت «فيه غنم القوم» ليلا بلا ~~راع فرعته وأفسدته ظرف للحكم «وكنا لحكمهم» اي لحكم الحاكمين والمتحاكمين ~~إليهما فإن الإضافة لمجرد الإختصاص المنتظم لاختصاص القيام واختصاص الوقوع ~~وقرئ لحكمهما «شاهدين» حاضرين علما والجملة اعتراض مقرر للحكم ومفيد لمزيد ~~الاعتناء بشأنه PageV06P078 # «ففهمناها سليمان» عطف على يحكمان فإنه في حكم ms2230 الماضي وقرئ فأفهمناها ~~والضمير والضمير للحكومة أو الفتيا روى أنه دخل على داود عليه السلام رجلان ~~فقال أحدهما إن غنم هذا دخلت في حرثى ليلا فأفسدته فقضى له بالغنم فخرجا ~~فمرا على سليمان عليه السلام فأخبراه بذلك فقال غير هذا أرفق بالفريقين ~~فسمعه داود فدعاه فقال له بحق البنوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي أرفق ~~بالفريقين فقال أرى أن تدفع الغنم إلى صاحب الأرض لينتفع بدرها ونسلها ~~وصوفها والحرث إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعود إلى ما كان ثم بترادا ~~فقال القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك والذي عندي أن حكمها عليه السلام كان ~~بالاجتهاد فإن قول سليمان عليه السلام غير هذا أرفق بالفريقين ثم قوله أرى ~~أن تدفع الخ صريح في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبت القول بذلك ولما ناشده ~~داود عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهره بدء أو حرم عليه ~~كتمه ومن ضرورته أن يكون القضاء السابق أيضا كذلك ضرورة استحالة نقض حكم ~~النص بالاجتهاد بل أقول والله تعالى أعلم أن رأى سليمان عليه السلام ~~استحسان كما ينبئ عنه قوله أرفق بالفريقين ورأى داود عليه السلام قياس كما ~~أن العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبي حنيفة إلى المجنى عليه أو ~~يفديه وببيعه في ذلك أو يفديه عند الشافعي وقد روى أنه لم يكن بين قيمة ~~الحرث وقيمة الغنم تفاوت واما سليمان عليه السلام فقد استحسن حيث جعل ~~الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول ملك ~~المالك عن الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزول الضرر ~~الذي أتاه من قبله كما قال أصحاب الشافعي فيمن عصب عبدا فأبق منه أنه يضمن ~~القيمة فينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من المنافع فإذا ظهر ~~الآبق ترادا وفي قوله تعالى ففهمناها سليما دليل على رجحان قوله ورجوع داود ~~عليه السلام إليه مع أن الحكم المبنى على الإجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر وإن ms2231 ~~كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتنا على أنه ورد في الأخبار أن داود ~~عليه السلام لم يكن بت الحم في ذلك حتى سمع من سليمان ما سمع وأما حكم ~~المسئلة في شريعتنا فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا ضمان إن لم يكن معها ~~سائق أو قائد وعند الشافعي يجب الضمان ليلا لا نهارا وقوله تعالى «وكلا ~~آتينا حكما وعلما» لدفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهيم من ~~عدم كون حكم داود عليه السلام حكما شرعيا أي وكل واحد منهما آتينا حكما ~~وعلما كثيرا لا سليمان وحده وهذا إنما يدل على خطأ المجتهد لا يقدح في كونه ~~مجتهدا وقيل بل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لقوله تعالى ففهمناها ~~سليمان ولولا النقل لاحتمل توافقهما ما على أن قوله تعالى ففهمناها سليمان ~~لإظهار ما تفضل عليه في صغره فإنه عليه السلام كان حينئذ ابن إحدى عشرة سنة ~~«وسخرنا مع داود الجبال» شروع في بيان ما يختص بكل منهما من كرامته تعالى ~~إثر بيان كرامته العامة لهما «يسبحن» أي يقدسن الله عز وجل معه بصوت يتمثل ~~له أو يخلق الله تعالى فيها الكلام وقيل يسرن معه بأن السباحة PageV06P079 # وهو حال من الجبال أو استئناف مبين لكيفية التسخير ومع متعلقة بالتسخير ~~وقيل بالتسبيح وهو بعيد «والطير» عطف على الجبال أو مفعول معه وقرئ بالرفع ~~على الابتداء والخبر محذوف أي والطير مسخرات وقيل على العطف على الضمير في ~~يسبحن وفيه ضعف لعدم التأكيد والفصل «وكنا فاعلين» أي من شأننا أن نفعل ~~أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعا عندكم «وعلمناه صنعة لبوس» أي عمل ~~الدرع وهو في الأصل اللباس قال قائلهم * ألبس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها ~~وإما بوسها * وقيل كانت صفائح فحلقها وسردها «لكم» متعلق بعلمنا أو بمحذوف ~~هو صفة لبوس «لتحصنكم» أي اللبوس بتأويل الدرع وقرئ بالتذكير على ان الضمير ~~لداود عليه السلام أو للبوس وقرئ بنون العظمة وهو بدل اشتمال من لكم بإعادة ~~الجار ms2232 مبين لكيفية الاختصاص والمنفعة المستفادة من لام لكم «من بأسكم» قيل ~~من حرب عدوكم وقيل من وقع السلاح فيكم «فهل أنتم شاكرون» أمر وارد على صورة ~~الاستفهام للمبالغة أو التقريع «ولسليمان الريح» أي وسخرنا له الريح وإيراد ~~اللام ههنا دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخير ~~ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرها كان بطريق الانقياد الكلي له ~~والامتثال بأمره ونهيه والمقهورية تحت ملكوته وأما تسخير الجبال والطير ~~لداود عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعية له عليه السلام ~~والاقتداء به في عبادة الله عز وعلا «عاصفة» حال من الريح والعامل فيها ~~الفعل المقدر أي وسخرنا له الريح حال كونها شديدة الهبوب من حيث إنها كانت ~~تبعد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان كما قال تعالى غدوها شهر ورواحها شهر ~~وكانت رخاء في نفسها طيبة وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته عليه ~~السلام وقرئ الريح بالرفع على الابتداء والخبر هو الظرف المقدم وعاصفة ~~حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعامل ما فيه من معنى الاستقرار وقرئ ~~الرياح نصبا ورفعا «تجري بأمره» بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال ~~من ضميرها «إلى الأرض التي باركنا فيها» وهي الشأم رواحا بعد ما سار به منه ~~بكرة قال الكلبي كان سليمان عليه السلام وقومه يركبون عليها من إصطخر إلى ~~الشام وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزلة «وكنا بكل شيء عالمين» فنجزيه حسبما ~~تقتضيه الحكمة «ومن الشياطين» أي وخسر ناله من الشياطين «من يغوصون له» في ~~البحار ويستخرجون له من نفائسها وقيل من رفع على الابتداء وخبره ما قبله ~~والأول هو الأظهر «ويعملون عملا دون ذلك» أي غير ما ذكر من بناء المدن ~~والقصور واختراع الصنائع الغريبة لقوله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل الآية وهؤلاء إما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة من كأنه قيل ~~ومن يعملون وجمع الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما رشح جانبه ~~بقوله ms2233 تعالى ومن الشياطين روى أن المسخر له عليه السلام كفارهم PageV06P080 # لا مؤمنوهم لقوله تعالى ومن الشياطين وقوله تعالى «وكنا لهم حافظين» أي ~~من أن يزيغوا عن امره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم قيل وكل بهم جمعا ~~من الملائكة وجمعا من مؤمني الجن وقال الزجاج كان يحفظهم من أن يفسدوا ما ~~عملوا وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار «وأيوب» الكلام فيه ~~كما مر في قوله تعالى وداود وسليمان أي واذكر خبر أيوب «إذ نادى ربه أني» ~~أي بأنى «مسني الضر» وقرئ بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه ~~والضر شائع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما «وأنت ~~أرحم الراحمين» وصفة تعالى بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى ~~به عن عرض المطلب لطفا في السؤال وكان عليه السلام روميا من ولد عيص بن ~~إسحاق استبأه الله تعالى وكثر أهله وماله فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده ~~بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة ~~سنة أو سبعا وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات روى أن امرأته ماخير بنت ~~ميشا ابن يوسف عليه السلام أو رحمه بنت إفرايم بن يوسف قالت له بوما لو ~~دعوت الله تعالى فقال كم كانت مدة الرخاء فقالت بمانين سنة فقال استحي من ~~الله تعالى أن ادعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي وروى أن إبليس أتاها على ~~هيئة عظيمة فقال أنا إله الأرض فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبد إله ~~السماء فلو سجد لي سجدة لرددت عليه وعليك جميع ما أخذت منكما وفي رواية لو ~~سجدت لي سجدة لرجعت المال والولد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب وكان ملقى في ~~الكناسة لا يقرب منه أحد فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام كأنك افتتنت بقول ~~اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضربنك مائة سوط وحرام على أن أذوق بعد هذا ~~شيئا من طعامك وشرابك فطردها فبقى طريحا على الكناسة لا ms2234 يحوم حوله أحد من ~~الناس فعند ذلك خر ساجدا فقال رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فقيل له ~~ارفع رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك فركض فنبعت من تحته عين ماء فاغتسل ~~منها فلم ببق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت ولا جراحة إلا برئت ثم ركض مرة ~~أخرى فنبعث عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وعاد صحيحا ~~ورجع إليه شبابه وجماله ثم كسى حلة وذلك قوله تعالى «فاستجبنا له فكشفنا ما ~~به من ضر» فلما قام جعل يلفت فلا يرى شيئا مما كان له من الأهل والمال إلا ~~وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى «وآتيناه أهله ومثلهم معهم» وقيل كان ~~ذلك بأن ولد له ضعف ما كان ثم إن امرأته قالت في نفسها هب إنه طردني ~~أفأتركه حتى يموت جوعا ويأكله السباع لأرجعن إليه فلما رجعت ما رأت تلك ~~الكناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمور فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي ~~وهابت صاحب الحلة أن PageV06P081 # تأتيه وتسأل عنه فأرسل إليها أيوب ودعاها فقال ما تريدين يا أمة الله ~~فبكت وقالت أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة قال لها ما كان منك ~~فبكت وقالت بعلى قال أتعرفينه إذا رأيته قالت وهل يخفى على فتبسم فقال أنا ~~ذلك فعرفته بضحكة فاعتنقته «رحمة من عندنا وذكرى للعابدين» أي آتيناه ما ~~ذكر لرحمتنا أيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما ~~أثيب أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوب وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم ~~نسياننا لهم «وإسماعيل وإدريس وذا الكفل» أي واذكرهم وذو الكفل إلياس وقيل ~~يوشع بن نون وقيل زكريا سمى به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل منه ~~أو ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم فإن الكفل يجيىء بمعنى النصيب والكفالة ~~والضعف «كل» أي كل واحد من هؤلاء «من الصابرين» أي على مشاق التكاليف ~~وشدائد النوب والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الامر بذكرهم ~~«وأدخلناهم في ms2235 رحمتنا» أي في النبوة أو في نعمة الآخرة «إنهم من الصالحين» ~~أي الكاملين في الصلاح الكامل الذي لا يحوم حوله شائبة الفساد وهم الأنبياء ~~فإن صلاحهم معصوم من كدر الفساد «وذا النون» أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس ~~عليه السلام «إذ ذهب مغاضبا» أي مراغما لقومه لما برم من طول دعوته إياهم ~~وشدة شكيمتهم وتمادى إصرارهم مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر وقيل وعدهم بالعذاب ~~فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم فغضب من ذلك وهو ~~من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب ~~عندها وقرئ مغضبا «فظن أن لن نقدر عليه» أن لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه ~~بالعقوبة من القدر ويؤيده أنه قرىء مشددا أو لن نعمل فيه قدرتنا وقيل هو ~~تمثيل لحاله بحال من يظن ان لن نقدر عليه أي نعامله معاملة من يظن ان لن ~~نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لامرنا كما في قوله تعالى يحسب أن ~~ماله أخلده أي نعامله معاملة من يحسب ذلك وقيل خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه ~~فسميت ظنا للمبالغة وقرئ بالياء مخففا ومثقلا مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول ~~«فنادى» الفاء فصيحة اي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى «في ~~الظلمات» أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو في ظلمات بطن الحوت والبحر ~~والليل وقيل ابتلع حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي ~~البحر والليل «أن لا إله إلا أنت» أي بأنه لا إله إلا أنت على أن ان مخففة ~~من ان وضمير الشأن محذوف أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسرة «سبحانك» ~~أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يعجزك شيء أو أن يكون ابتلائي بهذا بغير سبب ~~PageV06P082 # من جهتي «إني كنت من الظالمين» لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى ~~المهاجرة «فاستجبنا له» أي دعاءه الذي دعاه في ضمن الاعتراف بالذنب على ~~ألطف وجه وأحسنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مكروب يدعو بهذا ~~الدعاء ms2236 إلا إستجيب له «ونجيناه من الغم» بان قذفه الحوت إلى الساحل بعد ~~أربع ساعات كان فيها في بطنه وقيل بعد ثلاثة أيام وقيل الغم غم الالتقام ~~وقيل الخطئية «وكذلك» أي مثل ذلك الإنجاء الكامل «ننجي المؤمنين» من غموم ~~دعوا الله تعالى فيها بالإخلاق لا إنجاء أدنى منه وفي الإمام نجى ولذلك ~~أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم وقرئ بتشديد الجيم على ~~أن أصله ننجى فحذفت الثانية كما حذفت التاء في تظاهرون وهي وإن كانت فاء ~~فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي ~~النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام وامتناع ~~الحذف في تتجافى لخوف اللبس وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن ~~آخره تخفيفا ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن ~~آخره «وزكريا» أي واذكر خبره «إذ نادى ربه» وقال «رب لا تذرني فردا» أي ~~وحيدا بلا ولد يرثى «وأنت خير الوارثين» فحسبى أنت إن لم ترزقني وارثا ~~«فاستجبنا له» أي دعاءه «ووهبنا له يحيى» وقد مر بيان كيفية الاستجابة ~~والهبة في سورة مريم «وأصلحنا له زوجه» أي أصلحناها للولادة بعد عقرها أو ~~أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها وكانت حردة وقوله تعالى «إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات» تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى المتعلقة ~~بالأنبياء المذكورين أي كانوا يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم ~~واستقرارهم في أصل الخير وهو السر في إيثار كلمة في على كلمة إلى المشعرة ~~بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها كما في قوله ~~تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة «ويدعوننا رغبا ورهبا» ذوى رغب ورهب ~~أو راغبين في الثواب راجين للإجابة أوفي الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية ~~أو للرغب والرهب «وكانوا لنا خاشعين» أي مخبتين متضرعين أو دائمي الوجل ~~والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال ~~الحميدة «والتي أحصنت فرجها» أي اذكر خبر التي أحصنته على الإطلاق من ms2237 ~~الحلال والحرام والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في ~~حقها آثر ذي أثير «فنفخنا فيها» أي أحيينا عيسى في جوفها «من روحنا» من ~~الروح الذي هو من أمرنا وقيل فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا جبريل ~~PageV06P083 # عليه السلام «وجعلناها وابنها» أي قصتهما أو حالهما «آية للعالمين» فإن ~~من تأمل حالهما تحقق كمال قدرته عز وجل فالمراد بالآية ما حصل بهما من ~~الآية التامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما وقيل أريد بالآية الجنس الشامل ~~لما لكل واحد منهما من الآيات المستقلة وقيل المعنى وجعلناها آية وابنها ~~آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها «إن هذه» أي ملة التوحيد والإسلام ~~أشير إليها بهذه تنبيها على كمال ظهور امرها في الصحة والسداد «أمتكم» أي ~~ملتكم التي يجب ان تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها ولا تخلوا بشيء منها ~~والخطاب للناس قاطبة «أمة واحدة» نصب على الحالية من أمتكم اي غير مختلفة ~~فيما بين الأنبياء عليهم السلام إذ لا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع ولا ~~احتمال لتبدلها وتغيرها كفروع الشرائع المتبدلة حسب تبدل الأمم والاعصار ~~وقرئ أمتكم بالنصب على البدلية من اسم إن وأمة واحدة بالرفع على الخبرية ~~وقرئتا بالرفع على أنهما خبران «وأنا ربكم» لا إله لكم غيري «فاعبدون» خاصة ~~لا غير وقوله تعالى «وتقطعوا أمرهم بينهم» التفات إلى الغيبة لينعى عليهم ~~ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعل أمره قطعا موزعة وينهى قبائح أفعالهم ~~إلى الآخرين كأنه قيل إلا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي ~~أجمعت عليه كافة الأنبياء عليهم السلام «كل» أي كل واحدة من الفرق المتقطعة ~~أوكل واحد من آحاد كل واحدة من تلك الفرق «إلينا راجعون» بالبعث لا إلى ~~غيرنا فتجازيهم حينئذ بحسب أعماله وإيراد اسم الفاعل للدلالة على الثبات ~~والتحقق وقوله تعالى «فمن يعمل من الصالحات» الخ تفصيل للجزاء أي فمن يعمل ~~بعض الصالحات أو بعضا من الصالحات «وهو مؤمن» بالله ورسله «فلا كفران ~~لسعيه» أي لا حرمان لثواب عمله ذلك عبر عن ms2238 ذلك بالكفران الذي هو ستر النعمة ~~وجحودها لبيان كمال نزاهته تعالى عنه بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه ~~تعالى من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى ونفى ~~نفى الجنس للمبالغة في التنزيه وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به ~~«وإنا له» أي لسعيه «كاتبون» أي مثبتون في صحائف أعمالهم لا نغادر من ذلك ~~شيئا «وحرام على قرية» أي ممتنع على أهلها غير متصور منهم وقرئ حرم وهي لغة ~~كالحل والحلال «أهلكناها» قدرنا هلاكها أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعتوهم ~~وقوله تعالى «أنهم لا يرجعون» في حيز كل إلينا راجعون وما في ان من معنى ~~التحقيق معتبر في النفي المستفاد الرفع على أنه مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ~~ساد مسد خبره والجملة لتقرير مضمون ما قبلها من قوله تعالى من حرام لا في ~~المنفى أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء لا أن عدم رجوعهم المحقق ~~ممتنع وتخصيص امتناع عدم رجوعها بالذكر مع شمول PageV06P084 # الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله تعالى كل إلينا راجعون لأنهم ~~المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم وقيل ممتنع رجوعهم إلى التوبة على أن لا ~~صلة وقرئ إنهم لا يرجعون بالكسر على أنه استئناف تعليلى لما قبله فحرام خبر ~~مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل ~~الصالح المشفوع بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى إنهم لا يرجعون ~~عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ويجوز حمل المفتوحة أيضا على هذا ~~المعنى بحذف اللام عنها أي لأنهم لا يرجعون وحتى في قوله تعالى «حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج» الخ هي التي يحكى بعدها الكلام وهي على الأول غاية لما ~~يدل عليه ما قبلها كأنه قيل يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت ~~القيامة يرجعون إلينا ويقولون يا ويلنا الخ وعلى الثاني غاية للحرمة اي ~~يستمر امتناع رجوعهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها حين لا ~~تنفعهم التوبة وعلى ms2239 الثالث غاية لعدم الرجوع عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى ~~إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع ويأجوج ومأجوج قبيلتان ~~من الإنس قالوا الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج والمراد بفتحها ~~فتح سدها على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وقرئ فتحت بالتشديد ~~«وهم» أي يأجوج ومأجوج وقيل الناس «من كل حدب» أي نشز من الأرض وقرئ جدث ~~وهو القبر «ينسلون» أي يسرعون وأصله مقاربة الخطو مع الإسراع وقرئ بضم ~~السين «واقترب الوعد الحق» عطف على فتحت والمراد به ما بعد النفخة الثانية ~~من البعث والحساب والجزاء لا النفخة الأولى «فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا» جواب الشرط وإذا للمفاجاة تسد مسد الفاه الجزائية كما في قوله تعالى ~~إذا هم يقنطون فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط والضمير ~~للقصة أو مبهم يفسره ما بعده «يا ويلنا» على تقدير قول وقع حالا من الموصول ~~اي يقولون يا ويلنا تعال فهذا وأن حضورك وقيل هو الجواب للشرط «قد كنا في ~~غفلة» تامة «من هذا» الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم ~~نعلم أنه حق «بل كنا ظالمين» إضراب عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة أي لم ~~نكن غافلين عنه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات ~~والنذر مكذبين بها أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب ~~وقوله تعالى «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» خطاب لكفار مكة وتصريح ~~بمأل أمرهم مع كونه معلوما مما سبق على وجه الإجمال مبالغة في الإنذار ~~وإزاحة الاعتذار وما تعبدون عبارة عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يفصح ~~عنه كلمة ما وقد روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين PageV06P085 # تلا الآية قال له ابن الزبعرى خصمتك ورب الكعبة أليست اليهود عبدوا عزيزا ~~والنصارى المسيح وبنو مليح الملائكة رد عليه بقوله صلى الله عليه وسلم ما ~~أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن ما لما لا يعقل ولا يعارضه ما روى إنه صلى ~~الله ms2240 عليه وسلم رده بقوله بل هم عبدوا الشياطين التي امرتهم بذلك ولا ما ~~روى أن ابن الزبعرى قال هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله ~~فقال صلى الله عليه وسلم بل لكل من عبد من دون الله تعالى إذ ليس شيء منهما ~~نصا في عموم كلمة ما كما أن الأول نص في خصوصها وشمول حكم النص لا يقتضى ~~شموله بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شموله لهم بطريق دلالة النص بجامع ~~الشركة في المعبودية من دون الله تعالى فعلله صلى الله عليه وسلم بعدما بين ~~مدلول النظم الكريم بما ذكر وعدم دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارة بين ~~عدم دخولهم فيه بطريق الدلالة أيضا تأكيدا للرد والإلزام وتكريرا للتبكيت ~~والإفحام لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمهم فإن إخراج بعض ~~المعبودين عن حكم منبىء عن الغضب على العبدة والمعبودين مما يوهم الرخصة في ~~عبادته في الجملة بل بتحقيق الحق وبيان أنهم ليسوا من العبودية في شيء حتى ~~يتوهم دخولهم في الحكم المذكور دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من ~~دون الله تعالى وإنما معبودهم الشياطين التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به ~~قوله تعالى سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن الآية فهم ~~الداخلون في الحكم المذكور لاشتراكهم مع الأصنام في المعبودية من دونه ~~تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو الوجه في التوفيق بين الإخبار ~~المذكورة وأما تعميم كلمة ما للعقلاء أيضا وجعل ما سيأتي من قوله تعالى إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى الخ بيانا للتجوز أو التخصيص فما لا يساعده ~~السباق والسياق كما يشهد به الذوق السليم والحصب ما يرمى به ويهيج به النار ~~من حصبه إذا رماه بالحصباء وقرئ بسكون الصاد وصفا له بالمصدر للمبالغة ~~«أنتم لها واردون» استئناف أو بدل من حصب جهنم واللام معوضة من على الدلالة ~~على الاختصاص وأن وردهم لأجلها والخطاب لهم ولما يعبدون تغليبا «لو كان ~~هؤلاء» أي أصنامهم «آلهة» كما يزعمون «ما وردوها» ms2241 وحيث تبين ورودهم إياها ~~تعين امتناع كونها آلهة بالضرورة وهذا كما ترى صريح في أن المراد بما ~~يعبدون هي الأصنام لأن المراد إثبات نقيض ما يدعونه وهم إنما يدعون إلهية ~~الأصنام لا إلهية الشياطين حتى يحت بوردها النار على عدم إلهيتها وأما ما ~~وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بإنجرار الكلام إليه عند بيان ~~ما سيق له النظم الكريم بطريق العبارة حيث سأل ابن الزبعرى عن حال سائر ~~المعبودين وكان الاقتصار على الجواب الأول مما يوهم الرخصة في عبادتهم في ~~الجملة لأنهم المعبودون عندهم أجيب بيان أن المعبودين هم الشياطين وأنهم ~~داخلون في حكم النص لكن بطريق العبارة لئلا يلزم التدافع بين الخبرين «وكل» ~~أي من العبدة والمعبودين «فيها خالدون» لاخلاص لهم عنها «لهم فيها زفير» أي ~~أنين وتنفس شديد وهو مع كونه من أفعال العبدة أضيف إلى الكل للتغليب ويجوز ~~أن يكون الضمير PageV06P086 # للعبدة لعدم الإلباس وكذا في قوله تعالى «وهم فيها لا يسمعون» أي لا يسمع ~~بعضهم زفير بعض لشدة الهول وفظاعة العذاب وقيل لا يسمعون ما يسرهم من ~~الكلام «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى» شروع في بيان حال المؤمنين إثر شرح ~~حال الكفرة حسبما جرت به سنة التنزيل من شفع الوعد بالوعيد وإيراد الترغيب ~~مع الترهيب أي سبقت لهم منا في التقدير الخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال ~~وهي السعادة وقبل التوفيق للطاعة أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على ~~الطاعة وهو الأدخل الأظهر في الحمل عليها لما أن الأولين مع خفائهما ليسا ~~من مقدورات المكلفين فالجملة مع ما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله تعالى فمن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون كما أن ما قبلها ~~من قوله تعالى إنكم وما تعبدون الخ تفصيل لما أجمل في قوله تعالى وحرام الخ ~~«أولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من ~~معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبعد منزلتهم في الشرف والفضل أي أولئك ~~المنعوتون بما ms2242 ذكر من النعت الجميل «عنها» أي عن جهنم «مبعدون» لأنهم في ~~الجنة وشتان بينها وبين النار وما روى أن عليا رضي الله عنه خطب يوما فقرأ ~~هذه الآية ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد ~~وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله تعالى عنهم أجمعين ثم ~~أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول «لا يسمعون حسيسها» ليس بنص في كون ~~الموصول عبارة عن طائفة مخصوصة والحسيس صوت يحس به أي لا يسمعون صوتها سمعا ~~ضعيفا كما هو المعهود عند كون المصوت بعيدا وإن كان صوته في غاية الشدة لا ~~أنهم لا يسمعون صوتها الخفي في نفسه فقط والجملة بدل من مبعدون أو حال ن ~~ضميره مسوقة للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى «وهم في ما اشتهت أنفسهم ~~خالدون» بيان لفوزهم بالمطالب إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب أي ~~دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للقصر والاهتمام به وقوله تعالى «لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر» بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية بعد بيان نجاتهم من ~~النار لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة عن ~~الحسن رضي الله عنه أنه الانصراف إلى النار وعن الضحاك حتى يطبق على النار ~~وقيل حين يذبح الموت في صورة كبش أملح وقيل النفخة الأخيرة لقوله تعالى ~~ففزع من في السماوات ومن في الأرض وليس بذاك فإن الآمن من ذلك الفزع من ~~استثناه الله تعالى بقوله إلا من شاء الله لا جميع المؤمنين الموصوفين ~~بالأعمال الصالحة على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة ~~كما سيأتي في سورة النمل «وتتلقاهم الملائكة» أي تستقبلهم مهنئين لهم «هذا ~~يومكم» على إرادة القول أي قائلين هذا اليوم يومكم «الذي كنتم توعدون» في ~~الدنيا وتبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات وهذا كما ~~ترى صريح في أن المراد بالذين PageV06P087 # سبقت لهم الحسنى كافة المؤمنين الموصوفين بالايمان والاعمال الصالحة لا ~~من ذكر من المسيح وعزير والملائكة عليهم السلام ms2243 خاصة كما قيل «يوم نطوي ~~السماء» بنون العظمة منصوب باذكر وقيل ظرف لقوله تعالى لا يحزنهم الفزع ~~وقيل بتتلقاهم وقيل حال مقدرة من الضمير المحذوف في توعدون والطي ضد النشر ~~وقيل المحو وقرئ يطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول «كطي السجل» وهى ~~الصحيفة أي طيا كطى الطومار وقرئ السجل كلفظ الدلو وبالكسر والسجل على وزن ~~العتل وهما لغتان واللام في قوله تعالى «للكتب» متعلقة بمحذوف هو حال من ~~السجل أو صفة له على رأى من يجوز حذف الموصول مع بعض صلته أي كطى السجل ~~كائنا للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها ~~فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة وقرئ للكتاب وهو إما مصدر واللام ~~للتعليل أي كما يطوى الطومار للكتابة أو اسم كالإمام فاللام كما ذكر أولا ~~قيل السجل اسم ملك يطوى كتب أعمال بنى آدم إذا رفعت إليه وقيل هو كاتب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم «كما بدأنا أول خلق نعيده» أي نعيد ما ~~خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونها إيجادا بعد العدم أو جمعا من ~~الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول ~~الإمكان الذاتي المصحح للمقدورية وتناول القدرة لهما على السواء وما كافة ~~أو مصدرية وأول مفعول لبدأنا أو لفعل يفسره نعيده أو موصولة والكاف متعلقة ~~بمحذوف يفسره نعيده أي نعيد مثل الذي بدأناه وأول خلق ظرف لبدأنا أو حال ~~ضمير الموصول المحذوف «وعدا» مصدر مؤكد لفعله ومقرر لنعيده أو منتصف به ~~لأنه عدة بالإعادة «علينا» أي علينا إنجازه «إنا كنا فاعلين» لما ذكر لا ~~محالة «ولقد كتبنا في الزبور» هو كتاب دواد عليه السلام وقيل هو اسم لجنس ~~ما أنزل على الأنبياء عليهم السلام «من بعد الذكر» أي التوراة وقيل اللوح ~~المحفوظ أي وبالله لقد كتبنا في كتاب داود بعد ما كتبنا في التوراة أو ~~كتبنا في جميع الكتب المنزلة بعدما كتبنا وأثبتنا في اللوح المحفوظ «أن ~~الأرض يرثها عبادي الصالحون» أي عامة المؤمنين بعد إجلاء ms2244 الكفار وهذا وعد ~~منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن المراد ~~أرض الجنة كما ينبئ عنه قوله تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقناه وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء وقيل الأرض المقدسة يرثها أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم «إن في هذا» أي فيما ذكر في السورة الكريمة من الإخبار ~~والمواعظ البالغة والوعد والوعيد والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد ~~وصحة النبوة «لبلاغا» أي كفاية أو سبب بلوغ إلى البغية «لقوم عابدين» أي ~~لقوم همهم PageV06P088 # العبادة دون العادة «وما أرسلناك» بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام ~~وغير ذلك من الأمور التي هي مناط لسعادة الدارين «إلا رحمة للعالمين» هو في ~~حيز النصب على أنه استثناء من أعم العلل أو من أعم الأحوال أي ما أرسلناك ~~أذكر لعلة من العلل إلا برحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة أو ما أرسلناك في ~~حال من الأحوال إلا حال كونك رحمة لهم فإن لها بعثت به سبب لسعادة الدارين ~~ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين ومن لم يغتنم مغانم آثاره فإنما فرط في ~~نفسه وحرمه حقه لا أنه تعالى حرمه مما يسعده وقيل كونه رحمه في حق الكفار ~~أمنهم من الخسف والمسخ والاستئصال حسبما ينطق به قوله تعالى وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم «قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد» اي ما يوحى إلى ~~إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد لأنه المقصود الأصلي من البعثة وأما ما ~~عداه فمن الأحكام المتفرعة عليه فإنما الأولى لقصر الحكم على الشيء كقولك ~~إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد والثانية لقصر الشيء على الحكم كقولك ~~إنما زبد قائم أي ليس له إلا صفة القيام «فهل أنتم مسلمون» أي مخلصون ~~العبادة لله تعالى مخصصون لها به تعالى والفاء للدلالة على أن ما قبلها ~~موجب لما بعدها قالوا فيه دلالة على أن صفة الوحدانية تصح أن يكون طريقها ~~السمع «فإن تولوا» عن الإسلام ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من الوحي ms2245 «فقل» لهم ~~«آذنتكم» أي أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم «على سواء» كائنتين على سواء ~~في الإعلام به لم أطوه عن أحد منكم أو مستوين به أنا وأنتم في العلم بما ~~أعلمتكم به أو في المعادة أو إيذانا على سواء وقيل أعلمتكم أنى على سواء أي ~~عدل واستقامة رأى بالبرهان النير «وإن أدري» أي ما أدرى «أقريب أم بعيد ما ~~توعدون» من غلبة المسلمين وظهور الدين أو الحشر مع كونه آتيا لا محالة «إنه ~~يعلم الجهر من القول» أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات ~~التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود «ويعلم ما تكتمون» من الإحن والأحقاد ~~للمسلمين فيجازيكم عليه نقيرا أو قطميرا «وإن أدري لعله فتنة لكم» أي ما ~~أدرى لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لكم لينظر ~~كيف تعملون «ومتاع إلى حين» أي وتمتع لكم إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته ~~المبنية على الحكم البالغة ليكون ذلك حجة عليكم PageV06P089 # «قال رب احكم بالحق» حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم وقرئ قل رب على ~~صيغة الأمر أي اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضى لتعجيل العذاب ~~والتشديد عليهم وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم حيث عذبوا بيد أي ~~تعذيب وقرئ رب احكم بضم الباء وربى أحكم على صيغة التفضيل وربي أحكم من ~~الإحكام «وربنا الرحمن» مبتدأ أي كثير الرحمة على عباده وقوله تعالى ~~«المستعان» أي المطلوب منه المعونة وخبر آخر للمبتدأ وإضافة الرب فيما سبق ~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم خاصة لما أن الدعاء من الوظائف الخاصة به صلى ~~الله عليه وسلم كما أن إضافته ههنا إلى ضمير الجمع المنتظم للمؤمنين أيضا ~~لما أن الاستعانة من الوظائف العامة لهم «على ما تصفون» من الحال فإنهم ~~كانوا يقولون إن الشوكة تكون لهم وإن راية الإسلام تخفق ثم تركد وإن ~~المتوعد به لو كان حقا لنزل بهم إلى غير ذلك مما لا خير فيها فاستجاب الله ~~عز وجل دعوة رسوله صلى ms2246 الله عليه وسلم فخيب آمالهم وغير أحوالهم ونصر ~~أولياءه عليهم فأصابهم يوم بدر ما أصابهم والجملة اعتراض تذييلى مقرر ~~لمضمون ما قبله وقرئ يصفون بالياء التحتانية وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ اقترب حاسبه الله تعالى حسابا يسيروا وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر ~~اسمه في القرآن PageV06P090 # سورة الحج مدنية إلا الآيات 52 53 54 55 فبين مكة والمدينة وآياتها 78 ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها الناس اتقوا ربكم» خطاب يعم حكمه ~~المكلفين عند النزول ومن سينتظم في سلكهم بعد من الموجودين القاصرين عن ~~رتبة التكليف والحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة وإن كان خطاب المشافهة ~~مختصا بالفريق الأول على الوجه الذي مر تقريره في مطلع سورة النساء ولفظ ~~الناس ينتظم الذكور والإناث حقيقة وإما صيغة جمع المذكور فواردة على نهج ~~التغليب لعدم تناولها للإناث حقيقة إلا عند الحنابلة والمأمور به مطلق ~~التقوى الذي هو التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك ويندرج فيه الإيمان بالله ~~واليوم الآخر حسبما ورد به الشرع اندراجا أوليا والتعرض لعنوان الربوبية ~~المنبئة عن المالكية والتربية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأييد الامر ~~وتأكيد إيجاب الامتثال به ترهيبا وترغيبا اي احذورا عقوبة مالك أموركم ~~ومربيكم وقوله تعالى «إن زلزلة الساعة شيء عظيم» تعليل لموجب الأمر بذكر ~~بعض عقوباته الهائلة فإن ملاحظة عظمها وهولها وفظاعة ما هي من مباديه ~~ومقدماته من الأحوال والأهوال التي لا ملجأ منها سوى التدرع بلباس التقوى ~~مما يوجب مزيد الاعتناء بملابسته وملازمته لا محالة والزلزلة التحريك ~~الشديد والإزعاج العنيف بطريق التكرير بحيث يزيل الأشياء من مقارها ويخرجها ~~عن مراكزها وإضافتها إلى الساعة إما إضافة المصدر إلى فاعله على المجاز ~~الحكمي كأنها هي التي تزلزل الأشياء أو إضافته إلى الظرف إما بإجرائه مجرى ~~المفعول به إتساعا أو بتقدير في كما في قوله تعالى بل مكر الليل والنهار ~~وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى إذا زلزلت الأرض زلزالها عن الحسن أنها ~~تكون يوم القيامة وعن ابن عباس رضي الله ms2247 عنهما زلزلة الساعة قيامها وعن ~~علقمة والشعبي انها قبل طلوع الشمس من مغربها فإضافتها إلى الساعة حينئذ ~~لكونها من أشراطها وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن ~~إدراك كنهها والعبارة ضيقة لا تحيط بها إلا على وجه الإبهام وقوله تعالى ~~«يوم ترونها» منتصب بما بعده قدم عليه اهتماما به والضمير للزلزلة أي وقت ~~رؤيتكم إياها ومشاهدتكم لهول مطلعها «تذهل كل مرضعة» أي مباشرة للإرضاع ~~«عما أرضعت» أي تغفل مع دهشة عما هي بصدد PageV06P091 # إرضاعه من طفلها الذي ألقمته ثديها والتعبير عنه بما دون من لتأكيد ~~الذهول وكونه بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا لا أنها تعرف شيئيته لكن لا ~~تدري من هو بخصوصه وقيل ما مصدرية أي تذهل عن إرضاعها والأول أدل على شدة ~~الهول وكمال الإنزعاج وقرئ تذهل من الإذهال مبنيا للمفعول أو مبنيا للفاعل ~~مع نصب كل أي تذهلها الزلزلة «وتضع كل ذات حمل حملها» أي تلقى جنيها لغير ~~تمام كما أن المرضعة تذهل عن ولدها لغير فطام وهذا ظاهر على قول علقمة ~~والشعبي وأما على ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما فقد قيل إنه تمثيل ~~لتهويل الأمر وفيه أن الامر حينئذ أشد من ذلك وأعظم وأهول مما وصف وأطم ~~وقيل إن ذلك يكون عند النفخة الثانية فإنهم يقومون على ما صعقوا في النفخة ~~الأولى فتقوم المرضعة على إرضاعها والحامل على حملها ولا ريب في ان قيام ~~الناس من قبورهم بعد النفخة الثانية لا قبلها حتى يتصور ما ذكر «وترى ~~الناس» بفتح التاء والراء على خطاب كل أحد من المخاطبين برؤية الزلزلة ~~والاختلاف بالجمعية والإفراد لما أن المرئي في الأول هي الزلزلة التي ~~يشاهدها الجميع وفي الثاني حال من عدا المخاطب منهم فلا بد من إفراد ~~المخاطب على وجه يعم كل واحد منهم لكن من غير اعتبار اتصافه بتلك الحالة ~~فإن المراد بيان تأثير الزلزلة في المرئي لا في الرائي باختلاف مشاعره لان ~~مداره حيثية رؤيته للزلزلة لا لغيرها كأنه قيل ويصير الناس سكارى ms2248 الخ وإنما ~~أوثر عليه ما في التنزيل للإيذان بكمال ظهور تلك الحالة فيهم وبلوغها من ~~الجلاء إلى حد لا يكاد يخفى على أحد أي يراهم كل أحد «سكارى» أي كأنهم ~~سكارى «وما هم بسكارى» حقيقة «ولكن عذاب الله شديد» فيرهقهم هوله ويطير ~~عقولهم ويسلب تمييزهم فهو الذي جعلهم كما وصفوا وقرئ ترى بضم التاء وفتح ~~وقرىء برفع الناس على إسناد الفعل المجهول إليه والتأنيث على تأويل الجماعة ~~وقرئ ترى بضم التاء وكسر الراء أي ترى الزلزلة الخلق جميع الناس سكارى وقرئ ~~سكرى وسكرى كعطشى وجوعي إجراء للسكر مجرى العلل «ومن الناس» كلام مبتدأ جيء ~~به إثر بيان عظيم شأن الساعة المنبئة عن البعث بيانا لحال بعض المنكرين لها ~~ومحل الجار الرفع على الابتداء إما بحمله على المعنى أو بتقدير ما يتعلق به ~~كما مر مرارا أي وبعض الناس أو وبعض كائن من الناس «من يجادل في الله» أي ~~في شأنه تعالى ويقول فيه مالا خير فيه من الأباطيل وقوله تعالى «بغير علم» ~~حال من ضمير يجادل موضحة لما يشعر بها المجادلة من الجهل أي ملابسا بغير ~~علم روى أنها نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله ~~والقرآن أساطير الأولين ولا بعث بعد الموت وهي عامة له ولأضرابه من العتاة ~~المتمردين «ويتبع» أي فيما يتعاطاه من المجادلة أو في كل ما يأتي وما يذر ~~من الأمور الباطلة التي من جملتها ذلك «كل شيطان مريد» عات متمرد متجرد ~~للفساد وأصله العرى المنبىء عن التمحض له كالتشمر ولعله مأخوذ من تجرد ~~المصارعين عند المصارعة قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس والمراد ~~إما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وإما إبليس وجنوده ~~PageV06P092 # وقوله تعالى «كتب عليه» أي على الشيطان صفة أخرى له وقوله تعالى «أنه» ~~فاعل كتب والضمير للشأن أي رقم به لظهور ذلك من حاله أن الشأن «من تولاه» ~~أي اتخذه وليا وتبعه «فإنه يضله» بالفتح على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ ~~خبره محذوف والجملة جواب ms2249 الشرط إن جعلت من شرطية وخبر لها إن جعلت موصولة ~~متضمنة لمعنى الشرط أي من تولاه فشأنه أنه يضله عن طريق الجنة أو طريق الحق ~~أو فحق انه يضله قطعا وقيل فإنه معطوف على أنه وفيه من التعسف مالا يخفى ~~وقيل وقيل مما لا يخلو عن التمحل والتأويل وقرئ فإنه بالكسر على أنه خبر ~~لمن أو جواب لها وقرئ بالكسر فيهما على حكاية المكتوب كما هو مثل ما في ~~قولك كتبت إن الله يأمر بالعدل والإحسان أو على إضمار القول أو تضمين الكتب ~~معناه على رأى من يراه «ويهديه إلى عذاب السعير» بحمله على مباشرة ما يؤدى ~~إليه من السيئات «يا أيها الناس» إثر ما حكى أحوال المجادلين بغير علم ~~وأشير إلى ما يؤول إليه أمرهم أقيمت الحجة الدالة على تحقيق ما جادلوا فيه ~~من البعث «إن كنتم في ريب من البعث» من إمكانه وكونه مقدورا له تعالى أو من ~~وقوعه وقرئ من البعث بالتحريك كالجلب في الجلب والتعبير عن اعتقادهم في حقه ~~بالريب مع التنكير المنبىء عن القلة مع انهم جازمون باستحالته وإيراد كلمة ~~الشك مع تقرر حالهم في ذلك وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال إن ~~ارتبتم في البعث فقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا «فإنا خلقناكم» أي فانظروا إلى مبدأ خلقكم ليزول ريبكم ~~فانا خلقناكم أي خلقنا كل فرد منكم «من تراب» في ضمن خلق آدم منه خلقا ~~إجماليا فإن خلق كل فرد من أفراد البشر له خظ من خلقه عليه السلام إذا لم ~~تكن فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر ~~أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان خلقه عليه ~~السلام من التراب خلقا للكل منه كما مر تحقيقه مرارا «ثم من نطفة» أي ثم ~~خلقناكم خلقا تفصيليا من نطفة أي من منى من النطف الذي هو الصب «ثم من ~~علقة» أي قطعة من الدم جامدة متكونة ms2250 من المنى «ثم من مضغة» أي من قطعة ~~اللحم متكونة من العلقة وهي في الأصل مقدار ما يمضغ «مخلقة» بالجر صفة مضغة ~~أي مستبينة الخلق مصورة «وغير مخلقة» أي لم يستبن خلقها وصورتها بعد ~~والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولا قطعة لم يظهر فيها شيء PageV06P093 # من الأعضاء ثم ظهرت بعد ذلك شيئا فشيئا وكان مقتضى الترتيب السابق المبنى ~~على التدرج من المبادئ البعيدة إلى القريبة أن يقدم غير المخلقة على ~~المخلقة وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة هذا وقد فسرتا بالمسواة وغير ~~المسواة وبالتامة والساقطة وليس بذاك وفي جعل كل واحدة من هذه المراتب مبدأ ~~لخلقهم لا لخلق ما بعدها من المراتب كما في قوله تعالى ثم خلقنا النطفة ~~علقة فخلقنا العلقة مضغة الآية مزيد دلالة على عظيم قدرته تعالى وكسر لسورة ~~استبعادهم «لنبين لكم» متعلق بخلقنا وترك المفعول لتفخيمه كما وكيفا أي ~~خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم بذلك مالا تحصره العبارة من ~~الحقائق والدقائق التي من جملتها سر البعث فإن من تأمل فيما ذكر من الخلق ~~التدريجي تأملا حقيقيا جزم جزما ضروريا بان على خلق البشر أو لا من تراب لم ~~يشم رائحة الحياة قط وإنشائه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أخرى ~~بتصريفه في أطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال مع ما بين تلك الأطوار ~~والأحوال من المخالفة والتباين فهو قادر على إعادته بل هو أهو في القياس ~~نظرا إلى الفاعل والقابل وقرئ ليبين بطريق الالتفات وقوله تعالى «ونقر في ~~الأرحام ما نشاء» استئناف مسوق لبيان حالهم بعد تمام خلقهم وعدم نظم هذا ~~وما عطف عليه في سلك الخلق المعلل بالتبين مع كونهما من متمماته ومن مبادى ~~التبيين أيضا لما ان دلالة الأول على كمال قدرته تعالى على جميع المقدورات ~~التي من جملتها البعث المبحوث عنه أجلى وأظهر أي ونحن نقر في الأرحام بعد ~~ذلك ما نشاء ان نقره فيها «إلى أجل مسمى» هو وقت الوضع وأدناه ستة أشهر ~~وأقصاه سنتان وقيل أربع سنين ms2251 وفيه إشارة إلى أن بعض ما في الأرحام لا يشاء ~~الله تعالى إقراره فيها بعد تكامل خلقه فتسقطه والتعرض للإزلاق لا يناسب ~~المقام لأن الكلام فيما جرى عليه أطوار الخلق وهذا صريح في ان المراد بغير ~~المخلقة ليس من ولد ناقصا أو معيبا وأن ما فصل إلى هنا هو الأطوار ~~المتواردة على المولود قبل الولادة وقرئ يقر بالياء ونقر ويقر بضم القاف من ~~قررت الماء إذا صببته «ثم نخرجكم» أي من بطون أمهاتكم بعد إقراركم فيها عند ~~تمام الأجل المسمى «طفلا» اي حال كونكم أطفالا والإفراد باعتبار كل واحد ~~منهم أو بإرادة الجنس المنتظم للواحد والمتعدد وقرئ يخرجكم بالياء وقوله ~~تعالى «ثم لتبلغوا أشدكم» علة لنجرجكم معطوفة على علة أخرى له مناسبة لها ~~كأنه قيل ثم نخرجكم لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل ~~والتمييز وقيل التقدير ثم نمهلكم لتبلغوا الخ وما قيل إنه معطوف على نبين ~~مخل بجزالة النظم الكريم هذا وقد قرىء مما قبله من الفعلين بالنصب حكاية ~~وغيبة فهو حينئذ عطف على نبين مثلهما والمعنى خلقناكم على التدريج المذكور ~~لغايتين مترتبتين عليه إحداهما ان نبين شئوننا والثانية أن نقركم في ~~الأرحام ثم نخرجكم صغارا ثم لتبلغوا أشدكم وتقديم التبيين على ما بعده مع ~~ان حصوله بالفعل بعد الكل للإيذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات وإعادة ~~اللام ههنا مع تجريد الأولين عنها للإشعار بأصالته في الغرضية بالنسبة ~~إليهما إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة وإيثار البلوغ ~~مسندا إلى المخاطبين على التبليغ مسندا إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنه ~~المناسب لبيان حال اتصافهم بالكمال واستقلالهم بمبدئية الآثار والأفعال ~~والأشد من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسد والقتود وكأنها حين ~~كانت شدة في غير شيء بنيت على لفظ الجمع «ومنكم من يتوفى» أي بعد بلوغ ~~الأشد أو قبله PageV06P094 # وقرئ يتوفى مبنيا للفاعل اي يتوفاه الله تعالى «ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر» وهو الهرم والخوف وقرئ بسكون الميم وإيراد الرد والتوفى على صيغة ~~المبنى للمفعول ms2252 للجرى على سنن الكبرياء لتعيين الفاعل «لكيلا يعلم من بعد ~~علم» أي علم كثير «شيئا» أي شيئا من الأشياء أو شيئا من العلم مبالغة في ~~انتفاص علمه وانتكاس حاله أي ليعود إلى ما كان عليه في أوان الطفولية من ~~ضعف البنية وسخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه ويعجز عما ~~قدر عليه وفيه من التنبيه على صحة البعث مالا يخفى «وترى الأرض هامدة» حجة ~~أخرى على صحة البعث والخطاب لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية وصيغة المضارع ~~للدلالة على التجدد والاستمرار وهي بصرية وهامدة حال من الأرض أي ميتة ~~يابسة من همدت النار إذا صارت رمادا «فإذا أنزلنا عليها الماء» أي المطر ~~«اهتزت» تحركت بالنبات «وربت» انتفخت وازدادت وقرئ ربأت أي ارتفعت «وأنبتت ~~من كل زوج» أي صنف «بهيج» حسن رائق يسر ناظره «ذلك بأن الله هو الحق» كلام ~~مستأنف جيء به إثر تحقيق حقية البعث وإقامة البرهان عليه من العالمين ~~الإنساني والنباتي لبيان أن ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شؤونه ~~الذاتية والوصفية والفعلية وان ما ينكرون وجوده بل إمكانه من إتيان الساعة ~~والبعث من أسباب تلك الآثار العجيبة التي يشاهدونها في الأنفس والآفاق ~~ومبادى صدورها عنه تعالى وفيه من الإيذن بقوة الدليل وأصله المدلول في ~~التحقيق وإظهار بطلان إنكاره مالا يخفى فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم ~~بتحقيق المسبب مما يقضى ببطلانه بديهة العقول والمراد بالحق هو الثابت الذي ~~يحق ثبوته لا محاله لكونه لذاته لا الثابت مطلقا وذلك إشارة إلى ما ذكر من ~~خلق الإنسان على أطوار مختلفة وتصريفه في أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد ~~موتها وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الكمال وهو مبتدأ خبره ~~الجار والمجرور اي ذلك الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده في ~~ذاته وصفاته وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء «وأنه يحيي الموتى» أي ~~شأنه وعادته إحياؤها وحاصلة أنه تعالى قادر على إحيائها بدء وإعادة وإلا ~~لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرارا بعد ms2253 مرار وما تفيده صيغة المضارع من ~~التجدد إنما هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار نفسها «وأنه على ~~كل شيء قدير» أي مبالغ في القدرة وإلا لما أوجد هذه الموجودات الفائتة ~~للحصر التي من جملتها ما ذكر وأما الاستدلال على ذلك بان قدرته تعالى لذاته ~~الذي نسبته إلى الكل سواء فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض ~~الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها فمنشأه الغفول عما سيق له النظم الكريم ~~من بيان كون الآثار الخاتمة المذكورة من فروع القدرة العامة اللامة ~~ومسبباتها وتخصيص إحياء الموتى بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور ~~عليها للتصريح بما فيه النزاع والدفع في نحور المنكرين وتقديمه لإبراز ~~الاعتناء به «وأن الساعة آتية» أي فيما سيأتي وإيثار صيغة الفاعل على الفعل ~~للدلالة على تحقيق إتيانها وتقرره البتة لاقتضاء الحكمة إياه لا محالة ~~وتعليله بأن التغير من مقدمات الإنصرام وطلائعه مبنى على ما ذكر من الغفول ~~وقوله تعالى «لا ريب فيه» إما خبر PageV06P095 # ثان ى ن أو حال من ضمير الساعة في الخبر ومعنى نفى الريب عنها انها في ~~ظهور أمرها ووضوح دلائلها التكوينية والتنزيلية بحيث ليس فيها مظنة أن ~~يرتاب في إتيانها حسبما مر في مطلع سورة البقرة والجملة عطف على المجرور ~~بالباء كما قبلها من الجملتين داخلة مثلهما في حيز السببية وكذا قوله عز ~~وجل «وأن الله يبعث من في القبور» لكن لا من حيث إن إتيان الساعة وبعث ~~الموتى مؤثران فيما ذكر من أفاعليه تعالى تأثير القدرة فيها بل من حيث إن ~~كلا منهما سبب داع له عز وجل بموجب رأفته بالعباد المبنية على الحكم ~~البالغة إلى ما ذكر من خلقهم ومن إحياء الأرض الميتة على نمط بديع صالح ~~للاستشهاد به على مكانهما ليتأملوا في ذلك ويستدلوا به على وقوعهما لا ~~محالة ويصدقوا بما ينطق بهما من الوحي المبين وينالوا به السعادة الأبدية ~~ولولا ذلك لما فعل تعالى ما فعل بل لما خلق العالم رأسا وهذا كما ترى من ~~أحكام حقيته تعالى ms2254 في أفعاله وابتنائها على الحكم الباهرة كما أن ما قبله ~~من أحكام حقيته تعالى في صفاته وكونها في غاية الكمال وقد جعل إتيان الساعة ~~وبعث من في القبور لكونهما من روادف الحكمة كناية عن كونه تعالى حكيما كأنه ~~قيل ذلك بسبب أنه تعالى قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه حكيم لا ~~يخلف ميعاده وقد وعد بالساعة والبعث فلا بد أن ينفى بما وعد وأنت خبير بأن ~~مآله الاستدلال بحكمته تعالى على إتيان الساعة والبعث وليس الكلام في ذلك ~~بل إنما هو في سببيتها لما مر من خلق الإنسان وإحياء الأرض فنأمل وكن على ~~الحق المبين وقيل قوله تعالى وأن الساعة آتية ليس معطوفا على المجرور ~~بالياء ولا داخلا في حيز السببية بل هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى ~~والتقدير والامر أن الساعة آتية وأن الثانية معطوفة على الأول وقيل المعنى ~~ذلك لتعلموا بان الله هو الحق الآتين «ومن الناس من يجادل في الله» هو أبو ~~جهل بن هشام حسبما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما وقيل هو من يتصدى لاضلال ~~الناس وإغوائهم كائنا من كان كما أن الأول من يقلدهم على أن الشيطان عبارة ~~عن المضل المغوى على الاطلاق «بغير علم» متعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير ~~يجادل أي كائنا بغير علم والمراد بالعلم العلم الضروري كما أن المراد ~~بالهدى في قوله قوله تعالى «ولا هدى» هو الاستدلال والنظر الصحيح الهادي ~~إلى المعرفة «ولا كتاب منير» وحى مظهر للحق أي يجادل في شأنه تعالى من غير ~~تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة نظرية ولا ببرهان سمعي كما في قوله تعالى ~~ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وأما ما قيل ~~من أن المراد به المجادلة الأول والتكرير للتأكيد والتمهيد لما بعده من ~~بيان أنه لا سند له من استدلال أو وحى فلا يساعده النظم الكريم كيف لا وأن ~~وصفه باتباع كل شيطان موصوف بما ذكر يغنى عن وصفه بالعراء عن الدليل ms2255 العقلي ~~والسمعى «ثاني عطفه» حال أخرى من فاعل يجادل أي عاطفا لجانبه وطاويا كشحه ~~معرضا متكبرا فإن ثنى العطف كناية عن PageV06P096 # التكبر وقرئ بفتح العين أي مانعا لتعطفه «ليضل عن سبيل الله» متعلق ~~بيجادل فإن غرضه الاضلال عنه وان لم يعترف بأنه إضلال والمراد به إما ~~الإخراج من الهدى إلى الضلال فالمفعول من يجادله من المؤمنين أو الناس ~~جميعا بتغليب المؤمنين على غيرهم وإما التثبيت على الضلال أو الزيادة عليه ~~مجازا فالمفعول هم الكفرة خاصة وقرئ بفتح الياء وجعل ضلاله غاية لجداله من ~~حيث إن المراد به الضلال المبين الذي لا هداية له بعده مع تمكنه منها قبل ~~ذلك «له في الدنيا خزي» جملة مستأنفة مسوقة لبيان نتيجة ما سلكه من الطريقة ~~أي يثبت له في الدنيا بسبب ما فعله خزى وهو ما أصابه يوم بدر من القتل ~~والصغار «ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق» أي النار المحرقة «ذلك» أي ما ~~ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي وما فيه من معنى البعد للايذان بكونه في ~~الغاية القاصية من الهول والفظاعة وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «بما قدمت ~~يداك» أي بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي وإسناده إلى يديه لما أن ~~الاكتساب عادة يكون بالأيدي والالتفات لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد ومحل ~~أن في قوله عز وعلا «وأن الله ليس بظلام للعبيد» الرفع على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف أي والامر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم والتعبير عن ~~ذلك بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم قطعا على ما نقرر من قاعدة ~~أهل السنة فضلا عن كونه ظالما بالغا قد مر تحقيقه في سورة آل عمران والجملة ~~اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبلها وأما ما قيل من أن محل أن هو الجر ~~بالعطف على ما قدمت فقد عرفت حاله في سورة الأنفال «ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف» شروع في بيان المذبذبين إثر بيان حال المجاهرين أي ومنهم من يعبده ~~تعالى على طرف من الدين لاثبات له فيه ms2256 كالذي ينحرف إلى طرف الجيش فإن أحس ~~بظفر قر وإلا فر «فإن أصابه خير» أي دنيوي من الصحة والسعة «اطمأن به» أي ~~ثبت على ما كان عليه ظاهرا ألا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين الذين لا ~~يلويهم عنه صارف ولا يثنيهم عاطف «وإن أصابته فتنة» أي شئ يفتتن به من ~~مكروه يعتريه في نفسه أو أهله أو ماله «انقلب على وجهه» روى أنها نزلت في ~~أعاريب قدموا المدينة وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت ~~امرأته ولدا سويا وكثر ماله وماشيته قال ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا الا ~~خيرا واطمأن وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شرا وانقلب وعن أبى سعيد ~~الخدري رضى الله عنه أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالاسلام فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني فقال صلى الله عليه وسلم إن الاسلام ~~لا يقال فنزلت وقيل نزلت في المؤلفة قلوبهم «خسر الدنيا والآخرة» فقدهما ~~وضيعهما بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد وقرئ خاسر بالنصب على الحال ~~والرفع على الفاعلية ووضع موضع الضمير PageV06P097 # تنصيصا على خسرانه أو على أنه خبر مبتدأ محذوف «ذلك» أي ما ذكر من ~~الخسران وما فيه من معنى البعد للايذان بكونه في غاية ما يكون «هو الخسران ~~المبين» الواضح كونه خسرانا إذا لا خسران مثله «يدعو من دون الله» استئناف ~~مبين لعظم الخسران أي يعبد متجاوزا عبادة الله تعالى «ما لا يضره» إذا لم ~~يعبده «وما لا ينفعه» إن عبده أي جمادا ليس من شأنه الضر والنفع كما يلوح ~~به تكرير كلمة ما «ذلك» الدعاء «هو الضلال البعيد» عن الحق والهدى مستعار ~~من ضلال من أبعد في التيه ضالا عن الطريق «يدعو لمن ضره أقرب من نفعه» ~~استئناف مسوق لبيان مآل دعائه المذكور وتقرير كونه ضلالا بعيدا مع إزاحة ما ~~عسى يتوهم من نفى الضرر عن معبوده بطريق المباشرة نفيه عنه بطريق التسبب ~~أيضا فالدعاء بمعنى القول واللام داخلة على الجملة الواقعة مقولا له ومن ~~مبتدأ ms2257 وضره مبتدأ ثان خبره أقرب والجملة صلة للمبتدأ الأول وقوله تعالى ~~«لبئس المولى ولبئس العشير» جواب لقسم مقدر هو وجوابه خبر للمبتدأ الأول ~~وإيثار من على ما مع كون معبوده جمادا وإيراد صيغة التفضيل مع خلوه عن ~~النفع بالمرة للمبالغة في تقبيح حاله والامعان في ذمه أي يقول ذلك الكافر ~~يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ولا يرى ~~منه أثر النفع أصلا لمن ضره أقرب من نفعه والله لبئس الناصر هو ولبئس ~~الصاحب هو فكيف بما هو ضرر محض عار عن النفع بالكلية ويجوز أن يكون يدعو ~~الثاني إعادة للأول لا تأكيد له فقط بل وتمهيدا لما بعده من بيان سوء حال ~~معبوده إثر بيان سوء حال عبادته بقوله تعالى ذلك هو الضلال البعيد كأنه قيل ~~من جهته تعالى بعد ذكر عبادته لما لا يضره ولا ينفعه يدعو ذلك ثم قيل لمن ~~ضره أقرب من نفعه والله لبئس المولى ولبئس العشير فكلمة من وصيغة التفضيل ~~للتهكم به وقيل اللام زائدة ومن مفعول يدعو ويؤيده القراء بغير لام أي يعبد ~~من ضره أقرب من نفعه وإيراد كلمة من وصيغة التفضيل تهكم به أيضا والجملة ~~القسمية مستأنفة «إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات» استئناف ~~جئ به لبيان كمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى وأن الله عز وجل ~~يتفضل عليهم بما لا غاية وراءه من أجل المنافع وأعظم الخيرات إثر بيان غاية ~~سوء حال الكفرة ومآلهم من فريقى المجاهرين والمذبذبين وأن معبودهم لا ~~يجديهم شيئا من النفع بل يضرهم مضرة عظيمة وأنهم يعترفون بسوء ولايته ~~وعشرته ويذمونه مذمة عامة وقوله تعالى «تجري من تحتها الأنهار» صفة لجنات ~~فإن أريد بها الأشجار المتكاثقة السائرة لما تحتها فجريان الأنهار من تحتها ~~ظاهر وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف PageV06P098 # أي من تحت أشجارها وإن جعلت عبارة عن مجموع الأرض والأشجار فاعتبار ~~التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل كما مر ~~تفصيله ms2258 في أوائل سورة البقرة وقوله تعالى «إن الله يفعل ما يريد» تعليل لما ~~قبله وتقرير له بطريق التحقيق أي يفعل البتة كل ما يريده من الافعال ~~المتقنة اللائقة المبنية على الحكم الرائقة التي من جملتها إثابة من آمن به ~~وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقاب من اشرك به وكذب برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولما كان هذا من آثار نصرته تعالى له صلى الله عليه وسلم ~~عقب بقوله عز وعلا «من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة» تحقيقا ~~لها وتقريرا لثبوتها على أبلغ وجه وآكده وفيه إيجاز بارع واختصار رائع ~~والمعنى أنه تعالى ناصر لرسوله في الدنيا والآخرة لا محالة من غير صارف ~~يلويه ولا عاطف يثنيه فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه وحساده ويظن أن لن يفعله ~~تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ومباشرة ما يرده من المكايد فليبالغ في ~~استفراغ المجهود وليجاوز في الجد كل حد معهود فقصارى أمره وعاقبة مكره أن ~~يختنق حنقا مما يرى من ضلال مساعيه وعدم إنتاج مقدماته ومباديه «فليمدد ~~بسبب إلى السماء» فليمدد حبلا إلى سقف بيته «ثم ليقطع» أي ليختنق من قطع ~~إذا اختنق لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه وقيل ليقطع الحبل بعد الاختناق على ~~أن المراد به فرض القطع وتقديره كما أن المراد بالنظر في قوله تعالى ~~«فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ» تقدير النظر وتصويره أي فليصور في نفسه ~~النظر هل يذهبن كيده ذلك الذي هو أقصى ما انتهت إليه قدرته في باب المضادة ~~والمضارة ما يغيظه من النصرة كلا ويجوز أن يراد فلينظر الآن أنه إن فعل ذلك ~~هل يذهب ما يغيظه وقيل المعنى فليمدد حبلا إلى السماء المظلة وليصعد عليه ~~ثم ليقطع الوحي وقيل ليقطع المسافة حتى يبلغ عنانها فيجتهد في دفع نصره ~~ويأباه أن مساق النظم الكريم بيان أن الأمور المفروضة على تقدير وقوعها ~~وتحققها بمعزل من إذهاب ما يغيظ ومن البين أن لا معنى لفرض وقوع الأمور ~~الممتنعة وترتيب الأمر بالنظر ms2259 عليه لا سيما قطع الوحي فإن فرض وقوعه مخل ~~بالمرام قطعا وقيل كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين ~~يستبطئون ما وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من النصر وآخرون من ~~المشركين يريدون اتباعه صلى الله عليه وسلم ويخشون أن لا يثبت أمره فنزلت ~~وقد فسر النصر بالرزق فالمعنى أن الرزاق بيد الله تعالى لا تنال إلا ~~بمشيئته تعالى فلا بد للعبد من الرضا بقسمته فمن ظن أن الله تعالى غير ~~رازقه ولم يصبر ولم يستسلم فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب ~~القسمة ولا يرده مرزوقا «وكذلك» أي مثل ذلك الإنزال البديع المنطوى على ~~الحكم البالغة «أنزلناه» أي القرآن الكريم كله وقوله تعالى «آيات بينات» أي ~~واضحات الدلالة على معانيها الرائقة حال من الضمير المنصوب مبينة لما أشير ~~إليه بذلك «وأن الله يهدي» به ابتداء أو يثبت على الهدى أو يزيد فيه «من ~~يريد» هدايته PageV06P099 # أو تثبيته أو زيادته فيها ومحل الجملة إما الجر على حذف الجار المتعلق ~~بمحذوف مؤخر أي ولأن الله يهدى من يريد أنزله كذلك أو الرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف أي والأمر ان الله يهدي من يريد هدايته «إن الذين آمنوا» أي ~~بما ذكر من الآيات البينات بهداية الله تعالى أو بكل ما يجب أن يؤمن به ~~فيدخل فيه ما ذكر دخولا أوليا «والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس» ~~قيل هم قوم يعبدون النار وقيل الشمس والقمر وقيل هم قوم من النصارى اعتزلوا ~~عنهم ولبسوا المسوح وقيل اخذوا من دين النصارى شيئا ومن دين اليهود شيئا ~~وهم القائلون بان للعالم أصلين نورا وظلمة «والذين أشركوا» هم عبدة الأصنام ~~وقوله تعالى «إن الله يفصل بينهم يوم القيامة» في حيز الرفع على أنه خبر ~~لأن السابقة وتصدير طرفي الجملتين بحرف التحقيق لزيادة التقرير والتأكيد أي ~~يقضى بين المؤمنين وبين الفرق الخمس المنفقة على ملة الكفر بإظهار المحق من ~~المبطل وتوفيه كل منهما حقه من الجزاء بإثابة الأول وعقاب الثاني بحسب ~~استحقاق أفراد ms2260 كل منهما وقوله تعالى «إن الله على كل شيء شهيد» تعليل لما ~~قبله من الفصل أي عالم بكل شيء من الأشياء ومراقب لأحواله ومن قضيته ~~الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة وإجراء جزائه ~~اللائق به عليه وقوله تعالى «ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض» الخ بيان لما يوجب الفصل المذكور من أعمال الفرق المذكورة مع ~~الإشارة إلى كيفيته وكونه بطريق التعذيب والإثابة والإكرام والإهانة إثر ~~بيان ما يوجبه من كونه تعالى شهيدا على جميع الأشياء التي من جملتها ~~أحوالهم وأفعالهم والمراد بالرؤية العلم عبر عنه بها إشعار بظهور المعلوم ~~والخطاب لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية بناء على أنه من الجلاء بحيث لا يخفى ~~على أحد والمراد بالسجود هو الانقياد التام لتدبيره تعالى بطريق الاستعارة ~~المبنية على تشبهه بأكمل أفعال المكلف في باب الطاعة إيذانا بكونه في أقصى ~~مراتب التسخر والتذلل لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء سواء جعلت كلمة من ~~عامة لغيرهم أيضا وهو الأنسب بالمقام لإفادته شمول الحكم لكل ما فيهما ~~بطريق القرار فيهما أو بطريق الجزئية منهما فيكون قوله تعالى «والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب» إفرادا لها بالذكر لشهرتها ~~واستبعاد ذلك منها عادة أو جعلت خاصة بالعقلاء لعدم شمول سجود الطاعة لكلهم ~~حسبما ينبئ عنه قوله تعالى «وكثير من الناس» فإنه مرتفع بفعل مضمر يدل عليه ~~المذكور أي ويسجد له كثير من الناس سجود PageV06P100 # طاعة وعبادة ومن قضيته انتفاء ذلك عن بعضهم وقيل هو مرفوع على الابتداء ~~حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حق له الثواب والأول هو الأولى لما ~~فيه من الترغيب في السجود والطاعة وقد جوز أن يكون من الناس خبرا له أي من ~~الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون وأن يكون قوله ~~تعالى «وكثير» معطوفا على كثير الأول للإيذان بغاية الكثرة ثم يخبر عنهم ~~باستحقاق العذاب كأنه قيل وكثير وكثير من الناس «حق عليه العذاب» أي بكفره ~~واستعصائه ms2261 وقرئ حق بالضم وحقا أي حق عليه العذاب حقا «ومن يهن الله» بأن ~~كتب عليه الشقاوة حسبما علمه من صرف اختياره إلى الشر «فما له من مكرم» ~~يكرمه بالسعادة وقرئ بفتح الراء على أنه مصدر ميمي «إن الله يفعل ما يشاء» ~~من الأشياء التي من جملتها الإكرام والإهانة «هذان» تعيين لطرفي الخصام ~~وإزاحة لما عسى يتبادر إلى الوهم من كونه بين كل واحدة من الفرق الست وبين ~~البواقي وتحرير لمحله أي فريق المؤمنين وفريق الكفرة المقسم إلى الفرق ~~الخمس «خصمان» أي فريقان مختصمان وإنما قيل « اختصموا في ربهم» حملا على ~~المعنى أي اختصموا في شأنه عز وجل وقيل في دينه وقيل في ذاته وصفاته والكل ~~من شؤونه تعالى فإن اعتقاد كل من الفريقين بحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه ~~صاحبه وبناء أقواله وأفعاله عليه خصومة للفريق الآخر وإن لم يجر بينهما ~~التحاور والخصام وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود نحن أحق بالله ~~وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون نحن أحق بالله منكم آمنا ~~بمحمد ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم ~~به حسدا فنزلت «فالذين كفروا» تفصيل لما أجمل في قوله تعالى يفصل بينهم يوم ~~القيامة «قطعت لهم» أي قدرت على مقادير جثثهم وقرئ بالتخفيف «ثياب من نار» ~~أي نيران هائلة تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها «يصب من فوق رؤوسهم الحميم» ~~أي الماء الحار الذي انتهت حرارته قال ابن عباس رضي الله عنهما لو قطرت ~~قطرة منها على جبال الدنيا لأذابتها والجملة مستأنفة أو خبر ثان للموصول أو ~~حال من ضمير لهم «يصهر به» أي يذاب «ما في بطونهم» من الأمعاء والأحشاء ~~وقرئ يصهر بالتشديد «والجلود» عطف على ما وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل ~~أو للإشعار بغاية شدة الحرارة بإيهام أن تأثيرها في الباطن أقدم من تأثيرها ~~في الظاهر مع أن ملابستها على العكس والجملة حال من الحميم «ولهم» للكفرة ~~أي لتعذيبهم وأجلهم «مقامع من حديد» جمع مقمعة وهي آلة القمع «كلما ms2262 أرادوا ~~أن يخرجوا منها» أي أشرفوا على PageV06P101 # الخروج من النار ودنوا منه حسبما يروى أنها تضربهم بلهيبها فترفعهم حتى ~~إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهروا فيها سبعين خريفا «من غم» أي من ~~غم شديد من غمومها وهو بدل اشتمال من الهاء بإعادة الجار والرابط محذوف كما ~~أشير إليه أو مفعول له للخروج «أعيدوا فيها» أي في قعرها بأن ردوا من ~~أعاليها إلى أسافلها من غير أن يخرجوا منها «وذوقوا» على تقدير قول معطوف ~~على أعيدوا أي وقيل لهم ذوقوا «عذاب الحريق» أي الغليظ من النار المنتشر ~~العظيم الإهلاك «إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار» بيان لحسن حال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة وقد غير ~~الأسلوب فيها بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل وتصدير الجملة بحرف التحقيق ~~إيذانا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة وإظهارا لمزيد العناية بأمر ~~المؤمنين ودلالة على تحقق مضمون الكلام «يحلون فيها» على البناء للمفعول ~~بالتشديد من التحلية وقرئ بالتخفيف من الإحلاء بمعنى الإلباس أي يحليهم ~~الملائكة بأمره تعالى وقرئ يحلون من حلية المرأة إذا لبست حليتها ومن في ~~قوله تعالى «من أساور» إما للتبعيض أي بعض أساور وهي جمع أسورة جمع سوار أو ~~للبيان لما أن ذكر التحلية مما ينبئ عن الحلى المبهم وقيل زائدة وقيل نعت ~~لمفعول محذوف ليحلون فإنه بمعنى يلبسون «من ذهب» بيان للأساور «ولؤلؤا» عطف ~~على محل من أساور أو على المفعول المحذوف أو منصوب بفعل مضمر يدل عليه ~~يحلون أي يؤتون وقرئ بالجر عطفا على أساور وقرئ لؤلؤا بقلب الهمزة الثانية ~~واوا ولوليا بقلبها ياء بعد قلبهما واوا وليليا بقلبهما ياء «ولباسهم فيها ~~حرير» غير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا لكن لا للدلالة على أن ~~الحرير ثيابهم المعتادة أو لمجرد المحافظة على هيئة الفواصل بل للإيذان بأن ~~ثبوت اللباس لهم أمر محقق غنى عن البيان إذ لا يمكن عراؤهم عنه وإنما ~~المحتاج إلى البيان أن لباسهم ماذا بخلاف الأساور واللؤلؤ فإنها ليست ms2263 من ~~اللوازم الضرورية فجعل بيان تحليتهم بها مقصودا بالذات ولعل هذا هو الباعث ~~لي تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس «وهدوا إلى الطيب من القول» وهو ~~قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة الآية ~~«وهدوا إلى صراط الحميد» أي المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة ووجه تأخير ~~هذه الهداية عن ذكر الهداية إلى القول المذكور المتأخر عن دخول الجنة ~~المتأخر عن الهداية إلى طريقها لرعاية الفواصل وقيل المراد بالحميد الحق ~~المستحق لذاته لغاية الحمد وهو الله عز وجل وصراطه الإسلام ووجه التأخير ~~حينئذ أن ذكر الحمد يستدعى ذكر المحمود «إن الذين كفروا PageV06P102 # ويصدون عن سبيل الله» ليس المراد به حالا ولا استقبالا وإنما هو استمرار ~~الصد ولذلك حسن عطفه على الماضي كما في قوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله وقيل هو حال من فاعل كفروا أي وهم يصدون وخبر إن محذوف ~~لدلالة آخر الآية الكريمة عليه فإن من ألحد في الحرم حيث عوقب بالعذاب ~~الأليم فلأن يعاقب من جمع إليه الكفر والصد عن سبيل اله بأشد من ذلك أحق ~~وأولى «والمسجد الحرام» عطف على سبيل الله قيل المراد به مكة بدليل وصفه ~~بقوله تعالى «الذي جعلناه للناس» أي كائنا من كان من غير فرق بين مكي ~~وآفاقي «سواء العاكف فيه والباد» أي المقيم والطارئ وسواء أي مستويا مفعول ~~ثان لجعلناه والعاكف مرتفع به واللام متعلق به ظرف له وفائدة وصف المسجد ~~الحرام بذلك زيادة تشنيع الصادين عنه وقرئ سواء بالرفع على أنه خبر مقدم ~~والعاكف مبتدأ والجملة مفعول ثان للجعل وقرئ العاكف بالجر على أنه بدل من ~~الناس «ومن يرد فيه» مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول كأنه قبل ومن برد ~~فيه مرادا ما «بإلحاد» بعدول عن القصد «بظلم» بغير حق وهما حالان مترادفان ~~أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة أي ملحدا بسبب الظلم كالإشراك ~~واقتراف الآثام «نذقه من عذاب أليم» جواب لمن «وإذ بوأنا» يقال بوأه منزلا ~~أي أنزله ms2264 فيه ولما لزمه جعل الثاني مباءة للأول قيل «لإبراهيم مكان البيت» ~~وعليه مبنى قول ابن عباس رضي اله عنهما جعلناه أي اذكر وقت جعلنا مكان ~~البيت مباءة له عليه السلام أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة وتوجيه ~~الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر ~~بيانه غير مرة وقيل اللام زائدة ومكان ظرف كما في أصل الاستعمال أي أنزلناه ~~فيه قيل رفع البيع إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء فأعلم ~~الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج كنست ما ~~حوله فبناه على رأسه القديم روى أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات إحداها ~~بناء الملائكة وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفعت أيام الطوفان والثانية بناء ~~إبراهيم عليه السلام والثالثة بناء قريش في الجاهلية وقد حضر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذا البناء والرابعة بناء ابن الزبير والخامسة بناء الحجاج ~~وقد أوردنا ما في هذا الشأن من الأقاويل في تفسير قوله تعالى وإذ يرفع ~~إبراهيم القواعد من البيت وأن في قوله تعالى «أن لا تشرك بي شيئا» مفسرة ~~لبوأنا من حيث إنه متضمن لمعنى تعبدنا لأن التبوئة للعبادة أو مصدرية ~~موصولة بالنهي وقد مر تحقيقه في أوائل سورة هود أي فعلنا ذلك لئلا تشرك بي ~~في العبادة شيئا «وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود» أي وطهر ~~بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه ولعل التعبير عن الصلاة ~~بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعت ~~وقرئ يشرك بالياء «وأذن في الناس» أي ناد فيهم وقرئ آذان «بالحج» بدعوة ~~PageV06P103 # الحج والأمر به روى أنه عليه السلام صعد أبا قبيس فقال يا أيها الناس ~~حجوا بيت ربكم فأسمعه الله تعالى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما ~~بين المشرق والمغرب ممن سبق في علمه تعالى أن يحج وقيل الخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في حجة الوداع ويأباه كون السورة ms2265 مكية «يأتوك» ~~جواب للأمر «رجالا» أي مشاة جمع راجل كقيام جمع قائم وقرئ بضم الراء وتخفيف ~~الجيم وتشديده ورجالي كعجالي «وعلى كل ضامر» عطف على رجالا أي وركبانا على ~~كل بعير مهزول أتعبه بعد الشقة فهزله أو زاد هزاله «يأتين» صفة لضامر ~~محمولة على المعنى وقرئ يأتون على انه صفة للرجال والركبان أو استئناف ~~فيكون الضمير للناس «من كل فج» طريق واسع «عميق» بعيد وقرئ معيق يقال بئر ~~بعيدة العمق وبعيدة المعق بمعنى كالجذب والجبذ «ليشهدوا» متعلق بيأتوك لا ~~بأذن أي ليحضروا «منافع» عظيمة الخطر كثيرة العدد أو نوعا من المنافع ~~الدينية والدنيوية المختصة بهذه العبادة واللام في قوله تعالى «لهم» متعلق ~~بمحذوف هو صفة لمنافع أي منافع كائنة لهم «ويذكروا اسم الله» عند إعداد ~~الهدايا والضحايا وذبحها وفي جعله غاية للإتيان إيذان بأنه الغاية القصوى ~~دون غيره وقيل هو كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه «في أيام معلومات» هي ~~أيام النحر كما ينبئ عنه قوله تعالى «على ما رزقهم من بهيمة الأنعام» فإن ~~المراد بالذكر ما وقع عند الذبح وقيل هي عشر ذي الحجة وقد علق الفعل ~~بالمرزوق وبين بالبهيمة تحريضا على التقرب وتنبيها على الذكر «فكلوا منها» ~~التفات إلى الخطاب والفاء فصيحة عاطفة لمدخولها على مقدر قد حذف للإشعار ~~بأنه أمر محقق غير محتاج إلى التصريح به كما في قوله تعالى فانفجرت أي ~~فاذكروا اسم الله على ضحاياكم فكلوا من لحومها والأمر للإباحة وإزاحة ما ~~كانت عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه أو للندب إلى مواساة الفقراء ~~ومساواتهم «وأطعموا البائس» أي الذي أصابه بؤس وشدة «الفقير» المحتاج وهذا ~~الأمر للوجوب وقد قيل به في الأول أيضا «ثم ليقضوا تفثهم» أي ليؤذوا إزالة ~~وسخهم أو ليحكموها بقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال ~~«وليوفوا نذورهم» ما ينذرون من البر في حجهم وقيل مواجب الحج وقرئ بفتح ~~الواو وتشديد الفاء «وليطوفوا» طواف الركن الذي به يتم التحلل فإنه قرينة ~~فضاء التفث وقيل طواف الوداع «بالبيت العتيق» أي القديم ms2266 فإنه أول بيت وضع ~~للناس أو المعتق من تسلط الجبابرة فكأين من جبار سار إليه ليهدمه فقصمه ~~الله عز وجل وأما الحجاج الثقفي فإنما قصد إخراج ابن الزبير رضي الله عنهما ~~منه لا التسلط عليه «ذلك» أي الأمر ذلك وهذا وأمثاله PageV06P104 # يطلق للفصل بين الكلامين أو بين وجهي كلام واحد «ومن يعظم حرمات الله» أي ~~أحكامه وسائر مالا يحل هتكه بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه وقيل ~~الحرم وما يتعلق بالحج من التكليف وقيل الكعبة والمسجد الحرام والبلد ~~الحرام والشهر الحرام «فهو خير له» أي فالتعظيم خير له ثوابا «عند ربه» أي ~~في الآخرة والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير من لتشريفه ~~والإشعار بعلة الحكم «وأحلت لكم الأنعام» وهي الأزواج الثمانية على الإطلاق ~~فقوله تعالى «إلا ما يتلى عليكم» أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه استثناء ~~متصل منها على أن ما عبارة عما حرم منها لعارض كالميتة وما أهل به لغير ~~الله تعالى والجملة اعتراض جيء به تقريرا لما قبله من الأمر بالأكل ~~والإطعام ودفعا لما عسى بتوهم أن الإحرام يحرمه كما يحرم الصيد وعدم ~~الاكتفاء ببيان عدم كونها من ذلك القبيل بحمل الأنعام على ما ذكر من ~~الضحايا والهدايا المعهودة خاصة لئلا يحتاج إلى الاستثناء المذكور إذ ليس ~~فيها ما حرم لعارض قطعا لمراعاة حسن التخلص إلى ما بعده من قوله تعالى ~~«فاجتنبوا الرجس من الأوثان» فإنه مترتب على ما يفيده قوله تعالى ومن يعظم ~~حرمات الله من وجوب مراعاتها والاجتناب عن هتكها ولما كان بيان حل الأنعام ~~من دواعي التعاطي لا من مبادئ الاجتناب عقب بما يوجب الاجتناب عنه من ~~المحرمات ثم أمر بالاجتناب عما هو أقصى الحرمات كأنه قيل ومن يعظم حرمات ~~الله فهو خير له والأنعام ليست من الحرمات فإنها محللة لكم إلا ما يتلى ~~عليكم آية تحريمه فإنه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ما هو معظم الأمور ~~التي يجب الاجتناب عنها وقوله تعالى «واجتنبوا قول الزور» تعميم بعد تخصيص ~~فإن عبادة الأوثان رأس لزور ms2267 كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبع ذلك ردا ~~لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما والافتراء على ~~الله تعالى بأنه حكم بذلك وقيل شهادة الزور لما روى أنه عليه السلام قال ~~عدلت شهادة الزور الإشراك بالله تعالى ثلاثا وتلا هذه الآية والزور من ~~الزور وهو الانحراف كالإفك المأخوذ من الإفك الذي هو القلب والصرف فإن ~~الكذب منحرف مصروف عن الواقع وقيل هو قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا ~~شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك «حنفاء لله» مائلين عن كل دين زائغ ~~إلى الدين الحق مخلصين له تعالى «غير مشركين به» أي شيئا من الأشياء فيدخل ~~في ذلك الأوثان دخولا أوليا وهما حالان من واو فاجتنبوا «ومن يشرك بالله» ~~جملة مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الاجتناب عن الإشراك وإظهار الاسم الجليل ~~لإظهار حال قبح الإشراك «فكأنما خر من السماء» لأنه مسقط من أوج الإيمان ~~إلى حضيض الكفر «فتخطفه الطير» فإن الأهواء المردية توزع أفكاره وقرئ ~~فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء وبكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما ~~وأصلهما تختطفه «أو تهوي به الريح» أي تسقطه وتقذفه «في مكان سحيق» بعيد ~~فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة PageV06P105 # وأو للتخيير كما في أو كصيب أو للتنويع ويجوز أن يكون من باب التشبيه ~~المركب فيكون المعنى ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكا شبيها بهلاك أحد ~~الهالكين «ذلك» أي الأمر ذلك أو امتثلوا ذلك «ومن يعظم شعائر الله» أي ~~الهدايا فإنها من معالم الحج وشعائره تعالى كما ينبئ عنه والبدن جعلناها ~~لكم من شعائر الله وهو الأوفق لما بعده وتعظيمها اعتقاد أن التقرب بها من ~~أجل القربات وأن يختارها حسانا سمانا غالية الأثمان روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب وأن عمر رضي ~~الله عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار «فإنها» أي فإن تعظيمها «من ~~تقوى القلوب» أي من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت ms2268 هذه المضافات والعائد إلى ~~من أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب وتخصيصها بالإضافة لأنها مراكز ~~التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء «لكم فيها» أي ~~في الهدايا «منافع» هي درها ونسلها وصوفها وظهرها «إلى أجل مسمى» هو وقت ~~نحرها والتصدق بلحمها والأكل منه «ثم محلها» أي وجوب نحرها أو وقت نحرها ~~منتهية «إلى البيت العتيق» أي إلى ما يليه من الحرم وثم للتراخي الزماني أو ~~الرتبي أي لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت نحرها ثم منافع دينية أعظمها في ~~النفع محلها أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها إلى البيت العتيق أي منتهية ~~إليه هذا وقد قيل المراد بالشعائر مناسك الحج ومعالمه والمعنى لكم فيها ~~منافع بالأجر والثواب في قضاء المناسك وإقامة شعائر الحج إلى أجل مسمى هو ~~انقضاء أيام الحج ثم محلها أي محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق أي ~~منته إليه بأن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد قضاء المناسك فإضافة ~~المحل إليها لأدنى ملابسة «ولكل أمة» أي لكل أهل دين «جعلنا منسكا» أي ~~متعبدا وقربانا يتقربون به إلى الله عز وجل وقرئ بكسر السين أي موضع نسك ~~وتقديم الجار والمجرور على الفعل للتخصيص أي لكل أمة من الأمم جعلنا منسكا ~~لا لبعض دون بعض «ليذكروا اسم الله» خاصة دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه ~~الكريم علل الجعل به تنبيها على أن المقصود الأصلي من المناسك تذكر المعبود ~~«على ما رزقهم من بهيمة الأنعام» عند ذبحها وفيه تنبيه على أن القربان يجب ~~أن يكون من الأنعام والخطاب في قوله تعالى «فإلهكم إله واحد» للكل تغليبا ~~والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن جعله تعالى لكل أمة من الأمم ~~منسكا مما يدل على وحدانيته تعالى وإنما قيل إله واحد ولم يقل واحد لما أن ~~المراد بيان أنه تعالى واحد في ذاته كما أنه واحد في إلهيته للكل والفاء في ~~قوله تعالى «فله أسلموا» لترتيب ما بعدها من الأمر بالإسلام على وحدانيته ~~تعالى ms2269 وتقديم الجار والمجرور على الأمر PageV06P106 # للقصر أي فإذا كان إلهكم إلها واحدا فأخلصوا له التقرب أو الذكر واجعلوه ~~لوجهه خاصة ولا تشوبوه بالشرك «وبشر المخبتين» تجريد للخطاب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أي المتواضعين أو المخلصين فإن الإخبات من الوظائف ~~الخاصة بهم «الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» منه تعالى لإشراق أشعة جلاله ~~عليها «والصابرين على ما أصابهم» من مشاق التكاليف ومؤنات النوائب ~~«والمقيمي الصلاة» في أوقاتها وقرئ بنصب الصلاة على تقدير النون وقرئ ~~والمقيمين الصلاة على الأصل «ومما رزقناهم ينفقون» في وجوه الخيرات ~~«والبدن» بضم الباء وسكون الدال وقرئ بضمها وهما جمعا بدنة وقيل الأصل ضم ~~الدال كخشب وخشبة والتسكين تخفيف منه وقرئ بتشديد النون على لفظ الوقف ~~وإنما سميت بها الإبل لعظم بدنها مأخوذة من بدن بداية وحيث شاركها البقرة ~~في الإجزاء عن سبعة بقوله صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن ~~سبعة جعلا في الشريعة جنسا واحدا وانتصابه بمضمر يفسره «جعلناها لكم» وقرئ ~~بالرفع على أنه مبتدأ والجملة خبره وقوله تعالى «من شعائر الله» أي من ~~أعلام دينه التي شرعها الله تعالى مفعول ثان للجعل ولكم ظرف لغو متعلق به ~~وقوله تعالى «لكم فيها خير» أي منافع دينية ودنيوية جملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها «فاذكروا اسم الله عليها» بأن تقولوا عند ذبحها الله أكبر لا إله إلا ~~الله والله أكبر اللهم منك وإليك «صواف» أي قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن ~~وقرئ صوافن من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف سنبك الرابعة لان ~~البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث وقرئ صوافا بإبدال التنوين من حرف ~~الإطلاق عند الوقف وقرئ صوافي أي خوالص لوجه الله عز وجل وصواف على لغة من ~~يسكن الياء على الإطلاق كما في قوله لعلي أرى باق على الحدثان «فإذا وجبت ~~جنوبها» سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت «فكلوا منها وأطعموا القانع» ~~الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسئلة ويؤيده أنه قرئ القنع أو السائل من ms2270 ~~قنع إليه قنوعا إذا خضع له في السؤال «والمعتر» أي المتعرض للسؤال وقرئ ~~المعترى يقال عره وعراه واعتره واعتراه «كذلك» مثل ذلك التسخير البديع ~~المفهوم من قوله تعالى صواف «سخرناها لكم» مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا ~~تستعصى عليكم حتى تأخذوها منقادة فتعقلونها وتحبسونها صافة قوائمها ثم ~~تطعنون في لباتها «لعلكم تشكرون» لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص ~~«لن ينال الله» أي لن يبلغ مرضاته ولن يقع منه موقع القبول «لحومها» ~~PageV06P107 # المتصدق بها «ولا دماؤها» المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء «ولكن ~~يناله التقوى منكم» ولكن يصيبه تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى الامتثال بأمره ~~تعالى وتعظيمه والتقرب إليه والإخلاص له وقيل كان أهل الجاهلية يلطخون ~~الكعبة بدماء قرابينهم فهم به المسلمون فنزلت «كذلك سخرها لكم» تكرير ~~للتذكر والتعليل بقوله تعالى «لتكبروا الله» أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ~~ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء وقيل هو التكبير عند الإحلال أو ~~الذبح «على ما هداكم» أي أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها وما ~~مصدرية أو موصولة أي على هدايته إياكم أو على ما هداكم إليه وعلى متعلقة ~~بتكبروا لتضمنه معنى الشكر «وبشر المحسنين» أي المخلصين في كل ما يأنون وما ~~يذرون في أمور دينهم «إن الله يدافع عن الذين آمنوا» كلام مستأنف مسوق ~~لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن الله تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا ~~يقدرون على صدهم عن الحج ليتفرغوا إلى أداء مناسكه وتصديره بكلمة التحقيق ~~لإبراز الاعتناء التام بمضمونه وصيغة المفاعلة إما للمبالغة أو الدلالة على ~~تكرر الدفع فإنها قد تجرد عن وقوع الفعل المتكرر من الجانبين فيبقى تكرره ~~كما في الممارسة أي يبالغ في دفع غائلة المشركين وضررهم الذي من جملته الصد ~~عن سبيل الله مبالغة من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرة بعد أخرى حسبما تجدد ~~منهم القصد إلى الإضرار بالمسلمين كما في قوله تعالى كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله وقرئ يدفع والمفعول محذوف وقوله تعالى «إن الله لا يحب ~~كل خوان كفور» تعليل لما ms2271 في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان ~~بأن دفعهم بطريق القهر والخزي ونفى المحبة كناية عن البغض أي إن الله يبغض ~~كل خوان في أماناته تعالى وهي أوامره ونواهيه أو في جميع الأمانات التي هي ~~معظمها كفور لنعمته وصيغة المبالغة فيهما لبيان أنهم كذلك لا لتقييد البغض ~~بغاية الخيانة والكفر أو للمبالغة في نفي المحبة على اعتبار النفي أو لا ~~وإيراد معنى المبالغة ثانيا «آذن» أي رخص وقرئ على البناء للفاعل أي أذن ~~الله تعالى «للذين يقاتلون» أي يقاتلهم المشركون والمأذون فيه محذوف لدلالة ~~المذكور عليه فإن مقاتلة المشركين إياهم دالة على مقاتلتهم إياهم دلالة ~~نيرة وقرئ على صيغة المبنى للفاعل أي يريدون أن يقاتلوا المشركين فيما ~~سيأتي ويحرصون عليه فدلالته على المحذوف أظهر «بأنهم ظلموا» أي بسبب أنهم ~~ظلموا وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كان المشركون يؤذونهم ~~وكانوا يأتونه صلى الله عليه وسلم بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول ~~صلى الله عليه وسلم لم اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجروا فأنزلت وهي ~~أول آية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية «وإن الله على ~~نصرهم لقدير» وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفع وتصريح ~~بان المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين بل تغليبهم وإظهارهم ~~عليهم والإخبار بقدرته تعالى على نصرهم وارد على سنن الكبرياء وتأكيده ~~بكلمة التحقيق واللام للمزيد تحقيق مضمونه وزيادة توطين نفوس المؤمنين ~~PageV06P108 # وقوله تعالى «الذين أخرجوا من ديارهم» في حيز الجر على أنه صفة للموصول ~~الأول أو بيان له أو بدل منه أو في محل النصب على المدح أو في محل الرفع ~~بإضمار مبتدأ والجملة مرفوعة على المدح والمراد بديارهم مكة المعظمة «بغير ~~حق» متعلق بأخرجوا أي أخرجوا بغير ما يوجب إخراجهم وقوله تعالى «إلا أن ~~يقولوا ربنا الله» بدل من حق أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون ~~موجبا للإقرار والتمكين دون الإخراج والتسيير لكن لا على الظاهر ms2272 بل على ~~طريقة قول النابغة [ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب] ~~وقي الاستثناء منقطع «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض» بتسليط المؤمنين ~~على الكفارين في كل عصر وزمان وقرئ دفاع «لهدمت» لخربت باستيلاء المشركين ~~على أهل الملل وقرئ هدمت بالتخفيف «صوامع» للرهابنة «وبيع» للنصارى ~~«وصلوات» أي وكنائس لليهود سميت بها لأنها يصلى فيها وقيل أصلها صلوتا ~~بالعبرية فعربت «ومساجد» للمسلمين «يذكر فيها اسم الله كثيرا» أي ذكرا ~~كثيرا أو وقتا كثيرا صفة مادحة للمساجد خصت بها دلالة على فضلها وفضل أهلها ~~وقيل صفة للأربع وليس كذلك فإن بيان ذكر الله عز وجل في الصوامع والبيع ~~والكنائس بعد انتساخ شرعيتها مما لا يقتضيه المقام ولا يرتضيه الأفهام ~~«ولينصرن الله من ينصره» أي وبالله ينصرن الله من ينصر أولياءه أو من ينصر ~~دينه ولقد أنجز الله عز سلطانه وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد ~~العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم وأورثهم أرضهم وديارهم «إن الله لقوي» ~~على كل ما يريده من مراداته التي من جملتها نصرهم «عزيز» لا يمانعه شيء ولا ~~يدافعه «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر» وصف من الله عز وجل للذين أخرجوا من ديارهم بما ~~سيكون منهم من حسن السيرة عند تمكينه تعالى إياهم في الأرض وإعطائه إياهم ~~زمام الأحكام منيء عن عدة كريمة على أبلغ وجه وألطفه وعن عثمان رضي الله ~~عنه هذا والله ثناء قبل بلاء يريد أنه تعالى أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من ~~الخير ما أحدثوا قالوا وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين لأنه تعالى ~~لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين لاحظ في ~~ذلك للأنصار والطلقاء وعن الحسن رحمه الله هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقيل الذين بدل من قوله من ينصره «ولله» خاصة «عاقبة الأمور» فإن مراجعها ~~إلى حكمه وتقديره فقط وفيه تأكيد للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته ~~PageV06P109 # «وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم ms2273 قوم نوح» تسلية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متضمنة للوعد الكريم بإهلاك من يعاديه من الكفرة وتعيين لكيفية نصره ~~تعالى له الموعود بقوله تعالى ولينصرن الله من ينصره وبيان لرجوع عاقبة ~~لأمور إليه تعالى وصيغة المضارع في الشرط مع تحقق التكذيب لما أن المقصود ~~تسليته صلى الله عليه وسلم عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع أي وإن ~~تحزن على تكذيبهم إياك فاعلم أنك لست بأوحدى في ذلك فق كذبت قبل تكذيب قومك ~~إياك قوم نوح «وعاد وثمود» «وقوم إبراهيم وقوم لوط» «وأصحاب مدين» أي رسلهم ~~ممن ذكر ومن لم يذكر وإنما حذف لكمال ظهور المراد أو لأن المراد نفس الفعل ~~أي فعلت التكذيب قوم نوح إلى آخره «وكذب موسى» غير النظم الكريم بذكر ~~المفعول وبناء الفعل له لا لأن قومه بنو إسرائيل وهم لم يكذبوه وإنما كذبه ~~القبط لما أن ذلك إنما يقتضي عدم ذكرهم بعنوان كونهم قوم موسى لا بعنوان ~~آخر على أن بني إسرائيل أيضا قد كذبوه مرة بعد أخرى حسبما ينطق به قوله ~~تعالى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ونحو ذلك من الآيات الكريمة بل للإيذان ~~بأن تكذيبهم له كان في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح وقوله تعالى ~~«فأمليت للكافرين» أي أمهلتهم حتى انصرمت حبال آجالهم والفاء لترتيب إمهال ~~كل فريق من فرق المكذبين على تكذيب ذلك الفريق لا لترتيب إمهال الكل على ~~تكذيب الكل ووضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى المكذبين لذمهم بالكفر ~~والتصريح بمكذبي موسى عليه السلام حيث لم يذكروا فيما قبل صريحا «ثم ~~أخذتهم» أي أخذت كل فريق من فرق المكذبين بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله ~~«فكيف كان نكير» أي إنكاري عليهم بالإهلاك أي فكان ذلك في غاية ما يكون من ~~الهول والفظاعة وقوله تعالى «فكأين من قرية» منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى ~~«أهلكناها» أي فأهلكنا كثيرا من القرى بإهلاك أهلها والجملة بدل من قوله ~~تعالى فكيف كان نكير أو مرفوع على الابتداء وأهلكنا خبره أي فكثير من ms2274 القرى ~~أهلكناها وقرئ أهلكتها على وفق قوله تعالى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف ~~كان نكير «وهي ظالمة» جملة حالية من مفعول أهلكنا وقوله تعالى «فهي خاوية» ~~عطف على أهلكناها لأعلى وهي ظالمة لأنها حال والإهلاك ليس في حال خواتها ~~فعلى الأول لا محل له من الإعراب كالمعطوف عليه وعلى الثاني في محل الرفع ~~لعطفه على الخبر والخواء إما بمعنى السقوط من خوى النجم إذا سقط فالمعنى ~~فهي ساقطة حيطانها PageV06P110 # «على عروشها» أي سقوفها بان تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها ~~فسقطت فوق السقوف وإسناد السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل ~~البنيان لكونها عمدة فيه وأما بمعنى الخلو من خوى المنزل إذا خلا من أهله ~~فالمعنى فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فتكون على بمعنى مع ويجوز أن ~~يكون على عروشها خبرا بعد خبر أي فهي خالية وهي على عروشها أي قائمة مشرفة ~~على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض وبقيت الحيطان قائمة فهي ~~مشرفة على السقوف الساقطة وإسناد الإشراف إلى الكل مع كونه حال الحيطان لما ~~مر آنفا «وبئر معطلة» عطف على قرية أي وكم بئر عارة في البوادي تركت لا ~~يستقى منها لهلاك أهلها وقرئ بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله «وقصر مشيد» ~~مرفوع البنيان أو مجصص أخليناه عن ساكنيه وهذا يؤيد كون معنى خاوية على ~~عروشها خالية مع بقاء عروشها وقيل المراد بالبئر بئر بسفح جبل بحضرموت ~~وبالقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من بقايا قوم صالح ~~فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما «أفلم يسيروا في الأرض» حث لهم أن ~~يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا وهم وإن كانوا قد سافروا فيها ~~ولكنهم حيث لم يسافروا للاعتبار جعلوا غير مسافرين فحثوا على ذلك والفاء ~~لعطف ما بعدها على مقدر يقتضيه المقام أي أغفلوا فلم يسيروا فيها «فتكون ~~لهم» بسبب ما شاهدوه من مواد الاعتبار ومظان الاستبصار «قلوب يعقلون بها» ~~ما يجب أن يعقل من التوحيد «أو آذان يسمعون بها» ما يجب ms2275 أن يسمع من الوحي ~~أو من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف منهم بحالهم ~~«فإنها لا تعمى الأبصار» الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار وفي تعمى ضمير ~~راجع إليه وقد أقيم الظاهر مقامه «ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» أي ليس ~~الخلل في مشاعرهم وإنما هو في عقولهم باتباع الهوى والانهماك في الغفلة ~~وذكر الصدور للتأكيد ونفى توهم التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ~~ليس المتعارف الذي يختص بالبصر قيل لما نزل قوله تعالى ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى قال ابن أم مكتوم يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى ~~أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت «ويستعجلونك بالعذاب» كانوا منكرين لمجئ ~~العذاب المتوعد به أشد الإنكار وإنما كانوا يستعجلون به استهزاء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتعجيزا له على زعمهم فحكى عنهم ذلك بطريق التخطئة ~~والاستنكار فقوله تعالى «ولن يخلف الله وعده» إما جملة حالية جئ بها لبيان ~~بطلان إنكارهم لمجيئه في ضمن استعجالهم به وإظهار خطئهم فيه كأنه قيل كيف ~~ينكرون مجئ العذاب الموعود والحال أنه تعالى لا يخلف وعده أبدا وقد سبق ~~الوعد فلابد من مجيئه حتما أو اعتراضية مبينة لما ذكر وقوله تعالى «وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون» جملة مستأنفة إن كانت الأولى حالية ~~ومعطوفة عليها إن كانت اعتراضية سيقت لبيان PageV06P111 # خطئهم في الاستعجال المذكور ببيان كمال سعة ساحة حلمه تعالى ووقاره ~~وإظهار غاية ضيق عطلهم المستتبع لكون المدة القصيرة عنده تعالى مددا طوالا ~~عندهم حسبما ينطق به قوله تعالى إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ولذلك يرون ~~مجيئه بعيدا ويتخذونه ذريعة إلى إنكاره ويجترئون على الاستعجال به ولا ~~يدرون أن معيار تقدير الأمور كلها وقوعا وإخبارا ما عنده تعالى من المقدار ~~وقراءة يعدون على صيغة الغيبة أي يعده المستعجلون أوفق لهذا المعنى وقد جعل ~~الخطاب في القراءة المشهورة لهم أيضا بطريق الالتفاف لكن الظاهر أنه للرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وقيل المراد ms2276 بوعده تعالى ما جعل ~~لهلاك كل أمة من موعد معين وأجل مسمى كما في قوله تعالى ويستعجلونك بالعذاب ~~ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب فتكون الجملة الأولى حالية كانت أو اعتراضية ~~مبينة لبطلان الاستعجال به ببيان استحالة مجيئه قبل وقته الموعود والجملة ~~الأخيرة بيانا لبطلانه ببيان ابتناء على استطالة ما هو قصير عنده تعالى على ~~الوجه الذي مر بيانه فلا يكون في النظم الكريم حينئذ تعرض لإنكارهم الذي ~~دسوه تحت الاستعجال بل يكون الجواب مبنيا على ظاهر مقالهم ويكتفي في رد ~~إنكارهم ببيان عاقبة من قبلهم من أمثالهم هذا وحمل المستعجل به على عذاب ~~الآخرة وجعل اليوم عبارة عن يوم العذاب المستطال لشدته أو عن أيام الآخرة ~~الطويلة حقيقة أو المستطالة لشدة عذابها مما لا يساعده سباق النظم الجليل ~~ولا سياقه فإن كلا منهما ناطق بأن المراد هو العذاب الدنيوي وأن الزمان ~~الممتد هو الذي مر عليهم قبل حلوله بطريق الإملاء والإمهال لا الزمان ~~المقارن له ألا يرى إلى قوله تعالى «وكأين من قرية» الخ فإنه كما سلف من ~~قوله تعالى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم صريح في أن المراد هو الأخذ العاجل ~~الشديد بعد الإملاء المديد أي وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه في الإعراب ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل ~~«أمليت لها» كما أمليت لهؤلاء حتى أنكروا مجئ ما وعدوا من العذاب واستعجلوا ~~به استهزاء برسلهم كما فعل هؤلاء «وهي ظالمة» جملة حالية مفيدة لكمال حلمه ~~تعالى ومشعرة بطريق التعريض بظلم المستعجلين أي أمليت لها والحال أنها ~~ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء «ثم أخذتها» بالعذاب والنكال بعد ~~طول الإملاء والإمهال وقوله تعالى «وإلي المصير» اعتراض تذييلي مقرر لما ~~قبله ومصرح بما أفاده ذلك بطريق التعريض من أن مآل أمر المستعجلين أيضا ما ~~ذكر من الأخذ الوبيل أي إلى حكمي مرجع الكل جميعا لا إلى أحد غيري لا ~~استقلالا ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل مما يليق بأعمالهم «قل يا أيها الناس ~~إنما أنا لكم ms2277 نذير مبين» أنذركم إنذارا بينا بما أوحى من أنباء الأمم ~~المهلكة من غير أن يكون لي دخل في إتيان ما توعدونه من العذاب حتى ~~تستعجلوني به والاقتصار على الإنذار مع بيان حال الفريقين بعده لما أشير ~~إليه من أن مساق الحديث للمشركين وعقابهم وإنما ذكر المؤمنون وثوابهم زيادة ~~في غيظهم PageV06P112 # «فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة» لما ندر منهم من الذنوب «ورزق ~~كريم» هي الجنة والكريم من كل نوع ما يجمع فصائله ويجوز كما لأنه «والذين ~~سعوا في آياتنا معاجزين» أي سابقين أو مسابقين في زعمهم وتقديرهم طامعين أن ~~كيدهم للإسلام يتم لهم وأصله من عاجزه وعجزه فأعجزه إذا سابقه فسبقه لأن ~~كلا من المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن اللحاق به وقرئ معجزين أي مثبطين ~~الناس عن الإيمان على أنه حال مقدرة «أولئك» الموصوفون بما ذكر من السعي ~~والمعاجزة «أصحاب الجحيم» أي ملازمو النار الموقدة وقيل هو اسم دركة من ~~دركاتها «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي» الرسول من بعثه الله تعالى ~~بشريعة جديدة يدعو الناس إليها والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شريعة سابقة ~~كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ~~ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم فالنبي أعم من الرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأنبياء فقال ~~مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قيل فكم الرسل منهم فقال ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~جماء غفيرا وقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه والنبي غير ~~الرسول من لا كتاب له وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يقال له ~~ولمن يوحى إليه في المنام «إلا إذا تمنى» أي هيأ في نفسه ما يهواه «ألقى ~~الشيطان في أمنيته» في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال صلى الله ~~عليه وسلم وإنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سعين مرة «فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان» فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه وإرشاده إلى ms2278 ما ~~يزيحه «ثم يحكم الله آياته» أي يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في شؤون ~~الحق وصيغة المضارع في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي وإظهار ~~الجلالة في موقع الإضمار لزيادة التقرير والإيذان بأن الألوهية من موجبات ~~إحكام آياته الباهرة «والله عليم» مبالغ في العلم بكل ما من شأنه أن يعلم ~~ومن جملته ما صدر عن العباد من قول وفصل عمدا أو خطأ «حكيم» في كل ما يفعل ~~والإظهار ههنا أيضا لما كر مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي ~~قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل ~~عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة ~~النجم فأخذ يقرؤها فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى وسوس إليه الشيطان حتى ~~سبق لسانه سهوا إلى أن قال تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به ~~المشركون حتى شايعوه بالسجود لما سجد في آخرها بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ~~ولا مشرك إلا سجد ثم نبهه جبريل عليه السلام فاغتنم به فعزاه الله عز وجل ~~بهذه الآية وهو مردود عند المحققين ولئن صح فابتلاء يتميز به الثابت على ~~الإيمان عن المتزلزل فيه وقيل PageV06P113 # تمنى بمعنى قرأ كقوله [تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل ~~وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث ظن ~~السامعون أنه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقد رد بأنه أيضا يخل ~~بالوثوق بالقرآن ولا يندفع بقوله تعالى فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم ~~الله آياته لأنه أيضا يحتمله وفي الآية دلالة على جواز السهو من الأنبياء ~~عليهم السلام وتطرق الوسوسة إليهم «ليجعل ما يلقي الشيطان» علة لما ينبئ ~~عنه ما ذكر من إلقاء الشيطان من تمكينه تعالى إياه من ذلك في حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة كما يعرب عنه سياق النظم الكريم لما أن تمكينه تعالى ~~إياه من الإلقاء في حق سائر الأنبياء عليهم السلام لا يمكن تعليله ms2279 بما ~~سيأتي وفيه دلالة على أن ما يلقيه أمر ظاهر يعرفه المحق والمبطل «فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض» أي شك ونفاق كما في قوله تعالى في قلوبهم مرض الآية ~~«والقاسية قلوبهم» أي المشركين «وإن الظالمين» أي الفريقين المذكورين فوضع ~~الظاهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم مع ما وصفوا به من المرض والقساوة ~~«لفي شقاق بعيد» أي عداوة شديدة ومخالفة تامة ووصف الشقاق بالبعد مع أن ~~الموصوف به حقيقة هو معروضه للمبالغة والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما ~~قبله «وليعلم الذين أوتوا العلم أنه» أي القرآن «الحق من ربك» أي هو الحق ~~النازل من عنده تعالى وقيل ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق ~~المتضمن للحكمة البالغة والغاية الجميلة لأنه مما جرت به عادته في جنس ~~الإنس من لدن آدم عليه السلام فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص التمكين فيما سبق ~~بالإلفاء في حقه عليه السلام لكن يأباه قوله تعالى «فيؤمنوا به» أي بالقرآن ~~أي يثبتوا على الإيمان به أو يزدادوا إيمانا برد ما يلقى الشيطان فتخبت له ~~قلوبهم بالانقياد والخشية والإذعان لما فيه من الأوامر والنواهي ورجع ~~الضميرين لا سيما الثاني إلى تمكين الشيطان من الإلقاء مما لا وجه له «وإن ~~الله لهاد الذين آمنوا» أي في الأمور الدينية خصوصا في المداحض والمشكلات ~~التي من جملتها ما ذكر «إلى صراط مستقيم» هو النظر الصحيح الموصل إلى الحق ~~الصريح والجملة اعتراض مقر لما قبله «ولا يزال الذين كفروا في مرية» أي في ~~شك وجدال «منه» أي من القرآن وقيل من الرسول صلى الله عليه وسلم والأول هو ~~الأظهر بشهادة ما سبق من قوله تعالى ثم يحكم الله آياته وقوله تعالى أنه ~~الحق من ربك فيؤمنوا به وما لحق من قوله تعالى وكذبوا بآياتنا وأما تجويز ~~كون الضمير PageV06P114 # لما ألقى الشيطان في أمنيته فمما لا مساغ له لأن ذلك ليس من هنانهم التي ~~تستمر إلى الأمد المذكور بل إنما هي مريتهم في شأن القرآن ولا يجدي حمل من ~~على السببية دون الابتدائية ms2280 لما أن مريتهم المستمرة كما أنها ليست مبتدأة ~~من ذلك ليست ناشئة منه ضرورة أنها مستمرة منهم من لدن نزول القرآن الكريم ~~«حتى تأتيهم الساعة» أي القيامة نفسها كما يؤذن به قوله تعالى «بغتة» أي ~~فجاءة فإنها الموصوفة بالإتيان كذلك لا أشراطها وقيل الموت «أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم» أي يوم لا يوم بعده كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام فما لا يوم ~~بعده يكون عقيما والمراد به الساعة أيضا كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ~~ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل ولا سبيل إلى حمل الساعة على أشراطها لما ~~عرفته وأما ما قيل من أن المراد يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر سمى به لأن ~~أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن أو لأن المقاتلين أبناء ~~الحرب فإذا قتلوا صارت عقيما أي ثكلى فوصف اليوم بوصفها اتساعا أو لأنه لا ~~خير لهم فيه ومنه الريح العقيم لما لم ينشئ مطرا ولم يلقح شجرا أو لأنه لا ~~مثل له لقتال الملائكة عليهم السلام فيه فمما لا يساعده سياق النظم الكريم ~~أصلا كيف لا وإن تخصيص الملك والتصرف الكلي فيه بالله عز وجل ثم بيان ما ~~يقع فيه من حكمه تعالى بين الفريقين بالثواب والعذاب الأخرويين يقضي بأن ~~المراد به يوم القيامة قضاء بينا لا ريب فيه «الملك» أي السلطان القاهر ~~والاستيلاء التام والتصرف على الإطلاق «يومئذ لله» وحده بلا شريك أصلا بحيث ~~لا يكون فيه لأحد تصرف من التصرفات في أمر من الأمور لا حقيقة ولا مجازا ~~ولا صورة ولا معنى كما في الدنيا فإن للبعض فيها تصرفا صوريا في الجملة ~~وليس التنوين نائبا عما تدل عليه الغاية من زوال مريتهم كما قيل ولا عما ~~يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل لما أن القيد المعتبر مع اليوم حيث وسط بين ~~طرفي الجملة يجب أن يكون مدارا لحكمها أعنى كون الملك لله عز وجل وما يتفرع ~~عليه من الإثابة والتعذيب ولا ريب في أن إيمانهم أو زوال مريتهم ms2281 ليس مما له ~~تعلق ما بما ذكر فضلا عن المدارية له فلا سبيل إلى اعتبار شيء منهما مع ~~اليوم قطعا وإنما الذي يدور عليه ما ذكر إتيان الساعة التي هي منتهى تصرفات ~~الخلق ومبدأ ظهور أحكام الملك الحق جل جلاله فإذن هو نائب عن نفس الجملة ~~الواقعة غاية لمريتهم فالمعنى الملك يوم إذ تأتيهم الساعة أو عذابها لله ~~تعالى وقوله تعالى «يحكم بينهم» جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من ~~الإخبار بكون الملك يومئذ لله كأنه قيل فماذا يصنع بهم حينئذ فقيل يحكم بين ~~فريقي المؤمنين به والممارين فيه بالمجازاة وقوله تعالى «فالذين آمنوا» الخ ~~تفسير للحكم المذكور وتفصيل له أي فالذين آمنوا بالقرآن الكريم ولم يماروا ~~فيه «وعملوا الصالحات» امتثالا بما أمروا في تضاعيفه «في جنات النعيم» أي ~~مستقرون فيها «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا» أي أصروا على ذلك واستمروا ~~«فأولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر ~~والتكذيب وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في PageV06P115 # الشر والفساد أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الكفر والتكذيب وهو مبتدأ ~~وقوله تعالى «لهم عذاب» جملة اسمية من مبتدأ وخبر مقدم عليه وقعت خبرا ~~لأولئك أو لهم خبر لأولئك وعذاب مرتفع على الفاعلية بالاستقرار في الجار ~~والمجرور لاعتماده على المبتدأ وأولئك مع خبره على الوجهين خبر للمصول ~~وتصديره بالفاء للدلالة على أن تعذيب الكفار بسبب أعمالهم السيئة كما أن ~~تجريد خبر الموصول الأول عنها للإيذان بان إثابة المؤمنين بطريق التفضل لا ~~لإيجاب الأعمال الصالحة إياها وقوله تعالى «مهين» صفة لعذاب مؤكدة لما ~~افاده التنوين من الفخامة وفيه من المبالغة من وجوه شتى ما لا يخفى «والذين ~~هاجروا في سبيل الله» أي في الجهاد حسبما يلوح به قوله تعالى «ثم قتلوا أو ~~ماتوا» أي في تضاعيف المهاجرة ومحل الموصول الرفع على الابتداء وقوله تعالى ~~«ليرزقنهم الله» جواب لقسم محذوف والجملة خبره ومن منع وقوع الجملة القسمية ~~وجوابها خبرا للمبتدأ يضمر قولا هو الخبر والجملة محكية به وقوله ms2282 تعالى ~~«رزقا حسنا» إما مفعول ثان على أنه من باب الرعي والذبح أي مرزوقا حسنا أو ~~مصدر مؤكد والمراد به ما لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة وإنما سوى بينهما في ~~الوعد لاستوائهما في القصد وأصل العمل على أن مراتب الحسن متفاوتة فيجوز ~~تفاوت حال المرزوقين حسب تفاوت الأرزاق الحسنة وروى أن بعض أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قالوا يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ~~ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا ~~معك فنزلت وقيل نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم ~~المشركون فقتلوهم «وإن الله لهو خير الرازقين» فإنه يرزق بغير حساب مع أن ~~ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قله وقوله ~~تعالى «ليدخلنهم مدخلا يرضونه» بدل من قوله تعالى ليرزقنهم الله أو استئناف ~~مقرر لمضمونه ومدخلا إما اسم مكان أريد به الجنة فهو مفعول ثان للإدخال أو ~~مصدر ميمي أكد به فعله قال ابن عباس رضي الله عنهما إنما قيل يرضونه لما ~~أنهم يرون فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ~~«وإن الله لعليم» بأحوالهم وأحوال معاديهم «حليم» لا يعاجلهم بالعقوبة ~~«ذلك» خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملة لتقرير ما قبله والتنبيه على ~~أن ما بعده كلام مستأنف «ومن عاقب بمثل ما عوقب به» أي لم يزد في الاقتصاص ~~وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هو جاز الجناية للمشاكلة أو لكونه سببا له ~~«ثم بغي عليه» بالمعاودة إلى العقوبة «لينصرنه الله» على من بغى عليه لا ~~محالة «إن الله لعفو غفور» أي مبالغ في العفو والغفران PageV06P116 # فيعفو عن المنتصر ويغفر له ما صدر عنه من ترجيح الانتقام على العفو ~~والصبر المندوب إليهما بقوله تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك أي ما ذكر من ~~الصبر والمغفرة لمن عزم الأمور فإن فيه حثا بليغا على العفو والمغفرة فإنه ~~تعالى مع ms2283 كمال قدرته لما كان يعفو ويغفر فغيره أولى بذلك وتنبيها على أنه ~~تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده «ذلك» إشارة ~~إلى النصر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته ومحله الرفع على ~~الابتداء خبره قوله تعالى «بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل» أي بسبب أنه تعالى من شأنه وسننه تغليب بعض مخلوقاته على بعض ~~والمداولة بين الأشياء المتضادة وعبر عن ذلك بإدخال أحد الملوين في الآخر ~~بأن يزيد فيه ما ينقص على الآخر أو بتحصيل أحدهما في مكان الآخر لكونه أظهر ~~المواد وأوضحها «وأن الله سميع» بكل المسموعات التي من جملتها قول المعاقب ~~«بصير» بجميع المبصرات ومن جملتها أفعاله «ذلك» أي الاتصاف بما ذكر من كمال ~~القدرة والعلم وما فيه من معنى البعد لما مر آنفا وهو مبتدأ خبره قوله ~~تعالى «بأن الله هو الحق» الواجب لذاته الثابت في نفسه وصفاته وأفعاله وحده ~~فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان كونه مبدأ لكل ما يوجد من الموجودات عالما ~~بكل المعلومات أو الثابت إلهية فلا يصلح لها إلا من كان عالما قادرا «وأن ~~ما يدعون من دونه» إلها وقرئ على البناء للمفعول على أن الواو لما فإنه ~~عبارة عن الآلهة وقرئ بالتاء على خطاب المشركين «هو الباطل» أي المعدوم في ~~حد ذاته أو الباطل ألوهيته «وأن الله هو العلي» على جميع الأشياء «الكبير» ~~عن ان يكون له شريك لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا «ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء» استفهام تقرير كما يفصح عنه الرفع في قوله تعالى ~~«فتصبح الأرض مخضرة» بالعطف على أنزل وإيثار صيغة الاستقبال للإشعار بتجدد ~~أثر الإنزال واستمراره أو لاستحضار صورة الاخضرار «إن الله لطيف» يصل لطفه ~~أو علمه إلى كل ما جل ودق «خبير» بما يليق من التدابير الحسنة ظاهرا وباطنا ~~«له ما في السماوات وما في الأرض» خلقا وملكا وتصرفا «وإن الله لهو الغني» ~~عن كل شيء «الحميد» المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله ms2284 «ألم تر أن الله سخر لكم ~~ما في الأرض» أي جعل ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون ~~فيها كيف شئتم فلا PageV06P117 # أصلب من الحجر ولا أشد من الحديد ولا أهيب من النار وهي مسخرة لكم وتقديم ~~الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم ~~لتعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر «والفلك» عطف على ما أو على اسم أن وقرئ ~~بالرفع على الابتداء «تجري في البحر بأمره» حال من الفلك على الأول وخبر ~~على الأخيرين «ويمسك السماء أن تقع على الأرض» أي من أن تقع أو كراهة أن ~~تقع بأن خلقها على هيئة متداعية إلى الاستمساك «إلا بإذنه» أي بمشيئته وذلك ~~يوم القيامة وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية في الجسمية لسائر ~~الأجسام القابلة للميل الهابط فتقبله كقبول غيرها «إن الله بالناس لرؤوف ~~رحيم» حيث هيأ لهم أسباب معاشهم وفتح عليهم أبواب المنافع وأوضح لهم مناهج ~~الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية «وهو الذي أحياكم» بعد أن كنتم ~~جمادا عناصر ونطفا حسبما فصل في مطلع السورة الكريمة «ثم يميتكم» عند مجئ ~~آجالكم «ثم يحييكم» عند البعث «إن الإنسان لكفور» أي جحود للنعم مع ظهورها ~~وهذا وصف للجنس بوصف بعض أفراده «لكل أمة» كلام مستأنف جئ به لزجر معاصريه ~~صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان السماوية عن منازعته صلى الله عليه وسلم ~~ببيان حال ما تمسكوا به من الشرائع وإظهار خطئهم في النظر أي لكل أمة معينة ~~من الأمم الخالية والباقية «جعلنا» أي وضعنا وعينا «منسكا» أي شريعة خاصة ~~لا لأمة أخرى منهم على معنى عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا ~~تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا ~~اشتراكا وقوله تعالى «هم ناسكوه» صفة لمنسكا مؤكدة للقصر المستفاد من تقديم ~~الجار والمجرور على الفعل والضمير لكل أمة باعتبار خصومها أي تلك الأمة ~~المعينة ناسكوه والعاملون به لا أمة أخرى فالأمة التي كانت من مبعث موسى ~~عليه السلام إلى مبعث عيسى ms2285 عليه السلام منسكهم التوراة هم ناسكوها ~~والعاملون بها لا غيرهم والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم منسكهم الإنجيل هم ناسكوه والعاملون به لا غيرهم وأما الأمة ~~الموجودة عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من الموجودين إلى ~~يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم الفرقان ليس إلا كما مر في تفسير قوله ~~تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا والفاء في قوله تعالى «فلا ينازعنك في ~~الأمر» لترتيب الهي أو موجبه على ما قبلها فإن تعيينه تعالى لكل أمة من ~~الأمم التي من جملتهم هذه الأمة شريعة مستقلة بحيث لا تتخطى أمة منهم ~~شريعتها المعينة لها موجب لطاعة هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم ~~منازعتهم إياه في أمر الدين زعما منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم الأولين ~~من التوراة والإنجيل فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل انتساخهما وهؤلاء ~~أمة مستقلة منسكهم القرآن المجيد فحسب والنهي إما على حقيقته أو كلية عن ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى نزاعهم للنبي على زعمهم المذكور ~~وأما جعله عبارة عن نهيه صلى الله عليه وسلم PageV06P118 # عن منازعتهم فلا يساعده المقام وقرئ فلا ينزعنك على تهييجه صلى الله عليه ~~وسلم والمبالغة في تثبيته وأيا ما كان فمحل النزاع ما ذكرناه وتخصيصه بأمر ~~النسائك وجعله عبارة عن قول الخزاعيين وغيرهم للمسلمين ما لكم تأكلون ما ~~قتلتم ولا تأكلوا ما قتله الله تعالى مما لا سبيل إليه أصلا كيف لا وأنه ~~يستدعى أن يكون أكل الميتة وسائر ما يدينونه من الأباطيل من جملة المناسك ~~التي جعلها الله تعالى لبعض الأمم ولا يرتاب في بطلانه عاقل «وادع» أي ~~وادعهم أو وادع الناس كافة على أنهم داخلون فيهم دخولا أوليا «إلى ربك» إلى ~~توحيده وعبادته حسبما بين لهم في منسكهم وشريعتهم «إنك لعلى هدى مستقيم» أي ~~طريق موصل إلى الحق سوى والمراد به إما الدين والشريعة أو أدلتها «وإن ~~جادلوك» بعد ظهور الحق بما ذكر من التحقيق ولزوم ms2286 الحجة عليهم «فقل» لهم على ~~سبيل الوعيد «الله أعلم بما تعملون» من الأباطيل التي من جملتها المجادلة ~~«الله يحكم بينكم» يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين «يوم القيامة» بالثواب ~~والعقاب كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات «فيما كنتم فيه تختلفون» من امر ~~الدين «ألم تعلم» استئناف مقرر لمضمون ما قبله والاستفهام للتقرير أي قد ~~علمت «أن الله يعلم ما في السماء والأرض» فلا يخفى عليه شيء من الأشياء ~~التي من جملتها ما يقوله الكفرة وما يعملونه «إن ذلك» أي ما في السماء ~~والأرض «في كتاب» هو اللوح قد كتب فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا ~~به وحفظنا له «إن ذلك» أي ما ذكر من العلم والإحاطة به وإثباته في اللوح أو ~~الحكم بينكم «على الله يسير» فإن علمه وقدرته مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ~~ولا يعسر عليه مقدور «ويعبدون من دون الله» حكاية لبعض أباطيل المشركين ~~وأحوالهم الدالة على كمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم من بناء امر دينهم ~~على غير مبنى من دليل سمعي أو عقلي وإعراضهم عما ألقى عليهم من سلطان بين ~~هو أساس الدين وقاعدته أشد إعراض أي يعبدون متجاوزين عبادة الله «ما لم ~~ينزل به» أي بجواز عبادته «سلطانا» أي حجة «وما ليس لهم به» أي بجواز ~~عبادته «علم» من ضرورة العقل أو استدلاله «وما للظالمين» أي الذين ارتكبوا ~~مثل هذا الظلم العظيم الذي يقضي ببطلانه وكونه ظلما بديهة العقول «من نصير» ~~يساعدهم بنصرة مذهبهم وتقرير رأيهم أو بدفع العذاب الذي يعتريهم بسبب ظلمهم ~~PageV06P119 # «وإذا تتلى عليهم آياتنا» عطف على يعبدون وما بينهما اعتراض وصيغة ~~المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي «بينات» أي حال كونها واضحات ~~الدلالة على العقائد الحقة والأحكام الصادقة أو على بطلان ما هم عليه من ~~عبادة الأصنام أو على كونها من عند الله عز وجل «تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر» أي الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام أو الفظيع من التجهم والبسور أو ~~الشر الذي يقصدونه بظهور مخايله من الأوضاع والهيئات وهو الأنسب ms2287 بقوله ~~تعالى «يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا» أي يثبون ويبطشون بهم من ~~فرط الغيظ والغضب لأباطيل أخذوها تقليدا وهل جهالة أعظم وأطم من أن يعبدوا ~~ما لا يوهم صحة عبادته شيء ما أصلا بل يقضي ببطلانها العقل والنقل ويظهروا ~~لمن يهديهم إلى الحق البين بالسلطان المبين مثل هذا المنكر الشنيع كلا ~~ولهذا وضع الذين كفروا موضع الضمير «قل» ردا عليهم وإقناطا عما يقصدونه من ~~الإضرار بالمسلمين «أفأنبئكم» أي أأخاطبكم فأخبركم «بشر من ذلكم» الذي فيكم ~~من غيظكم على التالين وسطوتكم بهم أو مما تبغونهم من الغوائل أو مما أصابكم ~~من الضجر بسبب ما تلوه عليكم «النار» أي هو النار على أنه جواب لسؤال مقدر ~~كأنه قيل ما هو وقيل هو مبتدأ خبره قوله تعالى «وعدها الله الذين كفروا» ~~وقرئ النار بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلا من شر فتكون الجملة الفعلية ~~استئنافا كالوجه الأول أو حالا من النار بإضمار قد «وبئس المصير» النار «يا ~~أيها الناس ضرب مثل» أي بين لكم حال مستغربة أو قصة بديعة رائعة حقيقة بأن ~~تسمى مثلا وتسير في الأمصار والأعصار أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق ~~العبادة وأريد بذلك ما حكى عنهم من عبادتهم للأصنام «فاستمعوا له» أي للمثل ~~نفسه استماع تدبر وتفكر أو فاستمعوا لأجله ما أقول فقوله تعالى «إن الذين ~~تدعون من دون الله» الخ بيان للمثل وتفسير له على الأول وتعليل لبطلان ~~جعلهم الأصنام مثل الله سبحانه في استحقاق العبادة على الثاني وقرئ بياء ~~الغيبة مبنيا للفاعل ومبنيا للمفعول والراجع إلى الموصول على الأولين محذوف ~~«لن يخلقوا ذبابا» أي لن يقدروا على خلقه أبدا مع صغره وحقارته فإن لن بما ~~فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفى والمنفي عنه «ولو ~~اجتمعوا له» أي لخلقه وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة ~~على شرطية أخرى محذوفة ثقة بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا عليه لن ~~يخلقوه ولو اجتمعوا له لن يخلقوه كما مر تحقيقه مرارا ms2288 وهما في موضع الحال ~~كأنه قيل لن يخلقوا ذبابا PageV06P120 # على كل حال «وإن يسلبهم الذباب شيئا» بيان لعجزهم عن الامتناع عما يفعل ~~يهم الذباب بعد بيان عجزهم عن خلقه أي إن يأخذ الذباب منهم شيئا «لا ~~يستنقذوه منه» مع غاية ضعفه ولقد جهلوا غاية التجهيل في إشراكهم بالله ~~القادر على جميع المقدورات المنفرد بإيجاد كافة الموجودات تماثيل هي أعجز ~~الأشياء وبين ذلك بأنها لا تقدر على أقل الأحياء وأذلها ولو اتفقوا عليه بل ~~لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما ~~يختطفه منها قيل كانوا يطيبونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل ~~الذباب من الكوى فيأكله «ضعف الطالب والمطلوب» أي عابد الصنم ومعبوده أو ~~الذباب الطالب لما يسلبه من الصنم من الطيب والصنم المطلوب منه ذلك أو ~~الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف ~~من الذباب بدرجات وعابده أجهل من كل جاهل وأضل من كل ضال «ما قدروا الله حق ~~قدره» أي ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء ~~عنه مناسبة «إن الله لقوي» على خلق الممكنات بأسرها وإفناء الموجودات عن ~~آخرها «عزيز» غالب على جميع الأشياء وقد عرفت حال آلهتهم المقهورة لأذلها ~~العجزة عن أقلها والجملة تعليل لما قبلها من نفي معرفتهم له تعالى «الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا» يتوسطون بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم السلام ~~بالوحي «ومن الناس» وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون بالقوة القدسية ~~المتعلقون بكلا العالمين الروحاني والجسماني يتلقون من جانب ويلقون إلى ~~جانب ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق عن التبتل إلى جناب الحق فيدعونهم ~~إليه تعالى بما أنزل عليهم ويعلمونهم شرائعه وأحكامه كأنه تعالى لما قرر ~~وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه فيها شيء من الأشياء بين أن له عبادا ~~مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والاقتداء بهم إلى عبادته عز وجل وهو أعلى ~~الدرجات وأقصى الغايات لمن عداه من الموجودات تقريرا للنبوة وتزييفا لقولهم ~~لو شاء الله لأنزل ms2289 ملائكة وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~وقولهم الملائكة بنات الله وغير ذلك من الأباطيل «إن الله سميع بصير» عليم ~~بجميع المسموعات والمبصرات فلا يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال «يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور» لا إلى أحد غيره لا اشتراكا ~~ولا استقلالا «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا» أي في صلواتكم أمرهم ~~بهما لما أنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام أوصلوا عبر عن الصلاة بهما ~~لأنهما أعظم أركانها أو اخضعوا لله تعالى وخروا له سجدا PageV06P121 # «واعبدوا ربكم» بسائر ما تعبدكم به «وافعلوا الخير» وتحروا ما هو خير ~~وأصلح في كل ما تأتون وما تذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم ~~الأخلاق «لعلكم تفلحون» أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون بها الفلاح غير ~~متيقنين له واثقين بأعمالكم والآية آية سجدة عند الشافعي رحمه الله لظاهر ~~ما فيها من الأمر بالسجود ولقوله صلى الله عليه وسلم فضلت سورة الحج ~~بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأها «وجاهدوا في الله» أي لله تعالى ولأجله ~~أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس وعنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه رجع من غزوة تبوك فقال رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ~~«حق جهاده» أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد ~~مبالغة كقولك هو حق عالم وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا أو لأنه مختص به ~~تعالى من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله «هو اجتباكم» أي هو اختاركم لدينه ~~ونصرته لا غيره وفيه تنبيه على ما يقتضي الجهاد ويدعو إليه «وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج» أي ضيق بتكليف ما يشق عليكم إقامته إشارة إلى أنه لا مانع ~~لهم عنه ولا عذر لهم في تركه أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث ~~يشق عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ~~وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجا بأن رخص لهم في المضايق وفتح ms2290 لهم باب ~~التوبة وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد «ملة ~~أبيكم إبراهيم» نصب على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف أي ~~وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم أو على الإغراء أو على الاختصاص وإنما ~~جعله أباهم لأنه أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته من حيث ~~إنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة أو لأن ~~أكثر العرب كانوا من ذريته صلى الله عليه وسلم فغلبوا على غيرهم «هو سماكم ~~المسلمين من قبل» في الكتب المتقدمة «وفي هذا» أي في القرآن والضمير لله ~~تعالى ويؤيده أنه قرئ الله سماكم أو لإبراهيم وتسميتهم بالمسلمين في القرآن ~~وإن لم تكن منه صلى الله عليه وسلم كانت بسبب تسميته من قبل في قوله ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وقيل وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم ~~المسلمين «ليكون الرسول» يوم القيامة متعلق بسماكم «شهيدا عليكم» بأنه ~~بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتمادا على عصمته أو بطاعة من أطاع ~~وعصيان من عصى «وتكونوا شهداء على الناس» بتبليغ الرسل إليهم «فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة» أي فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات وتخصيصهما بالذكر ~~لأنافتهما وفضلهما «واعتصموا بالله» أي ثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا ~~الإعانة والنصرة إلا منه «هو مولاكم» ناصركم ومتولي أموركم «فنعم المولى ~~ونعم النصير» هو إذ لا مثل له في الولاية والنصرة PageV06P122 # بل لا ولي ولا نصير في الحقيقة سواه عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ سورة الحج أعطى من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر ~~فيما مضى وفيما بقي مكية وهي عند البصريين مائة وتسع عشرة آية وعند ~~الكوفيين مائة وثماني عشرة آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «قد أفلح ~~المؤمنون» الفلاح الفوز بالمرام والنجاة من المكروه وقيل البقاء في الخير ~~والإفلاح الدخول في ذلك كالإبشار الذي هو الدخول في البشارة وقد يجيء ~~متعديا بمعنى الإدخال فيه وعليه قراءة من ms2291 قرأ على البناء للمفعول وكلمة قد ~~ههنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل لا متوقع الإخبار به ضرورة أن ~~المتوقع من حال المؤمنين ثبوت الفلاح لهم لا الإخبار بذلك فالمعنى قد فازوا ~~بكل خير ونجوا من كل ضير حسبما كان ذلك متوقعا من حالهم فإن إيمانهم وما ~~تفرع عليه من أعمالهم الصالحة من دواعي الفلاح بموجب الوعد الكريم خلا أنه ~~إن أريد بالإفلاح حقيقة الدخول في الفلاح الذي لا يتحقق إلا في الآخرة ~~فالإخبار به على صيغة الماضي الدلالة على تحققه لا محالة بتنزيله منزلة ~~الثابت وإن أريد كونهم بحال تستتبعه البتة فصيغة الماضي في محلها وقرئ ~~أفلحوا على الإبهام والتفسير أو على أكلوني البراغيث وقرئ أفلح بضمة اكتفى ~~بها عن الواو كما في قول من قال [ولو أن الأطبا كان حولى] والمراد ~~بالمؤمنين إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا صلى الله عليه وسلم ~~من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء ونظائرها فقوله تعالى «الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون» وما عطف عليه صفات مخصصة لهم وإما الآتون بفروعه أيضا كما ~~ينبئ عنه إضافة الصلاة إليهم فهي صفات موضحة أو مادحة لهم حسب اعتبار ما ~~ذكر في حيز الصلة من المعاني مع الإيمان إجمالا أو تفصيلا كما مر في أوائل ~~سورة البقرة والخشوع الخوف والتذلل أي خائفون من الله عز وجل متذللون له ~~ملزمون أبصارهم مساجدهم روى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره ~~إلى السماء فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى مصليا يعبث بلحيته فقال ~~لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه «والذين هم عن اللغو» أي عما لا يعنيهم من ~~الأقوال والأفعال PageV06P123 # «معرضون» أي في عامة أوقاتهم كما ينبئ عنه الاسم الدال على الاستمرار ~~فيدخل في ذلك إعراضهم عنه حال اشتغالهم بالصلاة دخولا أوليا ومدار إعراضهم ~~عنه ما فيه من الحالة الداعية إلى الإعراض عنه لا مجرد الاشتغال بالجد في ~~أمور الدين كما قيل فإن ذلك ربما يوهم أن لا يكون في ms2292 اللغو نفسه ما يزجرهم ~~عن تعاطيه وهو أبلغ من أن يقال لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء ~~الحكم على الضمير والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإعراض ~~مقام الترك ليدل على تباعدهم عنه رأسا مباشرة وتسببا وميلا وحضورا فإن أصله ~~أن يكون في عرض غير عرضه «والذين هم للزكاة فاعلون» وصفهم بذلك بعد وصفهم ~~بالخشوع في الصلاة والزكاة مصدر لأنه الأمر الصادر عن الفاعل لا المحل الذي ~~هو موقعه ومعنى الفعل قد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا ويجوز أن يراد بها العين على تقدير المضاف «والذين هم لفروجهم ~~حافظون» ممسكون لها فالاستثناء في قوله تعالى «إلا على أزواجهم» من نفي ~~الإرسال الذي ينبئ عنه الحفظ أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم وفيه ~~إيذان بأن قوتهم الشهوية داعية لهم إلى ما لا يخفى وأنهم حافظون لها من ~~استيفاء مقتضاها وبذلك يتحقق كما العفة ويجوز أن تكون على بمعنى من وإليه ~~ذهب الفراء كما في قوله تعالى إذا اكتالوا على الناس أي حافظون لها من كل ~~أحد إلا من أزواجهم وقيل هي متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير حافظون أي ~~حافظون لها في جميع الأحوال إلا حال كونهم والين أو قوامين على أزواجهم ~~وقيل بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون على كل مباشر إلا على ما ~~أطلق لهم فإنهم غير ملومين وحمل الحفظ على القصر عليهن ليكون المعنى حافظون ~~فروجهم على الأزواج لا يتعداهن ثم يقال غير حافظين إلا عليهن تأكيدا على ~~تأكيد تكلف على تكلف «أو ما ملكت أيمانهم» أي سراريهم عبر عنهن بما إجراء ~~لهن لمملوكيتهن مجرى غير العقلاء أو لأنوثتهن المنبئة عن المقصود وقوله ~~تعالى «فإنهم غير ملومين» تعليل لما يفيده الاستثناء من عدم حفظ فروجهم ~~منهن أي فإنهم غير ملومين على عدم حفظها منهن «فمن ابتغى وراء ذلك» الذي ~~ذكر من الحد المتسع وهو أربع من الحرائر وما شاء من الإماء «فأولئك هم ~~العادون» الكاملون ms2293 في العدوان المتناهون فيه وليس فيه ما يدل حتما على ~~تحريم المتعة حسبما نقل عن القاسم بن محمد فإنه قال إنها ليست زوجة له فوجب ~~أن لا تحمل له أما PageV06P124 # أنها ليست زوجة له فلأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل ~~التوارث لقوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم فوجب أن لا تحل لقوله تعالى ~~إلا على أزواجهم لأن لهم أن يقولوا إنها زوجة له في الجملة وأما أن كل زوجة ~~ترث فهم لا يسلمونها وأما ما قيل من أنه إن أريد لو كانت زوجة حال الحياة ~~لم يفد وإن أريد بعد الموت فالملازمة ممنوعة فليس له معنى محصل نعم لو عكس ~~لكان له وجه «والذين هم لأماناتهم وعهدهم» لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من ~~جهة الحق أو الخلق «راعون» أي قائمون عليها حافظون لها على وجه الإصلاح ~~وقرئ لأمانتهم «والذين هم على صلواتهم» المفروضة عليهم «يحافظون» يواظبون ~~عليها ويؤدونها في أوقاتها ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ~~وهو السر في جمعها وليس فيه تكرير لما أن الخشوع في الصلاة غير المحافظة ~~عليها وفصلهما للإيذان بأن كلا منهما فضيلة مستقلة على حيالها ولو قرنا في ~~الذكر لربما توهم أن مجموع الخشوع والمحافظة فضيلة واحدة «أولئك» إشارة إلى ~~المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات وإيثارها على الإضمار للإشعار ~~بامتيازهم بها عن غيرهم ونزولهم منزلة المشار إليه حسا وما فيه من معنى ~~البعد للإيذان بعلو طبقتهم وبعد درجتهم في الفضل والشرف أي أولئك المنعوتون ~~بالنعوت الجليلة المذكورة «هم الوارثون» أي الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من ~~عداهم ممن ورث رغائب الأموال والذخائر وكرائمهما «الذين يرثون الفردوس» ~~بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها تفخيما ~~لشأنها ورفعا لمحلها وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه ~~الوعد الكريم للمبالغة فيه وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث ~~فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في ~~النار «هم فيها» أي ms2294 في الفردوس والتأنيث لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا ~~وهو البستان الجامع لأصناف الثمر روى أنه تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ~~ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر وفي رواية ولبنة من مسك مذرى ~~وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان «خالدون» لا يخرجون منها أبدا ~~والجملة إما مستأنفة مقررة لما قبلها وإما حال مقدرة من فاعل يرثون أو ~~مفعوله إذ فيها ذكر كل منهما ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون منها «ولقد ~~خلقنا الإنسان» شروع في بيان مبدأ خلق الإنسان وتقلبه في أطوار الخلقة ~~وأدوار الفطرة بيانا إجماليا PageV06P125 # إثر بيان حال بعض أفراده السعداء واللام جواب قسم والواو ابتدائية وقيل ~~عاطفة على ما قبلها والمراد بالإنسان الجنس أي وبالله لقد خلقنا جنس ~~الإنسان في ضمن خلق آدم عليه السلام خلقا إجماليا حسبما تحققته في سورة ~~الحج وغيرها وأما كونه مخلوقا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار وأطوار فبعيد ~~«من سلالة» السلالة ما سل من الشيء واستخرج منه فإن فعالة اسم لما يحصل من ~~الفعل فتارة تكون مقصودا منه كالخلاصة وأخرى غير مقصود منه كالقلامة ~~والكناسة والسلالة من قبيل الأول فإنها مقصودة بالسل ومن ابتدائية متعلقة ~~بالخلق ومن في قوله تعالى «من طين» بيانية متعلقة بمحذوف وقع صفة لسلالة أي ~~خلقناه من سلالة كائنة من طين ويجوز أن تتعلق بسلالة على أنها بمعنى مسلولة ~~فهي ابتدائية كالأولى وقيل المراد بالإنسان آدم عليه السلام فإنه الذي خلق ~~من صفوة سلت من الطين وقد وقفت على التحقيق «ثم جعلناه» أي الجنس باعتبار ~~افراده المغايرة لآدم عليه السلام أو جعلنا نسله على حذف المضاف إن أريد ~~بالإنسان آدم عليه السلام «نطفة» بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة ~~والتذكير بتأويل الجوهر أو المسلول أو الماء «في قرار» أي مستقر وهو الرحم ~~عبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة وقوله تعالى «مكين» وصف لها بصفة ما ~~استقر فيها مثل طريق سائر أو بمكانتها في نفسها فإنها مكنت بحيث هي وأحرزت ~~«ثم ms2295 خلقنا النطفة علقة» أي دما جامدا بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء ~~«فخلقنا العلقة مضغة» أي قطعة لحم لا استبانة ولا تمايز فيها «فخلقنا ~~المضغة» أي غالبها ومعظمها أو كلها «عظاما» بأن صلبناها وجعلناها عمودا ~~للبدن على هيئات وأوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة «فكسونا العظام» المعهودة ~~«لحما» من بقية المضغة أو مما أنبتنا عليها بقدرتنا مما يصل إليها أي كسونا ~~كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم على مقدار لائق به وهيئة مناسبة ~~له واختلاف العواطف للتنبيه على تفاوت الاستحالات وجمع العظام لاختلافها ~~وقرئ على التوحيد فيهما اكتفاء بالجنس وبتوحيد الأول فقط وبتوحيد الثاني ~~فحسب «ثم أنشأناه خلقا آخر» هي صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو ~~المجموع وثم لكمال التفاوت بين الخلقين واحتج به أبو حنيفة رحمه الله على ~~أن من غصب بيضة فأفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر ~~«فتبارك الله» فتعالى شأنه في علمه الشامل وقدرته الباهرة والالتفات إلى ~~الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة والإشعار بأن ما ذكر من ~~الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية وللإيذان بأن حق كل من سمع ما فصل من ~~آثار قدرته عز وعلا أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم به إجلالا وإعظاما لشؤونه ~~تعالى «أحسن الخالقين» بدل من الجلالة وقيل نعت له بناء على أن الإضافة ~~ليست لفظية وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أحسن الخالقين خلقا أي المقدرين ~~تقديرا حذف المميز PageV06P126 # لدلالة الخالقين عليه كما حذف المأذون فيه في قوله تعالى أذن للذين ~~يقتلون لدلالة الصلة عليه أي أحسن الخالقين خلقا فالحسن للخلق قيل نظيره ~~قوله صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال أي جميل فعله فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا فاستكن روى أن عبد الله بن أبي سرح ~~كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فلما انتهى صلى الله عليه ~~وسلم إلى قوله خلقا آخر سارع عبد الله إلى النطق به قبل إملائه صلى الله ~~عليه ms2296 وسلم فقال اكتبه هكذا نزلت فشك عبد الله فقال إن كان محمد يوحى إليه ~~فأنا كذلك فلحق بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح وقيل مات على كفره وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما نزلت هذه الآية قال عمر ~~رضي الله عنه فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هكذا نزل يا عمر وكان رضي الله عنه يفتخر بذلك ويقول وافقت ربي في أربع ~~الصلاة خلف المقام وضرب الحجاب على النسوة وقولي لهن أو ليبدله الله خيرا ~~منكن فنزل قوله تعالى عسى ربه عن طلقكن أن يبدله الآية والرابع فتبارك الله ~~أحسن الخالقين انظر كيف وقعت هذه الواقعة سببا لسعادة عمر رضي الله عنه ~~وشقاوة ابن أبي سرح حسبما قال تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا لا يقال ~~فقد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن وذلك قادح في إعجازه لما أن الخارج ~~عن قدرة البشر ما كان مقدار أقصر السور على أن إعجاز هذه الآية الكريمة ~~منوط بما قبلها كما نعرب عنه الفاء فإنها اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما ~~قبله «ثم إنكم بعد ذلك» أي بعد ما ذكر من الأمور العجيبة حسبما ينبئ عنه ما ~~في اسم الإشارة من معنى البعد المشعر بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في ~~الفضل والكمال وكونه بذلك ممتازا منزلا منزلة الأمور الحسية «لميتون» ~~لصائرون إلى الموت لا محالة كما تؤذن به صيغة النعت الدالة على الثبوت دون ~~الحدوث الذي تفيده صيغة الفاعل وقد قرئ لمائتون «ثم إنكم يوم القيامة» أي ~~عند النفخة الثانية «تبعثون» من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب ~~«ولقد خلقنا فوقكم» بيان لخلق ما يحتاج إليه بقاؤهم إثر بيان خلقهم أي ~~خلقنا في جهة العلو من غير اعتبار فوقيتها لهم لأن تلك النسبة إنما تعرض ~~لها بعد خلقهم «سبع طرائق» هي السماوات السبع سميت بها لأنها طورق بعضها ~~فوق بعض مطارقة النعل فإن كل ما فوقه مثله فهو طريقة أو لأنها ms2297 طرائق ~~الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها «وما كنا عن الخلق» عن ذلك المخلوق الذي ~~هو السماوات أو عن جميع المخلوقات التي هي من جملتها أو عن الناس «غافلين» ~~مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما ~~قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة ويصل إلى ما في ~~الأرض منافعها كما ينبئ عنه قوله تعالى «وأنزلنا من السماء ماء» هو المطر ~~أو الأنهار النازلة من PageV06P127 # الجنة قيل هي خمسة أنهار سيحون نهر الهند وجيحون نهر بلخ ودجلة والفرات ~~نهر العراق والنيل نهر مصر أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة ~~فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعل فيها منافع للناس في فنون معايشهم ~~ومن ابتدائية متعلقة بأنزلنا وتقديمها على المفعول الصريح لما مر مرارا من ~~الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والعدول عن الإضمار لأن الإنزال لا ~~يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها جهة العلو «بقدر» بتقدير لائق ~~لاستجلاب منافعهم ودفع مضارهم أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم ~~«فأسكناه في الأرض» أي جعلناه ثابتا قارا فيها «وإنا على ذهاب به» أي ~~إزالته بالإفساد أو التصعيد أو التغوير بحيث يتعذر استنباطه «لقادرون» كما ~~كنا قادرين على إزالة وفي تنكير ذهاب إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في ~~الإبعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى قل أرأيتم عن أصبح ماؤكم غورا فمن ~~يأتيكم بماء معين «فأنشأنا لكم به» أي بذلك الماء «جنات من نخيل وأعناب لكم ~~فيها» في الجنات «فواكه كثيرة» تتفكهون بها «ومنها» من الجنات «تأكلون» ~~تغذيا أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم فلان يأكل من حرفته ويجوز أن ~~يعود الضميران للنخيل والأعناب أي لكم في ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب ~~والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام يأكلونه «وشجرة» ~~بالنصب عطف على جنات وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله ~~أي ومما أنشئ لكم به شجرة وتخصيصها بالذكر من بين الأشجار لاستقلالها ~~بمنافع معروفة قيل ms2298 هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقوله تعالى «تخرج من طور ~~سيناء» وهو جبل موسى عليه السلام بين مصر وأيلة وقيل بفلسطين ويقال له طور ~~سنين فإما أن يكون الطور اسم الجبل وسيناء اسم البقعة أضيف إليها أو المركب ~~منهما علم له كامرئ القيس ومنع صرفه على قراءة من كسر السين للتعريف ~~والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السناء ~~بالمد وهو الرفعة أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلان كعلباء من السين إذ ~~لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف سيناء فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء إذ ~~لا فعلال في كلامهم وقرئ بالكسر والقصر والجملة صفة لشجرة وتخصيصها بالخروج ~~منه مع خروجها من سائر البقاع أيضا لتعظيمها ولأنه المنشأ الأصلي لها وقوله ~~تعالى «تنبت بالدهن» صفة أخرى لشجرة والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا منها أي ~~تنبت ملتبسة به ويجوز كونها صلة معدية أي تنبته بمعنى تتضمنه وتحصله فإن ~~النبات حقيقة صفة للشجرة لا للدهن وقرئ تنبت من الإفعال وهو إما من الإنبات ~~بمعنى النبات كما في قول زهير [رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى ~~إذا أنبت البقل] أو على تقدير تنبت زيتونها ملتبسا بالدهن وقرئ على البناء ~~للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتنبت بالدهان «وصبغ ~~للآكلين» معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على ~~PageV06P128 # الآخر أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه ~~إداما يصبغ فيه الخبز أي يغمس فيه للائتدام وقرئ وصباغ كدباغ في دبغ «وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة» بيان للنعم الفائضة عليهم من جهة الحيوان إثر بيان ~~النعم الواصلة إليهم من جهة الماء والنبات وقد بين أنها مع كونها في نفسها ~~نعمة ينتفعون بها على وجوه شتى عبرة لابد من أن يعتبروا بها ويستدلوا ~~بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه وخص ~~هذا بالحيوان لما أن محل العبرة فيه أظهر مما في النبات وقوله تعالى ~~«نسقيكم ms2299 مما في بطونها» تفصيل لما فيها من مواقع العبرة وما في بطونها ~~عبارة إما عن الألبان فمن تبعيضية والمراد بالبطون الجوف أو عن العلف الذي ~~يتكون منه اللبن فمن ابتدائية والبطون على حقيقتها وقرئ بفتح النون وبالتاء ~~أي تسقيكم الأنعام «ولكم فيها منافع كثيرة» غير ما ذكر من أصوافها واشعارها ~~«ومنها تأكلون» فتنتفعون بأعيانها كما تنتفعون بما يحصل منها «وعليها» أي ~~على الأنعام فإن الحمل عليها لا يقتضي الحمل على جميع أنواعها بل يتحقق ~~بالحمل على البعض كالإبل ونحوها وقيل المراد هي الإبل خاصة لأنها هي ~~المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة [سفينة ~~بر تحت خدي زمامها] فالضمير فيه كما في قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن ~~«وعلى الفلك تحملون» أي في البر والبحر وفي الجمع بينها وبين الفلك في ~~إيقاع الحمل عليها مبالغة في تحملها للحمل وهو الداعي إلى تأخير ذكر هذه ~~المنفعة مع كونها من المنافع الحاصلة منها عن ذكر منفعة الأكل المتعلقة ~~بعينها «ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه» شروع في بيان إهمال الأمم السابقة ~~وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد من النعم الفائتة للحصر وعدم تذكرهم ~~بتذكير رسلهم وما حاق بهم لذلك من فنون العذاب تحذيرا للمخاطبين وتقديم قصة ~~نوح عليه السلام على سائر القصص مما لا يخفي وجهه وفي إيرادها إثر قوله ~~تعالى وعلى الفلك تحملون من حسن الموقع ما لا يوصف والواو ابتدائية واللام ~~جواب قسم محذوف وتصدير القصة به لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها أي وبالله ~~لقد أرسلنا نوحا الأخ ونسبه الكريم وكيفية بعثه وكمية لبثه فيما بينهم قد ~~مر تفصيله في سورة الأعراف وسورة هود «فعال» متعطفا عليهم ومستميلا لهم إلى ~~الحق «يا قوم اعبدوا الله» أي اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله تعالى في سورة ~~هود أن لا تعبدوا إلا الله وترك التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط ~~والعبادة بالإشراك فليست من العبادة في شيء رأسا وقوله تعالى «ما لكم من ~~إله غيره» استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها ms2300 أو تعليل الأمر بها ~~وغيره بالرفع صفة PageV06P129 # لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على أنه فاعل أو مبتدأ خبره لكم أو ~~محذوف ولكم للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في العالم إله غيره ~~تعالى وقرئ بالجر باعتبار لفظه «أفلا تتقون» أي أفلا تقوت أنفسكم عذابه ~~الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته كما يفصح عنه قوله تعالى إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم وقوله تعالى عذاب يوم أليم وقيل أفلا تخافون أن ترفضوا ~~عبادة الله الذي هو ربكم الخ وليس بذاك وقيل أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه ~~الخ وفيه ما فيه والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي أتعرفون ذلك أي مضمون قوله تعالى ما لكم من إله غيره فلا ~~تتقون عذابه بسبب إشراككم به في العبادة ما لا يستحق الوجود لولا إيجاد ~~الله تعالى إياه فضلا عن استحقاق العبادة فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقق ما ~~يوجبه أو ألا تلاحظون ذلك فلا تتقونه فالمنكر كلا الأمرين فالممالعة حينئذ ~~في الكمية وفي الأول في الكيفية «فقال الملأ» أي الإشراف «الذين كفروا من ~~قومه» وصف الملأ بما ذكر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم في ~~الكفر وشدة شكيمتهم فيه أي قالوا لعوامهم «ما هذا إلا بشر مثلكم» أي في ~~الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع ~~رتبته العالية وحطها عن منصب النبوة «يريد أن يتفضل عليكم» أي يريد أن يطلب ~~الفضل عليكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم وصفوه بذلك إغضابا ~~للمخاطبين عليه عليه السلام وإغراء لهم على معاداته عليه السلام وقوله ~~تعالى «ولو شاء الله لأنزل ملائكة») بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على ~~زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته عليه السلام أي لو شاء الله تعالى إرسال ~~الرسول لأرسل رسلا من الملائكة وإنما قيل لأنزل لأن إرسال الملائكة لا يكون ~~إلا بطريق الإنزال فمفعول المشيئة مطلق الإرسال المفهوم من الجواب لأنفس ~~مضمونه كما في قوله ms2301 تعالى ولو شاء لهداكم ونظائره «ما سمعنا بهذا» أي بمثل ~~هذا الكلام الذي هو الأمر بعبادة الله خاصة وترك عبادة ما سواه وقيل بمثل ~~نوح عليه السلام في دعوى النبوة «في آبائنا الأولين» أي الماضين قبل بعثته ~~عليه السلام قالوه إما لكونهم وآبائهم في فترة متطاولة وإما لفرط غلوهم في ~~التكذيب والعناد وأنهما كهم في الغي والفساد وأيا ما كان فقولهم هذا ينبغي ~~أن يكون هو الصادر عنهم في مبادئ دعوته عليه السلام كما تنبئ عنه الفاء في ~~قوله تعالى فقال الملأ الخ وقيل معناه ما سمعنا به عليه السلام أنه نبي ~~فالمراد بآبائهم الأولين الذين مضوا قبلهم في زمن نوح عليه السلام وقولهم ~~المذكور هو الذي صدر عنهم في أواخر أمره عليه السلام وهو المناسب لما بعده ~~من حكاية دعائه عليه السلام وقولهم «إن هو» أي ما هو «إلا رجل به جنة» أي ~~جنون أو جن يخيلونه ولذلك يقول ما يقول «فتربصوا به» أي احتملوه واصبروا ~~عليه وانتظروا «حتى حين» لعله يفيق مما فيه محمول حينئذ PageV06P130 # على ترامي أحوالهم في المكابرة والعناد وإضرابهم عما وصفوه عليه السلام ~~به من البشرية وإرادة التفضل إلى وصفه عليه السلام بما ترى وهم يعرفون أنه ~~عليه السلام أرجح الناس عقلا وأرزنهم قولا وعلى الأول على تناقض مقالاتهم ~~الفاسدة قاتلهم الله أنى يؤفكون «قال» استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية ~~كلام الكفرة كأنه قيل فماذا قال عليه السلام بعد ما سمع منهم هذه الأباطيل ~~فقيل قال لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب وتمادوا في الغواية والضلال ~~حتى يئس من إيمانهم بالكلية وقد أوحى الله إليه إنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن «رب انصرني» بإهلاكهم بالمرة فإنه حكاية إجمالية لقوله عليه السلام ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الخ «بما كذبون» أي بسبب تكذيبهم ~~إياي أو بدل تكذيبهم «فأوحينا إليه» عند ذلك «أن اصنع الفلك» أن مفسرة لما ~~في الوحي من معنى القول «بأعيننا» ملتبسا بحفظنا وكلاءتنا كأن ms2302 معه عليه ~~السلام منه عز وعلا حفاظا وحراسا يكلئونه بأعينهم من التعدي أو من الزيغ في ~~الصنعة «ووحينا» وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها والفاء في قوله تعالى «فإذا ~~جاء أمرنا» لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صنع الفلك والمراد بالأمر ~~العذاب كما في قوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله لا الأمر بالركوب كما ~~قيل وبمجيئه كمال اقترابه أو ابتداء ظهوره أي إذا جاء إثر تمام الفلك ~~عذابنا وقوله تعالى «وفار التنور» عطف بيان لمجيء الأمر روى أنه قيل له ~~عليه السلام إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك وكان تنور آدم عليه ~~السلام فصار إلى نوح عليه السلام فلما نبع منه الماء أخبرته امرأته فركبوا ~~واختلف في مكانه فقيل كان في مسجد الكوفة أي في موضعه عن يمين الداخل من ~~باب كندة اليوم وقيل كان في عين وردة من الشام وقد مر تفصيله في تفسير سورة ~~هود عليه السلام «فاسلك فيها» أي ادخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلكه ~~فيه أدخله فيه ومنه قوله تعالى ما سلككم في سقر «من كل» أي من كل أمة ~~«زوجين» أي فردين مزدوجين كما يعرب عنه قوله تعالى «اثنين» فإنه نص في ~~الفردين دون الجمعين أو الفريقين وقرئ بالإضافة على أن المفعول اثنين أي من ~~كل أمتي زوجين وهما أمة الذكر وأمة الأنثى كالجمال والنوق والحصن والرماك ~~وهذا صريح في ان الأمر كان قبل صنعة الفلك وفي سورة هود حتى إذا جاء أمرنا ~~وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين فالوجه أن يحمل إما على أنه حكاية ~~لأمر آخر تنجيزي ورد عند فوران التنور الذي نيط به الأمر التعليقي اعتناء ~~بشأن المأمور به أو على أن ذلك هو الأمر السابق بعينه لكن لما كان الأمر ~~التعليقي قبل تحقق المعلق به في حق إيجاب المأمور به بمنزلة العدم جعل كأنه ~~إنما حدث عند تحققه فحكى على صورة التنجيز وقد مر في تفسير قوله ~~PageV06P131 # تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ms2303 «وأهلك» منصوب بفعل معطوف على فاسلك ~~لا بالعطف على زوجين أو اثنين على القراءتين لأدائه إلى اختلال المعنى أي ~~واسلك أهلك والمراد به امرأته وبنوه وتأخير الأمر بإدخالهم عما ذكر من ~~إدخال الأزواج فيها لكونه عريقا فيما أمر به من الإدخال فإن نحتاج إلى ~~مزاولة الأعمال منه عليه السلام بل إلى معاونة من أهله وأتباعه وأماهم ~~فإنما يدخلونها باختيارهم بعد ذلك ولأن في المؤخر ضرب تفصيل بذكر الاستثناء ~~وغيره فتقديمه يؤدي إلى الإخلال بتجاوب أطراف النظم الكريم ي «إلا من سبق ~~عليه القول منهم» أي القول بإهلاك الكفرة وإنما جيء بعلي لكون السابق ضارا ~~كما جيء باللام في قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى لكونه نافعا ~~«ولا تخاطبني في الذين ظلموا» بالدعاء لإنجائهم «إنهم مغرقون» تعليل للنهي ~~أو لما ينبئ عنه من عدم قبول الدعاء أي إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة ~~لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف ~~لا وقد أمر بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله تعالى «فإذا استويت أنت ~~ومن معك» أي من أهلك وأشياعك «على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين» على طريقة قوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين «وقل رب أنزلني» في السفينة أو منها «منزلا مباركا» أي إنزالا أو ~~موضع إنزال يستتبع خيرا كثيرا وقرئ منزلا أي موضع نزول «وأنت خير المنزلين» ~~أمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عز وجل توسلا به إلى ~~الإجابة وإفراده عليه السلام بالأمر مع شركة الكل في الاستواء والنجاة ~~لإظهار فضله عليه السلام والإشعار بأن في دعائه وثنائه مندوحة عما عداه «إن ~~في ذلك» الذي ذكر مما فعل به عليه السلام وبقومه «لآيات» جليلة يستدل بها ~~أولو الأبصار ويعتبر بها ذوو الاعتبار «وإن كنا لمبتلين» إن مخففة من أن ~~واللام فارقة بينها وبين النافية وضمير الشأن محذوف أي وإن الشأن كنا ~~مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد ms2304 ومختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر ~~من يعتبر ويتذكر كقوله تعالى ولقد تركناها آية فهل من مدكر «ثم أنشأنا من ~~بعدهم» أي من بعد إهلاكهم «قرنا آخرين» هم عاد حسبما روى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وعليه أكثر المفسرين وهو الأوفق لما هو المعهود في سائر السور ~~الكريمة من إيراد قصتهم إثر قصة قوم نوح وقيل هم ثمود «فأرسلنا فيهم» جعلوا ~~PageV06P132 # موضعا للإرسال كما في قوله تعالى كذلك أرسلناك في أمة ونحوه لا غاية له ~~كما في مثل قوله تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه للإيذان من أول الأمر بأن ~~من أرسل إليهم لم يأتهم من غير مكانهم بل إنما نشأ فيما بين أظهرهم كما ~~ينبئ عنه قوله تعالى «رسولا منهم» أي من جملتهم نسبا فإنهما عليهما السلام ~~كانا منهم وأن في قوله تعالى «أن اعبدوا الله» مفسرة لأرسلنا لتضمنه معنى ~~القول أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله تعالى وقوله تعالى «ما لكم ~~من إله غيره» تعليل للعبادة المأمورة بها أو للأمر بها أو لوجوب الامتثال ~~به «أفلا تتقون» أي عذابه الذي يستدعيه ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي ~~والكلام في العطف كالذي مر في قصة نوح عليه السلام «وقال الملأ من قومه» ~~حكاية لقولهم الباطل إثر حكاية القول الحق الذي ينطق به حكاية إرسال الرسول ~~بطريق العطف على ان المراد حكاية مطلق تكذيبهم له عليه السلام إجمالا لا ~~حكاية ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من المحاورة والمقاولة تفصيلا حتى ~~يحكى بطريق الاستئناف المبني على السؤال كما ينبئ عنه ما سيأتي من حكاية ~~سائر الأمم أي وقال الإشراف من قومه «الذين كفروا» في محل الرفع على أنه ~~صفة للملأ وصفوا بذلك ذما لهم وتنبيها على غلوهم في الكفر وتأخيره عن من ~~قومه لعطف قوله تعالى «وكذبوا بلقاء الآخرة» وما عطف عليه على الصلة الأولى ~~أي كذبوا بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب أو بمعادهم إلى الحياة ~~الثانية بالبعث «وأترفناهم» ونعمناهم «في الحياة الدنيا» بكثرة الأموال ~~والأولاد ms2305 أي قالوا لأعقابهم مضلين لهم «ما هذا إلا بشر مثلكم» أي في الصفات ~~والأحوال وإيثار مثلكم على مثلنا للمبالغة في تهوين أمره عليه لاسلام ~~وتوهينه «يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون» تقرير للمماثلة وما خبرية ~~والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور قد حذف مع الجار لدلالة ما قبله ~~عليه «ولئن أطعتم بشرا مثلكم» أي فيما ذكر من الأحوال والصفات أي إن ~~امتثلتم بأوامر «إنكم إذا» أي على تقدير الاتباع «لخاسرون» عقولكم ومغبونون ~~في آرائكم حيث أذللتم أنفسكم انظر كيف جعلوا اتباع الرسول الحق الذي يوصلهم ~~إلى سعادة الدارين خسرانا دون عبادة الأصنام التي لا خسران وراءها قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون وإذا وقع بين اسم إن وخبرها لتأكيد مضمون الشرط والجملة ~~جواب لقسم محذوف قبل إن الشرطية المصدرة باللام الموطئة أي وبالله لئن ~~أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون «أيعدكم» استئناف مسوق لتقرير ما قبله ~~من زجرهم عن اتباعه عليه السلام بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان به ~~واستبعاده «أنكم إذا متم» بكسر الميم من مات يموت وقرئ بضمها من مات ~~PageV06P133 # يموت «وكنتم ترابا وعظاما» نخرة مجردة عن اللحوم والأعصاب أي كان بعض ~~أجزائكم من اللحم ونظائره ترابا وبعضها عظاما وتقديم التراب لعراقته في ~~الاستبعاد وانقلابه من الأجزاء البادية أو كان متقدموكم ترابا صرفا ~~ومتأخروكم عظاما وقوله تعالى «إنكم» تأكيد للأول لطول الفصل بينه وبين خبره ~~الذي هو قوله تعلى «مخرجون» أي من القبور أحياء كما كنتم وقيل أنكم مخرجون ~~مبتدأ وإذا متم خبره على معنى إخراجكم إذا متم ثم أخبر بالجملة عن أنكم ~~وقيل رفع أنكم مخرجون بفعل هو جزاء الشرط كأنه قيل إذا متم وقع إخراجكم ثم ~~أوقعت الجملة الشرطية خبرا عن أنكم والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ~~الأول وقرئ أيعدكم إذا متم الخ «هيهات هيهات» تكرير لتأكيد البعد أي بعد ~~الوقوع أو الصحة «لما توعدون» وقيل اللام لبيان المستبعد ما هو كما في هيت ~~لك كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل لماذا هذا الاستبعاد فقيل ms2306 لما ~~توعدون وقيل هيهات بمعنى البعد وهو مبتدأ خبره لما توعدون وقرئ بالفتح ~~منونا للتنكير وبالضم منونا على أنه جمع هيهة وغير منون تشبها بقبل وبالكسر ~~على الوجهين وبالسكون على لفظ الوقف وإبدال التاء هاء «إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا» أصله إن الحياة إلا حياتنا فأقيم الضمير مقام الأولى لدى الثانية ~~عليها حذرا من التكرار وإشعارا بإغنائها عن التصريح كما في هي النفس تتحمل ~~ما حملت وهي العرب تقول ما شاءت وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على ~~الجنس كانت إن النافية بمنزلة لا النافية للجنس وقوله تعالى «نموت ونحيا» ~~جملة مفسرة لما ادعوه من أن الحياة هي الحياة الدنيا أي يموت بعضنا ويولد ~~بعض إلى انقراض العصر «وما نحن بمبعوثين» بعد الموت «إن هو» أي ما هو «إلا ~~رجل افترى على الله كذبا» فيما يدعيه من إرساله وفيما يعدنا من أن الله ~~يبعثنا «وما نحن له بمؤمنين» بمصدقين فيما يقوله «قال» أي هود عليه السلام ~~عند يأسه من إيمانهم بعد ما سلك في دعوتهم كل مسلك متضرعا إلى الله عز وجل ~~«رب انصرني» عليهم وانتقم لي منهم «بما كذبون» أي بسبب تكذيبهم إياي ~~وإصرارهم عليه «قال» تعالى إجابة لدعائه وعدة بالقبول «عما قليل» أي عن ~~زمان قليل وما مزيدة بين الجار والمجرور لتأكيد معنى القلة كما زيدت في ~~قوله تعالى فبما رحمة من الله أو نكرة موصوفة أي عن شيء قليل «ليصبحن ~~نادمين» على ما فعلوه من التكذيب وذلك عند معاينتهم للعذاب «فأخذتهم ~~الصيحة» لعلهم حين أصابتهم PageV06P134 # الريح العقيم أصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة أيضا وقد روى أن شداد بن ~~عاد حين أتم بناء إرم سار إليها بأهله فلما دنا منها بعث الله عليهم صيحة ~~من السماء فهلكوا وقيل الصيحة نفس العذاب والموت وقيل هي العذاب المصطلم ~~قال قائلهم * صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان * ~~«بالحق» متعلق بالأخذ أي بالأمر الثابت الذي لا دفاع له أو بالعدل من الله ~~تعالى أو بالوعد الصدق «فجعلناهم غثاء» أي ms2307 كغثاء السيل وهو حميله «فبعدا ~~للقوم الظالمين» إخبار أو دعاء وبعدا من المصادر التي لا يكاد يستعمل ~~ناصبها والمعنى بعدوا بعدا أي هلكوا واللام لبيان من قيل له بعدا ووضع ~~الظاهر موضع الضمير للتعليل «ثم أنشأنا من بعدهم» أي بعد هلاكهم «قرونا ~~آخرين» هم قوم صالح ولوط وشعيب عليهم السلام وغيرهم «ما تسبق من أمة أجلها» ~~أي ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة الوقت الذي عين لهلاكهم أي ما تهلك أمة ~~قبل مجئ أجلها «وما يستأخرون» ذلك الأجل بساعة وقوله تعالى «ثم أرسلنا ~~رسلنا» عطف على أنشأنا لكن لا على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون ~~المذكورة جميعا بل على معنى أن أرسال كل رسول متأخر عن إنشاء قرن مخصوص ~~بذلك الرسول كأنه قيل ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين قد أرسلنا إلى كل قرن ~~منهم رسولا خاصا به والفصل بين المعطوفين بالجملة المعترضة الناطقة بعدم ~~تقدم الأمم أجلها المضروب لهلاكهم للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجه إجمالي ~~«تترا» أي متواترين واحدا بعد واحد من الوتر وهو الفرد والتاء بدل من الواو ~~كما في تولج ويتقوا والألف للتأنيث باعتبار أن الرسل جماعة وقرئ بالتنوين ~~على أنه مصدر بمعنى الفاعل وقع حالا وقوله تعالى «كل ما جاء أمة رسولها ~~كذبوه» استئناف مبين لمجيء كل رسول لأمته ولما صدر عنهم عند تبليغ الرسالة ~~والمراد بالمجيء إما التبليغ وإما حقيقة المجيء للإيذان بأنهم كذبوه في أو ~~الملاقاة وإضافة الرسول إلى الأمة مع إضافة كلهم فيما سبق إلى نون العظمة ~~لتحقيق أن كل رسول جاء أمته الخاصة به لا أن كلهم جاءوا كل الأمم والإشعار ~~بكمال شناعتهم وضلالهم حيث كذبت كل واحدة منهم رسولها المعين لها وقيل لان ~~الإرسال لائق بالمرسل والمجيء بالمرسل إليهم «فأتبعنا بعضهم بعضا» في ~~الهلاك حسبما تبع بعضهم بعضا في مباشرة أسبابه التي هي الكفر والتكذيب ~~وسائر المعاصي «وجعلناهم أحاديث» لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها ~~المعتبرون وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ms2308 تلهيا كأعاجيب ~~جمع أعجوبة وهي ما يتعجب منه أي جعلناهم أحاديث يتحدث بها تلهيا وتعجبا ~~«فبعدا لقوم لا يؤمنون» اقتصر ههنا على وصفهم بعدم الإيمان حسبما ~~PageV06P135 # اقتصر على حكاية تكذيبهم إجمالا وأما القرون الأولون فحيث نقل عنهم ما مر ~~من الغلو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان وصفوا بالظلم «ثم أرسلنا موسى ~~وأخاه هارون بآياتنا» هي الآيات التسع من اليد والعصا والجراد والقمل ~~والضفادع والدم ونقص الثمرات والطاعون ولا مساغ لعد فلق البحر منها إذ ~~المراد هي الآيات التي كذبوها واستكبروا عنها «وسلطان مبين» أي حجة واضحة ~~ملزمة للخصم وهي إما العصا وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات لما أنها ~~أم آياته عليه الصلاة والسلام وأولاها وقد تعلقت بها معجزات شتى من ~~انقلابها ثعبانا وتلقفها لما أفكته السحرة حسبما فصل في تفسير سورة طه وأما ~~التعرض لانقلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها وحراستها وصيرورتها ~~شمة وشجرة خضراء مثمرة ودلوا ورشاء وغير ذلك مما ظهر منها من قبل ومن بعد ~~في غير مشهد فرعون وقومه فغير ملائم لمتقضى المقام وإما نفس الآيات كقوله ~~إلى الملك القرم وبان الهمام الخ عبر عنها بذلك على طريقة العطف تنبيها على ~~جمعها لعنوانين جليلين وتنزيلا لتغايرهما منزلة التغاير الذاتي «إلى فرعون ~~وملئه» أي أشراف قومه خصوا بالذكر لأن إرسال بني إسرائيل منوط بآرائهم لا ~~بآراء أعقابهم «فاستكبروا» عن الانقياد وتمردوا «وكانوا قوما عالين» ~~متكبرين متمردين «فقالوا» عطف على استكبروا وما بينهما اعتراض مقرر ~~للاستكبار أي كانوا قوما عادتهم الاستكبار والتمرد أي قالوا فيما بينهم ~~بطريق المناصحة «أنؤمن لبشرين مثلنا» ثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله ~~تعالى بشرا سويا كما يطلق على الجمع كما في قوله تعالى فإما ترين من البشر ~~أحدا ولم يثن المثل نظرا إلى كونه في حكم المصدر وهذه القصص كما نرى تدل ~~على أن مدار شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم بناء على ~~جهلهم بتفاصيل شؤون الحقيقة البشرية وتباين طبقات أفرادها في مراقي الكمال ~~ومهاوي النقصان بحيث يكون بعضها ms2309 في أعلى عليين وهم المختصون بالنفوس الزكية ~~المؤيدون بالقوة القدسية المتعلقون لصفاء جواهرهم بكلا العالمين الروحاني ~~والجسماني يتلقون من جانب ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق ~~عن التبتل إلى جناب الحق وبعضها في أسفل سافلين كأولئك الجهلة الذين هم ~~كالأنعام بل هم أصل سبيلا «وقومهما» يعنون بني إسرائيل «لنا عابدون» أي ~~خادمون منقادون لنا كالعبيد وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بشأنهما عليهما ~~الصلاة والسلام وخطر تبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية ~~واللام في لنا متعلقة بعابدون قدمت عليه رعاية للفواصل والجملة حال من فاعل ~~نؤمن مؤكدة لإنكار الإيمان لهما بناء على زعمهم الفاسد المؤسس على قياس ~~الرياسة الدينية على الرياسات الدنيوية الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ ~~PageV06P136 # الدنية من المال والجاه كدأب قريش حيث قالوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وجهلهم بأن مناط ~~الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة ما ذكر من النعوت العلية وإحراز ~~الملكات السنية جبلة واكتسابا «فكذبوهما» أي فتموا على تكذيبهما وأصروا ~~واستكبروا استكبارا «فكانوا من المهلكين» بالغرق في بحر قلزم «ولقد آتينا» ~~أي بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من ملكتهم «موسى الكتاب» أي التوراة ~~وحيث كان إيتاؤه عليه الصلاة والسلام إياها لإرشاد قومه إلى الحق كما هو ~~شأن الكتب الإلهية جعلوا كأنهم أوتوها فقيل «لعلهم يهتدون» أي إلى طريق ~~الحق بالعمل بما فيها من الشرائع والأحكام وقيل أريد آتينا قوم موسى فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى على خوف من فرعون وملئهم ~~أي من آل فرعون وملئهم ولا سبيل إلى عود الضمير إلى فرعون وقومه لظهور أن ~~التوراة إنما نزلت بعد إغراقهم لبني إسرائيل وأما الاستشهاد على ذلك بقوله ~~تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى فمما لا سبيل ~~إليه ضرورة أن ليس المراد بالقرون الأولى ما يتناول قوم فرعون بل من قبلهم ~~من الأمم المهلكة خاصة كقوم نوح وقوم هود وقوم ms2310 صالح وقوم لوط كما سيأتي في ~~سورة القصص «وجعلنا ابن مريم وأمه آية» وأية آية دالة على عظيم قدرتنا ~~بولادته منها من غير مسيس بشرف الآية أمر واحد نسب إليهما أو جعلنا ابن ~~مريم آية بأن تكلم في المهد فظهرت منه معجزات جمة وأمه آية بأنها ولدته من ~~غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها والتعبير عنهما بما ذكر من ~~العنوانين وهما كونه عليه الصلاة والسلام ابنها وكونها أمه عليه الصلاة ~~والسلام للإيذان من أول الأمر بحيثية كونهما آية فإن نسبته عليه الصلاة ~~والسلام إليها مع أن النسب إلى الآباء دالة على أن لا أب له أي جعلنا ابن ~~مريم وحدها من غير أن يكون له أب وأمه التي ولدته خاصة من غير مشاركة الأب ~~آية وتقديمه عليه الصلاة والسلام لأصالته فيما ذكر من كونه آية كما أن ~~تقديم أمه في قوله تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين لأصالتها فيما نسب ~~إليها من الإحصان والنفخ «وآويناهما إلى ربوة» أي أرض مرتفعة قيل هي أيليا ~~أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء ~~بثمانية عشر ميلا على ما يروى عن كعب وقيل دمشق وغوطتها وقيل فلسطين ~~والرملة وقيل مصر فإن قراها على الربا وقرئ بكسر الراء وضمها ورباوة بالكسر ~~والضم «ذات قرار» مستقر من أرض منبسطة سهلة يستقر عليها ساكنوها وقيل ذات ~~ثمار وزروع لأجلها يستقر فيها ساكنوها «ومعين» أي وماء معين ظاهر جار فعيل ~~من معن الماء إذا جرى وأصله الإبعاد في المشي أو من الماعون PageV06P137 # وهو النفع لأنه نفاع أو مفعول من عانه إذا أدركه بالعين فإنه لظهوره يدرك ~~بالعيون وصف ماؤها بذلك للإيذان بكونه جامعا لفنون المنافع من الشرب وسقى ~~ما يسقى من الحيوان والنبات بغير كلفة والتنزه بمنظره الموفق «يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات» حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ~~الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى عليه ~~السلام وأمه إلى الربوة إيذانا ms2311 بأن ترتيب مبادئ التنعم لم يكن من خصائصه ~~عليه السلام بل إباحة الطيبات شرع قديم جرى عليه جميع الرسل عليهم السلام ~~ووصوا به أي وقلنا لكل رسول كل من الطيبات واعمل صالحا فعبر عن تلك الأوامر ~~المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالا للإيجاز وفيه من ~~الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات ما لا يخفى وقيل حكاية ~~لما ذكر لعيسى عليه السلام وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في ~~تناول ما رزقا وقيل نداء وخطاب له والجمع للتعظيم وعن الحسن ومجاهد وقتادة ~~والسدي والكلبي رحمهم الله تعالى أنه خطاب لرسول الله صلى لله عليه وسلم ~~وحده على دأب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجمع وفيه إبانة لفضله وقيامه ~~مقام الكل في حيازة كما لا تهتم والطيبات ما يستطاب ويستلذ من مباحات ~~المأكل والفواكه حسبما ينبئ عنه سياق النظم الكريم فالأمر للترفيه «واعملوا ~~صالحا» أي عملا صالحا فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم «إني بما تعملون» ~~من الأعمال الظاهرة والباطنة «عليم» أجازيكم عليه «وإن هذه» استئناف داخل ~~فيما خوطب به الرسل عليهم السلام على الوجه المذكور مسوق لبيان أن ملة ~~الإسلام والتوحيد مما أمر به كافة الرسل عليهم السلام والأمم وإنما أشير ~~إليها بهذه للتنبيه على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ~~ذلك في سلك الأمور المشاهدة «أمتكم» أي ملتكم وشريعتكم أيها الرسل «أمة ~~واحدة» أي ملة وشريعة متحدة في أصول الشرائع التي لا تتبدل بتبدل الأعصار ~~وقيل هذه إشارة إلى الأمم المؤمنة للرسل والمعنى إن هذه جماعتكم جماعة ~~واحدة متفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة «وأنا ربكم» من غير أن يكون ~~لي شريك في الربوبية وضمير المخاطب فيه وفي قوله تعالى «فاتقون» أي في شق ~~العصا والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ذكر من اختصاص الربوبية بي للرسل ~~والأمم جميعا على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب وفي حق الأمم ~~للتحذير والإيجاب والفاء لترتيب الأمر أو وجوب الامتثال به على ما قبله من ~~اختصاص ms2312 الربوبية به تعالى واتحاد الأمة فإن كلا منهما موجب للاتقاء حتما ~~وقرئ وأن هذه بفتح الهمزة على حذف اللام أي ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون أي إن تتقون فاتقون كما مر في قوله تعالى وإياي فارهبون وقيل ~~على العطف على ما أي إني عليم بأن أمتكم أمة الخ وقيل على حذف فعل عامل فيه ~~أي واعلموا أن هذه أمتكم الخ وقرئ وإن هذه على أنها مخففة من إن ~~PageV06P138 # «فتقطعوا أمرهم» حكاية لما ظهر من أمم الرسل بعدهم من مخالفة الأمر وشق ~~العصا والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها على التفسير بن والفاء ~~لترتيب عصيانهم على الأمر لزيادة تقبيح حالهم أي تقطعوا أمر دينهم مع ~~اتحاده وجعلوه قطعا متفرقة وأديانا مختلفة «بينهم زبرا» أي قطعا جمع زبور ~~بمعنى الفرقة ويؤديه قراءة زبرا بفتح الباء جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو ~~من واو تقطعوا أو مفعول ثان له فإنه متضمن لمعنى جعلوا وقبل كتبا فيكون ~~مفعولا ثانيا أو حالا من أمرهم على تقدير المضاف أي مثل زبر وقرئ بتخفيف ~~الباء كرسل في رسل «كل حزب» من أولئك المتحزبين «بما لديهم» من الدين الذي ~~اختاروه «فرحون» معجبون معتقدون أنه الحق «فذرهم في غمرتهم» شبه ما هم فيه ~~من الجهالة بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها لاعبون بها وقرئ ~~غمراتهم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب الأمر بالترك ~~على ما قبله من كونهم فرحين بما لديهم فإن انهماكهم فيما هم فيه وإصرارهم ~~عليه من مخايل كونهم مطبوعا على قلوبهم أي اتركهم على حالهم «حتى حين» هو ~~حين قتلهم أو موتهم على الكفر أو عذابهم فهو وعيد لم بعذاب الدنيا والآخرة ~~وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى له عن الاستعجال بعذابهم والجزع ~~من تأخيره وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من التهويل «أيحسبون أنما نمدهم ~~به» أي نعطيهم إياه ونجعله مددا لهم فما موصولة وقوله تعالى «من مال وبنين» ~~بيان لها وتقديم المال ms2313 على البنين مع كونهم أعز منه قد مر وجهه في سورة ~~الكهف لا خبر لأن وإنما الخبر قوله تعالى «نسارع لهم في الخيرات» على حذف ~~الراجع إلى الاسم أي أيحسبون أن الذي نمدهم به من المال والبنين نسارع به ~~لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم على أن الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه وقوله ~~تعالى «بل لا يشعرون» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي كلا لا نفعل ذلك ~~بل هم لا يشعرون بشيء أصلا كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا ويعرفوا ~~أن ذلك الإمداد استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة ~~لهم في الخيرات وقرئ بمدهم على الغيبة وكذلك يسارع ويسرع ويحتمل أن يكون ~~فيهما ضمير الممد به وقرئ يسارع مبنيا للمفعول «إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون» استئناف مسوق لبيان من له المسارعة في الخيرات إثر إقناط الكفار ~~عنها وإبطال حسبانهم الكاذب أي من خوف عذابه حذرون PageV06P139 # «والذين هم بآيات ربهم» المنصوبة والمنزلة «يؤمنون» بتصديق مدلولها ~~«والذين هم بربهم لا يشركون» شركا جليا ولا خفيا ولذلك أخر عن الإيمان ~~بالآيات والتعرض لعنوان الربوبية في المواقع الثلاثة للإشعار بعليتها ~~للإشفاق والإيمان وعدم الإشراك «والذين يؤتون ما آتوا» أي يعطون ما أعطوه ~~من الصدقات وقرئ يأتون ما أتوا أي يفعلون ما فعلوه من الطاعات وأيا ما كان ~~فصيغة الماضي في الصلة الثانية الدلالة على التحقق كما أن صيغة المضارع في ~~الأولى للدلالة عن الاستمرار «وقلوبهم وجلة» حال من فاعل يؤتون أو يأتون أي ~~يؤتون ما آتوه أو يفعلون من العبادات ما فعلوه والحال أن قلوبهم خائفة أشد ~~الخوف «أنهم إلى ربهم راجعون» أي من أن رجوعهم إليه عز وجل على أن مناط ~~الوجل أن لا يقبل منهم ذلك وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به حينئذ ~~لا مجرد رجوعهم إليه تعالى وقيل لأن مرجعهم إليه تعالى والموصولات الأربعة ~~عبارة عن طائفة واحدة متصفة بما ذكر في حين صلاتها من الأوصاف الأربعة لا ~~عن طوائف كل واحدة منها متصفة ms2314 بما ذكر في حيز صلاتها من الأوصاف الأربعة لا ~~عن طوائف كل واحدة منها متصفة كأنه قيل إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ~~وبآيات ربهم يؤمنون الخ وإنما كرر الموصول إيذانا باستقلال كل واحدة من تلك ~~الصفات بفضيلة باهرة على حيالها وتنزيلا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف ~~بها «أولئك» إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بها وما فيه من معنى البعد ~~للإشعار ببعد رتبتهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت ~~الجليلة خاصة دون غيرهم «يسارعون في الخيرات» أي في نيل الخيرات التي من ~~جملها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة كما في قوله تعالى ~~فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وقوله تعالى وآتيناه أجره في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين فقد أثبت لهم ما نفى عن أضدادهم خلا ~~أنه غير الأسلوب حيث لم يقل أولئك نسارع لهم في الخيرات بل أسند المسارعة ~~إليهم إيمان لي كمال استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسن أعمالهم وإيثار كلمة في ~~على كلمة إلى للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات لا أنهم خارجون عنها ~~متوجهون إليها بطريق المسارعة في قوله تعالى كما وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة الآية «وهم لها سابقون» أي إياها سابقون واللام لتقوية العمل كما في ~~قوله تعالى هم لها عاملون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا ~~وقيل المراد بالخيرات الطاعات والمعنى يرغبون في الطاعات والعبادات أشد ~~الرغبة وهم لأجلها سابقون فاعلون السبق أو لأجلها الناس PageV06P140 # والأول هو الأولى «ولا نكلف نفسا إلا وسعها» جملة مستأنفة سيقت للتحريض ~~على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الخيرات ببيان ~~سهولته وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة أي عادتنا جارية على أن لا نكلف ~~نفسا من ا لنفوس إلا ما في وسعها على أن المراد استمرار النفي بمعونة ~~المقام لا نفي الاستمرار كما مر مرارا أو للترخيص فيما هو قاصر عن درجة ~~أعمال أولئك الصالحين ببيان انه تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم ms2315 فإن ~~لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم ~~ويستفرغوا وسعهم قال مقاتل من لم يستطع القيام فليصل قاعدا ومن لم يستطع ~~القعود فليوم إيماء وقوله تعالى «ولدينا كتاب» الخ تتمة لما قبله ببيان ~~أحوال ما كلفوه من الأعمال وأحكامها المترتبة عليها من الحساب والثواب ~~والعقاب والمراد بالكتاب صحائف الأعمال التي يقرءونها عند الحساب حسبما ~~يعرب عنه قوله تعالى «ينطق بالحق» كقوله تعالى هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي عندنا كتاب قد أثبت فيه أعمال كل أحد على ~~ما هي عليه أو أعمال السابقين والمقتصدين جميعا لا أنه أثبت فيه أعمال ~~الأولين وأهمل أعمال الآخرين ففيه قطع معذرتهم أيضا وقوله بالحق متعلق ~~بينطق أي يظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ذاتا ووصفا ويبينه ~~للناظر كما يبينه النطق ويظهره للسامع فيظهر هنالك جلائل أعمالهم ودقائقها ~~ويرتب عليها أجزيتها إن خيرا فخير وإن شرا فشر وقوله تعالى «وهم لا يظلمون» ~~بيان لفضله تعالى وعد له في الجزاء إثر بيان لطفه في التكليف وكتب الأعمال ~~أي لا يظلمون في الجزاء بنقص ثواب أو بزيادة عذاب بل يجزون بقدر أعمالهم ~~التي كلفوها ونطقت بها صحائفها بالحق وقد جوز أن يكون تقريرا لما قبله من ~~التكليف وكتب الأعمال أي لا يظلمون بتكليف ما ليس في وسعهم ولا بعدم كتب ~~بعض أعمالهم التي من جملتها أعمال المقتصدين بناء على قصورها عن درجة أعمال ~~السابقين بل يكتب كل منها على مقاديرها وطبقاتها والتعبير عما ذكر من ~~الأمور بالظلم مع أن شيئا منها ليس بظلم على ما تقرر من أن الأعمال الصالحة ~~لا توجب أصل الثواب فضلا عن إيجاب مرتبة معينة منه حتى تعد الإنابة بما ~~دونها نقصا وكذلك الأعمال السيئة لا توجب درجة معينة من العذاب حتى يعد ~~التعذيب بما فوقها زيادة وكذا تكليف ما في الوسع وكتب الأعمال ليسا مما يجب ~~عليه سبحانه حتى يعد تركهما ظلما لكمال تنزيه ساحة السبحان عنها بتصويرها ms2316 ~~بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى وتسميتها باسمه وقوله تعالى «بل قلوبهم في ~~غمرة من هذا» إضراب عما قبله والضمير للكفرة لا للكل كما قبله أي بل قلوب ~~الكفرة في غفلة غامرة لها من هذا الذي بين في القرآن من أن لديه تعالى ~~كتابا ينطق بالحلق ويظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد فيجزون بها ~~كما ينبيء عنه ما سيأتي من قوله تعالى قد كانت آياتي تتلى عليكم الخ وقيل ~~مما عليه أولئك الموصوفون بالأعمال الصالحة «ولهم أعمال» سيئة كثيرة «من ~~دون ذلك» PageV06P141 # الذي ذكر من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر وهي فنون كفرهم ومعاصيهم ~~التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن حسبما ينبئ عنه قوله تعالى ~~مستكبرين به سامرا تهجرون وقيل متخطية لما وصف به المؤمنون من الأعمال ~~الصالحة المذكورة وفيه أنه لا مزية في وصف أعمالهم الخبيثة بالتخطي للأعمال ~~الحسنة للمؤمنين وقيل متخطية عماهم عليه من الشرك ولا يخفى بعده لعدم جريان ~~ذكره «هم لها عاملون» مستمرون عليها معتادون فعلها ضارون بها لا يكادون ~~يبرحونها «حتى إذا أخذنا مترفيهم» أي متنعميهم وهم الذين أمدهم الله تعالى ~~بما ذكر من المال والبنين وحتى مع كونها غاية لأعمالهم المذكورة مبدأ لما ~~بعدها من مضمون الشرطية أي لا يزالون يعملون أعمالهم إلى حيث إذا أخذنا ~~رؤساءهم «بالعذاب» قيل هو القتل والأسر يوم بدر وقيل هو الجوع الذي أصابهم ~~حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام ~~المحرقة والأولاد والحق أنه العذاب الأخروى إذ هو الذي يفاجئون عنده الجؤار ~~فيجابون بالرد والإقناط عن النصر وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار ~~حسبما ينبئ عنه قوله تعالى ولقد أخذناهم بالعذات فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر حتما ~~وأما عذاب الجوع فإن أبا سفيان وإن تضرع فيه إلى رسول ms2317 الله صلى الله عليه ~~وسلم لكن لم يرد عليه بالإقناط حيث روى أنه صلى الله عليه وسلم قد دعا ~~بكشفه فكشف عنهم ذلك «إذا هم يجأرون» أي فاجئوا الصراخ بالاستغاثة من الله ~~عز وجل كقوله تعالى فإليه تجأرون وهو جواب الشرط وتخصيص مترفيهم بما ذكر من ~~الأخذ بالعذاب ومفاجأة الجؤار مع عمومه لغيرهم أيضا لغاية ظهور انعكاس ~~حالهم وانتكاس أمرهم وكون ذلك أشق عليهم ولأنهم مع كونهم متمنعين محميين ~~بحماية غيرهم من المنعة والحشم حين لقوا ما لقوا من الحالة الفظيعة فأن ~~يلقاها من عداهم من الحماة والخدم أولى وأقدم «لا تجأروا اليوم» على إضمار ~~القول مسوقا لردهم وتبكيتهم وإقناطهم مما علقوا به أطماعهم الفارغة من ~~الإغاثة والإعانة من جهته تعالى وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله والإيذان ~~بتفويتهم وقت الجؤار وقد جوز كونه جواب الشرط وأنت خبير بأن المقصود الأصلي ~~في الجملة الشرطية هو الجواب فيؤدي ذلك إلى أن يكون مفاجأتهم إلى الجؤار ~~غير مقصود أصلي وقوله تعالى «إنكم منا لا تنصرون» تعليل للنهي عن الجؤار ~~ببيان عدم إفادته ونفعه أي لا يلحقكم من جهتنا نصرة تنجيكم مما دهمكم وقيل ~~لا تغاثون ولا تمنعون منا ولا يساعده سباق النظم الكريم لأن جؤارهم ليس إلى ~~غيره تعالى حتى يرد عليهم بعدم منصور يتهم من قبله ولا سياقه فإن قوله ~~تعالى «قد كانت آياتي تتلى عليكم» الخ صريح في أنه تعليل لما ذكرنا من عدم ~~لحوق النصر من جهته PageV06P142 # تعالى بسبب كفرهم بالآيات ولو كان النصر المنفي متوهما من الغير لعلل ~~بعجزه وذله أو بعزة الله تعالى وقوته أي قد كانت آياتي تتلى عليكم في ~~الدنيا «فكنتم على أعقابكم تنكصون» أي تعرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلا ~~عن تصديقها والعمل بها والنكوص الرجوع قهقري «مستكبرين به» أي بالبيت ~~الحرام أو بالحرم والإضمار قيل الذكر لاشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم ~~خدامه وقوامه أو بكتابي الذي عبر عنه بآياتي على تضمين الاستكبار معنى ~~التكذيب أو لأن استكبارهم على المسلمين قد حدث بسبب استماعه ويجوز أن تتعلق ms2318 ~~الباء بقوله تعالى «سامرا» أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه حيث كانوا ~~يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا ~~وشعرا والسامر كالحاضر في الإطلاق على الجمع وقيل هو مصدر جاء على لفظ ~~الفاعل وقرئ سمرا وسمارا وأن تتعلق بقوله تعالى «تهجرون» من الهجر بالفتح ~~بمعنى الهذيان أو الترك أي تهذون في شأن القرآن أو تتركونه أو من الهجر ~~بالضم وهو الفحش ويؤيده قراءة تهجرون من أهجر في منطقه إذا فحش فيه وقرئ ~~تهجرون من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذى «أفلم يدبروا القول» الهمزة ~~لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي ~~أفعلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر فلم يتدبروا القرآن ليعرفوا ~~بما فيه من إعجاز النظم وصحة المدلول والإخبار عن الغيب أنه الحق من ربهم ~~فيؤمنوا به فضلا عما فعلوا في شأنه من القبائح وأم في قوله تعالى «أم جاءهم ~~ما لم يأت آباءهم الأولين» منقطعة وما فيها من معنى بل للإضراب ولا انتقال ~~عن التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر والهمزة لإنكار الوقوع لا لإنكار ~~الواقع أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت أباءهم الأولين حي استبدعوه ~~واستبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال يعني أن مجيء الكتب من ~~جهته تعالى إلى الرسل عليهم السلام سنة قديمة له تعالى لا يكاد يتسنى ~~إنكاره وأن مجيء القرآن على طريقته فمن أين ينكرونه وقيل أم جاءهم من الأمن ~~من عذابه تعالى ما لم يأت آباءهم الأولين كإسماعيل عليه السلام وأعقابه من ~~عدنان وقحطان ومضر وربيعة وقس والحرث بن كعب وأسد بن خزيمة وتميم بن مرة ~~وتبع وضبة بن أد فآمنوا به تعالى وبكتبه ورسله وأطاعوه «أم لم يعرفوا ~~رسولهم» إضراب وانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بوجه آخر والهمزة ~~لإنكار الوقوع أيضا أي بل ألم يعرفوه صلى الله عليه وسلم بالأمانة والصدق ~~وحسن الأخلاق وكمال العلم مع عدم التعلم من أحد وغير ذلك مما حازه من ms2319 ~~الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم السلام «فهم له منكرون» أي جاحدون بنبوته ~~فجحودهم بها مترتب على عدم معرفتهم بشأنه عليه السلام ومن ضرورة انتفاء ~~المبنى بطلان ما بنى عليه أي فهم غير عارفين له عليه السلام فهو تأكيد لما ~~قبله PageV06P143 # «أم يقولون به جنة» انتقال إلى توبيخ آخر والهمزة لإنكار الواقع كالأولى ~~أي بل أيقولون به جنة أي جنون مع أنه أرجح الناس عقلا وأثقبهم ذهنا وأتقنهم ~~رأيا وأوفرهم رزانة ولقد روعي في هذه التوبيخات الأربعة التي اثنان منها ~~متعلقان بالقرآن والباقيان به صلى الله عليه وسلم الترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى حيث وبخوا أو لا بعدم التدبر وذلك يتحقق مع كون القول غير متعرض له ~~بوجه من الوجوه ثم وبخوا بشيء لو اتصف به القول لكان سببا لعدم تصديقهم به ~~ثم وبخوا بما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من عدم معرفتهم به صلى الله ~~عليه وسلم وذلك يتحقق بعدم المعرفة بخير ولا شر ثم بما لو كان فيه صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لقدح في رسالته صلى الله عليه وسلم ما سبق أي ليس الأمر كما ~~زعموا في حق القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بل جاءهم صلى الله عليه ولم ~~بالحق أي الصدق الثابت الذي لا محيد عنه أصلا ولا مدخل فيه للباطل بوجه من ~~الوجوه «وأكثرهم للحق» من حيث هو حق أي حق كان لا لهذا الحق فقط كما ينبيء ~~عنه الإظهار في موقع الإضمار «كارهون» لما في جبلتهم من الزيغ والانحراف ~~المناسب للباطل ولذلك كرهوا هذا الحق الأبلج وزاغوا عن الطريق الأنهج ~~وتخصيص أكثرهم بهذا الوصف لا يقتضي إلا عدم كراهة الباقين لكل حق من الحقوق ~~وذلك لا ينافي كراهتهم لهذا الحق المبين فنأمل وقيل تقييد الحكم بالأكثر ~~لأن منهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم تفكره ~~لا لكراهته الحق وأنت خبير بأن التعرض لعدم كراهة بعضهم للحق مع اتفاق الكل ~~على الكفر به مما لا يساعده المقام أصلا «ولو اتبع ms2320 الحق أهواءهم» استئناف ~~مسوق لبيان أن أهواءهم الزائغة التي ما كرهوا الحق إلا لعدم موافقته إياها ~~مقتضية للطامة أي لو كان ما كرهوه من الحق الذي من جملته ما جاء به صلى ~~الله عليه وسلم موافقا لأهوائهم الباطلة «لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن» ~~وخرجت عن الصلاح والانتظام بالكلية لأن مناط النظام ليس إلا ذلك وفيه من ~~تنويه شأن الحق والتنبيه على سمو مكانه ما لا يخفى وأما ما قيل لو أتبع ~~الحق الذي جاء به صلى الله عليه وسلم أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله تعالى ~~بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر ففيه أنه لا يلائم فرض مجيئه صلى الله ~~عليه وسلم به وكذا ما قيل لو كان في الواقع إلهان لا يناسب المقام وأما ما ~~قيل لو أتبع الحق أهواءهم لخرج عن الإلهية فمالا احتمال له أصلا «بل ~~أتيناهم بذكرهم» انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق الذي به يقوم العالم إلى ~~تشنيعهم بالإعراض عما جبل عليه كل نفس من الرغبة فيما فيه خيرها والمراد ~~بالذكر القرآن الذي هو فخرهم وشرفهم حسبما ينطق به قوله تعالى وإنه لذكر لك ~~ولقومك أي بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوا عليه ~~أكمل إقبال «فهم» بما فعلوه من النكوص «عن ذكرهم» أي فخرهم وشرفهم خاصة ~~«معرضون» لا عن غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به وفي وضع ~~للظاهر موضع الضمير مزيد تشنيع لهم وتقريع والفاء لترتيب ما بعدها من ~~إعراضهم عن ذكرهم PageV06P144 # على ما قبلها من إيتاء ذكرهم لا لترتيب الإعراض على الإيتاء مطلقا فإن ~~المستتبع لكون إعراضهم إعراضا عن ذكرهم هو إيتاء ذكرهم لا الإتياء مطلقا ~~وفي إسناد الإتيان بالذكر إلى نور العظمة بعد إسناده إلى ضميره صلى الله ~~عليه وسلم تنويه لشأن النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه على كونه بمثابة ~~عظيمة منه عز وجل وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه صلى الله عليه ~~وسلم بعنوان الحقية وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر من لا نكتة السرية ~~والحكمة ms2321 العبقرية ما لا يخفى فإن التصريح بحقيته المستلزمة لحقية من جاء به ~~هو الذي يقتضيه مقام حكاية ما قاله المبطلون في شأنه وأما التشريف فإنما ~~يليق به تعالى لا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد المشرفين وقيل ~~المراد بالذكر ما تمنوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأولين وقيل وعظهم ~~وأيد ذلك أنه قرئ بذكراهم والتشنيع على الأولين أشد فإن الإعراض عن وعظهم ~~ليس في مثابة إعراضهم عن شرفهم أو عن ذكرهم الذي يتمنونه في الشناعة ~~والقباحة «أم تسألهم» انتقال من توبيخهم بما ذكر من قوله أم يقولون به جنة ~~إلى التوبيخ بوجه آخر كأنه قيل أم يزعمون أنك تسألهم على أداء الرسالة ~~«خرجا» أي جعلا فلأجل ذلك لا يؤمنون بك وقوله تعالى «فخراج ربك خير» أي ~~رزقه في الدنيا وثوابه في الآخرة تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار أي ~~لا تسألهم ذلك فإن ما رزقك الله تعالى في الدنيا والعقبى خير لك من ذلك وفي ~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تعليل ~~الحكم وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ~~ما تخرجه إلى غيرك والخراج غالب في الضريبة على الأرض وقيل الخرج ما تبرعت ~~به والخراج ما لزمك وقيل الخرج أخص من الخراج ففي النظم الكريم إشعار ~~بالكثرة واللزوم وقرئ خرجا فخرج وخراجا فخراج «وهو خير الرازقين» تقرير ~~لخيرية خراجه تعالى «وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم» تشهد العقول السليمة ~~باستقامته ليس فيه شائبة اعوجاج توهم اتهامهم لك بوجه من الوجوه ولقد ~~ألزمهم الله عز وعلا وأزاح عللهم في هذه الآيات حيث حصر أقسام ما يؤدي إلى ~~الإنكار والاتهام وبين انتفاء ما عدا كراهتهم للحق وقلة فطنتهم «وأن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة» وصفوا بذلك تشنيعا لهم بما هم عليه من الانهماك في ~~الدنيا وزعمهم أن لا حياة إلا الحياة الدنيا وإشعارا بعلة الحكم فإن ~~الإيمان بالآخرة وخوف ما فيها من الدواهي من أقوى الدواعي إلى طلب ms2322 الحق ~~وسلوك سبيله «عن الصراط» أي عن جنس الصراط «لناكبون» لعادلون فضلا عن ~~الصراط المستقيم أو عن الصراط المستقيم الذي تدعوهم إليه والأول أدل على ~~كمال ضلالهم وغاية غوايتهم لما أنه ينبئ عن كون ما ذهبوا إليه مما لا يطلق ~~عليه اسم الصراط ولو كان معوجا «ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر» أي قحط ~~وجدب «للجوا» لتمادوا «في PageV06P145 # طغيانهم» إفراطهم في الكفر والاستكبار وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين «يعمهون» أي عامهين عن الهدى روى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال ~~الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله تعالى بالسنين ~~حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ~~أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال بلى فقال قتلت ~~الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت والمعنى لو كشفنا عنهم ما أصابهم من ~~القحط والهزال برحمتنا إياهم ووجدوا الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه من ~~الإفراط في الكفر والاستكبار ولذهب عنهم هذا التملق والإبلاس وقد كان كذلك ~~وقوله تعالى «ولقد أخذناهم بالعذاب» استئناف مسوق للاستشهاد على مضمون ~~الشرطية والمراد بالعذاب ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر وما أصابهم من ~~فنون العذاب التي من جملتها القحط المذكور واللام جواب قسم محذوف أي وبالله ~~لقد أخذناهم بالعذاب «فما استكانوا لربهم» بذلك أي لم يخضعوا ولم يتذللوا ~~على أنه إما استفعال من الكون لان الخاضع ينتقل من كون إلى كون أو افتعال ~~من السكون قد أشبعت فتحته كمنتزاح في منتزح بل أقاموا على ما كانوا عليه من ~~العتو والاستكبار وقوله تعالى «وما يتضرعون» اعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي ~~وليس من عادتهم التضرع إليه تعالى «حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد» ~~هو عذاب الآخرة كما ينبئ عنه التهويل بفتح الباب والوصف بالشدة وقرئ فتحنا ~~بالتشديد «إذا هم فيه مبلسون» أي متحيرون آيسون من كل خير أي محناهم بكل ~~محنة من القتل والأسر والجوع وغير ذلك فما رؤى منهم ms2323 لين مقادة وتوجه إلى ~~الإسلام قط وأما ما أظهره أبو سفيان فليس من الاستكانة له تعالى والتضرع ~~إليه تعالى في شيء وإنما هو نوع خنوع إلى أن يتم غرضه فحاله كما قيل إذا ~~جاع ضغا وإذا شبع طغا وأكثرهم مستمرون على ذلك إلى ن يروا عذاب الآخرة ~~فحينئذ يبلسون وقيل المراد بالباب الجوع فإنه أشد وأعم من القتل والأسر ~~والمعنى أخذناهم أولا بما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم فما ~~وجد منهم تضرع واستكانة حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أطم وأتم ~~فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم وجاءك أعتاهم وأشدهم شكيمة في العناد يستعطفك ~~والوجه هو الأول «وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار» لتشاهدوا بها الآيات ~~التنزيلية والتكوينية «والأفئدة» لتتفكروا بها ما تشاهدونه وتعتبروا ~~اعتبارا لائقا «قليلا ما تشكرون» أي شكرا قليلا غير معتد به تشكرون تلك ~~النعم الجليلة لما أن العمدة في الشكر صرف تلك القرى التي هي في أنفسها نعم ~~باهرة إلى ما خلقت هي له وأنتم تخون بذلك إخلالا عظيما PageV06P146 # «وهو الذي ذرأكم في الأرض» أي خلقكم وبثكم فيها بالتناسل «وإليه تحشرون» ~~أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم لا إلى غيره فما لكم لا تؤمنون به ولا ~~تشكرونه «وهو الذي يحيي ويميت» من غير أن يشاركه في ذلك شيء من الأشياء ~~«وله» خاصة «اختلاف الليل والنهار» أي هو المؤثر في اختلافهما أي تعاقبهما ~~أو اختلافهما ازديادا وانتقاصا أو لأمره وقضائه اختلافهما «أفلا تعقلون» أي ~~ألا تتفكرون فلا تعقلون أو ألا تتفكرون فلا تعقلون بالنظر والتأمل أن الكل ~~منا وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات التي من جملتها البعث وقرئ يعقلون على أن ~~الالتفات إلى الغيبة لحكاية سوء حال المخاطبين لغيرهم وقيل على أن الخطاب ~~الأول لتغليب المؤمنين وليس بذاك «بل قالوا» عطف على مضمر يقتضيه المقام أي ~~فلم يعقلوا بل قالوا «مثل ما قال الأولون» أي آباؤهم ومن دان بدينهم «قالوا ~~أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون» تفسير لما قبله من المبهم ~~وتفصيل لما فيه ms2324 من الإجمال وقد مر الكلام فيه «لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا» ~~أي البعث «من قبل» متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم أي ووعد ~~آباؤنا من قبل أو بمحذوف وقع حالا من آباؤنا أي كائنين من قبل «إن هذا» أي ~~ما هذا «إلا أساطير الأولين» أي أكاذيبهم التي سطروها جمع أسطورة كأحدوثة ~~وأعجوبة وقيل جمع أسطار جمع سطر «قل لمن الأرض ومن فيها» من المخلوقات ~~تغليبا للعقلاء على غيرهم «إن كنتم تعلمون» جوابه محذوف ثقة بدلالة ~~الاستفهام عليه أي إن كنتم تعلمون شيئا ما فأخبروني به فإن ذلك كاف في ~~الجواب وفيه من المبالغة في وضوح الأمر وفي تجهيلهم ما لا يخفى أو إن كنتم ~~تعلمون ذلك فأخبروني وفيه استهانة بهم وتقرير لجهلهم ولذلك أخبر بجوابهم ~~قبل أن يجيبوا حيث قيل «سيقولون لله» لأن بديهة العقل تضطرهم إلى الاعتراف ~~بأنه تعالى خالقها «قل» أي عند اعترافهم بذلك تبكيتا لهم «أفلا تذكرون» أي ~~أتعلمون ذلك أو أتقولون ذلك فلا تتذكرون أن من فطر الأرض وما فيها ابتداء ~~قادر على إعادتها ثانيا فإن البدء ليس بأهون من الإعادة PageV06P147 # بل الأمر بالعكس في قياس العقول وقرئ تتذكرون على الأصل «قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم» أعيد الرب تنويها لشأن العرش ورفعا لمحله ~~عن أن يكون تبعا للسموات وجودا وذكرا ولقد روعي في الأمر بالسؤال الترقي من ~~الأدنى إلى الأعلى «سيقولون لله» باللام نظرا إلى معنى السؤال فإن قولك من ~~ربه ولمن هو في معنى واحد وقرئ هو وما بعده بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال ~~«قل» إفحاما لهم وتوبيخا «أفلا تتقون» أي أتعلمون ذلك ولا تقون أنفسكم ~~عقابه بعدم العمل بموجب العلم حيث تكفرون به وتنكرون البعث وتثبتون له ~~شريكا في الربوبية «قل من بيده ملكوت كل شيء» مما ذكر وما لم يذكر أي ملكه ~~التام القاهر وقيل خزائنه «وهو يجير» أي يغيث غيره إذا شاء «ولا يجار عليه» ~~أي ولا يغيث أحد عليه أي لا يمنع أحد منه ms2325 بالنصر عليه «إن كنتم تعلمون» أي ~~شيئا ما أو ذلك فأجيبوني على ما سبق «سيقولون لله» أي لله ملكوت كل شيء وهو ~~الذي يجير ولا يجار عليه «قل فأنى تسحرون» أي فمن أين تخدعون وتصرفون عن ~~الرشد مع علمكم به إلى ما أنتم عليه من الغنى فإن من لا يكون مسحورا مختل ~~العقل لا يكون كذلك «بل أتيناهم بالحق» الذي لا محيد عنه من التوحيد والوعد ~~بالبعث «وإنهم لكاذبون» فيما قالوا من الشرك وإنكار البعث «ما اتخذ الله من ~~ولد» كما يقوله النصارى والقائلون إن الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا «وما كان معه من إله» يشاركه في الألوهية كما يقوله عبدة الأوثان ~~وغيرهم «إذا لذهب كل إله بما خلق» جواب لمحاجتهم وجزاء لشرط قد حذف لدلالة ~~ما قبله عليه أي لو كان معه آلهة كما يزعمون لذهب كل واحد منهم بما خلقه ~~واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين ووقع بينهم التغالب والتحارب كما هو ~~الجاري فيما بين الملوك «ولعلا بعضهم على بعض» فلم يكن بيده وحده ملكوت كل ~~شيء وهو باطل لا يقول به عاقل قط مع قيام البرهان على استباد جميع الممكنات ~~إلى واجب الوجود واحد بالذات «سبحان الله عما يصفون» أي يصفونه PageV06P148 # من أن يكون له أنداد وأولاد «عالم الغيب والشهادة» بالجر على أنه بدل من ~~الجلالة وقيل صفة لها وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وأيا ما كان فهو ~~دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافقهم في تفرده تعالى بذلك ولذلك ~~رتب عليه بالفاء قوله تعالى «فتعالى عما يشركون» فإن تفرده تعالى بذلك موجب ~~لتعاليه عن أن يكون له شريك «قل رب إما تريني» أي إن كان لابد من أن تريني ~~«ما يوعدون» من العذاب الدنيوي المستأصل وأما العذاب الأخروي فلا يناسبه ~~المقام «رب فلا تجعلني في القوم الظالمين» أي قرينا لهم فيما هم فيه من ~~العذاب وفيه إيذان بكمال فظاعة ما وعدوه من العذاب وكونه بحيث يجب أن ~~يستعيذ منه ms2326 من لا يكاد يمكن أن يحيق به ورد لإنكارهم إياه واستعجالهم به ~~على طريقة الاستهزاء به وقيل أمر به صلى الله عليه وسلم هضما لنفسه وقيل ~~لأن شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى واتقوا فتنة لا تصبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة وروى أنه تعالى اخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن له في ~~أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء وتكرير النداء وتصدير كل ~~من الشرط والجزاء به لإبراز كمال الضراعة والابتهال «وإنا على أن نريك ما ~~نعدهم» من العذاب «لقادرون» ولكنا نؤخره لعلمنا بان بعضهم أو بعض أعقابهم ~~سيؤمنون أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم وقيل قد أراه ذلك وهو ما أصابهم يوم ~~بدر أو فتح مكة ولا يخفى بعده فإن المتبادر أن يكون ما يستحقونه من العذاب ~~الموعود عذابا هائلا مستأصلا لا يظهر على يديه صلى الله عليه وسلم للحكمة ~~الداعية إليه «ادفع بالتي هي أحسن السيئة» وهو الصفح عنها والإحسان في ~~مقابلتها لكن لا بحيث يؤدي إلى وهن في الدين وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة ~~الشرك وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من ادفع بالحسنة ~~السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل وتقديم الجار والمجرور على المفعول ~~في الموضعين للاهتمام «نحن أعلم بما يصفون» أي بما يصفونك به أو بوصفهم ~~إياك على خلاف ما أنت عليه وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى تفويض أمره إليه ~~تعالى «وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين» أي وساوسهم المغرية على خلاف ما ~~أمرت به من المحاسن التي من جملتها PageV06P149 # دفع السيئة بالحسنة وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض شبه حثهم للناس ~~على المعاصي بهمز الرائض الدواب على الإسراع أو الوثب والجمع للمرات أو ~~لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه «وأعوذ بك رب أن يحضرون» أمر صلى الله ~~عليه وسلم بأن يعوذ به تعالى من حضورهم بعد ما أمر بالعوذ من همزاتهم ms2327 ~~للمبالغة في التحذير من ملابستهم وإعادة الفعل مع تكرير النداء لإظهار كمال ~~الاعتناء بالمأمور به وعرض نهاية الابتهال في الاستدعاء أي أعوذ بك من أن ~~يحضروني ويحوموا حولي في حال من الأحوال وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن ~~كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وحال حلول الأجل كما روى عن عكرمة رحمه ~~الله لأنها أحرى الأحوال بالاستعاذة منها «حتى إذا جاء أحدهم الموت» حتى هي ~~التي يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهي مع ذلك غاية لما قبلها ~~متعلقة بيصفون وما بينهما اعتراض مؤكد للإغضاء بالاستعاذة به تعالى من ~~الشياطين أن يزلوه صلى الله عليه وسلم عن الحلم ويغروه على الانتقام لكن لا ~~بمعنى أنه العامل فيه لفساد المعنى بل بمعنى أنه معمول لمحذوف يدل عليه ذلك ~~وتعلقها بكاذبون في غاية البعد لفظا ومعنى أي يسمرون على الوصف المذكور حتى ~~إذا جاء أحدهم أي أحد كان الموت الذي لأمر دله وظهرت له أحوال الآخرة «قال» ~~تحسرا على ما فرط فيه من الإيمان والطاعة «رب ارجعون» أي ردني إلى الدنيا ~~والواو لتعظيم المخاطب وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفانيك ونظائره ~~«لعلي أعمل صالحا فيما تركت» أي في الإيمان الذي تركته لم ينظمه في سلك ~~الرجاء كسائر الأعمال الصالحة بأن يقول لعلى أو من فأعمل الخ للإشعار بأنه ~~أمر مقرر الوقوع غنى عن الإخبار بوقوعه قطعا فضلا عن كونه مرجو الوقوع أي ~~لعلي أعمل في الإيمان الذي آتى به البتة عملا صلاحا وقيل فيما تركته من ~~المال أو من الدنيا وعنه صلى الله عليه وسلم إذا عاين المؤمن الملائكة ~~قالوا أنرجعك إلى الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدوما إلى الله ~~تبارك وتعالى وأما الكافر فيقول ارجعوني «كلا» ردع عن طلب الرجعة واستبعاد ~~لها «إنها» أي قوله رب ارجعون الخ «كلمة هو قائلها» لا محالة لتسلط الحسرة ~~عليه «ومن ورائهم» أي أمامهم والضمير لأحدهم والجمع باعتبار المعنى لأنه في ~~حكم كلهم كما أن الإفراد في الضمائر الأول ms2328 باعتبار اللفظ «برزخ» حائل بينهم ~~وبين الرجعة «إلى يوم يبعثون» يوم القيامة وهو إقناط كلى عن الرجعة إلى ~~الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا وإنما الرجعة يومئذ إلى ~~الحياة الأخروية «فإذا نفخ في الصور» لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي ~~يقع عندها البعث والنشور وقيل المعنى فإذا نفخ PageV06P150 # في الأجساد أرواحها على أن الصور جمع الصورة لا القرن ويؤيده القراءة ~~بفتح الواو به مع كسر الصاد «فلا أنساب بينهم» تنفعهم لزوال التراحم ~~والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه أو لا أنساب يفتخرون بها «يومئذ» كما هي بينهم اليوم «ولا ~~يتساءلون» أي لا يسأل بعضهم بعضا لاشتغال كل منهم بنفسه ولا يناقضه قوله ~~تعالى فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون لأن هذا عند ابتداء النفخة الثانية ~~وذلك بعد ذلك «فمن ثقلت موازينه» موزونات حسناته من العقائد والأعمال أي ~~فمن كانت له عقائد صحيحة وأعمال صالحة يكون لها وزن وقدر عند الله تعالى ~~«فأولئك هم المفلحون» الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مهروب «ومن خفت ~~موازينه» أي ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ماله وزن وقدر عنده وهم ~~الكفار لقوله تعالى فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقد مر تفصيل ما في هذا ~~المقام من الكلام في تفسير سورة الأعراف «فأولئك الذين خسروا أنفسهم» ~~ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كما لها واسم الإشارة ~~في الموضعين عبارة عن الموصول وجمعه باعتبار معناه كما أن إفراد الضميرين ~~في الصلتين باعتبار لفظه «في جهنم خالدون» بدل من الصلة أو الخبر ثان ~~لأولئك «تلفح وجوههم النار» تحرقها واللفح كالنفخ إلا أنه أشد تأثيرا منه ~~وتخصيص الوجوه بذلك لأنها اشرف الأعضاء فبيان حالها أزجر عن المعاصي ~~المؤدية إلى النار وهو السر في تقديمها على الفاعل «وهم فيها كالحون» من ~~شدة الاحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان وقرئ كلحون «ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم» على إضمار القول أي يقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا ms2329 لما به ~~استحقوا ما ابتلوا به من العذاب ألم تكن آياتي تتلى عليكم في الدنيا «فكنتم ~~بها تكذبون» حينئذ «قالوا ربنا غلبت علينا» أي ملكتنا «شقوتنا» التي ~~اقترفناها بسوء اختيارنا كما ينبئ عنه إضافتها إلى أنفسهم وقرئ شقوتنا ~~بالفتح وشقاوتنا أيضا بالفتح والكسر «وكنا» بسبب ذلك «قوما ضالين» عن الحق ~~لذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وهذا كما ترى اعتراف منهم بأن ما أصابهم قد ~~أصابهم بسوء صنيعهم وأما ما قيل من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من ~~الشقاوة الأزلية فمع أنه باطل في نفسه لما أنه لا يكتب عليهم من السعادة ~~والشقاوة إلا ما علم الله تعالى أنهم يفعلونه باختيارهم ضرورة أن العلم ~~تابع للمعلوم يرده قوله تعالى PageV06P151 # «ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون» أي أخرجنا من النار وارجعنا إلى ~~الدنيا فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي فإنا متجاوزون ~~الحد في الظلم ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم لما سألوا ~~الرجعة إلى الدنيا ولما وعدوا الإيمان والطاعة بل قولهم فإن عدنا صريح في ~~أنهم حينئذ على الإيمان والطاعة وإنما الموعود على تقدير الرجعة إلى الدنيا ~~إحدائهما «قال اخسؤوا فيها» أي اسكتوا في النار سكوت هوان وذلوا وانزجروا ~~انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ أي انزجر «ولا ~~تكلمون» أي باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا وقيل لا تكلمون في ~~رفع العذاب ويرده التعليل الآتي وقيل لا تكلمون رأسا وهو آخر كلام يتكلمون ~~به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلب لا يفهمون ~~ولا يفهمون ويرده الخطابات الآتية قطعا وقوله تعالى «أنه» تعليل لما قبله ~~من الزجر عن الدعاء أي أن الشأن وقرئ بالفتح أي لأن الشأن «كان فريق من ~~عبادي» وهم المؤمنون وقيل أنهم الصحابة وقيل أهل الصفة رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين «يقولون» في الدنيا «ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين» «فاتخذتموهم سخريا» أي اسكتوا عن الدعاء ms2330 بقولكم ربنا الخ لأنكم ~~كنتم تستهزئون بالداعين بقولهم ربنا آمنا الخ وتتشاغلون باستهزائهم «حتى ~~أنسوكم» أي الاستهزاء بهم «ذكرى» من فرط اشتغالكم باستهزائهم «وكنتم منهم ~~تضحكون» وذلك غاية الاستهزاء وقوله تعالى «إني جزيتهم اليوم» استئناف لبيان ~~حسن حالهم وأنهم انتفعوا بما آذوهم «بما صبروا» بسبب صبرهم على أذيتكم ~~وقوله تعالى «أنهم هم الفائزون» ثاني مفعولي الجزاء أي جزيتهم فوزهم بمجامع ~~مراداتهم مخصوصين به وقرئ بكسر الهمزة على أنه تعليل للجزاء وبيان لكونه في ~~غاية ما يكون من الحسن «قال» أي الله عز وجل أو الملك المأمور بذلك تذكيرا ~~لما لبثوا فيما سألوا الرجوع غليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته ~~بقوله اخسئوا فيها الخ وقرئ قل على الأمر للملك «كم لبثتم في الأرض» التي ~~تدعون إليها «عدد سنين» تمييز لكم PageV06P152 # «قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم» استقصارا لمدة لبثهم فيها «فاسأل العادين» ~~أي المتمكنين من العد فإنما بما دهمنا من العذاب بمعزل من ذلك أو الملائكة ~~العادين لأعمار العباد وأعمالهم وقرئ العادين بالتخفيف أي المعتدين فأنهم ~~أيضا يقولون ما نقول كأنهم الأتباع يسمون الرؤساء بذلك لظلمهم إياهم ~~إضلالهم وقرئ العاديين أي القدماء المعمرين فإنهم أيضا يستقصرون مدة لبثهم ~~«قال» أي الله تعالى أو الملك وقرئ قل كما سبق «إن لبثتم إلا قليلا» تصديقا ~~لهم في ذلك «لو أنكم كنتم تعلمون» أي تعمون شيئا ولو كنتم من أهل العلم ~~والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه أي لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها كما ~~علمتم اليوم ولعملتم بموجبه ولم تخلدوا إليها «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا» ~~أي ألم تعلموا شيئا فحسبتم أنما خلقناكم بغير حكمة بالغة حتى أنكرتم البعث ~~فعبثا حال من نون العظمة أي عابثين أو مفعول له أي أنما خلقناكم للعبث ~~«وأنكم إلينا لا ترجعون» عطف على أنما فإن خلقكم بغير بعث من قبيل العبث ~~وإنما خلقناكم لنعيدكم ونجازيكم على أعمالكم وقرئ ترجعون بفتح التاء من ~~الرجوع «فتعالى الله» استعظام له تعالى لشؤون التي تصرف عليها عباده من ~~البدء والإعادة والإثابة ms2331 والعقاب بموجب الحكمة البالغة أي ارتفع بذاته ~~وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأحواله وأفعاله وعن خلو أفعاله ~~عن الحكم والمصالح والغايات الحميدة «الملك الحق» الذي يحق له الملك على ~~الإطلاق إيجادا وإعداما بدءا إعادة إحياء وإماتة عقابا وإثابة وكل ما سواه ~~مملوك له مقهور تحت ملكوته «لا إله إلا هو» فإن كل ما عداه عبيده «رب العرش ~~الكريم» فكيف بما تحته ومحاط به من الموجودات كائنا ما كان ووصفه بالكرم ~~إما لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم أو الخير والبركة والرحمة ~~أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين وقرئ الكريم بالرفع على أنه صفة الرب كما في ~~قوله تعالى ذو العرش المجيد «ومن يدع مع الله إلها آخر» يعبده إفرادا ~~وإشراكا «لا برهان له به» صفة لازمة لإلها كقوله تعالى يطير بجناحيه جيء ~~بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيها على أن التدين بما لا دليل عليه باطل ~~فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه أو اعتراض بين الشرط والجزاء كقولك من ~~PageV06P153 # أحسن إلى زيد لا أحق منه بالإحسان فالله مثيبه «فإنما حسابه عند ربه» فهو ~~مجاز له على قدر ما يستحقه «إنه لا يفلح الكافرون» أي أن الشأن الخ وقرئ ~~بالفتح على أنه تعليل أو خبر ومعناه حسابه عدم الفلاح والأصل حسابه أنه لا ~~يفلح هو فوضع الكافرون موضع الضمير لأن من يدع في معنى الجمع وكذلك حسابه ~~أنه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون بدئت السورة الكريمة بتقرير ~~فلاح المؤمنين وختمت بنفي الفلاح عن الكافرين ثم أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالاستغفار والاسترحام فقيل «وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الراحمين» إيذانا بأنهما من أهم الأمور الدينية حيث أمر به من قد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن عداه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة المؤمنين بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقر به عينه عند نزول ~~ملك الموت وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد أنزلت ms2332 على عشر آيات من ~~أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد أفلح المؤمنون حتى ختم العشر وروى أن أولها ~~وآخرها من كنوز الجنة من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد ~~نجا وأفلح PageV06P154 # سورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~«سورة» خبر مبتدأ محذوف إي هذه سورة وإنما أشير إليها مع عدم سبق ذكرها ~~لأنها باعتبار كونها في شرف الذكر في حكم الحاضر المشاهد وقوله تعالى ~~«أنزلناها» مع ما عطف عليه صفات لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة من ~~حيث الذات بالفخامة من حيث الصفات وأما كونها مبتدأ محذوف الخبر على أن ~~يكون التقدير فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها فيأباه أن مقتضى المقام بيان ~~شأن السورة الكريمة لا أن في جملة ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~سورة شأنها كذا وكذا وحملها على السورة الكريمة بمعونة المقام يوهم أن ~~غيرها من السور الكريمة ليست على تلك الصفات وقرئ بالنصب على إضمار فعل ~~يفسره أنزلناها فلا محل له حينئذ من الإعراب أو على تقدير اقرأ ونحوه أو ~~دونك عند من يسوغ حذف أداة الإغراء فمحل أنزلنا النصب على الوصفية ~~«وفرضناها» أي أو أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا وفيه من الإيذان ~~بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفي وقرئ فرضناها بالتشديد لتأكيد الإيجاب أو ~~لتعدد الفرائض أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف «وأنزلنا فيها» أي ~~في تضاعيف السورة «آيات بينات» إن أريد بها الآيات التي نيطت بها الأحكام ~~المفروضة وهو الأظهر فكونها في السورة ظاهر ومعنى كونها بينات وضوح ~~دلالاتها على أحكامها لا على معانيها على الإطلاق فإنها أسوة لسائر الآيات ~~في ذلك وتكرير أنزلنا مع استلزام إنزال السورة لإنزالها لإبراز كمال ~~العناية بشأنها وإن أريد جميع الآيات فالظرفية باعتبار اشتمال الكل على كل ~~واحد من أجزائه وتكرير أنزلنا مع أن جميع الآيات عين السورة وإنزالها عين ~~إنزالها لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيص إنزالها بالذكر إبانة لخطرها ~~ورفعا ms2333 لمحلها كقوله تعالى ونجيناه من عذاب غليظ بعد قوله تعالى ونجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا «لعلكم تذكرون» بحذف إحدى التاءين وقرئ بإدغام ~~الثانية في الذال أي تتذكرونها فتعلمون بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية ~~إلى إجراء إحكامها وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على ذكر منهم بحيث متى مست ~~الحاجة إليها استحضروها «الزانية والزاني» شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات ~~البينات وبيان أحكامها PageV06P155 # والزانية هي المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبئ عنه الصيغة لا ~~المزنية كرها وتقديمها على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها ~~أوفر ولولا تمكينها منه لم يقع ورفعهما على الابتداء والخبر قوله تعالى ~~«فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة» والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذا ~~اللام بمعنى الموصول والتقدير التي زنت والذي زنى كما في قوله تعالى ~~واللذان يأتياها منكم فآذوهما وقيل الخبر محذوف أي فيما أنزلنا أو فيما ~~فرضنا الزانية والزاني أي حكمهما وقوله تعالى فاجلدوا الخ بيان لذلك الحكم ~~وكان هذا عاما في حق المحصن وغيره وقد نسخ في حق المحصن قطعا ويكفينا في ~~تعيين الناسخ القطع بأنه صلى الله عليه وسلم قد رجم ماعزا أو غيره فيكون من ~~باب نسخ الكتاب بالسنة المشهورة وفي الإيضاح الرجم حكم ثبت بالسنة المشهورة ~~المتفق عليها فجازت الزيادة بها على الكتاب وروى عن علي رضي الله عنه ~~جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل نسخ ~~بآية منسوخة التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم ويأباه ما روي عن علي رضي الله عنه «ولا تأخذكم بهما ~~رأفة» وقرئ بفتح الهمزة وبالمد أيضا على فعالة أي رحمة ورقة «في دين الله» ~~في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أو تسامحوه فيه وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر» من باب التهييج والإلهاب فإن الإيمان بهما يقتضي الجد في طاعته ~~تعالى والاجتهاد ms2334 في إجراء أحكامه وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب ~~في مقابلة المسامحة والتعطيل «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين» أي لتحضره ~~زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل التعذيب والطائفة فرقة ~~يمكن أن تكون حافة حول شيء من الطوف وأقلها ثلاثة كما روي عن قتادة وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أربعة إلى أربعين وعن الحسن عشرة والمراد جمع يحصل به ~~التشهير والزجر «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك» حكم مؤسس على الغالب المعتاد جئ به لزجر المؤمنين بهن وقد رغب ~~بعض من ضعفه المهاجرين في نكاح موسرات كانت بالمدينة من بغايا المشركين ~~فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنفروا عنه ببيان أنه من ~~أفعال الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل الزاني لا يرغب إلا في نكاح إحداهما ~~والزانية لا يرغب في نكاحها إلا أحدهما فلا تحوموا حوله كيلا تنتظموا في ~~سلكهما أو تتسموا بسمتهما فإيراد الجملة الأولى مع أن مناط التنفير هي ~~الثانية إما للتعريض بقصرهم الرغبة عليهن حيث استأذنوا في نكاحهن أو لتأكيد ~~العلاقة بين الجانبين مبالغة في الزجر والتنفير وعدم التعرض في الجملة ~~الثانية للمشركة للتنبيه على أن مناط الزجر والتنفير هو الزنا لا مجرد ~~الإشراك وإنما تعرض لها في الأولى إشباعا في التنفير عن الزانية بنظمها في ~~سلك المشركة «وحرم ذلك» أي نكاح الزواني «على المؤمنين» لما أن فيه من ~~التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والتسبب لسوء القالة والطعن في النسب ~~واختلال PageV06P156 # أمر المعاش وغير ذلك من المفاسد ما لا يكاد يليق بأحد من الأداني ~~والأراذل فضلا عن المؤمنين ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة في الزجر ~~وقيل النفي بمعنى النهي وقد قرئ به والتحريم على حقيقته والحكم إما مخصوص ~~بسبب النزول أو منسوخ بقوله تعالى وأنكحوا الأيامي منكم فإنه متناول ~~للمسافحات ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال أوله سفاح ~~وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال وما ms2335 قيل من أن المراد بالنكاح هو الوطء ~~بين البطلان «والذين يرمون المحصنات» بيان لحكم العفائف إذا نسبن إلى الزنا ~~بعد بيان حكم الزواني ويعتبر في الإحصان ههنا مع مدلوله الوضعي الذي هو ~~العفة عن الزنا الحرية والبلوغ والإسلام وفي التعبير عن التفوه بما قالوا ~~في حقهن بالرمي المنبئ عن صلابة الآلة وإيلام المرمى وبعده عن الرامي إيذان ~~بشدة تأثيره فيهن وكونه رجما بالغيب والمراد به رميهن بالزنا لا غير وعدم ~~التصريح به للاكتفاء بإيرادهن عقيب الزواني ووصفهن بالإحصان الدال بالوضع ~~على نزاهتهن عن الزنا خاصة فإن ذلك بمنزلة التصريح بكون رميهن به لا محالة ~~ولا حاجة في ذلك إلى الاستشهاد باعتبار الأربعة من الشهداء على أن فيه مؤنة ~~بيان تأخر نزول الآية عن قوله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة ولا بعدم وجوب ~~الحد بالرمي بغير الزنا على أن فيه شبهة المصاردة كأنه قيل والذين يرمون ~~العفائف المنزهات عما رمين به من الزنا «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء» يشهدون ~~عليهن بما رموهن به وفي كلمة ثم إشعار بجواز تأخير الإتيان بالشهود كما أن ~~في كلمة لم إشارة إلى تحقيق العجز عن الإتيان بهم وتقرره خلا أن اجتماع ~~الشهود لا بد منه عند الأداء خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فإنه جوز ~~التراخي بين الشهادات كما بين الرمي والشهادة ويجوز ان يكون أحدهم زوج ~~المقذوفة خلافا له أيضا وقرئ بأربعة شهداء «فاجلدوهم ثمانين جلدة» لظهور ~~كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الإتيان بالشهداء لقوله تعالى فإذا لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ونصب ~~جلدة على التمييز وتخصيص رميهن بهذا الحكم مع أن حكم رمي المحصنين أيضا ~~كذلك لخصوص الواقعة وشيوع الرمي فيهن «ولا تقبلوا لهم شهادة» عطف على ~~اجلدوا داخل في حكمه تتمة له لما فيه من معنى الزجر لأنه مؤلم للقلب كما أن ~~الجلد مؤلم للبدن وقد آذى المقذوف بلسانه فعوقب باهدار منافعه جزاء وفاقا ~~واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة قدمت عليها لكونها نكرة ولو ms2336 ~~تأخرت عنها لكانت صفة لها وفائدتها تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن أهليتهم ~~الثابتة لهم عند الرمي وهو السر في قبول شهادة الكافر المحدود في القذف بعد ~~التوبة والإسلام لأنها ليست ناشئة عن أهليته السابقة بل عن أهلية حدثت له ~~بعد إسلامه فلا يتناولها الرد فتدبر ودع عنك ما قيل من أن المسلمين لا ~~يعبأون بسبب الكفار فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما ~~يلحقه بقذف المسلم فإن ذلك بدون ما مر من الاعتبار تعليل في مقابلة النص ~~ولا يخفي حاله فالمعنى لا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات حال كونها ~~PageV06P157 # حاصلة لهم عند الرمي «أبدا» أي مدة حياتهم وإن تابوا وأصلحوا لما عرفت من ~~أنه تتمة للحد كأنه قيل فاجلدوهم وردوا شهادتهم أي فاجمعوا لهم الجلد والرد ~~فيبقى كأصله «وأولئك هم الفاسقون» كلام مستأنف مقرر لما قبله ومبين لسوء ~~حالهم عند الله عز وجل وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد ~~منزلتهم في الشر والفساد أي أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق والخروج عن ~~الطاعة والتجاوز عن الحدود الكاملون فيه كأنهم هم المستحقون لإطلاق اسم ~~الفاسق عليهم لا غيرهم من الفسقة وقوله تعالى «إلا الذين تابوا» استثناء من ~~الفاسقين كما ينبئ عنه التعليل الآتي ومحل المستثني النصب لأنه من موجب ~~وقوله تعالى «من بعد ذلك» لتهويل المتوب عنه أي من بعد ما اقترفوا ذلك ~~الذنب العظيم الهائل «وأصلحوا» أي أصلحوا أعمالهم التي من جملتها ما فرط ~~منهم بالتلافي والتدارك ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف «فإن ~~الله غفور رحيم» تعليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن المؤاخذة بموجب ~~الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله تعالى بما فرط منهم ولا ينظمهم في ~~سلك الفاسقين لأنه تعالى مبالغ في المغفرة والرحمة هذا وقد علق الشافعي ~~رحمه الله الاستثناء بالنهي فمحل المستثني حينئذ الجر على البدلية من ~~الضمير في لهم وجعل الأبد عبارة عن مدة كونه قاذفا فتنتهي بالتوبة فتقبل ~~شهادته بعدها «والذين يرمون أزواجهم» بيان لحكم الرامين لأزواجهم خاصة ms2337 بعد ~~بيان حكم الرامين لغيرهن لكن لا بأن يكون هذا مخصصا للمحصنات بالأجنبيات ~~ليلزم بقاء الآية السابقة ظنية فلا يثبت بها الحد فإن من شرائط التخصيص أن ~~لا يكون المخصص متراخى النزول بل بكونه ناسخا لعمومها ضرورة تراخي نزولها ~~كما سيأتي فتبقى الآية السابقة قطعية الدلالة فيما بقي بعد النسخ لما بين ~~موضعه أن دليل النسخ غير معلل «ولم يكن لهم شهداء» يشهدون بما رموهن به من ~~الزنا وقرئ بتأنيث الفعل «إلا أنفسهم» بدل من شهداء أو صفة لها على أن إلا ~~بمعنى غير جعلوا من جملة الشهداء إيذانا من أول الأمر بعدم إلغاء قولهم ~~بالمرة ونظمه في سلك الشهادة في الجملة وبذلك ازداد حسن إضافة الشهادة ~~إليهم في قوله تعالى «فشهادة أحدهم» أي شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ وقوله ~~تعالى «أربع شهادات» خبره أي فشهادتهم المشروعة أربع شهادات «بالله» متعلق ~~بشهادات لقربها وقيل بشهادة لتقدمها وقرئ أربع شهادات بالنصب على المصدر ~~والعامل فشهادة على أنه إما خبر لمبتدأ محذوف أي فالواجب شهادة أحدهم وإما ~~مبتدأ محذوف الخبر أي فشهادة أحدهم واجبة «إنه لمن الصادقين» أي فيما رماها ~~به من الزنا وأصله على أنه الخ فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها ~~للتأكيد PageV06P158 # «والخامسة» أي الشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أي الجاعلة لها خمسا ~~بانضمامها إليهن وإفرادها عنهن مع كونها شهادة أيضا لاستقلالها بالفحوى ~~ووكادتها في إفادة ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار الصدق وهي مبتدأ ~~خبره «أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» فيما رماها به من الزنا فإذا ~~لا عن الزوج حبست الزوجة حتى تعترف فترجم أو تلاعن «ويدرأ عنها العذاب» أي ~~العذاب الدنيوي وهو الحبس المغيا على أحد الوجهين الرجم الذي هو أشد العذاب ~~«أن تشهد أربع شهادات بالله إنه» أي الزوج «لمن الكاذبين» أي فيما رماني به ~~من الزنا «والخامسة» بالنصب على أربع شهادات «أن غضب الله عليها إن كان» أي ~~الزوج «من الصادقين» أي فيما رماني به في الزنا وقرئ والخامسة بالرفع على ms2338 ~~الابتداء وقرئ أن بالتخفيف في الموضعين ورفع اللعنة والغضب وقرئ أن غضب ~~الله وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها مادة الفجور ولأن ~~النساء كثيرا ما يستعملن اللعن فربما يجترئن على التفوه به لسقوط وقعه عن ~~قلوبهن بخلاف غضبه تعالى روي أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنه فقال ~~جعلني الله فداك إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته ~~وفسق وإن ضربه بالسيف قتل وإن سكت سكت عل غيظ وإلى أن يجيء بأربعة شهداء ~~فقد قضى الرجل حاجته ومضى اللهم افتح وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر ~~فقال ما وراءك قال شر وجدت على امرأتي خولة وهي بنت عاصم شريك بن سحماء ~~فقال والله هذا سؤالي ما أسرع ما ابتليت به فرجعا فأخبرا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكلم خولة فأنكرت فنزلت فلاعن بينهما والفرقة الواقعة ~~باللعان في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولا ~~يتأبد حكمها حتى إذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحد جاز له أن يتزوجها وعند ~~أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رحمهم الله هي فرقة بغير طلاق توجب ~~تحريما مؤبدا ليس لهما اجتماع بعد ذلك أبدا «ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله تواب حكيم» التفات إلى خطاب الراجين والمرميات بطريق التغليب ~~لتوفية مقام الامتنان حقه وجواب لولا محذوف لتهويله والإشعار بضيق العبارة ~~عن حصره كأنه قيل ولولا تفضله تعالى عليكم ورحمته وأنه تعالى مبالغ في قبول ~~التوبة حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم ~~اللعان لكان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم ~~يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال ~~زوجته وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضاحة وبعد ما شرع لهم ذلك لو ~~جعل PageV06P159 # شهاداته موجبة ms2339 لحد الزنا عليها لفات النظر لها ولو جعل شهاداتها موجبة ~~لحد القذف عليه لفات النظر له ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل ~~والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه ~~إليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلي الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من ~~العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة ~~وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفي أما على الصادق فظاهر وأما على الكاذب فهو ~~إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبئ عنه ~~التعرض لعنوان توابيته سبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته «إن ~~الذين جاؤوا بالإفك» أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وقيل هو البهتان ~~لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه مأفوك عن وجهه وسننه ~~والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله عنها وفي لفظ المجيء ~~إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل وذلك أن رسول ~~الله صلى الله علي وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت ~~قرعتها استصحبها قالت عائشة رضي الله عنها فأقرع بيننا في غزوة غزاها قيل ~~غزوة بني المصطلق فخرج سهمي فخرجت معه صلى الله علي وسلم بعد نزول آية ~~الحجاب فحملت في هودج فسرنا حتى إذا قفلنا ودنونا من المدينة نزلنا منزلا ~~ثم نودي بالرحيل فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ~~فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ~~وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم ~~يحسبون أني فيه لخفتي فلم يستنكروا خفة الهودج وذهبوا بالبعير ووجدت عقدي ~~بعد ما استمررت الجيش فجئت منازلهم وليس فيها داع ولا مجيب فتممت منزلي ~~وظننت أني سيفقدونني ويعودون في طلبي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني ~~فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش ms2340 فلما رآني عرفني فاستيقظت ~~باسترجاعه فخمرت وجهي بالجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة ~~غير استرجاعه وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فقمت إليها فركبتها ~~وانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول ~~وافتقدني الناس حين نزلوا وماج القوم في ذكرى فبينا الناس كذلك إذ هجمت ~~عليهم فخاض الناس في حديثي فهلك من هلك وقوله تعالى «عصبة منكم» خبر إن أي ~~جماعة وهي من العشرة إلى الأربعين وكذا العصابة وهم عبد الله بن أبي وزيد ~~بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وقوله ~~تعالى «لا تحسبوه شرا لكم» استئناف خوطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعائشة وصفوان رضي الله عنهم تسلية لهم من أول الأمر والضمير ~~للإفك «بل هو خير لكم» لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله ~~عز وجل بإنزال ثماني عشرة آية في نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم وتشديد الوعيد ~~فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظن بكم خيرا «لكل امرئ PageV06P160 # منهم» أي من أولئك العصبة «ما اكتسب من الإثم» بقدر ما خاض فيه «والذي ~~تولى كبره» أي معظمه وقرئ بضم الكاف وهي لغة فيه «منهم» من العصبة وهو ابن ~~أبي فإنه بدأ به وأذاعه بين الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقيل هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه بالتصريح به فإفراد الموصول حينئذ ~~باعتبار الفوج أو الفريق أو نحوهما «له عذاب عظيم» أي في الآخرة أو في ~~الدنيا أيضا فأنهم جلدوا وردت شهادتهم وصار ابن أبي مطرودا مشهودا عليه ~~بالنفاق وحسان أعمى وأشل اليدين ومسطح مكفوف البصر وفي التعبير عنه بالذي ~~وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفي ~~«لولا إذ سمعتموه» تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وذويه إلى الخائضين بطريق الالتفات لتشديد ما في لولا التحضيضية من التوبيخ ~~ثم العدول عنه إلى الغيبة في قوله تعالى «ظن ms2341 المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا» لتأكيد التوبيخ والتشنيع لكن لا بطريق الإعراض عنهم وحكاية جناياتهم ~~لغيرهم على وجه المثابة بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان ~~بالمحضض عليه ويقتضيه اقتضاء تاما ويزجرهم عن ضده زجرا بليغا فإن كون وصف ~~الإيمان مما يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن أسامة بأنفسهم أي بأبناء ~~جنسهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ~~وقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك الوصف ~~أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى التصريح بتوبيخ ~~الخائضات ثم ان كان المراد بالإيمان الإيمان الحقيقي فإيجابه لما ذكر واضح ~~والتوبيخ خاص بالمؤمنين وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون ~~أيضا فإيجابه له من حيث انهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم ~~فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل وتوسيط الظرف بين لولا وفعلها لتخصيص ~~التخصيص بأول زمان سماعهم وقصر التوبيخ على تأخير الإنيان بالمحضض عليه عن ~~ذلك الآن والتردد فيه ليفيد أن عدم الإتيان به رأسا في غاية ما يكون من ~~القباحة والشناعة أي كان الواجب أن يظن المؤمنون والمؤمنات أول ما سمعوه ~~ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بمثلهم من آحاد المؤمنين ~~خيرا «وقالوا» في ذلك الآن «هذا إفك مبين» أي ظاهر مكشوف كونه إفكا فكيف ~~بالصديقة ابنة الصديق أم المؤمنين حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا ~~جاؤوا عليه بأربعة شهداء» إما من تمام القول المحضض عليه مسوق لحث السامعين ~~على إلزام المسمعين وتكذيبهم إ تكذيب ما سمعوه منهم بقولهم هذا إفك مبين ~~وتوبيخهم على تركه أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ما قالوا ~~«فإذ لم يأتوا» بهم وإنما قيل «بالشهداء» لزيادة التقرير «فأولئك» إشارة ~~إلى الخائضين وما فيه من معنى البعد للإيذان بغلوهم في الفساد وبعد منزلتهم ~~عن الشر أي أولئك المفسدون «عند الله» أي في حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل ~~الظاهرة المتقنة «هم الكاذبون» الكاملون في الكذب المشهود ms2342 PageV06P161 # عليهم بذلك المستحقون لإطلاق الاسم عليهم دون غيرهم ولذلك رتب عليهم الحد ~~خاصة وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته تعالى للاحتجاج على كذبهم بكون ما قالوه ~~قولا لا يساعده الدليل أصلا «ولولا فضل الله عليكم» خطاب للسامعين ~~والمسمعين جميعا «ورحمته في الدنيا» من فنون النعم التي من جملتها الإمهال ~~للتوبة «والآخرة» من الآلاء التي من جملتها العفو بعد التوبة «لمسكم» عاجلا ~~«فيما أفضتم فيه» بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك والإبهام لتهويل أمره ~~والاستهجان بذكره بقال أفاض في الحديث وخاض واندفع وهضب بمعنى «عذاب عظيم» ~~يستحقر دونه التوبيخ والجلد «إذ تلقونه» بحذف إحدى التاءين ظرف للمس أي ~~لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم إياه من المخترعين «بألسنتكم» والتقي ~~والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال وفي الثاني ~~معنى الخطف والأخذ بسرعة وفي الثالث معنى الحذق والمهارة وقرئ تتلقونه ~~تتلقونه على الأصل وتلقونه من لقيه وتلقونه بكسر حرف المضارعة وتلقونه من ~~إلقاء بعضهم على بعض وتلقونه وتألقونه من الولق والإلق وهو الكذب وتثقفونه ~~من ثقفته إذا طلبته فوجدته وتثقفونه أي تتبعونه «وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم» أي تقولون قولا مختصا بالأفواه من غير أن يكون له مصداق ومنشأ ~~في القلوب لأنه ليس بتعبير عن علم به قلوبكم كقوله تعالى يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم «وتحسبونه هينا» سهلا لا تبعه له أو ليس له كثير عقوبة ~~«وهو عند الله» والحال أنه عنده عز وجل (عظيم) لا يقادر قدره في الوزر ~~واستجرار العذاب «ولولا إذ سمعتموه» من المخزعين والمشايعين لهم «قلتم» ~~تكذيبا لهم وتهويلا لما ارتكبوه «ما يكون لنا» ما يمكننا «أن نتكلم بهذا» ~~وما يصدر عنا ذلك بوجه من الوجوه وحاصلة نفى وجود التكلم به لا نفى وجوده ~~على وجه الصحة والاستقامة والإنبغاء وهذا إشارة إلى ما سمعوه وتوسيط الظرف ~~بين لولا وقلتم لما مر من تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ ~~واللوم على تأخير القول المذكور عن ذلك الآن ليفيد أنه المحتمل للوقوع ms2343 ~~المفتقر إلى التحضيض على تركه وأما ترك القول نفسه رأسا فيما لا يتوهم ~~وقوعه حتى يحضض على فعله ويلام على تركه وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما قيل إن ~~المعنى إنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به ~~فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم وأماما قيل من أن ظروف الأشياء منزلة ~~منزلة أنفسها لوقوعها فيها وإنها لا تنفك عنها لذلك يتسع فيها مالا ~~PageV06P162 # يتسع في غيرها فهي ضابطة ربما تستعمل فيما إذا وضع الظرف موضع المظروف ~~بأن ج مفعولا صريحا لفعل مذكور كما في قوله تعالى واذكروا إذا جعلكم خلفاء ~~أو مقدر كعامة الظروف المنصوبة إضمار اذكروا أما ههنا فلا حاجة إليها أصلا ~~لما تحققت أن مناط التقديم توجبه التحضيض إليه وذلك يتحقق في جميع متعلقات ~~الفعل كما في قوله تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها «سبحانك» تعجب ~~ممن تفوه به وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى تنزيها له ~~سبحانه على أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو ~~تنزيه له تعالى عن أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها تنفير عنه ومخل ~~بمقصود الزواج فيكون تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله تعالى «هذا بهتان عظيم» ~~لعظم المبهوت عليه واستحالة صدقه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار ~~متعلقاتها «يعظكم الله» أي ينصحكم «أن تعودوا لمثله» أي كراهة أن تعودوا أو ~~يزجركم من أن تعودوا أو في أن تعودوا من قولك وعظته في كذا فتركه «أبدا» أي ~~مدة حياتكم «إن كنتم مؤمنين» فإن الإيمان وازع عنه لا محالة وفيه تهييج ~~وتقريع «ويبين الله لكم الآيات» الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب دلالة ~~ذلك واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها أي ينزلها كذلك أي مبنية ظاهرة الدلالة على ~~معانيها لا أنه يبينها بعد أن لم تكن كذلك وهذا كما في قولهم سبحان من صغر ~~البعوض وكبر الفيل أي خلقهما صغيرا وكبيرا ومنه قولك ضيق فم الركية ووسع ~~أسفلها وإظهار الاسم الجليل في ms2344 موقع الإضمار شأن البيان «والله عليم» ~~بأحوال جميع مخلوقاته جلائلها دقائقها «حكيم» في جميع تدابيره وأفعاله فأنى ~~يمكن صدق ما قيل في حق حرمه من اصطفاه لرسالاته وبعثه إلى كافة الخلق ~~ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وإظهارا الاسم الجليل ههنا لتأكيد ~~استقلال الاعتراض التذييلي والإشعار بعلة الألوهية للعلم والحكمة «إن الذين ~~يحبون» أي يريدون ويقصدون «أن تشيع الفاحشة» أي تنتشر الخصلة المفرطة في ~~القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا فالمراد بشيوعها شيوع خبرها ~~أي يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لإشاعتها وإنما لم يصرح به اكتفاء بذكر ~~المحبة فإنها مستتبعة له لا محالة «في الذين آمنوا» متعلق بتشيع أن تشيع ~~فيما بين الناس وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من ~~الفاحشة فالموصول عبارة عن المؤمنين خاصة أن يحبون أن تشيع الفاحشة كائنة ~~في حق المؤمنين وفي شأنهم «لهم» بسبب ما ذكر «عذاب أليم في الدنيا» من الحد ~~وغيره مما يتفق من البلايا الدنيوية ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عبد الله بن أبي وحسانا ومسطحا حد القذف وضرب صفوان حسانا ضربة بالسيف وعف ~~بصره PageV06P163 # «والآخرة» من عذاب النار وغير ذلك مما يعلمه الله عز وجل «والله يعلم» ~~جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة «وأنتم ~~تعلمون» ما يعلمه تعالى إنما تعلمون ما ظهر لكم من الأقوال والأفعال ~~المحسوسة فابتلوا أموركم على ما تعملونه وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه ~~من الأحوال الظاهرة والله سبحانه هو المتولي للسرائر فيعاقب في الآخرة على ~~ما تكنه الصدور هذا إذا جعل العذاب الأليم في الدنيا عبارة عن حد القذف أو ~~متنظما له كما أطبق عليه الجمهور أما إذا بقي على إطلاقه يراد بالمحبة ~~نفسها من غير أن يقارنها التصدي للإشاعة وهو الأنسب بسياق النظم الكريم ~~فيكون ترتيب العذاب عليها تنبيها على أن عذاب من يباشر الإشاعة ويتولاها ~~أشد وأعظم ويكون الاعتراض التذييلي أعنى قوله تعالى والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون تقريرا لثبوت العذاب ms2345 الأليم لهم وتعليلا له «ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته» تكرير للمنة بترك المعالجة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجزيرة ~~«وأن الله رؤوف رحيم» عطف على فضل الله وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة ~~والإشعار باستتباع صفة الألوهية للرأفة والرحمة وتغيير سبكه وتصديره بحرف ~~التحقيق لما أن بيان اتصافه تعالى في ذاته بالرأفة التي هي كمال الرحمة ~~والرحيمية التي هي المبالغة فيها على الدوام والاستمرار لا بيان حدوث تعلق ~~رأفته ورحمته بهم كما أن المراد بالمعطوف عليه وجواب لولا محذوف لدلالة ما ~~قبله عليه «يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان» أي لا تسلكوا ~~مسالكه كل ما تأتون وما تذرون من الأفاعيل التي من جملتها إشاعة الفاحشة ~~وحبها وقرئ خطوات بسكون الطاء وبفتحها أيضا «ومن يتبع خطوات الشيطان» وضع ~~الظاهران موضع ضمير يهما حيث لم يقل ومن يتبعها أو ومن يتبع خطواته لزيادة ~~التقرير والمبالغة في التنفير والتحذير «فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر» علة ~~للجزاء وضعت موضعه كأنه قيل فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأن دأبه المستمر أن ~~يأمر بهما فمن اتبع خطواته فقد امتثل بأمره قطعا والفحشاء ما أفرط قبحه ~~كالفاحشة والمنكر ما ينكره الشرع ضمير إنه للشيطان وقيل للشأن على ما رأى ~~من لا يوجب عود الضمير من الجملة الجزائية إلى اسم الشرط أو على أن الأصل ~~يأمره وقيل هو عائد إلى من أي فإن ذلك المتبع يأمر الناس بهما لأن شان ~~الشيطان هو الإضلال فمن اتبعه يترقى من رتبة الضلال والفساد إلى رتبة ~~الإضلال والإفساد «ولولا فضل الله عليكم ورحمته» بما من جملته هاتيك ~~البيانات والتوفيق للتوبة الماحصة للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها «ما زكا» ~~أي ما طهر من دنسها وقرىء ما زكى بالتشديد أي ما طهر الله تعالى ومن في ~~قوله تعالى «منكم» بيانية وفي قوله PageV06P164 # تعالى «من أحد» زائدة وأحد في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى ~~وفي محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية «أبدا» لا إلى نهاية ~~«ولكن الله يزكي» يطهر «من يشاء» من عباده ms2346 بإضافة آثار فضله ورحمته على ~~التوبة ثم قبولها منه كما فعل بكم «والله سميع» مبالغ في سمع الأقوال التي ~~من جملتها ما أظهروه من التوبة «عليم» بجميع المعلومات التي من جملتها ~~نياتهم وفيه حث لهم على الإخلاص في التوبة وإظهار الاسم الجليل للإيذان ~~باستدعاء الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض ~~التذبيلي «ولا يأتل» أي لا يحلف افتعال من الآلية وقيل لا يقصر من الألو ~~والأول هو الأظهر لنزوله في شأن الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق ~~على مسطح بعد وكان ينفق عليه لكونه ابن خالته وكان من فقراء المهاجرين ~~ويعضده قراءة من قرأ ولا يتأل «أولوا الفضل منكم» في الدين وكفى به دليلا ~~على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه «والسعة» في المال «أن يؤتوا» أي على أن ~~لا يؤتوا أو قرئ بناء الخطاب على الالتفات «أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله» صفات لموصوف واحد جئ بها بطريق العطف تنبيها على ~~أن كلا منها علة مستقلة لاستحقاقه الإيتاء وقيل لموصوفات أقيمت هي مقامها ~~وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي على أن لا يؤتوهم شيئا «وليعفوا» ما ~~فرط منهم «وليصفحوا» بالإغضاء عنه وقد قرئ الأمر أن بتاء الخطاب على وفق ~~قوله تعالى «ألا تحبون أن يغفر الله لكم» أي بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم ~~إلى من أساء إليكم «والله غفور رحيم» مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال ~~قدرته على المؤاخذة وكثرة ذنوب الداعية إليها وفيه ترغيب عظيم في العفو ~~ووعد الكريم بمقابلته كأنه قيل ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا من موجباته ~~روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأها على أبي بكر رضي الله عنه فقال بلى أحب ~~أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته وقال الله أعلم لا أنزعها أبدا «إن ~~الذين يرمون المحصنات» أي العفائف مما رمين به من الفاحشة «الغافلات» عنها ~~على الإطلاق بحيث لم يخطر ببالهن شيء منها ولا من مقدماتها أصلا ففيها من ~~الدلالة على كمال النزاهة ms2347 ما ليس في المحصنات أي السليمات الصدور التقيات ~~القلوب عن كل سوء «المؤمنات» أي المتصفات بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به ~~من الواجبات والمحظوات وغيرها إيمانا حقيقيا تفصيليا كما ينبئ عنه تأخير ~~المؤمنات عما قبلها مع أصالة وصف الإيمان فإنه للإيذان بأن المراد بها ~~المعنى الوصفي المعرب عما ذكر لا المعنى الاسمي المصحح لإطلاق الاسم في ~~الجملة كما هو المتبادر على تقدير التقديم والمراد بها عائشة الصديقة رضي ~~الله عنها والجمع باعتبار PageV06P165 # أن رميها رمى لسائر أمهات المؤمنين لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة ~~والانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى كذبت قوم ~~نوح لمرسلين ونظائره وقيل أمهات المؤمنين فيدخل فيهن الصديقة دخولا أوليا ~~وأما ما قيل من أن المراد هي الصديقة والجمع باعتبار استتباعها للمتصفات ~~بالصفات المذكورة من نساء الأمة فيأباه أن العقوبات المترتبة على رمي هؤلاء ~~عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين ولا ريب في أن رمي غير أمهات المؤمنين ليس ~~بكفر فيجب أن يكون المراد إياهن على أحد الوجهين فإنهن قد خصصن من بين سائر ~~المؤمنات فجعل رميهن كفرا إبرازا لكرامتهن على الله عز وجل وحماية من أن ~~يحوم حوله أحد بسور حتى أن ابن عباس رضي الله عنهما جعله أغلظ من سائر ~~أفراد الكفر حين سئل عن هذه الآيات فقال من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت ~~توبته إلا من خاض في أمر عائشة رضي الله عنها وهل هو منه رضي الله عنه إلا ~~لتهويل أمر الإفك والتنبيه على أن كفر غليظ «لعنوا» بما قالوه في حقهن «في ~~الدنيا والآخرة» حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة أبدا «ولهم» مع ~~ما ذكر من اللعن الأبدي «عذاب عظيم» هائل لا يقادر قدره لغاية عظم ما ~~اقترفوه من الجناية وقوله تعالى «يوم تشهد عليهم» الخ أما متصل بما قبله ~~مسوق لتقرير العذاب المذكور بتعيين وقت حلوله وتهويله ببيان ظهور جناياتهم ~~الموجبة له مع سائر جناياتهم المستتبعة لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة ~~خارقة للعادات فيوم ظرف لما ms2348 في الجار والمجرور المتقدم من معنى الاستقرار ~~لا لعذاب وإن أغضبنا عن وصفة لإخلاله بجزالة المعنى وإما منقطع عنه مسوق ~~لتهويل اليوم ما يحويه على أنه ظرف لفعل مؤخر قد ضرب عنه الذكر صفحا ~~للإيذان بقصور العبارة عن تفصيل ما يفع فيه من الطامة التامة والداهية ~~العامة كأنه قي قبل يوم تشهد عليكم «ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون» يكون من الأحوال والأهوال مالا يحيط به حيطة المقال على أن الموصول ~~المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة لا عن جناياتهم ~~المعهودة فقط ومعنى شهادة الجوارح المذكورة بها أنه تعالى ينطقها بقدرته ~~فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها لا أن كلا منها يخبر ~~بجناياتهم المعهودة فحسب والموصول والمحذوف عبارة عنها وعن فنون العقوبات ~~المترتبة عليها كافة لا عن إحداهما خاصة ففيه من ضروب التهويل وبالإجمال ~~والتفصيل ما لا مزيد عليه وجعل الموصول المذكور عبارة عن خصوص جناياتهم ~~المعهودة وحمل شهادة الجوارح على إخبار الكل بها فقط تحجير للواسع وتهوين ~~لأمر الوازع والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم ~~عليها في الدنيا وتقديم عليهم على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون الشهادة ~~ضارة لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر كما مر مرارا وقوله تعالى «يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق» أي يوم إذ تشهد جوارحهم بأعمالهم القبيحة يطيعهم ~~الله تعالى جزاءهم الثابت الذي يحقق أن يثبت PageV06P166 # لهم لا محالة وافيا كاملا كلام مبتدأ مسوق لبيان ترتيب حكم الشهادة عليها ~~متضمن لبيان ذلك لمبهم المحذوف على وجه الإجمال ويجوز أن يكون يوم يشهد ~~ظرفا ليوفيهم ويومئذ بدلا منه وقيل هو منصوب على أنه مفعول لفعل مضمر أي ~~اذكر يوم تشهد بالتذكير للفصل «ويعملون» عند معاينتهم الأهوال والخطوب ~~حسبما نطق به القرآن الكريم «أن الله هو الحق» الثابت الذي يحق أن يثبت لا ~~محالة في ذاته وصفا وأفعاله التي من جملتها كلماتها التامات المنبئة عن ~~الشؤون التي يشاهدونها منطبقة عليها «المبين» المظهر للأشياء كما هي في ~~أنفسها ms2349 أو الظاهر أنه هو الحق وتفسيره بظهور ألوهيته تعالى وعدم مشاركة ~~الغير له فيها وعدم قدرة ما سواه على الثواب والعقاب ليس له كثير مناسبة ~~للمقام كما أن تفسير الحق بذي الحق البين أي العادل الظاهر عدله كذلك ولو ~~تتبعت ما في الفرقان المجيد من آيات الوعيد الواردة حق كل كفار مريد وجبار ~~عنيد لا تجد شيئا منها فوق هانيك القوارع المشحونة بفنون التهديد والتشديد ~~وما ذاك إلا لإظهار منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في علو الشأن والنباهة ~~وإبراز رتبة الصديقة رضي الله عنها في العفة والنزاهة وقوله تعالى ~~«الخبيثات» الخ كلام مستأنف مسوق على قاعدة السنة الإلهية الجارية فيما بين ~~الخلق على موجب أن لله تعالى ملكا يسوق الأهل إلى الأهل أي الخبيثات من ~~النساء «للخبيثين» من الرجال أي مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم إلى غيرهم ~~على أن اللام للاختصاص «والخبيثون» أيضا «للخبيثات» لأن المجانسة من دواعي ~~الانضمام «والطيبات» منهن «للطيبين» أيضا منهم «والطيبون» «للطيبات» منهن ~~بحيث لا يكادون يجاوزوهن إلى من عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي الله عنها ~~من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات حسبما ~~نطق به قوله تعالى «أولئك مبرؤون مما يقولون» عل أن الإشارة إلى أهل البيت ~~المنتظمين للصديقة انتظاما أوليا وقيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والصديقة وصفوان وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة ~~المشار إليهم وبعد منزلتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون بعلو الشأن مبرءون ~~مما نقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة وقيل الخبيثات من القول ~~للخبثين من الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق ~~غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحفاء بأن يقال في حقهم خبائث القول ~~والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين مختصة وحقيقة بهم وهم أحفاء بأن ~~يقال في شأنهم طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرءون مما يقول الخبيثون في ms2350 حقهم ~~فمآله تنزيه الصديقة أيضا وقيل خبيثات القول مختصة بالخبيثين من فريقي ~~الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بخبائث ~~القول متعرضون لها والطيبات من الكلام للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم لا ~~تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بطيبات الكلام لا يصدر عنهم ~~غيرها أولئك الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون من PageV06P167 # الخبائث أي لا يصدر عنهم مثل ذلك فمآله تنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان ~~عظيم «لهم مغفرة» عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب «ورزق كريم» هو ~~الجنة «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم» إثر ما فصل عن ~~الزنا وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما ~~من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب ~~الجميلة والأفاعيل المرضية المستتبعة لسعادة الدارين ووصف البيوت بمغايرة ~~بيوتهم خارج مخرج العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه وإلا فالمآجر والمعير ~~أيضا منهيان عن الدخول بغير إذن وقرئ بيوتا غير بيوتكم بكسر الباء لأجل ~~الياء «حتى تستأنسوا» أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها من الاستئناس ~~بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال مستكشف ~~أنه هل يؤذن له أو من الإستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لما أن المستأذن ~~مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس «وتسلموا على أهلها» عند ~~الاستئذان روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التسليم أن يقول السلام ~~عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع «ذلكم» أي الاستئذان مع ~~التسليم «خير لكم» من أن تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث كان الرجل ~~منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول حييتم صباحا حييتم مساء فيدخل ~~فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أستأذن على أمي قال له نعم قال ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كما ~~دخلت قال صلى الله عليه ms2351 وسلم أتحب أن تراها عريانة قال لا قال صلى الله ~~عليه وسلم فاستأذن «لعلكم تذكرون» متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا ~~كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه «فإن لم تجدوا فيها أحدا» أي ممن يملك ~~الإذن على أن من لا يملكه من النساء والولدان وجدانه كفقدانه أو أحدا أصلا ~~على أن مدلول النص الكريم عبارة هو النهي عن دخول البيوت الخالية لما فيه ~~من الاطلاع على ما يعتاد الناس إخفاءه مع أن التصرف في ملك الغير محظور ~~وطلقا وأما حرمة دخول ما فيه النساء والولدان فثابتة بدلالة النص لأن ~~الدخول حيث حرم مع ما ذكر من العلة فلأن يحرم عند انضمام ما هو أقوى منه ~~إليه أعنى الاطلاع على العورات أولى «فلا تدخلوها» واصبروا «حتى يؤذن لكم» ~~أي من جهة من يملك الإذن عند إتيانه ومن فسره بقوله حتى يأتي من بأذن لكم ~~أو حتى تجدوا من يأذن لكم أو حتى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز القطعي في ~~معرض الاحتمال ولما كان جعل النهي مغيا بالإذن مما يوهم الرخصة في الانتظار ~~على الأبواب مطلقا بل في تكرير الاستئذان ولو بعد الرد ذلك بقوله «وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا» أي إن PageV06P168 # أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الأمر ممن يملك الإذن أولا ~~فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان كما في الوجه الأول ولا تلجوا بالإصرار ~~على الانتظار إلى أن يأتي الآذن كما في الثاني فإن ذلك مما يجلب الكراهة في ~~قلوب الناس ويقدح في المروءة أي قدح «هو» أي الرجوع «أزكى لكم» أي أظهر مما ~~لا يخلوا عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءة والرذالة ~~«والله بما تعملون عليم» فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم ~~عليه «ليس عليكم جناح أن تدخلوا» أي بغير استئذان «بيوتا غير مسكونة» أي ~~غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل ليتمتع بها من يضطر إليها كائنا من ~~كان من غير أن يتخذها سكنا كالربط والخانات والحوانيت والحمامات ونحوها ms2352 ~~فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبئ عنه قوله تعالى «فيها متاع لكم» ~~فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لعدم الجناح أي فيها حق تمتع ~~لكم كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والرجال والشراء والبيع ~~والاغتسال وغير ذلك مما يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير ~~استئذان من داخليها من قبل ولا ممن بعد يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها من قوام ~~الرباطات والخانات وأصحاب الحوانيت ومتصرفي الحمامات ونحوهم ويروى أن أبا ~~بكر رضي الله عنه قال يا رسول الله إن الله تعالى قد أنزل عليك آية في ~~الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن ~~فنزلت وقيل هي الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز والظاهر أنها من جملة ما ~~ينتظمه البيوت لا أنها المرادة فقط وقوله تعالى «والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون» وعيدا لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات «قل ~~للمؤمنين» شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم ~~المستأذنين عند خولهم البيوت اندراجا أوليا وتلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إلى رأيه ~~صلى الله عليه وسلم لأنها تكاليف متعلقة بأمور جزئية كثيرة الوقوع حقيقة ~~بأن يكون الأمر بهار المتصدي لتدبيرها حافظا ومهيمنا عليهم ومفعول الأمر ~~أمر آخر قد حذف تعويلا على دلالة جوابه عليه أي قل لهم غضوا «يغضوا من ~~أبصارهم» عما يحرم ويقتصر به على ما يحل «ويحفظوا فروجهم» إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم وتقييد الغض بمن التبعيضية دون الحفظ لما في أمر النظر ~~من السعة وقيل المراد بالحفظ ههنا خاصة هو الستر «ذلك» أي ما ذكر من الغض ~~والحفظ «أزكى لهم» أي طهر لهم من دنس الريبة «إن الله خبير بما يصنعون» لا ~~يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها جالة النظر ~~واستعمال سائر الحواس وتحريك PageV06P169 # الجوارح وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذر منه في كل ms2353 ما يأتون وما يذرون ~~«وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن» فلا ينظرون إلى ما لا يحل لهن النظر إليه ~~«ويحفظن فروجهن» بالتستر أو التصون عن الزنا وتقديم الغض لأن النظر يريد ~~الزنا ورائد الفساد «ولا يبدين زينتهن» كالحلى وغيرها مما يتزين به وفيه من ~~المبالغة في النهي عن إبداء مواضعها ما لا يخفى «إلا ما ظهر منها» عند ~~مزاولة الأمور التي لا بد منها عادة كالخاتم والكحل والخضاب ونحوها فإن في ~~سترها حرجا بيننا وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم ~~المحاسن الخلقية والتزيينية والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة ~~«وليضربن بخمرهن على جيوبهن» إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد ~~النهي عن إبدائها وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خمرهن من خلفهن ~~فتبدو نحو رهن وقلائدهن من جيوبهن لوسعها فأمرن بإرسال خمرهن إلى جيوبهن ~~سترا لما يبدو منها وقد ضمن الضرب معنى الإلقاء فعلى بعدى وقرئ بكسر الجيم ~~كما تقدم «ولا يبدين زينتهن» كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه ~~باعتبار الناظر بعدما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور «إلا ~~لبعولتهن» فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى ~~الموضع المعهود «أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن» لكثرة المخالطة الضرورية بينهم ~~وبينهن وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع الفريقين من النفرة عن ~~الماسة القرائب ولهم ان ينظروا منهن ما عند المهنة والخدمة وعدم ذكر وعدم ~~ذكر الأعمام والأخوال لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذرا أن يصفوهن ~~لأبنائهم «أو نسائهن» المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائر المؤمنات فإن ~~الكوافر لا يتحرجن عن وصفهن للرجال «أو ما ملكت أيمانهم» أي من الإماء فإن ~~عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها وقيل من الإماء والعبيد لما روى أنه صلى ~~الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله عنها بعبد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت ~~به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت ms2354 رجليها لم يبلغ رأسها فقال صلى الله عليه ~~وسلم إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك «أو التابعين غير أولي الإربة ~~من الرجال» أي أولى الحاجة إلى النساء وهم شيوخ الهم والممسوحون في المجبوب ~~والخصي خلاف وقيل هم البلة الذين يتتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون ~~شيئا من أمور النساء وقرئ غير بالنصب على الحالية «أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النساء» PageV06P170 # لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من ~~الظهور بمعنى الغلبة والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف «ولا ~~يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين» أي ما يخفينه من الرؤية «من زينتهن» أي ولا ~~يضربن بأرجلهن الأرض ليتقعقع خلخالهن فيعلم أنهن ذوات خلخال فإن ذلك مما ~~يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إليهم وفي النهى عن إبداء صوت ~~الحلى بعد النهى عن إبداء عينها من المبالغة في الزجر عن إبداء موضعها مالا ~~يخفى «وتوبوا إلى الله جميعا» تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر ~~التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقة بأن يكون سبحانه وتعالى هو الآمر ~~بها لما أنه لا يكاد يخلوا أحد من المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب ~~التكاليف كما ينبغي وناهيك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم شيبتني سورة ~~هود لما فيها من قوله عز وجل فاستقم كما أمرت لا سيما إذا كان المأمور به ~~الكف عن الشهوات وقيل توبوا عما كنتم تفعلونه في الجاهلية فإنه إن وجب ~~بالإسلام لكن يجب الندم عليه والعزم على تركه كلما خطر بباله وفي تكرير ~~الخطاب بقوله تعالى «أيها المؤمنون» تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان ~~موجب للامتثال حتما وقرئ أيه المؤمنون «لعلكم تفلحون» تفوزون بذلك بسعادة ~~الدارين «وأنكحوا الأيامى منكم» بعد ما زجر تعالى عن السفاح ومباديه ~~القريبة والبعيدة أمر بالنكاح فإنه مع كونه مقصودا بالذات من حيث كونه ~~مناطا لبقاء النوع ms2355 خير مزجرة عن ذلك وأيامي مقلوب أيا يم جمع أيم وهو من لا ~~زوج له من الرجال والنساء بكرا كان أو ثيبا كما يفصح من قال [فإن تنكحى ~~أنكح وإن تتأيمى * وإن كنت أفتى منكم أتأيم] أي زوجوا من لا زوج له من ~~الأحرار والحرائر «والصالحين من عبادكم وإمائكم» على أن الخطاب للأولياء ~~والسادات واعتبار الصلاح في الأرقاء لأن من لا صلاح له منهم بمعزل من أن ~~يكون خليفا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشق عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا ~~بد منه شرعا وعادة من بذل المال والمنافع بل حقه أن يستبقيه عنده وأما عدم ~~اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر فلأن الغالب فيهم الصلاح على أنهم ~~مستبدون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم فإذا عزموا النكاح فلا بد ~~من مساعدة الأولياء لهم إذ ليس عليهم في ذلك غرامة حتى يعتبر في مقابلتها ~~غنيمة عائدة إليهم عاجلة أو آجلة وقيل المراد هو الصلاح للنكاح والقيام ~~بحقوقه «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله» إزاحة لما عسى يكون وازعا من ~~النكاح من فقر أحد الجانبين أي لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من ~~المناكحة فإن في فضل الله عز وجل غنية عن المال فإنه فقر أحد غاد ورائح ~~يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب أو وعد منه سبحانه بالإغناء لقوله صلى الله ~~عليه وسلم اطلبوا الغنى في هذه الآية لكنه مشروط بالمشيئة كما في قوله ~~تعالى وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الله «والله واسع» ~~غنى ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق إذا لا نفاد لنعمته ولا غاية لقدرته مع ~~ذلك «عليم» يبسط PageV06P171 # الرزق لمن يشاء ويقدر حسبما تقضيه الحكمة والمصلحة «وليستعفف» إرشاد ~~للعاجزين عن مبادى النكاح وأسبابها إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم بعد بيان ~~جواز منا كحة الفقراء أي ليجتهد في العفة وقمع شهوة «الذين لا يجدون نكاحا» ~~أي أسباب نكاح أولا يتمكنون مما ينكح به من المال «حتى يغنيهم الله من ~~فضله» عدة ms2356 كريمة بالتفضل عليه بالغنى ولطف لهم في استعفافهم وتقوية لقلوبهم ~~وإيذان بأن فضله تعالى أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء «والذين يبتغون ~~الكتاب» بعد ما أمر بإنكاح صالحي المماليك الأحقاء بالإنكاح أمر بكتابة من ~~ستحقها منهم والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة أي الذين يطلبون المكاتبة «من ما ~~ملكت أيمانكم» عبدا كان أو أمة وهي أن يقول المولى لمملوكه كاتبتك على كذا ~~درهما تؤديه إلى وتعتق ويقول المملوك قبلته أو نحو ذلك فإن أداه إليه عتق ~~قالوا معناه وكتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على ~~نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت على العتق عنده ~~والتحقيق أن المكاتبة اسم للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العقود ~~الشرعية المنعقدة بالإيجاب والقبول ولا ريب في أن ذلك لا يصدر حقيقة إلا من ~~المتعاقدين وليس وظيفة كل منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحد شطريه معربا ~~عما يتم من قبله ويصدر عنه من الفعل الخاص به من غير تعرض لما يتم من قبل ~~صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاص به إلا أن كلا من ذينك الفعلين لما كان بحيث ~~لا يمكن تحققه في نفسه إلا منوطا بتحقق الآخر ضرورة أن التزام العتق ~~بمقابلة البدل من جهة المولى لا يتصور تحققه إلا بالتزام البدل من طرف ~~العبد كما أن عقد البيع الذي هو تمليك المبيع بالثمن من جهة البائع لا يمكن ~~تحققه بتملكه به من جانب المشتري لم يكن بد من تضمين أحدهما الآخر وقت ~~الإنشاء فكما أن قول البائع بعت إنشاء لعقد البيع على معنى أنه إيقاع لما ~~يتم من قبله أصالة ولما يتم من قبل المشتري ضمنا إيقاعا متوقفا على رأيه ~~توقفا شبيها بتوقف عقد الفضولي كذلك قول المولى كاتبتك على كذا إنشاء لعقد ~~الكتابة أي إيقاع لما يتم من قبله من التزام العتق بمقابلة البدل أصالة ~~ولما يتم من قبل العبد من التزام البدل ضمنا إيقاعا متوقفا على قبوله فإذا ~~قبل تم العقد ومحل الموصول الرفع ms2357 على الابتداء خبره «فكاتبوهم» والفاء ~~لتضمنه معنى الشرط أو النصب على أنه مفعول لمضمر يفسره هذا والأمر فيه ~~للندب لأن الكتابة عقد يتضمن الإرفاق فلا تجب كغيرها ويجوز حالا ومؤجلا ~~ومنجما وغير منجم وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا مؤجلا منهما وقد فصل ~~في موضعه «إن علمتم فيهم خيرا» أي أمانة ورشدا وقدرة على أداء البدل ~~بتحصيله من وجه حلال وصلاحها لا يؤذي الناس بعد العتق وإطلاق العنان ~~«وآتوهم من مال الله الذي آتاكم» أمر للوالي ببذل شيء من أموالهم وفي حكمه ~~حط شيء PageV06P172 # من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقل ما يتمول وعن علي رضي الله عنه حط الربع ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما الثلث وهو للندب عندنا وعند الشافعي للوجوب ~~ويرده قوله صلى الله عليه وسلم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم إذا لو وجب ~~الحط لسقط عنه الباقي حتما وأيضا لو وجب الحط لكان وجوبه معلقا بالعقد ~~فيكون العقد موجبا ومسقطا معا وأيضا فهو عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة ~~كالبيع وقيل معنى آتوهم أقرضوهم وقيل هو أمر لهم بان ينفقوا عليهم بعد أن ~~يؤدوا ويعتقوا وإضافة المال إليه تعالى ووصفه بإينائه إياهم للحث على ~~الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه فإن ملاحظة وصول المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالك ~~الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها وقيل هو أمر ~~بإعطاء سهمهم من الصدقات فالأمر للوجوب حتما والإضافة والوصف لتعيين المأخذ ~~وقيل هو أمر ندب لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين بالتصدق عليهم ويحل ذلك ~~للمولى وإن كان غنيا لتبدل العنوان حسبما ينطق به قوله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث بريرة هو لها صدقة ولنا هدية «ولا تكرهوا فتياتكم» أي إماءكم فإن ~~كلا من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة وعلى ذلك مبنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي لهذه العبارة في ~~هذا ms2358 المقام باعتبار مفهومها الأصلي حسن موقع ومزيد مناسبة لقوله تعالى «على ~~البغاء» وهو الزنا من حيث صدوره عن النساء لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك ~~غالبا دون من عداهن من العجائز والصغائر وقوله تعالى «إن أردن تحصنا» ليس ~~لتخصيص النهى بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وإخراج ما عداها من حكمه كما ~~إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص ~~المكان أو لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة بل للمحافظة على ~~عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع ~~وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن ~~الزاجرة عن تعاطي القبائح فإن عبد الله بن أبى كانت له ست جوار يكرهن على ~~الزنا وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما ~~لا يخفى فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه ~~فضلا عن أمرهن به أو إكراهن عليه لا سيما إرادتهن التعفف فتأمل ودع عنك ما ~~قيل من أن ذلك لأن الإكراه لا يتأتي إلا مع إرادة التحصن وما قيل من أنه إن ~~جعل شرطا للنهي لا يلزم من عدمه جواز الإكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهى ~~لامتناع المنهى عنه فإنهما بمعزل من التحقيق وإيثار كلمة إن على إذا مع ~~تحقق الإرادة في مورد النص حتما للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند كون ~~إرادة التحصن في حيز التردد والشك فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو ~~الواقع وتعليله بأن الإرادة المذكورة منهن في حيز الشاذ النادر مع خلوه عن ~~الجدوى بالكلية يأباه اعتبار تحققها إباء ظاهرا تعالى «لتبتغوا عرض الحياة ~~الدنيا» قيد للإكراه لكن لا باعتبار أنه مدار النهى عنه باعتبار أنه ~~المعتاد فيما بينهم كما قبله لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل ~~النزر الحقير أي لا تفعلوا ما أنتم ms2359 عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع ~~السريع الزوال الوشيك الاضمحلال فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن لنيل ~~المطلوب واستيفائه بالفعل إذ PageV06P173 # هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتبا عليه لا المطلق المتناول للطلب ~~السابق الباعث عليه «ومن يكرههن» الخ جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهى ~~وتأكيد وجوب العمل به ببيان خلاص المكروهات عن عقوبة المكره عليه عبارة ~~ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة أي ومن يكرهن على ما ذكر من البغاء ~~«فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم» أي لهن كما وقع في مصحف ابن مسعود ~~عليه قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم وكما ينبئ عنه قوله تعالى من بعد ~~إكراههن أي كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر من المبنى للمفعول فإن توسيطه ~~بين اسم إن وخبرها للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة وكان الحسن ~~البصري رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول لهن والله لهن والله في تخصيصها ~~بهن وتعيين مدارهما مع سبق ذكر المكرهين أيضا في الشرطية دلالة بينة على ~~كونهم محرومين منهما بالكلية كأنه قيل لا للمكروه ولظهوره هذا التقدير ~~اكتفى به عن العائد إلى اسم الشرط فتجويز تعلقها بهم بشرط التوبة استقلالا ~~أو معهن إخلال بجزالة النظم الجليل وتهوين لأمر النهى في مقام التهويل ~~وحاجتهن إلى المغفرة المتنبئة عن سابقة الإثم إما باعتبار أنهن وإن كن ~~مكروهات لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية ~~وإما باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الالجاء المزيل للاختيار ~~بالمرة وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه ~~والتشديد في تحذير المكرهين ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة لولا أن ~~تداركهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن فما حال من يكرهن في ~~استحقاق العذاب «ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات» كلام مستأنف جيء به في ~~تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة لبيان جلالة شؤونها المستوجبة ~~للإقبال الكلي على العمل بمضمونها وصدر بالقسم الذي تعرب عنه اللام لإبراز ~~كمال العناية بشأنه ms2360 أي وبالله لقد أنزلنا إليكم هذه السورة الكريمة آيات ~~مبينات لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب وغير ~~ذلك مما هو من مبادئ بيانها على أن إسناد التبيين إليها مجازي أو آيات ~~واضحات تصدقها الكتب القديمة والعقول السليمة على أن مبينات من بين بمعنى ~~تبين ومنه المثل قد بين الصبح لذي عينين وقرئ على صيغة التي بينت وأوضحت في ~~هذه السورة من معاني الأحكام والحدود وقد جوز أن يكون الأصل مبينا فيها ~~الأحكام فانسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول «ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم» عطف على آيات أي وأنزلنا مثلا كائنا من قبيل أمثال الذين مضوا من ~~قبلكم من القصص العجيبة والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة والكلمات ~~الجارية على ألسنة الأنبياء عليهم السلام فينتظم قصة عائشة رضي الله عنها ~~المحاكية لقصة يوسف عليه السلام وقصة مريم رضي الله عنها وسائر الأمثال ~~الواردة في السورة الكريمة انتظاما واضحا وتخصيص الآيات المبينات بالسوابق ~~وحمل المثل على القصة العجيبة فقط يأباه تعقيب الكلام بما سيأتي من ~~التمثيلات «وموعظة» تتعظون به وتنزجرون عما لا ينبغي من المحرمات ~~والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب فهي عبارة عما سبق من الآيات والمثل ~~لظهور كونها من المواعظ بالمعنى المذكور PageV06P174 # ومدار العطف هو التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي وقد خصت ~~الآيات بما يبين الحدود والأحكام والموعظة بما وعظ به من قوله تعالى ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله وقوله تعالى لولا إذ سمعتموه وغير ذلك من ~~الآيات الواردة في شأن الآداب وإنما قيل «للمتقين» مع شمول الموعظة للكل ~~حسب شمول الإنزال لقوله تعالى أنزلنا إليكم حثا للخاطبين على الاعتناء ~~بالانتظام في سلك المتقين ببيان أنهم المغتنمون لآثارها المقتبسون من ~~أنوارها فحسب وقيل المراد بالآيات المبينات والمثل والموعظة جميع ما في ~~القرآن المجيد من الآيات والأمثال والمواعظ فقوله تعالى «الله نور السماوات ~~والأرض» الخ حينئذ استئناف مسوق لتقرير ما فيها من البيان مع الإشعار بكونه ~~في غاية الكمال على الوجه الذي ms2361 ستعرفه وأما على الأول فلتحقيق أن بيانه ~~تعالى ليس مقصورا على ما ورد في السورة الكريمة بل هو شامل لكل ما يحق ~~بيانه من الأحكام والشرائع ومباديها وغاياتها المترتبة عليها في الدنيا ~~والآخرة وغير ذلك مما له مدخل في البيان وأنه واقع منه تعالى على أتم ~~الوجوه وأكملها حيث عبر عنه بالتنوير الذي هو أقوى مراتب البيان وأجلاها ~~وعبر عن المنور بنفس النور تنبيها على قوة التنوير وشدة التأثير وإيذانا ~~بأنه تعالى ظاهر بذاته وكل ما سواه ظاهر بإظهاره كما أن النور نير بذاته ~~وما عداه مستنير به وأضيف النور إلى السماوات والأرض للدلالة على كمال شيوع ~~البيان المستعار له وغاية شموله لكل ما يليق به من الأمور التي لها مدخل في ~~إرشاد الناس بوساطة بيان شمول المستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقه من ~~الأجرام العلوية والسفلية فإنهما قطران للعالم الجسماني الذي لا مظهر للنور ~~الحسى سواه أو على شمول البيان لأحوالهما وأحوال ما فيهما من الموجودات إذ ~~ما من موجود إلا وقد بين من أحواله ما يستحق البيان إما تفصيلا أو إجمالا ~~كيف لا ولا ريب في بيان كونه دليلا على وجود الصانع وصفاته وشاهدا بصحة ~~البعث أو على تعلق البيان بأهلهما كما قال ابن عباس رضي الله عنهما هادي ~~أهل السماوات والأرض فهم بنوره يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة ينجون هذا ~~وأما حمل التنوير على إخراجه تعالى للماهيات من العدم إلى الوجود إذ هو ~~الأصل في الإظهار كما أن الإعدام هو الأصل في الإخفاء أو على تزيين ~~السماوات بالنيرين وسائر الكواكب وما يفيض منها من الأنوار أو بالملائكة ~~عليهم السلام وتزيين الأرض بالأنبياء عليهم السلام والعلماء والمؤمنين أو ~~بالنبات والأشجار أو على تدبيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما فمما لا ~~يلائم المقام ولا يساعد حسن النظام «مثل نوره» أي نوره الفائض منه تعالى ~~على الأشياء المستنيرة به وهو القرآن المبين كما يعرب عنه ما قبله من وصف ~~آياته بالإنزال والتبيين وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى ms2362 وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وزيد PageV06P175 # ابن أسلم رحمهم الله تعالى وجعله عبارة عن الحق وإن شاع استعارته له ~~كاستعارة الظلمة للباطل يأباه مقام بيان شأن الآيات ووصفها بما ذكر من ~~التبيين مع عدم سبق ذكر الحق ولأن المعتبر في مفهوم النور هو الظهور ~~والإظهار كما هو شأن القرآن الكريم وأما الحق فالمعتبر في مفهومه من حيث هو ~~حق هو الظهور لا الإظهار والمراد بالمثل الصفة العجيبة أي صفة نوره العجيبة ~~«كمشكاة» أي كصفة كوة نافذة في الجدار في الإنارة والتنوير «فيها مصباح» ~~سراج ضخم ثاقب وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة ~~المشتعلة «المصباح في زجاجة» أي قنديل من الزجاج الصافي الأزهر وقرئ بفتح ~~الزاي وكسرها في الموضعين «الزجاجة كأنها كوكب دري» متلألئ وقاد شبيه بالدر ~~في صفائه وزهرته ودرارى الكواكب عظامها المشهورة وقرئ درئ بدال مكسورة وراء ~~مشددة وياء ممدودة بعدها همزة على أنه فعيل من الدرء وهو الدفع أي مبالغ في ~~دفع الظلام بضوئه أو في دفع بعض أجزاء ضيائه لبعض عند البريق واللمعان وقرئ ~~بضم الدال والباقي على حاله وفي إعادة المصباح والزجاجة معرفين إثر سبقهما ~~منكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظام الكلام بأن يقال كمشكاة فيها ~~مصباح في زجاجة كأنها كوكب درى من تفخيم شأنهما ورفع مكانهما بالتفسير إثر ~~الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وبإثبات ما بعدهما لهما بطريق الإخبار المنبئ ~~عن القصد الأصلي دون الوصف المبني على الإشارة إلى الثبوت في الجملة ما لا ~~يخفي ومحل الجملة الأولى الرفع على أنها صفة لمصباح ومحل الثانية الجر على ~~أنها صفة لزجاجة واللام مغنية عن الرابط كأنه قيل فيها لمصباح الجر على ~~أنها صفة لزجاجة واللام مغنية عن الرابط كأنه قيل فيها مصباح هو في زجاجة ~~هي كأنها كوكب درى «يوقد من شجرة» أي يبتدأ إيقاد المصباح من شجرة «مباركة» ~~أي كثيرة المنافع بأن رويت ذبالته بزيتها وقيل إنما وصفت بالبركة لأنها ~~تنبت في الأرض التي بارك الله ms2363 تعالى فيها للعالمين «زيتونة» بدل من شجرة ~~وفي إبهامها ووصفها بالبركة ثم الإبدال منها تفخيم لشأنها وقرئ توقد بالناء ~~على أن الضمير القائم مقام الفاعل للزجاجة دون المصباح وقرئ توقد على صيغة ~~الماضي من التفعل أي ابتداء ثقوب المصباح منها وقرئ توقد بحذف إحدى التاءين ~~من تتوقد على إسناده إلى الزجاجة «لا شرقية ولا غربية» تقع الشمس عليها ~~حينا دون حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي على قلة أو صحراء واسعة ~~فتقع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ~~وسعيد بن جبير وقتادة وقال الفراء والزجاج لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ~~لكنها شرقية وغربية أي تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها فتكون شرقية ~~وغربية تأخذ حظها من الأمرين فيكون زيتها أضوأ وقيل لا ثابتة في شرق ~~المعمورة ولا في غربها بل في وسطها وهو الشأم فإن زيوتها أجود ما يكون وقيل ~~لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ولا في مقنأة نغيب عنها دائما ~~فتتركها نيأ وفي الحديث لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة ولا خير فيهما ~~في مضحى «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار» أي هو في الصفاء والإنارة بحيث ~~يكاد يضيء بنفسه من غير مساس نار أصلا وكلمة في أمثال هذه المواقع ليست ~~لبيان انتفاء شيء في الزمان الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد ~~حذف ثقة بدلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب ~~على القواعد الصناعية بل هي لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم ~~الموجب أو المنفى كلما PageV06P176 # كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له إجمالا بإدخالها على أبعدها منه إما ~~لوجود المانع كما في قوله تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة وإما لعدم الشرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهر بثبوته أو ~~انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن ~~الشيء متى تحقق مع ما ms2364 ينافيه من وجود المانع أو عدم الشرط فلأن يتحقق بدون ~~ذلك أولى ولذلك لا يذكر معه شيء آخر من سائر الأحوال ويكتفي عنه بذكر الواو ~~العاطفة للجملة عل نظيرتها المقابلة لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة ~~لها عند تعددها وهذا معنى قولهم إنها لاستقصاء الأحوال على سبيل الإجمال ~~وهذا أمر مطرد في الخبر الموجب والمنفي فإنك إذا قلت فلان جواد يعطي ولو ~~كان فقيرا أو بخيل لا يعطي ولو كان غنيا تريد بيان تحقق الإعطاء في الأول ~~وعدم تحققه في الثاني في جميع الأحوال المفروضة والتقدير يعطى لو لم يكن ~~فقيرا ولو كان فقيرا ولا يعطى لو لم يكن غنيا ولو كان غنيا فالجملة مع ما ~~عطفت هي عليه في حيز النصب على الحالية من المستكن في الفعل الموجب أو ~~المنفي أي يعطى أولا يعطى كائنا على جميع الأحوال وتقدير الآية الكريمة ~~يكاد زيتها يضيء لو مسته نار ولو لم تمسه نار أي يضيء كائنا على كل حال من ~~وجود الشرط وعدمه وقد حذفت الجملة الأولى حسبما هو المطرد في الباب لدلالة ~~الثانية عليها دلالة واضحة «نور» خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى «على نور» ~~متعلق بمحذوف هو صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة والجملة فذلكة ~~للتمثيل وتصريح بما حصل منه وتمهيد لما يعقبه أي ذلك النور الذي عبر به عن ~~القرآن ومثلت صفته العجيبة الشأن بما فصل من صفة المشكاة نور عظيم كائن على ~~نور كذلك لا على أنه عبارة عن نور واجد معين أو غير معين فوق نور آخر مثله ~~ولا عن مجموع نورين اثنين فقط بل عن نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه بحد ~~معين وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر لكونه أقصى ~~مراتب تضاعفه عادة فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ ~~له وأجمع لنوره بسبب انضمام الشعاع المنعكس منه إلى أصل الشعاع بخلاف ~~المكان المتسع فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والقنديل أعون شيء على الزيادة ~~الإنارة وكذلك ms2365 الزي وصفاؤه وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا ~~ويمده بإضاءة مرتبة أخرى عادة هذا وجعل النور عبارة عن النور المشبه به مما ~~لا يليق بشأن التنزيل الجليل «يهدي الله لنوره» أي يهدي هداية خاصة موصلة ~~إلى المطلوب حتما لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن وإظهاره في مقام ~~الإضمار لزيادة تقريره وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من ~~إضافته إلى ضميره عز وجل «من يشاء» هدايته من عباده بأن يوفقهم لفهم ما فيه ~~من دلائل حقيته وكونه من عند الله تعالى من الإعجاز والاخبار عن الغيب وغير ~~ذلك من موجبات الإيمان به وفيه إيذان بأن ماط هذه الهداية وملاكها ليس إلا ~~مشيئته تعالى وأن تظاهر الأسباب بدونها بمعزل من الإفضاء إلى المطالب ~~«ويضرب الله الأمثال للناس» في تضاعيف الهداية حسبما يقتضي حالهم فإن له ~~دخلا عظيما في باب الإرشاد لأنه إبرار للمعقول في هيئة المحسوس وتصوير ~~لأوابد المعاني بصورة المأنوس ولذلك مثل نوره المعبد به عن القرآن المبين ~~بنور المشكاة وإظهاره الاسم الجليل في مقام الإضمار للإيذان PageV06P177 # باختلاف حال ما أسند إليه تعالى من الهداية الخاصة وضرب الأمثال الذي هو ~~من قبيل الهداية العامة كما يفصح عنه تعليق الأولى بمن يشاء والثانية ~~بالناس كافة «والله بكل شيء عليم» مفعولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو باطنا ~~ومن قضيته أن تتعلق مشيئته بهداية من يليق بها ويستحقها من الناس دون من ~~عداهم لمخالفته الحكمة التي عليها مبنى التكوين والتشريع وأن تكون هدايته ~~العامة على فنون مختلفة وطرائق شتى حسبما تقتضيه أحوالهم والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لما قبله وإظهار الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملة والإشعار ~~بعلة الحكم وبما ذكر من اختلاف حال المحكوم به ذاتا وتعلقا «في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه» لما ذكر شأن القرآن الكريم في بيانه للشرائع ~~والأحكام ومباديها وغاياتها المترتبة عليها من الثواب والعقاب وغير ذلك من ~~أحوال الآخرة وأهوالها وأشير إلى كونه في غاية ما يكون من التوضيح والإظهار ~~حيث مثل بما فصل من ms2366 نور المشكاة وأشير إلى أن ذلك النور مع كونه في أقصى ~~مراتب الظهور إنما يهتدي بهداه من تعلقت مشيئة الله تعالى بهدايته دون من ~~عداه عقب ذلك بذكر الفريقين وتصوير بعض أعمالهم المعربة عن كيفية حالهم في ~~الاهتداء وعدمه والمراد بالبيوت المساجد كلها حسبما روى عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وقيل هي المساجد التي بناها نبي من أنبياء الله تعالى الكعبة ~~التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبيت المقدس الذي بناه داود ~~وسليمان عليهما السلام ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذان بناهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتنكيرها للتفخيم والمراد بالإذن في رفعها الأمر ~~ببنائها رفيعة لا كسائر البيوت وقيل هو الأمر برفع مقدارها بعبادة الله ~~تعالى فيها فيكون عطف الذكر عليه من قبيل العطف التفسيري وأياما كان ففي ~~التعبير عنه بالإذن تلويح بأن اللائق بحال المأمور أن يكون متوجها إلى ~~المأمور به قبل ورود الأمر به ناويا لتحقيقه كأنه مستأذن كأنه مستأذن في ~~ذلك فيقع الأمر به موقع الإذن فيه والمراد بذكر اسمه تعالى ما يعم جميع ~~أذكاره تعالى وكلمة في متعلقة بقوله تعالى «يسبح له» وقوله تعالى «فيها» ~~تكرير لها للتأكيد والتذكير لما بينهما من الفاصلة وللإيذان بأن التقديم ~~للاهتمام لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط وأصل التسبيح التنزيه ~~والتقديس يستعمل باللام وبدونها أيضا كما في قوله تعالى «سبح اسم ربك ~~الأعلى» به الصلوات المفروضة كما ينبئ عنه تعيين الأوقات بقوله تعالى ~~«بالغدو والآصال» أي بالغدوات والعشايا على أن الغدو إما جمع غداة كقنى في ~~جمع قناة كما قيل أو مصدر أطلق على الوقت حسبما يشعر به اقترانه بالآصال ~~وهو هو جمع أصيل وهو العشى والعشى وهو الشامل الأوقات ما عدا صلاة الفجر ~~المؤداة بالغداة ويجوز أن يراد به نفس التنزيه على أنه عبارة عما يقع منه ~~في أثناء الصلوات وأوقاتها لزيادة شرفه وإنافته على سائر أفراده أو عما يقع ~~في جميع الأوقات وأفراد طرفي النهار بالذكر لقيامهما مقام كلها لكونهما ~~العمدة فيها بكونهما مشهودين ms2367 وكونهما أشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال ~~والاشتغال بالاشغال وقرئ والإيصال وهو الدخول في الأصيل وقوله تعالى ~~PageV06P178 # «رجال» فاعل يسبح وتأخيره عن الظروف لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم ~~والتشويق إلى المؤخر ولأن في وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن الانتظام وقرئ ~~يسبح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظروف ورحال مرفوع بما ينبئ عنه ~~حكاية الفعل من غير تسمية الفاعل على طريقة قوله لبيك يزيد ضارع لخصومة ~~كأنه قيل من يسبح له فقيل يسبح له رجال وقرئ تسبح بتأنيث الفعل مبنيا ~~للفاعل لأن جمع التكسير قد يعامل معاملة المؤنث ومبنيا للمفعول على أن يسند ~~إلى أوقات الغدو والآصال بزيادة الباء وتجعل الأوقات مسبحة مع كونها مسبحا ~~فيها أو يسند إلى ضمير التسبيحة أي تسبيح له التسبيحة على المجاز المسوغ ~~لإسناده إلى الوقتين كما خرجوا قراءة أبي جعفر ليجزي قوما أي ليجزى الجزاء ~~قوما بل هذا أولى من ذل هنا مفعول صريح «لا تلهيهم تجارة» صفة لرجال مؤكدة ~~لما أفاده التنكير من الفخامة مفيدة لكمال تبتلهم إلى الله تعالى ~~واستغراقهم فيها حكى عنهم من التسبيح من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم ~~كائنا ما كان وتخصيص التجارة بالذكر لكونهما أقوى الصوارف عندهم وأشهرها أي ~~لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة «ولا بيع» أي ولا فرد من أفراد البياعات ~~وإن كان في غاية الربح وإفراده بالذكر مع اندراجه تحت التجارة للإيذان ~~بإنافته على سائر أنواعها لأن ربحه متيقن ناجز وربح ما عداه متوقع في ~~الثاني الحال عند البيع فلم يلزم من نفي إلهاء ما عداه نفي إلهائه ولذلك ~~كررت كلمة لا لتذكير النفي وتأكيده وقد نقل عن الواقدي أن المراد بالتجارة ~~هو الشراء لأنه أصلها ومبدؤها وقيل هو الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال ~~تجر في كذا أي جلبه «عن ذكر الله» بالتسبيح والتحميد «وأقام الصلاة» أي ~~إقامتها لمواقيتها من غير تأخير وقد أسقطت التاء المعوض عن العين الساقطة ~~بالأعلال وعوض عنها الإضافة كما في قوله [وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا] ms2368 أي ~~عدة الأمر «وإيتاء الزكاة» أي المال الذي فرض إخراجه للمستحقين وإيراده ~~ههنا وإن لم يكن مما يفعل في البيوت لكونه قرينة لا تفارق إقامة الصلاة في ~~عامة المواضع مع ما فيه من التنبيه على أن محاسن أعمالهم غير منحصرة فيما ~~يقع في المساجد وكذلك قوله تعالى «يخافون» الخ فإنه صفة ثانية لرجال أو حال ~~من مفعول لا تلهيهم وأيا ما كان فليس خوفهم مقصورا على كونهم في المساجد ~~وقوله تعالى «يوما» مفعول ليخافون لا ظرف له وقوله تعالى «تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار» صفة ليوما أي تضطرب وتتغير في أنفسها من الهول والفزع وتشخص كما ~~في قوله تعالى وإذ زاغت والأبصار وبلغت القلوب الحناجر أو تتغير أحوالها ~~وتتقلب فتتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها وتبصر الأبصار بعد أن كانت ~~عمياء أو تتقلب القلوب بين توقع النجارة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية ~~يؤخذ بهم ويؤتي كتابهم «ليجزيهم الله» متعلق بمحذوف يدل عليه ما حكى من ~~أعمالهم المرضية أي PageV06P179 # يفعلون ما يفعلون من المداومة على التسبيح والذكر وإيتاء الزكاة والخوف ~~من غير صارف لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى «أحسن ما عملوا» أي أحسن جزاء ~~أعمالهم حسبما وعد لهم بمقابلة حسنة واحدة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ~~«ويزيدهم من فضله» أي يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو ~~بمقاديرها ولم تخطر ببالهم كيفياتها ولا كمياتها بل إنما وعدت بطريق ~~الإجمال في مثل قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وقوله صلى الله عليه ~~وسلم حكاية عنه عز وجل أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر وغير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله ~~تعالى «والله يرزق من يشاء بغير حساب» فإنه تذييل مقرر للزيادة وعد كريم ~~بأنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب وأما ~~عدم سبق الوعد بالزيادة ولو إجمالا وعدم خطورها ببالهم ولو بوجه ما فيأباه ~~نظمها في سلك الغاية والموصول عبارة عمن ذكرت صفاتهم ms2369 الجميلة كأنه قيل ~~والله يرزقهم بغير حساب ووضعه موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ~~مناط الرزق المذكور في محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية كما أنها ~~المناط لما سبق من الهداية لنوره تعالى لا لظاهر الأسباب وللإيذان بأنهم ~~ممن شاء الله تعالى لأن يرزقهم كما أنهم ممن شاء الله تعالى أن يهديهم ~~لنوره حسبما يعرب عنه ما فصل من أعمالهم الحسنة فإن جميع مل ذكر من الذكر ~~والتسبيح وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوف اليوم الآخر وأهواله ورجاء ~~الثواب مقتبس من القرآن الكريم العظيم الذي هو المعنى بالنور وبه يتم بيان ~~أحوال من اهتدى بهداه على أوضح وجه وأجلاه وهذا وقد قيل قوله تعالى في بيوت ~~الخ من تتمة التمثيل وكلمة في متعلقة بمحذوف هي صفة لمشكاة أي كائنة في ~~بيوت وقيل لمصباح وقيل لزجاجة وقيل متعلقة بيوقد والكل مما لا يليق بشأن ~~التنزيل الجليل كيف لا وأن ما بعد قوله تعالى ولو لم تمسسه نار على ما هو ~~الحق أو ما بعد قوله تعالى نور على نور على ما قيل إلى قوله تعالى بكل شيء ~~عليم كلام متعلق بالممثل قطعا فتوسيطه بين أجزاء التمثيل مع كونه من قبيل ~~الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي يؤدي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتمثيل ~~المهديين لنور القرآن الكريم بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيان حال ~~أضدادهم مقصودا بالذات ومثل هذا مما لا عهد به في كلام الناس فضلا أن يحمل ~~عليه الكلام المعجز «والذين كفروا» عطف على ما ينساق إليه ما قبله كأنه قيل ~~الذين آمنوا أعمالهم حالا وما لا كما وصف والذين كفروا «أعمالهم» أي ~~أعمالهم التي هي من أبواب البر كصلة الأرحام وفك العناة وسقاية الحاج ~~وعمارة البيت وإغاثة الملهوفين وقرى الأضياف ونحو ذلك مما لو قارنه الإيمان ~~لاستتبع الثواب كما في قوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~الآية «كسراب» وهو ما يرى في الفلوات من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة ~~فيظن أنه ماء يسرب أي يجري ms2370 «بقيعة» متعلق بمحذوف هو صفة لسراب أي كائن في ~~قاع وهي الأرض المنبسطة PageV06P180 # المستوية وقيل هي جمع قاع كجيرة جمع جار وقرئ بقيعات بتاء ممدودة كديمات ~~إما على أنها جمع قيعة أو على أن الأصل قيعة قد أشبعت فتحة العين فتولد ~~منها ألف «يحسبه الظمآن ماء» صفة أخرى لسراب وتخصيص الحسبان بالظمآن مع ~~شموله لكل من يراه كائنا من كان من العطشان والريان لتكميل التشبيه بتحقيق ~~شركة طرفيه في وجه الشبه الذي هو المطلع المطمع والمقطع الموئس «حتى إذا ~~جاءه» أي إذا جاء العطشان ما حسبه ماء وقيل موضعه «لم يجده» أي ما حسبه ماء ~~وعلق به رجاءه «شيئا» أصلالا محققا ولا متوهما كما كان يراه من قبل فضلا عن ~~وجدانه ماء وبه تم بيان أحوال الكفرة بطريق التمثيل وقوله تعالى «ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب» بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ~~ذلك بطريق التكملة لئلا يتوهم أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط كما هو ~~شأن الظمآن ويظهر أنه يعتريهم بعد ذلك التمثيل من عدم وجدان الكفرة من ~~أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا كما في قوله تعالى وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا كيف لا وأن الحكم بأن أعمال الكفرة كسراب يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده سيئا حكم بأنها بحيث يحسبونها في الدنيا ~~نافعة لهم في الآخرة حتى إذا جاءوها لم يجدوها شيئا كأنه قيل حتى إذا جاء ~~الكفرة يوم القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعة لهم في ~~الآخرة يجدوها شيئا ووجدوا الله أي حكمه وقضاءه عند المجيء وقيل عند العمل ~~فوفاهم أي أعطاهم وافيا كاملا حسابهم أي حساب أعمالهم المذكورة وجزاءها فإن ~~اعتقادهم لنفعها بغير أيمان وعملهم بموجبه كفر على كفره وجب للعقاب قطا ~~وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا إما لإرادة الجنس كالضمان الواقع ~~في التمثيل وإما للحمل على كل واحد منهم وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم ~~هذا وقد قيل نزل في عتبة بن ربيعة ms2371 بن أمية كان قد تعبد في الجاهلية وليس ~~المسوح والتمس الدين فلما جاء الإسلام كفر «أو كظلمات» عطف على كسراب وكلمة ~~للتنويع 40 إثر ما مثلت أعمالهم التي كانوا يعتمدون عليها أقوى اعتماد ~~ويفتخرون بها في كل واد وناد بما ذكر من حال السراب مع زيادة حساب وعقاب ~~مثلت أعمالهم القبيحة التي ليس فيها شائبة خيرية يغتر بها المغترون بظلمات ~~كائنة «في بحر لجي» أي عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر ~~وقيل إلى اللجة وهي أيضا معظمه «يغشاه» صفة أخرى للبحر أي يستره ويغطيه ~~بالكلية «موج» وقوله تعالى «من فوقه موج» جملة من مبتدأ أو خبر محلها الرفع ~~على أنها صفة لموج أو الصفة هي الجار والمجرور وموج الثاني فاعل له ~~لاعتماده على الموصوف والكلام فيه كما مر في قوله تعالى نور على نور أي ~~يغشاه أمواج متراكمة متراكبة بعضها على بعض وقوله تعالى «من فوقه سحاب» صفة ~~لموج الثاني على أحد الوجهين المذكورين من فوق ذلك الموج سحاب ظلماني ستر ~~أضواء النجوم وفيه إيماء إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعيفها حتى كأنها بلغت ~~PageV06P181 # السحاب «ظلمات» حبر مبتدأ محذوف أي هي ظلمات «بعضها فوق بعض» أي متكاثفة ~~متراكمة وهذا بيان لكمال شدة الظلمات كما أن قوله تعالى نور بيان لغاية قوة ~~النور خلا أن ذلك متعلق بالمشبه وهذا بالمشبه به كما يعرب عنه ما بعده وقرئ ~~بالجر على الإبدال من الأولى وقرئ بإضافة السحاب إليها «إذا أخرج» أي من ~~ابتلى بها وإضماره من غير ذكره لدلالة المعنى عليه دلالة واضحة «يده» جعلها ~~بمرأى منه قريبة من عينه لينظر إليها «لم يكد يراها» وهي أقرب شيء منه فضلا ~~عن أن يراها «ومن لم يجعل الله له نورا» الخ اعتراض تذييلى جيء به لتقدير ~~ما أفاده التمثيل من كون أعمال الكفرة كما فصل وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته ~~تعالى إياهم لنوره وإيراد الموصول للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم ~~وأيهم ممن لم يشأ الله تعالى هدايتهم أي ms2372 من لم يشأ الله أن يهديه لنوره ~~الذي هو القرآن هداية خاصة مستتبعة للاهتداء حتما ولم يوقفه للإيمان به ~~«فما له من نور» أي فما له هداية ما من أحد أصلا وقوله تعالى «ألم تر» الخ ~~استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم للإيذان بأنه تعالى أفاض عليه ~~صلى الله عليه وسلم أعلى المراتب النور وأجلاها وبين له من أسرار الملك ~~الملكوت وأدقها وأخفاها والهمزة للتقرير أي قد علمت عملا يقينيا شبيها ~~بالمشاهدة في القوة والرصانة بالوحي الصريح والاستدلال الصحيح «أن الله ~~يسبح له» أي ينزهه تعالى على الدوام في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل مالا ~~يليق بشأنه الجليل من نقص أو خلل «من في السماوات والأرض» أي ما فيهما إما ~~بطريف الاستقرار فيهما من العقلاء وغيرهم كائنا ما كان أو بطريق الجزئية ~~منهما تنزيها تفهمه العقول السليمة فإن كل موجود من الموجودات الممكنة ~~مركبا كان أو بسيطا فهو من حيث ماهيته ووجود أحواله يدل على وجود صانع واجب ~~الوجود متصف بصفات الكمال مقدس عن كل مالا يليق بشأن من شؤونه الجليلة وقد ~~نبه على كمال قوة تلك الدلالة وغاية وضوحها حيث عبر عنها بما يخص العقلاء ~~من التسبيح الذي هو أقوى مراتب التنزيه وأظهرها تنزيلا للسان الحال منزلة ~~لسان المقال وأكد ذلك بإيثار كلمة من على ما كان كل شيء مما عز وهان وكل ~~فرد من أفراد الأعراض والأعيان عاقل ناطق ومخبر صادق بعلو شأنه تعالى وعزة ~~سلطانه وتخصيص التنزيه بالذكر مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت ~~الكمال أيضا لما أن مساق الكلام لتقبيح حال الفكرة في إخلالهم بالتنزيه ~~بجعلهم الجمادات شركاء له في الألوهية ونسبتهم إياه إلى اتخاذ الولد تعالى ~~عن ذلك علوا كبيرا وحمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع المخلوقات ~~بأن يراد به معنى مجازى شامل لتسبيح العقلاء وغيرهم حسبما هو المتبادر من ~~قوله تعالى كل قد علم صلاته وتسبيحه يرده أن بعضا من العقلاء وهم الكفرة من ~~الثقلين لا يسبحونه ms2373 بذلك المعنى قطعا وإنما تسبيحهم ما ذكر من الدلالة التي ~~يشاركهم فيها غير العقلاء أيضا وفيه مزيد تخطئة لهم وتعيير ببيان أنهم ~~يسبحونه تعالى باعتبار أخس جهاتهم التي هي الجمادية والجسمية والحيوانية ~~ولا PageV06P182 # يسبحونه باعتبار أشرفها التي هي الإنسانية «والطير» بالرفع عطفا على من ~~وتخصيصها بالذكر مع اندارجها في جملة ما في الأرض لعدم استقرار قراها ~~واستقلالها بصنع بارع وإنشاء رائع قصد بيان تسبيحها من تلك الجهة لوضوح ~~إنبائها عن كمال قدرة صانعها ولطف تدبير مبدعها حسبما يعرب عنه التقيد ~~بقوله تعالى «صافات» أي تسبيحه تعالى حال كونها صافات أجنحتها فإن إعطاءه ~~تعالى للأجرام الثقيلة ما تتمكن من الوقوف في الجو والحركة كيف تشاء من ~~الأجنحة والأذناب الخفيفة وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبض والبسط حجة ~~نيرة واضحة المكنون وآية بينة لقوم يعقلون دالة على كمال قدرة الصانع ~~المجيد وغاية حكمة المبدىء المعيد وقوله تعالى «كل قد علم صلاته وتسبيحه» ~~بيان لكمال عراقة كل واحد مما ذكر في التنزيه ورسوخ قدمه فيه بتمثيل حاله ~~بحال من يعلم ما يصدر عنه من الأفاعيل فيفعلها عن قصد ونية لا عن اتفاق بلا ~~روية وقد أدمج في تضاعيفه الإشارة إلى أن لكل واحد من الأشياء المذكورة مع ~~ما ذكر من التنزيه حاجة ذاتية إليه تعالى واستفاضة منه لما يهمه بلسان ~~استعداده وتحقيقه أن كل واحد من الموجودات الممكنة في حد ذاته بمعزل من ~~استحقاق الوجود لكنه مستعد لأن يفيض عليه منه تعالى ما يلقى بشأنه من ~~الوجود وما يتبعه من الكمالات ابتداء وبقاء فهو مستفيض منه تعالى على ~~الاستمرار ففيض عليه في كل آن من فيوض الفنون المتعلقة بذاته وصفاته مالا ~~يحيط به نطاق البيان بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية والربانية من ~~العلاقة لانعدم بالمدة وقد عبر عن تلك الاستفاضة المعنوية بالصلاة التي هي ~~الدعاء والابتهال لتكميل التمثيل وإفادة المزايا المذكورة فيما مر على ~~التفصيل وتقديمها على التسبيح في الذكر لقدمها عليه في الرتبة وهذا ويجور ~~أن يكون العلم على حقيقته ويراد ms2374 به مطلق الإدراك وبما ناب عنه التنوين في ~~كل أنواع الطير وأفرادها بالصلاة وبالتسبيح ما ألهمه الله تعالى كل واحد ~~منها من الدعاء والتسبيح المخصوصين به لكن لا على أن يكون الطير معطوفا على ~~كلمة من مرفوعا برافعها فإنه يؤدي إلى أن يراد بالتسبيح معنى مجازى شامل ~~للتسبيح المقالى والحالى من العقلاء وغيرهم وقد عرفت ما فيه بل بفعل مضمر ~~أريد به التسبيح المخصوص بالطير معطوف على المذكور كما مر في قوله تعالى ~~وكثير من الناس أي تسبح الطير تسبيحا خاصا بها حال كونها صافات أجنحتها ~~وقوله تعالى قل قد علم صلاته وتسبيحه أي دعاه وتسبيحه اللذين ألهمهما الله ~~عز وجل إياه لبيان كمال رسوخه فيهما وأن صدورهما عنه ليس بطريق الاتفاق بلا ~~روية بل عن علم وإيقان من غير إخلال بشيء منهما حسبما ألهمه الله تعالى فإن ~~إلهامه تعالى لكل نوع من أنواع المخلوقات علوما دقيقة لا يكاد يهتدي إليه ~~جهابذة العقلاء مما لا سبيل إلى إنكاره أصلا كيف لا وأن القنفذ مع كونه ~~أبعد الأشياء من الإدراك قالوا إنه يحس بالشمال والجنوب قبل هبوبها فيغير ~~المدخل إلى حجرة حتى روى أنه كان بقسطنطينية قبل الفتح الإسلامي رجل قد ~~أثرى بسبب أنه كان ينذر الناس بالرياح قبل هبوبها وينتفعون بإنذاره بتدارك ~~أمور سفائنهم وغيرها وكان السبب في ذلك أنه كان يقتني في داره قنفذا يستدل ~~بأحواله على ما ذكر وتخصيص تسبيح الطير بهذا المعنى بالذكر لما أن أصواتها ~~أظهر وجودا وأقرب حملا على التسبيح وقوله تعالى «والله عليم بما يفعلون» أي ~~ما يفعلونه اعتراض مقرر لمضمون ما قبله وما على الوجه الأول عبارة عما ذكر ~~من الدلالة الشاملة لجميع الموجودات من العقلاء وغيرهم والتعبير عنها ~~بالفعل مسندا PageV06P183 # إلى ضمير العقلاء لما مر غير مرة وعلى الثاني إما عبارة عنها عن التسبيح ~~الخاص بالطير معا أو تسبيح الطير فقط فالفعل على حقيقته وإسناده إلى ض لما ~~مر والاعتراض حينئذ مقرر لتسبيح الطير فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل هذا ~~وقد قيل ms2375 إن الضمير في قوله تعالى وقد علم الله عز وجل وفي صلاته وتسبيحه ~~لكل أي قد علم الله تعالى صلاة كل واحد مما في السماوات والأرض وتسبيحه ~~فالاعتراض حينئذ مقرر لمضمونه على الوجهين لكن لأعلى أن تكون ما عبارة عما ~~تعلق به علمه تعالى من صلاته وتسبيحه بل عن جميع أحواله العارضة له وأفعاله ~~الصادرة عنه وهما داخلتان فيها دخولا أولياء «ولله ملك السماوات والأرض» لا ~~لغيره لأنه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات وهو المتصرف في ~~جميعها إيجادا وإعداما بدءا وإعادة وقوله تعالى «وإلى الله» أي إليه تعالى ~~خاصة لا إلى غيره «المصير» أي رجوع الكل بالفناء والبعث بيان لاختصاص الملك ~~به تعالى في المعاد إثر بيان اختصاصه به تعالى في المبدأ وإظهار الاسم ~~الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم «ألم تر أن ~~الله يزجي سحابا» الإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة غلب في سوق شيء يسير أو ~~غير معتد به ومنه البضاعة المزجاة ففيه إيماء إلى أن السحاب بالنسبة إلى ~~قدرته تعالى مما لا يعتد به «ثم يؤلف بينه» أي بين أجزائه بضم بعضها إلى ~~بعض وقرئ يولف بغير همزة «ثم يجعله ركاما» أي متراكما بعضه فوق بعض «فترى ~~الودق» أي المطر إثر تراكمه وتكاثفه وقوله تعالى «يخرج من خلاله» أي من ~~فتوقه حال من الودق لأن الرؤية بصرية وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته خارجا ~~لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى فقلنا اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى والخلال جمع خلل ~~كجبال وجبل وقيل مفرد كحجاب وحجاز ويؤيده أنه قرئ من خلله «وينزل من ~~السماء» من الغمام فإن كل ما علاك سماء «من جبال» أي من قطع عظام تشبه ~~الجبال في العظم كائنة «فيها» وقوله تعالى «من برد» مفعول ينزل على أن من ~~تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى ~~بإعادة الجار أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض ms2376 يرد وقيل المفعول ~~محذوف ومن برد بيان للجبال أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من جنس ~~البرد بردا والأول أظهر لخلوه عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضه المنزل وقيل ~~المفعول من مشبهة بالجبال في الكثرة وأياما كان فتقديم الجار والمجرور على ~~المفعول لما غير مرة من الاعتناء بالمقدم PageV06P184 # والتشريق إلى المؤخر وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد أن ~~كما في الأرض جبالا من حجر وليس في العقل وما ينفيه من قاطع والمشهور أن ~~الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبق الباردة من الهواء وقوى ~~البرد اجتمع هناك وصار سحابا وإن لم يشتد البرد تقاطر مطرا وإن اشتد فإن ~~وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بردا وقد يبرد ~~الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك ~~مستند إلى إدارة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح «فيصيب به» ~~أي ما ينزله من البرد «من يشاء» أن يصيبه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه ~~وماله «ويصرفه عن من يشاء» أن يصرفه عنه فينجو من غائلته «يكاد سنا برقه» ~~أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما وإضافة ~~البرق إليه قبل الأخبار بوجوده فبه للإيذان بظهور أمره واستغنائه عن ~~التصريح به وقرئ بالمد بمعنى الرفعة والعلو وبإدغام الدال في السين وبرقه ~~يفتح الراء على أنه جمع برقه وهي مقدار على البرق كالغرفة وبضمها للاتباع ~~لضمة الباء «يذهب بالأبصار» أي يخطفها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها وفي ~~إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد يذهب بها ~~ولو عند الاغماض وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث إنه توليد ~~للضد من الضد وقرئ يذهب من الإذهاب على زيادة الباء «يقلب الله الليل ~~والنهار» بالمعاقبة بينهما أو ينقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما ~~بالحر والبرد وغيرهما مما يقع فيهما من الأمور التي من جملها ما ذكر من ~~إزجاء السحاب وما ترتب عليه ms2377 «إن في ذلك» إشارة إلى ما فصل آنفا وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب المشار إليه للإيذان يعلو رتبته بعد منزلته «لعبرة» أي ~~لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته وكمال قدرته وإحاطة علمه بجميع ~~الأشياء ونفاذ مشيئته وتنزيهه عما لا يليق بشأن العلي «لأولي الأبصار» لكل ~~من له بصير «والله خلق كل دابة» أي كل حيوان يدب على الأرض وقرئ خالق كل ~~دابة بالإضافة «من ماء» وهو جزء مادة أو ماء مخصوص وهو النطفة فيكون تنزيلا ~~للغالب منزلة الكل لأن من الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة وقيل من ماء متعلق ~~بداية وليس صلة الخلق «فمنهم من يمشي على بطنه» كالحية وتسمية حركها مشيا ~~مع كونها زحفا بطريق الاستعارة أو المشاكلة «ومنهم من يمشي على رجلين» ~~كالإنس والطير «ومنهم من يمشي على أربع» كالنعم والوحش وعدم التعريض لما ~~يمشي على أكثر من أربع كالعناكب ونحوها من الحشرات لعدم الاعتداد بها ~~وتذكير الضمير في منهم لتغليب العقلاء والتعبير عن الأصناف بكلمة من ليوافق ~~التفصيل الإجمال والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة «يخلق الله ما يشاء» ~~مما ذكر ومما لم يذكر بسيطا كان أو مركبا على ما يشاء من الصور والأعضاء ~~PageV06P185 # والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفاعيل مع اتحاد العنصر وإظهار ~~الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخلق المذكور والإيذان بأنه من ~~أحكام الألوهية «إن الله على كل شيء قدير» فيفعل ما يشاء كما يشاء وإظهار ~~الجلالة كما ذكر مع تأكيد استقلال الاستئناف التعليلي «لقد أنزلنا آيات ~~مبينات» أي لكل مل يليق بيانه من الأحكام الدينية والأسرار التكوينية ~~«والله يهدي من يشاء» أن يهديه بتوفيقه للنظر الصحيح فيما وإرشاد إلى ~~التأمل في مطاويها «إلى صراط مستقيم» موصل إلى حقيقة الحق والفوز بالجنة ~~«ويقولون آمنا بالله وبالرسول» شروع في بيان أحوال بعض من لم يشأ الله ~~هدايته إلى الصراط المستقيم قال الحسن نزلت على المنافقين الذين كانوا ~~يظهرون الإيمان ويسرون الكفر وقيل نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديا فدعاه ~~إلى ms2378 كعب بن الأشراف واليهودي يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في ~~المغيرة بن وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض وماء فإني أن يحاكم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأياما كان فصيغه الجمع للإيذان بأن للقائل ~~طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة كما يقال بنو فلان قتلوا فلانا ~~والقاتل واحد منهم «وأطعنا» أي أطعناهما في الأمر والنهي «ثم يتولى» عن ~~قبول حكمه «فريق منهم من بعد ذلك» أي من بعد ما صدر عنهم ما صدر من ادعاء ~~الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لهما على التفصيل وما في ذلك من معنى البعد ~~للإيذان بكونه أمرا معتدا به واجب المراعاة «وما أولئك» إشارة إلى القائلين ~~لا إلى الفريق المتولي منهم فقط لعدم اقتضاء نفى الإيمان عنهم نفيه عن ~~الأولين بخلاف العكس فإن نفيه عن القائلين مقتض لنفيه عنهم على أبلغ وجه ~~وآكده وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفساد أي وما ~~أولئك الذين يدعون الإيمان والطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في ~~العقد والعمل «بالمؤمنين» أي المؤمنين حقيقة كما يعرب عنه اللام أي ليسوا ~~بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثبات عليه «وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم» أي الرسول «بينهم» لأنه المباشر حقيقة للحكم وإن كان ذلك حكم ~~الله حقيقة وذكر الله تعالى لتفخيمه صلى الله عليه وسلم والإيذان بجلالة ~~محله عنده تعالى «إذا فريق منهم معرضون» أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن ~~المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم لكون الحق عليهم بأنه صلى الله عليه وسلم ~~يحكم بالحق عليهم وهو شرح للتولي ومبالغة فيه «وإن يكن لهم الحق» لا عليهم ~~«يأتوا إليه مذعنين» منقادين لجزمهم بأنه صلى الله عليه وسلم يحكم لهم وإلى ~~صلة ليأتوا فإن الإتيان والمجيء يعديان بالى أو لمذعنين PageV06P186 # على تضمين معنى الإسراع والإقبال كما في قوله تعالى فأقبلوا إليه يزفون ~~والتقديم للاختصاص «أفي قلوبهم مرض» إنكار واستقباح لإعراضهم المذكور وبيان ~~لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم والمتوقعة ms2379 منهم وترديد ~~المنشئية بينها فمدار الاستفهام ليس نفس ما وليته الهمزة وأم من الأمور ~~الثلاثة بل هو منشئيتها له كأنه قيل أذلك أي إعراضهم المذكور لأنهم مرضى ~~القلوب لكفرهم ونفاقهم «أم» لأنهم «ارتابوا» في أمر نبوته صلى الله عليه ~~وسلم مع ظهور حقيتها «أم» لأنهم «يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله» ثم ~~أضرب عن الكل وأبطلت منشيته وحكم بأن المنشأ شيء آخر من شنائعهم حيث قيل ~~«بل أولئك هم الظالمون» أي ليس ذلك لشيء مما ذكر أما الأولان فلأنه لو كان ~~لشيء منها لأعرضوا عنه صلى الله عليه وسلم عند كون الحق لهم ولما أتوا إليه ~~صلى الله عليه وسلم مذعنين لحكمه لتحقق نفاقهم وارتيابهم حينئذ أيضا واما ~~الثالث فلانتفائه رأسا حيث كانوا لا يخافون الحيف أصلا لمعرفتهم بتفاصيل ~~أحواله صلى الله عليه وسلم في الأمانة والثبات على الحق بل لأنهم هم ~~الظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ويتم لهم جحوده فيأبون ~~المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم لعلمهم بأنه صلى الله عليه وسلم يقضى ~~عليهم بالحق فمناط النفي المستفاد من الإضراب في الأولين هو وصف منشئيتهما ~~للإعراض فقط مع تحققهما في نفسهما وفي الثالث هو الأصل والوصف جميعا هذا ~~وقد خص الارتياب بماله منشأ مصحح لعروضه لهم في الجملة والمعنى أم ارتابوا ~~بأن رأوا منه صلى الله عليه وسلم تهمة فزالت ثقتهم ويقينهم به صلى الله ~~عليه وسلم فمدار النفي حينئذ نفس الارتياب ومنشئيته معا فتأمل فيما ذكر على ~~التفصيل ودع عنك ما قيل وقيل حسبما 51 يقتضيه النظر الجليل «إنما كان قول ~~المؤمنين» بالنصب على انه خبر كان وأن مع ما في حيزها اسمها وقرئ بالرفع ~~على العكس والأول أقوى صناعة لأن الأولى للاسمية ما هو أوغل في التعريف ~~وذلك هو الفعل المصدر بأن إذ لا سبيل إليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين فإنه ~~يحتمله كما إذا اعتزلت عنه الإضافة لكن قراءة الرفع أقعد بحسب المعنى وأوفى ~~لمقتضى المقام لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل ms2380 هو الخبر فالأحق ~~بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدوث وأوفر اشتمالا على نسب ~~خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع ولا ريب في أن ذلك ههنا في ~~أن مع ما في حيزها أتم وأكمل فإذا هو أحق بالخيرية وأما ما تفيده الإضافة ~~من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلة الجدوى سهلة الحصول خارجا ~~وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة مجملة وتجعل عنوانا للموضوع فالمعنى إنما ~~كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين «إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم» أي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم «بينهم» أي وبين PageV06P187 # خصومهم سواء كانوا منهم أو من غيرهم «أن يقولوا سمعنا وأطعنا» أي خصوصية ~~هذا القول المحكى عنهم لا قولا آخر أصلا وأما قراءة النصب فمعناها إنما كان ~~قول المؤمنين أي إنما كان قولا لهم عند الدعوة خصوصية قولهم المحكى عنهم ~~ففيه من جعل النسبتين وأبعدهما وقوعا وحضورا في الأذهان وأحقهما بالبيان ~~مفروغا عنها عنوانا للموضوع وإبراز ما هو بخلافها في معرض القصد الأصلي ما ~~لا يخفى وقرئ ليحكم على بناء الفعل للمفعول مسندا إلى مصدره مجاويا لقوله ~~تعالى إذا إذا دعوا أي ليفعل الحكم كما في قوله تعالى لقد تقطع بينكم أي ~~وقع التقطع بينكم «وأولئك» إشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور ~~عنهم وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي ~~أولئك المنعوتون 52 بما ذكر من النعت الجميل «هم المفلحون» أي هم الفائزون ~~بكل مطلب والناجون من كل محذور «ومن يطع الله ورسوله» استئناف جئ به لتقرير ~~مضمون ما قبله من حسن حال المؤمنين وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم ~~أي ومن يطعهما كائنا من كان فيما أمرا به من الأحكام الشرعية اللازمة ~~والمتعدية وقيل في الفرائض والسنن والأول هو الأنسب بالمقام «ويخش الله ~~ويتقه» بإسكان القاف المبنى على تشبيهه بكنف وقرئ بكسر القاف والهاء ~~وبإسكان الهاء أي ويخش الله على ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل ~~«فأولئك» الموصوفون بما ms2381 ذكر من الطاعة والخشية والاتقاء «هم الفائزون» ~~بالنعيم المقيم 53 لا من عداهم «وأقسموا بالله» حكاية لبعض آخر من أكاذيبهم ~~مؤكد بالأيمان الفاجرة وقوله تعالى «جهد أيمانهم» نصب على أنه مصدر مؤكد ~~لفعله الذي هو في حيز النصب على أنه حال من فاعل أقسموا أي أقسموا به تعالى ~~يجهدون أيمانهم جهدا ومعنى جهد اليمين بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من ~~قولهم جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها أي جاهدين بالغين أقصى مراتب ~~اليمين في الشدة والوكادة وقيل هو مصدر مؤكد لأقسموا أي أقسموا إقسام ~~اجتهاد في اليمين قال مقاتل من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين «لئن أمرتهم» ~~أي بالخروج إلى الغزو لا عن ديارهم وأموالهم كما قيل لأنه حكاية لما كانوا ~~يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا ~~وإن أقمت أقمنا وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا وقوله تعالى «ليخرجن» جواب ~~لأقسموا بطريق حكاية فعلهم لا حكاية قولهم وحيث كانت مقالتهم هذه كاذبة ~~ويمينهم فاجرة أمر صلى الله عليه وسلم بردها حيث قيل «قل» أي ردا عليهم ~~وزجرا لهم عن التفوه بها وإظهارا لعدم القبول لكونهم كاذبين فيها «لا ~~تقسموا» أي على ما ينبئ عنه كلامكم من الطاعة وقوله تعالى «طاعة معروفة» ~~خبر مبتدأ محذوف والجملة تعليل للنهي أي لا تقسموا على ما تدعون من الطاعة ~~لأن طاعتكم طاعة نفاقية واقعة باللسان فقط من غير مواطأة من القلب وإنما ~~عبر عنها بمعروفة للإيذان بأن كونها كذلك PageV06P188 # مشهور معروف لكل أحد وقرئ بالنصب والمعنى تطيعون طاعة معروفة هذا وحملها ~~على الطاعة الحقيقية بتقدير ما يناسبها من مبتدأ أو خبر أو فعل مثل الذي ~~يطلب منكم طاعة معروفة حقيقتة لا نفاقية أو طاعة معروفة أمثل أو ليكن طاعة ~~معروفة أو أطيعوا طاعة معروفة مما لا يساعده المقام «إن الله خبير بما ~~تعملون» من الأعمال الظاهرة والباطنة التي من جملتها ما تظهرونه من ~~الأكاذيب المؤكدة بالأيمان الفاجرة وما تضمرونه في قلوبكم من الكفر والنفاق ~~والعزيمة على مخادعة ms2382 المؤمنين وغيرها من فنون الشر والفساد تضمرونه الجملة ~~تعليل للحكم بأن طاعتهم طاعة نفاقية مشعر بأن مدار شهرة أمرها فيما بين ~~المؤمنين إخباره تعالى بذلك 54 ووعيد لهم بأنه تعالى مجازيهم بجميع أعمالهم ~~السيئة التي منها نفاقهم «قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» كرر الامر بالقول ~~لإبراز كمال العناية به والإشعار باختلافهما من حيث أن المقول في الأول نهى ~~بطريق الرد والتقريع كما في قوله تعالى «اخسؤوا فيها ولا تكلمون» وفي ~~الثاني أمر بطريق التكليف والتشريع وإطلاق الطاعة المأمور بها عن وصف الصحة ~~والإخلاص ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما ذكر للتنبيه على أنها ليست من الطاعة ~~في شيء أصلا وقوله تعالى «فإن تولوا» خطاب للمأمورين بالطاعة من جهته تعالى ~~وارد لتأكيد الأمر بها والمبالغة في إيجاب الامتثال به والحمل عليه ~~بالترهيب والترغيب لما أن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن ~~سننه المسلوك ينبئ عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ويستجلب مزيد رغبة فيه ~~من السامع كما أشير إليه في تفسير قوله تعالى «ولو جئنا بمثله مددا» لا ~~سيما إذا كان ذلك بتغيير الخطاب بالواسطة إلى الخطاب بالذات فإن في خطابه ~~تعالى إياهم بالذات بعد أمره تعالى إياهم بوساطته صلى الله عليه وسلم ~~وتصديه لبيان حكم الامتثال بالأمر والتولى عنه إجمالا وتفصيلا من إفادة ما ~~ذكر من التأكيد والمبالغة ما لا غاية وراءه وتوهم أنه داخل تحت القول ~~المأمور بحكايته من جهته تعالى وأنه أبلغ في التبكيت تعكيس للأمر والفاء ~~لترتيب ما بعدها على تبليغه صلى الله عليه وسلم للمأمور به إليهم وعدم ~~التصريح به للإيذان بغاية ظهور مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ ما ~~أمر به وعدم الحاجة إلى الذكر أي إن تتولوا عن الطاعة إثر ما أمرتم بها ~~«فإنما عليه» أي فاعلموا أنما عليه صلى الله عليه وسلم «ما حمل» أي ما أمر ~~به من التبليغ وقد شاهدتموه عند قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول «وعليكم ~~ما حملتم» أي ما أمرتم به من الطاعة ولعل التعبير عنه بالتحميل ms2383 للإشعار ~~بثقله وكونه مؤنة باقية في عهدتهم بعد كأنه قيل وحيث توليتم عن ذلك فقد ~~بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل وقوله تعالى ما حمل محمول على المشاكلة «وإن ~~تطيعوه» أي فيما امركم به من الطاعة «تهتدوا» إلى الحق الذي هو المقصد ~~الأصلي الموصل إلى كل خير والمنجي من كل شر وتأخيره عن بيان حكم التولي لما ~~في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب وتقريبه مما هو من بابه من الوعد الكريم ~~وقوله تعالى «وما على الرسول إلا البلاغ المبين» اعتراض مقرر لما قبله من ~~أن غائلة التولي وفائدة الإطاعة مقصورتان عليهم واللام إما للجنس المنتظم ~~له صلى الله عليه وسلم PageV06P189 # انتظاما أوليا أو للعهد أي ما على جنس الرسول كائنا من كان أو ما عليه ~~صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح أو الواضح ~~على أن المبين من أبان بمعنى بان وقد علمتم أنه قد فعله بما لا مزيد عليه ~~55 وإنما بقي ما حملتم وقوله تعالى «وعد الله الذين آمنوا منكم» استئناف ~~مقرر لما في قوله تعالى وإن تطيعوه تهتدوا من الوعد الكريم ومعرب عنه بطريق ~~التصريح ومبين لتفاصيل ما أجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية ~~التي هي من آثار الاهتداء ومتضمن لما هو المراد بالطاعة التي نيط بها ~~الاهتداء والمراد بالذين آمنوا كل من اتصف بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق ~~من أي طائفة كان وفي أي وقت كان لا من آمن من طائفة المنافقين فقط ولا من ~~آمن بعد نزول الآية الكريمة فحسب ضرورة عموم الوعد الكريم للكل كافة ~~فالخطاب في منكم لعامة الكفرة لا للمنافقين خاصة ومن تبعيضيه «وعملوا ~~الصالحات» عطف على آمنوا داخل معه في حيز الصلة وبه يتم تفسير الطاعة التي ~~أمر بها ورتب عليها ما نظم في سلك الوعد الكريم كما أشير إليه وتوسيط الظرف ~~بين المعطوفين لإظهار أصالة الإيمان وعراقته في استتباع الآثار والأحكام ~~وللإيذان بكونه أول ما يطلب منهم وأهم ما يجب عليهم وأما تأخيره عنهما في ms2384 ~~قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ~~فلأن من هناك بيانية والضمير الذين معه صلى الله عليه وسلم من خلص المؤمنين ~~ولا ريب في أنه جامعون بين الإيمان والأعمال الصالحة مثابرون عليهما فلا بد ~~من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة بكمالها هذا ومن جعل الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وللأمة عموما على أن من تبعيضية أوله صلى الله عليه ~~وسلم ولمن معه من المؤمنين خصوصا على أنها بيانية فقد نأى عما يقتضيه سباق ~~النظم الكريم وسياقه بمنازل وأبعد عما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم ~~بمراحل «ليستخلفنهم في الأرض» جواب للقسم إما بالإضمار أو بتنزيل وعده ~~تعالى منزلة القسم لتحقق إنجازه لا محالة أي ليجعلهم خلفاء متصرفين فيها ~~تصرف الملوك في ممالكهم أو خلفا من الذين لم يكونوا على حالهم من الإيمان ~~والأعمال الصالحة «كما استخلف الذين من قبلهم» هم بنو إسرائيل استخلفهم ~~الله عز وجل في مصر والشام بعد إهلاك فرعون والجبابرة أو هم ومن قبلهم من ~~الأمم المؤمنة التي أشير إليهم في قوله تعالى ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم ~~بالبينات إلى قوله تعالى فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض ~~من بعدهم ومحل الكاف النصب على أنه مصدر تشبيهي مؤكد للفعل بعد تأكيده ~~بالقسم وما مصدرية أي ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه تعالى للذين من ~~قبلهم وقرئ كما استخلف على البناء للمفعول فليس العامل في الكاف حينئذ ~~الفعل المذكور بل ما يدل هو عليه من فعل مبنى للمفعول جار منه مجرى المطاوع ~~فإن استخلافه تعالى إياهم مستلزم لكونهم مستخلفين PageV06P190 # لا محالة كأنه قيل ليستخلفنهم في الأرض فيستخلفن فيها استخلافا أي ~~مستخلفية كائنة كمستخفلية من قبله وقد مر تحقيقه في قوله تعالى كما سئل ~~موسى من قبل ومن هذا القبيل قوله تعالى وأنبتها نباتا حسنا على أحد الوجهين ~~أي فنبتت نباتا حسنا وعليه قول من قال وعضة دهر يا ms2385 ابن مروان لم تدع * من ~~المال إلا مسحت أو بحلف أي فلم يبق إلا مسحت الخ «وليمكنن لهم دينهم» عطف ~~على ليستخلفنهم منتظم معه ف سلك الجواب وتأخيره عنه مع كونه أجل الرغائب ~~الموعودة وأعظمها لما أن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل فتصدير المواعيد ~~بها في الاستمالة أدخل والمعنى ليجعلن دينهم ثابتا مقررا بحيث يستمرون على ~~العمل بأحكامه ويرجعون إليه في كل ما يأتون وما يذرون والتعبير عن ذلك ~~بالتمكين الذي هو جعل الشيء مكانا لآخر يقال مكن له في الأرض أي جعلها مقرا ~~له ومنه قوله تعالى إنا مكنا له في الأرض ونظائره وكلمة في للإبذان بأن ما ~~جعل مقرا له قطعة منها لا كلها للدلالة على كمال ثبات الدين ورصانة أحكامه ~~وسلامته من التغيير والتبديل لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار ~~مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض وتقديم صلة ~~التمكين على مفعوله الصريح للمسارعة إلى بيان كون الموعود من منافعهم ~~تشويقها لهم إليه وترغيبا لهم في قبوله عند وروده ولأن في توسيطها بينه ~~وبين وصفه أعنى قوله تعالى «الذي ارتضى لهم» وفي تأخيرها عنه من الإخلال ~~بجزالة النظم الكريم ما لا يخفى وفي إضافة الدين إليهم وهو دين الإسلام ثم ~~وصفه بارتضائه لهم تأليف لقلوبهم ومزيد ترغيب فيه وفضل تثبيت عليه ~~«وليبدلنهم» بالتشديد وقرئ بالتخفيف من الإبدال «من بعد خوفهم» أي من ~~الأعداء «آمنا» حيث كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة عشر ~~سنين بل أكثر خائفين ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا يصبحون في السلاح ويمسون ~~كذلك حتى قال رجل منهم ما يأتي علينا يوم نأمن فيه فقال صلى الله عليه وسلم ~~لا تعبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس معه ~~حديدة فانزل الله عز وجل هذه الآية وأنجز وعده وأظهرهم على جزيرة العرب ~~وفتح لهم بلاد الشرق والغرب وصاروا لي حال يخافهم كل من عداهم وفيه من ~~الدلالة على صحة النبوة للإخبار بالغيب على ms2386 ما هو عليه قبل وقوعه ما لا ~~يخفى وقيل المراد الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة «يعبدونني» حال من ~~الموصول الأول مفيدة لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد أو استئناف ببيان ~~المقتضى للاستخفاف وما انتظم معه في سلك الوعد «لا يشركون بي شيئا» حال من ~~الواو أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئا «ومن كفر» أي اتصف بالكفر ~~بأن ثبت واستمر عليه ولم يتأثر بما مر من الترهيب الترغيب فإن الإصرار عليه ~~بعد مشاهدة دلائل التوحيد كفر مستأنف زائدة على الأصل وقيل كفر بعد الإيمان ~~وقيل كفر هذه النعمة العظيمة والأول هو الأنسب بالمقام «بعد ذلك» أي بعد ~~ذلك الوعد الكريم بما فصل من المطالب العالية المستوجبة لغاية الاهتمام ~~بتحصيلها والسعي الجميل في حيازتها «فأولئك» البعداء عن الحق التائهون في ~~تيه الغواية والضلال «هم الفاسقون» الكاملون في الفسق والخروج عن حدود ~~الكفر والطغيان «وأقيموا الصلاة وآتوا PageV06P191 # الزكاة» عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام فإن خطابه تعالى ~~للمأمورين بالطاعة على طريق الترهيب من التولي بقوله تعالى فإن تولوا الخ ~~وترغيبه تعالى إياهم في الطاعة بقوله تعالى وإن تطيعوه تهتدوا الخ وعده ~~تعالى إياهم على الإيمان والعمل الصالح بما فصل من الاستخلاف وما يتلوه من ~~الرغائب الموعودة ووعيده على الكفر مما يوجب الأمر بالإيمان والعمل الصالح ~~والنهي عن الكفر فكأنه قيل فآمنوا وعملوا صلاحا وأقيموا أو فلا تكفروا ~~وأقيموا وعطفه على أطيعوا الله مما لا يليق بجزالة النظم الكريم «وأطيعوا ~~الرسول» أمرهم الله سبحانه وتعالى بالذات بما أمرهم به بواسطة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من طاعته التي هي طاعته تعالى في الحقيقة تأكيدا للأمر ~~السابق وتقريرا لمضمونه على ان المراد بالمطاع فيه جميع الأحكام الشرعية ~~المنتظمة للآداب المرضية أيضا أي وأطيعوه في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه ~~أو تكميلا لما قبله من الأمرين الخاصين المتعلقين بالصلاة والزكاة على أن ~~المراد بما ذكر ما عداهما من الشرائع أي وأطيعوه في سائر ما يأمركم به الخ ~~وقوله تعالى «لعلكم ms2387 ترحمون» متعلق على الأول بالامر الأخير المشتمل على ~~جميع الأوامر وعلى الثاني بالأوامر الثلاثة أي افعلوا ما ذكر من الإقامة ~~والإيتاء 57 والإطاعة راجين أن ترجموا «لا تحسبن الذين كفروا» لما بين حال ~~من أطاعه صلى الله عليه وسلم وأشير إلى فوزه بالرحمة المطلقة المستتبعة ~~لسعادة الدارين عقب ذلك ببيان حال من عصاه صلى الله عليه وسلم ومآل أمره في ~~الدينا والآخرة بعد بيان تناهيه في الفسق تكميلا لأمر الترغيب والترهيب ~~والخطاب إما لكل أحد ممن يصلح له كائنا من كان وإما للرسول صلى الله عليه ~~وسلم على منهاج قوله تعالى فلا تكونن من المشركين ونظائره للإيذان بأن ~~الحسبان المذكور من القبح والمحذورية بحيث ينهى عنه من يمتنع صدوره عنه ~~فكيف بمن يمكن ذلك منه ومحل الموصول النصب على أنه مفعول أول للحسبان وقوله ~~تعالى «معجزين» ثانيهما وقوله تعالى «في الأرض» ظرف لمعجزين لكن لا لإفادة ~~كون الإعجاز المنفي فيها لا في غيرها فإن ذلك مما لا يحتاج إلى البيان بل ~~لإفادة شمول عدم الإعجاز بجميع أجزائها أي لا تحسبنهم معجزين الله عز وجل ~~عن إدراكهم وإهلاكهم في قطر من أقطار الأرض بما رحبت وإن هربوا منها كل ~~مهرب وقرئ لا يحسبن بياء الغيبة على أن الفاعل كل أحد والمعنى كما ذكر أي ~~لا يحسبن أحد الكافرين معجزين له سبحانه في الأرض أو هو الموصول والمفعول ~~الأول محذوف لكونه عبارة عن أنفسهم كأنه قيل لا تحسبن الكافرين أنفسهم ~~معجزين في الأرض وأما جعل معجزين مفعولا أول وفي الأرض مفعولا ثانيا فبمعزل ~~من المطابقة لمقتضى المقام ضرورة أن مصب الفائدة هو المفعول الثاني ولا ~~فائدة في بيان كون المعجزين في الأرض وقد مر في قوله تعالى إني جاعل في ~~الأرض خليفة وقوله تعالى «ومأواهم النار» معطوف على جملة النهى بتأويلها ~~بجملة خبرية لأن المقصود بالنهى عن الحسبان تحقيق نفي الحسبان كأنه قيل ليس ~~الذين كفروا معجزين ومأواهم الخ أو على جملة مقدرة وقعت تعليلا للنهي كأنه ~~قيل لا تحسبن الذين كفروا ms2388 معجزين في الأرض فإنهم مدركون ومأواهم الخ وقيل ~~الجملة المقدرة بل هم مقهورون فتدبر «ولبئس المصير» PageV06P192 # جواب لقسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف أي وبالله لبئس المصير هي أي النار ~~والحملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوى ~~ومصير الهم إثر نفي فوتهم بالهرب في الأرض كل مهرب من الجزالة مالا غاية ~~وراءه فلله در شأن التنزيل «يا أيها الذين آمنوا» رجوع إلى بيان تتمة ~~الأحكام السابقة بعد تمهيد ما يوجب الامتثال بالأوامر والنواهي الواردة ~~فيها وفي الأحكام اللاحقة من التمثيلات والترغيب والترهيب والوعد والوعيد ~~والخطاب إما للرجال خاصة وللنساء داخلات في الحكم بدلالة النص أو للفريقين ~~جميعا بطريق التغليب روى أن غلام الأسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت ~~كرهته فنزلت وقيل أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدلج بن عمرو الأنصاري ~~وكان غلاما وقت الظهيرة ليدعو عمر رضي الله عنه فدخل عليه وهو نائم قد ~~انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله عنه لوددت أن الله تعالى نهى آباءنا ~~وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية «ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم» من العبيد والجواري «والذين لم يبلغوا الحلم» أي ~~الصبيان القاصرون عن درجة البلوغ المعهود والتعبير عنه بالحلم لكونه أظهر ~~دلائله منكم أي من الأحرار «ثلاث مرات» أي ثلاثة أوقات في اليوم والليلة ~~والتعبير عنها بالمرات للإيذان بأن مدار وجوب الاستئذان مقارنة تلك الأوقات ~~لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها «من قبل صلاة الفجر» لظهور أنه وقت ~~القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ومحله النصب على أنه ~~بدل من ثلاث مرات أو مرات أو الرع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي أحدها من ~~قبل الخ «وحين تضعون ثيابكم» أي ثيابكم التي تلبسونها في النهار وتخلعونها ~~لأجل القيلولة وقوله تعالى «من الظهيرة» وهي شدة الحر عند انتصاف النهار ~~بيان للحين والصريح الأمر أعني وضع ms2389 الثياب في هذا الحين دون الأول والآخر ~~لما أن التجرد عن الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها كما ينبئ عنها ~~إيراد الحين مضافا إلى فعل حادث متقض ووقوعها في النهار الذي هو مئنة لكثرة ~~الورود والصدور ومظنة لظهور الأحوال وبروز الأمور ليس من التحقق والإطراد ~~بمنزله ما في الوقتين المذكورين فإن تحقق التجرد وإطراده فيهما أمر معروف ~~لا يحتاج إلى التصريح به «ومن بعد صلاة العشاء» ضرورة أنه وقت التجرد عن ~~اللباس والالتحاف باللحاف وليس المراد بالقبلية والبعدية المذكورتين ~~مطلقهما المتحقق في الوقت الممتد المتخلل بين الصلاتين كما في قوله تعالى ~~وإن كنت من قبله لمن الغافلين وقوله تعالى من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين ~~أخوتي بل ما يعرض منهما PageV06P193 # لطرفي ذلك الوقت الممتد المتصلين بالصلاتين المذكورتين اتصالا عاديا ~~وقوله تعالى «ثلاث عورات» خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى «لكم» متعلق بمحذوف ~~هو صفة لثلاث عورات أي كائنة لكم والجملة استئناف مسوق لبيان علة وجوب ~~الاستئذان أي هن ثلاثة أوقات يختل فيها التستر عادة والعورة في الأصل هو ~~الخلل غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه ويعتني بستره أطلقت على الأوقات ~~المشتملة عليها مبالغة كأنها نفس العورة وقرئ ثلاث عورات بالنصب بدلا من ~~ثلاث مرات «ليس عليكم ولا عليهم» أي على المماليك والصبيان جناح أي إثم في ~~الدخول بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع على العورات ~~«بعدهن» أي بعد كل واحدة من تلك العورات الثلاث وهي الأوقات المتخللة بين ~~كل اثنتين منهن وإيرادها بعنوان البعدية مع أن كل وقت من تلك الأوقات قبل ~~عورة من العورات كما أنها بعد أخرى منهن لتوفية حق التكليف والترخيص الذي ~~هو عبارة عن رفعه إذا لرخصة إنما تتصور في فعل يقع بعد زمان وقوع الفعل ~~المكلف والجملة على القراءتين مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها بالطرد والعكس ~~وقد جوز على القراءة الأولى كونها في محل الرفع على أنها صفة أخرى لثلاث ~~عورات وأما على القراءة الثانية فهي مستأنفة لا غير إذ لو ms2390 جعلت صفة لثلاث ~~عورات وهي بدل من ثلاث مرات لكان التقدير ليستأذنكم هؤلاء في ثلاث عورات لا ~~إثم في ترك الاستئذان بعدهن وحيث كان انتفاء الإثم حينئذ مما لم يعلمه ~~السامع إلا بهذا الكلام لم يتسن إبرازه في معرض الصفة بخلاف قراءة الرفع ~~فإن انتفاء الإثم حينئذ معلوم من صدر الكلام وقوله تعالى «طوافون عليكم» ~~استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهي المخالطة الضرورية وكثرة ~~المداخلة وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة ~~وبين غيرها بكونها عورات «بعضكم على بعض» أي بعضكم طائف على بعض طوافا ~~كثيرا أو بعضكم يطوف على بعض «كذلك» إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده وما ~~فيه من معنى البعد لما مر مرارا من تفخيم شأن المشار إليه والإيذان ببعد ~~منزلته وكونه من الوضوح بمنزلة المشار إليه حسا أي مثل ذلك التبيين «يبين ~~الله لكم الآيات» الدالة على الأحكام أي ينزلها بينة واضحة الدلالات عليها ~~لا أنه تعالى يبينها بعد أن لم تكن كذلك والكاف مقحمة وقد مر تفصيله في ~~قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا ولكم متعلق يبين وتقديمه على المفعول ~~الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر وقيل يبين ~~علل الأحكام وليس بواضح مع أنه مؤد إلى تخصيص الآيات بما ذكر ههنا «والله ~~عليم» مبالغ في العلم بجميع المعلومات فيعلم أحوالكم «حكيم» في جميع ~~أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاح أمركم معاشا ومعادا «وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم» لما بين فيما مر آنفا حكم الأطفال في أنه لا جناح عليهم في ترك ~~الاستئذان فيما عدا الأوقات الثلاثة عقب ببيان حالهم بعد البلوغ دفعا لما ~~عسى يتوهم أنهم وإن كانوا PageV06P194 # أجانب ليسوا كسائر الأجانب بسبب اعتيادهم الدخول أي إذا بلغ الأطفال ~~الأحرار الأجانب «فليستأذنوا» إذا أرادوا الدخول عليكم وقوله تعالى «كما ~~استأذن الذين من قبلهم» في حيز النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد للفعل السابق ~~والموصول عبارة عمن قيل لهم لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ms2391 الآية ~~ووصفهم بكونهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرهم قبل ذكرهم لا باعتبار بلوغهم قبل ~~بلوغهم كما قيل لما أن المقصود بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة ~~إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ولا ريب ~~في أن بلوغهم قبل بولغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في ~~الواقع وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم أي فليستأذنوا استئذانا ~~كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات ويرجعوا ~~إن قيل لهم ارجعوا حسبما فصل فيما سلف «كذلك يبين الله لكم آياته والله ~~عليم حكيم» الكلام فيه كالذي سبق والتكرير للتأكيد والمبالغة في الأمر ~~بالاستئذان وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها «والقواعد من النساء» ~~أي العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل «اللاتي لا يرجون نكاحا» أي لا ~~يطمعن فيه لكبرهن «فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن» أي الثياب الظاهرة ~~كالجلباب ونحوه والفاء فيه لأن اللام في القواعد بمعنى اللاتي أو للوصف بها ~~«غير متبرجات بزينة» غير مظهرات لزينة مما أمر بإخفائه في قوله تعالى ولا ~~يبدين زينتهن وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم سفينة بارجة لا ~~غطاء عليها والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كله إلا أنه خص ~~بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال «وأن يستعففن» بترك الوضع «خير لهن» من ~~الوضع لبعده من التهمة «والله سميع» مبالغ في سمع جميع ما يسمع فيسمع ما ~~يجري بينهن وبين الرجال من المقاولة «عليم» فيعلم مقاصدهن وفيه من الترهيب ~~ما لا يخفى «ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج» ~~كانت هؤلاء الطوائف يتحرجون من المؤاكلة الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم ~~وخوفا من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم فإن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت ~~حذارا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم فإن الأعمى ~~ربما سبقت يده إلى ما سبقت إليه عين أكيله وهو لا يشعر به والأعرج بتفسح في ~~مجلسه فيأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه ms2392 PageV06P195 # والمريض لا يخلو عن حالة تؤذي قرينه وقيل كانوا يدخلون على الرجل لطلب ~~العلم فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو إلى ~~بعض من سماهم الله عز وجل في الآية الكريمة فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون ~~ذهب بنا إلى بيت غيره ولعل أهله كارهون لذلك وكذا كانوا يتحرجون من الأكل ~~من أموال الذين كانوا إذا خرجوا إلى الغزو خلفوا هؤلاء في بيوتهم ودفعوا ~~إليهم مفاتيحها وأذنوا لهم أن يأكلوا مما فيها مخافة أن لا يكون إذنهم عن ~~طيب نفس منهم وكان غير هؤلاء أيضا يتحرجون من الأكل في بيوت غيرهم فقيل لهم ~~ليس على الطوائف المعدودة «ولا على أنفسكم» أي عليكم وعلى من يماثلكم في ~~الأحوال من المؤمنين حرج «أن تأكلوا» أي تأكلوا أنتم وهم معكم وتعميم ~~الخطاب للطوائف المذكورة أيضا يأباه ما قبله وما بعده فإن الخطاب فيهما ~~لغير أولئك الطوائف حتما «من بيوتكم» أي البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ~~فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيتهم كبيته لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ~~ومالك لأبين وقوله صلى الله عليه وسلم إن أطيب مال الرجل من كسبه وإن ولده ~~من كسبه «أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم» وقرئ بكسر الهمزة والميم وبكسر ~~الأولى وفتح الثانية «أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو ~~بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه» من ~~البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها على الوجه الذي مر بيانه وقيل ~~هي بيوت المماليك والمفاتح جمع مفتح وجمع المفتاح مفاتيح وقرئ مفتاحه «أو ~~صديقكم» أي أو بيوت صديقكم وإن لم يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية فإنهم أرضى ~~بالتبسط وأسر به من كثير من الأقرباء روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~الصديق أكبر من الوالدين إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء ~~والأمهات بل قالوا فما لنا من شافعين ولا صديق حميم والصديق يقع على الواحد ~~والجمع كالخليط والقطين وأضرابهما وهذا فيما إذا ms2393 علم رضا صاحب البيت بصريح ~~الإذن أو بقرينة دالة عليه ولذلك خصص هؤلاء بالذكر لاعتيادهم التبسط فيما ~~بينهم وقوله تعالى «ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا» كلام مستأنف ~~مسوق لبيان حكم آخر من جنس ما بين قبله حيث كان فريق من المؤمنين كبني ليث ~~ابن عمرو من كنانة يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين وكان الرجل منهم لا ~~يأكل ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا ~~وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح وربما ~~كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه فإذا أمسى ولم ~~يجد أحد أكل وقيل كان الغنى منهم يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصدقته ~~فيدعوه إلى طعامه فيقول إني أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير وقيل كان ~~قوم من الأنصار لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص لهم في أن ~~يأكلوا كيف شاءوا وقيل كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا للأعمى ~~وأشباهه طعاما على عده فبين الله تعالى أن ذلك ليس بواجب وقوله تعالى جميعا ~~حال من فاعل تأكلوا وأشتاتا عطف عليه داخل في حكمه وهو جمع شت على أنه صفة ~~كالحق يقال أمر شت أي متفرق أو على أنه في الأصل مصدر وصف به مبالغة أي ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين «فإذا دخلتم» شروع في بيان الآداب ~~التي تجب رعايتها عند مباشرة ما رخص فيه إثر بيان الرخصة فيه «بيوتا» أي من ~~البيوت PageV06P196 # المذكورة «فسلموا على أنفسكم» أي على أهلها الذين بمنزلة أنفسكم لما ~~بينكم وبينهم من القرابة الدينية والنسبية الموجبة لذلك «تحية من عند الله» ~~أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ويجوز أن يكون صلة للتحية فإنها طلب الحياة ~~التي هي من عنده تعالى وانتصابها على المصدرية لأنها بمعنى التسليم ~~«مباركة» مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامهما «طيبة» تطيب بها نفس ~~المستمع وعن أنس رضي الله عنه أنه ms2394 صلى الله عليه وسلم قال متى لقيت أحدا من ~~أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة ~~الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين «كذلك يبين الله لكم الآيات» تكرير ~~لتأكيد الأحكام المختتمة به وتفخيمها «لعلكم تعقلون» أي ما في تضاعيفها من ~~الشرائع والأحكام وتعملون بموجبها وتحوزون بذلك سعادة الدارين وفي تعليل ~~هذا التبيين بهذه الغاية القصوى بعد تذييل الأولين بما يوجبهما من الجزالة ~~ما لا يخفى «إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله» استئناف جئ به في ~~أواخر الأحكام السابقة تقريرا لها وتأكيدا لوجوب مراعاتها وتكميلا لها ~~ببيان بعض آخر من جنسها وإنما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيز الصلة ~~للموصول الواقع خبرا للمبتدأ مع تضمنه له قطعا تقرير لما قبله وتمهيدا لما ~~بعده وإيذانا بأنه حقيق بأن يجعل قرينا للإيمان بهما منتظما في سلكه فقوله ~~تعالى «وإذا كانوا معه على أمر جامع» الخ معطوف على أمنوا داخل معه في حيز ~~الصلة أي إنما الكاملون في الإيمان الذين آمنوا بالله ورسوله عن صميم ~~قلوبهم وأطاعوهما في جميع الأحكام التي من جملتها ما فصل من قبل من الأحكام ~~المتعلقة بعامة أحوالهم المطردة في الوقوع وأحوالهم الواقعة بحسب الاتفاق ~~كما إذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم على أمر مهم يجب اجتماعهم في شأنه ~~كالجمعة والأعياد والحروب وغيرها من الأمور الداعية إلى اجتماع أولي الآراء ~~والتجارب ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ أمر جميع «لم يذهبوا» أي من ~~المجمع مع كون ذلك الأمر مما لا يوجب حضورهم لا محالة كما عند إقامة الجمعة ~~ولقاء العدو بل يسوغ التخلف عنه «حتى يستأذنوه» صلى الله عليه وسلم في ~~الذهاب لا على أن نفس الاستئذان غاية لعدم الذهاب بل الغاية هي الإذن ~~المنوط برأيه صلى الله وعليه وسلم والاقتصار على ذكره لأنه الذي يتم من ~~قبلهم وهو المعتبر في كمال الإيمان لا الإذن ولا الذهاب المترتب عليه ~~واعتباره في ذلك لما أنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ~~ديدنه ms2395 التسلل للفرار ولتعظيم ما في الذهاب بغير إذنه صلى الله عليه وسلم من ~~الجناية وللتنبيه على ذلك عقب بقوله تعالى «إن الذين يستأذنونك أولئك الذين ~~يؤمنون بالله ورسوله» فقضى بأن المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله كما ~~حكم في الأول بأن الكاملين في الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما وبين ~~الاستئذان وفي أولئك من تفخيم شأن المستأذنين ما لا يخفى «فإذا استأذنوك» ~~بيان لما هو وظيفته صلى الله عليه وسلم في هذا الباب إثر بيان ما هو وظيفة ~~المؤمنين وأن الإذن عند الاستئذان PageV06P197 # ليس بأمر محتوم بل هو مفوض إلى رأيه صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقق أن الكاملين في الإيمان هم المستأذنون ~~فإذا استأذنوك «لبعض شأنهم» أي لبعض أمرهم المهم وخطبهم الملم «فأذن لمن ~~شئت منهم» لما علمت في ذلك من حكمة ومصلحة «واستغفر لهم الله» فإن ~~الاستئذان وإن كان لعذر قوي لا يخلو عن شائبة تقديم أمر الدنيا على أمر ~~الآخرة «إن الله غفور» مبالغ في مغفرة فرطات العباد «رحيم» مبالغ في إفاضة ~~آثار الرحمة عليهم والجملة تعليل للمغفرة الموعودة في ضمن الأمر بالاستغفار ~~لهم «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم» استئناف مقرر لمضمون ما قبله والالتفات ~~لإبراز مزيد الاعتناء بشأنه أي لا تجعلوا دعوته صلى الله عليه وسلم إياكم ~~في الاعتقاد والعمل بها «كدعاء بعضكم بعضا» أي لا تقيسوا دعاءه صلى الله ~~عليه وسلم إياكم على دعاء بعضكم بعضا في حال من الأحوال وأمر من الأمور ~~التي من جملتها المساهلة فيه والرجوع عن مجلسه صلى الله عليه وسلم بغير ~~استئذان فإن ذلك من المحرمات وقيل لا تجعلوا دعاءه صلى الله عليه وسلم ربه ~~كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب لا مرد له عند ~~الله عز وجل وتقرير الجملة حينئذ لما قبلها إما من حيث إن استجابته تعالى ~~لدعائه صلى الله عليه وسلم مما يوجب امتثالهم بأوامره صلى الله عليه سلم ~~ومتابعتهم له في الورود والصدور أكمل ms2396 إيجاب وإما من حيث إنها موجبة ~~للاحتراز عن التعرض لسخطه صلى الله عليه وسلم المؤدي إلى ما يوجب هلاكهم من ~~دعائه صلى الله عليه وسلم عليهم وأما ما قيل من أن المعنى لا تجعلوا نداءه ~~صلى الله عليه وسلم كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت والنداء من رواء ~~الحجرات ولكن بلقيه المعظم مثل يا رسول الله يا نبي الله مع غاية التوقير ~~والتفخيم والتواضع وخفض الصوت فلا يناسب المقام فإن قوله تعالى «قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم» الخ وعيد لمخالفي أمره صلى الله عليه وسلم فيما ~~ذكر من قبل فتوسيط ما ذكر بينهما مما لا وجه له والتسلل الخروج من البيت ~~على التدريج والخفية وقد للتحقيق كما أن رب تجئ للتكثير حسبما بين في مطلع ~~سورة الحجر أي يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة قليلا قليلا على خفية ~~«لواذا» أي ملاوذة بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج أو بأن يلوذ بمن يخرج ~~بالإذن إراءة أنه من أتباعه وقرئ بفتح اللام وانتصابه على الحالية من ضمير ~~يتسللون أي ملاوذين أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر هو الحال في الحقيقة أي ~~يلوذون لواذا والفاء في قوله تعالى «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» لترتيب ~~الحذر أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنه مما يوجب ~~الحذر البتة أي يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتا خلاف سمته وعن إما ~~لتضمنه معنى الإعراض أو حمله على معنى يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه ~~عن الأمر إذا صد عنه دونه وحذف المفعول لما أن المقصود بيان المخالف ~~والمخالف عنه والضمير لله تعالى لأنه الآمر حقيقة أو للرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنه المقصود بالذكر «أن تصيبهم فتنة» أي محنة في الدنيا أو «يصيبهم ~~عذاب أليم» أي في الآخرة وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع وإعادة الفعل صريحا ~~PageV06P198 # للاعتناء بالتهديد والتحذير واستدل به على أن الأمر للإيجاب فإن ترتيب ~~العذابين على مخالفته كما يعرب عنه التحذير عن إصابتهما يوجب وجوب الامتثال ms2397 ~~به حتما «ألا إن لله ما في السماوات والأرض» من الموجودات بأسرها خلفا ~~وملكا وتصرفا إيجادا وإعداما بدء وإعادة «قد يعلم ما أنتم عليه» أيها ~~المكلفون من الأحوال والأوضاع التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص ~~والنفاق «ويوم يرجعون إليه» عطف على ما أنتم عليه أي يعلم يوم يرجع ~~المنافقون المخالفون للأمر إليه تعالى للجزاء والعقاب وتعليق علمه تعالى ~~بيوم رجوعهم لا يرجعهم لزيادة تحقيق علمه تعالى بذلك وغاية تقريره لما أن ~~العلم بوقت وقوع الشيء مستلزم للعمل بوقوعه على أبلغ وجه وآكده وفيه إشعار ~~بأن علمه تعالى لنفس رجوعهم من الظهور بحيث لا يحتاج إلى البيان قطعا ويجوز ~~أن يكون الخطاب أيضا خاصا بالمنافقين على طريقه الالتفات وقرئ يرجعون مبنيا ~~للفاعل «فينبئهم بما عملوا» من الأعمال السيئة التي من جملتها مخالفة الأمر ~~فيترتب عليه ما يليق به من التوبيخ والجزاء وقد مر وجه التعبير عن الجزاء ~~بالتنبئة في قوله تعالى إنما بغيكم على أنفسكم الآية «والله بكل شيء عليم» ~~«وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء» عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة النور أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة ~~فيما مضى وفيما بقي والله سبحانه وتعالى أعلم PageV06P199 # سورة الفرقان مكية إلا الآيات 68 و 69 و 70 فمدنية وآياتها 77 «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» «تبارك الذي نزل الفرقان» البركة النماء والزيادة حسية كانت ~~أو معنوية وكثرة الخير ودامه أيضا ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى ~~الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله ~~التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم المعجز الناطق بعلو شأنه تعالى وسمو ~~صفاته وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح وخلوها عن شائبة الخلل ~~بالكلية وصيغة التفاعل للمبالغة فيما ذكر فإن مالا يتصور نسبته إليه سبحانه ~~حقيقة من الصيغ كالتكبر ونحوه لا تنسب إليه تعالى إلا باعتبار غايتها وعلى ~~المعنى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته لا سيما على الإنسان ms2398 ~~من فنون الخيرات التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات ~~الدينية والدنيوية والصيغة حينئذ يجوز أن تكون الإفادة نماء تلك الخيرات ~~وتزايدها شيئا فشيئا وآنا فآنا بحسب حدوثها أو حدوث متعلقاتها ولاستقلالها ~~بالدلالة على غاية الكمال وتحققها بالفعل والإشعار بالتعجب المناسب للإنشاء ~~والإنباء عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في حق غيره تعالى ولا استعمال ~~غيرها من الصيغ في حقه تعالى والفرقان مصدر فرق بين الشيئين أي فصل بينهما ~~سمى به القرآن لغاية فرقه بين الحق والباطل بأحكامه أو بين المحق والمبطل ~~بإعجازه أو لكونه مفصولا بعضه من بعض في نفسه أو في إنزاله «على عبده» محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإيراده صلى الله عليه وسلم بذلك العنوان لتشريفه ~~والإيذان بكونه صلى الله عليه وسلم في أقصى مراتب العبودية والتنبيه على أن ~~الرسول لا يكون إلا عبدا للمرسل ردا على النصارى «ليكون» غاية التنزيل أي ~~نزله عليه ليكون هو صلى الله عليه وسلم أو الفرقان «للعالمين» من الثقلين ~~«نذيرا» أي منذرا أو إنذارا مبالغة أو ليكون تنزيله إنذارا أو عدم التعرض ~~للتبشير لانسياق الكلام على أحوال الكفرة وتقديم اللام على عاملها لمراعاة ~~الفواصل وإبراز تنزيل الفرقان في معرض الصلة التي حقها أن تكون معلومة ~~الثبوت للموصول عند السامع مع إنكار الكفرة له لإجرائه مجرى المعلوم المسلم ~~تنبيها على كمال قوة دلائله وكونه بحيث لا يكاد يجهله أحد كقوله تعالى لا ~~ريب فيه «الذي له ملك السماوات والأرض» أي له خاصة دون غيره لا استقلالا ~~ولا اشتراكا PageV06P200 # السلطان القاهر والاستيلاء الباهر عليهما المستلزمان للقدرة التامة ~~والتصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وأمرا ونهيا ~~حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ومحله الرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها أو على أنه نعت للموصول ~~الأول أو بيان له أو بدل منه وما بينهما ليس بأجنبي لأنه من تمام صلته ~~ومعلومية مضمونة للكفرة مما لا ريب فيه لقوله تعالى قل من رب السماوات ~~السبع ms2399 ورب العرش العظيم سيقولون لله ونظائره أو مدح له تعالى بالرفع أو ~~بالنصر «ولم يتخذ ولدا» كما يزعم الذين يقولون في حق المسيح ولملائكة ما ~~يقولون فسبحان الله عما يصفون وهو معطوف على ما قبله من الجملة الظرفية ~~ونظمه في سلك الصلة للإيذان بأن مضمونه من الوضوح والظهور بحيث لا يكاد ~~يجهله جاهل لا سيما بعد تقرير ما قبله «ولم يكن له شريك في الملك» أي ملك ~~السماوات والأرض وهو أيضا عطف على الصلة وإفراده بالذكر مع أن ما ذكر من ~~اختصاص ملكهما به تعالى مستلزم له قطعا للتصريح ببطلان زعم الثنوية ~~القائلين بتعدد الآلهة والدرء في نحورهم وتوسيط نفي اتخاذ الولد بينهما ~~للتنبيه على استقلاله وأصالته والاحتراز عن توهم كونه تتمة للأول «وخلق كل ~~شيء» أي أحدث كل موجود من الموجودات إحداثا جاريا على سنن التقدير حسبما ~~اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة بأن خلق كلا منها من مواد مخصوصة ~~على صور معينة ورتب فيه قوى وخواص مختلفة الآثار والأحكام «فقدره» أي هيأه ~~لما أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به «تقديرا» بديعا لا يقادر قدره ~~ولا يبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور ~~المعاش والمعاد واستنباط الصائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة وهكذا ~~أحوال سائر الأنواع وقيل أريد بالخلق مطلق الإيجاد والإحداث مجازا من غير ~~ملاحظة معنى التقدير وإن لم يخل عنه في نفس الأمر فالمعنى أوجد كل شيء ~~فقدره في ذلك الإيجاد تقديرا وأما ما قيل من أنه أنه سمى إحداثه تعالى خلقا ~~لأنه تعالى لا يحدث شيئا إلا على وجه التقدير من غير تفاوت ففيه أن ارتكاب ~~المجاز بحمل الخلق على مطلق الإحداث لتجريده عن معنى التقدير فاعتباره فيه ~~بوجه من الوجوه مخل بالمرام قطعا وقيل المراد بالتقدير الثاني هو التقدير ~~للبقاء إلى الأجل المسمى وأيا ما كان فالجملة جارية مجرى التعليل لما قبلها ~~من الجمل المنتظمة مثلها في سلك الصلة فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على ~~ذلك النمط البديع كما يقتضي استقلاله تعالى ms2400 باتصافه بصفات الألوهية يقتضي ~~انتظام كل ما سواه كائنا ما كان تحت ملكوته القاهرة بحيث لا يشذ عنها شيء ~~من ذلك قطعا وما كان كذلك كيف يتوهم كونه ولدا له سبحانه أو شريكا في ملكه ~~«واتخذوا من دونه آلهة» بعدما بين حقيقة الحق في مطلع السورة الكريمة بذكر ~~تنزله تعالى للفرقان العظيم على رسوله صلى الله عليه وسلم ووصفه تعالى ~~بصفات الكمال وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل عقب ذلك بحكاية أباطيل ~~المشركين في حق المنزل سبحانه والمنزل والمنزل عليه على الترتيب وإظهار ~~بطلانها PageV06P201 # والإضمار من غير جريان ذكرهم للثقة بدلالة ما قبله من نفي الشريك عليهم ~~أي اتخذوا لأنفسهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شؤونه الجليلة من ~~اختصاص ملك السماوات والأرض به تعالى وانتفاء الولد والشريك عنه وخلق جميع ~~الأشياء وتقديرها أبدع تقدير آلهة «لا يخلقون شيئا» أي لا يقدرون على خلق ~~شيء من الأشياء أصلا «وهم يخلقون» كسائر المخلوقات وقيل لا يقدرون على أن ~~يختلقوا شيئا وهم يختلقون حيث تختلقهم عبدتهم بالنحت والتصوير وقوله تعالى ~~«ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا» لبيان ما لم يدل عليه ما قبله من مراتب ~~عجزهم وضعفهم فإن بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك دفع الضر وجلب ~~النفع في الجملة كالحيوان وهؤلاء لا يقدرون على التصرف في ضر ما ليدفعوه عن ~~أنفسهم ولا في نفع ما حتى يجلبوه إليهم فكيف يملكون شيئا منهما لغيرهم ~~وتقديم ذكر الضر لأن دفعه مع كونه أهم في نفسه أول مراتب النفع وأقدمها ~~والتنصيص على قوله تعالى «ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا» أي لا ~~يقدرون على التصرف في شيء منها بإماتة الأحياء وإحياء الموتى وبعثهم بعد ~~بيان عجزهم عما هو أهون من هذه الأمور من دفع الضر وجلب النفع للتصريح ~~بعجزهم عن كل واحد مما ذكر على التفصيل والتنبيه على أن الإله يجب أن يكون ~~قادرا على جميع ذلك وفيه إيذان بغاية جهلهم وسخافة عقولهم كأنهم غير عارفين ~~بانتفاء ما نفي عن آلهتم من ms2401 الأمور المذكورة مفتقرون إلى التصريح بذلك ~~«وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك» شروع في حكاية أباطليهم المتعلقة ~~بالمنزل والمنزل عليه معا وإبطالها والموصول إما عبارة عن غلاتهم في الكفر ~~والطغيان وهم النضر بن الحرث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد ومن ضامهم ~~وروى عن الكلبي ومقاتل أن القائل هو مضر بن الحرث والجمع لمشايعة الباقين ~~له في ذلك وأما عن كلهم ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة ~~والإيذان بأن ما تفوهوا به كفر عظيم في كلمة هذا حط لرتبة المشار إليه أي ~~ما هذا إلا كذب مصروف عن وجهه «افتراه» يريدون أنه اختلقه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «وأعانه عليه» أي على اختلاقه «قوم آخرون» يعنون اليهود بأن ~~يلقوا إليه أخبار الأمم الدارجة وهو يعبر عنها بعبارته وقيل هما جبر ويسار ~~كانا يصنعان السيف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل وقيل هو عابس وقد مر ~~تفصيله في سورة النحل «فقد جاؤوا ظلما» منصوب بجاءوا فإن جاءوا أتى ~~يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته أو بنزع الخافض أي بظلم قاله الزجاج ~~والتنوين للتفخيم أي جاءوا بما قالوا ظلما هائلا عظيما لا يقادر قدره حيث ~~جعلوا الحق البحت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إفكا مفترى ~~من قبل البشر وهو من جهة نظمه الرائق وطرزه الفائق بحيث لو اجتمعت الإنس ~~والجن على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته ومن جهة اشتماله ~~على الحكم الخفية والأحكام المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية والأمور ~~الغيبية بحيث لا يناله عقول البشر ولا يفي بفهمه القوى والقدر PageV06P202 # «وزورا» أي كذبا كبيرا لا يبلغ غايته حيث نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم ~~ما هو برئ منه والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران ~~متغايران حقيقة يقع أحدهما عقيب الآخر أو يحصل بسببه بل على أن الثاني هو ~~عين الأول حقيقة وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري وقد لتحقيق ذلك ~~المعنى فإن ما جاءوه من الظلم ms2402 والزور هو عين ما حكى عنهم لكنه لما كان ~~مغايرا له في المفهوم وأظهر منه بطلانا رتب عليه بالفاء ترتيب اللازم على ~~الملزوم تهويلا لأمره «وقالوا أساطير الأولين» بعد ما جعلوا الحق الذي لا ~~محيد عنه إفكا مختلقا بإعانة البشر بينوا على زعمهم الفاسد كيفية الإعانة ~~والأساطير جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة وهي ما سطره المتقدمون من الخرافات ~~«اكتتبها» أي كتبها لنفسه على الإسناد المجازي أو استكتبها وقرئ على البناء ~~للمفعول لأنه صلى الله عليه وسلم أمي وأصله اكتتبها له كاتب فحذف اللام ~~وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل لعدم تعلق ~~الغرض العلمي بخصوصه وبني الفعل للضمير المنفصل فاستتر فيه «فهي تملى عليه» ~~أي تلقي عليه تلك الأساطير بعد اكتتابها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه ~~من ذلك المكتتب لكونه أميا لا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة أو تملي ~~على الكاتب على أن معنى اكتتبها أراد اكتتابها أو استكتابها ورجع الضمير ~~المجرور إليه صلى الله عليه وسلم لإسناد الكتابة في ضمن الاكتتاب إليه صلى ~~الله عليه وسلم «بكرة وأصيلا» أي دائما أو خفية قبل انتشار الناس وحين ~~يأوون إلى مساكنهم انظر إلى هذه الرتبة من الجراءة العظيمة قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون «قل» لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق «أنزله الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض» وصفه تعالى بإحاطة علمه بجميع المعلومات الجلية والخفية للإيذان ~~بانطواء ما أنزله على أسرار مطوية عن عقول البشر مع ما فيه من التعريض ~~بمجازاتهم بجناياتهم المحكية التي هي من جملة معلوماته تعالى أي ليس ذلك ~~مما يفتري ويفتعل بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأساطير ~~الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الله الذي لا يعزب عن علمه شيء من الأشياء ~~وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع لا يحوم حوله الأفهام حيث ~~أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته وأخبركم بمغيبات مستقبلة وأمور مكنونة لا ~~يهتدي إليها ولا يوقف عليها إلا بتوفيق العليم الخبير وقد جعلتموه إفكا ~~مفترى من قبيل الأساطير ms2403 واستوجبتم بذلك أن يصب عليكم سوط العذاب صبا فقوله ~~تعالى «إنه كان غفورا رحيما» تعليل ما هو المشاهد من تأخير العقوبة أي أنه ~~تعالى أزلا وأبدا مستمر على المغفرة والرحمة المستتبعين للتأخير فلذلك لا ~~يعجل بعقوبتكم على ما تقولن في حقه مع كمال استيجابه إياها وغاية قدرته ~~تعالى عليها «وقالوا ما لهذا الرسول» شروع في حكاية PageV06P203 # جنايتهم المتعلقة بخصوصية المنزل عليه وما استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ~~ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها ما بعدها من الجار والمجرور وفي هذا تصغير ~~لشأنه صلى الله عليه وسلم وتسميته صلى الله عليه وسلم رسولا بطريق ~~الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم كما قال فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~وقوله تعالى «يأكل الطعام» حال من الرسول والعامل فيها ما عمل في الجار من ~~معنى الاستقرار أي أي شيء وأي سبب حصل لهذا الذي يدعي الرسالة حال كونه ~~يأكل الطعام كما نأكل «ويمشي في الأسواق» لابتغاء الأرزاق كما نفعله على ~~توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع تحقق المسبب الذي هو مضمون الجملة ~~الحالية كما في قوله تعالى فما لهم لا يؤمنون وقوله مالكم لا ترجون لله ~~وقارا فكما أن كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمر محقق قد أنكروا ستبعد ~~تحققه لانتفاء سببه بل لوجود سبب نقيضه كذلك كل من الأكل والمشي أمر محقق ~~قد استبعد تحققه لانتفاء سببه بل لوجود سبب عدمه خلا أن استبعاد المسبب ~~وإنكار السبب ونفيه في عدم الإيمان وعدم الرجاء بطريق التحقيق وفي الأكل ~~والمشي بطريق التهكم والاستهزاء فإنهم لا يستبعدونهما ولا ينكرون سببهما ~~حقيقة بل هم معترفون بوجودهما وتحقق سببهما وإنما الذي يستبعدونه الرسالة ~~المنافية لهما على زعمهم يعنون أنه إن صح ما يدعيه فما باله لم يخالف حاله ~~حالنا وهل هو إلا لعمههم وركاكة عقولهم وقصور أنظارهم على المحسوسات فإن ~~تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأمور نفسانية كما أشير ~~إليه بقوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ms2404 ~~«لولا أنزل إليه ملك» أي على صورته وهيئته «فيكون معه نذيرا» تنزل منهم من ~~اقتراح أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والشرب إلى اقتراح أن يكون معه ملك ~~يصدقه ويكون ردءا له في الإنذار وهو يعبر عنه ويفسر ما يقوله للعامة وقوله ~~تعالى «أو يلقى إليه كنز» تنزل من تلك المرتبة إلى اقتراح أن يلقى إليه من ~~السماء كنز يستظهر به ولا يحتاج إلى طلب المعاش ويكون دليلا على صدقه وقوله ~~تعالى «أو تكون له جنة يأكل منها» تنزل من ذلك إلى اقتراح ما هو أيسر منه ~~وأقرب من الوقوع وقرئ نأكل بنون الحكاية وفيه مزيد مكابرة وفرط تحكم «وقال ~~الظالمون» هم القائلون الأولون وإنما وضع المظهر وضع ضميرهم تسجيلا عليهم ~~بالظلم وتجاوز الحد فيما قالوه لكونه إضلالا خارجا عن حد الضلال مع ما فيه ~~من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى المسحورية أي قالوا للمؤمنين «إن تتبعون» ~~أي ما تتبعون «إلا رجلا مسحورا» قد سحر فغلب على عقله وقيل ذا سحر وهي ~~الرئة أي بشرا لا ملكا على أن الوصف لزيادة التقرير والأول هو الأنسب ~~بحالهم «انظر كيف ضربوا لك الأمثال» استعظام للأباطيل التي اجترءوا على ~~التفوه بها وتجيب منها أي انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقاويل العجيبة ~~الخارجة عن العقول الجارية لغرابتها مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات ~~والأحوال الشاذة البعيدة من الوقوع «فضلوا» أي عن طريق المحاجة حيث لم ~~يأتوا بشيء يمكن صدوره PageV06P204 # عمن له أدنى عقل وتمييز فبقوا متحيرين «فلا يستطيعون سبيلا» إلى القدح في ~~نبوتك بأن يجدوا قولا يستقرون عليه وإن كان باطلا في نفسه أو فضلوا عن الحق ~~ضلالا مبينا فلا يحدون طريقا موصلا إليه فإن من اعتاد استعمال أمثال هذه ~~الأباطيل لا يكاد يهتدي إلى استعمال المقدمات الحقة «تبارك الذي» أي تكاثر ~~وتزايد خير الذي «إن شاء جعل لك» في الدنيا عاجلا شيئا «خيرا» لك «من ذلك» ~~الذي اقترحوه من أن يكون لك جنة تأكل منها بأن يعجل لك مثل ما وعدك ms2405 في ~~الآخرة وقوله تعالى «جنات تجري من تحتها الأنهار» بدل من خيرا ومحقق لخيرته ~~مما قالوا لأن ذلك كان مطلقا عن قيد التعدد وجريان الأنهار «ويجعل لك ~~قصورا» عطف على محل الجزاء الذي هو جعل وقرئ بالرفع عطفا على نفسه لأن ~~الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الرفع والجزم كما في قول القائل * وإن ~~أتاه خليل يوم مسئلة * يقول لا غائب مالي ولا حرم * ويجوز أن يكون استئنافا ~~بوعد ما يكون له في الآخرة وقرئ بالنصب على أنه جواب بالواو وتعليق ذلك ~~بمشيئته تعالى للإيذان بأن عدم جعلها بمشيئته المبنية على الحكم والمصالح ~~وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين للتنبيه على خروجهما عن دائرة العقل ~~واستغنائهما عن الجواب لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية وإنما ~~الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه غير مناف للحكمة بالكلية ~~فإن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أو توافي الدنيا مع النبوة ملكا ~~عظيما «بل كذبوا بالساعة» إضراب عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السابقة ~~وانتقال منه إلى توبيخهم بحكاية جناياتهم الأخرى للتخلص إلى بيان ما لهم في ~~الآخرة بسببها من فنون العذاب بقوله تعالى «وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا» ~~الخ أي اعتدنا لهم نارا عظيمة شديدة الاشتعال شأنها كيت وكيت بسبب تكذيبهم ~~بها على ما يشعر به وضع الموصول موضع ضميرهم أو لكل من كذب بها كائنا من ~~كان وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في ~~التشنيع ومدار إعناد السعير لهم وإن لم يكن مجرد تكذيبهم بالساعة بل مع ~~تكذيبهم بسائر ما جاء به الشريعة الشريفة لكن الساعة لما كانت هي العلة ~~القريبة لدخولهم السعير أشير إلى سببية تكذيبها لدخولها وقيل هو عطف على ~~وقالوا ما لهذا الخ على معنى بل أتوا بأعجب من ذلك حيث كذبوا بالساعة ~~وأنكروها والحال أنا قد اعتدنا لكل من كذب بها سعيرا فإن جراءتهم على ~~التكذيب بها وعدم خوفهم مما أعد لمن كذب بها من أنواع العذاب أعجب من القول ~~السابق وقيل هو ms2406 متصل بما قبله من الجواب المبني على التحقيق المنبئ عن ~~الوعد بالجنات في الآخرة مسوق لبيان أن ذلك لا يجدي نفعا ولا يحلي بطائل ~~على طريقة قول من قال * عوجوا لنعم فحيوا دمنة الدار * ماذا تحيون من نؤى ~~وأحجار * والمعنى أنهم لا يؤمنون بالساعة فكيف يقتنعون بهذا الجواب وكيف ~~يصدقون بتعجيل PageV06P205 # مثل ما وعدك في الآخرة وقيل المنى بل كذبوا بها فقصرت أنظارهم على الحظوظ ~~الدنيوية وظنوا أن الكرامة ليست إلا بالمال وجعلوا فقرك ذريعة إلى تكذيبك ~~وقوله تعالى «إذا رأتهم» الخ صفة للسعير أي إذا كانت منهم بمرأى الناظر في ~~البعد كقوله صلى الله عليه وسلم لا تتراءى ناراهما أي لا تتقاربان بحيث ~~تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز كأن بعضها يرى البعض ونسبة الرؤية ~~إليها لا إليهم للإيذان بأن التغيظ والزفير منها لهيجان غضبها عليهم عند ~~رؤيتها إياهم حقيقة أو تمثيلا ومن في قوله تعالى «من مكان بعيد» إشعار بأن ~~بعد ما بينها وبينهم من المسافة حين رأتهم خارج عن حدود البعد المعتاد في ~~المسافات المعهودة وفيه مزيد تهويل لأمرها قال الكلبي والسدي من مسيرة عام ~~وقيل من مسيرة مائة سنة «سمعوا لها تغيظا وزفيرا» أي صوت تغيظ على تشبيه ~~صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه هذا وإن الحياة لما ~~لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله تعالى فيها حياة فترى ~~وتتغيظ وتزفر وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف «وإذا ألقوا ~~منها مكانا» نصب على الظرفية ومنها حال منه لأنه في الأصل صفة له «ضيقا» ~~صفة لمكانا مفيدة لزيادة شدة فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة وهو ~~السر في وصف الجنة بأن عرضها السماوات والأرض وعن ابن عباس وابن عمر رضي ~~الله تعالى عنهم تضيق جهنم عليهم كما يضيق الزج على الرمح وسئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما ~~يستكره الوتد في الحائط قال الكلبي ms2407 الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يحطهم ~~الداخلون فيزدحمون فيها وقرئ ضيقا بسكون الياء «مقرنين» حال من مفعول ألقوا ~~أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم ~~بالجوامع وقيل مقرنين مع الشياطين في السلاسل كل كافر مع شيطان وفي أرجلهم ~~الأصفاد «دعوا هنالك» أي في ذلك المكان الهائل والحالة الفظيعة «ثبورا» أي ~~يتمنون هلاكا وينادونه يا ثبوراه تعال فهذا حينك وأوانك «لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا» على تقدير قول إما منصوب على أنه حال من فاعل دعوا أي دعوه ~~مقولا لهم ذلك حقيقة بأن يخاطبهم الملائكة به لتنبيههم على خلود عذابهم ~~وأنهم لا يجابون إلى ما يدعونه ولا ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجى أو ~~تمثيلا وتصويرا لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول ولا ~~خطاب أي دعوه حال كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإما مستأنف وقع جوابا عن ~~سؤال ينسحب عليه الكلام كأنه قيل فماذا يكون عند دعائهم المذكور فقيل يقال ~~لهم ذلك إقناطا مما علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيها على أن عذابهم ~~الملجئ لهم إلى استدعاء الهلاك بالمرة أبدى لا خلاص لهم منه أي PageV06P206 # لا تقتصروا على دعاء ثبور واحد (وادعوا ثبورا كثيرا) أي بحسب كثرة الدعاء ~~المتعلق به لا بحسب كثرته في نفسه فإن ما يدعونه ثبور واحد في حد ذاته لكنه ~~كلما تعلق به دعاء من تلك الأدعية الكثيرة صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به ~~دعاء آخر منها وتحقيقه لا تدعوه دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم ~~فيه من العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن وهذا ~~أدل على فظاعة العذاب وهو له من جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد العذاب بتعدد ~~أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا يخفى وأما ما قيل من أن ~~المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور كثير إما لأن ~~العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ms2408 أو لأنهم كلما نضجت ~~جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف لا وهم إنما ~~يدعون هلاكا ينهى عذابهم وينجيهم منه فلابد أن يكون الجواب إقناطا لهم من ~~ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب الشديد وتقييد النهى ~~والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام ~~المعهود (قل) تقريعا لهم وتهكما بهم وتحسيرا على ما فاتهم (أذلك) إشارة إلى ~~ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة وما فيه من ~~معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة أي قل لهم ~~أذلك الذي ذكر من السعير التي أعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن ~~أهلها ذيت وذيت (خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) أي وعدها المتقون ~~وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح وقيل للتمييز عن جنات الدنيا والمراد ~~بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية ولا الثالثة منها فقط ~~(كانت) تلك الجنة (لهم) في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو لأن ما ~~وعده الله تعالى فهو كائن لا محالة فحكى تحققه ووقوعه (جزاء) على أعمالهم ~~حسبما مر من الوعد الكريم (ومصيرا) ينقلبون إليه (لهم فيها ما يشاءون) أي ~~ما يشاءونه من فنون الملاذ والمشتهيات وأنواع النعيم كما في قوله تعالى ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولعل كل فريق منهم يقتنع بما أتيح له من درجات ~~النعيم ولا تمتد أعناق هممهم إلى ما فوق ذلك من المراتب العالية فلا يلزم ~~الحرمان ولا تساوي مراتب أهل الجنان (خالدين) حال من الضمير المستكن في ~~الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ وقيل من فاعل يشاءون (كان) أي ما ~~يشاءونه وقيل الوعد المدلول عليه بقوله تعالى وعد المتقون (على ربك وعدا ~~مسؤولا) أي موعودا حقيقيا بأن يسأل ويطلب لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون ~~أو مسؤولا يسأله الناس في دعائهم بقولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك أو ~~الملائكة بقولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم وما في على من معنى ~~الوجوب ms2409 لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز فإن ~~تعلق الإرادة بالموعود متقدم على الوعد الموجب للإنجاز وفي التعرض لعنوان ~~الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والإشعار بأنه ~~صلى الله عليه وسلم هو الفائز اثر ذي أثير بمغانم الوعد الكريم ما لا يخفى ~~PageV06P207 # (ويوم يحشرهم) نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالى قل ~~أذلك الخ أي واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم الله عز وجل وتعليق ~~التذكير باليوم مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث الهائلة قد مر ~~وجهه غير مرة أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هو له ~~وفظاعة ما فيه والإيذان بقصور العبارة عن بيانه أي يوم يحشرهم يكون من ~~الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه المقال وقرئ بنون العظمة بطريق الالتفات ~~من الغيبة إلى التكلم وبكسر الشين أيضا (وما يعبدون من دون الله) أريد به ~~ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبئ عنه أنك إذا ~~رأيت شبحا من بعيد تقول ما هو أو لأنه أريد به الوصف لا الذات كأنه قيل ~~ومعبوديهم أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيها على أنهم مثلها في السقوط عن ~~رتبة المعبودية أو اعتبارا لغلبة عبدتها أو أريد به الملائكة والمسيح وعزير ~~بقرينة السؤال والجواب أو الأصنام ينطقها الله تعالى أو تكلم بلسان الحال ~~كما قيل في شهادة الأيدي والأرجل (فيقول) أي الله عزل وجل للمعبودين إثر ~~حشر الكل تقريعا للعبدة وتبكيتا لهم وقرئ بالنون كما عطف عليه وقرئ هذا ~~بالياء والأول بالنون على طريق الالتفات إلى الغيبة (أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء) بأن دعوتموهم إلى عبادتكم كما في قوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله (أم هم ضلوا السبيل) أي عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم ~~بالنظر الصحيح وأعراضهم عن المرشد فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول ~~كقوله تعالى وهو يهدي السبيل والأصل إلى السبيل أو السبيل ms2410 وتقديم الضميرين ~~على الفعلين لأن المقصود بالسؤال هو المتصدي للفعل لا نفسه (قالوا) استئناف ~~مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل فماذا قالوا في الجواب فقيل ~~قالوا (سبحانك) تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة معصومون وجمادات لا ~~قدرة لها على شيء أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف ~~يتأتى منهم إضلال عباده أو تنزيها له تعالى عن الأنداد (ما كان ينبغي لها) ~~أي ما صح وما استقام لنا (أن نتخذ من دونك) أي متجاوزين إياك (من أولياء) ~~نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن ~~يتخذ وليا غيرك فضلا ان يتخذنا وليا أو أن نتخذ من دونك أولياء أي اتباعا ~~فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع كالمولى يطلق على الأعلى ~~والأسفل ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه وقرئ على البناء للمفعول من المتعدي ~~إلى المفعولين كما في قوله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا ومفعوله الثاني ~~من أولياء على أن من للتبعيض أي أن نتخذ بعض أولياء وهي على الأول مزيدة ~~وتنكير أولياء من حيث أنهم أولياء مخصوصون PageV06P208 # وهم الجن والأصنام (ولكن متعتهم وآباءهم) استدارك مسوق لبيان أنهم هم ~~الضالون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم وقد نعى عليهم سوء صنيعهم حيث جعلوا ~~أسباب الهداية أسبابا للضلالة أي ما أضللناهم ولكنك متعتهم وآباءهم بأنواع ~~النعم ليعرفوا حقها ويشكروها فاستغرقوا في الشهوات وانهمكوا فيها (حتى نسوا ~~الذكر) أي غفلوا عن ذكرك أو عن التذكر في آلائك والتدبر في آياتك فجعلوا ~~أسباب الهداية بسوء اختيارهم ذريعة إلى الغواية (وكانوا) أي في قضائك ~~المبني على علمك الأزلي المتعلق بما سيصدر عنهم فيما لا يزال باختيارهم من ~~الأعمال السيئة (قوما بورا) أي هالكين على أن بورا مصدر وصف به الفاعل ~~مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع أو جمع بائر كعوذ في جمع عائذ ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله وقوله تعالى (فقد كذبوكم) حكاية ~~لاحتجاجه تعالى على العبدة بطريق تلوين الخطاب وصرفه عن ms2411 المعبودين عند تمام ~~جوابهم وتوجيهه إلى العبدة مبالغة في تقريعهم وتبكيتهم على تقدير قول مرتب ~~على الجواب أي فقال الله تعالى عند ذلك فقد كذبوكم المعبودون أيها الكفرة ~~(بما تقولون) أي في قولكم إنهم آلهة وقيل في قولكم هؤلاء أضلونا ويأباه أن ~~تكذيبهم في هذا القول لا تعلق له بما بعده من عدم استطاعتهم للصرف والنصر ~~أصلا وإنما الذي يستتبعه تكذيبهم في زعمهم أنهم آلهتهم وناصروهم وأيا ما ~~كان فالباء بمعنى في أو هي صلة للتكذيب على أن الجار والمجرور بدل اشتمال ~~من الضمير المنصوب وقرئ بالياء أي كذبوكم بقولهم سبحانك الآية (فما ~~تستطيعون) أي ما تملكون (صرفا) أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجه كما يعرف ~~عنه التنكير أي لا بالذات ولا بالواسطة وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف في ~~أموره أي يحتال فهيا وقيل توبة (ولا نصرا) أي فردا من أفراد النصر لا من ~~جهة أنفسكم ولا من جهة غيركم والفاء لترتيب عدم الاستطاعة على ما قبلها من ~~التكذيب لكن لا على منى أنه لولاء لوجدت الاستطاعة حقيقة بل في زعمهم حيث ~~كانوا يزعمون أنهم يدفعون عنهم العذاب وينصرونهم وفيه ضرب تهكم بهم وقرئ ~~يستطيعون على صيغة الغيبة أي ما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ~~يحتالوا لكم ولا ينصروكم وترتب ما بعد الفاء على ما قبلها كما مر بيانه ~~(ومن يظلم منكم) أيها المكلفون كدأب هؤلاء حيث ركبوا متن المكابرة والعناد ~~واستمروا على ما هم عليه من الفساد وتجاوزوا في اللجاج كل حد معتاد (نذقه) ~~في الآخرة (عذابا كبيرا) لا يقادر قدره وهو عذاب النار وقرئ يذقه على أن ~~الضمير لله سبحانه وتعالى وقيل لمصدر الفعل الواقع شرطا وتعميم الظلم لا ~~يستلزم اشتراك الفاسق للكافر في إذاقة العذاب الكبير فإن الشرط في اقتضاء ~~الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا ~~وبالعفو عندنا PageV06P209 # (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق) جواب عن قولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ms2412 في الأسواق ~~والجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف قد حذف ثقة بدلالة الجار والمجرور عليه ~~وأقيمت هي مقامه كما في قوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم والمعنى ما ~~أرسلنا أحدا قبلك من المرسلين إلا آكلين وماشين وقيل هي حال والتقدير إلا ~~وإنهم ليأكلون الخ وقرئ يمشون على البناء للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو ~~الناس (وجعلنا بعضكم) تلوين للخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام بطريق التغليب والمراد بهذا البعض كفار الأمم فإن اختصاصهم بالرسل ~~وتبعيتهم لهم مصحح لأن يعدوا بعضا منهم وبما في قوله تعالى (لبعض) رسلهم ~~لكن لا على معنى جعلنا مجموع البعض الأول (فتنة) أي ابتلاء ومحنة لمجموع ~~البعض الثاني ولا على معنى جعلنا كل فرد من أفراد البعض الأول فتنة لكل فرد ~~من أفراد البعض الثاني ولا على معنى جعلنا بعضا مبهما من لأولين فتنة لبعض ~~مبهم من الآخرين ضرورة أن مجموع الرسل من حيث هو مجموع غير مفتون بجموع ~~الأمم ولا كل فرد منهم بكل فرد من لأم ولا بعض مبهم من الأولين ببعض منهم ~~من الآخرين على بل معنى جعلنا كل بعض معين من الأمم فتنة لبعض معين من ~~الرسل كأنه قيل وجعلنا كل أمة مخصوصة من الأمم الكافرة فتنة لرسولها المعين ~~المبعوث إليها وإنما لم يصرخ بذلك تعويلا على شهادة الحال هذا وأما تعميم ~~الخطاب لجميع المكلفين وإبقاء البعضين على العموم والإبهام على معنى وجعلنا ~~بعضكم أيها الناس فتنة لبعض آخر منكم فيأباه قوله تعالى (أتصبرون) فإنه ~~غاية للجعل المذكور ومن البين أن ليس ابتلاء كل أحد من آحاد الناس مغيا ~~بالصبر بل بما يناسب حاله على أن الاقتصار على ذكره من غير تعرض لمعادل له ~~مما يدل على أن اللائق بحال المفتونين والمتوقع صدوره عنهم هو الصبر لا غير ~~فلابد أن يكون المراد بهم الرسل فيحصل به تسليته صلى الله عليه وسلم ~~فالمعنى جرت سنتنا بموجب حكمتنا على ابتلاء المرسلين بأممهم وبمناصبتهم لهم ~~العداوة وإيذائهم لهم وأقاويلهم الخارجة عن حدود الإنصاف ms2413 لنعم صبركم وقوله ~~تعالى (وكان ربك بصيرا) وعد كريم للرسول صلى الله عليه وسلم بالأجر الجزيل ~~لصبره الجميل مع مزيد تشريف له صلى الله عليه وسلم بالالتفات إلى اسم الرب ~~مضافا إلى ضميره صلى الله عليه وسلم (وقال الذين لا يرجون لقاءنا) شروع في ~~حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر إبطال أباطيلهم ~~السابقة والجملة معطوفة على قوله تعالى وقالوا ما لهذا الرسول الخ ووضع ~~الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما يحكي عنهم من ~~الشناعة بحيث لا يصدر عمن يعتقد المصير إلى الله PageV06P210 # عز وجل ولقاء الشيء عبارة عن مصادفته من غير أن يمنع مانع من إدراكه بوجه ~~من الوجوه والمراد بلقائه تعالى إما الرجوع إليه تعالى بالبعث والحشر رأو ~~لقاء حسابه تعالى كما في قوله تعالى إن ظننت أني ملاق حسابيه وبعدم رجائهم ~~إياه عدم توقعهم له أصلا لإنكارهم البعث والحساب بالكلية لا عدم أملهم حسن ~~اللقاء ولا عدم خوفهم سوء اللقاء لأن عدمهما غير مستلزم لما هم عليه من ~~العتو والاستكبار وإنكار البعث والحساب رأسا أي وقال الذين لا يتوقعون ~~الرجوع إلينا أو حسابنا المؤدى إلى سوء العذاب الذي تستوجبه مقالتهم (لولا ~~أنزل علينا الملائكة) أي هلا أنزلوا علينا ليخبرونا بصدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل هلا أنزلوا علينا بطريق الرسالة وهو الأنسب قولهم (أو نرى ~~ربنا) من حيث أن كلا القولين ناشئ عن غاية غلوهم في المكابرة العتو حسبما ~~يعرب عنه قوله تعالى (لقد استكبروا في أنفسهم) أي في شأنها حتى اجترءوا على ~~التفوه بمثل هذه العظيمة الشنعاء (وعتوا) أي تجاوزا الحد في الظلم والطغيان ~~(عتوا كبيرا) بالغا أقصى غاياته حيث أملوا نيل مرتبة المفاوضة الإلهية من ~~غير توسط الرسول والملك كما قالوا لولا يكلمنا الله ولم يكتفوا بما عاينوا ~~من المعجزات القاهرة التي تخر لها صم الجبال فذهبوا في الاقتراح كل مذهب ~~حتى منتهم أنفسهم الخبيثة أماني لا تكاد ترنوا إليها أحداق الأمم ولا تمتد ~~إليها أعناق الهمم ms2414 ولا ينالها إلا أولوا العزائم الماضية من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام واللام جواب قسم محذوف أي والله لقد استكبروا الآية وفيه من ~~الدلالة على غاية قبح ما هم عليه والإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم ما ~~لا يخفى (يوم يرون الملائكة) استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدتهم ~~لما اقترحوه من نزول الملائكة علهم السلام بعد استعظامه وبيان كون في غاية ~~ما يكون من الشناعة وإنما قيل يوم يرون دون أن يقال يوم ينزل الملائكة ~~إيذانا من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه ~~بل على وجه آخر غير معهود ويوم منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى ~~(لا بشرى يومئذ للمجرمين) فإنه في معنى لا يبشر يومئذ المجرمون والعدول إلى ~~نفي الجنس للمبالغة في نفي البشرى وما قيل من أنه بمعنى يمنعون البشرى أو ~~يعدمونها تهوين للخطب في مقام التهويل فإن منع البشرى وفقدانها مشعران بأن ~~هناك بشرى يمنعونها أو يفقدونها وأين هذا من نفيها بالكلية وحيث كان نفيها ~~كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل قوله تعالى والله لا يحب ~~الكافرين كناية عن البغض والمقت دل على ثبوت النذر لهم على أبلغ وجه وآكده ~~وقيل منصوب بفعل مقدر يؤكده بشرى على أن لا غير نافية للجنس وقيل منصور على ~~المفعولة بمضمر مقدم عليه أي اذكر يوم رؤيتهم الملائكة ويومئذ على كل حال ~~تكرير للتأكيد والتهويل مع ما فيه من الإيذان بان تقديم الظرف للاهتمام لا ~~لقصر نفي البشرى على ذلك الوقت فقط فإن ذلك مخل بتفظيع حالهم وللمجرمين ~~تبيين على أنه مظهر وضع موضع الضمير تسجيلا عليه بالإجرام مع ما هم عليه من ~~الكفر وحمله على العموم بحيث يتناولوا فساق المؤمنين ثم الالتجاء في ~~إخراجهم عن الحرمان الكلي إلى أن نفي البشرى حينئذ لا يستلزم نفيه في جميع ~~الأوقات فيجوز أن يبشروا بالعفو والشفاعة في وقت آخر بمعزل عن الحق بعيد ~~PageV06P211 # (ويقولون) عطف على ما ذكر من الفعل المنفي المنبئ ms2415 عن كمال فظاعة ما يحيق ~~بهم من الشر وغاية هول مطلعه ببيان أنهم يقولون عند مشاهدتهم له (حجرا ~~محجورا) وهي كلمة يتكلمون بها عند لقاء عدو موتور وهجوم نازلة هائلة ~~يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا ~~يلحقهم فكان المعنى نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا وكسر ~~الحاء تصرف فيه لاختصاصه بموضوع واحد كما في قعدك وعمرك وقد قرئ حجرا بالضم ~~والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة عليهم السلام ويقترحونه وهم إذا رأوهم ~~كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم فزعا شديدا وقالوا ما كانوا يقولونه ~~عند نزول خطب شنيع وحلول بأس شديد فظيع ومحجورا صفة لحجرا وإرادة للتأكيد ~~كما قالوا ذيل ذائل وليل أليل وقيل يقولها الملائكة إقناطا للكفرة بمعنى ~~حراما محركا عليكم الغفران أو الجنة أو البشرى أي جعل الله تعالى ذلك حراما ~~عليكم وليس بواضح «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا» بيان ~~لحال ما كانوا يعملونه في الدنيا من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ومن على ~~أسير وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم التي لو كانوا عملوها مع الإيمان لنالوا ~~ثوابها بتمثيل حالهم وحال أعمالهم المذكور بحال قوم خالفوا سلطانهم ~~واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد ما تحت أيديهم فأنحى عليها بالإفساد ~~والتحريف ومزقها كل تمزيق بحيث لم يدع لها عينا ولا أثرا أي عمدنا إليها ~~وأبطلناها أي أظهرنا بطلانها بالكلية من غير أن يكون هناك قدوم ولا شيء ~~يقصد تشبيهه به والهباء شبه غبار يرى في شعاع الشمس يطلع من الكوة من ~~الهبوة وهي الغبار ومنثورا صفته شبه به أعمالهم المحبطة في الحقارة وعدم ~~الجدوى ثم بالمنثور منه في الانتشار بحيث لا يمكن نظمه أو مفعول ثالث من ~~حيث إنه كالخبر بعد لخبر كما في قوله تعالى كونوا قردة خاسئين «أصحاب ~~الجنة» هم المؤمنون المشار إليهم في قوله تعالى قل أذلك خير أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون الخ «يومئذ» أي يوم إذ يكون ما ذكر رمن ms2416 عدم التبشير ~~وقولهم حجرا محجورا وجعل أعمالهم هباء منثورا «خير مستقرا» المستقر المكان ~~الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس والتحادث «وأحسن مقيلا» المقيل ~~المكان الذي يؤوى إليه للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن سمى بذلك ~~لما أن التمتع به يكون وقت القيلولة غالبا وقيل لأنه يفرغ من الحساب في ~~منتصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وفي وصفه ~~بزيادة الحسن مع حصول الخيرية بعطفه على المستقر رمز إلى أنه مزين بفنون ~~الزين والزخارف والتفضيل المعتبر فيهما إما لإرادة الزيادة على الإطلاق أي ~~هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل وإما بالإضافة إلى ما ~~للكفرة المتنعمين في الدنيا أو إلى ما لهم في الآخرة بطريق التهكم بهم كما ~~مر في قوله تعالى قل أذلك خير الآية هذا وقد جوز أن يراد بأحدهما المصدر أو ~~الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة ~~PageV06P212 # «ويوم تشقق السماء» اي تتفتح واصله تتشقق فحذفت إحدى التاءين كما في تلظى ~~وقرئ بإدغام التاء في الشين «بالغمام» بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام ~~الذي ذكر في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة قيل هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة لم يكن إلا لبني إسرائيل ~~«ونزل الملائكة تنزيلا» أي تنزيلا عجيبا غير معهود قيل تنشق سماء سماء ~~وينزل الملائكة خلال ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد وقرئ ونزلت الملائكة ~~وننزل على صيغة المتكلم من الإنزال والتنزيل ونزل الملائكة وأنزل الملائكة ~~ونزل الملائكة على حذف النون الذي هو فاء الفعل من تنزل «الملك يومئذ الحق ~~للرحمن» اي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلى العام الثابت صورة ومعنى ~~ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له أصلا ثابت للرحمن يؤمئذ فالملك مبتدأ والحق ~~صفته وللرحمن خبرة ويومئذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدأ وفائدة التقييد أن ثبوت ~~الملك المذكور له تعالى خاصة يومئذ وأما فيما عداه من أيام الدنيا فيكون ~~لغيره أيضا تصرف صوري في الجملة وقيل الملك ms2417 مبتدأ والحق خبره وللرحمن متعلق ~~بالحق أو بمحذوف على التبيين أو بمحذوف هو صفة للحق ويومئذ معمول للملك ~~وقيل الخبر يومئذ والحق نعت للملك وللرحمن على ما ذكر وأيا ما كان فالجملة ~~بمعناها عاملة في الظرف أي ينفرد الله تعالى بالملك يوم تشقق وقيل الظرف ~~منصوب بما ذكر فالجملة حينئذ استئناف مسوق لبيان أحواله وأهواله وإيراده ~~تعالى بعنوان الرحمانية للإيذان بأن اتصافه تعالى بغاية الرحمة لا يهون ~~الخطب على الكفرة لعدم استحقاقهم للرحمة كما في قوله تعالى يا أيها الإنسان ~~ما غرك بربك الكريم والمعنى أن الملك الحقيقي يومئذ للرحمن «وكان» ذلك ~~اليوم مع كون الملك فيه لله تعالى المبالغ في الرحمة لعباده «يوما على ~~الكافرين عسيرا» شديدا لهم وتقديم الجار والمجرور لمراعاة الفواصل وأما ~~للمؤمنين فيكون يسيرا بفضل الله تعالى وقد جاء في الحديث انه يهون يوم ~~القيامة على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله «ويوم يعض الظالم على يديه» عض اليدين ~~والأنامل وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها ~~من رواد فهما والمراد بالظالم إما عقبة بن أبي معيط على ما قيل من أنه كان ~~يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه صلى الله عليه وسلم يوما إلى ~~ضيافته فأبى صلى الله عليه وسلم أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ~~وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه فقال صبأت فقال لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي ~~وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له فقال إني لا أرضى منك إلا ان تأتيه فتطأ ~~قفاه وتبزق في وجهه فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال صلى الله عليه ~~وسلم لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فأسر يوم بدر فأمر ~~PageV06P213 # عليا رضي الله عنه فقتله وقيل قتله عاصم بن ثابت الأنصاري وطعن صلى الله ~~عليه وسلم أبيا يوم أحد في المبارزة فرجع إلى مكة ومات وإما جنس الظالم وهو ~~داخل ms2418 فيه دخولا أوليا وقوله تعالى «يقول» الخ حال من فاعل بعض وقوله تعالى ~~«يا ليتني» الخ محكي به ويا إما لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه ~~أو المنادى محذوف أي يا هؤلاء ليتني «اتخذت مع الرسول سبيلا» أي طريقا ~~واحدا منجيا من هذه الورطات وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طريق الضلالة أو ~~حصلت في صحبته صلى الله عليه وسلم طريقا ولم أكن ضالا لا طريق لي قط «يا ~~ويلنا» بقلب ياء المتكلم ألفا كما في صحارى ومدارى وقرئ على الأصل يا ويلتي ~~أي هلكتي تعالى واحضري فهذا أوانك «ليتني لم أتخذ فلانا خليلا» يريد من ~~أضله في الدنيا فإن فلانا كناية عن الأعلام كما أن الهن كناية عن الأجناس ~~وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل وفلانة عن علم إناثهم وفل كناية عن ~~نكرة من يعقل من الذكور وفلة عمن يعقل من الإناث والفلان والفلانة من غير ~~العاقل ويخص فل بالنداء إلا في ضرورة كما في قوله * في لجة أمسك فلانا عن ~~فل * وقوله * خذ حد ثاني عن فلن وفلان * وليس فل مرخما من فلان خلافا ~~للفراء واختلفوا في لام فل وفلان فقيل واو وقيل ياء هذا فإن أريد بالظالم ~~عقبة ففلان كناية عن أبي وإن أريد بن الجنس فهو كناية عن علم كل من يضله ~~كائنا من كان من شياطين الإنس والجن وهذا التمني منه وإن كان مسوقا لإبراز ~~الندم والحسرة لكنه متضمن لنوع تعلل واعتذار بتوريك جنايته إلى الغير وقوله ~~تعالى «لقد أضلني عن الذكر» تعليل لتمنيه المذكور وتوضيح لتعلله وتصديره ~~باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته أي والله لقد ~~أضلني عن ذكر الله تعالى أو عن القرآن أو عن موعظة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أو كلمة الشهادة «بعد إذ جاءني» وتمكنت منه وقوله تعالى «وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا» أي مبالغا في الخذلان حيث يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم ~~يتركه ولا ينفعه اعتراض مقرر لمضمون ما قبله إما من ms2419 جهته تعالى أو من تمام ~~كلام الظالم على أنه سمى خليله شيطانا بعد وصفه بالإضلال الذي هو أخص ~~الأوصاف الشيطانية أو على أنه أراد بالشيطان إبليس لأنه الذي حمله على ~~مخالة المضلين ومخالفة الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم بوسوسته وإغوائه ~~لكن وصفه بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا ويمنيه بأن ينفعه في ~~الآخرة وهو أوفق بحال إبليس «وقال الرسول» عطف على قوله تعالى وقال الذين ~~لا يرجون لقاءنا وما بينها اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه وبيان ما يحيق ~~بهم في الآخرة من الأهوال والخطوب وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان ~~الرسالة لتحقيق الحق والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحا في رسالته ~~صلى الله عليه وسلم أي قالوا كيت وكيت وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية ~~PageV06P214 # العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه عز وجل (يا رب إن قومي) يعني ~~الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع («اتخذوا هذا القرآن» الذي من جملته هذه ~~الآيات الناطقة بما يحيق بهم في الآخرة من فنون العقاب كما ينبئ عنه كلمة ~~الإشارة (مهجورا) أي متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به ولم يعرفوا إليه رأسا ~~ولم يتأثروا بوعيده وفيه تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد ~~للقرآن كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم فإنه روى عنه صلى الله عليه ~~السلام أنه قال من تعلم القرآن وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم ~~القيامة متعلقا به العالمين عبدك هذا أتخذل مهجورا اقض بيني وبينه وقيل هو ~~من هجر إذا هذى أي جعلوه مهجورا فيه إما على زعمهم الباطل وإما بأن هجروا ~~فيه إذا سمعوه كما يحكى عنهم من قولهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~وقد جوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول فالمعنى اتخذوه ~~وهجرا وهذيانا وفيه من التخدير والتخويف مالا يخفى فإن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قولهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا ~~وقولة تعالى «وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ms2420 من المجرمين» تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحمل له على الاقتداء بمن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما ~~يفعلون من الأباطيل جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة ~~والدعوة إليها عدوا من مجرمي قومهم فاصبر كما صبروا وقولة تعالى (وكفى بربك ~~هاديا ونصيرا) وعد كريم له صلى الله عليه وسلم بالهداية إلى كافة مطالبة ~~والنصر على أعدائه أي كفاك مالك أمرك ومبلغك إلى الكمال هاديا لك إلى ما ~~وصلك إلى غاية الغابات التي من جملتها تبليغ الكتاب أجله وإجراء أحكامه في ~~أكتاف الدنيا إلى يوم القيامة ونصيرا لك على جميع من يعاديك «وقال الذين ~~كفروا» حكاية لاقتراحهم الخاص بالقرآن الكريم بعد حكاية اقتراحهم في حقه ~~صلى الله عليه وسلم والقائلون هم القائلون أولا وإيرادهم بعنوان الكفر ~~لذمهم به والأشعار بعلة الحكم «لولا نزل عليه القرآن» التنزيل ههنا مجرد عن ~~معنى التدريج كما في في قوله تعالى أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء ويجوز أن يراد به الدلالة على كثرة المنزل في نفسه أي هلا أنزل كله ~~«جملة واحدة» كالكتب الثلاثة وبطلان هذه الكلمة الحمقاء مما لا يكاد يخفي ~~على أحد فإن الكتب المتقدمة لم يكن شاهد صحتها ودليل كونها من عند الله ~~تعالى إعجازها وأما القرآن الكريم فبينة صحته آية كونه من عند الله تعالى ~~نظمه المعجز الباقي على مر الدهور المتحقق في كل جزء من أجزائه المرقدة ~~بمقدار أقصر السور حسبما وقع به التحدي ولا ريب في أن ما يدور عليه فلك ~~الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال ومن ضرورة تغيرها وتجددها تغير ما ~~يطابقها حتما على أن فيه فوائد جمه أشير إلى بعض منها بقوله تعالى «كذلك ~~لنثبت به فؤادك» فإنه استئناف وارد من جهته تعلى لرد مقالهم الباطل ~~PageV06P215 # وبيان الحكمة في التنزيل التدريجي ومحل الكاف النصب على أنها صفه لمصدر ~~مؤكد لمضمر معلل بما يعده وذلك إشارة إلى ما ms2421 يفهم من كلامهم أي مثل ذلك ~~التنزيل المفرق الذي قد حوا فيه واقترحوا خلافه ونزلناه لا تنزيل مغايرا له ~~لنقوى بذلك التنزيل المفرق فؤادك فإن فيه تيسير الحفظ النظم وفهم المعاني ~~وضبط الأحكام والوقوف على تفاصيل ما روعي فيها من الحكم والمصالح المبينة ~~على المناسبة على أنها منوطة بأسبابها الداعية إلى شرعها ابتداء أو تبديلا ~~بالنسخ من أحوال المكلفين وكذلك عامة ما ورد في القرآن المجيد من الأخبار ~~وغيرها متعلقة بأمور حادثة من الأقاويل والأفاعيل ومن قضية تجددها تجدد ما ~~يتعلق بها كالاقتراحات الواقعة من الكفرة الداعية إلى حكايتها وإبطالها ~~وبيان ما يؤول إليه حالهم في الآخرة على أنهم في هذا الاقتراح كالباحث عن ~~حتفه بظلفه حيث أمروا بالإتيان بمثل نوبة من نوب التنزيل فظهر عجزهم عن ~~المعارضة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فكيف لو تحدوا بكلمة وقوله تعالى ~~(رتلناه ترتيلا) عطف على ذلك المضمر وتنكير ترتيلا للتفخيم أي كذلك نزلناه ~~ورتلناه ترتيلا بديعا لا يقادر قدره معنى ترتيله تفريقه آية بعد آية قاله ~~النخعي والحسن وقتادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما بيناه بيانا فيه ترتيل ~~وتثيبت وقال السدى فصلناه تفصيلا وقال مجاهد جعلنا بعضه في إثر بعض وقيل هو ~~الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا وقيل قرأناه عليك ~~بلسان جبريل عليه السلام شيئا فشيئا في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تؤدة ~~وتمهل «ولا يأتونك بمثل» من الأمثال من جملتها ما حكى من اقتراحاتهم ~~القبيحة الخارجة عن دائرة العقول الجارية لذلك مجرى الأمثال أي لا يأتونك ~~بكلام عجيب هو مثل في البطلان يريدون به القدح في حقك وحق القرآن «إلا ~~جئناك» في مقابلته «بالحق» أي بالجواب الحق الثابت الذي ينحي عليه بالإبطال ~~ويحسم مادة القيل والقال كما مر من الأجوبة الحقة القالعة لعروق أسئلتهم ~~الشنيعة الدامغة لها بالكلية وقوله تعالى «وأحسن تفسيرا» عطف على الحق أي ~~جئناك بأحسن الحسن في حد ذاته لا أن ما يأتون به له حسن في الجملة وهذا ~~أحسن منه كما مروا ms2422 الاستثناء مفرغ محله النصب على الحالية أي لا يأتونك ~~بمثل إلا حال إتياننا إياك الحق الذي لا مجيد عنه وفيه من الدلالة على ~~المسارعة إلى إبطال ما أتوا به وتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم مالا يخفى ~~وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الأسئلة وبصحة جميع الأجوبة وبإشارته منبىء ~~عن بطلان السؤال الأخير وصحة جوابه إذ لو لا أن تنزيل القرآن على التدريج ~~لما أمكن إبطال تلك الاقتراحات الشنيعة ولما حصل تثبيت فؤاده صلى الله عليه ~~وسلم من تلك الحيثية هذا وقد جوز أن يكون المثل عبارة عن الصفة العريبة ~~التي كانوا يقترحون كونه صلى الله عليه وسلم عليها من مقارنة الملك ~~والاستغناء عن الأكل والشرب وحيازة الكنز والجنة ونزول القرآن عليه جملة ~~واحده على معنى لا يأتوك بحال عجيبة يقترحون اتصافك بها قائلين هلا كان على ~~هذه الحالة إلا أعطيناك نحن من الأحوال الممكنة ما يحق لك في حكمتنا ~~ومشيئتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته وهو ~~الذي أنت عليه في الذات PageV06P216 # والصفات ويأباه الاستثناء المذكور فإن المتبادر منه يكون ما أعطاه الله ~~تعالى من الحق مترتبا على ما أتوا به من الأباطيل دامغا لها ولا ريب في ما ~~آتاه الله تعالى من الملكات السنية اللائقة بالرسالة قد أتاه من أول الأمر ~~لا بمقابلة ما حكى عنهم من الاقتراحات لأجل دمغها وإبطالها «الذين يحشرون ~~على وجوههم إلى جهنم» أي يحشرون كائنين على وجوههم يسبحون عليها ويجرون إلى ~~جهنم وقيل مقلوبين وجوههم على قفاهم وأرجلهم إلى فوق روى عنه صلى الله عليه ~~وسلم يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث ثلث على الدواب وثلث على ~~وجوههم وثلث على وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا وأما ما قيل متعلقة قلوبهم ~~بالسفليات متوجهة وجوههم إليها فبعيد لأن هول ذلك اليوم ليس بحيث يبقى لهم ~~عنده تعلق بالسفليات أو توجه إليها في الجملة ومحل الموصول إما النصب أو ~~الرفع على الذم أو الرفع على الابتداء وقوله تعالى «أولئك» بدل ms2423 منه أو بيان ~~له وقوله تعالى «شر مكانا وأضل سبيلا» خبر له أو اسم الإشارة مبتدأ ثان وشر ~~خبره والجملة خبر للمصول ووصف السبيل بالضلال من باب الإسناد المجازي ~~للمبالغة والمفضل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم على مهاج قوله تعالى قل ~~هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه كأنه قي إن ~~حاملهم على هذه الاقتراحات تحقير مكانه صلى الله عليه وسلم بتضليل سبيله ~~ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانا وأضل سبيلا وقيل هو متصل بقوله ~~تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (ولقد آتينا موسى) جملة ~~مستأنفة سيقت لتأكيد ما مر من التسلية والوعد بالهداية والنصر في قوله ~~تعالى وكفى بربك هاديا ونصيرا بحكاية ما جرى بين من ذكر من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وبين قومهم حكاية إجمالية كافية فيما هو المقصود واللام ~~جواب لقسم محذوف أي وبالله لقد آتينا موسى التوراة أي أنزلناها عليه ~~بالآخرة «وجعلنا معه» الظرف متعلق بجعلنا وقوله تعالى «أخاه» مفعول أول له ~~وقوله تعالى «هارون» بدل منن أخاه أو عطف بيان له على عكس ما وقع في سورة ~~طه وقوله تعالى «وزيرا» مفعول ثان له وقد مر ثمة معنى الوزير أي جعلناه في ~~أول الأمر وزيرا له «فقلنا» لهما حينئذ «اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا» هم فرعون وقومه والآيات هي المعجزات التسع المفصلات الظاهرة على ~~يدي موسى عليه السلام ولم يوصف القوم لهما عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ~~ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن ذهابهما المتأخر عن الأمر ~~به بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا ~~لعلة استحفافهم لما يحكى بعده من التدمير أي فذهبا إليهم فأرياهم آياتنا ~~كلها فكذبوها تكذيبا مستمرا «فدمرناهم» التكذيب أثر ذلك التكذيب المستمر ~~«تدميرا» عجيبا هائلا لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه فاقتصر على حاشيتي القصة ~~اكتفاء PageV06P217 # بما هو المقصود وحمل قوله تعالى فدمرناهم على معنى فحكمنا بتدميرهم مع ~~كونه تعسفا ظاهرا ms2424 مما لا وجه له إذ لا فائدة يعتد بها في حكاية الحكم ~~بتدمير قد وقع وانقضى والتعرض في مطلع القصة لإيتاء الكتاب مع أنه كان بعد ~~مهلك القوم ولم يكن له مدخل في هلاكهم كسائر الأيات للإيذان من أول الأمر ~~ببلوغه صلى الله عليه وسلم غاية الكمال ونيله نهاية الآمال التي هي إنجاء ~~بني إسرائيل من ملكه فرعون وإرشادهم إلى الطريق الحق صلى الله عليه وسلم ~~غاية الكمال ونيله نهاية بما في التوراة من الأحكام إذا به يحصل تأكيد ~~الوعد بالهداية على الوجه الذي مر بيانه وقرئ فدمرتهم وفدمراهم وفدمراهم ~~على التأكيد بالنون الثقيلة «وقوم نوح» منصوب بمضمر يدل عليه قوله تعالى ~~فدمرناهم أي ودمرنا قوم نوح وقيل عطف على مفعول فدمرناهم وليس من ضرورة ~~ترتيب تدميرهم على ما قبله ترتب تدمير هؤلاء عليه لا سيما وقد بين سببه ~~بقوله تعالى «لما كذبوا الرسل» أي نوحا ومن قبله من الرسل أو نوحا وحده لأن ~~تكذيبه تكذيب للكل لا تفاقهم على التوحيد والإسلام وقيل هو منصوب بمضمر ~~يفسره قوله تعالى «أغرقناهم» وإنما يتسنى ذلك على تقدير كون كلمه لما ظرف ~~زمان وأما على تقدير كونها حرف وجود لوجود فلا لأنه حينئذ جواب لها وجواب ~~لما لا يفسر ما قبله مع أنه مخل بعطف المنصوبات الآتية على قوم نوح لما أن ~~إهلاكهم ليس بالإغراق فالوجه ما نقدم وقوله تعالى أغرقناهم استئناف مبين ~~لكيفية تدميرهم (وجعلناهم) أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم (للناس آية) أي آية ~~عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها أو سمعها وهي مفعول ثان لجعلنا وللناس ظرف ~~لغو له أو متعلق محذوف وق حالا من آية إذ لو تأخر عنها لكان صفة لها ~~(وأعتدنا للظالمين) أي لهم والإظهار في موقع الإضمار للإبذان بتجاوزهم الحد ~~في الكفر والتكذيب (عذابا أليما) هو عذاب الآخرة لا فائدة في الإخبار ~~بإعتاد العذاب الذي قد أخبر بوقوعه من قبل أو لجميع الظالمين الباقين الذين ~~لم يعتبروا بما جرى عليهم من العذاب فيدخل في زمرتهم قريش دخولا ms2425 أوليا ~~ويحتمل العذاب الدنيوي الأخروى (وعادا) عطف على قوم نوح وقيل على المفعول ~~الأول لجعلناهم وقيل على الظالمين إذ هو في معنى وعدنا الظالمين وكلاهما ~~بعيد ( وثمود) الكلام فيه وفيما بعده كما فيما قبله وقرئ وثمودا على تأويل ~~الحي أنه الأب الأقصى (وأصحاب الرس) هم قوم يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى ~~إليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه فبينما هم حول الرس وهي البئر التي لم تطو ~~بعد إذ انهارت فخسف بهم وبديارهم وقيل الرس قرية بفلج اليمامة كان فيها ~~بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا أو قيل هو الأخدود وقيل بئر ~~بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء ~~لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ فتنقض على صبيانهم ~~فتخطفهم إن أعوزها الصيد PageV06P218 # ولذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة عليه السلام فأصابتها الصاعقة ثم إنهم ~~قتلوه عليه السلام فأهلكوا وقيل قوم كذبوا رسولهم فرسوه أي دسوه في بئر ~~«وقرونا» أي أهل قرون قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون ~~«بين ذلك» أي بين ذلك المذكور من الطوائف والأمم وقد يذكر الذاكر أشياء ~~مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول فذلك كيت ~~وكيت على ذلك المذكور وذلك المحسوب «كثيرا» لا يعلم مقدارها إلا العليم ~~الخبير ولعل الاكتفاء في شؤون تلك القرون بهذا البيان الإجمالي لما أن كل ~~قرن منها لم يكن في الشهرة وغرابة القصة بمثابة الأمم المذكورة «وكلا» ~~منصوب بمضمر يدل عليه ما بعده فإن ضرب المثل في معنى التذكير والتحذير ~~والمحذوف الذي عوض عنه التنوين عبارة إما عن الأمم التي لم يذكر أسباب ~~إهلاكهم وإما عن الكل فإن ما حكى عن قوم نوح وقوم فرعون تكذيبهم للآيات ~~والرسل لا عدم التأثير من الأمثال المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كل واحد من ~~المذكورين «ضربنا له الأمثال» أي بينا له القصص العجينة الزاجرة ms2426 عما هم ~~عليه من الكفر والمعاصي بواسطة الرسل «وكلا» الآمال التي هي إنجاء بني ~~إسرائيل «تبرنا تتبيرا» عجيبا ها ئلا لما أنهم لم يتأثروا بذلك ولم يرفعوا ~~له رأسا وتمادوا على ما هم عليه عن الكفر والعدوان وأصل التتبير التفتيت ~~قال الزجاج كل شيء كسرته وفتتته فقد تبرته ومنه التبر لفئات الذهب والفضة ~~«ولقد أتوا» جملة مستأنفة مسوقة لبيان مشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم ~~المتبرة وعدم اتعاظهم بها وتصديرها بالقسم لمزيد تقرير مضمونها أي وبالله ~~لقد أتى قريش في متاجرهم إلى الشام «على القرية التي أمطرت» أي أهلكت ~~بالحجارة وهي قرى قوم لوط وكانت خمس قرى ما نجت منها إلا واحدة كان أهلها ~~لا يعملون العمل الخبيث وأما البواقي فأهلكها الله تعالى بالحجارة وهي ~~المرادة بقول تعالى «مطر السوء» وانتصابه إما على أنه مصدر مؤكد بحذف ~~الزوائد كما قيل في أنبته الله تعالى نباتا حسنا أي أمطار السوء أو على ~~تركهم بعلة الحكم «لولا نزل عليه القرآن» التنزيل ههنا مجرد عن معنى ~~التدريج كما في قوله تعالى يسألك الآمال التي هي إنجاء بني إسرائيل التذكر ~~عند مشاهدة ما يوجبه والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتهم لها وتقرير ~~استمرارها حسب استمرار ما يوجبها من إتيانهم عليها لا لإنكار استمرار نفي ~~رؤيتهم وتقرير رؤيتهم لها في الجملة والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه ~~المقام أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها أو أكانوا ينظرون ~~إليها فلم يكونوا يرونها في مرار مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من ~~آثار العذاب فالمنكر في الأول ترك النظر وعدم النظر الرؤية معا وفي الثاني ~~عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها وقوله تعالى «بل كانوا لا يرجون ~~نشورا» إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من ~~العقوبة وبيان لكون وعدم اتعاظهم بسبب إنكارهم لكون ذلك عقوبة PageV06P219 # لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارها خلا أنه اكتفى عن التصريح بإنكارهم ذلك ~~بذكر ما يستلزمه من إنكارهم للجزاء الأخروى الذي هو الغابة من خلق العالم ms2427 ~~وقد كنى عن ذلك بعدم النشور أي عدم توقعه كأنه قيل بل كانوا ينكرون النشور ~~المستتبع للجزاء الأخروى ولا يرون لنفس من النفوس نشورا أصلا مع تحققه حتما ~~وشموله للناس عموما واطراده وقوعا فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق ~~طائفة خاصة مع عدم الإطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى يتذكروا ~~ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك وإنما يحملونه على الاتفاق وإما انتقال ~~من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر إلى التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم توقع ~~النشور «وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا» أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على ~~معنى قصر معاملتهم معه صلى الله عليه وسلم على اتخاذهم إياه صلى الله عليه ~~وسلم هزؤا لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزؤا كما هو المتبادر من ظاهر ~~العبارة كأنه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزؤا وقد مر تحقيقه في قوله ~~تعالى إن أتبع إلا ما يوحى إلى من سورة الأنعام وقوله تعالى «أهذا الذي بعث ~~الله رسولا» محكى بعد قول مضمر هو حال من فاعل يتخذونك أي يستهزؤن بك ~~قائلين أهذا الذي الخ والإشارة للإستحقار وإبراز بعث الله رسولا في معرض ~~التسليم بجعله صلة للموصول الذي هو صفته صلى الله عليه وسلم مع كونهم في ~~غاية النكير لبعثه صلى الله عليه وسلم بطريق التهكم والاستهزاء وإلا لقالوا ~~أبعث الله هذا رسولا أو أهذا الذي يزعم أنه بعثه الله رسولا «إن كاد» إن ~~مخففه من إن وضمير الشأن محذوف أي إنه كاد «ليضلنا عن آلهتنا» أي ليصرفنا ~~عن عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط والعدول إلى ~~الإضلال لغاية ضلالهم بادعاء أن عبادتها طريق سوى «لولا أن صبرنا عليها» ~~ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها ولولا في أمثال هذا الكلام تجرى مجرى ~~التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى كما أشير إليه في قوله تعالى ولقد همت ~~به الخ وهذا اعتراف منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الإجتهاد في ~~الدعوة إلى الحق وإظهار ms2428 المعجزات وإقامة الحجج والبينات إلى حيث شارفوا أن ~~يتركوا دينهم لولا فرط لجاجهم وغاية عنادهم يروي أنه من قول أبي جهل «وسوف ~~يعلمون» جواب من جهته تعالى لآخر كلامهم ورد لما ينبئ عنه من نسبته صلى ~~الله عليه وسلم إلى الضلال في ضمن الإضلال أي سوف يعلمون البتة وإن تراخى ~~«حين يرون العذاب» الذي يستوجبه كفرهم وعنادهم «من أضل سبيلا» وفيه ما لا ~~يخفى من الوعيد والتنبيه على أنه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم «أرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه» تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعة حالهم بعد ~~حكاية قبائحهم من الأقوال PageV06P220 # والأفعال وبيان ما لهم من المصير والمال وتنبيه على أن ذلك من الغرابة ~~بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه وإلهه مفعول ثان لأتخذ قدم على الأول للاعتناء ~~به لأنه الذي يدور عليه أمر التعجب ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على ~~تساويهما في التعريف فقد زل منه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس ~~بالحالة الحادثة أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظ وبنى ~~عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة البرهان النير بالكلية على ~~معنى انظر إليه وتعجب منه وقوله تعالى «أفأنت تكون عليه وكيلا» إنكار ~~واستبعاد لكونه صلى الله عليه وسلم حفيظا عليه يزجره عما هو عليه من الضلال ~~ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة ~~الموجبة له كأنه قيل أبعد ما شاهدت غلوه في طاعة الهوى وعتوه عن اتباع ~~الهدى تقسره على الإيمان شاء أو أبى وقوله تعالى «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~أو يعقلون» إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلى الله ~~عليه وسلم لهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبئ عنه جده صلى الله عليه وسلم في ~~الدعوة واهتمامه بالإرشاد والتذكير لكن لا على أنه لا يقع كالأول بل على ~~أنه لا ينبغي أن يقع أي بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلوا عليهم من ~~الآيات ms2429 حتى السماع أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح ~~الداعية إلى المحاسن فتعتني بشأنهم وتطمع في إيمانهم وضمير أكثرهم لمن ~~وجمعه باعتبار معناها كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار لفظها وضمير ~~الفعلين لأكثر لا لما أضيف هو إليه وقوله تعالى «إن هم إلا كالأنعام» الخ ~~جملة مستأنفة مسوقة لتقرير النكير وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة أي ما ~~هم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبر فيما ~~يشاهدونه من الدلائل والمعجزات إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة وعلم في ~~الضلالة «بل هم أضل» منها «سبيلا» لما أنها تنقاد لصاحبها الذي يعلفها ~~ويتعهدها وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما ~~يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوى إلى معاطنها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ~~وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانهم إليهم من إساءة الشيطان الذي هو أعدى ~~عدوهم ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو ~~أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنى والمورد العذب ~~الروى ولأنها إن لم تعتقد حقا مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا ~~مستوجبا لاقتراف الشر بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها ~~أحكام الشرور ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى ~~أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتني والفساد وصد الناس عن سنين السداد ~~وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى ~~المودعة بل صارفة لها إلى ما خلقت هي له فلا تقصير من قبلها في طلب الكمال ~~وأما هؤلاء فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التي فطر ~~الناس عليها مستحقون بذلك أعظم العقاب وأشد النكال PageV06P221 # «ألم تر إلى ربك» بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها ~~وضلالتهم والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة للتقرير والتعرض ~~لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه صلى الله ~~عليه وسلم وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار ms2430 ربوبيته ورحمته تعالى أي ألم تنظر ~~إلى بديع صنعه تعالى «كيف مد الظل» أي كيف أنشأ ظل أي مظل كان من جبل أو ~~بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن ~~كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون نفسه ~~بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم وأم ما قيل من أن المراد ~~بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة ~~تنفر عنها الطباع وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة في ~~قوله تعالى وظل ممدود فغير سديد إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على ~~عظيم قدرة الله عز وجل وبالغ حكمته فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما ~~يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف ~~مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا ~~للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة ولعل توجيه ~~الرؤية إليه سبحانه وتعالى مع ان المراد تقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم ~~لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ما ~~يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره معرفة شؤون الصانع المجيد وقوله ~~تعالى «ولو شاء لجعله ساكنا» جملة إعترضت بين المعطوفين للتنبيه من أول ~~الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب العادية وإنما المؤثر فيه ~~المشيئة والقدرة ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة من وقوعها وكون ~~مفعولها مضمون الجزاء أي ولو شاء سكونه لجعله ساكنا أي ثابتا على حاله من ~~الطول والإمتداد وإنما عبر عن ذلك بالسكون لما أن مقابله الذي هو تغير حاله ~~حسب تغير الأوضاع بين المضل وبين الشمس يرى رأي العين حركه وانتقالا وحاصله ~~أنه لا يعتريه اختلاف حال بأن لا تنسخه الشمس وأما التعليل بأن يجعل الشمس ~~مقيمة على وضع واحد ms2431 فمداره الغفول عما سيق له النظم الكريم ونطق به صريحا ~~من بيان كمال قدرته القاهرة وحكمته الباهرة بنسبة جميع الأمور الحادثة إليه ~~تعالى الذات وإسقاط الأسباب العادية عن رتبة السببية والتأثير بالكلية ~~وقصرها على مجرد الدلالة على وجود المسببات لا بذكر قدرته تعالى على بعض ~~الخوارق كإقامة الشمس في مقام واحد على أنها أعظم من إبقاء الظل على حاله ~~في الدلالة على ما ذكر من كمال القدرة والحكمة مكونه من فروعها ومستتبعاتها ~~فهي أولى وأحق بالإيراد في معرض البيان وقوله تعالى «ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا» عطف على مد داخل في حكمه أي جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة ~~على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية ~~المعترضة والالتفات إلى نون العظمة لما في الجعل المذكور العاري عن التأثير ~~مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزيد ~~دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر في إيراد كلمة التراخي وقوله ~~تعالى «ثم قبضناه» PageV06P222 # «ثم قبضناه» عطف على مد داخل في حكمه وثم للتراخي الزماني لما أن في بيان ~~كون القبض والمد مر تبين دائرين على قطب مصالح المخلوقات مزيد دلالة على ~~الحكمة الربانية ويجوز أن تكون للتراخي الرتبي أي أزلناه بهد ما أنشأناه ~~ممتدا ومحوناه بمحض قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعة من غير أن ~~يكون له تأثير في ذلك أصلا وإنما عبر عنه بالقبض المنبىء عن جميع المنبسط ~~وطيه لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذي هو البسط طولا وقوله تعالى ~~«إلينا» للتنصيص على كون مرجعه إليه تعالى كما أن حدوثه منع عز وجل «قبضا ~~يسيرا» أي على مهل قليلا حسب ارتفاع دليله على وتيرة معينة مطردة مستتبعة ~~لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إن الله تعالى حين بنى السماء كالقبلة ~~المضروبة ودحا الأرض تحتها ألقت القبة طلها على الأرض لعدم النير وذلك مدة ~~تعالى إياه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها ms2432 ~~على ذلك الظل أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في ~~الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا ~~غير عسيرا وقبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الإجرام التي تلقى ~~الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاؤه بإنشائها ووصفه ~~باليسر على طريقة قوله تعالى ذلك حشر علينا يسير وصيغة الماضي للدلالة على ~~تحقق الوقوع «وهو الذي جعل لكم الليل لباسا» بيان لبعض بدائع آثار قدرته ~~تعالى وحكمته وروائع أحكام رحمته ونعمه الفائضة على الخلق وتلوين الخطاب ~~لتوفية مقام الامتنان حقه واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه ~~للاعتناء ببيان كون ما يعقبه من منافعهم وفي تعقيب بيان أحوال الظل ببيان ~~أحكام الليل الذي هو ظل الأرض من لطف المسلك ما لا مزيد عليه أي هو الذي ~~جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس «والنوم سباتا» أي ~~وجعل النوم الذي يقع في الليل غالبا قطعا عن الأفاعيل المختصة بحال اليقظة ~~عبر عنه بالسبات الذي الموت لما بينها من المشابهة التامة في انقطاع أحكام ~~الحياة وعليه قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل وقوله تعالى الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها «وجعل النهار نشورا» أي زمان بعث ~~من ذلك السبات كبعث الموتى على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو نفس ~~البعث على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت ~~والنشور وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت وتنشر «وهو ~~الذي أرسل الرياح» وقرئ بالتوحيد على أن المراد هو الجنس «بشرا» تخفيف بشر ~~جمع بشور أي مبشرين وقرئ بشرى وقرى نشرا بالنون جمع نشور أي ناشرات للسحاب ~~وقرئ بالتخفيف وبفتح النون أيضا على أنه مصدر PageV06P223 # وصف به مبالغة وقوله تعالى «بين يدي رحمته» استعارة بديعة أي قدام المطر ~~والالتفات إلى نون العظمة في قوله تعالى «وأنزلنا من السماء ماء طهورا» ~~لإبراز كمال العناية بالإنزال لأنه نتيجة ما ms2433 ذكر من إرسال الرياح أي أنزلنا ~~بعظمتنا بما رتبنا من إرسال الرياح من جهة الفوق ماء بليغا في الطهارة وما ~~قيل إنه ما يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره فهو شرح لبلاغته في الطهارة ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم فإن الطهور في ~~العربية إما صفة كما تقول ماء طهورا واسم كما في قوله صلى الله عليه وسلم ~~التراب طهور المؤمن وقد جاء بمعنى الطهارة كما في قولك تطهرت طهورا حسنا ~~كقولك وضوءا حسنا ومنه قوله تعالى صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور ~~ووصف الماء به إشعار بتمام النعمة فيه وتتميم للنعمة فيما بعده فإن الماء ~~الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على أن ظواهرهم لما ~~كانت مما ينبغي أن يطهورها فبواطنهم أحق بذلك وأولى «لنحيي به» أي بما ~~أنزلنا من الماء الطهور «بلدة ميتا» بإنبات النبات والتذكير لأن البلدة ~~بمعنى البلد ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجرى مجرى ~~الجامد والمراد به القطعة من الأرض عامرة كانت أو غامرة «ونسقيه» أي ذلك ~~الماء الطهور عند جريانه في الأودية أو اجتماعه في الحياض والمنافع أو ~~الآبار «مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا» أي أهل البوادي الذين يعيشون ~~بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسى وتخصيصهم بالذكر لأن أهل القرى والأمصار ~~يقيمون بقرب الأنهار والمبالغ فيهم وبما لهم من الأنعام غنية عن سقيا ~~السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالبا مع أن ~~مساق الآيات الكريمة كما هو للدلالة على عظم القدرة فهو لتعداد أنواع ~~النعمة والأنعام حيث كانت قنية للإنسان وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها ~~قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها ~~وقرئ نسقيه وأسقى وسقى لغتان وقيل أسقاه جعل له سقيا وأناسي جمع أنسى أو ~~إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت نونه ياء وقرئ أناسي ~~بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل كأناعم في أناعيم «ولقد صرفناه» أي وبالله لقد ~~كررنا ms2434 هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر لما مر من الغايات ~~الجميلة في القرآن وغيره من الكتب السماوية «بينهم» أي بين الناس من ~~المتقدمين والمتأخرين «ليذكروا» ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى ~~وواسع رحمته في ذلك ويقوموا بشكر نعمته حق قيام وقيل الضمير للمطر وتصريفه ~~بينهم إنزاله في بعض البلاد دون غيرها أو في بعض الأوقات دون بعض أو جعله ~~تارة وابلا وأخرى طلا وحينا ديمه ووقتا رهمة والأول هو الأظهر «فأبى أكثر ~~الناس» ممن سلف وخلف «إلا كفورا» أي لم يفعل إلا كفران النعمة وقلة ~~الاكتراث لها أو وإلا جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكر وصنع الله ~~تعالى ورحمته ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء فهو كافر بخلاف من يرى أن ~~الكل يخلق الله تعالى PageV06P224 # والأنواء أمارات لجعله تعالى «ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا» نبيا ~~ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن لم نشأ ذلك فلم نفعله بل قصرنا ~~الأمر عليك حسبما ينطق به قوله تعالى ليكون للعالمين نذيرا إجلالا لك ~~وتعظيما وتفضيلا لك على سائر الرسل «فلا تطع الكافرين» أي فقابل ذلك ~~بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق والتشدد معهم كأنه نهى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن المداراة معهم والتلطف في الدعوة لما أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يود أن يدخلوا في الإسلام ويجتهد في ذلك بتأليف قلوبهم أشد ~~الإجتهاد «وجاهدهم به» أي بالقرآن بتلاوة ما في تضاعيفه من القوارع ~~والزواجر والمواعظ وتذكير أحوال الأمم المكذبة «جهادا كبيرا» فإن دعوة كل ~~العالمين على الوجه المذكور جهاد كبير لا يقادر قدره كما وكيفا وقيل الضمير ~~المجرور لترك الطاعة المفهوم من النهى عن الطاعة وأنت خبير بأن مجرد ترك ~~الطاعة يتحقق بلا دعوة أصلا وليس فيه شائبة الجهاد فضلان عن الجهاد الكبير ~~اللهم إلا أن تجعل الباء للملابسة ليكون المعنى وجاهدهم بما ذكر من أحكام ~~القرآن الكريم ملابسا بترك طاعتهم كأنه قيل فجاهدهم بالشدة والعنف لا ~~بالملاءمة والمداراة كما في ms2435 قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين وأغلظ عليهم وقد جعل الضمير لما دل عليه قوله تعالى ولو شئنا ~~لبعثنا في كل قرية نذيرا من كونه صلى الله عليه وسلم نذير كافة القرى لأنه ~~لو بعث في كل قرية نذير لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهدات كلها فكبر من أجل ذلك جهاده وعظم ~~فقيل له صلى الله عليه وسلم وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا كبيرا ~~جامعا لكل مجاهدة وأنت خبير بأن بيان سبب كبر المجاهدة بحسب الكمية ليس فيه ~~مزيد فإنه بين بنفسه وإنما اللائق بالمقام بيان سبب كبرها وعظمها في ~~الكيفية «وهو الذي مرج البحرين» أي خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا ~~يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها «هذا عذب فرات» قامع للعطش لغاية عذوبته ~~«وهذا ملح أجاج» بليغ الملوحة وقرئ ملح فلعله تخفيف مالح كبرد في بارد ~~«وجعل بينهما برزخا» حاجزا غير مرئى من قدرته كما في قوله تعالى بغير عمد ~~وترونها «وحجرا محجورا» وتنافرا مفرطا كأن كلامهما يتعوذ من الآخر بتلك ~~المقالة وقيل حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه وتجرى في خلاله فراسخ ~~لا يتغير طعمها وقيل المراد بالبحر العذب اله العظيم وبالمالح البحر الكبير ~~وبالبرزخ ما بينهما من الأرض فيكون أثر القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع ~~أن مقتضى طبيعة كل عنصر التضام والتلاصق والتشابه في الكيفية PageV06P225 # «وهو الذي خلق من الماء بشرا» هو الماء الذي خمر به طينة آدم علية السلام ~~أو جعله جزءا من مادة البشر ليجتمع ويسلس ويستعد لقبول الأشكال والهيئات ~~بسهولة أو هو النطفة «فجعله نسبا وصهرا» أي قسمة قسمين ذوى نسب أي ذكورا ~~ينتسب إليهم وذوات صهرا أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى فجعل منة الزوجين ~~الذكر والأنثى «وكان ربك قديرا» مبالغا في القدرة حيث قدر على أن يخلق من ~~مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلتين ~~وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا ms2436 وأنثى «ويعبدون من دون الله» الذي ~~شأنه ما ذكر «ما لا ينفعهم ولا يضرهم» أي ما ليس من شأنه النفع والضر أصلا ~~وهو الأصنام أو كل ما يعبدون من دونه تعالى إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع ~~والضر «وكان الكافر على ربه» الذي ذكرت آثار ربوبيته «ظهيرا» يظاهر الشيطان ~~بالعداوة والشرك والمراد بالكافر الجنس أو أبو جهل وقيل هينا مهينا لا ~~اعتداد به عنده تعالى من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله ~~تعالى ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم «وما أرسلناك إلا مبشرا» للمؤمنين ~~«ونذيرا» للكافرين «قل» لهم «ما أسألكم عليه» أي على تبليغ الرسالة الذي ~~ينبئ عنه الإرسال من «أجر» من جهتكم «إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا» أي ~~الأفعال من يريد أن يتقرب إليه تعالى ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة ~~حسبما أدعوهم إليهما فصور ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود الإتيان به ~~واستثنى منه قلعا كليا لشائبة الطمع وإظهارا لغاية الشفقة عليهم حيث جعل ~~ذلك مع كون نفعه عائدا إليهم عائدا إليه صلى الله عليه وسلم وقيل الاستثناء ~~منقطع أي لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل «وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت» في الإستكفاء عن شرورهم والإغناء عن أجورهم فإنه الحقيق بأن يتوكل ~~بأن عليه دون الأحياء الذين من شأنهم الموت فإنهم إذا ماتوا أضاع من توكل ~~عليهم «وسبح بحمده» ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بنعوت الكمال طالبا ~~لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه «وكفى به بذنوب عباده» ما ظهر منها وما ~~بطن «خبيرا» أي مطلعا عليها بحيث لا يخفى عليه شيء منها فيجزيهم جزاء وافيا ~~«الذي خلق السماوات PageV06P226 # والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش» قد سلف تفسيره ومحل ~~الموصول الجر على أنه صفة أخرى للحى وصف بالصفة الفعلية بعد وصفه بالأبدية ~~التي هي من الصفات الذاتية والإشارة إلى اتصافه بالعلم الشامل لتقرير وجوب ~~التوكل عليه تعالى وتأكيده فإن من أنشأ هذه الأجرام العظام على ms2437 هذا النمط ~~الفائق والنسق الرائق بتدبير متين وترتيب رصين في أوقات معينة مع كمال ~~قدرته على إبداعها دفعة لحكم جليلة وغايات جميلة لا تقف على تفاصيلها ~~العقول أحق من يتوكل عليه وأولى من يفوض الأمر إليه «الرحمن» مرفوع على ~~المدح أي هو الرحمن وهو في الحقيقة وصف آخر للحي كما قرىء بالجر مفيد ~~لزيادة تأكيد ما ذكر من وجوب التوكل عليه تعالى وإن لم يتبعه في الإعراب ~~لما تقرر من ان المنصوب والمرفوع مدحا وان خرجا عن التبيعة لما قبلهما صورة ~~حيث لم يتبعاه في الأعراب وبذلك سميا قطعا لكنهما تابعان له حقيقة ألا يرى ~~كيف التزموا حذف الفعل والمبتدأ في النصب والرفع وما لتصوير كل منهما بصورة ~~متعلق من متعلقات ما قبله وتنبيها على شدة الاتصال بينهما وقد مر تمام ~~التحقيق في تفسير قوله عز وجل الذين يؤمنون بالغيب الآية وقيل الموصول ~~مبتدأ والرحمن خبره وقيل الرحمن بدل من المستكن في استوى «فاسأل به» أي ~~بتفاصيل ما ذكر إجمالا من الخلق واستواء لا بنفسهما فقط إذ بعد بيانهما لا ~~يبقى إلى السؤال حاجة ولا في تعديته بالباء فائدة فإنها مبنية على تضمينه ~~معنى الاعتناء المستدعي لكون المسؤول أمرأ خطيرا مهتما بشأنه غير حاصل ~~للسائل وظاهر أن نفس الخلق والاستواء بعد الذكر ليس كذلك وما قيل من أن ~~التقدير إن شككت فيه فأسأل به خبيرا على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم ~~والمراد غيره بمعزل من السداد بل التقدير إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيل ما ~~ذكر فاسأل معنيا به «خبيرا» عظيم الشأن محيطا بظواهر الأمور وبواطنها وهو ~~الله سبحانه يطلعك على جلية الأمر وقيل فاسأل به من جده في الكتب المتقدمة ~~ليصدقك فيه فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكرنا وقيل الضمير للرحمن والمعنى إن ~~أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ~~مجيء ما يردافه في كتبهم وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وما بعده خبرا ~~وقرئ فسل «وإذا قيل لهم ms2438 اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن» قالوا لما أنهم ما ~~كانوا يطلقونه على الله تعالى أو لأنهم ظنوا أن المراد به غيره تعالى ولذلك ~~قالوا «أنسجد لما تأمرنا» أي للذي تأمرنا بسجوده أو لأمرك إيانا من غير أن ~~نعرف أن المسجود له ماذا وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه وقرئ يأمرنا بياء ~~الغيبة على أنه قول بعضهم لبعض «وزادهم» أي الأمر بسجود الرحمن «نفورا» عن ~~الإيمان «تبارك الذي جعل في السماء بروجا» هي البروج الإثنا عشر سميت به ~~وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة لسكانها ~~واشتقاقه من البرج لظهوره «وجعل فيها سراجا» هي الشمس لقوله تعالى وجعل ~~الشمس سراجا وقرئ سرجا وهي PageV06P227 # الشمس والكواكب الكبار «وقمرا منيرا» مضيئا بالليل وقرئ قمرا أي ذا قمر ~~وهي مع قمراء ولما أن الليالي بالقمر تكون قمرا ضيف إليها ثم حذف وأجرى ~~حكمه على المضاف إليه القائم مقامه كما في قول حسان رضي الله عنه (بردى ~~يضيق بالرحيق السلسل) أي ماء بردى ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد ~~والرشد والعرب والعرب «وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة» أي ذوى خلفة يخلف ~~كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه أو بأن يعتقبا كقوله ~~تعالى واختلاف الليل والنهار وهي اسم للحالة من خلف كالركبة والجلسة من ركب ~~وجلس «لمن أراد أن يذكر» أي يتذكر آلاء الله عز وجل ويتفكر في بدائع صنعه ~~فيعلم أنه لا بد لها من صانع حكيم واجب الذات رحيم للعباد «أو أراد شكورا» ~~أي أن يشكر الله تعالى على ما فيهما من النعم أو ليكونا وقتين للذاكرين من ~~فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر وقرى أن يذكر من ذكر بمعنى تذكر ~~«وعباد الرحمن» كلام مستأنف مسوق لبيان أو صاف خلص عباد الرحمن وأحوالهم ~~الدنيوية والأخروية بعد بيان حال النافرين عن عبادته والسجود له والإضافة ~~للتشريف وهو مبتدأ خبره ما بعده من الموصول وما عطف عليه وقيل هو ما في آخر ~~السورة الكريمة من الجملة المصدرة الإشارة ms2439 وقرئ عباد الرحمن أي عباده ~~المقبولون «الذين يمشون على الأرض هونا» أي بسكينة وتواضع وهونا مصدر وصف ~~به ونصبه إما على أنه حال من فاعل يمشون أو على أنه نعت لمصدره أي يمشون ~~هينين ليني الجانب من غير فظاظة أو مشيا هينا وقوله تعالى «وإذا خاطبهم ~~الجاهلون» أي السفهاء كما في قول من قال ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق ~~جهل الجاهلية * «قالوا سلاما» بيان لحالهم في المعاملة مع غيرهم إثر بيان ~~حالهم في أنفسهم أي إذا خاطبوهم بالسوء قالوا تسليما منكم ومتاركة لا خير ~~بيننا وبينكم شر وقيل سدادا من القول يسلمون به من الأذية والإثم وليس فيه ~~تعرض لمعاملتهم مع الكفرة حتى يقال نسختها آية القتال كما نقل عن أبي ~~العالية وقوله تعالى «والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما» بيان لحالهم في ~~معاملتهم مع ربهم أي يكونون ساجدين لربهم وقائمين أي يحبون الليل كلا أو ~~بعضا بالصلاة وقيل من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا ~~وقائما وقيل هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء وتقديم السجود ~~على القيام لرعاية الفواصل «والذين يقولون» أي في أعقاب صلواتهم أو في عامة ~~أو قاتهم «ربنا اصرف عنا عذاب جهنم PageV06P228 # إن عذابها كان غراما» أي شرا دائما وهلاكا لازما وفيه مزيد مدح لهم ببيان ~~أنهم مع حسن معاملتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق يخافون العذاب ~~ويبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم مختلفين بأعمالهم كقوله تعالى والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون «إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما» تعليل لإستدعائهم المذكور بسوء حالها في نفسها إثر تعليله بسوء حال ~~عذابها وقد جوز أن يكون تعليلا للأولى وليس بذاك وساءت في حكم بئست وفيها ~~ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقرا ومقاما هي ~~وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة بأسم إن وجعلها خبرا لها قيل ويجوز أن يكون ~~ساءت بمعنى أحزنت وفيها ضميرا اسم إن ومستقرا حال أو تمييز وهو بعيد خال ms2440 ~~عما في الأول من المبالغة في بيان سوء حالها وكذا جعل التعليلين من جهة ~~تعالى «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا» لم يجاوزوا حد الكرم «ولم يقتروا» ولم ~~يضيقوا تضييق الشحيح وقيل الإسراف هو الاتفاق في المعاصي والقتر منع ~~الواجبات والقرب وقرئ بكسر التاء مع فتح الياء وبكسرها مخففة ومشدة مع ضم ~~الياء «وكان بين ذلك» أي بين ما ذكر من الإسراف والقتر «قواما» وسطا وعدلا ~~سمى به لإستقامة الطرفين كما سمى به سواء لاستوائهما وقرئ بالكسر وهو ما ~~يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة أو هو ~~الخبر وبين ذلك لغو وقد جوز أن يكون اسم كان على أنه مبنى لإضافته إلى غير ~~متمكن ولا يخفى ضعفه فإنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بشيء عن نفسه ~~«والذين لا يدعون مع الله إلها آخر» شروع في بيان اجتنابهم عن المعاصي بعد ~~بيان إتيانهم بالطاعات وذكر نفى الإسراف والقتر لتحقيق معنى الإقتصاد ~~والتصريح بوصفهم بنفي الإشراك مع ظهور إيمانهم لإظهار كمال الاعتناء ~~بالتوحيد والإخلاص وتهويل أمر القتل والزنا بنظمهما في سلكه وللتعريض بما ~~كان عليه الكفرة من قريش وغيرهم أي لا يعبدون معه تعالى إلها آخر «ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله» أي حرمها بمعنى حرم قتلها فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه مبالغة في التحريم «إلا بالحق» أي لا يقتلونها بسبب من ~~الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها أو لا يقتلون قتلا ما إلا ~~قتلا ملتبسا بالحق أو لا يقتلونها في حال من الأحوال إلا حال كونهم ملتبسين ~~بالحق «ولا يزنون» أي الذين لا يفعلون شيئا من هذه العظائم القبيحة التي ~~جمعهن الكفرة حيث كانوا مع إشراكهم به سبحانه مداومين على قتل النفوس ~~المحرمة التي من جملتها الموءودة مكبين على الزنا لا يرعون عنه أصلا «ومن ~~يفعل ذلك» أي ما ذكر كما هو دأب الكفرة PageV06P229 # المذكورين «يلق» في الآخرة وقرئ يلق بالتشديد مجزوما «أثاما» وهو جزاء ~~الإثم كالوبال والنكال وزنا ومعنى وقيل هو الإثم ms2441 أي يلق جزاء الإثم ~~والتنوين على التقديرين للتفخيم وقرئ أياما أي شدائد يقال يوم ذو أيام ~~لليوم الصعب «يضاعف له العذاب يوم القيامة» بدل من يلق لاتحادهما في المعنى ~~كقوله [متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وقرئ] ~~بالرفع على الاستئناف أو على الحالية وكذا ما عطف عليه وقرئ يضعف ونضعف له ~~العذاب بالنون ونصب العذاب «ويخلد فيه» أي في ذلك العذاب المضاعف «مهانا» ~~ذليلا مستحقرا جامعا للعذاب الجسماني والروحاني وقرئ يخلد ويخلد مبنيا ~~للمفعول من الإخلاد والتخليد وقرئ تخلد بالتاء على الالتفات المنبىء عن شدة ~~الغضب ومضاعفة العذاب لانضمام المعاصي إلى الكفر كما يفصح عنه قوله تعالى ~~«إلا من تاب وآمن وعمل صالحا» وذكر الموصوف مع جريان الصالح والصالحات مجرى ~~الاسم للاعتناء والتنصيص على مغايرته للأعمال السابقة «فأولئك» إشارة إلى ~~الموصول والجمع باعتبار معناه كما أن الإفراد في الأفعال الثلاثة باعتبار ~~لفظه أي أولئك الموصوفون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح «يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات» بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم ~~أو يبدل بملكة المعصية ودواعيها في النفس ملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ~~ويأتي بالثانية وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه أو أن يثبت له بدل كل ~~عقاب ثوابا وقيل يبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المسلمين قتل المشركين وبالزنا ~~عفة وإحصانا «وكان الله غفورا رحيما» اعتراض تذييلى مقرر لما قبله من المحو ~~والإثبات «ومن تاب» أي عن المعاصي بتركها بالكلية والندم عليها «وعمل ~~صالحا» يتلافى به ما فرط منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعات «فإنه» بما ~~فعل «يتوب إلى الله» أي يرجع إليه تعالى «متابا» أي متابا عظيم الشأن مرضيا ~~عنده تعالى ما حيا للعقاب محصلا للثواب أو يتوب متابا إلى الله تعالى الذي ~~يحب التوابين ويحسن إليهم أو فإنه يرجع إليه تعالى أو إلى ثوابه مرجعا حسنا ~~وهذا تعميم بعد تخصيص «والذين لا يشهدون الزور» لا يقيمون الشهادة الكاذبة ~~أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل مشاركة فيه «وإذا مروا» ms2442 على ~~طريق الاتفاق «باللغو» أي ما يجب أن يلغى ويطرح مما لا خير فيه «مروا ~~كراما» معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك ~~الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به ~~PageV06P230 # «والذين إذا ذكروا بآيات ربهم» المنطوية على المواعظ والأحكام «لم يخروا ~~عليها صما وعميانا» أي أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مجتلين لها بعيون ~~راعية وإنما عبر عن ذلك بنفي الضد تعريضا بما يفعله الكفرة والمنافقون وقيل ~~الضمير للمعاصي المدلول عليها باللغو «والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين» بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فان المؤمن إذا ~~ساعده أهلة في طاعة الله عز وجل وشاركوه فيها يسر بهم قلبه وتقر بهم عينة ~~لما يشاهده من مشايعتهم له في مناهج الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة حسبما ~~وعد بقوله تعالي ألحقنا بهم ذريتهم ومن ابتدائية أو بيانية وقرئ وذريتا ~~وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما وتقليلها لان المراد أعين المتقين ~~ولا ريب في قلتها نظرا إلي غيرها «واجعلنا للمتقين إماما» أي أجعلنا بحيث ~~يقتدون بنا في إقامة مواسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل وتوحيده ~~للدلالة على الجنس وعدم الإلباس كقوله تعالى ثم يخرجكم طفلا أو لأن المراد ~~واجعل كل واحد منا إماما أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم ~~كذا قالوا وأنت خبير بأن مدار الكل صدور هذا الدعاء إما عن الكل بطريق ~~المعية وأنه محال لاستحالة اجتماعهم في عصر واحد فما ظنك بإجتماعهم في مجلس ~~واحد واتفاقهم على كلمة واحدة وإما عن كل واحد منهم بطريق تشريك غيره في ~~استدعاء الإمامة وأنه ليس بثابت جزما بل الظاهر صوره عنهم بطريق الانفراد ~~وأن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما خلا أنه حكيت ~~عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير للقصد إلى الإيجاز على طريقة قوله ~~تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وأتقى إماما على حاله ~~وقيل الإمام جمع آم بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين ms2443 لهم مقتدين ~~بهم وإعادة الموصول في المواقع السبعة مع كفاية ذكر الصلات بطريق العطف على ~~صلة الموصول الأول للإبذان بأن كل واحد مما ذكر في حيز صلة الموصولات ~~المذكورة وصف جليل على حياله له شأن خطير حقيق بأن يفرد له موصوف مستقل ولا ~~يجعل شيء من ذلك تتمة لغيره وتوسيط العاطف بين الموصولات لتنزيل الاختلاف ~~العنواني منزلة الاختلاف الذاتي كما في قوله [إلى الملك القرم وابن الهمام ~~* وليث الكتائب في المزدحم] «أولئك» إشارة إلى المتصفين بما فصل في حين صلة ~~الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم به وفيه دلالة على أنهم متميزون بذلك ~~أكمل تميز منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ خبرة قوله تعالى «يجزون الغرفة» ~~والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من السعادة ~~الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية والغرفة الدرجة ~~العالية من المنازل وكل بناء PageV06P231 # مرتفع عال أي يثابون أعلى منازل الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله ~~تعالى وهم في الغرفات آمنون وقيل هي اسم من أسماء الجنة «بما صبروا» أي ~~بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات «ويلقون ~~فيها» من جهة الملائكة «تحية وسلاما» أي يحيهم الملائكة ويدعون لهم بطول ~~الحياة والسلامة من الآفات أو يعطون النبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة ~~وقيل يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه وقرئ يلقون من لقي «خالدين فيها» لا ~~يموتون ولا يخرجون «حسنت مستقرا ومقاما» الكلام فيه كالذي مر في مقابلة ~~«قل» أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أن الفائزون بتلك ~~النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من ~~محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أصلا أي قل لهم كافة مشافها لهم بما صدر عن ~~جنسهم من خير وشر «ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم» أي أي عبء يعبأ بكم وأي ~~اعتداد يعتد بكم لولا عبادتكم له تعالى ms2444 حسبما مر تفصيله فإن ما خلق له ~~الإنسان معرفته تعالى وطاعته وإلا فهو وسائر البهائم سواء وقال الزجاج ~~معناه أي وزن يكون لكم عنده وقيل معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم ~~إلى الإسلام وقيل ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة ويجوز أن تكون ما ~~نافية وقوله تعالى «فقد كذبتم» بيان لحال الكفرة من المخاطبين كما أن ما ~~قبله بيان لحال المؤمنين منهم أي فقد كذبتم بما أخبرتكم به وخالفتموه أيها ~~الكفرة ولم تعملوا عمل أولئك المذكورين وقيل فقد قصرتم في العبادة من قولهم ~~كذب القتال إذا لم يبالغ فيه وقرئ فقد كذب الكافرون أي الكافرون منكم لعموم ~~الخطاب للفريقين وفائدته الإيذان بأن مناط فوز أحدهما وخسران الآخر مع ~~الاتحاد الجنسي المصحح للاشتراك في الفوز ليس إلا اختلافهما في الأعمال ~~«فسوف يكون لزاما» أي يكون جزاء التكذيب أو أثره لازما يحيق بكم لا محالة ~~حتى يكبكم في النار كما تعرب عنه الفاء الدالة على لزوم ما بعدها لما قبلها ~~وإنما أضمر من غير ذكر للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه ~~مما لا يكتنهه البيان وقيل يكون العذاب لزاما وعن مجاهد رحمه الله هو القتل ~~يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى وقرئ لزاما بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات ~~والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الفرقان لقي الله ~~تعالى وهو مؤمن بأن الساعة آنية لا ريب فيها وأدخل الجنة بغير نصب ~~PageV06P232 # سورة الشعراء مكية إلا الآيات 197 ومن آية 224 إلى آخر السورة فمدنية ~~وآياتها 227 «بسم الله الرحمن الرحيم» «طسم» بتفخيم الألف وبإمالتها وإظهار ~~النون وبإدغامها في الميم وهو إما مسرود على نمط التعديد بطريق التحدي على ~~أحد الوجهين المذكورين في فاتحة البقرة فلا محل له من الإعراب وإما اسم ~~للسورة كما عليه الإطباق الأكثر فمحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وهو ~~أظهر من الرفع على الابتداء وقد مر وجهه في مطلع سورة يونس عليه السلام أو ~~النصب بتقدير فعل لائق بالمقام ms2445 نحو اذكر أو اقرأ وتلك في قوله تعالى «تلك ~~آيات الكتاب المبين» إشارة إلى السورة سواء كان طسم مسرودا على نمط التعديد ~~أو اسما للسورة حسبما مر تحقيقه هناك وما في اسم الإشارة من معنى البعد ~~للتنبيه على بعد منزلة المشار إليه في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ ~~خبره ما بعده وعلى تقدير كون طسم مبتدأ فهو مبدأ ثان أو بدل من الأول ~~والمراد بالكتاب القرآن وبالمبين الظاهر إعجازه على أنه من أبان بمعنى بان ~~أو المبين للأحكام الشرعية وما يتعلق بها أو الفاصل بين الحق والباطل ~~والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل والمراد ببيان كونها بعضا ~~منه وصفها بما اشتهر به الكل من النعوت الفاضلة «لعلك باخع نفسك» أي قاتل ~~وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد ~~الذبح وقرئ باخع نفسك على الإضافة ولعل للإشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها ~~حسرة على ما فاتك من إسلام قومك «ألا يكونوا مؤمنين» أي لعدم إيمانهم بذلك ~~الكتاب المبين أو خيفة أن لا يؤمنوا به وقوله تعالى «إن نشأ» الخ استئناف ~~مسوق لتعليل ما يفهم من الكلام من النهى عن التحسر المذكور ببيان أن ~~إيمانهم ليس مما تعلقت به مشيئة الله تعالى حتما فلا وجه للطمع فيه والتألم ~~من فواته ومفعول المشيئة محذوف لكونه مضمون الجزاء أعني قوله تعالى «ننزل ~~عليهم من السماء آية» أي ملجئة لهم إلى الإيمان قاسرة عليه وتقديم الظرفين ~~على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم PageV06P233 # والتشويق إلى المؤخر «فظلت أعناقهم لها خاضعين» أي منقادين وأصله فظلوا ~~لها خاضعين فأقتحمت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع وترك الخبر ~~على حاله وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم في الصيغة أيضا ~~كما في قوله تعالى رأيتهم لي ساجدين وقيل أريد بها الرؤساء والجماعات من ~~قولهم جاءنا عنق من الناس أي فوج منهم وقرئ خاضعة وقوله تعالى فظلت عطف على ~~تنزل باعتبار محله وقوله تعالى «وما يأتيهم ms2446 من ذكر من الرحمن محدث إلا ~~كانوا عنه معرضين» بيان لشدة شكيمتهم وعدم إرعوائهم عما كانوا عليه من ~~الكفر والتكذيب بغير ما ذكر من الآية الملجئة لصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الحرص على إسلامهم وقطع رجائه عنه ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم ~~والثانية لإبتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة الذكر ~~وأياما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وشناعة ما فعلوا به والتعرض لعنوان ~~الرحمة لتغليظ شناعتهم وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابة عز ~~وجل على الإطلاق شنيع قبيح وعما يأتيهم بموجب رحمته تعالى المحض منفعتهم ~~أشنع وأقبح أي ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أومن طائفة نازلة من ~~القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر من ~~جهته تعالى بمقتضى رحمته الواسعة مجدد تنزيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ~~إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء وإصرار أعلى ما كانوا ~~عليه من الكفر والضلال والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على ~~الحالية من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور أي ما ~~يأتيهم من ذكر في حال من الأحوال إلا حال كونهم معرضين عنه «فقد كذبوا» أي ~~كذبوا بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا مقارنا للإستهزاء به ولم يكتفوا ~~بالإعراض عنه حيث جعلوه تارة سحرا وأخرى أساطير وأخرى شعرا والفاء في قوله ~~تعالى «فسيأتيهم» لترتيب ما بعدها على ما قبلها والسين لتأكيد مضمون الجملة ~~وتقريره أي فسيأتيهم البتة من غير تخلف أصلا «أنباء ما كانوا به يستهزؤون» ~~عدل عما يقتضيه سائر ما سلف من الإعراض والتكذيب للإيذان بأنهما كانا ~~مقارنين للإستهزاء كما أشير إليه حسبما وقع في قوله تعالى وما تأتيهم من ~~آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن وأنباؤه ما سيحيق بهم من العقوبات ~~العاجلة والآجلة عبر عنها بذاك إما لكونها مما نبأ أبها القرآن الكريم وإما ~~لأنهم بمشاهدتها يقفون على ms2447 حقيقة حال القرآن كما يقفون على الأحوال الخافية ~~عنهم بإستماع الأنباء وفيه تهويل له لأن النبأ لا يطلق إلا على خبر خطير له ~~وقع عظيم أي فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزءون به قبل من غير أن ~~يتدبروا في أحواله ويقفوا عليها «أو لم يروا» الهمزة للإنكار التوبيخي ~~PageV06P234 # والواو للعطف على مقدار يقتضيه المقام أي أفعلوا ما فعلوا من الإعراض عن ~~الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا «إلى الأرض» أي عجائبها الزاجرة ~~عما فعلوا الداعية إلى الإقبال على ما أعرضوا عنه وإلى الإيمان به وقوله ~~تعالى «كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم» استئناف مبين لما في الأرض من ~~الآيات الزاجرة عن الكفر الداعية إلى الإيمان وكم خبرية منصوبة بما بعدها ~~على المفعولية والجمع بينها وبين كل لإفادة الإحاطة والكثرة معا ومن كل زوج ~~أي صنف تمييز والكريم من كل شيء مرضية ومحمودة أي كثيرا من كل صنف مرضى ~~كثير المنافع أنبتنا فيها وتخصيص إنباته بالذكر دون ما عداه من الأصناف ~~لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا ويحتمل أن يراد به جميع أصناف ~~النبات نافعها وضارها ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت ~~شيئا إلا وفيه حكمة فائدة كما نطق به قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة وإن غفل ~~عنها الغافلون ولم يتوصل إلى معرفة كنهها العاقلون «إن في ذلك» إشارة إلى ~~مصدر أنبتنا أو إلى كل واحد من تلك الأزواج وأيا ما كان فما فيه من معنى ~~البعد للإبذان ببعد منزلته في الفضل «الآية» أي آية عظيمة دالة على كمال ~~قدرة منبتها وغاية وفور علمه وحكمته ونهاية سعة رحمته موجبة للإيمان وازعة ~~عن الكفر «وما كان أكثرهم» أي أكثر قومه صلى الله عليه وسلم «مؤمنين» قيل ~~أي في علم الله تعالى وقضائه حيث علم أزلا أنهم سيصرفون فيما لا يزال ~~اختيارهم الذي عليه يدور أمر التكليف إلى جانب الشر ولا يتدبرون ms2448 في هذه ~~الآيات العظام وقال سيبويه كان صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين وهو الأنسب ~~بمقام بيان عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد مع تعاضد موجبات الإيمان من ~~جهته تعالى وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم منها كونهم ~~معذورين فيه بحسب الظاهر لأن ما أشير إليه من التحقيق مما خفى على مهرة ~~العلماء المتقنين كأنه قيل إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان وما أكثرهم ~~مؤمنين مع ذلك لغاية تماديهم في الكفر والضلالة وانهماكهم في المعنى ~~والجهالة ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سيؤمن «وإن ربك لهو ~~العزيز» الغالب على كل ما يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من ~~هؤلاء «الرحيم» المبالغ الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغته بما اجترؤا ~~عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات وفي التعرض لوصف الربوبية مع ~~الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والعدة الخفية بالانتقام ~~من الكفرة ما لا يخفى «وإذ نادى ربك موسى» كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله ~~من إعراضهم عن كل ما يأتيهم من الآيات التنزيلية وتكذيبهم بها إثر بيان ~~إعراضهم عما يشاهدونه من الآيات التكوينية وإذ منصوب PageV06P235 # على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي واذكر لأولئك ~~المعرضين المكذبين وقت ندائه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام وذكرهم بما ~~جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه زجرا لهم عما هم عليه من التكذيب ~~وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين الظالمين حتى يتضح لك ~~أنهم لا يؤمنون بما يأتيهم من الآيات لكن لا بقياس حال هؤلاء بحال أولئك ~~فقط بل بمشاهدة إصرارهم على ما هم عليه بعد سماع الوحي الناطق بقصتهم وعدم ~~اتعاظهم بذلك كما يلوح به تكرير قوله تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين عقيب كل قصة وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما ~~وقع فيه من الحوادث قد مر سره مرارا «أن ائت» بمعنى أي ائت على أن أن مفسرة ~~أو ms2449 بأن ائت على أنها مصدرية حذف منها الجار «القوم الظالمين» أي بالكفر ~~والمعاصي واستبعاد بني إسرائيل وذبح أبنائهم وليس هذا مطلع ما رود في حيز ~~النداء وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى إني أنا ربك إلى قوله ~~لنريك من آياتنا الكبرى وإيراد ما جرى في قصة واحدة من المقالات بعبارات ~~شتى وأساليب مختلفة قد مر تحقيقه في أوائل سورة الأعراف عند قوله تعالى ~~أنظرني «قوم فرعون» بدل من الأول أو عطف بيان له جئ به للإيذان بأنهم علم ~~في الظلم كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون والاقتصار على ذكر ~~قومه للإيذان بشهرة أن نفسه أول داخل في الحكم «ألا يتقون» استئناف جئ به ~~إثر إرساله عليه الصلاة والسلام إليهم للإنذار تعجيبا من غلوهم في الظلم ~~وإفراطهم في العدوان وقرئ بتاء الخطاب على طريقة الالتفات المنبىء عن زيادة ~~الغضب عليهم كأن ذكر ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك وهم وإن كانوا حينئذ غيبا ~~لكنهم قد أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم ~~وإسماعه مبتدأ إسماعهم مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبر وتأمل ~~وقرئ بكسر النون اكتفاء به عن باء المتكلم وقد جوز أن يكون بمعنى ألا يا ~~ناس اتقون نحو أن لا يسجدوا «قال» استئناف مبنى على سؤال نشأ من حكاية ما ~~مضى كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام فقيل قال متضرعا إلى الله عز وجل ~~«رب إني أخاف أن يكذبون» من أول الأمر «ويضيق صدري ولا ينطلق لساني» معطوفا ~~على أخاف «فأرسل» أي جبريل عليه السلام «إلى هارون» ليكون معنى وأتعاضد به ~~في تبليغ الرسالة رتب عليه الصلاة والسلام من حبسه اللسان بانقباض الروح ~~إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطبق لأنها إذا اجتمعت تمس الحاجة إلى ~~معين يقوى قلبه وينوب منابه إذا اعتراء حبسه حتى PageV06P236 # لا تختل دعوته ولا تنقطع حجته وليس هذا من التعلل والتوقف في تلقي الأمر ~~في شيء وإنما هو استدعاء ms2450 لما يعينه على الامتثال به وتمهيد عذر فيه وقرئ ~~ويضيق ولا ينطق بالنصب عطفا على يكذبون فيكونان من جملة ما يخاف منه «ولهم ~~علي ذنب» أي تبعة ذنب فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو سمى باسمه ~~والمراد به قتل القبطي وتسميته ذنبا بحسب زعمهم كما ينبئ عنه قوله لهم وهذا ~~إشارة إلى قصة مبسوطة في غير موضع «فأخاف» أي أن أتيتهم وحدى «أن يقتلون» ~~بمقابلته قبل أداء الرسالة كما ينبغي وليس هذا أيضا تعللا وإنما هو استدفاع ~~المبلية المتوقعة قبل وقوعها وقوله تعالى «قال كلا فاذهبا بآياتنا» حكاية ~~لإجابته تعالى إلى الطلبتين الدفع المفهوم من الردع عن الخوف وضم أخيه ~~المفهوم من توجيه الخطاب إليهما بطريق التغليب فإنه معطوف على مضمر ينبئ ~~عنه الردع كأنه قيل ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت ومن استدعيته وفي قوله ~~بآياتنا رمز إلى أنها تدفع ما يخافه وقوله تعالى «إنا معكم مستمعون» تعليل ~~للردع عن الخوف ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة كقوله تعالى ~~إنني معكما أسمع وأرى حيث كان الموعد بمحضر من فرعون اعتبر ههنا في المعية ~~وقيل أجريا مجرى الجماعة ويأباه ما قبله وما بعده من ضمير التثنية أي ~~سامعون ما يجري بينكما وبينه فنظهر كما عليه مثل حالة تعالى بحال ذي شوكة ~~قد حضر مجادلة قوم يستمع ما يجري بينهم ليمد أولياءه ويظهرهم على أعدائهم ~~مبالغة في الوعد بالإعانة أو استعير الاستماع الذي هو بمعنى الإصغاء للسمع ~~الذي هو العلم بالحروف والأصوات وهو خبر ثان أو خبر وحده ومعكم ظرف لغو ~~والفاء في قوله تعالى «فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين» لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها من الوعد الكريم وليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب لأن ~~معناه الوصول إلى المأتى لا مجرد التوجه إليه كالذهاب وإفراد الرسول إما ~~باعتبار رسالة كل منهما أو لاتحاد مطلبهما أو لأنه مصدر وصف به وأن في قوله ~~تعالى «أن أرسل معنا بني إسرائيل» مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول ~~معنى ms2451 القول ومعنى إرسالهم تخليتهم وشأنهم ليذهبوا معهما إلى الشأم «قال» أي ~~فرعون لموسى عليه السلام بعد ما أتياه وقالا له ما أمر به يروي أنهما ~~انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهم سنة حتى قال البواب إن ههنا إنسانا يزعم ~~أنه رسول رب العالمين فقال أئذن له لعلنا نضحك فأديا إليه الرسالة فعرف ~~PageV06P237 # موسى عليه السلام فقال عند ذلك «ألم نربك فينا» في حجرنا ومنازلنا ~~«وليدا» أي طفلا عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة «ولبثت فينا من عمرك ~~سنين» قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين وأقام بها عشر سنين ثم عاد ~~إليهم يدعوهم إلى الله عز وجل ثلاثين سنة ثم بقي بعد الغرق خمسين سنة وقيل ~~وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم على إثر ذلك والله أعلم «وفعلت ~~فعلتك التي فعلت» يعني قتل القبطي بعد ما عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه ~~مبلغ الرجال وبخه بما جرى عليه من قتل خبازه وعظم ذلك وفظعه وقرئ فعلتك ~~بكسر الفاء لأنها كانت نوعا من القتل «وأنت من الكافرين» أي بنعمتي حيث ~~عمدت إلى قتل رجل من خواصي أو أنت حينئذ ممن تكفرهم الآن وقد افترى عليه ~~عليه الصلاة والسلام أو جهل أمره عليه الصلاة والسلام حيث كان يعايشهم ~~بالتقية وإلا فأين هو عليه الصلاة والسلام من مشاركتهم في الدين فالجملة ~~حينئذ حال من إحدى التأمين ويجوز أن يكون حكما مبتدأ عليه أنه من الكافرين ~~بالهيته أو ممن يكفرون في دينهم حيث كانت لهم آلهة يعبدونها أو من الكافرين ~~بالنعم المعتادين لغمطها ومن اعتاد ذلك لا يكون مثل هذه الجناية بدعا منه ~~«قال» مجيبا له مصدقا له في القتل ومكذبا فيما نسبه إليه من الكفر «فعلتها ~~إذا وأنا من الضالين» أي من الجاهلين وقد قرىء كذلك لا من الكافرين كما ~~زعمت افتراء أي من الفاعلين فعل الجهلة والسفهاء أو من المخطئين لأنه لم ~~يعتمد قتله بل أراد تأديبه أو الذاهبين عما يؤدي إليه الوكز أو الناسين ~~كقوله ms2452 تعالى «أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» ففررت منكم إلى ربي ~~«لما خفتكم» أن تصيبوني بمضرة وتؤاخذوني بماء لا استحقه بجنابتي من العقاب ~~«فوهب لي ربي حكما» أي حكمة أو النبوة «وجعلني من المرسلين» ردأ ولا بذلك ~~ما وبخه به قدحا في نبوته ثم كر على ما عده عليه من النعمة ولم يصرح برده ~~حيث كان صدقا غير قادح في دعواه بل نبه على أن ذلك كان في الحقيقة نقمة ~~فقال «وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل» أي تلك التربية نعمة تمن ~~بها على ظاهرا وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدك إياهم بذبح أبنائهم ~~فإنه السبب في وقوعي عندك وحصولي في تربيتك وقيل إنه مقدر بهمزة الإنكار أي ~~أو تلك نعمة تمنها على وهي أن عبدت بني إسرائيل ومحل أن عبدت الرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أو بدل من نعمة أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها وقيل ~~تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة وأن عبدت عطف بيان لها والمعنى تعبيدك بني ~~إسرائيل نعمة تمنها على وتوحيد الخطاب في تمنها وجمعه فيما قبله لأن المنة ~~منه خاصة والخوف والفرار منه ومن ملئه PageV06P238 # «قال فرعون» لما سمع منه عليه الصلاة والسلام تلك المقالة المتينة وشاهد ~~تصلبه في أمره وعدم تأثره بما قدمه من الإبراق والإرعاد شرع في الاعتراض ~~على دعواه عليه الصلاة والسلام فبدأ بالإستفسار عن المرسل فقال «وما رب ~~العالمين» حكاية لما وقع في عباراته عليه الصلاة والسلام أي أي شيء رب ~~العالمين الذي ادعيت أنك رسوله منكرا لأن يكون للعالمين رب سواه حسبما يعرب ~~عنه قوله أنا ربكم الأعلى وقوله ما علمت لكم من إله غيري وينطق به وعيده ~~عند تمام أجوبته عليه الصلاة والسلام «قال» موسى عليه السلام مجيبا له «رب ~~السماوات والأرض وما بينهما» بتعيين ما أراه بالعالمين وتفصيله لزيادة ~~التحقيق والتقرير وحسم مادة تزوير اللعين وتشكيكه بحمل العالمين على ما تحت ~~مملكته «إن كنتم موقنين» أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها ms2453 علمتم ذلك ~~أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله ~~«قال» أي فرعون عند سماع جوابه عليه الصلاة والسلام خوفا من تأثيره في قلوب ~~قومه وإذعانهم له «لمن حوله» من أشراف قومه قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~كانوا خمسائة عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة «ألا تستمعون» مرائيا لهم أن ~~ما سمعوه من جوابه عليه الصلاة والسلام مع كونه مما لا يليق بأن يعتد به ~~أمر حقيق بأن يتعجب منه كأنه قال ألا تستمعون ما يقوله فاستمعوه وتعجبوا ~~منه حيث يدعى خلاف أمر محقق لا اشتباه فيه يريد به ربوبية نفسه «قال» عليه ~~الصلاة والسلام تصريحا بما كان مندرجا تحت جوابية السابقين «ربكم ورب ~~آبائكم الأولين» وحطا له من ادعاء الربوبية إلى مرتبة المربوبية «قال» أي ~~فرعون لما واجهه موسى عليه السلام بما ذكر غاظه ذلك وخاف من تأثر قومه منه ~~فأراهم أن ما قاله عليه الصلاة والسلام مما لا يصدر عن العقلاء صدا لهم عن ~~قبوله فقال مؤكدا لمقالته الشنعاء بحر في التأكيد «إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون» ليفتنهم بذلك ويصرفهم عن قبول الحق وسماه رسولا بطريق ~~الاستهزاء وأضافه إلى مخاطبيه ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه «قال» عليه ~~الصلاة والسلام «رب المشرق والمغرب وما بينهما» قاله عليه الصلاة والسلام ~~تكميلا لجوابه الأول وتفسيرا له PageV06P239 # وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم لمعنى مقالته فإن بيان ربوبيته تعالى ~~للسموات والأرض وما بينهما وإن كان متضمنا لبيان ربوبيته تعالى للخافقين ~~وما بينهما لكن لما لم يكن فيه تصريح باستناد حركات السماوات وما فيها ~~وتغيرات أحوالها وأوضاعها وكون الأرض تارة مظلمة وأخرى منورة إلى الله ~~تعالى أرشدهم إلى طريق معرفة ربوبيته تعالى لما ذكر فإن ذكر المشرق والمغرب ~~منبىء عن شروق الشمس وغروبها المنوطين بحركات السماوات وما فيها على نمط ~~بديع بترتيب عليه هذه الأوضاع الرصينة وكل ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث ~~قادر عليم حكيم لا كذوات السماوات والأرض التي ربما يتوهم جهلة المتوهمين ~~باستمرارها ms2454 استغناءها عن الموجد المتصرف «إن كنتم تعقلون» أي أن كنتم ~~تعقلون شيئا من الأشياء أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قتله ~~وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة وتلويح ~~بأنهم بمعزل من دائرة العقل وأنهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة والسلام ~~به من الجنون «قال» لما سمع اللعين منه عليه الصلاة والسلام تلك المقالات ~~المبنية على أساس الحكم البالغة وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تمشية أمره ~~وأنه ممن لا يجاري في حلبة المجاورة ضرب صفحا عن عن المقاولة بالإنصاف ونأى ~~بجانبه إلى عدوة الجور والاعتساف فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال ~~والجواب «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين» لم يقتنع منه عليه ~~الصلاة والسلام بترك دعوى الرسالة وعدم التعرض له حتى كلفه عليه الصلاة ~~والسلام أن يتخذه إلها لغاية عتوه وغلوه فيما فيه من دعوى الألوهية وهذا ~~صريح في أن تعجبه وتعجيبه من الجواب الأول ونسبته عليه الصلاة والسلام إلى ~~الجنون في الجواب الثاني كان لنسبته عليه الصلاة والسلام الربوبية إلى غيره ~~وأما ما قيل من أن سؤاله كان عن حقيقة المرسل وتعجبه من جوابه كان لعدم ~~مطابقته له لكونه بذكر أحواله فلا يساعده النظم الكريم ولا حال فرعون ولا ~~مقالة واللام في المسجونين للعهد أي لأجعلنك ممن عرفت أحوالهم في سجوني حيث ~~كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك لم يقل لأسجننك «قال أولو جئتك ~~بشيء مبين» أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي موضح لصدق دعو اى يريد ~~به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته وبين الدلالة ~~على صدق دعوى من ظهرت على يده والتغيير عنها بالشيء للتهويل قالوا الواو في ~~أولو جئتك للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي جائيا بشيء مبين وقد سلف منا ~~مرار أنها للعطف وأن كلمة لو ليست لإنتفاء الشيء في الزمان الماضي لإنتفاء ~~غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف تعويلا على ms2455 دلالة ما قبلها عليه ملاحظة ~~قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هي لبيان ~~تحقق ما يفيده الكلام السابق من حكم الموجب أو المنفى على كل حال مفروض من ~~الأحوال المقارنة له على الإجمالي بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة ~~له ليظهر PageV06P240 # بثبوته أو انتفائه معه ثبوته أو انتفاؤه مع ما عداه من الأحوال بطريق ~~الأولوية لما أن الشيء متى تحقق مع المنافى القوي فلأن يتحقق مع غيره أولى ~~لذلك لا يذكر معه شيء من سائر الأحوال ويكتفي عنه بذكر العاطف للجملة على ~~نظيرتها المقابلة لها الشاملة لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعددها ليظهر ~~ما ذكر من تحقق الحكم على جميع الأحوال فإنك إذا قلت فلان جواد يعطى ولو ~~كان فقيرا تريد بيان تحقق الإعطاء منه على كل حال من أحواله المفروضة فتعلق ~~الحكم بأبعدها منه ليظهر بتحققه معه تحققه مع ما عداه من الأحوال التي لا ~~منافاة بينها وبين الحكم بطريق الأولوية المصححة للاكتفاء بذكر العاطف عن ~~تفصيلها كأنك قلت فلان جواد يعطى لو لم يكن فقيرا ولو كان فقيرا أي يعطي ~~حال كونه غنيا وحال كونه فقيرا فالحال في الحقيقة كلنا الجملتين المتعاطفين ~~لا المذكورة على أن الواو للحال وتصدير المجىء بما ذكر من كلمة لو دون إن ~~ليس لبيان استبعاده في نفسه بل بالنسبة إلى فرعون والمعنى أتفعل بي ذلك حال ~~عدم مجييء بشيء مبين وحال مجيىء به «قال فأت به إن كنت من الصادقين» أي ~~فيما يدل عليه كلامك من أنك تأتي بشيء مبين موضح لصدق دعواك أو في دعوى ~~الرسالة وجواب الشرط المحذوف لدلالة ما قبله عليه «فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين» أي ظاهر ثعبانيته لا أنه شيء يشبهه واشتقاق الثعبان من ثعبت ~~الماء فانثعب أي فجرته فانفجر وقد مر بيان كيفية الحال في سورة الأعراف ~~وسورة طه «ونزع يده» من جيبه «فإذا هي بيضاء للناظرين» قيل لما رأى فرعون ~~الآية الأولى وقال هل لك غيرها فأخرج يده فقال ما ms2456 هذه قال فرعون يدك فما ~~فيها فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق ~~«قال للملإ حوله» أي مستقرين حوله فهو ظرف وقع موقع الحال «إن هذا لساحر ~~عليم» فائق في فن السحر «يريد أن يخرجكم» قسرا «من أرضكم بسحره فماذا ~~تأمرون» بهره سلطان لمعجزة وحيرة حتى حطه عن ذروة ادعاء الربوبية إلى حضيض ~~الخضوع لعبيده في زعمه والامتثال بأمرهم وإلى مقام مؤامرتهم ومشاورتهم بعد ~~ما كان مستقلا في الرأي والتدبير وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه ~~ونسبة الإخراج والأرض إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام PageV06P241 # «قالوا أرجه وأخاه» أخر أمرهما وقيل احبسهما «وابعث في المدائن حاشرين» ~~أي شرطا يحشرون السحرة «يأتوك» أي الحاشرون «بكل سحار عليم» فائق في فن ~~السحر وقرئ بكل ساحر «فجمع السحرة لميقات يوم معلوم» هو ما عينه موسى عليه ~~السلام بقوله موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى «وقيل للناس هل أنتم ~~مجتمعون» قيل لهم ذلك استبطاء لهم في الاجتماع وحثا لهم على المبادرة إليه ~~«لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين» أي نتبعهم في دينهم إن كانوا ~~الغالبين لا موسى عليه السلام وليس مرادهم بذلك أن يتبعوا دينهم حقيقة ~~وإنما هو أن لا يتبعوا موسى عليه السلام لكنهم ساقوا كلامهم مساق الكناية ~~حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة «فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ~~أئن لنا لأجرا» أي أجرا عظيما «إن كنا نحن الغالبين» لا موسى عليه السلام ~~«قال نعم» لكم ذلك «وإنكم» مع ذلك «إذا لمن المقربين» عندي قيل قال لهم ~~تكونون أول من يدخل على وآخر من يخرج عنى وقرئ نعم بكسر العين وهما لغتان ~~«قال لهم موسى» أي بعد ما قال له السحرة إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ~~ألقى «ألقوا ما أنتم ملقون» ولم يرد به الأمر بالسحر والتمويه بل الإذن في ~~تقديم ما هم فاعلوه البتة توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل «فألقوا ~~حبالهم وعصيهم وقالوا» أي وقد قالوا عند الإلقاء ms2457 «بعزة فرعون إنا لنحن ~~الغالبون» قالوا ذلك لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن ~~يؤتى به من السحر PageV06P242 # «فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف» أي تبتلع بسرعة وقرئ تلقف بحذق إحدى ~~التأمين من تتلقف «ما يأفكون» أي ما يقلبونه من وجهه وصورته بتمويههم ~~وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى أو إفكهم تسمية للمأفوك به ~~مبالغة «فألقي السحرة ساجدين» أي إثر ما شاهدوا ذلك من غير تلعثم وتردد غير ~~متمالكين كأن ملقيا ألقاهم لعلمهم بأن مثل ذلك خارج عن حدود السحر وأنه أمر ~~إلهي قد ظهر على يده عليه الصلاة والسلام لتصديقه وفيه دليل على أن قصارى ~~ما ينتهي إليه همم السحرة هو التمويه والتزوير تخييل شيء لا حقيقة له ~~«قالوا آمنا برب العالمين» بدل اشتمال من ألقى أو حال بإضمار قد وقوله ~~تعالى «رب موسى وهارون» بدل من رب العالمين للتوضيح ودفع توهم إرادة فرعون ~~حيث كان قومه الجهلة يسمونه بذلك والإشعار بأن الموجب لإيمانهم به تعالى ما ~~أجراه على أيديهما من المعجزة القاهرة «قال» أي فرعون للسحرة «آمنتم له قبل ~~أن آذن لكم» أي بغير أن آذان لكم كما في قوله تعالى لنقد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي لا أن الإذن منه ممكن أو متوقع «إنه لكبيركم الذي علمكم السحر» ~~فتواطأتم على ما فعلتم أو علمكم شيئا دون شيء ولذلك غلبكم أراد بذلك ~~التلبيس على قومه كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق وقرئ أآمنتم ~~بهمزتين «فلسوف تعلمون» أي وبال ما فعلتم وقوله «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين» بيان لما أو عدهم به «قالوا» أي السحرة «لا ضير» لا ~~ضرر فيه علينا وقوله تعالى «إنا إلى ربنا منقلبون» تعليل لعدم الضير أي لا ~~ضير في ذلك بل لنا فيه نفع عظيم لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله ~~تعالى من تكفير الخطايا والثواب العظيم أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من ~~القتل أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا ms2458 بسبب من أسباب الموت والقتل ~~أهونها وأرجاها وقوله تعالى «إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا» أي ~~لأن كنا «أول المؤمنين» أي من أتباع فرعون أو من أهل المشهد تعليل ~~PageV06P243 # ثان لنفي الضير أي لا ضير علينا في قتلك إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا لكوننا أول المؤمنين وقرئ إن كنا على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة ~~بالخاتمة أو على طريقة قول المدل بأمره كقول العامل لمستأجر أخر أجرته إن ~~كنت عملت لك فوفني حقي «وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي» وذلك بعد بضع سنين ~~أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوا ~~وعنادا حسبما فصل في سورة الأعراف بقوله تعالى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ~~الآيات وقرئ بكسر النون ووصل الألف من سرى وقرئ أن سر من السير «إنكم ~~متبعون» تعليل للأمر بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر بمن معك ~~حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر فيدخلوا مداخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم ~~«فأرسل فرعون» حين أخبر بمسيرهم «في المدائن حاشرين» جامعين للعساكر ~~ليتبعوهم «إن هؤلاء» يريد بني إسرائيل «لشرذمة قليلون» استقلهم وهم ستمائة ~~ألف وسبعون ألفا بالنسبة إلى جنوده إذ روي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف ~~وخمسمأة ملك مسور مع كل ملك ألف وخرج فرعون في جمع عظيم وكانت مقدمته ~~سبعمائة ألف رجل على حصان وعلى رأسه بيضة وعن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث «وإنهم لنا لغائظون» أي فاعلون ~~ما يغيظنا «وإنا لجميع حاذرون» يريد أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع ~~غلبتهم وعلوهم ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظا وتضيق صدورنا ونحن قوم عادتا ~~التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى ~~إطفاء نائرة فساده وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما ~~يكسر من قهره وسلطانه وقرئ حذرون فالأول دال على التجدد والثاني على الثبات ~~وقيل الحاذر المؤدي في السلام وقرئ حادرون بالدال ms2459 المهملة أي أقوياء وأشداء ~~وقيل مدججون في السلاح قد كسبهم ذلك حدارة في أجسامهم «فأخرجناهم» بأن ~~خلقنا فيهم داعية الخروج بهذا السبب فحملتهم عليه «من جنات وعيون» «وكنوز ~~ومقام كريم» PageV06P244 # كانت لهم جملة ذلك «كذلك» إما مصدر تشبيهي لأخرجنا أي مثل ذلك لإخراج ~~العجيب أخرجناهم أو صفة لمقام كريم أي من مقام كريم كائن كذلك أو خبر ~~لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك «وأورثناها بني إسرائيل» أي ملكناها إياهم على ~~طريقة تمليك مال المورث للوارث كأنهم ملكوها من حين خروج أربابها منها قبل ~~أن يقبضوها ويتسلموها «فأتبعوهم» أي فلحقوهم وقرئ فاتبعوهم «مشرقين» داخلين ~~في وقت شروق الشمس أي طلوعها «فلما تراءى الجمعان» تقاربا بحيث رأى كل واحد ~~منهما الآخرون وقرئ تراءت الفئتان «قال أصحاب موسى إنا لمدركون» جاءوا ~~بالجملة الأسمية مؤكدة بحر في التأكيد للدلالة على تحقق الإدراك واللحاق ~~وتنجزهما وقرئ لمدركون بتشديد الدال من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى أي ~~لمتتابعون في الهلاك على أيديهم «قال كلا» ارتدعوا عن ذلك فإنهم لا ~~يدركونكم «إن معي ربي» بالنصرة والهداية «سيهدين» البتة إلى طريق النجاة ~~منهم بالكلية روى أن يوشع عليه السلام قال يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا ~~فرعون والبحر أمامنا قال عليه السلام ههنا فخاض يوشع عليه السلام الماء ~~وضرب موسى عليه السلام بعصاه البحر فكان ما كان وروى أن مؤمنا من آل فرعون ~~كان بين يدي موسى عليه السلام فقال أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل ~~فرعون قال عليه السلام أمرت بالبحر ولعلى أومر بما أصنع فأمر بما أمر به ~~وذلك قوله تعالى «فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر» القلزم أو النيل ~~«فانفلق» الفاء فصيحة أي فضرب فانفلق فصار اثنى عشر فرقا بعدد الأسباط ~~بينهن مسالك «فكان كل فرق» حاصل بالإنفلاق «كالطود العظيم» كالجبل المنيف ~~الثابت في مقره فدخلوا في شعابها كل سبط في شعب منها «وأزلفنا» أي قربنا ~~«ثم الآخرين» أي فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم «وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين» بحفظ ms2460 البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا إلى البر ~~PageV06P245 # ثم أغرقنا الآخرين بإطباقه عليهم «إن في ذلك» أي في جميع ما فصل مما صدر ~~عن موسى عليه السلام وظهر على يديه من المعجزات القاهرة ومما فعل فرعون ~~وقومه من الأقوال والأفعال وما فعل بهم من العذاب والنكال وما في اسم ~~الإشارة من معنى البعد لتهويل أمر المشار إليه وتفظيعه كتنكير الآية في ~~قوله تعالى «لآية» أي أية آية أو آية عظيمة لا تكاد توصف موجبة لأن يعتبر ~~بها المعتبرون ويقيسوا شأن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن موسى عليه السلام ~~وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين ويجتنبوا تعاطي ما كانوا يتعاطونه من ~~الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول ويؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله كيلا يحل ~~بهم مثل ما حل بأولئك أو إن فيما فصل من القصة من حيث حكايته عليه الصلاة ~~والسلام إياها على ما هي عليه من غير أن يسمعها من أحد لآية عظيمة دالة على ~~أن ذلك بطريق الوحي الصادق موجبة للإيمان بالله تعالى وحده وطاعة رسوله ~~عليه الصلاة والسلام «وما كان أكثرهم» أي أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم منه ~~عليه الصلاة والسلام «مؤمنين» لا بأن يقيسوا شأنه بشأن موسى عليهما السلام ~~وحال أنفسهم بحال أولئك المكذبين المهلكين ولا بأن يتدبروا في حكايته عليه ~~الصلاة والسلام لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد مع كون كل من الطريقين مما ~~يؤدي إلى الإيمان قطعا ومعنى ما كان أكثرهم مؤمنين وما أكثرهم مؤمنين على ~~أن كان زائدة كما هو رأى سيبويه فيكون كقوله تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين وهو إخبار منه تعالى بما سيكون من المشركين بعد ما سمعوا الآيات ~~الناطقة بالقصة تقريرا لما مر من قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن ~~محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد كذبوا الخ وإيثار الجملة الأسمية للدلالة ~~على استقرارهم على عدم الإيمان واستمرارهم عليه ويجوز أن يجعل كان كان ~~بمعنى صار كما فعل ذلك في قوله تعالى وكان من الكافرين فالمعنى وما ms2461 صار ~~أكثرهم مؤمنين مع ما سمعوا من الآية العظيمة الموجبة له بما ذكر من الطرفين ~~فيكون الإخبار بعدم الصيرورة قبل الحدوث للدلالة على كمال تحققه وتقرره ~~كقوله تعالى أتى أمر الله الآية «وإن ربك لهو العزيز» الغالب على كل ما ~~يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من المكذبين «الرحيم» المبالغ في ~~الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يجعل عقوبتهم بعدم إيمانهم بعد مشاهدة هذه الآية ~~العظيمة بطريق الوحي مع كمال استحقاقهم لذلك هذا هو الذي يقتضيه جزالة ~~النظم الكريم من مطلع السورة الكريمة إلى آخر القصص السبع بل إلى آخر ~~السورة الكريمة اقتضاء بينا لا ريب فيه وأما ما قيل من أن ضمير أكثرهم لأهل ~~عصر فرعون من القبط وغيرهم وأن المعنى وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين حيث لم ~~يؤمن منهم إلا آسية وحزقيل ومريم ابنة ياموشا التي PageV06P246 # دلت على تابوت يوسف عليه السلام وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة ~~يعبدونها واتخذوا العجل وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فبمعزل من ~~التحقيق كيف لا ومساق كل قصة من القصص الواردة في السورة الكريمة سوى قصة ~~إبراهيم عليه السلام إنما هو لبيان حال طائفة معينة قد عتوا عن أمر ربهم ~~وعصوا رسله عليهم الصلاة والسلام كما بفصح عنه تصدير القصص بتكذيبهم ~~المرسلين بعد ما شاهدوا بأيديهم من الآيات العظام ما يوجب عليهم الإيمان ~~ويزجرهم عن الكفر والعصيان وأصروا على ما هم عليه من التكذيب فعاقبهم الله ~~تعالى لذلك بالعقوبة الدنيوية وقطع دابرهم بالكلية فكيف يمكن أن يخبر عنهم ~~بعدم إيمان أكثرهم لا سيما بعد الإخبار بإهلاكهم وعد المؤمنين من جملتهم ~~أولا وإخراجهم منها آخرا مع عدم مشاركتهم لهم في شيء ما حكى عنهم من ~~الجنايات أصلا مما يوجب تنزيه التنزيل عن أمثاله فتدبر «واتل عليهم» عطف ~~على المضمر المقدر عاملا لإذ نادى الخ أي واتل على المشركين «نبأ إبراهيم» ~~أي خبره العظيم الشأن حسبما أوحى إليك لتقف على ما ذكر م عدم إيمانهم بما ~~يأتيهم من الآيات بأحد ms2462 الطريقين «إذ قال» منصوب إما على الظرفية للنبأ أي ~~نبأه وقت قوله «لأبيه وقومه» أو على المفعولية لاتل على أنه بدل من نبأ أي ~~واتل عليهم وقت قوله لهم «ما تعبدون» على أن المتلو ما قاله لهم في ذلك ~~الوقت سألهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك ليبني على جوابهم أن ما يعبدونه ~~بمعزل من استحقاق العبادة بالكلية «قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين» لم ~~يقتصروا على الجواب الكافي بأن يقولوا أصناما كما في قوله تعالى ويسألونك ~~ماذا ينفقون قل العفو وقوله تعالى ماذا أنزل ربكم قالوا الحق ونظائرهما بل ~~أطنبوا فيه بإظهار الفعل وعطف دوام عكوفهم على أصنامهم قصدا إلى إبراز ما ~~في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بذلك والمراد بالظلول الدوام وقيل ~~كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل وصلة العكوف كلمة على وإيراد اللام ~~لإفادة معنى زائد كأنهم قالوا فنظل لأجلها مقبلين على عبادتها أو مستدبرين ~~حولها وهذا أيضا من جملة إطنابهم «قال» استئناف مبنى على سؤال نشأ من تفصيل ~~جوابهم «هل يسمعونكم» أي هل يسمعون دعاءكم على حذف المضاف أو يسمعونكم ~~تدعون كقولك سمعت زيدا يقول كيت وكيت فخذف لدلالة قوله تعالى «إذ تدعون» ~~عليه وقرئ هل يسمعونكم من الإسماع أي هل يسمعونكم شيئا من الأشياء أو ~~الجواب عن دعائكم وهل يقدرون على ذلك وصيغة المضارع مع إذ على حكاية الحال ~~PageV06P247 # الماضية لإستحضار صورتها كأنه قيل لهم استحضروا الأحوال الماضية التي ~~كنتم تدعونها فيها وأجيبوا هل سمعوا أو سمعوا قط «أو ينفعونكم» بسبب ~~عبادتكم لها «أو يضرون» أي يضرونكم بترككم لعبادتها إذا لابد للعبادة لا ~~سيما عند كونها على ما وصفتم من المبالغة فيها من جلب نفع أو دفع ضر «قالوا ~~بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون» اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع ~~والمنفعة والمضرة بالمرة واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد أي ~~ما علمنا أو ما رأينا منهم ما ذكر من الأمور بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ~~أي مثل عبادتنا يعبدون فاقتدينا بهم «قال أفرأيتم ms2463 ما كنتم تعبدون» أي ~~أنظرتم فأبصرتم أو أتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدونه «أنتم وآباؤكم الأقدمون» ~~حق الإبصار أو حق العلم وقوله «فإنهم عدو لي» بيان لحال ما يعبدونه بعد ~~التنبيه على عدم علمهم بذلك أي فاعلموا أنهم أداء لعابديهم الذين يجبونهم ~~كحب الله تعالى لما أنهم يتضررون من جهتهم فوق ما يتضرر الرجل من جهة عدوه ~~أو لأن من يغريهم على عبادتهم ويحملهم عليها هو الشيطان الذي هو أعدى عدو ~~الإنسان لكنه عليه الصلاة والسلام صور الأمر في نفسه تعريضا بهم فإنه أنفع ~~في النصيحة من التصريح وإشعارا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه ليكون أدعى إلى ~~القبول والعدو والصديق يجيئان في معنى الواحد والجمع ومنه قوله تعالى وهم ~~لكم عدو شبها بالمصادر للموازنة كالقبول والولوع والحنين والصهيل «إلا رب ~~العالمين» استثناء منقطع أي لكن رب العالمين ليس كذلك بل هو ولي في الدنيا ~~والآخرة لا يزال يتفضل على بمنافعهما حسبما يعرب عنه ما وصفه تعالى به من ~~أحكام الولاية وقيل متصل وهو قول الزجاج على أن الضمير لكل معبود وكان من ~~آبائهم من عبد الله تعالى وقوله تعالى «الذي خلقني» صفة لرب العالمين وجعله ~~مبتدأ وما بعده خبرا غير حقيق بجزالة التنزيل وإنما وصفه تعالى بذلك وبما ~~عطفه عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى للعالمين تصريحا بالنعم الخاصة ~~به عليه الصلاة والسلام وتفصيلا لها لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة ~~به تعالى وقصر الالتجاء في جلب المنافع الدينية والدنيوية المضار العاجلة ~~والآجلة عليه تعالى «فهو يهدين» PageV06P248 # يهديك أي هو يهديني وحده إلى كل ما يهمني ويصلحني من أمور الدين والدنيا ~~هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح متجددة على الاستمرار كما ينبئ عنه ~~الفاء وصيغة المضارع فإنه تعالى يهدي كل ما خلقه لما خلق له من أمور المعاش ~~والمعاد هداية متدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب ~~منافعه ودفع مضاره إما طبعا وإما اختيارا مبدؤها بالنسبة إلى الإنسان هداية ~~الجنين لإمتصاص دم الطمث ومنتهاها الهداية إلى ms2464 طريق الجنة والتنعم بنعيمها ~~المقيم «والذي هو يطعمني ويسقين» عطف على الصفة الأولى وتكرير الموصول في ~~المواقع الثلاثة مع كفاية عطف ما وقع في حيز الصلة من الجمل الست على صلة ~~الموصول الأول للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى مستقل ~~في استيجاب الحكم حقيقة بأن تجرى عليه تعالى بحيالها ولا تجعل من روادف ~~غيرها «وإذا مرضت فهو يشفين» عطف على يطعمني ويسقين نظم معهما في سلك الصلة ~~لموصول واحد لما أن الصحة والمرض من متفرعات الأكل والشرب غالبا ونسبة ~~المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى مع أنهما منه تعالى لمراعاة حسن ~~الأدب كما قال الخضر عليه السلام فأردت أن أعيبها وقال فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما وأما الإماتة فحيث كانت من معظم خصائصه تعالى كالإحياء بدءا وإعادة ~~وقد نيطت أمور الآخرة جميعا بها وبما بعدها من البعث نظمهما في سمط واحد في ~~قوله تعالى «والذي يميتني ثم يحيين» على أن الموت لكونه ذريعة إلى نيله ~~عليه الصلاة والسلام للحياة الأبدية بمعزل من أن يكون غير مطبوع عنده عليه ~~الصلاة والسلام «والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين» ذكره عليه الصلاة ~~والسلام هضما لنفسه وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب ~~مغفرة لما يفرط منهم وتلافيا لما عسى يندر منه عليه الصلاة والسلام من ~~الصغائر وتنبيها لأبيه وقومه على أن يتأملوا في أمرهم فيقفوا على أنهم من ~~سوء الحال في درجة لا يقادر قدرها فإن حاله عليه الصلاة والسلام مع كونه ف ~~طاعة الله تعالى وعبادته في الغاية القاصية حيث كانت بتلك المثابة فما ظنك ~~بحال أولئك المغمورين في الكفر وفنون المعاصي والخطايا وحمل الخطيئة على ~~كلماته الثلاث إني سقيم بل فعله كبيرهم وقوله لسارة حتى أختي مما لا سبيل ~~إليه لأنها مع كونها معاريض لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار ~~إنما صدرت عنه عليه الصلاة والسلام بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين ~~قومه أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه ms2465 الصلاة والسلام إلى ~~PageV06P249 # الشأم وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر الأصنام ومن البين أن ~~جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادئ الأمر تعليق مغفرة الخطيئة ~~بيوم الدين مع أنها إنما تغفر الدنيا لأن أثرها يومئذ يتبين ولأن في ذلك ~~تهويلا له وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر «رب هب لي حكما» بعد ما ~~ذكر عليه الصلاة والسلام لهم فنون الألطاف الفائضة عليه من الله عز وجل من ~~مبدأ خلقه إلى يوم بعثه حملة ذلك على مناجاته تعالى ودعائه لربط العتيد ~~وجلب المزيد والحكم الحكمة التي هي الكمال في العلم والعمل بحيث يتمكن به ~~من خلافة الحق ورياسة الخلق «وألحقني بالصالحين» ووفقني من العلوم والأعمال ~~والملكات لما يرشحني للإنتظام في زمرة الكاملين الراسخين في الصلاح ~~المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها أو اجمع بيني وبينهم في الجنة ولقد ~~أجابه تعالى حيث قال وإنه في الآخرة لمن الصالحين «واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين» أي جاها وحسن صيت في الدنيا بحيث يبقى أثره إلى يوم الدين ولذلك ~~لا ترى أمة من الأمم إلا وهي محبة له ومثنية عليه أو صادقا من ذريتي يحدد ~~أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أنا دعوة أبي إبراهيم ~~«واجعلني» في الآخرة «من ورثة جنة النعيم» وقد مر معنى الوراثة في سورة ~~مريم «واغفر لأبي» بالهداية والتوفيق للإيمان كما يلوح به تعليله بقوله ~~«إنه كان من الضالين» أي طريق الحق وقد مر تحقيق المقام في تفسير سورة ~~التوبة وسورة مريم بما لا مزيد عليه «ولا تخزني» بمعاتبتي على ما فرطت أو ~~ينقص رتبتي عن بعض الوراث أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا كل ~~ذلك مبني على هضم النفس منه عليه الصلاة والسلام أو بتعذيب ولدي أو يبعثه ~~في عداد الضالين بعدم توفيقه للإيمان وهو من الخزي بمعنى الهوان أو من ~~الخزاية بمعنى الحياء «يوم يبعثون» أي الناس كافة ms2466 والإضمار قبل الذكر لما ~~في عموم البعث من الشهرة الفاشية المغنية عنه وتخصيصه بالضالين مما يخل ~~بتهويل اليوم «يوم لا ينفع مال ولا بنون» بدل من يوم يبعثون جيء به تأكيدا ~~للتهويل وتمهيدا لما يعقبه من الاستثناء وهو من أعم المفاعيل أي ~~PageV06P250 # لا ينفع مال وإن كان مصروفا في الدنيا إلى وجوه البر والخيرات ولا بنون ~~وإن كانوا صلحاء مستأهلين للشفاعة أحدا «إلا من أتى الله بقلب سليم» أي عن ~~مرض الكفر والنفاق ضرورة اشتراط نفع كل منهما بالإيمان وفيه تأييد لكون ~~استغفاره عليه الصلاة والسلام لأبيه طلبا لهدايته إلى الإيمان لاستحالة طلب ~~مغفرته بعد موته كافرا مع علمه عليه الصلاة والسلام بعدم نفعه لأنه من باب ~~الشفاعة وقيل هو استثناء من فاعل ينفع بتقدير المضاف أي إلا مال من أو بنو ~~من أتى الله الآية وقيل المضاف المحذوف ليس من جنس المستثنى منه حقيقة بل ~~بضرب من الاعتبار كما في قوله تحية بينهم ضرب وجيع أي إلا حال من أتى الله ~~بقلب سليم على أنها عبارة عن سلامة القلب كأنه قيل إلا سلامة قلب من أتى ~~الله الآية وقيل المضاف المحذوف ما دل عليه المال والبنون من الغنى وهو ~~المستثنى منه كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله الآية لأن غنى ~~المرء في دينه بسلامة قلبه وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لكن سلامة قلبه ~~تنفعه «وأزلفت الجنة للمتقين» عطف على لا ينفع وصيغة الماضي فيه وفيما بعده ~~من الجمل المنتظمة معه في سلك العطف للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره كما أن ~~صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه ~~حسبما يقتضيه مقام التهويل والتفظيع أي قربت الجنة للمتقين عن الكفر ~~والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن ~~فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها «وبرزت الجحيم للغاوين» الضالين عن طريق ~~الحق الذي هو الإيمان والتقوى أي جعلت بارزة لهم بحيث يرونها مع ما فيها من ~~أنواع الأحوال الهائلة ويوقنون بأنهم مواقعوها ms2467 ولا يجدون عنها مصرفا «قيل ~~لهم أين ما كنتم» في الدنيا «ما تعبدون» «من دون الله» أي أين آلهتكم الذين ~~كنتم تزعمون في الدنيا أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف «هل ينصرونكم» بدفع ~~العذاب عنكم «أو ينتصرون» بدفعه عن أنفسهم وهذا سؤال تقريع وتبكيت لا يتوقع ~~له جواب ولذلك قيل «فكبكبوا فيها» أي ألقوا في الجحيم على وجوههم مرة بعد ~~أرى إلى أن يستقروا في قعرها «هم» أي آلهتهم «والغاوون» الذين كانوا ~~يعبدونهم وفي تأخير PageV06P251 # ذكرهم عن ذكر آلهتم رمز إلى أنهم يؤخرون عنها في الكبكبة ليشاهدوا سوء ~~حالها فيزدادوا غما إلى غمهم «وجنود إبليس» أي شياطينه الذين كانوا يغرونهم ~~ويوسوسون إليهم ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام وسائر فنون الكفر ~~والمعاصي ليجتمعوا في العذاب حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه وقيل متبعوه ~~من عصاة الثقلين والأول هو الوجه «أجمعين» تأكيد للضمير وما عطف عليه وقوله ~~تعالى «قالوا» الخ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حالهم كأنه قيل ~~ماذا قالوا حين فعل بهم ما فعل فقيل قال العبدة «وهم فيها يختصمون» أي ~~قالوا معترفين بخطئهم في أنهما كهم في الضلالة متحسرين معيرين لأنفسهم ~~والحال أنهم في الجحيم بصدد الإختصام مع من معهم من المذكورين مخاطبين ~~لمعبوديهم على أن الله تعالى يجعل الأصنام صالحة للإختصام بأن يعطيها ~~القدرة على الفهم والنطق «تالله إن كنا لفي ضلال مبين» إن مخففة من الثقيلة ~~قد حذف اسمها الذي هو ضمير الشأن واللام فارقة بينها وبن النافية أي أن ~~الشأن كنا في ضلال واضح لإخفاء فيه ووصفهم له بالوضوح للإشباع في إظهار ~~ندمهم وتحسرهم وبيان عظم خطئهم في رأيهم مع وضوح الحق كما ينبيء عنه تصدير ~~قسمهم بحرف التاء المشعرة بالتعجب وقوله تعالى «إذ نسويكم برب العالمين» ~~ظرف لكونهم في ضلال مبين وقيل لما دل عليه الكلام أي ضللنا وقيل للضلال ~~المذكور وإن كان فيه ضعف صناعي من حيث إن المصدر الموصوف لا يعمل بعد الوصف ~~وقيل ظرف لمبين وصيغة المضارع لإستحضار الصورة ms2468 الماضية أي تالله لقد كنا في ~~غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام في استحقاق العبادة برب ~~العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأدلهم وأعجزهم وقولهم «وما أضلنا إلا ~~المجرمون» بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره عنهم لكن لا على معنى قصر ~~الإضلال على المجرمين دون عداهم بل على معنى قصر ضلالهم على كونه بسبب ~~إضلالهم من غير أن يستقلوا في تحققه أو يكون بسبب إضلال الغير كأنه قيل وما ~~صدر عنا ذلك الضلال الفاحش إلا بسبب إضلالهم والمراد بالمجرمين الذين ~~أضلوهم رؤساؤهم وكبراؤهم كما في قوله تعالى ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيلا وعن السدى رحمة الله الأولون الذين اقتدوا بهم وأياما كان ~~ففيه أوفر نصيب من التعريض الذين قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وعن ~~ابن جريج PageV06P252 # إبليس وابن آدم القاتل لأنه أول من سن القتل وأنواع المعاصي «فما لنا من ~~شافعين» كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام «ولا ~~صديق حميم» كما نرى لهم أصدقاء أو فما لنا من شافعين ولا صديق حميم من ~~الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء على أن عدمهما كناية عن عداوتهما كما أن عدم ~~المحبة في مثل قوله تعالى والله لا يحب الفساد كناية عن البغض حسبما ينبئ ~~عنه قوله تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين أو وقعنا في ~~مهلكة لا يخلصنا منها شافع ولا صديق على أن المراد بعدمهما عدم أثرهما وجمع ~~الشافع لكثرة الشفعاء عادة كما أن إفراد الصديق لقلته أو لصحة إطلاقه على ~~الجمع كالعدو تشبيها لهما بالمصادر كالحنين والقبول وكلمة لو في قوله تعالى ~~«فلو أن لنا كرة» للتمنى كليت لما أن بين معنييهما تلاقيا في معنى الفرض ~~والتقدير كأنه قيل فليت لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا وقيل هي على أصلها من ~~الشرط وجوابه محذوف كأنه قيل فلو أن لنا كرة لفعلنا من الخيرات كيت وكيت ~~ويأباه قوله تعالى «فنكون من المؤمنين» لتحتم كونه جوابا للتمني مفيدا ~~لترتيب إيمانهم على وقوع الكرة البتة بلا ms2469 تخلف كما هو مقتضى حالهم وعطفه ~~على كرة طريقة للبس عباءة وتقر عيني كما يستدعيه كون لو على أصلها إنما ~~يفيد تحقق مضمون الجواب على تقدير تحقق كرتهم وإيمانهم معا من غير دلالة ~~على استلزام الكرة للإيمان أصلا مع أنه المقصود حتما «إن في ذلك» أي فيما ~~ذكر من نبأ إبراهيم عليه السلام المشتمل على بيان بطلان ما كان عليه أهل ~~مكة من عبادة الأصنام وتفصيل ما يؤول إليه أمر عبدتها يوم القيامة من ~~اعترافهم بخطئهم الفاحش وندمهم وتحسرهم على ما فاتهم من الإيمان وتمنيهم ~~الرجعة إلى الدنيا ليكونوا من المؤمنين عند مشاهدتهم لما أزلفت لهم جنات ~~النعيم وبرزت لأنفسهم الجحيم وغشيهم ما غشيهم من ألوان العذاب وأنواع ~~العقاب «لآية» أي آية عظيمة لا يقادر قدرها موجبة على عبدة الأصنام كافة لا ~~سيما على أهل مكة الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن ~~يجتنبوا كل الإجتناب ما كانوا عليه من عبادتها خوفا أن يحيق بهم مثل ما حاق ~~بأولئك من العذاب بحكم الاشتراك فيما يوجبه أو أن في ذكر نبئه وتلاوته ~~عليهم على ما هو عليه من غير أن تسمعه من أحد لآية عظيمة دالة على أن ما ~~تتلوه عليهم وحي صادق نازل من جهة الله تعالى موجبة للإيمان به قطعا «وما ~~كان أكثرهم مؤمنين» أي أكثر هؤلاء الذين تتلو عليهم النبأ مؤمنين بل هم ~~مصرون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال وأما أن ضمير أكثرهم لقوم ~~إبراهيم عليه السلام كما توهموا فمما لا سبيل إليه أصلا لظهور أنهم ما ~~ازدادوا مما سمعوا منه عليه الصلاة والسلام PageV06P253 # إلا طغيانا وكفرا حتى اجترؤا على تلك العظيمة التي فعلوها به عليه الصلاة ~~والسلام فكيف يعبر عنهم بعدم إيمان أكثرهم وإنما آمن له لوط فنجاهما الله ~~عز وجل إلى الشأم وقد مر بقية الكلام في آخر قصة موسى عليه السلام «وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم» أي هو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ولكنه يمهلهم ~~بحكم الواسعة ليؤمن بعض منهم ms2470 أو من ذرياتهم «كذبت قوم نوح المرسلين» القوم ~~مؤنث ولذلك يصغر على قويمة وقيل القوم بمعنى الأمة وتكذيبهم للمرسلين إما ~~باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف ~~الأزمنة والأعصار وإما لأن المراد بالجمع الواحد كما يقال فلان يركب الدواب ~~ويلبس البرود وماله إلا دابة وبردة وإذ في قوله تعالى «إذ قال لهم» ظرف ~~للتكذيب على أنه عبارة عن زمان مديد وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام ~~الأمر كما أن تكذيبهم عبارة عما صدر عنهم من ابتداء دعوته عليه الصلاة ~~والسلام إلى انتهائها «أخوهم» أي نسيبهم «نوح ألا تتقون» الله حين تعبدون ~~غيره «إني لكم رسول» من جهته تعالى «آمين» مشهور بالأمانة فيما بينكم « ~~فاتقوا الله وأطيعون» فيما أمركم به من التوحيد والطاعة لله تعالى «وما ~~أسألكم عليه» أي على ما أنا متصد له من الدعاء والنصح «من أجر» أصلا «إن ~~أجري» فيما أتولاه «إلا على رب العالمين» والفاء في قوله تعالى «فاتقوا ~~الله وأطيعون» لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزهه عليه الصلاة والسلام ~~عن الطمع كما أن نظيرتها السابقة لترتيب ما بعدها على أمانته والتكرير ~~للتأكيد والتنبيه على أن كلا منهما مستقل في ايجاب التقوى والطاعة فكيف إذا ~~اجتمعا وقرئ إن أجري بسكون الياء «قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون» أي ~~الأقلون جاها ومالا جمع الأرذل على الصحة فإنه بالغلبة صار جاريا مجرى ~~الاسم PageV06P254 # كالأكبر والأكابر وقيل جمع أرذل جمع رذل كأكالب وأكلب وكلب وقرئ وأتباعك ~~وهو جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال يعنون أنه لا عبرة ~~باتباعهم لك إذ ليس لهم رزانة عقل ولا إصابة رأي وقد كان ذلك منهم في بادىء ~~الرأي كما ذكر في موضع آخر وهذا من كمال سخافة عقولهم وقصرهم انظارهم على ~~حطام الدنيا وكون الأشراف عندهم من هو أكثر منها حظا والأرذل من حرمها ~~وجهلهم بأنها لا تزن عند الله جناح بعوضه وأن النعيم هو نعيم الآخرة ~~والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه ms2471 «قال وما علمي بما كانوا يعملون» جواب ~~عما أشير إليه من قولهم إنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة أي وما وظيفتي إلا ~~اعتبار الظواهر وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم والشق عن ~~قلوبهم «إن حسابهم» أي ما محاسبة أعمالهم والتنقير عن كفايتها البارزة ~~والكامنة «إلا على ربي» فإنه المضطلع السرائر والضمائر «لو تشعرون» أي بشيء ~~من الأشياء أو لو كنتم من أل الشعور لعلمتم ذلك ولكنكم لستم كذلك فتقولون ~~ما تقولون «وما أنا بطارد المؤمنين» جواب عما أوهمه كلامهم من استدعاء ~~طردهم وتعليق إيمانهم بذلك حيث جعلوا اتباعهم مانعا عنه وقوله «إن أنا إلا ~~نذير مبين» كالعلة أي ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن ~~الكفر والمعاصي سواء كانوا من الأعزاء أو الأذلاء فكيف يتسنى طرد الفقراء ~~لإستتباع الأغنياء أو ما على إلا إنذاركم بالبرهان الواضح وقد فعلته وما ~~علي استرضاء بعضكم بطرد الآخرين «قالوا لئن لم تنته يا نوح» عما تقول ~~«لتكونن من المرجومين» من المشتومين أو المرميين بالحجارة قالوه قاتلهم ~~الله تعالى في أواخر الأمر ومعنى قوله تعالى «قال رب إن قومي كذبون» تموا ~~على تكذيبي وأصروا على ذلك بعد ما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة ولم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا كما يعرب عنه دعاؤه بقوله «فافتح بيني وبينهم فتحا» أي ~~أحكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا وهذه حكاية إجمالية لدعائه المفصل في ~~سورة نوح عليه «ونجني ومن معي من المؤمنين» أي من قصدهم أو من PageV06P255 # شؤم أعمالهم «فأنجيناه ومن معه» حسب دعائه «في الفلك المشحون» أي المملوء ~~بهم وبما لابد لهم منه «ثم أغرقنا بعد» أي بعد إنجائهم «الباقين» أي من ~~قومه «إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين» «وإن ربك لهو العزيز الرحيم» ~~الكلام فيه كالذي مر خلا أن حمل أكثرهم على أكثر قوم نوح أبعد من السداد ~~وأبعد «كذبت عاد المرسلين» أنت عاد باعتبار القبيلة وهو اسم أبيهم الأقصى ~~«إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون» الكلام في أن المراد بتكذيبهم ms2472 وبما وقع ~~فيه من الزمان ماذا كما مر في صدر قصة نوح عليه السلام أي ألا تتقون الله ~~تعالى فتفعلون ما تفعلون «إني لكم رسول أمين» «فاتقوا الله وأطيعون» «وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين» الكلام فيه كالذي مر ~~وتصدير القصص به للتنبيه على أن مبنى البعثة هو الدعاء إلى معرفة الحق ~~والطاعة فيما يقرب المدعو إلى الثواب ويبعده من العقاب وأن الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام مجمعون على ذلك وإن اختلفوا في بعض فروع الشرائع المختلفة ~~باختلاف الأزمنة والأعصار وأنهم متنزهون عن المطامع الدنية والأغراض ~~الدنيوية بالكلية «أتبنون بكل ريع» أي مكان مرتفع ومنه ريع الأرض لإرتفاعها ~~«آية» علما للمارة «تعبثون» أي ببنائها إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم ~~فلا يحتاجون إليها أو بروج الحمام PageV06P256 # أو بنيانا يجتمعون إليه ليعبثوا لمن مر عليهم أو قصورا عالية يفتخرون بها ~~«وتتخذون مصانع» أي مآخذ الماء وقيل قصورا مشيدة وحصونا «لعلكم تخلدون» أي ~~راجين أن تخلدوا في الدنيا أي عاملين عمل من يرجو من ذلك فلذلك تحكمون ~~بنيانها «وإذا بطشتم» بصوت أو سيف «بطشتم جبارين» متسلطين غاشمين بلا رأفة ~~ولا قصد تأديب ولا نظر في العافية «فاتقوا الله» واتركوا هذه الأفعال ~~«وأطيعون» فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم «واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون» ~~من أنواع النعماء وأصناف الآلاء أجملها أولا ثم فصلها بقوله «أمدكم بأنعام ~~وبنين» بإعادة الفعل لزيادة التقرير فإن التفصيل بعد الإجمال والتفسير أثر ~~الإبهام أدخل في ذلك «وجنات وعيون» «إني أخاف عليكم» إن لم تقوموا بشكر هذه ~~النعم «عذاب يوم عظيم» في الدنيا والآخرة فإن كفران النعمة مستتبع للعذاب ~~كما أن شكرها مستلزم لزيادتها قال تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابي شديد «قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين» فإنا لن نرعوى ~~عما نحن عليه وتغير الشق الثاني عن مقابلة للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم ~~بوعظه كأنهم قالوا ألم تكن من أهل الوعظ ومباشريه أصلا «إن هذا» ما هذا ~~الذي جئتنا ms2473 به «إلا خلق الأولين» أي عادتهم كانوا يلفقون مثله ويسطرونه أو ~~ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم ونحن بهم مقتدون أو ~~ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة لم يزل الناس عليها ~~وقرئ خلق الأولين بفتح الخاء أي اختلاق الأولين كما قالوا أساطير الأولين ~~أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا PageV06P257 # كما حيوا ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب «وما نحن بمعذبين» على ما نحن ~~عليه من الأعمال «فكذبوه» أي أصروا على ذلك «فأهلكناهم» بسببه بريح صرصر ~~«إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين» «وإن ربك لهو العزيز الرحيم» «كذبت ~~ثمود المرسلين» إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون «الله تعالى» إني لكم رسول ~~أمين «فاتقوا الله وأطيعون» «وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين» «أتتركون في ما ها هنا آمنين» إنكار ونفي لأن يتركوا فيما هيم ~~فيه من النعمة أو تذكير للنعمة في تخلينه تعالى إياهم وأسباب تنعمهم آمنين ~~وقوله تعالى «في جنات وعيون» «وزروع ونخل طلعها هضيم» تفسير لما قبله من ~~المبهم والهضيم اللطيف اللين للطف الثمر أو لأن النخل أنثى وطلع الإناث ~~ألطف وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو أو متدل متكسر من ~~كثرة الحمل وإفراد النخل لفضله على سائر أشجار الجنات أو لأن المراد بها ~~غيرها من الأشجار «وتنحتون PageV06P258 # من الجبال بيوتا فارهين» بطرين أو حازقين من الفراهة وهي النشاط فإن ~~الحاذق يعمل بنشاط وطلب قلب وقرئ فرهين وهو أبلغ «فاتقوا الله وأطيعون» ~~«ولا تطيعوا أمر المسرفين» استعير الطاعة التي هي انقياد الأمر لامتثال ~~الأمر وارتسامه أو نسب حكم الأمر إلى أمره مجازا «الذين يفسدون في الأرض» ~~وصف موضح لإسرافهم ولذلك عطف «ولا يصلحون» على يفسدون لبيان خلوص إفسادهم ~~عن مخالطة الإصلاح «قالوا إنما أنت من المسحرين» أي الذين سحروا حتى غلب ~~على عقولهم أو من ذوى السحر أي من الإنس فيكون قوله تعالى «ما أنت إلا ms2474 بشر ~~مثلنا» تأكيدا له «فأت بآية إن كنت من الصادقين» أي في دعواك «قال هذه ~~ناقة» أي بعد ما أخرجها الله تعالى من الصخرة بدعائه عليه الصلاة والسلام ~~حسبما مر تفصيله في سورة الأعراف وسورة هود «لها شرب» أي نصيب من الماء ~~كالسقي وألقيت للحظ من السقي والقوت وقرئ بالضم «ولكم شرب يوم معلوم» ~~فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموا على شربها «ولا تمسوها بسوء» كضرب وعقر ~~«فيأخذكم عذاب يوم عظيم» وصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه وهو أبلغ من ~~تعظيم العذاب «فعقروها» أسند العقر إلى كلهم لما أن عاقرها عقرها برأيهم ~~ولذلك عمهم العذاب «فأصبحوا نادمين» خوفا من حلول العذاب لا توبة أو عند ~~معاينتهم لمباديه ولذلك لم ينفعهم الندم وإن كان بطريق التوبة «فأخذهم ~~العذاب» أي العذاب الموعود «إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين» ~~PageV06P259 # «وإن ربك لهو العزيز الرحيم» قيل في نفي الإيمان عن أكثرهم فلي هذا ~~المعرض إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب وإن قريشا ~~إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم وأنت خبير بان قريشا هم المشهورون ~~بعدم إيمان أكثرهم «كذبت قوم لوط المرسلين» «إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون» «إني لكم رسول أمين» «فاتقوا الله وأطيعون» «وما أسألكم عليه من أجر ~~إن أجري إلا على رب العالمين» «أتأتون الذكران من العالمين» أي أتأتون من ~~بين من عداكم من العالمين الذكران لا يشارككم فيه غيركم أو أتأتون الذكران ~~من أولاد آدم مع كثرتهم وغلبة النساء فيهم مع كونهم أليق بالاستمتاع ~~فالمراد بالعالمين على الأول ما ينكح من الحيوان وعلى الثاني الناس «وتذرون ~~ما خلق لكم ربكم» لأجل استمتاعكم وكلمة من في قوله تعالى «من أزواجكم» ~~للبيان إن أريد يما جنس الإناث وهو الظاهر وللتبعيض إن أريد بها العضو ~~المباح منهن تعريضا بأنهم كانوا يفعلون ذلك بنسائهم أيضا «بل أنتم قوم ~~عادون» متعدون متجاوزون الحد في جميع المعاصي وهذا من جملتها وقيل متجاوزون ~~عن حد الشهوة حيث زادوا على ms2475 سائر الناس بل الحيوانات «قالوا لئن لم تنته يا ~~لوط» أي عن تقبيح أمرنا ونهينا عنه أو عن دعوى النبوة التي من جملة أحكامها ~~التعرض لنا «لتكونن من المخرجين» أي من المنفيين من قريتنا وكأنهم كانوا ~~يخرجون من أخرجوه من بيتهم على عنف وسوء حال «قال إني PageV06P260 # لعملكم من القالين» أي من المبغضين غاية البغض كأنه يقلى الفؤاد والكبد ~~لشدته وهو أبلغ من أن يقال إني لعملكم قال لدلالته على أنه عليه الصلاة ~~والسلام من زمرة الراسخين في بعضه المشهورين في قلاه ولعله عليه الصلاة ~~والسلام أراد إظهار الكراهة في مساكنتهم والرغبة في الخلاص من سوء جوارهم ~~ولذلك أعرض عن محاورتهم وتوجه إلى الله تعالى قائلا «رب نجني وأهلي مما ~~يعملون» أي من شؤم عملهم وعائلته «فنجيناه وأهله أجمعين» أي أهل بيته ومن ~~اتبعه في الدين بإخراجهم من بينهم عند مشارفة حلول العذاب بهم «إلا عجوزا» ~~هي امرأة لوط استثنيت من أهله فلا يضره كونها كافرة لأن لها شركة في ~~الأهلية بحق الزواج «في الغابرين» أي مقدرا كونها من الباقين في العذاب ~~لأنها كانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم وقد أصابها الحجر في الطريق ~~فأهلكها كما مر في سورة الحجر وسورة هود وقيل كانت فيمن بقي في القرية ولم ~~تخرج مع لوط عليه السلام «ثم دمرنا الآخرين» أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه ~~«وأمطرنا عليهم مطرا» أي مطرا غير معهود قيل أمطر الله تعالى على شذاذ ~~القوم حجارة فأهلكتهم «فساء مطر المنذرين» اللام فيه للجنس وبه يتسنى وقوع ~~المضاف إليه فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم «إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين» «وإن ربك لهو العزيز الرحيم» «كذب أصحاب الأيكة ~~المرسلين» الأيكة الغيضة التي تنبت ناعم الشجر وهي غيضة بقرب مدين يسكنها ~~طائفة وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السالم وكان أجنبيا منهم ولذلك قيل ~~«إذ قال لهم شعيب ألا تتقون» ولم يقل PageV06P261 # أخوهم وقيل الأيكة الشجر الملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل وقرئ بحذف ~~الهمزة وإلقاء حركتها على ms2476 اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ليكة وهي اسم ~~بلدهم وإنما كتبت ههنا وفي ص بغير ألف اتباعا للفظ اللافظ «إني لكم رسول ~~أمين» «فاتقوا الله وأطيعون» «وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين» «وأوفوا الكيل» أي أتموه «ولا تكونوا من المخسرين» أي حقوق الناس ~~بالتطفيف «وزنوا» أي الموزونات «بالقسطاس المستقيم» بالميزان السوى وهو إن ~~كان عربيا فإن كان من القسط ففعلا س بتكرير العين وإلا ففعلا ل وقرئ بضم ~~القاف «ولا تبخسوا الناس أشياءهم» أي لا تنقصوا شيئا من حقوقهم أي حق كان ~~وهذا تعميم بعد تخصيص بعض المواد بالذكر لغاية أنهما كهم فيها «ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين» بالقتل والغارة وقطع الطريق «واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين» أي ذوى الجبلة الأولين وهم من تقدمهم من الخلائق وقرئ بضم الجيم ~~والباء وبكسر الجيم وسكون الباء كالخلقة «قالوا إنما أنت من المسحرين» «وما ~~أنت إلا بشر مثلنا» إدخال الواو بين الجملتين للدلالة على أن كلا من ~~التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب «وإن نظنك لمن الكاذبين» ~~أي فيما تدعيه من النبوة «فأسقط علينا كسفا من السماء» أي قطعا وقرئ بسكون ~~السين وهو أيضا جمع كسفة وقيل الكسف والكسفة كالريع والريعة وهي القطعة ~~والمراد بالسماء إما السحاب أو المظلة ولعله جواب PageV06P262 # لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد «إن كنت من الصادقين» في دعواك ولم ~~يكن طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب وإلا لما أخطروه ببالهم ~~فضلا أن يطلبوه «قال ربي أعلم بما تعملون» من الكفر والمعاصي وبما تستحقون ~~بسببه من العذاب فسينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة «فكذبوه» أي ~~فتموا على تكذيبه وأصروا عليه «فأخذهم عذاب يوم الظلة» حسبما اقترحوا أما ~~إن أرادوا بالسماء السحاب فظاهر وأما إن أرادوا المظلة فلأن نزول العذاب من ~~جهتها وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفسها إيذان بأن لهم يومئذ عذابا ~~آخر غير عذاب الظلة وذلك بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ولياليها فأخذ ms2477 ~~بأنفاسهم لا ينفعه ظل ولا ماء ولا سرب فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية ~~فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا ~~فاحترقوا جميعا روى أن شعيبا عليه السلام بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب ~~الأيكة فأهلكت مدين بالصيحة والرجفة وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة «إنه ~~كان عذاب يوم عظيم» أي في الشدة والهول وفظاعة ما وقع فيه من الطامة ~~والداهية التامة «إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين» «وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم» هذا آخر القصص السبع التي أوحيت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لصرفه صلى الله عليه وسلم عن الحرص على إسلام قومه وقطع رجائه ~~عنه ودفع تحسره على فواته تحقيقا لمضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة من ~~قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين فقد ~~كذبوا بالحق الآية فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول قد ~~أتاهم من جهته تعالى بموجب رحمته الواسعة وما كان أكثرهم مؤمنين بعد ما ~~سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة لا بأن يتدبروا فيها ويعتبروا بما في كل ~~واحدة منها من الدواعي إلى الإيمان والزواجر عن الكفر والطغيان ولا بأن ~~يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه مع علمهم ~~بأنه صلى الله عليه وسلم لم يسمع شيئا منها من أحد أصلا واستمروا على ما ~~كانوا عليه من الكفر والضلال كأن لم يسمعوا شيئا يزجرهم عن ذلك قطعا كما ~~حقق في خاتمة قصة موسى عليه السلام «وإنه» أي ما ذكر من الآيات الكريمة ~~الناطقة بالقصص المحكية أو القرآن الذي هي من جملته «لتنزيل رب العالمين» ~~أي منزل من جهته تعالى سمى به مبالغة ووصفه تعالى بربوبية العالمين للإيذان ~~بأن تنزيله من أحكام تربيته تعالى ورأفته للكل كقوله تعالى ومن أرسلناك إلا ~~رحمة PageV06P263 # العالمين «نزل به» أي أنزله «الروح الأمين» أي جبريل عليه السلام فإنه ~~امين وحيه تعالى وموصله إلى أنبيائه عليهم الصلاة ms2478 والسلام وقرئ بتشديد ~~الزاي ونصب الروح والأمين أي جعل الله تعالى الروح الأمين نازلا به «على ~~قلبك» أي روحك وإن أريد به العضو فتخصيصه به لأن المعاني الروحانية تنزل ~~أولا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق ثم تتصعد إلى ~~الدماغ فينتصف بها لوح المتخيلة «لتكون من المنذرين» متعلق بنزل به أي ~~أنزله لتنذرهم بما في تضاعيفه من العقوبات الهائلة وإيثار ما عليه النظم ~~الكريم للدلالة على انتظامه صلى الله عليه وسلم في سلك أولئك المنذرين ~~المشهورين في حقية الرسالة وتقرر وقوع العذاب المنذر «بلسان عربي مبين» ~~واضح المعنى ظاهر المدلول لئلا يبقى لهم عذر ما وهو أيضا متعلق بنزل به ~~وتأخيره للاعتناء بأمر الإنذار وللإيماء إلى أن مدار كونه من جملة المنذرين ~~المذكورين عليهم السلام مجرد انزاله عليه صلى الله عليه وسلم لا انزاله ~~باللسان العربي وجعله متعلقا بالمنذرين كما جوزه الجمهور يؤدى إلى أن غاية ~~الإنزال كونه صلى الله عليه وسلم من جملة المنذرين باللغة العربية فقط من ~~هود وصالح وشعيب عليه السلام ولا يخفى فساده كيف لا والطامة الكبرى في باب ~~الإنذار ما أنذره نوح وموسى عليهما السلام وأشد الزواجر تأثيرا في قلوب ~~المشركين ما أنذره إبراهيم عليه السلام لانتمائهم وإدعائهم أنهم على ملته ~~عليه الصلاة والسلام «وإنه لفي زبر الأولين» أي وإن ذكره أو معناه لفي ~~الكتب المتقدمة فإن أحكامه التي لا تحتمل النسخ والتبديل بحسب تبدل الأعصار ~~من التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات مسطورة فيها وكذا ما في تضاعيفه ~~من المواعظ والقصص وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بواضح ~~«أو لم يكن لهم آية» الهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام كأنه قيل أغفلوا عن ذلك ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل من رب ~~العالمين وأنه في زبر الأولين على أنه لهم متعلق بالكون قدم على اسمه وخبره ~~للاهتمام به أو بمحذوف هو حال من آية قدمت عليها لكونها نكرة وآية خبر ~~للكون ms2479 قدم على اسمه الذي هو قوله تعالى «أن يعلمه علماء بني إسرائيل» لما ~~مر مرارا من الاعتناء والتشويق إلى المؤخر أي أن يعرفوه بنعوته المذكورة في ~~كتبهم ويعرفوا من أنزل عليه وقرئ تكن بالتأنيث وجعلت آية اسما وأن يعلمه ~~خبرا وفيه ضعف حيث وقع النكرة اسما والمعرفة خبرا وقد قيل في تكن ضمير ~~القصة PageV06P264 # وآية أن يعلمه جملة واقعة موقع الخبر ويجوز أن يكون لهم آية هي جملة ~~الشأن وأن يعلمه بدلا من آية ويجوز مع نصب آية تأنيث تكن كما في قوله تعالى ~~ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا وقرئ تعلمه بالتاء «ولو نزلناه» كما هو ~~بنظمه الرائق المعجز «على بعض الأعجمين» الذين لا يقدرون على التكلم ~~بالعربية وهو جمع أعجمي على التخفيف ولذلك جمع جمع السلامة وقرئ الأعجميين ~~وفي لفظ البعض إشارة إلى كون ذلك واحدا من عرض تلك الطائفة كائنا من كان ~~«فقرأه عليهم» قراءه صحيحة خارقة للعادات «ما كانوا به مؤمنين» مع انضمام ~~إعجاز القراءة إلى إعجاز المقروء لفرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة ~~وقيل المعنى ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم ما كانوا ~~به مؤمنين لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم وليس بذاك فإنه بمعزل من ~~المناسبة لمقام بيان تماديهم في المكابرة والعناد «كذلك سلكناه» أي مثل ذلك ~~السلك البديع المذكور سلكناه أي أدخلنا القرآن «في قلوب المجرمين» ففهموا ~~معانيه وعرفوا فصاحته وأنه خارج عن القوى البشرية من حيث النظم المعجز ومن ~~حيث الإخبار عن الغيب وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله ~~على تضمها للبشارة إنزاله وبعثة من أنزل عليه بأوصافه فقوله تعالى «لا ~~يؤمنون به» جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنهم لا يتأثرون بأمثال تلك الأمور ~~الداعية إلى الإيمان به بل يستمرون على ما هم عليه «حتى يروا العذاب ~~الأليم» الملجئ إلى الإيمان به حين لا ينفعهم الإيمان «فيأتيهم بغتة» أي ~~فجأة في الدنيا والآخرة «وهم لا يشعرون» بإتيانه «فيقولوا هل نحن منظرون» ~~تحسرا على ما فات من ms2480 الإيمان وتمنيا للإمهال لتلافي ما فرطوه وقيل معنى ~~كذلك سلكناه مثل تلك الحال وتلك الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه في ~~قلوبهم وقوله تعالى لا يؤمنون به في موقع الإيضاح والتلخيص له أو في موقع ~~الحال أي سلكناه فيها غير مؤمن به والأول هو الأنسب بمقام بيان غاية عنادهم ~~ومكابرتهم مع تعاضد أدلة الإيمان وتأخذ مبادئ الهداية والإرشاد وانقطاع ~~أعذارهم بالكلية وقيل ضمير سلكناه للكفر المدلول عليه بما قبله من قوله ~~تعالى ما كانوا به مؤمنين ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد ~~رحمهما الله تعالى أدخلنا PageV06P265 # الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين «أفبعذابنا يستعجلون» بقولهم أمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وقولهم فأتنا بما تعدنا ونحوهما ~~وحالهم عند نزول العذاب كما وصف من طلب الإنذار فالفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي أيكون حالهم كما ذكر من الاستنظار عند نزول العذاب الأليم ~~فيستعجلون بعذابنا وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد أو أيغفلون عن ~~ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون الخ وإنما قدم الجار والمجرور للإيذان بأن ~~مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به عذابه تعالى مع ما فيه من رعاية ~~الفواصل «أفرأيت» لما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها ~~شاع استعمال أرأيت في معنى أخبرني والخطاب لكل من يصلح له كائنا من كان ~~والفاء لترتيب الاستخبار على قولهم هل نحن منظرون وما بينهما اعتراض ~~للتوبيخ والتبكيت وهي متقدمة في المعنى على الهمزة وتأخيرها عنها صورة ~~لاقتضاء الهمزة الصدارة كما هو رأى الجمهور أي فأخبرني «إن متعناهم سنين» ~~متطاولة بطول الأعمار وطيب المعاش «ثم جاءهم ما كانوا يوعدون» من العذاب ~~«ما أغنى عنهم» أي شيء أو أي أعناه أغنى عنهم «ما كانوا يمتعون» أي كونهم ~~ممتعين ذلك التمتيع المديد على أن ما مصدرية أو ما كانوا يمتعون به من متاع ~~الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها وأيا ما كان فالاستفهام الإنكار ~~والنفي وقيل ما نافيه أي لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في ms2481 دفع العذاب ~~وتخفيفه والأول هو الأولى لكونه أوفق لصورة الاستخبار وأدل على انتفاء الإغ ~~2 باء على أبلغ وجه وآكده كأن كل من من شأنه الخطاب قد كلف أن يخبر بأن ~~تمتيعهم ماذا أفادهم وأي شيء أغنى عنهم فلم يقدر أحد على أن يخبر بشيء من ~~ذلك أصلا وقرئ يمتعون من الامتاع «وما أهلكنا من قرية» من القرى المهلكة ~~«إلا لها منذرون» قد أنذروا أهلها إلزاما للحجة «ذكرى» أي تذكره ومحلها ~~النصب على العلة أو المصدر لأنها في معنى الإنذار كأنه قيل مذكرون ذكرى أو ~~على أنه مصدر مؤكد لفعل هو صفة لمنذرون أي إلا لها منذرون يذكرونهم ذكرى أو ~~الرفع على أنها صفة منذرون بإضمار ذوو أو بجعلهم ذكرى لإمعانهم في التذكرة ~~أو خبر مبتدأ محذوف PageV06P266 # والجملة اعتراضية وضمير لها للقرى المدلول عليها بمفردها الواقع في حيز ~~النفي على أن معنى أن للكل منذرين أعم من أن يكون لكل قرية منها منذر واحد ~~أو أكثر «وما كنا ظالمين» فنهلك غير الظالمين وقيل الإنذار والتعبير عن ذلك ~~بنفي الظالمية مع أنه إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم أصلا على ما تقرر من ~~قاعدة أهل السنة لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل ~~صدوره عنه تعالى من الظلم وقد مر في سورة آل عمران عند قوله تعالى وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد «وما تنزلت به الشياطين» رد لما زعمه الكفرة في حق القرآن ~~الكريم من أنه من قبيل ما يلقيه الشيطان على الكهنة بعد تحقيق الحق بيان ~~أنه نزل به الروح الأمين «وما ينبغي لهم» أي وما يصح وما يستقيم لهم ذلك ~~«وما يستطيعون» ذلك أصلا «إنهم عن السمع» لكلام الملائكة «لمعزولون» ~~لانتفاء المشاركة بينهم وبين الملائكة في صفاء الذوات الاستعداد لقبول ~~فيضان أنوار الحق والانتقاش بصور العلوم الربانية والمعارف النورانية كيف ~~لا ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه ~~أصلا من فنون الشرور فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن الكريم المنطوي ms2482 على ~~الحقائق الرائقة الغيبية التي لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة عليهم الصلاة ~~والسلام «فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين» خوطب به النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع ظهور استحالة صدور المنهى عنه عنه صلى الله عليه وسلم ~~تهييجا وحثا على ازدياد الإخلاص ولطفا لسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من ~~القبح والسوء بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه فكيف بمن عداه «وأنذر» ~~العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي «عشيرتك الأقربين» الأقرب منهم فالأقرب ~~فإن الاهتمام بشأنهم أهم روى أنه لما نزلت صعد الصفا وناداهم فحذا فخذا حتى ~~اجتمعوا إليه فقال لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي قالوا ~~نعم قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد وروى أنه قال يا بنى عبد المطلب ~~يا بني هاشم يا بني عبد مناف افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغنى عنكم ~~شيئا ثم قال يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد ويا ~~صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني عنكن شيئا «واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين» PageV06P267 # أي لين جانبك لهم مستعار من حال الطائر فإنه إذا أراد أن ينحط خفض جناحه ~~ومن للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره أو للتبعيض على أن ~~المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان أو المصدقون باللسان فحسب «فإن عصوك» ~~ولم يتبعوك «فقل إني بريء مما تعملون» أي مما تعملون أو من أعمالكم «وتوكل ~~على العزيز الرحيم» الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من ~~يعصيك منهم ومن غيرهم وقرئ فتوكل على أنه بدل من جواب الشرط «الذي يراك حين ~~تقوم» أي إلى التهجد «وتقلبك في الساجدين» وترددك في تصفح أحوال المتهجدين ~~كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ~~ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعتهم فوجدها كبيوت الزنابير ~~لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والتلاوة ms2483 أو تصرفك فيما بين ~~المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم وإنما وصف الله تعالى ~~ذاته بعلمه بحاله صلى الله عليه وسلم التي بها يستأهل ولايته بعد أن عبر ~~عنه بما ينبئ عن قهر أعدائه ونصر أوليائه من وصفي العزيز الرحيم تحقيقا ~~للتوكل وتوطينا لقلبه عليه «إنه هو السميع» لما تقوله «العليم» بما تنويه ~~وتعلمه «هل أنبئكم على من تنزل الشياطين» أي تتنزل بحذف إحدى التامين وهو ~~استئناف مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد بيان امتناع تنزلهم بالقرآن ودخول حرف الجر على من الاستفهامية ~~لما أنها ليست موضوعة للاستفهام بل الأصل أمن فحذف حرف الاستفهام واستمر ~~الاستعمال على حذفه كما حذف من هل والأصل أهل وقوله تعالى «تنزل على كل ~~أفاك أثيم» قصر لتنزلهم على كل من اتصف بالإفك الكثير والإثم الكبير من ~~الكهنة والمتنبئة وتخصيص له بهم بحيث لا يتخطاهم إلى غيرهم وحيث كانت ساحة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة عن أن يحوم حولها شائبة شيء من تلك ~~الأوصاف اتضح استحالة تنزلهم عليه صلى الله عليه وسلم «يلقون» أي الأفاكون ~~«السمع» PageV06P268 # إلى الشياطين فيتلقون منهم أوهاما وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها ~~بحسب تخيلاتهم الباطلة خرافات لا يطابق أكثرها الواقع وذلك قوله تعالى ~~«وأكثرهم كاذبون» أي فيما قالوه من الأقاويل وقدور في الحديث الكلمة يخطفها ~~الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة أو يلقون السمع أي ~~المسموع من الشياطين إلى الناس وأكثرهم كاذبون يفترون على الشياطين ما لم ~~يوحوا إليهم والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قلما ~~يصدقون فيما يحكون عن الجني وأما في أكثره فهم كاذبون ومآله وأكثر أقوالهم ~~كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم ~~صادقين على الإطلاق وليس معنى الأفاك من لا ينطق إلا بالإفك حتى يمتنع منه ~~الصدق بل من يكثر الإفك فلا ينافيه أن يصدق نادرا في بعض الأحايين وقيل ~~الضمير للشياطين أي ms2484 يلقون السمع أي المسموع من الملأ الاعلى قبل أن رجموا ~~من بعض المغيبات إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ لا ~~يسمعونهم على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم أو لقصور فهمهم أو ضبطهم ~~أو إفهامهم ولا سبيل إلى حمل إلقاء السمع على تسمعهم وإنصاتهم إلى الملأ ~~الأعلى قبل الرجم كما جوزه الجمهور لما أن يلقون كما صرحوا به إما حال من ~~ضمير تنزل مفيدة لمقارنة التنزل للإلقاء أو استئناف مبين للغرض من التنزل ~~مبنى على السؤال عنه ولا ريب في أن إلقاء السمع إلى الملأ الأعلى بمعزل من ~~احتمال أن يقارن التنزل أو يكون غرضا منه لتقدمه عليه قطعا وإنما المحتمل ~~لهما الإلقاء بالمعنى الأول فالمعنى على تقدير كونه حالا تنزل الشياطين على ~~الأفاكين ملقين إليهم ما سمعوه من الملأ الأ على وعلى تقدير كونه فهو وصفة ~~لكل أفاك لأنه في معنى الجمع سواء أريد بإلقاء السمع الإصغاء إلى الشياطين ~~أو إلقاء المسموع إلى الناس ويجوز أن يكون استئناف إخبار بحالهم على كلا ~~التقديرين لما أن كلا من تلقيهم من الشياطين وإلقائهم إلى الناس يكون بعد ~~التنزيل وأن يكون استئنافا مبنيا على السؤال على التقدير الأول فقط كأنه ~~قيل ما يفعلون عند تنزل الشياطين عليهم فقيل يلقون إليهم أسماعهم ليحفظوا ~~ما يوحون به إليهم وقوله تعالى وأكثرهم كاذبون على التقدير الأول استئناف ~~فقط وعلى الثاني يحتمل الحالية من ضمير يلقون أي ما سمعوه من الشياطين إلى ~~الناس والحال أنهم في أكثر أقوالهم كاذبون فتدبر «والشعراء يتبعهم الغاوون» ~~استئناف مسوق لإبطال ما قالوا في حق القرآن العظيم من أنه من قبيل الشعر ~~وان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعراء ببيان حال الشعراء المنافية ~~لحاله صلى الله عليه وسلم بعد ابطال ما قالوا أن من قبيل ما يلقي الشياطين ~~على الكهنة من الأباطيل بما مر من بيان أحوالهم المضادة لأحواله صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى أن الشعراء يتبعهم أي يجاريهم ويسلك مسلكهم ويكون من ~~جملتهم الغاوون الضالون ms2485 عن السنن الحائرون فيما يأتون وما يذرون لا يستمرون ~~على وتيرة واحدة الأفعال والأقوال والأحوال لا غيرهم من أهل الرشد المهتدين ~~إلى PageV06P269 # طريق الحق الثابتين عليه وقوله تعالى «ألم تر أنهم في كل واد يهيمون» ~~استشهاد على ان الشعراء إنما يتبعهم الغاوون وتقرير له والخطاب لكل من ~~تتأتى منه الرؤية للقصد إلى ان حالهم من الجلاء والظهور بحيث لا تختص برؤية ~~راء دون راء أي ألم تر أن الشعراء في كل واد من أودية القيل والقال وفي كل ~~شعب من شعاب الوهم والخيال وفي كل مسلك من مسالك الغي والضلال يهيمون على ~~وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين من السبل بل يتحيرون في فيافي الغواية ~~والسفاهة ويتيهون في تيه المجون والوقاحة دينهم تمزيق الأعراض المحمية ~~والقدح في الأنساب الطاهرة السنية والتسيب بالحرام والغزل والابتهار ~~والتردد بين طرفي الإفراط والتفريط في المدح والهجاء «وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون» من الأفاعيل غير مبالين بما يستتبعه من اللوائم فيكف يتوهم أن ~~يتبعهم في مسلكهم ذلك ويلتحق بهم وينتظم في سلكهم من تنزهت ساحته عن أن ~~يحوم حولها شائبة الاتصاف بشيء من الأمور المذكورة واتصف بمحاسن الصفات ~~الجليلة وتخلق بمكارم الأخلاق الجميلة وحاز جميع الكمالات القدسية وفاز ~~بجملة الملكات الأنسية مستقرا على المنهاج القويم مستمرا على الصراط ~~المستقيم ناطقا بكل أمر رشيد داعيا إلى صراط العزيز الحميد مؤيدا بمعجزات ~~قاهرة وآيات ظاهرة مشحونة بفنون الحكم الباهرة وصنوف المعارف الزاهرة ~~مستقلة بنظم رائق أعجز كل منطيق ماهر وبكت كل مفلق ساحر هذا وقد قيل في ~~تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الشعراء أن أباع الشعراء الغاوون ~~وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك ولا ريب في أن تعليل عدم كونه ~~صلى الله عليه وسلم منهم بكون أتباعه صلى الله عليه وسلم غير غاوين مما ليا ~~يليق بشأنه العالي وقيل الغاوون الراوون وقيل الشياطين وقيل هم شعراء قريش ~~عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبى وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف وأبو ms2486 ~~عزة الجمحي ومن ثقيف أمية بن أبى الصلت قالوا نحن نقول مثل قول نحمد صلى ~~الله عليه وسلم وقرئ والشعراء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وقرئ ~~يتبعهم على التخفيف ويتبعهم بسكون العين تشبها لبعه بعضد «إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا» استثناء ~~للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله عز وجل ويكون أكثر ~~أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث على طاعته والحكمة ~~والموعظة والزهد في الدنيا والترغيب عن الركون إليها والزجر عن الاغترار ~~بزخارفها والافتتان بملاذها الفانية ولو وقع منهم في بعض الأوقات هجو وقع ~~ذلك منهم بطريق الانتصار ممن هجاهم وقيل المراد بالمستثنين عبد الله بن ~~رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير بن أبي PageV06P270 # سلمى والذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون ~~هجاة قريش وعن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال له اهجهم فو الذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل وكان يقول ~~لحسان قل وروح القدس معك «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» تهديد شديد ~~وعيد أكيد لما في سيعلم من تهويل متعلقه وفي الذين ظلموا من الإطلاق ~~والتعميم وفي أي منقلب ينقلبون من الإبهام والتهويل وقد قاله أبو بكر لعمر ~~رضي الله عنها حين عهد غليه وقرئ أي منفلت ينفلتون من الانفلات بمعنى ~~النجاة والمعنى أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى وسيعلمون ~~أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة ~~الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح ~~وشعيب وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم سورة ~~النمل مكية وهي ثلاث أو أربع وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم «طس» ~~بالتفخيم وقرئ بالإمالة والكلام فيه كالذي مر في نظائره من الفواتح الشريفة ~~ومحله على تقدير كونه اسما ms2487 للسورة وهو الأظهر الأشهر الرفع على أنه خبر ~~لمبتدأ محذوف أي هذا طس أي مسمى به والإشارة إليه قبل ذكره قد مر وجهها في ~~فاتحة سورة يونس وغيرها ورفعه بالابتداء على أن ما بعده خبره ضعيف لما ذكر ~~هناك «تلك» إشارة إلى نفس السورة لأنها التي نوهت بذكر اسمها لا إلى آياتها ~~لعدم ذكرها صريحا لأن إضافتها إليها تأبى إضافتها إلى القرآن كما سيأتي وما ~~في اسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد ~~منزلته في الفضل والشرف ومحله الرفع على الابتداء خبره «آيات القرآن» ~~والجملة مستأنفة مقررة لما افاده التسمية من نباهة شأن المسمى والقرآن ~~عبارة عن الكل أو عن الجميع المنزل عند نزول السورة حسبما ذكر في فاتحة ~~فاتحة الكتاب أي تلك السورة آيات القرآن المعروف بعلو الشأن أي بعض منه ~~مترجم مستقل باسم خاص «وكتاب» أي كتاب عظيم الشأن «مبين» مظهر لما في ~~تضاعيفه من الحكم والأحكام وأحوال الآخرة التي من جملتها الثواب والعقاب أو ~~لسبيل الرشد والغي أو فارق بين الحق والباطل والحلال والحرام أو ظاهر ~~الإعجاز على أنه من أبان بمعنى بان ولقد فخم شأنه الجليل بما جمع فيه من ~~وصف القرآنية المنبئة عن كونه بديعا في بابه ممتازا عن غيره بالنظم المعجز ~~كما يعرب عنه قوله تعالى قرآنا عربيا غير ذي عوج ووصف الكتابية المعربة عن ~~اشتماله على صفات كمال الكتب الإلهية فكأنه كلها وقدم الوصف الأول ههنا ~~نظرا إلى تقدم حال القرآنية على PageV06P271 # حال الكتابية وعكس في سورة الحجر نظرا إلى ما ذكر هناك من الوجه وما قيل ~~من أن الكتاب هو اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن فهو يبينه ~~للناظرين فيه لا يساعده إضافة الآيات إليه إذ لا عهد باشتماله على الآيات ~~ولا وصفه بالهداية والبشارة إذا هما باعتبار إبانته فلا بد من اعتبارها ~~بالنسبة إلى الناس الذين من جملتهم المؤمنون الا إلى الناظرين فيه وقرئ ~~وكتاب بالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ms2488 أي وآيات كتاب مبين ~~«هدى وبشرى للمؤمنين» في حيز النصب على الحالية من الآيات على أنهما مصدران ~~أقيما مقام الفاعل للمبالغة كأنهما نفس الهدى والبشارة والعامل معنى ~~الإشارة أي هادية ومبشرة أو الرفع على أنهما بدلان من الآيات أو خبران ~~آخران لتلك أو لمبتدأ محذوف ومعنى هدايتها لهم وهم مهتدون أنها تزيدهم هدى ~~قال تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما معنى تبشيرها ~~إياهم فظاهر لأنها تبشرهم برحمة من الله ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ~~وقوله تعالى «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة» صفة مادحة لهم وتخصيصهما ~~بالذكر لأنهما قرينتا الإيمان وقطر العبادات البدنية والمالية مستتبعان ~~لسائر الأعمال الصالحة وقوله تعالى «وهم بالآخرة هم يوقنون» جملة اعتراضية ~~كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة حق ~~الإيقان لا من عداهم لأن تحمل مشاق العبادات لخوف العقاب ورجاء الثواب أو ~~هو من تتمة الصلة والواو حالية أو عاطفة له على الصلة الأولى وتغيير نظمه ~~الدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم أوحديون فيه «إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة» بيان لأحوال الكفرة بعد بيان أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها ~~وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على السيئات حسبما ينطق ~~به القرآن «زينا لهم أعمالهم» القبيحة حيث جعلناها مشتهاة للطبع محبوبة ~~للنفس كما ينبئ عنه قوله صلى الله عليه وسلم حفت النار بالشهوات أو الأعمال ~~الحسنة ببيان حسنها في أنفسها حالا واستتباعها لفنون المنافع مآلا وإضافتها ~~إليهم باعتبار أمرهم بها وإيجابها عليهم «فهم يعمهون» يتحيرون ويترددون على ~~التجدد والاستمرار فمع الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما ~~يتبعها من نفع وضر أو في الضلال والإعراض عنها والفاء على الأول لترتيب ~~المسبب على السبب وعلى الثاني لترتيب ضد المسبب على السبب كما في قولك ~~وعظته فلم يتعظ وفيه إيذان بكمال عتوهم ومكابرتهم وتعكيسهم في الأمور ~~«أولئك» إشارة إلى المذكورين وهو مبتدأ خبره الموصول بعده أي أولئك ~~الموصوفون بالكفر والعمه «الذين لهم سوء PageV06P272 # العذاب» أي في الدنيا كالقتل ms2489 والأسر يوم بدر «وهم في الآخرة هم الأخسرون» ~~أي أشد الناس خسرانا لفوات الثواب واستحقاق العقاب «وإنك لتلقى القرآن» ~~كلام مستأنف قد سيق بعد بيان بعض شؤون القرآن الكريم تمهيدا لما يعقبه من ~~الأقاصيص وتصديره بحرفي التأكيد لإبراز كمال العناية بمضمونه أي لتؤتاه ~~بطريق التلقية والتلقين «من لدن حكيم عليم» أي أي حكيم وأي عليم وفي ~~تفخيمهما تفخيم لشأن القرآن وتنصيص على علو طبقته صلى الله عليه وسلم في ~~معرفته والإحاطة بما فيه من الجلائل والدقائق فإن من تلقى العلوم والحكم من ~~مثل ذلك الحكيم العليم يكون علما في رصانة العلم والحكمة والجمع بينهما مع ~~دخول العلم في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على إتقان الفعل وللإشعار ~~بأن ما في القرآن من العلوم منها منا هو حكمة كالعقائد والشرائع ومنها ما ~~ليس كذلك كالقصص والأخبار الغيبية وقوله تعالى «إذ قال موسى لأهله» منصوب ~~على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بتلاوة بعض من ~~القرآن الذي يلقاه صلى الله عليه وسلم من لدنه عز وجل تقريرا لما قبله ~~وتحقيقا له أي اذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة والسلام لأهله في وادي طوى ~~وقد غشيتهم ظلمة الليل وقدح فأصلد زنده فبدا له من جانب الطور نار «إني ~~آنست نارا سآتيكم منها بخبر» أي عن حال الطريق وقد كانوا ضلوه والسين ~~الدلالة على نوع بعد في المسافة وتأكيد الوعد والجمع إن صح أنه لم يكن معه ~~عليه الصلاة والسلام إلا امرأته لما كنى عنها بالأهل أو للتعظيم مبالغة في ~~التسلية «أو آتيكم بشهاب قبس» بتنوينهما على أن الثاني بدل من الأول أو صفة ~~له لأنه بمعنى مقبوس أي بشعلة نار مقبوسة أي مأخوذة من أصلها وقرئ بالإضافة ~~وعلى التقديرين فالمراد تعيين المقصود الذي هو القبس الجامع لمنفعتي الضياء ~~والاصطلاء لأن من النار ما ليس بقبس كالجمر وكلتا العدتين منه عليه الصلاة ~~والسلام بطريق الظن كما يفصح عن ذلك ما في سورة طه من صيغة الترجي والترديد ~~للإيذان بأنه ان ms2490 لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما بناء على ظاهر الأمر وثقة ~~بسنة الله تعالى فإنه تعالى لا يكاد يجمع على عبده حرمانين «لعلكم تصطلون» ~~رجاء أن تستدفئوا بها والصلاء النار العظيمة «فلما جاءها نودي» من جانب ~~الطور «أن بورك» معناه أي بورك على أن مفسرة لما في النداء من معنى القول ~~أو بأن بروك على أنها مصدرية حذف عنها الحار جريا على القاعدة المستمرة ~~وقيل مخففة من الثقيلة ولا ضير فلي فقدان التعويض بلا أوقد أو السين أو سوف ~~لما ان الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام «من في النار ومن حولها» أي ~~من في مكان النار وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله سبحانه نودي من ~~PageV06P273 # شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ومن حول مكانها وقرئ تباركت الأرض ~~ومن حولها والظاهر عمومه لكل من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام ~~الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكفاتهم ~~أحياء وأمواتا ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله تعالى فيها موسى وقيل ~~المراد موسى والملائكة الحاضرون وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له ~~أمر عظيم ديني تنتشر بركاته في أقطار الشام وهو تكليمه تعالى إياه عليه ~~الصلاة والسلام واستنباؤه له وإظهار المعجزات على يده عليه الصلاة والسلام ~~«وسبحان الله رب العالمين» تعجيب لموسى عليه الصلاة والسلام من ذلك وإيذان ~~بأن ذلك مر يده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور ~~وعظائم الشؤون ومن أحكام تربيته تعالى للعالمين «يا موسى إنه أنا الله» ~~استئناف مسوق لبيان آثار البركة المذكورة والضمير إما للشأن وأنا الله جملة ~~مفسرة له وإما راجع إلى المتكلم وأنا خبره والله بيان له وقوله تعالى ~~«العزيز الحكيم» صفتان لله تعالى ممهدتان لما أريد إظهاره على يده من ~~المعجزات أي أما القوى القادر على ما لا تناله الأوهام من الأمور العظام ~~التي من جملتها أمر العصا واليد الفاعل كل ما أفعله بحكمة بالغة وتدبير ~~رصين «وألق» عطف على بورك منتظم معه في سلك ms2491 تفسير النداء أي نودي أن بورك ~~وأن ألق «عصاك» حسبما نطق به قوله تعالى وأن ألق عصاك بتكرير حرف التفسير ~~كما تقول كتبت إليه أن حج وأن اعتمر وإن شئت أن حج واعتمر والفاء في قوله ~~تعالى «فلما رآها تهتز» فصيحة تفصيح عن جملة قدد حذفت ثقة بظهورها ودلالة ~~على سرعة وقوع مضمونها كما في قوله تعالى فلما رأينه أكبرنه بعد قوله تعالى ~~اخرج عليهن كأنه قيل فألقاها فانقلب حية تسعى فأبصرها فلما أبصرها متحركة ~~بسرعة واضطراب قوله تعالى «كأنها جان» أي حية خفيفة سريعة الحركة جملة ~~حالية إما من مفعول رأى مثل تهتز كما أشير إليه أو من ضمير تهتز على طريقة ~~التداخل وقرئ جان على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين «ولى مدبرا» ~~من الخوف «ولم يعقب» أي لم يرجع على عقبه من عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ~~وإنما اعتراه الرعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به كما ينبئ عنه قوله تعالى «يا ~~موسى لا تخف» أي من غيري ثقة بي أو مطلقا لقوله تعالى «إني لا يخاف لدي ~~المرسلون» فإنه يدل على نفي الخوف عنهم مطلقا لكن لا في جميع الأوقات بل ~~حين يوحى إليهم كوقت الخطاب فإنهم حينئذ مستغرقون في مطالعة شؤون الله عز ~~وجل لا يخطر ببالهم خوف من أحد أصلا وأما في سائر الأحيان فهم أخوف الناس ~~منه سبحانه أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة ليخافوا منه PageV06P274 # «إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم» استثناء منقطع استدرك ~~به ما عسى يختلج في الخلد من نفي الخوف عن كلهم مع أن منهم من فرطت منه ~~صغيره ما مما يجوز صدوره عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم وإن صدر ~~عنهم شيء من ذلك فقد فعلوا عقيبه ما يبطله ويستحقون به من الله تعالى مغفرة ~~ورحمة وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى عليه الصلاة والسلام من وكزه ~~القبطي والاستغفار وتسميتها ظلما لقوله صلى الله عليه وسلم رب ms2492 إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له «وأدخل يدك في جيبك» لأنه كان مدرعة صوف لا كم لها ~~وقيل الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع «تخرج بيضاء من غير سوء» أي آفة كبر ص ~~ونحوه «في تسع آيات» في جملتها أو معها على أن التسع هي الفلق والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في ~~مزارعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحدا ولا يعد الفلق ~~منها لأنه لم يبعث به إلى فرعون أو اذهب في تسع آيات على أنه استئناف ~~بالإرسال فيتعلق به «إلى فرعون وقومه» وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثا أو ~~مرسلا «إنهم كانوا قوما فاسقين» تعليل للإرسال أي خارجين عن الحدود في ~~الكفر والعدوان «فلما جاءتهم آياتنا» وظهرت على يد موسى «مبصرة» بينة اسم ~~فاعل أطلق على المفعول إشعارا بأنها لفرط وضوحها وإنارتها كأنها تبصر نفسها ~~لو كانت مما يبصر أو ذات تبصر من حيث إنها تهدى والعمى لا تهتدى فضلا عن ~~الهداية أو مبصرة كل من ينظر إليها ويتأمل فيها وقرئ مبصرة أي مكانا يكثر ~~فيه التبصر «قالوا هذا سحر مبين» واضح سحريته «وجحدوا بها» أي كذبوا بها ~~«واستيقنتها أنفسهم» الواو للحال أي وقد استيقنتها أي علمتها أنفسه علما ~~يقينيا «ظلما» أي للآيات كقوله تعالى بما كانوا بآياتنا يظلمون ولقد ظلموا ~~بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية وسموها سحرا وقيل ظلما لأنفسهم ~~وليس بذاك «وعلوا» أي استكبارا عن الإيمان بها كقوله تعالى والذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها وانتصابهما إما على العلة من جحدوا بها أو على ~~الحالية من فاعله أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها «فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين» من الإغراق على الوجه الهائل الذي هو عبرة للعالمين وإنما ~~لم يذكر تنبيها على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر ~~PageV06P275 # «ولقد آتينا داود وسليمان علما» كلام مستأنف مسوق لتقرير ما سبق من أنه ~~صلى الله عليه وسلم يلقى القرآن من لدن حكيم عليم ms2493 فإن قصتهما عليهما الصلاة ~~والسلام من جملة القرآن الكريم لقيه صلى الله عليه وسلم من لدنه تعالى كقصة ~~موسى عليه الصلاة والسلام وتصديره بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق ~~مضمونه أي آتينا كل واحد منهما طائفة من العلم لائقة به من علم الشرائع ~~والأحكام وغير ذلك مما يختص بكل منهما كصنعة لبوس ومنطق الطير أو علما سنيا ~~عزيزا «وقالا» أي قال كل واحد منهما شكرا لما أوتيه من العلم «الحمد لله ~~الذي فضلنا» بما آتاناه من العلم «على كثير من عباده المؤمنين» على أن ~~عبارة كل منهما فضلني إلا أنه عبر عنهما عند الحكاية بصيغة المتكلم مع ~~الغير إيجازا فإن حكاية الأقوال المتعددة سواء كانت صادرة عن المتكلم أو عن ~~غيره بعبارة جامعة للكل مما ليس بعزيز ومن الأول قوله تعالى يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وقد مر في سورة قد أفلح المؤمنون وبهذا ظهر ~~حسن موقع العطف بالواو إذ المتبادر من العطف بالفاء ترتب حمد كل منهما على ~~إيتاء ما أوتى كل منهما لا على إيتاء ما أوتى نفسه فقط وقيل في العطف ~~بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشئ من مواجبه ~~فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قيل ولقد آتيناهما علما فعملا به ~~وعلمناه وعرفا حق النعمة فيه وقالا الحمد لله الآية فتأمل والكثير المفضل ~~عليه من لم يؤت مثل علمهما وقيل من لم يؤت علما ويأباه تبيين الكثير ~~بالمؤمنين فإن خلوهم من العلم بالمرة مما لا يمكن وفي تخصيصها الأكثر ~~بالذكر رمز إلى أن البعض مفضلون عليهما وفيه أوضح دليل على فضل العلم وشرف ~~أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه ما أوتيا من ~~الملك الذي لم يؤته غيرهما وتحريض للعلماء على أن يحمدوا الله تعالى على ما ~~آتاهم من فضله ويتواضعوا ويعتقدوا أنهم وإن فضلوا على كثير فقد فضل عليهم ~~كثيرو فوق كل ذي علم عليم ونعما قال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ms2494 كل ~~الناس أفقه من عمر «وورث سليمان داود» أي النبوة والعلم أو الملك بأن قام ~~مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر «وقال» تشهيرا لنعمة الله ~~تعالى وتنويها بها ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزات الباهرة التي ~~أوتيها «يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء» المنطق في ~~المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا وقد يطلق على كل ~~ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد يقال نطقت الحمامة وكل ~~صنف من أصناف الطير يتفاهم أصواته والذي علمه سليمان عليه السلام من منطق ~~الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه ويحكى أنه مر على بلبل في ~~شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول قالوا الله ونبيه ~~أعلم قال PageV06P276 # يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء وصاحت فاخته فأخبر أنها تقول ~~ليت الخلق لم يخلقوا وصاح طاوس فقال يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال ~~يقول استغفروا الله يا مذنبين وصاح طيطوى فقال يقول كل حي ميت وكل جديد بال ~~وصاح خطاف فقال يقول قدموا خيرا تجدوه وصاح قمري فأخبر أنه يقول سبحان ربي ~~الأعلى وصاحت رخمة فقال تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وقال الحدأة ~~تقول كل شيء هالك إلا الله والقطاة تقول من سكت سلم والببغاء تقول ويل لمن ~~الدنيا همه والديك يقول اذكروا الله يا غافلين والنسر يقول يا ابن آدم عش ~~ما شئت آخرك الموت والعقاب تقول في البعد عن الناس أنس والضفدع يقول سبحان ~~ربي القدوس وأراد عليه الصلاة والسلام بقوله علمنا وأوتينا بالنون التي ~~يقال لها نون الواحد المطاع بيان حاله وصفته من كونه ملكا مطاعا لكن لا ~~تجبرا وتكبرا بل تمهيدا لما أراد منهم من حسن الطاعة والانقياد له في ~~أوامره ونواهيه حيث كان على عزيمة المسير وبقوله من كل شيء كثرة ما أوتيه ~~كما يقال فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء ويراد به ms2495 كثرة قصاده وغزارة علمه ~~ومثله قوله تعالى وأوتيت من كل شيء وقال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما ~~يهمه من أمر الدنيا والآخرة وقال مقاتل يعنى النبوة والملك وتسخير الجن ~~والإنس والشياطين والريح «إن هذا» إشارة إلى ما ذكر من التعليم والإيتاء ~~«لهو الفضل» والإحسان من الله تعالى «المبين» الواضح الذي لا يخفى على أحد ~~أو إن هذا الفضل الذي أوتيه لهو الفضل المبين على أنه عليه الصلاة والسلام ~~قاله على سبيل الشكر والمحمدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر أي أقول هذا القول شكرا لا فخرا ولعله عليه الصلاة ~~والسلام رتب على كلامه ذلك دعوة الناس إلى الغزو فإن اخبارهم بإيتاء كل شيء ~~من الأشياء التي من جملتها آلات الحرب وأسباب الغزو مما ينبئ عن ذلك فمعنى ~~قوله تعالى «وحشر لسليمان جنوده» جمع له عساكره «من الجن والإنس والطير» ~~بمباشرة مخاطبيه فإنهم كانوا رؤساء مملكته وعظماء دولته من الثقلين وغيرهم ~~بتعميم الناس للكل تغليبا وتقديم الجن على الإنس في البيان للمسارعة إلى ~~الإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه من أول الأمر لما أن الجن طائفة عانية ~~وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر والتسخير «فهم يوزعون» أي يحبس أوائلهم ~~على أواخرهم أي يوقف سلاف العسكر حتى يلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا ~~يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف كما ~~هو المعتاد في العساكر وفيه إشعار بكمال مسارعتهم إلى السير وتخصيص حبس ~~أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا لما أن ~~أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع وهذا إذا لم ~~يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو روى أن معسكره عليه الصلاة والسلام كان ~~مائة فرسخ في مائة خمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس وخمسة وعشرون للطير ~~وخمسة وعشرون للوحش وكان له عليه الصلاة والسلام ألف بيت من قوارير على ~~الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية وقد نسجت له ms2496 الجن بساطا من ذهب ~~وإبريسم فرسخا في فرسخ وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب PageV06P277 # فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس ~~وحول الناس الجن والشياطين وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس ~~وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر ويروى أنه كان يأمر الريح ~~العاصف تحمله ويأمر الرخاء تسيره فأوحى الله تعالى إليه وهو يسير بين ~~السماء والأرض إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في ~~سمعك فيحكى أنه مر بحراث فقال لقد أوتى آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في ~~أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال إنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا تقدر عليه ~~ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أوتى آل داود «حتى إذا ~~أتوا على وادي النمل» حتى هي التي يبتدأ بها الكلام ومع ذلك هي غاية لما ~~قبلها كالتي في قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل الآية ~~وهي ههنا غاية لما ينبئ عنه قوله تعالى فهم يوزعون من السير كأنه قيل ~~فساروا حتى إذا أتوا الخ ووادي النمل واد بالشام كثير النمل على ما قاله ~~مقاتل رضي الله عنه وبالطائف على ما قاله كعب رضي الله عنه وقيل هو واد ~~تسكنه الجن والنمل مراكبهم وتعدية الفعل إليه بكلمة على اما لأن إتيانهم ~~كان من فوق وإما لأن المراد بالإتيان عليه قطعه من قولهم أتى على الشيء إذا ~~أنفده وبلغ آخره ولعلهم أرادوا أن ينزلوا عند منتهى الوادي إذ حينئذ يخافهم ~~ما في الأرض لا عند سيرهم في الهواء وقوله تعالى «قالت نملة» جواب إذا ~~كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت منهم فصاحت صيحة تنبهت بها ما ~~بحضرتها من النمل لمرادها فتبعها في الفرار فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ~~ومناصحتهم فأجروا مجراهم حيث جعلت هي قائلة وما عداها من النمل مقولا لهم ~~حيث قيل «يا ms2497 أيها النمل ادخلوا مساكنكم» مع انه لا يمتنع أن يخلق الله ~~تعالى فيها النطق وفيما عداها العقل والفهم وقرئ نملة يا أيها النمل بضم ~~الميم وهو الأصل كالرجل وتسكين الميم تخفيف منه كالسبع في السبع وقرئ بضم ~~النون والميم قيل كانت نملة عرجاء تمشي وهي تتكاوس فنادت بما قالت فسمع ~~سليمان عليه السلام كلامها من ثلاثة أميال وقيل كان اسمها طاخية وقرئ ~~مسكنكم وقوله تعالى «لا يحطمنكم سليمان وجنوده» نهى في الحقيقة للنمل عن ~~التأخر في دخول مساكنهم وإن كان بحسب الظاهر نهيا له عليه الصلاة والسلام ~~ولجنوده عن الحطم كقولهم لا أرينك ههنا فهو استئناف أو بدل من الأمر كقول ~~من قال فقلت له ارحل لا تقيمن عندنا لا جواب له فإن النون لا تدخله في ~~السعة وقرئ لا يحطمنكم بالنون الخفيفة وقرئ لا يحطمنكم بفتح الحاء وكسرها ~~وأصله لا يحتطمنكم وقوله تعالى «وهم لا يشعرون» حال من فاعل يحطمنكم مفيدة ~~لتقييد الحطم بحال عدم شعورهم بمكانهم حتى لو شعروا بذلك لم يحطموا وأرادت ~~بذلك الإيذان بأنها عارفة بشؤون سليمان وسائر الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام من عصمتهم عن الظلم والإيذاء وقيل هو استئناف أي فهم سليمان ما ~~قالته وللقوم PageV06P278 # لا يشعرون بذلك «فتبسم ضاحكا من قولها» تعجبا من حذرها واهتدائها إلى ~~تدبير مصالحها ومصالح بنى نوعها وسرورا بشهرة حاله وحال جنوده في باب ~~التقوى والشفقة فيما بين أصناف المخلوقات التي هي أبعدها من إدراك أمثال ~~هذه الأمور وابتهاجا بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم مرادها روى ~~أنها أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء فامر سليمان عليه السلام ~~الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن «وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك» ~~أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه وأرتبطه بحيث لا ينفلت عني حتى لا انفك ~~عن شكرك أصلا وقرئ بفتح ياء أوزعني «التي أنعمت علي وعلى والدي» أدرج فيه ~~ذكرهما تكثيرا للنعمة فإن الإنعام عليهما إنعام عليه مستوجب للشكر «وأن ~~أعمل صالحا ترضاه» إتماما ms2498 للشكر واستدامة للنعمة «وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين» في جملتهم الجنة التي هي دار الصالحين «وتفقد الطير» أي تعرف ~~أحوال الطير فلم يرا الهدهد فيما بينها «فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان ~~من الغائبين» كأنه قال أولا مالي لا أراه لسائر ستره أو لسبب آخر ثم بدا له ~~أنه غائب فأضرب عنه فأخذ يقول أهو غائب «لأعذبنه عذابا شديدا» قيل كان ~~تعذيبه للطير بنتف ريشه وتشميسه وقيل يجعله مع ضده في قفص وقيل بالتفريق ~~بينه وبين إلفه «أو لأذبحنه» ليعتبر به أبناء جنسه «أو ليأتيني بسلطان ~~مبين» بحجة تبين عذره والحلف في الحقيقة على أحد الأولين على تقدير عدم ~~الثالث وقرئ ليأتينني بنونين أولاهما مفتوحة مشددة قيل إنه عليه الصلاة ~~والسلام لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشره فوافي الحرم وأقام به ما ~~شاء وكان يقرب كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف ~~شاة ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا فوافى صنعاء ~~وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها فنزل ليتغذى ~~ويصلى فلم يجد الماء وكان الهدهد قناقنه وكان يرى الماء من تحت الأرض كما ~~يرى الماء في الزجاجة فيجئ الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون ~~الماء فتفقده لذلك وقد كان حين نزل سليمان عليه السلام حلق الهدهد فرأى ~~هدهدا واقعا فانحط إليه فوصف له ملك سليمان عليه السلام وما سخر له من كل ~~شيء وذكر له صاحبه ملك بلقيس وأن تحت يدها اثنى عشر ألف قائد تحت يد كل ~~قائد مائة ألف وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر وذلك قوله تعالى ~~PageV06P279 # «فمكث غير بعيد» أي زمانا غير مديد وقرئ بضم الكاف وذكر أنه وقعت نفحة من ~~الشمس على رأس سليمان عليه السلام فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف ~~الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب ~~على به فارتفعت فنظرت فإذا هو ms2499 مقبل فقصدته فناشدها الله وقال بحق الله الذي ~~قواك وأقدرك علي إلا رحمتني فتركته وقالت ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف ~~ليعذبنك قال وما استثنى قالت بلى قال أو ليأتيني بعذر مبين فلما قرب من ~~سليمان عليه السلام أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا له فلما دنا ~~منه أخذ عليه السلام برأسه فمده إليه فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي ~~الله تعالى فارتعد سليمان عليه السلام وعفا عنه ثم سأله «فقال أحطت بما لم ~~تحط به» أي علما ومعرفة وحفظته من جميع جهاته وقرئ أحطت بادغام الطاء في ~~التاء بإطباق وبغير إطباق ولا خفاء في أنه لم يرد بما ادعى الإحاطة به ما ~~هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف التي تكون معرفتها والإحاطة بها من ~~وظائف أرباب العلم والحكمة لتوقفها على علم رصين وفضل مبين حتى يكون ~~إثباتها لنفسه بين يدي نبي الله سليمان عليه السلام تعديا عن طوره وتجاوزا ~~عن دائرة قدره ونفيها عنه عليه الصلاة والسلام جناية على جناية فيحتاج إلى ~~الاعتذار عنه بأنه ذلك كان منهلا بطريق الإلهام فكافحه عليه الصلاة والسلام ~~بذلك مع ما أوتى عليه الصلاة والسلام من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة ~~والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له عليه الصلاة والسلام في علمه ~~وتنبيها على أن في أدنى خلقه تعالى وأضعفهم من أحاط علما بما لم يحط به ~~لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو ~~فتنة العلماء بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة التي لا تعد الإحاطة بها ~~فضيلة ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوي ~~فيه العقلاء وغيرهم وقد علم أنه عليه الصلاة والسلام ولم يشاهده ولم يسمع ~~خبره من غيره قطعا فعبر عنه بما ذكر لترويج كلامه عنده علية الصلاة والسلام ~~وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله فإن النفس ~~للاعتذار المنبئ عن أمر بديع أقبل وإلى تلقى ما لا تعلمه أميل ثم ms2500 أيده ~~بقوله «وجئتك من سبإ بنبأ يقين» حيث فسر إبهامه نوع تفسير وأراد عليه ~~الصلاة والسلام أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة له حيث عبر عما جاء به بالنبأ ~~الذي هو الخبر الخطير والشأن الكبير ووصفه بما وصفه وإلا فماذا صدر عنه ~~عليه الصلاة والسلام مع ما حكى عنه ما حكى من الحمد والشكر واستدعاء ~~الإيزاع حتى يليق بالحكمة الإلهية تنبيهه عليه الصلاة والسلام على تركه ~~وسبأ منصرف على أنه اسم لحى سموا باسم أبيهم الأكبر وهو سبأ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان قالوا اسمه عبد شمس لقب به لكونه أول من سبى وقرئ بفتح ~~الهمزة غير منصرف على أنه اسم للقبيلة ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين ~~صنعاء مسيرة ثلاث وعلى هذه القراءة يجوز أن يراد به القبيلة والمدينة وأما ~~على القراءة الأولى فالمراد هو الحي لا غير وعدم وقوف سليمان عليه السلام ~~على نبئهم قبل إنباء الهدهد ليس بأمر بديع لا بد له من حكمة داعية إليه ~~البتة وإن استحال خلو أفعاله تعالى من الحكم والمصالح لما أن المسافة بين ~~محطة عليه الصلاة PageV06P280 # والسلام وبين مأرب وإن كانت قصيرة لكن مدة ما بين نزوله عليه الصلاة ~~والسلام هناك وبين يجئ الهدهد بالخبر أيضا قصيرة نعم اختصاص الهدهد بذلك مع ~~كون الجن أقوى منه مبنى على حكم بالغة يستأثر بها علام الغيوب وقوله تعالى ~~«إني وجدت امرأة تملكهم» استئناف ببيان ما جاء به من النبأ وتفصيل له إثر ~~الإجمال وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان وكان أبوها ملك أرض اليمن ~~كلها ورث الملك من أربعين أبا ولم يكن له ولد غيرها فغلبت بعده على الملك ~~ودانت لها الأمة وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس وإيثار وجدت على رأيت ~~لما أشير إليه من الإيذان بكونه عند غيبته بصدد خدمته عليه الصلاة والسلام ~~بإبراز نفسه في معرض من يتفقد أحوالها ويتعرفها كأنها طلبته وضالته ليعرضها ~~على سليمان عليه السلام وضمير تملكهم لسبأ على أنه اسم لحي أو ms2501 لأهلها ~~المدلول عليهم بذكر مدينتهم على أنه اسم لها «وأوتيت من كل شيء» أي من ~~الأشياء التي يحتاج إليها الملوك «ولها عرش عظيم» قيل كان ثلاثين ذراعا في ~~ثلاثين عرضا وسمكا وقيل ثمانين في ثمانين من ذهب وفضه مكالا بالجواهر وكانت ~~قوامه من ياقوت أحمر وأخضر ودر وزمرد وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق ~~واستعظام الهدهد لعرشها مع ما كان يشاهده من ملك سليمان عليه السلام إما ~~بالنسبة إلى حالها أو إلى عروش أمثالها من الملوك وقد جوز أن يكون لسليمان ~~عليه السلام مثله وأيا ما كان فوصفه بذلك بين يديه عليه الصلاة والسلام لما ~~مر من ترغيبه عليه الصلاة والسلام في الإصغاء إلى حديثه وتوجيه عزيمته عليه ~~الصلاة والسلام نحو تسخيرها ولذلك عقبه بما وجب غزوها من كفرها وكفر قومها ~~حيث قال «وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله» أي يعبدونها متجاوزين ~~عبادة الله تعالى «وزين لهم الشيطان أعمالهم» التي هي عبادة الشمس ونظائرها ~~من أصناف الكفر والمعاصي «فصدهم» بسبب ذلك «عن السبيل» أي سبيل الحق ~~والصواب فإن تزيين أعمالهم لا يتصور بدون تقويم طرق كفرهم وضلالهم ومن ~~ضرورته نسبة طريق الحق إلى العوج «فهم» بسبب ذلك «لا يهتدون» إليه وقوله ~~تعالى «ألا يسجدوا لله» مفعول له إما للصد أو للتزيين على حذف اللام منه أي ~~فصدهم لئلا يسجدوا له تعالى أو زين لهم أعمالهم لئلا يسجدوا أو بدل على ~~حاله من أعمالهم وما بينهما اعتراض أي زين لهم أن لا يسجدوا وقيل هو في ~~موقع المفعول ليهتدون بإسقاط الخافض ولا مزبدة كما في قوله تعالى لئلا يعلم ~~أهل الكتاب والمعنى فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا له تعالى وقرئ ألا يا ~~اسجدوا على التنبيه والنداء محذوف أي ألا يا قوم اسجدوا كما PageV06P281 # في قوله [ألا يا أسلمى يا دار مي على البلى] ونظائره وعلى هذا يحتمل أن ~~يكون استئنافا من جهة الله عز وجل أو من سليمان عليه السلام ويوقف على لا ~~يهتدون ويكون أمرا بالسجود ms2502 وعلى الوجوه المتقدمة ذما على تركه وأياما كان ~~فالسجود واجب وقرئ هلا وهلا بقلب الهمزتين هاء وقرئ هلا تسجدون بمعنى ألا ~~تسجدون على الخطاب (الذي يخرج الخبء في السموا والأرض) أي يظهر ما هو مخبوء ~~ومخفى فيهما كائنا ما كان وتخصيص هذا الوصف بالذكر بصدد بيان تفرده تعالى ~~باستحقاق السجود له من بين سائر أوصافه الموجبة لذلك لما أنه أرسخ في ~~معرفته والإحاطة بأحكامه بمشاهدة آثاره التي من جملتها ما أودعه الله تعالى ~~في نفسه من القدرة على معرفة الماء تحت الأرض وأشار بعطف قوله «ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون») عل يخرج إلى أنه تعالى يخرج ما في العالم الإنساني من ~~الخفايا كما يخرج ما في العالم الكبير من الخبايا لما أن المراد يظهر ما ~~تخفونه من الأحوال فيجازيكم بها وذكر ما تعلنون لتوسيع دائرة العلم أو ~~للتنبيه على تساويهما بالنسبة إلى العلم الإلهي وقرئ ما يخفون وما يعلنون ~~على صيغة الغيبة بلا التفات وإخراج الخبء يعم إشراق الكواكب وإظهارها من ~~آفاقها بعد استنارها وراءها وإنزال الأمطار وإنبات النبات بل الانشاء الذي ~~هو إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل والإبداع الذي هو إخراج ما في ~~الإمكان والعدم إلى الوجود وغير ذلك من غيوبه عز وجل وقرئ الخب بتخفيف ~~الهمزة بالحذف وقرئ الخبا بتخفيفها بالقلب وقرئ ألا تسجدون لله الذي يخرج ~~الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون (الله لا إله إلا هو رب ~~العرش العظيم) الذي هو أول الاجرام وأعظمها وقرئ العظيم بالرفع على أنه صفة ~~الرب واعلم أن ما حكى من الهدهد من قوله الذي يخرج الخبء إلى هنا ليس داخلا ~~تحت قوله أحطت بما لم تحط به وإنما هو من لعلوم والمعارف التي اقتبسها من ~~سليمان عليه السلام أورده بيانا لما هو عليه وإظهارا لتصلبه في الدين وكل ~~ذلك لتوجيه قلبه عليه الصلاة والسلام نحو قبول كلامه وصرف عنان عزيمته عليه ~~السلام إلى غزوها وتسخير ولايتها «قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من ~~حكاية كلام ms2503 الهدهد كأنه قيل فماذا فعل سليمان عليه السلام عند ذلك فقيل قال ~~«سننظر» أي فيما ذكرته من النظر بمعنى التأمل والسين للتأكيد أي سنتعرف ~~بالتجربة البتة (أصدقت أم كنت من الكاذبين) كان مقتضى الظاهر أم كذبت ~~وإيثار ما عليه النظم الكريم للايذان بأن كذبه في هذه المادة يستلزمه ~~انتظامه في سلك الموسومين بالكذب الراسخين فيه فإن مساق هذه الأقاويل ~~الملفقة على ترتيب أنيق يستميل قلوب السامعين نحو قبولها من غير أن يكون ~~لها مصداق أصلا لا سيما بين يدي نبي عظيم الشأن لا يكاد يصدر إلا عمن له ~~قدم راسخ في الكذب والإفك وقوله تعالى «اذهب بكتابي هذا فألقه» PageV06P282 # «إليهم» استئناف مبين لكيفية النظر الذي وعده عليه الصلاة والسلام وقد ~~قاله عليه الصلاة والسلام بعد ما كتب كتابه في ذلك المجلس أو بعده وتخصيصه ~~عليه الصلاة والسلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن ~~الأقوياء على التصرف والتعرف لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة وصحة ~~الفراسة ولئلا يبقى له عذر أصلا «ثم تول عنهم» أي تنح إلى مكان قريب تتوارى ~~فيه «فانظر» أي تأمل وتعرف «ماذا يرجعون» أي ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من ~~القول وجمع الضمائر لما أن مضمون الكتاب الكريم دعوة الكل إلى الإسلام ~~«قالت» أي بعد ما ذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليهم وتنحى عنهم حسبما أمر به ~~وإنما طوى ذكره إيذانا بكمال مسارعته إلى إقامة ما أمر به من الخدمة ~~وإشعارا باستغنائه عن التصريح به لغاية ظهوره روى أنه عليه الصلاة والسلام ~~كتب كتابه وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد فوجدها الهدهد راقدة ~~في قصرها بمأرب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل ~~من كوة وطرح الكتاب على نحوها وهي مستقلية وقيل نقرها فانتبهت فزعة وقيل ~~أتاها والقادة والجنود حواليها فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها ~~فألقى الكتاب على حجرها وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل تبع الحميري كما مر ~~فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت فعند ذلك قالت ms2504 لأشراف قومها «يا أيها الملأ ~~إني ألقي إلي كتاب كريم» وصفته بالكرم لكرم مضمونه أو لكونه من عند ملك ~~كريم أو لكونه مختوما أو لغرابة شأنه ووصوله إليها على منهاج غير معتاد ~~«إنه من سليمان» استئناف وقع جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل ممن هو وماذا ~~مضمونه فقالت إنه من سليمان «وإنه» أي مضمونه أو المكتوب فيه «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» وفيه إشارة إلى سبب وصفها إياه بالكرم وقرئ أنه وأنه بالفتح ~~على حذف اللام كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وبكونه مصدرا باسم الله ~~تعالى وقيل على أنه بدل من كتاب وقرئ أن من سليمان وأن بسم الله الرحمن ~~الرحيم على أن المفسرة «ألا تعلوا علي» أن مفسرة ولا ناهية أي لا تتكبروا ~~كما يفعل جبابرة الملوك وقيل مصدرية ناصة للفعل ولا نافية محلها الرفع على ~~أنها من كتاب أو خبر لمبتدأ مضمر يليق بالمقام أي مضمونه أن لا تعلوا أو ~~النصب بإسقاط الخافض أي بأن لا تعلوا علي وقرئ أن لا تغلوا بالغين المعجمة ~~أي لا تجاوزوا حدكم «وأتوني مسلمين» أي مؤمنين وقيل منقادين والأول هو ~~الأليق بشأن النبي صلى الله عليه وسلم على أن الإيمان مستتبع للانقياد حتما ~~روى أن نسخة الكتاب من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام ~~على من اتبع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين وليس الأمر فيه ~~بالإسلام قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يتوهم كونه استدعاء للتقليد فإن ~~إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة معجزة باهرة دالة على رسالة مرسلها ~~دلالة بينة PageV06P283 # «قالت» كررت حكاية قولها للإيذان بغاية اعتنائها بما في حيزه من قولها ~~«يا أيها الملأ أفتوني في أمري» أي أجيبوني في أمري الذي حزبني وذكرت لكم ~~خلاصته وعبرت عن الجواب بالفتوى التي هي الجواب في الحوادث المشكلة غالبا ~~تهويلا للأمر ورفعا لمحلهم بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة ~~وقولها «ما كنت قاطعة أمرا» أي من الأمور المتعلقة بالملك «حتى تشهدون» أي ~~إلا بمحضركم وبموجب ms2505 آرائكم استعطاف لهم واستمالة لقلوبهم لئلا يخالفوها في ~~الرأي والتدبير «قالوا» استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولها كأنه قيل ~~فماذا قالوا في جوابها فقيل قالوا «نحن أولوا قوة» في الأجساد والآلات ~~والعدد «وأولو بأس شديد» أي نجدة وشجاعة مفرطة وبلاء في الحرب «والأمر ~~إليك» أي هو موكول إليك «فانظري ماذا تأمرين» ونحن مطيعون لك فمرينا بأمرك ~~نمتثل به ونتبع رأيك وأرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي ~~والمشورة وإليك الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين نكن في الخدمة فلما أحست ~~منهم الميل إلى الحراب والعدول عن سنن الصواب شرعت في تزييف مقلتهم المبنية ~~على الغفلة عن شأن سليمان عليه السلام وذلك قوله تعالى «قالت إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية» من القرى على منهاج المقاتلة والحراب «أفسدوها» بتخريب ~~عماراتها وإتلاف ما فيها من الأموال «وجعلوا أعزة أهلها أذلة» بالقتل ~~والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة والإذلال «وكذلك يفعلون» تأكيد ~~لما وصفت من حالهم بطريق الاعتراض التذييلي وتقرير له بأن ذلك عادتهم ~~المستمرة وقيل تصديق لها من جهة الله تعالى على طريقة قوله تعالى ولو جئنا ~~بمثله مددا إثر قوله تعالى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي «وإني مرسلة ~~إليهم بهدية» تقرير لرأيها بعدما زيفت آراءهم وأتت بالجملة الاسمية الدالة ~~على الثبات المصدرة بحرف التحقيق للإيذان بأنها مزمعة على رأيها لا يلويها ~~عنه صارف ولا يثنيها عاطف أي وإني مرسلة إليهم رسلا بهدية عظيمة «فناظرة بم ~~يرجع المرسلون» حتى أعمل بما يقتضيه الحال روى أنها بعثت خمسمائة غلام ~~عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة ~~بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر وخمسمائة جارية على ~~رماك في زي الغلمان وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت ~~المرتفع والمسك والعنبر وحقا فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وبعثت رجلا ~~من أشراف قومها المنذر بن عمرو وآخر ذار أي وعقل وقالت إن كان نبيا ميز بين ~~الغلمان والجواري وثقب الدرة نقبا مستويا وسلك في ms2506 الخرزة خيطا ثم قالت ~~للمنذر إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك PageV06P284 # وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي فأقبل الهدهد فأخبر سليمان عليه السلام بذلك ~~فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة ~~فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطا شرفاته من الذهب والفضة وأمر بأحسن الدواب ~~في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن وأمر بأولاد الجن ~~وهم خلق كثير فأقيموا على اليمين واليسار ثم قعد على سريره والكراسي من ~~جانبيه واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والإنس صفوفا فراسخ والوحش والسباع ~~والطيور والهوام كذلك فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب تروث على ~~اللبن فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم ~~بوجه طلق وقال ما وراءكم وقال أين الحق وأخبره جبريل عليهما السلام بما فيه ~~فقال لهم إن فيه كذا وكذا ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل ~~رزقها في الشجرة وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت في الجزعة فجعل رزقها ~~في الفواكه ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ~~ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية وذلك قوله ~~تعالى «فلما جاء سليمان» أي الرسول «قال» أي مخاطبا للرسول والمرسل تغليبا ~~للحاضر على الغائب وقيل للرسول ومن معه ويؤيده أنه قرئ فلما جاءوا والأول ~~أولى لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ وتعميمهما لبلقيس وقومها ويؤيده ~~الإفراد في قوله تعالى ارجع إليهم «أتمدونن بمال» وهو إنكار لإمدادهم إياه ~~عليه الصلاة والسلام بالمال مع علو شأنه وسعة سلطانه وتوبيخ لهم بذلك ~~وتنكير مال للتحقير وقوله تعالى «فما آتاني الله» أي مما رأيتم آثاره من ~~النبوة والملك الذي لا غاية وراءه «خير مما آتاكم» أي من المال الذي من ~~جملته ما جئتم به فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي تعليل للإنكار ~~ولعله عليه الصلاة والسلام إنما قال لهم هذه المقالة إلى آخرها بعد ما جرى ~~بينه وبينهم ms2507 ما حكى من قصة الحق وغيرها كما أشير إليه لا أنه عليه الصلاة ~~والسلام خاطبهم بها أول ما جاءوه كما يفهم من ظاهر قوله تعالى فلما جاء الخ ~~وقرئ أتمدوني بالإدغام وبنون واحدة وبنونين وحذف الياء وقوله تعالى «بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون» إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال إلى التوبيخ ~~بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه الصلاة والسلام فرح افتخار وامتنان ~~واعتداد بها كما ينبئ عنه ما ذكر من حديث الحق والجزعة وتغيير زي الغلمان ~~والجواري وغير ذلك وفائدة الإضراب التنبيه على أن إمداده عليه الصلاة ~~والسلام بالمال منكر قبيح وعد ذلك مع أنه لا قدر له عنده عليه الصلاة ~~والسلام مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل وقيل المضاف إليه ~~المهدى إليه والمعنى بل أنتم بما يهدى إليكم تفرحون حبا لزيادة المال لما ~~أنكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا «أرجع» أفرد الضمير ههنا بعد ~~جمع الضمائر الخمسة فيما سبق لاختصاص الرجوع بالرسول عموم الإمداد ونحوه ~~PageV06P285 # للكل أي ارجع أيها الرسول «إليهم» أي إلى بلقيس وقومها فليأتينهم أي ~~فوالله لنأتينهم «بجنود لا قبل لهم بها» أي لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة ~~لهم على مقابلتها وقرئ بهم «ولنخرجنهم» عطف على جواب القسم «منها» من سبأ ~~«أذلة» أي حال كونهم أذلة بعدما كانوا فيه من العز والتمكين وفي جمع القلة ~~تأكيد لذلتهم وقوله تعالى «وهم صاغرون» أي أسارى مهانون حال أخرى مفيدة ~~لكون إخراجهم بطريق الأسر لا بطريق الإجلاء وعدم وقوع جواب القسم لأنه كان ~~معلقا بشرط قد حذف عند الحكاية ثقة بدلالة الحال عليه كأنه قيل ارجع إليهم ~~فليأتوا مسلمين وإلا فلنأتينهم الخ «قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها» ~~قاله عليه الصلاة والسلام لما دنا مجيء بلقيس إليه عليه الصلاة والسلام ~~يروى أنه لما رجعت رسلها إليها بما حكى من خبر سليمان عليه السلام قالت قد ~~علمت والله ما هذا بملك ولا لبابه من طاقة وبعثت إلى سليمان عليه ا لسلام ~~إني قادمة إليك بملوك ms2508 قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم آذنت ~~بالرحيل إلى سليمان عليه السلام فشخصت إليه في إثنى عشر ألف قيل تحت كل قيل ~~ألوف ويروى أنها أمرت فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر ~~قصر من قصور سبعة لها وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا يحفظونه ولعله أوحى إلى ~~سليمان عليه السلام باستيثاقها من عرشها فأراد أن يريها بعض ما خصه الله عز ~~سلطانه به من إجراء التعاجيب على يده مع إطلاعها على عظيم قدرته تعالى وصحة ~~نبوته عليه الصلاة والسلام ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فينظر أتعرفه أم لا ~~وتقييد الإتيان به بقوله تعالى «قبل أن يأتوني مسلمين» لما أن ذلك أبدع ~~وأغرب وأبعد من الوقوع عادة وأدل على عظيم قدرة الله تعالى وصحة نبوته عليه ~~الصلاة والسلام وليكون اختبارها وإطلاعها على بدائع المعجزات في أول مجيئها ~~وقيل لأنها إذا أتت مسلمة لم يحل له أخذ ما لها بغير رضاها «قال عفريت» أي ~~مارد خبيث «من الجن» بيان له إذ يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر لأقرانه ~~وكان اسمه ذكوان أو صخرا «أنا آتيك به» أي بعرشها «قبل أن تقوم من مقامك» ~~أي من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار وآتيك إما صيغة المضارع أو ~~الفاعل وهو الأنسب لمقام ادعاء الإتيان به لا محالة وأوفق لما عطف عليه من ~~الجملة الاسمية أي أنا آت به في تلك المدة البتة «وإني عليه» أي على ~~الإتيان به «لقوي» لا يثقل على حمله «آمين» لا أختزل منه شيئا ولا أبدله ~~«قال الذي عنده علم من الكتاب» فصل عما قبله للإيذان بما بين القائلين ~~ومقاليهما PageV06P286 # وكيفيتي قدرتهما على الإتيان به من كمال التباين أو لإسقاط الأول عن درجة ~~الاعتبار قيل هو آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام وقيل رجل كان عنده ~~اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أجاب وقيل الخضر أو جبريل أو ملك أيده ~~الله عز وجل به عليهم السلام وقيل هو سليمان ms2509 نفسه عليه السلام وفيه بعد لا ~~يخفى والمراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب المنزلة أو اللوح وتنكير ~~علم للتفخيم والرمز إلى أنه علم غير معهود ومن ابتدائية «أنا آتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك» الطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء وارتداده ~~انضمامها ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد ولما ~~لم يكن بين هذا الوعد وإنجازه مدة ما كما في وعد العفريت استغنى عن التأكيد ~~وطوى عند الحكاية ذكر الإتيان به للإيذان بأنه أمر متحقق غني عن الإخبار به ~~وجئ بالفاء الفصيحة لا داخلة على جملة معطوفة على جملة مقدرة دالة على ~~تحققه فقط كما في قوله عز وجل فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق ونظائره بل ~~داخلة على الشرطية حيث قيل «فلما رآه مستقرا عنده» أي رأى العرش حاضرا لديه ~~كما في قوله عز وجل فلما رأينه أكبرنه للدلالة على كمال ظهور ما ذكر من ~~تحققه واستغنائه عن الإخبار به ببيان ظهور ما يترتب عليه من رؤية سليمان ~~عليه السلام إياه واستغنائه أيضا عن التصريح به إذ التقدير فأتاه به فرآه ~~فلما رآه الخ فحذف ما حذف لما ذكرو للإيذان بكمال سرعة الإتيان به كأنه لم ~~يقع بين الوعد به وبين رؤيته عليه الصلاة والسلام إياه شيء ما أصلا وفي ~~تقييد رؤيته باستقراره عنده عليه الصلاة والسلام تأكيد لهذا المعنى لإيهامه ~~أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضا كأنه لم يزل موجودا عنده مع ما ~~فيه من الدلالة على دوام قراره عنده منتظما في سلك ملكه «قال» أي سليمان ~~عليه السلام تلقيا للنعمة بالشكر جريا على سنن أبناء جنسه من أنبياء الله ~~تعالى عليهم الصلاة والسلام وخلص عباده «هذا» أي حضور العرش بين يديه في ~~هذه المدة القصيرة أو التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات كما قيل «من فضل ~~ربي» أي تفضله على من غير استحقاق له من قبلي «ليبلوني أأشكر» بأن أراه محض ~~فضله تعالى من غير حول من جهتي ولا قوة وأقوم بحقه ms2510 «أم أكفر» بأن أجد لنفسي ~~مدخلا في البين أو أقصر في إقامة مواجبه كما هو شأن سائر النعم الفائضة على ~~العباد «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه» لأنه يرتبط به عتيدها ويستجلب به مزيدها ~~ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة الكفران «ومن كفر» أي لم يشكر ~~«فإن ربي غني» عن شكره «كريم» بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر ~~أيضا «قال» أي سليمان عليه السلام كررت الحكاية مع كون المحكي سابقا ولاحقا ~~من كلامه عليه الصلاة والسلام تنبيها على ما بين السابق واللاحق من ~~المخالفة لما أن الأول من باب الشكر لله تعالى والثاني أمر لخدمه «نكروا ~~لها عرشها» أي غيروا هيئته بوجه من الوجوه «ننظر» بالجزم على أنه جواب ~~الأمر وقرئ بالرفع على الاستئناف «أتهتدي» إلى معرفته أو إلى الجواب اللائق ~~بالمقام وقيل إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله عند رؤيتها لتقدم عرشها عرشها ~~من مسافة طويلة في مدة قليلة وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليه ~~الحراس والحجاب PageV06P287 # ويأباه تعليق النظر المتعلق بالاهتداء بالتنكير فإن ذلك مما لا دخل فيه ~~للتنكير «أم تكون» أي بالنسبة إلى علمنا «من الذين لا يهتدون» أي إلى ما ~~ذكر من معرفة عرشها أو الجواب الصواب فإن كونها في نفس الأمر منهم وإن كان ~~أمرا مستمرا لكن كونها منهم عند سليمان عليه السلام وقومه أمر حادث يظهر ~~بالاختبار «فلما جاءت» شروع في حكاية التجربة التي قصدها سليمان عليه ~~السلام أي فلما جاءت بلقيس سليمان عليه السلام وقد كان العرش بين يديه ~~«قيل» أي من جهة سليمان عليه السلام بالذات أو بالواسطة «أهكذا عرشك» لم ~~يقل أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا لها فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير ~~من إبراز العرش في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبين حالها وقد ذكرت عنده ~~عليه الصلاة والسلام بسخافة العقل «قالت كأنه هو» فأنبأت عن كمال رجاحة ~~عقلها حيث لم تقل هو هو مع علمها بحقيقة الحال تلويحا بما اعتراه بالتنكير ~~من نوع مغايرة في الصفات ms2511 مع اتحاد الذات ومراعاة لحسن الأدب في محاورته ~~عليه الصلاة والسلام «وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين» من تتمة كلامها ~~كأنها ظنت أنه عليه الصلاة والسلام أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة ~~لها فقالت أوتينا العلم بكمال قدرة الله تعالى وصحة نبوتك من قبل هذه ~~المعجزة التي شاهدناها بما سمعناه من المنذر من الآيات الدالة على ذلك وكنا ~~مسلمين من ذلك الوقت وفيه من الدلالة على كمال رزانة رأيها ورصانة فكرها ما ~~لا يخفى وقوله تعالى «وصدها ما كانت تعبد من دون الله» بيان من جهته تعالى ~~لما كان يمنعها من إظهار ما ادعته من الإسلام إلى الآن أي صدها عن ذلك ~~عبادتها القديمة للشمس وقوله تعالى «إنها كانت من قوم كافرين» تعليل لسببية ~~عبادتها المذكورة للصد أي إنها كانت من قوم راسخين في الكفر ولذلك لم تكن ~~قادرة على إظهار إسلامها وهي بين ظهرانيهم إلى أن دخلت تحت ملكة سليمان ~~عليه السلام وقرئ أنها بالفتح على البدلية من فاعل صد أو على التعليل بحذف ~~اللام هذا وأما ما قيل من أن قوله تعالى وأوتينا العلم إلى قوله تعالى من ~~قوم كافرين من كلام سليمان عليه السلام وملئه كأنهم لما سمعوا قولها كأنه ~~هو تفطنوا لإسلامها فقالوا استحسانا لشأنها أصابت في الجواب وعلمت قدرة ~~الله تعالى وصحة النبوة بما سمعت من المنذر من الآيات المتقدمة وبما عاينت ~~من هذه الآية الباهرة من أمر عرشها ورزقت الإسلام فعطفوا على ذلك قولهم ~~وأوتينا العلم الخ أي وأوتينا نحن العلم بالله تعالى وبقرته وبصحة ما جاء ~~من عنده قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام شكرا لله تعالى على فضلهم عليها ~~وسبقهم إلى العلم بالله تعالى والإسلام قبلها وصدها عن التقدم إلى الإسلام ~~عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة فمما لا يخف ما فيه من البعد والتعسف ~~PageV06P288 # «قيل لها ادخلي الصرح» الصرح القصر وقيل صحن الدار روي أن سليمان عليه ~~السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض وأجرى ms2512 من تحته ~~الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه ~~وعكف عليه الطير والجن والإنس وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمه وتحققا ~~لنبوته وثباتا على الدين وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضى إليه ~~بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية وقيل خافوا أن يولد له منها ولد يجتمع له ~~فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان عليه السلام إلى ملك هو أشد وأفظع ~~فقالوا إن في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر ~~عقلها بتنكير العرش واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها «فلما رأته» وهو حاضر ~~بين يديها كما يعرب عنه الأمر بدخولها وأحاطت بتفاصيل أحواله خبرا «حسبته ~~لجة وكشفت عن ساقيها» وتشمرت لئلا تبتل أذيالها فإذا هي أحسن الناس ساقا ~~وقدما خلا أنها شعراء قيل هي السبب في اتخاذ النورة أمر بها الشياطين ~~فاتخذوها واستنكحها عليه الصلاة والسلام وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان ~~وكان يزورها في الشهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وقيل بل زوجها ذا تبع ملك ~~همدان وسلطه على اليمن وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه فبنى له المصانع ~~وقرئ سأفيها حملا للمفرد على الجمع في سؤق وأسؤق «قال» عليه الصلاة والسلام ~~حين رأى ما اعتراها من الدهشة والرعب «أنه» أي ما توهمته ماء «صرح ممرد» أي ~~مملس «من قوارير» من الزجاج «قالت» حين عاينت تلك المعجزة أيضا «رب إني ~~ظلمت نفسي» بما كنت عليه إلى الآن من عبادة الشمس وقيل بظنى بسليمان حيث ~~ظنت أنه يريد إغراقها في اللجة وهو بعيد «وأسلمت مع سليمان» تابعة له ~~مقتدية به وما في قوله تعالى «لله رب العالمين» من الالتفات إلى الاسم ~~الجليل ووصفه بربوبية العالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى وتفرده ~~باستحقاق العبادة وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده ~~قبل ذلك من الشمس «ولقد أرسلنا» عطف على قوله تعالى ولقد آتينا داود ~~وسليمان علما مسوق لما سيق هو له من تقرير أنه عليه الصلاة والسلام يلقى ~~القرآن من ms2513 لدن حكيم عليم فإن هذه القصة أيضا من جملة القرآن الكريم الذي ~~لقيه عليه الصلاة والسلام واللام جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أرسلنا «إلى ~~ثمود أخاهم صالحا» وأن في قوله تعالى «أن اعبدوا الله» مفسرة لما في ~~الإرسال من معنى القول أو مصدرية حذف عنها الباء وقرئ بضم النون اتباعا لها ~~للباء «فإذا هم فريقان يختصمون» ففاجئوا التفرق والاختصام فآمن فريق وكفر ~~فريق والواو لمجموع الفريقين «قال» عليه PageV06P289 # الصلاة والسلام للفريق الكافر منهم بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية ~~العتو والعناد حتى بلغوا من المكابرة إلى أن قالوا له عليه الصلاة والسلام ~~يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين «يا قوم لم تستعجلون بالسيئة» ~~أي بالعقوبة السيئة «قبل الحسنة» أي التوبة فتؤخرونها إلى حين نزولها حيث ~~كانوا من جهلهم وغوايتهم يقولون إن وقع إيعاده تبنا حينئذ وإلا فنحن على ما ~~كنا عليه «لولا تستغفرون الله» هلا تسغفرونه تعالى قبل نزولها «لعلكم ~~ترحمون» بقبولها إذ لا إمكان للقبول عند النزول «قالوا اطيرنا» أصله تطيرنا ~~والتطير التشاؤم عبر عنه بذلك لما أنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون ~~بطائر يزجرونه فإن مر سانحا تيمنوا وإن مر بارحا تشاءموا فلما نسبوا الخير ~~والشر إلى الطائر استعير لما كان سببا لهما من قدر الله تعالى وقسمته أو من ~~عمل العبد أي تشاءمنا «بك وبمن معك» في دينك حيث تتابعت علينا الشدائد وقد ~~كانوا قحطوا أو لم نزل في اختلاف وافتراق مذ اخترعتم دينكم «قال طائركم» أي ~~سببكم الذي منه ينالكم ما ينالكم من الشر «عند الله» وهو قدره أو عملكم ~~المكتوب عنده وقوله تعالى «بل أنتم قوم تفتنون» أي تختبرون بتعاقب السراء ~~والضراء أو تعذبون أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة إضراب من بيان ~~طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه «وكان في ~~المدينة» وهي الحجر «تسعة رهط» أي أشخاص وبهذا الاعتبار وقع تمييزا للتسعة ~~لا باعتبار لفظه والفرق بينه وبين النفر أنه من ms2514 الثلاثة أو من السبعة إلى ~~العشرة والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم حسبما نقل عن وهب الهذيل بن ~~عبد رب وغنم بن غنم ورئاب بن مهرج ومصدع بن مهرج وعمير بن كردبة وعاصم بن ~~مخرمة وسبيط بن صدقة وشمعان بن صفى وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر ~~الناقة وكانوا عتاة قوم صالح وكانوا من أبناء أشرافهم «يفسدون في الأرض» لا ~~في المدينة فقط إفسادا بحتا لا يخالطه شيء ما من الإصلاح كما ينطق به قوله ~~تعالى «ولا يصلحون» أي لا يفعلون شيئا من الإصلاح أو لا يصلحون شيئا من ~~الأشياء «قالوا» استئناف ببيان بعض ما فعلوا من الفساد أي قال بعضهم لبعض ~~في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه الصلاة والسلام وكان ذلك غب ما أنذرهم ~~بالعذب وقوله تمتعوا في داركم ثلاثة أيام الخ «تقاسموا بالله» إما أمر مقول ~~لقالوا أو ماض وقع بدلا منه أو حالا من فاعله بإضمار قد وقوله تعالى ~~«لنبيتنه وأهله» أي لنباغتن صالحا وأهله ليلا ونقتلنهم وقرئ بالتاء على ~~خطاب بعضهم لبعض وقرئ بياء الغيبة وضم التاء على أن تقاسموا فعل ماض «ثم ~~لنقولن لوليه» أي لولي صالح وقرئ بالتاء والياء كما قبله «ما شهدنا مهلك ~~أهله» أي ما حضرنا هلاكهم أو وقت هلاكهم أو مكان هلاكهم فضلا أن نتولى ~~إهلاكهم وقرئ مهلك بفتح اللام فيكون مصدرا «وإنا لصادقون» من تمام القول أو ~~حال أي نقول PageV06P290 # ما نقول والحال إنا لصادقون في ذلك لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا ~~أو لأنا ما شاهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم جميعا كقولك ما رأيت ثمة ~~رجلا بل رجلين «ومكروا مكرا» بهذه المواضعة «ومكرنا مكرا» أي أهلكناهم ~~إهلاكا غير معهود «وهم لا يشعرون» أو جازيناهم مكرهم من حيث لا يحتسبون ~~«فانظر كيف كان عاقبة مكرهم» شروع في بيان ما ترتب على ما باشروه من المكر ~~وكيف معلقة لفعل النظر ومحل الجملة النصب بنزع الخافض أي فتفكر في أنه كيف ~~كان عاقبة مكرهم وقوله تعالى «أنا ms2515 دمرناهم» إما بدل من عاقبة مكرهم على أنه ~~فاعل كان وهي تامة وكيف حال أي فانظر كيف حصل أي على أي وجه حدث تدميرنا ~~إياهم وإما خبر لمبتدأ محذوف والجملة مبينة لما في عاقبة مكرهم من الإبهام ~~أي هي تدميرنا إياهم «وقومهم» الذين لم يكونوا معهم في مباشرة التبييت ~~«أجمعين» بحيث لم يشذ منهم شاذ وإما تعليل لما ينبئ عنه الأمر بالنظر في ~~كيفية عاقبة مكرهم من غاية الهول والفظاعة بحذف الجار أي لأنا دمرناهم الخ ~~وقيل كان ناقصة اسمها عاقبة مكرم وخبرها كيف كان فالأوجه حينئذ أن يكون ~~قوله تعالى أنا دمرناهم الخ تعليلا لما ذكر وقرئ إنا دمرناهم الخ بالكسر ~~على الاستئناف روى أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي ~~فيه فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل ~~الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله ~~فقلناهم فبعث الله تعالى صخرة من الهضب حيالهم فبادروا فطبقت الصخرة عليهم ~~فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم وعذب الله تعالى ~~كلا منهم في مكانه ونجى صالحا ومن معه وقيل جاءوا بالليل شاهري سيوفهم وقد ~~أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا ~~يرون راميا «فتلك بيوتهم» جملة مقررة لما قبلها وقوله تعالى «خاوية» أي ~~خالية أو ساقطة متهدمة «بما ظلموا» أي بسبب ظلمهم المذكور حال من بيوتهم ~~والعامل معنى الإشارة وقرئ خاوية بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف «إن في ~~ذلك» أي فيما ذكر من التدمير العجيب بظلمهم «لآية» لعبرة عظيمة «لقوم ~~يعلمون» أي ما من شأنه أن يعلم شيئا من الأشياء أو لقوم يتصفون بالعلم ~~«وأنجينا الذين آمنوا» صالحا ومن معه من المؤمنين «وكانوا يتقون» أي الكفر ~~والمعاصي اتقاء مستمرا فلذلك خصوا بالنجاة «ولوطا» منصوب بمضمر معطوف على ~~أرسلنا PageV06P291 # في صدر قصة صالح داخل معه في حيز القسم أي وأرسلنا لوطا وقوله تعالى «إذ ms2516 ~~قال لقومه» ظرف للإرسال على أن المراد به أمر ممتد وقع فيه الإرسال وما جرى ~~بينه وبين قومه من الأقوال والأحوال وقيل انتصاب لوطا بإضمار اذكر وإذ بدل ~~منه وقيل بالعطف على الذين آمنوا أي ونجينا لوطا وهو بعيد «أتأتون الفاحشة» ~~أي الفعلة المتناهية في القبح والسماجة وقوله تعالى «وأنتم تبصرون» جملة ~~حالية من فاعل تأتون مفيدة لتأكيد الإنكار وتشديد التوبيخ فإن تعاطى القبيح ~~من العالم بقبحه أقبح وأشنع وتبصرون من بصر القلب أي أتفعلونها والحال أنكم ~~تعلمون علما يقينيا بكونها كذلك وقيل يبصرها بعضكم من بعض لما كانوا يعلنون ~~بها «أئنكم لتأتون الرجال شهوة» تثنية للإنكار وتكرير للتوبيخ وبيان لما ~~يأتونه من الفاحشة بطريق التصريح وتحلية الجملة بحر في التأكيد للإيذان بأن ~~مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد لكمال بعده من العقول وإيراد المفعول بعنوان ~~الرجولية لتربية التقبيح وتحقيق المباينة بينها وبين الشهوة التي علل بها ~~الإتيان «من دون النساء» متجاوزين النساء اللاتي هن محال الشهوة «بل أنتم ~~قوم تجهلون» تفعلون فعل الجاهلين بقبحه أو تجهلون العاقبة أو الجهل بمعنى ~~السفاهة والمجون أي بل أنتم قوم سفهاء ما جنون والتاء فيه مع كونه صفة لقوم ~~لكونهم في حيز الخطاب «فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون» يتنزهون عن أفعالنا أو عن الأقذار ويعدون فعلنا ~~قذرا وعن أن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه استهزاء وقد مر في سورة الأعراف ~~أن هذا الجواب هو الذي صدر عنهم في المرة الأخيرة من مرات مواعظ لوط عليه ~~السلام بالأمر والنهي لا أنه لم يصدر عنهم كلام آخر غيره «فأنجيناه وأهله ~~إلا امرأته قدرناها» أي قدرنا أنها «من الغابرين» أي الباقين في العذاب ~~«وأمطرنا عليهم مطرا» غير معهود «فساء مطر المنذرين» قد مر بيان كيفية ما ~~جرى عليهم من العذاب غير مرة «قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى» ~~إثر ما قص الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء المذكورين ~~عليهم ms2517 الصلاة والسلام وأخبارهم الناطقة بكمال قدرته تعالى وعظم شأنه وبما ~~خصهم به من الآيات القاهرة والمعجزات الباهرة الدالة على جلالة أقدارهم ~~وصحة أخبارهم وبين على ألسنتهم حقية الإسلام والتوحيد وبطلان الكفر ~~والإشراك وأن من اقتدى بهم فقد اهتدى ومن أعرض عنهم فقد تردى في مهاوي ~~الردى وشرح صدره عليه الصلاة والسلام بما في تضاعيف تلك PageV06P292 # القصص من فنون المعارف الربانية ونور قلبه بأنوار الملكات السبحانية ~~الفائضة من عالم القدس وقرر بذلك فحوى ما نطق به قوله عز وجل وإنك لتلقي ~~القرآن من لدن حكيم عليم أمره عليه الصلاة والسلام بأن يحمده تعالى على ما ~~أفاض عليه من تلك النعم التي لا مطمع وراءها لطامع ولا مطمح من دونها لطامح ~~ويسلم على كافة الأنبياء الذين من جملتهم الذين قصت عليه أخبارهم التي هي ~~من جملة المعارف التي أوجبت إليه عليه الصلاة والسلام أداء لحق تقدمهم ~~واجتهادهم في الدين وقيل هو أمر للوط عليه السلام بأن يحمده تعالى على ~~إهلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة عن الفواحش والنجاة عن الهلاك ~~ولا يخفى بعده «آلله خير أما يشركون» أي آلله الذي ذكرت شؤونه العظيمة خير ~~أم ما يشركونه به تعالى من الأصنام ومرجع الترديد إلى التعريض بتبكيت ~~الكفرة من جهته تعالى وتسفيه آرائهم الركيكة والتهكم بهم إذ من البين أن ~~ليس فيما أشركوه به تعالى شائبة خير ما حتى يمكن أن يوازن بينه وبين من لا ~~خير إلا خيره ولا إله غيره وقرئ تشركون بالتاء الفوقانية بطريق تلوين ~~الخطاب وتوجيهه إلى الكفرة وهو الأليق بما بعده من سياق النظم الكريم ~~المبني على خطابهم وجعله من جملة القول المأمور به يأباه قوله تعالى ~~فأنبتنا الخ فإنه صريح في أن التبكيت من قبله عز وجل بالذات وحمله على أنه ~~حكاية منه عليه الصلاة والسلام لما أمر به بعبارته كما في قوله تعالى قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم تعسف ظاهر من غير داع إليه وأم في قوله ~~تعالى «أم من خلق السماوات ms2518 والأرض» منقطعة وما فيها من كلمة بل على القراءة ~~الأولى للإضراب والانتقال من التبكيت تعريضا إلى التصريح به خطابا على وجه ~~أظهر منه لمزيد التأكيد والتشديد وأما على القراءة الثانية فلتثنية التبكيت ~~وتكرير الإلزام كنظائرها الآتية والهمزة لتقريرهم أي حملهم على الإقرار ~~بالحق على وجه الاضطرار فإنه لا يتمالك أحد ممن له أدنى تمييز ولا يقدر على ~~أن لا يعترف بخيرية من خلق جميع المخلوقات وأفاض على كل منها ما يليق به من ~~منافعه من أخس تلك المخلوقات وأدناها بل بأن لا خير يرى فيه بوجه ممن ~~الوجوه قطعا ومن مبتدأ خبره محذوف مع أم المعادلة للهمزة تعويلا على ما سبق ~~في الاستفهام الأول خلا أن تشركون ههنا بتاء الخطاب على القراءتين معا ~~وهكذا في المواضع الأربعة الآتية والمعنى بل أمن خلق قطري العالم الجسماني ~~ومبدأي منافع ما بينهما «وأنزل لكم» التفات إلى خطاب الكفرة على القراءة ~~الأولى لتشديد التبكيت والإلزام أي أنزل لأجلكم ومنعتكم «من السماء ماء» أي ~~نوعا منه هو المطر «فأنبتنا به حدائق» أي بساتين محدقة ومحاطة بالحوائط ~~«ذات بهجة» أي ذات حسن ورونق يبتهج به النظار «ما كان لكم» أي ما صح وما ~~أمكن لكم «أن تنبتوا شجرها» فضلا عن ثمرها وسائر صفاتها البديعة خير أم ما ~~تشركون وقرئ أمن بالتخفيف على أنه بدل من الله وتقديم صلتي الإنزال على ~~مفعوله لما مر مرارا من التشويق إلى المؤخر والالتفات إلى التكلم في ~~PageV06P293 # قوله تعالى فأنبتنا لتأكيد اختصاص الفعل بذاته تعالى والإيذان بأن إنبات ~~تلك الحدائق المختلفة الأصناف والأوصاف والألوان والطعوم والروائح والأشكال ~~مع ما لها من الحسن البارع والبهاء الرائع بماء واحد مما لا يكاد يقدر عليه ~~إلا هو وحده حسبما ينبئ عنه تقييدها بقوله تعالى ما كان لكم الخ سواء كانت ~~صفة لها أو حالا وتوحيد وصفها الأول أعنى ذات بهجة لما أن المعنى جماعة ~~حدائق ذات بهجة على نهج قولهم النساء ذهبت وكذا الحال في ضمير شجرها «أإله ~~مع الله» أي أإله آخر كائن ms2519 مع الله الذي ذكر بعض أفعاله التي لا يكاد يقدر ~~عليها غيره حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في العبادة وهذا تبكيت لهم بنفي ~~الألوهية عما يشركونه به تعالى في ضمن النفي الكلي على الطريقة البرهانية ~~بعد تبكيتهم بنفي الخيرية عنه بما ذكر من الترديد فإن أحدا ممن له تمييز في ~~الجملة كما لا يقدر على إنكار انتفاء الخيرية عنه بالمرة لا يكاد يقدر على ~~إنكار انتفاء الألوهية عنه رأسا لا سيما بعد ملاحظة انتفاء أحكامها عما ~~سواه تعالى وهكذا الحال في المواقع الأربعة الآتية وقيل المراد نفي أن يكون ~~معه تعالى إله آخر فيما ذكر من الخلق وما عطف عليه لكن لا على أن التبكيت ~~بنفس ذلك النفي فقط كيف لا وهم لا ينكرونه حسبما ينطق به قوله تعالى ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله بل بإشراكهم به تعالى في ~~العبادة ما يعترفون بعدم مشاركته له تعالى فيما ذكر من لوازم الألوهية كأنه ~~قيل أإله آخر مع الله في خواص الألوهية حتى يجعل شريكا له تعالى في العبادة ~~وقيل المعنى أغيره يقرن به ويجعل له شريكا في العبادة مع تفرد تعالى بالخلق ~~والتكوين فالإنكار للتوبيخ والتبكيت مع تحقيق المنكر دون النفي كما في ~~الوجهين السابقين والأول هو الأظهر الموافق لقوله تعالى وما كان معه من إله ~~والأوفى بحق المقام لأفادته نفي وجود إله آخر معه تعالى رأسا لا نفي معيته ~~في الخلق وفروعه فقط وقرئ آإله بتوسيط مدة بين الهمزتين وبإخراج الثانية ~~بين بين وقرئ أإلها بإضمار فعل يناسب المقام مثل أندعون أو أتشركون «بل هم ~~قوم يعدلون» إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم ~~وحكايته لغيرهم أي بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية والانحراف ~~عن الإستقامة في كل أمر من الأمور فلذلك يفعلون ما يفعلون من العدول عن ~~الحق الواضح الذي هو التوحيد والعكوف على الباطل البين الذي هو الإشراك ~~وقيل يعدلون به تعالى غيره وهو بعيد خال عن الإفادة ms2520 «أم من جعل الأرض ~~قرارا» قيل هو بدل من أم من خلق السماوات الخ وكذا ما بعده من الجمل الثلاث ~~وحكم الكل واحد والأظهر أن كل واحدة منها إضراب وانتقال من التبكيت بما ~~قبلها إلى التبكيت بوجه آخر أدخل في الإلزام بجهة من الجهات أي جعلها بحيث ~~يستقر عليها الإنسان والدواب بإيذاء بعضها من الماء ودحوها وتسويتها حسبما ~~تدور عليه منافعهم «وجعل خلالها» أوساطها «أنهارا» جارية ينتفعون بها ~~PageV06P294 # «وجعل لها رواسي» أي جبالا ثوابت تمنعها أن تميد بأهلها ويتكون فيها ~~المعادن وينبع في حضيضها الينابيع ويتعلق بها من المصالح مالا يحصى «وجعل ~~بين البحرين» أي العذب والمالح أو خليجي فارس والروم «حاجزا» برزخا مانعا ~~من الممازجة وقد مر في سورة الفرقان والجعل في المواقع الثلاثة الأخيرة ~~إبداعي وتأخير مفعوله عن الظرف لما مر مرارا من التشويق «أإله مع الله» في ~~الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر «بل أكثرهم لا يعلمون» أي شيئا ~~من الأشياء ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من الشرك مع كمال ظهوره «أم ~~من يجيب المضطر إذا دعاه» وهو الذي أحوجته شدة من الشدائد وألجأته إلى ~~اللجأ والضراعة إلى الله عز وجل اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من ا ~~لضرورة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو المجهود وعن السدى رحمه الله ~~تعالى من لا حول له ولا قوة وقيل المذنب إذا استغفر واللام للجنس لا ~~للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر «ويكشف السوء» وهو الذي يعترى الإنسان ~~مما يسوؤه «ويجعلكم خلفاء الأرض» أي خلفاء فيها بان ورثكم سكناها والتصرف ~~فيها ممن قبلكم من الأمم وقيل المراد بالخلافة الملك والتسلط «أإله مع ~~الله» الذي يفيض على كافة الأنام هذه النعم الجسام «قليلا ما تذكرون» أي ~~تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تتذكرون وما مزيدة لتأكيد معنى القلة التي أريد ~~بها العدم أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى وفي تذييل الكلام بنفي ~~التذكر عنهم إيذان بأن مضمونه مركوز في ذهن ms2521 كل ذكي وغبي وأنه من الوضوح ~~بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره وقرئ تتذكرون على الأصل وتذكرون ~~ويذكرون بالتاء والياء مع الإدغام «أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر» أي ~~في ظلمات الليالي فيهما على أن الإضافة للملابسة أو في مشتبهات الطرق يقال ~~طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها «ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته» ~~وهي المطر ولئن صح أن السبب الأكثري في تكون الريح معاودة الأدخنة الصاعدة ~~من الطبقة الباردة لانكسار حرها وتمويجها للهواء فلا ريب في أن الأسباب ~~الفاعلية والقابلية لذلك كله من خلق الله عز وجل والفاعل للسبب فاعل للمسبب ~~قطعا «أإله مع الله» نفى لان يكون معه إله آخر وقوله تعالى «تعالى الله عما ~~يشركون» تقرير وتحقيق له وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار للإشعار بعلة ~~الحكم أي تعالى وتنزه بذاته المنفردة بالألوهية المستتبعة لجميع صفات ~~الكمال ونعوت الجمال والجلال المقتضية لكون كل المخلوقات مقهورا تحت قدرته ~~عما يشركون أي عن وجود ما يشركونه به تعالى لا مطلقا فإن وجوده مما لا مرد ~~له بل عن PageV06P295 # وجوده بعنوان كونه إلها وشريكا له تعالى أو عن إشراكهم «أم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده» أي بل أمن يبدأ الخلق ثم يعيده بعد الموت بالبعث «ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض» أي بأسباب سماوية وأرضية قد رتبها على ترتيب بديع تقتضيه ~~الحكمة التي عليها بنى أمر التكوين خير أم ما تشركونه به في العبادة من ~~جماد لا يتوهم قدرته على شيء ما أصلا «أإله» آخر موجود «مع الله» حتى يجعل ~~شريكا له في العبادة وقوله تعالى «قل هاتوا برهانكم» أمر له عليه الصلاة ~~والسلام بتبكيتهم إثر تبكيت أي هاتوا برهانا عقليا أو نقليا يدل على أن معه ~~تعالى إلها لا على أن غيره تعالى يقدر على شيء مما ذكر من أفعاله تعالى كما ~~قيل فإنهم لا يدعونه صريحا ولا يلتزمون كونه من لوازم الألوهية وإن كان ~~منها في الحقيقة فمطالبتهم بالبرهان عليه لا على صريح دعواهم ms2522 مما لا وجه له ~~وفي إضافة البرهان إلى ضميرهم تهكم بهم لما فيها من إيهام أن لهم برهانا ~~وأني لهم ذلك «إن كنتم صادقين» أي في تلك الدعوى «قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله» بعدما حقق تفرده تعالى بالألوهية ببيان ~~اختصاصه بالقدرة الكاملة التامة والرحمة الشاملة العامة عقبه بذكر ما هو من ~~لوازمه وهو اختصاصه بعلم الغيب تكميلا لما قبله وتمهيدا لما بعده من أمر ~~البعث والاستثناء منقطع ورفع المستثنى على اللغة التميمية للدلالة على ~~استحالة علم الغيب من أهل السماوات والأرض بتعليقه بكونه سبحانه وتعالى ~~منهم كأنه قيل إن كان الله تعالى ممن فيهما ففيهم من يعلم الغيب أو متصل ~~على أن المراد بمن في السماوات والأرض من تعلق علمه بهما واطلع عليهما ~~اطلاع الحاضر فيهما فإن ذلك معنى مجازي عام له تعالى ولأولى العلم من خلقه ~~ومن موصولة أو موصوفة «وما يشعرون أيان يبعثون» أي متى ينشرون من القبور مع ~~كونه مما لا بد لهم منه ومن أهم الأمور عندهم وأيان مركبة من أي وآن وقرئ ~~بكسر الهمزة والضمير للكفرة وإن كان عدم الشعور بما ذكر عاما لئلا يلزم ~~التفكيك بينه وبين ما سيأتي من الضمائر الخاصة بهم قطعا وقيل الكل لمن ~~وإسناد خواص الكفرة إلى الجميع من قبيل قولهم بنو فلان فعلوا كذا والفاعل ~~بعض منهم «بل ادارك علمهم في الآخرة» لما نفى عنهم علم الغيب وأكد ذلك بنفي ~~شعورهم بوقت ما هو مصيرهم لا محالة بولغ في تأكيده وتقريره بأن أضرب عنه ~~وبين أنهم في جهل أفحش من جهلهم بوقت بعثهم حيث لا يعلمون أحوال الآخرة ~~مطلقا مع تعاضد أسباب معرفتها على أن معنى أدارك علمهم في الآخرة تدارك ~~وتتابع علمهم في شأن الآخرة التي ما ذكر من البعث حال من أحوالها حتى انقطع ~~ولم يبق لهم علم بسيء مما سيكون فيها قطعا لكن لا على معنى أنه PageV06P296 # كان لهم علم بذلك على الحقيقة ثم انتفى شيئا فشيئا بل على طريقة المجاز ms2523 ~~بتنزيل أسباب العلم ومباديه من الدلائل العقلية والسمعية منزلة نفسه وإجراء ~~تساقطها عن درجة اعتبارهم كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع ثم أضرب ~~وانتقل عن بيان عدم علمهم بها إلى بيان ما هو أسوأ منه وهو حيرتهم في ذلك ~~حيث قيل «بل هم في شك منها» أي في شك مريب من نفس الآخرة وتحققها كمن تحير ~~في أمر لا يجد عليه دليلا فضلا عن الأمور التي ستقع فيها ثم أضرب عن ذلك ~~إلى بيان أن ما هم فيه أشد وأفظع من الشك حيث قيل «بل هم منها عمون» بحيث ~~لا يكادون يدركون دلائلها لاختلال بصائرهم بالكلية وقرئ بل أدرك علمهم ~~بمعنى انتهى وفنى وقد فسره الحسن البصري اضمحل علمهم وقيل كلنا الصيغتين ~~على معناها الظاهر أي تكامل واستحكم أو تم أسباب علمهم بأن القيامة كائنة ~~لا محالة من الآيات القاطعة والحجج الساطعة وتمكنوا من المعرفة فضل تمكن ~~وهم جاهلون في ذلك وقوله تعالى بل هم في شك منها إضراب وانتقال من وصفهم ~~بمطلق الجهل إلى وصفهم بالشك وقوله تعالى بل هم منها عمون إضراب من وصفهم ~~بالشك إلى وصفهم بما هو أشد منه وأفظع من العمى وأنت خبير بأن تنزيل أسباب ~~العلم منزلة العلم سنن مسلوك لكن دلالة النظم الكريم على جهلهم حينئذ ليست ~~بواضحة وقيل المراد بوصفهم باستحكام العلم وتكامله التهكم بهم فيكون وصفا ~~لهم بالجهل مبالغة والإضرابان على ما ذكر واصل ادارك تدارك وبه قرأ أبي ~~فأبدلت التاء دالا وسكنت فتعذر الابتداء فاجتلبت همزة الوصل فصار ادارك ~~وقرئ بل أدرك وأصله افتعل وبل أأدرك بهمزتين وبل آأدرك بألف بينهما وبل ~~أدرك بالتخفيف والنقل وبل أدرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على ~~الاستفهام وبلى أدرك وبلى أأدرك وأم تدارك وأم أدرك فهذه ثنتا عشرة قراءة ~~فما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فهو إنكار ونفي وما فيه بلى فإثبات ~~لشعورهم وتفسير له بالإدراك على وجه التهكم الذي هو أبلغ وجوه النفي ~~والإنكار وما بعده إضراب عن ms2524 التفسير مبالغة في النفي ودلالة على أن شعورهم ~~بها أنهم شاكون فيها بل أنهم منها عمون أورد إنكار لشعورهم «وقال الذين ~~كفروا» بيان لجهلهم بالآخرة وعمههم منها بحكاية إنكارهم للبعث ووضع الموصول ~~موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز صلته والإشعار بعلة حكمهم الباطل في قولهم ~~«أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون» أي أنخرج من القبور إذا كنا ترابا ~~كما ينبئ عنه مخرجون ولا مساغ لأن يكون هو العامل في إذا لاجتماع موانع لو ~~تفرد واحد منها لكفى في المنع وتقييد الإخراج بوقت كونهم ترابا ليس لتخصيص ~~الإنكار بالإخراج حينئذ فقط فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت مطلقا وإن كان ~~البدن على حاله بل لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في حالة منافية له ~~وقوله تعالى وآباؤنا عطف على اسم كان وقام الفصل مع الخبر مقام الفصل ~~بالتأكيد وتكرير الهمزة في اثنا للمبالغة والتشديد في الإنكار وتحلية ~~الجملة بأن واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم ~~فإن تقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة كما في قوله تعالى أفلا تعقلون ونظائره ~~على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيب الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو ~~المشهور PageV06P297 # وقرئ إذا كنا بهمزة واحدة مكسورة وقرئ إنا لمخرجون على الخبر «لقد وعدنا ~~هذا» أي الإخراج «نحن وآباؤنا من قبل» أي من قبل وعده عليه الصلاة والسلام ~~وتقديم الموعود على نحن لأنه المقصود بالذكر وحيث أخر قصد به المبعوث ~~والجملة استئناف مسوق لتقرير الإنكار وتصديرها بالقسم لمزيد التأكيد وقوله ~~تعالى «إن هذا إلا أساطير الأولين» تقرير إثر تقرير «قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين» بسبب تكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام ~~فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله عز وجل وحده وباليوم الآخر الذي تنكرونه ~~فإن في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفاية لأولى الأبصار وفي التعبير عن المكذبين ~~بالمجرمين لطف بالمؤمنين في ترك الجرائم «ولا تحزن عليهم» لإصرارهم على ~~الكفر والتكذيب «ولا تكن في ضيق» في حرج صدر «مما يمكرون» من مكرهم فإن ~~الله تعالى يعصمك من ms2525 الناس وقرئ بكسر الضاد وهو أيضا مصدر ويجوز أن يكون ~~المفتوح مخففا من ضيق وقد قرئ كذلك أي لا تكن في أمر ضيق «ويقولون متى هذا ~~الوعد» أي العذاب العاجل الموعود «إن كنتم صادقين» في إخباركم بإتيانه ~~والجمع باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك «قل عسى أن يكون ردف لكم» أي ~~تبعكم ولحقكم واللام مزيدة للتأكيد كالباء في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة أو الفعل مضمن معنى فعل يعدى باللام وقرئ بفتح الدال وهي لغة ~~فيه «بعض الذي تستعجلون» وهو عذاب يوم بدر وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك ~~بمنزلة الجزم بها وإنما يطلقونها إظهارا للوقار وإشعارا بأن الرمز من ~~أمثالهم كالتصريح ممن عداهم وعلى ذلك مجرى وعد الله تعالى ووعيده وإيثار ما ~~عليه النظم الكريم على أن يقال عسى أن يردفكم الخ لكونه أدل على تحقق الوعد ~~«وإن ربك لذو فضل على الناس» أي لذو أفضال وإنعام على كافة الناس ومن جملة ~~إنعاماته تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها ~~استعجال العذاب «ولكن أكثرهم لا يشكرون» لا يعرفون حق النعمة فيه فلا ~~يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم وقوعه كدأب هؤلاء PageV06P298 # «وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم» أي ما تخفيه وقرئ بفتح التاء من كننت ~~الشيء إذا سترته «وما يعلنون» من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما حكى ~~عنهم من استعجال العذاب وفيه إيذان بأن لهم قبائح غير ما يظهرونه وأنه ~~تعالى يجازيهم على الكل وتقديم السر على العلن قد مر سره في سورة البقرة ~~عند قوله تعالى أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون «وما من ~~غائبة في السماء والأرض» أي من خافية فيهما وهما من الصفات الغالبة والتاء ~~للمبالغة كما في الرواية أو اسمان لما يغيب ويخفى والتاء للنقل إلى الاسمية ~~«إلا في كتاب مبين» أي بين أو مبين لما فيه لمن يطالعه وهو اللوح المحفوظ ~~وقيل هو القضاء العدل بطريق الاستعارة «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ~~أكثر الذي ms2526 هم فيه يختلفون» من جملته ما اختلفوا في شأن المسيح وتحزبوا فيه ~~أحزابا وركبوا متن العتو والغلو في الإفراط والتفريط والتشبيه والتنزيه ~~ووقع بينهم التناكد في أشياء حتى بلغ المشاقة إلى حيث لعن بعضهم بعضا وقد ~~نزل القرآن الكريم ببيان كنه الأمر لو كانوا في حيز الإنصاف «وإنه لهدى ~~ورحمة للمؤمنين» على الإطلاق فيدخل فيهم من آمن من بني إسرائيل دخولا أوليا ~~«إن ربك يقضي بينهم» أي بين بني إسرائيل «بحكمه» بما يحكم به وهو الحق أو ~~بحكمته ويؤيده أنه قرئ بحكمه «وهو العزيز» فلا يرد حكمه وقضاؤه «العليم» ~~بجميع الأشياء التي من جملتها ما يقضي به والفاء في قوله تعالى «فتوكل على ~~الله» لترتيب الأمر على ما ذكر من شؤونه عز وجل فإنها موجبة للتوكل عليه ~~وداعية إلى الأمر به أي فتوكل على الله الذي هذا شأنه فإنه موجب على كل أحد ~~أن يتوكل عليه ويفوض جميع أموره إليه وقوله تعالى «إنك على الحق المبين» ~~تعليل صريح للتوكل عليه تعالى بكونه عليه الصلاة والسلام على الحق البين أو ~~الفاصل بينه وبين الباطل أو بين المحق والمبطل فإن كونه عليه الصلاة ~~والسلام كذلك مما يوجب الوثوق بحفظه تعالى ونصرته وتأييده لا محالة وقوله ~~تعالى «إنك PageV06P299 # لا تسمع الموتى» الخ تعليل آخر للتوكل الذي هو عبارة عن التبتل إلى الله ~~تعالى وتفويض الأمر إليه والإعراض عن التشبث بما سواه وقد علل أولا بما ~~يوجبه من جهته تعالى أعنى قضاءه بالحق وعزته وعلمه تعالى وثانيا بما يوجبه ~~من جهته عليه الصلاة والسلام على أحد الوجهين أعني كونه عليه الصلاة ~~والسلام على الحق ومن جهته تعالى على الوجه الآخر أعني إعانته تعالى ~~وتأييده للمحق ثم علل ثالثا بما يوجبه لكن لا بالذات بل بواسطة إيجابه ~~للإعراض عن التشبث بما سواه تعالى فإن كونهم كالموتى والصم والعمى موجب ~~لقطع الطمع عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسا وداع إلى تخصيص الاعتضاد به تعالى ~~وهو المعنى بالتوكل عليه تعالى وإنما شبهوا بالموتى لعدم تأثرهم بما يتلى ~~عليهم من ms2527 القوارع وإطلاق الإسماع عن المفعول لبيان عدم سماعهم لشيء من ~~المسموعات ولعل المراد تشبيه قلوبهم بالموتى فيما ذكر من عدم الشعور فإن ~~القلب مشعر من المشاعر أشير إلى بطلانه بالمرة ثم بين بطلان مشعري الأذن ~~والعين كما في قوله تعالى لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها وإلا فبعد تشبيه أنفسهم بالموتى لا ~~يظهر لتشبيههم بالصم والعمى مزيد مزية «ولا تسمع الصم الدعاء» أي الدعوة ~~إلى أمر من الأمور وتقييد النفي بقوله تعالى «إذا ولوا مدبرين» لتكميل ~~التشبيه وتأكيد النفي فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي ~~مولون على أدبارهم ولا ريب في أن الأصم لا يسمع الدعاء مع كون الداعي ~~بمقابلة صماخه قريبا منه فكيف إذا كان خلفه بعيدا منه وقرئ ولا يسمع الصم ~~الدعاء «وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم» هداية موصلة إلى المطلوب كما في ~~قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت فإن الاهتداء منوط بالبصر وعن متعلقة ~~بالهداية باعتبار تضمنه معنى الصرف وقيل بالعمى يقال عمى عن كذا وفيه بعد ~~وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية وقرئ وما أنت تهدي العمي ~~«إن تسمع» أي ما تسمع سماعا يجدي السامع نفعا «إلا من يؤمن بآياتنا» أي من ~~شأنهم الإيمان بها وإيراد الإسماع في النفي والإثبات دون الهداية مع قربها ~~بأن يقال إن تهدي إلا من يؤمن الخ لما أن طريق الهداية هو إسماع الآيات ~~التنزيلية «فهم مسلمون» تعليل لإيمانهم بها كأنه قيل فإنهم منقادون للحق ~~وقيل مخلصون لله تعالى من قوله تعالى بلى من أسلم وجهه لله «وإذا وقع القول ~~عليهم» بيان لما أشير إليه بقوله تعالى بعض الذي تستعجلون من بقية ما ~~يستعجلونه من الساعة ومباديها والمراد بالقول ما نطق من الآيات الكريمة ~~بمجئ الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها وبوقوعه ~~قيامها وحصولها عبر عن ذلك به للإيذان بشدة وقعها وتأثيرها وإسناده إلى ~~القول لما أن المراد بيان وقوعها من ms2528 حيث إنها مصداق للقول الناطق بمجيئها ~~وقد أريد بالوقوع دنوه واقترابه كما في قوله تعالى أتى أمر الله أي إذا دنا ~~وقوع مدلول القول PageV06P300 # المذكور الذي لا يكادون يسمعونه ومصداقه «أخرجنا لهم دابة من الأرض» وهي ~~الجساسة وفي التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين التفخيمي من ~~الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى وقد ورد ~~في الحديث أن طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب وروى أن لها ~~أربع قوائم ولها زغب وريش وجناحان وعن ابن جريج في وصفها رأس صور وعين ~~خنزير وأذن قيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هرة وذنب كبش ~~وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام وقال وهب ~~وجهها وجه الرجل وباقي خلقها خلق الطير وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال ~~ليس بدابة لها ذنب ولكن لها لحية كأنه يشير إلى أنه رجل والمشهور أنها دابة ~~وروى لا تخرج إلا رأسها ورأسها يبلغ عنان السماء أو يبلغ السحاب وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب وعن الحسن ~~رضي الله عنه لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام وعن علي رضي الله عنه أنها ~~تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل من أين تخرج الدابة فقال من أعظم المساجد حرمة على ~~الله تعالى يعني المسجد الحرام وروى أنها تخرج ثلاث خرجات تخرج بأقصى اليمن ~~ثم تتكمن ثم تخرج بالبادية ثم تتكمن دهرا طويلا فبينا الناس في أعظم ~~المساجد حرمة على الله تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن ~~حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة ~~وقيل تخرج من الصفا وروى نبينا عيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون ~~إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى ms2529 فتخرج ~~الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام فتضرب المؤمن ~~في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضئ لها وجهه وتكتب بين عينيه ~~مؤمن وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه وتكتب ~~بين عينيه كافر ثم تقول لهم أنت يا فلان من أهل الجنة وأنت يا فلان من أهل ~~النار وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم وقال ~~إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه وروى أبو هريرة عن النبي صلى اله عليه وسلم ~~أنه قال بئس الشعب شعب أجياد مرتين أو ثلاثا قيل ولم ذاك يا رسول الله قال ~~تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين فتتكلم بالعربية ~~بلسان ذلق وذلك قوله تعالى «تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون» أي ~~تكلمهم بأنهم كانوا لا يوقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجئ الساعة ~~ومباديها أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات وقيل بآياته التي من ~~جملتها خروجها بين يدي الساعة والأول هو الحق كما ستحيط به علما وقرئ بأن ~~الناس الآية وإضافة الآيات إلى نون العظمة لأنها حكاية منه تعالى لمعنى ~~قولها لا لعين عبارتها وقيل لأنها حكاية منها لقول الله عز وجل وقيل ~~لاختصاصها به تعالى وإثرتها عنده كما يقول بعض خواص الملك خيلنا وبلادنا ~~وإنما الخيل والبلاد لمولاه وقيل هناك مضاف محذوف أي بآيات ربنا ووصفهم ~~بعدم الإيقان بها مع أنهم كانوا جاحدين بها للإيذان بأنه كان من حقهم أن ~~يوقنوا بها ويقطعوا بصحتها وقد اتصفوا بنقيضه وقرئ إن الناس بالكسر على ~~إضمار القول أو إجراء الكلام مجراه والكلام في الإضافة كالذي سبق وقيل هو ~~استئناف مسوق من جهته تعالى لتعليل إخراجها أو تكليمها ويرده الجمع بين ~~صيغتي الماضي والمستقبل PageV06P301 # فإنه صريح في كونه حكاية لعدم إيقانهم السابق في الدنيا والمراد بالناس ~~إما الكفرة على الإطلاق أو مشركو مكة وقد روى عن وهب أنها تخبر كل من تراه ~~أن أهل مكة ms2530 كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون وقرئ تكلمهم من الكلم الذي هو ~~الجرح والمراد به ما نقل من الوسم بالعصا والخاتم وقد جوز كون القراءة ~~المشهورة أيضا منه لمعنى التكثير ولا يخفى بعده «ويوم نحشر من كل أمة فوجا» ~~بيان إجمالي لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مباديها ويوم ~~منصوب بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بهذا الحشر هو الحشر ~~للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافة الخلق وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت ~~مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر بيان سره مرارا أي واذكر ~~لهم وقت حشرنا أي جمعنا من كل أمة من أمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو ~~من أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة فمن تبعيضية لأن كل أمة منقسمة إلى ~~مصدق ومكذب وقوله تعالى «ممن يكذب بآياتنا» بيان للفوج أي فوجا مكذبين بها ~~«فهم يوزعون» أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف ~~التوبيخ والمناقشة وفيه من الدلالة على كثرة عددهم وتباعد أطرافهم ما لا ~~يخفى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ~~ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى ~~النار «حتى إذا جاؤوا» إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة والحساب «قال» أي ~~الله عز وجل موبخا لهم على التكذيب والالتفات لتربية المهابة «أكذبتم ~~بآياتي» الناطقة بلقاء يومكم هذا وقوله تعالى «ولم تحيطوا بها علما» جملة ~~حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب وغاية قبحه ومؤكدة للإنكار والتوبيخ أي ~~أكذبتم بها بادئ الرأي غير ناظرين فيها نظرا يؤدي إلى العلم بكنهها وأنها ~~حقيقة بالتصديق حتما وهذا نص في أن المراد بالآيات فيما سلف في الموضعين هي ~~الآيات القرآنية لأنها هي المنطوية على دلائل الصحة وشواهد الصدق التي لم ~~يحيطوا بها علما مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها لا نفس الساعة وما فيها ~~وقيل هو معطوف على كذبتم أي أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر بها «أم ماذا ms2531 ~~كنتم تعملون» أي أم أي شيء كنتم تعملون بها أو أم أي شيء كنتم تعملون غير ~~ذلك بمعنى أنه لم يكن لهم عمل غير ذلك كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعاصي ~~مع أنهم ما خلقوا إلا للإيمان والطاعة يخاطبون بذلك تبكيا ثم يكبون في ~~النار وذلك قوله تعالى «ووقع القول عليهم» أي حل بهم العذاب الذي هو مدلول ~~القول الناطق بحلوله ونزوله «بما ظلموا» بسبب ظلمهم الذي هو تكذيبهم بآيات ~~الله «فهم لا ينطقون» لانقطاعهم عن الجواب بالكلية وابتلائهم بشغل شاغل من ~~العذاب الأليم PageV06P302 # «ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه» الرؤية قلبية لا بصرية لأن نفس ~~الليل والنهار وإن كانا من المبصرات لكن جعلهما كما ذكر من قبيل المعقولات ~~أي ألم يعلموا أنا جعلنا الليل بما فيه من الإظلام ليستريحوا فيه بالنوم ~~والقرار «والنهار مبصرا» أي ليبصروا بما فيه من الإضاءة طرق التقلب في أمور ~~المعاش فبولغ فيه حيث جعل الإبصار الذي هو حال الناس حالا له ووصفا من ~~أوصافه التي جعل عليها بحيث لا ينفك عنها ولم يسلك في الليل هذا المسلك لما ~~أن تأثير ظلام الليل في السكون ليس بمثابة تأثير ضوء النهار في الإبصار «إن ~~في ذلك» أي في جعلهما كما وصفا وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإشعار ~~ببعد درجته في الفضل «لآيات» أي عظيمة كثيرة «لقوم يؤمنون» دالة على صحة ~~البعث وصدق الآيات الناطقة به دلالة واضحة كيف لا وأن من تأمل في تعاقب ~~الليل والنهار واختلافهما على وجوه بديعة مبنية على حكم رائقة تحار في ~~فهمها العقول ولا يحيط بها إلا الله عز وجل وشاهد في الآفاق تبدل ظلمة ~~الليل المحاكية للموت بضياء النهار المضاهي للحية وعاين في نفسه تبدل النوم ~~الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو مثل الحياة قضى بأن الساعة آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قضاء متقنا وجزم بأنه تعالى قد جعل ~~هذا أنموذجا له ودليلا يستدل به على تحققه وأن الآيات الناطقة به ms2532 وبكون حال ~~الليل والنهار برهانا عليه وسائر الآيات كلها حق نازل من عند الله تعالى ~~«ويوم ينفخ في الصور» إما معطوف على يوم نحشر منصوب بناصبه أو بمضمر معطوف ~~عليه والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال لما فرغ الله تعالى من خلق ~~السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى ~~العرش متى يؤمر قال قلت يا رسول الله ما الصور قال القرن قال قلت كيف هو ~~قال عظيم والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فيؤمر بالنفخ ~~فيه فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة أحد غير من شاء الله تعالى وذلك ~~قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم يؤمر بأخرى فينفخ نفخة لا يبقى معها ميت إلا بعث وقام وذلك قوله ~~تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون والذي يستدعيه سباق النظم ~~الكريم وسياقه أن المراد بالنفخ ههنا هي النفخة الثانية وبالفزع في قوله ~~تعالى «ففزع من في السماوات ومن في الأرض» ما يعتري الكل عند البعث والنشور ~~بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق من الرعب ~~والتهيب الضروريين الجبلين وإيراد صيغة الماضي مع كون المعطوف عليه أعني ~~ينفخ مضارعا للدلالة على تحقق وقوعه إثر النفخ ولعل تأخير بيان الأحوال ~~الواقعة عند ابتداء النفخة عن بيان ما يقع بعدها من حشر المكذبين من كل أمة ~~لتثنية التهويل بتكرير التذكير إيذانا بأن كل واحد منهما PageV06P303 # طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها ولو روعي الترتيب ~~الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة قد أمر بذكرها كما مر في قصة ~~البقرة «إلا من شاء الله» أي أن لا يفزع قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل عليهم السلام وقيل الحور والخزنة وحملة العرش «وكل» أي كل واحد من ~~المبعوثين عند النفخة «آتوه» حضروا ms2533 الموقف بين يدي رب العزة جل جلالة ~~للسؤال والجواب والمناقشة والحساب وقرئ أتاه باعتبار لفظ الكل كما أن ~~القراءة الأولى باعتبار معناه وقرئ آتوه أي حاضروه «داخرين» أي صاغرين وقرئ ~~دخرين وقوله تعالى «وترى الجبال» عطف على ينفخ داخل في حكم التذكير وقوله ~~عز وجل «تحسبها جامدة» أي ثابتة في أماكنها إما بدل منه أو حال من ضمير ترى ~~أو من مفعوله وقوله تعالى «وهي تمر مر السحاب» حال من ضمير الجبال في ~~تحسبها أو في جامدة أي تراها رأي العين ساكنة والحال أنها تمر مر السحاب ~~التي تسيرها الرياح سيرا حثيثا وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحو سمت ~~لا تكاد تتبين حركتها وعليه قول من قال [بأر عن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف ~~لحاج والركاب تهملج] وقد أدمج في هذا التشبيه حال الجبال بحال السحاب في ~~تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما في قوله تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش ~~وهذا أيضا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق يبدل الله عز وجل ~~الأرض غير الأرض ويغير هيآتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة ~~الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن ~~تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله ~~تعالى ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي وقوله تعالى يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار فإن اتباع الداعي الذي هو ~~إسرافيل عليه السلام وبروز الخلق لله تعالى لا يكون إلا بعد النفخة الثانية ~~وقد قالوا في تفسير قوله تعالى ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم ~~أن صيغة الماضي في المعطوف مع كون المعطوف عليه مستقبلا للدلالة على تقدم ~~الحشر على التسيير والرؤية كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك هذا وقد قيل إن ~~المراد هي النفخة الأولى والفزع هو الذي يستتبع الموت لغاية شدة الهول كما ~~في قوله تعالى فصعق من في السماوات ms2534 ومن في الأرض الآية فيختص أثرها بما كان ~~حيا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم وجوز أن يراد بالإتيان داخرين ~~رجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له ولا ريب في أن ذلك مما ينبغي أن ينزه ~~ساحة التنزيل عن أمثاله وأبعد من هذا ما قبل إن المراد بهذه النفخة نفخة ~~الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق وهي التي أريدت بقوله تعالى ما ينظر هؤلاء ~~إلا صيحة واحدة ما لها من فواق فيسير الله تعالى عندها الجبال فتمر مر ~~السحاب فتكون سرابا وترج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة الموثقة في البحر ~~أو كالقنديل المعلق ترججه الأرواح PageV06P304 # فإنه مما لا ارتباط له بالمقام قطعا والحق الذي لا محيد عنه ما قدمناه ~~ومما هو نص في الباب ما سيأتي من قوله تعالى وهم من فزع يومئذ آمنون «صنع ~~الله» مصدر مؤكد لمضمون ما قبله أي صنع الله ذلك صنعا على أنه عبارة عما ~~ذكر من النفخ في الصور وما ترتب عليه جميعا قصد به التنبيه على عظم شأن تلك ~~الأفاعيل وتهويل أمرها والإيذان بأنها ليست بطريق إخلال نظام العالم وإفساد ~~أحوال الكائنات بالكلية من غير أن يدعو إليها داعية أو يكون لها عاقبة بل ~~هي من قبيل بدائع صنع الله تعالى المبنية على أساس الحكمة المستتبعة ~~للغايات الجميلة التي لأجلها رتبت مقدمات الخلق ومبادئ الإبداع على الوجه ~~المتين والهج الرصين كما يعرب عنه قوله تعالى «الذي أتقن كل شيء» أي أحكم ~~خلقه وسواه على ما تقتضيه الحكمة وقوله تعالى «إنه خبير بما تفعلون» تعليل ~~لكون ما ذكر صنعا محكما له تعالى ببيان أن علمه تعالى بظواهر أفعال ~~المكلفين وبواطنها مما يدعو إلى إظهارها وبيان كيفياتها على ما هي عليه من ~~الحسن والسوء وترتيب أجزيتها عليها بعد بعثهم وحشرهم وجعل السماوات والأرض ~~والجبال على وفق ما نطق به التنزيل ليتحققوا بمشاهدة ذلك أن وعد حق لا ريب ~~فيه وقرئ خبير بما يفعلون وقوله تعالى «من جاء بالحسنة فله خير منها» بيان ~~لما ms2535 أشير إليه بإحاطة علمه تعالى بأفعالهم من ترتيب أجزيتها عليها أي من ~~جاء منكم أو من أولئك الذين أتوه تعالى بالحسنة فله من الجزاء ما هو خير ~~منها إما باعتبار أنه أضعافها وإما باعتبار دوامه وانقضائها وقيل فله خير ~~حاصل من جهتها وهو الجنة وعن ابن عباس رضي الله عنهما الحسنة كلمة الشهادة ~~«وهم» أي الذين جاءوا بالحسنات «من فزع» أي عظيم هائل لا يقادر قدره وهو ~~الفزع الحاصل من مشاهدة العذاب بعد تمام المحاسبة وظهور الحسنات والسيئات ~~وهو الذي في قوله تعالى لا حزنهم الفزع الأكبر وعن الحسن رحمه الله تعالى ~~حين يؤمر بالعبد إلى النار وقال ابن جريج حين يذبح الموت وينادي المنادي يا ~~أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت «يومئذ» أي يوم إذ ينفخ ~~في الصور «آمنون» لا يعتريهم ذلك الفزع الهائل ولا يلحقهم ضرره أصلا وأما ~~الفزع الذي يعتري كل من في السماوات ومن في الأرض غير من استثناه الله ~~تعالى فإنما هو التهيب والرعب الحاصل في ابتداء النفخة من معاينة فنون ~~الدواهي والأهوال ولا يكاد يخلو منه أحد بحكم الجبلة وإن كان آمنا من لحوق ~~الضرر والأمن يستعمل بالجار وبدونه كما في قوله تعالى أفأمنوا مكر الله ~~وقرئ من فزع يومئذ بالإضافة مع كسر الميم وفتحها أيضا والمراد هو الفزع ~~المذكور في القراءة الأولى لا جميع الأفزاع الحاصلة يومئذ ومدار الإضافة ~~كونه أعظم الأفزاع وأكبرها كأن ما عداه ليس بفزع بالنسبة إليه «ومن جاء ~~بالسيئة» قيل هو الشرك «فكبت وجوههم في النار» أي كبوا فيها على وجوههم ~~منكوسين أو كبت فيها أنفسهم على طريقة ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة «هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون» على الالتفات للتشديد أو على إضمار القول أي ~~مقولا لهم ذلك PageV06P305 # «إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها» أمر صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول لهم ذلك بعد ما بين لهم أحوال المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة ~~تنبيها لهم على أنه قد أتم ms2536 أمر الدعوة بما لا مزيد عليه ولم يبق له صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة الله عز وجل والاستغراق في ~~مراقبته غير مبال بهم ضلوا أم رشدوا صلحوا أو فسدوا ليحملهم ذلك على أن ~~يهتموا بأمور أنفسهم ولا يتوهموا من شدة اعتنائه صلى الله عليه وسلم بأمر ~~دعوتهم أنه صلى الله عليه وسلم يظهر لهم ما يلجئهم إلى الإيمان لا محالة ~~ويشتغلوا بتدارك أحوالهم ويتوجهوا نحو التدبر فيما شاهدوه من الآيات ~~الباهرة والبلدة هي مكة المعظمة وتخصيصها بالإضافة لتفخيم شأنها واجلال ~~مكانها والتعرف لتحريمه تعالى إياها تشريف لها بعد تشريف وتعظيم إثر تعظيم ~~مع ما فيه من الإشعار بعلة الأمر وموجب الامتثال به كما في قوله تعالى ~~فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ومن الرمز إلى ~~غاية شناعة ما فعلوا فيها ألا يرى أنهم مع كونها محرمة من أن تنتهك حرمتها ~~باختلاء خلاها وعضد شجرها وتنفير صيدها وإرادة الإلحاد فيها بوجه من الوجوه ~~قد استمروا فيها على تعاطي أفجر أفراد الفجور وأشنع آحاد الإلحاد حيث تركوا ~~عبادة ربها ونصبوا فيها الأوثان وعكفوا على عبادتها قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~وقرئ حرمها بالتخفيف وقوله تعالى «وله كل شيء» أي خلقا وملكا وتصرفا من غير ~~أن يشاركه شيء في شيء من ذلك تحقيق للحق وتنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة ~~لما ذكر من التفخيم والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات «وأمرت أن ~~أكون من المسلمين» أي أثبت على ما كنت عليه من كوني من جملة الثابتين على ~~ملة الإسلام والتوحيد أي الذين أسلموا وجوههم لله خالصة من قوله تعالى ومن ~~أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله «وأن أتلو القرآن» أي أواظب على تلاوته لتنكشف ~~لي حقائقه الرائعة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا أو على تلاوته على الناس ~~بطريق تكرير الدعوة وتثنية الإرشاد فيكون ذلك تنبيها على كفايته في الهداية ~~والإرشاد من غير حاجة إلى إظهار معجزة أخرى فمعنى قوله تعالى «فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي ms2537 لنفسه» حينئذ فمن اهتدى بالإيمان به والعمل بما فيه من الشرائع ~~والأحكام وعلى الأول فمن اهتدى باتباعه إياي فيما ذكر من العبادة والإسلام ~~وتلاوة القرآن فإنما منافع اهتدائه عائدة إليه لا إلى «ومن ضل» بالكفر به ~~والإعراض عن العمل بما فيه أو بمخالفتي فيما ذكر «فقل» في حقه «إنما أنا من ~~المنذرين» وقد خرجت عن عهدة الإنذار فليس على من وبال ضلاله شيء وإنما هو ~~عليه فقط PageV06P306 # «وقل الحمد لله» أي على ما أفاض على من نعمائه التي أجلها نعمة النبوة ~~المستتبعة لفنون النعم الدينية والدنيوية ووفقني لتحمل أعبائها وتبليغ ~~أحكامها إلى كافة الورى بالآيات البينة والبراهين النيرة وقوله تعالى ~~«سيريكم آياته» من جملة الكلام المأمور به أي سيريكم البتة في الدنيا آياته ~~الباهرة التي نطق بها القرآن كخروج الدابة وسائر الأشراط وقد عد منها وقعة ~~بدر ويأباه قوله تعالى «فتعرفونها» أي فتعرفون أنها آيات الله تعالى حين لا ~~تنفعكم المعرفة لأنهم لا يتعرفون بكون وقعة بدر كذلك وقيل سيريكم في الآخرة ~~وقوله تعالى «وما ربك بغافل عما تعملون» كلام مسوق من جهته تعالى بطريق ~~التذييل مقرر لما قبله متضمن للوعد والوعيد كما ينبئ عنه إضافة الرب إلى ~~ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وتخصيص الخطاب أولا به صلى الله عليه وسلم ~~وتعميمه ثانيا للكفرة تغليبا أي وما ربك بغافل عما تعمل أنت من الحسنات وما ~~تعملون أنتم أيها الكفرة من السيئات فيجازى كلا منكم بعمله لا محالة وقرئ ~~عما يعملون على الغيبة فهو وعيد محض والمعنى وما ربك بغافل عن أعمالهم ~~فسيعذبهم البتة فلا يحسبوا أن تأخير عذابهم لغفلته تعالى عن أعمالهم ~~الموجبة له والله تعالى أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة طس ~~كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بسليمان وهو وصالح وإبراهيم وشعيب ~~عليهم الصلاة والسلام ومن كذب بهم ويخرج من قبره وهو ينادي لا له إلا الله. # (تم بحمد الله الجزء السادس ويليه الجزء السابع وأوله سورة القصص) ~~PageV06P307 # تفسير أبي ms2538 السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء السابع الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV07P001 # مكية وقيل إلا قوله الذين آتيناهم الكتاب إلى قوله الجاهلين وهي ثمان ~~وثمانون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «طسم تلك آيات الكتاب المبين» قد مر ~~ما يتعلق به من الكلام بالإجمال والتفصيل في أشباهه «نتلوا عليك» أي نقرأ ~~بواسطة جبريل عليه السلام ويجوز أن تكون التلاوة مجازا من التنزيل «من نبإ ~~موسى وفرعون» مفعول نتلو أي نتلوا عليه بعض نبئهما «بالحق» متعلق بمحذوف هو ~~حال من فاعل نتلو أو من مفعولة أو صفة لمصدره أي بعض نبئهما ملتبسين أو ~~متلبسا بالحق أو تلاوة ملتبسة بالحق «لقوم يؤمنون» متعلق بنتلو وتخصيصهم ~~بذلك مع عموم الدعوة والبيان للكل لأنهم المنتفعون به «إن فرعون علا في ~~الأرض» استئناف جار مجرى التفسير للمجمل الموعود وتصديره بحرف التأكيد ~~للاعتناء بتحقيق مضمون ما بعده أي إنه تجبر وطغا في ارض مصر وجاوز الحدود ~~المعهودة في الظلم والعدوان «وجعل أهلها شيعا» أي فرقا يشيعونه في كل ما ~~يريده من الشر والفساد أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته أو أصنافا في استخدامه ~~يستعمل كل صنف في عمل ويسخره فيه من بناء وحرث وحفر وغير ذلك من الأعمال ~~الشاقة ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم ~~العداوة والبغضاء لئلا تتفق كلمتهم «يستضعف طائفة منهم» وهم بنو إسرائيل ~~والجملة إما حال من فاعل جعل أو صفة لشيعا أو استئناف وقوله تعالى «يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم» بدل منها وكان ذلك لما أن كاهنا قال له يولد في ~~بني إسرائيل مولود يذهب ملكك على يده وما ذاك إلا لغاية حمقة إذ لو صدق فما ~~فائدة القتل وإن كذب فما وجهه «إنه كان من المفسدين» أي الراسخين في ~~الإفساد ولذلك اجترأ على مثل تلك العظيمة PageV07P002 # من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام «ونريد أن نمن» ms2539 ~~أي نتفضل «على الذين استضعفوا في الأرض» على الوجه المذكور بإنجائهم من ~~بأسه وصيغة المضارع في نريد حكاية حال ماضية وهو معطوف على إن فرعون علا ~~الخ لتناسبهما في الوقوع في في حيز التفسير للنبأ أو حال من يستضعف بتقدير ~~المبتدأ أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم وليس من ضرورة مقارنة ~~الإرادة للاستضعاف مقارنة المراد له لما أن تعلق الإرادة للمن تعلق استقبال ~~على ان منة الله تعالى عليهم بالخلاص لما كانت في شرف الوقوع جاز إجراؤها ~~مجرى الواقع المقارن له ووضع الموصول موضع الضمير لإبانة قدر النعمة في ~~المنة بذكر حالتهم السابقة المباينة لها «ونجعلهم أئمة» يقتدى بهم في أمور ~~الدين بعد أن كانوا أتباعا مسخرين لآخرين «ونجعلهم الوارثين» لجميع ما كان ~~منتظما في سلك ملك فرعون وقومه وراثة معهودة فيما بينهم كما ينبئ عنه تعريف ~~الوارثين وتأخير ذكر وراثتهم له عن ذكر جعلهم أئمة مع تقدمها عليه زمانا ~~لانحطاط رتبتها عن الإمامة ولئلا ينفصل عنه ما بعده مع كونه من روادفه أعنى ~~قوله تعالى «ونمكن لهم في الأرض» الخ أي نسلطهم على مصر والشام يتصرفون ~~فيهما كيفما يشاءون واصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكن فيه «ونري ~~فرعون وهامان وجنودهما منهم» أي من أولئك المستضعفين «ما كانوا يحذرون» ~~ويجتهدون في دفعة من ذهاب ملكهم وهلكهم على يد مولود منه وقرئ يرى بالياء ~~ورفع ما بعده على الفاعلية «وأوحينا إلى أم موسى» بإلهام أو رؤيا «أن ~~أرضعيه» ما أمكنك إخفاؤه «فإذا خفت عليه» بأن يحس به الجيران عند بكائه ~~وينموا عليه «فألقيه في اليم» في البحر وهو النيل «ولا تخافي» عليه ضيعة ~~بالغرق ولا شدة «ولا تحزني إنا رادوه إليك» عن قريب بحيث تأمنين عليه ~~«وجاعلوه من المرسلين» والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن وإيثار الجملة ~~الاسمية وتصديرها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق مضمونها أي إنا فاعلون لرده ~~وجعله من المرسلين لا محالة روى أن بعض القوابل الموكلات من قبل فرعون ~~بحبالى بني إسرائيل كانت مصافية لأم موسى ms2540 عليه السلام فقالت لها لينفعني ~~حبك اليوم فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينية وارتعش كل مفصل ~~منها ودخل حبة في قلبها ثم قالت ما جئتك إلا لأقبل مولودك وأخبر فرعون ~~ولكني وجدت لابنك في قلبي محبة ما وجدت مثلها لأحد فأحفظيه فلما خرجت جاء ~~عيون فرعون فلفته في خرقة فألقته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع لما طاش من ~~عقلها فطلبوا فلم يلقوا شيئا فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من ~~التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله تعالى النار عليه بردا وسلاما فلما ألح ~~فرعون في طلب الولدان أوحى الله تعالى إليها ما أوحى وقد روي أنها أرضعته ~~ثلاثة أشهر في تابوت من بردى مطلي بالقار من داخله والفاء في قوله تعالى ~~PageV07P003 # «فالتقطه آل فرعون» فصيحة مفصحة عن عطفه على جملة مترتبة على ما قبلها من ~~الأمر بالإلقاء قد حذفت تعويلا على دلالة الحال وإيذانا بكمال سرعة ~~الامتثال أي فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت حسبما أمرت فالتقطه آل ~~فرعون أي أخذوه اعتناء به وصيانة له عن الضياع قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~وغيره كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها وكانت من أكرم الناس إليه ~~وكان بها برص شديد عجزت الأطباء عن علاجه فقالوا لا تبرا إلا من قبل البحر ~~يؤخذ منه شبه الأنس يوم كذا وساعة كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس فيؤخذ من ~~ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على ~~شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي ~~كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه السلام وقيل كانت من بني إسرائيل من ~~سبط موسى عليه الصلاة والسلام وقيل كانت عمته حكاه السهيلي وأقبلت بنت ~~فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل فإذا بتابوت في النيل تضربه ~~الأمواج فتعلق بشجرة فقال فرعون ائتوني به فابتدروا بالسفن فأحضروه بين ~~يديه فعالجوا فتحه ms2541 فلم يقدروا عليه وقصدوا كسره فأعياهم فنظرت آسية فرأت ~~نورا في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هي بصبي صغير في ~~مهده وإذا نور بين عينيه وهو يمص إبهامه لبنا فألقى الله تعالى محبته في ~~قلوب القوم وعمدت ابنة فرعون إلى ريقة فلطخت به برصها فبرأت من ساعتها وقيل ~~لما نظرت إلى وجهه برأت فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو الذي ~~نحذر منه رمى في البحر فرقا منك فاقتله فهم فرعون بقتله فاستوهبته آسية ~~فتركه كما سيأتي واللام في قوله تعالى «ليكون لهم عدوا وحزنا» لام العاقبة ~~أبرز مدخولها في معرض العلة لالتقاطهم تشبيها له في الترتب عليه بالغرض ~~الحامل عليه وقرئ حزنا وهما لغتان كالسقم والسقم جعل عليه الصلاة والسلام ~~نفس الحزن إيذانا بقوة سببيته لحزنهم «إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين» أي في كل ما يأتون وما يذرون فلا غرو في أن قتلوا لأجله ألوفا ثم ~~أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون روى أنه ذبح في طلبه عليه ~~الصلاة والسلام تسعون ألف وليد أو كانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربي ~~عدوهم على أيديهم فالجملة اعتراضية لتأكيد خطئهم أو لبيان الموجب لما ~~ابتلوا به وقرئ خاطين على انه تخفيف خاطئين أو على انه بمعنى متعدين الصواب ~~إلى الخطأ «وقالت امرأة فرعون» أي لفرعون حين أخرجته من التابوت «قرة عين ~~لي ولك» أي هو قرة عين لنا لما أنهما لما رأياه أحباه أو لما ذكر من برء ~~ابنته من البرص بريقه وفي الحديث أنه قال لك لا لي ولو قال كما هو لك لهداه ~~الله تعالى كما هداها «لا تقتلوه» خاطبته بلفظ الجمع تعظيما ليساعدها فيما ~~تريده «عسى PageV07P004 # أن ينفعنا» فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النجابة وذلك لما رأت فيه من ~~العلامات المذكورة «أو نتخذه ولدا» أي نتبناه فإنه خليق بذلك «وهم لا ~~يشعرون» حال من آل فرعون والتقدير فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ~~وقالت امرأته كيت وكيت وهم ms2542 لا يشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا من ~~الالتقاط ورجاء النفع منه والتبني له وقوله تعالى إن فرعون الآية اعتراض ~~وقع بين المعطوفين لتأكيد خطئهم وقيل حال من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير ~~للناس أي وهم لا يعلمون انه لغيرنا وقد تبنيناه «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا» ~~صفرا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ~~لقوله تعالى وأفئدتهم هواء أي خلاء لا عقول فيها ويعضده أنه قرئ فرغا من ~~قولهم دماؤهم بينهم فرغ أي هدر وقيل فارغا من الهم والحزن لغاية وثوقها ~~بوعد الله تعالى أو لسماعها أن فرعون عطف عليه وتبناه وقرئ مؤسى بالهمز ~~إجراء للضمة في جارة الواو مجرى ضمتها فهمزت كما في وجوه «إن كادت لتبدي ~~به» أي إنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الحيرة والدهشة أو ~~الفرح بتبنيه «لولا أن ربطنا على قلبها» بالصبر والثبات «لتكون من ~~المؤمنين» أي المصدقين بوعد الله تعالى أو من الواثقين بحفظه لا بتبني ~~فرعون وتعطفه وهو علة الربط وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه «وقالت ~~لأخته» مريم والتعبير عنها بأخوته عليه الصلاة والسلام دون أن يقال لبنتها ~~للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالامر «قصيه» أي اتبعي أثره وتتبعي ~~خبره «فبصرت به» أي أبصرته «عن جنب» عن بعد وقرئ بسكون النون وعن جانب ~~والكل بمعنى «وهم لا يشعرون» انها تقصه وتتعرف حاله أو انها أخته «وحرمنا ~~عليه المراضع» أي منعناه ان يرتضع من المرضعات والمراضع جمع مرضع وهي ~~المرأة التي ترضع أو مرضع وهو الرضاع أو موضعه اعني الثدي «من قبل» أي من ~~قبل قصها أثره «فقالت» عند رؤيتها لعدم قبوله الثدي واعتناء فرعون بأمره ~~وطلبهم من يقبل ثديها «هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم» أي لأجلكم «وهم ~~له ناصحون» لا يقصرون في إرضاعه وتربيته روى أن هامان لما سمعه منها قال ~~إنها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون ~~فأمرها فرعون بأن ms2543 تأتي بمن يكفله فأتت بأمه وموسى على يد فرعون يبكي وهو ~~يعلله فدفعه إليها فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال من أنت منه فقد ~~أبى كل ثدي إلا ثديك فقالت إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتي بصبي ~~إلا قبلني PageV07P005 # فقرر في يدها وأجرى عليها فرجعت به إلى بيتها من يومها وذلك قوله تعالى ~~«فرددناه إلى أمه كي تقر عينها» بوصول ولدها إليها «ولا تحزن» بفراقه ~~«ولتعلم أن وعد الله» أي جميع ما وعده من رده وجعله من المرسلين «حق» لا ~~خلف فيه بمشاهدة بعضه وقياس بعضه عليه «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن الامر ~~كذلك فيرتابون فيه أو أن الغرض الأصلي من الرد علمها بذلك وما سواه تبع ~~وفيه تعريض بما فرط منها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون «ولما بلغ أشده» أي ~~المبلغ الذي لا يزيد عليه نشؤه وذلك من ثلاثين إلى أربعين فإن العقل يكمل ~~حينئذ وروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين «واستوى» أي اعتدل قده أو ~~عقله «آتيناه حكما» أي نبوة «وعلما» بالدين أو علم الحكماء والعلماء وسمتهم ~~قبل استنبائه فلا يقول ولا يفعل ما يستجهل فيه وهو أوفق لنظم القصة لأنه ~~تعالى استنبأه بعد الهجرة في المراجعة «وكذلك» ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى ~~وأمه «نجزي المحسنين» على إحسانهم «ودخل المدينة» أي مصر من قصر فرعون وقيل ~~منف أو حابين أو عين شمس من نواحيها «على حين غفلة من أهلها» في وقت لا ~~يعتاد دخولها أو لا يتوقعونه فيه قيل كان وقت القيلولة وقيل بين العشاءين ~~«فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته» أي ممن شايعه على دينه وهم بنو ~~إسرائيل «وهذا من عدوه» أي من مخالفيه دينا وهم القبط والإشارة على الحكاية ~~«فاستغاثه الذي من شيعته» أي سأله أن يغيثه بالإعانة كما ينبيء عنه تعديته ~~بعلى وقرئ استعانه «على الذي من عدوه فوكزه موسى» أي ضرب القبطي بجمع كفه ~~وقرى فلكزه أي فضرب به صدره «فقضى عليه» فقتله واصله أنهى حياته ms2544 من قوله ~~تعالى وقضينا اليه ذلك الامر «قال هذا من عمل الشيطان» لأنه لم يكن مأمورا ~~بقتل الكفار أو لأنه كان مأمونا فيما بينهم فلم يكن له اغتيالهم ولا يقدح ~~ذلك في عصمته لكونه خطأ وإنما عدة من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه ~~جريا على سنن المقربين في استعظام ما فرط منهم ولو كان من محقرات الصغائر ~~«إنه عدو مضل مبين» ظاهر العداوة والاضلال «قال» توسيطه بين كلاميه صلى ~~الله عليه وسلم لإبانة ما بينهما من المخالفة من حيث إنه مناجاة ~~PageV07P006 # ودعاء بخلاف الأول «رب إني ظلمت نفسي» أي بقتله «فاغفر لي» ذنبي «فغفر ~~له» ذلك «إنه هو الغفور الرحيم» أي المبالغ في مغفرة ذنوب عباده ورحمتهم « ~~قال رب بما أنعمت علي» إما قسم محذوف الجواب أي أقسم بإنعامك على بالمغفرة ~~لأتوبن «فلن أكون» بعد هذا أبدا «ظهيرا للمجرمين» وما استعطاف أي بحق ~~إنعامك على اعصمني فلن أكون معينا لمن تؤدي معاونته إلى الحرم وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لم يستثن فابتلى به مرة أخرى وهذا ~~يؤيد الأول وقيل معناه بما أنعمت علي من القوة أعين أولياءك فلن استعملها ~~في مظاهرة أعدائك «فأصبح في المدينة خائفا يترقب» يترصد الاستقادة أو ~~الأجناد «فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه» أي يستغيثه برفع الصوت من ~~الصراخ «قال له موسى إنك لغوي مبين» أي بين الغواية تسببت لقتل رجل وتقاتل ~~آخر «فلما أن أراد» موسى «أن يبطش بالذي هو عدو لهما» أي لموسى وللإسرائيلي ~~إذ لم يكن على دينهما ولأن القبط كانوا أعداء لبني إسرائيل على الإطلاق ~~وقرئ يبطش بضم الطاء «قال» أي الإسرائيلي ظانا أنه صلى الله عليه وسلم يبطش ~~به حسبما يوهمه تسميته إياه غوبا «يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس» قالوا لما سمع القبطي قول الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك ~~الفرعوني فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك وأمر فرعون بقتل موسى عليه السلام ~~وقيل قاله القبطي «إن تريد» أي ما تريد ms2545 «إلا أن تكون جبارا في الأرض» وهو ~~الذي يفعل كل ما يريده من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب وقيل المتعظم ~~الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى «وما تريد أن تكون من المصلحين» بين الناس ~~بالقول والفعل «وجاء رجل من أقصى المدينة» أي كائن من آخراها أو جاء من ~~آخرها «يسعى» أي يسرع صفة لرجل أو حال منه على أن الجار والمجرور صفة له لا ~~متعلق بجاء فإن تخصصه يلحقه بالمعارف قيل هو مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل ~~وقيل شمعون وقيل شمعان «قال يا موسى» «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك» أي ~~يتشاورون بسببك فإن كلا من المتشاورين بأمر الآخرين ويأتمر «فأخرج» أي من ~~المدينة «إني لك من الناصحين» اللام للبيان PageV07P007 # لما أن معمول الصلة لا يتقدمها «فخرج منها» أي من المدينة «خائفا يترقب» ~~لحوق الطالبين «قال رب نجني من القوم الظالمين» خلصني منهم واحفظني من ~~لحوقهم «ولما توجه تلقاء مدين» أي نحو مدين وهي قرية شعيب عليه السلام سميت ~~باسم مدين بن إبراهيم ولم تكن تحت سلطان فرعون وكان بينها وبين مصر مسيرة ~~ثمانية أيام «قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» توكلا على الله تعالى ~~وثقة بحسن توفيقه وكان لا يعرف الطرق فعن له ثلاث طرائق فأخذ في الوسطى ~~وجاء الطلاب فشرعوا في الأخريين وقيل خرج حافيا لا يعيش إلا بورق الشجر فما ~~وصل حتى سقط خف قدميه وقيل جاء ملك على فرس وبيده عنزة فانطلق به إلى مدين ~~«ولما ورد ماء مدين» أي وصل اليه وهو بئر كانوا يسقون منه «وجد عليه» أي ~~فوق شفيرها «أمة» جماعة كثيفة «من الناس يسقون» أي مواشيهم «ووجد من دونهم» ~~أي في موضع أسفل منهم «امرأتين تذودان» أي تمنعان ما معهما من الأغنام عن ~~التقدم إلى البئر كيلا تختلط بأغنامهم مع عدم الفائدة في التقدم «قال» عليه ~~السلام لهما حين رآهما على ماهما عليه من التأخر والذود «ما خطبكما» ما ~~شأنكما فيما أنتما عليه من التأخر والذود ولم لا تباشران السقي كدأب ms2546 هؤلاء ~~«قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء» أي عادتنا ان لا نسقي حتى يصرف الرعاة ~~مواشيهم بعد ريها عن الماء عجزا عن مساجلتهم وحذرا عن مخالطة الرجال لا أنا ~~لا نسقي اليوم إلى تلك الغاية وحذف مفعول السقي والذود والاصدار لما أن ~~الغرض هو بيان تلك الافعال أنفسها إذ هي التي دعت موسى عليه السلام إلى ما ~~صنع في حقهما من المعروف فإنه عليه الصلاة والسلام إنما رحمهما لكونهما على ~~الذياد للعجز والعفة وكونهم على السقي غير مبالين بهما وما رحمهما لكن ~~مذودهما غنما ومسقيهم إبلا مثلا وقرئ لا نسقى من الإسقاء ويصدر من الصدور ~~والرعاء بضم الراء وهو اسم جمع كالرخاء وأما الرعاء فجمع قياسي كصيام وقيام ~~وقوله تعالى «وأبونا شيخ كبير» إبراء منهم للعذر إليه عليه السلام في ~~توليهما للسقي بأنفسهما كأنهما قالتا إنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر ~~على مساجلة الرجال ومزاحمتهم وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ كبير السن ~~قد اضعفه الكبر فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من ~~الماء «فسقى لهما» رحمة عليهما والكلام في حذف مفعوله كما مر آنفا روى أن ~~الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال وقيل عشرة ~~وقيل أربعون وقيل مائة فأفله وحده مع ما كان به من الوصب والجراحة والجوع ~~ولعله PageV07P008 # عليه الصلاة والسلام زاحمهم في السقي لهما فوضعوا الحجر على البئر ~~لتعجيزه عليه الصلاة والسلام عن ذلك فإن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام غب ~~ما شاهد حالهما شارع إلى السقي لهما وقد روى أنه دفعهم عن الماء إلى أن سقى ~~لهما وقيل كانت هناك بئر أخرى عليها الصخرة المذكورة وروى أنه عليه الصلاة ~~والسلام سألهم دلوا من ماء فاعطوه دلوهم وقالوا استق بها وكان لا ينزعها ~~إلا أربعون فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة وروى غنمهما وأصدرهما ~~«ثم تولى إلى الظل» الذي كان هناك «فقال رب إني لما أنزلت إلي» أي أي شيء ~~أنزلته إلي «من خير» ms2547 جل أو قل وحمله الأكثرون على الطعام بمعونة المقام ~~«فقير» أي محتاج ولنضمنه معنى السؤال والطلب جئ بلام الدعامة لتقوية العمل ~~وقيل المعنى لما أنزلت إلى من خير عظيم هو خير الدارين صرت فقيرا في الدنيا ~~لأنه كان في سعة من العيش عند فرعون قاله عليه الصلاة والسلام إظهارا للبجح ~~والشكر على ذلك «فجاءته إحداهما» قيل هي كبراهما واسمها صفوراء أو صفراء ~~وقيل صغراهما واسمها صفيراء أي جاءته عقيب ما رجعتا إلى أبيها روى انهما ~~لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما ما أعجلكما ~~قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا فقال لإحداهما إذهبي فادعيه لي ~~وقوله تعالى «تمشي» حال من فاعل جاءت وقوله تعالى «على استحياء» متعلق ~~بمحذوف هو حال من ضمير تمشى أي جاءته تمشي كائنة على استحياء فمعناه انها ~~كانت على استحياء حالتي المثى والمجيء معا لا عند المجيء فقط وتنكير ~~استحياء للتفخيم قيل جاءته متخفرة أي شديدة الحياء وقيل قد استترت بكم ~~درعها «قالت» استئاف مبنى على سؤال نشأ من حكاية مجيئها إياه عليه الصلاة ~~والسلام كأنه قيل فماذا قالت له عليه الصلاة والسلام فقيل قالت «إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا» أي جزاء سقيك لنا أسندت الدعوة إلى أبيها ~~وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة وفيه من الدلالة على كمال العقل ~~والحياء والعفة ما لا يخفى روى أنه عليه الصلاة والسلام أجابها فانطلقا وهي ~~أمامه فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها امشي خلفي وانعتى لي ~~الطريق ففعلت حتى أتيا دار شعيب عليهما السلام «فلما جاءه وقص عليه القصص» ~~أي ما جرى عليه من الخبر المقصوص فإنه مصدر سمى به المفعول كالعلل «قال لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين» الذي يلوح من ظاهر النظم الكريم أن موسى عليه ~~السلام إنما أجاب المستدعية من غير تلعثم ليتبرك برؤية شعيب عليه السلام ~~ويستظهر برأيه لا ليأخذ بمعروفه أجرا حسبما صرحت به ألا يرى إلى ما روى أن ~~شعيبا لما قدم إليه ms2548 طعاما قال إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهبا ~~ولا نأخذ على المعروف ثمنا ولم يتناول حتى قال شعيب عليه السلام هذه عادتنا ~~مع كل من ينزل بنا فتناول بعد ذلك على سبيل التقبل لمعروف مبتدأ كيف لا وقد ~~قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوة PageV07P009 # من أولاد يعقوب عليه السلام ومثله حقيق بأن يضيف ويكرم لا سيما في دار ~~نبي من أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام وقيل ليس بمستنكر منه عليه ~~الصلاة والسلام أن يقبل الاجر لاضطرار الفقر والفاقة وقد روى عن عطاء بن ~~السائب انه عليه السلام رفع صوته بدعائه ليسمعها ولذلك قيل له ليجزيك الخ ~~ولعله عليه السلام إنما فعله ليكون ذريعة إلى استدعائه لا إلى استيفاء ~~الاجر «قالت إحداهما» وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي زوجها من موسى ~~عليهما السلام «يا أبت استأجره» أي لرعى الغنم والقيام بأمرها «إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين» تعليل جار مجرى الدليل على انه حقيق بالاستئجار ~~وللمبالغة في ذلك جعل خير اسما لان وذكر الفعل على صيغة الماضي للدلالة على ~~انه أمين مجرب روى أن شعيبا عليه السلام قال لها وما أعلمك بقوته وأمانته ~~فذكرت ما شاهدت منه عليه السلام من إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوب رأسه ~~حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه «قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني» أي تكون أجير إلى أو تثيبني من أجرت كذا إذا أثبته ~~إياه فقوله تعالى «ثماني حجج» على الأول ظرف وعلى الثاني مفعول به على ~~تقدير مضاف أي رعية ثماني حجج ونقل عن المبرد أنه يقال أجرت داري ومملوكي ~~غير ممدود وآجرت ممدودا والأول أكثر فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفا ~~والمعنى على أن تأجرني نفسك وقوله تعالى ثماني حجج ظرف كالوجه الأول «فإن ~~أتممت عشرا» في الخدمة والعمل «فمن عندك» أي فهو من عندك بطريق التفضل لا ~~من عندي بطريق الإلزام عليك وهذا من شعيب عرض لرأيه على موسى عليهما ms2549 السلام ~~واستدعاء منه للعقد لا إنشاء وتحقيق له بالفعل «وما أريد أن أشق عليك» ~~بإلزام إتمام العشر أو المناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الاعمال ~~واشتقاق المشقة من الشق فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته ويوزع ~~رأيك في مزاولته «ستجدني إن شاء الله من الصالحين» في حسن المعاملة ولين ~~الجانب والوفاء بالعهد ومراده عليه الصلاة والسلام بالاستثناء التبرك به ~~وتفويض امره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه بمشيئته تعالى «قال ذلك بيني ~~وبينك» مبتدأ وخبر أي ذلك الذي قلته وعاهدتنى فيه وشارطتنى عليه قائم وثابت ~~بيننا جميعا لا يخرج عنه واحد منا لا أنا عما شرطت على ولا أنت عما شرطت ~~على نفسك وقوله تعالى «أيما الأجلين» أي أكثرهما أو أقصرهما «قضيت» أي ~~وفتيكه بأداء الخدمة فيه «فلا عدوان علي» تصريح بالمراد وتقرير لأمر الخيرة ~~أي لا عدوان على بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين وتعميم انتفاء ~~العدوان لكلا الأجلين بصدد المشارطة مع عدم تحقق العدوان في أكثرهما رأسا ~~للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء PageV07P010 # أي كما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان أو ~~أيما الأجلين قضيت فلا اثم علي يعني كما لا اثم علي في قضاء الأكثر لا اثم ~~علي في قضاء الأقصر فقط وقرئ أي الأجلين ما قضيت فما مزيدة لتأكيد القضاء ~~كما انها في القراءة الأولى مزيدة لتأكيد ابهام أي وشياعها وقرئ أيما بسكون ~~الياء كقول من قال تنظرت نصرا والسماكين أيهما على من الغيث استهلت مواطره ~~والله على ما نقول من الشروط الجارية بيننا «وكيل» شاهد وحفظ فلا سبيل لاحد ~~منا إلى الخروج عنه أصلا وليس ما حكى عنهما عليهما الصلاة والسلام تمام ما ~~جرى بينهما من الكلام في انشاء عقد النكاح وعقد الإجارة وايقاعهما بل هو ~~بيان لما عز ما عليه واتفقا على إيفاعه حسبما يتوقف عليه مساق القصة اجمالا ~~من غير تعرض لبيان مواجب العقدين في تلك الشريعة تفصيلا روى انهما لما أتما ~~العقد قال شعيب لموسى ms2550 عليهما السلام ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصى ~~وكانت عنده عصى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فأخذ عصا هبط بها آدم عليه ~~الصلاة والسلام من الجنة ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ~~عليه السلام فمسها وكان مكفوفا فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده الا ~~هي سبع مرات فعلم ان له شأنا وقيل اخذها جبريل عليه السلام بعد موت آدم ~~عليه السلام فكانت معه حتى لقى بها موسى عليه السلام ليلا وقيل أودعها ~~شعيبا ملك في صورة رجل فأمر بنته ان تأتيه بعصا فأتته بها فردها سبع مرات ~~فلم يقع في يدها غيرها فدفعها اليه ثم ندم لأنها وديعة فتبعه فاختصما فيها ~~ورضيا ان يحكم بينها أول طالع فأتاهما الملك فقال القياها فمن رفعها فهي له ~~فعالجها الشيخ فلم يطقها ورفعها موسى عليه السلام وعن الحسن رضي الله تعالى ~~عنه ما كانت الا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا وعن الكلبي رحمة الله الشجرة ~~التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه ولما أصبح قال له شعيب صلوات ~~الله وسلامه عليهما إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وان ~~كان بها أكثر الا ان فيها تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم فأخذت الغنم ذات ~~اليمين فلم يقدر على كفها ومشى على اثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام ~~فإذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى عليه ~~السلام دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك ولما رجع إلى ~~شعيب عليهما السلام مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى ~~عليه السلام بالشأن ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا وقال له إني وهبت لك من ~~نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودعاء فأوحى إليه في المنام أن اضرب بعصاك ~~مستقى الغنم ففعل ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء فوفى له ~~بشرطه والفاء في قوله تعالى «فلما قضى موسى الأجل» فصيحة أي فعقدا العقدين ~~وباشر موسى ms2551 ما التزمه فلما أتم الأجل «وسار بأهله» نحو مصر بإذن من شعيب ~~عليهما السلام روى انه عليه الصلاة والسلام قضى أبعد الأجلين ومكث عنده بعد ~~ذلك عشر سنين ثم عزم على العود إلى مصر فاستأذنه في PageV07P011 # ذلك فأذن له فخرج بأهله «آنس من جانب الطور» أي أبصر من الجهة التي تلي ~~الطور «نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر» أي بخبر ~~الطريق وقد كانوا ضلوه «أو جذوة» أي عود غليظ سواء كانت في رأسه نارا ولا ~~قال قائلهم [باتت حواطب ليلى يلتمسن لها * جزل الجذى غير حوار ولا دعر] ~~وقال [وألقى على قبس من النار جذوة * شديدا عليها حرها وإلتهابها] ولذلك ~~بين بقوله تعالى «من النار» وقرئ بكسر الجيم وبضمها وكلها لغات «لعلكم ~~تصطلون» أي تستدفئون «فلما أتاها» أي النار التي آنسها «نودي من شاطئ ~~الوادي الأيمن» أي أتاه النداء من الشاطئ الأيمن بالنسبة إلى موسى عليه ~~السلام «في البقعة المباركة» متصل بالشاطئ أو صلة لنودى «من الشجرة» بدل ~~اشتمال من شاطئ لأنها كانت نابتة على الشاطئ «أن يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين» وهذا وإن خالف لفظا لما في طه والنمل لكنه موافق له في المعنى ~~المراد «وأن ألق عصاك» عطف على أن يا موسى وكلاهما مفسر لنودي والفاء في ~~قوله تعالى «فلما رآها تهتز» فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت تعويلا على دلالة ~~الحال عليها وإشعارا بغاية سرعة تحقق مدلولاتها أي فألقاها فصارت ثعبانا ~~فاهتزت فلما رآها تهتز «كأنها جان» أي في سرعة الحركة مع غاية عظم جئتها ~~«ولى مدبرا» أي منهزما من الخوف «ولم يعقب» أي لم يرجع «يا موسى» أي قيل يا ~~موسى «أقبل ولا تخف إنك من الآمنين» من المخاوف فإنه لا يخاف لدي المرسلون ~~«اسلك يدك في جيبك» أي أدخلها فيه «تخرج بيضاء من غير سوء» أي عيب «واضمم ~~إليك جناحك» أي يديك المبسوطتين لتتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال ~~اليمنى تحت العضد الأيسر واليسرى تحت الأيمن أو بإدخالهما ms2552 في الجيب فيكون ~~تكريرا لغرض آخر هو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جراءة ومبدأ لظهور ~~معجزة ويجوز ان يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا ثعبانا استعارة ~~من حال الطائر فإنه إذا خاف نشر جناحيه وإذا أمن واطمأن ضمهما اليه «من ~~الرهب» أي من أجل الرهب أي إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلدا وضبطا لنفسك ~~وقريء بضم الراء وسكون الهاء وبضمهما والكل لغات «فذانك» إشارة إلى العصا ~~واليد وقريء بتشديد النون فالمخفف مثنى ذاك والمشد مثنى ذلك «برهانان» ~~حجتان نيرتان وبرهان فعلان لقولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من قولهم ~~بره الرجل إذا ابيض ويقال PageV07P012 # للمرأة البيضاء برهاء وبرهرهة ونظيره تسمية الحجة سلطانا من السليط وهو ~~الزيت لإنارتها وقيل هو فعلال لقولهم برهن ومن في قوله تعالى «من ربك» ~~متعلقة بمحذوف هو صفة لبرهانان أي كائنان منه تعالى «إلى فرعون وملئه» ~~واصلان ومنتهيان إليهم «إنهم كانوا قوما فاسقين» خارجين عن حدود الظلم ~~والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك إليهم بهاتين المعجزتين الباهرتين «قال رب ~~إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون» بمقابلتها «وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا فأرسله معي ردءا» أي معينا وهو في الأصل اسم ما يعان به كالدفء وقرئ ~~ردأ بالتخفيف «يصدقني» بتخليص الحق وتقرير الحجة بتوضيحها وتزييف الشبهة ~~«إني أخاف أن يكذبون» ولساني لا يطاوعني عند المحاجة وقيل المراد تصديق ~~القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب وقرئ يصدقني ~~بالجزم على انه جواب الأمر «قال سنشد عضدك بأخيك» أي سنقويك به فإن قوة ~~الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور ولذلك يعبر عنه باليد وشدتها بشدة العضد ~~«ونجعل لكما سلطانا» أي تسلطا وغلبة وقيل حجة وليس بذاك «فلا يصلون إليكما» ~~باستيلاء أو محاجة «بآياتنا» متعلق بمحذوف قد صرح به في مواضع أخر أي اذهبا ~~بآياتنا أو بنجعل أي نسلطكما بآياتنا أو بمعنى لا يصلون أي تمتنعون منهم ~~بها وقيل هو قسم وجوابه لا يصلون وقيل هو بيان للغالبون في قوله تعالى ~~«أنتما ومن ms2553 اتبعكما الغالبون» بمعنى انه صلة لما يبينه أو صلة له على ان ~~اللام للتعريف لا بمعنى الذي «فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات» أي واضحات ~~الدلالة على صحة رسالة موسى عليه السلام منه تعالى والمراد بها العصا واليد ~~إذ هما اللتان أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك والتعبير عنهما بصيغة الجمع ~~قد مر سره في سورة طه «قالوا ما هذا إلا سحر مفترى» أي سحر مختلق لم يفعل ~~قبل هذا مثله أو سحر تعمله ثم تفتريه على الله تعالى أو سحر موصوف ~~بالافتراء كسائر أصناف السحر «وما سمعنا بهذا» أي السحر أو ادعاء النبوة ~~«في آبائنا الأولين» أي واقعا في أيامهم «وقال PageV07P013 # موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده» يريد به نفسه وقرئ قال بغير واو ~~لأنه جواب عن مقألهم ووجه العطف ان المراد حكاية القولين ليوازن السامع ~~بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد «ومن تكون له عاقبة الدار» أي العاقبة ~~المحمودة في الدار وهي الدنيا وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأنها خلقت مجازا ~~إلى الآخرة ومزرعة لها والمقصود بالذات منها الثواب وأما العقاب فمن نتائج ~~اعمال العصاة وسيئات الغواة وقرئ يكون بالياء التحتانية «إنه لا يفلح ~~الظالمون» أي لا يفوزون بمطلوب ولا ينجون عن محذور «وقال فرعون يا أيها ~~الملأ ما علمت لكم من إله غيري» قاله اللعين بعد ما جمع السحرة وتصدى ~~للمعارضة فكان من أمرهم ما كان «فأوقد لي يا هامان على الطين» أي اصنع آجرا ~~«فاجعل لي» منه «صرحا» أي قصرا رفيعا «لعلي أطلع إلى إله موسى» كأنه توهم ~~أنه لو كان لكان جسما في السماء يمكن الرقي اليه ثم قال «وإني لأظنه من ~~الكاذبين» أو أراد ان يبنى له رصدا يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ~~ما يدل على بعثه رسول وتبدل دولته وقيل المراد بنفي العلم نفى المعلوم كما ~~في قوله تعالى «قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض» فإن ~~معناه بما ليس فيهن وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة ms2554 لتحقق ~~معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاء معلوماتها ولا كذلك العلوم الانفعالية ~~قيل أول من اتخذ الاجر فرعون ولذلك امر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة ~~مع ما فيه من تعظيم ولذلك نادى هامان باسمه بيافي وسط الكلام «واستكبر هو ~~وجنوده في الأرض» ارض مصر «بغير الحق» بغير استحقاق «وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون» بالبعث للجزاء وقرئ بفتح الياء وكسر الجيم من رجع رجوعا والأول من ~~رجع رجعا وهو الأنسب بالمقام «فأخذناه وجنوده» عقيب ما بلغوا من الكفر ~~والعتو أقصى الغايات «فنبذناهم في اليم» قد مر تفصيله وفيه من تفخيم شأن ~~الأخذ وتهويله واستحقار المأخوذين المنبوذين ما لا يخفى كأنه تعالى أخذهم ~~مع كثرتهم في كف وطرحهم في البحر ونظيره قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه «فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين» وبينها للناس ليعتبروا بها «وجعلناهم» أي صيرناهم في عهدهم ~~«أئمة يدعون» الناس «إلى النار» إلى ما يؤدي إليها من الكفر والمعاصي أي ~~قدوة يقتدى بهم أهل الضلال لما صرفوا اختيارهم إلى تحصيل تلك الحالة وقيل ~~PageV07P014 # سميناهم أئمة دعاة إلى النار كما في قوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا فالأنسب حينئذ أن يكون الجعل بعدهم فيما بين الأمم وتكون ~~الدعوة إلى نفس البار وقيل معنى الجعل منع الالطاف الصارفة عن ذلك «ويوم ~~القيامة لا ينصرون» بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه «وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة» طردا وإبعادا من الرحمة ولعنا من اللاعنين حيث لا يزال يلعنهم ~~الملائكة عليهم الصلاة والسلام والمؤمنون خلفا عن سلف «ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين» من المطرودين المبعدين وقيل من الموسومين بعلامة منكرة كزرقة ~~العيون وسواد الوجه قاله ابن عباس رضى الله عنهما يقال قبحه الله وقبحه إذا ~~جعله قبيحا وقال أبو عبيدة من المقبوحين من المهلكين ويوم القيامة إما ~~متعلق بالمقبوحين على أن اللام للتعريف لا بمعنى الذي أو بمحذوف يفسره ذلك ~~كأنه قيل وقبحوا يوم القيامة نجو لعملكم من القالين «ولقد آتينا ms2555 موسى ~~الكتاب» أي التوراة «من بعد ما أهلكنا القرون الأولى» هم أقوام نوح وهود ~~وصالح ولوط عليهم السلام والتعرض لبيان كون إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار ~~بمساس الحاجة الداعية إليه تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى ~~إنزال القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن إهلاك القرون ~~الأولى من مواجبات اندراس معالم الشرائع وانطماس آثارها وأحكامها المؤديين ~~إلى اختلال نظام العالم وفساد أحوال الأمم المستدعيين للتشريع الجديد ~~بتقرير الأصول الباقية على مر الدهور وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور ~~وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة للاعتبار كأنه قيل ولقد آتينا موسى ~~التوراة على حين حاجة إلى إيتائها «بصائر للناس» أي أنوارا لقلوبهم تبصر ~~بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عميا عن الفهم والادراك ~~بالكلية فإن البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي ~~به تبصر «وهدى» أي هداية إلى الشرائع والاحكام التي هي سبل الله تعالى ~~«ورحمة» حيث ينال من عمل به رحمة الله تعالى وانتصاب الكل على الحالية من ~~الكتاب على انه نفس البصائر والهدى والرحمة أو على حذف المضاف أي ذا بصائر ~~الخ وقيل على العلة أي آتيناه الكتاب للبصائر والهدى والرحمة «لعلهم ~~يتذكرون» ليكونوا على حال يرجى منه التذكر وقد مر تحقيق القول في ذلك عند ~~قوله تعالى «لعلكم تتقون» من سورة البقرة وقوله تعالى «وما كنت بجانب ~~الغربي» شروع في بيان أن إنزال القرآن الكريم أيضا واقع في زمان شدة مساس ~~الحاجة اليه واقتضاء الحكمة له البتة وقد صدر بتحقيق كونه وحيا صادقا من ~~عند الله عز وجل ببيان ان الوقوف على ما فصل من الأحوال لا يتسنى ~~PageV07P015 # إلا بالمشاهدة أو التعلم ممن شاهدها وحيث انتفى كلاهما تبين انه بوحي من ~~علام الغيوب لا محالة على طريقة قوله تعالى «وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم» الآية أي وما كنت بجانب الجبل الغربي أو المكان ~~الغربي الذي وقع فيه الميقات على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أو ms2556 الجانب ~~الغربي على إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع «إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر» أي عهدنا إليه وأحكمنا امر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة «وما كنت من ~~الشاهدين» أي من جملة الشاهدين للوحي وهم السبعون المختارون للميقات حتى ~~تشاهد ما جرى من امر موسى في ميقانه وكتبة التوراة له في الألواح فتخبره ~~للناس «ولكنا أنشأنا قرونا» أي ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا ~~كثيرة «فتطاول عليهم العمر» وتمادى الأمد فتغيرت الشرائع والاحكام وعميت ~~عليهم الأنباء لا سيما على آخرهم فافتضى الحال التشريع الجديد فأوحينا إليك ~~فحذف المستدرك اكتفاء بذكر ما يوجبه ويدل عليه وقوله تعالى «وما كنت ثاويا ~~في أهل مدين» نفى لاحتمال كون معرفته عليه الصلاة والسلام للقصة بالسماع ~~ممن شاهدها أي وما كنت مقيما في أهل مدين من شعيب والمؤمنين به وقوله تعالى ~~«تتلو عليهم» أي تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم منهم «آياتنا» الناطقة ~~بالقصة إما حال من المستكن في ثاويا أو خبر ثان لكنت «ولكنا كنا مرسلين» ~~إياك وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها «وما كنت بجانب الطور إذ نادينا» أي ~~وقت ندائنا موسى إني انا الله رب العالمين واستنبائنا إياه وإرسالنا له إلى ~~فرعون «ولكن رحمة من ربك» أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر وبغيره ~~لرحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس وقيل علمناك وقيل عرفناك ذلك وليس بذاك ~~كما ستعرفه والالتفات إلى اسم الرب للإشعار بعلة الرحمة وتشريفه صلى الله ~~عليه وسلم بالإضافة وقد اكتفى عن ذكر المستدرك ههنا بذكر ما يوجبه من جهته ~~تعالى كما اكتفى عنه في الأول بذكر ما يوجبه من جهة الناس وصرح به فيما ~~بينهما تنصيصا على ما هو المقصود وإشعارا بأنه المراد فيهما أيضا ولله در ~~شأن التنزيل وقوله تعالى «لتنذر قوما» متعلق بالفعل المعلل بالرحمة فهو ما ~~ذكرنا من إرساله صلى الله عليه وسلم بالقرآن حتما لما أنه المعلل بالإنذار ~~لا تعليم ما ذكر وقرئ رحمة بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى «ما ~~أتاهم من نذير ms2557 من قبلك» صفة لقوما أي لم يأتهم نذير لوقوعهم في فترة بينك ~~وبين عيسى وهي خمسمائة وخمسون سنة أو بينك وبين إسماعيل بناء على أن دعوة ~~موسى عيسى عليهما السلام كانت مختصة ببني إسرائيل «لعلهم يتذكرون» أي ~~يتعظون بإنذارك وتغيير الترتيب الوقوعي بين PageV07P016 # قضاء الأمر والنواء في أهل مدين والنداء للتنبيه على أن كلا من ذلك برهان ~~مستقل على أن حكايته صلى الله عليه وسلم للقصة بطريق الوحي الإلهي ولو ذكر ~~أولا نفى ثوائه صلى الله عليه وسلم من أهل مدين ثم نفى حضوره صلى الله عليه ~~وسلم عند النداء ثم نفى حضوره عند قضاء الامر كما هو الموافق للترتيب ~~الوقوعي لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما ذكر كما مر في سورة البقرة ~~«ولولا أن تصيبهم مصيبة» أي عقوبة «بما قدمت أيديهم» أي ما اقترفوا من ~~الكفر والمعاصي «فيقولوا» عطف على تصيبهم داخل في حيز لولا الامتناعية على ~~ان مدار انتفاء ما يجاب به هو امتناعه لا امتناع المعطوف عليه وإنما ذكره ~~في حيزها للإبذان بأنه السبب الملجئ لهم إلى قولهم «ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا» أي هلا أرسلت إلينا رسولا مؤيدا من عندك بالآيات «فنتبع آياتك» ~~الظاهرة على يده وهو جواب لولا الثانية «ونكون من المؤمنين» بها وجواب لولا ~~الأولى محذوف ثقة بدلالة الحال عليه والمعنى لولا قولهم هذا عند إصابة ~~عقوبة جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك لكن لما كان قولهم ذلك محققا لا ~~محيد عنه أرسلناك قطعا لماذيرهم بالكلية «فلما جاءهم» أي أهل مكة «الحق من ~~عندنا» وهو القرآن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم «قالوا» تعنتا واقتراحا ~~«لولا أوتي» يعنونه صلى الله عليه وسلم «مثل ما أوتي موسى» من الكتاب ~~المنزل جملة وأما اليد والعصا فلا تعلق لهما بالمقام كسائر معجزاته عليه ~~الصلاة والسلام وقوله تعالى «أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل» رد عليهم ~~وإظهار لكون ما قالوه تعنتا محضا لا طلبا لما يرشدهم إلى الحق أي ألم ~~يكفروا من قبل هذا القول ms2558 بما أوتى موسى من الكتاب كما كفروا بهذا الحق ~~وقوله تعالى «قالوا» استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق ~~وبيان كيفيته وقوله تعالى «سحران» خبر لمبتدأ محذوف أي هما يعنون ما اوتى ~~محمد وما أوتى موسى عليهما السلام سحران «تظاهرا» أي تعاونا بتصديق كل واحد ~~منهما الاخر وذلك أنهم بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم ~~فسألوهم عن شأنه صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته ~~وصفته فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك وقوله تعالى ~~«وقالوا إنا بكل» أي بكل واحد من الكتابين «كافرون» تصريح بكفرهم بهما ~~وتأكيد لكفرهم المفهوم من تسميتهما سحرا وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في ~~الكفر والطغيان وقرئ ساحران تظاهران يعنون موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم ~~هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الجليل فتأمل ودع عنك ما قيل وقيل ألا ترى ~~إلى قوله تعالى «قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما» مما أوتياه ~~PageV07P017 # من التوراة والقرآن وسميتموهما سحرين فإنه نص فيما ذكر وقوله تعالى ~~«أتبعه» جواب للأمر أي إن تأتوا به أتبعه ومثل هذا الشرط مما يأتي به من ~~يدل بوضوح حجته وسنوح محجته لأن الإتيان بما هو اهدى من الكتابين امر بين ~~الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والافحام «إن كنتم صادقين» أي في ~~أنهما سحران مختلقان وفي إيراد كلمة إن مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم «فإن ~~لم يستجيبوا لك» أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم من الاتيان بكتاب أهدي منهما ~~كقوله تعالى فإن لم تفعلوا وإنما عبر عنه بالاستجابة إيذانا بأنه صلى الله ~~عليه وسلم على كمال أمن من أمره كأن أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالإتيان ~~بما ذكر دعاء لهم إلى امر يريد وقوعه والاستجابة تتعدى إلى الدعاء بنفسه ~~والى الداعي باللام فيحذف الدعاء عند ذلك غالبا ولا يكاد يقال استجاب الله ~~له دعاءه «فاعلم أنما يتبعون أهواءهم» الزائفة من غير أن يكون لهم متمسك ما ~~أصلا إذ لو كان لهم ms2559 ذلك لأتوا به «ومن أضل ممن اتبع هواه» استفهام إنكاري ~~للنفي أي لا أضل ممن اتبع هواه «بغير هدى من الله» أي هو أضل من كل ضال وإن ~~كان ظاهر السبك لنفى الأصل لا لنفى المساوي كما مر في نظائره مرارا وتقييد ~~اتباع الهوى بعدم الهدى من الله تعالى لزيادة التقريع والاشباع في التشنيع ~~والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة «إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين» الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى والاعراض عن ~~الآيات الهادية إلى الحق المبين «ولقد وصلنا لهم القول» وقرئ بالتخفيف أي ~~أنزلنا القرآن عليهم متواصلا بعضه إثر بعض حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة أو ~~متتابعا وعدا ووعيدا قصصا وعبرا ومواعظ ونصائح «لعلهم يتذكرون» فيؤمنون بما ~~فيه «الذين آتيناهم الكتاب من قبله» أي من قبل إيتاء القرآن «هم به يؤمنون» ~~وهم مؤمنو أهل الكتاب وقيل أربعون من أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاءوا مع ~~جعفر من الحبشة وثمانية ي من الشام «وإذا يتلى» أي القرآن عليهم «قالوا ~~آمنا به إنه الحق من ربنا» أي الحق الذي كما نعرف حقيته وهو استئناف لبيان ~~ما أوجب إيمانهم وقوله تعالى «إنا كنا من قبله» أي من قبل نزوله «مسلمين» ~~بيان لكون إيمانهم به أمرا متقادم العهد لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة ~~وأنهم على دين الاسلام قبل نزول القرآن «أولئك» الموصوفون بما ذكر من ~~النعوت PageV07P018 # «يؤتون أجرهم مرتين» مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن ~~«بما صبروا» بصبرهم وثباتهم على الإيمانين أو على الايمان بالقرآن قبل ~~النزول وبعده أو على اذى من هاجرهم أهل دينهم ومن المشركين «ويدرؤون ~~بالحسنة السيئة» أي يدفعون بالطاعة المعصية لقوله صلى الله عليه وسلم وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها «ومما رزقناهم ينفقون» في سبيل الخير «وإذا سمعوا ~~اللغو» من اللاغين «أعرضوا عنه» عن اللغو تكرما كقوله تعالى وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما «وقالوا» لهم «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم» ~~بطريق المتاركة والتوديع «لا نبتغي الجاهلين» لا نطلب صحبتهم ولا نريد ~~مخالطتهم «إنك لا ms2560 تهدي» هداية موصلة إلى البغية لا محالة «من أحببت» من ~~الناس ولا تقدر على أن تدخله في الاسلام وإن بذلت فيه غاية المجهود وجاوزت ~~في السعي كل حد معهود «ولكن الله يهدي من يشاء» أن يهديه فيدخله في الاسلام ~~«وهو أعلم بالمهتدين» بالمستعدين لذلك والجمهور على أنها نزلت في أبي طالب ~~فإنه لما احتضر جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا عم قل لا إله ~~إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله قال له يا ابن أخي قد علمت أنك لصادق ~~ولكني أكره ان يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بنى أبيك غضاضة ~~بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك ~~ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف «وقالوا إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا» نزلت في الحرث بن عثمان ابن نوفل بن عبد ~~مناف حيث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال نحن نعلم أنك على الحق ولكنا ~~نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا ~~فرد عليهم بقوله تعالى «أو لم نمكن لهم حرما آمنا» أي ألم نعصمهم ولم نجعل ~~مكانهم حرما ذا أمن لحرمة البيت الحرام الذي تتناحر العرب حوله وهو آمنون ~~«يجبى إليه» وقرئ تجبى أي تجمع وتحمل إليه «ثمرات كل شيء» من كل أوب ~~والجملة صفة أخرى لحرما دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم بانقطاع الميرة ~~«رزقا من لدنا» فإذا كان حالهم ما ذكروهم عبدة أصنام فكيف يخافون التخطف ~~إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أي جهلة لا ~~يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا ذلك وقيل هو متعلق بقوله تعالى من لدنا أي ~~قليل منهم بتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله تعالى إذ لو علموا لما ~~خافوا غيره وانتصاب رزقا على انه مصدر مؤكد لمعنى يجبى أو حال من ثمرات على ~~أنه بمعنى مرزوق لتخصصها بالإضافة ثم ms2561 بين ان الامر بالعكس PageV07P019 # وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله تعالى بقوله «وكم أهلكنا من قرية بطرت ~~معيشتها» أي وكثير من أهل قرية كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش ~~والدعة حتى أشروا فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم «فتلك مساكنهم» خاوية بما ~~ظلموا «لم تسكن من بعدهم» من بعد تدميرهم «إلا قليلا» أي إلا زمانا قليلا ~~إذ لا يسكنها إلا المارة يوما أو بعض يوم أولم يبق من يسكنها إلا قليلا من ~~شؤم معاصيهم «وكنا نحن الوارثين» منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ~~ديارهم وسائر ذات أيديهم وانتصاب معيشتها بنزع الخافض أو يجعلها ظرفا ~~بنفسها كقولك زيد ظني مقيم أو بإضمار زمان مضاف اليه أو يجعله مفعولا لبطرت ~~بتضمين معنى كفرت «وما كان ربك مهلك القرى» بيان للعناية الربانية إثر بيان ~~إهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام بل استحال في سنته المبنية على ~~الحكم البالغة أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل ~~الانذار بل كانت عادته ان لا يهلكها «حتى يبعث في أمها» أي في أصلها ~~وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها لكون أهلها أفطن وأنبل «رسولا يتلو عليهم ~~آياتنا» الناطقة بالحق ويدعوهم اليه بالترغيب والترهيب وذلك لإلزام الحجة ~~وقطع المعذرة بأن يقولوا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك والالتفات إلى ~~نون العظمة لتربية المهابة وإدخال الروعة وقوله تعالى «وما كنا مهلكي ~~القرى» عطف على ما كان ربك وقوله تعالى «إلا وأهلها ظالمون» استثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها رسولا ~~يدعوهم إلى الحق ويرشدهم اليه في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين ~~بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الاهلاك بموجب السنة ~~الإلهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث وقد مر تحقيقه في ~~سورة بني إسرائيل «وما أوتيتم من شيء» من أمور الدنيا «فمتاع الحياة الدنيا ~~وزينتها» أي فهو شئ شانه ان يتمتع ويتزين به أياما قلائل ms2562 «وما عند الله» ~~وهو الثواب «خير» في نفسه من ذلك لأنه لذة خالصة عن شوائب الألم وبهجة ~~كاملة عارية عن سمة الهم «وأبقى» لأنه أبدى «أفلا تعقلون» ألا تتفكرون فلا ~~تعقلون هذا الامر الواضح فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وقرئ بالياء ~~على الالتفات المبنى على اقتضاء سوء صنيعهم الاعراض عن مخاطبتهم ~~PageV07P020 # «أفمن وعدناه وعدا حسنا» أي وعدا بالجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود «فهو ~~لاقيه» أي مدركة لا محالة لاستحالة الخلف في وعده تعالى ولذلك جئ بالجملة ~~الاسمية المفيدة لتحققه البتة وعطفت بالفاء المنبئة عن معنى السببية «كمن ~~متعناه متاع الحياة الدنيا» الذي هو مشوب بالآلام منغص بالأكدار مستتبع ~~للتحسر على الانقطاع ومعنى الغاء الأولى ترتيب إنكار التشابه بين أهل ~~الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاع الحياة الدنيا ~~وبين ما عند الله تعالى أي أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين الفريقين ~~وقوله تعالى «ثم هو يوم القيامة من المحضرين» عطف على متعناه داخل معه في ~~حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له كأنه قيل كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ثم نحضره أو أحضرناه يوم القيامة النار أو العذاب وإيثار الجملة ~~الاسمية للدلالة على التحقق حتما وفي جعله من جلمة المحضرين من التهويل ما ~~لا يخفى وثم للتراخى في الزمان أو في الرتبة وقرئ ثم هو بسكون الهاء تشبيها ~~للمنفصل بالمتصل «ويوم يناديهم» منصوب بالعطف على يوم القيامة لاختلافهما ~~عنوانا وإن اتحدا ذاتا أو بإضمار اذكر «فيقول» تفسير للنداء «أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون» أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي فحذف المفعولان معا ثقة ~~بدلالة الكلام عليهما «قال» استئناف مبنى على حكاية السؤال كأنه قيل فماذا ~~صدر عنهم حينئذ فقيل قال «الذين حق عليهم القول» وهم شركاؤهم من الشياطين ~~أو رؤساؤهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى بأن أطاعوهم في كل ما ~~أمروهم به ونهوا عنه ومعنى حق عليهم القول أنه ثبت مقتضاه وتحقق مؤداه وهو ~~قوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ms2563 وغيره من آيات الوعيد ~~وتخصيصهم بهذا الحكم مع شموله للأتباع أيضا لأصالتهم في الكفر واستحقاق ~~العذاب حسبما يشعر به قوله تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ومسارعتهم ~~إلى الجواب مع كون السؤال للعبدة إما لتفطنهم أن السؤال عنهم لاستحضارهم ~~وتوبيخهم بالاضلال وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا وإما لأن العبدة ~~قد قالوه اعتذار أو هؤلاء إنما قالوا ما قالوا ردا لقولهم إلا أنه لم يحك ~~قول العبدة إيجازا لظهوره «ربنا هؤلاء الذين أغوينا» أي هم الذين أغويناهم ~~فحذف الراجع إلى الموصول ومرادهم بالإشارة بيان أنهم يقولون ما يقولون ~~بمحضر منهم وانهم غير قادرين على إنكاره ورده وقوله تعالى «أغويناهم كما ~~غوينا» هو الجواب حقيقة وما قبله تمهيد له أي PageV07P021 # ما أكرهناهم على الغى وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة والتسويل لا بالقسر ~~والالجاء فغووا باختيارهم غيا مثل غينا باختيارنا ويجوز أن يكون الذين صفة ~~لاسم الإشارة وأغويناهم الخبر «تبرأنا إليك» منهم ومما اختاروه من الكفر ~~والمعاصي هوى منهم وهو تقرير لما قبله ولذلك لم يعطف عليه وكذا قوله تعالى ~~«ما كانوا إيانا يعبدون» أي ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم ~~وقيل ما مصدرية متصلة بقوله تعالى تبرأنا أي تبرأنا من عبادتهم إيانا «وقيل ~~ادعوا شركاءكم» إما تهكما بهم أو تبكيتا لهم «فدعوهم» لفرط الحيرة «فلم ~~يستجيبوا لهم» ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة «ورأوا العذاب» قد ~~غشيهم «لو أنهم كانوا يهتدون» لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب أو إلى ~~الحق لما لقوا ما لقوا وقيل لو للتمني أي تمنوا لو أنهم كانوا مهتدين «ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين» عطف على ما قبله سئلوا أولا عن إشراكهم ~~وثانيا عن جوابهم للرسل الذين نهوهم عن ذلك «فعميت عليهم الأنباء يومئذ» أي ~~صارت كالعمي عنهم لا تهتدي إليهم وأصله فعموا عن الأنباء وقد عكس للمبالغة ~~والتنبيه على أن ما يحضر الذهن يفيض عليه ويصل إليه من خارج فإذا أخطأ لم ~~يكن له حيلة إلى استحضاره وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء ms2564 والاشتباه ~~والمراد بالأنباء إما ما طلب منهم مما أجابوا به الرسل أو جميع الأنباء وهي ~~داخله فيه دخولا أوليا وإذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يفوضون العلم ~~في ذلك المقام الهائل إلى علام الغيوب مع نزاهتهم عن غاية المسؤول فما ظنك ~~بأولئك الضلال من الأمم «فهم لا يتساءلون» لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب ~~الفرط الدهشة أو العلم بأن الكل سواء في الجهل «فأما من تاب» من الشرك ~~«وآمن وعمل صالحا» أي جمع بين الايمان والعمل الصالح «فعسى أن يكون من ~~المفلحين» أي الفائزين بالمطلوب عنده تعالى الناجين عن المهروب وعسى ~~للتحقيق على عادة الكرام أو للترجي من قبل التائب بمعنى فليتوقع الإفلاح ~~«وربك يخلق ما يشاء» ان يخلقه «ويختار» ما يشاء اختياره من غير ايجاب عليه ~~ولا منع له أصلا «ما كان لهم الخيرة» أي التخير كالطيرة بمعنى التطير ~~والمراد نفي الاختيار المؤثر عنهم وذلك مما لا ريب فيه وقيل المراد انه ليس ~~لاحد من خلقه ان يختار عليه ولذلك خلا عن العاطف ويؤيده ما روى انه نزل في ~~قول الوليد بن المغيرة لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~والمعنى PageV07P022 # لا يبعث الله تعالى الرسل باختيار المرسل إليهم وقيل معناه ويختار الذي ~~كان لهم فيه الخير والصلاح «سبحان الله» أي تنزه بذاته تنزها خاصا به من ان ~~ينازعه أحد أو يزاحم اختياره اختيار «وتعالى عما يشركون» عن اشراكهم أو عن ~~مشاركة ما يشركونه به «وربك يعلم ما تكن صدورهم» كعداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحقدهم عليه «وما يعلنون» كالطعن فيه «وهو الله» أي المستحق ~~للعبادة «لا إله إلا هو» لا أحد يستحقها الا هو «له الحمد في الأولى ~~والآخرة» لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها على الخلق كافة يحمده ~~المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم الحمد الله الذي اذهب عنا ~~الحزن الحمد لله الذي صدقنا وعده ابتهاجا بفضله والتذاذا بحمده «وله الحكم» ~~أي القضاء النافذ في كل شيء من غير مشاركة فيه ms2565 لغيره «وإليه ترجعون» بالبعث ~~لا إلى غيره «قل» تقريرا لما ذكر «أرأيتم» أي أخبروني «إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا» دائما من السرد وهو المتابعة والاطراد والميم مزيدة كما في ~~دلاء مص من الدلاص يقال درع دلاص أي ملساء لينة «إلى يوم القيامة» بإسكان ~~الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر «من إله غير الله» صفة لإله ~~«يأتيكم بضياء» صفة أخرى له عليها يدور امر التبكيت والالزام كما في قوله ~~تعالى قل من يرزقكم من السماء والأرض وقوله تعالى فمن يأتيكم بماء معين ~~ونظائرهما خلا أنه قصد بيان انتفاء الموصوف انتفاء الصفة ولم يقل هل إله ~~الخ لإيراد التبكيت والالزام على زعمهم وقرئ بضئاء بهمزتين «أفلا تسمعون» ~~هذا الكلام الحق سماع تدبر واستبصار حتى تذعنوا له وتعملوا بموجبه «قل ~~أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة» بإسكانها في وسط ~~السماء أو بتحريكها على مدار فوق الأفق «من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه» استراحة من متاعب الاشغال ولعل تجريد الضياء عن ذكر منافعه ~~لكونه مقصودا بذاته ظاهر الاستتباع لما نيط به من المنافع «أفلا تبصرون» ~~هذه المنفعة الظاهرة التي لا تخفى على من له بصر «ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه» أي في الليل «ولتبتغوا من PageV07P023 # فضله» في النهار بأنواع المكاسب «ولعلكم تشكرون» ولكي تشكروا نعمته تعالى ~~فعل ما فعل أو لكي تعرفوا نعمته تعالى وتشكروه عليها «ويوم يناديهم» منصوب ~~باذكر «فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون» تقريع إثر تقريع للاشعار بأنه ~~لا شئ اجلب لغضب الله عز وجل من الاشراك كما لا شئ أدخل في مرضاته من ~~توحيده سبحانه وقوله تعالى «ونزعنا» عطف على يناديهم وصيغة الماضي للدلالة ~~على التحقق أو حال من فاعله بإضمار قد والالتفات إلى نون العظمة لإبراز ~~كمال الاعتناء بشأن النزع وتهويله أي أخرجنا «من كل أمة» من الأمم «شهيدا» ~~نبيا يشهد عليهم بما كانوا عليه كقوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~«فقلنا» لكل أمة ms2566 من تلك الأمم «هاتوا برهانكم» على صحة ما كنتم تدينون به ~~«فعلموا» يومئذ «أن الحق لله» في الإلهية لا يشاركه فيها أحد «وضل عنهم» أي ~~غاب عنهم غيبة الضائع «ما كانوا يفترون» في الدنيا من الباطل «إن قارون كان ~~من قوم موسى» كان ابن عمه يصهر بن قاهث ابن لاوي بن يعقوب عليه السلام ~~وموسى عليه السلام ابن عمران بن قاهث وقيل كان موسى عليه السلام ابن أخيه ~~وكان يسمى المنور لحسن صورته وقيل كان أقرأ بني إسرائيل للتوارة ولكنه نافق ~~كما نافق السامري وقال إذا كانت النبوة لموسى والمذبح والقربان لهارون فما ~~لي وروى انه لما جاوز بهم موسى عليه السلام البحر وصارت الرسالة والحبورة ~~والقربان لهارون وجد قارون في نفسه وحسدهما فقال لموسى الامر لكما ولست على ~~شئ إلى متى اصبر قال موسى عليه السلام هذا صنع الله تعالى قال لا أصدقك حتى ~~تأتي بآية فامر رؤساء بني إسرائيل أن يجئ كل واحد بعصاه فحزمها وألقاها في ~~القبة التي كان الوحي ينزل إليه فيها فكانوا يحرسون عصيهم بالليل فأصبحوا ~~فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر فقال قارون ما هو بأعجب مما تصنع من ~~السحر وذلك قوله تعالى «فبغى عليهم» فطلب الفضل عليهم وان يكونوا تحت أمره ~~أو ظلمهم قيل وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل وقيل حسدهم وذلك ما ذكر ~~منه في حق موسى وهارون عليهما السلام «وآتيناه من الكنوز» أي الأموال ~~المدخرة «ما إن مفاتحه» أي مفاتح صناديقه وهو جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح ~~به وقيل خزائنه وقياس واحدها المفتح بالفتح «لتنوء بالعصبة أولي القوة» خبر ~~ان والجملة صلة ما وهو ثاني مفعولى آتى وناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله ~~والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة وقرئ لينوء بالياء على اعطاء المضاف حكم ~~المضاف اليه كما مر في قوله تعالى ان رحمة الله PageV07P024 # قريب من المحسنين «إذ قال له قومه» منصوب بتنوء وقيل ببغي ورد بأن البغي ~~ليس مقيدا بذلك الوقت وقيل بآتيناه ورد بأن ms2567 الايتاء أيضا غير مقيد به وقيل ~~بمضمر فقيل هو اذكر وقيل هو اظهر الفرح ويجوز ان يكون منصوبا بما بعده من ~~قوله تعالى قال انما أوتيته وتكون الجملة مقررة لبغيه «لا تفرح» أي لا تبطر ~~والفرح في الدنيا مذموم مطلقا لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ~~ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتما ~~ولذلك قال تعالى ولا تفرحوا بما آتاكم وعلل النهي ههنا بكونه مانعا من ~~محبته عز وعلا فقيل «إن الله لا يحب الفرحين» أي بزخارف الدنيا «وابتغ» ~~وقرئ واتبع «فيما آتاك الله» من الغنى «الدار الآخرة» أي ثواب الله تعالى ~~فيها يصرفه إلى ما يكون وسيلة اليه «ولا تنس» أي لا تترك ترك المنسي «نصيبك ~~من الدنيا» وهو ان تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك «وأحسن» أي إلى عباد ~~الله تعالى «كما أحسن الله إليك» فيما أنعم به عليك وقيل أحسن بالشكر ~~والطاعة كما أحسن الله إليك بالانعام «ولا تبغ الفساد في الأرض» نهى عما ~~كان عليه من الظلم والبغي «إن الله لا يحب المفسدين» لسوء افعالهم «قال» ~~مجيبا لناصحيه «إنما أوتيته على علم عندي» كأنه يريد به الرد على قولهم كما ~~أحسن الله إليك لانبائه عن انه تعالى أنعم عليه بتلك الأموال والذخائر من ~~غير سبب واستحقاق من قبله أي فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق عليهم ~~بالمال والجاه وعلى علم في موقع الحال وهو علم التوراة وكان اعلمهم بها ~~وقيل علم الكيمياء وقيل علم النجارة والدهقنة وسائر المكاسب وقيل علم فتح ~~الكنوز والدفائن وعندي صفة له أو متعلق بأوتيته كقولك جاز هذا عندي أو في ~~ظني ورأيي «أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا» توبيخ له من جهة الله تعالى على اغتراره بقوته وكثرة ماله ~~مع علمه بذلك قراءة في التوراة وتلقيا من موسى عليه السلام وسماعا من حفاظ ~~التواريخ وتعجب منه فالمعنى ألم يقرأ ms2568 التوراة ولم يعلم ما فعل الله تعالى ~~بأضرابه من أهل القرون السابقة حتى لا يغتر بما اغتروا به أورد لا دعائه ~~العلم وتعظمه به بنفي هذا العلم منه فالمعنى اعلم ما ادعاه ولم يعلم هذا ~~حتى بقي به نفسه مصارع الهالكين «ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون» سؤال ~~استعلام بل يعذبون بها بغتة كأن قارون لما هدد بذكر اهلاك من قبله ممن كان ~~أقوى منه واغنى اكد ذلك بأن بين ان ذلك لم يكن مما يخص أولئك المهلكين بل ~~الله تعالى مطلع على ذنوب كافة المجرمين يعاقبهم عليها لا محالة ~~PageV07P025 # «فخرج على قومه» عطف على قال وما بينهما اعتراض وقوله تعالى «في زينته» ~~اما متعلق بخرج أو بمحذوف هو حال من فاعله أي فخرج عليهم كائنا في زينته ~~قيل خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف ~~على زيه وقيل عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلاثمائة غلام ~~وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلى والديباج وقيل في تسعين ألفا ~~عليهم المعصفرات وهو أول يوم رئى فيه المعصفر «قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا» من المؤمنين جريا على سنن الجبلة البشرية من الرغبة في السعة ~~واليسار «يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون» وعن قتادة أنهم تمنوه ليتقربوا به ~~إلى الله تعالى وينفقوه في سبل الخير وقيل كان المتمنون قوما كفارا «إنه ~~لذو حظ عظيم» تعليل لتمنيهم وتأكيد له «وقال الذين أوتوا العلم» أي بأحوال ~~الدنيا والآخرة كما ينبغي وإنما لم يوصفوا بإرادة ثواب الآخرة تنبيها على ~~أن العلم بأحوال النشأتين يقتضي الاعراض عن الأولى والاقبال على الثانية ~~حتما وأن تمنى المتمنين ليس إلا لعدم علمهم بهما كما ينبغي «ويلكم» دعاء ~~بالهلاك شاع استعماله في الزجر عمالا لا يرتضى «ثواب الله» في الآخرة «خير» ~~مما تتمنونه «لمن آمن وعمل صالحا» فلا يليق بكم أن تتمنوه غير مكتفين ~~بثوابه تعالى «ولا يلقاها» أي هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء أو الثواب ~~فإنه بمعنى المثوبة أو الجنة أو ms2569 الايمان والعمل الصالح فإنهما في معنى ~~السيرة والطريقة «إلا الصابرون» أي على الطاعات وعن الشهوات «فخسفنا به ~~وبداره الأرض» روى أنه كان يؤذى موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه ~~لقرابته حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل الف على واحد فحسبه فاستكثره فعمد ~~إلى ان يفضح موسى عليه السلام بين بني إسرائيل فجعل لبغى من بغايا بني ~~إسرائيل ألف دينار وقيل طشتا من ذهب مملوءة ذهبا فلما كان يوم عيد قام موسى ~~عليه السلام خطيبا فقال من سرق قطعناه ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى ~~محصنا رجمناه فقال قارون ولو كنت قال ولو كنت قال إن بني إسرائيل يزعمون ~~أنك فجرت بفلانة فأحضرت فناشدها عليه السلام أن تصدق فقالت جعل لي قارون ~~جعلا على أن أرميك بنفسي فخر موسى ساجدا لربه يبكى ويقول يا رب إن كنت ~~رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك فقال يا بني ~~إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم ~~مكانه ومن كان معي فليعتزل PageV07P026 # عنه فاعتزلوا جميعا غير رجلين ثم قال يا ارض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ثم ~~قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق وهم ~~يناشدونه عليه الصلاة والسلام بالله تعالى وبالرحم وهو لا يلتفت إليهم لشدة ~~غيظه ثم قال خذيهم فانطبقت عليهم فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم انما ~~دعا عليه موسى عليه الصلاة والسلام ليستبد بداره وكنوزه فدعا الله تعالى ~~حتى خسف بداره وأمواله «فما كان له من فئة» جماعة مشفقة «ينصرونه من دون ~~الله» بدفع العذاب عنه «وما كان من المنتصرين» أي الممتنعين منه بوجه من ~~الوجوه يقال نصره من عدوه فانتصر أي منعه فامتنع «وأصبح الذين تمنوا مكانه» ~~منزلته «بالأمس» منذ زمان قريب «يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر» أي يفعل كل واحد من البسط والقدر بمحض مشيئته لا لكرامة توجب ~~البسط ولا لهوان يقتضى القبض وويكأن عند البصريين ms2570 مركب من وى للتعجيب وكان ~~للتشبيه والمعنى ما أشبه الامر ان الله يبسط الخ وعند الكوفيين من ويك ~~بمعنى ويلك وان وتقديره ويك اعلم ان الله وانما يستعمل عند التنبه على ~~الخطأ والتندم والمعنى انهم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا على ذلك ~~«لولا أن من الله علينا» بعدم اعطائه إيانا ما تمنيناه وإعطائنا مثل ما ~~أعطاه إياه وقرئ لولا من الله علينا «لخسف بنا» كما خسف به وقرئ لخسف بنا ~~على البناء للمفعول وبنا هو القائم مقام الفاعل وقرئ لا تخسف بنا كقولك ~~انقطع به وقرئ لتخسف بنا «ويكأنه لا يفلح الكافرون» لنعمة الله تعالى أو ~~المكذبون برسله وبما وعدوا من ثواب الآخرة «تلك الدار الآخرة» إشارة تعظيم ~~وتفخيم كأنه قيل تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها «نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض» أي غلبة وتسلطا «ولا فسادا» أي ظلما وعدوانا على العباد ~~كدأب فرعون وقارون وفي تعليق الموعد بترك ارادتهما لا بترك أنفسهما مزيد ~~تحذير منهما وعن على رضى الله عنه ان الرجل ليعجبه ان يكون شراك نعله أجود ~~من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها «والعاقبة» الحميدة «للمتقين» أي الذين ~~يتقون مالا يرضاه الله تعالى من الافعال والأقوال «من جاء بالحسنة فله» ~~بمقابلتها «خير منها» ذاتا ووصفا وقدرا «ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين ~~عملوا السيئات» وضع فيه الموصول والظاهر موضع الضمير لتهجين حالهم بتكرير ~~اسناد السيئة إليهم «إلا ما كانوا يعملون» أي الا مثل ما كانوا يعملون فحذف ~~المثل وأقيم مقامه ما كانوا يعملون مبالغة في المماثلة PageV07P027 # «إن الذي فرض عليك القرآن» أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به «لرادك ~~إلى معاد» أي معاد معاد تمتد اليه أعناق الهمم وترنو إليه أحداق الأمم وهو ~~المقام المحمود الذي وعدك ان يبعثك فيه وقيل هو مكة المعظمة على انه تعالى ~~قد وعده وهو بمكة في أذية وشدة من أهلها انه يهاجر به منها ثم يعيده إليها ~~بعز ظاهر وسلطان قاهر وقيل نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره ms2571 وقد اشتقاق ~~إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم عليه السلام فنزل جبريل عليه السلام ~~فقال له أتشتاق إلى مكة قال نعم فأوحاها اليه «قل ربي أعلم من جاء بالهدى» ~~وما يستحقه من الثواب والنصر ومن منتصب بفعل يدل عليه اعلم أي يعلم وقيل ~~بأعلم على انه بمعنى عالم «ومن هو في ضلال مبين» وما استحقه من العذاب ~~والاذلال يعنى بذلك نفسه والمشركين وهو تقرير للوعيد السابق وكذا قوله ~~تعالى «وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب» أي سيردك إلى معادك كما القي ~~إليك الكتاب وما كنت ترجوه «إلا رحمة من ربك» ولكن الفاه إليك رحمة منه ~~ويجوز ان يكون استثناء محمولا على المعنى كأنه قيل وما القي إليك الكتاب ~~الا رحمة أي لأجل الترحم «فلا تكونن ظهيرا للكافرين» بمداراتهم والتحمل ~~عنهم والإجابة إلى طلبتهم «ولا يصدنك» أي الكافرون «عن آيات الله» أي عن ~~قراءتها والعمل بها «بعد إذ أنزلت إليك» وفرضت عليك وقرئ يصدنك من أصد ~~المنقول من صد اللازم «وادع» الناس «إلى ربك» إلى عبادته وتوحيده «ولا ~~تكونن من المشركين» بمساعدتهم في الأمور «ولا تدع مع الله إلها آخر» هذا ~~وما قبله للتهييج والإلهاب وقطع أطماع المشركين عن مساعدته عليه الصلاة ~~والسلام لهم واظهار ان المنهى عنه في القبح والشرية بحيث ينهى عنه من لا ~~يمكن صدوره عنه أصلا «لا إله إلا هو» وحده «كل شيء هالك إلا وجهه» الا ذاته ~~فإن ما عداه كائنا ما كان ممكن في حد ذاته عرضة للهلاك والعدم «له الحكم» ~~أي القضاء النافذ في الخلق «وإليه ترجعون» عند البعث للجزاء بالحق والعدل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرا طسم القصص كان له من الاجر بعدد من صدق ~~موسى وكذب ولم يبق ملك في السماوات والأرض الا شهد له يوم القيامة انه كان ~~صادقا PageV07P028 # مكية وهي تسع وستون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «ألم» الكلام فيه كالذي ~~مر مرارا في نظائره من الفواتح الكريمة خلا ان ما بعده لا يحتمل أن يتعلق ms2572 ~~به تعلقا اعرابيا «أحسب الناس» الحسبان ونظائره لا يتعلق بمعاني المفردات ~~بل بمضامين الجمل المفيدة لثبوت شيء لشيء أو انتفاء شيء بحيث يتحصل منها ~~مفعولاه اما بالفعل كما في عامة المواقع واما بنوع تصرف فيها كما في الجمل ~~المصدرة بأن والواقعة صلة للموصول الأسمى أو الحرفي فإن كلا منها صالحة لان ~~يسبك منها مفعولاه لان قوله تعالى «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون» في قوة ان يقال احسبوا أنفسهم متروكين بلا فتنة بمجرد ان ~~يقولوا آمنا أوان يقال احسبوا تركهم غير مفتونين بقولهم آمنا حاصلا متحققا ~~والمعنى انكار الحسبان المذكور واستبعاده وتحقيق انه تعالى يمتحنهم بمشاق ~~التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض ما تشتهيه النفس ووظائف الطاعات وفنون ~~المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والراسخ في الدين من ~~المتزلزل فيه ويجازيهم بحسب مراتب اعمالهم فإن مجرد الايمان وان كان عن ~~خلوص لا يقتضى غير الخلاص من الخلود في النار روى انها نزلت في ناس من ~~الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين جزعوا من أذية المشركين وقيل في ~~عمار قد عذب في الله وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما رماه ~~عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته وهو أول من ~~استشهد يومئذ من المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء ~~مهجع وهو أول من يدعي إلى باب الجنة من هذه الأمة «ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم» متصل بقوله تعالى أحسب أو بقوله تعالى لا يفتنون والمعنى ان ذلك سنة ~~قديمة مبنية على الحكم البالغة جارية فيما بين الأمم كلها فلا ينبغي ان ~~يتوقع خلافها والمعنى ان الأمم الماضية قد أصابهم من ضروب الفتن والمحن ما ~~هو أشد مما أصاب هؤلاء فصبروا كما يعرب عنه قوله تعالى وكأين من نبي قاتل ~~معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ~~الآيات وعن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان من قبلكم يؤخذ ms2573 فيوضع المنشار ~~PageV07P029 # على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون ~~عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه «فليعلمن الله الذين صدقوا» أي في ~~قولهم آمنا «وليعلمن الكاذبين» في ذلك والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفصح ~~عنه ما قبلها من وقوع الامتحان واللام جواب القسم والالتفات إلى الاسم ~~الجليل لإدخال الروعة وتربية المهابة وتكرير الجواب لزيادة التأكيد ~~والتقرير أي فو الله ليتعلقن علمه بالامتحان تعلقا حاليا يتميز به الذين ~~صدقوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبون فيه مستمرون على الكذب ~~ويترتب عليه أجزيتهم من الثواب والعقاب ولذلك قيل المعنى ليميزن أو ليجازين ~~وقرئ وليعلمن من الأعلام أي وليعرفنهم الناس أو ليسمنهم بسمة يعرفون بها ~~يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها «أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا» أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم بمساوى أعمالهم وهو ساد مفعولى ~~حسب لاشتماله على مسند ومسند اليه وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للإضراب ~~والانتقال عن التوبيخ بإنكار حسبانهم متروكين غير مفتونين إلى التوبيخ ~~بإنكار ما هو أبطل من الحسبان الأول وهو حسبانهم أن لا يجازوا بسيئاتهم وهم ~~وإن لم يحسبوا أنهم يفوتونه تعالى ولم يحدثوا نفوسهم بذلك لكنهم حيث أصروا ~~على المعاصي ولم يتفكروا في العاقبة نزلوا منزلة من يطمع في ذلك كما في ~~قوله تعالى يحسب أن ماله أخلده «ساء ما يحكمون» أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ~~ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك «من كان يرجو لقاء الله» أي يتوقع ~~ملاقاة جزائه ثوابا أو عقابا أو ملاقاة حكمه يوم القيامة وقيل يرجو لقاء ~~الله عز وجل في الجنة وقيل يرجو ثوابه وقيل يخاف عقابه وقيل لقاؤه تعالى ~~عبارة عن الوصول إلى العاقبة من تلقى ملك الموت والبعث والحساب والجزاء على ~~تمثيل تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل وقد علم مولاه بجميع ~~ما كان يأتي ويذر فإما أن يلقاه ببشر وكرامة لما رضى من أفعاله أو بضده لما ms2574 ~~سخطه «فإن أجل الله» الاجل عبارة عن غاية زمان ممتد عينت لأمر من الأمور ~~وقد يطلق على كل ذلك الزمان والأول هو الأشهر في الاستعمال أي فإن الوقت ~~الذي عينه تعالى لذلك «لآت» لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه لأن ~~أجزاء الزمان على التقضى والتصرم دائما فلا بد من إتيان ذلك الجزاء أيضا ~~البتة وإتيان وقته موجب لإتيان اللقاء حتما والجواب محذوف أي فليختر من ~~الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب وليحذر ما يسوقه إلى سوء العذاب كما في ~~قوله تعالى «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا» وفيه من الوعد والوعيد ما لا يخفى وقيل فليبادر إلى ما يحقق أمله ~~ويصدق رجاءه أو ما يوجب القربة والزلفى «وهو السميع» لأقوال العباد ~~«العليم» بأحوالهم من الاعمال الظاهرة والعقائد «ومن جاهد» في طاعة الله عز ~~وجل «فإنما يجاهد لنفسه» لعود منفعتها PageV07P030 # إليها «إن الله لغني عن العالمين» فلا حاجة له إلى طاعتهم وإنما أمرهم ~~بها تعريضا لهم للثواب بموجب رحمته «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم» الكفر بالايمان والمعاصي بما يتبعها من الطاعات «ولنجزينهم ~~أحسن الذي كانوا يعملون» أي أحسن جزاء أعمالهم لا جزاء أحسر أعمالهم فقط ~~«ووصينا الإنسان بوالديه حسنا» أي بإيتاء والديه وإيلائهما فعلا ذا حسن أو ~~ما هو في حد ذاته حسن لفرط حسنة كقوله تعالى وقولوا للناس حسنا ووصى يجرى ~~مجرى أمر معنى وتصرفا غير انه يستعمل فيما كان في المأمور به نفع عائد إلى ~~المأمور أو غيره وقيل هو بمعنى قال فالمعنى وقلنا أحسن بوالديك حسنا وقيل ~~انتصاب حسنا بمضمر على تقدير قول مفسر للتوصية أي وقلنا أولهما أو أفعل ~~بهما حسنا وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف على بوالديه وقرئ حسنا ~~وإحسانا «وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم» أي بالهيته عبر عن نفيها ~~بنفي العلم بها للإيذان بان ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم ~~بطلانه فكيف بما ms2575 علم بطلانه «فلا تطعهما» في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر فيما قبل وفي تعليق النهى ~~عن طاعتهما بمجاهدتهما في التكاليف إشعار بأن موجب النهى فيما دونها من ~~التكليف ثابت بطريق الأولوية «إلي مرجعكم» أي مرجع من آمن منكم ومن أشرك ~~ومن بر بوالديه ومن عق «فأنبئكم بما كنتم تعملون» بأن أجازى كلا منكم بعمله ~~إن خيرا فخير وإن شرا فشر والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضى الله تعالى ~~عنه عند إسلامه حيث حلفت أمه حمنة بنت أبي سفيان ابن أمية ان لا تنتقل من ~~الضح إلى الظل ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد فلبثت ثلاثة أيام كذلك وكذا التي ~~في سورة لقمان وسورة الأحقاف وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك ~~انه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى نزلا المدينة فخرج أبو جهل ~~والحرث أخواه لأمه أسماء فنزلا بعياش وقالا له إن من دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم صلة الأرحام وبر الوالدين وقد تركت أمك لا تطعم ولا تشرب ولا ~~تأوى بيتا حتى تراك فأخرج معنا وفتلا منه في الذروة والغارب واستشار عمر ~~رضي الله عنه فقال هما يخدعانك ولك على أن أقسم مالي بيني وبينك فما زالا ~~به حتى أطاعهما وعصى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه أما إذا ~~عصيتني فخذنا فتى فليس في الدنيا بعير يلحقها فإن رابك منهما ريب فارجع ~~فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل إن ناقتي قد كلت فاحملني معك فنزل ~~ليوطئ لنفسه وله فأخذاه فشداه وثاقا وجلده كل واحد مائه جلده وذهبا به إلى ~~أمه فقالت لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد «والذين آمنوا وعملوا ~~PageV07P031 # الصالحات لندخلنهم في الصالحين» أي في زمرة الراسخين في الصلاح والكمال ~~في الصلاح منتهى درجات المؤمنين وغاية مأمول أنبياء الله المرسلين قال الله ~~تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام وأدخلني برحمتك في عبادك ms2576 الصالحين وقال ~~في حق إبراهيم عليه السلام وإنه في الآخرة لمن الصالحين أو في مدخل ~~الصالحين وهو الجنة «ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله» أي ~~في شانه تعالى بأن عذبهم الكفرة على الايمان «جعل فتنة الناس» أي ما يصيبه ~~من أذيتهم «كعذاب الله» في الشدة والهول فيرتد عن الدين مع انه لا قدر لها ~~عند نفحة من عذابه تعالى أصلا «ولئن جاء نصر من ربك» أي فتح وغنيمة ~~«ليقولن» بضم اللام نظرا إلى معنى من كما أن الإفراد فيما سبق بالنظر إلى ~~لفظها وقرئ بالفتح «إنا كنا معكم» أي مشايعين لكم في الدين فأشر كونا في ~~المغنم وهم ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم ~~وكانوا يكتمونه من المسلمين فرد عليهم ذلك بقوله تعالى «أو ليس الله بأعلم ~~بما في صدور العالمين» أي بأعلم منهم بما في صدورهم من الاخلاص والنفاق حتى ~~يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والاخفاء عن المسلمين وادعاء كونهم منهم لنيل ~~الغنيمة وهذا هو الأوفق لما سبق ولما لحق من قوله تعالى «وليعلمن الله ~~الذين آمنوا» أي بالاخلاص «وليعلمن المنافقين» سواء كان كفرهم بأذية الكفرة ~~أولا أي ليجزينهم بما لهم من الايمان والنفاق «وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا» بيان لحملهم للمؤمنين على الكفر بالاستمالة بعد بيان حملهم لهم عليه ~~بالأذية والوعيد وصفهم بالكفر ههنا دون ما سبق لما ان مساق الكلام لبيان ~~جناياتهم وفيما سبق لبيان جناية من أضلوه واللام للتبليغ أي قالوا مخاطبين ~~لهم «اتبعوا سبيلنا» أي اسلكوا طريقتنا التي نسلكها في الدين عبر عن ذلك ~~بالاتباع الذي هو المشي خلف ماش آخر تنزيلا للمسلك منزلة السالك فيه أو ~~اتبعونا في طريقتنا «ولنحمل خطاياكم» أي ان كان ذلك خطيئة يؤاخذ عليها ~~بالبعث كما تقولون وانما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين له على امرهم بالاتباع ~~للمبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف الأوزار عنهم ان كان ثمة ~~وزر فرد عليهم بقوله تعالى «وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء» وقرئ ms2577 من ~~خطيآتهم أي وما هم بحاملين شيئا من خطاياهم التي التزموا ان يحملوا كلها ~~على ان من الأولى للتبيين والثانية مزيدة للاستغراق والجملة اعتراض أو حال ~~«إنهم لكاذبون» حيث أخبروا في ضمن وعدهم بالحمل بأنهم قادرون على انجاز ما ~~وعدوا فإن الكذب كما يتطرق إلى الكلام باعتبار PageV07P032 # منطوقه يتطرق اليه باعتبار ما يلزم مدلوله كما مر في قوله تعالى أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين «وليحملن أثقالهم» بيان لما يستتبعه قولهم ذلك ~~في الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلا والتعبير ~~عن الخطايا بالأثقال للإيذان بغاية ثقلها وكونها فادحة واللام جواب قسم ~~مضمر أي وبالله ليحملن أثقال أنفسهم كاملة «وأثقالا» اخر «مع أثقالهم» لما ~~تسببوا بالاضلال والحمل على الكفر والمعاصي من غير ان ينتقص من أثقال من ~~أضلوه شيء ما أصلا «وليسألن يوم القيامة» سؤال تقريع وتبكيت «عما كانوا ~~يفترون» أي يختلقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل التي من جملتها كذبهم ~~هذا «ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما» شروع في ~~بيان افتتان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأذية أممهم اثر بيان افتتان ~~المؤمنين بأذية الكفار تأكيدا للانكار على الذين يحسبون ان يتركوا بمجرد ~~الايمان بلا ابتلاء وحثا لهم على الصبر فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها فلان ~~يصبر هؤلاء أولى وأحرى قالوا كان عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين عاما بعث ~~على راس أربعين سنة ودعا قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين ~~سنة وعن وهب انه عاش ألفا وأربعمائة سنة ولعل ما عليه النظم الكريم للدلالة ~~على كمال العدد فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر ~~الألف من تخييل طول المدة فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة واظهار ~~ركاكة رأى الذين يحسبون انهم يتركون بلا ابتلاء واختلاف المميز ms2578 لما في ~~التكرير من نوع بشاعة «فأخذهم الطوفان» أي عقب تمام المدة المذكورة ~~والطوفان يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح ~~والظلام وقد غلب على طوفان الماء «وهم ظالمون» أي والحال انهم مستمرون على ~~الظلم لم يتأثروا بما سمعوا من نوح عليه السلام من الآيات ولم يرعووا عما ~~هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة المتمادية «فأنجيناه» أي نوحا عليه ~~السلام «وأصحاب السفينة» أي ومن ركب فيها معه من أولاده واتباعه وكانوا ~~ثمانين وقيل ثمانية وسبعين وقيل عشرة وقيل ثمانية نصفهم ذكور ونصفهم إناث ~~«وجعلناها» أي السفينة أو الحادثة والقصة «آية للعالمين» يتعظون بها ~~«وإبراهيم» نصب بالعطف على نوحا وقيل PageV07P033 # بإضمار اذكر وقرئ بالرفع على تقدير ومن المرسلين إبراهيم «إذ قال لقومه» ~~على الأول ظرف للارسال أي أرسلناه حين تكامل عقله وقدر على النظر ~~والاستدلال وترقى من رتبة الكمال إلى درجة التكميل حيث تصدى لارشاد الخلق ~~إلى طريق الحق وعلى الثاني بدل اشتمال من إبراهيم «اعبدوا الله» أي وحده ~~«واتقوه» ان تشركوا به شيئا «ذلكم» أي ما ذكر من العبادة والتقوى «خير لكم» ~~أي مما أنتم عليه ومعنى التفضيل مع انه لا خيرية فيه قطعا باعتبار زعمهم ~~الباطل «إن كنتم تعلمون» أي الخير والشر وتميزون أحدهما من الآخر أو ان ~~كنتم تعلمون شيئا من الأشياء بوجه من الوجوه فإن ذلك كاف في الحكم بخيرية ~~ما ذكره من العبادة والتقوى «إنما تعبدون من دون الله أوثانا» بيان لبطلان ~~دينهم وشريته في نفسه بعد بيان شريته بالنسبة إلى الدين الحق أي انما ~~تعبدون من دونه تعالى أوثانا هي في نفسها تماثيل مصنوعة لكم ليس فيها وصف ~~غير ذلك «وتخلقون إفكا» أي وتكذبون كذبا حيث تسمونها آلهة وتدعون انها ~~شفعاؤكم عند الله تعالى أو تعملونها وتنحتونها للإفك وقرئ تخلقون بالتشديد ~~للتكثير في الخلق بمعنى الكذب والافتراء وتخلقون بحذف احدى التاءين من تخلق ~~بمعنى تكذب وتخرص وقرئ افكا على انه مصدر كالكذب واللعب أو نعت بمعنى خلقا ~~ذا افك ms2579 «إن الذين تعبدون من دون الله» بيان لشرية ما يعبدونه من حيث انه لا ~~يكاد يجديهم نفعا «لا يملكون لكم رزقا» أي لا يقدرون على ان يرزقوكم شيئا ~~من الرزق «فابتغوا عند الله الرزق» كله فإنه هو الرزاق ذو القوة المتين ~~«واعبدوه» وحده «واشكروا له» على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته ~~مقيدين بالشكر للعتيد ومستجلبين للمزيد «وإليه ترجعون» أي بالموت ثم بالبعث ~~لا إلى غيره فافعلوا ما أمرتكم به وقرئ ترجعون من رجع رجوعا «وإن تكذبوا» ~~أي تكذبوني فيما أخبرتكم به من انكم اليه ترجعون بالبعث «فقد كذب أمم من ~~قبلكم» تعليل للجواب أي فلا تضرونني بتكذيبكم فإن من قبلكم من الأمم قد ~~كذبوا من قبلي من الرسل وهم شيث وإدريس ونوح عليهم السلام فلم يضرهم ~~تكذيبهم شيئا وانما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم ~~«وما على الرسول إلا البلاغ المبين» أي التبليغ الذي لا يبقى معه شك وما ~~عليه ان يصدقه قومه البتة وقد خرجت عن عهدة التبليغ بما لا مزيد عليه فلا ~~يضرني تكذيبكم بعد ذلك أصلا «أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق» كلام مستأنف ~~مسوق من جهته تعالى للانكار على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دليله وسنوح سبيله ~~والهمزة لانكار عدم رؤيتهم الموجب لتقريرها والواو للعطف على مقدر أي ألم ~~ينظروا PageV07P034 # ولم يعلموا علما جاريا مجرى الرؤية في الجلاء والظهور كيفية خلق الله ~~تعالى الخلق ابتداء من مادة ومن غير مادة أي قد علموا ذلك وقرئ بصيغة ~~الخطاب لتشديد الانكار وتأكيده وقرئ يبدأ وقوله تعالى «ثم يعيده» عطف على ~~أو لم يرو الا على يبدىء لعدم وقوع الرؤية عليه فهو اخبار بأنه تعالى يعيد ~~الخلق قياسا على الابداء وقد جوز العطف على يبدىء بتأويل الإعادة بإنشائه ~~تعالى كل سنة مثل ما أنشاه في السنة السابقة من النبات والثمار وغيرهما فإن ~~ذلك مما يستدل به على صحة البعث ووقوعه من غير ريب «إن ذلك» أي ما ذكر من ~~الإعادة «على الله يسير» إذ ms2580 لا يفتقر إلى شئ أصلا «قل سيروا في الأرض» أمر ~~لإبراهيم عليه السلام أن يقول لهم ذلك أي سيروا فيها «فانظروا كيف بدأ ~~الخلق» أي كيف خلقهم ابتداء على أطوار مختلفة وطبائع متغايرة وأخلاق شتى ~~فإن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق القاطنين ~~في أقطارها «ثم الله ينشئ النشأة الآخرة» بعد النشأة الأولى التي شاهدتموها ~~والتعبير عن الإعادة التي هي محل النزاع بالنشأة الآخرة المشعرة بكون البدء ~~نشأة أولى للتنبيه على أنهما شأن واحد من شؤون الله تعالى حقيقة واسما من ~~حيث إن كلا منهما اختراع وإخراج من العدم إلى الوجود ولا فرق بينهما إلا ~~بالأولية والآخرية وقرئ النشأءة بالمد وهما لغتان كالرأفة والرآفة ومحلها ~~النصب على انها مصدر مؤكد لينشئ بحذف الزوائد والأصل الإنشاءة أو بحذف ~~العامل أي ينشئ فينشأون النشأة الآخرة كما في قوله تعالى «وأنبتها نباتا ~~حسنا» والجملة معطوفة على جملة سيروا في الأرض داخلة معها في حيز القول ~~وإظهار الاسم الجليل وإيقاعه مبتدأ مع إضماره في بدأ لإبراز مزيد الاعتناء ~~ببيان تحقق الإعادة بالإشارة إلى علة الحكم وتكرير الاسناد وقوله تعالى «إن ~~الله على كل شيء قدير» تعطيل لما قبله بطريق التحقيق فإن من علم قدرته ~~تعالى على جميع الأشياء التي من جملتها الإعادة لا يتصور أن يتردد في قدرته ~~عليها ولا في وقوعها بعد ما أخبر به «يعذب» أي بعد النشأة الآخرة «من يشاء» ~~أن يعذبه وهم المنكرون لها حتما «ويرحم من يشاء» أن يرحمه وهم المصدقون بها ~~والجملة تكملة لما قبلها وتقديم التعذيب لما أن الترهيب أنسب بالمقام من ~~الترغيب «وإليه تقلبون» عند ذلك لا إلى غيره فيفعل بكم ما يشاء من التعذيب ~~والرحمة «وما أنتم بمعجزين» له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم «في الأرض ~~ولا في السماء» أي بالتوارى في الأرض أو الهبوط في مهاويها ولا بالتحصن في ~~السماء التي هي أفسح منها لو استطعتم الرقي فيها كما في قوله تعالى «إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار ms2581 السماوات والأرض فانفذوا» أو PageV07P035 # القلاع الذاهبة فيها وقيل في السماء صفة لمحذوف معطوف على أنتم أي ولا من ~~في السماء «وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير» يحرسكم مما يصيبكم من ~~بلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم «والذين كفروا بآيات ~~الله» أي بدلائله التكوينية والتنزيلية الدالة على ذاته وصفاته وافعاله ~~فيدخل فيها النشأة الأولى الدالة على تحقق البعث والآيات الناطقة به دخولا ~~أوليا وتخصيصها بدلائل وحدانيته تعالى لا يناسب المقام «ولقائه» الذي تنطق ~~به تلك الآيات «أولئك» الموصوفون بما ذكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه ~~«يئسوا من رحمتي» أي ييأسون منها يوم القيامة وصيغة الماضي للدلالة على ~~تحققه أو يئسوا منها في الدنيا لإنكارهم البعث والجزاء «وأولئك لهم عذاب ~~أليم» وفي تكرير اسم الإشارة وتكرير الاسناد وتنكير العذاب ووصفه بالأليم ~~من الدلالة على كمال فظاعة حالهم ما لا يخفى أي أولئك الموصوفون بالكفر ~~بآيات الله تعالى ولقائه وباليأس من رحمته الممتازون بذلك عن سائر الكفرة ~~لهم بسبب تلك الأوصاف القبيحة عذاب لا يقادر قدره في الشدة والايلام «فما ~~كان جواب قومه» بالنصب على أنه خبر كان واسمها قوله تعالى «إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه» وقرئ بالرفع على العكس وقد مر ما فيه في نظائره وليس ~~المراد انه لم يصدر عنهم بصدد الجواب عن حجج إبراهيم عليه السلام إلا هذه ~~المقالة الشنيعة كما هو المتبادر من ظاهر النظم الكريم بل إن ذلك هو الذي ~~استقر عليه جوابهم بعد اللتيا والتي في المرة الأخيرة وإلا فقد صدر عنهم من ~~الخرافات والأباطيل ما لا يحصى «فأنجاه الله من النار» الفاء فصيحة أي ~~فألقوه في النار فأنجاه الله تعالى منها بأن جعلها عليه الصلاة والسلام ~~بردا وسلاما حسبما بين في مواضع أخر وقد مر في سورة الأنبياء بيان كيفية ~~إلقائه عليه الصلاة والسلام فيها وإنجائه تعالى إياه تفصيلا قيل لم ينتفع ~~يومئذ بالنار في موضع أصلا «إن في ذلك» أي في إنجائه منها «لآيات» بينة ~~عجيبة هي ms2582 حفظه تعالى إياه من حرها وإخمادها في زمان يسير وإنشاء روض في ~~مكانها «لقوم يؤمنون» وأما من عداهم فهم عن اجتلائها غافلون ومن الفوز ~~بمغانم آثارها محرومون «وقال» أي إبراهيم عليه السلام مخاطبا لهم «إنما ~~اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا» أي لتتوادوا بينكم ~~وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها وائتلافكم وثاني مفعولى اتخذتم محذوف أي ~~أوثانا آلهة ويجوز أن يكون مودة هو المفعول بتقدير المضاف أو بتأويلها ~~بالمودودة أو يجعلها نفس المودة مبالغة أي اتخذتم أو ثانا سبب المودة ~~PageV07P036 # بينكم أو مودودة أو نفس المودة وقرئ مودة منونة منصوبة ناصبة الظرف وقرئت ~~بالرفع والإضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو نفس المودة أو ~~سبب مودة بينكم والجملة صفة أو ثانا أو خبر إن على أن ما مصدرية أو موصولة ~~قد حذف عائدها وهو المفعول الأول وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح بينكم كما ~~قرئ لقد تقطع بينكم على أحد الوجهين وقرئ إنما مودة بينكم والمعنى ان ~~اتخاذكم إياها مودة بينكم ليس إلا في الحياة وقد أجريتم أحكامه حيث فعلتم ~~بي ما فعلتم لأجل مودتكم لها انتصارا منى كما ينبئ عنه قوله تعالى وانصروا ~~آلهتكم «ثم يوم القيامة» تنقلب الأمور ويتبدل التواد تباغضا والتلاطف ~~تلاعنا حيث «يكفر بعضكم» وهم العبدة «ببعض» وهم الأوثان «ويلعن بعضكم بعضا» ~~أي يلعن كل فريق منكم ومن الأوثان حيث ينطقها الله تعالى الفريق الآخر ~~«ومأواكم النار» أي هي منزلكم الذي تأوون اليه ولا ترجعون منه ابدا «وما ~~لكم من ناصرين» يخلصونكم منها كما خلصني ربي من النار التي ألقيتموني فيها ~~وجمع الناصر لوقوعه في مقابلة الجمع أي ما لاحد منكم من ناصر أصلا «فآمن له ~~لوط» أي صدقه في جميع مقالاته لا في نبوته وما دعا اليه من التوحيد فقط ~~فإنه كان منزها عن الكفر وما قيل انه آمن له حين رأى النار لم تحرقه ينبغي ~~ان يحمل على ما ذكرنا أو على ان يراد بالايمان الرتبة العالية منها وهي ~~التي ms2583 لا يرتقي إليها الا هم الافراد الكمل ولوط هو ابن أخيه عليهما السلام ~~«وقال إني مهاجر» أي من قومي «إلى ربي» إلى حيث امرني ربي «إنه هو العزيز» ~~الغالب على امره فيمنعني من أعدائي «الحكيم» الذي لا يفعل فعلا الا وفيه ~~حكمة ومصلحة فلا يأمرني الا بما فيه صلاحي روى انه هاجر من كوثى سواد ~~الكوفة مع لوط وسارة ابنة عمه إلى حران ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ونزل ~~لوط سدوم «ووهبنا له إسحاق ويعقوب» ولدا ونافلة حين ايس من عجوز عافر ~~«وجعلنا في ذريته النبوة» فكثر منهم الأنبياء «والكتاب» أي جنس الكتاب ~~المتناول للكتب الأربعة «وآتيناه أجره» بمقابلة هجرته الينا «في الدنيا» ~~بإعطاء الولد والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وانتماء أهل الملل اليه ~~والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر «وإنه في الآخرة لمن الصالحين» أي ~~الكاملين في الصلاح «ولوطا» منصوب اما بالعطف على نوحا أو على إبراهيم ~~والكلام في قوله تعالى «إذ قال لقومه» كالذي مر في قصة إبراهيم عليه السلام ~~«إنكم لتأتون الفاحشة» أي الفعلة المتناهية في القبح وقرئ أئنكم «ما سبقكم ~~بها من أحد من العالمين» استئناف مقرر لكمال قبحها فإن اجماع جميع افراد ~~العالمين على التحاشي عنها ليس الا لكونها مما تشمئز منه الطباع وتنفر منه ~~النفوس PageV07P037 # «أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل» وتتعرضون للسابلة أي الفاحشة حيث ~~روى انهم كانوا كثيرا ما يفعلونها بالغرباء وقيل تقطعون سبيل النساء ~~بالاعراض عن الحرث واتيان ما ليس بحرث وقيل تقطعون السبيل بالقتل واخذ ~~المال «وتأتون في ناديكم» أي تفعلون في مجلسكم الجامع لأصحابكم «المنكر» ~~كالجماع والضراط وحل الإزار وغيرها مما لا خير فيه من الأفاعيل المنكرة وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما هو الحذف بالحصى والرمي بالبنادق والفرقعة ومضغ ~~العلك والسواك بين الناس وحل الإزار والسباب والفحش في المزاح وقيل السخرية ~~بمن مر بهم وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك العمل «فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين» أي فما كان جوابا ms2584 من جهتهم شيء ~~من الأشياء الا هذه الكلمة الشنيعة أي لم يصدر عنهم في هذه المرة من مرات ~~مواعظ لوط عليه السلام وقد كان أوعدهم فيها بالعذاب واما ما في سورة ~~الأعراف من قوله تعالى «وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم» ~~الآية وما في سورة النمل من قوله تعالى فما كان جواب قومه الا ان قالوا ~~اخرجوا آل لوط من قريتكم الآية فهو الذي صدر عنهم بعده هذه المرة وهي المرة ~~الأخيرة من مرات المقاولات الجارية بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام وقد مر ~~تحقيقه في سورة الأعراف «قال رب انصرني» أي بإنزال العذاب الموعود «على ~~القوم المفسدين» بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم والاصرار عليها واستعجال ~~العذاب بطريق الاستهزاء وانما وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب عليهم ~~«ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى» أي بالبشارة بالولد والنافلة «قالوا» أي ~~لإبراهيم عليه السلام في تضاعيف الكلام حسبما فصل في سورة هود وسورة الحجر ~~«إنا مهلكو أهل هذه القرية» أي قرية سدوم والإضافة لفظية لان المعنى على ~~الاستقبال «إن أهلها كانوا ظالمين» تعليل للاهلاك بإصرارهم على الظلم ~~وتماديهم في فنون الفساد وأنواع المعاصي «قال إن فيها لوطا» فكيف تهلكونها ~~«قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله» أرادوا انهم غير غافلين عن مكان ~~لوط عليه السلام فيها بل عمن لم يتعرض له إبراهيم عليه السلام من اتباعه ~~المؤمنين وانهم معتنون بشأنهم أتم اعتناء حسبما ينبئ عنه تصدير الوعد ~~بالتنجية بالقسم أي والله لننجينه وأهله «إلا امرأته كانت من الغابرين» أي ~~الباقين في العذاب أو القرية PageV07P038 # «ولما أن جاءت رسلنا» المذكورون بعد مفارقتهم لإبراهيم عليه السلام «لوطا ~~سئ بهم» اعتراه المساءة بسبهم مخافة ان يتعرض لهم قومه بسوء وكلمة ان صلة ~~لتأكيد ما بين الفعلين من الاتصال «وضاق بهم ذرعا» أي ضاق بشأنهم وتدبير ~~امرهم ذرعه أي طاقته كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقا ~~به قادرا عليه وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع «وقالوا» ms2585 ~~ريثما شاهدوا فيه مخايل التضجر من جهتهم وعاينوا أنه عجز عن مدافعة قومه ~~بعد اللتيا والتي حتى آلت به الحال إلى أن قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ~~ركن شديد «لا تخف» أي من قومك علينا «ولا تحزن» أي على شئ وقيل بإهلاكنا ~~إياهم «إنا منجوك وأهلك» مما يصيبهم من العذاب «إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين» وقرئ لننجينك ومنجوك من الإنجاء وأيا ما كان فمحل الكاف الجر على ~~المختار ونصب أهلك بإضمار فعل أو بالعطف على محلها باعتبار الأصل «إنا ~~منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء» استئناف مسوق لبيان ما أشير ~~اليه بوعد التنجية من نزول العذاب عليهم والرجز العذاب الذي يقلق المعذب أي ~~يزعجه من قولهم ارتجز إذا ارتجس واضطرب وقرئ منزلون بالتشديد «بما كانوا ~~يفسقون» بسبب فسقهم المستمر «ولقد تركنا منها» أي من القرية «آية بينة» هي ~~قصتها العجيبة وآثار ديارها الخربة وقيل الحجارة الممطورة فإنها كانت باقية ~~بعدها وقيل الماء الأسود على وجه الأرض «لقوم يعقلون» يستعملون عقولهم في ~~الاستبصار والاعتبار وهو متعلق إما بتركنا أو بينة «وإلى مدين أخاهم شعيبا» ~~متعلق بمضمر معطوف على أرسلنا قي قصة نوح عليه السلام أي وأرسلنا إلى مدين ~~شعيبا «فقال يا قوم اعبدوا الله» وحده «وارجوا اليوم الآخر» أي توقعوه وما ~~سيقع فيه من فنون الأهوال وافعلوا اليوم من الاعمال ما تأمنون غائلته وقيل ~~وارجوا ثوابه بطريق إقامة المسبب مقام السبب وقيل الرجاء بمعنى الخوف «ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين» «فكذبوه فأخذتهم الرجفة» أي الزلزلة الشديدة وفي ~~سورة هود وأخذت الذين ظلموا الصيحة أي صيحة جبريل عليه السلام فإنها ~~الموجبة للرجفة بسبب تمويجها للهواء وما يجاورها من PageV07P039 # الأرض «فأصبحوا في دارهم» أي بلدهم أو منازلهم والافراد لأمن اللبس ~~«جاثمين» باركين على الركب ميتين «وعادا وثمود» منصوبان بإضمار فعل ينبئ ~~عنه ما قبله أي أهلكنا وقرئ ثمودا بتأويل الحي «وقد تبين لكم من مساكنهم» ~~أي وقد ظهر لكم إهلاكنا إياهم من جهة مساكنهم بالنظر إليها عند ms2586 اجتيازكم ~~بها ذهابا إلى الشام وإيابا منه «وزين لهم الشيطان أعمالهم» من فنون الكفر ~~والمعاصي «فصدهم عن السبيل» السوى الموصل إلى الحق «وكانوا مستبصرين» ~~متمكنين من النظر والاستدلال ولكنهم لم يفعلوا ذلك أو متبينين أن العذاب لا ~~حق بهم بإخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام لهم ولكنهم لجوا حتى لقوا ما ~~لقوا «وقارون وفرعون وهامان» معطوف على عادا قيل تقديم قارون لشرف نسبه ~~«ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين» مفلتين ~~فائتين من قولهم سبق طالبه إذا فإنه ولم يدركه ولقد أدركهم أمر الله عز وجل ~~أي إدراك فتداركوا نحو الدمار والهلاك «فكلا» تفسير لما ينبئ عنه عدم سبقهم ~~بطريق الابهام أي فكل واحد من المذكورين «أخذنا بذنبه» أي عاقبناه بجنايته ~~لا بعضه دون بعض كما يشعر به تقديم المفعول «فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا» ~~تفصيل للاخذ أي ريحا عاصفا فيها حصباء وقيل ملكا رماهم بهاؤهم قوم لوط ~~«ومنهم من أخذته الصيحة» كمدين وثمود «ومنهم من خسفنا به الأرض» كقارون ~~«ومنهم من أغرقنا» كقوم نوح وفرعون وقومه «وما كان الله ليظلمهم» بما فعل ~~بهم فإن ذلك محال من جهته تعالى «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» بالاستمرار على ~~مباشرة ما يوجب ذلك من أنواع الكفر والمعاصي «مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء» أي فيما اتخذوه متعمدا ومتكلا «كمثل العنكبوت اتخذت بيتا» فيما ~~نسجته في الوهن والخور بل ذلك أوهن من هذا لأن له حقيقة وانتفاعا في الجملة ~~أو مثلهم بالإضافة إلى الموحد كمثله بالإضافة إلى رجل بني بيتا من حجر وجص ~~والعنكبوت يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب في الاستعمال ~~التأنيث وتاؤه PageV07P040 # كتاء طاغوت ويجمع على عناكب وعنكبوتات وأما العكاب والعكب والإعكب فأسماء ~~الجموع «وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» حيث لا يرى شئ يدانيه في الوهن ~~والوهى «لو كانوا يعلمون» أي شيئا من الأشياء لجزموا ان هذا مثلهم أو ان ~~دينهم أو هي من ذلك ويجوز ان يجعل بيت العنكبوت عبارة عن دينهم تحقيقا ~~للتمثيل فالمعنى وإن أوهن ms2587 ما يعتمد به في الدين دينهم «إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شيء» على إضمار الفول أي قل للكفرة إن الله الخ وما ~~استفهامية منصوبة بيدعون معلقة ليعلم ومن للتبيين أو نافية ومن مزيدة وشئ ~~مفعول يدعون أو مصدرية وشئ عبارة عن المصدر أو موصولة مفعول ليعلم ومفعول ~~يدعون عائده المحذوف وقرئ تدعون بالتاء والكلام على الأولين تجهيل لهم ~~وتأكيد للمثل وعلى الأخيرين وعيد لهم «وهو العزيز الحكيم» تعليل على ~~المعنيين فإن إشراك ما لا يعد شيئا بمن هذا شأنه من فرط الغباوة وان الجماد ~~بالنسبة إلى القادر القاهر على كل شئ البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية ~~القاصية كالمعدوم البحت وأن من هذه صفاته قادر على مجازاتهم «وتلك الأمثال» ~~أي هذا المثل وأمثاله «نضربها للناس» تقريبا لما بعد من أفهامهم «وما ~~يعقلها» على ما هي عليه من الحسن واستتباع الفوائد «إلا العالمون» الراسخون ~~في العلم المتدبرون في الأشياء على ما ينبغي وعنه صلى الله عليه وسلم انه ~~تلا هذه فقال العالم من عقل عن الله تعالى وعمل بطاعته واجتنب سخطه «خلق ~~الله السماوات والأرض بالحق» أي محقا مراعيا للحكم والمصالح على أنه حال من ~~فاعل خلق أو ملتبسة بالحق الذي لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية ~~والدنيوية على انه حال من مفعوله فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق به ~~معايشهم شواهد دالة على شؤونه تعالى المتعلقة بذاته وصفاته كما يفصح عنه ~~قوله تعالى «إن في ذلك لآية للمؤمنين» دالة لهم على ما ذكر من شؤونه سبحانه ~~وتخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والارشاد في خلقهما للكل لأنهم ~~المنتفعون بذلك «أتل ما أوحي إليك من الكتاب» تقربا إلى الله تعالى بقراءته ~~وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني وتذكيرا للناس وحملا لهم على العمل بما ~~فيه من الاحكام ومحاسن الآداب ومكارم الاخلاق «وأقم الصلاة» أي داوم على ~~إقامتها وحيث كانت الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان ~~امره عليه الصلاة والسلام بإقامتها متضمنا لامر الأمة بها علل بقوله ms2588 تعالى ~~«إن الصلاة تنهى عن الفحشاء PageV07P041 # والمنكر» كأنه قيل وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر ومعنى ~~نهيها عنهما أنها سبب للانتهاء عنهما لأنها مناجاة لله تعالى فلا بد أن ~~تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض كلى عن معاصيه قال ابن مسعود وابن عباس ~~رضى الله تعالى عنهما في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله تعالى فمن لم ~~تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله تعالى إلا ~~بعدا وقال الحسن وقتادة من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال ~~عليه وروى أنس رضى الله عنه أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له صلى الله عليه ~~وسلم حاله فقال إن صلاته ستنهاه فلم يلبث ان تاب وحسن حاله «ولذكر الله ~~أكبر» أي للصلاة أكبر من سائر الطاعات وإنما عبر عنها به كما في قوله تعالى ~~فاسعوا إلى ذكر الله للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدة في ~~كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات وقيل ولذكر الله تعالى عند ~~الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر في الزجر عنهما وقيل ~~ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته «والله يعلم ما تصنعون» ~~منه ومن سائر الطاعات فيجازيكم بها أحسن المجازاة «ولا تجادلوا أهل الكتاب» ~~من اليهود والنصارى «إلا بالتي هي أحسن» أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة ~~الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح والسورة بالأناة على وجه لا ~~يدل على الضعف ولا يؤدي إلى إعطاء الدنية وقيل منسوخ بآية السيف «إلا الذين ~~ظلموا منهم» بالافراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم يد الله ~~مغلولة ونحو ذلك فإنه يجب حينئذ المدافعة بما يليق بحالهم «وقولوا آمنا ~~بالذي أنزل إلينا» من القرآن «وأنزل إليكم» أي وبالذي انزل إليكم من ~~التوراة والإنجيل وقد مر تحقيق كيفية الايمان بهما في خاتمة سورة البقرة ~~وعن النبي ms2589 صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا ~~آمنا بالله وبكتبه وبرسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا لم ~~تكذبوهم «وإلهنا وإلهكم واحد» لا شريك له في الألوهية «ونحن له مسلمون» ~~مطيعون خاصة وفيه تعريض بحال الفريقين حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله «وكذلك» تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ~~إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة ~~المشار اليه في الفضل أي مثل ذلك الانزال البديع الموافق لانزال سائر الكتب ~~«أنزلنا إليك الكتاب» أي القرآن الذي من جملته هذه الآية الناطقة بما ذكر ~~من المجادلة بالحسنى «فالذين آتيناهم الكتاب» من الطائفتين «يؤمنون به» ~~أريد بهم عبد الله بن سلام وأضرابه من أهل الكتابين خاصة كأن من عداهم لم ~~يؤتوا الكتاب حيث لم يعملوا بما فيه أو من تقدم عهد رسول الله PageV07P042 # صلى الله عليه وسلم منهم حيث كانوا مصدقين بنزوله حسبما شاهدوا في ~~كتابيهما وتخصيصهم بإيتاء الكتاب للإيذان بأن من بعدهم من معاصري رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ فلم يؤتوه والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله على الوجه المذكور ~~«ومن هؤلاء» أي ومن العرب أو أهل مكة على الأول أو ممن في عصره صلى الله ~~عليه وسلم على الثاني «من يؤمن به» أي بالقرآن «وما يجحد بآياتنا» عبر عن ~~الكتاب بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها وعلى كونها من عند ~~الله تعالى وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها وغاية تشنيع من يجحد بها ~~«إلا الكافرون» المتوغلون في الكفر المصممون عليه فإن ذلك يصدهم عن التأمل ~~فيما يؤديهم إلى معرفة حقيتها وقيل هم كعب بن الأشرف وأصحابه «وما كنت تتلو ~~من قبله» أي ما كنت قبل إنزالنا إليك الكتاب تقدر على ان تتلو شيئا من كتاب ~~«ولا تخطه» أي ولا تقدر على ان تخطه «بيمينك» حسبما هو المعتاد أو ms2590 ما كانت ~~عادتك أن تتلوه ولا أن تخطه «إذا لارتاب المبطلون» أي لو كنت ممن يقدر على ~~التلاوة والخط أو ممن يعتادهما لارتابوا وقالوا لعله التقطه من كتب الأوائل ~~وحيث لم تكن كذلك لم يبق في شأنك منشأ ريب أصلا وتسميتهم مبطلين في ~~ارتيابهم على التقدير المفروض لكونهم مبطلين في اتباعهم للاحتمال المذكور ~~مع ظهور نزاهته صلى الله عليه وسلم عن ذلك «بل هو» أي القرآن «آيات بينات» ~~واضحات ثابته راسخة «في صدور الذين أوتوا العلم» من غير أن يلتقط من كتاب ~~يحفظونه بحيث لا يقدر أحد على تحريفه «وما يجحد بآياتنا» مع كونها كما ذكر ~~«إلا الظالمون» المتجاوزون للحدود في الشر والمكابرة والفساد «وقالوا لولا ~~أنزل عليه آيات من ربه» مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى عليهم السلام ~~وقرئ آية «قل إنما الآيات عند الله» ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ~~ذلك قطعا «وإنما أنا نذير مبين» ليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من ~~الآيات «أو لم يكفهم» كلام مستأنف وارد من جهته تعالى ردا على اقتراحهم ~~وبيانا لبطلانه والهمزة للانكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام أي اقصر ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات «أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب» الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وأنت بمعزل عن ~~مدارستها وممارستها «يتلى عليهم» في كل زمان ومكان فلا يزال معهم آية ثابتة ~~لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل آية بعد كونها وتكون في مكان دون مكان أو ~~يتلى على اليهود بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك «إن في ذلك» الكتاب ~~العظيم PageV07P043 # الشأن الباقي على مر الدهور «لرحمة» أي نعمة عظيمة «وذكرى» أي تذكرة ~~«لقوم يؤمنون» أي لقوم همهم الايمان لا التعنت كأولئك المقترحين وقيل إن ~~ناسا من المؤمنين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف فيها بعض ما ~~يقوله اليهود فقال كفى بها ضلالة قوم ان يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما ~~جاء به غير نبيهم ms2591 فنزلت «قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا» بما صدر عني ~~وعنكم «يعلم ما في السماوات والأرض» أي من الأمور التي من جملتها شأني ~~وشأنكم فهو تقرير لما قبله من كفايته تعالى شهيدا «والذين آمنوا بالباطل» ~~وهو ما يعبد من دون الله تعالى «وكفروا بالله» مع تعاضد موجبات الايمان به ~~«أولئك هم الخاسرون» المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالايمان بأن ~~ضيعوا الفطرة الأصلية والأدلة السمعية الموجبة للايمان والآية من قبيل ~~المجادلة بالتي هي أحسن حيث لم يصرح بنسبة الايمان بالباطل والكفر بالله ~~والخسران إليهم بل ذكر على منهاج الابهام كما في قوله تعالى وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين «ويستعجلونك بالعذاب» على طريقة الاستهزاء بقولهم ~~متى هذا الوعد وقولهم أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ونحو ذلك ~~«ولولا أجل مسمى» قد ضربه الله تعالى لعذابهم وبينه في اللوح «لجاءهم ~~العذاب» المعين لهم حسبما استعجلوا به قيل المراد بالأجل يوم القيامة لما ~~روى انه تعالى وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب قومه بعذاب ~~الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة وقيل يوم بدر وقيل وقت فنائهم ~~بآجالهم وفيه بعد ظاهر لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا ~~يستعجلون به «وليأتينهم» جملة مستأنفة مبينة لما أشير اليه في الجملة ~~السابقة من مجئ العذاب عند محل الاجل أي وبالله ليأتينهم العذاب الذي عين ~~لهم عند حلول الاجل «بغتة» أي فجأة «وهم لا يشعرون» أي بإتيانه ولعل المراد ~~بإتيانه كذلك انه لا يأتيهم بطريق التعجيل عند استعجالهم والإجابة إلى ~~مسئولهم فإن ذلك إتيان برأيهم وشعورهم لا أنه يأتيهم وهم غارون آمنون لا ~~يخطرونه بالبال كدأب بعض العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتا وهم نائمون ~~أو ضحى وهم يلعبون لما ان إتيان عذاب الآخرة وعذاب يوم بدر ليس من هذا ~~القبيل «يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» استئناف مسوق لغاية ~~تجهيلهم وركاكة رأيهم وفيه دلالة على أن ما استعجلوه عذاب الآخرة أي ~~يستعجلونك بالعذاب ms2592 والحال أن محل العذاب الذي لا عذاب فوقه محيط بهم كأنه ~~قيل يستعجلونك بالعذاب وإن العذاب لمحيط بهم أي سيحيط بهم وإنما ~~PageV07P044 # جئ بالجملة الاسمية دلالة على تحقق الإحاطة واستمرارها أو تنزيلا لحال ~~السبب منزلة حال المسبب فإن الكفر والمعاصي الموجبة لدخول جهنم محيطة بهم ~~وقيل إن الكفر والمعاصي هي النار في الحقيقة لكنها ظهرت في هذه النشأة بهذه ~~الصورة وقد مر تفصيله في سورة الأعراف عند قوله تعالى «والوزن يومئذ الحق» ~~ولام الكافرين إما للعهد ووضع الظاهر موضع المضمر للاشعار بعلة الحكم أو ~~للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا «يوم يغشاهم العذاب» ظرف لمضمر قد طوى ~~ذكره إيذانا بغاية كثرته وفظاعته كأنه قيل يوم يغشاهم العذاب الذي أشير ~~اليه بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقال وقيل ~~ظرف للإحاطة «من فوقهم ومن تحت أرجلهم» أي من جميع جهاتهم «ويقول» أي الله ~~عز وجل ويعضده القراءة بنون العظمة أو بعض ملائكته بأمره «ذوقوا ما كنتم ~~تعملون» أي جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من السيئات التي ~~من جملتها الاستعجال بالعذاب «يا عبادي الذين آمنوا» خطاب تشريف لبعض ~~المؤمنين الذين لا يتمكنون من إقامة أمور الدين كما ينبغي لممانعة من جهة ~~الكفرة وإرشاد لهم إلى الطريق الأسلم «إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون» أي إذا ~~لم يتسهل لكم العبادة في بلد ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث ~~يتسنى لكم ذلك وعنه صلى الله عليه وسلم من فر بدينه من ارض إلى ارض ولو كان ~~شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام والفاء جواب شرط ~~محذوف إذ المعنى إن ارضى واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في ارض فأخلصوها في ~~غيرها ثم حذف الشرط وعوض عنه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص ~~والاخلاص «كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون» جملة مستأنفة جئ بها حثا ~~على المسارعة في الامتثال بالامر أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت ~~وكربه فراجعة إلى ms2593 حكمنا وجزائنا بحسب أعمالها فمن كانت عاقبته هذه فليس له ~~بد من التزود والاستعداد لها وقرئ يرجعون «والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم» لننزلنهم «من الجنة غرفا» أي علالى وهو مفعول ثان للتبوئة وقرئ ~~لنثوينهم من الثواء بمعنى الإقامة فانتصاب غرفا حينئذ إما بإجرائه مجرى ~~لننزلنهم أو بنزع الخافض أو بتشببه الظرف الموقت بالمبهم كما في قوله تعالى ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم «تجري من تحتها الأنهار» صفة لغرفا «خالدين ~~فيها» أي في الغرف أو في الجنة «نعم أجر العاملين» أي الاعمال الصالحة ~~والمخصوص بالمدح محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه وقرئ فمنعم PageV07P045 # «الذين صبروا» إما صفة للعاملين أو نصب على المدح أي صبروا على أذية ~~المشركين وشدائد المهاجرة وغير ذلك من المحن والمشاق «وعلى ربهم يتوكلون» ~~أي ولم يتوكلوا فيما يأتون ويذرون إلا على الله تعالى «وكأين من دابة لا ~~تحمل رزقها» روى ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المؤمنين الذين كانوا ~~بمكة بالمهاجرة إلى المدينة قالوا كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت ~~أي وكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها أولا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة ~~عندها «الله يرزقها وإياكم» ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم ~~واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى لأن رزق الكل ~~بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا الفقر بالمهاجرة «وهو السميع» ~~المبالغ في السمع فيسمع قولكم هذا «العليم» المبالغ في العلم فيعلم ضمائركم ~~«ولئن سألتهم» أي أهل مكة «من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله» إذ لا سبيل لهم إلى إنكاره ولا إلى التردد فيه «فأنى يؤفكون» ~~إنكار واستبعاد من جهته تعالى لتركهم العمل بموجبه أي فكيف يصرفون عن ~~الاقرار بتفرده تعالى في الإلهية مع إقرارهم بتفرده تعالى فيما ذكر من ~~الخلق والتسخير «الله يبسط الرزق لمن يشاء» أن يبسطه له «من عباده ويقدر ~~له» أي يقدر لمن يشاء أن يقدر له منهم كائنا من كان على ان الضمير مبهم حسب ~~إبهام ms2594 مرجعة أو يقدر لمن ببسطه له على التعاقب «أن الله بكل شيء عليم» ~~فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه له ومن يليق بقدره فيقدره له أو فيعلم ان ~~كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة فيفعل كلا منها في ~~وقته «ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله» معترفين بأنه الموجد للمكنات بأسرها أصولها وفروعها ثم إنهم ~~يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شئ ما أصلا «قل ~~الحمد لله» على أن جعل الحق بحيث لا يجترئ المبطلون على جحوده وأنه اظهر ~~حجتك عليهم وقيل على ان عصمك من أمثال هذه الضلالات ولا يخفى بعده «بل ~~أكثرهم لا يعلمون» أي شيئا من الأشياء فلذلك لا يعلمون بمقتضى قولهم هذا ~~فيشركون به سبحانه اخس مخلوقاته وقيل لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم ~~ذلك PageV07P046 # «وما هذه الحياة الدنيا» إشارة تحقير وازدراء الدنيا وكيف لا وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما ~~سقى الكافر منها شربة ماء «إلا لهو ولعب» أي إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان ~~يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه «وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان» أي لهي دار الحياة الحقيقية لا متناع طريان الموت والفناء عليها ~~أو هي في ذاتها حياة للمبالغة والحيوان مصدر حي سمى به ذو الحياة واصله ~~حييان فقلبت الياء الثانية واوا لما في بناء فعلان من معنى الحركة ~~والاضطراب اللازم للحيوان ولذلك اختير على الحياة في هذا المقام المقتضى ~~للمبالغة «لو كانوا يعلمون» أي لما آثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم ~~الحياة ثم ما يحدث فيها من الحياة عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال ~~«فإذا ركبوا في الفلك» متصل بما دل عليه شرح حالهم والركوب هو الاستعلاء ~~على الشئ المتحرك وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالى والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها واستماله ههنا وفي أمثاله بكلمة في للإيذان بأن المركوب ms2595 في نفسه ~~من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية كما مر في سورة هود والمعنى انهم ~~على ما وصفوا من الاشراك فإذا ركبوا في البحر ولقوا شدة «دعوا الله مخلصين ~~له الدين» أي كائنين على صورة المخلصين لدينهم من المؤمنين حيث لا يدعون ~~غير الله تعالى لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد عنهم إلا هو «فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون» أي فاجئوا المعاودة إلى الشرك «ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا» أي يفاجئون الاشراك ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة الانجاء ~~التي حقها ان يشكروها «فسوف يعلمون» أي عاقبة ذلك وغائلته حين يرون العذاب ~~«أولم يروا» أي ألم ينظروا ولم يشاهدوا «إنا جعلنا» أي بلدهم «حرما آمنا» ~~مصونا من النهب والتعدي سالما أهله من كل سوء «ويتخطف الناس من حولهم» أي ~~والحال أنهم يختلسون من حولهم قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور ~~وتناهب «أفبالباطل يؤمنون» أي ابعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه بالباطل خاصة ~~يؤمنون دون الحق «وبنعمة الله يكفرون» وهي المستوجبة للشكر حيث يشركون به ~~غيره وتقديم الصلة في الموضعين لاظهار كمال شناعة ما فعلوا «ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا» بأن PageV07P047 # زعم ان له شريكا أي هو أظلم من كل ظالم وإن كان سبك النظم دالا على نفى ~~الأظلم من غير تعرض لنفى المساوى وقد مر مرارا 2 «أو كذب بالحق لما جاءه» ~~أي بالرسول أو بالقرآن وفي لما تسفيه لهم بأن لم يتوقفوا ولم يتأملوا حين ~~جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب آثر ذي أثير «أليس في جهنم مثوى للكافرين» ~~تقرير لثوائهم فيها كقول من قال ألستم خير من ركب المطايا أي ألا يستوجبون ~~الثواء فيها وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بالحق ~~الصريح أو إنكار واستبعاد لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب مع ~~علمهم بحال الكفرة أي ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترءوا هذه ~~الجراءة «والذين جاهدوا فينا» أي في شاننا ولوجهنا خالصا اطلق المجاهدة ~~ليعم ms2596 جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة «لنهدينهم سبلنا» سبل السير إلينا ~~والوصول إلى جنابنا أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقها لسلوكها ~~كقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وفي الحديث من عمل بما علم ورثه الله ~~علم ما لم يعلم «وإن الله لمع المحسنين» معية النصر والمعونة عنه صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة العنكبوت كان له من الاجر عشر حسنات بعدد كل ~~المؤمنين والمنافقين PageV07P048 # سورة الروم مكية إلا قوله فسبحان الله الآية وهي ستون آية بسم الله ~~الرحمن الرحيم «ألم» الكلام فيه كالذي مر في أمثاله من الفواتح الكريمة ~~«غلبت الروم» «في أدنى الأرض» أي أدنى ارض العرب منهم إذ هي الأرض المعهودة ~~عندهم وهي أطراف الشام أو في أدنى ارضهم من العرب على ان اللام عوض عن ~~المضاف اليه قال مجاهد هي ارض الجزيرة وهي أدنى ارض الروم إلى فارس وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما الأردن وفلسطين وقرئ أدانى الأرض «وهم» أي الروم «من ~~بعد غلبهم» أي من بعد مغلوبيتهم وقرئ بسكون اللام وهي لغة كالجلب والجلب ~~«سيغلبون» أي سيغلبون فارس «في بضع سنين» روى ان فارس غزوا الروم فوافوهم ~~بأذرعات وبصرى وقيل بالجزيرة كما مر فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكة ففرح ~~المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا أنتم والنصارى وأهل كتاب ونحن وفارس ~~أميون وقد ظهر اخواننا على اخوانكم فلنظهرن عليكم فقال أبو بكر رضي الله ~~عنه لا يقرر الله أعينكم فو الله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين فقال ~~له أبي بن خلف اللعين كذبت اجعل بيننا اجلا انا حبك عليه فناحبه على عشر ~~قلائص من كل منهما وجعلا الاجل ثلاث سنين فأخبر به أبو بكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزيدوه في الخطر ومادة ~~في الاجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وظهرت الروم على فارس عند راس سبع سنين وذلك يوم الحديبية ~~وقيل كان النصر للفريقين يوم ms2597 بدر فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي فجاء به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصدق به وكان ذلك قبل تحريم القمار وهذه ~~الآيات من البينات الباهرة الشاهدة بصحة النبوة وكون القرآن من عند الله عز ~~وجل حيث أخبرت عن الغيب الذي لا يعلمه الا العليم الخبير وقرئ غلبت على ~~البناء للفاعل وسيغلبون على البناء للمفعول والمعنى ان الروم PageV07P049 # غلبت على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم المسلمون في السنة ~~التاسعة من نزولها ففتحوا بعض بلادهم فإضافة الغلب حينئذ إلى الفاعل «لله ~~الأمر من قبل ومن بعد» أي في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون ~~كأنه قيل من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن بعد كونهم مغلوبين ~~وهو وقت كونهم غالبين والمعنى ان كلا من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ~~ليس الا بأمر الله تعالى وقضائه وتلك الأيام نداولها بين الناس وقرئ من قبل ~~ومن بعد بالجر من غير تقدير مضاف اليه واقتطاعه كأنه قيل قبلا وبعدا بمعنى ~~أولا وآخرا «ويومئذ» أي يوم إذ يغلب الروم على فارس ويحل ما وعده الله ~~تعالى من غلبتهم «يفرح المؤمنون» «بنصر الله» وتغليبه من له كتاب على من لا ~~كتاب له وغيظ من شمت بهم من كفار مكة وكون ذلك من دلائل غلبة المؤمنين على ~~الكفار وقيل نصر الله اظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة ~~الروم على فارس وقيل نصره تعالى انه ولى بعض الظالمين بعضا وفرق بين كلمتهم ~~حتى تناقصوا وتفانوا وفل كل منهم شوكة الآخر وفي ذلك قوة وعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه انه وافق ذلك يوم بدر وفيه من نصر الله العزيز ~~للمؤمنين وفرحهم بذلك مالا يخفي والأول هو الأنسب لقوله تعالى «ينصر من ~~يشاء» أي من يشاء ان ينصره من عباده على عدوه ويغلبه عليه فإنه استئناف ~~مقرر لمضمون قوله تعالى الله الامر من قبل ومن بعد «وهو العزيز» المبالغ في ~~العزة والغلبة فلا يعجزه من يشاء ان ms2598 ينصر عليه كائنا من كان «الرحيم» ~~المبالغ في الرحمة فينصر من يشاء ان ينصره أي فريق كان والمراد بالرحمة هي ~~الدنيوية اما على القراءة المشهورة فظاهر لما ان كلا الفريقين لا يستحق ~~الرحمة الأخروية واما على القراءة الأخيرة فلان المسلمين وان كانوا مستحقين ~~لها لكن المراد ههنا نصرهم الذي هو من آثار الرحمة الدنيوية وتقديم وصف ~~العزة لتقدمه في الاعتبار «وعد الله» مصدر مؤكد لنفسه لان ما قبله في معنى ~~الوعد كأنه قيل وعد الله وعدا «لا يخلف الله وعده» أي وعد كان مما يتعلق ~~بالدنيا والآخرة لاستحالة الكذب عليه سبحانه واظهار الاسم الجليل في موقع ~~الاضمار لتعليل الحكم وتفخيمه والجملة استئناف مقرر لمعنى المصدر وقد جوز ~~ان تكون حالا منه فيكون كالمصدر الموصوف كأنه قيل وعدا الله غير مخلف «ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون» أي ما سبق من شؤونه تعالى «يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا» وهو ما يشاهدونه من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة ~~لشهواتهم الملائمة لأهوائهم المستدعية لأنهما كهم فيها وعكوفهم عليها لا ~~تمتعهم بزخارفها وتنعمهم بملاذها كما قيل فإنهما ليسا مما علموه منها بل من ~~افعالهم المترتبة على علومهم وتنكير ظاهرا للتحقير والتخسيس PageV07P050 # دون الواحدة كما توهم أي يعلمون ظاهرا حقيرا خسيسا من الدنيا «وهم عن ~~الآخرة» التي هي الغاية القصوى والمطلب الأسنى «هم غافلون» لا يخطرونها ~~بالبال ولا يدركون من الدنيا ما يؤدي إلى معرفتها من أحوالها ولا يتفكرون ~~فيها كما سيأتي والجملة معطوفة على يعلمون وايرادها اسمية للدلالة على ~~استمرار غفلتهم ودوامها وهم الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ وغافلون خبره ~~والجملة خبر للأولى وهو على الوجهين مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة ~~المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالبهائم ~~المقصور ادراكاتها من الدنيا على ظواهرها الخسيسة دون أحوالها التي هي ~~مبادى العلم بأمور الآخرة واشعارا بأن العلم المذكور وعدم العلم رأسا سيان ~~«أو لم يتفكروا» انكار واستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة ~~الدنيا مع الغفلة عن الآخرة والواو للعطف على ms2599 مقدر يقتضيه المقام وقوله ~~تعالى «في أنفسهم» ظرف للتفكر وذكره مع ظهور استحالة كونه في غيرها لتحقيق ~~امره وتصوير حال المتفكرين وقوله تعالى «ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما» الخ متعلق اما بالعلم الذي يؤدي اليه التفكر ويدل عليه أو بالقول ~~الذي يترتب عليه كما في قوله تعالى «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا» أي اعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو اقصروا النظر عليه ~~ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا انه تعالى ما خلقهما وما بينهما من ~~المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسة بشيء من الأشياء «إلا» ملتبسة «بالحق» ~~أو يقولوا هذا القول معترفين بمضمونه اثر ما علموه والمراد بالحق هو الثابت ~~الذي يحق ان يثبت لا محالة لابتنائه على الحكمة البالغة والغرض الصحيح الذي ~~هو استشهاد المكلفين بذواتها وصفاتها وأحوالها المتغيرة على وجود صانعها عز ~~وجل ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته واختصاصه بالمعبودية وصحة اخباره التي من ~~جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب اعمالهم غب ما ~~تبين المحسن من المسئ وامتازت درجات افراد كل من الفريقين حسب امتياز طبقات ~~علومهم واعتقاداتهم المترتبة على انظارهم فيما نصب في المصنوعات من الآيات ~~والدلائل والامارات والمخايل كما نطق به قوله تعالى وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فإن العمل ~~غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره صلى الله عليه وسلم بقوله أيكم أحسن عقلا ~~وأورع عن محارم الله واسرع في طاعة الله وقد مر تحقيقه في أوائل سورة هود ~~عليه السلام وقوله تعالى «وأجل مسمى» عطف على الحق أي وبأجل معين قدرة الله ~~تعالى لبقائها لا بد لها من ان تنتهي اليه لا محالة وهو وقت قيام الساعة ~~هذا وقد جوز ان يكون قوله تعالى في أنفسهم صلة للتفكر على معنى أو لم ~~يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب المخلوقات إليهم وهم اعلم بشئونها واخبر ~~بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله تعالى ظاهرا وباطنا ms2600 ~~من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الاهمال PageV07P051 # وانه لابد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر امرها على ~~الاحسان احسانا وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك ان سائر الخلائق ~~كذلك امرها جار على الحكمة والتدبير وانه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك ~~الوقت وأنت خبير بأن امر معاد الانسان ومجازاته بما عمل من الإساءة ~~والاحسان هو المقصود بالذات والمحتاج إلى الاثبات فجعله ذريعة إلى اثبات ~~معاد ما عداه مع كونه بمعزل من الجزاء تعكيس للامر فتدبر قوله تعالى «وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون» تذييل مقرر لما قبله ببيان ان أكثرهم ~~غير مقتصرين على ما ذكر من الغفلة عن أحوال الآخرة والاعراض عن التفكر فيما ~~يرشدهم إلى معرفتها من خلق السماوات والأرض وما بينهما من المصنوعات بل هم ~~منكرون جاحدون بلقاء حسابه تعالى وجزائه بالبعث «أو لم يسيروا» توبيخ لهم ~~بعدم اتعاظهم بمشاهدة أحوال أمثالهم الدالة على عاقبتهم ومآلهم والهمزة ~~لتقرير المنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي اقعدوا في أماكنهم ~~ولم يسيروا «في الأرض» وقوله تعالى «فينظروا» عطف على يسيروا داخل في حكم ~~التقرير والتوبيخ والمعنى انهم قد ساروا في أقطار الأرض وشاهدوا «كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم» من الأمم المهلكة كعاد وثمود وقوله تعالى «كانوا أشد ~~منهم قوة» الخ بيان لمبدأ أحوالهم ومآلها يعني انهم كانوا أقدر منهم على ~~التمتع بالحياة الدنيا حيث كانوا أشد منهم قوة «وأثاروا الأرض» أي قلبوها ~~للزراعة والحرث وقيل لاستنباط المياه واستخراج المعادن وغير ذلك «وعمروها» ~~أي عمرها أولئك بفنون العمارات من الزراعة والغرس والبناء وغيرها مما يعد ~~عمارة لها «أكثر مما عمروها» أي عمارة أكثر كما وكيفا وزمانا من عمارة ~~هؤلاء إياها كيف لا وهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيره وفيه تهكم ~~بهم حيث كانوا مغترين بالدنيا مفتخرين بمتاعها مع ضعف حالهم وضيق عطنهم إذ ~~مدار امرها على التبسط في البلاد والتسلط على العباد والتقلب في أكناف ~~الأرض ms2601 بأصناف التصرفات وهم ضعفة ملجئون إلى واد لا نفع فيه يخافون ان ~~يتخطفهم الناس «وجاءتهم رسلهم بالبينات» بالمعجزات أو الآيات الواضحات «فما ~~كان الله ليظلمهم» أي فكذبوهم فأهلكهم فما كان الله ليهلكهم من غير جرم ~~يستدعيه من قبلهم والتعبير عن ذلك بالظلم مع ان اهلاكه تعالى إياهم بلا جرم ~~ليس من الظالم في شيء على ما تقرر من قاعدة أهل السنة لاظهار كمال نزاهته ~~تعالى عن ذلك بإبرازه في معرض ما يستحيل صدوره عنه تعالى وقد مر في سورة ~~الأنفال وسورة آل عمران «ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» بأن اجترءوا على اقتراف ~~ما يوجبه من المعاصي العظيمة «ثم كان عاقبة الذين أساؤوا» أي عملوا السيئات ~~PageV07P052 # وضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والاشعار بعلة الحكم ~~«السوأى» أي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات وأفظعها التي هي العقوبة بالنار ~~فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشري وصف به العقوبة ~~مبالغة كأنها نفس السوأى وهي مرفوعة على انها اسم كان وخبرها عاقبة وقرئ ~~على العكس وهو ادخل في الجزالة وقوله تعالى «أن كذبوا بآيات الله» علة لماء ~~أشير اليه من تعذيبهم الدنيوي والأخروي أي لان كذبوا أو بأن كذبوا بآيات ~~الله المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام ومعجزاته الظاهرة على أيديهم ~~وقوله تعالى «وكانوا بها يستهزؤون» عطف على كذبوا داخل معه في حكم العلية ~~وايراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده هذا هو اللائق ~~بجزالة النظم الجليل وقد قيل وقيل «الله يبدأ الخلق» أي ينشئهم «ثم يعيده» ~~بعد الموت بالبعث «ثم إليه ترجعون» إلى موقف الحساب والجزاء والالتفات ~~للمبالغة في الترهيب وقرئ بالياء «ويوم تقوم الساعة» التي هي وقت إعادة ~~الخلق ورجعهم اليه «يبلس المجرمون» أي يسكتون متحيرين لا ينبسون يقال ~~ناظرته فأبلس إذا سكت وأيس من ان يحتج وقرئ بفتح اللام من أبلسه إذا أفحمه ~~وأسكته «ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء» يجيرونهم من عذاب الله تعالى كما ~~كانوا يزعمونه وصيغة الجمع لوقوعها في مقابلة الجمع أي لم يكن لواحد ms2602 منهم ~~شفيع أصلا «وكانوا بشركائهم كافرين» أي بإلهيتهم وشركتهم لله سبحانه حيث ~~وقفوا على كنه امرهم وصيغة الماضي للدلالة على تحققه وقيل كانوا في الدنيا ~~كافرين بسببهم وليس بذاك إذ ليس في الاخبار به فائدة يعتد بها «ويوم تقوم ~~الساعة» أعيد لتهويله وتفظيع ما يقع فيه وقوله تعالى «يومئذ يتفرقون» تهويل ~~له اثر تهويل وفيه رمز إلى ان التفرق يقع في بعض منه وضمير يتفرقون لجميع ~~الخلق المدلول عليهم بما تقدم من بدئهم وإعادتهم ورجعهم لا المجرمون خاصة ~~وليس المراد بتفرقهم افتراق كل فرد منهم عن الآخر بل تفرقهم إلى فريقي ~~المؤمنين والكافرين كما في قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير وذلك ~~بعد تمام الحساب وقوله تعالى «فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في ~~روضة يحبرون» تفصيل وبيان لأحوال ذينك الفريقين والروضة كل ارض ذات نبات ~~وماء ورونق ونضارة وتنكيرها للتفخيم والمراد بها الجنة والحبور السرور يقال ~~حبره إذا سره سرورا تهلل له وجهه وقيل الحبرة كل نعمة حسنة والتحبير ~~التحسين واختفلت فيه الأقاويل لاحتماله وجوه جميع المسار فعن ابن عباس ~~ومجاهد يكرمون وعن قتادة PageV07P053 # ينعمون وعن ابن كيسان يحلون وعن بكر بن عياش التيجان على رؤوسهم وعن وكيع ~~السماع في الجنة وعن النبي صلى الله عليه وسلم انه ذكر الجنة وما فيها من ~~النعيم وفي آخر القوم اعرابي فقال يا رسول الله هل في الجنة من سماع قال ~~صلى الله عليه وسلم يا اعرابي ان في الجنة لنهرا حافتاه لابكار من كل بيضاء ~~خوصانية يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة قال ~~الراوي فسألت ابا الدرداء رضي الله عنه بم يتغنين قال بالتسبيح وروى ان في ~~الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ~~تعالى ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو ~~سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا «وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا» التي من ~~جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل «ولقاء الآخرة» ms2603 صرح بذلك مع اندراجه في ~~تكذيب الآيات للاعتناء بأمره وقوله تعالى «فأولئك» إشارة إلى الموصول ~~باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب بآياته تعالى وبلقاء ~~الآخرة للايذان بكمال تميزهم بذلك عن غيرهم وانتظامهم في سلك المشاهدات وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار اليه للاشعار ببعد منزلتهم في الشر ~~أي أولئك الموصوفون بما فصل من القبائح «في العذاب محضرون» على الدوام لا ~~يغيبون عنه ابدا «فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون» «وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون» اثر ما بين حال فربقي المؤمنين ~~العاملين للصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعذاب ~~أمروا بما ينجي من الثاني ويفضي إلى الأول من تنزيه الله عز وجل عن كل مالا ~~يليق بشأنه سبحانه ومن حمده تعالى على نعمة العظام وتقديم الأول على الثاني ~~لما ان التخلية متقدمة على التحلية والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ~~إذا علمتم ذلك فسبحوا الله تعالى أي نزهوه عما ذكر سبحانه أي تسبيحه اللائق ~~في هذه الأوقات واحمدوه فإن الاخبار بثبوت الحمد له تعالى ووجوبه على ~~المميزين من أهل السماوات والأرض في معنى الامر به على أبلغ وجه وآكده ~~وتوسيطه بين أوقات التسبيح للاعتناء بشأنه والاشعار بأن حقهما ان يجمع ~~بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى ونحن نسبح بحمدك وقوله تعالى فسبح بحمد ربك ~~وقوله صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده ~~مائة مرة حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر وقوله صلى الله عليه وسلم من ~~قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة ~~بأفضل مما جاء به الا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه وقوله صلى الله عليه ~~وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده ~~سبحان الله العظيم وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات والأحاديث وتخصيصهما ~~بتلك الأوقات للدلالة على ان ما يحدث فيها من آيات ms2604 قدرته واحكام ~~PageV07P054 # رحمته ونعمته شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه الحمد وموجبة لتسبيحه ~~وتحميده حتما وقوله تعالى وعشيا عطف على حين تمسون وتقديمه على حين تظهرون ~~لمراعاة الفواصل وتغيير الأسلوب لما انه لا يجيء منه الفعل بمعنى الدخول في ~~العشى كالمساء والصباح والظهيرة ولعل السر في ذلك انه ليس من الأوقات التي ~~تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيرا ظاهرا مصححا لوصفهم بالخروج عما قبلها ~~والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلا منها وقت تتغير فيه الأحوال تغيرا ~~ظاهرا اما في المساء والصباح فظاهر واما في الظهيرة فلأنها وقت يعتاد فيه ~~التجرد عن الثياب للقيلولة كما مر في سورة النور وقيل المراد بالتسبيح ~~والحمد الصلاة لاشتمالها عليهما وقد روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~ان الآية جامعة للصلوات الخمس تمسون صلاتا المغرب والعشاء وتصبحون صلاة ~~الفجر وعشيا صلاة العصر وتظهرون صلاة الظهر ولذلك ذهب الحسن إلى انها مدنية ~~إذ كان يقول ان الواجب بمكة ركعتان في أي وقت اتفقتا وانما فرضت الخمس ~~بالمدينة والجمهور على انها فرضت بمكة وهو الحق لحديث المعراج وفي آخره هن ~~خمس صلوات كل يوم وليلة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره ان يكال له ~~بالقفيز الأوفي فليقل فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الآية وعنه صلى ~~الله عليه وسلم من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى ~~قوله تعالى وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين يمسي أدرك ما ~~فاته في ليلته وقرئ حينا تمسون وحينا تصبحون أي تمسون فيه وتصبحون فيه ~~«يخرج الحي من الميت» كالانسان من النطفة والطير من البيضة «ويخرج الميت من ~~الحي» النطفة والبيضة من الحيوان ويحيي الأرض بالنبات بعد موتها يبسها ~~وكذلك ومثل ذلك الاخراج تخرجون من قبوركم وقرئ تخرجون بفتح التاء وضم الراء ~~وهذا نوع تفصيل لقوله تعالى الله يبدأ الخلق ثم يعيده «ومن آياته» الباهرة ~~الدالة على انكم تبعثون دلاله أوضح مما سبق فإن دلاله بدء خلقهم على ~~إعادتهم اظهر من ms2605 دلالة اخراج الحي من الميت واخراج الميت من الحي ومن دلالة ~~احياء الأرض بعد موتها عليها «أن خلقكم» أي في ضمن خلق آدم عليه السلام لما ~~مر مرارا من أن خلقه صلى الله عليه وسلم منطو على خلق ذرياته انطواء ~~اجماليا «من تراب» لم يشم رائحة الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم ~~عليه في ذاتكم وصفاتكم «ثم إذا أنتم بشر تنتشرون» أي فاجأتم بعد ذلك وقت ~~كونكم بشرا تنتشرون في الأرض وهذا مجمل ما فصل في قوله تعالى يا أيها الناس ~~ان كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الآية «ومن ~~آياته» الدالة على ما ذكر من البعث وما بعده من الجزاء «أن خلق لكم» أي ~~PageV07P055 # «من أنفسكم أزواجا» فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم عليه السلام ~~متضمن لخلقهن من أنفسكم على ما عرفته من التحقيق أو من جنسكم لا من جنس آخر ~~وهو الأوفق لقوله تعالى «لتسكنوا إليها» أي لتألفوها وتميلوا إليها ~~وتطمئنوا بها فإن المجانسة من دواعي التضام والتعارف كما ان المخالفة من ~~أسباب التفرق والتنافر «وجعل بينكم» أي بين الأزواج اما على تغليب الرجال ~~على النساء في الخطاب أو على حذف ظرف معطوف على الظرف المذكور أي جعل بينكم ~~وبينهن كما مر في قوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله وقيل أو بين افراد ~~الجنس أي بين الرجال والنساء ويأباه قوله تعالى «مودة ورحمة» فإن المراد ~~بهما ما كان منهما بعصمة الزواج قطعا أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم ~~توادا وتراحما من غير ان يكون بينكم سابقة معرفة ولا رابطة مصححة للتعاطف ~~من قرابة أو رحم قيل المودة والرحمة من قبل الله تعالى والفرك من الشيطان ~~وعن الحسن رحمه الله المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كما قال ~~تعالى ورحمة منا «إن في ذلك» أي فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من ~~أنفسهم والقاء المودة والرحمة بينهم وما فيه من معنى البعد مع ms2606 قرب العهد ~~بالمشار اليه للاشعار ببعد منزلته «لآيات» عظيمة لا يكتنه كنهها كثيرة لا ~~يقادر قدرها «لقوم يتفكرون» في تضاعيف تلك الأفاعيل المتينة المبنية على ~~الحكم البالغة والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله مع التنبيه على ان ما ذكر ~~ليس بآية فذة كما ينبئ عنه قوله تعالى ومن آياته بل هي مشتملة على آيات شتى ~~ومن آياته الدالة على ما ذكر من امر البعث وما يتلوه من الجزاء «خلق ~~السماوات والأرض» اما من حيث ان القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات ~~بلا مادة مستعدة لها اظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك واما من حيث ~~ان خلقهما وما فيهما ليس الا لمعاش البشر ومعادة كما يفصح عنه قوله تعالى ~~هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وقوله تعالى وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا «واختلاف ~~ألسنتكم» أي لغاتكم بأن علم كل صنف لغته وألهمه وضعها وأقدره عليها أو ~~أجناس نطقكم وإشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من كل ~~وجه «وألوانكم» ببياض الجلد وسواده وتوسطه فيما بينهما أو تخطيطات الأعضاء ~~وهيآتها وألوانها وحلاها بحيث وقع بها التمايز بين الاشخاص حتى ان التوأمين ~~مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما في التخليق يختلفان في ~~شيء من ذلك لا محالة وان كانا في غاية التشابه وانما نظم هذا في سلك الآيات ~~الآفافية من خلق السماوات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة ~~بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للايذان باستقلاله ~~والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم «إن في ذلك» أي فيما ذكر من خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان «لآيات» عظيمة في أنفسها كثيرة ~~في عددها «للعالمين» أي المتصفين بالعلم كما في قوله تعالى وما يعقلها ~~PageV07P056 # الا العالمون وقرئ بفتح اللام وفيه دلالة على كمال وضوح الآيات وعدم ~~خفائها على أحد من الخلق كافة «ومن آياته منامكم بالليل والنهار» لاستراحة ~~القوى النفسانية ms2607 وتقوى القوى الطبيعية «وابتغاؤكم من فضله» فيهما فإن كلا ~~من المنام وابتغاء الفضل يقع في الملوين وان كان الأغلب وقوع الأول في ~~الأول والثاني في الثاني أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار كما هو ~~المعتاد والموافق لسائر الآيات الواردة في ذلك خلا انه فصل بين القرينين ~~الأولين بالقرينين الأخيرين لأنهما زمان والزمان مع ما وقع فيه كشيء واحد ~~مع إعانة اللف على الاتحاد «إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون» أي شأنهم ان ~~يسمعوا الكلام سماع تفهم واستبصار حيث يتأملون في تضاعيف هذا البيان ~~ويستدلون بذلك على شؤونه تعالى «ومن آياته يريكم البرق» الفعل اما مقدر بأن ~~كما في قول من قال [ألا أيهذا الزاجري احضر الوغي] أي ان احضر أو منزل ~~منزلة المصدر وبه فسر المثل المشهور تسمع بالمعيدي خير من ان تراه أو هو ~~على حاله صفة لمحذوف أي آية يريكم بها البرق كقول من قال [وما الدهر الا ~~نارتان فمنها * أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح] * أي فمنهما تارة أموت فيها ~~وأخرى ابتغي فيها أو ومن آياته شيء أو سحاب يريكم البرق خوفا من الصاعقة أو ~~للمسافر «وطمعا» في الغيث أو للمقيم ونصبهما على العلة لفعل يستلزمه ~~المذكور فإن إراءتهم البرق مستلزمة لرؤيتهم إياه أو للمذكور نفسه على تقدير ~~مضاف نحو إراءة خوف وطمع أو على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والأطماع ~~كقولك فعلنه رغما للشيطان أو على الحال نحو كلمته شفاها «وينزل من السماء ~~ماء» وقرئ بالتخفيف «فيحيي به الأرض» بالنبات «بعد موتها» يبسها «إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون» فإنها من الظهور بحيث يكفي في ادراكها مجرد العقل عند ~~استعماله في استنباط أسبابها وكيفية تكونها «ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره» أي بإرادته تعالى لقيامهما والتعبير عنها بالامر للدلالة على ~~كمال القدرة والغني عن المبادى والأسباب وليس المراد بإقامتهما إنشاءهما ~~لأنه قد بين حاله بقوله تعالى ومن آياته خلق السماوات والأرض ولا إقامتهما ~~بغير مقيم محسوس كما قيل فإن ذلك من تتمات انشائهما وان لم يصرح به تعويلا ms2608 ~~على ما ذكر في غير موضع من قوله تعالى خلق السماوات بغير عمد ترونها الآية ~~PageV07P057 # بل قيامهما واستمرارهما على ما هما عليه إلى أجلهما الذي نطق به قوله ~~تعالى فيما قبل ما خلق السماوات والأرض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى ~~وحيث كانت هذه الآية متأخرة عن سائر الآيات المعدودة متصلة بالبعث في ~~الوجود أخرت عنهن وجعلت متصلة به في الذكر أيضا فقيل «ثم إذا دعاكم دعوة من ~~الأرض إذا أنتم تخرجون» فإنه كلام مسوق للاخبار بوقوع البعث ووجوده بعد ~~انقضاء اجل قيامهما مترتب على تعداد آياته الدالة عليه غير منتظم في سلكها ~~كما قيا كأنه قيل ومن آياته قيام السماوات والأرض على هيآتهما بأمره تعالى ~~إلى اجل مسمى قدرة الله تعالى لقيامهما ثم إذا دعاكم أي بعد انقضاء الاجل ~~من الأرض وأنتم في قبوركم دعوة واحدة بأن قال أيها الموتى اخرجوا فاجأتم ~~الخروج منها وذلك قوله تعالى يومئذ يتبعون الداعي ومن الأرض متعلق بدعاكم ~~إذ يكفي في ذلك كون المدعو فيها يقال دعوته من أسفل الوادي فطلع إلى لا ~~بتخرجون لان ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها «وله» خاصة «من في السماوات ~~والأرض» من الملائكة والثقلين خلقا وملكا وتصرفا ليس لغيره شركة في ذلك ~~بوجه من الوجوه «كل له قانتون» أي منقادون لفعله لا يمتنعون عليه في شأن من ~~شؤونه تعالى «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» بعد موتهم وتكريره لزيادة ~~التقرير والتمهيد لما بعده من قوله تعالى «وهو أهون عليه» أي بإضافة إلى ~~قدركم والقياس على أصولكم والا فهما عليه سواء وقيل أهون بمعنى هين وتذكير ~~الضمير مع رجوعه إلى الإعادة لما انها مؤولة بأن يعيد وقيل هو راجع إلى ~~الخلق وليس بذاك واما ما قيل من ان الانشاء بطريق التفضل الذي يتخير فيه ~~الفاعل بين الفعل والترك والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد من فعله حتما ~~فكان أقرب إلى الحصول من الانشاء المتردد بين الحصول وعدمه فبمعزل من ~~التحصيل إذ ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته ms2609 إلى الوجود باعتبار كثرة ~~الأمور الداعية للفاعل إلى ايجاده وقوة اقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية ~~تأتيه وصدوره عنه بعد تعلق قدرته بوجوده وكونه واجبا بالغير ولا تفاوت في ~~ذلك بين ان يكون ذلك التعليق بطريق الايجاب أو بطريق الاختيار «وله المثل ~~الأعلى» أي الوصف الاعلى العجيب الشأن من القدرة العامة والحكمة التامة ~~وسائر صفات الكمال التي ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها ومن فسره ~~بقول لا اله الا الله أراد به الوصف بالوحدانية «في السماوات والأرض» متعلق ~~بمضمون الجملة المتقدمة على معنى انه تعالى قد وصف به وعرف فيهما على السنة ~~الخلائق والسنة الدلائل وقيل متعلق بالا على وقيل بمحذوف هو حال منه أو من ~~المثل أو من ضميره في الأعلى «وهو العزيز» القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن ~~واعادته PageV07P058 # «الحكيم» الذي يجري الافعال على سنن الحكمة والمصلحة «ضرب لكم مثلا» ~~يتبين به بطلان الشرك «من أنفسكم» أي منتزعا من أحوالها التي هي أقرب ~~الأمور إليكم واعرفها عندكم وأظهرها دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك ~~لكونها بطريق الأولوية وقوله تعالى «هل لكم» الخ تصوير للمثل أي هل لكم ~~«مما ملكت أيمانكم» من العبيد والإماء «من شركاء في ما رزقناكم» من الأموال ~~وما يجري مجراها مما تتصرفون فيها فمن الأولى ابتدائية والثانية تبعيضية ~~والثالثة مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من الاستفهام فقوله تعالى «فأنتم فيه ~~سواء» تحقيق لمعنى الشركة وبيان لكونهم وشركائهم متساوين في التصرف فيما ~~ذكر من غير مزية لهم عليها على ان هناك محذوفا معطوفا على أنتم لا انه عام ~~للفريقين بطريق التغليب أي هل ترضون لأنفسكم والحال ان عبيدكم أمثالكم في ~~البشرية واحكامها ان يشاركوكم فيما رزقناكم وهو معار لكم فأنتم وهم فيه ~~سواء يتصرفون فيه كتصرفكم من غير فرق بينكم وبينهم «تخافونهم» خبر آخر ~~لأنتم أو حال من ضمير الفاعل في سواء أي تهابون ان تستبدوا بالتصرف فيه ~~بدون رأيهم «كخيفتكم أنفسكم» أي خيفة كائنة مثل خيفتكم من الأحرار ~~المساهمين لكم فيما ذكر والمعنى ms2610 نفي مضمون ما فصل من الجملة الاستفهامية أي ~~لا ترضون بأن يشارككم فيما هو معار لكم مماليككم وهم أمثالكم في البشرية ~~غير مخلوقين لكم بل لله تعالى فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية التي هي ~~من خصائصه الذاتية مخلوقه بل مصنوع مخلوقه حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه ~~«كذلك» أي مثل ذلك التفصيل الواضح «نفصل الآيات» أي نبينها ونوضحها لا ~~تفصيلا أدنى منه فإن التمثيل تصوير للمعاني المعقولة بصورة المحسوس وابراز ~~لأوابد المدركات على هيئة المأنوس فيكون في غاية الايضاح والبيان «لقوم ~~يعقلون» أي يستعملون عقولهم في تدبر الأمور وتخصيصهم بالذكر مع عموم تفصيل ~~الآيات للكل لأنهم المنتفعون بها «بل اتبع الذين ظلموا» اعراض عن مخاطبتهم ~~ومحاولة ارشادهم إلى الحق بضرب المثل وتفصيل الآيات واستعمال المقدمات ~~الحقة المعقولة وبيان لاستحالة تبعيتهم للحق كأنه قيل لم يعقلوا شيئا من ~~الآيات المفصلة بل اتبعوا «أهواءهم» الزائغة ووضع الموصول موضع ضميرهم ~~للتسجيل عليهم بأنهم في ذلك الاتباع ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه أو ~~ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد «بغير علم» أي جاهلين ببطلان ما ~~اتوا مكبين عليه لا يلويهم عنه صارف حسبما يصرف العالم إذا اتبع الباطل ~~علمه ببطلانه «فمن يهدي من أضل الله» أي خلق فيه الضلال بصرف اختياره إلى ~~كسبه أي لا يقدر على هدايته أحد «وما لهم» أي لمن أضله الله تعالى والجمع ~~باعتبار المعنى «من ناصرين» يخلصونهم من الضلال ويحفظونهم من تبعانه وآفاته ~~على معنى ليس لواحد منهم ناصر واحد على ما هو قاعدة مقابلة الجمع بالجمع ~~PageV07P059 # «فأقم وجهك للدين» تمثيل لاقباله على الدين واستقامته وثباته عليه ~~واهتمامه بترتيب أسبابه فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد عليه طرفه وسدد ~~اليه نظره وقوم له وجهة مقبلا به عليه أي فقوم وجهك له وعدله غير ملتفت ~~يمينا وشمالا وقوله تعالى «حنيفا» حال من المأمور أو من الدين «فطرة الله» ~~الفطرة الخلقة وانتصابها على الاغراء أي الزموا أو عليكم فطرة الله فإن ~~الخطاب للكل كما يفصح عنه قوله تعالى منيبين والافراد ms2611 في أقم لما ان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم امام الأمة فأمره صلى الله عليه وسلم مستتبع لامرهم ~~والمراد بلزومها الجريان على موجبها وعدم الاخلال به باتباع الهوى وتسويل ~~الشياطين وقيل على المصدر أي فطر الله فطرة وقوله تعالى «التي فطر الناس ~~عليها» صفة لفطرة الله مؤكدة لوجوب الامتثال بالامر فإن خلق الله الناس على ~~فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق وتمكنهم من ادراكه أو عن ملة الاسلام ~~من موجبات لزومها والتمسك بها قطعا فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم ~~إليها وما اختاروا عليها دينا آخر ومن غوي منهم فبإغواء شياطين الانس والجن ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة كل عبادي خلقت حنفاء ~~فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم ان يشركوا بي غيري وقوله صلى الله ~~عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه ~~وينصرانه وقوله تعالى «لا تبديل لخلق الله» تعليل للامر بلزوم فطرته تعالى ~~أو لوجوب الامتثال به أي لا صحة ولا استقامة لتبديله بالاخلال بموجبه وعدم ~~ترتيب مقتضاه عليه باتباع الهوى وقبول وسوسة الشيطان وقيل لا يقدر أحد على ~~ان يغير فلا بد حينئذ من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأسا ~~ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق والتمكن من ادراكه ضرورة ان ~~التبديل بالمعنى الأول مقدور بل واقع قطعا فالتعليل حينئذ من جهة ان سلامة ~~الفطرة متحققة في كل أحد فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم ~~الاخلال به بما ذكر من اتباع الهوى وخطوات الشيطان ذلك إشارة إلى الدين ~~المأمور بإقامة الوجه له أو إلى لزوم فطرة الله المستفاد من الاغراء أو إلى ~~الفطرة ان فسرت بالملة والتذكير بتأويل المذكور أو باعتبار الخبر «الدين ~~القيم» المستوى الذي لا عوج فيه «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» ذلك فيصدون ~~عنه صدودا «منيبين إليه» حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة الله أو في ~~أقم لعمومه للأمة حسبما أشير اليه وما بينهما اعتراض ms2612 أي راجعين اليه من ~~أناب إذا رجع مرة بعد أخرى وقوله تعالى «واتقوه» أي من مخالفة امره عطف على ~~المقدر المذكور وكذا قوله تعالى «وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين» ~~المبدلين لفطرة الله تعالى تبديلا «من الذين فرقوا دينهم» بدل من المشركين ~~بإعادة الجار وتفريقهم لدينهم اختلافهم فيما يعبدونه على PageV07P060 # اختلاف أهوائهم وفائدة الابدال التحذير عن الانتماء إلى حزب من أحزاب ~~المشركين ببيان ان الكل على الضلال المبين وقرئ فارقوا اى تركوا دينهم الذي ~~أمروا به «وكانوا شيعا» اى فرقا تشايع كل منها امامها الذي أضلها «كل حزب ~~بما لديهم» من الدين المعوج المؤسس على الرأي الزائغ والزعم الباطل «فرحون» ~~مسرورون ظنا منهم انه حق وانى له ذلك فالجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله ~~من تفريق دينهم وكونهم شيعا وقد جوز ان يكون فرحون صفة لكل على ان الخبر هو ~~الظرف المقدم اعني من الذين فرقوا ولا يخفي بعده «وإذا مس الناس ضر» أي شدة ~~«دعوا ربهم منيبين إليه» راجعين اليه من دعاء غيره «ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة» خلاصا من تلك الشدة «إذا فريق منهم بربهم» الذي كانوا دعوه منيبين ~~اليه «يشركون» أي فاجأ فريق منهم الإشراك وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن ~~بعضهم ليسوا كذلك كما في قوله تعالى فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد أي ~~مقيم على الطريق القصد أو متوسط في الكفر لانزجاره في الجملة «ليكفروا بما ~~آتيناهم» اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر التهديدي كقوله تعالى «فتمتعوا» غير ~~أنه التفت فيه للمبالغة وقرئ وليتمتعوا «فسوف تعلمون» عاقبة تمتعكم وقرئ ~~بالياء على أن تمتعوا ماض والالتفات إلى الغيبة في قوله تعالى «أم أنزلنا ~~عليهم» للإبذان بالإعراض عنهم وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة ~~«سلطانا» أي حجة واضحة وقيل ذا سلطان أي ملكا معه برهان «فهو يتكلم» تكلم ~~دلالة كما في قوله تعالى هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق أو تكلم نطق «بما ~~كانوا به يشركون» باشراكهم به تعالى أو بالأمر الذي بسببه يشركون «وإذا ~~أذقنا الناس رحمة» أي نعمة ms2613 من صحة وسعة «فرحوا بها» بطرا وأشرا لا حمدا ~~وشكرا «وإن تصبهم سيئة» شدة «بما قدمت أيديهم» بشؤم معاصيهم «إذا هم ~~يقنطون» فاجئوا القنوط من رحمته تعالى وقرئ بكسر النون «أو لم يروا» أي ألم ~~ينظروا ولم يشاهدوا «أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر» فما لهم لم يشكروا ~~ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين «إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» ~~فيستدلون PageV07P061 # بها على كمال القدرة والحكمة «فآت ذا القربى حقه» من الصلة والصدقة وسائر ~~المبرات «والمسكين وابن السبيل» ما يستحقانه والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أو لمن بسط له كما تؤذن به الفاء «ذلك خير للذين يريدون وجه الله» ~~ذاته أو جهته ويقصدون بمعروفهم إياه تعالى خالصا أو جهة التقرب إليه لا جهة ~~أخرى «وأولئك هم المفلحون» حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم «وما آتيتم ~~من ربا» زيادة خالية عن العوض عند المعاملة وقرئ أتيتم بالقصر أي غشيتموه ~~أو رهقتموه من إعطاء ربا «ليربو في أموال الناس» ليزيد ويزكو في أموالهم ~~«فلا يربو عند الله» أي لا يبارك فيه وقرئ لتربوا أي لتزيدوا أو لتصيروا ~~ذوي ربا «وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله» أي تبتغون به وجهه تعالى ~~خالصا «فأولئك هم المضعفون» أي ذووا الأضعاف من الثواب ونظير المضعف المقوى ~~والموسر لذي القوة واليسار أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم بالبركة وقرئ ~~بفتح العين وفي تغيير النظم الكريم والالتفات من الجزالة ما لا يخفي «الله ~~الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء» أثبت له تعالى لوازم الألوهية وخواصها ونفاها رأسا عما اتخذوه شركاء ~~له تعالى من الأصنام وغيرها مؤكدا بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان ~~ووقع عليه الوفاق ثم استنتج منه تنزهه عن الشركاء بقوله تعالى «سبحانه ~~وتعالى عما يشركون» وقد جوز أن يكون الموصول صفة والخبر هل من شركائكم ~~والرابط قوله تعالى من ذلكم لأنه بمعنى من أفعاله ومن الأولى والثانية ~~تفيدان شيوع الحكم في ms2614 جنس الشركاء والأفعال والثالثة مزيده لتعميم المنفى ~~وكل منها مستقلة بالتأكيد وقرئ تشركون بصيغة الخطاب «ظهر الفساد في البر ~~والبحر» كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاق الغاصة ومحق البركات ~~وكثرة المضار أو الضلالة والظلم وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرى ~~البحور «بما كسبت أيدي الناس» بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياها وقيل ظهر ~~الفساد في البر بقتل قابيل أخاه هابيل وفي البحر بأن جلندي PageV07P062 # كان يأخذ كل سفينة غصبا «ليذيقهم بعض الذي عملوا» أي بعض جزائه فإن ~~اتمامه في الآخرة واللام للعلة أو للعاقبة وقرئ لنذيقهم بالنون «لعلهم ~~يرجعون» عما كانوا عليه «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبل» ليشاهدوا آثارهم «كان أكثرهم مشركين» استئناف للدلالة على ان ما ~~أصابهم لفشو الشرك فيما بينهم أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي ~~في قليل منهم «فأقم وجهك للدين القيم» أي البليغ الاستقامة «من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له» لا يقدر أحد على أرده «من الله» متعلق بيأتي أو بمرد لأنه ~~مصدر والمعنى لا يرده الله تعالى لتعلق ارادته القديمة بمجيئه «يومئذ ~~يصدعون» أصله يتصدعون أي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير «من كفر ~~فعليه كفره» أي وبال كفر وهو النار المؤبدة «ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون» أي يسوون منزلا في الجنة وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على ~~الاختصاص «ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله» متعلق بيصدعون وقيل ~~بيمهدون أي يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين ليجزي كلا منهما بحسب اعمالهم ~~وحيث كان جزاء المؤمنين هو المقصود بالذات ابرز ذلك في معرض الغاية وعبر ~~عنه بالفضل لما ان الإثابة بطريق التفضل لا الوجوب وأشير إلى جزاء الفريق ~~الآخر بقوله تعالى «إنه لا يحب الكافرين» فإن عدم محبته تعالى كناية عن ~~بغضه الموجب لغضبه المستتبع للعقوبة لا محالة «ومن آياته أن يرسل الرياح» ~~أي الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة وأما الدبور فريح العذاب ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ms2615 ريحا وقرئ الريح ~~على إرادة الجنس «مبشرات» بالمطر «وليذيقكم من رحمته» وهي المنافع التابعة ~~لها وقيل الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها ~~واللام متعلقة بيرسل والجملة معطوفة على مبشرات على المعنى كأنه قيل ~~ليبشركم بها وليذيقكم أو بمحذوف يفهم من ذكر الإرسال تقديره وليذيقكم ~~وليكون كذا وكذا يرسلها لا لأمر آخر لا تعلق له بمنافعكم «ولتجري الفلك» ~~بسوقها «بأمره ولتبتغوا من فضله» بتجارة البحر «ولعلكم تشكرون» ولتشكروا ~~نعمة الله فيما ذكر من PageV07P063 # الغايات الجليلة «ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم» كما أرسلناك إلى ~~قومك «فجاؤوهم بالبينات» أي جاء كل رسول قومه بما يخصه من البينات كما جئت ~~قومك ببيناتك والفاء في قوله تعالى «فانتقمنا من الذين أجرموا» فصيحة أي ~~فكذبوهم فانتقمنا منهم وإنما وضع ضميرهم الموصول للتنبيه على مكان المحذوف ~~والإشعار بكونه علة للانتقام وفي قوله تعالى «وكان حقا علينا نصر المؤمنين» ~~مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم ~~وإشعار بأن الانتقام من الكفرة لأجله وقد يوقف على حقا على أنه متعلق ~~بالانتقام ولعل توسيط الآية الكريمة بطريق الاعتراض بين ما سبق وما لحق من ~~أحوال الرياح وأحكامها لإنذار الكفرة وتحذيرهم عن الإخلال بمواجب الشكر ~~المطلوب بقوله تعالى لعلكم تشكرون بمقابلة النعم المعدودة المنوطة بإرسالها ~~كيلا يحل بهم مثل ماحل بأولئك الأمم من الانتقام «الله الذي يرسل الرياح» ~~استئناف مسوق لبيان ما أجمل فيما سبق من أحوال الرياح «فتثير سحابا فيبسطه» ~~متصلا تارة «في السماء» في جوها «كيف يشاء» سائرا وواقفا مطبقا وغير مطبق ~~من جانب دون جانب إلى غير ذلك «ويجعله كسفا» تارة أخرى أي قطعا وقرئ بسكون ~~السين على أنه مخفف جمع كسفة أو مصدر وصف به «فترى الودق» المطر «يخرج من ~~خلاله» في التارتين «فإذا أصاب به من يشاء من عباده» أي بلادهم وأراضيهم ~~«إذا هم يستبشرون» فاجئوا الاستبشار بمجيء الخصب «وإن كانوا» إن مخففة من ~~إن وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف أي وإن ms2616 الشأن كانوا «من قبل أن ينزل ~~عليهم» أي المطر «من قبله» تكرير للتأكد والايذان بطول عهدهم بالمطر ~~واستحكام يأسهم منه وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الارسال وقيل للكسف على ~~القراءة بالسكون وليس بواضح وأقرب من ذلك ان يكون الضمير للاستبشار ومن ~~متعلقة بينزل لتفيد سرعة تقلب قلوبهم من اليأس إلى الاستبشار بالإشارة إلى ~~غاية تقارب زمانيهما ببيان اتصال اليأس بالتنزيل المتصل بالاستبشار بشهادة ~~إذا الفجائية «لمبلسين» خبر كانوا واللام فارقة أي آيسين «فانظر إلى آثار ~~رحمة الله» المترتبة على تنزيل المطر من النبات والأشجار وأنواع الثمار ~~والفاء للدلالة على سرعة ترتبها عليه وقرئ أثر PageV07P064 # بالتوحيد وقوله تعالى «كيف يحيي» أي الله تعالى «الأرض بعد موتها» في حيز ~~النصب بنزع الخافض وكيف معلق لأنظر أي فانظر إلى احيائه البديع للأرض بعد ~~موتها وقيل على الحالية بالتأويل وأيا ما كان فالمراد بالامر بالنظر ~~التنبيه على عظم قدرته تعالى وسعة رحمته ما فيه من التمهيد لما يعقبه من ~~امر البعث وقرئ تحي بالتأنيث على الاسناد إلى ضمير الرحمة «إن ذلك» العظيم ~~الشأن الذي ذكر بعض شؤونه «لمحيي الموتى» لقادر على احيائهم فإنه احداث ~~لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية كما ان احياء الأرض احداث ~~لمثل ما كان فيها من القوى النباتية أو لمحييهم البتة وقوله تعالى «وهو على ~~كل شيء قدير» تذييل مقرر لمضمون ما قبله أي مبالغ في القدرة على جميع ~~الأشياء التي من جملتها إحياؤهم لما ان نسبة قدرته إلى الكل سواء «ولئن ~~أرسلنا ريحا فرأوه» أي الأثر المدلول عليه بالآثار أو النبات المعبر عنه ~~بالآثار فإنه اسم جنس يعم القليل والكثير «مصفرا» بعد خضرته وقد جوز ان ~~يكون الضمير للسحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر ولا يخفي بعده واللام في ~~لئن موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط والفاء في فرأوه فصيحة واللام في قوله ~~تعالى «لظلوا» لام جواب القسم ساد مسد الجوابين أي وبالله لئن أرسلنا ريحا ~~حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفار فرأوه مصفرا ms2617 ليظلن «من بعده يكفرون» من ~~غير تلعثم وفيه من ذمهم بعد تثبيتهم وسرعة تزلزلهم بين طرفي الافراط ~~والتفريط مالا يخفي حيث كان الواجب عليهم ان يتوكلوا على الله تعالى في كل ~~حال ويلجئوا اليه بالاستغفار إذا احتبس عنهم القطر ولا ييأسوا من روح الله ~~تعالى ويبادروا إلى الشكر بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولا يفرطوا في ~~الاستبشار وان يصبروا على بلائه إذا اعترى زرعهم آفة ولا يكفروا بنعمائه ~~فعكسوا الامر وأبوا ما يجديهم واتوا بما يرديهم «فإنك لا تسمع الموتى» لما ~~انهم مثلهم لانسداد مشاعرهم عن الحق «ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين» تقييد الحكم بما ذكر لبيان كمال سوء حال الكفرة والتنبيه على انهم ~~جامعون لخصلتي السوء نبو اسماعهم عن الحق واعراضهم عن الاصغاء اليه ولو كان ~~فيهم إحداهما لكفاهم ذلك فكيف وقد جمعوهما فإن الأصم المقبل إلى المتكلم ~~ربما يفطن من أوضاعه وحركاته لشيء من كلامه وان لم يسمعه أصلا واما إذا كان ~~معرضا عنه فلا يكاد يفهم منه شيئا وقرئ بالياء المفتوحة ورفع الصم «وما أنت ~~بهادي العمي عن ضلالتهم» سموا عميا اما لفقدهم المقصود الحقيقي من الابصار ~~أو لعمى قلوبهم وقرئ تهدي العمى «إن تسمع» أي ما تسمع «إلا من يؤمن ~~بآياتنا» فإن ايمانهم يدعوهم إلى التدبر فيها وتلقيها بالقبول أو الا من ~~يشارف الايمان بها ويقبل عليها اقبالا لائقا «فهم مسلمون» منقادون لما ~~تأمرهم به من الحق PageV07P065 # «الله الذي خلقكم من ضعف» مبتدأ وخبر أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس ~~امركم كقوله تعالى وخلق الانسان ضعيفا أي خلقكم من أصل ضعيف هو النطفة «ثم ~~جعل من بعد ضعف قوة» وذلك عند بلوغكم الحلم أو تعلق الروح بأبدانكم «ثم جعل ~~من بعد قوة ضعفا وشيبة» إذا اخذ منكم السن وقرئ بضم الضاد في الكل وهو أقوى ~~لقول ابن عمر رضي الله عنهما قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأقرأني من ضعف وهما لغتان كالفقر والفقر والتنكير مع التكرير لان المتقدم ~~غير المتأخر «يخلق ما ms2618 يشاء» من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الضعف ~~والقوة والشيبة «وهو العليم القدير» المبالغ في العلم والقدرة فإن الترديد ~~فيما ذكر من الأطوار المختلفة من أوضح دلائل العلم والقدرة «ويوم تقوم ~~الساعة» أي القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا أو ~~لأنها تقع بغتة وصارت علما لها كالنجم للثريا والكوكب للزهرة «يقسم ~~المجرمون ما لبثوا» أي في القبور أو في الدنيا والأول هو الأظهر لان لبثهم ~~مغيا بيوم البعث كما سيأتي وليس لبثهم في الدنيا كذلك وقيل فيما بين فناء ~~الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم وفي الحديث ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون ~~وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام وقيل لا يعلم أهي أربعون سنة أو أربعون ~~الف سنة «غير ساعة» استقلوا مدة لبثهم نسيانا أو كذبا أو تخمينا «كذلك ~~كانوا يؤفكون» مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق والصدق «وقال ~~الذين أوتوا العلم والإيمان» في الدنيا من الملائكة والانس «لقد لبثتم في ~~كتاب الله» في علمه أو قضائه أو ما كتبه وعينه أو في اللوح أو القرآن وهو ~~قوله تعالى ومن ورائهم برزخ «إلى يوم البعث» ردوا بذلك ما قالوه وأيدوه ~~باليمين كأنهم من فرط حيرتهم لم يدروا ان ذلك هو البعث الموعود الذي كانوا ~~ينكرونه وكانوا يسمعون انه يكون بعد فناء الخلق كافة ويقدرون لذلك زمانا ~~مديدا وان لم يعتقدوا تحققه فرد العالمون مقالتهم ونبهوهم على أنهم لبثوا ~~إلى غاية بعيدة كانوا يسمعونها وينكرونها وبكتوهم بالاخبار بوقوعها حيث ~~قالوا «فهذا يوم البعث» الذي كنتم توعدون في الدنيا «ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون» انه حق فتستعجلون به استهزاء والفاء جواب شرط محذوف كما في قول من ~~قال * قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسانا * ~~«فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم» أي عذرهم وقرئ تنفع بالتاء محافظة ~~على ظاهر اللفظ وان توسط PageV07P066 # بينهما فاصل «ولا هم يستعتبون» لا يدعون إلى ما يقتضى إعتابهم أي إزالة ~~عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا ms2619 اليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان ~~فأعتبته أي استرضاني فأرضيته «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل» ~~أي وبالله لقد بينا لهم كل حال ووصفنا لهم كل صفة كأنها في غرابتها مثل ~~وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن كصفة المبعوثين يوم القيامة وقصتهم وما ~~يقولون وما يقال لهم ويفعل بهم من رد اعتذارهم «ولئن جئتهم بآية» من آيات ~~القرآن الناطقة بأمثال ذلك «ليقولن الذين كفروا» لفرط عتوهم وعنادهم وقساوة ~~قلوبهم مخاطبين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين «إن أنتم إلا مبطلون» ~~أي مزورون «كذلك» مثل ذلك الطبع الفظيع «يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون» لا يطلبون العلم ولا يتحرون الحق بل يصرون على خرافات اعتقدوها ~~وترهات ابتدعوها فإن الجهل المركب يمنع ادراك الحق ويوجب تكذيب المحق ~~«فاصبر» على ما نشاهد منهم من الأقوال الباطلة والافعال السيئة «إن وعد ~~الله حق» وقد وعدك بالنصرة واظهار الدين واعلاء كلمة الحق ولا بد من انجازه ~~والوفاء به لا محالة «ولا يستخفنك» لا يحملنك على الخفة والقلق «الذين لا ~~يوقنون» بما تتلو عليهم من الآيات البينة بتكذيبهم إياها وايذائهم لك ~~بأباطيلهم التي من جملتها قولهم ان أنتم الا مبطلون فإنهم شاكون ضالون ولا ~~يستبعد منهم أمثال ذلك وقرئ بالنون المخففة وقرئ ولا يستحقنك من الاستحقاق ~~أي لا يفتننك فيملكوك ويكونوا أحق بك من المؤمنين وأيا ما كان فظاهر النظم ~~الكريم وان كان نهيا للكفرة عن استخفافه صلى الله عليه وسلم واستحقاقه لكنه ~~في الحقيقة نهى له صلى الله عليه وسلم عن التأثر من استخفافهم والافتتان ~~بفتنتهم على طريق الكناية كما في قوله تعالى ولا يجر منكم شنآن قوم على ان ~~لا تعدلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرا سورة الروم كان له من ~~الاجر عشر حسنات بعدد كل ملك يسبح الله تعالى بين السماء والأرض وأدرك ما ~~ضيع في يومه وليلته PageV07P067 # مكية وقيل الا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة فإن وجوبهما بالمدينة ~~وهو ضعيف لأنه ينافي شرعيتهما ms2620 بمكة وقيل الا ثلاثا من قوله ولو ان ما في ~~الأرض من شجرة أقلام وهي اربع وثلاثون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «ألم ~~تلك آيات الكتاب» سلف بيانه في نظائره «الحكيم» أي ذي الحكمة لاشتماله ~~عليها أو هو وصف له بنعته تعالى أو أصله الحكيم منزله أو قائله فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف اليه مقامه فانقلب مرفوعا فاستكن في الصفة المشبهة وقيل ~~الحكيم فعيل بمعنى مفعل كما قالوا أعقدت اللبن فهو عقيد أي معقد وهو قليل ~~وقيل بمعنى فاعل «هدى ورحمة» بالنصب على الحالية من الآيات والعامل فيهما ~~معنى الإشارة وقرئا بالرفع على انهما خبران آخران لاسم الإشارة أو لمبتدأ ~~محذوف «للمحسنين» أي العاملين للحسنات فإن أريد بها مشاهيرها المعهودة في ~~الدين فقوله تعالى «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون» بيان لما عملوها من الحسنات على طريقة قوله [الألمعى الذي يظن بك ~~الظن كأن قدر رأى وقد سمعا] وان أريد بها جميع الحسنات فهو تخصيص لهذه ~~الثلاث بالذكر من بين سائر شعبها لاظهار فضلها وانافتها على غيرها وتخصيص ~~الوجه الأول بصورة كون الموصول صفة للمحسنين والوجه الأخير بصورة كونه ~~مبتدأ مما لا وجه له «أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون» الفائزون ~~بكل مطلوب والناجون من كل مهروب لحيازتهم قطري العلم والعمل وقد مر ما فيه ~~من المقال في مطلع سورة البقرة بما لا مزيدة عليه «ومن الناس» محله الرفع ~~على الابتداء باعتبار مضمونه PageV07P068 # أو بتقدير الموصوف ومن في قوله تعالى «من يشتري لهو الحديث» موصولة أو ~~موصوفة محلها الرفع على الخبرية والمعنى وبعض الناس أو وبعض من الناس الذي ~~يشتري أو فريق يشتري على ان مناط الإفادة والمقصود بالأصالة هو اتصافهم بما ~~في حيز الصلة أو الصفة لا كونهم ذوات أولئك المذكورين كما مر في قوله تعالى ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر الآيات ولهو الحديث ما يلهي ~~عما يعني من المهمات كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتداد ~~بها والمضاحك وسائر ms2621 مالا خير فيه من فضول الكلام والإضافة بمعنى من ~~التبيينة ان أريد بالحديث المنكر وبمعنى التبعيضية ان أريد به الأعم من ذلك ~~وقيل نزلت الآية في النضر بن الحرث اشترى كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشا ~~ويقول ان كان محمد صلى الله عليه وسلم يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم ~~بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة وقيل كان يشتري القيان ويحملهن على معاشرة ~~من أراد الاسلام ومنعه عنه «ليضل عن سبيل الله» أي دينه الحق الموصل اليه ~~تعالى أو عن قراءة كتابه الهادي اليه تعالى وقرئ ليضل بفتح الياء أي ليثبت ~~ويستمر على ضلاله أو ليزداد فيه «بغير علم» أي بحال ما يشتريه أو بالتجارة ~~حيث استبدل الشر البحت بالخير المحض «ويتخذها» بالنصب عطفا على يضل والضمير ~~للسبيل فإنه مما يذكر ويؤنث وهو دين الاسلام أو القرآن أي ويتخذها «هزوا» ~~مهزوا به وقرئ ويتخذها بالرفع عطفا على يشتري وقوله تعالى «أولئك» إشارة ~~إلى من والجمع باعتبار معناها كما ان الافراد في الفعلين باعتبار لفظها وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بذكر المشار اليه للايذان ببعد منزلتهم في ~~الشرارة أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الاشتراء للإضلال «لهم عذاب مهين» ~~لما اتصفوا به من اهانتهم الحق بإيثار الباطل عليه وترغيب الناس فيه «وإذا ~~تتلى عليه» أي على المشتري افراد الضمير فيه وفيما بعده كالضمائر الثلاثة ~~الأول باعتبار لفظة من بعد ما جمع فيما بينهما باعتبار معناها «آياتنا» ~~التي هي آيات الكتاب الحكيم وهدى ورحمة للمحسنين «ولي» اعرض عنها غير معتد ~~بها «مستكبرا» مبالغا في التكبر «كأن لم يسمعها» حال من ضمير ولى أو من ~~ضمير مستكبرا والأصل كأنه فحذف ضمير الشأن وخففت المثقلة أي مشبها حاله حال ~~من لم يسمعها وهو سامع وفيه رمز إلى ان من سمعها لا يتصور منه التولية ~~والاستكبار لما فيها من الأمور الموجبة للاقبال عليها والخضوع لها على ~~طريقة قول من قال كأنك لم تجزع على ابن طريف «كأن في أذنيه وقرا» حال من ~~ضمير لم ms2622 يسمعها أي مشبها حاله حال من في اذنيه ثقل مانع من السماع ويجوز ان ~~يكونا استئنافين وقرئ في اذنيه بسكون الذال «فبشره بعذاب أليم» أي فأعلمه ~~بأن العذاب المفرط في الايلام لاحق به لا محالة وذكر البشارة للتهكم «إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بيان لحال المؤمنين بآياته تعالى اثر بيان ~~حال الكافرين بها أي الذين آمنوا بآياته تعالى وعملوا بموجبها «لهم» ~~بمقابلة ما ذكر من ايمانهم واعمالهم «جنات النعيم» أي PageV07P069 # نعيم جنات فعكس للمبالغة والجملة خبر ان والأحسن ان يجعل لهم هو الخبر ~~لان وجنات النعيم مرتفعا به على الفاعلية وقوله تعالى «خالدين فيها» حال من ~~الضمير في لهم أو من جنات النعيم لاشتماله على ضميريهما والعامل ما تعلق به ~~اللام «وعد الله حقا» مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لان قوله ~~تعالى لهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله جنات النعيم فأكد معنى الوعد ~~بالوعد واما حقا فدال على معنى الثبات اكد به معنى الوعد ومؤكدهما جميعا ~~لهم جنات النعيم «وهو العزيز» الذي لا يغلبه شيء ليمنعه من انجاز وعده أو ~~تحقيق وعيده «الحكيم» الذي لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة «خلق ~~السماوات بغير عمد» الخ استئناف مسوق للاستشهاد بما فصل فيه على عزته تعالى ~~التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم وتمهيد قاعدة التوحيد ~~وتقريره وابطال امر الاشراك وتبكيت أهله والعمد جمع عماد كأهب جمع اهاب وهو ~~ما يعمد به أي يسند يقال عمدت الحائط إذا دعمته أي بغير دعائم على ان الجمع ~~لتعدد السماوات وقوله تعالى «ترونها» استئناف جيء به للاستشهاد على ما ذكر ~~من خلقه تعالى لها غير معهودة بمشاهدتهم لها كذلك أو صفة لعمد أي خلقها ~~بغير عمد مرئية على ان التقييد للرمز إلى انه تعالى عمدها بعمد لا ترونها ~~هي عمد القدرة «وألقى في الأرض رواسي» بيان لصنعه البديع في قرار الأرض اثر ~~بيان صنعه الحكيم في قرار السماوات أي القى فيها جبالا ثوابت وقد مر ما فيه ~~من الكلام في ms2623 سورة الرعد «أن تميد بكم» كراهة ان تميل بكم فإن بساطة ~~اجزائها تقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء ~~من لوازمه بحيز معين ووضع مخصوص «وبث فيها من كل دابة» من كل نوع من ~~أنواعها «وأنزلنا من السماء ماء» هو المطر «فأنبتنا فيها» بسبب ذلك الماء ~~«من كل زوج كريم» من كل صنف كثير المنافع والالتفات إلى نون العظمة في ~~الفعلين لابراز مزيد الاعتناء بأمرها «هذا» أي ما ذكر من السماوات والأرض ~~وما تعلق بهما من الأمور المعدودة «خلق الله» أي مخلوقه «فأروني ماذا خلق ~~الذين من دونه» مما اتخذ تموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى استحقوا به ~~المعبودية وماذا نصب بخلق أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا بصلته وأروني ~~متعلق به وقوله تعالى «بل الظالمون في ضلال مبين» اضراب عن تبكيتهم بما ذكر ~~إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للاعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات ~~المعقولة الحقة لاستحالة ان يفهموا منها شيئا فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ~~ما هم عليه أو يتأثروا من الالزام والتبكيت فينزجروا عنه ووضع الظاهر موضع ~~ضميرهم للدلالة على انهم بإشراكهم PageV07P070 # واضعون للشيء في غير موضعه ومتعدون عن الحدود وظالمون لأنفسهم بتعريضها ~~للعذاب الخالد «ولقد آتينا لقمان الحكمة» كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان ~~الشرك وهو لقمان بن باعوارء من أولاد آزر ابن أخت أيوب عليه السلام أو ~~خالته وعاش حتى أدرك داود عليه السلام واخذ عنه العلم وكان يفتي قبل مبعثه ~~وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل والجمهور على انه كان حكيما ولم يكن نبيا ~~والحكمة في عرف العلماء استكمال النفس الانسانية باقتباس العلوم النظرية ~~واكتساب الملكة التامة على الافعال الفاضلة على قدر طاقتها ومن حكمته انه ~~صحب داود عليه السلام شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها ~~لبسها وقال نعم لبوس الحرب أنت فقال الصمت حكمة وقليل فاعله فقال له داود ~~عليه السلام بحق ما سميت حكيما وان داود عليه السلام قال له يوما كيف أصبحت ~~فقال أصبحت في ms2624 يدي غيري فتفكر داود فيه فصعق صعقة وأنه أمره مولاه بأن يذبح ~~شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمره بأن ~~يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضا فسأله عن ذلك فقال هما أطيب شئ إذا ~~طابا وأخبث شيء إذا خبثا ومعنى «أن اشكر لله» أي اشكر له تعالى على أن أن ~~مفسره فإن إيتاء الحكمة في معنى القول وقوله تعالى «ومن يشكر» الخ استئناف ~~مقرر لمضمون ما قبله موجب للامتثال بالامر أي ومن يشكر له تعالى «فإنما ~~يشكر لنفسه» لان منفعته التي هي ارتباط العتيد واستجلاب المزيد مقصورة ~~عليها «ومن كفر فإن الله غني» عن كل شيء فلا يحتاج إلى الشكر ليتضرر بكفر ~~من كفر «حميد» حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد أو محمود بالفعل ينطق بحمده ~~جميع المخلوقات بلسان الحال وعدم التعرض لكونه تعالى مشكورا لما أن الحمد ~~متضمن للشكر بل هو رأسه كما قال صلى الله عليه وسلم الحمد رأس الشكر لم ~~يشكر الله عبد لم يحمده فإثباته له تعالى إثبات للشكر له قطعا «وإذ قال ~~لقمان لابنه» أنعم وقيل أشكم وقيل ماثان «وهو يعظه يا بني» تصغير إشفاق ~~وقرئ يا بنى بإسكان الياء وبكسرها «لا تشرك بالله» قيل كان ابنه كافرا فلم ~~يزل به حتى اسلم ومن وقف على لا تشرك جعل بالله قسما «إن الشرك لظلم عظيم» ~~تعليل للنهي أو للانتهاء عن الشرك «ووصينا الإنسان بوالديه» الخ كلام ~~مستأنف اعترض به على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدا لما فيها من ~~النهى عن الشرك وقوله تعالى «حملته أمه» إلى قوله في عامين اعتراض بين ~~المفسر والمفسر وقوله تعالى «وهنا» حال من أمه أي ذات وهن أو مصدر مؤكد ~~لفعل هو الحال أي تهن وهنا PageV07P071 # وقوله تعالى «على وهن» صفة للمصدر أي كائنا على وهن أي تضعف ضعفا فوق ضعف ~~فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها وقرئ وهنا على وهن بالتحريك يقال وهن يهن وهنا ~~ووهن يوهن وهنا «وفصاله في عامين» أي ms2625 فطامة في تمام عامين وهي مدة الرضاع ~~عند الشافعي وعند أبي حنيفة رحمهما الله تعالى هي ثلاثون شهرا وقد بين وجهه ~~في موضعه وقرئ وفصله «أن اشكر لي ولوالديك» تفسير لوصينا وما بينهما اعتراض ~~مؤكد للوصية في حقها خاصة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمن قال له من أبر ~~أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك ثم أباك «إلي المصير» تعليل لوجوب ~~الامتثال أي إلى الرجوع لا إلى غيري فأجازيك على ما صدر عنك من الشكر ~~والكفر «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به» أي بشركته له تعالى في ~~استحقاق العبادة «علم فلا تطعهما» في ذلك «وصاحبهما في الدنيا معروفا» أي ~~صحابا معروفا يرتضيه الشرع وتقتضيه المروءة «واتبع سبيل من أناب إلي» ~~بالتوحيد والاخلاص في الطاعة «ثم إلي مرجعكم» أي مرجعك ومرجعهما ومرجع من ~~أناب إلى «فأنبئكم» عند رجوعكم «بما كنتم تعملون» بأن أجازى كلا منكم بما ~~صدر عنه من الخير والشر وقوله تعالى «يا بني» الخ شروع في حكاية بقية وصايا ~~لقمان إثر تقرير ما في مطلعها من النهي عن الشرك وتأكيده بالاعتراض «إنها ~~إن تك مثقال حبة من خردل» أي إن الخصلة من الإساءة أو الاحسان إن تك مثلا ~~في الصغر كحبة الخردل وقرئ برفع مثقال على أن الضمير للقصة وكان تامة ~~والتأنيث لإضافة المثقال إلى الحبة كما في قول من قال كما شرقت صدر القناة ~~من الدم أو لان المراد به الحسنة أو السيئة «فتكن في صخرة أو في السماوات ~~أو في الأرض» أي فتكن مع كونها في أقصى غايات الصغر والقماءة في أخفى مكان ~~وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي «يأت بها الله» ~~أي يحضرها ويحاسب عليها «إن الله لطيف» يصل علمه إلى كل خفى «خبير» بكنهه ~~وبعد ما أمره بالتوحيد الذي هو أول ما يجب على الانسان في ضمن النهي عن ~~الشرك ونبهه على كمال علم الله تعالى وقدرته أمره بالصلاة التي هي أكمل ms2626 ~~العبادات تكميلا له من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد فقال مستميلا ~~له «يا بني أقم الصلاة» تكميلا لنفسك «وأمر بالمعروف وانه عن المنكر» ~~تكميلا لغيرك «واصبر على ما أصابك» من الشدائد والمحن لا سيما فيما أمرت به ~~«إن ذلك» إشارة إلى PageV07P072 # كل ما ذكر وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار اليه لما مر مرارا ~~من الاشعار ببعد منزلته في الفضل «من عزم الأمور» أي مما عزمه الله تعالى ~~وقطعه على عباده من الأمور لمزيد مزيتها مصدر اطلق على المفعول وقد جوز ان ~~يكون بمعنى الفاعل من قوله تعالى فإذا عزم الامر أي جد والجملة تعليل لوجوب ~~الامتثال بما سبق من الامر والنهي وايذان بأن ما بعدها ليس بمثابته «ولا ~~تصعر خدك للناس» أي لا تمله ولا تولهم صفحة وجهك كما هو ديدن المتكبرين من ~~الصعر وهو الصيد وهو داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه وقرئ ولا تصاعر وقرئ ~~ولا تصعر من الإفعال والكل بمعنى مثل وعلاه وعالاه «ولا تمش في الأرض مرحا» ~~أي فرحا مصدر وقع موقع الحال أو مصدر مؤكد لفعل هو الحال أي تمرح مرحا أو ~~لأجل المرح والبطر «إن الله لا يحب كل مختال فخور» تعليل للنهي أو موجبة ~~وتأخير الفخور مع كونه بمقابلة المصعر خده عن المختال وهو بمقابلة الماشي ~~مرحا لرعاية الفواصل «واقصد في مشيك» بعد الاجتناب عن المرح فيه أي توسط ~~بين الدبيب والاسراع وعنه صلى الله عليه وسلم سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن ~~وقول عائشة في عمر رضي الله عنهما كان إذا مشي اسرع فالمراد به ما فوق دبيب ~~المتماوت وقرئ بقطع الهمزة من اقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية «واغضض ~~من صوتك» وانقص منه واقصر «إن أنكر الأصوات» أي اوحشها «لصوت الحمير» تعليل ~~للامر على أبلغ وجه وآكده مبني على تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير وتمثيل ~~أصواتهم بالهاق وافراط في التحذير عن رفع الصوت والتنفير عنه وافراد الصوت ~~مع اضافته إلى الجمع لما ان المراد ليس بيان ms2627 حال صوت كل واحد من آحاد هذا ~~الجنس حتى يجمع بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس وقوله ~~تعالى «ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض» رجوع إلى ~~سنن ما سلف قبل قصة لقمان من خطاب المشركين وتوبيخ لهم على اصرارهم على ما ~~هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد والمراد بالتسخير اما جعل المسخر بحيث ~~ينفع المسخر له أعم من ان يكون منقادا له يتصرف فيه كيف يشاء ويستعمله ~~حسبما يريد كعامة ما في الأرض من الأشياء المسخرة للانسان المستعملة له من ~~الجماد والحيوان أو لا يكون كذلك بل يكون سببا لحصول مراده من غير ان يكون ~~له دخل في استعماله كجميع ما في السماوات من الأشياء التي نيطت بها مصالح ~~العباد معاشا ومعادا وما جعله منقادا للامر مذللا على ان معنى لكم ~~PageV07P073 # لأجلكم فإن جميع ما في السماوات والأرض من الكائنات مسخر لله تعالى ~~مستتبعة لمنافع الخلق وما يستعمله الانسان حسبما يشاء وان كان مسخرا له ~~بحسب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله تعالى «وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة» محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة وقد مر شرح النعمة وتفصيلها ~~في الفاتحة وقرئ أصيغ بالصاد وهو جار في كل سين قارنت الغين أو الخاء أو ~~القاف كما تقول في سلخ صلخ وفي سقر صقر وفي سالغ صالغ وقرئ نعمة «ومن الناس ~~من يجادل في الله» في توحيده وصفاته «بغير علم» مستفادة من دليل «ولا هدى» ~~من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم «ولا كتاب منير» أنزله الله سبحانه بل ~~بمجرد التقليد «وإذا قيل لهم» أي لمن يجادل والجمع باعتبار المعنى «اتبعوا ~~ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» يريدون به عبادة الأصنام ~~«أولو كان الشيطان يدعوهم» أي آباءهم لا أنفسهم كما قيل فإن مدار انكار ~~الاتباع واستبعاده كون المتبوعين تابعين للشيطان لا كون أنفسهم كذلك أي ~~أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من الشرك «إلى ms2628 عذاب السعير» ~~فهم متوجهون اليه حسب دعوته والجملة في حيز النصب على الحالية وقد مر ~~تحقيقه في قوله تعالى أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون من سورة ~~البقرة بما لا مزيد عليه «ومن يسلم وجهه إلى الله» بأن فوض اليه مجامع ~~أموره واقبل عليه بكليته وحيث عدى باللام قصد معنى الاختصاص وقرئ بالتشديد ~~«وهو محسن» أي في اعماله آت بها جامعة بين الحسن الذاتي والوصفي وقد مر في ~~آخر سورة النحل «فقد استمسك بالعروة الوثقى» أي تعلق بأوثق ما يتعلق به من ~~الأسباب وهو تمثيل لحال المتوكل المشتغل بالطاعة بحال من أراد ان يترقى إلى ~~شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه «وإلى الله» لا إلى أحد غيره ~~«عاقبة الأمور» فيجازيه أحسن الجزاء «ومن كفر فلا يحزنك كفره» فإنه لا يضرك ~~في الدنيا ولا في الآخرة وقرئ فلا يحزنك من أحزن المنقول من حزن بكسر الزاي ~~وليس بمستفيض «إلينا مرجعهم» لا إلى غيرنا «فننبئهم بما عملوا» في الدنيا ~~من الكفر والمعاصي بالعذاب والعقاب والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى ~~من كما ان الافراد في الأول باعتبار لفظها «إن الله عليم بذات الصدور» ~~تعليل للتنبئة المعبر بها عن التعذيب «نمتعهم قليلا» تمتيعا أو زمانا قليلا ~~فإن ما يزول وان كان بعد أمد PageV07P074 # طويل بالنسبة إلى ما يدوم قليل «ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ» يثقل عليهم ثقل ~~الاجرام الغلاظ أو يضم إلى الاحراق الضغط والتضييق «ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله» لغاية وضوح الامر بحيث اضطروا إلى الاعتراف ~~به «قل الحمد لله» على ان جعل دلائل التوحيد بحيث لا يكاد ينكرها المكابرون ~~أيضا «بل أكثرهم لا يعلمون» شيئا من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى ~~اعترافهم وقيل لا يعلمون ان ذلك يلزمهم «لله ما في السماوات والأرض» فلا ~~يستحق العبادة فيهما غيره «إن الله هو الغني» عن العالمين «الحميد» المستحق ~~للحمد وان لم يحمده أحد أو المحمود بالفعل يحمده كل مخلوق بلسان الحال «ولو ~~أنما في الأرض ms2629 من شجرة أقلام» أي لوان الأشجار أقلام وتوحيد الشجرة لما ان ~~المراد تفصيل الآحاد «والبحر يمده من بعده» أي من بعد نفاده «سبعة أبحر» أي ~~والحال ان البحر المحيط بسعته يمده الا بحر السبعة مدا لا ينقطع ابدا وكتبت ~~بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله «ما نفدت كلمات الله» ونفدت تلك ~~الأقلام والمداد كما في قوله تعالى لنفد البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي وقرئ ~~يمده من الامداد بالياء والتاء واسناد المد إلى الأبحر السبعة دون البحر ~~المحيط مع كونه أعظم منها وأطم لأنها هي المجاورة للجبال ومنابع المياه ~~الجارية واليها تنصب الأنهار العظام أولا ومنها ينصب إلى البحر المحيط ~~ثانيا وايثار جمع القلة في الكلمات للايذان بأن ما ذكر لا يفي بالقليل منها ~~فكيف بالكثير «أن الله عزيز» لا يعجزه شيء «حكيم» لا يخرج عن علمه وحكمته ~~امر فلا تنفد كلماته المؤسسة عليهما «ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة» ~~أي الا كخلقها وبعثها في سهولة التأتي إذ لا يشغله شأن عن شأن لان مناط ~~وجود الكل تعلق ارادته الواجبة مع قدرته الذاتية حسبما يفصح عنه قوله تعالى ~~انما أمرنا لشيء إذا أردناه ان نقول له كن فيكون «إن الله سميع» يسمع كل ~~مسموع «بصير» يبصر كل مبصر لا يشغله علم بعضها عن علم بعض فكذلك الخلق ~~والبعث «ألم تر» قيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل عام لكل ~~أحد ممن يصلح للخطاب وهو الا وفق لما سبق وما لحق أي ألم تعلم علما ~~PageV07P075 # قويا جاريا مجري الرؤية «أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل» أي يدخل كل واحد منهما في الآخر ويضيفه اليه فيتفاوت بذلك حاله ~~زيادة ونقصانا «وسخر الشمس والقمر» عطف على يولج والاختلاف بينهما صيغة لما ~~ان ايلاج أحد الملوين في الآخر متجدد في كل حين واما تسخير النيرين فأمر لا ~~تعدد فيه ولا تجدد وانما التعدد والتجدد في آثاره وقد أشير إلى ذلك حيث قيل ~~«كل يجري» أي بحسب حركته ms2630 الخاصة وحركته القسرية على المدارات اليومية ~~المتخالفة المتعددة حسب تعدد الأيام جريا مستمرا «إلى أجل مسمى» قدره الله ~~تعالى لجريهما وهو يوم القيامة كما روي عن الحسن رحمة الله فإنه لا ينقطع ~~جريهما الا حينئذ والجملة على تقدير عموم الخطاب اعتراض بين المعطوفين ~~لبيان الواقع بطريق الاستطراد وعلى تقدير اختصاصه به صلى الله عليه وسلم ~~يجوز ان يكون حالا من الشمس والقمر فإن جريانهما إلى يوم القيامة من جملة ~~ما في حيز رؤيته صلى الله عليه وسلم هذا وقد جعل جريانهما عبارة عن حركتهما ~~الخاصة بهما في فلكهما والأجل المسمى عن منتهى دورتهما وجعل مدة الجريان ~~للشمس سنة وللقمر شهرا فالجملة حينئذ بيان لحكم تسخيرهما وتنبيه على كيفية ~~ايلاج أحد الملوين في الآخر وكون ذلك بحسب اختلاف جريان الشمس على مداراتها ~~اليومية فكلما كان جريانها متوجها إلى سمت الرأس تزداد القوس التي هي فوق ~~الأرض كبرا فيزداد النهار طولا بانضمام بعض اجزاء الليل اليه إلى ان يبلغ ~~المدار الذي هو أقرب المدارات إلى سمت الرأس وذلك عند بلوغها إلى راس ~~السرطان ثم ترجع متوجهة إلى التباعد عن سمت الرأس فلا تزال القسي التي هي ~~فوق الأرض تزداد صغرا فيزداد النهار قصرا بانضمام بعض اجزائه إلى الليل إلى ~~ان يبلغ المدار الذي هو ابعد المدارات اليومية عن سمت الرأس وذلك عند ~~بلوغها برج الجدي وقوله تعالى «وأن الله بما تعملون خبير» عطف على ان الله ~~يولج الخ داخل معه في حيز الرؤية على تقديري خصوص الخطاب وعمومه فإن من ~~شاهد مثل ذلك الصنع الرائق والتدبير الفائق لا يكاد يغفل عن كون صانعه عز ~~وجل محيطا بجلائل اعماله ودقائقها «ذلك» إشارة إلى ما تلى من الآيات ~~الكريمة وما فيه من معنى البعد للايذان ببعد منزلتها في الفضل وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى «بأن الله هو الحق» أي بسبب بيان انه تعالى هو الحق إلهيته ~~فقط ولاجله لكونها ناطقة بحقية التوحيد «وأن ما يدعون من دونه الباطل» أي ~~ولا جل بيان بطلان الهية ms2631 ما يدعونه من دونه تعالى لكونها شاهدة بذلك شهادة ~~بينة لا ريب فيها وقرئ بالتاء والتصريح بذلك مع ان الدلالة على اختصاص حقية ~~الإلهية به تعالى مستتبعة للدلالة على بطلان الهية ما عداه لابراز كمال ~~الاعتناء بأمر التوحيد وللإيذان بأن الدلالة على بطلان ما ذكر ليست بطريق ~~الاستتباع فقط بل بطريق الاستقلال أيضا «وأن الله هو العلي الكبير» أي ~~وبيان انه تعالى هو المترفع عن كل شيء المتسلط عليه فإن ما في تضاعيف ~~الآيات الكريمة مبين لاختصاص العلو والكبرياء به تعالى أي بيان هذا وقيل ~~ذلك أي ما ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري ~~تعالى به بسبب انه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته أو الثابت إلهيته ~~وأنت PageV07P076 # خبير بأن حقيته تعالى وعلوه وكبرياءه وان كانت صالحة لمناطية ما ذكر من ~~الاحكام المعدودة لكن بطلان الهية الأصنام لا دخل له في المناطية قطعا فلا ~~مساغ لنظمه في سلك الأسباب بل هو تعكيس للامر ضرورة ان الاحكام المذكورة هي ~~المقتضية لبطلانها لا ان بطلانها يقتضيها «ألم تر أن الفلك تجري في البحر ~~بنعمة الله» بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر قدرته وغاية ~~حكمته وشمول انعامه والباء اما متعلقة بتجري أو بمقدر هو حال من فاعله أي ~~ملتبسة بنعمته تعالى وقرئ الفلك بضم اللام وبنعمات الله وعين فعلات يجوز ~~فيه الكسر والفتح والسكون «ليريكم من آياته» أي بعض دلائل وحدته وعلمه ~~وقدرته وقوله تعالى «إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» تعليل لما قبله أي ان ~~فيما ذكر لآيات عظيمة في ذاتها كثيرة في عددها لكل من يبالغ في الصبر على ~~المشاق فيتعب نفسه في التفكر في الأنفس والآفاق ويبالغ في الشكر على نعمائه ~~وهما صفتا المؤمن فكأنه قيل لكل مؤمن «وإذا غشيهم» أي علاهم وأحاط بهم «موج ~~كالظلل» كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما وقرئ كالظلال جمع ظلة كقلة وقلال ~~«دعوا الله مخلصين له الدين» لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى ms2632 والتقليد بما ~~دهاهم من الدواهي والشدائد «فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد» أي مقيم على ~~القصد السوى الذي هو التوحيد أو متوسط في الكفر لانزجاره في الجملة «وما ~~يجحد بآياتنا إلا كل ختار» غدار فإنه نقض للعهد الفطري أو رفض لما كان في ~~البحر والختر أشد الغدر وأقبحه «كفور» مبالغ في كفران نعم الله تعالى «يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده» أي لا يقضى عنه ~~وقرئ لا يجزي من أجزأ إذا اغنى والعائد إلى الموصوف محذوف أي لا يجزي فيه ~~«ولا مولود» عطف على والد أو هو مبتدأ خبره «هو جاز عن والده شيئا» وتغيير ~~النظم للدلالة على ان المولود أولى بأن لا يجزي وقطع من توقع من المؤمنين ~~ان ينفع أباه الكافر في الآخرة «إن وعد الله» بالثواب والعقاب «حق» لا يمكن ~~إخلافه أصلا «فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور» أي ~~الشيطان المبالغ في الغرور بأن يحملكم على المعاصي PageV07P077 # بتزيينها لكم ويرجيكم التوبة والمغفرة «إن الله عنده علم الساعة» علم وقت ~~قيامها لما روى ان الحرث بن عمرو اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~متى الساعة واني قد ألقيت حباتي في الأرض فمتى السماء تمطر وحمل امرأتي ذكر ~~أم أنثى وما اعمل غدا وأين أموت فنزلت وعنه صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب ~~خمس وتلا هذه الآية «وينزل الغيث» في ابانه الذي قدره والى محله الذي عينه ~~في علمه وقرئ ينزل من الانزال «ويعلم ما في الأرحام» من ذكر أو أنثى تام أو ~~ناقص «وما تدري نفس» من النفوس «ماذا تكسب غدا» من خير أو شر وربما تعزم ~~على شيء منهما فتفعل خلافه «وما تدري نفس بأي أرض تموت» كما لا تدري في أي ~~وقت تموت روى ان ملك الموت مر على سليمان عليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل ~~من جلسائه يديم النظر اليه فقال الرجل من هذا قال ملك الموت فقال كأنه ~~يريدني فمر الريح ان تحملني وتلقيني ms2633 ببلاد الهند ففعل ثم قال الملك لسليمان ~~عليهما السلام كان دوام نظري اليه تعجبا منه حيث كنت أمرت بأن أقبض روحه ~~بالهند وهو عندك ونسبة العلم إلى الله تعالى والدراية إلى العبد للايذان ~~بأنه ان اعمل حيله وبذل في التعرف وسعه لم يعرف ما هو لاحق به من كسبه ~~وعاقبته فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه وقرئ بأية ارض وشبه سيبويه ~~تأنيثها بتأنيث كل في كلتهن «إن الله عليم» مبالغ في العلم فلا يعزب عن ~~علمه شيء من الأشياء التي من جملتها ما ذكر «خبير» يعلم بواطنها كما يعلم ~~ظواهرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرا سورة لقمان كان له لقمان ~~رفيقا يوم القيامة وأعطى من الحسنات عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن ~~المنكر PageV07P078 # مكية وهي ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون «بسم الله الرحمن الرحيم» «ألم» اما ~~اسم للسورة فمحله الرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا مسمى ب ألم ~~والإشارة إليها قبل جريان ذكرها قد عرفت سرها واما مسرود على نمط التعديد ~~فلا محل له من الاعراب وقوله تعالى «تنزيل الكتاب» على الأول خبر بعد خبر ~~على انه مصدر اطلق على المفعول مبالغة وعلى الثاني خبر لمبتدأ محذوف أي ~~المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل الكتاب وقيل خبرا ألم أي المسمى به تنزيل ~~الكتاب وقد مر مرارا ان ما يجعل عنوانا للموضوع حقه ان يكون قبل ذلك معلوم ~~الانتساب اليه وإذ لا عهد بالتسمية قبل فحقها الاخبار بها وقوله تعالى «لا ~~ريب فيه» خبر ثالث على الوجه الأول وثان على الأخيرين وقيل خبر لتنزيل ~~الكتاب فقوله تعالى «من رب العالمين» متعلق بمضمر هو حال من الضمير المجرور ~~أي كائنا منه تعالى لا بتنزيل لان المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر والأوجه ~~حينئذ انه الخبر ولا ريب فيه حال من الكتاب أو اعتراض والضمير في فيه راجع ~~إلى مضمون الجملة كأنه قيل لا ريب في ذلك أي في كونه منزلا من رب العالمين ms2634 ~~ويؤيده قوله تعالى «أم يقولون افتراه» فإن قولهم هذا انكار منهم لكونه من ~~رب العالمين فلا بد ان يكون مورده حكما مقصود الإفادة لا قيدا للحكم بنفي ~~الريب عنه وقد رد عليهم ذلك وأبطل حيث جئ بأم المنقطعة انكارا له وتعجيبا ~~منه لغاية ظهور بطلانه واستحالة كونه مفترى ثم اضرب عنه إلى بيان حقية ما ~~أنكروه حيث قيل «بل هو الحق من ربك» بإضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله ~~عليه وسلم بعد اضافته فيما سبق إلى العالمين تشريفا له صلى الله عليه وسلم ~~ثم أيد ذلك ببيان غايته حيث قيل «لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يهتدون» فإن بيان غاية الشيء وحكمته لا سيما عند كونها غاية حميدة ~~مستتبعة لمنافع جليلة في وقت شدة الحاجة إليها مما يقرر وجود الشيء ويؤكده ~~لا محالة ولقد كانت قريش أضل الناس وأحوجهم إلى الهداية بإرسال الرسول ~~وتنزيل الكتاب حيث لم يبعث إليهم PageV07P079 # من رسول قبله صلى الله عليه وسلم أي ما اتاهم من نذير من قبل انذارك أو ~~من قبل زمانك والترجي معتبر من جهته صلى الله عليه وسلم أي لتنذرهم راجيا ~~لاهتدائهم أو لرجاء اهتدائهم واعلم ان ما ذكر من التأييد انما يتسنى على ما ~~ذكر من كون تنزيل الكتاب مبتدأ واما على سائر الوجوه فلا تأييد أصلا لان ~~قوله تعالى من رب العالمين خبر رابع على الوجه الأول وخبر ثالث على الوجهين ~~الأخيرين وأيا ما كان فكونه من رب العالمين حكم مقصود الإفادة لا قيد لحكم ~~آخر فتدبر «الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش» مر بيانه فيما سلف «ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع» أي ما لكم ~~إذا جاوزتم رضاه تعالى أحد ينصركم ويشفع لكم ويجيركم من بأسه أي ما لكم ~~سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن النصر على ان ~~الشفيع عبارة عن الناصر مجازا فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ms2635 ولا نصير «أفلا ~~تتذكرون» أي الا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا ~~تتذكرون بها فالانكار على الأول متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معا وعلى ~~الثاني على عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع «يدبر الأمر من السماء ~~إلى الأرض» قيل يدبر امر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة ~~آثارها واحكامها إلى الأرض «ثم يعرج إليه» أي يثبت في علمه موجودا بالفعل ~~«في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون» أي في برهة من الزمان متطاولة ~~والمراد بيان طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان وقيل يدبر ~~امر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فينزل بها الملائكة ثم تعرج ~~اليه في زمان هو كألف سنة مما تعدون فإن ما بين السماء والأرض مسيرة ~~خمسمائة عام وقيل يقضى قضاء الف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الألف لألف ~~آخر وقيل يدبر امر الدنيا جميعا إلى قيام الساعة ثم يعرج اليه الامر كله ~~عند قيامها وقيل يدبر المأمور به من الطاعات منزلا من السماء إلى الأرض ~~بالوحي ثم لا يعرج اليه خالصا الا في مدة متطاولة المخلصين والاعمال الخلص ~~وأنت خبير بأن قلة الاعمال الخالصة لا تقتضي بطء عروجها إلى السماء بل قلته ~~وقرئ يعدون بالياء «ذلك» إشارة إلى الله عز وجل باعتبار اتصافه بما ذكر من ~~خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش وانحصار الولاية والنصرة فيه ~~وتدبير امر الكائنات على ما ذكر من الوجه البديع وهو مبتدأ خبره ما بعده أي ~~ذلك العظيم الشأن «عالم الغيب والشهادة» فيدبر أمرهما حسبما تقتضيه الحكمة ~~«العزيز» الغالب على امره PageV07P080 # «الرحيم» على عباده وهما خبران آخران وفيه ايماء إلى انه تعالى متفضل في ~~جميع ما ذكر فاعل بالاحسان «الذي أحسن كل شيء خلقه» خبر آخر أو نصب على ~~المدح أي حسن كل مخلوق خلقه إذ ما من مخلوق خلقه الا وهو مرتب على ما ~~تقتضيه الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وان تفاوتت إلى حسن ~~وأحسن كما ms2636 قال تعالى لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم وقيل علم كيف يخلقه ~~من قوله قيمة المرء ما يحسن أي يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق ~~وايقان وقرئ خلقه على انه بدل اشتمال من كل شيء والضمير للمبدل منه أي حسن ~~خلق كل شيء وقيل بدل الكل على ان الضمير لله تعالى والخلق بمعنى المخلوق أي ~~حسن كل مخلوقاته وقيل هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى اعطى أي اعطى كل ~~شيء خلقه اللائق به بطريق الاحسان والتفضل وقيل هو مفعوله الأول وكل شيء ~~مفعوله الثاني والخلق بمعنى المخلوق وضميره لله سبحانه على تضمين الاحسان ~~معنى الالهام والتعريف والمعنى الهم خلقه كل شيء مما يحتاجون اليه وقال أبو ~~البقاء عرف مخلوقاته كل شيء يحتاجون اليه فيؤول إلى معنى قوله تعالى «الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» وبدا خلق الانسان من بين جميع المخلوقات «من طين» ~~على وجه بديع تحار العقول في فهمه حيث برا آدم عليه السلام على فطرة عجيبة ~~منطوية على فطرة سائر افراد الجنس انطواء اجماليا مستتبعا لخروج كل فرد ~~منها من القوة إلى الفعل بحسب استعداداتها المتفاوتة قربا وبعدا كما ينبئ ~~عنه قوله تعالى «ثم جعل نسله» الخ أي ذريته سميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل ~~منه «من سلالة من ماء مهين» هو المني الممتهن «ثم سواه» أي عدله بتكميل ~~أعضائه في الرحم وتصويرها على ما ينبغي «ونفخ فيه من روحه» اضافه اليه ~~تعالى تشريفا له وايذانا بأنه خلق عجيب وصنع بديع وان له شأنا له مناسبة ~~إلى حضرة الربوبية وان أقصى ما تنتهي اليه العقول البشرية من معرفته هذا ~~القدر الذي يعبر عنه تارة بالإضافة اليه تعالى وأخرى بالنسبة إلى امره ~~تعالى كما في قوله تعالى قل الروح من امر ربي «وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة» الجعل ابداعي واللام متعلقة به والتقديم على المفعول الصريح لما ~~مر مرات من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طول يخل ~~تقديمه بجزالة النظم الكريم أي ms2637 خلق لمنفعتكم تلك المشاعر لتعرفوا انها مع ~~كونها في أنفسها نعما جليلة لا يقادر قدرها وسائل إلى التمتع بسائر النعم ~~الدينية والدنيوية الفائضة عليكم وتشكروها بأن تصرفوا كلا منها إلى ما خلق ~~هو له فتدركوا بسمعكم الآيات التنزيلية الناطقة بالتوحيد والبعث وبأبصاركم ~~الآيات التكوينية الشاهدة بهما وتستدلوا بأفئدتكم على حقيقتهما وقوله تعالى ~~«قليلا ما تشكرون» بيان لكفرهم بتلك النعم بطريق الاعتراض التذييلي على ان ~~القلة بمعنى PageV07P081 # النفي كما ينبئ عنه ما بعده أي شكرا قليلا أو زمانا قليلا تشكرون وفي ~~حكاية أحوال الانسان من مبدأ فطرته إلى نفخ الروح فيه بطريق الغيبة وحكاية ~~أحواله بعد ذلك بطريق الخطاب المنبىء عن استعداده للفهم وصلاحيته له من ~~الجزالة مالا غاية وراءه «وقالوا» كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم بطريق ~~الالتفات ايذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم بتلك النعم موجب للاعراض عنهم ~~وتعديد جناياتهم لغيرهم بطريق المباثة «أئذا ضللنا في الأرض» أي صرنا ترابا ~~مخلوطا بترابها بحيث لا نتميز منه أو غبنا فيها بالدفن وقرئ ضللنا بكسر ~~اللام من باب علم وصللنا بالصاد المهملة من صل اللحم إذا أنتن وقيل من ~~الصلة وهي الأرض أي صرنا من جنس الصلة قيل القائل أبي بن خلف ولرضاهم بقوله ~~اسند القول إلى الكل والعامل في إذا ما يدل عليه قوله تعالى «أئنا لفي خلق ~~جديد» وهو نبعث أو يجدد خلقنا والهمزة لتذكير الانكار السابق وتأكيده وقرئ ~~انا على الخبر وأيا ما كان فالمعنى على تأكيد الانكار لا انكار التأكيد كما ~~هو المتبادر من تقدم الهمزة على ان فإنها مؤخرة عنها في الاعتبار وانما ~~تقديمها عليها لاقتضائها الصدارة «بل هم بلقاء ربهم كافرون» اضراب وانتقال ~~من بيان كفرهم بالبعث إلى بيان ما هو أبلغ وأشنع منه وهو كفرهم بالوصول إلى ~~العاقبة وما يلقونه فيها من الأحوال والأهوال جميعا «قل» بيانا للحق وردا ~~على زعمهم الباطل «يتوفاكم ملك الموت» لا كما تزعمون أن الموت من الأحوال ~~الطبيعية العارضة للحيوان بموجب الجبلة أي يقبض أرواحكم بحيث لا يدع فيكم ms2638 ~~شيئا أو لا يترك منكم أحدا على أشد ما يكون من الوجوه وأفظعها من ضرب ~~وجوهكم وأدباركم «الذي وكل بكم» أي بقبض أرواحكم واحصاء آجالكم «ثم إلى ~~ربكم ترجعون» بالبعث للحساب والجزاء «ولو ترى إذ المجرمون» وهم القائلون ~~ائذا ضللنا في الأرض الآية أو جنس المجرمين وهم من جملتهم «ناكسو رؤوسهم ~~عند ربهم» من الحياء والخزي عند ظهور قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا ~~«ربنا» أي يقولون ربنا «أبصرنا وسمعنا» أي صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا ~~الاستعداد لادراك الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عميا وصما ~~لا ندرك شيئا «فارجعنا» إلى الدنيا «نعمل» عملا «صالحا» حسبما تقتضيه تلك ~~الآيات وقوله تعالى «إنا موقنون» ادعاء منهم لصحة الأفئدة والاقتدار على ~~فهم معاني الآيات والعمل بموجبها كما ان ما قبله ادعاء لصحة مشعري البصر ~~والسمع كأنهم قالوا وأيقنا وكنا من قبل لا نعقل شيئا أصلا وانما عدلوا إلى ~~الجملة الاسمية المؤكدة اظهارا لثباتهم على الايقان وكمال رغبتهم فيه وكل ~~ذلك للجد في الاستدعاء طمعا في الإجابة إلى ما سألوه PageV07P082 # من الرجعة وانى لهم ذلك ويجوز ان يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما ~~يبصرونه ويسمعونه فإنهم حينئذ يشاهدون الكفر والمعاصي على صور منكرة هائلة ~~ويخبرهم الملائكة بأن مصيرهم إلى النار لا محالة فالمعنى أبصرنا قبح ~~اعمالنا وكنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا ان مردنا إلى النار وهو الأنسب ~~لما بعده من الوعد بالعمل الصالح هذا وقد قيل المعنى وسمعنا منك تصديق رسلك ~~وأنت خبير بأن تصديقه تعالى لهم حينئذ يكون بإظهار مدلول ما أخبروا به من ~~الوعد والوعيد لا بالاخبار بأنهم صادقون حتى يسمعوه وقيل وسمعنا قول الرسل ~~أي سمعناه سمع طاعة واذعان ولا يقدر لترى مفعول إذ المعنى لو تكون منك رؤية ~~في ذلك الوقت أو يقدر ما ينبئ عنه صلة إذ والمضي فيها وفي لو باعتبار ان ~~الثابت في علم الله تعالى بمنزلة الواقع وجواب لو محذوف أي لرأيت امرا ~~فظيعا لا يقادر قدره والخطاب لكل أحد ممن ms2639 يصلح له كائنا من كان إذ المراد ~~بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها ~~واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة ~~بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعتها هذا ومن علل عموم ~~الخطاب بالقصد إلى بيان ان حالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها ~~البتة فلا تختص رؤية راء دون راء بل كل من يتأتي منه الرؤية فله مدخل في ~~هذا الخطاب فقد نأى عن تحقيق الحق لان المقصود بيان كمال فظاعة حالهم كما ~~يفصح عنه الجواب المحذوف لا بيان كمال ظهورها فإنه مسوق مساق المسلمات ~~فتدبر «ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها» مقدر بقول معطوف على ما قدر قبل قوله ~~تعالى ربنا أبصرنا الخ أي ونقول لو شئنا أي لو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليا ~~بأن نعطي كل نفس من النفوس البرة والفاجرة ما تهتدي به إلى الايمان والعمل ~~الصالح لأعطيناها إياه في الدنيا التي هي دار الكسب وما أخرناه إلى دار ~~الجزاء «ولكن حق القول مني» أي سبقت كلمتي حيث قلت لإبليس عند قوله ~~لأغوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلصين فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك ~~وممن اتبعك منهم أجمعين وهو المعنى بقوله تعالى «لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين» كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فبموجب ذلك القول لم نشأ ~~اعطاء الهدى على العموم بل منعناه من اتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم حيث ~~صرفتم اختياركم إلى الغي بإغوائه ومشيئتنا لافعال العباد منوطة باختيارهم ~~إياها فلما لم تختاروا الهدى واخترتم الضلالة لم نشأ اعطاءه لكم وانما ~~أعطيناه الذين اختاروه من النفوس البرة وهم المعنيون بما سيأتي من قوله ~~تعالى انما يؤمن بآياتنا الآية فيكون مناط عدم مشيئة اعطاء الهدى في ~~الحقيقة سوء اختيارهم لا تحقق القول وانما قيدنا المشيئة بما مر من التعليق ~~الفعلي بأفعال العباد عند حدوثها لان المشيئة الأزلية من حيث تعلقها بما ~~سيكون من افعالهم اجمالا متقدمة على تحقق كلمة ms2640 العذاب فلا يكون عدمها منوطا ~~بتحققها وانما مناطه علمه تعالى أزلا بصرف PageV07P083 # اختيارهم فيما سيأتي إلى الغى وإيثارهم له على الهدى فلو أريدت هي من تلك ~~الحيثية لاستدرك بعدمها ونيط ذلك بما ذكر من المناط على منهاج قوله تعالى ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم فمن توهم أن المعنى ولو شئنا لأعطينا كل ~~نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختياره لاهتدوا ولكن لم نعطهم لما ~~علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره فقد اشتبه عليه الشؤون والفاء في قوله ~~تعالى «فذوقوا» لترتيب الامر بالذوق على ما يعرب عنه ما قبله من نفي الرجع ~~إلى الدنيا أو على الوعيد المحكى والباء في قوله تعالى «بما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا» للإيذان بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق الوعيد به فقط بل هو وسبق ~~الوعيد أيضا بسبب موجب له من قبلهم كأنه قيل لا رجع لكم إلى الدنيا أو حتى ~~وعيدي فذوقوا بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم الهائل وترككم التفكر فيه ~~والاستعداد له بالكلية «إنا نسيناكم» أي تركناكم في العذاب ترك المنسى ~~بالمرة وقوله تعالى «وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون» تكرير للتأكيد ~~والتشديد وتعيين المفعول المطوى للذوق والاشعار بأن سببه ليس مجرد ما ذكر ~~من النسيان بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين ~~عليها في الدنيا وعدم نظم الكل في سلك واحد للتنبيه على استقلال كل منها في ~~استيجاب العذاب وفي إبهام المذوق أولا وبيانه ثانيا بتكرير الامر وتوسيط ~~الاستئناف المنبئ عن كمال السخط بينهما من الدلالة على غاية التشديد في ~~الانتقام منهم ما لا يخفى وقوله تعالى «إنما يؤمن بآياتنا» استئناف مسوق ~~لتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى والاشعار بعدم إيمانهم لو أوتوه بتعيين ~~من يستحقه بطريق القصر كأنه قيل إنكم لا تؤمنون بآياتنا ولا تعملون بموجبها ~~عملا صالحا ولو رجعناكم إلى الدنيا كما تدعون حسبما ينطق به قوله تعالى ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنما يؤمن بها «الذين إذا ذكروا بها» أي وعظوا ~~«خروا سجدا» آثر ms2641 ذي أثير من غير تردد ولا تلعثم فضلا عن التسويف إلى معاينة ~~ما نطقت به من الوعد والوعيد أي سقطوا على وجوههم «وسبحوا بحمد ربهم» أي ~~ونزهوه عند ذلك عن كل ما لا يليق به من الأمور التي من جملتها العجز عن ~~البعث ملتبسين بحمده تعالى على نعمائه التي اجلها الهداية بإيتاء الآيات ~~والتوفيق للاهتداء بها والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة ~~إلى ضميرهم للإشعار بعلة التسبيح والتحميد وبأنهم يفعلونهما بملاحظة ~~ربوبيته تعالى لهم «وهم لا يستكبرون» أي والحال انهم خاضعون له تعالى لا ~~يستكبرون عما فعلوا من الخرور والتسبيح والتحميد «تتجافى جنوبهم» أي تنبو ~~وتتنحى «عن المضاجع» أي الفرش ومواضع المنام والجملة مستأنفة لبيان بقية ~~محاسنهم وهم المتهجدون بالليل قال أنس رضي الله عنه نزلت فينا معاشر ~~الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي PageV07P084 # العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وعن انس أيضا رضي الله عنه انه قال ~~نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون من صلاة ~~المغرب إلى صلاة العشاء وهي صلاة الأوابين وهو قول أبي حازم ومحمد بن ~~المنكدر وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما وقال عطاءهم الذين لا ينامون ~~حتى يصلوا العشاء الآخرة والفجر في جماعة والمشهور ان المراد منه صلاة ~~الليل وهو قول الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعي وجماعة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة ~~صلاة الليل وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيرها قيام العبد من الليل ~~وعنه صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي ~~بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ~~فينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع ~~فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل ~~فيسرحون جميعا إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس وقوله تعالى «يدعون ربهم» حال ms2642 ~~من ضمير جنوبهم أي داعين له تعالى على الاستمرار «خوفا» من سخطه وعذابه ~~وعدم قبول عبادته «وطمعا» في رحمته «ومما رزقناهم» من المال «ينفقون» في ~~وجوه البر والحسنات «فلا تعلم نفس» من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~فضلا عمن عداهم «ما أخفي لهم» أي لأولئك الذين عددت نعوتهم الجليلة «من قرة ~~أعين» مما تقر به أعينهم وعنه صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما ~~أطلعتم عليه اقرءوا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين وقرئ ما ~~أخفى لهم وما نخفى لهم وما أخفيت لهم على صيغة المتكلم وما أخفى لهم على ~~البناء للفاعل وهو الله سبحانه وقرئ قرأت أعين لاختلاف أنواعها والعلم ~~بمعنى المعرفة وما موصولة أو استفهامية علق عنها الفعل «جزاء بما كانوا ~~يعملون» أي جزوا جزاء أو أخفى لهم للجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا من ~~الاعمال الصالحة قيل هؤلاء القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله تعالى ثوابهم ~~«أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا» أي أبعد ظهور ما بينهما من التباين البين ~~يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالفاسق الذي ذكرت أحواله «لا ~~يستوون» التصريح به مع إفادة الانكار لنفى المشابهة بالمرة على أبلغ وجه ~~وآكده لبناء التفصيل الآتي عليه والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد ~~فيما سبق باعتبار لفظها وقوله تعالى «أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم ~~جنات المأوى» تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة بعد ذكر أحوالهما في الدنيا ~~وأضيفت الجنة إلى المأوى لأنها المأوى الحقيقي وإنما الدنيا منزل مرتحل عنه ~~لا محالة وقيل المأوى جنة من الجنات وأيا ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز ~~إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم PageV07P085 # التي هي مأواهم في الدنيا «نزلا» أي ثوابا وهو في الأصل ما يعد النازل من ~~الطعام والشراب وانتصابه على الحالية «بما كانوا يعملون» في الدنيا من ~~الاعمال الصالحة ms2643 أو بأعمالهم «وأما الذين فسقوا» أي خرجوا عن الطاعة ~~«فمأواهم» أي ملجؤهم ومنزلهم «النار» مكان جنات المأوى للمؤمنين «كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها» استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم ~~يروى انه يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى طبقاتها حتى إذا قربوا من بابها ~~وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم ابدا ~~وكلمة في للدلالة على أنهم مستقرون فيها وإنما الإعادة من بعض طبقاتها إلى ~~بعض «وقيل لهم» تشديدا عليهم وزيادة في غيظهم «ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به» أي بعذاب النار «تكذبون» على الاستمرار في الدنيا «ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى» أي عذاب الدنيا وهو ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر ~~«دون العذاب الأكبر» الذي هو عذاب الآخرة «لعلهم» لعل الذين يشاهدونه وهم ~~في الحياة «يرجعون» يتوبون عن الكفر روى أن الوليد بن عقبة فاخر عليا رضى ~~الله عنه يوم بدر فنزلت هذه الآيات «ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض ~~عنها» بيان إجمالى لحال من قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من ~~قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد وكلمة ثم لاستبعاد الإعراض عنها عقلا مع ~~غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في بيت الحماسة ولا يكشف ~~الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها أي هو اظلم من كل ظالم وإن ~~كان سبك التركيب على نفى الأظلم من غير تعرض لنفى المساوى وقد مر مرارا ~~«إنا من المجرمين» أي من كل من اتصف بالإجرام وإن هانت جريمته «منتقمون» ~~فكيف ممن هو أظلم من كل ظالم وأشر جرما من كل مجرم «ولقد آتينا موسى ~~الكتاب» أي التوراة عبر عنها باسم الجنس لتحقيق المجانسة بينها وبين ~~الفرقان والتنبيه أن إيتاءه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كإيتائها لموسى ~~عليه السلام «فلا تكن في مرية من لقائه» من لقاء الكتاب الذي هو الفرقان ~~كقوله وإنك لتلقى القرآن والمعنى إنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ~~ولقيناه من الوحي مثل ما ms2644 لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ~~ونظيره وقيل من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى وعنه صلى الله عليه وسلم ~~رأيت ليلة اسرى بي موسى رجلا آدم طوالا وجعدا كأنه من رجال شنوأة «وجعلناه» ~~أي PageV07P086 # الكتاب الذي آتيناه موسى «هدى لبني إسرائيل» قيل لم يتعبد بما في التوراة ~~ولد إسماعيل «وجعلنا منهم أئمة يهدون» بقيتهم بما في تضاعيف الكتاب من ~~الحكم والاحكام إلى طريق الحق أو يهدونهم إلى ما فيه من دين الله وشرائعه ~~«بأمرنا» إياهم بذلك أو بتوفيقنا له «لما صبروا» هي لما التي فيها معنى ~~الجزاء نحو أحسنت إليك لما جئتني والضمير للأئمة تقديره لما صبروا جعلناهم ~~أئمة أو هي ظرف بمعنى الحين أي جعلناهم أئمة حين صبروا والمراد صبرهم على ~~مشاق الطاعات ومقاسات الشدائد في نصرة الدين أو صبرهم عن الدنيا وقرئ لما ~~صبروا أي لصبرهم «وكانوا بآياتنا» التي في تضاعيف الكتاب «يوقنون» لإمعانهم ~~فيها النظر والمعنى كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه هدى لأمتك ولنجعلن ~~منهم أئمة يهدون مثل تلك الهداية «إن ربك هو يفصل» أي يقضى «بينهم» قيل بين ~~الأنبياء وأممهم وقيل بين المؤمنين والمشركين « يوم القيامة» فيميز بين ~~المحق والمباطل «فيما كانوا فيه يختلفون» من أمور الدين «أولم يهد لهم» ~~الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوى يقتضيه المقام وفعل الهداية إما من ~~قبيل فلان يعطى في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول وإما ~~بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ما دل عليه قوله تعالى «كم أهلكنا» ~~أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا ~~«من قبلهم من القرون» مثل عاد وثمود وقوم لوط وقرئ نهد لهم بنون العظمة وقد ~~جوز أن يكون الفاعل على القراءة الأولى أيضا ضميره تعالى فيكون قوله تعالى ~~كم أهلكنا الخ استئنافا مبينا لكيفية هدايته تعالى «يمشون في مساكنهم» أي ~~يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم والجملة حال من ~~ضمير لهم وقرئ يمشون للتكثير «إن ms2645 في ذلك» أي فيما ذكر من كثرة إهلاكنا ~~للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم «لآيات» عظيمة في أنفسها كثيرة في ~~عددها «أفلا يسمعون» هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ «أولم يروا أنا نسوق ~~الماء إلى الأرض الجرز» أي التي جرز نباتها أي قطع وأزيل بالمرة وقيل هو ~~اسم موضع باليمن «فنخرج به» من تلك الأرض «زرعا تأكل» أي من ذلك الزرع ~~«أنعامهم» كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها وقرئ يأكل ~~بالياء «وأنفسهم» كالحبوب التي يقتاتها الإنسان والثمار «أفلا يبصرون» ~~PageV07P087 # أي الا ينظرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى وفضله ~~«ويقولون» كان المسلمون يقولون الله سيفتح لنا على المشركين أو يفصل بيننا ~~وبينهم وكان أهل مكة إذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاء ~~«متى هذا الفتح» أي النصر أو الفصل بالحكومة «إن كنتم صادقين» في أن الله ~~تعالى ينصركم أو يفصل بيننا وبينكم «قل» تبكيتا لهم وتحقيقا للحق «يوم ~~الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون» يوم الفتح يوم القيامة ~~وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم ويوم نصرهم عليهم وقيل هو يوم بدر وعن ~~مجاهد والحسن يوم فتح مكة والعدول عن تطبيق الجواب على ظاهر سؤالهم للتنبيه ~~على أنه ليس مما ينبغي ان يسأل عنه لكونه امرا بينا غنيا عن الاخبار به ~~وكذا إيمانهم واستنظارهم يومئذ وإنما المحتاج إلى البيان عدم نفع ذلك ~~الايمان وعدم الانظار كأنه قيل لا تستعجلوا فكأني بكم قد آمنتم فلم ينفعكم ~~واستنظرتم فلم تنظروا وهذا على الوجه الأول ظاهر وأما على الأخيرين ~~فالموصول عبارة عن المقتولين يؤمئذ لا عن كافة الكفرة كما في الوجه الأول ~~كيف لا وقد نفع الايمان الطلقاء يوم الفتح وناسا آمنوا يوم بدر «فأعرض ~~عنهم» ولا تبال بتكذيبهم «وانتظر» النصرة عليهم وهلاكهم «إنهم منتظرون» قيل ~~أي الغلبة عليكم كقوله تعالى فتربصوا إنا معكم متربصون والأظهر أن يقال ~~إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله تعالى «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام» الآية ويقرب منه ms2646 ما قيل «وانتظر» عذابنا «إنهم منتظرون» فإن ~~استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي في حكم ~~انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة وقرئ على صيغة المفعول على معنى ~~أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو فإن الملائكة ينتظرونه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ ألم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك أعطى من الاجر كأنما ~~أحيا ليلة القدر وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ ألم تنزيل في بيته لم ~~يدخله الشيطان ثلاثة أيام PageV07P088 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها النبي اتق الله» في ندائه صلى الله ~~عليه وسلم بعنوان النبوة تنويه بشأنه وتنبيه على سمو مكانه والمراد بالتقوى ~~المأمور به الثبات عليه والازدياد منه فإن له بابا واسعا وعرضا عريضا لا ~~ينال مداه «ولا تطع الكافرين» أي المجاهرين بالكفر «والمنافقين» المضمرين ~~له أي فيما يعود بوهن في الدين وإعطاء دنية فيما بين المسلمين روى أن أبا ~~سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمى قدموا عليه صلى الله ~~عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم ~~عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقلتهم فنزلت أي اتق الله في نقض ~~العهد ونبذ الموادعة ولا تساعد الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل ~~المدينة فيما طلبوا إليك «إن الله كان عليما» حكيما مبالغا في العلم ~~والحكمة فيعلم جميع الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك الا بما فيه ~~مصلحة ولا ينهاك الا عما فيه مفسدة ولا يحكم الا بما تقتضيه الحكمة البالغة ~~فالجملة تعليل للامر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بهما «واتبع» أي في كل ما ~~تأتي وتذر من أمور الدين «ما يوحى إليك من ربك» من الآيات التي من جملتها ~~هذه الآية الآمرة بتقوى الله الناهية عن مساعدة الكفرة والمنافقين والتعرض ms2647 ~~لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالامر «إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا» قيل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم وقيل له صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين وقيل للغائبين بطريق الالتفات ولا يخفى بعده نعم ~~يجوز ان يكون للكل على ضرب من التغليب وأيا ما كان فالجملة تعليل للامر ~~وتأكيد لموجبه اما على الوجهين الأولين فبطريق الترغيب والترهيب كأنه قبل ~~ان الله خبير بما تعملونه من الامتثال وتركه فيرتب على كل منهما جزاءه ~~ثوابا وعقابا واما على الوجه الأخير فبطريق الترغيب فقط كأنه قيل ان الله ~~خبير بما يعمله كلا الفريقين فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك وانتظام امرك ~~ويطلعك على ما يعملونه من المكايد والمفاسد ويأمرك بما ينبغي لك ان تعمله ~~في دفعها وردها فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتما PageV07P089 # «وتوكل على الله» أي فوض جميع أمورك إليه «وكفى بالله وكيلا» حافظا ~~موكولا إليه كل الأمور «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» شروع في إلقاء ~~الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم باتباعه وهذا مثل ضربه الله تعالى ~~تمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى «وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم» وتنبيها على أن كون المظاهر منها اما ~~وكون الدعي ابنا أي بمنزلة الام والابن في الآثار والاحكام المعهودة فيما ~~بينهم في الاستحالة بمنزلة اجتماع قلبين في جوف واحد وقيل هو رد لما كانت ~~العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك لأبي معمر أو لجميل بن سيد ~~الفهري ذو القلبين أي ما جمع الله تعالى قلبين في رجل وذكر الجوف لزيادة ~~التقرير كما في قوله تعالى ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ولا زوجية ولا ~~أمومة في امرأة ولا دعوة وبنوة في شخص لكن لا بمعنى نفى الجمع بين حقيقة ~~الزوجية والأمومة ونفى بين حقيقة الدعوة والنبوة كما في القلب ولا بمعنى ~~نفى الجمع بين أحكام الزوجية وأحكام الأمومة ونفى الجمع بين أحكام الدعوة ~~وأحكام النبوة على الاطلاق ms2648 بل بمعنى نفى الجمع بين حقيقة الزوجية واحكام ~~الأمومة ونفى الجمع بين حقيقة الدعوة واحكام النبوة لإبطال ما كانوا عليه ~~من إجراء أحكام الأمومة على المظاهر منها وإجراء احكام النبوة على الدعي ~~ومعنى الظهار ان يقول لزوجته أنت على كظهر أمي مأخوذ من الظهر باعتبار ~~اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقا في ~~الجاهلية وهو في الاسلام يقتضى الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدى ~~آلى بها وهو بمعنى حلف وذكر الظهار للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ~~ذكره قريب من ذكر الفرج أو التغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان ~~الزوجة وظهرها إلى السماء وقرئ اللاء وقرئ تظاهرون بحذف إحدى التاءين من ~~تتظاهرون وتظاهرون بإدغام التاء الثانية في الظاء وتظهرون من اظهر بمعنى ~~تظهر وتظهرون من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد وتظهرون من ظهر ظهورا ~~وأدعياء جمع دعى وهو الذي يدعى ولدا على الشذوذ لاختصاص أفعلاء بفعيل بمعنى ~~فاعل كتقى وأتقياء كأنه شبه به في اللفظ فجمع جمعه كقتلاء وأسراء «ذلكم» ~~إشارة إلى ما يفهم مما ذكر من الظهار والدعاء أو إلى الأخير الذي هو ~~المقصود من مساق الكلام أي دعاءكم بقولكم هذا ابني «قولكم بأفواهكم» فقط من ~~غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الأعيان فإذن هو بمعزل من استتباع أحكام ~~البنوة كما زعمتم «والله يقول الحق» المطابق للواقع «وهو يهدي السبيل» أي ~~سبيل الحق لا غير فدعوا أقوالكم وخذوا بقوله عز وجل «ادعوهم لآبائهم» أي ~~انسبوهم PageV07P090 # إليهم وخصوهم بهم وقوله تعالى «هو أقسط عند الله» تعليل له والضمير لمصدر ~~ادعوا كما في قوله تعالى أعدلوا هو أقرب للتقوى وأقسط أفعل قصد به الزيادة ~~مطلقا من القسط بمعنى العدل أي الدعاء لآبائهم بالغ في العدل والصدق في حكم ~~الله تعالى وقضائه «فإن لم تعلموا آباءهم» فتنسبوهم إليهم «فإخوانكم» فهم ~~إخوانكم «في الدين ومواليكم» وأولياؤكم فيه أي فادعوهم بالاخوة الدينية ~~والمولوية «وليس عليكم جناح» أي إثم «فيما أخطأتم به» أي فيما ms2649 فعلتموه من ~~ذلك مخطئين بالسهو أو النسيان أو سبق اللسان «ولكن ما تعمدت قلوبكم» أي ~~ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم بعد النهى أو ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح ~~«وكان الله غفورا رحيما» لعفوه عن المخطئ وحكم التبني بقوله هو ابني إذا ~~كان عبدا للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول ~~النسب وكان بحيث يولد مثله لمثل المتبنى ولم يقر قبله بنسبه من غيره «النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم» أي في كل امر من أمور الدين والدنيا كما يشهد به ~~الإطلاق فيجب عليه ان يكون صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم وحكمه ~~انفذ عليهم من حكمها وحقة اثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه اقدم من شفقتهم ~~عليها روى انه صلى الله عليه وسلم أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ~~ناس نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت وقرئ وهو أب لهم أي في الدين فإن كل نبي ~~أب لامته من حيث إنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون أخوة ~~«وأزواجه أمهاتهم» أي منزلات منزلة الأمهات في التحريم واستحقاق التعظيم ~~وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات ولذلك قالت عائشة رضى الله عنها لسنا ~~أمهات النساء «وأولو الأرحام» أي ذو القرابات «بعضهم أولى ببعض» في التوارث ~~وهو نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين «في ~~كتاب الله» في اللوح أو فيما أنزله وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيما ~~فرض الله تعالى «من المؤمنين والمهاجرين» بيان لأولى الأرحام أو صلة لأولى ~~أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن ~~المهاجرين بحق الهجرة «إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا» استثناء من أعم ~~ما تقدر الأولوية فيه من النفع والمراد بفعل المعروف التوصية أو منقطع «كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا» أي كان ما ذكر من الآيتين ثابتا في اللوح أو القرآن ~~وقيل في التوراة «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم» أي اذكر وقت أخذنا من ~~النبيين كافة عهودهم ms2650 بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين الحق «ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم» وتخصيصهم بالذكر مع PageV07P091 # اندارجهم في النبيين اندارجا بينا للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من ~~مشاهير أرباب الشرائع وأساطين أولى العزم من الرسال وتقديم نبينا عليهم ~~عليهم الصلاة والسلام لإبانة خطره الجليل «وأخذنا منهم ميثاقا غليظا» أي ~~عهدا عظيم الشأن أو مؤكدا باليمين وهذا هو الميثاق الأول بعينه واخذه هو ~~اخذه والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي تفخيما ~~لشأنه كما في قوله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ اثر قوله تعالى فلما جاء ~~أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا وقوله تعالى «ليسأل الصادقين ~~عن صدقهم» متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان ما هو داع إلى ما ذكر من اخذ ~~الميثاق وغاية له لا بأخذنا فإن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان الغرض ~~منه بيانا قصديا كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة أي فعل ~~الله ذلك ليسأل يوم القيامة الأنبياء ووضع الصادقين موضع ضميرهم للايذان من ~~أول الامر بأنهم صادقون فيما سئلوا عنه وانما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل ~~الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما قالوه لقومهم أو عن تصديقهم إياهم تبكيتا ~~لهم كما في قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم أو المصدقين ~~لهم عن تصديقهم فإن مصدق الصادق صادق وتصديقه صدق واما ما قيل من ان المعنى ~~ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم ~~فيأباه مقام تذكير ميثاق النبيين وقوله تعالى «وأعد للكافرين عذابا أليما» ~~عطف ما ذكر من المضمر لا على أخذنا كما قيل والتوجيه بأن بعثة الرسل واخذ ~~الميثاق منهم لإثابة المؤمنين أو بأن المعنى ان الله تعالى اكد على ~~الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين تعسف ظاهر انه مفض إلى كون ~~بيان اعداد العذاب الأليم للكافرين غير مقصود بالذات نعم يجوز عطفه على ما ~~دل عليه قوله تعالى ليسأل الصادقين كأنه قيل فأثاب المؤمنين واعد للكافرين ~~الآية «يا أيها الذين آمنوا ms2651 اذكروا نعمة الله عليكم» ان جعل النعمة مصدرا ~~فالجار متعلق بها والا فهو متعلق بمحذوف هو حال منها أي كائنة عليكم «إذ ~~جاءتكم جنود» ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم وقيل منصوب باذكروا على انه ~~بدل اشتمال من نعمة الله والمراد بالجنود الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود ~~قريظة والنضير وكانوا زهاء اثنى عشر ألفا فلما سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة بإشارة سلمان الفارسي ثم خرج في ~~ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم وامر بالذراري ~~والنساء فرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق في ~~المنافقين حتى قال معتب بن قشير كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر ~~ان نذهب إلى الغائط ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم الا ان ~~فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ~~ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب قد ركبوا ~~PageV07P092 # خيولهم وتيمموا من الخندق مكانا مضيقا فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم ~~في السبخة بين الخندق وسلع فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من ~~المسلمين حتى اخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت الفرسان نحوهم ~~وكان عمرو معلما ليرى مكانه فقال له علي رضي الله عنه يا عمر واني أدعوك ~~إلى الله ورسوله والاسلام قال لا حاجة لي اليه فإني أدعوك إلى النزال قال ~~يا ابن أخي والله لا أحب ان أقتلك قال على لكني والله أحب ان أقتلك فحمى ~~عمرو عند ذلك وكان غيورا مشهورا بالشجاعة واقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ~~ثم اقبل على علي فتناولا وتجاولا فضربه علي رضي الله عنه ضربة ذهبت فيها ~~نفسه فلما قتله انهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلين ~~منبه بن عثمان ابن عبد الدار ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي قتله ~~أيضا علي رضي الله عنه ms2652 وقيل لم يكن بينهم الا الترامي بالنبل والحجارة حتى ~~انزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى «فأرسلنا عليهم ريحا» عطف على ~~جاءتكم مسوق لبيان النعمة اجمالا وسيأتي بقيتها في آخر القصة «وجنودا لم ~~تروها» وهم الملائكة عليهم السلام وكانوا ألفا بعث الله عليهم صبا باردة في ~~ليلة شاتية فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وامر الملائكة فقلعت الأوتاد ~~وقطعت الاطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف ~~في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة بن خويلد ~~الأسدي اما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال ~~«وكان الله بما تعملون» من حفر الخندق وترتيب مبادي الحرب وقيل من التجائكم ~~اليه ورجائكم من فضله وقرئ بالياء أي بما يعمله الكفار أي من التحرز ~~والمحاربة أو من الكفر والمعاصي «بصيرا» ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم ~~والجملة اعتراض مقرر لما قبله «إذ جاؤوكم» بدل من إذ جاءتكم «من فوقكم» من ~~أعلى الوادي من جهة المشرق وهم بنو غطفان ومن تابعهم من أهل نجد قائدهم ~~عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير ~~«ومن أسفل منكم» أي من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش ومن شايعهم من ~~الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وكانوا عشرة آلاف «وإذ ~~زاغت الأبصار» عطف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير أي حين مالت عن ~~سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا وقيل عدلت عن كل شيء فلم تلتفت ~~الا إلى عدوها لشدة الروع «وبلغت القلوب الحناجر» لان الرئة تنتفخ من شدة ~~الفزع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى راس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم وقيل هو ~~مثل في اضطراب القلوب ووجيبها وان لم تبلغ الحناجر حقيقة والخطاب في قوله ~~تعالى «وتظنون بالله الظنونا» لمن يظهر الايمان على الاطلاق أي تظنون بالله ~~تعالى أنواع الظنون المختلفة حيث ظن المخلصون الثبت القلوب ان الله تعالى ~~ينجز وعده في اعلاء دينه كما يعرب عنه ما ms2653 سيحكي عنهم من قولهم هذا ما وعدنا ~~PageV07P093 # الله ورسوله وصدق الله ورسوله الآية أو يمتحنهم فخافوا الزلل وضعف ~~الاحتمال والضعاف القلوب والمنافقون ما حكى عنهم مما لا خير فيه والجملة ~~معطوفة على زاغت وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار ~~وقرئ الظنون بغير الف وهو القياس وزيادتها لمراعاة الفواصل كما تزاد في ~~القوافي «هنالك» ظرف زمان أو ظرف مكان لما بعده أي في ذلك الزمان الهائل أو ~~المكان الدحض «ابتلي المؤمنون» أي عوملوا معاملة من يختبر فظهر المخلص من ~~المنافق والراسخ من المتزلزل «وزلزلوا زلزالا شديدا» من الهول والفزع وقرئ ~~بفتح الزاي «وإذ يقول المنافقون» عطف على إذ زاغت وصيغة المضارع لما مر من ~~الدلالة على استمرار القول واستحضار صورته «والذين في قلوبهم مرض» أي ضعف ~~اعتقاد «ما وعدنا الله ورسوله» من إعلاء الدين والظفر «إلا غرورا» أي وعد ~~غرور وقيل قولا باطلا والقائل معتب بن قشير واضرابه راضون به قال يعدنا ~~محمد بفتح كنوز كسرى وقيصر واحدنا لا يقدر ان يتبرز فرقا ما هذا الا وعد ~~غرور «وإذ قالت طائفة منهم» هم أوس بن قيظي واتباعه وقيل عبد الله بن أبي ~~وأشياعه «يا أهل يثرب» هو اسم المدينة المطهرة وقيل اسم بقعة وقعت المدينة ~~في ناحية منها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ان تسمى بها كراهة لها ~~وقال هي طيبة أو طابة كأنهم ذكروها بذلك الاسم مخالفة له صلى الله عليه ~~وسلم ونداؤهم إياهم بعنوان أهليتهم لها ترشيح لما بعده من الامر بالرجوع ~~إليها «لا مقام لكم» لا موضع إقامة لكم أو لا إقامة لكم ههنا يريدون ~~المعسكر وقرئ بفتح الميم أي لا قيام أولا موضع قيام لكم «فارجعوا» أي إلى ~~منازلكم بالمدينة مرادهم الامر بالفرار لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجا ~~لمقالهم وايذانا بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم وقيل المعنى لا قيام لكم ~~في دين محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك أو ~~فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه إلى أعدائه أولا ms2654 مقام لكم في يثرب ~~فارجعوا كفارا ليتسنى لكم المقام بها والأول هو الأنسب لما بعده فإن قوله ~~تعالى «ويستأذن فريق منهم النبي» معطوف على قالت وصيغة المضارع لما مر من ~~استحضار الصورة وهم بنو حارثة وبنو سلمة استأذنوه صلى الله عليه وسلم في ~~الرجوع ممتثلين بأمرهم وقوله تعالى «يقولون» بدل من يستأذن أو حال من فاعله ~~أو استئناف مبنى على السؤال عن كيفية الاستئذان «إن بيوتنا عورة» أي غير ~~حصينة معرضة للعدو والسراق فأذن لنا حتى نحصنها ثم نرجع إلى العسكر والعورة ~~في الأصل الخلل أطلقت على المختل مبالغة وقد جوز أن تكون تخفيف عورة من ~~عورة الدار إذا اختلت وقد قرئ بها والأول هو الأنسب بمقام الاعتذار كما ~~يفصح عنه تصدير مقالهم بحرف التحقيق «وما هي بعورة» والحال أنها ليست كذلك ~~PageV07P094 # «إن يريدون» ما يريدون بالاستئذان «إلا فرارا» من القتال «ولو دخلت ~~عليهم» أسند لدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما ان المراد فرض وهم فيها الا ~~فرض دخولها مطلقا كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول ~~عليهم مطلقا كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور «من أقطارها» أي من ~~جميع جوانبها لا من بعضها دون بعض فالمعنى لو كانت بيوتهم مختلة بالكلية ~~ودخلها كل من أراد من أهل الدعارة والفساد «ثم سئلوا» من جهة طائفة أخرى ~~عند تلك النازلة والرجفة الهائلة «الفتنة» أي الردة والرجعة إلى الكفر مكان ~~ما سئلوا الان من الايمان والطاعة «لآتوها» لأعطوها غير مبالين بما دهاهم ~~من الداهية الدهياء والغارة الشعواء وقرئ لاتوها بالقصر أي لفعلوها وجاءوها ~~«وما تلبثوا بها» بالفتنة أي ما ألبثوها وما أخروها «إلا يسيرا» ريثما يسع ~~السؤال والجواب من الزمان فضلا عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما ~~فعلوا الان وقيل ما لبثوا بالمدينة بعد الارتداد الا يسيرا والأول هو ~~اللائق بالمقام هذا واما تخصيص فرض الدخول بتلك العساكر المتحزبة فمع ~~منافاته للعموم المستفاد من تجريد الدخول عن الفاعل ففيه ضرب من فساد الوضع ~~لما عرفت ms2655 من ان مساق النظم الكريم لبيان انهم إذا دعوا إلى الحق تعللوا ~~بشيء يسير وان دعوا إلى الباطل سارعوا اليه اثر ذي أثير من غير صارف يلويهم ~~ولا عاطف يثنيهم ففرض الدخول عليهم من جهة العساكر المذكورة واسناد سؤال ~~الفتنة والدعوة إلى الكفر إلى طائفة أخرى مع ان العساكر هم المعروفون ~~بعداوة الدين المباشرون لقتال المؤمنين المصرون على الاعراض عن الحق ~~المجدون في الدعاء إلى الكفر والضلال بمعزل من التقريب «ولقد كانوا عاهدوا ~~الله من قبل لا يولون الأدبار» فإن بني حارثة عاهدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد حين فشلوا ان لا يعودوا لمثله وقيل هم قوم غابوا عن وقعة ~~بدر ورأوا ما اعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة فقالوا لئن أشهدنا ~~الله قتالا لنقاتلن «وكان عهد الله مسؤولا» مطلوبا مقتضى حتى يوفي به وقيل ~~مسؤولا عن الوفاء به ومجازي عليه «قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت ~~أو القتل» فإنه لا بد لكل شخص من حتف انف أو قتل سيف في وقت معين سبق به ~~القضاء وجرى عليه القلم «وإذا لا تمتعون إلا قليلا» أي وان نفعكم الفرار ~~مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع الا تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا ~~«قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة» ~~PageV07P095 # أي أو يصيبكم بسوء ان أراد بكم رحمة فاختصر الكلام أو حمل الثاني على ~~الأول لما في العصمة من معنى المنع «ولا يجدون لهم من دون الله وليا» ~~ينفعهم «ولا نصيرا» يدفع عنهم الضرر «قد يعلم الله المعوقين منكم» أي ~~المثبطين للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون «والقائلين ~~لإخوانهم» من منافقي المدينة «هلم إلينا» وهو صوت سمي به فعل متعد نحوا ~~أحضر أو قرب ويستوي فيه الواحد والجماعة على لغة أهل الحجاز واما بنو تميم ~~فيقولون هلم يا رجل وهلموا يا رجال أي قربوا أنفسكم الينا وهذا يدل على ~~انهم عند هذا القول خارجون ms2656 من المعسكر متوجهون نحو المدينة «ولا يأتون ~~البأس» أي الحراب والقتال «إلا قليلا» أي اتيانا أو زمانا أو بأسا قليلا ~~فإنهم يعتذرون ويثبطون ما أمكن لهم ويخرجون مع المؤمنين يوهمونهم انهم معهم ~~ولا تراهم يبارزون ويقاتلون الا شيئا قليلا إذا اضطروا اليه كقوله تعالى ما ~~قاتلوا الا قليلا وقيل انه من تتمة كلامهم معناه ولا يأتي أصحاب محمد حرب ~~الأحزاب ولا يقاومونهم الا قليلا «أشحة عليكم» أي بخلاء عليكم بالمعاونة أو ~~النفقة في سبيل الله أو الظفر والغنيمة جمع شحيح ونصبه على الحالية من فاعل ~~يأنون أو من المعوقين أو على الذم «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم» في أحداقهم «كالذي يغشى عليه من الموت» صفة لمصدر ينظرون أو حال من ~~فاعله أو لمصدر تدور أو حال من أعينهم أي ينظرون نظرا كائنا كنظر المغشى ~~عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخورا ولو إذا بك أو ينظرون كائنين كالذي ~~الخ أو تدور أعينهم دورانا كائنا كدوران عينه أو تدور أعينهم كائنة كعينه ~~«فإذا ذهب الخوف» وحيزت الغنائم «سلقوكم» ضربوكم «بألسنة حداد» وقالوا ~~وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا ~~نصرتم عليه والسلق البسط بقهر باليد أو باللسان وقرئ صلقوكم «أشحة على ~~الخير» نصب على الحالية أو الذم ويؤيده القراءة بالرفع «أولئك» الموصوفون ~~بما ذكر من صفات السوء «لم يؤمنوا» بالاخلاص «فأحبط الله أعمالهم» أي اظهر ~~بطلانها إذ لم يثبت لهم اعمال فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقهم فلم يبق ~~مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا «وكان ذلك» الاحباط «على الله يسيرا» هينا ~~وتخصيص يسره بالذكر مع ان كل شيء عليه تعالى يسير لبيان ان اعمالهم حقيقة ~~بأن يظهر حبوطها لكمال تعاضد الدواعي وعدم الصوارف بالكلية «يحسبون الأحزاب ~~لم يذهبوا» أي هؤلاء PageV07P096 # لجبنهم يظنون ان الأحزاب لم ينهزموا ففروا إلى داخل المدينة «وإن يأت ~~الأحزاب» كرة ثانية «يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب» تمنوا أنهم خارجون ~~إلى البدو حاصلون بين الاعراب وقرئ بدي جمع باد كغاز وغزى «يسألون» ms2657 كل قادم ~~من جانب المدينة وقرئ يساءلون أي يتساءلون ومعناه يقول بعضهم لبعض ماذا ~~سمعت ماذا بلغك أو يتساءلون الأعراب كما يقال رأيت الهلال وتراءيناه فإن ~~صيغة التفاعل قد تجرد عن معنى كون ما أسندت إليه فاعلا من وجه ومفعولا من ~~وجه ويكتفى بتعدد الفاعل كما في المثال المذكورة ونظائره «عن أنبائكم» عما ~~جرى عليكم «ولو كانوا فيكم» هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال ~~«ما قاتلوا إلا قليلا» رياء وخوفا من التعيير «لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة» خصلة حسنة حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ~~أو هو في نفسه قدوة يحق التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديدا أي هي ~~في نفسها هذا القدر من الحديد وقرئ بكسر الهمزة وهي لغة فيها «لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر» أي ثواب الله أو لقاءه أو أيام الله واليوم الاخر خصوصا ~~وقيل هو مثل قولك أرجو زيدا وفضله فإن اليوم الاخر من أيام الله تعالى ولمن ~~كان صلة لحسنة أو صفة لها وقيل بدل من لكم والأكثرون على أن ضمير المخاطب ~~لا يبدل منه «وذكر الله» أي وقرن بالرجاء ذكر الله «كثيرا» أي ذكرا كثيرا ~~أو زمانا كثيرا فإن المثابرة على ذكره تعالى تؤدي إلى ملازمة الطاعة وبها ~~يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم «ولما رأى المؤمنون الأحزاب» ~~بيان لما صدر عن خلص المؤمنين عند اشتباه الشؤون واختلاف الظنون بعد حكاية ~~ما صدر عن غيرهم أي لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم «قالوا هذا» مشيرين إلى ما ~~شاهدوه من حيث هو من غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره ~~وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ كما مر في قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذا ربى وجعله إشارة إلى الخطب أو البلاء من نتائج النظر الجليل فتدبر ~~نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر بالذي هو «ما وعدنا الله ورسوله» فإن ذلك ~~العنوان أول ما يخطر ببالهم عند المشاهدة ومرادهم بذلك ms2658 ما وعدوه بقوله ~~تعالى أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء إلى قوله تعالى ألا إن نصر الله قريب وقوله وقوله صلى الله ~~عليه وسلم سيشتد الامر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم وقوله صلى ~~الله عليه وسلم إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع ليال أو عشر وقرئ بكسر ~~الراء وفتح الهمزة «وصدق الله ورسوله» أي ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله أو ~~صدقا في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء وإظهار الاسم للتعظيم «وما ~~زادهم» أي ما رأوه «إلا إيمانا» بالله تعالى وبمواعيده PageV07P097 # «وتسليما» لأوامره ومقاديره «من المؤمنين» أي المؤمنين بالإخلاص مطلقا لا ~~الذين حكيت محاسنهم خاصة «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» من الثبات مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة لأعداء الدين وهم رجال من الصحابة رضى ~~الله عنهم نذروا انهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا ~~وقاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ~~بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب ابن عمير وانس بن النضر وغيرهم رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين ومعنى صدقوا أتوا بالصدق من صدقني إذا قال لك الصدق ~~ومحل ما عاهدوا النصب إما بطرح الخافض عنه وإيصال الفعل إليه كما في قولهم ~~صدقني سن بكره أي في سنة وإما يجعل المعاهد عليه مصدوقا على المجاز كأنهم ~~خاطبوه خطاب من قال لكرمائه [نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى] وقالوا له سنفى ~~بك وحيث وفوا به فقد صدقوه ولو كانوا نكثوه لكذبوه ولكان مكذوبا «فمنهم من ~~قضى نحبه» تفصيل لحال الصادقين وتقسيم إلى قسمين والحب النذر وهو أن يلتزم ~~الانسان شيئا من أعماله ويوجبه على نفسه وقضاؤه الفراغ منه والوفاء به ومحل ~~الجار والمجرور الرفع على الابتداء على أحد الوجهين المذكورين في قوله ~~تعالى «ومن الناس من يقول آمنا بالله» الآية أي فبعضهم أو فبعض منهم من خرج ~~عن العهدة كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر ms2659 عم أنس ابن مالك وغيرهم رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين فإنهم قد قضوا نذورهم سواء كان النذر على حقيقته ~~بأن يكون ما نذروه افعالهم الاختيارية التي هي المقاتلة المغياة بما ليس ~~منها ولا يدخل تحت النذر وهو الموت شهيدا أو كان مستعارا لالتزامه على ما ~~سيأتي «ومنهم» أي وبعضهم أو وبعض منهم «من ينتظر» أي قضاء نحبه لكونه موقتا ~~كعثمان وطلحة وغيرهما ممن استشهد بعد ذلك رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ~~فإنهم مستمرون على نذورهم قد قضوا بعضها وهو الثبات مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والقتال إلى حين نزول الآية الكريمة ومنتظرون لقضاء بعضها الباقي ~~وهو القتال إلى الموت شهيدا هذا ويجوز ان يكون النحب مستعارا لالتزام الموت ~~شهيدا إما بتنزيل أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة الالتزام ~~نفسه وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام ~~المدح وأياما كان في وصفهم بالانتظار المنبئ عن الرغبة في المنتظر شهادة ~~حقة بكمال اشتياقهم إلى الشهادة وأما ما قيل من أن النحب استعير للموت لأنه ~~كنذر لازم في رقبة كل حيوان فمسخ للاستعارة وذهاب برونقها وإخراج للنظم ~~الكريم عن مقتضى المقام بالكلية «وما بدلوا» عطف على صدقوا وفاعله فاعله أي ~~وما بدلوا عهدهم وما غيروه «تبديلا» أي تبديلا ما لا أصلا ولا وصفا بل ~~ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون أما الذين قضوا ~~فظاهر وأما الباقون فيشهد به انتظارهم أصدق شهادة وتعميم عدم التبديل ~~للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم ~~PageV07P098 # ويجوز أن يكون ضمير بدلوا للمنتظرين خاصة بناء على ان المحتاج إلى البيان ~~حالهم وقد روى أن طلحة رضى الله عنه ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد حتى أصيبت يده فقال صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة الجنة وفي رواية ~~أوجب طلحة وعنه صلى الله عليه وسلم في رواية جابر رضى الله عنه من سره ان ~~ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض ms2660 فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وفي رواية ~~عائشة رضى الله عنها من سره أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض وقد قضى نحبه ~~فلينظر إلى طلحة وهذا يشير إلى انه من الأولين حكما «ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم» متعلق بمضمر مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما هو داع إلى وقوع ~~ما حكى من الأحوال والأقوال على التفصيل وغاية له كما مر في قوله تعالى ~~ليسأل الصادقين عن صدقهم كأنه قيل وقع جميع ما وقع ليجزى الله الصادقين بما ~~صدر عنهم من الصدق والوفاء قولا وفعلا «ويعذب المنافقين» بما صدر عنهم من ~~الاعمال والأقوال المحكية «إن شاء» تعذيبهم «أو يتوب عليهم» إن تابوا وقيل ~~متعلق بما قبله من نفي التبديل المنطوق وإثباته المعرض به كأن المنافقين ~~قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة ~~الحسنى وقيل تعليل لصدقوا وقيل لما يفهم من قوله تعالى وما زادهم إلا ~~إيمانا وتسليما وقيل لما يستفاد من قوله تعالى ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~كأنه قيل ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطيب ليجزي الآية فتأمل وبالله ~~التوفيق «إن الله كان غفورا رحيما» أي لمن تاب وهو اعتراض فيه بعث إلى ~~التوبة وقوله تعالى «ورد الله الذين كفروا» رجوع إلى حكاية بقية القصة ~~وتفصيل تتمة النعمة المشار إليها اجمالا بقوله تعالى فأرسلنا عليهم ريحا ~~وجنودا لم تروها معطوف إما على المضمر المقدر قبل قوله تعالى ليجزى الله ~~كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الخ ~~وإما على أرسلنا وقد وسط بينهما بيان كون ما نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها ~~العقول والافهام وداهية تامة تحاكت منها الركب وزلت الاقدام وتفصيل ما صدر ~~عن فريقي أهل الايمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال لإظهار عظم ~~النعمة إبانه خطرها الجليل ببيان وصولها إليهم عند غاية احتياجهم إليها أي ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ورددنا بذلك الذين كفروا والالتفات إلى ~~الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة وقوله تعالى «بغيظهم» حال من ms2661 ~~الموصول أي ملتبسين به وكذا قوله تعالى «لم ينالوا خيرا» بتداخل أو تعاقب ~~أي غير ظافرين بخير أو الثانية بيان للأولى أو استئناف «وكفى الله المؤمنين ~~القتال» بما ذكر من إرسال الريح والجنود «وكان الله قويا» على إحداث كل ما ~~يريد «عزيزا» PageV07P099 # غالبا على كل شئ «وأنزل الذين ظاهروهم» أي عاونوا الأحزاب المردودة «من ~~أهل الكتاب» وهم بنو قريظة «من صياصيهم» من حصونهم جميع صيصية وهي ما يتحصن ~~به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك «وقذف في قلوبهم الرعب» الخوف ~~الشديد بحيث اسلموا أنفسهم للقتل وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما ينطق به ~~قوله تعالى «فريقا تقتلون وتأسرون فريقا» من غير أن يكون من جهتهم حراك ~~فضلا عن المخالفة والاستعصاء روى أن جبريل عليه السلام أتى رسول صلى الله ~~عليه وسلم صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ~~ووضعوا السلاح فقال أتنزع لامتك والملائكة ما وضعوا السلاح ان الله يأمرك ~~ان تسير إلى بني قريظة وانا عامد إليهم فأذن في الناس ان لا يصلوا العصر ~~الا ببني قريظة فحاصروهم احدى وعشرين أو خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ~~فقال لهم تنزلون على حكمي فأبوا فقال على حكم سعد بن معاذ فرضوا به فحكم ~~سعد بقتل وسبي ذراريهم ونسائهم فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال لقد ~~حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فقتل منهم ستمائة مقاتل وقيل من ثمانمائة ~~إلى تسعمائة واسر سبعمائة وقرئ تأسرون بضم السين كما قرىء الرعب بضم العين ~~ولعل تأخير المفعول في الجملة الثانية مع ان مساق الكلام لتفصيله وتقسيمه ~~كما في قوله تعالى ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون وقوله تعالى فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون لمراعاة الفواصل «وأورثكم أرضهم وديارهم» أي حصونهم ~~«وأموالهم» ونقودهم وأثاثهم ومواشيهم روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال صلى الله عليه ~~وسلم إنكم في منازلكم فقال عمر رضى الله عنه أما تخمس كما خمست يوم بدر ~~فقال صلى ms2662 الله عليه وسلم لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس قالوا رضينا ~~بما صنع الله ورسوله «وأرضا لم تطؤوها» أي أورثكم في علمه وتقديره أرضا لم ~~تقبضوها بعد كفارس والروم وقيل كل أرض تفتح إلى يوم القيامة وقيل خيبر ~~«وكان الله على كل شيء قديرا» فقد شاهدتم بعض مقدوراته من إيراث الأراضي ~~التي تسلمتموها فقيسوا عليها ما عداها «يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا» أي السعة والتنعم فيها «وزينتها» وزخافها «فتعالين» أي ~~أقبلن بارادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين كما يقال أقبل يخاصمني وذهب ~~يكلمني وقام يهددني «أمتعكن» بالجزم جوابا للأمر وكذا «وأسرحكن» أي أعطكن ~~المتعة وأطلقكن «سراحا جميلا» طلاقا من غير ضرار وقرئ بالرفع على الاستئناف ~~روى أنهن سألنه صلى الله عليه وسلم ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت فبدأ ~~بعائشة PageV07P100 # فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ثم اختارت الباقيات اختيارها ~~فشكر لهن الله ذلك فنزل لا يحل لك النساء من بعد واختلف في أن هذا التخيير ~~هل كان تفويض الطلاق إليهن حتى يقع الطلاق بنفس الاختيار أولا فذهب الحسن ~~وقتادة وأكثر أهل العلم إلى انه لم يكن تفويض الطلاق وإنما كان تخييرا لهن ~~بين الإرادتين على أنهن إن أردن الدنيا فارقهن صلى الله عليه وسلم كما ينبئ ~~عنه قوله تعالى فتعالين أمتعكن وأسرحكن وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضا ~~للطلاق إليهن حتى لو أنهن اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقا وكذا اختلف في حكم ~~التخيير فقال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم إذا خير رجل ~~امرأته فاختارت زوجها لا يقع شئ أصلا ولو اختارت نفسها وقعت طلقة بائنة ~~عندنا ورجعية عند الشافعي وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وسفيان ~~وروى عن زيد بن ثابت انها إن اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإن اختارت نفسها ~~يقع ثلاث طلقات وهو قول الحسن ورواية عن مالك وروى عن علي رضى الله عنه ~~أنها إن اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة وروى ms2663 عنه ~~أيضا انها إن اختارت زوجها لا يقع شئ أصلا وعليه إجماع فقهاء الأمصار وقد ~~روى عن عائشة رضي الله عنها خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ~~ولم يعده طلاقا وتقديم التمتيع على التسريح من باب الكرم وفيه قطع ~~لمعاذيرهن من أول الامر والمتعة في المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها ~~صداق عند العقد واجبة عندنا وفيما عداهن مستحبة وهي درع وخمار وملحفة بحسب ~~السعة والاقتار إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك فحينئذ يجب لها الأقل ~~منهما ولا ينقص عن خمسة دراهم «وإن كنتن تردن الله ورسوله» أي تردن رسوله ~~وذكر الله عز وجل للإيذان بجلالة محله صلى الله عليه وسلم عنده تعالى ~~«والدار الآخرة» أي نعيمها الذي لا قدر عنده للدنيا وما فيها جميعا «فإن ~~الله أعد للمحسنات منكن» بمقابلة إحسانهن «أجرا عظيما» لا يقادر قدره ولا ~~يبلغ غايته ومن للتبيين لأن كلهن محسنات وتجريد الشرطية الأولى عن الوعيد ~~للمبالغة في تحقيق معنى التخيير والاحتراز عن شائبة الإكراه وهو السر فيما ~~ذكر من تقديم التمتيع على التسريح وفي وصف السراح بالجميل «يا نساء النبي» ~~تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن ههنا وفيما ~~بعده بالإضافة اليه صلى الله عليه وسلم لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن ~~من الاحكام «من يأت منكن بفاحشة» بكبيرة «مبينة» ظاهرة القبح من بين بمعنى ~~تبين وقرئ بفتح الياء والمراد بها كل ما اقترفن من الكبائر وقيل هي عصيانهن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه أو ما يضيق ~~به ذرعه ويغتم لأجله وقرئ تأت بالفوقانية «يضاعف لها العذاب ضعفين» أي ~~يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة ~~لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه PageV07P101 # ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بما لا يعاتب به الأمم وقرئ يضعف على البناء للمفعول ويضاعف ونضعف بنون ~~العظمة على البناء للفاعل ونصب العذاب ms2664 «وكان ذلك على الله يسيرا» لا يمنعه ~~عن التضعيف كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل يدعوه اليه لمراعاة حقه ~~«ومن يقنت منكن» وقرئ بالتاء أي ومن يدم على الطاعة «لله ورسوله وتعمل ~~صالحا نؤتها أجرها مرتين» مرة على الطاعة والتقوى وأخرى على طلبهن رضا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة وقرئ يعمل بالياء حملا على ~~لفظ من ويؤتها على أن فيه ضمير اسم الله تعالى «وأعتدنا لها» في الجنة ~~زيادة على اجرها المضاعف «رزقا كريما» مرضيا «يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء» أصل أحد وحد بمعنى الواحد ثم وضع في النفي مستويا فيه المذكر ~~والمؤنث والواحد والكثير والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في ~~الفضل والشرف «إن اتقيتن» مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله أو إن اتصفتن ~~بالتقوى كما هو اللائق بحالكن «فلا تخضعن بالقول» عند مخاطبة الناس أي لا ~~تجبن بقولكن خاضعا لينا على سنن قول المريبات والمومسات «فيطمع الذي في ~~قلبه مرض» أي فجور وريبة وقرئ بالجزم عطفا على محل فعل النهى على انه نهى ~~لمريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الأطماع بالقول الخاضع كأنه قيل فلا ~~تخضعن بالقول فلا يطمع مريض القلب «وقلن قولا معروفا» بعيدا عن الريبة ~~والأطماع بحد وخشونة من غير تخنيث أو قولا حسنا مع كونه خشنا «وقرن في ~~بيوتكن» أمر من قريقر من باب علم وأصله اقررن فحذفت الراء الأولى وألقيت ~~فتحتها على ما قبلها كما في قولك ظلن أو من قار يقار إذا اجتمع وقرئ بكسر ~~القاف من وقر يقر وقارا إذا ثبت واستقر وأصله أوقرن ففعل به ما فعل بعدن من ~~وعد أو من قريقر حذفت إحدى راءى اقررن ونقلت كسرتها إلى القاف كما تقول ظلن ~~«ولا تبرجن» أي لا تتبخترن في مشيكن «تبرج الجاهلية الأولى» أي تبرجا مثل ~~تبرج النساء في الجاهلية القديمة وهي ما بين آدم ونوح وقيل ما بين إدريس ~~ونوح عليهما السلام وقيل الزمان الذي ولد فيه إبراهيم عليه ms2665 السلام كانت ~~المرأة تلبس درعها من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال وقيل ~~زمن داود وسليمان عليهما السلام والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما ~~الصلاة والسلام وقيل الجاهلية الأولى جاهلية PageV07P102 # الكفر والجاهلية الأخرى الفسوق في الاسلام ويؤيد قوله صلى الله عليه وسلم ~~لأبى الدرداء إن فيك جاهلية قال جاهلية كفر أو جاهلية إسلام قال بل جاهلية ~~كفر «وأقمن الصلاة وآتين الزكاة» أمرن بهما لإنافتهما على غيرهما وكونهما ~~اصلى الطاعات البدنية والمالية «وأطعن الله ورسوله» أي في كل ما تأتن وما ~~تذرن لا سيما فيما أمرتن به ونهيتن عنه «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس» ~~أي الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عمم ~~الحكم بتعميم الخطاب لغيرهن وصرح بالمقصود حيث قيل بطريق النداء أو المدح ~~«أهل البيت» مرادا بهم من حواهم بيت النبوة «ويطهركم» من أوضار الأوزار ~~والمعاصي «تطهيرا» بليغا واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطهير لمزيد ~~التنفير عنها وهذه كما ترى آية بينة وحجة نيرة على كون نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أهل بيته قاضية ببطلان رأى الشيعة في تخصيصهم أهل البيت ~~بفاطمة وعلي وابنيهما رضوان الله عليهم وأما ما تمسكوا به من أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر اسود وجلس فأتت ~~فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء على فأدخله فيه ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما ~~فيه ثم قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت فإنما يدل على كونهم ~~من أهل البيت لاعلى ان من عداهم ليسوا كذلك ولو فرضت دلالته على ذلك لما ~~اعتد بها لكونها في مقابلة النص «واذكرن ما يتلى في بيوتكن» أي اذكرن للناس ~~بطريق العظة والتذكير ما يتلى في بيوتكن «من آيات الله والحكمة» من الكتاب ~~الجامع بين كونه آيات الله البينة الدالة على صدق النبوة بنظمه المعجز ~~وكونه حكمة منطوية على فنون العلوم والشرائع وهو تذكير بما أنعم عليهن حيث ~~جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي ms2666 وما شاهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوة ~~الايمان والحرص على الطاعة حثا على الانتهاء والائتمار فيما كلفنه والتعرض ~~للتلاوة في البيوت دون النزول فيها مع أنه الأنسب لكونها مهبط الوحي ~~لعمومها لجميع الآيات ووقوعها في كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من ~~الذكر والتذكير بخلاف النزول وعدم تعيين التالي لتعم تلاوة جبريل وتلاوة ~~النبي عليهما الصلاة والسلام وتلاوتهن وتلاوة غيرهن تعليما وتعلما «إن الله ~~كان لطيفا خبيرا» يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك فعل ما فعل من الامر ~~والنهي أو يعلم من يصلح للنبوة ومن يستأهل ان يكون من أهل بيته «إن ~~المسلمين والمسلمات» أي الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله تعالى من ~~الذكور والإناث «والمؤمنين والمؤمنات» المصدقين بما يجب أن يصدق ~~PageV07P103 # به من الفريقين «والقانتين والقانتات» المداومين على الطاعة القائمين بها ~~«والصادقين والصادقات» في القول والعمل «والصابرين والصابرات» على الطاعات ~~وعن المعاصي «والخاشعين والخاشعات» المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم ~~«والمتصدقين والمتصدقات» بما وجب في مالهم «والصائمين والصائمات» الصوم ~~المفروض «والحافظين فروجهم والحافظات» عن الحرام «والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات» بقلوبهم وألسنتهم «أعد الله لهم» بسبب ما عملوا من الحسنات ~~المذكورة «مغفرة» اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفرات بما عملوا من الاعمال ~~الصالحة «وأجرا عظيما» على ما صدر عنهم من الطاعات والآيات وعدلهن ~~ولأمثالهن على الطاعة والتدرع بهذه الخصال الحميدة روى أن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ورضى عنهن قلن يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن بخير ~~فما فينا خير نذكر به إنا نخاف ان لا تقبل منا طاعة فنزلت وقيل السائلة أم ~~سلمة وروى انه لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل قال نساء ~~المؤمنين فما نزل فينا شئ فنزلت وعطف الإناث على الذكور لاختلاف الجنسين ~~وهو ضروري وأما عطف الزوجين على الزوجين فلتغاير الوصفين فلا يكون ضروريا ~~ولذلك ترك في قوله تعالى مسلمات مؤمنات وفائدته الدلالة على ان مدار إعداد ~~ما أعد لهم جمعهم بين هذه النعوت الجميلة «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة» ms2667 أي ما ~~صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين والمؤمنات «إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا» أي إذا قضى رسول الله وذكر الله تعالى لتعظيم امره صلى الله عليه ~~وسلم أو للإشعار بأن قضاءه صلى الله عليه وسلم قضاء الله عز وجل لأنه نزل ~~في زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب خطبها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله وقيل في أم كلثوم بنت ~~عقبة بن أبي معيط وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد فسخطت ~~هي واخوها وقالا إنما أردنا الله ورسول الله فزوجنا عبده «أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم» أن يختاروا من امرهم ما شاءوا بل يجب عليهم أن يجعلوا ~~رأيهم تبعا لرأيه صلى الله عليه وسلم واختيارهم تلو الاختيار وجمع الضميرين ~~لعموم مؤمن ومؤمنة لوقوعهما في سياق النفي وقيل الضمير الثاني الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والجمع للتعظيم وقرئ تكون بالتاء «ومن يعص الله ورسوله» في ~~أمر من الأمور ويعمل فيه برأيه «فقد ضل» طريق الحق «ضلال مبين» أي بين ~~الانحراف عن سنن الصواب «وإذ تقول» أي واذكر وقت قولك «للذي أنعم الله ~~عليه» بتوفيقه PageV07P104 # للإسلام وتوفيقك لحسن تربيته ومراعاته «وأنعمت عليه» بالعمل بما وفقك ~~الله له من فنون الاحسان التي من جملتها تحريره وهو زيد بن حارثة وإيراده ~~بالعنوان المذكور لبيان منافاة حالة لما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من ~~إظهار خلاف ما في ضميره إذ هو إنما يقع عند الاستحياء أو الاحتشام وكلاهما ~~مما لا يتصور في حق زيد «أمسك عليك زوجك» أي زينب وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم أبصرها بعد ما أنكحها إياه فوقعت في نفسه حالة جبلية لا يكاد يسلم ~~منها البشر فقال سبحان الله مقلب القلوب وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ~~ففطن لذلك ووقع في نفسه كراهة صحبتها فاتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~أريد ان أفارق صاحبتي فقال مالك أرابك منها شئ قال لا ms2668 والله ما رأيت منها ~~إلا خيرا ولكنها لشرفها تتعظم على فقال له امسك عليك زوجك «واتق الله» في ~~امرها فلا تطلقها إضرارا وتعللا بتكبرها «وتخفي في نفسك ما الله مبديه» وهو ~~نكاحها إن طلقها أو إرادة طلاقها «وتخشى الناس» تعييرهم إياك به «والله أحق ~~أن تخشاه» إن كان فيه ما يخشى والواو للحال وليست المعاتبة على الاخفاء ~~وحده بل على الاخفاء مخافة قالة الناس وإظهار ما ينافي إضمار فإن الأولى في ~~أمثال ذلك أن يصمت أو يفوض الامر إلى ربه «فلما قضى زيد منها وطرا» بحيث لم ~~يبق له فيها حاجة وطلقها وانقضت عدتها وقيل قضاء الوطر كناية عن الطلاق مثل ~~لا حاجة لي فيك «زوجناكها» وقرئ زوجتكها والمراد الأمر بتزويجها منه صلى ~~الله عليه وسلم وقيل جعلها زوجته بلا واسطة عقد ويؤيده أنها كانت تقول ~~لسائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى تولى نكاحي وأنتن زوجكن ~~أولياؤكن وقيل كان زيد السفير في خطبتها وذلك ابتلاء عظيم وشاهد عدل بقوة ~~إيمانه «لكي لا يكون على المؤمنين حرج» ضيق ومشقة «في أزواج أدعيائهم» أي ~~في حق تزوجهن «إذا قضوا منهن وطرا» فإن لهم في رسول الله أسوة حسنة وفيه ~~دلالة على ان حكمه صلى الله عليه وسلم وحكم الأمة سواء إلا ما خصه الدليل ~~«وكان أمر الله» أي ما يرتد تكوينه من الأمور أو مأموره الخاص بكن «مفعولا» ~~مكونا لا محالة اعتراض تذييلى مقرر لما قبله «ما كان على النبي من حرج» أي ~~ما صح وما استقام في الحكمة ان يكون له ضيق «فيما فرض الله له» أي قسم له ~~وقدر من قولهم فرض له في الديوان كذا ومنه فروض العساكر لأعطياتهم «سنة ~~الله» اسم موضوع موضع المصدر كقولهم ترابا وجندلا مؤكد لما قبله من نفى ~~الحرج أي سن الله ذلك سنة «في الذين خلوا» مضوا «من قبل» من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام حيث وسع عليهم في باب النكاح وغيره ولقد كانت لداود عليه ~~السلام مائة امرأة وثلاثمائة ms2669 سرية ولسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة ~~وسبعمائة وقوله تعالى «وكان أمر الله قدرا مقدورا» أي قضاء مقضيا وحكما ~~مبتوتا اعتراض وسط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير ~~نفى الحرج وتحقيقه PageV07P105 # «الذين يبلغون رسالات الله» صفة للذين خلوا أو مدح لهم بالنصب أو بالرفع ~~وقرئ رسالة الله «ويخشونه» في كل ما يأتون ويذرون لا سيما في امر تبليغ ~~الرسالة حيث لا يخرمون منها حرفا ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم «ولا يخشون ~~أحدا إلا الله» في وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعالى تعريض بما صدر عنه ~~صلى الله عليه وسلم من الاحتراز عن لائمة الخلق بعد التصريح في قوله تعالى ~~وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه «وكفى بالله حسيبا» كافيا للمخاوف فينبغي ~~ان لا يخشى غيره أو محاسبا على الصغيرة والكبيرة فيجب ان يكون حق الخشية ~~منه تعالى «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» أي على الحقيقة حتى يثبت بينه ~~وبينه ما يثبت بين الولد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها ولا ينتقض عمومه ~~بكونه صلى الله عليه وسلم ابا الطاهر والقاسم وإبراهيم لأنهم لم يبلغوا ~~الحلم ولو بلغوا لكانوا رجالا له صلى الله عليه وسلم لا لهم «ولكن رسول ~~الله» أي كان رسولا لله وكل رسول أبو أمته لكن لا حقيقة بل بمعنى انه شفيق ~~ناصح لهم وسبب لحياتهم الأبدية وما زيد الا واحد من رجالكم الذين لا ولادة ~~بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم فحكمه حكمهم وليس للتبني والادعاء حكم سوى ~~التقريب والاختصاص «وخاتم النبيين» أي كان آخرهم الذي ختموا به وقرئ بكسر ~~التاء أي كان خاتمهم ويؤيده قراءة ابن مسعود ولكن نبيا ختم النبيين وأيا ما ~~كان فلو كان له ابن بالغ لكان نبيا ولم يكن هو صلى الله عليه وسلم خاتم ~~النبيين كما يروي انه قال في إبراهيم حين توفي لو عاش لكان نبيا ولا يقدح ~~فيه نزول عيسى بعده عليهما السلام لان معنى كونه خاتم النبيين انه لا ينبأ ~~أحد بعده وعيسى ممن نبيء ms2670 قبله وحين ينزل انما ينزل عملا على شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مصليا إلى قبلته كأنه بعض أمته «وكان الله بكل شيء عليما» ~~ومن جملته هذه الاحكام والحكم التي بينها لكم وكنتم منها في شك مريب «يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا الله» بما هو أهله من التهليل والتحميد والتمجيد ~~والتقديس «ذكرا كثيرا» يعم الأوقات والأحوال «وسبحوه» ونزهوه عما لا يليق ~~به «بكرة وأصيلا» أي أول النهار واخره على ان تخصيصهما بالذكر ليس لقصر ~~التسبيح عليهما دون سائر الأوقات بل لإبانة فضلهما على سائر الأوقات ~~لكونهما مشهودين كأفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها لكونه ~~العمدة فيها وقيل كلا الفعلين متوجه اليهما كقولك صم وصل يوم الجمعة وقيل ~~المراد بالتسبيح الصلاة PageV07P106 # «هو الذي يصلي عليكم» الخ استئناف جار مجري التعليل لما قبله من الامرين ~~فإن صلاته تعالى عليهم مع عدم استحقاقهم لها وغناه عن العالمين مما يوجب ~~عليهم المداومة على ما يستوجبه تعالى عليهم من ذكره تعالى وتسبيحه وقوله ~~تعالى «وملائكته» عطف على المستكن في يصلي لمكان الفصل المغني عن التأكيد ~~بالمنفصل لكن لا على ان يراد بالصلاة الرحمة أولا والاستغفار ثانيا فإن ~~استعمال اللفظ الواحد في معنيين متغايرين مما لا مساغ له بل على ان يراد ~~بهما معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فردا حقيقيا له وهو الاعتناء بما ~~فيه خيرهم وصلاح امرهم فإن كلا من الرحمة والاستغفار فرد حقيقي له أو ~~الترحم والانعطاف المعنوي المأخوذ من الصلاة المشتملة على الانعطاف الصوري ~~الذي هو الركوع والسجود ولا ريب في ان استغفار الملائكة ودعاءهم للمؤمنين ~~ترحم عليهم واما ان ذلك سبب للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما قيل فاعتباره ~~ينزع إلى الجمع بين المعنيين المتغايرين فتدبر «ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور» متعلق بيصلي أي يعتني بأموركم هو وملائكته ليخرجكم بذلك من ظلمات ~~المعصية إلى نور الطاعة وقوله تعالى «وكان بالمؤمنين رحيما» اعتراض مقرر ~~لمضمون ما قبله أي كان بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتم رحيما ولذلك ~~يفعل بكم ما يفعل ms2671 من الاعتناء بإصلاحكم بالذات وبالواسطة ويهديكم إلى ~~الايمان والطاعة أو كان بكم رحيما على ان المؤمنين مظهر وضع موضع المضمر ~~مدحا لهم واشعارا بعلة الرحمة وقوله تعالى «تحيتهم يوم يلقونه سلام» بيان ~~للاحكام الآجلة لرحمة الله تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة التي هي ~~الاعتناء بأمرهم وهدايتهم إلى الطاعة أي ما يحيون به على انه مصدر أضيف إلى ~~مفعوله يوم لقائه عند الموت أو عند البعث من القبور أو عند دخول الجنة ~~تسليم عليهم من الله عز وجل تعظيما لهم أو من الملائكة بشارة لهم بالجنة أو ~~تكرمة لهم كما في قوله تعالى والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ~~أو اخبار بالسلامة عن كل مكروه وآفة وقوله تعالى «وأعد لهم أجرا كريما» ~~بيان لآثار رحمته الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته ~~الواصلة إليهم قبل ذلك ولعل ايثار الجملة الفعلية على الاسمية المناسبة لما ~~قبلها بأن يقال مثلا وأجرهم اجر كريم أو ولهم اجر كريم للمبالغة في الترغيب ~~والتشويق إلى الموعود ببيان ان الاجر الذي هو المقصد الأقصى من بين سائر ~~آثار الرحمة موجود بالفعل مهيأ لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل «يا أيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا» على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم وتشاهد اعمالهم ~~وتتحمل منهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من ~~الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة أداء مقبولا PageV07P107 # فيما لهم وما عليهم وهو حال مقدرة «ومبشرا ونذيرا» تبشر المؤمنين بالجنة ~~وتنذر الكافرين بالنار «وداعيا إلى الله» أي إلى الاقرار به وبوحدانيته ~~وبسائر ما يجب الايمان به من صفاته وافعاله «بإذنه» أي بتيسيره اطلق عليه ~~مجازا لما انه من أسبابه وقيد به الدعوة ايذانا بأنها امر صعب المنال وخطب ~~في غاية الاعضال لا يتأتي الا بإمداد من جناب قدسه كيف لا وهو صرف للوجوه ~~عن القبل المعبودة وادخال الأعناق في قلادة غير معهودة «وسراجا منيرا» ~~يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية ويهتدي بأنواره إلى مناهج الرشد ~~والهداية ms2672 «وبشر المؤمنين» عطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه ~~قيل فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين منهم «بأن لهم من الله فضلا كبيرا» أي ~~على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف أو زيادة على أجور اعمالهم بطريق ~~التفضل والاحسان «ولا تطع الكافرين والمنافقين» نهى عن مداراتهم في امر ~~الدعوة واستعمال لين الجانب في التبليغ والمسامحة في الانذار كنى عن ذلك ~~بالنهي عن طاعتهم مبالغة في الزجر والتنفير عن المنهي عنه بنظمه في سلكها ~~وتصويره بصورتها ومن حمل النهي على التهييج والإلهاب فقد ابعد عن التحقيق ~~بمراحل «ودع أذاهم» أي لا تبال بأذيتهم لك بسبب تصلبك في الدعوة والانذار ~~«وتوكل على الله» في كل ما تأتي وما تذر من الشؤون التي من جملتها هذا ~~الشأن فإنه تعالى يكفيكهم «وكفى بالله وكيلا» موكولا اليه الأمور في كل ~~الأحوال واظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لتعليل الحكم وتأكيد استقلال ~~الاعتراض التذييل ولما وصف صلى الله عليه وسلم بنعوت خمسة قوبل كل منها ~~بخطاب يناسبه خلا انه لم يذكر مقابل الشاهد صريحا وهو الامر بالمراقبة ثقة ~~بظهور دلالة مقابل المبشر عليه وهو الامر بالتبشير حسبما ذكر آنفا وقوبل ~~النذير بالنهي عن مداراة الكفار والمنافقين والمسامحة في إنذارهم كما ~~تحققته وقوبل الداعي إلى الله بإذنه بالامر بالتوكل عليه من حيث انه عبارة ~~عن الاستمداد منه تعالى والاستعانة به وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به ~~تعالى فإن من أيده الله تعالى بالقوة القدسية ورشحه للنبوة وجعله برهانا ~~نيرا يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد حقيق بأن يكتفي به عن كل ما ~~سواه «يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن» أي تجامعوهن وقرئ تماسوهن بضم التاء «فما لكم عليهن من عدة» بأيام ~~يتربصن فيها بأنفسهن «تعتدونها» تستوفون عددها من عددت الدراهم فاعتدها ~~وحقيقته عدها لنفسه وكذلك كلته فاكتاله والاسناد إلى الرجال للدلالة على ان ~~العدة حق PageV07P108 # الأزواج كما اشعر به قوله تعالى فما لكم وقرئ تعتدونها على ابدال احدى ~~الدالين ms2673 بالتاء أو على انه من الاعتداء بمعنى تعتدون فيها والخلوة الصحيحة ~~في حكم المس وتخصيص المؤمنات مع عموم الحكم للكتابيات للتنبيه على ان ~~المؤمن من شأنه ان يتخير لنطفته ولا ينكح الا مؤمنة وفائدة ثم إزاحة ما عسى ~~يتوهم ان تراخي الطلاق ريثما تمكن الإصابة يؤثر في العدة كما يؤثر في النسب ~~«فمتعوهن» أي ان لم يكن مفروضا لها في العقد فإن الواجب للمفروض لها نصف ~~المفروض دون المتعة فإنها مستحبة عندنا في رواية وفي أخرى غير مستحبة ~~«وسرحوهن» أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة «سراحا جميلا» من غير ~~ضرار ولا منع حق ولا مساغ لتفسيره بالطلاق السنى لأنه انما يتسنى في ~~المدخول بهن «يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن» أي ~~مهورهن فإنها أجور الابضاع وايتاؤها اما اعطاؤها معجلة أو تسميتها في العقد ~~وأيا ما كان فتقييد الاحلال له صلى الله عليه وسلم به ليس لتوقف الحل عليه ~~ضرورة انه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل أو المتعة على تقديري الدخول ~~وعدمه بل لايثار الأفضل والأولى له صلى الله عليه وسلم كتقييد احلال ~~المملوكة بكونها مسبية في قوله تعالى «وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك» ~~فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها وكتقييد القرائب بكونهن ~~مهاجرات معه في قوله تعالى «وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك» ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ويعضده قول أم هانئ بنت أبى طالب خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاعتذرت إليه فعذرني ثم انزل الله هذه الآية فلم أحل له لأنى لم أهاجر معه ~~كنت من الطلقاء «وامرأة مؤمنة» بالنصب عطفا على مفعول أحللنا إذ ليس معناه ~~إنشاء الإحلال الناجز بل إعلام مطلق الإحلال المنتظم لما سبق ولحق وقرئ ~~بالرفع على انه مبتدأ خبره محذوف أي أحللناها لك أيضا «إن وهبت نفسها ~~للنبي» أي ملكته بضعها باي عبارة كانت بلا مهر إن اتفق ms2674 ذلك كما ينبئ عنه ~~تنكيرها لكن لا مطلقا بل عند إرادته صلى الله عليه وسلم استنكاحها كما نطق ~~به قوله عز وجل «إن أراد النبي أن يستنكحها» أي أن يتملك بضعها كذلك أي بلا ~~مهر فإن ذلك جار منه صلى الله عليه وسلم مجرى القبول وحيث لم يكن هذا نصا ~~في كون تمليكها بلفظ الهبة لم يصلح أن يكون مناطا للخلاف في انعقاد النكاح ~~بلفظ الهبة إيجابا أو سلبا واختلف في اتفاق هذا العقد فعن ابن عباس رضى ~~الله عنهما لم يكن عنده صلى الله عليه وسلم أحد منهن بالهبة وقيل الموهوبات ~~اربع ميمونة بنت الحرث وزينب بنت خزيمة الأنصارية وأم شريك بنت جابر وخولة ~~بنت حكيم وإيراده صلى الله عليه وسلم في الموضعين PageV07P109 # بعنوان النبوة بطريق الالتفات للتكرمة والايذان بأنها المناط لثبوت الحكم ~~فيختص به صلى الله عليه وسلم حسب اختصاصها به كما ينطق به قوله تعالى ~~«خالصة لك» أي خلص لك إحلالها خالصة أي خلوصا فإن الفاعلة في المصادر غير ~~عزيز كالعافية والكاذبة أو خلص لك إحلال ما أحللنا لك من المذكورات على ~~القيود المذكورة خالصة ومعنى قوله تعالى «من دون المؤمنين» على الأول ان ~~الاحلال المذكور في المادة المعهودة غير متحقق في حقهم وإنما المتحقق هناك ~~الاحلال بمهر المثل وعلى الثاني ان إحلال الجميع على القيود المذكورة غير ~~متحقق في حقهم بل المتحقق فيه إحلال البعض المعدود على الوجه المعهود وقرئ ~~خالصة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك خلوص لك وخصوص أو هي أي تلك ~~المرأة أو الهبة خالصة لك لا تتجاوز المؤمنين حيث لا تحل لهم بغير مهر ولا ~~تصح الهبة بل يجب مهر المثل وقوله تعالى «قد علمنا ما فرضنا عليهم» أي على ~~المؤمنين «في أزواجهم» أي في حقهن اعتراض مقرر لما قبله من خلوص الاحلال ~~المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم تجاوزة للمؤمنين ببيان انه قد ~~فرض عليهم من شرائط العقد وحقوقه ما لم يفرض عليه صلى الله عليه وسلم ms2675 تكرمة ~~له وتوسعة عليه أي قد علمنا ما ينبغي أن يفرض عليهم في حق أزواجهم «وما ~~ملكت أيمانهم» وعلى أي حد واي صفة يحق ان يفرض عليهم ففرضنا ما فرضنا على ~~ذلك الوجه وخصصناك ببعض الخصائص «لكيلا يكون عليك حرج» أي ضيق واللام ~~متعلقة بخالصة باعتبار ما فيها من معنى ثبوت الاحلال وحصوله له صلى الله ~~عليه وسلم لا باعتبار اختصاصه به صلى الله عليه وسلم لان مدار انتفاء الحرج ~~هو الأول لا الثاني الذي هو عبارة عن عدم ثبوته لغيره «وكان الله غفورا» ~~لما يعسر التحرز عنه «رحيما» ولذلك وسع الأمر في مواقع الحرج «ترجي من تشاء ~~منهن» أي تؤخرها وتترك مضاجعتها «وتؤوي إليك من تشاء» وتضم إليك من تشاء ~~منهن وتضاجعها أو تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء وقرئ ترجئ بالهمزة ~~والمعنى واحد «ومن ابتغيت» أي طلبت «ممن عزلت» طلقت بالرجعية «فلا جناح ~~عليك» في شئ مما ذكر وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق أو ~~يمسك فإذا امسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم وإذا طلق فإما أن يخلى ~~المعزولة أو يبتغيها وروى أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم ~~حبيبة فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء وكانت مما آوى اليه عائشة وحفصة وأم ~~سلمة وزينب وارجى خمسا وآوى أربعا وروى أنه كان يسوى بينهن مع ما أطلق له ~~وخير إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضى الله عنهن وقالت لا تطلقني حتى ~~أحشر في زمرة نسائك «ذلك» أي ما ذكر من تفويض الامر إلى مشيئتك «أدنى أن ~~تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن» أي أقرب إلى قرة عيونهن ~~ورضاهن جميعا لأنه حكم كلهن فيه سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك ~~وإن رجحت بعضهن علمن PageV07P110 # أنه بحكم الله فتطمئن به نفوسهن وقرئ تقر بضم التاء ونصب أعينهن وتقر على ~~البناء للمفعول وكلهن تأكيد لنون يرضين وقرى بالنصب على انه تأكيد لهن ~~«والله يعلم ما في ms2676 قلوبكم» من الضمائر والخواطر فاجتهدوا في أحسانها «وكان ~~الله عليما» مبالغا في العلم فيعلم كل ما تبدونه وتخفونه «حليما» لا يعاجل ~~بالعقوبة فلا تغتروا بتأخيرها فإنه إمهال لا إهمال «لا يحل لك النساء» ~~بالياء لان تأنيث الجمع غير حقيقي ولوجود الفصل وقرئ بالتاء «من بعد» أي من ~~بعد التسع وهو في حقه كالأربع في حقنا وقال ابن عباس وقتادة من بعد هؤلاء ~~التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك وقيل من بعد اختيارهن الله ورسوله ورضاهن بما ~~تؤتيهن من الوصل والهجران «ولا أن تبدل» أي تتبدل بحذف إحدى التاءين «بهن» ~~أي بهؤلاء التسع «من أزواج» بأن تطلق واحدة منهن وتنكح مكانها أخرى ومن ~~مزيدة لتأكيد الاستغراق أراد الله تعالى لهن كرامة وجزاء على ما أخترن ~~ورضين فقصر رسوله عليهن وهن التسع اللاتي توفى صلى الله عليه وسلم عنهن وهن ~~عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة ~~وأم سلمة بنت أبي أمية وصفية بنت حيي الخيبرية وميمونة بنت الحرث الهلالية ~~وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحرث المصطلقية وقال عكرمة المعنى لا ~~يحل لك النساء من بعد الأجناس الأربعة اللاتي أحللناهن لك بالصفة التي تقدم ~~ذكرها من الأعرابيات والغرائب أو من الكتابيات أو من الإماء بالنكاح ويأباه ~~قوله تعالى ولا أن تبدل بهن فإن معنى إحلال الأجناس المذكورة إحلال نكاحهن ~~فلا بد أن يكون معنى التبدل بهن إحلال نكاح غيرهن بدل إحلال نكاحهن وذلك ~~إنما يتصور بالنسخ الذي ليس من الوظائف البشرية «ولو أعجبك حسنهن» أي حسن ~~الأزواج المستبدلة وهو حال من فاعل تبدل لا من مفعوله وهو من أزواج لنوغله ~~في التنكير قيل تقديره مفروضا أعجابك بهن وقد مر تحقيقه في قوله تعالى ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم وقيل هي أسماء بنت عميس الخثعمية ~~امرأة جعفر بن أبي طالب أي هي ممن أعجبه صلى الله عليه وسلم حسنهن واختلف ~~في ان الآية محكمة أو منسوخة قيل بقوله تعالى ترجى من تشاء منهن وتؤوي ms2677 إليك ~~من تشاء وقيل بقوله تعالى إنا أحللنا لك وترتيب النزول ليس على ترتيب ~~المصحف وقيل بالسنة وعن عائشة رضى الله عنها ما مات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أحل له النساء وقال انس رضى الله عنه مات صلى الله عليه وسلم ~~على التحريم «إلا ما ملكت يمينك» استثناء من النساء لأنه يتناول الأزواج ~~والإماء وقيل منقطع «وكان الله على كل شيء رقيبا» حافظا مهيمنا فاحذروا ~~مجاوزة حدوده وتخطى حلاله إلى حرامه PageV07P111 # «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي» شروع في بيان ما يجب مراعاته ~~على الناس من حقوق نساء النبي صلى الله عليه وسلم إثر بيان ما يجب مراعاته ~~عليه صلى الله عليه وسلم من الحقوق المتعلقة بهن وقوله إلى «إلا أن يؤذن ~~لكم» استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال ~~كونكم مأوذنا لكم وقيل من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا ~~وقت ان يؤذن لكم ورد عليه بان النحاة نصوا على أن الوقوع موقع الظرف مختص ~~بالمصدر الصريح دون المؤول لا يقال آتيك أن يصيح الديك وإنما يقال آتيك ~~صياح الديك وقوله تعالى «إلى طعام» متعلق بيؤذن بتضمين معنى الدعاء للإشعار ~~بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة وإن تحقق الاذن كما يشعر به ~~قوله تعالى «غير ناظرين إناه» أي غير منتظرين وقته أو إدراكه وهو حال من ~~فاعل لا تدخلوا على ان الاستثناء واقع على الوقت والحال معا عند من يجوزه ~~أو من المجرور في لكم وقرئ بالجر صفة لطعام فيكون جاريا على غير من هو له ~~بلا إبراز الضمير ولا مساغ له عند البصريين وقرئ بالإمالة لأنه مصدر انى ~~الطعام أي أدرك «ولكن إذا دعيتم فأدخلوا» استداراك من النهى عن الدخول بغير ~~إذن وفيه دلالة بينة على ان المراد بالاذن إلى الطعام هو الدعوة إليه «فإذا ~~طعمتم فانتشروا» فتفرقوا ولا تلبثوا لأنه خطاب لقوم كان يتحينون طعام النبي ~~صلى الله ms2678 عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم ~~وإلا لما جاز لأحد ان يدخل بيوته صلى الله عليه وسلم باذن لغير الطعام ولا ~~اللبث بعد الطعام لأمر مهم «ولا مستأنسين لحديث» أي لحديث بعضكم بعضا أو ~~لحديث أهل البيت بالتسمع له عطف على ناظرين أو مقدر بفعل أي ولا تدخلوا أو ~~لا تمكثوا مستأنسين الخ «إن ذلكم» أي الاستئناس الذي كنتم تفعلونه من قبل ~~«كان يؤذي النبي» لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإيجابه للاشتغال بما لا ~~يعينه وصده عن الاشتغال بما يعنيه «فيستحيي منكم» أي من إخراجكم لقوله ~~تعالى «والله لا يستحيي من الحق» فإنه يستدعي ان يكون المستحي منه أمرا حقا ~~متعلقا بهم لا أنفسهم وما ذاك إلا إخراجهم فينبغي ان لا يترك حياء ولذلك لم ~~يتركه تعالى وأمركم بالخروج والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة كله وقرئ ~~لا يستحى بحذف الياء الأولى وإلقاء حركتها إلى ما قبلها «وإذا سألتموهن» ~~الضمير لنساء النبي المدلول عليهن بذكر بيوته صلى الله عليه وسلم «متاعا» ~~أي شيئا يتمتع به من الماعون وغيره «فاسألوهن» أي المتاع «من وراء حجاب» أي ~~ستر وروى أن عمر رضي اله عنه قال يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت وقيل إنه صلى الله عليه وسلم كان يطعم ~~ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد PageV07P112 # عائشة رضى الله عنها فكره النبي ذلك فنزلت «ذلكم» أي ما ذكر من عدم ~~الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع من وراء ~~حجاب «أطهر لقلوبكم وقلوبهن» أي أكثر تطهيرا من الخواطر الشيطانية «وما كان ~~لكم» أي وما صح وما استقام لكم «أن تؤذوا رسول الله» أي ان تفعلوا في حياته ~~فعلا يكرهه ويتأذى به «ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا» أي من بعد وفاته ~~أو فراقه «إن ذلكم» إشارة إلى ما ذكر من ايذائه صلى الله عليه وسلم ونكاح ~~أزواجه من بعده وما فيه من معنى البعد للايذان ببعد منزلته في ms2679 الشر والفساد ~~«كان عند الله عظيما» أي امرا عظيما وخطبا هائلا لا يقادر قدره وفيه من ~~تعظيمه تعالى لشأن رسوله صلى الله عليه وسلم وايجاب حرمته حيا وميتا مالا ~~يخفي ولذلك بالغ تعالى في الوعيد حيث قال «إن تبدوا شيئا» مما لا خير فيه ~~كنكاحهن على ألسنتكم «أو تخفوه» في صدوركم «فإن الله كان بكل شيء عليما» ~~فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي البادية والخافية لا محالة وفي هذا ~~التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل وتشديد ومبالغة في الوعيد «لا ~~جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء ~~أخواتهن» استئناف لبيان من لا يجب الاحتجاب عنهم روى أنه لما نزلت آية ~~الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب يا رسول الله أو نكلمهن أيضا من وراء ~~الحجاب فنزلت وانما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمي ~~العم ابا في قوله تعالى واله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق أو لأنه اكتفى ~~عن ذكرهما بذكر أبناء الاخوة وأبناء الأخوات فإن مناط عدم لزوم الاحتجاب ~~بينهن وبين الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة ~~لما انهن عمات لأبناء الاخوة وخالات لأبناء الأخوات وقيل لأنه كره ترك ~~الاحتجاب منهما مخافة ان يصفاهن لا بنائهما «ولا نسائهن» أي نساء المؤمنات ~~«ولا ما ملكت أيمانهن» من العبيد والإماء وقيل من الإماء خاصة وقد مر في ~~سورة النور «واتقين الله» في كل ما تأتن وما تذرن لا سيما فيما امرتن به ~~ونهيتن عنه «إن الله كان على كل شيء شهيدا» لا تخفي عليه خافية ولا تتفاوت ~~في علمه الأحوال «إن الله وملائكته» وقرئ وملائكته بالرفع عطفا على محل ان ~~اسمها عند الكوفيين وحملا على حذف الخبر ثقة بدلالة ما بعده عليه على رأى ~~البصريين «يصلون على النبي» قيل الصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة ~~الاستغفار وقال ابن عباس رضي الله عنهما أراد ان الله يرحمه والملائكة ~~يدعون له وعنه أيضا يصلون يبركون وقال أبو العالية صلاة الله PageV07P113 # تعالى عليه ms2680 ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاتهم دعاؤهم له فينبغي ان يراد ~~بها في يصلون معنى يجازي عام يكون كل واحد من المعاني المذكورة فردا حقيقا ~~له أي يعتنون بما فيه خيره وصلاح امره ويهتمون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه ~~وذلك من الله سبحانه بالرحمة ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار «يا أيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه» اعتنوا أنتم أيضا بذلك فإنكم أولى به «وسلموا ~~تسليما» قائلين اللهم صل على محمد وسلم أو نحو ذلك وقيل المراد بالتسليم ~~انقياد امره والآية دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه مطلقا من غير تعرض ~~لوجوب التكرار وعدمه وقيل يجب ذلك كلما جرى ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم ~~رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي وقوله صلى الله عليه وسلم من ذكرت عنده ~~فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله ويروى انه صلى الله عليه وسلم قال وكل ~~الله تعالى بي ملكين فلا اذكر عند مسلم فيصلي على الا قال ذانك الملكان غفر ~~الله لك وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين ولا اذكر عند ~~مسلم فلا يصلى على الا قال دانك ملكان لا غفر الله لك وقال الله تعالى ~~وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين ومنهم من قال بجب في كل مجلس مرة وان ~~تكرر ذكره صلى الله عليه وسلم كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس وكذلك ~~في كل دعاء في أوله واخره ومنهم من قال بالوجوب في العمر مرة وكذا قال في ~~اظهار الشهادتين والذي يقتضيه الاحتياط ويستدعيه معرفة علو شأنه صلى الله ~~عليه وسلم ان يصلي عليه كلما جرى ذكره الرفيع واما الصلاة عليه في الصلاة ~~بأن يقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم انك حميد مجيد فليست بشرط في جواز الصلاة عندنا وعن إبراهيم النخعي ~~رحمه الله ان الصحابة كانوا يكتفون عن ذلك بما في التشهد وهو السلام عليك ~~أيها النبي واما الشافعي رحمه الله فقد جعلها شرطا واما الصلاة على غير ~~الأنبياء عليهم ms2681 الصلاة والسلام فتجوز تبعا وتكره استقلالا لأنه في العرف ~~شعار ذكر الرسل ولذلك كره ان يقال محمد عز وجل مع كونه عزيزا جليلا «إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله» أريد بالايذاء اما فعل ما يكرهانه من الكفر ~~والمعاصي مجازا لاستحالة حقيقة التأذي في حقه تعالى وقيل في ايذائه تعالى ~~هو قول اليهود والنصارى والمشركين يد الله مغلولة وثالث ثلاثة والمسيح ابن ~~الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ~~وقيل قول الذين يلحدون في آياته وفي ايذاء الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~قولهم شاعر ساحر كاهن مجنون وقيل هو كسر رباعيته وشج وجهه الكريم يوم أحد ~~وقيل طعنهم في نكاح صفية والحق هو العموم فيهما واما ايذاؤه صلى الله عليه ~~وسلم خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله عز وجل لتعظيمه والايذان بجلاله مقداره ~~عنده تعالى وايذاؤه صلى الله عليه وسلم ايذاء له سبحانه «لعنهم الله» طردهم ~~وابعدهم من رحمته «في الدنيا والآخرة» بحيث لا يكادون ينالون فيهما شيئا ~~منها «وأعد لهم» مع ذلك «عذابا مهينا» يصيبهم في الآخرة خاصة «والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات» يفعلون بهم ما يتأذون به من قول أو فعل وتقييده ~~PageV07P114 # بقول تعالى «بغير ما اكتسبوا» أي بغير جناية يستحقون بها الأذية بعد ~~اطلاقه فيما قبله للايذان بأن اذى الله ورسوله لا يكون الا غير حق واما اذى ~~هؤلاء فمنه ومنه «فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا» أي ظاهرا بينا قيل انها ~~نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليا رضي الله عنه ويسمعونه مالا خير فيه وقيل ~~في أهل الافك وقال الضحاك والكلبي في زناة يتبعون النساء إذا برزن بالليل ~~لقضاء حوائجهن كانوا لا يتعرضون الا للاماء ولكن ربما كان يقع منهما التعرض ~~للحرائر أيضا جهلا أو تجاهلا لاتحاد الكل في الزي واللباس والظاهر عمومه ~~لكل ما ذكر ولما سيأتي من أراجيف المرجفين «يا أيها النبي» بعدما بين سوء ~~حال المؤذين زجرا لهم عن الايذاء امر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر ~~بعض المتأذنين منهم بما ms2682 يدفع ايذاءهم في الجملة من الستر والتميز عن مواقع ~~الايذاء فقيل «قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن» ~~الجلباب ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتقي منه ~~ما لرسله على صدرها وقيل هي الملحفة وكل ما يتستر به أي يغطين بها وجوههن ~~وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي ومن للتبعيض لما مر من ان المعهود ~~التلفع ببعضها وارخاء بعضها وعن السدي تغطي احدى عينيها وجبهتها والشق ~~الآخر إلا العين «ذلك» أي ما ذكر من التغطي «أدنى» أقرب «أن يعرفن» ويميزن ~~عن الإماء والقينات اللاتي هن مواقع تعرضهم وايذائهم «فلا يؤذين» من جهة ~~أهل الريبة بالتعرض لهن «وكان الله غفورا» لما سلف منهن من التفريط «رحيما» ~~بعباده حيث يراعى من مصالحهم أمثال هاتيك الجزئيات «لئن لم ينته المنافقون» ~~عما هم عليه من النفاق واحكامه الموجبة للايذاء «والذين في قلوبهم مرض» عما ~~هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه «والمرجفون في المدينة» من ~~الفريقين عما هم عليه من نشر اخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير ذلك من ~~الأراجيف الملفقة المستتبعة للأذية واصل الارجاف التحريك من الرجفة التي هي ~~الزلزلة وصفت به الاخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة «لنغرينك بهم» ~~لنأمرنك بقتالهم واجلائهم أو بما يضطرهم إلى الجلاء ولنحرضنك على ذلك «ثم ~~لا يجاورونك» عطف على جواب القسم وثم الدلالة على ان الجلاء ومفارقة جوار ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم «فيها» أي في المدينة «إلا ~~قليلا» زمانا أو جوارا قليلا ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه ~~«ملعونين» نصب على الشتم أو الحال على ان الاستثناء وارد عليه أيضا على رأى ~~من يجوزه كما مر في قوله تعالى غير ناظرين إناه ولا سبيل إلى انتصابه عن ~~قوله تعالى «أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا» PageV07P115 # لان ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيها قبلها «سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل» أي سن الله ذلك في الأمم الماضية سنة وهي ان يقتل الذين نافقوا ms2683 ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وسعوا في توهين امرهم بالإرجاف ونحوه أينما ~~ثقفوا «ولن تجد لسنة الله تبديلا» أصلا لابتنائها على أساس الحكمة التي ~~عليها يدور فلك التشريع «يسألك الناس عن الساعة» أي عن وقت قيامها كان ~~المشركون يسألونه صلى الله عليه وسلم عن ذلك استعجالا بطريق الاستهزاء ~~واليهود امتحانا لما ان الله تعالى عمى وقتها في التوراة وسائر الكتب «قل ~~إنما علمها عند الله» لا يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا وقوله تعالى ~~«وما يدريك» خطاب مستقل له صلى الله عليه وسلم غير داخل تحت الامر مسوق ~~لبيان انها مع كونها غير معلومة للخلق مرجوة المجيء عن قريب أي أي شيء ~~يعلمك بوقت قيامها أي لا يعلمك به شيء أصلا «لعل الساعة تكون قريبا» أي ~~شيئا قريبا أو تكون الساعة في وقت قريب وانتصابه على الظرفية ويجوز ان يكون ~~التذكير باعتبار أن الساعة في معنى اليوم أو الوقت وفيه تهديد للمستعجلين ~~وتبكيت للمتعنتين والاظهار في حيز الاضمار للتهويل وزيادة التقرير وتأكيد ~~استقلال الجملة كما أشير اليه «إن الله لعن الكافرين» على الاطلاق أي طردهم ~~وابعدهم من رحمته العاجلة والآجلة «وأعد لهم» مع ذلك «سعيرا» نارا شديدة ~~الاتقاد يقاسونها في الآخرة «خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا» يحفظهم «ولا ~~نصيرا» بخلصهم منها «يوم تقلب وجوههم في النار» ظرف لعدم الوجدان وقيل ~~لخالدين وقيل لنصيرا وقيل مفعول لا ذكر أي يوم تصرف وجوههم فيها من جهة إلى ~~جهة كلحم يشوى في النار أو يطبخ في القدر فيدور به الغليان من جهة إلى جهة ~~أو من حال إلى حال أو يطرحون فيها مقلوبين منكوسين وقرئ تقلب بحذف احدى ~~التاءين من تنقلب ونقلب بإسناد الفعل إلى نون العظمة ونصب وجوههم وتقلب ~~بإساده إلى السعير وتخصيص الوجوه بالذكر لما انها أكرم الأعضاء ففيه مزيد ~~تفظيع للامر وتهويل للخطب ويجوز ان تكون عبارة عن كل الجسد فقوله تعالى ~~«يقولون» استئناف مبنى على سؤال نشأ من حكاية حالهم الفظيعة كأنه قيل فماذا ~~يصنعون عند ذلك فقيل ms2684 يقولون متحسرين على ما فاتهم «يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا» فلا نبتلى بهذا العذاب أو حال من ضمير وجوههم أو من نفسها ~~أو هو العامل في يوم «وقالوا» PageV07P116 # عطف على يقولون والعدول إلى صيغة الماضي للاشعار بأن قولهم هذا ليس ~~مستمرا كقولهم السابق بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة ~~عذاب الذين القوهم في تلك الورطة وان علموا عدم قبوله في حق خلاصهم منها ~~«ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا» يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر وقرئ ~~ساداتنا للدلالة على الكثرة والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر لتقوية ~~الاعتذار والا فهم في مقام التحقير والإهانة «فأضلونا السبيلا» بما زينوا ~~لنا من الأباطيل والألف للاطلاق كما في وأطعنا الرسولا «ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب» أي مثلي العذاب الذي آتيتناه لأنهم ضلوا وأضلوا «والعنهم لعنا ~~كبيرا» أي شديدا عظيما وقرئ كثيرا وتصدير الدعاء بالنداء مكررا للمبالغة في ~~الجؤار واستدعاء الإجابة «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى» ~~قيل نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة الناس «فبرأه الله مما ~~قالوا» أي فأظهر براته صلى الله عليه وسلم مما قالوا في حقه أي من مضمونه ~~ومؤداه الذي هو الامر المعيب وذلك أن قارون أغرى مومسة على قذفه عليه ~~الصلاة والسلام بنفسها بأن دفع إليها مالا عظيما فأظهر الله تعالى نزاهته ~~عليه الصلاة والسلام عن ذلك بأن أقرت المومسة بالمصانعة الجارية بينها وبين ~~قارون وفعل بقارون ما فعل كما فصل في سورة القصص وقيل اتهمه ناس بقتل هارون ~~عند خروجه معه إلى الطور فمات هناك فحملته الملائكة ومروا به حتى رأوه غير ~~مقتول وقيل أحياه الله تعالى فأخبرهم ببراءته وقيل قذفوه بعيب في بدنه من ~~برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم الله تعالى على براءته بأن فر الحجر ~~بثوبه حين وضعه عليه عند اغتساله والقصة مشهورة «وكان عند الله وجيها» ذا ~~قربة ووجاهة وقرئ وكان عبد الله وجيها «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» أي ~~في كل ms2685 ما تأتون وما تذرون لا سيما في ارتكاب ما يكرهه فضلا عما يؤذي رسوله ~~صلى الله عليه وسلم «وقولوا» في كل شأن من الشؤون «قولا سديدا» قاصدا إلى ~~الحق من سد يسد سدادا يقال سدد السهم نحو الرمية إذا لم يعدل به عن سمتها ~~والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب الجائر عن العدل والقصد «يصلح ~~لكم أعمالكم» يوفقكم للأعمال الصالحة أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها ~~«ويغفر لكم ذنوبكم» ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل «ومن يطع ~~الله ورسوله» في الأوامر والنهي التي من جملتها هذه التكليفات «فقد فاز» في ~~الدارين «فوزا عظيما» لا يقادر قدره ولا يبلغ غايته PageV07P117 # «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها» لما بين عظم شأن طاعة الله ورسوله ببيان مآل الخارجين عنها من العذاب ~~الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك ببيان عظم شأن ما ~~يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة امرها بطريق التمثيل مع الايذان بأن ما ~~صدر عنهم من الطاعة وتركها صدر عنهم بعد القبول والالتزام وعبر عنها ~~بالأمانة تنبيها على انها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وائتمنهم ~~عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعاتها ~~والمحافظة عليها وأدائها من غير اخلال بشيء من حقوقها وعبر عن اعتبارها ~~بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السماوات وغيرها بالعرض عليها لاظهار مزيد ~~الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها وعن عدم استعدادهن لقبولها بالاباء ~~والاشفاق منها لتهويل امرها وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى ~~الصعوبة المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة التي يستعمل فيها ~~القوى الجسمانية التي أشدها وأعظمها ما فيهن من القوة والشدة والمعنى ان ~~تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الاجرام العظام التي هي مثل ~~في القوة والشدة مراعاتها وكانت ذات شعور وادراك لا بين قبولها وأشفقن منها ~~ولكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق روما لزيادة تحقيق ~~المعنى المقصود بالتمثيل وتوضيحه «وحملها الإنسان» أي عند عرضها عليه ms2686 اما ~~باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه إياها يوم الميثاق أي تكلفها ~~والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة وهو اما عبارة عن قبوله لها ~~بموجب استعداده الفطري أو عن اعترافه بقوله بلى وقوله تعالى «إنه كان ظلوما ~~جهولا» اعتراض وسط بين الحمل وغايته للايذان من أول الامر بعدم وفائه بما ~~عهده وتحمله أي انه كان مفرطا في الظلم مبالغا في الجهل أي بحسب غالب ~~افراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو اعترافهم السابق دون من ~~عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله تبديلا والى الفريق الأول أشير بقوله ~~تعالى «ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات» أي حملها ~~الانسان ليعذب الله بعض افراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على ~~ان اللام للعاقبة فإن التعذيب وان لم يكن غرضا له من الحمل لكن لما ترتب ~~عليه بالنسبة إلى بعض افراده ترتب الاغراض على الافعال المعللة بها ابرز في ~~معرض الغرض أي كان عاقبة حمل الانسان لها ان يعذب الله تعالى هؤلاء من ~~افراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية والى الفريق الثاني ~~أشير بقوله تعالى «ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات» أي كان عاقبة حمله ~~ان يتوب الله تعالى على هؤلاء من افراده أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة ~~الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما PageV07P118 # فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الانسان بحكم جبلته وتداركهم لها ~~بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل الخطب وتربية ~~المهابة والاظهار في موقع الاضمار ثانيا لابراز مزيد الاعتناء بأمر ~~المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه والله تعالى اعلم وجعل ~~الأمانة التي شأنها ان تكون من جهته تعالى عبارة عن الطاعة التي هي من ~~افعال المكلفين التابعة للتكليف بمعزل من التقريب وحمل الكلام على تقرير ~~الوعد الكريم الذي ينبئ عنه قوله تعالى ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ~~عظيما يجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك بأن من قام بحقوق مثل هذا الامر ~~العظيم الشأن وراعاها فهو جدير ms2687 بأن يفوز بخير الدارين يأباه وصفه بالظلم ~~والجهل أولا وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ثانيا وقيل المراد ~~بالأمانة مطلق الانقياد الشامل للطبيعي والاختياري وبعرضها استدعاؤها الذي ~~يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها ~~والامتناع عن أدائها فيكون الاباء امتناعا عن الخيانة وإتيانا بالمراد ~~فالمعنى ان هذه الاجرام مع عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتها وأتين بما ~~أمرهن به كقوله تعالى اتينا طائعين وخانها الانسان حيث لم يأت بما امرناه ~~به انه كان ظلوما جهولا وقيل انه تعالى لما خلق هذه الاجرام خلق فيها فهما ~~وقال لها اني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ونارا لمن عصاني فقلن ~~نحن مسخرات لما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا ولما خلق ~~آدم عليه السلام عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق ~~عليها جهولا بوخامة عافيته وقيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف وبعرضها ~~عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو ~~عدم اللياقة والاستعداد لها وبحمل الانسان قابليته واستعداده لها وكونه ~~ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية هذا قريب من التحقيق ~~فتأمل والله الموفق وقرئ ويتوب الله على الاستئناف «وكان الله غفورا رحيما» ~~مبالغا في المغفرة والرحمة حيث تاب عليهم وغفر لهم فرطاتهم وأثاب بالفوز ~~على طاعاتهم قال صلى الله عليه وسلم من قرا سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ~~ملكت يمينه اعطى الأمان من عذاب القبر والله اعلم PageV07P119 # سورة سبأ مكية وقيل الا ويرى الذين أوتوا العلم الآية وهي اربع وخمسون ~~آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض» أي له تعالى خلقا وملكا وتصرفا بالايجاد والاعدام والاحياء والأمانة ~~جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما فكأنه ~~قيل له جميع المخلوقات كما مر في آية الكرسي ووصفه تعالى بذلك لتقرير ما ~~افاده تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة بالاسم الجليل من اختصاص جميع ~~افراده ms2688 به تعالى على ما بين في فاتحة الكتاب ببيان تفرده تعالى واستقلاله ~~بما يوجب ذلك وكون كل ما سواه من الموجودات التي من جملتها الانسان تحت ~~ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها استحقاق الوجود فضلا عما عداه من صفاتها ~~بل كل ذلك نعم فائضة عليها من جهته عز وجل فما هذا شانه فهو بمعزل من ~~استحقاق الحمد الذي مداره الجميل الصادر عن القادر بالاختيار فظهر اختصاص ~~جميع افراده به تعالى وقوله تعالى «وله الحمد في الآخرة» بيان لاختصاص ~~الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به على أن الجار متعلق إما ~~بنفس الحمد أو بما تعلق به الخبر من الاستقرار وإطلاقه عن ذكر ما يشعر ~~بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين كما اكتفى فيما ~~سبق بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها بل ليعم ~~النعم الأخروية كما في قوله تعالى الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة وقوله تعالى الذي أحلنا دار المقامة من فضله الآية وما يكون ~~ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله تعالى الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا أي لما جزاؤه هذا من الايمان والعمل الصالح والفرق بين الحمدين مع كون ~~نعمتي الدنيا والآخرة بطريق التفضل أن الأول على نهج العبادة والثاني على ~~وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد في الخبر أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون ~~النفس «وهو الحكيم» الذي أحكم أمور الدين والدنيا ودبرها حسبما تقتضيه ~~الحكمة «الخبير» ببواطن الأشياء ومكنوناتها وقوله تعالى «يعلم ما يلج ~~PageV07P120 # في الأرض» الخ تفصيل لبعض ما يحيط به علمه من الأمور التي نيطت بها ~~مصالحهم الدنيوية والدينية أي يعلم ما يدخل فيها من الغيث والكنوز والدفائن ~~والأموات ونحوها «وما يخرج منها» كالحيوان والنبات وما العيون ونحوها «وما ~~ينزل من السماء» كالملائكة والكتب والمقادير ونحوها وقرئ وما نزل بالتشديد ~~ونون العظمة «وما يعرج فيها» كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة ~~«وهو الرحيم» للحامدين على ما ذكر من ms2689 نعمة «الغفور» للمفرطين في ذلك وكرمه ~~«وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة» أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة ~~لا أنفسهم أو معاصريهم فقط كما أرادوا بنفي إتيانها نفى وجودها بالكلية لا ~~عدم حضورها مع تحققها في نفس الامر وإنما عبروا عنه بذلك لأنهم كانوا ~~يوعدون بإتيانها ولأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما اجزاء الزمان ~~لا يكون إلا بالاتيان والحضور وقيل هو استبطاء لإتيانها الموعود بطريق ~~الهزء والسخرية كقولهم متى هذا الوعد «قل بلى» رد لكلامهم وإثبات لما نفوه ~~على معنى ليس الامر إلا إتيانها وقوله تعالى «وربي لتأتينكم» تأكيد له على ~~أتم الوجوه وأكملها وقرئ ليأتينكم على تأويل الساعة باليوم أو الوقت وقوله ~~تعالى «عالم الغيب» الخ إمداد للتأكيد وتسديد له إثر تسديد وكسر لسورة ~~نكيرهم واستبعادهم فإن تعقيب القسم بحلائل نعوت المقسم به على الاطلاق يؤذن ~~بفخامة شأن المقسم عليه وقوة ثباته وصحته لما أن لك في حكم الاستشهاد على ~~الامر ولا ريب في أن المستشهد به كلما كان أجل وأعلا كانت الشهادة آكد ~~وأقوى والمستشهد عليه أحق بالثبوت وأولى لا سيما إذا خص بالذكر من البعوت ~~ماله تعلق خاص بالمقسم عليه كما نحن فيه فإن وصفه بعلم الغيب الذي اشهر ~~افراده وأدخلها في الخفاء هو المقسم عليه تنبيه لهم على علة الحكم وكونه ~~مما لا يحوم حوله شائبة ريب ما وفائدة الامر بهذه المرتبة من اليمين أن لا ~~يقى المعاندين عذر ما أصلا فإنهم كانوا يعرفون أمانته ونزاهته عن وصمة ~~الكذب فضلا عن اليمين الفاجرة وإنما لم يصدقوه مكابرة وقرئ علام الغيب ~~وعالم الغيب وعالم الغيوب بالرفع على المدح «لا يعزب عنه» أي لا يعد وقرئ ~~بكسر الزاي «مثقال ذرة» مقدار أصغر نملة «في السماوات ولا في الأرض» أي ~~كائنة فيهما «ولا أصغر من ذلك» أي من مثقال ذرة «ولا أكبر» أي منه ورفعهما ~~على الابتداء والخبر قوله تعالى «إلا في كتاب مبين» هو اللوح المحفوظ ~~والجملة مؤكدة لنفى العزوب وقرئ ولا أصغر ولا أكبر بفتح الراء ms2690 على نفى ~~الجنس ولا يجوز ان يعطف المرفوع على مثقال ولا المفتوح على ذرة بأنه فتح في ~~حيز الجر لا متاع الصرف لما أن الاستثناء يمنعه إلا أن يجعل الضمير في عنه ~~للغيب ويجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لبروزه للمطالعين له فيكون المعنى ~~لا ينفصل عن الغيب شئ إلا مسطورا في اللوح «ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات» علة لقوله تعالى لتأنينكم وبيان لما PageV07P121 # يقتضى إتيانها «أولئك» إشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة ~~وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف أي أولئك ~~الموصوفون بالصفات الجليلة «لهم» بسبب ذلك «مغفرة» لما فرط منهم من بعض ~~فرطات قلما يخلو عنها البشر «ورزق كريم» لا تعب فيه ولا من عليه «والذين ~~سعوا في آياتنا» بالقدح فيها وصد الناس عن التصديق بها «معاجزين» أي ~~مسابقين كي يفوتونا وقرئ معجزين أي مثبطين عن الايمان من إرادة «أولئك لهم ~~عذاب» الكلام فيه كالذي مر آنفا ومن في قوله تعالى «من رجز» للبيان قال ~~قتادة رضى الله عنه الرجز سوء العذاب وقوله تعالى «أليم» بالرفع صفة عذاب ~~أي أولئك الساعون لهم عذاب من جنس سوء العذاب شديد الإيلام وقرئ اليم بالجر ~~صفة لرجز «ويرى الذين أوتوا العلم» أي يعلم أولو العلم من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن يشايعهم من علماء الأمة أو من آمن من علماء أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب واضرابهما رضى الله عنهم «الذي أنزل إليك من ~~ربك» أي القرآن «هو الحق» بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى والمفعول الأول هو ~~الموصول الثاني وهو ضمير الفصل وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر والجملة هو ~~المفعول الثاني ليرى وقوله تعالى ويرى الخ مستأنف مسوق للاستشهاد بأولى ~~العلم على الجهلة الساعين في الآيات وقيل منصوب عطفا على يجزى أي وليعلم ~~أولو العلم عند مجئ الساعة معاينة انه الحق حسبما علموه الآن برهانا ~~ويحتجوا به على المكذبين وقد جوز أن يراد بأولى العلم من لم يؤمن ms2691 من ~~الأحبار أي ليعلموا يومئذ انه هو الحق فيزدادوا حسرة وغما «ويهدي» عطف على ~~الحق عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله كما في قوله تعالى صافات ويقبض أي ~~وقابضات كأنه قيل ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك الحق وهاديا «إلى ~~صراط العزيز الحميد» الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى وقيل مستأنف ~~وقيل حال من الذي انزل على إضمار مبتدأ أي وهو يهدى كما في قوله من قال ~~[نجوت وأرهنهم مالكا] «وقال الذين كفروا» هم كفار قريش قالوا مخاطبا بعضهم ~~«هل ندلكم على رجل» يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم وإنما قصدوا ~~بالتنكير الطنز والسخرية قاتلهم الله تعالى «ينبئكم» أي يحدثكم بعجب عجاب ~~وقرئ ينبئكم من الإنباء «إذا مزقتم كل ممزق» أي إذا متم ومزقت أجسادكم كل ~~تمزيق وفرقت كل تفريق بحيث صرتم ترابا ورفاتا «إنكم لفي خلق جديد» أي ~~مستقرون فيه عدل إليه عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث مثل تبعثون أو ~~PageV07P122 # تخلقون خلقا جديدا للإشباع في الاستبعاد والتعجب وكذلك تقديم الظرف ~~والعامل فيه ما دل عليه المذكور لا نفسه لما ان ما بعد إن لا يعمل فيما ~~قبلها ويد فعيل بمعنى فاعل من جد فهو جديد وقل فهو قليل وقيل بمعنى مفعول ~~من جد النساج الثوب إذا قطعه ثم شاع «افترى على الله كذبا» فيما قاله «أم ~~به جنة» أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه والاستدلال بهذا الترديد على ~~أن بين الصدق والكذب واسطة هو ما لا يكون من الاخبار عن بصيرة بين الفساد ~~لظهور كون الافتراء أخص من الكذب «بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد» جواب من جهة الله تعالى عن ترديدهم الوارد على طريقة ~~الاستفهام بالاضراب عن شقيه وإبطالها وإثبات قسم ثالث كاشف عن حقيقة الحال ~~ناع عليهم سوء حالهم وابتلاءهم بما قالوا في حقه صلى الله عليه وسلم كأنه ~~قيل ليس الامر كما زعموا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم ~~والإدراك الذي هو الجنون حقيقة ms2692 وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب ولذلك يقولون ~~ما يقولون وتقديم العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما ~~يسوؤهم ويفت في أعضادهم والاشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه ~~ووصف الضلال بالبعد الذي هو وصف الضال للمبالغة ووضع الموصول موضع ضميرهم ~~للتنبيه بما في حيز الصلة على أن علة ما ارتكبوه واجترءوا عليه من الشناعة ~~الفظيعة كفرهم بالآخرة وما فيها من فنون العقاب ولولاه لما فعلوا ذلك خوفا ~~من غائلته وقوله تعالى «أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض» استئناف مسوق لتهويل ما اجترءوا عليه من تكذيب آيات الله تعالى ~~واستعظام ما قالوا في حقه صلى الله عليه وسلم وانه من العظائم الموجبة ~~لنزول أشد العقاب وحلول أفظع العذاب من غير ريث وتأخير والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام وقوله تعالى «إن نشأ» الخ بيان لما ينبئ عنه ذكر ~~إحاطتهما بهم من المحذور المتوقع من جهتهما وفيه تنبيه على انه لم يبق من ~~أسباب وقوعه إلا تعلق المشيئة به أي افعلوا ما فعلوا من المنكر الهائل ~~المستتبع للعقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم بحيث لا مفر ~~لهم عنه ولا محيص إن نشا جريا على موجب جناياتهم «نخسف بهم الأرض» كما ~~خسفناها بقارون «أو نسقط عليهم كسفا» أي قطعا «من السماء» كما أسقطناها على ~~أصحاب الأيكة لاستيجابهم ذلك بما ارتكبوه من الجرائم وقيل هو تذكير بما ~~يعاينونه مما يدل على كمال قدرته وما يحتمل فيه إزاحة لاستحالتهم البعث حتى ~~جعلوه افتراء وهزءا وتهديد عليها والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط ~~بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أهم أشد خلقا أم هي وإن نشأ نخسف ~~بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات فتأمل وكن ~~الحق المبين وقرئ يخسف PageV07P123 # ويسقط بالياء لقوله تعالى افترى على الله وكسفا بسكون السين «إن في ذلك» ~~أي فيما ذكر من السماء والأرض من حيث إحاطتهما بالناظر من جميع الجوانب أو ~~فيما ms2693 تلى من الوحي الناطق بما ذكر «لآية» واضحة «لكل عبد منيب» شأنه ~~الإنابة إلى ربه فإنه إذا تأمل فيهما أو في الوحي المذكور ينزجر عن تعاطى ~~القبائح وبنيب إليه تعالى وفيه حث بليغ على التوبة والإنابة وقد أكد ذلك ~~بقوله تعالى «ولقد آتينا داود منا فضلا» أي آتيناه لحسن إنابته وصحة توبته ~~فضلا على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي نوعا من الفضل وهو ما ذكر ~~بعد فإنه معجزة خاصة به صلى الله عليه وسلم أو على سائر الناس فيندرج فيه ~~النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن فتنكيره للتفخيم ومنا لتأكيد فخامته ~~الذاتية بفخامته الإضافية كما في قوله تعالى وآتيناه من لدنا علما وتقديمه ~~على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه ~~التقديم إذا اخر تقى النفس مترقبة له فإذا وردها يتمكن عندها فضل تمكن «يا ~~جبال أوبي معه» من التأويب أي رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب وذلك ~~اما بأن يخلق الله تعالى فيها صوتا مثل صوته كما خلق الكلام في الشجرة أو ~~بأن يتمثل له ذلك وقرئ أوبي من الأوب أي ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه ~~وكان كلما سبح عليه الصلاة والسلام يسمع من الجبال ما يسمع من المسبح معجزة ~~له عليه الصلاة والسلام وقيل كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال ~~تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها وهو بدل من آتينا بإضمار قلنا أو ~~من فضلا بإضمار قولنا والطير بالنصب عطفا على فضلا بمعنى وسخرنا له الطير ~~لان إيتاءها إياه عليه الصلاة والسلام تسخيرها له فلا حاجة إلى اضماره كما ~~نقل عن الكسائي ولا إلى تقدير مضاف أي تسبيح الطير كما نقل عنه في رواية ~~وقيل عطفا على محل الجبال وفيه من التكلف لفظا ومعنى مالا يخفي وقرئ بالرفع ~~عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الاعرابية وقد جوز ~~انتصابه على انه مفعول معه والأول هو الوجه وفي تنزيل الجبال والطير منزلة ~~العقلاء المطيعين لامره تعالى المذعنين لحكمه المشعر بأنه ms2694 ما من حيوان ~~وجماد وصامت وناطق الا وهو منقاد لمشيئته غير ممتنع على ارادته من الفخامة ~~المعربة عن غاية عظمه شأنه تعالى وكمال كبرياء سلطانه مالا يخفي على أولى ~~الألباب «وألنا له الحديد» أي جعلناه لينا في نفسه كالشمع يصرفه في يده كيف ~~يشاء من غير إحماء بنار ولا ضرب بمطرقة أو جعلناه بالنسبة إلى قوته التي ~~آتيناها إياه لينا كالشمع بالنسبة إلى سائر القوى البشرية ان اعمل امرناه ~~ان اعمل على ان ان مصدرية حذف عنها الباء وفي حملها على المفسرة تكلف لا ~~يخفي سابغات واسعات وقرئ صابغات وهي الدروع الواسعة الضافية وهو عليه ~~الصلاة والسلام أول من اتخذها وكانت قبل صفائح قالوا كان عليه الصلاة ~~والسلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكر فيسأل الناس ما تقولون في داود ~~فيثنون عليه فقيض الله تعالى له ملكا في PageV07P124 # صورة آدمي فسأله على عادته فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود فسأله ~~عنها فقال لولا انه يطعم عياله من بيت المال فعند ذلك سأل ربه ان يسبب له ~~ما يستغنى به عن بيت المال فعلمه تعالى صنعة الدروع وقيل كان يبيع الدروع ~~بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء «وقدر في ~~السرد» السرد نسج الدروع أي اقتصد في نسجها بحيث تتناسب حلقها وقيل قدر في ~~مساميرها فلا تعملها رقاقا ولا غلاظا ورد بان دروعه عليه الصلاة والسلام لم ~~تكن مسمرة كما ينبئ عنه إلانة الحديد وقيل معنى قدر في السرد لا تصرف جميع ~~أوقاتك إليه بل مقدار ما يحصل به القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة وهو ~~الأنسب بقوله تعالى «واعملوا صالحا» عمم الخطاب حسب عموم التكليف له عليه ~~الصلاة والسلام ولأهله «إني بما تعملون بصير» تعليل للأمر أو لوجوب ~~الامتثال به «ولسليمان الريح» أي وسخرنا له الريح وقرئ برفع الريح أي ~~ولسليمان الريح مسخرة وقرئ الرياح «غدوها شهر ورواحها شهر» أي جريها ~~بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشى كذلك والجملة إما مستأنفة أو حال من الريح ms2695 ~~وقرئ غدوتها وروحتها وعن الحسن رحمه الله كان يغدو أي من دمشق فيقيل بإصطخر ~~ثم بروح فيكون رواحه بكابل وقيل كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند ويحكى أن ~~بعضهم رآى مكتوبا في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان عليه السلام ~~نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون ~~منه فبايتون بالشام إن شاء الله تعالى «وأسلنا له عين القطر» أي النحاس ~~المذاب أساله من معدنه كما ألان الحديد لداود عليهما السلام فنبع منه نبوع ~~الماء من الينبوع ولذلك سمى عينا وكان ذلك باليمن وقيل كان يسيل في الشهر ~~ثلاثة أيام وقوله تعالى «ومن الجن من يعمل بين يديه» إما جملة من مبتدأ ~~وخبر أو من يعمل عطف على الريح ومن الجن حال متقدمة «بإذن ربه» بأمره تعالى ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى «ومن يزغ منهم عن أمرنا» أي ومن يعدل منهم عما ~~امرناه به من طاعة سليمان وقرئ يزغ على البناء المفعول من أزاغه «نذقه من ~~عذاب السعير» أي عذاب النار في الآخرة روى عن السدى رحمه الله كان معه ملك ~~بيده سوط من نار كل من استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجنى «يعملون له ~~ما يشاء» تفصيل لما ذكر من عملهم وقوله تعالى «من محاريب» الخ بيان لما ~~يشاء أي من قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بذلك لأنها يذب عنها ويحارب عليها ~~وقيل هي المساجد «وتماثيل» وصور الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~على ما اعتادوه فإنها كانت تعمل حينئذ في المساجد ليراها الناس ويعبدوا مثل ~~عباداتهم وحرمة التصاوير شرع جديد وروى أنهم عملوا أسدين في أسفل كرسيه ~~ونسرين فوقه فإذا أراد ان يصعد بسط الأسدان ذراعيهما PageV07P125 # وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما «وجفان» جمع جفنة وهي الصفحة «كالجواب» ~~كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية لاجتماع الماء فيها وهي من الصفات ~~الغالبة كالدابة وقرئ بإثبات الياء قيل كان يقعد على الجفنة الف رجل «وقدور ~~راسيات» ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها «اعملوا آل داود ms2696 شكرا» ~~حكاية لما قيل لهم وشكرا نصب على انه مفعول له أو مصدر لإعملوا لان العمل ~~للمنعم شكر له أو لفعله المحذوف أي أشكروا شكرا أو حال أي شاكرين أو مفعول ~~به أي اعملوا شكرا «وقليل من عبادي الشكور» أي المتوفر على أداء الشكر ~~بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه لان التوفيق للشكر ~~نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر ~~وروى أنه عليه الصلاة والسلام جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن ~~تأتى ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى «فلما قضينا عليه ~~الموت» أي على سليمان عليه السلام «ما دلهم» أي الجن أو آله «على موته إلا ~~دابة الأرض» أي الأرضة أضيفت إلى فعلها وقرئ بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من ~~فعلها يقال أرضت الأرضة الخشبة أرضا فأرضت أرضا مثل أكلت القوارح أسنانه ~~أكلا فأكلت أكلا «تأكل منسأته» أي عصاه من نسأت البعير إذا طردته لأنها ~~يطرد بها ما يطرد وقرئ منسأته بألف ساكنة بدلا من الهمزة وبهمزة ساكنة ~~وبإخراجها بين بين عند الوقف ومنساءته عل مفعالة كميضاءة في ميضأة ومن ساته ~~أي من طرف عصاه من سأة القوس وفيه لغتان كما في قحة بالكسر والفتح وقرئ ~~اكلت منساته «فلما خر تبينت الجن» من تبينت الشيء إذا علمته بعد التباسه ~~عليك أي علمت الجن علما بينا بعد التباس الامر عليهم «أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» أي انهم لو كانوا يعلمون الغيب كما ~~يزعمون لعلموا موته عليه الصلاة والسلام حينما وقع فلم يلبثوا بعده حولا في ~~تسخيره إلى ان خر أو من تبين الشيء إذا ظهر وتجلى أي ظهرت الجن وان مع ما ~~في حيزها بدل اشتمال من الجن أي ظهر ان الجن لو كانوا يعلمون الغيب الخ ~~وقرئ تبينت الجن على البناء للمفعول على ان المتبين في الحقيقة هو ان مع ما ~~في حيزها لأنه بدل وقرئ تبينت ms2697 الانس والضمير في كانوا للجن في قوله تعالى ~~ومن الجن من يعمل وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه تبينت الانس ان الجن لو ~~كانوا يعلمون الغيب روى ان داود عليه السلام أسس بنيان بيت المقدس في موضع ~~فسطاط موسى فتوفي قبل تمامه فوصى به إلى سليمان عليهما السلام فاستعمل فيه ~~الجن والشياطين فباشروه حتى إذا حان اجله وعلم به سأل ربه ان يعمى عليهم ~~موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب فدعاهم فبنوا عليه صرحا من ~~قوارير ليس له باب فقام يصلى متكئا على عصاه فقبض روحه وهو متكئ عليها فبقي ~~كذلك وهم فيما أمروا به من الاعمال حتى اكلت الأرضة عصاه فخر ميتا وكانت ~~الشياطين تجتمع حول محرابه PageV07P126 # أينما صلى صلى الله عليه وسلم فلم يكن ينظر اليه الشيطان في صلاته الا ~~احترق فمر به يوما شيطان فنظر فإذا سليمان عليه السلام قد خر ميتا ففتحوا ~~عنه فإذا عصاه قد اكلها الأرضة فأرادوا ان يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة ~~على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات ~~منذ سنة وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وبقي في ~~ملكه أربعين سنة وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه «لقد كان لسبأ» ~~بيان لاخبار بعض الكافرين بنعم الله تعالى اثر بيان أحوال الشاكرين لها أي ~~لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقرئ بمنع الصرف على انه اسم القبيلة ~~وقرئ بقلب الهمزة ألفا ولعله اخراج لها بين بين «في مسكنهم» وقرئ بكسر ~~الكاف كالمسجد وقرئ بلفظ الجمع أي مواضع سكناهم وهي باليمن يقال لها مأرب ~~بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال آية دالة بملاحظة أحوالها السابقة ~~واللاحقة على وجود الصانع المختار القادر على كل ما يشاء من الأمور البديعة ~~المجازي للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان ~~عليهما السلام «جنتان» بدل من آية أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي جنتان وفيه ~~معنى المدح ms2698 ويؤيده قراءة النصب على المدح والمراد بهما جماعتان من البساتين ~~«عن يمين وشمال» جماعة يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة من تينك ~~الجماعتين في تقاربهما وتضامهما كأنهما جنة واحدة أو بستانا كل رجل منهم عن ~~يمين مسكنه وعن شماله «كلوا من رزق ربكم واشكروا له» حكاية لما قيل لهم على ~~لسان نبيهم تكميلا للنعمة وتذكيرا لحقوقها أو لما نطق به لسان الحال أو ~~بيان لكونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك «بلدة طيبة ورب غفور» استئناف مبين لما ~~يوجب الشكر المأمور به أي بلدتكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم ما فيها من ~~الطيبات وطلب منكم الشكر رب غفور لفرطات من يشكره وقرئ الكل بالنصب على ~~المدح قيل كان أطيب البلاد هواء وأحصبها وكانت المرأة تخرج وعلى رأسها ~~المكتل فتعمل بيديها وتسير فيما بين الأشجار فيمتلىء المكتل مما يتساقط فيه ~~من الثمار ولم يكن فيه من مؤذيات الهوام شئ «فأعرضوا» عن الشكر بعد إبانة ~~الآيات الداعية لهم إليه قيل أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى ~~الله تعالى وذكروهم بنعمة وأنذروهم عقابه فكذبوهم «فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم» أي سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم وعرم إذا شرس ~~خلقه وصعب أو المطر الشديد وقيل العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركومة وقيل ~~هو السكر الذي يحبس الماء وقيل هو اسم للبناء الذي يجعل سدا وقيل هو البناء ~~الرصين الذي بنته الملكة بلقيس بين الجبلين بالصخر والقار وحقنت به ماء ~~العيون والأمطار وتركت فيه خروقا على ما يحتاجون إليه في PageV07P127 # سقيهم وقيل العرم الجرذ الذي نقب عليهم ذلك السد وهو الفأر الأعمى الذي ~~يقال له الخلد سلطه الله تعالى على سدهم فنقبه فغرق بلادهم وقيل العرم اسم ~~الوادي وقرئ العرم بسكون الراء قالوا كان ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ~~والنبي عليهما الصلاة والسلام «وبدلناهم بجنتيهم» أي أذهبنا جنتيهم ~~وآتيناهم بدلهما «جنتين ذواتي أكل خمط» أي ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ ~~طعما من مرارة حتى لا ms2699 يمكن أكله وقيل هو الحامض والمر من كل شئ وقيل هو ~~ثمرة شجرة يقال لها فسوة الضبع على صورة الخشخاش لا ينتفع بها وقيل هو ~~الأراك وكل شجر ذي شوك والتقدير أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه وقرئ أكل خمط بالإضافة وبتخفيف أكل «وأثل وشئ من سدر قليل» معطوفان ~~على أكل لا على خمط فإن الأثل هو الطرفاء وقيل شجر يشبهه أعظم منه ولا ثمر ~~له وقرئ وأثلا وشيئا عطفا على جنتين قيل وصف السدر بالقلة لما ان جناه وهو ~~النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين والصحيح أن السدر صنفان صنف ~~يؤكل من ثمره وينتفع بورقه لغسل اليد وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل أصلا ولا ~~ينتفع بورقه وهو الضال والمراد ههنا هو الثاني حتما وقال قتادة كان شجرهم ~~خير الشجر فصيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم وتسمية البدل جنتين ~~للمشاكلة والتهكم «ذلك» إشارة إلى مصدر قوله تعالى «جزيناهم» أو إلى ما ذكر ~~من التبديل وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد رتبته في الفظاعة ومحله على ~~الأول النصب على انه مصدر مؤكد للفعل المذكور وعلى الثاني النصب على أنه ~~مفعول ثان له أي ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لاجزاء آخر أو ذلك التبديل ~~جزيناهم لا غيره «بما كفروا» بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم ووضعنا ~~مكانها ضدها أو بسبب كفرهم بالرسل «وهل نجازي إلا الكفور» أي وما نجزى هذا ~~الجزاء إلا المبالغ في الكفران أو الكفر وقرئ يجازي على البناء للفاعل وهو ~~الله عز وجل وهل يجازي على البناء للمفعول ورفع الكفور وهل يجزي على البناء ~~للمفعول أيضا وهذا بيان ما أوتوا من النعم الحاضرة في مساكنهم وما فعلوا ~~بها من الكفران وما فعل بهم من الجزاء وقوله تعالى «وجعلنا بينهم وبين ~~القرى التي باركنا فيها» حكاية لما أوتوا من النعم البادية في مسايرهم ~~ومتاجرهم وما فعلوا بها من الكفران وما حاق بهم بسبب ذلك تكملة لقصتهم ~~وبيانا لعاقبتهم وإنما لم يذكر الكل معا ms2700 لما في التثنية والتكرير من زيادة ~~تنبيه وتذكير وهو عطف على كل لسبأ لا على ما بعده من الجمل الناطقة ~~بأفعالهم أو بأجزيتها أي وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فنون النعم ~~بينهم أي بين بلادهم وبين القرى الشامية التي باركنا فيها للعالمين «قرى ~~ظاهرة» متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين أهلها أو راكبة ~~متن الطريق ظاهرة للسابلة غير بعيدة عن مسالكهم حتى تخفى عليهم «وقدرنا ~~فيها السير» أي جعلناها في نسبة بعضها PageV07P128 # إلى بعض على مقدار معين يليق بحال أبناء السبيل قيل كان الغادي من قرية ~~يقيل في أخرى والرائح منها يبيت في أخرى إلى ان يبلغ الشام كل ذلك كان ~~تكميلا لما أوتوا من أنواع النعماء وتوفيرا لها في الحضر والسفر «سيروا ~~فيها» على إرادة القول أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى «ليالي وأياما» أي ~~متى شئتم من الليالي والأيام «آمنين» من كل ما تكرهونه لا يختلف الأمن فيها ~~باختلاف الأوقات أو سيروا فيها آمنين وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالي ~~وأياما كثيرة أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن ~~لكن لا على الحقيقة بل على تنزيل تمكينهم من السير المذكور وتسوية مباديه ~~وأسبابه على الوجه المذكور منزلة أمرهم بذلك «فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا» وقرئ يا ربنا بطروا النعمة وسئموا أطيب العيش وملوا العافية ~~فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان المن والسلوى ~~وقالوا لو كان جنى جناننا أبعد لكان أجدر أن نشتهيه وسألوا ان يجعل الله ~~تعالى بينهم وبين الشام مفاوز وقفارا ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا ~~الأزواد ويتطاولوا فيها على الفقراء فعجل الله تعالى لهم الإجابة بتخريب ~~تلك القرى المتوسطة وجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب وقرئ بعد وربنا ~~بعد بين أسفارنا وبعد بين أسفارنا على النداء وإسناد الفعل إلى بين ورفعه ~~به كما يقال سير فرسخان وبوعد بين أسفارنا وقرئ ربنا باعد بين أسفارنا وبين ~~سفرنا وبعد برفع ربنا على الابتداء ms2701 والمعنى على خلاف الأول وهو استبعاد ~~مسايرهم مع قصرها أو دنوها وسهولة سلوكها لفرط تنعمهم وغاية ترفههم وعدم ~~اعتدادهم بنعم الله تعالى كأنهم يتشاجون على الله تعالى ويتحازنون عليه ~~«وظلموا أنفسهم» حيث عرضوها للسخط والعذاب حين بطروا النعمة أو غمطوها ~~«فجعلناهم أحاديث» أي جعلناهم بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم ~~ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم «ومزقناهم كل ممزق» أي فرقناهم كل تفريق على أن ~~الممزق مصدر أو كل مطرح ومكان تفريق على أنه اسم مكان وفي عبارة التمزيق ~~الخاص بتفريق المتصل وخرفه من تهويل الأمر والدلالة على شدة التأثير ~~والإيلام ما لا يخفى أي مزقناهم تمزيقا لا غاية وراءه بحيث يضرب به الأمثال ~~في كل فرقة ليس بعدها وصال حتى لحق غسان بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة ~~والأزد بعمان وأصل قصتهم على ما رواه الكلبي عن أبي صالح ان عمرو بن عامر ~~من أولاد سبأ وبينهما اثنى عشر أبا وهو الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء ~~أخبرته طريفة الكاهنة بخراب سد مأرب وتفريق سيل العرم الجنتين وعن أبي زيد ~~الأنصاري أن عمرا رأى جرزا يفر السد فعلم أنه لا بقاء له بعد وقيل إنه كان ~~كاهنا وقد علمه بكهانته فباع املاكه وسار بقومه وهم ألوف من بلد إلى بلد ~~حتى انتهى إلى مكة المعظمة وأهلها جرهم وكانوا قهروا الناس وحازوا ولاية ~~البيت على بني إسماعيل عليه السلام وغيرهم فأرسل إليهم ثعلبة بن عمرو ابن ~~عامر يسألهم المقام معهم إلى ان يرجع إليه رواده الذين أرسلهم إلى أصقاع ~~البلاد يطلبون له موضعا PageV07P129 # يسعه ومن معه من قومه فأبوا فاقتتلوا ثلاثة أيام فانهزمت جرهم ولم يفلت ~~منهم إلا الشريد وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا فأصابتهم ~~الحمى فاضطروا إلى الخروج وقد رجع إليه رواده فافترقوا فرقتين فرقة توجهت ~~نحو عمان وهم الأزد وكندة وحمير ومن يتلوهم وسار ثعلبة نحو الشام فنزل ~~الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بالمدينة وهم الأنصار ومضت غسان فنزلوا ~~بالشام وانخزعت خزاعة بمكة فأقام بها ms2702 ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو ~~لحى فولى امر مكة وحجابة البيت ثم جاءهم أولاد إسماعيل عليه السلام فسألوهم ~~السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم في ذلك وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان ~~فروة بن مسيك الغطيفى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ فقال صلى الله ~~عليه وسلم هو رجل كان له عشرة أولاد ستة منهم سكنوا اليمن وهم مذحج وكندة ~~والأزد والأشعريون وحمير وأنمار منهم بجيلة وخثعم وأربعة منهم سكنوا الشام ~~وهم لخم وجذام وعاملة وغسان لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم تفرقوا أيدي سبأ ~~شذر مذر فنزلت طوائف منهم بالحجاز فمنهم خزاعة نزلوا بظاهر مكة ونزلت الأوس ~~والخزرج بيثرب فكانوا أول من سكنها ثم نزل عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو ~~قينقاع وبنو قريظة والنضير فحالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم ونزلت ~~طوائف اخر منهم بالشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة ولخم ~~وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم وسبأ تجمع هذه القبائل كلها والجمهور على أن جميع ~~العرب قسمان قحطانية وعدنانية والقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية ~~شعبان ربيعة ومضر وأما قضاعة فمختلف فيها بعضهم ينسبونها إلى قحطان وبعضهم ~~إلى عدنان والله تعالى أعلم «إن في ذلك» أي فيما ذكر من قصتهم «لآيات» ~~عظيمة «لكل صبار شكور» أي شأنه الصبر عن الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاق ~~الطاعات والشكر على النعم وتخصيص هؤلاء بذلك لأنهم المنتفعون بها «ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه» أي حقق عليهم ظنه أو وجده صادقا وقرئ بالتخفيف أي صدق في ~~ظنه أو صدق بظن ظنه ويجوز تعدية الفعل إليه بنفسه لأنه نوع من القول وقرئ ~~بنصب إبليس ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجده ظنه صادقا ومع التخفيف بمعنى ~~قال له الصدق حين خيل له إغواءهم وبرفعهما والتخفيف على الإبدال وذلك إما ~~ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات أو ببنى آدم حين شاهد آدم عليه ~~السلام قد أصغى إلى وسوسته قال إن ذريته أضعف منه عزما وقيل ظن ذلك عند ~~إخبار الله ms2703 تعالى الملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقال ~~لأضلنهم ولأغوينهم «فاتبعوه» أي أهل سبأ أو الناس «إلا فريقا من المؤمنين» ~~إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه على أن من بيانية وتقليلهم بالإضافة إلى ~~الكفار أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم المخلصون «وما كان له ~~عليهم من سلطان» أي تسلط PageV07P130 # واستيلاء بالوسوسة والاستواء وقوله تعالى «إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن ~~هو منها في شك» استثناء مفرغ من أعلم العلل ومن موصولة أي وما كان تسلطه ~~عليهم إلا ليتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزا ممن هو في شك منها تعلقا ~~حاليا يترتب عليه الجزاء أو إلا ليتميز المؤمن من الشاك أو إلا ليؤمن قدر ~~إيمانه ويشك من قدر ضلاله والمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة «وربك ~~على كل شيء حفيظ» أي محافظ عليه فإن فعيلا ومفاعلا صيغتان متآخيتان «قل» أي ~~للمشركين إظهارا لبطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم «ادعوا الذين زعمتم» أي ~~زعمتموهم آلهة وهما مفعولا زعم ثم حذف الأول تخفيفا لطول الموصول بصلته ~~والثاني لقيام صفته أعنى قوله تعالى «من دون الله» مقامه ولا سبيل إلى جعله ~~مفعولا ثانيا لأنه لا يلتئم مع الضمير كلاما وكذا لا يملكون لأنهم لا ~~يزعمونه والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون ~~لكم إن صح دعواكم ثم أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة ~~فقال «لا يملكون مثقال ذرة» من خير وشر ونفع وضر «في السماوات ولا في ~~الأرض» أي في أمر ما من الأمور وذكرهما للتعميم عرفا أو لان آلهتهم بعضها ~~سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام أو لان الأسباب القريبة ~~للخير سماوية وأرضية والجملة استئناف لبيان حالهم «وما لهم» أي لآلهتهم ~~«فيهما من شرك» أي شركة لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا «وما له» أي لله تعالى ~~«منهم» من آلهتهم «من ظهير» يعينه في تدبير أمرهما «ولا تنفع الشفاعة عنده» ~~أي لا توجد رأسا كما في قوله ولا ms2704 ترى الضب بها ينجحر لقوله تعالى «من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه» وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفي ~~ما هو غرضهم من وقوعها وقوله تعالى «إلا لمن أذن له» استثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال أي لا تقع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له في ~~الشفاعة من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة فتبين ~~حرمان الكفرة منها بالكلية أما من جهة أصنامهم فلظهور انتفاء الإذن لها ~~ضرورة استحالة الإذن في الشفاعة لجماد لا يعقل ولا ينطق وأما من جهة من ~~يعبدونه من الملائكة فلأن إذنهم مقصور على الشفاعة للمستحقين لها لقوله ~~تعالى «لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا» ومن البين أن الشفاعة ~~للكفرة بمعزل من الصواب أولا تنفع الشفاعة من الشفعاء المستأهلين لها في ~~حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أي لأجله وفي شأنه من المستحقين ~~للشفاعة وأما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم أصلا وإن فرض ~~وقوعها وصدورها عن الشفعاء إذ لم يؤذن لهم في شفاعتهم بل في شفاعة غيرهم ~~فعلى هذا يثبت حرمانهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النص ومن شفاعة الأصنام ~~بدلالته إذ حيث PageV07P131 # حرموها من جهة القادرين على شفاعة بعض المحتاجين إليها فلأن حرموها من ~~جهة العجزة عنها أولى وقرئ أذن له مبنيا للمفعول «حتى إذا فزع عن قلوبهم» ~~أي قلوب الشفعاء والمشفوع لهم من المؤمنين وأما الكفرة فهم من موقف ~~الاستشفاع بمعزل وعن التفزيع عن قلوبهم بألف منزل والتفزيع إزالة الفزع ثم ~~ترك ذكر الفزع وأسند الفعل إلى الجار والمجرور وحتى غاية لما ينبئ عنه ما ~~قبلها من الإشعار بوقوع الإذن لمن أذن له فإنه مسبوق بالاستئذان المستدعى ~~للترقب والانتظار للجواب كأنه سئل كيف يؤذن لهم فقيل يتربصون في موقف ~~الاستئذان والاستدعاء ويتوقفون على وجل وفزع مليا حتى إذا أزيل الفزع عن ~~قلوبهم بعد اللتيا والتي وظهرت لهم تباشيرا الإجابة قالوا أي المشفوع لهم ~~إذ هم المحتاجون إلى الاذن والمهتمون بأمره ماذا ms2705 قال ربكم أي في شأن الاذن ~~قالوا أي الشفعاء لأنهم المباشرون للاستئذان بالذات المتوسطون بينهم وبينه ~~عز وجل بالشفاعة الحق أي قال ربنا القول الحق وهو الاذن في الشفاعة ~~للمستحقين لها وقرئ الحق مرفوعا أي ما قاله الحق «وهو العلي الكبير» من ~~تمام كلام الشفعاء قالوه اعترافا بغاية عظمة جناب العزة عز وجل وقصور شأن ~~كل من سواه أي هو المنفرد بالعلو والكبرياء ليس لاحد من اشراف الخلائق ان ~~يتكلم الا بإذنه وقرئ فزع مخففا بمعنى فزع وقرئ فزع على البناء للفاعل وهو ~~الله وحده وقرئ فزع بالراء المهملة والغين المعجمة أي نفي الوجل عنها وافنى ~~من فرغ الزاد إذا لم يبق منه شيء وهو من الاسناد المجازي لان الفراغ وهو ~~الخلو حال ظرفه عند نفاده فأسند اليه على عكس قولهم جرى النهر وعن الحسن ~~تخفيف الراء واصله فرغ الرجل عنها أي انتفى عنها وفنى ثم حذف الفاعل واسند ~~إلى الجار والمجرور وبه يعرف حال التفريغ وقرئ ارتفع عن قلوبهم بمعنى انكشف ~~عنها «قل من يرزقكم من السماوات والأرض» امر صلى الله عليه وسلم بتبكيت ~~المشركين بحملهم على الاقرار بأن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة فيهما وان ~~الرازق هو الله تعالى فإنهم لا ينكرونه كما ينطق به قوله تعالى «قل من ~~يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر» فسيقولون الله وحيث كانوا يتلعثمون ~~أحيانا في الجواب مخافة الالزام قيل له صلى الله عليه وسلم قل الله إذ لا ~~جواب سواء عندهم أيضا وانا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين أي وان أحد ~~الفريقين من الذين يوحدون المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية ويخصونه بالعبادة ~~والذين يشركون به في العبادة الجماد النازل في أدنى المراتب الامكانية لعلى ~~أحد الامرين من الهدى والضلال المبين وهذا بعد ما سبق من التقرير البليغ ~~الناطق بتعيين من هو على الهدى ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح بذلك ~~لجريانه على سنن ms2706 الانصاف المسكت للخصم الألد وقرئ وانا أو إياكم اما على ~~هدى أو في ضلال مبين واختلاف الجارين للايذان بأن الهادي كمن استعلى منارا ~~ينظر الأشياء ويتطلع PageV07P132 # عليها والضال كأنه منغمس في ظلام لا يرى شيئا أو محبوس في مطمورة لا ~~يستطيع الخروج منها «قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون» وهذا ~~أبلغ في الانصاف وابعد من الجدل والاعتساف حيث اسند فيه الاجرام وان أريد ~~به الزلة وترك الأولى إلى أنفسهم ومطلق العمل إلى المخاطبين مع ان اعمالهم ~~أكبر الكبائر قل يجمع بيننا ربنا يوم القيامة عند الحشر والحساب ثم يفتح ~~بيننا بالحق أي يحكم بيننا ويفصل بعد ظهور حال كل منا ومنكم بأن يدخل ~~المحقين الجنة والمبطلين النار وهو الفتاح الحاكم الفيصل في القضايا ~~المنغلقة العليم بما ينبغي ان يقضى به «قل أروني الذين ألحقتم» أي ~~ألحقتموهم «به شركاء» أريد بأمرهم بإراءة الأصنام مع كونها بمرأى منه صلى ~~الله عليه وسلم اظهار خطئهم العظيم واطلاعهم على بطلان رأيهم أي أروينها ~~لأنظر بأي صفة ألحقتموها بالله الذي ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة وفيه ~~مزيد تبكيت لهم بعد الزام الحجة عليهم كلا ردع لهم عن المشاركة بعد ابطال ~~المقايسة «بل هو الله العزيز الحكيم» أي الموصوف بالغلبة القاهرة والحكمة ~~الباهرة فأين شركاؤكم التي هي اخس الأشياء إذ لها من هذه الرتبة العالية ~~والضمير اما الله عز وعلا أو للشأن كما في قل هو الله أحد «وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس» أي الا إرسالة عامة لهم فإنهم إذا عمتهم فقد كفتهم ان يخرج ~~منها أحد منهم أو الا جامعا لهم في الابلاغ فهي حال من الكاف والتاء ~~للمبالغة ولا سبيل إلى جعلها حالا من الناس لاستحالة تقدم الحال على صاحبها ~~المجرور «بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون» ذلك فيحملهم جهلهم على ~~ما هم عليه من الغى والضلال «ويقولون» من فرط جهلهم وغاية غيهم متى هذا ~~الوعد بطريق الاستهزاء يعنون به المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله ~~تعالى بجمع ms2707 بيننا ربنا ثم يفتح بيننا «إن كنتم صادقين» مخاطبين لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به «قل لكم ميعاد يوم» أي وعد يوم أو زمان ~~وعدو الإضافة للتبيين وقرئ ميعاد يوم منونين على البدل ويوما بإضمار اعني ~~للتعظيم «لا تستأخرون عنه» عند مفاجأته «ساعة ولا تستقدمون» صفة لميعاد وفي ~~هذا الجواب من المبالغة في التهديد مالا يخفي حيث جعل الاستئخار في ~~الاستحالة كالاستقدام الممتنع عقلا وقد مر بيانه مرارا ويجوز ان يكون نفي ~~الاستئجار والاستقدام غير مقيد بالمفاجأة فيكون وصف الميعاد بذلك لتحقيقه ~~PageV07P133 # وتقريره «وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه» أي ~~من الكتب القديمة الدالة على البعث وقيل ان كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروهم انهم يجدون نعته في كتبهم فغضبوا ~~فقالوا ذلك وقيل الذي بين يديه القيامة «ولو ترى إذ الظالمون» المنكرون ~~للبعث «موقوفون عند ربهم» أي في موقف المحاسبة «يرجع بعضهم إلى بعض القول» ~~أي يتحاورون ويتراجعون القول يقول الذين استضعفوا بدل من يرجع الخ أي يقول ~~الاتباع «للذين استكبروا» في الدنيا واستتبعوهم في الغي والضلال «لولا ~~أنتم» أي لولا إضلالكم وصدكم لنا عن الايمان «لكنا مؤمنين» باتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم «قال الذين استكبروا للذين استضعفوا» استئناف مبنى على ~~السؤال كأنه قيل فماذا قال الذين استكبروا في الجواب فقيل قالوا «أنحن ~~صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين» منكرين لكونهم هم الصادين ~~لهم عن الايمان مثبتين انهم هم الصادون بأنفسهم بسبب كونهم راسخين في ~~الاجرام «وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا» إضرابا عن أضرابهم وابطالا ~~له «بل مكر الليل والنهار» أي بل صدنا مكركم بنا بالليل والنهار فحذف ~~المضاف اليه وأقيم مقامه الظرف اتساعا أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على ~~الاسناد المجازي وقرئ بل مكر الليل والنهار بالتنوين ونصب الظرفين أي بل ~~صدنا مكركم في الليل والنهار على ان التنوين عوض عن المضاف اليه أو مكر ~~عظيم على انه للتفخيم وقرئ بل ms2708 مكر الليل والنهار بالرفع والنصب أي بل تكرون ~~الاغواء مكرا دائبا لا تفترون عنه فالرفع على الفاعلية أي بل صدنا مكركم ~~الاغواء في الليل والنهار على ما سبق من الاتساع في الظرف بإقامته مقام ~~المضاف اليه والنصب على المصدرية أي بل تكرون الاغواء مكر الليل والنهار أي ~~مكرا دائما وقوله تعالى «إذ تأمروننا» ظرف للمكر أي بل مكركم الدائم وقت ~~امركم لنا «أن نكفر بالله ونجعل له أندادا» على ان المراد بمكرهم اما نفس ~~امرهم بما ذكر كما في قوله تعالى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء PageV07P134 # وجعلكم ملوكا فإن الجعلين المذكورين نعمة من الله تعالى واي نعمة واما ~~أمور اخر مقارنة لامرهم داعية إلى الامتثال به من الترغيب والترهيب وغير ~~ذلك وأسروا الندامة لما رأوا العذاب أي اضمر الفريقان الندامة على ما فعلا ~~من الضلال والاضلال وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير أو أظهروها ~~فإنه من الأضداد وهو المناسب لحالهم «وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا» ~~أي في أعناقهم والاظهار في موضع الاضمار للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب ~~أغلالهم «هل يجزون إلا ما كانوا يعملون» أي لا يجزون الا جزاء ما كانوا ~~يعملون أو الا بما كانوا يعملونه على نزع الجار «وما أرسلنا في قرية» من ~~القرى «من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون» تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به ~~والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد والمفاخرة بحظوظ الدنيا وزخارفها والتكبر ~~بذلك على المؤمنين والاستهانة بهم من اجله وقولهم أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا بأنه لم يرسل قط أهل قرية من نذير الا قال مترفوهم مثل ما قال ~~مترفو أهل مكة في حقه صلى الله عليه وسلم وكادوا به نحو ما كادوا به صلى ~~الله عليه وسلم وقاسوا أمور الآخرة الموهومة والمفروضة عندهم على أمور ~~الدنيا وزعموا انهم لو لم يكرموا على الله تعالى لما رزقهم طيبات الدنيا ~~ولولا ان ms2709 المؤمنين هانوا عليه تعالى لما حرمهموها وعلى ذلك الرأي الركيك ~~بنوا احكامهم «وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين» اما بناء ~~على انتفاء العذاب الأخروي رأسا أو على اعتقاد انه تعالى أكرمهم في الدنيا ~~فلا يهينهم في الآخرة على تقدير وقوعها قل ردا عليهم وحسما لمادة طمعهم ~~الفارغ وتحقيقا للحق الذي عليه يدور امر التكوين «إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشاء» ان يبسط له «ويقدر» على من يشاء ان يقدره عليه من غير ان يكون لاحد ~~من الفريقين داع إلى ما فعل به من البسط والقدر فربما يوسع على العاصي ~~ويضيق على المطيع وربما يعكس الامر وربما يوسع عليهما معا وقد يضيق عليهما ~~وقد يوسع على شخص تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلا من ذلك حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا يقاس على ذلك امر الثواب والعذاب ~~اللذين مناطهما الطاعة وعدمها وقرئ ويقدر بالتشديد «ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون» ذلك فيزعمون ان مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار القدر هو ~~الهوان ولا يدرون ان الأول كثيرا ما يكون بطريق الاستدراج والثاني بطريق ~~الابتلاء ورفع الدرجات «وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم PageV07P135 # عندنا زلفى» كلام مستأنف من جهته عز وعلا خوطب به الناس بطريق التلوين ~~والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق أي وما جماعة أموالكم ~~وأولادكم بالجماعة التي تقربكم عندنا قربة فإن الجمع المكسر عقلاؤه وغير ~~عقلائه سواء في حكم التأنيث أو بالخصلة التي تقربكم وقرئ بالذي أي بالشيء ~~الذي «إلا من آمن وعمل صالحا» استثناء من مفعول تقربكم أي وما الأموال ~~والأولاد تقرب أحدا الا المؤمن الصالح الذي انفق أمواله في سبيل الله تعالى ~~وعلم أولاده الخير ورباهم على الصلاح ورشحهم للطاعة وقيل من أموالكم ~~وأولادكم على حذف المضاف أي الا أموال من الخ «فأولئك» إشارة إلى من والجمع ~~باعتبار معناها كما ان الافراد في الفعلين باعتبار لفظها وما فيه من معنى ~~البعد مع قرب العهد بالمشار اليه للايذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في ~~الفضل ms2710 أي فأولئك المنعوتون بالايمان والعمل الصالح «لهم جزاء الضعف» أي ~~ثابت لهم ذلك على ان الجار والمجرور خبر لما بعده والجملة خبر لأولئك وفيه ~~تأكيد لتكرر الاسناد أو يثبت لهم ذلك على ان الجار والمجرور خبر لأولئك وما ~~بعده مرتفع على الفاعلية وإضافة الجزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى ~~المفعول أصله فأولئك لهم ان يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف ~~ومعناه ان تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشرا فما فوقها وقرئ جزاء الضعف على ~~فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على ان يجازوا الضعف وجزاء الضعف بالرفع ~~على ان الضعف بدل من جزاء «بما عملوا» من الصالحات «وهم في الغرفات» أي ~~غرفات الجنة «آمنون» من جميع المكاره وقرئ بفتح الراء وسكونها وقرئ في ~~الغرفة على إرادة الجنس «والذين يسعون في آياتنا» بالرد والطعن فيها ~~«معاجزين» سابقين لأنبيائنا أو زاعمين انهم يفوتوننا «أولئك في العذاب ~~محضرون» لا يجديهم ما عولوا عليه نفعا «قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده» أي يوسعه عليه تارة «ويقدر له» أي يضيقه عليه تارة أخرى فلا تخشوا ~~الفقر وانفقوا في سبيل الله وتعرضوا لنفحاته تعالى «وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه» عوضا اما عاجلا واما آجلا «وهو خير الرازقين» فإن غيره واسطة في ~~ايصال رزقه لا حقيقة لرازقيته «ويوم يحشرهم جميعا» أي المستكبرين ~~والمستضعفين وما كانوا يعبدون من دون الله ويوم ظرف لمضمر متأخر سيأتي ~~تقديره أو مفعول لمضمر مقدم نحو اذكر «ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون» تقريعا للمشركين وتبكيتا لهم على نهج قوله تعالى أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي الخ وإفناطا لهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة من شفاعتهم ~~وتخصيص الملائكة PageV07P136 # لأنهم اشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم ولان عبادتهم مبدأ الشرك ~~فبظهور قصورهم عن رتبة المعبودية وتنزههم عن عبادتهم يظهر حال سائر شركائهم ~~بطريق الأولوية وقرئ الفعلان بالنون «قالوا» استئناف مبنى على سؤال نشأ من ~~حكاية سؤال الملائكة كأنه قيل فماذا يقول الملائكة حينئذ فقيل يقولون ~~متنزهين عن ذلك ms2711 «سبحانك أنت ولينا من دونهم» والعدول إلى صيغة الماضي ~~الدلالة على التحقق أي أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم ~~كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم اضربوا عن ذلك ونفوا انهم ~~عبدوهم حقيقة بقولهم «بل كانوا يعبدون الجن» أي الشياطين حيث أطاعوهم في ~~عبادة غير الله سبحانه وتعالى وقيل كانوا يتمثلون لهم ويخيلون لهم انهم ~~الملائكة فيعبدونهم وقيل يدخلون أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها ~~«أكثرهم بهم مؤمنون» الضمير الأول للانس أو للمشركين والأكثر بمعنى الكل ~~والثاني للجن «فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا» من جملة ما يقال ~~للملائكة عند جوابهم بالتنزه والتبرؤ عما نسب إليهم الكفرة يخاطبون بذلك ~~على رؤوس الاشهاد اظهارا لعجزهم وقصورهم عند عبدتهم وتنصيصا على ما يوجب ~~خيبة رجائهم بالكلية والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب ~~الملائكة فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا بل لترتيب الاخبار به عليه ونسبة عدم ~~النفع والضر إلى البعض المبهم للمبالغة فيما هو المقصود الذي هو بيان عدم ~~نفع الملائكة للعبدة بنظمه في سلك عدم نفع العبدة لهم كأن نفع الملائكة ~~لعبدتهم في الاستحالة والانتفاء كنفع العبدة لهم والتعرض لعدم الضر مع انه ~~لا بحث عنه أصلا اما لتعميم العجز أو لحمل عدم النفع على تقدير العبادة ~~وعدم الضر على تقدير تركها أو لان المراد دفع الضر على حذف المضاف وتقييد ~~هذا الحكم بذلك اليوم مع ثبوته على الاطلاق لانعقاد رجائهم على تحقق النفع ~~يومئذ وقوله عز وجل «ونقول للذين ظلموا» عطف على نقول للملائكة لا على لا ~~يملك كما قيل فإنه مما يقال يوم القيامة خطابا للملائكة مترتبا على جوابهم ~~المحكى وهذا حكاية لرسول صلى الله عليه وسلم لما سيقال للعبدة يومئذ اثر ~~حكاية ما سيقال للملائكة أي يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة كذا وكذا ~~ويقولون كذا وكذا ونقول للمشركين «ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون» ~~يكون من الأهوال والأحوال مالا يحيط به نطاق المقال وقوله تعالى «وإذا تتلى ms2712 ~~عليهم آياتنا PageV07P137 # بينات» بيان لبعض آخر من كفرانهم أي إذا تتلى عليهم بلسان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم آياتنا الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك «قالوا ما هذا» ~~يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~آباؤكم» فيستتبعكم بما يستدعيه من غير ان يكون هناك دين الهي وإضافة الآباء ~~إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة في تقريرهم ~~على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد «وقالوا ما هذا» يعنون القرآن الكريم «إلا ~~إفك» أي كلام مصروف عن وجهه لا مصداق له في الواقع «مفترى» بإسناده إلى ~~الله تعالى «وقال الذين كفروا للحق» أي لامر النبوة أو الاسلام أو القرآن ~~على ان العطف لاختلاف العنوان بأن يراد بالأول معناه والثاني نظمه المعجز ~~«لما جاءهم» من غير تدبر ولا تأمل فيه «إن هذا إلا سحر مبين» ظاهر سحريته ~~وفي تكرير الفعل والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإشارة إلى ~~القائلين والمقول فيه وما في لما من المسارعة إلى البيت بهذا القول الباطل ~~انكار عظيم له وتعجيب بليغ منه «وما آتيناهم من كتب يدرسونها» فيها دليل ~~على صحة الاشراك كما في قوله تعالى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون وقوله تعالى «أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون» ~~وقرئ يدرسونها ويدرسونها بتشديد الدال يفتعلون من الدرس «وما أرسلنا إليهم ~~قبلك من نذير» يدعوهم إليه وينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا وقد بان من قبل ان ~~لا وجه له بوجه من الوجوه فمن اين ذهبوا هذا المذهب الزائغ وهذا غاية تجهيل ~~لهم وتسفيه لرأيهم ثم هددهم بقوله تعالى «وكذب الذين من قبلهم» من الأمم ~~التقدمة والقرون الخالية كما كذبوا «وما بلغوا معشار ما آتيناهم» أي ما بلغ ~~هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال أو ما بلغ أولئك ~~عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى «فكذبوا رسلي» عطف على كذب الذين الخ ~~بطريق التفصيل والتفسير كقوله تعالى «كذبت ms2713 قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا» الخ ~~«فكيف كان نكير» أي إنكاري لهم بالتدمير فليحذر هؤلاء من مثل ذلك «قل إنما ~~أعظكم بواحدة» أي ما أرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة هي ما دل عليه قوله ~~تعالى «أن تقوموا لله» على أنه بدل منها أو بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي ~~هي أن تقوموا من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تنتصبوا للأمر خالصا ~~لوجه الله تعالى معرضا عن المماراة والتقليد «مثنى وفرادى» أي متفرقين ~~اثنين اثنين وواحدا واحدا فإن الازدحام يشوش الافهام ويخلط الأفكار ~~بالأوهام وفي تقديم مثنى إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى الاطمئنان «ثم ~~PageV07P138 # تتفكروا» في أمره صلى الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيقته وحقيته ~~وقوله تعالى «ما بصاحبكم من جنة» استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على ~~طريقة النظر والتأمل بأن مثل هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا ~~والآخرة لا يتصدى لا دعائه إلا مجنون لا يبالي بافتضاحه عند مطالبته ~~بالبرهان وظهور عجزه أو مؤيد من عند الله مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه ~~وإذ قد علمتم أنه صلى الله عليه وسلم أرجح العالمين عقلا وأصدقهم قولا ~~وأنزههم نفسا وأفضلهم علما وأحسنهم عملا وأجمعهم للكمالات البشرية وجب أن ~~تصدقوه في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال ويجوز ان ~~يتعلق بما قبله على معنى ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة وقد جوز ان ~~تكون ما استفهامية على معنى ثم تتفكروا أي شئ به من آثار الجنون «إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد» هو عذاب الآخرة فإنه صلى الله عليه وسلم مبعوث ~~في نسم الساعة «قل ما سألتكم من أجر» أي أي شئ سألتكم من أجر على الرسالة ~~«فهو لكم» والمراد نفى السؤال رأسا كقول من قال لمن لم يعطه شيئا إن ~~أعطيتني شيئا فخذه وقيل ما موصوله أريد بها ما سألهم بقوله تعالى ما أسألكم ~~عليه من اجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه ms2714 سبيلا وقوله تعالى لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى واتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتهم الكبرى وقرباه ~~صلى الله عليه وسلم قرباهم «إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد» ~~مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي وقرئ إن أجرى بسكون الياء «قل إن ربي يقذف ~~بالحق» أي يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي به الباطل فيدمغه ~~أو يرمى به في أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإعلاء كلمة الحق ~~«علام الغيوب» صفة محمولة على محل إن واسمها أو بدل من المستكن في يقذف أو ~~خبر ثان لأن أو خبر مبتدأ محذوف وقرئ بالنصب صفة لربى أو مقدرا بأعنى وقرئ ~~بكسر الغين وبالفتح كصبور مبالغة غائب «قل جاء الحق» أي الإسلام والتوحيد ~~«وما يبدئ الباطل وما يعيد» أي زهق الشرك بحيث لم يبق أثره أصلا مأخوذ من ~~هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعل مثلا في الهلاك ~~بالمرة ومنه قول عبيد أقفر من أهله عبيد فليس يبدي ولا يعيد وقيل الباطل ~~إبليس أو الصنم والمعنى لا ينشئ خلقا ولا يعيد أو لا يبدئ خيرا لأهله ولا ~~يعيد وقيل ما استفهامية منصوبة بما بعدها «قل إن ضللت» عن الطريق الحق ~~«فإنما أضل على نفسي» فإن وبال ضلالى عليها لأنه بسببها إذ هي الجاهلة ~~بالذات والأمارة بالسوء وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله تعالى «وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي» لأن الاهتداء بهدايته وتوفيقه وقرئ ربى بفتح ~~الياء «إنه سميع PageV07P139 # قريب» يعلم قول كل من المهتدى والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما «ولو ~~ترى إذ فزعوا» عند الموت أو البعث أو يوم بدر وعن ابن عباس رضى الله عنهما ~~أن ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها فإذا دخلوا البيداء خسف بهم وجواب لو ~~محذوف أي لرأيت أمرا هائلا «فلا فوت» فلا يفوتون الله عز وجل يهرب أو تحصن ~~«وأخذوا من مكان قريب» من ظهر الأرض أو من الموقف إلى النار أو من صحراء ~~بدر إلى ms2715 قليبها أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم والجملة معطوفة على فزعوا ~~وقيل على لا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا ويؤيده أنه قرئ واخذ ~~بالعطف على محله أي فلا فوت هنا وهناك أخذ «وقالوا آمنا به» أي بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وقد مر ذكره في قوله تعالى ما بصاحبكم «وأنى لهم التناوش» ~~التناوش التناول السهل أي ومن اين لهم أن يتناولوا الايمان تناولا سهلا «من ~~مكان بعيد» فإنه في حيز التكليف وهم منه بمعزل بعيد وهو تمثيل حالهم في ~~الاستخلاص بالايمان بعد ما فات عنهم وبعد بحال من يريد أن يتناول الشئ من ~~غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة وقرئ بالهمزة على قلب الواو لضمها وهو من ~~نأشت الشئ إذا طلبته وعن أبي عمرو التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم ~~نأشت إذا أبطأت وتأخرت ومنه قول من قال تمنى نئيشا ان يكون أطاعني وقد حدثت ~~بعد الأمور أمور «وقد كفروا به» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالعذاب ~~الشديد الذي أنذرهم إياه «من قبل» أي من قبل ذلك في أوان التكليف «ويقذفون ~~بالغيب» ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في حق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من المطاعن أو في العذاب المذكور من بت القول بنفيه «من مكان ~~بعيد» من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم حيث ينسبونه صلى الله عليه ~~وسلم إلى الشعر والسحر والكذب وإن ابعد شئ مما جاء به الشعر والسحر وأبعد ~~شئ من عادته المعروفة فيما بين الداني والقاصي الكذب ولعله تمثيل لحالهم في ~~ذلك بحال من يرمى شيئا لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه وقرئ ~~ويقذفون على أن الشيطان يلقى إليهم ويلقنهم ذلك وهو معطوف على قد كفروا به ~~على حكاية الحال الماضية أو على قالوا فيكون تمثيلا لحالهم بحال القاذف في ~~تحصيل ما ضيعوه من الايمان في الدنيا «وحيل بينهم وبين ما يشتهون» من نفع ~~الايمان والنجاة من النار وقرئ بإشمام ms2716 الضم للحاء «كما فعل بأشياعهم من ~~قبل» أي بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة «إنهم كانوا في شك مريب» أي موقع ~~في الريبة أو ذي ريبة والأول منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان إلى ~~المعنى والثاني من صاحب الشك إلى الشك كما يقال شعر شاعر والله أعلم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان ~~له يوم القيامة رفيقا ومصافحا PageV07P140 # سورة فاطر مكية وهي خمس وأربعون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «الحمد لله ~~فاطر السماوات والأرض» مبدعهما من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه من ~~الفطر وهو الشق وقيل الشق طولا كأنه شق العدم بإخراجهما منه وإضافته محضة ~~لأنه بمعنى الماضي فهو نعت للاسم الجليل ومن جعلها غير محضة جعلة بدلا منه ~~وهو قليل في المشتق «جاعل الملائكة» الكلام في إضافته وكونه نعتا أو بدلا ~~كما قبله وقوله تعالى «رسلا» منصوب به على الوجه الثاني من الإضافة الاتفاق ~~وأما على الوجه الأول فكذلك عند الكسائي واما عند البصريين فبمضمر يدل هو ~~عليه لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عندهم إلا معرفا باللام ~~وقال أبو سعيد السيرافي اسم الفاعل المتعدى إلى اثنين يعمل في الثاني لأن ~~بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه له وعلل بعضهم ذلك ~~بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله وقرئ جاعل بالرفع على المدح ~~وقرئ الذي فطر السماوات والأرض وجعل الملائكة أي جاعلهم وسائط بينه تعالى ~~وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام ~~والرؤيا الصادقة أو بينه تعالى وبين خلقه أيضا حيث يوصلون إليهم آثار قدرته ~~وصنعه هذا على تقدير كون الجعل تصييريا أما على تقدير كونه إبداعيا فرسلا ~~نصب على الحالية وقرئ رسلا بسكون السين «أولي أجنحة» صفة لرسلا وأولو اسم ~~جمع لذو كما أن أولاء اسم لذا ونظيرهما في الأسماء المتمكنة المخاض والخلفة ~~وقوله تعالى «مثنى وثلاث ورباع» صفات لأجنحة أي ذوي أجنحة متعددة متفاوتة ms2717 ~~في العدد حسب تفاوت ما لهم من المتراتب ينزلون بها ويعرجون أو يسرعون بها ~~والمعنى ان من الملائكة خلقا لكل واحد منهم جناحان وخلقا أجنحة كل منهم ~~ثلاثة وخلقا آخر لكل منهم أربعة أجنحة ويروى أن صنفا من الملائكة لهم ستة ~~أجنحة بجناحين منها يلقون أجسادهم وبآخرين منها يطيرون فيما أمروا به من ~~جهته تعالى وجناحان منها مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ~~ستمائة جناح وروى أنه سأله عليهما السلام أن يتراءى له في صورته فقال إنك ~~لن تطيق ذلك قال إني أحب أن تفعل فخرج صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة ~~فأتاه جبريل عليهما السلام في صورته فغشى عليه صلى الله عليه وسلم ثم أفاق ~~وجبريل مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال سبحان الله ما ~~كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا فقال جبريل عليه السلام فكيف لو رأيت ~~PageV07P141 # إسرافيل له اثنا عشر جناحا جناح منها بالمشرق وجناح منها بالمغرب وإن ~~العرش على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله عز وجل حتى يعود مثل ~~الوصع وهو العصفور الصغير «يزيد في الخلق ما يشاء» استئناف مقرر لما قبله ~~من تفاوت أحوال الملائكة في عدد الأجنحة ومؤذن بأن ذلك من أحكام مشيئته ~~تعالى لا لأمر راجع إلى ذواتهم ببيان حكم كلى ناطق بأنه تعالى يزيد في أي ~~خلق كان كل ما يشاء ان يزيده بموجب مشيئته ومقتضى حكمته من الأمور التي لا ~~يحيط بها الوصف وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيص بعض المعاني ~~بالذكر من الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن فبيان لبعض المواد ~~المعهودة بطريق التمثيل لا بطريق الحصر فيها وقوله تعالى «إن الله على كل ~~شيء قدير» تعليل بطريق التحقيق للحكم المذكور فإن شمول قدرته تعالى لجميع ~~الأشياء مما يوجب قدرته تعالى على أن يزيد كل ما يشاؤه إيجابا بينا «ما ~~يفتح الله للناس ms2718 من رحمة» عبر عن إرسالها بالفتح إيذانا بأنها أنفس الخزائن ~~التي يتنافس فيها المتنافسون وأعزها منالا وتنكيرها للإشاعة والابهام أي أي ~~شئ يفتح الله من خزائن رحمته أية رحمة كانت من نعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة ~~إلى غير ذلك مما لا يحاط به «فلا ممسك لها» أي لا أحد يقدر على إمساكها ~~«وما يمسك» أي أي شئ يمسك «فلا مرسل له» أي لا أحد يقدر على إرساله واختلاف ~~الضميرين لما أن مرجع الأول مفسر بالرحمة ومرجع الثاني مطلق يتناولها ~~وغيرها كائنا ما كان وفيه إشعار بأن رحمته سبقت غضبه «من بعده» أي من بعد ~~إمساكه «وهو العزيز» الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح ~~والإمساك «الحكيم» الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ~~والجملة تذييل مقرر لما قبلها ومعرب عن كون كل من الفتح والامساك بموجب ~~الحكمة التي عليها يدور امر التكوين وبعد ما بين سبحانه انه الموجد للملك ~~والملكوت والمتصرف فيهما بالقبض والبسط من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما ~~بوجه من الوجوه أمر الناس قاطبة أو أهل مكة خاصة بشكر نعمه فقال «يا أيها ~~الناس اذكروا نعمة الله عليكم» أي إنعامه عليكم إن جعلت النعمة مصدرا أو ~~كائنة عليكم إن جعلت اسما أي راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها ~~وتخصيص العبادة والطاعة بموليها ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب فنونها ~~منحصرة في نعمة الايجاد ونعمة الابقاء نفى ان يكون في الوجود شئ غيره تعالى ~~يصدر عنه إحدى النعمتين بطريق الاستفهام الإنكارى المنادى باستحالة أن يجاب ~~عنه بنعم فقال «هل من خالق غير الله» أي هل خالق مغاير له تعالى موجود على ~~أن خالق مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه كلمة من لتأكيد العموم وغير الله نعت ~~له باعتبار محله كما أنه نعت له في قراءة الجر باعتبار لفظه وقرئ ~~PageV07P142 # بالنصب على الاستثناء وقوله تعالى «يرزقكم من السماء والأرض» أي بالمطر ~~والنبات كلام مبتدأ على التقادير لا محل له من الإعراب ms2719 داخل من حيز النفي ~~والانكار ولا مساغ لما قيل من أنه صفة أخرى لخالق مرفوعة المحل أو مجرورته ~~لأن معناه نفى وجود خالق موصوف بوصفى المغايرة والرازقية معا من غير تعرض ~~لنفى وجود ما اتصف بالمغايرة فقط ولا لما قيل من أنه الخبر للمبتدأ ولا لما ~~قيل من انه مفسر لمضمر ارتفع به قوله تعالى من خالق على الفاعلية أي هل ~~يرزقكم من خالق الخ لما أن معناهما نفى رازقية خالق مغاير له تعالى من غير ~~تعرض لنفى وجوده رأسا مع أنه المراد حتما ألا يرى إلى قوله تعالى «لا إله ~~إلا هو» فإنه استئناف مسوق لتقرير النفي المستفاد منه قصدا وجار مجرى ~~الجواب عما يوهمه الاستفهام صورة فحيث كان هذا ناطقا بنفي الوجود تعين ان ~~يكون ذلك أيضا كذلك قطعا والفاء في قوله تعالى «فأنى تؤفكون» لترتيب إنكار ~~عدولهم عن التوحيد إلى الاشراك على ما قبلها كأنه قيل وإذا تبين تفرده ~~تعالى بالألوهية والخالقية والرازقية فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى ~~الشرك وقوله تعالى «وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك» تلوين للخطاب وتوجيه ~~له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خطابي الناس مسارعة إلى تسليته ~~صلى الله عليه وسلم بعموم البلية أولا والإشارة إلى الوعد والوعيد ثانيا أي ~~وان استمروا على ان يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين بعد ما أقمت ~~عليهم الحجة وألقمتهم الحجر فتأس بأولئك الرسل في المصابرة على ما أصابهم ~~من قبل قومهم فوضع موضعه ما ذكر اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب وتنكير ~~الرسل للتفخيم الموجب لمزيد التسلية والتوجه إلى المصابرة أي رسل أولو شأن ~~خطير وذوو عدد كثير «وإلى الله ترجع الأمور» لا إلى غيره فيجازى كلا منك ~~ومنهم بما أنتم عليه من الأحوال التي من جملتها صبرك وتكذيبهم وفي الاقتصار ~~على ذكر اختصاص المرجع بالله تعالى مع إبهام الجزاء ثوابا وعقابا من ~~المبالغة في الوعد والوعيد ما لا يخفى وقرئ ترجع بفتح التاء من الرجوع ~~والأول ادخل في ms2720 التهويل «يا أيها الناس» رجوع إلى خطابهم وتكرير النداء ~~لتأكيد العظة والتذكير «إن وعد الله» المشار اليه برجع الأمور إليه تعالى ~~من البعث والجزاء «حق» ثابت لا محالة من غير خلف «فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا» بأن يذهلكم التمتع بمتاعها ويلهيكم التلهي بزخارفها عن تدارك ما ~~يهمكم يوم حلول الميعاد والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن توجه النهى صورة ~~إليها كما في قوله تعالى لا يجر منكم شقاقى «ولا يغرنكم بالله» وعفوة وكرمه ~~تعالى «الغرور» أي المبالغ في الغرور وهو الشيطان بان يمنيكم المغفرة مع ~~الإصرار على المعاصي قائلا اعملوا ما شئتم إن الله غفور يغفر الذنوب جميعا ~~فإن ذلك وإن أمكن لكن تعاطى الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم تعويلا ~~على دفع الطبيعة وتكرير فعل النهى للمبالغة فيه ولاختلاف الغرورين في ~~الكيفية وقرئ الغرور بالضم على أنه مصدر أو جمع غار كقعود جمع قاعد ~~PageV07P143 # «إن الشيطان لكم عدو» عداوة قديمة لا تكاد تزول وتقديم لكم للاهتمام به ~~«فاتخذوه عدوا» بمخالفتكم له في عقائدكم وأفعالكم وكونكم على حذر منه في ~~مجامع أحوالكم وقوله تعالى «إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير» تقرير ~~لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه على أن غرضه في دعوة شيعته إلى اتباع ~~الهوى والركون إلى ملاذ الدنيا ليس تحصيل مطالبهم ومنافعهم الدنيوية كما هو ~~مقصد المتحابين في الدنيا عند سعى بعضهم في حاجة بعض بل هو توريطهم ~~وإلقاؤهم في العذاب المخلد من حيث لا يحتسبون «الذين كفروا لهم» بسبب كفرهم ~~وإجابتهم لدعوة الشيطان واتباعهم لخطواته «عذاب شديد» لا يقادر قدره مديد ~~لا يبلغ مداه «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم» بسبب ما ذكر من الايمان ~~والعمل الصالح الذي من جملته عداوة الشيطان «مغفرة» عظيمة «وأجر كبير» لا ~~غاية لهما «أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا» إما تقرير لما سبق من التباين ~~البين بين عاقبتى الفريقين ببيان تباين حاليهما المؤديين إلى تينك ~~العاقبتين والفاء لإنكار ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي ابعد كون حاليهما ~~كما ذكر يكون ms2721 من زين له الكفر من جهة الشيطان فانهمك فيه كمن استقبحه ~~واجتنبه واختار الايمان والعمل الصالح حتى لا تكون عاقبتاهما كما ذكر فحذف ~~ما حذف لدلالة ما سبق عليه وقوله تعالى «فإن الله يضل» الخ تقرير له وتحقيق ~~للحق ببيان ان الكل بمشيئته تعالى أي فإنه تعالى يضل «من يشاء» ان يضله ~~لاستحسانه واستحبابه الضلال وصرف اختياره إليه فيرده أسفل سافلين «ويهدي من ~~يشاء» أن يهديه بصرف اختياره إلى الهدى فيرفعه إلى أعلى عليين وإما تمهيد ~~لما يعقبه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن التحسر والتحزن عليهم لعدم ~~إسلامهم ببيان أنهم ليسوا بأهل لذلك بل لأن يضرب عنهم صفحا ولا يبالي بهم ~~قطعا أي أبعد كون حالهم كما ذكر تتحسر عليهم فحذف لما دل عليه قوله تعالى ~~«فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» دلالة بينة وإما تمهيد لصرفه صلى الله عليه ~~وسلم عما كان عليه من الحرص الشديد على إسلامهم والمبالغة في دعوتهم إليه ~~ببيان استحالة تحولهم عن الكفر لكونه في غاية الحسن عندهم أي أبعد ما ذكر ~~من زين له الكفر من قبل الشيطان فرآه فانهمك فيه يقبل الهداية حتى تطمع في ~~إسلامه وتتعب نفسك في دعوته فحذف ما حذف لدلالة ما مر من قوله تعالى فإن ~~الله يضل من يشاء الخ على انه ممن شاء الله تعالى ان يضله فمن يهدى من أضل ~~الله وما لهم من ناصرين وقرئ فلا تذهب نفسك وقوله تعالى حسرات إما مفعول له ~~أي فلا PageV07P144 # تهلك نفسك للحسرات والجمع للدلالة على تضاعف اغتمامه صلى الله عليه وسلم ~~على أحوالهم أو على كثرة قبائح أعمالهم الموجبة للتأسف والتحسر وعليهم صلة ~~تذهب كما يقال هلك عليه حبا ومات عليه حزنا أو هو بيان للمتحسر عليه ولا ~~يجوز أن يتعلق بحسرات لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته وإما حال كان كلها ~~صارت حسرات وقوله تعالى «إن الله عليم بما يصنعون» أي من القبائح تعليل لما ~~قبله على الوجوه الثلاثة مع ما فيه فيه من الوعيد عن ms2722 ابن عباس رضى الله ~~عنهما انها نزلت في أبي جهل ومشركي مكة «والله الذي أرسل الرياح» مبتدأ ~~وخبر وقرئ الريح وصيغة المضارع في قوله تعالى «فتثير سحابا» لحكاية الحال ~~الماضية استحضارا لعلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة ولأن ~~المراد بيان إحداثها لتلك الخاصية ولذلك اسند إليها أو للدلالة على استمرار ~~الإثارة «فسقناه إلى بلد ميت» وقرئ بالتخفيف «فأحيينا به الأرض» أي بالمطر ~~النازل منه المدلول عليه بالسحاب فإن بينهما تلازما في الذهن كما في الخارج ~~أو بالسحاب فإنه سبب السبب «بعد موتها» أي يبسها وإيراد الفعلين على صيغة ~~الماضي للدلالة على التحقق وإسنادهما إلى نون العظمة المنبئ عن اختصاصهما ~~به تعالى لما فيهما من مزيد الصنع ولتكميل المماثلة بين إحياء الأرض وبين ~~البعث الذي شبه به بقوله تعالى «كذلك النشور» في كمال الاختصاص بالقدرة ~~الربانية والكاف في حيز الرفع على الخبرية أي مثل ذلك الإحياء الذي ~~تشاهدونه إحياء الأموات في صحة المقدورية وسهولة التأتى من غير تفاوت ~~بينهما أصلا سوى الألف في الأول دون الثاني وقيل في كيفية الإحياء يرسل ~~الله تعالى من تحت العرش ماء فينبت منه أجساد الخلق «من كان يريد العزة» هم ~~المشركون الذين كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله تعالى «واتخذوا من دون ~~الله آلهة ليكونوا لهم عزا» والذين كانوا يتعززون بهم من الذين آمنوا ~~بألسنتهم كما في قوله تعالى «الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~أيبتغون عندهم العزة» والجمع بين كان ويريد الدلالة على دوام الإرادة ~~واستمرارها «فلله العزة جميعا» أي له تعالى وحده لا لغيره عزة الدنيا وعزة ~~الآخرة أي فليطلبها منه لا من غيره فاستغنى عن ذكره بذكر دليله إيذانا بأن ~~اختصاص العزة به تعالى موجب لتخصيص طلبها به تعالى وقوله تعالى «إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد ~~والعمل الصالح وصعودهما إليه مجاز عن قبوله تعالى إياهما أو صعود الكتبة ~~بصحيفتهما وتقديم الجار والمجرور عبارة عن كمال الاعتداد به كقوله تعالى ~~وهو الذي ms2723 يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات أي إليه يصل الكلم الطيب الذي ~~به يطلب العزة لا إلى الملائكة الموكلين بأعمال العباد فقط وهو يعز صاحبه ~~ويعطى طلبته بالذات PageV07P145 # والمستكن في يرفعه للكلم فإن مدار قبول العمل هو التوحيد ويؤيده القراءة ~~بنصب العمل أو العمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه ولا ينال الدرجات العالية ~~إلا به وقرئ يصعد من الإصعاد على البناءين والمصعد هو الله سبحانه أو ~~المتكلم به أو الملك وقيل الكلم الطيب يتناول الذكر والدعاء والاستغفار ~~وقراءة القرآن وعنه صلى الله عليه وسلم انه سبحانه الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها ~~وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالحا لم تقبل وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما ~~من عبد مسلم يقول خمس كلمات سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~وتبارك الله إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فما يمر بهن على ~~جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيى بهن وجه رب العالمين ~~ومصداقه قوله عز وجل إليه يصعد الكلم الطيب الخ «والذين يمكرون السيئات» ~~بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيء وأهلهما بعد بيان حال الكلم الطيب ~~والعمل الصالح وانتصاب السيئات على أنها صفة للمصدر المحذوف أي يمكرون ~~المكرات السيئات وهي مكرات قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ~~وتداورهم الرأي في إحدى الثلاث التي هي الإثبات والقتل والإخراج «لهم» بسبب ~~مكراتهم «عذاب شديد» لا يقادر قدره ولا يؤبه عنده لما يمكرون «ومكر أولئك» ~~وضع اسم الإشارة موضع ضميرهم للإيذان بكمال تميزهم بما هم فيه من الشر ~~والفساد عن سائر المفسدين واشتهارهم بذلك وما فيه من معنى البعد للتنبيه ~~على ترامي امرهم في الطغيان وبعد منزلتهم في العدوان أي ومكر أولئك ~~المفسدين الذين أرادوا ان يمكروا به صلى الله عليه وسلم «هو يبور» أي هو ~~يهلك ويفسد خاصة لا من مكروا به ولقد أبارهم الله تعالى بعد إبارة مكراتهم ms2724 ~~حيث أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم الثلاث ~~التي اكتفوا في حقه صلى الله عليه وسلم بواحدة منهن «والله خلقكم من تراب» ~~دليل آخر على صحة البعث والنشور أي خلقكم ابتداء منه في ضمن خلق آدم عليه ~~السلام خلقا إجماليا كما مر في تحقيقه مرارا «ثم من نطفة» أي ثم خلقكم منها ~~خلقا تفصيليا «ثم جعلكم أزواجا» أي أصنافا أو ذكرانا وإناثا وعن قتادة جعل ~~بعضكم زوجا لبعض «وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه» إلا ملتبسة بعلمه ~~تابعة لمشيئته «وما يعمر من معمر» أي من أحد وإنما سمى معمرا باعتبار مصيره ~~أي وما يمد في عمر أحد «ولا ينقص من عمره» أي من عمر أحد على طريقة قولهم ~~لا يثيب الله عبدا ولا يعاقبه إلا بحق لكن لاعلى معنى لا ينقص عمره بعد ~~كونه زائدا بل على معنى لا يجعل من الابتداء ناقصا وقيل الزيادة والنقص في ~~عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل أن يكتب فيه إن حج فلان ~~فعمره ستون وإلا فأربعون وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله الصدقة ~~والصلة تعمران الديار وتزيدان في الاعمار وقيل المراد بالنقص ما يمر من ~~عمره وينقص فإنه يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة ثم يكتب تحت ذلك ذهب ~~يوم ذهب يومان وهكذا حتى يأتي على آخره وقرئ ولا ينقص عل البناء للفاعل ومن ~~عمره PageV07P146 # بسكون الميم «إلا في كتاب» عن ابن عباس رضى الله عنهما انه اللوح وقيل ~~علم الله عز وجل وقيل صحيفة كل إنسان «إن ذلك» أي ما ذكر من الخلق وما بعده ~~مع كونه محارا للعقول والافهام «على الله يسير» لاستغنائه عن الأسباب فكذلك ~~البعث «وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج» مثل ضرب ~~للمؤمن والكافر والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره لعذوبته ~~والأجاج الذي يحرق بملوحته وقرئ سيغ كسيد وسيغ بالتخفيف وملح ككتف وقوله ~~تعالى «ومن كل» أي من كل ms2725 واحد منهما «تأكلون لحما طريا وتستخرجون» أي من ~~المالح خاصة «حلية تلبسونها» إما استطراد في صفة البحرين وما فيهما من ~~النعم والمنافع وإما تكملة للتمثيل والمعنى كما أنهما وإن اشتركا في بعض ~~الفوائد لا يتساويان من حيث أنهما متفاوتان فيما هو المقصود بالذات من ~~الماء لما خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته لا يساوي الكافر ~~المؤمن وإن شاركه في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ونحوهما لتباينهما فيما ~~هو الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية وحيازته لكماله اللائق ~~دون الآخر أو تفضيل للأجاج على الكافر من حيث انه يشارك العذب في منافع ~~كثيرة والكافر خلو من المنافع بالكلية على طريقة قوله تعالى ثم قست قلوبكم ~~من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله والمراد ~~بالحلية اللؤلؤ والمرجان «وترى الفلك فيه» أي في كل منهما وإفراد ضمير ~~الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق لان الخطاب الكل حد تتأتى منه الرؤية دون ~~المنتفعين بالبحرين فقط «مواخر» شواق للماء بجريها مقبلة ومدبرة بريح واحدة ~~«لتبتغوا من فضله» من فضل الله تعالى بالنقلة فيها واللام متعلقة بمواخر ~~وقد جوز تعلقها بما يدل عليه الافعال المذكورة أي فعل ذلك لتبتغوا من فضله ~~«ولعلكم تشكرون» أي ولتشكروا على ذلك وحرف الترجى للإيذان بكونه مرضيا عند ~~الله تعالى «يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل» بزيادة أحدهما ~~ونقص الآخر بإضافة بعض أجزاء كل منهما إلى الآخر «وسخر الشمس والقمر» عطف ~~على يولج واختلافهما صيغة لما أن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد حينا ~~فحينا وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه وإنما المتعدد والمتجدد آثاره ~~وقد أشير إليه بقوله تعالى «كل يجري» أي بحسب حركته الخاصة وحركته القسرية ~~على المدارات اليومية المتعددة حسب تعدد أيام السنة جريانا مستمرا «لأجل ~~مسمى» PageV07P147 # قدره الله تعالى لجريانهما وهو يوم القيامة كما روى عن الحسن رحمه الله ms2726 ~~وقيل جريانهما عبارة عن حركتيهما الخاصتين بهما في فلكيهما والأجل المسمى ~~هو منتهى دورتيهما ومدة الجريان للشمس سنة والقمر شهر وقد مر تفصيله في ~~سورة لقمان «ذلكم» إشارة إلى فاعل الأفاعيل المذكورة وما فيه من معنى البعد ~~للإيذان بغاية العظمة وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم العظيم ~~الشأن الذي أبدع هذه الصنائع البديعة «الله ربكم له الملك» وفيه من الدلالة ~~على ان ابداعه تعالى لتلك البدائع مما يوجب ثبوت تلك الاخبار له مالا يخفي ~~ويجوز ان يكون الأخير كلاما مبتدأ في مقابلة قوله تعالى «والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير» الدلالة على تفرده تعالى بالألوهية والربوبية ~~وقرئ يدعون بالياء التحتانية والقطمير لفافة النواة وهو مثل في القلة ~~والحقارة «إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم» استئناف مقرر لمضمون ما قبله كاشف ~~عن جلية حال ما يدعونه بأنه جماد ليس من شأنه السماع «ولو سمعوا» على الفرض ~~والتقدير «ما استجابوا لكم» لعجزهم عن الافعال بالمرة لا لما قيل من انهم ~~متبرئون منكم ومما تدعون لهم فإن ذلك مما لا يتصور منهم في الدنيا «ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم» أي يجحدون بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم بقولهم ما ~~كنتم إيانا تعبدون «ولا ينبئك مثل خبير» أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير ~~أخبرك به وهو الحق سبحانه فإنه الخبير بكنه الأمور دون سائر المخبرين ~~والمراد تحقيق ما اخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم من الإلهية «يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله» في أنفسكم وفيما يعن لكم من أمر مهم أو ~~خطب علم وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لكثرة افتقارهم وشدة ~~احتياجهم هم الفقراء فحسب وان افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم ~~بمنزلة العدم ولذلك قال تعالى وخلق الانسان ضعيفا «والله هو الغني الحميد» ~~أي المستغنى على الاطلاق المنعم على سائر الموجودات المستوجب للحمد «إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد» ليسوا على صفتكم بل مستمرون على الطاعة أو بعالم ~~آخر غير ما تعرفونه «وما ذلك» أي ما ذكر ms2727 من الاذهاب بهم والاتيان بآخرين ~~«على الله بعزيز» بمتعذر ولا متعسر PageV07P148 # «ولا تزر وازرة» أي لا تحمل نفس آثمة «وزر أخرى» إثم نفس أخرى بل إنما ~~تحمل كل منهما وزرها وأماما في قوله تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم من حمل المضلين أثقالا غير أثقالهم فهو حمل أثقال إضلالهم مع أثقال ~~ضلالهم وكلاهما أوزارهم ليس فيها من أوزار غيرهم شئ «وإن تدع مثقلة» أي نفس ~~أثقلها الأوزار «إلى حملها» لحمل بعض أوزارها «لا يحمل منه شيء» لم تجب ~~بحمل شئ منه «ولو كان» أي المدعو المفهوم من الدعوة «ذا قربى» ذا قرابة من ~~الداعي وقرئ ذو قربى وهذا نفى للحمل اختيارا والأول نفى له جبارا «إنما ~~تنذر» استئناف مسوق لبيان من يتعظ بما ذكر أي إنما تنذر بهذه الإنذارات ~~«الذين يخشون ربهم بالغيب» أي يخشونه تعالى غائبين عن عذابه أو عن الناس في ~~خلواتهم أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم «وأقاموا الصلاة» أي راعوها كما ~~ينبغي وجعلوها منارا منصوبا وعلما مرفوعا أي إنما ينفع إنذارك وتحذيرك ~~هؤلاء من قومك دون من عداهم من أهل التمرد والعناد «ومن تزكى» أن تطهر من ~~أوضار الأوزار والمعاصي بالتأثر من هذه الإنذارات «فإنما يتزكى لنفسه» ~~لاقتصار نفعه عليها كما أن من تدنس بها لا يتدنس إلا عليها وقرئ من أزكى ~~فإنما يزكى وهو اعتراض مقرر لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنها من معظم مبادى ~~التزكى «وإلى الله المصير» لا إلى أحد غيره استقلالا أو اشتراكا فيجازيهم ~~على تزكيهم أحسن الجزاء «وما يستوي الأعمى والبصير» أي الكافر والمؤمن «ولا ~~الظلمات ولا النور» أي ولا الباطل ولا الحق وجمع الظلمات مع إفراد النور ~~لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق «ولا الظل ولا الحرور» أي ولا الثواب ولا ~~العقاب وإدخال لاعلى المتقابلين لتذكير نفى الاستواء وتوسيطها بينهما ~~للتأكيد والحرور فعول من الحر غلب على السموم وقيل السموم ما يهب نهارا ~~والحرور ما يهب ليلا «وما يستوي الأحياء ولا الأموات» تمثيل آخر للمؤمنين ~~والكافرين PageV07P149 # أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وأوثر ms2728 صيغة الجمع في الطرفين تحقيقا ~~للتباين بين افراد الفريقين وقيل تمثيل للعلماء والجهلة «إن الله يسمع من ~~يشاء» أن يسمعه ويوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته «وما أنت بمسمع من في ~~القبور» ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات وإشباع في إقناطه صلى ~~الله عليه وسلم من إيمانهم «إن أنت إلا نذير» ما عليك إلا الإنذار وأما ~~الإسماع البتة فليس من وظائفك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم «إنا ~~أرسلناك بالحق» أي محقين أو محقا أنت أو إرسالا مصحوبا بالحق ويجوز أن ~~يتعلق بقوله «بشيرا ونذيرا» أي بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق «وإن ~~من أمة» أي ما من أمة من الأمم الدارجة في الأزمنة الماضية «إلا خلا» أي ~~مضى «فيها نذير» من نبي أو عالم ينذرهم والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة ~~قرينة البشارة لا سيما وقد اقترنا آنفا ولأن الإنذار هو الأنسب بالمقام ~~«وإن يكذبوك» أي تموا على تكذيبك فلا تبال بهم وبتكذيبهم «فقد كذب الذين من ~~قبلهم» من الأمم العاتية «جاءتهم رسلهم بالبينات» أي المعجزات الظاهرة ~~الدالة على نبوتهم «وبالزبر» كصحف إبراهيم «وبالكتاب المنير» كالتوراة ~~والإنجيل والزبور على إرادة التفصيل دون الجمع ويجوز أن يراد بهما واحد ~~والعطف لتغاير العنوانين «ثم أخذت الذين كفروا» وضع الموصول موضع ضميرهم ~~لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة الأخذ «فكيف كان نكير» أي إنكاري ~~بالعقوبة وفيه مزيد تشديد وتهويل لها «ألم تر» استئناف مسوق لتقرير ما قبله ~~من اختلاف أحوال الناس ببيان أن الاختلاف والتفاوت امر مطرد في جميع ~~المخلوقات من النبات والجماد والحيوان والرؤية قلبية أي ألم تعلم «أن الله ~~أنزل من السماء ماء فأخرجنا به» بذلك الماء والالتفات لإظهار كمال الاعتناء ~~بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة «ثمرات ~~مختلفا ألوانها» أي أجناسها أو أصنافها على ان كلا منها ذو أصناف مختلفة أو ~~هيآتها وأشكالها أو ألوانها من الصفرة والخضرة والحمرة وغيرها وهو الأوفق ~~لما في قوله تعالى «ومن الجبال جدد» أي ذو جدد أي ms2729 خطط وطرائق ويقال جدة ~~الحمار للخطة السوداء PageV07P150 # على ظهره وقرئ جدد بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة وجدد بفتحتين وهو الطريق ~~الواضح «بيض وحمر مختلف ألوانها» بالشدة والضعف «وغرابيب سود» عطف على بيض ~~أو على جدد كأنه قيل ومن الجبال مخطط ذو جدد ومنها ما هو على لون واحد ~~غرابيب وهو تأكيد لمضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسود كالفاقع ~~للأصفر والقانى للأحمر ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظيره في الصفة قول ~~النابغة والمؤمن العائذات الطير يمسحها وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من ~~التكرار باعتبار الإضمار والإظهار «ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ~~ألوانه» أي ومنهم بعض مختلف ألوانه أو وبعضهم مختلف ألوانه على ما مر في ~~قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وإيراد الجملتين اسميتين مع ~~مشاركتهما لما قبلهما من الجملة الفعلية في الاستشهاد بمضمونهما على تباين ~~الناس في الأحوال الباطنة لما أن اختلاف الجبال والناس والدواب والانعام ~~فيما ذكر من الألوان أمر مستمر فعبر عنه بما يدل على الاستمرار وأما إخراج ~~الثمرات المختلفة فحيث كان امرا حادثا عبر عنه بما يدل على الحدوث ثم لما ~~كان فيه نوع خفاء علق به الرؤية بطريق الاستفهام التقريري المنبئ عن الحمل ~~عليها والترغيب فيها بخلاف أحوال الجبال والناس وغيرهما فإنها مشاهدة غنية ~~عن التأمل فلذلك جردت عن التعليق بالرؤية فتدبر وقوله تعالى «كذلك» مصدر ~~تشبيهى لقوله تعالى مختلف أي صفة لمصدره المؤكد تقديره مختلف اختلافا كائنا ~~كذلك أي كاختلاف الثمار والجبال وقرئ ألوانا وقرئ والدواب بالتخفيف مبالغة ~~في الهرب من التقاء الساكنين وقوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء» تكملة لقوله تعالى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب بتعيين من ~~يخشاه عز وجل من الناس بعد بيان اختلاف طبقاتهم وتباين مراتبهم اما في ~~الأوصاف المعنوية فبطريق التمثيل واما في الأوصاف الصورية فبطريق التصريح ~~توفيه لكل واحدة منهما حقها اللائق بها من البيان أي إنما يخشاه تعالى ~~بالغيب العالمون به عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة ms2730 وافعاله الجميلة ~~لما أن مدار الخشية معرفة المخشى والعلم بشئونه فمن كان أعلم به تعالى كان ~~أخشى منه عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم أنا أخشاكم لله وأتقاكم له ~~ولذلك عقب بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته وحيث كان الكفرة بمعزل من هذه ~~المعرفة امتنع إنذارهم بالكلية وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ~~ولو أخر انعكس الأمر وقرئ برفع الاسم الجليلة ونصب العلماء على أن الخشية ~~مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبا «إن الله عزيز غفور» تعليل لوجوب ~~الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه «إن ~~الذين يتلون كتاب الله» أي يداومون على قراءته أو متابعة ما فيه حتى ~~PageV07P151 # صارت سمة لهم وعنوانا والمراد بكتاب الله تعالى القرآن وقيل جنس كتب الله ~~فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين منهم وليس بذاك ~~فإن صيغة المضارع منادية باستمرار مشروعية تلاوته والعمل بما فيه ~~واستتباعهما لما سيأتي من توفية الآجور وزيادة الفضل وحملها على حكاية ~~الحال الماضية مع كونه تعسفا ظاهرا مما لا سبيل اليه كيف لا والمقصود ~~الترغيب في دين الاسلام والعمل بالقرآن الناسخ لما بين يديه من الكتب ~~فالتعرض لبيان حقيقتها قبل انتساخها والاشباع في ذكر استتباعها لما ذكر من ~~الفوائد العظيمة مما يورث الرغبة في تلاوتها والاقبال على العمل بها وتخصيص ~~التلاوة بما لم ينسخ منها باطل قطعا لما ان الباقي مشروعا ليس الا حكمها ~~لكن لا من حيث انه حكمها بل من حيث انه حكم القرآن واما تلاوتها فبمعزل من ~~المشروعية واستتباع الاجر بالمرة فتدبر «وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما ~~رزقناهم سرا وعلانية» كيفما اتفق من غير قصد اليهما وقيل السر في المسنونة ~~والعلانية في المفروضة «يرجون تجارة» تحصيل ثواب الطاعة وهو خبر ان وقوله ~~تعالى «لن تبور» أي لن تكسد ولن تهك بالخسران أصلا صفة لتجارة جئ بها ~~للدلالة على انها ليست كسائر التجارات الدائرة بين الربح والخسران لأنه ~~اشتراء باق بفان والاخبار برجائهم من أكرم الأكرمين ms2731 عدة قطعية بحصول مرجوهم ~~وقوله تعالى «ليوفيهم أجورهم» متعلق بلن تبور على معنى انه ينتفي عنها ~~الكساد وتنفق عند الله تعالى ليوفيهم أجور اعمالهم «ويزيدهم من فضله» على ~~ذلك من خزائن رحمته ما يشاء وقيل بمضمر دل عليه ما عد من افعالهم المرضية ~~أي فعلوا ذلك ليوفيهم الخ وقيل بيرجون على ان اللام للعاقبة «إنه غفور ~~شكور» تعليل لما قبله من التوفية والزيادة أي غفور لفرطاتهم شكور لطاعاتهم ~~أي مجازيهم عليها وقيل هو خبر ان الذين ويرجون حال من واو انفقوا «والذي ~~أوحينا إليك من الكتاب» وهو القرآن ومن للتبيين أو الجنس ومن للتبعيض وقيل ~~اللوح ومن للابتداء «هو الحق مصدقا لما بين يديه» أي أحقه مصدقا لما تقدمه ~~من الكتب السماوية حال مؤكدة لان حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد ~~وأصول الاحكام «إن الله بعباده لخبير بصير» محيط ببواطن أمورهم وظواهرها ~~فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الحق المعجز الذي ~~هو عيار على سائر الكتب وتقديم الخبير للتنبيه على ان العمدة هي الأمور ~~الروحانية «ثم أورثنا الكتاب» أي قضينا بتوريثه منك أو نورثه والتعبير عنه ~~بالماضي لتقرره PageV07P152 # وتحققه وقيل أورثناه من الأمم السالفة أي أخرناه عنهم وأعطيناه «الذين ~~اصطفينا من عبادنا» وهم علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم ممن يسير سيرتهم ~~أو الأمة بأسرهم فإن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا ~~ليكونوا شهداء على الناس واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله عليهم ~~الصلاة والسلام وليس من ضرورة وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته لقوله تعالى ~~فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب الآية «فمنهم ظالم لنفسه» بالتقصير في ~~العمل به وهو المرجأ لامر الله «ومنهم مقتصد» يعمل به في أغلب الأوقات ولا ~~يخلو من خلط السيء «ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله» قيل هم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار وقيل هم المداومون على إقامة مواجبه علما ~~وعملا وتعليما وفي قوله بإذن الله أي بتيسيره وتوفيقه تنبيه على عزة منال ~~هذه الرتبة وصعوبة مأخذها ms2732 وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق ~~العالم وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ~~ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ~~واما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب واما المقتصد ~~فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا واما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول ~~المحشر ثم يتلقاهم الله تعالى برحمته وقد روى ان عمر رضي الله عنه قال وهو ~~على المنبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقنا سابق ومقتصدنا ناج ~~وظالمنا مغفور له «ذلك» إشارة إلى السبق بالخيرات وما فيه من معنى البعد مع ~~قرب العهد بالمشار اليه للاشعار بعلو رتبته وبعد منزلته في الشرف «هو الفضل ~~الكبير» من الله عز وجل لا ينال الا بتوفيقه تعالى «جنات عدن» اما بدل من ~~الفضل الكبير بتنزيل السبب منزلة المسبب أو مبتدأ خبره «يدخلونها» وعلى ~~الأول هو مستأنف وجمع الضمير لان المراد بالسابق الجنس وتخصيص حال السابقين ~~ومآلهم بالذكر والسكوت عن الفريقين الآخرين وان لم يدل على حرمانهما من ~~دخول الجنة مطلقا لكن فيه تحذيرا لهما من التقصير وتحريضا على السعي في ~~ادراك شأو السابقين وقرئ جنات عدن وجنة عدن على النصب بفعل يفسره الظاهر ~~وقرئ يدخلونها على البناء للمفعول «يحلون فيها» خبر ثان أو حال مقدرة وقرئ ~~يحلون من حليت المرأة فهي حالية «من أساور» هي جمع أسورة جمع سوار «من ذهب» ~~من الأولى تبعيضية والثانية بيانية أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه أفضل من ~~سائر افرادها «ولؤلؤا» بالنصب عطفا على محل من أساور وقرئ بالجر عطفا على ~~ذهب أي من ذهب مرصع باللؤلؤ أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ «ولباسهم فيها حرير» ~~وتغيير الأسلوب قد مر في سورة الحج «وقالوا» أي يقولون وصيغة الماضي ~~للدلالة على التحقق «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» وهو ما أهمهم من خوف ~~سوء العاقبة وعن ابن عباس رضي الله عنهما حزن الاعراض والآفات وعنه حزن ~~الموت وعن الضحاك لحزن وسوسة إبليس ms2733 وقيل هم المعاش وقيل حزن PageV07P153 # زوال النعم والظاهر انه الجنس المنتظم لجميع أحزان الدين والدنيا وقرئ ~~الحزن وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على أهل لا اله الا الله وحشة ~~في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم وكأني بأهل لا اله الا الله يخرجون ~~من قبورهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن ~~«إن ربنا لغفور» أي للمذنبين «شكور» للمطيعين «الذي أحلنا دار المقامة» أي ~~دار الإقامة التي لا انتقال عنها ابدا «من فضله» من انعامه وتفضله من غير ~~ان يوجبه شيء من قبلنا «لا يمسنا فيها نصب» تعب «ولا يمسنا فيها لغوب» كلال ~~والفرق بينهما ان النصب نفس المشقة والكلفة واللغوب ما يحدث منه من الفتور ~~والتصريح بنفي الثاني مع استلزام نفي الأول له وتكرير الفعل المنفي ~~للمبالغة في بيان انتفاء كل منهما «والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى ~~عليهم» لا يحكم عليهم بموت ثان «فيموتوا» ويستريحوا ونصبه بإضمار ان وقرئ ~~فيموتون عطفا على يقضى كقوله تعالى ولا يؤذن لهم فيعتذرون «ولا يخفف عنهم ~~من عذابها» بل كلما خبت زيد اسعارها «كذلك» أي مثل ذلك الجزاء الفظيع «نجزي ~~كل كفور» مبالغ في الكفر أو الكفران لا جزاء أخف وأدنى منه وقرئ يجزي على ~~البناء للمفعول واسناده إلى الكل وقرئ يجازي «وهم يصطرخون فيها» يستغيثون ~~والاصطراخ افتعال من الصراخ استعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته «ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل» بإضمار القول وتقييد العمل الصالح ~~بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به والاشعار ~~بأن استخراجهم لتلافيه وانهم كانوا يحسبونه صالحا والآن تبين خلافه وقوله ~~تعالى «أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر» جواب من جهته تعالى وتوبيخ لهم ~~والهمزة للانكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وما نكرة ~~موصوفة أي ألم نمهلكم أو ألم نؤخركم ولم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر أي ~~يتمكن فيه المتذكر من التذكر والتفكر قيل هو أربعون سنة وعن ms2734 ابن عباس رضي ~~الله عنهما ستون سنة وروى ذلك عن علي رضي الله عنه وهو العمر الذي اعذر ~~الله فيه إلى ابن آدم قال صلى الله عليه وسلم اعذر الله إلى امرئ اخر اجله ~~حتى بلغ ستين سنة وقوله تعالى «وجاءكم النذير» عطف على الجملة الاستفهامية ~~لأنها في معنى قد عمرناكم كما في قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا الخ ~~لأنه في معنى قد شرحنا الخ والمراد بالنذير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو ما معه من القرآن وقيل العقل وقيل الشيب وقيل موت الأقارب والاقتصار على ~~ذكر النذير لأنه الذي PageV07P154 # يقتضيه المقام والفاء في قوله تعالى «فذوقوا» لترتيب الامر بالذوق على ما ~~قبلها من التعمير ومجئ النذير وفي قوله تعالى «فما للظالمين من نصير» ~~للتعليل «إن الله عالم غيب السماوات والأرض» بالإضافة وقرئ بالتنوين ونصب ~~غيب على المفعولية أي لا يخفي عليه خافية فيهما فلا تخفي عليه أحوالهم «إنه ~~عليم بذات الصدور» قيل انه تعليل لما قبله لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي ~~اخفى ما يكون كان اعلم بغيرها «هو الذي جعلكم خلائف في الأرض» يقال ~~للمستخلف خليفة والأول يجمع خلائف والثاني خلفاء والمعنى انه تعالى جعلكم ~~خلفاءه في ارضه والقي إليكم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح ~~لكم منافعها أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم من الأمم وأورثكم ما بأيديهم من متاع ~~الدنيا لتشكروه بالتوحيد والطاعة «فمن كفر» منكم مثل هذه النعمة السنية ~~وغمطها «فعليه كفره» أي وبال كفره لا يتعداه إلى غيره وقوله تعالى «ولا ~~يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا» ~~بيان لوبال الكفر وغائلته وهو مقت الله تعالى إياهم أي بغضه الشديد الذي ~~ليس وراءه خزي وصغار وخسار الآخرة الذي ما بعده شر وخسار والتكرير لزيادة ~~التقرير والتنبيه على ان اقتضاء الكفر لكل واحد من الامرين الهائلين ~~القبيحين بطريق الاستقلال والأصالة «قل» تبكيتا لهم «أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله» أي آلهتكم والإضافة إليهم لأنهم ms2735 جعلوهم شركاء لله تعالى ~~من غير ان يكون له أصل ما أصلا وقيل جعلوهم شركاء لأنفسهم فيما يملكونه ~~ويأباه سباق النظم الكريم وسياقه «أروني ماذا خلقوا من الأرض» بدل اشتمال ~~من أرأيتم كأنه قيل أخبروني عن شركائكم أروني أي جزء خلقوا من الأرض «أم ~~لهم شرك في السماوات» أي أم لهم شركة مع الله سبحانه في خلق السماوات ~~ليستحقوا بذلك شركة في الألوهية ذاتية «أم آتيناهم كتابا» ينطق بأنا ~~اتخذناهم شركاء «فهم على بينة منه» أي حجة ظاهرة من ذلك الكتاب بأن لهم ~~شركة جعلية ويجوز ان يكون ضمير آتيناهم للمشركين كما في قوله تعالى أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا الخ وقرئ على بينات وفيه ايماء إلى ان الشرك امر خطير ~~لا بد في اثباته من تعاضد الدلائل «بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا» لما نفي أنواع الحجج في ذلك اضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير ~~الاسلاف للأخلاف واضلال الرؤساء للاتباع بأنهم شفعاء عند الله يشفعون لهم ~~بالتقريب اليه PageV07P155 # «إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا» استئناف مسوق لبيان غاية قبح ~~الشرك وهو له أي يمسكها كراهة زوالهما أو يمنعهما ان تزولا لان الامساك منع ~~«ولئن زالتا إن أمسكهما» أي ما أمسكهما «من أحد من بعده» من بعد امساكه ~~تعالى أو من بعد الزوال والجملة سادة مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد ~~العموم والثانية للابتداء «إنه كان حليما غفورا» غير معاجل بالعقوبة التي ~~تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا حسبما قال ~~تعالى تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وقرئ ولو زالتا «وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم» بلغ قريشا قبل مبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا لعن الله ~~اليهود والنصارى اتتهم الرسل فكذبوهم فو الله لئن اتانا رسول لنكونن اهدى ~~من احدى الأمم اليهود والنصارى وغيرهم أو من الأمة التي يقال لها احدى ~~الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة ms2736 «فلما جاءهم نذير» واي ~~نذير اشرف الرسل عليهم الصلاة والسلام «ما زادهم» أي النذير أو مجيئه «إلا ~~نفورا» تباعدا عن الحق «استكبارا في الأرض» بدل من نفورا أو مفعول له «ومكر ~~السيء» أصله وان مكروا السيء أي المكر السيء ثم ومكرا السيء ثم ومكر السيء ~~وقرئ بسكون الهمزة في الوصل ولعله اختلاس ظن سكوتا وقفة خفيفة وقرئ مكرا ~~سيئا «ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون» أي ما ينتظرون «إلا سنة ~~الأولين» أي سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم «فلن تجد لسنة الله تبديلا» بأن ~~يضع موضع العذاب غير العذاب «ولن تجد لسنة الله تحويلا» بأن ينقله من ~~المكذبين إلى غيرهم والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب من ~~مجيئه ونفي وجدان التبديل والتحويل عبارة عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني ~~وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما «أو لم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» استشهاد على ما قبله من جريان سنته ~~تعالى على تعذيب المكذبين بما يشاهدونه PageV07P156 # في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار دمار الأمم الماضية العاتية ~~والهمزة للانكار والنفي الواو للعطف على مقدر يليق بالمقام أي اقعدوا في ~~مساكنهم ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم «وكانوا ~~أشد منهم قوة» وأطول أعمارا فما نفعهم طول المدى وما اغنى عنهم شدة القوى ~~ومحل الجملة النصب على الحالية وقوله تعالى «وما كان الله ليعجزه من شيء» ~~أي ليسبقه ويفوته «في السماوات ولا في الأرض» اعتراض مقرر لما يفهم مما ~~قبله من استئصال الأمم السالفة وقوله تعالى «إنه كان عليما قديرا» أي ~~مبالغا في العلم والقدرة ولذلك علم بجميع اعمالهم السيئة فعاقبهم بموجبها ~~تعليل لذلك «ولو يؤاخذ الله الناس» جميعا «بما كسبوا» من السيئات كما فعل ~~بأولئك «ما ترك على ظهرها» أي على ظهر الأرض «من دابة» من نسمة تدب عليها ~~من بني آدم وقيل ومن غيرهم أيضا من شؤم معاصيهم وهو المروى عن ابن مسعود ~~وانس رضي الله عنهما ويعضد ms2737 الأول قوله تعالى «ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى» ~~وهو يوم القيامة «فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا» فيجازيهم عند ~~ذلك بأعمالهم ان خيرا فخير وان شرا فشر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرا ~~سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة ان ادخل من أي باب شئت والله تعالى ~~اعلم PageV07P157 # سورة يس مكية وعنه صلى الله عليه وسلم تدعى المعمة تعم صاحبها خير ~~الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضى له كل حاجة وآياتها ثلاث ~~وثمانون «بسم الله الرحمن الرحيم» «يس» اما مسرود على نمط التعديد فلا حظ ~~له من الاعراب أو اسم السورة كما نص عليه الخليل وسيبويه وعليه الأكثر ~~فمحله الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف أو النصب على انه مفعول لفعل مضمر ~~وعليهما مدار قراءة يس بالرفع والنصب أي هذه يس أو اقرا يس ولا مساغ للنصب ~~بإضمار فعل القسم لان ما بعده مقسم به وقد أبو الجمع بين قسمين على شيء ~~واحد قبل انقضاء الأول ولا مجال للعطف لاختلافهما اعرابا وقيل هو مجرور ~~بإضمار باء القسم مفتوح لكونه غير منصرف كما سلف في فاتحة سورة البقرة من ~~ان ما كانت من هذه الفواتح مفردة مثل صاد وقاف ونون أو كانت موازنة لمفرد ~~نحو طس ويس وحم الموازنة لقابيل وهابيل يتأتى فيها الاعراب اللفظي ذكره ~~سيبويه في باب أسماء السور من كتابه وقيل هما حركتا بناء كما في حيث وأين ~~حسبما يشهد بذلك قراءة يس بالكسر كجير وقيل الفتح والكسر تحريك للجد في ~~الهرب من التقاء الساكنين وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان معناه يا انسان ~~في لغة طيء قالوا المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعل أصله يا ~~أنيسين فاقتصر على شطره كما قيل من الله في أيمن الله «والقرآن» بالجر على ~~انه مقسم به ابتداء وقد جوز ان يكون عطفا على يس على تقدير كونه مجرورا ~~بإضمار باء القسم «الحكيم» أي المتضمن للحكمة أو الناطق بها بطريق ~~الاستعارة أو ms2738 المتصف بها على الاسناد المجازي وقد جوز ان يكون الأصل الحكيم ~~قائله فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه فبإنقلابه مرفوعا بعد الجر ~~استكن في الصفة المشبهة كما مر في صدر سورة لقمان «إنك لمن المرسلين» جواب ~~للقسم والجملة لرد انكار الكفرة بقولهم في حقه صلى الله عليه وسلم لست ~~مرسلا وهذه الشهادة منه عز وجل من جملة ما أشير اليه بقوله تعالى في جوابهم ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم وفي تخصيص القرآن بالإقسام به أولا وبوصفه ~~بالحكيم ثانيا تنويه بشأنه وتنبيه على انه كما يشهد برسالته صلى الله عليه ~~وسلم من حيث نظمه المعجز المنطوي على بدائع الحكم يشهد بها من هذه الحيثية ~~أيضا لما ان الاقسام بالشيء PageV07P158 # استشهاد به على تحقق مضمون الجملة القسمية وتقوية لثبوته فيكون شاهدا به ~~ودليلا عليه قطعا وقوله تعالى «على صراط مستقيم» خبر آخر لان أو حال من ~~المستكن في الجار والمجرور على انه عبارة عن الشريعة الشريفة بكمالها لا عن ~~التوحيد فقط وفائدته بيان ان شريعته صلى الله عليه وسلم أقوم الشرائع ~~وأعدلها كما يعرب عنه التنكير التفخيمي والوصف اثر بيان انه صلى الله عليه ~~وسلم من جملة المرسلين بالشرائع «تنزيل العزيز الرحيم» نصب على المدح وقرئ ~~بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف وبالجر على انه بدل من القرآن وأيا ما كان ~~فهو مصدر بمعنى المفعول عبر به عن القرآن بيانا لكمال عراقته في كونه منزلا ~~من عند الله عز وجل كأنه نفس التنزيل واظهارا لفخامته الإضافية بعد بيان ~~فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن ~~الغلبة التامة والرأفة العامة حيث على الايمان ترهيبا وترغيبا واشعار بأن ~~تنزيله ناشيء عن غاية الرحمة حسبما نطق به قوله تعالى وما أرسلناك الا رحمة ~~للعالمين وقيل النصب على انه مصدر مؤكد لفعله المضمر أي نزل تنزيل العزيز ~~الرحيم على انه استئناف مسوق لبيان ما ذكر من فخامة شأن القرآن وعلى كل ~~تقدير ففيه فضل تأكيد لمضمون الجملة القسمية «لتنذر» متعلق بتنزيل على ms2739 ~~الوجوه الأول وبعامله المضمر على الوجه الأخير أي لتنذر به كما في صدر ~~الأعراف وقيل هو متعلق بما يدل عليه لمن المرسلين أي انك مرسل لتنذر «قوما ~~ما أنذر آباؤهم» أي لم ينذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة على ان ما ~~نافية فتكون صفة مبينة لغاية احتياجهم إلى الانذار أو الذي أنذره أو شيئا ~~أنذره آباؤهم الأبعدون على انها موصوله أو موصوفة فيكون مفعولا ثانيا لتنذر ~~أو انذار آبائهم الأقدمين على انها مصدرية فيكون نعتا لمصدر مؤكد أي لتنذر ~~انذار كائنا مثل إنذارهم «فهم غافلون» على الوجه الأول متعلق بنفي الانذار ~~مترتب عليه والضمير للفريقين أي لم تنذر آباؤهم فهم جميعا لأجله غافلون ~~وعلى الوجوه الباقية متعلق بقوله تعالى لتنذر أو بما يفيده إنك لمن ~~المرسلين وارد لتعليل إنذاره صلى الله عليه وسلم أو ارساله بغفلتهم المحوجة ~~اليهما على ان الضمير للقوم خاصة فالمعنى فهم غافلون عنه أي عما انذر ~~آباؤهم الأقدمون لامتداد المدة واللام في قوله تعالى «لقد حق القول على ~~أكثرهم» جواب القسم أي والله لقد ثبت وتحقق عليهم البتة لكن لا بطريق الجبر ~~من غير ان يكون من قبلهم ما يقتضيه بل بسبب اصرارهم الاختياري على الكفر ~~والانكار وعدم تأثرهم من التذكير والانذار وغلوهم في العتو والطغيان ~~وتماديهم في اتباع خطوات الشيطان بحيث لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف كيف ~~لا والمراد بما حق من القول قوله PageV07P159 # تعالى لإبليس عند قوله لأغوينهم أجمعين لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين وهو المعنى بقوله تعالى لأملأن جهنم من الجنة والنار والناس أجمعين ~~كما يلوح به تقديم الجنة على الناس فإنه كما ترى قد أوقع فيه الحكم بإدخال ~~جهنم على من تبع إبليس وذلك تعليل له بتبعيته قطعا وثبوت القول على هؤلاء ~~الذين عبر عنهم بأكثرهم انما هو لكونهم من جملة أولئك المصرين على تبعية ~~إبليس ابدا وإذ قد تبين ان مناط ثبوت القول وتحققه عليهم اصرارهم على الكفر ~~إلى الموت ظهر ان قوله تعالى «فهم لا يؤمنون» متفرع ms2740 في الحقيقة على ذلك لا ~~على ثبوت القول وقوله تعالى «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا» تقرير لتصميمهم ~~على الكفر وعدم ارعوائهم عنه بتمثيل حالهم بحال الذين غلت أعناقهم «فهي إلى ~~الأذقان» أي فالأغلال منتهية إلى أذقانهم فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق ولا ~~يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له «فهم مقمحون» رافعون رؤوسهم ~~غاضون ابصارهم بحيث لا يكادون يرون الحق أو ينظرون إلى جهته «وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» اما تتمة للتمثيل ~~وتكميل له أي تكميل أي وجعلنا مع ما ذكر من امامهم سدا عظيما ومن ورائهم ~~سدا كذلك فغطينا بها ابصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرون على ابصار شيء ما أصلا ~~واما تمثيل مستقل فإن ما ذكر من جعلهم محصورين بين سدين هائلين قد غطيا ~~ابصارهم بحيث لا يبصرون شيئا قطعا كاف في الكشف عن كمال فظاعة حالهم وكونهم ~~محبوسين في مطمورة الغي والجهالات محرومين عن النظر في الأدلة والآيات وقرئ ~~سدا بالضم وهي لغة فيه وقيل ما كان من عمل الناس فهو بالفتح وما كان من خلق ~~الله فبالضم وقرئ فأعشيناهم من العشا وقيل الآيتان في بني مخزوم وذلك ان ~~ابا جهل حلف لئن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه فأتاه ~~وهو يصلي صلى الله عليه وسلم ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت يده إلى ~~عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم بذلك فقال ~~مخزومي آخر انا اقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله تعالى بصره «وسواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم» بيان لشأنهم بطريق التصريح اثر بيانه بطريق التمثيل ~~أي مستو عندهم انذارك إياهم وعدمه حسبما مر تحقيقه في سورة البقرة وقوله ~~تعالى «لا يؤمنون» استئناف مؤكد لما قبله مبين لما فيه من اجمال ما فيه ~~الاستواء أو حال مؤكدة له أو بدل منه ولما بين كون الانذار عندهم كعدمه عقب ~~ببيان من يتأثر منه فقيل «إنما تنذر» أي انذارا مستتبعا ms2741 للأثر «من اتبع ~~الذكر» أي القرآن بالتأمل فيه أو الوعظ ولم يصر على اتباع خطوات الشيطان ~~«وخشي الرحمن بالغيب» أي PageV07P160 # خاف عقابه وهو غائب عنه على انه حال من الفاعل أو المفعول أو خافه في ~~سريرته ولم يغتر برحمته فإنه منتقم قهار كما انه رحيم غفار كما نطق به قوله ~~تعالى نبىء عبادي اني انا الغفور الرحيم وان عذابي هو العذاب الأليم «فبشره ~~بمغفرة» عظيمة «وأجر كريم» لا يقادر قدره والفاء لترتيب البشارة أو الامر ~~بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية «إنا نحن نحيي الموتى» بيان لشأن ~~عظيم ينطوي على الانذار والتبشير انطواء اجماليا أي نبعثهم بعد مماتهم وعن ~~الحسن إحياؤهم اخراجهم من الشرك إلى الايمان فهو حينئذ عدة كريمة بتحقيق ~~المبشر به «ونكتب ما قدموا» أي ما أسلفوا من الاعمال الصالحة وغيرها ~~«وآثارهم» التي أبقوها من الحسنات كعلم علموه أو كتاب ألفوه أو حبيس وقفوه ~~أو بناء بنوه من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البر ومن ~~السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان وترتيب مبادي الشر والفساد فيما بين ~~العباد وغير ذلك من فنون الشرور التي أحدثوها وسنوها لمن بعدهم من المفسدين ~~وقيل هي آثار المشائين إلى المساجد ولعل المراد انها من جملة الآثار وقرئ ~~ويكتب على البناء للمفعول ورفع آثارهم «وكل شيء» من الأشياء كائنا ما كان ~~«أحصيناه في إمام مبين» أصل عظيم الشأن مظهر لجميع الأشياء مما كان وما ~~سيكون وهو اللوح المحفوظ وقرئ كل شيء بالرفع «واضرب لهم مثلا أصحاب القرية» ~~ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها كما في قوله ~~تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط وأخرى في ذكر حالة ~~غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى ~~وضربنا لكم الأمثال على أحد الوجهين أي بينا لكم أحوالا بديعة هي في ~~الغرابة كالأمثال فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء في ~~الغلو في الكفر والاصرار على تكذيب الرسل ms2742 أي طبق حالهم بحالهم على ان مثلا ~~مفعول ثان لا ضرب وأصحاب القرية مفعوله الأول اخر عنه ليتصل به ما هو شرحه ~~وبيانه وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل وقوله تعالى ~~أصحاب القرية بدل منه بتقدير المضاف أو بيان له والقرية أنطاكية «إذ جاءها ~~المرسلون» بدل اشتمال من أصحاب القرية وهم رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها ~~ونسبة ارسالهم اليه تعالى في قوله «إذ أرسلنا إليهم اثنين» بناء على انه ~~كان بأمره تعالى لتكميل التمثيل وتتميم التسلية وهما يحيى وبولس وقيل ~~غيرهما «فكذبوهما» أي فأتياهم فدعواهم إلى الحق فكذبوهما في الرسالة ~~«فعززنا» أي قوينا يقال عزز المطر الأرض إذ لبدها وقرئ بالتخفيف من عزه إذا ~~غلبه وقهره وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولان المقصد ذكر المعزز به ~~«بثالث» هو شمعون «فقالوا» أي جميعا «إنا إليكم مرسلون» مؤكدين كلامهم لسبق ~~الانكار لما ان تكذيبهما تكذيب للثالث لاتحاد كلمتهم وذلك انهم كانوا عبدة ~~أصنام فأرسل إليهم PageV07P161 # عيسى عليه السلام اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له ~~وهو حبيب النجار صاحب يس فسألهما فأخبراه قال أمعكما آية فقالا نشفي المريض ~~ونبرىء الأكمه والأبرص وكان له ولد مريض منذ سنتين فمسحاه فقام فآمن حبيب ~~وفشا الخبر وشفى على أيديهما خلق وبلغ حديثهما إلى الملك وقال لهما النا ~~اله سوى آلهتنا قالا نعم من أوجدك وآلهتك فقال حتى انظر في أمركما فتبعهما ~~الناس وقيل ضربوهما وقيل حبسا ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون فدخل متنكرا ~~وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ~~يوما بلغني انك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولونه قال لا حال الغضب بيني وبين ~~ذلك فدعاهما فقال شمعون من أرسلكما قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك ~~فقال صفاه وأوجزا قالا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال وما آيتكما قالا ما ~~يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله تعالى حتى انشق له بصر ms2743 ~~فأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين ينظر بهما فقال له شمعون ~~أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف قال ليس لي عنك سر ~~ان الهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع وكان شمعون يدخل معهم على ~~الصنم فيصلي ويتضرع وهم يحسبون انه منهم ثم قال ان قدر إلهكما على احياء ~~ميت آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال اني أدخلت في سبعة ~~أودية من النار واني أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا وقال فتحت أبواب السماء ~~فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك من هم قال شمعون وهذان ~~فتعجب الملك فلما رأى شمعون ان قوله قد اثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم ومن لم ~~يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام فهلكوا هكذا قالوا ولكن لا يساعده سياق ~~النظم الكريم حيث اقتصر فيه على حكاية تماديهم في العناد واللجاج وركوبهم ~~متن المكابرة في الحجاج ولم يذكر فيه ممن يؤمن أحد سوى حبيب ولو ان الملك ~~وقوما من حواشيه آمنوا لكان الظاهر ان يظاهروا الرسل ويساعدوهم قبلوا في ~~ذلك أو قتلوا كدأب النجار الشهيد ولكان لهم فيه ذكر ما بوجه من الوجوه ~~اللهم الا ان يكون ايمان الملك بطريق الخفية على خوف من عناة ملئه فيعتزل ~~عنهم معتذرا بعذر من الاعذار «قالوا» أي أهل أنطاكية الذين لم يؤمنوا ~~مخاطبين للثلاثة «ما أنتم إلا بشر مثلنا» من غير مزية لكم علينا موجبة ~~لاختصاصكم بما تدعونه ورفع بشر لانتقاض النفي المقتضى لاعمال ما بإلا «وما ~~أنزل الرحمن من شيء» مما تدعونه من الوحي والرسالة «إن أنتم إلا تكذبون» في ~~دعوى رسالته «قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون» استشهدوا بعلم الله تعالى ~~وهو يجري مجرى القسم مع ما فيه من تحذيرهم معارضة علم الله تعالى وزادوا ~~اللام المؤكدة لما شاهدوا منهم من شدة الانكار «وما علينا» أي من جهة ربنا ~~«إلا البلاغ المبين» أي الا تبليغ رسالته تبليغا ظاهرا بينا PageV07P162 # بالآيات الشاهدة بالصحة ms2744 وقد خرجنا عن عهدته فلا مؤاخذة لنا بعد ذلك من ~~جهة ربنا أو ما علينا شيء نطالب به من جهتكم الا تبليغ الرسالة على الوجه ~~المذكور وقد فعلناه فأي شيء تطلبون منا حتى تصدقونا بذلك «قالوا» لما ضاقت ~~عليهم الحيل وعيت بهم العلل «إنا تطيرنا بكم» تشاءمنا بكم جريا على ديدن ~~الجهلة حيث كانوا يتيمنون بكل ما يوافق شهواتهم وان كان مستجلبا لكل شر ~~ووبال ويتشاءمون بمالا يوافقها وان كان مستتبعا لسعادة الدارين أو بناء على ~~الدعوة لا تخلو عن الوعيد بما يكرهونه من إصابة ضر متعلق بأنفسهم وأهليهم ~~وأموالهم ان لم يؤمنوا فكانوا ينفرون عنه وقد روى انه حبس عنهم القطر ~~فقالوه «لئن لم تنتهوا» أي عن مقالتكم هذه «لنرجمنكم» بالحجارة «وليمسنكم ~~منا عذاب أليم» لا يقادر قدره «قالوا طائركم» أي سبب شؤمكم «معكم» لا من ~~قبلنا وهو سوء عقيدتكم وقبح اعمالكم وقرئ طيركم «أئن ذكرتم» أي وعظتم بما ~~فيه سعادتكم وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه أي تطيرتم وتوعدتم ~~بالرجم والتعذيب وقرئ بألف بين الهمزتين وبفتح ان بمعنى أتطيرتم لان ذكرتم ~~وان ذكرتم وان ذكرتم بغير استفهام وأين ذكرتم بمعنى طائركم معكم حيث جرى ~~ذكركم وهو أبلغ «بل أنتم قوم مسرفون» اضراب عما تقتضيه الشرطية من كون ~~التذكير سببا للشؤم أو مصححا للتوعد أي ليس الامر كذلك بل أنتم قوم عادتكم ~~الاسراف في العصيان فلذلك اتاكم الشؤم أو في الظلم والعدوان ولذلك توعدتم ~~وتشاءمتم بمن يجب اكرامه والتبرك به «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى» هو ~~حبيب النجار وكان ينحت أصنامهم وهو ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما ولم يؤمن ~~من بنبي غيره صلى الله عليه وسلم أحد قبل مبعثه وقيل كان في غار يعبد الله ~~تعالى فلما بلغه خبر الرسل عليهم الصلاة والسلام اظهر دينه «قال» استئناف ~~وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية مجيئه ساعيا كأنه قيل فماذا قال عند ms2745 مجيئه ~~فقيل قال «يا قوم اتبعوا المرسلين» تعرض لعنوان رسالتهم حثا لهم على ~~اتباعهم كما ان خطابهم بيا قوم لتأليف قلوبهم واستمالتها نحو قبول نصيحته ~~وقوله تعالى «اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون» تكرير للتأكيد والتوسل ~~به إلى وصفهم بما يرغبهم في اتباعهم من التنزه عن الغرض الدنيوي والاهتداء ~~إلى خير الدنيا والدين «وما لي لا أعبد الذي فطرني» تلطف في الارشاد ~~PageV07P163 # بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم انه اختار لهم ما ~~يختار لنفسه والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره كما ينبئ ~~عنه قوله «وإليه ترجعون» مبالغة في التهديد ثم عاد إلى المساق الأول فقال ~~«أأتخذ من دونه آلهة» انكار ونفي لاتخاذ الآلهة على الاطلاق وقوله تعالى ~~«إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا» أي لا تنفعني شيئا من النفع ~~«ولا ينقذون» من ذلك الضر بالنصرة والمظاهرة استئناف سيق لتعليل النفي ~~المذكور وجعله صفة لآلهة كما ذهب اليه بعضهم ربما يوهم ان هناك آلهة ليست ~~كذلك وقرئ ان يردن بفتح الياء على معنى ان يوردني ضرا أي يجعلني موردا للضر ~~«إني إذا» أي إذا اتخذت من دونه آلهة «لفي ضلال مبين» فإن اشراك ما ليس من ~~شأنه النفع ولا دفع الضر بالخالق المقتدر الذي لا قادر غيره ولا خير الا ~~خيره ضلال بين لا يخفي على أحد ممن له تمييز في الجملة «إني آمنت بربكم» ~~خطاب منه للرسل بطريق التلوين قيل لما نصح قومه بما ذكر هموا برجمه فأسرع ~~نحو الرسل قبل ان يقتلوه فقال ذلك وانما أكده لاظهار صدوره عنه بكمال ~~الرغبة والنشاط وأضاف الرب إلى ضميرهم روما لزيادة التقرير واظهارا ~~للاختصاص والاقتداء بهم كأنه قال بربكم الذي أرسلكم أو الذي تدعوننا إلى ~~الايمان به «فاسمعون» أي اسمعوا ايماني واشهدوا لي به عند الله تعالى وقيل ~~الخطاب للكفرة شافههم بذلك اظهارا للتصلب في الدين وعدم المبالاة بالقتل ~~وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من ms2746 ~~اتخاذ الأصنام أربابا وقيل للناس جميعا «قيل ادخل الجنة» قيل له ذلك لما ~~قتلوه اكراما له بدخولها حينئذ كسائر الشهداء وقيل لما هموا بقتله رفعه ~~الله تعالى إلى الجنة قاله الحسن وعن قتادة ادخله الله الجنة وهو فيها حي ~~يرزق وقيل معناه البشرى بدخول الجنة وانه من أهلها وانما لم يقل له لان ~~الغرض بيان المقول لا المقول له لظهوره وللمبالغة في المسارعة إلى بيانه ~~والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حاله ومقاله كأنه قيل كيف ~~كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في دينه والتسخي بروحه لوجهه تعالى فقيل قيل ~~ادخل الجنة وكذلك قوله تعالى «قال يا ليت قومي يعلمون» «بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين» فإنه جواب عن سؤال نشأ من حكاية حاله كأنه قيل فماذا ~~قال عند نيله تلك الكرامة السنية فقيل قال الخ وانما تمنى علم قومه بحاله ~~ليحملهم ذلك عن اكتساب مثله PageV07P164 # بالتوبة عن الكفر والدخول في الايمان والطاعة جريا على سنن الأولياء في ~~كظم الغيظ والترحم على الأعداء أو ليعلموا انهم كانوا على خطأ عظيم في امره ~~وانه كان على الحق وان عداوتهم لم تكسبه الا سعادة وقرئ من المكرمين وما ~~موصولة أو مصدرية والباء صلة يعلمون أو استفهامية وردت على الأصل والباء ~~متعلقة بغفر أي بأي شيء غفر لي ربي يريد به تفخيم شأن المهاجرة عن ملتهم ~~والمصابرة على أذيتهم «وما أنزلنا على قومه من بعده» من بعد قتله أو رفعه ~~«من جند من السماء» لاهلاكهم والانتقام منهم كما فعلناه يوم بدر والخندق بل ~~كفينا امرهم بصيحة ملك وفيه استحقار لهم لاهلاكهم وايماء إلى تفخيم شأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم «وما كنا منزلين» وما صح في حكمتنا ان ننزل ~~لاهلاك قومه جندا من السماء لما انا قدرنا لكل شيء سببا حيث أهلكنا بعض من ~~أهلكنا من الأمم بالحاصب وبعضهم بالصيحة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالاغراق ~~وجعلنا انزال الجند من خصائصك في الانتصار من قومك وقيل ما موصولة معطوفة ~~على جند ms2747 أي وما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة وغيرها ~~«إن كانت» أي ما كانت الأخذة أو العقوبة «إلا صيحة واحدة» صاح بها جبريل ~~عليه السلام وقرئ الا صيحة بالرفع على ان كان تامة وقرئ الا زقية واحدة من ~~زقا الطائر إذا صاح «فإذا هم خامدون» ميتون شبهوا بالنار الخامدة رمزا إلى ~~ان الحي كالنار الساطعة في الحركة والالتهاب والميت كالرماد كما قال لبيد * ~~وما المرء الا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع * يا حسرة على ~~العباد تعالى فهذه من الأحوال التي حقها ان تحضري فيها وهي ما دل عليه قوله ~~تعالى «وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون» فإن المستهزئين ~~بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين أحقاء بأن يتحسروا ويتحسر ~~عليهم المتحسرون أو قد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين وقد ~~جوز ان يكون تحسرا عليهم من جهة الله تعالى بطريق الاستعارة لتعظيم ما جنوه ~~على أنفسهم ويؤيده قراءة يا حسرتا لان المعنى يا حسرتي ونصبها لطولها بما ~~تعلق بها من الجار وقيل بإضمار فعلها والمنادى محذوف وقرئ يا حسرة العباد ~~بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول ويا حسرة على العباد بإجراء الوصل مجرى ~~الوقف «ألم يروا» أي ألم يعلموا وهو معلق عن العمل في قوله تعالى «كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون» لان كم لا يعمل فيها ما قبلها وان كانت خبرية لان ~~أصلها الاستفهام خلا ان معناه نافذ في الجملة كما نفذ في قولك ألم تر ان ~~زيدا لمنطلق وان لم يعمل في لفظه «أنهم PageV07P165 # إليهم لا يرجعون» بدل من كم أهلكنا على المعنى أي ألم يروا كثرة اهلاكنا ~~من قبلهم من المذكورين آنفا ومن غيرهم كونهم غير راجعين إليهم وقرئ بالكسر ~~على الاستئناف وقرئ ألم يروا من أهلكنا والبدل حينئذ بدل اشتمال «وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون» بيان لرجوع الكل إلى المحشر بعد بيان عدم الرجوع ~~إلى الدنيا وان نافية وتنوين كل عوض عن المضاف اليه ولما بمعنى الا وجميع ms2748 ~~فعيل بمعنى مفعول ولدينا ظرف له أو لما بعده والمعنى ما كلهم الا مجموعون ~~لدينا محضرون للحساب والجزاء وقيل محضرون معذبون فكل عبارة عن الكفرة وقرئ ~~لما بالتخفيف على ان مخففة من الثقيلة واللام فارقة وما مزيدة للتأكيد ~~والمعنى ان كلهم مجموعون الخ «وآية لهم الأرض الميتة» بالتخفيف وقرئ ~~بالتشديد وقوله تعالى آية خبر مقدم للاهتمام به وتنكيرها للتفخيم ولهم اما ~~متعلقة بها لأنها بمعنى العلامة أو بمضمر هو صفة لها والأرض مبتدأ والميتة ~~صفتها وقوله تعالى «أحييناها» استئناف مبين لكفية كونها آية وقيل آية مبتدأ ~~ولهم خبر والأرض الميتة مبتدأ موصوف وأحييناها خبره والجملة مفسرة لآية ~~وقيل الأرض مبتدأ وأحييناها خبره والجملة خبر لآية وقيل الخبر لها هو الأرض ~~وأحييناها صفتها لان المراد بها الجنس لا المعينة والأول هو الأولى لان مصب ~~الفائدة هو كون الأرض آية لهم لا كون الآية هي الأرض «وأخرجنا منها حبا» ~~جنس الحب «فمنه يأكلون» تقديم الصلة للدلالة على ان الحب معظم ما يؤكل ~~ويعاش به «وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب» أي من أنواع النخل والعنب ~~ولذلك جمعا دون الحب فإن الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال ~~على الأنواع وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب والأعناب لاختصاص شجرها ~~بمزيد النفع وآثار الصنع «وفجرنا فيها» وقرئ بالتخفيف والفجر والتفجير ~~كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى «من العيون» أي بعضا من العيون فحذف الموصوف ~~وأقيمت الصفة مقامه أو العيون ومن مزيدة على رأى الأخفش «ليأكلوا من ثمره» ~~متعلق بجعلنا وتأخيره عن تفجير العيون لأنه من مبادى الأثمار أي وجعلنا ~~فيها جنات من نخيل ورتبنا مبادى أثمارها ليأكلوا من ثمر ما ذكر من الجنات ~~والنخيل بإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة وقيل الضمير لله تعالى بطريق ~~الالتفات إلى الغيبة والإضافة لان الثمر يخلقه تعالى وقرئ بضمتين وهي لغة ~~فيه أو جمع ثمار وبضمة وسكون «وما عملته أيديهم» عطف على ثمره وهو ما يتخذ ~~منه من العصير والدبس ونحوهما وقيل ما نافية والمعنى ان الثمر بخلق الله ~~تعالى ms2749 لا بفعلهم ومحل الجملة النصب على الحالية ويؤكد الأول قراءة ~~PageV07P166 # عملت بلا هاء فإن حذف العائد من الصلة أحسن من الحذف من غيرها «أفلا ~~يشكرون» انكار واستقباح لعدم شكرهم للنعم المعدودة والفاء للعطف على مقدر ~~يقتضيه المقام أي أيرون هذه النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرونها «سبحان ~~الذي خلق الأزواج كلها» استئناف مسوق لتنزيهه تعالى عما فعلوه من ترك شكره ~~على آلائه المذكورة واستعظام ما ذكر في حيز صلة من بدائع آثار قدرته واسرار ~~حكمته وروائع نعمائه الموجبة للشكر وتخصيص العبادة به والتعجيب من إخلالهم ~~بذلك والحالة هذه وسبحان علم للتسبيح الذي هو التبعيد عن السوء اعتقادا ~~وقولا أي اعتقاد البعد عنه والحكم به من سبح في الأرض والماء إذا ابعد ~~فيهما وأمعن ومنه فرس سبوح أي واسع الجرى وانتصابه على المصدرية ولا يكاد ~~يذكر ناصبه أي أسبح سبحانه أي أنزهه عما لا يليق به عقدا وعملا تنزيها خاصا ~~به حقيقا بشأنه وفيه مبالغة من جهة الاشتفاق من السبح ومن جهة النقل إلى ~~التفعيل ومن جهة العدول عن المصدر الدال على الجنس إلى الاسم الموضوع له ~~خاصة لا سيما العلم المشير إلى الحقيقة الحاضرة في الذهن ومن جهة اقامته ~~مقام المصدر مع الفعل وقيل هو مصدر كغفران أريد به التنزه التام والتباعد ~~الكلي عن السوء ففيه مبالغة من جهة اسناد التنزه إلى الذات المقدسة فالمعنى ~~تنزه بذاته عن كل ما لا يليق به تنزها خاصا به فالجملة على هذا اخبار من ~~الله تعالى بتنزهه وبراءته عن كل مالا يليق به مما فعلوه وما تركوه وعلى ~~الأول حكم منه عز وجل بذلك وتلقين للمؤمنين ان يقولوه ويعتقدوا مضمونه ولا ~~يخلوا به ولا يغفلوا عنه المراد بالأزواج الأصناف والأنواع «مما تنبت ~~الأرض» بيان لها والمراد به كل ما ينبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها ~~«ومن أنفسهم» أي خلق الأزواج من أنفسهم أي الذكر والأنثى «ومما لا يعلمون» ~~أي والأزواج مما لم يطلعهم الله تعالى على خصوصياته لعدم قدرتهم على ~~الإحاطة بها ولما ms2750 لم يتعلق بذلك شيء من مصالحهم الدينية والدنيوية وانما ~~أطلعهم على ذلك بطريق الاجمال على منهاج قوله تعالى ويخلق ما لا تعلمون لما ~~نبط به وقوفهم على عظم قدرته وسعة ملكه وسلطانه «وآية لهم الليل» جملة من ~~خبر مقدم ومبتدأ مؤخر كما مر وقوله تعالى «نسلخ منه النهار» جملة مبينة ~~لكيفية كونه آية أي نزيله ونكشفه عن مكانه مستعار من السلخ وهو إزالة ما ~~بين الحيوان وجلده من الاتصال والأغلب في الاستعمال تعليقه بالجلد يقال ~~سلخت الإهاب من الشاة وقد يعكس ومنه الشاة المسلوخة «فإذا هم مظلمون» أي ~~داخلون في الظلام مفاجأة وفيه رمز إلى ان الأصل هو الظلام والنور عارض ~~«والشمس تجري لمستقر لها» لحد معين ينتهى اليه دورها فشبه بمستقر المسافر ~~إذا قطع مسيره أو لكبد السماء فإن حركتها فيه توجد أبطأ PageV07P167 # بحيث يظن ان لها هناك وقفة قال والشمس حيرى لها بالجو تدويم أو لا ~~استقرار لها على نهج مخصوص أو لمنتهى مقدر لكل يوم لكل يوم من المشارق ~~والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا تطلع كل يوم من ~~مطلع وتغرب من مغرب ثم لا يعود اليهما إلى العام القابل أو المنقطع جريها ~~عند خراب العالم وقرئ إلى مستقر لها وقرئ لا مستقر لها أي لا سكون لها ~~فإنها متحركة دائما وقرئ لا مستقر لها على ان لا بمعنى ليس «ذلك» إشارة إلى ~~جريها وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار اليه للايذان بعلو رتبته ~~وبعد منزلته أي ذلك الجرى البديع المنطوي على الحكم الرائعة التي تحار في ~~فهمها العقول والافهام «تقدير العزيز» الغالب بقدرته على كل مقدور «العليم» ~~المحيط علمه بكل معلوم «والقمر قدرناه» بالنصب بإضمار فعل يفسره الظاهر ~~وقرئ بالرفع على الابتداء أي قدرنا له «منازل» وقيل قدرنا مسيره منازل وقيل ~~قدرناه ذا منازل وهي ثمانية وعشرون الشرطين البطان الثريا الدبران الهقعة ~~الهنعة الذراع النثرة الطرف الجبهة الزبرة الصرفة العوا السماك الغفر ~~الزباني الا كليل القلب الشولة النعائم البلدة سعد ms2751 الذابح سعد بلع سعد ~~السعود سعد الأخبية فرغ الدلو المقدم فرغ الدلو المؤخر الرشا وهو بطن الحوت ~~ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتقاصر عنها فإذا كان في آخر ~~منازله وهو الذي يكون قبيل الاجتماع دق واستقوس «حتى عاد كالعرجون» ~~كالشمراخ المعوج فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج وقرئ كالعرجون وهما لغتان ~~كالبزيون والبزيون «القديم» العتيق وقيل هو ما مر عليه حول فصاعدا «لا ~~الشمس ينبغي لها» أي يصح ويتسهل «أن تدرك القمر» في سرعة السير فإن ذلك يخل ~~بتكون النبات وتعيش الحيوان أو في الآثار والمنافع أو في المكان بأن تنزل ~~في منزله أو في سلطانه فتطمس نوره وايلاء حرف النفي الشمس للدلالة على انها ~~مسخرات لا يتيسر لها الا ما قدر لها «ولا الليل سابق النهار» أي يسبقه ~~فيفوته ولكن يعاقبه وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران وبالسبق سبق ~~القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكسا للأول وايراد السبق مكان الادراك لأنه ~~الملائم لسرعة سيره «وكل» أي وكلهم على ان التنوين عوض عن المضاف اليه الذي ~~هو الضمير العائد إلى الشمس والقمر والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما ~~بتكاثر مطالعهما فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات أو إلى الكواكب ~~فإن ذكرهما مشعر بها «في فلك يسبحون» يسيرون بانبساط وسهولة «وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم» أولادهم الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم أو صبيانهم ونساءهم ~~الذين يستصحبونهم فإن الذرية تطلق عليهن لا سيما مع الاختلاط وتخصيصهم ~~بالذكر لما أن استقرارهم في السفن أشق واستمساكهم فيها أبدع «في الفلك ~~المشحون» أي المملوء وقيل هو فلك نوح PageV07P168 # عليه السلام وحمل ذرياتهم فيها حمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء ~~وذرياتهم وتخصيص أعقابهم بالذكر دونهم لأنه أبلغ في الامتنان وأدخل في ~~التعجيب الذي عليه يدور كونه آية «وخلقنا لهم من مثله» مما يماثل الفلك «ما ~~يركبون» من الإبل فإنها سفائن البر أو مما يماثل ذلك الفلك من السفن ~~والزوارق وجعلها مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات العباد ليس لمجرد ~~كون صنعهم بإقدار ms2752 الله تعالى وإلهامه بل لمزيد اختصاص أصلها بقدرته تعالى ~~وحكمته حسبما يعرب عنه قوله عز وجل واصنع الفلك بأعيننا ووحينا والتعبير عن ~~ملابستهم بهذه السفن بالركوب لأنها باختيارهم كما أن التعبير عن ملابسة ~~ذريتهم بفلك نوح عليه السلام بالحمل لكونها بغير شعور منهم واختيار «وإن ~~نشأ نغرقهم» الخ من تمام الآية فإنهم معترفون بمضمونه كما ينطق به قوله ~~تعالى وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين وقرئ نغرقهم ~~بالتشديد وفي تعليق الإغراق بمحض المشيئة إشعار بأنه قد تكامل ما يوجب ~~إهلاكهم من معاصيهم ولم يبق إلا تعلق مشيئته تعالى به أي إن نشأ نغرقهم في ~~اليم مع ما حملناهم فيه من الفلك فحديث خلق الإبل حينئذ كلام جئ به في خلال ~~الآية بطريق الاستطراد لكمال التماثل بين الإبل والفلك فكأنها نوع منه أو ~~مع ما يركبون من السفن والزوارق «فلا صريخ لهم» أي فلا مغيث لهم يحرسهم من ~~الغرق ويدفعه عنهم قبل وقوعه وقيل فلا استغاثة لهم من قولهم أتاهم الصريخ ~~«ولا هم ينقذون» أي ينجون منه بعد وقوعه وقوله تعالى «إلا رحمة منا ومتاعا» ~~استثناء مفرغ من أعم العلل الشاملة للباعث المتقدم والغاية المتأخرة أي لا ~~يغاثون ولا ينقذون لشئ من الأشياء إلا لرحمة عظيمة من قبلنا داعية إلى ~~الإغاثة والانقاذ وتمتيع بالحياة مترتب عليهما ويجوز أن يراد بالرحمة ما ~~يقارن التمتيع من الرحمة الدنيوية فيكون كلاهما غاية للإغاثة والإنقاذ أي ~~لنوع من الرحمة وتمتيع «إلى حين» أي إلى زمان قدر فيه آجالهم كما قيل * ولم ~~اسلم لكي أبقى ولكن * سلمت من الحمام إلى الحمام * «وإذا قيل لهم اتقوا» ~~بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفافية ~~التي كانوا يشاهدونها وعدم تأملهم فيها أي إذا قيل لهم بطريق الإنذار بما ~~نزل من الآيات أو بغيره اتقوا «ما بين أيديكم وما خلفكم» من الآفات ~~والنوازل فإنها محيطة بكم أو ما يصيبكم من المكاره من حيث تحتسبون ومن حيث ~~لا تحتسبون أو من الوقائع النازلة على ms2753 الأمم الخالية قبلكم والعذاب المعد ~~لكم في الآخرة أو من نوازل السماء ونوائب PageV07P169 # الأرض أو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أو ما تقدم من الذنوب وما تأخر ~~«لعلكم ترحمون» اما حال من واو اتقوا أو غاية له أي راجين ان ترحموا أو كي ~~ترحموا فتنجوا من ذلك لما عرفتم ان مناط النجاة ليس الا رحمة الله تعالى ~~وجواب إذا محذوف ثقة بانفهامه من قوله تعالى «وما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين» انفهاما بينا اما إذا كان الانذار بالآية ~~الكريمة فبعبارة النص واما إذا كان بغيرها فبدلالته لأنهم حين اعرضوا عن ~~آيات ربهم فلأن يعرضوا عن غيرها بطريق الأولوية كأنه قيل وإذا قيل لهم ~~اتقوا العذاب اعرضوا حسبما اعتادوه وما نافية وصيغة المضارع للدلالة على ~~الاستمرار التجددي ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثاني تبعيضية واقعة ~~مع مجرورها صفة لآية وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم ~~شأنها المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها والمراد بها اما الآيات ~~التنزيلية فإتيانها نزولها والمعنى ما ينزل إليهم آية من الآيات القرآنية ~~التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ ~~آلائه الموجبة للاقبال عليها والايمان بها الا كانوا عنها معرضين على وجه ~~التكذيب والاستهزاء واما ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية الشاملة ~~للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث ~~المعدودة آنفا فالمراد بإتيانها ما يعم نزول الوحي وظهور تلك الأمور لهم ~~والمعنى ما يظهر لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه الشاهدة ~~بوحدانيته تعالى وتفرده بالألوهية إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر ~~الصحيح فيها المؤدي إلى الايمان به تعالى وإيثاره على ان يقال إلا اعرضوا ~~عنها كما وقع مثله في قوله تعالى وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~الدلالة على استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات وعن متعلقة ~~بمعرضين قدمت عليه مراعاة للفواصل والجملة في حيز النصب على أنها حال من ~~مفعول ms2754 تأتى أو من فاعله المتخصص بالوصف لاشتمالها على ضمير كل منهما ~~والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما تأتيهم من آية من آيات ربهم في حال ~~من أحوالهم إلا حال إعراضهم عنها أو ما تأتيهم آية منها في حال من أحوالها ~~إلا حال إعراضهم عنها «وإذا قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم الله» أي أعطاكم ~~بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال عبر عنها بذلك تحقيقا للحق وترغيبا ~~في الإنفاق على منهاج قوله تعالى وأحسن كما أحسن الله إليك وتنبيها على عظم ~~جنايتهم في ترك الامتثال بالامر وكذلك من التبعيضية أي إذا قيل لهم بطريق ~~النصيحة انفقوا بعض ما أعطاكم الله تعالى من فضله على المحتاجين فإن ذلك ~~مما يرد البلاء ويدفع المكاره «قال الذين كفروا» بالصانع عز وجل وهم زنادقة ~~كانوا بمكة «للذين آمنوا» تهكما بهم وبما كانوا عليه من تعليق الأمور ~~بمشيئة الله تعالى «أنطعم» حسبما تعظوننا به «من لو يشاء الله PageV07P170 # أطعمه» أي على زعمكم وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان بمكة زنادقة إذا ~~أمروا بالصدقة على المساكين قالوا لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن وقيل ~~قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين من أموالهم التي زعموا انهم ~~جعلوها لله تعالى من الحرث والانعام يوهمون أنه تعالى لما لم يشأ إطعامهم ~~وهو قادر عليه فنحن أحق بذلك وما هو إلا لفرط جهالتهم فإن الله تعالى يطعم ~~عباده بأسباب من جملتها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم لذلك «إن ~~أنتم إلا في ضلال مبين» حيث تأمروننا بما يخالف مشيئة الله تعالى وقد جوز ~~أن يكون جوابا لهم من جهته تعالى أو حكاية لجواب المؤمنين لهم «ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين» أي فيما تعدوننا به من قيام الساعة مخاطبين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لما أنهم أيضا كانوا يتلون عليهم ~~آيات الوعيد بقيامها ومعنى القرب في هذا إما بطريق الاستهزاء وإما باعتبار ~~قرب العهد بالوعد «ما ينظرون» جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون «إلا ms2755 صيحة ~~واحدة» هي النفخة الأولى «تأخذهم» مفاجأة «وهم يخصمون» أي يتخاصمون في ~~متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم شئ من مخايلها كقوله تعالى فاخذتهم ~~الصاعقة بغتة وهم لا يشعرون فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها ولا يزعموا أنها ~~لا تأتيهم وأصل يخصمون يختصمون فسكنت التاء وأدغمت في الصاد ثم كسرت الخاء ~~لالتقاء الساكنين وقرئ بكسر الياء للاتباع وبفتح الخاء على إلقاء حركة ~~التاء عليه وقرئ على الاختلاس وبالاسكان على تجويز الجمع بين الساكنين إذا ~~كان الثاني مدغما وإن لم يكن الأول حرف مد وقرئ يخصمون من خصمه إذا جادله ~~«فلا يستطيعون توصية» في شئ من أمورهم إن كانوا فيما بين أهليهم «ولا إلى ~~أهلهم يرجعون» إن كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما ~~كانوا «ونفخ في الصور» هي النفخة الثانية بينها وبين الأولى أربعون سنة أي ~~ينفخ فيه وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع «فإذا هم من الأجداث» أي ~~القبور جمع جدث وقرئ بالفاء «إلى ربهم» مالك أمرهم على الإطلاق «ينسلون» ~~يسرعون بطريق الإجبار دون الاختيار لقوله تعالى لدينا محضرون وقرئ بضم ~~السين «قالوا» أي في ابتداء بعثهم من القبور «يا ويلنا» احضر فهذا أوانك ~~وقرئ يا ويلتنا «من بعثنا من مرقدنا» وقرئ من أهبنا من هب من نومه إذا ~~انتبه وقرئ من هبنا بمعنى أهبنا وقيل أصله PageV07P171 # هب بنا فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير قيل فيه ترشيح ورمز وإشعار ~~بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون انهم كانوا نياما وعن مجاهد أن للكفار هجعة ~~يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور يقولون ذلك وعن ابن عباس وأبي ~~بن كعب وقتادة رحمهم الله تعالى ان الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين ~~النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بالنفخة الثانية وشاهدوا من أهوال يوم القيامة ~~ما شاهدوا دعوا بالويل وقالوا ذلك وقيل إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع ~~العذاب يصير عذاب القبر في جنبها مثل النوم فيقولون ذلك وقرئ من بعثنا ومن ~~هبنا بمن الجارة والمصدر والمرقد اما مصدر أي من رقادنا أو ms2756 اسم مكان أريد ~~به الجنس فينتظم مراقد الكل «هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون» جملة من ~~مبتدأ وخبر وما موصولة محذوفة العائد أو مصدرية وهو جواب من قبل الملائكة ~~أو المؤمنين عدل به عن سنن سؤالهم تذكيرا لكفرهم وتقريعا لهم عليه وتنبيها ~~على ان الذي يهمهم هو السؤال عن نفس البعث ماذا هو دون الباعث كأنهم قالوا ~~بعثكم الرحمن الذي وعدكم ذلك في كتبه وأرسل إليكم الرسل فصدقوكم فيه وليس ~~الامر كما تتوهمونه حتى تسألوا عن الباعث وقيل هو من كلام الكافرين حيث ~~يتذكرون ما سمعوه من الرسل عليهم الصلاة والسلام فيجيبون به أنفسهم أو ~~بعضهم بعضا وقيل هذا صفة لمرقدنا وما وعد الخ خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ ~~خبره محذوف أي ما وعد الرحمن وصدق المرسلون حق «إن كانت» أي ما كانت النفخة ~~التي حكيت آنفا «إلا صيحة واحدة» حصلت من نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور ~~«فإذا هم جميع» أي مجموع «لدينا محضرون» من غير لبث ما طرفة عين وفيه من ~~تهوين امر البعث والحشر والايذان باستغائهما عن الأسباب ما لا يخفي «فاليوم ~~لا تظلم نفس» من النفوس برة كانت أو فاجرة «شيئا» من الظلم «ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون» أي الا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من ~~الكفر والمعاصي على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه للتنبيه على قوة ~~التلازم والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد أو الا بما كنتم تعملونه أي ~~بمقابلته أو بسببه وتعميم الخطاب للمؤمنين يرده انه تعالى يوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله اضعافا مضاعفة وهذه حكاية لما سيقال لهم حين يرون العذاب ~~المعد لهم تحقيقا للحق وتقريعا لهم وقوله تعالى «إن أصحاب الجنة اليوم في ~~شغل فاكهون» من جملة ما سيقال لهم يومئذ زيادة لحسرتهم وندامتهم فإن ~~الاخبار بحسن حال أعدائهم اثر بيان سوء حالهم مما يزيدهم مساءة على مساءة ~~وفي هذه الحكاية مزجرة لهؤلاء الكفرة عما هم عليه ومدعاة إلى الاقتداء ~~بسيرة المؤمنين والشغل هو الشأن الذي يصد المرء ms2757 ويشغله عما سواه من شؤونه ~~لكونه أهم عنده من الكل اما لإيجابه كمال المسرة PageV07P172 # والبهجة أو كمال المساءة والغم والمراد ههنا هو الأول وما فيه من التنكير ~~والابهام للايذان بارتفاعه عن رتبة البيان والمراد به ما هم فيه من فنون ~~الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية واما ان المراد به افتضاض الابكار أو ~~السماع وضرب الأوتار أو النزاور أو ضيافة الله تعالى أو شغلهم عما فيه أهل ~~النار على الاطلاق أو شغلهم عن أهاليهم في النار لا يهمهم امرهم ولا يبالون ~~بهم كيلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم كما روى كل واحد منها عن واحد من ~~أكابر السلف فليس مرادهم بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط بل بيان انه من ~~جملة أشغالهم وتخصيص كل منهم كلا من تلك الأمور بالذكر محمول على اقتضاء ~~مقام البيان إياه وهو مع جاره خبر لان وفاكهون خبر آخر لها أي انهم مستقرون ~~في شغل واي شغل في شغل عظيم الشأن متنعمون بنعيم مقيم فائزون بملك كبير ~~والتعبير عن حالهم هذه بالجملة الاسمية قبل تحققها بتنزيل المترقب المتوقع ~~منزلة الواقع للايذان بغاية سرعة تحققها ووقوعها ولزيادة مساءة المخاطبين ~~بذلك وقرئ في شغل بسكون الغين وفي شغل بفتحتين وبفتحة وسكون والكل لغات ~~وقرئ فكهون للمبالغة وفكهون بضم الكاف وهي لغة كنطس وفاكهين وفكهين على ~~الحال من المستكن في الظرف وقوله تعالى «هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك ~~متكئون» استئناف مسوق لبيان كيفية شغلهم وتفكههم وتكميلهما بما يزيدهم بهجة ~~وسرورا من شركة أزواجهم لهم فيما هم فيه من الشغل والفكاهة على أن هم مبتدأ ~~وأزواجهم عطف عليه ومتكئون خبر والجاران صلتان له قدمتا عليه لمراعاة ~~الفواصل أو هو والجاران بما تعلقا به من الاستقرار أخبار مترتبة وقيل الخبر ~~هو الظرف الأول والثاني مستأنف على أنه متعلق بمتكئون وهو خبر لمبتدأ محذوف ~~وقيل على أنه خبر مقدم ومتكئون مبتدأ مؤخر وقرئ متكين بلا همز نصبا على ~~الحال من المستكن في الظرفين أو أحدهما وقيل هم تأكيد للمستكن في ms2758 خبر إن ~~ومتكئون خبر آخر لها وعلى الأرائك متعلق به وكذا في ظلال أو هذا بمضمر هو ~~حال من المعطوفين والظلال جمع ظل كشعاب جمع شعب أو جمع ظلة كقباب جمع قبة ~~ويؤيده قراءة في ظلل والأرائك جمع أريكة وهي السرير المزين بالثياب والستور ~~قال ثعلب لا تكون أريكة حتى تكون عليها حجلة وقوله تعالى «لهم فيها فاكهة» ~~الخ بيان لما يتمتعون به في الجنة من المآكل والمشارب ويتلذذون به من ~~الملاذ الجسمانية والروحانية بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الإنس ومحافل ~~القدس تكميلا لبيان كيفية ما هم فيه من الشغل والبهجة أي لهم فيها فاكهة ~~كثيرة من كل نوع من الفواكه وما في قوله تعالى «ولهم ما يدعون» موصولة أو ~~موصوفة عبر بها عن مدعو عظيم الشأن معين أو مبهم إيذانا بأنه الحقيق ~~بالدعاء دون ما عداه ثم صرح به روما لزيادة التقرير بالتحقيق بعد التشويق ~~كما ستعرفه أو هي باقية على عمومها قصد بها التعميم بعد تخصيص بعض المواد ~~المعتادة بالذكر وأيا ما كان فهو مبتدأ ولهم خبره والجملة معطوفة على ~~الجملة السابقة وعدم الاكتفاء بعطف ما يدعون على فاكهة لئلا PageV07P173 # يتوهم كون ما عبارة عن توابع الفاكهة وتتماتها والمعنى ولهم ما يدعون به ~~لأنفسهم من مدعو عظيم الشأن أو كل ما يدعون به كائنا ما كان من أسباب ~~البهجة وموجبات السرور وأيا ما كان ففيه دلالة على أنهم في أقصى غاية ~~البهجة والغبطة ويدعون يفتعلون من الدعاء كما أشير إليه مثل اشتوى واجتمل ~~إذا شوى وجمل لنفسه وقيل بمعنى يتداعون كالارتماء بمعنى الترامي وقيل بمعنى ~~يتمنون من قولهم ادع على ما شئت بمعنى تمنه على وقال الزجاج هو من الدعاء ~~أي ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال ~~بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحلة ويعضده القراءة بالتخفيف كما ذكره ~~الكواشى وقوله تعالى «سلام» على التقدير الأول بدل من ما يدعون أو خبر ~~لمبتدأ محذوف وقوله تعالى «قولا» مصدر مؤكد لفعل هو صفة لسلام ms2759 وما بعده من ~~الجار متعلق بمضمر هو صفة له كأنه قيل ولهم سلام أو ما يدعون سلام يقال لهم ~~قولا كائنا «من» جهة «رب رحيم» أي يسلم عليهم من جهته تعالى بواسطة الملك ~~أو بدونها مبالغة في تعظيمهم قال ابن عباس رضى الله عنهما والملائكة يدخلون ~~عليهم بالتحية من رب العالمين وأما على التقدير الثاني فقد قيل إنه خبر لما ~~يدعون ولهم لبيان الجهة كما يقال لزيد الشرف متوفر على أن الشرف مبتدأ ~~ومتوفر خبره والجار والمجرور لبيان من له ذلك أي ما يدعون سالم لهم خالص لا ~~شوب فيه وقولا حينئذ مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي عدة من رب رحيم والأوجه ان ~~ينتصب على الاختصاص وقيل هو مبتدأ محذوف الخبر أي لهم سلام أي تسليم قولا ~~من رب رحيم أو سلامة من الآفات فيكون قولا مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة كما ~~سبق وقيل تقديره سلام عليهم فيكون حكاية لما سيقال لهم من جهته تعالى يومئذ ~~وقيل خبره الفعل المقدر ناصبا لقولا وقيل خبره من رب رحيم وقرئ سلاما ~~بالنصب على الحالية أي لهم مرادهم سالما خالصا وقرئ سلم وهو بمعنى السلام ~~في المعنيين «وامتازوا اليوم» عطف إما على الجملة السابقة المسوقة لبيان ~~أحوال أهل الجنة لاعلى أن المقصود عطف فعل الأمر بخصوصه حتى يتمحل له مشاكل ~~يصح عطفه عليه بل على أنه عطف قصة سوء حال هؤلاء وكيفية عقابهم على قصة حسن ~~حال أولئك ووصف ثوابهم كما مر في قوله تعالى «وبشر الذين آمنوا» الآية وكأن ~~تغيير السبك لتخييل كمال التباين بين الفريقين وحاليهما وإما على مضمر ~~ينساق إليه حكاية حال أهل الجنة كأنه قيل إثر بيان كونهم في شغل عظيم الشأن ~~وفوزهم بنعيم مقيم يقصر عنه البيان فليقروا بذلك عينا وامتازوا عنهم «أيها ~~المجرمون» إلى مصيركم وعن قتادة اعتزلوا عن كل خير وعن الضحاك لكل كافر بيت ~~من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى وأما ما قيل من ان المضمر فليمتازوا ~~فبمعزل من السداد لما ان المحكى عنهم ms2760 ليس مصيرهم إلى ما ذكر من الحال ~~المرضية حتى يتسنى ترتيب الامر المذكور عليه بل إنما هو استقرارهم عليها ~~بالفعل وكون ذلك بطريق تنزيل المترقب منزلة الواقع لا يجدى نفعا لان مناط ~~الإضمار انسياق الافهام إليه وانصباب PageV07P174 # نظم الكلام عليه فبعد ما نزلت تلك الحالة منزلة الواقع بالفعل لما اقتضاه ~~المقام من النكتة البارعة والحكمة الرائعة حسبما مر بيانه واسقط كونها ~~مترقبة عن درجة الاعتبار بالكلية يكون التصدي لإضمار شئ يتعلق به إخراجا ~~للنظم الكريم عن الجزالة بالمرة «ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان» من جملة ما يقال لهم بطريق التقريع والالزام والتبكيت بين الامر ~~بالامتياز وبين الامر بدخول جهنم بقوله تعالى اصلوها اليوم الخ والعهد ~~الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة والمراد ههنا ما كلفهم الله تعالى على ~~السنة الرسل عليهم الصلاة والسلام من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله ~~تعالى يا بني آدم لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة الآية وقوله ~~تعالى ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين وغيرهما من الآيات ~~الكريمة الواردة في هذا المعنى وقيل هو الميثاق المأخوذ عليهم حين أخرجوا ~~من ظهور بنى آدم واشهدوا على أنفسهم وقيل هو ما نصب لهم من الحجج العقلية ~~والسمعية الآمرة بعبادته تعالى الزاجرة عن عبادة غيره والمراد بعبادة ~~الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم عبر عنها بالعبادة لزيادة ~~التحذير والتنفير عنها في مقابلة عبادته عز وجل وقرئ اعهد بكسر الهمزة ~~وأعهد بكسر الهاء وأحهد الحاء مكان العين وأحد بالإدغام وهي لغة بني تميم ~~«إنه لكم عدو مبين» أي ظاهر العداوة وهو تعليل لوجوب الانتهاء عن المنهى ~~عنه وقيل تعليل للنهي «وأن اعبدوني» عطف على أن لا تعبدوا على ان أن فيهما ~~مفسرة للعهد الذي فيه معنى القول بالنهى والامر أو مصدرية حذف عنها الجار ~~أي ألم اعهد إليكم في ترك عبادة الشيطان وفي عبادتي وتقديم النهى على الامر ~~لما أن حق التخلية التقدم على التحلية كما في كلمة ms2761 التوحيد وليتصل به قوله ~~تعالى «هذا صراط مستقيم» فإنه إشارة إلى عبادته تعالى التي هي عبارة عن ~~التوحيد والإسلام وهو المشار إليه بقوله تعالى هذا صراط على مستقيم ~~والمقصود بقوله تعالى لأقعدن لهم صراطك المستقيم والتنكير للتفخيم واللام ~~في قوله تعالى «ولقد أضل منكم جبلا كثيرا» جواب قسم محذوف والجملة استئناف ~~مسوق لتشديد التوبيخ وتأكيد التقريع ببيان ان جناياتهم ليست بنقض العهد فقط ~~بل به وبعدم الاتعاظ بما شاهدوا من العقوبات النازلة على الأمم الخالية ~~بسبب طاعتهم للشيطان فالخطاب لمتأخريهم الذين من جملتهم كفار مكة خصوا ~~بزيادة التوبيخ والتقريع لتضاعف جناياتهم والجبل بكسر الجيم والباء وتشديد ~~اللام الخلق وقرئ بضمتين وتشديد وبضمتين وتخفيف وبضمة وسكون وبكسرتين ~~وتخفيف وبكسرة وسكون والكل لغات وقرئ جبلا جمع جبلة كفطر وخلق في فطرة ~~وخلقة وقرئ جيلا بالياء وهو الصنف من الناس أي وبالله لقد أضل منكم خلقا ~~كثيرا أو صنفا PageV07P175 # كثيرا عن ذلك الصراط المستقيم الذي أمرتكم بالثبات عليه فأصابهم لأجل ذلك ~~ما أصابهم من العقوبات الهائلة التي ملأ الآفاق أخبارها وبقى مدى الدهر ~~آثارها والفاء في قوله تعالى «أفلم تكونوا تعقلون» للعطف على مقدر يقتضيه ~~المقام أي أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم فلم تكونوا تعقلون أنها لضلالهم أو ~~فلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا حتى ترتدعوا عما كانوا عليه كيلا يحيق بكم ~~العقاب وقوله تعالى «هذه جهنم التي كنتم توعدون» استئناف يخاطبون به بعد ~~تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عن إشرافهم على شفير جهنم أي كنتم ~~توعدونها على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام بمقابلة عبادة الشيطان مثل ~~قوله تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقوله تعالى «قال اذهب ~~فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا» وقوله تعالى «قال اخرج منها ~~مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين» وغير ذلك مما لا ~~يحصى وقوله تعالى «اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون» امر تنكيل وإهانة كقوله ~~تعالى «ذق إنك أنت العزيز» الخ أي ادخلوها من فوق وقاسوا فنون عذابها اليوم ~~بكفركم المستمر في ms2762 الدنيا وقوله تعالى «اليوم نختم على أفواههم» أي ختما ~~يمنعها عن الكلام التفات إلى الغيبة للإيذان بأن ذكر أحوالهم القبيحة ~~استدعى ان يعرض عنهم ويحكى أحوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الايماء ~~إلى أن ذلك من مقتضيات الختم لان الخطاب لتلقى الجواب وقد انقطع بالكلية ~~وقرئ تختم «وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون» يروى أنهم ~~يجحدون ويخاصمون فيشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا ~~مشركين فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم وفي الحديث يقول ~~العبد يوم القيامة إني لا أجيز على شاهدا إلا من نفسي فيختم على فيه ويقال ~~لأركانه انطقى فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن ~~وسحقا فعنكن كنت أناضل وقيل تكليم الأركان وشهادتها دلالتها على أفعالها ~~وظهور آثار المعاصي عليها وقرئ وتتكلم أيديهم وقرئ ولتكلمنا أيديهم وتشهد ~~بلام كي والنصب على معنى ولذلك نختم على أفواههم وقرئ ولتكلمنا أيديهم ~~ولتشهد بلام الامر والجزم «ولو نشاء لطمسنا على أعينهم» الطمس تعفية شق ~~العين حتى تعود ممسوحة ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة التي هي ~~وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء أي لو نشاء أن نطمس على أعينهم ~~لفعلناه وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن عدم ~~الطمس على أعينهم لاستمرار عدم المشيئة فإن المضارع المنفى الواقع موقع ~~الماضي ليس بنص في إفادة انتفاء استمرار PageV07P176 # الفعل بل قد يفيد استمرار انتفائه بحسب المقام كما مر في قوله تعالى ولو ~~يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير «فاستبقوا الصراط» أي فأرادوا أن ~~يستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه على أن انتصابه بنزع الجار أو هو ~~بتضمين الاستباق معنى الابتدار أو بالظرفية «فأنى يبصرون» الطريق وجهة ~~السلوك «ولو نشاء لمسخناهم» بتغيير صورهم وإبطال قواهم «على مكانتهم» أي ~~مكانهم إلا أن المكانة أخص كالمقامة والمقام وقرئ على مكاناتهم أي لمسخناهم ~~مسخا يجمدهم مكانهم لا يقدرون ان يبرحوه بإقبال ولا ادبار ولا رجوع وذلك ~~قوله تعالى «فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون» أي ولا رجوعا ms2763 فوضع موضعه الفعل ~~لمراعاة الفاصلة عن ابن عباس رضي الله عنهما قردة وخنازير وقيل حجارة وعن ~~قتادة لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم وقرئ مضيا بكسر الميم وفتحها وليس ~~مساق الشرطيتين لمجرد بيان قدرته تعالى على ما ذكر من عقوبة الطمس والمسخ ~~بل لبيان انهم بما هم عليه من الكفر ونقض العهد وعدم الاتعاظ بما شاهدوا من ~~آثار دمار أمثالهم احفاء بأن يفعل بهم في الدنيا تلك العقوبة كما فعل بهم ~~في الآخرة عقوبة الختم وان المانع من ذلك ليس الا عدم تعلق المشيئة الإلهية ~~به كأنه قيل لو نشاء عقوبتهم بما ذكر من الطمس والمسخ جريا على موجب ~~جناياتهم المستدعية لها لفعلناها ولكنا لم نشاها جريا على سنن الرحمة ~~والحكمة الداعيتين إلى امهالهم «ومن نعمره» أي نطل عمره «ننكسه في الخلق» ~~أي نقلبه فيه ونخلقه على عكس ما خلقناه أولا فلا يزال يتزايد ضعفه وتتناقص ~~قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته حتى يعود إلى حالة شبيهة بحال الصبي ~~في ضعف الجسد وقلة العقل والخلو عن الفهم والادراك وقرئ ننكسه من الثلاثي ~~المجرد وننكسه من الإنكاس «أفلا يعقلون» أي أيرون ذلك فلا يعقلون اما من ~~قدر على ذلك يقدر على ما ذكر من الطمس والمسخ وان عدم ايقاعهما لعدم تعلق ~~مستئنه تعالى بهما تعقلون بالتاء لجري الخطاب قبله «وما علمناه الشعر» رد ~~وابطال لما كانوا يقولونه في حقه صلى الله عليه وسلم من انه شاعر وما يقوله ~~شعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن على معنى ان القرآن ليس بشعر فإن ~~الشعر كلام متكلف موضوع ومقال مزخرف مصنوع منسوج على منوال الوزن والقافية ~~مبنى على خيالات وأوهام واهية فأين ذلك من التنزيل الجليل الخطر المنزه عن ~~مماثلة كلام البشر المشحون بفنون الحكم والاحكام الباهرة الموصلة إلى سعادة ~~الدنيا والآخرة ومن اين اشتبه عليهم الشؤون واختلط بهم الظنون قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون «وما ينبغي له» وما يصح له الشعر ولا يتأتى له لو طلبه أي ~~جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت ms2764 له كما جعلناه أميا لا يهتدي للخط ~~لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض واما قوله صلى الله عليه وسلم انا النبي لا ~~كذب أنا ابن عبد PageV07P177 # المطلب وقوله صلى الله عليه وسلم هل أنت الا إصبع دميت وفي سبيل الله ما ~~لقيت فمن قبيل الاتفاقات الواردة من غير قصد إليها وعزم على ترتيبها وقيل ~~الضمير في له للقرآن أي وما ينبغي للقرآن أن يكون شعرا «إن هو» أي ما ~~القرآن «إلا ذكر» أي عظة من الله عز وجل وإرشاد للثقلين كما قال تعالى إن ~~هو إلا ذكر للعالمين «وقرآن مبين» أي كتاب سماوي بين كونه كذلك أو فارق بين ~~الحق والباطل يقرأ في المحاريب ويتلى في المعابد وينال بتلاوته والعمل بما ~~فيه فوز الدارين فكم بينه وبين ما قالوا «لينذر» أي القرآن أو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويؤبده القراءة بالتاء وقرئ لينذر من نذر به أي علمه ولينذر ~~مبنيا للمفعول من الإنذار «من كان حيا» أي عاقلا متأملا فإن الغافل بمنزلة ~~الميت أو مؤمنا في علم الله تعالى فإن الحياة الأبدية بالايمان وتخصيص ~~الإنذار به لأنه المنتفع به «ويحق القول» أي تجب كلمة العذاب «على ~~الكافرين» المصرين على الكفر وفي إيرادهم بمقابلة من كان حيا إشعار بأنهم ~~لخلوهم عن آثار الحياة وأحكامها التي هي المعرفة أموات في الحقيقة «أولم ~~يروا» الهمزة للإنكار والتعجيب والواو للعطف على جملة منفية مقدرة مستتبعة ~~للمعطوف أي ألم يتفكروا أو ألم يلاحظوا ولم يعلموا علما يقينيا متاخما ~~للمعاينة «أنا خلقنا لهم» أي لأجلهم وانتفاعهم «مما عملت أيدينا» أي مما ~~تولينا إحداثه بالذات وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد مبالغة ~~في الاختصاص والتفرد بالإحداث والاعتناء به «أنعاما» مفعول خلقنا وتأخيره ~~عن الجارين المتعلقين به مع أن حقه التقدم عليهما لما مر مرارا من الاعتناء ~~بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة ~~له فيتمكن عند وروده عليها فضل تمكن لا سيما عند كون المقدم منبئا عن كون ~~المؤخر أمرا نافعا ms2765 خطيرا كما في النظم الكريم فإن الجار الأول المعرب عن ~~كون المؤخر من منافعهم والثاني المفصح عن كونه من الأمور الخطيرة يزيدان ~~النفس شوقا إليه ورغبة فيه ولأن في تأخيره جمعا بينه وبين أحكامه المتفرعة ~~عليه بقوله تعالى «فهم لها مالكون» الآيات الثلاث أي فملكناها إياهم وإيثار ~~الجملة الاسمية على ذلك للدلالة على استقرار مالكيتهم لها واستمرارها ~~واللام متعلقة بمالكون مقوية لعمله أي فهم مالكون لها بتمليكنا إياها لهم ~~متصرفون فيها بالاستقلال مختصون بالانتفاع بها لا يزاحمهم في ذلك غيرهم أو ~~قادرون على ضبطها متمكنون من الصرف فيها بأقدارنا وتمكيننا وتسخيرنا إياها ~~لهم كما في قول من قال * أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك راس البعير إن ~~نفرا * والأول هو الأظهر ليكون قوله تعالى «وذللناها لهم» تأسيسا لنعمة على ~~حيالها لا تتمة لما قبلها أي صيرناها منقادة لهم بحيث لا تستعصى عليهم في ~~شئ مما يريدون بها حتى الذبح PageV07P178 # حسبما ينطق به قوله تعالى «فمنها ركوبهم» الخ فإن الفاء فيه لتفريع احكام ~~التذليل عليه وتفصيلها أي فبعض منها ركوبهم أي مركوبهم أي معظم منافعها ~~الركوب وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمات الركوب وقرئ ركوبتهم وهي بمعناه ~~كالحلوب والحلوبة وقيل الركوبة اسم جمع وقرئ ركوبهم أي ذو ركوبهم «ومنها ~~يأكلون» أي وبعض منها يأكلون لحمه «ولهم فيها» أي في الانعام بكلا قسميها ~~«منافع» أخر غير الركوب والأكل كالجلود والأصواف والأوبار وغيرها وكالحراثة ~~بالثيران «ومشارب» من اللبن جمع مشرب وهذا مجمل ما فصل في سورة النحل «أفلا ~~يشكرون» أي أيشاهدون هذه النعم أو أيتنعمون بها فلا يشكرون المنعم بها ~~«واتخذوا من دون الله» أي متجاوزين الله تعالى الذي شاهدوا تفرده بتلك ~~القدرة الباهرة وتفضله عليهم بهاتيك النعم المتظاهرة «آلهة» من الأصنام ~~وأشركوها به تعالى في العبادة «لعلهم ينصرون» رجاء أن ينصروا من جهتهم فيما ~~حزبهم من الأمور أو يشفعوا لهم في الآخرة وقوله تعالى «لا يستطيعون نصرهم» ~~الخ استئناف سيق لبيان بطلان رأيهم وخيبة رجائهم وانعكاس تدبيرهم أي لا ~~تقدر آلهتهم على ms2766 نصرهم «وهم» أي المشركون «لهم» أي لآلهتهم «جند محضرون» ~~يشيعونهم عند مساقهم إلى النار وقيل معدون في الدنيا لحفظهم وخدمتهم والذب ~~عنهم ولا يساعده مساق النظم الكريم فإن الفاء في قوله تعالى «فلا يحزنك ~~قولهم» لترتيب النهى على ما قبله فلابد أن يكون عبارة عن خسرانهم وحرمانهم ~~عما علقوا به أطماعهم الفارغة وانعكاس الأمر عليهم بترتيب الشر على ما ~~رتبوه لرجاء الخير فإن ذلك مما يهون الخطب ويورث السلوة وأما كونهم معدين ~~لخدمتهم وحفظهم فبمعزل من ذلك والنهى وإن كان بحسب الظاهر متوجها إلى قولهم ~~لكنه في الحقيقة متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى له عليه ~~السلام عن التأثر منه بطريق الكناية على أبلغ وجه وآكده فإن النهى عن أسباب ~~الشئ ومباديه المؤدية إليه نهى عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية وقد ~~يوجه النهى إلى المسبب ويراد النهى عن السبب كما في قوله لا أرينك ههنا ~~يريد به نهى مخاطبة عن الحضور لديه والمراد بقولهم ما ينبئ عنه ما ذكر من ~~اتخاذهم الأصنام آلهة فإن ذلك مما لا يخلو عن التفوه بقولهم هؤلاء آلهتنا ~~وأنهم شركاء لله سبحانه في المعبودية وغير ذلك مما يورث الحزن وقرئ يحزنك ~~بضم الياء وكسر الزاي من أحزن المنقول من حزن اللازم وقوله تعالى «إنا نعلم ~~ما يسرون وما يعلنون» تعليل صريح للنهي بطريق الاستئناف بعد تعليله بطريق ~~الإشعار فإن العلم بما ذكر مستلزم للمجازاة قطعا أي إنا نجازيهم بجميع ~~جناياتهم الخافية PageV07P179 # والبادية التي لا يعزب عن علمنا شئ منها وفيه فضل تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتقديم السر على العلن إما للمبالغة في بيان شمول علمه ~~تعالى لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع ~~استوائهما في الحقيقة فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل ~~وجود كل شئ في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال ~~بين الأشياء البارزة والكامنة وإما لان مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن ~~إذ ما ms2767 من شئ يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق علمه ~~تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة «أو لم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة» كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث ~~بعد ما شاهدوا في أنفسهم أوضح دلائلة وأعدل شواهده كما أن ما سبق مسوق ~~لبيان بطلان إشراكهم بالله تعالى بعد ما عاينوا فيما بأيديهم ما يوجب ~~التوحيد والإسلام واما ما قيل من أنه تسلية ثانية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر فكلا والهمزة للإنكار ~~والتعجيب والواو للعطف على جملة مقدرة هي مستتبعة للمعطوف كما مر في الجملة ~~الإنكارية السابقة أي ألم يتفكر الإنسان ولم يعلم علما يقينيا انا خلقناه ~~من نطفة الخ أو هي عين الجملة السابقة أعيدت تأكيدا للنكير السابق وتمهيدا ~~لإنكار ما هو أحق منه بالانكار والتعجيب لما ان المنكر هناك عدم علمهم بما ~~يتعلق بخلق أسباب معايشهم وههنا عدم علمهم بما يتعلق بخلق أنفسهم ولا ريب ~~في أن علم الانسان بأحوال نفسه أهم وإحاطته بها أسهل وأكمل فالإنكار ~~والتعجيب من الإخلال بذلك أدخل كأنه قيل ألم يعلموا خلقه تعالى لأسباب ~~معايشهم ولم يعلموا خلقه تعالى لأنفسهم أيضا مع كون العلم بذلك في غاية ~~الظهور ونهاية الأهمية على معنى ان المنكر الأول بعيد قبيح والثاني ابعد ~~وأقبح ويجوز أن تكون الواو لعطف الجملة الإنكارية الثانية على الأولى على ~~أنها متقدمة في الاعتبار وأن تقدم الهمزة عليها لاقتضائها الصدارة في ~~الكلام كما هو رأي الجمهور وإيراد الانسان مورد الضمير لأن مدار الانكار ~~متعلق بأحواله من حيث هو إنسان كما في قوله تعالى أو لا يذكر الانسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا وقوله تعالى «فإذا هو خصيم مبين» أي شديد ~~الخصومة والجدال بالباطل عطف على الجملة المنفية داخل في حيز الانكار ~~والتعجيب كأنه قيل أولم ير أنا خلقناه من أخس الأشياء وأمهنها ففاجأ ~~خصومتنا في أمر يشهد بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة ms2768 وإيراد الجملة ~~الاسمية للدلالة على استقراره في الخصومة واستمراره عليها روى ان جماعة من ~~كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن ~~المغيرة تكلموا في ذلك فقال لهم أبي بن خلف ألا ترون إلى ما يقول محمد أن ~~الله يبعث الأموات ثم قال واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخصمنه وأخذ عظما ~~باليا فجعل يفته بيده ويقول يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما رم قال صلى ~~الله عليه وسلم نعم ويبعثك ويدخلك جهنم فنزلت وقيل معنى قوله تعالى فإذا هو ~~خصيم مبين فإذا هو بعدما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على الخصام ~~مبين معرب عما في نفسه فصيح فهو حينئذ معطوف على خلقناه غير داخل تحت ~~الإنكار والتعجيب بل هو من متممات شواهد صحة البعث فقوله تعالى PageV07P180 # «وضرب لنا مثلا» معطوف حينئذ على الجملة المنفية داخل في حيز الانكار ~~والتقبيح وأما على التقدير الأول فهو عطف على الجملة الفجائية والمعنى ~~ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلا أي أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الامر هي ~~في الغرابة والبعد عن العقول كالمثل وهي إنكار إحيائنا العظام أو قصة عجيبة ~~في زعمه واستبعدها وعدها من قبيل المثل وأنكرها أشد الإنكار وهي إحياؤنا ~~إياها وجعل لنا مثلا ونظيرا من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم ونفى الكل على ~~العموم وقوله تعالى «ونسي خلقه» أي خلقنا إياه على الوجه المذكور الدال على ~~بطلان ما ضربه إما عطف على ضرب داخل في حيز الانكار والتعجيب أو حال من ~~فاعله بإضمار قد أو بدونه وقوله تعالى «قال» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ ~~من حكاية ضربه المثل كأنه قيل أي مثل ضرب أو ماذا قال فقيل قال «من يحيي ~~العظام» منكرا له أشد النكير مؤكدا له بقوله تعالى «وهي رميم» أي بالية أشد ~~البلى بعيدة من الحياة غاية البعد فالمثل على الأول هو إنكار إحيائه تعالى ~~للعظام فإنه امر عجيب في نفس الامر حقيق لغرابته وبعده من العقول بأن ms2769 يعد ~~مثلا ضرورة جزم العقول ببطلان الإنكار ووقوع المنكر لكونه كالإنشاء بل أهون ~~منه في قياس العقل وعلى الثاني هو إحياؤه تعالى لها فإنه أمر عجيب في زعمه ~~قد استبعده وعده من قبيل المثل وأنكره أشد الإنكار مع أنه في نفس الأمر ~~أقرب شئ من الوقوع لما سبق من كونه مثل الإنشاء أو أهون منه وأما على ~~الثالث فلا فرق بين أن يكون المثل هو الانكار أو المنكر وعدم تأنيث الرميم ~~مع وقوعه خبرا للمؤنث لأنه اسم لما بلى من العظام غير صفة كالرفات وقد تمسك ~~بظاهر الآية الكريمة من أثبت للعظم حياة وبنى عليه الحكم بنجاسة عظم الميتة ~~وأما أصحابنا فلا يقولون بحياته كالشعر ويقولون المراد بإحياء العظام ردها ~~إلى ما كانت عليه من الغضاضة والرطوبة في بدن حي حساس «قل» تبكيتا له ~~بتذكير ما نسبه من فطرته الدالة على حقيقة الحال وإرشاده إلى طريقة ~~الاستشهاد بها «يحييها الذي أنشأها أول مرة» فإن قدرته كما هي لاستحالة ~~التغير فيها والمادة على حالها «وهو بكل خلق عليم» مبالغ في العلم بتفاصيل ~~كيفيات الخلق والايجاد إنشاء وإعادة محيط بجميع الأجزاء المتفتتة المتبددة ~~لكل شخص من الاشخاص أصولها وفروعها وأوضاع بعضها من بعض من الاتصال ~~والانفصال والاجتماع والافتراق فيعيد كلا من ذلك على النمط السابق مع القوى ~~التي كانت قبل والجملة إما اعتراض تذييلى مقرر لمضمون الجواب أو معطوفة على ~~الصلة والعدول إلى الجملة الاسمية للتنبيه على أن علمه تعالى بما ذكر أمر ~~مستمر ليس كإنشائه للمنشآت وقوله تعالى «الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا» بدل من الموصول الأول وعدم الاكتفاء بعطف صلته على صلته PageV07P181 # للتأكيد ولتفاوتهما في كيفية الدلالة أي خلق لأجلكم ومنفعتكم منه نارا ~~على ان الجعل إبداعي والجاران متعلقان به قدما على مفعوله الصريح مع ~~تأخيرهما عنه رتبة لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ووصف ~~الشجر بالأخضر نظرا إلى اللفظ وقد قرىء الخضراء نظرا إلى المعنى وهو المرخ ~~والعفار يقطع الرجل منهما عصيتين مثل السواكين وهما ms2770 خضراوان يقطر منهما ~~الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فتنقدح النار بإذن الله ~~تعالى وذلك قوله تعالى «فإذا أنتم منه توقدون» فمن قدر على إحداث النار من ~~الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيته كان أقدر على إعادة ~~الغضاضة إلى ما كان غضا فطرا عليه اليبوسة والبلى وقوله تعالى «أو ليس الذي ~~خلق السماوات والأرض» الخ استئناف مسوق من جهته عز وجل لتحقيق مضمون الجواب ~~الذي امر صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بذلك ويلزمهم الحجة والهمزة ~~للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أليس الذي أنشأها ~~أول مرة وليس الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا وليس الذي خلق السماوات ~~والأرض مع كبر جرمهما وعظم شأنهما «بقادر على أن يخلق مثلهم» في الصغر ~~والقماءة بالنسبة إليهما فإن بديهة العقل قاضية بأن من قدر على خلقهما فهو ~~على خلق الأناسي أقدر كما قال تعالى «لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس» وقرئ يقدر وقوله تعالى «بلى» جواب من جهته تعالى وتصريح بما افاده ~~الاستفهام الإنكاري من تقرير ما بعد النفي وإيذان بتعين الجواب نطقوا به أو ~~تلعثموا فيه مخافة الإلزام وقوله تعالى «وهو الخلاق العليم» عطف على ما ~~يفيده الإيجاب أي بلى هو قادر على ذلك وهو المبالغ في الخلق والعلم كيفا ~~وكما «إنما أمره» أي شأنه «إذا أراد شيئا» من الأشياء «أن يقول له كن» أي ~~ان يعلق به قدرته «فيكون» فيحدث من غير توقف على شيء آخر أصلا وهذا تمثيل ~~لقدرته تعالى فيما اراده بأمر الآمر المطاع المأمور المطيع في سرعة حصول ~~المأمور به من غير توقف على شيء ما وقرئ فيكون بالنصب عطفا على يقول ~~«فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء» تنزيه له عز وعلا عما وصفوه تعالى به ~~وتعجيب مما قالوا في شأنه تعالى وقد مر تحقيق معنى سبحان والفاء للإشارة ~~إلى ان ما فصل من شؤونه تعال موجبة لتنزهه وتنزيهه أكمل إيجاب كما ان وصفه ~~تعالى بالمالكية ms2771 الكلية المطلقة للإشعار بأنها مقتضية لذلك أتم اقتضاء ~~والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت والرهبوت وقرئ ملكه كل شيء ومملكة كل ~~شيء وملك كل شيء «وإليه ترجعون» لا إلى غيره وقريء ترجعون بفتح التاء من ~~الرجوع وفيه من الوعد والوعيد مالا يخفى عن ابن عباس رضي الله عنهما كنت لا ~~اعلم ما روي في فصائل يس PageV07P182 # وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا انه لهذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن لكل شيء قلبا وإن قلب القرآن يس من قرآها يريد بها وجه الله تعالى ~~غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنين وعشرين مرة وأيما مسلم ~~قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة املاك ~~يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون ~~جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه وأيما مسلم قرأ يس في سكرات الموت لم يقبض ~~ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فيشربها ~~وهو على فراشه فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا ~~يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن في القرآن سورة تشفع لقارئها وتستغفر لمستمعها ألا وهي سورة ~~يس سورة الصافات مكية وآياتها مائة واثنتان وثمانون آية «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» «والصافات صفا» إقسام من الله عز وجل بطوائف الملائكة الفاعلات ~~للصفوف على ان المراد إيقاع نفس الفعل من غير قصد إلى المفعول أو الصافات ~~أنفسها أي الناظمات لها في سلك الصفوف بقيامها في مقاماتها المعلومة حسبما ~~ينطق به قوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم وعلى هذين المعنيين مدار ~~قوله تعالى وإنا لنحن الصافون وقيل الصافات أقدامها في الصلاة وقيل أجنحتها ~~في الهواء «فالزاجرات زجرا» أي الفاعلات للزجر أو الزاجرت لما نيط بها زجره ~~من الأجرام العلوية والسفلية وغيرها على وجه يليق بالمزجور ومن جملة ذلك ~~زجر العباد بالمعاصي وزجر الشياطين عن ms2772 الوسوسة والإغواء وعن استراق السمع ~~كما سيأتي وصفا وزجرا مصدران مؤكدان لما قبلهما أي صفا بديعا وزجرا بليغا ~~واما ذكرا في قوله تعالى «فالتاليات ذكرا» فمفعول التاليات أي التاليات ~~ذكرا عظيم الشأن من آيات الله تعالى وكتبه المنزلة على الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وغيرها من التسبيح والتقديس والتحميد والتمجيد وقيل هو أيضا ~~مصدر مؤكد لما قبله فإن التلاوة من باب الذكر ثم إن هذه الصفات إن أجريت ~~على الكل فعطفها بالفاء للدلالة على ترتبها في الفضل إما بكون الفضل للصف ~~ثم للزجر ثم PageV07P183 # للتلاوة أو على العكس وإن أجريت كل واحدة منهن على طوائف معينة فهو ~~الدلالة على ترتب الموصوفات في مراتب الفضل بمعنى أن طوائف الصافات ذوات ~~فضل والزاجرات أفضل والتاليات أبهر فضلا أو على العكس وقيل المراد ~~بالمذكورات نفوس العلماء العمال الصافات أنفسها في صفوف الجماعات وأقدامها ~~في الصلوات الزاجرات بالمواعظ والنصائح التاليات آيات الله تعالى الدارسات ~~شرائعه واحكامه وقيل طوائف الغزاة الصافات أنفسهم في مواطن الحروب كأنهم ~~بنيان مرصوص أو طوائف قوادهم الصافات لهم فيها الزاجرات الخيل للجهاد سوقا ~~والعدو في المعارك طردا التاليات آيات الله تعالى وذكره وتسبيحه في تضاعيف ~~ذلك والكلام في العطف ودلالته على ترتب الصفات في الفضل أو ترتب موصوفاتها ~~فيه كالذي سلف وأما الدلالة على الترتب في الوجود كما في قوله يالهف زبانة ~~للحرث الصابح فالغانم فالآيب فغير ظاهرة في شئ من الطوائف المذكورة فإنه لو ~~سلم تقدم الصف على الزجر في الملائكة والغزاة فتأخر التلاوة عن الزجر غير ~~ظاهر وقيل الصافات الطير من قوله تعالى والطير صافات والزاجرات كل ما يزجر ~~عن المعاصي والتاليات كل من يتلو كتاب الله تعالى وقيل الزاجرات القوارع ~~القرآنية وقرئ بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال «إن إلهكم لواحد» جواب ~~القسم والجملة تحقيق للحق الذي هو التوحيد بما هو المألوف في كلامهم من ~~التأكيد القسمي وتمهيد لما يعقبه من البرهان الناطق به أعنى قوله تعالى «رب ~~السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق» فإن وجودها وانتظامها على ms2773 هذا ~~النمط البديع من أوضح دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وأعدل شواهد وحدته ~~كما مر في قوله تعالى «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» ورب خبر ثان لأن ~~أو خبر مبتدأ محذوف أي مالك السماوات والأرض وما بينهما من الموجودات ~~ومربيها ومبلغها إلى كمالاتها والمراد بالمشارق مشارق الشمس وإعادة الرب ~~فيها لغاية ظهور آثار الربوبية فيها وتجددها كل يوم فإنها ثلاثمائة وستون ~~مشرقا تشرق كل يوم من مشرق منها وبحسبها تختلف المغارب وتغرب كل يوم في ~~مغرب منها واما قوله تعالى «رب المشرقين ورب المغربين» فهما مشرقا الصيف ~~والشتاء ومغرباهما «إنا زينا السماء الدنيا» أي القربى منكم «بزينة» عجيبة ~~بديعة «الكواكب» بالجر بدل من زينة على أن المراد بها الاسم أي ما يزن به ~~لا المصدر فإن الكواكب بأنفسها وأوضاع بعضها من بعض زينة وأي زينة وقرئ ~~بالإضافة على انها بيانية لما أن الزينة مبهمة صادقة على كل ما يزان به ~~فتقع الكواكب بيانا لها ويجوز أن يراد بزينة الكواكب ما زينت هي به وهو ~~ضوؤها وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما بزينة الكواكب بضوء الكواكب هذا ~~وأما على تقدير كون الزينة مصدرا فالمعنى على PageV07P184 # تقدير إضافتها إلى الفاعل بان زانت الكواكب إياها واصلة بزينة الكواكب ~~وعلى تقدير إضافتها إلى المفعول بأن زان الله الكواكب وحسنها وأصله بزينة ~~الكواكب والمراد هو التزيين في رأى العين فإن جميع الكواكب من الثوابت ~~والسيارات تبدو للناظرين كأنها جواهر متلألئة في سطح سماء الدنيا بصور ~~بديعة وأشكال رائعة ولا يقدح في ذلك ارتكاز الثوابت في الفلك الثامن وما ~~عدا القمر في الستة المتوسطة إن ثبت ذلك «وحفظا» منصوب إما بعطفه على زينه ~~باعتبار المعنى كأنه قيل إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا «من كل شيطان ~~مارد» أي خارج عن الطاعة برمى الشهب وإما بإضمار فعله وإما بتقدير فعل مؤخر ~~معلل به كأنه قيل وحفظا من كل شيطان مارد زيناها بالكواكب كقوله تعالى ~~«ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين» وقوله تعالى ms2774 ~~«لا يسمعون إلى الملإ الأعلى» كلام مبتدأ مسوق لبيان حالهم بعد بيان حفظ ~~السماء عنهم مع التنبيه على كيفية الحفظ وما يعتريهم في أثناء ذلك من ~~العذاب ولا سبيل إلى جعله صفة لكل شيطان ولا جوابا عن سؤال مقدر لعدم ~~استقامة المعنى ولا علة للحفظ على أن يكون الأصل لئلا يسمعوا فحذفت اللام ~~كما حذفت من قولك جئتك ان تكرمني فبقى أن لا يسمعوا ثم بحذف أن ويهدر عملها ~~كما في قول من قال [ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى] لما أن كل واحد من ذينك ~~الحذفين غير منكر بانفراده فأما اجتماعهما فمن أنكر المنكرات التي يجب ~~تنزيه ساحة التنزيل الجليل عن أمثالها وأصل يسمعون يتسمعون والملأ الأعلى ~~الملائكة وعن ابن عباس رضى الله عنهما هم الكتبة وعنه اشراف الملائكة عليهم ~~الصلاة والسلام أي لا يتطلبون السماع والإصغاء إليهم وقرئ يسمعون بالتخفيف ~~«ويقذفون» يرمون «من كل جانب» من جميع جوانب السماء إذا قصدوا الصعود إليها ~~«دحورا» علة للقذف أي للدحور أو حال بمعنى مدحورين أو مصدر مؤكد له لأنهما ~~من واد واحد وقرئ دحورا بفتح الدال أي قذفا دحورا مبالغا في الطرد وقد جوز ~~ان يكون مصدرا كالقبول والولوع «ولهم عذاب واصب» أي ولهم في الآخرة غير ما ~~في الدنيا من عذاب الرجم بالشهب عذاب شديد دائم غير منقطع كقوله تعالى ~~«وأعتدنا لهم عذاب السعير» «إلا من خطف الخطفة» استثناء من واو يسمعون ومن ~~بدل منه والخطف الاختلاس والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة كما يعرب عنه ~~تعريف الخطفة وقرئ بكسر الخاء والطاء المشددة وبفتح الخاء وكسر الطاء ~~PageV07P185 # وتشديدها واصلهما اختطف «فأتبعه شهاب» أي تبعه ولحقه وقرئ فاتبعه والشهاب ~~ما يرى منقضا من السماء «ثاقب» مضىء في الغاية كأنه يثقب الجو بضوئه يرجم ~~به الشياطين إذا صعدوا لاستراق السمع فيقتلهم أو يحرقهم أو يخبلهم قالوا ~~وإنما يعود من يسلم منهم حيا طمعا في السلامة ونيل المراد كراكب السفينة ~~«فاستفتهم» فاستخبر مشركي مكة «أهم أشد خلقا» أي أقوى خلقة وأمتن بنية أو ~~أصعب ms2775 خلقا وأشق إيجاد «أم من خلقنا» من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما ~~والمشارق والكواكب والشهب الثواقب ومن لتغليب العقلاء على غيرهم ويدل عليه ~~إطلاقه ومجيئه بعد ذلك لا سيما قراءة من قرأ أم من عددنا وقوله تعالى «إنا ~~خلقناهم من طين لازب» فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم من ~~الأمم كعاد وثمود ولأن المراد إثبات المعاد ورد استحالتهم والامر فيه ~~بالإضافة إليهم والى من قبلهم سواء وقرئ لازم ولا تب «بل عجبت» أي من قدرة ~~الله تعالى على هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم للبعث «ويسخرون» من تعجيبك ~~وتقريرك للبعث وقرئ بضم التاء على معنى انه بلغ كمال قدرتى وكثرة مخلوقاتى ~~إلى حيث عجبت منها وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها أو عجبت من أن ينكروا البعث ~~ممن هذه أفاعيله ويسخروا ممن يجوزه والعجب من الله تعالى إما على الفرض ~~والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإنسان عند ~~استعظام الشئ وقيل إنه مقدر بالقول أي قل يا محمد بل عجبت «وإذا ذكروا» أي ~~ودأبهم المستمر انهم إذا وعظوا بشئ من المواعظ «لا يذكرون» لا يتعظون وإذا ~~ذكر لهم ما يدل على صحة البعث لا ينتفعون به لغاية بلادتهم وقصور فكرهم ~~«وإذا رأوا آية» أي معجزة تدل على صدق القائل به «يستسخرون» يبالغون في ~~السخرية ويقولون إنه سحر أو يستدعى بعضهم من بعض أن يسخر منها «وقالوا إن ~~هذا» أي ما يرونه من الآيات الباهرة «إلا سحر مبين» ظاهر سحريته «أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما» أي كان بعض أجزائنا ترابا وبعضها عظاما وتقديم التراب ~~لأنه منقلب من الاجزاء البادية والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون في قوله ~~تعالى «أئنا لمبعوثون» أي نبعث لانفسه لأن دونه خطوبا PageV07P186 # لو تفرد واحد منها لكفى في المنع وتقديم الظرف لتقوية الانكار للبعث ~~بتوجيهه إلى حالة منافية له غاية المنافاة وكذا تكرير الهمزة في اثنا ~~للمبالغة والتشديد في ذلك وكذا تحلية الجملة بأن واللام لتأكيد الانكار لا ~~لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر ms2776 النظم الكريم فإن تقديم الهمزة لاقتضائها ~~الصدارة كما في مثل قوله تعالى «أفلا تعقلون» على رأي الجمهور فإن المعنى ~~عندهم تعقيب الانكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور وقرئ بطرح الهمزة ~~الأولى وبطرح الثانية فقط «أو آباؤنا الأولون» رفع على الابتداء وخبره ~~محذوف عند سيبويه أي وآباؤنا الأولون أيضا مبعثون وقبل عطف على محل ان ~~واسمها وقيل على الضمير في مبعوثون للفصل بهمزة الانكار الجارية مجرى حرف ~~النفي في قوله تعالى ما أشركنا ولا آباؤنا وأيا ما كان فمرادهم زيادة ~~الاستبعاد بناء على انهم اقدم فبعثهم ابعد على زعمهم وقرئ أو آباؤنا «قل» ~~تبكيتا لهم «نعم» والخطاب في قوله تعالى «وأنتم داخرون» لهم ولآبائهم بطريق ~~التغليب والجملة حال من فاعل ما دل عليه نعم أي كلكم مبعوثون والحال أنكم ~~صاغرون أذلاء وقرئ نعم بكسر العين وهي لغة فيه «فإنما هي زجرة واحدة» هي ~~إما ضمير مبهم يفسره خبره أو ضمير البعثة والجملة جواب شرط مضمر أو تعليل ~~لنهى مقدر أي إذا كان كذلك فإنما هي الخ أو لا تستصعبوه فإنما هي الخ ~~والزجرة الصيحة من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وهي النفخة الثانية «فإذا ~~هم» قائمون من مراقدهم احياء «ينظرون» يبصرون كما كانوا أو ينتظرون ما يفعل ~~بهم «وقالوا» أي المبعوثون وصيغة الماضي الدلالة على التحقق والتقرر «يا ~~ويلنا» أي هلا كنا احضر فهذا أو ان حضورك وقوله تعالى «هذا يوم الدين» ~~تعليل لدعائهم الويل بطريق الاستئناف أي اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا ~~وإنما علموا ذلك لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا انهم يبعثون ويحاسبون ويجزون ~~بأعمالهم فلما شاهدوا البعث أيقنوا بما بعده أيضا وقوله تعالى «هذا يوم ~~الفصل الذي كنتم به تكذبون» كلام الملائكة جوابا لهم بطريق التوبيخ ~~والتقريع وقيل هو أيضا من كلام بعضهم لبعض والفصل القضاء أو الفرق بين فرق ~~الهدى والضلال وقوله تعالى «احشروا الذين ظلموا» خطاب من الله عز وجل ~~للملائكة PageV07P187 # أو من بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف وقيل من الموقف إلى ms2777 ~~الجحيم «وأزواجهم» أي أشباههم ونظراءهم من العصاة عابد الصم مع عبدته وعابد ~~الكواكب مع عبدته كقوله تعالى وكنتم أزواجا ثلاثة وقيل قرناءهم من الشياطين ~~وقيل نساءهم اللاتي عل دينهم «وما كانوا يعبدون» «من دون الله» من الأصنام ~~ونحوها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم قيل هو عام مخصوص بقوله تعالى إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى الآية الكريمة وأنت خبير بأن الموصول عبارة عن ~~المشركين خاصة جئ به لتعليل الحكم بما في حيز صلته فلا عموم ولا تخصيص ~~«فاهدوهم إلى صراط الجحيم» أي عرفوهم طريقها ووجهوهم إليها وفيه تهكم بهم ~~«وقفوهم» احبسوهم في الموقف كأن الملائكة سارعوا إلى ما أمروا به من حشرهم ~~إلى الجحيم فأمروا بذلك وعلل بقوله تعالى «إنهم مسؤولون» إيذانا من أول ~~الأمر بأن ذلك ليس للعفو عنهم ولا ليستريحوا بتأخير العذاب في الجملة بل ~~ليسألوا لكن لا عن عقائدهم وأعمالهم كما قيل فإن ذلك قد وقع قبل الامر بهم ~~إلى الجحيم بل عما ينطق به قوله تعالى «ما لكم لا تناصرون» بطريق التوبيخ ~~والتقريع والتهكم أي لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم تزعمون في الدنيا وتأخير ~~هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة ~~وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلية فالتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا ~~وتأثيرا وقرئ لا تتناصرون ولا تناصرون بالإدغام «بل هم اليوم مستسلمون» ~~منقادون خاضعون لظهور عجزهم وانسداد باب الحيل عليهم أو أسلم بعضهم بعضا ~~وخذله عن عجز فكلهم مستسلم غير منتصر «وأقبل» حينئذ «بعضهم على بعض» هم ~~الأتباع والرؤساء أو الكفرة والقرناء «يتساءلون» يسأل بعضهم بعضا سؤال ~~توبيخ بطريق الخصومة والجدال «قالوا» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من ~~حكاية تساؤلهم كأنه قيل كيف تساءلوا فقيل قالوا أي الاتباع للرؤساء أو الكل ~~للقرناء «إنكم كنتم تأتوننا» في الدنيا «عن اليمين» عن أقوى الوجوه وأمتنها ~~أو عن الدين أو عن الخير كأنكم تنفعوننا نفع السائح فتبعناكم فهلكنا مستعار ~~من يمين الانسان الذي هو اشرف الجانبين وأقواهما وأنفعهما ولذلك سمى يمينا ~~ويتيمن ms2778 بالسائح أو عن القوة والقسر فتقسروننا على الغى وهو الأوفق للجواب ~~أو عن الحلف حيث كانوا يحلفون انهم على الحق PageV07P188 # «قالوا» استئناف كما سبق أي قال الرؤساء أو القرناء «بل لم تكونوا ~~مؤمنين» أي لم نمنعكم من الايمان بل لم تؤمنوا باختياركم وأعرضتم عنه مع ~~تمكنكم منه وآثرتم الكفر عليه «وما كان لنا عليكم من سلطان» من قهر وتسلط ~~نسلبكم به اختياركم «بل كنتم قوما طاغين» مختارين للطغيان مصرين عليه «فحق ~~علينا» أي لزمنا وثبت علينا «قول ربنا» وهو قوله تعالى لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين «إنا لذائقون» أي العذاب الذي ورد به الوعيد ~~«فأغويناكم» فدعوناكم إلى الغي دعوة غير ملجئة فاستجبتم لنا باختياركم ~~واستحبابكم الغي على الرشد «إنا كنا غاوين» فلا عتب علينا في تعرضنا ~~لإغوائكم بتلك المرتبة من الدعوة لتكونوا أمثالنا في الغواية «فإنهم» أي ~~الاتباع والمتبوعين «يومئذ في العذاب مشتركون» حسبما كانوا مشتركين في ~~الغواية «إنا كذلك» أي مثل ذلك الفعل البديع الذي تقتضيه الحكمة التشريعية ~~«نفعل بالمجرمين» المتناهين في الاجرام وهم المشركون كما يعرب عنه التعليل ~~بقوله تعالى «إنهم كانوا إذا قيل لهم» بطريق الدعوة والتلقين «لا إله إلا ~~الله يستكبرون» عن القبول «ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون» «بل ~~جاء بالحق وصدق المرسلين» رد عليهم وتكذيب لهم ببيان ان ما جاء به من ~~التوحيد هو الحق الذي قام به البرهان واجمع عليه كافة الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام فأين الشعر والجنون من ساحته الرفيعة «إنكم» بما فعلتم من الاشراك ~~وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم والاستكبار «لذائقوا العذاب الأليم» ~~PageV07P189 # والالتفات لاظهار كمال الغضب عليهم وقرئ بنصب العذاب على تقدير النون ~~كقوله ولا ذاكر الله الا قليلا وقرئ لذائقون العذاب على الأصل «وما تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون» أي إلا جزاء ما كنتم تعملونه من السيئات أو إلا بما ~~كنتم تعملونه منها «إلا عباد الله المخلصين» استثناء منقطع من ضمير ذائقو ~~وما بينهما اعتراض جئ به مسارعة إلى تحقيق الحق ببيان ان ذوقهم العذاب ليس ms2779 ~~إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا وجعله استثناء من ضمير تجزون على معنى ~~أن الكفرة لا يجزون إلا بقدر أعمالهم دون عباد الله المخلصين فإنهم يجزون ~~اضعافا مضاعفة مما لا وجه له أصلا لا سيما جعله استثناء متصلا بتعميم ~~الخطاب في تجزون لجميع المكلفين فإنه ليس في حيز الاحتمال فالمعنى إنكم ~~لذائقون العذاب الأليم لكن عباد الله المخلصين الموحدين ليسوا كذلك وقوله ~~تعالى «أولئك» إشارة إليهم للإيذان بأنهم ممتازون بما اتصفوا به من الإخلاص ~~في عبادة الله تعالى عمن عداهم امتيازا بالغا منتظمون بسببه في سلك الأمور ~~المشاهدة وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار بعلو ~~طبقتهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى «لهم» إما خبر له ~~وقوله تعالى «رزق» مرتفع عل الفاعلية بما فيه من الاستقرار أو مبتدأ ولهم ~~خبر مقدم والجملة خبر لأولئك والجملة الكبرى استئناف مبين لما أفاده ~~الاستثناء إجمالا بيانا تفصيليا وقيل هي خبر للاستثناء المنقطع على انه ~~متأول بالمبتدأ وقوله تعالى «معلوم» أي معلوم الخصائص من حسن المنظر ولذة ~~الطعم وطيب الرائحة ونحوها من نعوت الكمال وقيل معلوم الوقت كقوله تعالى ~~ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا وقوله تعالى «فواكه» إما بدل من رزق أو خبر ~~مبتدأ مضمر أي ذلك الرزق فواكه وتخصيصها بالذكر لأن أرزاق أهل الجنة كلها ~~فواكه أي ما يؤكل لمجرد التلذذ دون الاقتيات لأنهم مستغنون عن القوت لكون ~~خلقتهم محكمة محفوظة من التحلل المحوج إلى البدل وقيل لان الفواكه من اتباع ~~سائر الأطعمة فذكرها مغن عن ذكرها «وهم مكرمون» عند الله عز وجل لا يلحقهم ~~هوان وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأولى الهمم وقيل مكرمون في نيله حيث يصل ~~إليهم بغير تعب وسؤال كما هو شان أرزاق الدنيا وقرئ مكرمون بالتشديد «في ~~جنات النعيم» أي في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو ظرف أو حال من المستكن في ~~مكرمون أو خبر ثان لأولئك PageV07P190 # وقوله تعالى «على سرر» محتمل للحالية والخبرية فقوله تعالى «متقابلين» ~~حال من ms2780 المستكن فيه أو في مكرمون وقوله تعالى «يطاف عليهم» إما استئناف ~~مبنى على سؤال نشأ من حكاية تكامن مجالس أنسهم أو حال من الضمير في ~~متقابلين أو في أحد الجارين وقد جوز كونه صفة لمكرمون «بكأس» بإناء فيه خمر ~~أو بخمر فإن الكأس تطلق على نفس الخمر كما في قول من قال وكأس شربت على لذة ~~وأخرى تداويت منها بها «من معين» متعلق بمضمر هو صفة لكأس أي كائنة من شراب ~~معين أو من نهر معين وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون أو الخارج من ~~العيون من عان الماء إذا نبع وصف به الخمر وهو للماء لأنها تجري في الجنة ~~في أنهار كما يجري الماء قال تعالى وأنهار من خمر «بيضاء لذة للشاربين» ~~صفتان أيضا لكأس ووصفها بلذة إما للمبالغة كأنها نفس اللذة أو لأنها تأنيث ~~اللذ بمعنى اللذيذ ووزنه فعل قال * ولذ كطعم الصر خدى تركته * بأرض العدا ~~من خيفة الحدثان * يريد به النوم «لا فيها غول» أي غائلة كما في خمور ~~الدنيا من غالة إذا أفسده وأهلكه ومنه الغول «ولا هم عنها ينزفون» يسكرون ~~من نزف الشارب فهو نزيف ومنزوف إذا ذهب عقله ويقال للمطعون نزف فمات إذا ~~خرج دمه كله أفرد هذا بالنفي مع اندراجه فيما قبله من نفى الغول عنها لما ~~أنه من معظم مفاسد الخمر كأنه جنس برأسه والمعنى لا فيها نوع من أنواع ~~الفساد من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم ولا هم يسكرون ~~وقرئ ينزفون بكسر الزاي من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو شرابه وقرئ ينزفون ~~بضم الزاي من نزف ينزف بضم الزاي فيهما «وعندهم قاصرات الطرف» قصرن أبصارهن ~~على أزواجهن لا يمددن طرفا إلى غيرهم «عين» نجل العيون جمع عيناء والنجل ~~سعة العين «كأنهن بيض مكنون» شبهن ببيض النعام المصون من الغبار ونحوه في ~~الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة فإن ذلك أحسن ألوان الأبدان «فأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون» معطوف على يطاف أي يشربون فيتحادثون ms2781 على الشراب ~~كما هو عادة الشرب قال * وما PageV07P191 # بقيت من اللذات إلا * أحاديث الكرام على المدام * فيقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون عن الفضائل والمعارف وعما جرى لهم وعليهم في الدنيا فالتعبير عنه ~~بصيغة الماضي للتأكيد والدلالة على تحقق الوقوع حتما «قال قائل منهم» في ~~تضاعيف محاوراتهم «إني كان لي» في الدنيا «قرين» مصاحب «يقول» لي على طريقة ~~التوبيخ بما كنت عليه من الايمان والتصديق بالبعث «أئنك لمن المصدقين» أي ~~بالبعث وقرئ بتشديد الصاد من التصدق والأول هو الأوفق لقوله تعالى «أئذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون» أي لمبعوثون ومجزيون من الدين بمعنى ~~الجزاء أو لمسوسون يقال دانه أي ساسه ومنه الحديث العاقل من دان نفسه وقيل ~~كان رجل تصدق بماله لوجه الله تعالى فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه فقال اين ~~مالك قال تصدقت به ليعوضنى الله تعالى في الآخرة خيرا منة فقال أئنك لمن ~~المصدقين بيوم الدين أو من المتصدقين لطلب الثواب والله لا أعطيك شيئا ~~فيكون التعرض لذكر موتهم وكونهم ترابا وعظاما حينئذ لتأكيد إنكار الجزاء ~~المبنى على إنكار البعث «قال» أي ذلك القائل بعد ما حكى لجلسائه مقالة ~~قرينه في الدنيا «هل أنتم مطلعون» أي إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين يريد ~~بذلك بيان صدقه فيما حكاه وقيل القائل هو الله تعالى أو بعض الملائكة يقول ~~لهم هل تحبون ان تطلعوا على أهل النار لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين ~~منزلتكم من منزلتهم قيل إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى أهل النار ~~«فاطلع» أي عليهم «فرآه» أي قرينه «في سواء الجحيم» أي في وسطها وقرئ فأطلع ~~على لفظ المضارع المنصوب وقرئ مطلعون فأطلع وفأطلع بالتخفيف على لفظ الماضي ~~والمضارع المنصوب يقال طلع علينا فلان واطلع واطلع بمعنى واحد والمعنى هل ~~أنتم مطلعون إلى القرن فأطلع انا أيضا أو عرض عليهم الاطلاع فقبلوا ما عرضه ~~فاطلع هو بعد ذلك وان جعل الاطلاع متعديا فالمعنى انه لما شرط في اطلاعه ~~اطلاعهم كما هو ديدن الجلساء فكأنهم مطلعوه وقيل الخطاب ms2782 على هذا للملائكة ~~وقرئ مطلعون بكسر النون أراد مطلعون إياي فوضع المتصل موضع المنفصل كقولهم ~~[هم الفاعلون الخير والآمرونه] أو شبه اسم الفاعل بالمضارع لما بينهما من ~~التآخي «قال» أي القائل مخاطبا لقرينه «تالله إن كدت لتردين» أي لتهلكني ~~بالاغواء وقرئ PageV07P192 # لتغوين والتاء فيه معنى التعجب وان هي المخففة من ان وضمير الشأن الذي هو ~~اسمها محذوف واللام فارقة أي تالله ان الشأن كدت لنردين «ولولا نعمة ربي» ~~بالهداية والعصمة «لكنت من المحضرين» أي من الذين احضروا العذاب كما احضرته ~~أنت وأضرابك وقوله تعالى «أفما نحن بميتين» رجوع إلى محاورة جلسائه بعد ~~اتمام الكلام مع قرينه تبجحا وابتهاجا بما أتاح الله عز وجل لهم من الفضل ~~العظيم والنعيم المقيم والهمزة للتقرير وفيها معنى التعجب والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه نظم الكلام أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين أي بمن شأنه ~~الموت وقرئ بمائتين «إلا موتتنا الأولى» التي كانت في الدنيا وهي متناولة ~~لما في القبر بعد الاحياء للسؤال قاله تصديقا لقوله تعالى لا يذوقون فيها ~~الموت الا الموتة الأولى وقيل ان أهل الجنة أول ما دخلوا الجنة لا يعلمون ~~انهم لا يموتون فإذا جئ بالموت على صورة كبش أملح فذبح ونودي يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت يعلمونه فيقولون ذلك تحدثا بنعمة ~~الله تعالى واغتباطا بها «وما نحن بمعذبين» كالكفار فإن النجاة من العذاب ~~أيضا نعمة جليلة مستوجبة للتحدث بها «إن هذا» أي الامر العظيم الذي نحن فيه ~~«لهو الفوز العظيم» وقيل هو من قول الله عز وجل تقريرا لقولهم وتصديقا له ~~وقرئ لهو الرزق العظيم وهو ما رزقوه من السعادة العظمى «لمثل هذا فليعمل ~~العاملون» أي لنيل هذا المرام الجليل يجب ان يعمل العاملون لا للحظوظ ~~الدنيوية السريعة الانصرام المشوبة بفنون الآلام وهذا أيضا يحتمل ان يكون ~~من كلام رب العزة «أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم» أصل النزل الفضل والريع ~~فاستعير للحاصل من الشيء فانتصابه على التمييز أي أذلك الرزق المعلوم ms2783 الذي ~~حاصله اللذة والسرور خير نزلا أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم ~~ويقال النزل لما يقام ويهيأ من الطعام الحاضر للنازل فانتصابه على الحالية ~~والمعنى ان الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم ~~فأيهما خير في كونه نزلا والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق دفرة مرة كريهة ~~الرائحة تكون في تهامة سميت به الشجرة الموصوفة PageV07P193 # «إنا جعلناها فتنة للظالمين» محنة وعذابا لهم في الآخرة وابتلاء في ~~الدنيا فإنهم لما سمعوا انها في النار قالوا كيف يمكن ذلك والنار تحرق ~~الشجر ولم يعلموا ان من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها أقدر ~~على خلق الشجر في النار وحفظه من الاحراق «إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم» ~~منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها وقرئ نابتة في أصل الجحيم ~~«طلعها» أي حملها الذي يخرج منها مستعار من طلع النخلة لمشاركته له في ~~الشكل والطلوع من الشجر قالوا أول التمر طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ~~ثم تمر «كأنه رؤوس الشياطين» في تناهى القبح والهول وهو تشبيه بالمخيل ~~كتشبيه الفائق في الحسن بالملك وقيل الشياطين الحيات الهائلة القبيحة ~~المنظر لها أعراف وقيل ان شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة ~~يسمى ثمره رؤوس الشياطين «فإنهم لآكلون منها» أي من الشجرة أو من طلعها ~~فالتأنيث مكتسب من المضاف اليه «فمالئون منها البطون» لغلبة الجوع أو للقسر ~~على اكلها وان كرهوها ليكون ذلك بابا من العذاب «ثم إن لهم عليها» على ~~الشجرة التي ملأوا منها بطونهم بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش وطال ~~استسقاؤهم كما ينبئ عنه كلمة ثم ويجوز ان تكون لما في شرابهم من مزيد ~~الكراهة والبشاعة «لشوبا من حميم» لشرابا من غساق أو صديد مشوبا بماء حميم ~~يقطع أمعاءهم وقرئ بالضم وهو اسم لما يشاب به والأول مصدر سمي به «ثم إن ~~مرجعهم» أي مصيرهم وقد قرىء كذلك «لإلى الجحيم» لإلى دركاتها أو إلى نفسها ~~فإن الزقوم والحميم نزل يقدم ms2784 إليهم قبل دخولها وقيل الحميم خارج عنها لقوله ~~تعالى هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن يذهب بهم ~~عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم إلى شجرة الزقوم فيأكلون منها إلى ان يمتثلوا ~~ثم يسقون من الحميم ثم يردون إلى الجحيم ويؤيده انه قرىء ثم ان منقلبهم ~~«إنهم ألفوا آباءهم ضالين» تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب بتقليد ~~الآباء في الدين من غير ان يكون لهم ولا لآبائهم شيء يتمسك به أصلا أي ~~وجدوهم ضالين في نفس PageV07P194 # الامر ليس لهم ما يصلح شبهة فضلا عن صلاحية الدليل «فهم على آثارهم ~~يهرعون» من غير ان يتدبروا انهم على الحق أولا مع ظهور كونهم على الباطل ~~بأدنى تأمل والإهراع الاسراع الشديد كأنهم يزعجون ويحثون حثا على الاسراع ~~على آثارهم وقيل هو اسراع فيه شبه رعدة «ولقد ضل قبلهم» أي قبل قومك قريش ~~«أكثر الأولين» من الأمم السالفة وهو جواب قسم محذوف وكذا قوله تعالى «ولقد ~~أرسلنا فيهم منذرين» أي أنبياء أولى عدد كثير وذوي شأن خطير بينوا لهم ~~بطلان ما هم عليه وأنذروهم عاقبته الوخيمة وتكرير القسم لابراز كمال ~~الاعتناء بتحقيق مضمون كل من الجملتين «فانظر كيف كان عاقبة المنذرين» من ~~الهول والفظاعة لما لم يلتفتوا إلى الانذار ولم يرفعوا له رأسا والخطاب اما ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يتمكن من مشاهدة آثارهم وحيث ~~كان المعنى انهم أهلكوا هلاكا فظيعا استثنى منهم المخلصون بقوله تعالى «إلا ~~عباد الله المخلصين» أي الذين أخلصهم الله تعالى بتوفيقهم للايمان والعمل ~~بموجب الانذار وقرئ المخلصين بكسر اللام أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ~~«ولقد نادانا نوح» نوع تفصيل لما أجمل فيما قبل ببيان أحوال بعض المرسلين ~~وحسن عاقبتهم متضمن لبيان سوء عاقبة بعض المنذرين حسبما أشير اليه بقوله ~~تعالى فانظر كيف كان عاقبة المنذرين كقوم نوح آل فرعون وقوم لوط وقوم الياس ~~ولبيان حسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله تعالى ووفقهم للايمان كما أشار ~~اليه الاستثناء كقوم يونس ms2785 عليه السلام ووجه تقديم قصة نوح على سائر القصص ~~غنى عن البيان واللام جواب قسم محذوف وكذا ما في قوله تعالى «فلنعم ~~المجيبون» أي وبالله لقد دعانا نوح حين يئس من ايمان قومه بعد ما دعاهم ~~اليه أحقابا ودهورا فلم يزدهم دعاؤه الا فرارا ونفورا فأجبناه أحسن الإجابة ~~فو الله لنعم المجيبون نحن فحذف ما حذف ثقة بدلالة ما ذكر عليه والجمع دليل ~~العظمة والكبرياء «ونجيناه وأهله من الكرب العظيم» أي من الغرق وقيل من ~~أذية قومه PageV07P195 # «وجعلنا ذريته هم الباقين» فحسب حيث أهلكنا الكفرة بموجب دعائه رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا وقد روى انه مات كل من كان معه في السفينة غير ~~أبنائه وأزواجهم أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة قال قتادة ~~الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام وكان له ثلاثة أولاد سام وحام ويافث ~~فسام أبو العرب وفارس والروم وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب ويافث ~~أبو الترك ويأجوج ومأجوج «وتركنا عليه في الآخرين» من الأمم «سلام على نوح» ~~أي هذا الكلام بعينه وهو وارد على الحكاية كقولك قرأت سورة أنزلناها ~~والمعنى يسلمون عليه تسليما ويدعون له على الدوام أمة بعد أمة وقيل ثمة قول ~~مقدر أي فقلنا وقيل ضمن تركنا معنى قلنا وقوله تعالى «في العالمين» متعلق ~~بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبات هذه التحية واستمرارها ابدا في ~~العالمين من الملائكة والثقلين جميعا وقوله تعالى «إنا كذلك نجزي المحسنين» ~~تعليل لما فعل به عليه الصلاة والسلام من التكرمة السنية من إجابة دعائه ~~أحسن إجابة وابقاء ذريته وتبقية ذكره الجميل وتسليم العالمين عليه إلى آخر ~~الدهر بكونه من زمرة المعروفين بالاحسان الراسخين فيه وان ذلك من قبيل ~~مجازاة الاحسان بالاحسان وذلك إشارة إلى ما ذكر من الكرامات السنية التي ~~وقعت جزاء له عليه الصلاة والسلام وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار اليه للايذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الفضل والشرف والكاف ~~متعلقة بما بعدها أي مثل ذلك الجزاء الكامل ms2786 نجزي الكاملين في الاحسان ~~لاجزاء أدنى منه وقوله تعالى «إنه من عبادنا المؤمنين» تعليل لكونه من ~~المحسنين بخلوص عبوديته وكمال ايمانه وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ~~مالا يخفي «ثم أغرقنا الآخرين» أي المغايرين لنوح وأهله وهم كفار وقومه ~~أجمعين «وإن من شيعته» أي ممن شايعه في أصول الدين «لإبراهيم» وان اختلفت ~~فروع شرائعهما ويجوز ان يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي أو أكثرى وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما من أهل دينه وعلى سنته أو ممن شايعه على التصلب في دين ~~الله ومصابرة المكذبين وما PageV07P196 # كان بينهما الا نبيان هود وصالح عليهم السلام وكان بين نوح وإبراهيم ~~الفان وستمائة وأربعون سنة «إذ جاء ربه» منصوب باذكر أو متعلق بما في ~~الشيعة من معنى المشايعة «بقلب سليم» أي من آفات القلوب أو من العلائق ~~الشاغلة عن التبتل إلى الله عز وجل ومعنى المجيء به ربه اخلاصه له كأنه جاء ~~به متحفا إياه بطريق التمثيل «إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون» بدل من ~~الأولى أو ظرف لجاء أو لسليم أي أي شيء تعبدونه «أئفكا آلهة دون الله ~~تريدون» أي أتريدون آلهة من دون الله افكا أي للإفك فقدم المفعول على الفعل ~~للعناية ثم المفعول له على المفعول به لان الأهم مكافحتهم بأنهم على إفك ~~وباطل في شركهم ويجوز ان يكون افكا مفعولا به بمعنى أتريدون افكا ثم يفسر ~~الافك بقوله آلهة من دون الله دلالة على انها افك في نفسها للمبالغة أو ~~يراد بها عبادتها بحذف المضاف ويجوز ان يكون حالا بمعنى آفكين «فما ظنكم ~~برب العالمين» أي بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربا للعالمين حتى تركتم ~~عبادته خاصة وأشركتم به اخس مخلوقاته أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء ~~حتى جعلتم الأصنام له أندادا أو فماظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم بعد ~~ما فعلتم ما فعلتم من الاشراك به «فنظر نظرة في النجوم» قيل كانت له عليه ~~الصلاة والسلام حمى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل فنظر ms2787 ليعرف هل هي ~~تلك الساعة فإذا هي قد حضرت «فقال إني سقيم» وكان صادقا في ذلك فجعله عذرا ~~في تخلفه عن عيدهم وقيل أراد اني سقيم القلب لكفركم وقيل نظر في علمها أو ~~في كتبها أو في احكامها ولا منع من ذلك حيث كان قصده عليه الصلاة والسلام ~~ايهامهم حين أرادوا ان يخرجوا به عليه الصلاة والسلام إلى معيدهم ليتركوه ~~فإن القوم كانوا نجامين فأوهمهم انه قد استدل بأمارة في النجوم على انه ~~سقيم أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الأسقام عليهم وكانوا يخافون ~~العدوي ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى معبدهم وتركوه في بيت الأصنام وذلك ~~قوله تعالى «فتولوا عنه مدبرين» أي هاربين مخافة العدوي PageV07P197 # «فراغ إلى آلهتهم» أي ذهب إليها في خيفة واصله الميل بحيلة «فقال» ~~للأصنام استهزاء «ألا تأكلون» أي من الطعام الذي كانوا يصنعونه عندها لتبرك ~~عليه «ما لكم لا تنطقون» أي بجوابي «فراغ عليهم» فمال مستعليا عليهم وقوله ~~تعالى «ضربا باليمين» مصدر مؤكد لراغ عليهم فإنه بمعنى ضربهم أو لفعل مضمر ~~هو حال من فاعله أي فراغ عليهم يضربهم ضربا أو هو الحال منه على انه مصدر ~~بمعنى الفاعل أي فراغ عليهم ضاربا باليمين أي ضربا شديدا قويا وذلك لان ~~اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما وقوة الاله تقتضي قوة الفعل وشدته وقيل ~~بالقوة والمتانة كما في قوله * إذا ما راية رفعت لمجده * تلقاها عرابة ~~باليمين * أي بالقوة وعلى ذلك مدار تسمية الحلف باليمين لأنه يقوى الكلام ~~ويؤكده وقيل بسبب الحلف وهو قوله تعالى وتالله لأكيدن أصنامكم «فأقبلوا ~~إليه» أي المأمورون بإحضاره عليه الصلاة والسلام بعد ما رجعوا من عيدهم إلى ~~بيت الأصنام فوجدوها مكسورة فسألوا عن الفاعل فظنوا انه عليه الصلاة ~~والسلام فعله فقيل فأتوا به «يزفون» حال من واو اقبلوا أي يسرعون من زفيف ~~النعام وقرئ يزفون من أزف إذا دخل في الزفيف أو من أزفه أي حمله على الزفيف ~~أي يزف بعضهم بعضا ويزفون على البناء للمفعول أي يحملون على الزفيف ويزفون ~~من وزف ms2788 يزف إذا اسرع ويزفون من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم ~~اليه عليه الصلاة والسلام «قال» أي بعدما اتوا به عليه الصلاة والسلام وجرى ~~بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم من المحاورات ما نطق به قوله تعالى قالوا ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم إلى قوله تعالى لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ~~«أتعبدون ما تنحتون» ما تنحتونه من الأصنام وقوله تعالى «والله خلقكم وما ~~تعملون» حال من فاعل تعبدون مؤكدة للانكار والتوبيخ أي والحال انه تعالى ~~خلقكم وخلق ما تعملونه فإن جواهر أصنامهم ومادتها بخلقه تعالى وشكلها وان ~~كان بفعلهم لكنه بإقداره تعالى إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من ~~الدواعي والعدد والأسباب وما تعملون اما عبارة عن الأصنام فوضعه موضع ضمير ~~ما تنحتون للايذان بأن مخلوقيتها لله عز وجل ليس من حيث نحتهم لها فقط بل ~~من حيث سائر اعمالهم أيضا من التصوير والتحلية والتزيين ونحوها واما على ~~عمومه فينتظم الأصنام انتظاما PageV07P198 # أوليا مع ما فيه من تحقيق الحق ببيان ان جميع ما يعملونه كائنا ما كان ~~مخلوق له سبحانه وقيل ما مصدرية أي عملكم على انه بمعنى المفعول وقيل ~~بمعناه فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى كان مفعولهم المتوقف على فعلهم ~~أولى بذلك «قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم» أي في النار الشديدة ~~الاتقاد من الجحمة وهي شدة التأجج واللام عوض من المضاف اليه أي جحيم ذلك ~~البنيان وقد ذكر كيفية بنائهم له في سورة الأنبياء «فأرادوا به كيدا» فإنه ~~عليه الصلاة والسلام لما قهرهم بالحجة وألقمهم الحجر قصدوا ما قصدوا لئلا ~~يظهر للعامة عجزهم «فجعلناهم الأسفلين» الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا ~~نيرا على علو شأنه عليه الصلاة والسلام بجعل النار عليه بردا وسلاما «وقال ~~إني ذاهب إلى ربي» أي مهاجر إلى حيث امرني ربي كما قال إني مهاجر إلى ربى ~~وهو الشام أو إلى حيث أتجرد فيه لعبادته تعالى «سيهدين» أي إلى ما فيه صلاح ~~ديني أو إلى مقصدي وبت القول بذلك ms2789 لسبق الوعد أو لفرط توكله وللبناء على ~~عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه السلام حيث قال عسى ربى ان ~~يهديني سواء السبيل ولذلك اتى بصيغة التوقع «رب هب لي من الصالحين» أي بعض ~~الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسنى في الغربة يعنى الولد لأن لفظ ~~الهبة على الاطلاق خاص به وإن كان قد ورد مقيدا بالاخوة في قوله تعالى ~~ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ولقوله تعالى «فبشرناه بغلام حليم» ~~فإنه صريح في أن المبشر به عين ما استوهبه عليه الصلاة والسلام ولقد جمع ~~فيه بشارات ثلاث بشارة انه غلام وأنه يبلع أو ان الحلم وانه يكون حليما وأي ~~حلم يعادل حلمه عليه الصلاة والسلام حين عرض عليه يا أبت أبوه الذبح فقال ~~يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين وقيل ما نعت الله ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأقل مما نعتهم بالحلم لعزة وجوده غير ~~إبراهيم وأبنه فإنه تعالى نعتهما به وحالهما المحكية بعد أعدل بينة بذلك ~~والفاء في قوله تعالى «فلما بلغ معه السعي» فصيحة معربة عن مقدر قد حذف ~~تعويلا على شهادة الحال وإيذانا بعدم الحاجة إلى التصريح PageV07P199 # به لاستحالة التخلف والتأخر بعد البشارة كما مر في قوله تعالى فلما رأينه ~~أكبرنه وفي قوله تعالى فلما رآه مستقرا عنده أي فوهبناه له فنشأ فلما بلغ ~~رتبة ان يسعى معي في اشغاله وحوائجه ومعه متعلق بمحذوف ينبئ عنه السعي لا ~~بنفسه لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا يبلغ لأن بلوغهما لم يكن معا كأنه لما ~~ذكر السعي قيل مع من فقيل معه وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح ~~فلا يستسعيه قبل أوانه أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة ~~«قال» أي إبراهيم عليه السلام «يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك» أي أرى ~~هذه الصورة بعينها أو ما هذه عبارته وتأويله وقيل إنه رأى ليلة التروية كأن ~~قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما ms2790 أصبح روى في ذلك من الصباح ~~إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثمة سمى يوم التروية فلما ~~امسى رأى مثل ذلك فعرف انه من الله تعالى فمن ثمة سمى يوم عرفة ثم رأى مثله ~~في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر وقيل إن الملائكة حين ~~بشرته بغلام حليم قال إذن هو ذبيح الله فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له ~~أوف بنذرك والأظهر الأشهر ان المخاطب إسماعيل عليه السلام إذ هو الذي وهب ~~إثر المهاجرة ولأن البشارة بإسحق بعده معطوف على البشارة بهذا الغلام ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم أنا ابن الذبيحين فأحدهما جده إسماعيل عليه ~~السلام والآخر أبوه عبد الله فإن عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل الله ~~تعالى له حفر بئر زمزم أو بلغ بنوه عشرة فلما حصل ذلك وخرج السهم على عبد ~~الله فداه بمائة من الإبل ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان ~~قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا في أيام ابن الزبير ولم يكن إسحق ثمة ~~ولان بشارة إسحق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبه الامر بذبحه ~~مراهقا وما روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن النسب اشرف فقال يوسف صديق ~~الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن اسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله ~~فالصحيح انه عليه الصلاة والسلام قال يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ~~الزوائد من الراوي وما روى من أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقرئ ~~إني بفتح الياء فيهما «فانظر ماذا ترى» من الرأي وإنما شاوره فيه وهو أمر ~~محتوم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله تعالى فيثبت قدمه إن جزع ويأمن ~~عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة عليه بالانقياد له قبل ~~نزول وقرى ماذا ترى بضم التاء وكسر الراء وبفتحها مبنيا للمفعول «قال يا ~~أبت افعل ما تؤمر» أي تؤمر به فحذف الجار أولا على القاعدة المطردة ثم حذف ms2791 ~~العائد إلى الموصول بعد انقلابه منصوبا بإيصاله إلى الفعل أو حذفا دفعة أو ~~افعل امرك على إضافة المصدر إلى المفعول وتسمية المأمور به امرا وقرئ ما ~~تؤمر به وصيغة المضارع للدلالة على ان الامر متعلق به متوجه اليه مستمر إلى ~~حين الامتثال به «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» على الذبح أو على قضاء ~~الله تعالى «فلما أسلما» أي استسلما لامر الله تعالى وانقادا وخضعا له يقال ~~سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد وقد قرئ بهن جميعا وأصلها من قولك ~~سلم هذا الفلان إذا خلص له ومعناه سلم من أن ينازع فيه وقولهم سلم لأمر ~~الله وأسلم له منقولان منه ومعناهما أخلص نفسه الله PageV07P200 # وجعلها سالمة له وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه له تعالى وعن قتادة رضى ~~الله عنه في أسلما أسلم إبراهيم ابنه وإسماعيل نفسه «وتله للجبين» صرعه على ~~شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة وقيل كبه على وجهه بإشارته ~~كيلا يرى منه ما يورث رقة تحول بينه وبين أمر الله تعالى وكان ذلك عند ~~الصخرة من منى وقيل في الموضع المشرف على مسجد منى وقيل في المنحر الذي ~~ينحر اليوم فيه «وناديناه أن يا إبراهيم» «قد صدقت الرؤيا» بالعزم على ~~الإتيان بالمأمور به ترتيب مقدماته وقد روى انه امر السكين بقوته على حلقه ~~مرارا فلم يقطع ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين فعند ذلك وقع النداء ~~جواب لما محذوف إيذانا بعدم وفاء التعبير بتفاصيله كأنه قيل كان ما كان مما ~~لا يحيط به نطاق البيان من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم به ~~عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق أحد لمثله وإظهار ~~فضلهما بذلك على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك «إنا كذلك ~~نجزي المحسنين» تعليل لتفريج تلك الكربة عنهما بإحسانهما واحتج به من جوز ~~النسخ قبل وقوع المأمور به فإنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بالذبح ~~لقوله تعالى افعل ما تؤمر ولم يحصل «إن هذا ms2792 لهو البلاء المبين» الابتلاء ~~البين الذي يتميز فيه المخلص عن غيره أو المحنة البينة الصعوبة إذ لا شئ ~~أصعب منها «وفديناه بذبح» بما يذبح بدله فيتم به الفعل «عظيم» أي عظيم ~~الجثة سمين أو عظيم القدر لأنه يفدى به الله نبيا ابن نبي من نسله سيد ~~المرسلين قيل كان ذلك كبشا من الجنة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه الكبش ~~الذي قربه هابيل فتقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل عليه ~~السلام وقيل فدى بوعل اهبط عليه من ثبير وروى انه هرب من إبراهيم عليه ~~السلام عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقى سنة في الرمي وروى انه ~~رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده وروى انه لما ذبحه قال ~~جبريل عليه السلام الله أكبر الله أكبر فقال الذبيح لا إله إلا الله والله ~~أكبر فقال إبراهيم الله أكبر ولله الحمد فبقى سنة والفادى في الحقيقة هو ~~إبراهيم وإنما قيل وفديناه لأنه تعالى هو المعطي له والآمر به على التجوز ~~في الفداء أو الإسناد «وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم» قد سلف ~~بيانه في خاتمة قصة نوح عليه السلام PageV07P201 # «كذلك نجزي المحسنين» ذلك إشارة إلى إبقاء ذكره الجميل فيما بين الأمم لا ~~إلى ما أشير إليه فيما سبق فلا تكرار وعدم تصدير الجملة بأنا للاكتفاء بما ~~مر آنفا «إنه من عبادنا المؤمنين» الراسخين في الايمان على وجهه الايقان ~~والاطمئنان «وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين» أي مقضيا بنبوته مقدرا كونه ~~من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت ~~البشارة فإن وجود ذي الحال ليس بشرط وإنما الشرط مقارنة تعلق الفعل به ~~لاعتبار معنى الحال فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما مثل وبشرناه ~~بوجود إسحاق نبيا من الصالحين ومع ذلك لا يصير نظير قوله تعالى فادخلوها ~~خالدين فإن الداخلين كانوا مقدرين خلودهم وقت الدخول وإسحاق عليه السلام لم ~~يكن مقدرا نبوة نفسه وصلاحها حين ما يوجد ومن ms2793 فسر الغلام بإسحاق جعل ~~المقصود من البشارة نبوته عليه الصلاة والسلام وفي ذكر الصلاح بعد تعظيم ~~لشأنه وإيماء إلى انه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على ~~الاطلاق «وباركنا عليه» على إبراهيم في أولاده «وعلى إسحاق» بأن أخرجنا من ~~صلبه أنبياء بنى إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب عليهم السلام أو أفضنا عليهما ~~بركات الدين والدنيا وقرئ وبركنا «ومن ذريتهما محسن» في عمله أو لنفسه ~~بالايمان والطاعة «وظالم لنفسه» بالكفر والمعاصي «مبين» ظاهر ظلمه وفيه ~~تنبيه على أن النسب لا تأثير له في الهداية والضلال وأن الظلم في أعقابهما ~~لا يعود عليهما بتقيصه ولا عيب «ولقد مننا على موسى وهارون» أي أنعمنا ~~عليهما بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية «ونجيناهما وقومهما» وهم ~~بنو إسرائيل «من الكرب العظيم» هو ملكة آل فرعون وتسلطهم عليهم بألوان ~~الغشم والعذاب كما في قوله تعالى وإذ أنجيناكم من آل فرعون وقيل هو الغرق ~~وهو بعيد لأنه لم يكن عليهم كربا ومشقة «ونصرناهم» أي إياهما وقومهما على ~~عدوهم «فكانوا» بسبب ذلك «هم الغالبين» عليهم غلبة لا غاية وراءها بعد أن ~~كان قومهما في أسرهم وقسرهم مقهورين تحت أيديهم العادية يسومونهم ~~PageV07P202 # سوء العذاب وهذه التنجية وإن كانت بحسب الوجود مقارنة لما ذكر من النصر ~~والغلبة لكنها لما كانت بحسب المفهوم عبارة عن التخليص من المكروه بدئ بها ~~ثم بالنصر الذي يتحقق مدلوله بمحض تنجية المنصور من عدوه من غير تغليبه ~~عليه ثم بالغلبة لتوفية مقام الامتنان حقه بإظهار أن كل مرتبة من هذه ~~المراتب الثلاث نعمة جليلة على حيالها «وآتيناهما» بعد ذلك «الكتاب ~~المستبين» أي البليغ في البيان والتفصيل وهو التوراة «وهديناهما» بذلك ~~«الصراط المستقيم» الموصل إلى الحق والصواب بما فيه من تفاصيل الشرائع ~~وتفاريع الاحكام «وتركنا عليهما في الآخرين» «سلام على موسى وهارون» أي ~~أبقينا فيما بين الأمم الآخرين هذا الذكر الجميل والثناء الجزيل «إنا كذلك» ~~الجزاء الكامل «نجزي المحسنين» الذين هما من جملتهم لاجزاء قاصرا عنه ~~«إنهما من عبادنا المؤمنين» سبق بيانه «وإن إلياس لمن المرسلين» ms2794 هو إلياس ~~بن ياسين من سبط هارون أخي موسى عليهم السلام بعث بعده وقيل إدريس لأنه قرئ ~~مكانه إدريس وإدراس وقرئ إيليس وقرئ إلياس بحذف الهمزة «إذ قال لقومه ألا ~~تتقون» أي عذاب الله تعالى «أتدعون بعلا» أتعبدونه وتطلبون الخير منه وهو ~~اسم صنم كان لأهل بك من الشام وهو البلد المعروف اليوم ببعلبك قيل كان من ~~ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة ~~سادن وجعلوهم أنبياء فكان الشيطان يدخل جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة ~~يحفظونها ويعلمونها الناس وقيل البعل الرب بلغة اليمن أي أتعبدون بعض ~~البعول «وتذرون PageV07P203 # أحسن الخالقين» أي وتتركون عبادته وقد أشير إلى المقتضى للإنكار المعنى ~~بالهمزة ثم صرح به بقوله تعالى «الله ربكم ورب آبائكم الأولين» بالنصب على ~~البدلية من أحسن الخالقين وقرئ بالرفع على الابتداء والتعرض لذكر ربوبيته ~~تعالى لآبائهم لتأكيد إنكار تركهم عبادته تعالى والاشعار ببطلان آراء ~~آبائهم أيضا «فكذبوه فإنهم» بسبب تكذيبهم ذلك «لمحضرون» أي العذاب والإطلاق ~~للاكتفاء بالقرائن على أن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفا «إلا عباد الله ~~المخلصين» استثناء من ضمير محضرون «وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ~~ياسين» هو لغة في إلياس كسيناء في سينين وقيل هو جمع له أريد به هو وأتباعه ~~كالمهلبين والخبيبين وفيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه كالمثالين وقرئ ~~بإضافة آل إلى ياسين لأنهما في المصحف مفصولان فيكون ياسين أبا الياس «إنا ~~كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين» مر تفسيره «وإن لوطا لمن ~~المرسلين إذ نجيناه» أي اذكر وقت تنجيتنا إياه «وأهله أجمعين إلا عجوزا في ~~الغابرين» أي الباقين في العذاب أو الماضين الهالكين «ثم دمرنا الآخرين» ~~فإن في ذلك شواهد على جلية امره وكونه من جملة المرسلين PageV07P204 # «وإنكم» يا أهل مكة «لتمرون عليهم» على منازلهم في متاجركم إلى الشأم ~~وتشاهدون آثار هلاكهم فإن سدوم في طريق الشأم «مصبحين» داخلين في الصباح و ~~«بالليل» أي ومساء أو نهارا أو ليلا ولعلها وقعت بقرب منزل يمر بها المرتحل ms2795 ~~عنه صباحا والقاصد له مساء «أفلا تعقلون» أتشاهدون ذلك فلا تعقلون حتى ~~تعتبروا به وتخافوا ان يصيبكم مثل ما أصابهم «وإن يونس لمن المرسلين» وقرئ ~~بكسر النون «إذ أبق» أي هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه ~~بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه «إلى الفلك المشحون» أي المملوء «فساهم» ~~فقارع أهله «فكان من المدحضين» فصار من المغلوبين بالقرعة وأصله المزلق عن ~~مقام الظفر روى أنه عليه الصلاة والسلام لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم ~~قبل أن يأمره الله تعالى به فركب السفينة فوقفت فقالوا فيها عبد ابق ~~فاقترعوا فخرجت القرعة عليه فقال أنا الآبق ورمى بنفسه في الماء «فالتقمه ~~الحوت» فابتلعه من اللقمة «وهو مليم» داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه ~~أو مليم نفسه وقرئ مليم بالفتح مبنيا من ليم كمشيب في مشوب «فلولا أنه كان ~~من المسبحين» الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح مدة عمره أو في بطن الحوت وهو ~~قوله لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقيل من المصلين فإنه عليه ~~الصلاة والسلام كان كثير الصلاة في الرخاء «للبث في بطنه إلى يوم يبعثون» ~~حيا وقيل ميتا وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل عليه في ~~السراء أخذ بيده عند الضراء «فنبذناه بالعراء» بأن حملنا الحوت على لفظه ~~بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت روى PageV07P205 # أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسا يتنفس فيه يونس عليه السلام ويسبح ~~ولم يفارقهم حتى انتهو إلى البر فلفظه سالما لم يتغير منه شئ فأسلموا وروى ~~ان الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل واختلف في مقدار لبثه فقيل أربعون يوما ~~وقيل عشرون وقيل سبعة وقيل ثلاثة وقيل لم يلبث إلا قليلا ثم أخرج من بطنه ~~بعيد الوقت الذي التقم فيه روى عطاء انه حين ابتلعه أوحى الله تعالى إلى ~~الحوت إني جعلت بطنك له سجنا ولم أجعله لك طعاما «وهو سقيم» مما ناله قيل ~~صار بدنه كبدن الطفل حين يولد ms2796 «وأنبتنا عليه» أي فوقه مظلة عليه «شجرة من ~~يقطين» وهو كل ما ينبسط على الأرض ولا يقوم على ساق كشجر البطيخ والقثاء ~~والحنظل وهو يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به والأكثرون على أنه الدباء ~~غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه ويدل عليه انه قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنك تحب القرع قال أجل هي شجرة أخي يونس وقيل هي التين ~~وقيل الموز تغطي بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره وقيل كان يستظل ~~بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها «وأرسلناه إلى مائة ألف» هم ~~قومه الذين هرب منهم وهم أهل نينوى والمراد به إرساله السابق أخبر أولا ~~بأنه من المرسلين على الإطلاق ثم اخبر بأنه قد أرسل إلى أمة جمة وكأن توسيط ~~تذكير وقت هربه إلى الفلك وما بعده بينهما لتذكير سببه وهو ما جرى بينه ~~عليه الصلاة والسلام وبين قومه من إنذاره إياهم عذاب الله تعالى وتعيينه ~~لوقت حلوله وتعللهم وتعليقهم لإيمانهم بظهور أماراته كما مر تفصيله في سورة ~~يونس ليعلم أن إيمانهم الذي سيحكى بعد لم يكن عقيب الإرسال كما هو المتبادر ~~من ترتيب الايمان عليه بالفاء بل بعد اللتيا والتي وقيل هو إرسال آخر إليهم ~~وقيل إلى غيرهم وليس بظاهر «أو يزيدون» أي في مرأى الناظر فإنه إذا نظر ~~إليهم قال إنهم مائة الف أو يزيدون والمراد هو الوصف بالكثرة وقرئ بالواو ~~«فآمنوا» أي بعد ما شاهدوا علائم حلول العذاب إيمانا خالصا «فمتعناهم» أي ~~بالحياة الدنيا «إلى حين» قدره الله سبحانه لهم قيل ولعل عدم ختم هذه القصة ~~وقصة لوط بما ختم به سائر القصص للتفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع وأولى ~~العزم من الرسل أو اكتفاء بالتسليم بالشامل لكل الرسل المذكورين في آخر ~~السورة «فاستفتهم» امر الله عز وجل في صدر السورة الكريمة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بتبكيت قريش وإبطال مذهبهم في إنكار البعث بطريق الاستفتاء وساق ~~البراهين القاطعة الناطقة بتحققه لا محالة وبين وقوعه وما سيلقونه عند ذلك ~~من ms2797 فنون العذاب واستثنى منهم عباده المخلصين وفصل ما لهم من النعيم المقيم ~~ثم ذكر انه قد ضل من قبلهم أكثر الأولين PageV07P206 # وأنه تعالى ارسل إليهم منذرين عل وجه الاجمال ثم أورد قصص كل واحد منهم ~~على وجه التفصيل مبينا في كل قصة منها أنهم من عباده تعالى واصفا لهم تارة ~~بالإخلاص وأخرى بالايمان ثم امره صلى الله عليه وسلم ههنا بتبكيتهم بطريق ~~الاستفتاء عن وجه أمر منكر خارج عن العقول بالكلية وهي القسمة الباطلة ~~اللازمة لما كانوا عليه من الاعتقاد الزائغ حيث كانوا يقولون كبعض أجناس ~~العرب جهينة وبنى سلمة وخزاعة وبنى مليح الملائكة بنات الله والفاء لترتيب ~~الامر على ما سبق من كون أولئك الرسل الذين هم أعلام الخلق عليهم الصلاة ~~والسلام عباده تعالى فإن ذلك مما يؤكد التبكيت ويظهر بطلان مذهبهم الفاسد ~~ثم تبكيتهم بما يتضمنه كفرهم المذكور من الاستهانة بالملائكة بجعلهم إناثا ~~ثم أبطل أصل كفرهم المنطوى على هذين الكافرين وهو نسبة الولد إليه سبحانه ~~وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ولم ينظمه في سلك التبكيت لمشاركتهم النصارى في ~~ذلك أي فاستخبرهم «ألربك البنات» اللاتي هن أوضع الجنسين «ولهم البنون» ~~الذين هم أرفعهما فإن ذلك مما لا يقول به من له أدنى شئ من العقل وقوله ~~تعالى «أم خلقنا الملائكة إناثا» إضراب وانتقال من التبكيت بالاستفتاء ~~السابق إلى التبكيت بهذا كما أشير إليه أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من ~~أشرف الخلائق وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثا والأنوثة من ~~أخس صفات الحيوان وقوله تعالى «وهم شاهدون» استهزاء بهم وتجهيل لهم كقوله ~~تعالى اشهدوا خلقهم وقوله تعالى ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض والا خلق ~~أنفسهم فإن أمثال هذه الأمور لا تعلم بالمشاهدة إذ لا سبيل إلى معرفتها ~~بطريق العقل وانتفاء النقل مما لا ريب فيه فلا بد ان يكون القائل بأنوثتهم ~~شاهدا عند خلقهم والجملة إما حال من فاعل خلقنا أي بل أخلقناهم إناثا ~~والحال انهم حاضرون حينئذ أو عطف على خلقنا أي بل أهم شاهدون وقوله ms2798 تعالى ~~«ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله» استئناف من جهته غير داخل تحت الامر ~~بالاستفتاء مسبوق لإبطال أصل مذهبهم الفاسد ببيان ان مبناه ليس إلا الإفك ~~الصريح والافتراء القبيح من غير ان يكون لهم دليل أو شبهة قطعا «وإنهم ~~لكاذبون» في قولهم ذلك كذبا بينا لا ريب فيه وقرئ ولد الله على انه خبر ~~مبتدأ محذوف أي الملائكة ولده تعالى عن ذلك علوا كبيرا فإن الولد فعل بمعنى ~~مفعول يستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث «أصطفى البنات على البنين» ~~إثبات لإفكهم وتقرير لكذبهم فيما قالوا ببيان استلزامه لأمر بين الاستحالة ~~هو اصطفاؤه تعالى البنات على البنين والاصطفاء أخذ صفوة الشئ لنفسه وقرئ ~~بكسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام PageV07P207 # ثقة بدلالة القرائن عليه وجعله بدلا من ولد الله ضعيف وتقدير القول أي ~~لكاذبون في قولهم اصطفى الخ تعسف بعيد «ما لكم كيف تحكمون» بهذا الحكم الذي ~~يقضى ببطلانه بديهة العقل «أفلا تذكرون» بحذف إحدى التاءين من تتذكرون وقرئ ~~تذكرون من ذكر والفاء للعطف على مقدر أي ألا تلاحظون ذلك فلا تتذكرون ~~بطلانه فإنه مركوز في عقل كل ذكى وغبى «أم لكم سلطان مبين» إضراب وانتقال ~~من توبيخهم وتبكيتهم بما ذكر إلى تبكيتهم بتكليفهم ما لا يدخل تحت الوجود ~~أصلا أي بل الكم حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته تعالى ~~ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من سند حسى أو عقلي وحيث انتفى كلاهما فلا بد ~~من سند نقلي «فأتوا بكتابكم» الناطق بصحة دعواكم «إن كنتم صادقين» فيها وفي ~~هذه الآيات من الانباء عن السخط العظيم والإنكار الفظيع لأقاويلهم ~~والاستبعاد الشديد لأباطيلهم وتسفيه أحلامهم وتركيك عقولهم وأفهامهم مع ~~استهزاء بهم وتعجيب من جهلهم ما لا يخفى على من تأمل فيها وقوله تعالى ~~«وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا» التفات إلى الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن ~~الجواب وسقوطهم عن درجة الخطاب واقتضاء حالهم ان يعرض عنهم وتحكى جناياتهم ~~لآخرين والمراد بالجنة الملائكة قالوا الجنس واحد ولكن من خبث من الجن ms2799 ~~ومردوكان شرا كله فهو شيطان ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله فهو ملك وإنما ~~عبر عنهم بذلك الاسم وضعا منهم وتقصيرا بهم مع عظم شأنهم فيما بين الخلق أن ~~يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم فجعلهم هذا عبارة عن قولهم ~~الملائكة بنات الله وإنما أعيد ذكره تمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى «ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون» أي وبالله لقد علمت الجنة التي عظموها بأن جعلوا ~~بينها وبينه تعالى نسبا وهم الملائكة أن الكفرة لمحضرون النار معذبون بها ~~لكذبهم وافترائهم في قولهم ذلك والمراد به المبالغة في التكذيب ببيان ان ~~الذين يدعى هؤلاء لهم تلك النسبة ويعلمون انهم أعلم منهم بحقيقة الحال ~~يكذبونهم في ذلك ويحكمون بأنهم معذبون لأجله حكما مؤكدا وقيل إن قوما من ~~الزنادقة يقولون الله تعالى وإبليس إخوان فالله هو الخير الكريم وإبليس هو ~~الشرير اللئيم وهو المراد بقوله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا قال ~~الامام الرازي وهذا القول عندي أقرب الأقاويل وهو مذهب المجوس القائلين ~~بيزدان واهرمن ويعبرون عنهما بالنور والظلمة وقال مجاهد قالت قريش ~~PageV07P208 # الملائكة بنات الله فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه فمن أمهاتهم تبكيتا ~~لهم فقالوا سروات الجن وقيل معنى جعلوا بينه وبين الجنة نسبا جعلوا بينهما ~~مناسبة حيث أشركوا به تعالى الجن في استحقاق العبادة فعلى هذه الأقاويل ~~يجوز ان يكون الضمير في إنهم لمحضرون للجنة فالمعنى لقد علمت الشياطين أن ~~الله تعالى يحضرهم النار ويعذبهم بها ولو كانوا مناسبين له تعالى أو شركاء ~~في استحقاق العبادة لما عذبهم والوجه هو الأول فإن قوله «سبحان الله عما ~~يصفون» حكاية لتنزيه الملائكة إياه تعالى عما وصفه المشركون به بعد تكذيبهم ~~لهم في ذلك بتقدير قول معطوف على علمت وقوله تعالى «إلا عباد الله ~~المخلصين» شهادة منهم ببراءة المخلصين من أن يصفوه تعالى بذلك متضمنة ~~لتبرئهم منه بحكم اندراجهم في زمرة المخلصين على أبلغ وجه وآكده على انه ~~استثناء منقطع من واو يصفون كأنه قيل ولقد علمت الملائكة ان المشركين ~~لمعذبون ms2800 لقولهم ذلك وقالوا سبحان الله عما يصفونه به لكن عباد الله الذين ~~من جملتهم برءاء من ذلك الوصف وقوله تعالى «فإنكم وما تعبدون» «ما أنتم ~~عليه بفاتنين» تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين مما ذكر ببيان عجزهم عن ~~إغوائهم وإضلالهم والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الاعتناء بتحقيق مضمون ~~الكلام وما تعبدون عبارة عن الشياطين الذين أغووهم وفي إيذان بتبرئهم عنهم ~~وعن عبادتهم كقولهم بل كانوا يعبدون الجن وما نافيه وأنتم خطاب لهم ~~ولمعبوديهم تغليبا وعلى متعلقة بفاتنين يقال فتن فلان على فلان امرأته أي ~~أفسدها عليه والمعنى فإنكم ومعبوديكم أيها المشركون لستم بفاتنين عليه ~~تعالى بإفساد عباده وإضلالهم «إلا من هو صال الجحيم» منهم أي داخلها لعلمه ~~تعالى بأنه يصير على الكفر بسوء اختياره ويصير من أهل النار لا محاله وأما ~~المخلصون منهم فأنتم بمعزل من إفسادهم وإضلالهم فهم لا جرم برءاء من ان ~~يفتتنوا بكم ويسلكوا مسلككم في وصفه تعالى بما وصفتموه به وقرئ صال بضم ~~اللام على انه جمع محمول على معنى من قد سقط واوه لالتقاء الساكنين وقوله ~~تعالى «وما منا إلا له مقام معلوم» تبيين لجلية امرهم وتعيين لحيزهم في ~~موقف العبودية بعد ما ذكر من تكذيب الكفرة فيما قالوا وتنزيه الله تعالى عن ~~ذلك PageV07P209 # وتبرئة المخلصين عنه وإظهار لقصور شأنهم وقمائتهم أي وما منا إلا له مقام ~~معلوم في العبادة والانتهاء إلى امر الله تعالى مقصور عليه لا يتجاوزه ولا ~~يستطيع ان يزيل عنه خضوعا لعظمته وخشوعا لهيبته وتواضعا لجلاله كما روى ~~فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه قال ابن عباس رضى الله عنهما ~~ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلى أو يسبح وروى أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال أطت السماء وحق لها ان تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع ~~اربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجد لله تعالى وقال السدي إلا له مقام ~~معلوم في القربة والمشاهدة «وإنا لنحن الصافون» في مواقف الطاعة ومواطن ~~الخدمة «وإنا لنحن المسبحون» ms2801 المقدسون لله سبحانه عن كل ما لا يليق بجناب ~~كبريائه وتحلية كلامهم بفنون التأكيد لإبراز ان صدوره عنهم بكمال الرغبة ~~والنشاط هذا هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل وقد ذكر في تفسير الآيات الكريمة ~~وإعرابها وجوه أخر فتأمل والله الموفق «وإن كانوا ليقولون» إن هي المخففة ~~من الثقيلة وضمير الشأن محذوف واللام هي الفارقة أي إن الشأن كانت قريش ~~تقول «لو أن عندنا ذكرا من الأولين» أي كتابا من كتب الأولين من التوراة ~~والإنجيل «لكنا عباد الله المخلصين» أي لأخلصنا العبادة لله تعالى ولما ~~خالفنا كما خالفوا وهذا كقولهم لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم ~~والفاء في قوله تعالى «فكفروا به» فصيحة كما في قوله تعالى فقلنا اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق أي فجاءهم ذكر واي ذكر سيد الأذكار وكتاب مهيمن على ~~سائر الكتب والاسفار فكفروا به «فسوف يعلمون» أي عاقبه كفرهم وغائلته «ولقد ~~سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين» استئناف مقرر للوعيد وتصديره بالقسم لغاية ~~الاعتناء بتحقيق مضمونه أي وبالله لقد سبق وعدنا لهم بالنصرة والغلبا هو ~~قوله تعالى «إنهم PageV07P210 # لهم المنصورون وإن جندنا» وهم اتباع المرسلين «لهم الغالبون» على أعدائهم ~~في الدنيا والآخرة ولا يقدح في ذلك انهزامهم في بعض المشاهد فإن قاعدة ~~امرهم وأساسه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة ~~والحكم للغالب وعن ابن عباس رضى الله عنهما إن لم ينصروا في الدنيا نصروا ~~في الآخرة وقرئ على عبدنا بتضمين سبقت معنى حقت وتسميتها كلمة مع أنها ~~كلمات لانتظامها في معنى واحد وقرئ كلماتنا «فتول عنهم» فأعرض عنهم واصبر ~~«حتى حين» إلى مدة يسيرة وهي مدة الكف عن القتال وقيل يوم بدر وقيل يوم ~~الفتح «وأبصرهم» عل أسوأ حال وأفظع نكال حل بهم من القتل والأسر والمراد ~~بالامر بابصارهم الإيذان بغاية قربه كأنه بين يديه «فسوف يبصرون» ما يقع ~~حينئذ من الأمور وسوف للوعيد دون التبعيد «أفبعذابنا يستعجلون» روى أنه لما ~~نزل فسوف يبصرون قالوا متى هذا فنزل «فإذا نزل بساحتهم» أي فإذا نزل ms2802 العذاب ~~الموعود بفنائهم كأنه جيش قد هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة ~~وقطع دابرهم بالمرة وقيل المراد نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح وقرئ نزل بساحتهم على إسناده إلى الجار والمجرور وقرئ نزل مبنيا ~~للمفعول من التنزيل أي نزل العذاب «فساء صباح المنذرين» فبئس صباح المنذرين ~~صباحهم واللام للجنس والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ~~ولما كثرت منهم الغارة في الصباح سموها صباحا وإن وقعت ليلا روى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما أتى خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم ~~المساحى قالوا محمد والخميس ورجعهم إلى حصنهم فقال صلى الله عليه وسلم الله ~~أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين «فتول عنهم حتى ~~حين» «وأبصر فسوف يبصرون» تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثر تسلية ~~وتأكيد لوقوع الميعاد غب تأكيد مع ما في إطلاق الفعلين عن المفعول من ~~الإيذان بأن ما يبصره صلى الله عليه وسلم حينئذ من فنون المسار وما يبصرونه ~~من أنواع المضار لا يحيط به الوصف والبيان وقيل أريد بالأول عذاب الدنيا ~~وبالثاني عذاب الآخرة PageV07P211 # «سبحان ربك رب العزة عما يصفون» تنزيه لله سبحانه عن كل ما يصفه المشركون ~~به مما لا يليق بجناب كبريائه وجبروته مما ذكر في السورة الكريمة وما لم ~~يذكر من الأمور التي من جملتها ترك انجاز الموعود على موجب كلمته السابقة ~~لا سيما في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبئ عنه التعرض لعنوان ~~الربوبية المعربة عن التربية والتكميل والمالكية الكلية مع الإضافة إلى ~~ضميره صلى الله عليه وسلم أولا والى العزة ثانيا كأنه قيل سبحان من هو مر ~~بيك ومكملك ومالك العزة والغلبة على الاطلاق عما يصفه المشركون به من ~~الأشياء التي منها ترك نصرتك عليهم كما يدل عليه استعجالهم بالعذاب وقوله ~~تعالى «وسلام على المرسلين» تشريف لهم عليهم السلام بعد تنزيهه تعالى عما ~~ذكر وتنويه بشأنهم وايذان بأنهم سالمون عن كل المكاره فائزون بجميع ms2803 المآرب ~~وقوله تعالى «والحمد لله رب العالمين» إشارة إلى وصفه عز وجل بصفاته ~~الكريمة الثبوتية بعد التنبيه على اتصافه تعالى بجميع صفاته السلبية وايذان ~~باستتباعها للأفعال الجميلة التي من جملتها افاضته عليهم من فنون الكرامات ~~السنية والكمالات الدينية والدنيوية وإسباغه عليهم وعلى من تبعهم صنوف ~~النعماء الظاهرة والباطنة الموجبة لحمده تعالى واشعار بأن ما وعده صلى الله ~~عليه وسلم من النصرة والغلبة قد تحققت والمراد تنبيه المؤمنين على كيفية ~~تسبيحه تعالى وتحميده والتسليم على رسله الذين هم وسايط بينهم وبينه عز ~~وعلا في فيضان الكمالات الدينية والدنيوية عليهم ولعل توسيط التسليم على ~~المرسلين بين تسبيحه تعالى وتحميده لختم السورة الكريمة بحمده تعالى مع ما ~~فيه من الاشعار بأن توفيقه تعالى للتسليم عليهم من جملة الموجبة للحمد عن ~~علي رضي الله عنه من أحب ان يكتال بالمكيال الأوفى من الاجر يوم القيامة ~~فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~والصآفات اعطى من الاجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت منه مردة ~~الشياطين وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة انه كان مؤمنا ~~بالمرسلين PageV07P212 # مكية وآياتها ثمان وثمانون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «ص» بالسكون على ~~الوقف وقرئ بالكسر والفتح لالتقاء الساكنين ويجوز ان يكون الفتح بإضمار حرف ~~القسم في موضع الجر كقولهم الله لأفعلين بالجر وان يكون ذلك نصبا بإضمار ~~اذكر أو أقر الا فتحا كما مر في فاتحة سورة البقرة وامتناع الصرف للتعريف ~~والتأنيث لأنها علم للسورة وقد صرفها من قرا صاد بالتنوين على انه اسم ~~الكتاب أو التنزيل وقيل هو في قراءة الكسر امر من المصاداة وهي المعارضة ~~والمقابلة ومنها الصدى الذي ينعكس من الأجسام الصلبة بمقابلة الصوت ومعناه ~~عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه وتخلق بأخلاقه ثم ان جعل ~~اسما للحرف مسرودا على منهاج التحدي أو الرمز إلى كلام مثل صدق الله ms2804 أو صدق ~~محمد كما نقل عن أكابر السلف أو اسما للسورة خبرا لمبتدأ محذوف أو نصبا على ~~اضمار اذكر أو اقرا أو امرا من المصاداة قالوا وفي قوله تعالى «والقرآن ذي ~~الذكر» للقسم وان جعل مقسما به فهي للعطف عليه فإن أريد بالقرآن كله ~~فالمغايرة بينهما حقيقة وان أريد عين السورة فهي اعتبارية كما في قولك مررت ~~بالرجل الكريم وبالنسبة المباركة وأيا ما كان ففي التكرير مزيد تأكيد ~~لمضمون الجملة المقسم عليها والذكر الشرف والنباهة كما في قوله تعالى وانه ~~لذكر لك ولقومك أو الذكرى والموعظة أو ذكر ما يحتاج اليه في امر الدين من ~~الشرائع والاحكام وغيرها من أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واخبار ~~الأمم الدارجة والوعد والوعيد وجواب القسم على الوجه الأول والرابع والخامس ~~محذوف هو ما ينبئ عنه التحدي والامر والاقسام به من كون المتحدي به معجزا ~~وكون المأمور به واجبا وكون المقسم به حقيقا بالإعظام أي اقسم بالقرآن أو ~~بصاد وبه إنه لمعجز أو لواجب العمل به أو لحقيق بالإعظام واما على الوجهين ~~الباقيين فهو الكلام المرموز اليه ونفس الجملة المذكورة قبل القسم فإن ~~التسمية تنويه بشأن المسمى وتنبيه على عظم خطره أي انه لصادق والقرآن ذي ~~الذكر أو هذه السورة عظيمة الشأن والقرآن الخ على طريقة قولهم هذا حاتم ~~والله ولما كان كل واحد من هذه الأجوبة منبئا عن انتفاء الريب عن مضمونه ~~بالكلية انباء بينا كان قوله تعالى «بل الذين كفروا في عزة وشقاق» إضرابا ~~عن ذلك كأنه قيل لا ريب فيه قطعا وليس عدم اذعان الكفرة له لشائبة ريب ما ~~فيه بل هم في استكبار وحمية شديدة وشقاق بعيد لله تعالى ولرسوله ولذلك لا ~~يذعنون له PageV07P213 # وقيل الجواب ما دل عليه الجملة الإضرابية أي ما كفر به من كفر لخلل وجده ~~فيه بل الذين كفروا الخ وقرئ في غرة أي في غفلة عما يجب عليهم التنبه له من ~~مبادى الايمان ودواعيه «كم أهلكنا من قبلهم من قرن» وعيد لهم على كفرهم ~~واستكبارهم ببيان ms2805 ما أصاب من قبلهم من المستكبرين وكم مفعول أهلكنا ومن قرن ~~تمييز والمعنى وقرنا كثيرا أهلكنا من القرون الخالية «فنادوا» عند نزول ~~بأسنا وحلول نقمتنا استغاثة وتوبة لينجوا من ذلك وقوله تعالى «ولات حين ~~مناص» حال من ضمير نادوا اي نادوا واستغاثوا طلبا للنجاة والحال ان ليس ~~الحين حين مناص أي فوت ونجاة من ناصه أي فاته لا من ناص بمعنى تأخر ولا هي ~~المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت ~~بنفي الأحيان ولم يبرز الا أحد معموليها والأكثر حذف اسمها وقيل هي النافية ~~للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان وحين مناص منصوب على انه اسمها ~~أي ولا حين مناص لهم أو بفعل مضمر أي ولا أرى حين مناص وقرئ بالرفع فهو على ~~الأول اسمها والخبر محذف واي وليس حين مناص حاصلا لهم وعلى الثاني مبتدأ ~~محذوف الخبر أي ولا حين مناص كائن لهم وقرئ بالكسر كما في قوله طلبوا صلحنا ~~ولات أو ان فأجبنا ان لات حين بقاء إما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا ~~تجر الضمائر في نحو قوله لولاك هذا العام لم أحج أو لأن أوان شبه بإذ في ~~قوله * نهيتك عن طلابك أم عمرو * بعافية وأنت إذ صحيح * في أنه زمان قطع ~~منه المضاف إليه وعوض التنوين لأن أصله أو أن صلح ثم حمل عليه حين مناص ~~تنزيلا لقطع المضاف إليه من مناص إذ أصله حين مناصهم منزلة قطعة من حين لما ~~بين المضافين من الاتحاد ثم بنى الحين لإضافته إلى غير متمكن وقرئ لات ~~بالكسر كجير ويقف الكوفيون عليها بالهاء كالأسماء والبصريون بالتاء ~~كالأفعال وما قيل من أن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام مما لا ~~وجه له فإن خط المصحف خارج عن القياس «وعجبوا أن جاءهم منذر منهم» حكاية ~~لأباطيلهم المتفرعة على ما حكى من استكبارهم وشقاقهم أي عجبوا من أن جاءهم ~~رسول من جنسهم بل أدون منهم في الرياسة الدنيوية والمال على معنى ms2806 انهم عدوا ~~ذلك امرا عجيبا خارجا عن احتمال الوقوع وأنكروه أشد الانكار لا أنهم ~~اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه «وقال الكافرون» وضع فيه الظاهر موضع الضمير ~~غضبا عليهم وإيذانا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولونه إلا المتوغلون في ~~الكفر والفسوق «هذا ساحر» فيما يظهره من الخوارق «كذاب» فيما يسنده إلى ~~الله تعالى من الإرسال والإنزال «أجعل الآلهة إلها واحدا» بأن نفى الألوهية ~~عنهم وقصرها على واحد «إن هذا لشيء عجاب» بليغ في العجب وذلك لأنه خلاف ما ~~ألفوا عليه آباءهم الذين أجمعوا على ألوهيتهم PageV07P214 # وواظبوا على عبادتهم كابرا عن كابر فإن هذا مدار كل ما يأتون وما يذرون ~~من أمور دينهم هو التقليد والاعتياد فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجيبا بل ~~محالا وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد وقدرته بالأشياء الكثيرة ~~فلا وجه له لما أنهم لا يدعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوث شئ من ~~الأشياء حتى يلزم من نفى ألوهيتهم بقاء الآثار بلا مؤثر وقرئ عجاب بالتشديد ~~وهو أبلغ ككرام وكرام روى انه لما أسلم عمر رضى الله عنه شق ذلك على قريش ~~فاجتمع خمسة وعشرون من صناديدهم فأتوا ابا طالب فقالوا أنت شيخنا وكبيرنا ~~وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وقد جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ~~فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أبن أخي هؤلاء قومك يسألونك ~~السؤال فلا تمل كل الميل على قومك فقال صلى الله عليه وسلم ماذا تسألونني ~~قالوا رفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك فقال صلى الله عليه وسلم أرأيتم ~~إن أعطيتكم ما سألتم أمعطى أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها ~~العجم قالوا نعم وعشرا فقال قولوا لا إله إلا الله فقاموا وقالوا ذلك ~~«وانطلق الملأ منهم» أي وانطلق الاشراف من قريش عن مجلس أبي طالب بعد ما ~~بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد وشاهدوا تصلبه صلى الله ~~عليه وسلم في الدين وعزيمته على أن يظهره على الدين كله ويئسوا ms2807 مما كانوا ~~يرجونه بتوسط أبى طالب من المصالحة على الوجه المذكور «أن امشوا» أي قائلين ~~بعضهم لبعض على وجه النصيحة امشوا «واصبروا على آلهتكم» أي واثبتوا على ~~عبادتها متحملين لما تسمعونه في حقها من القدح وأن هي المفسرة لأن الانطلاق ~~عن مجلس التقاول لا يخلو عن القول وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول ~~وامشوا من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ومنه الماشية للتفاؤل أي اجتمعوا ~~وكثروا وقرئ امشوا بغير أن على إضمار القول وقرئ يمشون ان اصبروا «إن هذا ~~لشيء يراد» تعليل للأمر بالصبر أو لوجوب الامتثال به أي هذا الذي شاهدناه ~~من محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد ونفى آلهتنا وإبطال امرها لشئ ~~يراد أي من جهته صلى الله عليه وسلم إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف ~~يلويه ولا عاطف يثنيه لا قول يقال من طرف اللسان أو أمر يرجى فيه المسامحة ~~بشفاعة أو امتنان فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله من رأيه بوساطة أبي طالب ~~وشفاعته وحسبكم أن لا تمنعوا من عبادة آلهتكم بالكلية فاصبروا عليها ~~وتحملوا ما تسمعونه في حقها من القدح وسوء القالة وقيل إن هذا الأمر لشئ ~~يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه وما أراد الله كونه فلا مرد له ولا ينفع ~~فيه إلا الصبر وقيل إن هذا الأمر لشئ من نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك ~~لنا منه وقيل إن دينكم لشئ يراد أي يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه وقيل إن ~~هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرياسة والترفع على العرب والعجم ~~لشئ يتمنى ويريده كل أحد فتأمل في هذه الأقاويل واختر منها ما يساعده النظم ~~الجليل «ما سمعنا بهذا» الذي يقوله «في الملة الآخرة» أي الملة النصرانية ~~التي هي آخر الملل فإنهم مثلثة أو في الملة التي PageV07P215 # أدركنا عليها آباءنا ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من هذا أي ما ~~سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة ولقد كذبوا ~~في ذلك أقبح كذب فإن حديث البعثة والتوحيد ms2808 كان أشهر الأمور قبل الظهور «إن ~~هذا» أي ما هذا «إلا اختلاق» أي كذب اختلقه «أأنزل عليه الذكر» أي القران ~~«من بيننا» ونحن رؤسا الناس وأشرافهم كقولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم ومرداهم إنكار كونه ذكرا منزلا من عند الله عز وجل كقولهم ~~لو كان خيرا ما سبقونا إليه وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على ان مناط ~~تكذيبهم ليس إلا الحسد وقصر النظر على الحطام الدنيوي «بل هم في شك من ~~ذكري» أي من القرآن أو الوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن النظر في ~~الأدلة المؤدية إلى العلم بحقيته وليس في عقيدتهم ما يبتون به فهم مذبذبون ~~بين الأوهام ينسبونه تارة إلى السحر وأخرى إلى الاختلاق «بل لما يذوقوا ~~عذاب» أي بل لم يذوقوا بعد عذابي فإذا ذاقوه تبين لهم حقيقة الحال وفي لما ~~دلالة على أن ذوقهم على شرف الوقوع والمعنى انهم لا يصدقون به حتى يمسهم ~~العذاب وقيل لم يذوقوا عذابي الموعود في القرآن ولذلك شكوا فيه «أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب» بل أعندهم خزائن رحمته تعالى يتصرفون فيها ~~حسبما يشاءون حتى يصيبوا بها من شاءوا ويصرفوها عمن شاءوا ويتحكموا فيها ~~بمقتضى آرائهم فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم والمعنى ان النبوة عطية من ~~الله عز وجل يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين لا مانع له فإنه ~~العزيز أي الغالب الذي لا يغالب الوهاب الذي له ان يهب كل ما يشاء لكل من ~~يشاء وفي إضافة اسم الرب المنبئ عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميره ~~صلى الله عليه وسلم من تشريفه واللطف به ما لا يخفى وقوله تعالى «أم لهم ~~ملك السماوات والأرض وما بينهما» ترشيح لما سبق أي بل ألهم ملك هذه العوالم ~~العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الربانية ويتحكموا في التدابير ~~الإلهية التي يستأثر بها رب العزة والكبرياء وقوله تعالى «فليرتقوا في ~~الأسباب» جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ما ذكر من الملك فليصعدوا في ~~المعارج والمناهج ms2809 التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر ~~العالم وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون وفيه من التهكم بهم ما لا ~~غاية وراءه والسبب في الأصل هو الوصلة وقيل المراد بالأسباب السماوات لأنها ~~أسباب الحوادث السفلية وقيل أبوابها «جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب» أي هم ~~جند ما من الكفار المتحزبين عل الرسل مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بما ~~يقولون ولا تكترث بما يهذون وما مزيده للتقليل والتحقير PageV07P216 # نحو قولك أكلت شيئا ما وقيل للتعظيم على الهزء وهنالك إشارة إلى حيث ~~وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم وقوله تعالى «كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد» الخ استئناف مقرر لمضمون ما قبله ~~ببيان أحوال العتاة الطغاة الذين هؤلاء جند ما من جنودهم مما فعلوا من ~~التكذيب وفعل بهم من العقاب وذو الأوتاد معناه ذو الملك الثابت أصله من ~~ثبات البيت المطنب بأوتاد فاستعير لثبات الملك ورسوخ السلطنة واستقامة ~~الأمر قال الأسود بن يعفر * ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت ~~الأوتاد * أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضا كالوتد يشد ~~البناء وقيل نصب اربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليهما ويضرب عليها ~~أوتادا ويتركه حتى يموت وقيل كان يمده بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه ~~العقاب والحيات وقيل كانت له أوتاد وحبال يلعب بها بين يديه «وثمود وقوم ~~لوط وأصحاب الأيكة» أصحاب الغيضة من قوم شعيب عليه السلام وقوله تعالى ~~«أولئك الأحزاب» إما بدل من الطوائف المذكورة كما ان ذلك الكتاب بدل من ألم ~~على أحد الوجوه وفيه فضل تأكيد وتنبيه على انهم الذين جعل الجند المهزوم ~~منهم وقوله تعالى «إن كل إلا كذب الرسل» استئناف جيء به تقريرا لتكذيبهم ~~وبيانا لكيفيته وتمهيدا لما يعقبه أي ما كل أحد من آحاد أولئك الأحزاب أو ~~الأحزاب أو ما كل حزب منهم كذب الرسل لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لهم جميعا ~~لاتفاق الكل على الحق وقيل ما كل ms2810 حزب إلا كذب رسوله على نهج مقابلة الجمع ~~بالجمع وأيا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم العلل في خبر المبتدأ أي ما كل ~~أحد منهم محكوما عليه بحكم الا محكوم عليه بأنه كذب الرسل وقيل ما كل واحد ~~منهم مخبرا عنه بخبر الا مخبر عنه بأنه كذب الرسل وفي اسناد التكذيب إلى ~~الطوائف المذكورة على وجه الابهام أولا والايذان بأن كلا منهم حزب على ~~حياله تحزب على رسوله ثانيا وتبيين كيفية تكذيبهم بالجملة الاستثنائية ~~ثالثا فنون من المبالغة مسجلة عليهم باستحقاق أشد العذاب وأفظعه ولذلك رتب ~~عليه قوله تعالى «فحق عقاب» أي ثبت ووقع على كل منهم عقابي الذي كانت توجبه ~~جناياتهم من أصناف العقوبات المفصلة في مواقعها وإما بالمبتدأ وقوله تعالى ~~ان كل الا كذب الرسل خبره بحذف العائد أي ان كل منهم الخ والجملة استئناف ~~مقرر لما قبله مؤكد لمضمونه مع ما فيه من بيان كيفية تكذيبهم والتنبيه على ~~انهم الذين جعل الجند المهزوم منهم كما ذكر وقيل هو مبتدأ وخبر والمعنى ان ~~الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم وانهم الذين وجد منهم التكذيب ~~فتدبر وأما ما قيل من انه خبر والمبتدأ قوله تعالى وعاد الخ أو قوله وقوم ~~لوط الخ فما يجب تنزيه ساحة التنزيل عن أمثاله PageV07P217 # «وما ينظر هؤلاء» شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب أضرابهم من ~~الأحزاب الذين أخبر فيما سبق بأنهم جند حقير منهم مهزوم عن قريب فإن ذلك ~~مما يوجب انتظار السامع وترقبه إلى بيانه قطعا وفي الإشارة إليهم بهؤلاء ~~تحقير لشأنهم وتهوين لامرهم وأما جعله إشارة إلى الأحزاب باعتبار حضورهم ~~بحسب الذكر أو حضورهم في علم الله عز وجل فليس في حيز الاحتمال أصلا كيف لا ~~والانتظار سواء كان حقيقة أو استهزاء إنما يتصور في حق من لم يترتب على ~~أعماله نتائجها بعد وبعد ما بين عقاب الأحزاب واستئصالهم بالمرة لم يبق مما ~~أريد بيانه من عقوباتهم أمر منتظر وإنما الذين في مرصد الانتظار كفار مكة ~~حيث ms2811 ارتكبوا من عظائم الجرائم وكبائر الجرائر الموجبة لأشد العقوبات مثل ما ~~ارتكب الأحزاب أو أشد منه ولما يلاقوا بعد شيئا من غوائلها أي وما ينتظر ~~هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب «إلا ~~صيحة واحدة» هي النفخة الثانية لا بمعنى أن عقابهم نفسها بما فيها من الشدة ~~والهول فإنها داهية يعم هولها جميع الأمم برها وفاجرها بل بمعنى أنه ليس ~~بينهم وبين حلول ما أعدلهم من العقاب الفظيع إلا هي حيث أخرت عقوبتهم إلى ~~الآخرة لما أن تعذبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرهم خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به ~~قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وأما ما قيل من انها النفخة ~~الأولى فمما لا وجه له أصلا لما أنه لا يشاهد هو لها ولا يصعق بها إلا من ~~كان حيا عند وقوعها وليس عقابهم الموعود واقعا عقيبها ولا العذاب المطلق ~~مؤخر إليها بل يحل بهم من حين موتهم «ما لها من فواق» أي من توقف مقدار ~~فواق وهو ما بين الحلبتين وقرئ بضم الفاء وهما لغتان وقوله تعالى «وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب» حكاية لما قالوه عند سماعهم بتأخير ~~عقابهم إلى الآخرة أي قالوا بطريق الاستهزاء والسخرية عجل لنا قطنا من ~~العذاب الذي توعدنا به ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة ~~المذكورة والقط القطة من الشيء من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط ~~لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي عجل لنا صحيفة اعمالنا لننظر فيها ~~وقيل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله تعالى المؤمنين الجنة ~~فقالوا على سبيل الهزء به عجل لنا نصيبنا منها وتصدير دعائهم بالنداء ~~المذكور للإمعان في الاستهزاء كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال ~~«اصبر على ما يقولون» من أمثال هذه المقالات الباطلة «واذكر» لهم «عبدنا ~~داود» أي قصته تهويلا لأمر المعصية في أعينهم وتنبيها لهم على كمال قبح ما ms2812 ~~اجترءوا عليه من المعاصي فإنه صلى الله عليه وسلم مع علو شأنه واختصاصه ~~بعظائم النعم والكرامات لما ألم بصغيرة نزل عن منزلته ووبخته الملائكة ~~بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب ووجد منه ما يحكى من بكائه ~~الدائب وغمه الواصب وندمه الدائم فما الظن بهؤلاء الكفرة الأذلين ~~PageV07P218 # من كل ذليل المرتكبين لأكبر الكبائر المصرين على أعظم المعاصي أو تذكر ~~قصته عليه الصلاة والسلام وصن نفسك ان تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل ~~أذيتهم كيلا يلقاك ما لقيه من المعاتبة «ذا الأيد» أي ذا القوة يقال فلان ~~أيد وذو أيد وآد بمعنى وأياد كل شئ ما يتقوى به «إنه أواب» رجاع إلى مرضاة ~~الله تعالى وهو تعليل لكونه ذا الأيد ودليل على ان المراد به القوة في ~~الدين فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل ~~«إنا سخرنا الجبال معه» استئناف مسوق لتعليل قوته في الدين وأو أبيته إلى ~~مرضاته تعالى ومع متعلقة بالتسخير وإيثارها على اللام لما أشير إليه في ~~سورة الأنبياء من أن تسخير الجبال له عليه الصلاة والسلام لم يكن بطريق ~~تفويض التصرف الكلى فيها إليه عليه الصلاة والسلام كتسخير الريح وغيرها ~~لسليمان عليه السلام بل بطريق التبعية له عليه الصلاة والسلام والاقتداء به ~~في عبادة الله تعالى وقيل متعلقة بما بعدها وهو أقرب بالنسبة إلى ما في ~~سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام «يسبحن» أي يقدسن الله عز وجل بصوت ~~يتمثل له أو بخلق الله تعالى فيها الكلام أو بلسان الحال وقيل يسرن معه من ~~السباحة وهو حال من الجبال وضع موضع مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح حالا ~~بعد حال واستئناف مبين لكيفية التسخير «بالعشي والإشراق» أي ووقت الاشراق ~~وهو حين تشرق أي تضئ ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى وأما شروقها فطلوعها يقال ~~شرقت الشمس ولما تشرق وعن أم هانئ رضى الله عنها انه عليه الصلاة والسلام ~~صلى صلاة الضحى وقال هذه صلاة الاشراق وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت ~~صلاة الضحى ms2813 إلا بهذه الآية «والطير» عطف على الجبال «محشورة» حال من الطير ~~والعامل سخرنا أي وسخرنا الطير حال كونها محشورة عن ابن عباس رضى الله ~~عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت اليه الطير فسبحت وذلك ~~حشرها وقرئ والطير محشورة بالرفع على الابتداء والخبرية «كل له أواب» ~~استئناف مقرر لمضمون ما قبله مصرح بما فهم منه إجمالا من تسبيح الطير أي كل ~~واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح ووضع الأواب موضع ~~المسبح إما لأنها كانت ترجع التسبيح والمرجع رجاع لأنه يرجع إلى فعله رجوعا ~~بعد رجوع وإما لأن الأواب هو التواب الكثير الرجوع إلى الله تعالى ومن دأبه ~~إكثار الذكر وإدامة التسبيح والتقديس وقيل الضمير لله عز وجل أي كل من داود ~~والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع للتسبيح «وشددنا ملكه» قويناه ~~بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود وقرئ بالتشديد للمبالغة قيل كان يبيت حول ~~محرابه أربعون الف مستلئم وقيل ادعى رجل على آخر بقرة وعجز عن إقامة البينة ~~فأوحى الله تعالى إليه في المنام ان اقتل المدعى عليه فتأخر فأعيد الوحي في ~~اليقظة فأعلمه الرجل فقال إن الله تعالى لم يأخذني PageV07P219 # بهذا الذنب ولكن بأنى قتلت أبا هذا غيلة فقال الناس إن أذنب أحد ذنبا ~~أظهره الله تعالى عليه فقتله فهابوه وعظمت هيبته في القلوب «وآتيناه ~~الحكمة» النبوة وكمال العلم وإتقان العمل وقيل الزبور وعلم الشرائع وقيل كل ~~كلام وافق الحق فهو حكمة «وفصل الخطاب» أي فصل الخصام بتمييز الحق عن ~~الباطل أو الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب على المرام من غير التباس لما ~~قد روعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف والإظهار والإضمار والحذف ~~والتكرار وإنما سمى به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق تمهيدا له كالحمد ~~والصلاة وقيل هو الخطاب الفصل الذي ليس فيه إيجاز مخل ولا أطناب ممل كما ~~جاء في نعت كلام النبوة فصل لا نزر ولا هذر «وهل أتاك نبأ الخصم» استفهام ~~معناه التعجيب والتشويق إلى استماع ما في حيزه لإيذانه ms2814 بأنه من الانباء ~~البديعة التي حقها ان تشيع فيما بين كل حاضر وباد والخصم في الأصل مصدر ~~ولذلك يطلق على الواحد وما فوقه كالضيف ومعنى خصمان فريقان «إذ تسوروا ~~المحراب» إذ تصعدوا سوره ونزلوا إليه والسور الحائط المرتفع ونظيره تسنمه ~~إذا علا سنامه وتذراه إذا علا ذروته وإذ متعلقة بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم ~~إذ تسوروا أو بالنبأ على ان المراد به الواقع في عهد داود عليه السلام وان ~~اسناده الاتيان اليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم أو بالخصم لما فيه من ~~معنى الخصومة لا بأتى لان اتيانه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذ ~~وقوله تعالى «إذ دخلوا على داود» بدل مما قبله أو ظرف لتسوروا «ففزع منهم» ~~روى انه تعالى بعث اليه ملكين في صورة انسانين قيل هما جبريل وميكائيل ~~عليهما السلام فطلبا ان يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس ~~فتسوروا عليه المحراب بمن معهما من الملائكة فلم يشعر الا وهما بين يديه ~~جالسان ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق على خلاف العادة والحرس حوله في ~~غير يوم الحكومة والقضاء قال ابن عباس رضي الله عنهما ان داود عليه السلام ~~جزا زمانه أربعة اجزاء يوما للعبادة ويوما للقضاء ويوما للاشتغال بخاصة ~~نفسه ويوما للوعظ والتذكير «قالوا» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية ~~فزعه عليه الصلاة والسلام كأنه قيل فماذا قالت الملائكة عند مشاهدتهم لفزعه ~~فقيل قالوا إزالة لفزعه «لا تخف خصمان» أي نحن فوجان متخاصمان على تسمية ~~مصاحب الخصم خصما «بغى بعضنا على بعض» هو على الفرض وقصد التعرض فلا كذب ~~فيه «فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط» أي لا تجر في الحكومة وقرئ ولا تشطط أي ~~لا تبعد عن الحق وقرئ ولا تشاطط وكلها من معنى الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى ~~الحق «واهدنا إلى سواء الصراط» إلى وسط طريق الحق بزجر الباغي عما سلكه من ~~طريق الجور وارشاده إلى منهاج العدل PageV07P220 # «إن هذا أخي» استئناف لبيان ما فيه الخصومة أي ms2815 أخي في الدين أو في الصحبة ~~والتعرض لذلك تمهيد لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه «له تسع وتسعون نعجة ~~ولي نعجة واحدة» هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة والكناية ~~والتعريض أبلغ في المقصود وقرئ تسع وتسعون بفتح التاء ونعجة بكسر النون ~~وقرئ ولي نعجة بسكون الياء «فقال أكفلنيها» أي ملكنيها وحقيقته اجعلني ~~أكفلها كما اكفل ما تحت يدي وقيل اجعلها كفلى أي نصيبي «وعزني في الخطاب» ~~أي غلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده أو في ~~مغالبته إياي في الخطبة يقال خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا أي ~~غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني وقرئ وعازني أي غالبني وعزني ~~بتخفيف الزاي طالبا للخفة وهو تخفيف غريب كأنه قيس على ظلت ومست «قال لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه» جواب قسم محذوف قصد به عليه الصلاة والسلام ~~المبالغة في انكار فعل صاحبه وتهجين طمعه في نعجة من ليس له غيرها مع ان له ~~قطيعا منها ولعله عليه الصلاة والسلام قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما ادعاه ~~عليه أو بناه على تقدير صدق المدعى والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته ~~إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والضم «وإن كثيرا من الخلطاء» أي ~~الشركاء الذين خلطوا أموالهم «ليبغي» ليتعدى وقرئ بفتح الياء على تقدير ~~النون الخفيفة وحذفها وبحذف الياء اكتفاء بالكسرة «بعضهم على بعض» غير مراع ~~لحق الصحبة والشركة «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» منهم فإنهم يتحامون ~~عن البغي والعدوان «وقليل ما هم» أي وهم قليل وما مزيدة للابهام والتعجب من ~~قلتهم والجملة اعتراض «وظن داود أنما فتناه» الظن مستعار للعلم الاستدلالي ~~لما بينهما من المشابهة الظاهرة أي علم بما جرى في مجلس الحكومة وقيل لما ~~قضى بينهما ما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه ~~فعلم عليه الصلاة والسلام انه تعالى ابتلاه وليس المعنى على تخصيص الفتنة ~~به عليه الصلاة والسلام دون غيره بتوجيه القصر المستفاد من ms2816 كلمة انما إلى ~~المفعول بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الاستعمال الشائع الوارد على توجيه ~~القصر إلى متعلقات الفعل وقيوده باعتبار النفي فيه والاثبات فيها كما في ~~مثل قولك انما ضربت زيدا وانما ضربته تأديبا بل على تخصيص حاله عليه الصلاة ~~والسلام بالفتنة بتوجيه القصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغايره من ~~الافعال لكن لا باعتبار النفي والاثبات معا في خصوصية الفعل فإنه غير ممكن ~~قطعا بل باعتبار النفي فيما فيه من معنى مطلق الفعل واعتبار الاثبات فيما ~~يقارنه من المعنى المخصوص فإن كل فعل من الافعال المخصوصة ينحل PageV07P221 # عند التحقيق إلى معنى مطلق هو مدلول لفظ الفعل والى معنى مخصوص يقارنه ~~ويقيده وهو اثره في الحقيقة فإن معنى نصر مثلا فعل النصر يرشدك إلى ذلك ~~قولهم معنى فلان يعطى ويمنع يفعل الاعطاء والمنع فمورد القصر في الحقيقة ما ~~يتعلق بالفعل باعتبار النفي فيه والاثبات فيما يتعلق به فالمعنى وعلم داود ~~عليه السلام انما فعلنا به الفتنة لاغير قيل ابتليناه بامرأة أو ريا وقيل ~~امتحناه بتلك الحكومة هل يتنبه بها لما قصد منها وايثار طريق التمثيل لأنه ~~أبلغ في التوبيخ فإن التأمل فيه إذا أداه إلى الشعور بما هو الغرض كان أوقع ~~في نفسه وأعظم تأثيرا في قلبه وادعى إلى التنبه للخطأ مع ما فيه من مراعاة ~~حرمته عليه الصلاة والسلام بترك المجاهرة والاشعار بأنه امر يستحي من ~~التصريح به وتصويره التحاكم لالجائه عليه الصلاة والسلام إلى التصريح بنسبة ~~نفسه إلى الظلم وتنبيهه عليه الصلاة والسلام على ان أوروبا بصدد الخصام ~~«فاستغفر ربه» اثر ما علم ان ما صدر عنه ذنب «وخر راكعا» أي ساجدا على ~~تسمية السجود ركوعا لأنه مبدؤه أو خر للسجود راكعا أي مصليا كأنه احرم ~~بركعتي الاستغفار «وأناب» أي رجع إلى الله تعالى بالتوبة واصل القصة ان ~~داود عليه السلام رأى امرأة رجل يقال له أوريا فمال قلبه إليها فسأله ان ~~يطلقها فاستحي ان يرده ففعل فتزوجها وهي أم سليمان عليه السلام وكان ذلك ~~جائزا ms2817 في شريعته معتادا فيما بين أمته غير مخل بالمروءة حيث كان يسأل بعضهم ~~بعضا ان ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته وقد كان الأنصار في صدر ~~الاسلام يواسون المهاجرين بمثل ذلك من غير نكير خلا انه عليه الصلاة ~~والسلام لعظم منزلته وارتفاع مرتبته وعلو شأنه نبه بالتمثيل على انه لم يكن ~~ينبغي له ان يتعاطى ما يتعاطاه آحاد أمته ويسأل رجلا ليس له الا امرأة ~~واحدة ان ينزل عنها فيتزوجها مع كثرة نسائه بل كان يجب عليه ان يغالب هواه ~~ويقهر نفسه ويصبر على ما امتحن به وقيل لم يكن أوريا تزوجها بل كان خطبها ~~ثم خطبها داود عليه السلام فآثره عليه السلام أهلها فكان ذنبه عليه الصلاة ~~والسلام ان خطب على حطبة أخيه المسلم هذا واما ما يذكر من انه عليه الصلاة ~~والسلام دخل ذات يوم محرابه وأغلق بابه وجعل يصلى ويقرأ الزبور فبينما هو ~~كذلك إذ جاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له ~~فطارت فامتد إليها فطارت فوقعت في كوة فتبعها فأبصر امرأة جميلة قد نقضت ~~شعرها فغطى بدنها وهي امرأة أوريا وهو من غزاة البلقاء فكتب إلى أيوب بن ~~صوريا وهو صاحب بعث البلقاء ان ابعث أوريا وقدمه على التابوت وكان من يتقدم ~~على التابوت لا يحل له ان يرجع حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ففتح الله ~~تعالى على يده وسلم فأمر برده مرة أخرى وثالثة حتى قتل واتاه خبر قتله فلم ~~يحزن كما كان يحزن على الشهداء وتزوج امرأته فإفك مبتدع مكروه ومكر مخترع ~~بئسما مكروه تمجه الاسماع وتنفر عنه الطباع ويل لمن ابتدعه واشاعه وتبا لمن ~~اخترعه وأذاعه ولذلك قال علي رضي الله عنه من حدث بحديث داود عليه السلام ~~على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات ~~الله تعالى وسلامه عليهم هذا وقد قيل ان قوما قصدوا ان يقتلوه عليه الصلاة ~~والسلام فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا ms2818 بهذا ~~التحاكم فعلم عليه الصلاة والسلام غرضهم فهم بأن ينتقم منهم فظن ان ذلك ~~ابتلاء له من الله عز وجل فاستغفر ربه مما هم به وأناب PageV07P222 # «فغفرنا له ذلك» أي ما استغفر منه وروى انه عليه الصلاة والسلام بقي ~~ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه الا الصلاة مكتوبة أو لما لا بد منه ~~ولا يرقأ دمعه حتى نبت منه العشب إلى رأسه ولم يشرب ماء الا ثلثاه دمع وجهد ~~نفسه راغبا إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك واشتغل بذلك عن الملك ~~حتى وثب ابن له يقال له أيشا على ملكه ودعا إلى نفسه فاجتمع اليه أهل الزيغ ~~من بني إسرائيل فلما غفر له حاربه فهزمه «وإن له عندنا لزلفى» لقرابة ~~وكرامة بعد المغفرة «وحسن مآب» حسن مرجع في الجنة «يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض» اما حكاية لما خوطب به عليه الصلاة والسلام مبينة لزلفاه ~~عنده عز وجل واما مقول قول مقدر هو معطوف على غفرنا أو حال من فاعله أي ~~وقلنا له أو قائلين له يا داود الخ أي استخلفناك على الملك فيها والحكم ~~فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ~~وفيه دليل بين على ان حاله عليه الصلاة والسلام بعد التوبة كما كانت قبلها ~~لم تتغير قط «فاحكم بين الناس بالحق» بحكم الله تعالى فإن الخلافة بكلا ~~معنييه مقتضية له حتما «ولا تتبع الهوى» أي هوى النفس في الحكومات وغيرها ~~من أمور الدين والدنيا «فيضلك عن سبيل الله» بالنصب على انه جواب النهي ~~وقيل هو مجزوم بالعطف على النهي مفتوح لالتقاء الساكنين أي فيكون الهوى أو ~~اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصها على الحق تكوينا وتشريعا وقوله ~~تعالى «إن الذين يضلون عن سبيل الله» تعليل لما قبله ببيان غائلته واظهار ~~سبيل الله في موقع الاضمار لزيادة التقرير والايذان بكمال شناعة الضلال عنه ~~«لهم عذاب شديد» جملة من خبر ومبتدأ وقعت خبرا لان أو الظرف خبر لان ms2819 وعذاب ~~مرتفع على الفاعلية بما فيه من معنى الاستقرار «بما نسوا» بسبب نسيانهم ~~وقوله تعالى «يوم الحساب» اما مفعول لنسوا فيكون تعليلا صريحا لثبوت العذاب ~~الشديد لهم بنسيان يوم الحساب بعد الاشعار بعلية ما يستتبعه ويستلزمه اعني ~~الضلال عن سبيل الله تعالى فإنه مستلزم لنسيان يوم الحساب بالمرة بل هذا ~~فرد من افراده أو ظرف لقوله تعالى لهم أي لهم عذاب شديد يوم القيامة بسبب ~~نسيانهم الذي هو عبارة عن ضلالهم ومن ضرورته ان يكون مفعوله سبيل الله ~~فيكون التعليل المصرح به حينئذ عين التعليل المشعر به بالذات غيره بالعنوان ~~ومن لم يتنبيه لهذا السر السرى قال بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل فإن ~~تذكره يقتضى ملازمة الحق ومخالفة الهوى فتدبر «وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا» كلام مستأنف مقرر لما قبله PageV07P223 # من امر البعث والحساب والجزاء أي وما خلقناهما وما بينهما من المخلوقات ~~على هذا النظام البديع الذي تحار في فهمه العقول خلقا باطلا أي خاليا عن ~~الغاية الجليلة والحكمة الباهرة بل منطويا على الحق المبين والحكم البالغة ~~حيث خلقنا من بين ما خلقنا نفوسا أودعناها العقل والتمييز بين الحق والباطل ~~والنافع والضار ومكناها من التصرفات العلمية والعملية في استجلاب منافعها ~~واستدفاع مضارها ونصبنا للحق دلائل آفاقية وأنفسية ومنحناها القدرة على ~~الاستشهاد بها ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الالطاف بل أرسلنا إليها ~~رسلا وأنزلنا عليها كتابا بينا فيها كل دقيق وجليل وأزحنا عللها بالكلية ~~وعرضناها بالتكليف للمنافع العظيمة وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب ~~اعمالها «ذلك» إشارة إلى ما نفي من خلق ما ذكر باطلا «ظن الذين كفروا» أي ~~مظنونهم فإن جحودهم بأمر البعث والجزاء الذي عليه يدور فلك تكوين العالم ~~قول منهم ببطلان خلق ما ذكر وخلوه عن الحكمة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا «فويل للذين كفروا» مبتدأ وخبر والفاء لإفادة ترتب ثبوت الويل لهم ~~على ظنهم الباطل كما ان وضع الموصول موضع ضميرهم للاشعار بما في حيز الصلة ~~بعلية كفرهم له ولا تنافي ms2820 بينهما لان ظنهم من باب كفرهم ومن في قوله تعالى ~~«من النار» تعليلية كما في قوله تعالى فويل لهم مما كتبت أيديهم ونظائره ~~مفيدة لعلية النار لثبوت الويل لهم صريحا بعد الاشعار بعلية ما يؤدي إليها ~~من ظنهم وكفرهم أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم «أم نجعل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض» أم منقطعة وما فيها من بل ~~للاضراب الانتقالي عن تقرير امر البعث والحساب والجزاء بما مر من نفي خلق ~~العالم خاليا عن الحكم والمصالح إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة من انكار ~~التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه وآكده أي بل أنجعل المؤمنين ~~المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب ~~عليه من الجزاء لاستواء الفريقين في التمتع بالحياة الدنيا بل الكفرة أوفر ~~حظا منها من المؤمنين لكن ذلك الجعل محال فتعين البعث والجزاء حتما لرفع ~~الأولين إلى أعلى عليين ورد الآخرين إلى أسفل سافلين وقوله تعالى «أم نجعل ~~المتقين كالفجار» اضراب وانتقال عن اثبات ما ذكر بلزوم المحال الذي هو ~~التسوية بين الفريقين المذكورين على الاطلاق إلى اثباته بلزوم ما هو اظهر ~~منه استحالة وهو التسوية بين أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة وحمل الفجار ~~على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام ويجوز ان يراد بهذين الفريقين عين ~~الأولين ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين هما ادخل في انكار التسوية من ~~الوصفين الأولين وقيل قال كفار قريش للمؤمنين انا نعطي في الآخرة من الخير ~~ما تعطون فنزلت «كتاب» خبر مبتدأ محذوف هو عبارة عن القرآن أو السورة وقوله ~~تعالى «أنزلناه إليك» صفته PageV07P224 # وقوله تعالى «مبارك» خبر ثان للمبتدأ أو صفة لكتاب عند من يجوز تأخير ~~الوصف الصريح عن غير الصريح وقرئ مباركا على انه حال من مفعول أنزلنا ومعنى ~~المبارك الكثير المنافع الدينية والدنيوية وقوله تعالى «ليدبروا آياته» ~~متعلق بأنزلناه أي أنزلناه ليتفكروا في آياته التي من جملتها هذه الآيات ~~المعربة عن اسرار التكوين والتشريع فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من ms2821 المعاني ~~الفائقة والتأويلات اللائقة وقرئ ليتدبروا على الأصلي ولتدبروا على الخطاب ~~أي أنت وعلماء أمتك بحذف احدى التاءين « وليتذكر أولوا الألباب» أي وليتعظ ~~به ذوو العقول السليمة أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط ~~تمكنهم من معرفته لما نصب عليه من الدلائل فإن الكتب الإلهية مبينة لما لا ~~يعرف الا بالشرع ومرشدة إلى مالا سبيل للعقل اليه «ووهبنا لداود سليمان نعم ~~العبد» وقرئ نعم العبد أي سليمان كما ينبئ عنه تأخيره عن داود مع كونه ~~مفعولا صريحا لوهبنا ولان قوله تعالى «إنه أواب» أي رجاع إلى الله تعالى ~~بالتوبة أو إلى التسبيح مرجع له تعليل للمدح وهو من حاله لما ان الضمير ~~المجرور في قوله تعالى «إذ عرض عليه» راجع اليه عليه الصلاة والسلام قطعا ~~وإذ منصوب باذكر أي اذكر ما صدر عنه إذ عرض عليه «بالعشي» هو من الظهر إلى ~~آخر النهار «الصافنات» فإنه يشهد بأنه أواب وقيل ظرف لأواب وقيل لنعم ~~وتأخير الصافنات عن الظرفين لما مر مرارا من التشويق إلى المؤخر والصافن من ~~الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل وهو من الصفات المحمودة في الخيل ~~لا يكاد ينفق الا في العراب الخلص وقيل هو الذي يجمع يديه ويسويهما واما ~~الذي يقف على سنبكه فهو المنخيم «الجياد» جمع جواد وجود وهو الذي يسرع في ~~جريه وقيل الذي يجود عند الركض وقيل وصفت بالصفون والجودة لبيان جمعها بين ~~الوصفين المحمودين واقفة وجارية أي إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها ~~وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها وقيل هو جمع جيد روى انه عليه الصلاة ~~والسلام غزا أهل دمشق ونصيبين وأصاب الف فرس وقيل أصابها أبوه من العمالقة ~~فورثها منه وقيل خرجت من البحر لها أجنحة فقعد يوما بعدما صلى الظهر على ~~كرسيه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد ~~كان له من الذكر وقتئذ وتهيبوه فلم يعلموه فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها ~~تقربا لله تعالى وبقى ms2822 مائة فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها وقيل لما ~~عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح تجري بأمره «فقال إني أحببت حب الخير ~~عن ذكر ربي» قاله عليه الصلاة والسلام عند غروب الشمس اعترافا بما صدر عنه ~~من الاشتغال بها عن الصلاة وندما عليه وتمهيدا لما يعقبه من الامر بردها ~~وعقرها والتعقيب باعتبار أواخر العرض المستمر دون ابتدائه PageV07P225 # والتأكيد للدلالة على ان اعترافه وندمه عن صميم القلب لا لتحقيق مضمون ~~الخبر واصل أحببت ان يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما أنيب مناب انبت عدى ~~تعديته وحب الخير مفعوله كأنه قبل انبت حب الخير عن ذكر ربي ووضعته موضعه ~~وخير المال الكثير والمراد به الخيل التي شغلته عليه الصلاة والسلام ويحتمل ~~انه سماها خيرا لتعلق الخير بها قال صلى الله عليه وسلم الخير معقود بنواصي ~~الخيل إلى يوم القيامة وقرئ اني «حتى توارت بالحجاب» متعلق بقوله أحببت ~~باعتبار استمرار المحبة ودوامها حسب استمرار العرض أي انبت حب الخير عن ذكر ~~ربي واستمر ذلك حتى توارت أي غربت الشمس تشبيها لغروبها في مغربها بتواري ~~المخباة بحجابها واضمارها من غير ذكر لدلالة العشى عليها وقيل الضمير ~~للصافنات أي حتى توارت بحجاب الليل أي بظلامه «ردوها علي» من تمام مقالة ~~سليمان عليه السلام ومرمى غرضه من تقديم ما قدمه ومن لم يتنبه له مع ظهوره ~~توهم انه متصل بمضمر هو جواب لمضمر آخر كأن سائلا قال فماذا قال سليمان ~~عليه السلام فقيل قال ردها فتأمل والفاء في قوله تعالى «فطفق مسحا» فصيحة ~~مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وايذانا بغاية سرعة الامتثال ~~بالامر أي فردوها عليه فأخذ يمسح السيف مسحا «بالسوق والأعناق» أي بسوقها ~~وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته أي ضرب عنفه وقيل جعل يمسح بيده ~~أعناقها وسوقها حبا لها وإعجابا بها وليس بذاك وقرئ بالسؤق على همز الواو ~~لضمتها كما في ادؤر وقرئ بالسؤوق تنزيلا لضمة السين منزلة ضمة الواو وقرئ ~~بالساق اكتفاء بالواحد عن الجمع ms2823 لأمن الالباس «ولقد فتنا سليمان وألقينا ~~على كرسيه جسدا ثم أناب» اظهر ما قيل في فتنته عليه الصلاة والسلام ما روى ~~مرفوعا انه قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس بجاهد ~~في سبيل الله تعالى ولم يقل ان شاء الله تعالى فطاف عليهن فلم تحمل الا ~~امرأة واحدة جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال ان شاء الله لجاهدوا في ~~سبيل الله فرسانا أجمعون وقيل ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ~~ذلك فكان يغذوه في السحاب فما شعر به إلى ان القي على كرسيه ميتا فتنبه ~~لخطئه حيث لم يتوكل على الله عز وعلا وقيل انه غزا صيدون من الجزائر فقتل ~~ملكها وأصاب بنتا له تسمى جرادة من أحسن الناس فاصطفاها لنفسه وأسلمت حبها ~~وكان لا يرقا دمعها جزعا على أبيها فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته وكانت ~~تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه فأخبره آصف بذلك ~~فكسر الصورة وعاقب المرأة ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد فجلس عليه ~~تائبا إلى الله تعالى باكيا متضرعا وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل ~~للطهارة أو لإصابة امرأة يعطيها خاتمة وكان ملكه فيه فأعطاها يوما فتمثل ~~لها بصورته شيطان اسمه صخر واخذ الخاتم فتختم به وجلس على كرسيه فاجتمع ~~عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء الا في نسائه وغير سليمان PageV07P226 # عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف ان الخطيئة قد ~~أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال انا سليمان حثوا عليه التراب ~~وسبوه ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على ~~ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل ~~حكم الشيطان ثم طار اللعين وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يد ~~سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به وخر ساجدا وعاد اليه ملكه وجاب ~~صخرة لصخر فجعله فيها وسد عليه بأخرى ms2824 ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في ~~البحر وعلى هذا فالجسد عبارة عن صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه تمثل ~~بما لم يكن كذلك والخطيئة تغافله عليه الصلاة والسلام عن حال أهله لان ~~اتخاذ التماثيل لم يكن محظورا حينئذ وسجود الصورة بغير علم منه لا يضره ~~«قال» بدل من أناب وتفسير له «رب اغفر لي» أي ما صدر عني من الزلة «وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي» لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة ~~لحالي فإنه عليه الصلاة والسلام لما نشأ في بيت الملك والنبوة وورثهما معا ~~استدعى من ربه معجزة جامعة لحكمهما أولا ينبغي لاحد ان يسلبه مني بعد هذه ~~السلبة أولا يصح لاحد من بعدي لعظمته كقولك لفلان ما ليس لاحد من الفضل ~~والمال على إرادة وصف الملك بالعظمة لا ان لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة ~~وقيل كان ملكا عظيما فخاف ان يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله تعالى ~~وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين جريا على سنن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين وكون ذلك ادخل في الإجابة وقرئ لي ~~بفتح الياء « إنك أنت الوهاب» تعليل للدعاء بالمغفرة والهبة معا لا ~~بالأخيرة فقط فإن المغفرة أيضا من احكام وصف الوهابية قطعا «فسخرنا له ~~الريح» أي فذللناها لطاعته إجابة لدعوته فعاد امره عليه الصلاة والسلام إلى ~~ما كان عليه قبل الفتنة وقرئ الرياح «تجري بأمره» بيان لتسخيرها له «رخاء» ~~أي لينة من الرخاوة طيبة لا تزعزع وقيل طيعة لا تمتنع عليه كالمأمور ~~المنقاد «حيث أصاب» أي حيث قصد وأراد حكى الأصمعي عن العرب أصاب الصواب ~~فأخطأ الجواب «والشياطين» عطف على الريح «كل بناء وغواص» بدل من الشياطين ~~«وآخرين مقرنين في الأصفاد» عطف على كل بناء داخل في حكم البدل كأنه عليه ~~الصلاة والسلام فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الاعمال الشاقة من ~~البناء والغوص ونحو ذلك والى مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل لكفهم عن ~~الشر والفساد ms2825 ولعل أجسامهم شفافة فلا ترى صلبة فيمكن تقييدها ويقدرون على ~~PageV07P227 # الاعمال الصعبة وقد جوز ان يكون الاقران في الأصفاد عبارة عن كفهم عن ~~الشرور بطريق التمثيل والصفد القيد وسمي به العطاء لأنه يرتبط بالمنعم عليه ~~وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه على عكس وعد وأوعده ~~وقوله تعالى «هذا» الخ اما حكاية لما خوطب به سليمان عليه السلام مبينة ~~لعظم شأن ما أوتى من الملك وأنه مفوض إليه تفويضا كليا وإما مقول مقدر هو ~~معطوف على سخرنا أو حال من فاعله كما مر في خاتمه قصة داود عليه السلام أي ~~وقلنا له أو قائلين له هذا الامر الذي أعطيناكه من الملك العظيم والبسطة ~~والتسلط على ما لم يسلط عليه غيرك «عطاؤنا» الخاص بك «فامنن أو أمسك» فاعط ~~من شئت وامنع من شئت «بغير حساب» حال من المستكن في الامر أي غير محاسب على ~~شئ منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك على الإطلاق أو من العطاء أي هذا ~~عطاؤنا ملتبسا بغير حساب لغاية كثرته أو صلة له وما بينهما اعتراض على ~~التقديرين وقيل الإشارة إلى تسخير الشياطين والمراد بالمن والامساك الاطلاق ~~والتقييد «وإن له عندنا لزلفى» في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في ~~الدنيا «وحسن مآب» هو الجنة قيل فتن سليمان عليه السلام بعد ما ملك عشرين ~~سنة وملك بعد الفتنة عشرين سنة وذكر الفقيه أبو حنيفة احمد بن داود ~~الدينوري في تاريخه ان سليمان عليه السلام ورث ملك أبيه في عصر كيخسرو بن ~~سياوش وسار من الشام إلى العراق فبلغ خبره كيخسرو فهرب إلى خراسان فلم يلبث ~~حتى هلك ثم سار سليمان عليه السلام إلى مرو ثم إلى بلاد الترك فوغل فيها ثم ~~جاز بلاد الصين ثم عطف إلى أن وافي بلاد فارس فنزلها أياما ثم عاد إلى ~~الشام ثم أمر ببناء بيت المقدس فلما فرغ منه سار إلى تهامة ثم إلى صنعاء ~~وكان من حديثه مع صاحبتها ما ذكر الله تعالى وغزا بلاد المغرب الأندلس ~~وطنجة ms2826 وغيرهما والله تعالى أعلم «واذكر عبدنا أيوب» عطف على اذكر عبدنا ~~داود وعدم تصدير قصة سليمان بهذا العنوان لكمال الاتصال بينه وبين داود ~~عليهما السلام وأيوب هو ابن عيص بن إسحاق عليه السلام «إذ نادى ربه» بدل ~~اشتمال من عبدنا وأيوب عطف بيان له «إني» بأنى «مسني الشيطان» بفتح ياء ~~مسني وقرئ بإسكانها وإسقاطها «بنصب» أي تعب وقرئ بفتح النون وبفتحتين ~~وبضمتين للتثقيل «وعذاب» أي ألم ووصب يريد مرضه وما كان يقاسيه من فنون ~~الشدائد وهو المراد بالضر في قوله أنى مسني الضر وهو حكاية لكلامه الذي ~~ناداه به بعبارته وإلا لقيل إنه مسه الخ والاسناد إلى الشيطان إما لأنه ~~تعالى مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو استغاثة ~~مظلوم فلم يغثه أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه أو ~~لامتحان صبره فيكون اعترافا بالذنب أو PageV07P228 # مراعاة للأدب أو لأنه وسوس إلى اتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم أو ~~لان المراد بالنصب ما كان يوسوس به اليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من ~~البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الكراهة والجزع فالتجأ إلى الله تعالى ~~في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق لدفعه ورده بالصبر الجميل وليس ~~هذا تمام دعائه عليه الصلاة والسلام بل من جملته قوله وأنت ارحم الراحمين ~~فاكتفى ههنا عن ذكره بما في سورة الأنبياء كما ترك هناك ذكر الشيطان ثقة ~~بما ذكر ههنا وقوله تعالى «اركض برجلك» الخ إما حكاية لما قيل له أو مقول ~~لقول مقدر معطوف على نادى أي فقلنا له اركض برجلك أي اضرب بها الأرض وكذا ~~قوله تعالى «هذا مغتسل بارد وشراب» فإنه أيضا إما حكاية لما قيل له بعد ~~امتثاله بالامر ونبوع الماء أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق اليه ~~الكلام كأنه قيل فضربها فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل تغتسل به وتشرب منه ~~فيبرأ ظاهرك وباطنك وقيل نبعت عينان حارة للاغتسال وباردة للشرب ويأباه ~~ظاهر النظم الكريم ms2827 وقوله تعالى «ووهبنا له أهله» معطوف على مقدر مترتب على ~~مقدر آخر يقتضيه القول المقدر آنفا كأنه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به ~~من ضر كما في سورة الأنبياء ووهبنا له أهله إما بإحيائهم بعد هلاكهم وهو ~~المروى عن الحسن أو بجمعهم بعد تفرقهم كما قيل «ومثلهم معهم» عطف على أهله ~~فكان له من الأولاد ضعف ما كان له قبل «رحمة منا» أي لرحمة عظيمة عليه من ~~قبلنا «وذكرى لأولي الألباب» ولتذكيرهم بذلك ليصبروا عل الشدائد كما صبر ~~ويلجأوا إلى الله عز وجل فيما يحيق بهم كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من حسن ~~العاقبة «وخذ بيدك ضغثا» معطوف على اركض أو على وهبنا بتقدير قلنا أي وقلنا ~~خذ بيدك الخ والأول أقرب لفظا وهذا انسب معنى فإن الحاجة إلى هذا الامر لا ~~تمس إلا بعد الصحة فإن امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف وقيل ليا بنت يعقوب ~~وقيل ماصر بنت ميشا بن يوسف عليه السلام ذهبت لحاجة فأبطأت فحلف إن برئ ~~ليضربنها مائة ضربة فأمره الله تعالى بأخذ الضغث والضغث الحزمة الصغيرة من ~~الحشيش ونحوه وعن ابن عباس رضى الله عنهما قبضة من الشجر وقال «فاضرب به» ~~أي بذلك الضغث «ولا تحنث» في يمينك فإن البر يتحقق به ولقد شرع الله سبحانه ~~هذه الرخصة رحمة عليه وعليها الحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وهي باقية ويجب ~~أن يصيب المضروب كل واحد من المائة إما بأطرافها قائمة أو بأعراضها مبسوطة ~~على هيئة الضرب «إنا وجدناه صابرا» فيما أصابه في النفس والأهل والمال وليس ~~في شكواه إلى الله تعالى إخلال بذلك فإنه لا يسمى جزعا كتمنى العافية وطلب ~~الشفاء على أنه قال ذلك خيفة الفتنة في الدين حيث كان الشيطان يوسوس إلى ~~قومه PageV07P229 # بأنه لو كان نبيا لما ابتلى بمثل ما ابتلى به وإرادة القوة على الطاعة ~~فقد بلغ امره إلى ان لم يبق منه إلا القلب واللسان ويروى انه عليه السلام ~~قال في مناجاته إلهي قد علمت انه لم ms2828 يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصرى ~~ولم يهبنى ما ملكت يميني ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعان ولا كاسيا ~~ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه «نعم العبد» أي أيوب «إنه أواب» ~~تعليل لمدحه أي رجاع إلى الله تعالى «واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب» ~~عطف بيان لعبادنا وقرئ عبدنا إما على ان إبراهيم وحده لمزيد شرفه عطف بيان ~~وقيل بدل وقيل نصب بإضمار أعنى والباقيان عطف على عبدنا وإما على أن عبدنا ~~اسم جنس وضع موضع الجمع «أولي الأيدي والأبصار» أولى القوة في الطاعة ~~والبصيرة في الدين أو أولى الاعمال الجليلة والعلوم الشريفة فعبر بالأيدي ~~عن الاعمال لأن أكثرها تباشر بها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها ~~وفيه تعريض بالجهلة البطالين انهم كالزمنى والعماة وتوبيخ على تركهم ~~المجاهدة والتأمل مع تمكنهم منهما وقرئ أولى الأيد بطرح الياء والاكتفاء ~~بالكسر وقرئ أولى الأيادى على جمع الجمع «إنا أخلصناهم بخالصة» تعليل لما ~~وصفوا به من شرف العبودية وعلو الرتبة في العلم والعمل أي جعلناهم خالصين ~~لنا بخصلة خالصة عظيمة الشأن كما ينبئ عنه التنكير التفخيمى وقوله تعالى ~~«ذكرى الدار» بيان للخالصة بعد إبهامها للتفخيم أي تذكر للدار الآخرة دائما ~~فإن خلوصهم في الطاعة بسبب تذكرهم لها وذلك لأن مطمح انظارهم ومطرح أفكارهم ~~في كل ما يأتون وما يذرون جوار الله عز وجل والفوز بلقائه ولا يتسنى ذلك ~~إلا في الآخرة وقيل أخلصناهم بتوفيقهم لها واللطف بهم في اختيارها ويعضد ~~الأول قراءة من قرأ بخالصتهم وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار في الحقيقة ~~وإنما الدنيا معبر وقرئ بإضافة خالصة إلى ذكرى أي بما خلص من ذكرى الدار ~~على معنى انهم لا يشوبون ذكراها بهم آخر أصلا أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم ~~فيها وتزهيدهم في الدنيا كما هو شان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل ~~ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم «وإنهم ~~عندنا لمن المصطفين الأخيار» لمن المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم في ~~الخير والأخيار جمع خير كشر ms2829 وأشرار وقيل جمع خير أو خير مخفف منه كأموات في ~~جمع ميت وميت «واذكر إسماعيل» فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه للإشعار بعراقته ~~في الصبر الذي هو المقصود بالتذكير «واليسع» هو ابن خطوب بن العجوز استخلفه ~~إلياس على بنى إسرائيل ثم استنبئ واللام فيه حرف تعريف دخل على يسع كما في ~~قول من PageV07P230 # قال رأيت الوليد بن اليزيد مباركا وقرئ واليسع كأنه أصله ليسع فيعل من ~~اللسع دخل عليه حرف التعريف وقيل هو على القراءتين علم أعجمي دخل عليه ~~اللام وقيل هو يوشع «وذا الكفل» هو ابن عم يسع أو بشر بن أيوب واختلف في ~~نبوته ولقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم ~~وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة «وكل» أي وكلهم «من ~~الأخيار» المشهور بن بالخبرية «هذا» إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة ~~بمحاسنهم «ذكر» أي شرف لهم وذكر جميل يذكرون به أبدا أو نوع من الذكر الذي ~~هو القرآن وباب منه مشتمل على أنباء الأنبياء عليهم السلام وعن ابن عباس ~~رضى الله عنهما هذا ذكر من مضى من الأنبياء وقوله تعالى «وإن للمتقين لحسن ~~مآب» شروع في بيان أجرهم الجزيل في الآجل بعد بيان ذكرهم الجميل في العاجل ~~وهو باب آخر من أبواب التنزيل والمراد بالمتقين إما الجنس وهم داخلون في ~~الحكم دخولا أوليا وإما نفس المذكورين عبر عنهم بذلك مدحا لهم بالتقوى التي ~~هي الغاية القاصية من الكمال «جنات عدن» عطف بيان لحسن مآب عند من يجوز ~~تخالفهما تعريفها وتنكيرا فإن عدنا معرفة لقوله تعالى جنات عدن التي وعد ~~الرحمن عباده أو بدل منه أو نصب على المدح وقوله تعالى «مفتحة لهم الأبواب» ~~حال من جنات عدن والعامل فيها ما في للمتقين من معنى الفعل والأبواب مرتفعة ~~باسم المفعول والرابط بين الحال وصاحبها إما ضمير مقدر كما هو رأى البصريين ~~أي الأبواب منها أو الألف واللام القائمة مقامه كما هو رأى الكوفيين إذ ~~الأصل أبوابها ms2830 وقرئتا مرفوعتين على الابتداء والخبر أو على أنهما خبران ~~لمحذوف أي هي جنات عدن هي مفتحة «متكئين فيها» حال من ضمير لهم والعامل ~~فيها مفتحة وقوله تعالى «يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب» استئناف لبيان ~~حالهم فيها وقيل هو أيضا حال مما ذكر أو من ضمير متكئين والاقتصار على دعاء ~~الفاكهة للإيذان بان مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذى فإنه لتحصيل ~~بدل المتحلل ولا تحلل ثمة «وعندهم قاصرات الطرف» أي على أزواجهن لا ينظرن ~~إلى غيرهم «أتراب» لدات لهم فإن التحاب بين الاقران أرسخ أو بعضهن لبعض لا ~~عجوز فيهن ولا صبية واشتقاقه من التراب فإنه يمسهم في وقت واحد «هذا ما ~~توعدون ليوم الحساب» أي لأجله فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء وقرئ ~~بالياء ليوافق ما قبله PageV07P231 # والالتفات أليق بمقام الامتنان والتكريم «إن هذا» أي ما ذكر من ألوان ~~النعم والكرامات «لرزقنا» أعطيناكموه «ما له من نفاد» انقطاع ابدا «هذا» أي ~~الامر هذا أو هذا كما ذكر أو هذا ذكر وقوله تعالى «وإن للطاغين لشر مآب» ~~شروع في بيان اضداد الفريق السابق «جهنم» اعرابه كما سلف «يصلونها» أي ~~يدخلونها حال من جهنم «فبئس المهاد» وهو المهد والمفرش مستعار من فراش ~~النائم والمخصوص بالذم محذوف وهو جهنم لقوله تعالى لهم من جهنم مهاد «هذا ~~فليذوقوه» أي ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله تعالى وإياي فارهبون أو العذاب ~~هذا فليذوقوه أو هذا مبتدأ خبره «حميم وغساق» وما بينهما اعتراض وهو على ~~الأولين خبر مبتدأ محذوف أي هو حميم والغساق ما يغسق من صديد أهل النار من ~~غسقت العين إذا سال دمعها وقيل الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده وقيل ~~لو قطرت منه قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب ولو قطرت قطرة في المغرب ~~لنتنت أهل المشرق وقيل الغساق عذاب لا يعلمه الا الله تعالى وقرئ بتخفيف ~~السين «وآخر من شكله» أي ومذوق آخر أو عذاب آخر من مثل هذا المذوق أو ~~العذاب في الشدة والفظاعة وقرئ واخر أي ومذوقات اخر أو أنواع عذاب اخر ms2831 ~~وتوحيد ضمير شكله بتأويل ما ذكر أو الشراب الشامل للحميم والغساق أو هو ~~راجع إلى الغساق «أزواج» أي أجناس وهو خبر لاخر لأنه يجوز ان يكون ضروبا أو ~~صفة له أو للثلاثة أو مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم «هذا فوج مقتحم ~~معكم» حكاية ما يقال من جهة الخزنة لرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار ~~واقتحمها معهم فوج كانوا يتبعونهم في الكفر والضلالة والاقتحام الدخول في ~~الشيء بشدة قال الراغب الاقتحام توسط شدة مخيفة وقوله تعالى «لا مرحبا بهم» ~~من اتمام كلام الخزنة بطريق الدعاء على الفوج أو صفة للفوج أو حال منه أي ~~مقول أو مقولا في حقهم لا مرحبا بهم أي لا اتوا مرحبا أولا رحبت بهم الدار ~~مرحبا «إنهم صالوا النار» تعليل من جهة الخزنة لاستحقاقهم الدعاء عليهم أو ~~وصفهم بما ذكر وقيل لا مرحبا بهم إلى هنا كلام الرؤساء في حق اتباعهم عند ~~خطاب الخزنة لهم باقتحام الفوج معهم تضجرا من مقارنتهم PageV07P232 # وتنفرا من مصاحبتهم وقيل كل ذلك كلام الرؤساء بعضهم مع بعض في حق الأتباع ~~«قالوا» أي الأتباع عند سماعهم ما قيل في حقهم ووجه خطابهم للرؤساء في ~~قولهم «بل أنتم لا مرحبا بكم» الخ على الوجهين الأخيرين ظاهر واما على ~~الوجه الأول فلعلهم انما خاطبوهم مع ان الظاهر ان يقولوا بطريق الاعتذار ~~إلى الخزنة بل هم لا مرحبا بهم الخ قصدا منهم إلى اظهار صدقهم بالمخاطبة مع ~~الرؤساء والتحاكم إلى الخزنة طمعا في قضائهم بتخفيف عذابهم أو تضعيف عذاب ~~خصمائهم أي بل أنتم أحق بما قيل لنا أو قلتم وقوله تعالى «أنتم قدمتموه ~~لنا» تعليل لاحقيتهم بذلك أي أنتم قدمتم العذاب أو الصلى لنا وأوقعتمونا ~~فيه بتقديم ما يؤدي اليه من العقائد الزائفة والاعمال السيئة وتزيينها في ~~أعيننا وإغرائنا عليها لا أنا باشرناها من تلقاء أنفسنا «فبئس القرار» أي ~~فبئس المقر جهنم قصدوا بذمها تغليظ جناية الرؤساء عليهم «وقالوا» أي ~~الاتباع أيضا وتوسيطه بين كلاميهم لما بينهما من التباين البين ذاتا وخطابا ~~أي قالوا معرضين ms2832 عن خصومتهم متضرعين إلى الله تعالى «ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار» كقولهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار أي عذابا مضاعفا أي ذا ضعف وذلك بأن يزيد عليه مثله ويكون ضعفين ~~كقوله ربنا آتهم ضعفين من العذاب أو قيل المراد بالضعف الحيات والأفاعي ~~«وقالوا» أي الطاغون «ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار» يعنون ~~فقراء المسلمين الذين كانوا يسترذلونهم ويسخرون منهم «اتخذناهم سخريا» ~~بهمزة استفهام سقطت لأجعلها همزة الوصل والجملة استئناف لا محل لها من ~~الاعراب قالوه انكارا على أنفسهم وتأنيبا لها في الاستسخار منهم «أم زاغت ~~عنهم الأبصار» متصل باتخذناهم على ان أم متصلة والمعنى أي الامرين فعلنا ~~بهم الاستسخار منهم أم الازدراء بهم وتحقيرهم وان ابصارنا كانت تزيغ عنهم ~~وتقتحمهم على معنى انكار كل واحد من الفعلين على أنفسهم توبيخا لها أو على ~~انها منقطعة والمعنى اتخذناهم سخريا بل أزاغت عنهم ابصارنا كقولك أزيد عندك ~~أم عندك عمرو على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار ثم الاضراب والانتقال ~~منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير وقرئ اتخذناهم بغير همزة على انه ~~صفة أخرى لرجالا فقوله تعالى أم زاغت متصل بقوله مالنا لا نرى والمعنى ~~مالنا لا نراهم في النار أليسوا فيها فلذلك لا نراهم أم زاغت عنهم ابصارنا ~~وهم فيها وقد جوز ان تكون الهمزة مقدرة على هذه القراءة وقرئ سخريا بضم ~~السين PageV07P233 # «إن ذلك» أي الذي حكى من أحوالهم «الحق» لا بد من وقوعه البتة وقوله ~~تعالى «تخاصم أهل النار» خبر مبتدأ محذوف والجملة بيان لذلك وفي الابهام ~~أولا والتبيين ثانيا مزيد تقرير له وقيل بدل من محل ذلك وقيل بدل من حق أو ~~عطف بيان له وقرئ بالنصب على انه بدل من ذلك وما قيل من انه صفة له فقد قيل ~~عليه ان اسم الإشارة لا يوصف الا بالمعرف باللام يقال بهذا الرجل ولا يقال ~~بهذا غلام الرجل «قل» امر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقول للمشركين ms2833 ~~«إنما أنا منذر» من جهته تعالى أنذركم عذابه «وما من إله» في الوجود «إلا ~~الله الواحد» الذي لا يقبل الشركة والكثرة أصلا «القهار» لكل شيء سواه «رب ~~السماوات والأرض وما بينهما» من المخلوقات فكيف يتوهم ان يكون له شريك منها ~~«العزيز» الذي لا يغلب في امر من أموره «الغفار» المبالغ في المغفرة يغفر ~~ما يشاء لمن يشاء وفي هذه النعوت من تقرير التوحيد والوعد للموحدين والوعيد ~~للمشركين مالا يخفي وتثنية ما يشعر بالوعيد من وصفى القهر والعزة وتقديمهما ~~على وصف المغفرة لتوفية مقام الانذار حقه «قل» تكرير الامر للايذان بأن ~~المقول امر جليل له شأن خطير لابد من الاعتناء به امرا وائتمارا «هو» أي ما ~~أنبأتكم به من اني منذر من جهته تعالى وانه تعالى واحد لا شريك له وانه ~~متصف بما ذكر من الصفات الجليلة والأظهر انه القرآن وما ذكر داخل فيه دخولا ~~أوليا كما يشهد به آخر السورة الكريمة وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة «نبأ ~~عظيم» وارد من جهته تعالى وقوله تعالى «أنتم عنه معرضون» استئناف ناع عليهم ~~سوء صنيعهم به ببيان انهم لا يقدرون قدره الجليل حيث يعرضون عنه مع عظمته ~~وكونه موجبا للإقبال الكلي عليه وتلقيه بحسن القبول وقيل صفة أخرى لنبأ ~~وقوله تعالى «ما كان لي من علم بالملإ الأعلى» الخ استئناف مسوق لتحقيق انه ~~نبأ عظيم وارد من جهته تعالى بذكر نبأ من أنبائه على التفصيل من غير سابقة ~~معرفة به ولا مباشرة سبب من أسبابها المعتادة فإن ذلك حجة بينة دالة على ان ~~ذلك بطريق الوحي من عند الله تعالى وان سائر أنبائه أيضا كذلك والملا ~~الأعلى هم الملائكة وآدم عليهم السلام وإبليس عليه اللعنة وقوله تعالى «إذ ~~يختصمون» متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة ~~والسلام بحالهم PageV07P234 # لا بذواتهم والتقدير ما كان لي فيما سبق علم ما بوجه من الوجوه بحال ~~الملأ الأعلى وقت اختصامهم وتقدير الكلام كما أختاره الجمهور تحجير للواسع ~~فإن علمه عليه الصلاة والسلام غير ms2834 مقصور على ما جرى بينهم من الأقوال فقط ~~بل عام لها وللأفعال أيضا من سجود الملائكة واستكبار إبليس وكفره حسبما ~~ينطلق به الوحي فلا بد من اعتبار العموم في نفيه أيضا لا محالة وقوله تعالى ~~«إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين» اعتراض وسط بين إجمال اختصامهم ~~وتفصيله تقريرا لثبوت علمه عليه الصلاة والسلام وتعيينا لسببه إلا أن بيان ~~انتفائه فيما سبق لما كان منبئا عن ثبوته الآن ومن البين عدم ملابسته عليه ~~الصلاة والسلام بشئ من مباديه المعهودة تعين انه ليس إلا بطريق الوحي حتما ~~فجعل ذلك أمرا مسلم الثبوت غنيا عن الاخبار به قصدا وجعل مصب الفائدة ~~والمقصود إخبار ما هو داع إلى الوحي ومصحح له تحقيقا لقوله تعالى إنما أنا ~~منذر في ضمن تحقيق علمه عليه الصلاة والسلام بقصة الملأ الأعلى فالقائم ~~مقام الفاعل ليوحي إما ضمير عائد إلى الحال المقدر أو ما يعمه وغيره ~~فالمعنى ما يوحى إلى حال الملأ الأعلى أو ما يوحى إلى ما يوحى من الأمور ~~الغيبية التي من جملتها حالهم إلا لأنما انا نذير مبين من جهته تعالى فإن ~~كونه عليه الصلاة والسلام كذلك من دواعي الوحي إليه ومن موجباته حتما وأما ~~ان القائم مقام الفاعل هو الجار والمجرور أو هو إنما أنا نذير مبين بلا ~~تقدير الجار وأن المعنى ما يوحى إلى إلا للإنذار أو ما يوحى إلى إلا ان ~~انذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك كما قيل فمع ما فيه من الاضطرار إلى التكلف في ~~توجيه قصر الوحي على كونه للإنذار في الأول وقصره على الانذار في الثاني ~~فلا يساعده سباق النظم الكريم وسياقه كيف لا والاعتراض حينئذ يكون أجنبيا ~~مما توسط بينهما من إجمال الاختصام وتفصيله فتأمل والله المرشد وقرئ إنما ~~بالكسر على الحكاية وقوله تعالى «إذ قال ربك للملائكة» شروع في تفصيل ما ~~أجمل من الاختصام الذي هو ما جرى بينهم من التقاول وحيث كان تكليمه تعالى ~~إياهم بواسطة الملك صح إسناد الاختصام إلى الملائكة وإذ بدل ms2835 من إذ الأولى ~~وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام بل يكفى اشتمال ما في حيزها ~~عليه فإن القصة ناطقة بذلك تفصيلا والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ~~ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه والإيذان بان وحى هذا النبأ إليه تربية ~~وتأييد له عليه الصلاة والسلام والكاف وارد باعتبار حال الامر لكونه أدل ~~على كونه وحيا منزلا من عنده تعالى كما في قوله تعالى قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم الخ دون حال المأمور وإلا لقيل ربى لأنه داخل في حيز ~~الامر «إني خالق» أي فيما سيأتي وفيه ما ليس في صيغة المضارع من الدلالة ~~على أنه تعالى فاعل له البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه «بشرا» قيل ~~أي جسما كثيفا يلاقى ويباشر وقيل خلقا بادي البشرة بلا صوف ولا شعر ولعل ما ~~جرى عند وقوع المحكى ليس هذا الاسم الذي لم يخلق مسماه حينئذ فضلا عن ~~تسميته به بل عبارة كاشفة عن حاله وإنما عبر عنه بهذا الاسم عند الحكاية ~~«من طين» لم يتعرض PageV07P235 # لأوصافه من التغير والاسوداد والمسنونية اكتفاء بما ذكر في مواقع أخر ~~«فإذا سويته» أي صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء ~~بدنه بتعديل طائعه «ونفخت فيه من روحي» النفخ إجراء الريح إلى تجويف جسم ~~صالح لامساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وانما هو تمثيل لإفاضة ~~ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فإذا كملت استعداده وأفضت ~~عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري «فقعوا له» امر من وقع وفيه دليل ~~على ان المأمور به ليس مجرد الانحناء كما قيل أي أسقطوا له «ساجدين» تحية ~~له وتكريما «فسجد الملائكة» أي فخلفه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له ~~الملائكة «كلهم» بحيث لم يبق منهم أحد الا سجد «أجمعون» أي بطريق المعية ~~بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى ~~بالحالية بل يفيد التأكيد أيضا وقيل اكد بتأكيدين مبالغة في التعمم ms2836 هذا ~~واما ان سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى من الامر التعليقي كما تقتضيه هذه ~~الآية الكريمة والتي في سورة الحجر فإن ظاهرهما يستدعي ترتبه عليه من غير ~~ان يتوسط بينهما شيء غير ما يفصح عنه الفاء الفصيحة من الخلق والتسوية ونفخ ~~الروح أو على الامر التنجيزي كما يقتضيه ما في سورة البقرة وما في سورة ~~الأعراف وما في سورة بني إسرائيل وما في سورة الكهف وما في سورة طه من ~~الآيات الكريمة فقد مر تحقيقه بتوفيق الله عز وجل في سورة البقرة وسورة ~~الأعراف «إلا إبليس» استثناء متصل لما انه كان جنيا مفردا مغمورا بألوف من ~~الملائكة موصوفا بصفاتهم فغلبوا عليه ثم استثنى استثناء واحد منهم أو لان ~~الملائكة جنسا يتوالدون وهو منهم أو منقطع وقوله تعالى «استكبر» على الأول ~~استئناف مبين لكيفية ترك السجود المفهوم من الاستثناء فإن تركه يحتمل ان ~~يكون للتأمل والتروي وبه يتحقق انه للآباء والاستكبار وعلى الثاني يجوز ~~اتصاله بما قبله أي لكن إبليس استكبر «وكان من الكافرين» أي وصار منهم ~~بمخالفته للامر واستكباره عن الطاعة أو كان منهم في علم الله تعالى عز وجل ~~«قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي» أي خلقته بالذات من غير توسط ~~أب وأم والتثنية لابراز كمال الاعتناء بخلقه عليه الصلاة والسلام المستدعي ~~لإجلاله واعظامه قصدا إلى تأكيد الانكار وتشديد التوبيخ «أستكبرت» بهمزة ~~الانكار وطرح همزة الوصل أي أتكبرت من غير استحقاق «أم كنت من العالين» ~~المستحقين للتفوق وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين وقرئ ~~بحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة أم عليها PageV07P236 # وقوله تعالى «قال أنا خير منه» ادعاء منه لشيء مستلزم لمنعه من السجود ~~على زعمه واشعار بأنه لا يليق ان يسجد الفاضل للمفضول كما يعرب عنه قوله لم ~~أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون وقوله تعالى «خلقتني من نار ~~وخلقته من طين» تعليل لما ادعاه من فضله عليه الصلاة والسلام ولقد أخطأ ~~اللعين حيث خص ms2837 الفضل بما من جهة المادة والعنصر وزل عنه ما من جهة الفاعل ~~كما أنبأ عنه قوله تعالى لما خلقت بيدي وما من جهة الصورة كما نبه عليه ~~قوله تعالى ونفخت فيه من روحي وما من جهة الغاية وهو ملاك الامر ولذلك امر ~~الملائكة بسجوده عليهم السلام حين ظهر لهم انه اعلم منهم بما يدور عليه امر ~~الخلافة في الأرض وان له خواص ليست لغيره «قال فأخرج منها» الفاء لترتيب ~~الامر على ما ظهر من اللعين من المخالفة للامر الجليل وتعليلها بالأباطيل ~~أي فأخرج من الجنة أو من زمرة الملائكة وهو المراد بالامر بالهبوط لا ~~الهبوط من السماء كما قيل فإن وسوسته لآدم عليه السلام بعد هذا الطرد وقد ~~بين كيفية وسوسته في سورة البقرة وقيل اخرج من الخلقة التي كنت فيها وانسلخ ~~منها فإنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان ابيض وقبح ~~بعد ما كان حسنا وأظلم بعد ما كان نورانيا وقوله تعالى «فإنك رجيم» تعليل ~~للامر بالخروج أي مطرود من كل خير وكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو ~~شيطان يرجم بالشهب «وإن عليك لعنتي» أي إبعادي عن الرحمة وتقييدها بالإضافة ~~مع اطلاقها في قوله تعالى وان عليك اللعنة لما ان لعنة اللاعنين من ~~الملائكة والثقلين أيضا من جهته تعالى وانهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى ~~وابعاده من الرحمة «إلى يوم الدين» أي يوم الجزاء والعقوبة وفيه ايذان بأن ~~اللعنة مع كمال فظاعتها ليست جزاء لجنايته بل هي أنموذج لما سيلقاه مستمرا ~~إلى ذلك اليوم لكن لا على انها تنقطع يومئذ كما يوهمه ظاهر التوقيت بل على ~~انه سيلقى يومئذ من ألوان العذاب وأفانين العقاب ما ينسى عنده اللعنة وتصير ~~كالزائل الا يرى إلى قوله تعالى فأذن مؤذن بينهم ان لعنة الله على الظالمين ~~وقوله تعالى ويلعن بعضهم بعضا «قال رب فأنظرني» أي أمهلني وأخرني والفاء ~~متعلقة بمحذوف ينسحب عليه الكلام أي إذا جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني ~~«إلى يوم يبعثون» أي آدم وذريته للجزاء ms2838 بعد فنائهم وأراد بذلك ان يجد فسحة ~~لاغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد يوم البعث ~~«قال فإنك من المنظرين» ورود الجواب بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما ~~سأله لآخرين على وجه يشعر PageV07P237 # بكون السائل تبعا لهم في ذلك دليل واضح على انه اخبار بالانظار المقدر ~~لهم أزلا لا انشاء لانظار خاص به قد وقع إجابة لدعائه وان استنظاره كان ~~طلبا لتأخير الموت إذ به يتحقق كونه منهم لا لتأخير العقوبة كما قيل فإن ~~ذلك معلوم من إضافة اليوم إلى الدين أي انك من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا ~~حسبما تقتضيه حكمة التكوين «إلى يوم الوقت المعلوم» الذي قدره الله وعينه ~~لفناء الخلائق وهو وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول ~~فالفاء ليست لربط نفس الانظار بالاستنظار بل لربط الاخبار المذكور به كما ~~في قول من قال فإن ترحم فأنت لذاك أهل فإنه لا إمكان لجعل الفاء فيه لربط ~~ماله تعالى من الأهلية القديمة للرحمة بوقوع الرحمة الحادثة بل هي لربط ~~الاخبار بتلك الأهلية للرحمة بوقوعها هذا وقد ترك التوقيت في سورة الأعراف ~~كما ترك النداء والفاء في الاستنظار والإنظار تعويلا على ما ذكر ههنا وفي ~~سورة الحجر وإن خطر ببالك أن كل وجه من وجوه النظم الكريم لا بد أن يكون له ~~مقام يقتضيه مغاير لمقام غيره وان ما حكى من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا ~~جوابه لم يقع إلا دفعه فمقام الاستنظار والإنظار إن اقتضى أحد الوجوه ~~المحكية فذلك الوجه هو المطابق لمقتضى الحال والبالغ إلى رتبة البلاغة ~~ودرجة الاعجاز وأما ما عداه من الوجوه فهو بمعزل من بلوغ طبقة البلاغة فضلا ~~عن العروج إلى معارج الاعجاز فقد سلف تحقيقه في سورة الأعراف بفضل الله ~~تعالى وتوفيقه «قال فبعزتك» الباء للقسم والفاء لترتيب مضمون الجملة على ~~الإنظار ولا ينافيه قوله تعالى فبما أغويتني وقوله رب بما أغويتني فإن ~~إغواءه تعالى إياه أثر من آثار قدرته تعالى وعزته وحكم من ms2839 أحكام قهره ~~وسلطنته فمآل الإقسام بهما واحد ولعل اللعين اقسم بهما جميعا فحكى تارة ~~قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر أي فأقسم بعزتك «لأغوينهم أجمعين» أي ذرية آدم ~~بتزيين المعاصي لهم «إلا عبادك منهم المخلصين» وهم الذين أخلصهم الله تعالى ~~لطاعته وعصمهم من الغواية وقرئ المخلصين على صيغة الفاعل أي الذين أخلصوا ~~قلوبهم واعمالهم لله تعالى «قال» أي الله عز وجل «فالحق والحق أقول» برفع ~~الأول على أنه مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف المبتدأ ونصب الثاني على أنه ~~مفعول لما بعده قدم عليه للقصر أي لا أقول إلا الحق والفاء لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها أي فالحق قسمي «لأملأن جهنم» على أن الحق إما اسمه تعالى ~~PageV07P238 # أو نقيض الباطل عظمه الله تعالى بإقسامه به أو فأنا الحق أو فقولي الحق ~~وقوله تعالى لأملأن جهنم الخ حينئذ جواب لقسم محذوف أي والله لأملأن الخ ~~وقوله تعالى والحق أقول على كل تقدير اعتراض مقرر على الوجهين الأولين ~~لمضمون الجملة القسمية وعلى الوجه الثالث لمضمون الجملة المتقدمة أعنى ~~فقولي الحق وقرئا منصوبين على أن الأول مقسم به كقولك الله لأفعلن وجوابه ~~لأملأن وما بينهما اعتراض وقرئا مجرورين على ان الأول مقسم به قد اضمر حرف ~~قسمه كقولك الله لأفعلن والحق أقول على حكاية لفظ المقسم به على تقدير كونه ~~نقيض الباطل ومعناه التأكيد والتشديد وقرئ بجر الأول على إضمار حرف القسم ~~ونصب الثاني عل المفعولية «منك» أي من جنسك من الشياطين «وممن تبعك» في ~~الغواية والإضلال «منهم» ومن ذرية آدم «أجمعين» تأكيد للكاف وما عطف عليه ~~أي لأملأنها من المتبوعين والاتباع أجمعين كقوله تعالى لمن اتبعك منهم ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين وهذا القول هو المراد بقوله تعالى ولكن حق القول ~~منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وحيث كان مناط الحكم ههنا اتباع ~~الشيطان اتضح ان مدار عدم المشيئة في قوله تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها اتباع الكفرة للشيطان بسوء اختيارهم لا تحقق القول فليس في ذلك شائبة ~~الجبر فتدبر «قل ms2840 ما أسألكم عليه» على القرآن أو على تبليغ ما يوحى إلى «من ~~أجر» دنيوي «وما أنا من المتكلفين» أي المتصنعين مما ليسوا من أهله حتى ~~أنتحل النبوة وأتقول القرآن «إن هو» أي ما هو «إلا ذكر» من الله عز وجل ~~«للعالمين» أي للثقلين كافة «ولتعلمن نبأه» أي ما أنبأ به من الوعد والوعيد ~~وغيرهما أو صحة خبره وأنه الحق والصدق «بعد حين» بعد الموت أو يوم القيامة ~~أو عند ظهور الإسلام وفشوه وقيل من بقي علم ذلك إذا ظهر امره وعلا ومن مات ~~علمه بعد الموت وفيه من التهديد ما لا يخفى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات وعصم ان ~~يصر على ذنب صغير أو كبير وقال أبو أمامة عصمه الله تعالى من كل ذنب صغير ~~أو كبير والله أعلم PageV07P239 # سورة الزمر مكية إلا قوله قل يا عبادي الآية وآياتها خمس وسبعون آية «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» «تنزيل الكتاب» خبر لمبتدأ محذوف هو اسم إشارة أشير به ~~إلى السورة تنزيلا لها منزلة الحاضر المشار إليه لكونها على شرف الذكر ~~والحضور كما مر مرارا وقد قيل هو ضمير عائد إلى الذكر في قوله تعالى إن هو ~~إلا ذكر للعالمين وقوله تعالى «من الله العزيز الحكيم» صلة للتنزيل أو خبر ~~ثان أو حال من التنزيل عاملها معنى الإشارة أو من الكتاب الذي هو مفعول ~~معنى عاملها المضاف وقيل هو خبر لتنزيل الكتاب والوجه الأول أو في بمقتضى ~~المقام الذي هو بيان ان السورة أو القرآن تنزيل الكتاب من الله تعالى لا ~~بيان أن تنزيل الكتاب منه تعالى لا من غيره كما يفيده الوجه الأخير وقرئ ~~تنزيل الكتاب بالنصب على إضمار فعل نحو أقرأ أو الزم والتعرض لو صفى العزة ~~والحكمة للإيذان بظهور أثريهما في الكتاب بحريان أحكامه ونفاذ أوامره ~~ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع وبابتناء جميع ما فيه على أساس الحكم ~~الباهرة وقوله تعالى «إنا أنزلنا ms2841 إليك الكتاب بالحق» شروع في بيان شأن ~~المنزل إليه وما يجب عليه أثر بيان شأن المنزل وكونه من عند الله تعالى ~~والمراد بالكتاب هو القرآن وإظهاره على تقدير كونه هو المراد بالأول أيضا ~~لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه والباء إما متعلقة بالإنزال أي بسبب الحق ~~وإثباته وإظهاره أو بداعية الحق واقتضائه للإنزال وإما بمحذوف هو حال من ~~نون العظمة أو من الكتاب أي أنزلناه إليك محقين في ذلك أو أنزلناه ملتبسا ~~بالحق والصواب أي كل ما فيه حق لا ريب فيه موجب للعمل به حتما والفاء في ~~قوله تعالى «فاعبد الله مخلصا له الدين» لترتيب الأمر بالعبادة على إنزال ~~الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق أي فاعبده تعالى ممحضا له الدين من ~~شوائب الشرك والرياء حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليك وقرئ برفع الدين على ~~أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم عليه لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام ~~والجملة استئناف وقع تعليلا للأمر بإخلاص العبادة وقوله تعالى «ألا لله ~~الدين الخالص» PageV07P240 # استئناف مقرر لما قبله من الامر بإخلاص الدين له تعالى ووجوب الامتثال به ~~وعلى القراءة الأخيرة مؤكد لاختصاص الدين به تعالى أي ألا هو الذي يجب ان ~~يخص بإخلاص الطاعة له لأنه المتفرد بصفات الألوهية التي من جملها الاطلاع ~~على السرائر والضمائر وقوله تعالى «والذين اتخذوا من دونه أولياء» تحقيق ~~لحقية ما ذكر من إخلاص الدين الذي هو عبارة عن التوحيد ببيان بطلان الشرك ~~الذي هو عبارة عن ترك إخلاصه والموصول عبارة عن المشركين ومحله الرفع على ~~الابتداء خبره مما سيأتي من الجملة المصدرة بأن والأولياء عن الملائكة ~~وعيسى عليهم السلام والأصنام وقوله تعالى «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى» حال بتقدير القول من واو اتخذوا مبينة لكيفية إشراكهم وعدم خلوص ~~دينهم والاستثناء مفرغ من أعم العلل وزلفى مصدر مؤكد على غير لفظ المصدر ~~ملاق له في المعنى أي والذين لم يخلصوا العبادة لله تعالى بل شابوها بعبادة ~~غيره قائلين ما نعبدهم لشئ من الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تعالى ms2842 تقريبا ~~«إن الله يحكم بينهم» أي وبين خصمائهم الذين هم المخلصون للدين وقد حذف ~~لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله على أحد ~~الوجهين أي بين أحد منهم وبين غيره وعليه قول النابغة [فما كان بين لخير لو ~~جاء سالما * أبو حجر إلا ليال قلائل] أي بين الخير وبينى وقيل ضمير بينهم ~~للفريقين جميعا «فيما هم فيه يختلفون» من الدين الذي اختلفوا فيه بالتوحيد ~~والإشراك وادعى كل فريق منهم صحة ما انتحله وحكمه تعالى في ذلك إدخال ~~الموحدين الجنة والمشركين النار فالضمير للفريقين هذا هو الذي يستدعيه مساق ~~النظم الكريم وأما تجويز أن يكون الموصول عبارة عن المعبودين على حذف ~~العائد إليه وإضمار المشركين من غير ذكر تعويلا على دلالة المساق عليهم ~~ويكون التقدير والذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله إن الله يحكم بينهم أي بين العبدة والمعبودين فيما هم ~~فيه يختلفون حيث يرجو العبدة شفاعتهم وهم يلعنونهم فبعد الإغضاء عما فيه من ~~التعسفات بمعزل من السداد كيف لا وليس فيما ذكر من طلب الشفاعة واللعن مادة ~~يختلف فيها الفريقان اختلافا محوجا إلى الحكم والفصل وإنما ذاك ما بين ~~فريقى الموحدين والمشركين في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى يوم ~~القيامة وقرئ قالوا ما نعبدهم فهو بدل من الصلة لا خبر للموصول كما قيل إذ ~~ليس في الإخبار بذلك مزيد مزية وقرئ ما نعبدكم إلا لتقربونا حكاية لما ~~خاطبوا به آلهتهم وقرئ نعبدهم اتباعا للباء «إن الله لا يهدي» أي لا يوفق ~~للاهتداء إلى الحق الذي هو طريق النجاة عن المكروه والفوز بالمطلوب «من هو ~~كاذب كفار» أي راسخ في الكذب مبالغ في الكفر كما يعرب عنه قراءة كذاب وكذوب ~~فإنهما فاقدان للبصيرة غير قابلين للاهتداء لتغييرهما الفطرة الأصلية ~~بالتمرن في الضلالة والتمادي في الغى والجملة تعليل لما ذكر من حكمه تعالى ~~«لو أراد الله أن يتخذ ولدا» الخ استئناف مسوق لتحقيق الحق وإبطال القول ~~بأن الملائكة بنات ms2843 الله عيسى ابنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا ببيان استحالة ~~اتخاذ الولد في حقه تعالى على الإطلاق ليندرج فيه استحالة PageV07P241 # ما قبل اندراجا أوليا أي لو أراد الله أن يتخذ ولدا «لاصطفى» أي لاتخذ ~~«مما يخلق» أي من جملة ما يخلقه أو من جنس ما يخلقه «ما يشاء» أن يتخذه إذ ~~لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له تعالى لامتناع تعدد الواجب ووجوب استناد ~~جميع ما عداه إليه ومن البين أن اتخاذ الولد منوط بالمماثلة بين المتخذ ~~والمتخذ وأن المخلوق لا يماثل خالقه حتى يمكن اتخاذه ولدا فما فرضناه اتخاذ ~~ولد لم يكن اتخاذ ولد بل اصطفاء عبد وإليه أشير حيث وضع الاصطفاء موضع ~~الاتخاذ الذي تقتضيه الشرطية تنبيها على استحالة مقدمها لاستلزم فرض وقوعه ~~بل فرض أراد وقوعه انتفاءه أي لو أراد الله تعالى أن يتخذ ولدا لفعل شيئا ~~ليس هو من اتخاذ الولد في شئ أصلا بل إنما هو اصطفاء عبد ولا ريب في أن ما ~~يستلزم فرض وقوعه انتفاءه فهو ممتنع قطعا فكأنه قيل لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لامتنع ولم يصح لكن لاعلى أن الامتناع منوط بتحقق الإرادة بل على أنه ~~متحقق عند عدمها بطريق الأولوية على منوال لو لم يخف الله لم يعصه وقوله ~~تعالى «سبحانه» تقرير لما ذكر من استحالة اتخاذ الولد في حقه تعالى وتأكيد ~~له ببيان تنزهه تعالى عنه أي تنزه بالذات عن ذلك تنزهه الخاص به على أن ~~السبحان مصدر من سبح إذا بعد أو أسبحه تسبيحا لائقا به على أنه علم للتسبيح ~~مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحا حقيقا بشأنه وقوله تعالى «هو الله ~~الواحد القهار» استئناف مبين لتنزهه تعالى بحسب الصفات إثر بيان تنزهه ~~تعالى عنه بحسب الذات فإن صفة الألوهية المستتبعة لسائر صفات الكمال ~~النافية لسمات النقصان والوحدة الذاتية الموجبة لامتناع المماثلة والمشاركة ~~بينه تعالى وبين غيره على الإطلاق مما يقضى بتنزهه تعالى عما قالوا قضاء ~~متقنا وكذا وصف القهارية لما أن اتخاذ الولد شأن من ms2844 يكون تحت ملكوت الغير ~~عرضة للفناء ليقوم ولده مقامه عند فنائه ومن هو مستحيل الفناء قهار لكل ~~الكائنات كيف يتصور أن يتخذ من الأشياء الفانية ما يقوم مقامه وقوله تعالى ~~«خلق السماوات والأرض بالحق» تفصيل لبعض أفعاله تعالى الدالة على تفرده بما ~~ذكر من الصفات الجليلة أي خلقهما وما بينهما من الموجودات ملتبسة بالحق ~~والصواب مشتملة عل الحكم والمصالح وقوله تعالى «يكور الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل» بيان لكيفية تصرفه تعالى فيهما بعد بيان خلقهما ~~فإن حدوث الليل والنهار في الأرض منوط بتحريك السماوات أي يغشى كل واحد ~~منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس على اللابس أو يغيبه به كما يغيب ~~الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة ~~وصيغة المضارع للدلالة على التجدد «وسخر الشمس والقمر» جعلهما منقادين ~~لأمره تعالى وقوله تعالى «كل يجري لأجل مسمى» بيان لكيفية تسخيرهما أي كل ~~منهما يجرى لمنتهى دورته أو منقطع حركته وقد مر تفصيله غير مرة «إلا هو ~~العزيز» الغالب القادر على كل شئ من الأشياء التي من جملتها عقاب العصاة ~~«الغفار» المبالغ في المغفرة ولذلك لا يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه ~~الصنائع البديعة من آثار الرحمة وتصدير PageV07P242 # الجملة بحرف التنبيه لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها «خلقكم من نفس واحدة» ~~بيان لبعض آخر من أفعاله الدالة على ما ذكر وترك عطفه على خلق السماوات ~~للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلى والبداءة بخلق ~~الإنسان لعراقته في الدلالة لما فيه من تعاجيب آثار القدرة وأسرار الحكمة ~~وأصالته في المعرفة فإن الانسان بحال نفسه أعرف والمراد بالنفس نفس آدم ~~عليه السلام وقوله «ثم جعل منها زوجها» عطف على محذوف هو صفة لنفس أي من ~~نفس خلقها ثم جعل منها زوجها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها ~~زوجها فشفعها أو على خلقكم لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن كانتا ~~آيتين دالتين على ما ذكر لكن الأولى لاستمرارها صارت معتادة وأما الثانية ~~فحيث لم ms2845 تكن معتادة خارجة عن قياس الأولى كما يشعر به التعبير عنها بالجعل ~~دون الخلق كانت أدخل في كونها آية وأجلب للتعجب من السامع فعطفت على الأولى ~~بثم دلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة ~~كونها آية فهو من التراخي في الحال والمنزلة وقيل أخرج ذرية آدم من ظهره ~~كالذر ثم خلق منه حواء ففيه ثلاث آيات مترتبة خلق آدم عليه السلام بلا أب ~~وأم وخلق حواء من قصيراه ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما وقوله تعالى ~~«وأنزل لكم» بيان لبعض آخر من أفعاله الدالة على ما ذكر أي قضى أو قسم لكم ~~فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث تكتب في اللوح المحفوظ أو ~~أحدث لكم بأسباب نازلة من السماء كالأمطار وأشعة الكواكب «من الأنعام ~~ثمانية أزواج» ذكرا وأنثى هي الإبل والبقر والضأن والمعز وقيل خلقها في ~~الجنة ثم أنزلها وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مرارا من ~~الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر فإن كون الانزال لمنافعهم وكونه من ~~الجهة العالية من الأمور المهمة المشوفة إلى ما أنزل لا محالة وقوله تعالى ~~«يخلقكم في بطون أمهاتكم» استئناف مسوق لبيان كيفية خلقهم وأطواره المختلفة ~~الدالة على القدرة الباهرة وصيغة المضارع الدلالة على التدرج والتجدد وقوله ~~تعالى «خلقا من بعد خلق» مصدر مؤكد أي يخلقكم فيها خلقا كائنا من بعد خلق ~~أي خلقا مدرجا حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من ~~بعد مضع مخلقة من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقه من بعد نطفة «في ظلمات ~~ثلاث» متعلق بيخلقكم وهي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة أو ظلمة ~~الصلب والبطن والرحم «ذلكم» إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة وما ~~فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء ومحله ~~الرفع على الابتداء أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله «الله» وقوله ~~تعالى «ربكم» خبرا آخر أي مرببكم فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها ومالككم ~~المستحق ms2846 لتخصيص العبادة به «له الملك» على الاطلاق في الدنيا والآخرة ليس ~~لغيره شركة في ذلك بوجه PageV07P243 # من الوجوه والجملة خبر آخر وكذا قوله تعالى «لا إله إلا هو» والفاء في ~~قوله تعالى «فأنى تصرفون» لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه تعالى أي ~~فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف ~~عنها بالكلية إلى عبادة غيره من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها «إن ~~تكفروا» به تعالى بعد مشاهدة ما ذكر من فنون نعمائه ومعرفة شؤونه العظيمة ~~الموجبة للايمان والشكر «فإن الله غني عنكم» أي فاعلموا أنه تعالى غنى عن ~~إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما «ولا يرضى لعباده الكفر» أي عدم ~~رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم ودفع مضرتهم رحمة عليهم لا لتضرره تعالى به ~~«وإن تشكروا يرضه لكم» أي يرض الشكر لأجلكم ومنفعتكم لأنه سبب لفوزكم ~~بسعادة الدارين لا لانتفاعه تعالى به وإنما قيل لعباده لا لكم لتعميم الحكم ~~وتعليله بكونهم عباده تعالى وقرئ بإسكان الهاء «ولا تزر وازرة وزر أخرى» ~~بيان لعدم سراية كفر الكافر إلى غيره أصلا أي لا تحمل نفس حاملة للوزر حمل ~~نفس أخرى «ثم إلى ربكم مرجعكم» بالبعث بعد الموت «فينبئكم» عند ذلك «بما ~~كنتم تعملون» أي كنتم تعملونه في الدنيا من اعمال الكفر والايمان أي ~~يجازيكم بذلك ثوابا وعقابا «إنه عليم بذات الصدور» أي بمضمرات القلوب فكيف ~~بالاعمال الظاهرة وهو تعليل للتنبئة «وإذا مس الإنسان ضر» من مرض وغيره ~~«دعا ربه منيبا إليه» راجعا إليه مما كان يدعوه في حالة الرخاء لعلمه بأنه ~~بمعزل من القدرة على كشف ضره وهذا وصف للجنس بحال بعض أفراده كقوله تعالى ~~إن الانسان لظلوم كفار «ثم إذا خوله نعمة منه» أي أعطاه نعمة عظيمة من ~~جنابه تعالى من التخول وهو التعهد أي جعله خائل مال من قولهم فلان خائل مال ~~إذا كان متعهدا له حسن القيام به أو من الخول وهو الافتخار أي جعله يخول أي ~~يختال ويفتخر «نسي ما كان يدعو ms2847 إليه» أي نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى ~~فيما سبق إلى كشفه «من قبل» أي من قبل التخويل أو نسي ربه الذي كان يدعوه ~~ويتضرع إليه إما بناء على أن ما بمعنى من كما في قوله تعالى وما خلق الذكر ~~والأنثى وقوله تعالى ولا أنتم عابدون ما أعبد وإما إيذانا بأن نسيانه بلغ ~~إلى حيث لا يعرف مدعوه ما هو فضلا عن أن يعرفه من هو كما مر في قوله تعالى ~~عما أرضعت «وجعل لله أندادا» شركاء في العبادة «ليضل» الناس بذلك «عن ~~سبيله» الذي هو التوحيد وقرئ ليضل بفتح الياء أي يزداد ضلالا أو يثبت عليه ~~وإلا فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور واللام لام العاقبة كما في ~~قوله تعالى PageV07P244 # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا خلا أن هذا أقرب إلى الحقيقة لأن ~~الجاعل ههنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال وإن لم يعرف لجهله ~~انهما إضلال وضلال وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلا ~~«قل» تهديدا لذلك الضال المضل وبيانا لحاله ومآله «تمتع بكفرك قليلا» أي ~~تمتعا قليلا أو زمانا قليلا «إنك من أصحاب النار» أي من ملازميها والمعذبين ~~فيها على الدوام وهو تعليل لقلة التمتع وفيه من الإقناط من النجاة ما لا ~~يخفى كأنه قيل إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الايمان والطاعة فمن حقك أن ~~تؤمر بتركه لتذوق عقوبته «أم من هو قانت آناء الليل» الخ من تمام الكلام ~~المأمور به وأم إما متصلة قد حذف معاد لها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه ~~كأنه قيل له تأكيدا للتهديد وتهكما به أأنت أحسن حالا ومآلا أم من هو قائم ~~بمواجب الطاعات ودائم على أداء وظائف العبادات في ساعات الليل حالتي السراء ~~والضراء لا عند مساس الضر فقط كدأبك حال كونه «ساجدا وقائما» أي جامعا بين ~~الوصفين المحمودين وتقديم السجود على القيام لكونه ادخل في معنى العبادة ~~وقرئ كلاهما بالرفع على انه خبر بعد خبر «يحذر الآخرة» حال أخرى على ~~الترادف ms2848 أو التداخل أو استئناف وقع جوابا عما نشأ من حكاية حاله من القنوت ~~والسجود والقيام كأنه قيل ما باله يفعل ذلك فقيل يحذر عذاب الآخرة «ويرجو ~~رحمة ربه» فينجو بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه كما ينبئ عنه التعرض ~~لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضمير الراجي ~~لا أنه يحذر ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط وإما منقطعة وما فيها من الإضراب ~~للانتقال من التهديد إلى التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعتراف بما ~~بينهما من التباين البين كأنه قيل بل أم من هو قانت الخ أفضل أم من هو كافر ~~مثلك كما هو المعنى على قراءة التخفيف «قل» بيانا للحق وتنبيها على شرف ~~العلم والعمل «هل يستوي الذين يعلمون» حقائق الأحوال فيعملون بموجب علمهم ~~كالقانت المذكور «والذين لا يعلمون» أي ما ذكر أو شيئا فيعملون بمقتضى ~~جهلهم وضلالهم كدأبك والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج ~~الخير وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على ~~أحد من منصف ومكابر وقيل هو وارد على سبيل التشبيه أي كما لا يستوى ~~العالمون والجاهلون لا يستوى القانتون والعاصون وقوله تعالى «إنما يتذكر ~~أولوا الألباب» كلام مستقل غير داخل في الكلام المأمور به وارد من جهته ~~تعالى بعد الامر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم ~~تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم كما في قول من قال [عوجوا فحيوا ~~لنعمى دمنة الدار * ماذا تحيون من نوى وأحجار] أي إنما يتعظ بهذه البيانات ~~الواضحة أصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وهؤلاء بمعزل من ذلك وقرئ ~~إنما يذكر بالإدغام PageV07P245 # «قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم» امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتذكير المؤمنين وحملهم على التقوى والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولى الألباب ~~إيذانا بأنهم هم كما سيصرح به أي قل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريف لهم ~~بإضافتهم إلى ضمير الجلالة ومزيد اعتناء بشأن المأمور به فإن نقل عين امر ~~الله ms2849 ادخل في إيجاب الامتثال به وقوله تعالى «للذين أحسنوا» تعليل للامر أو ~~لوجوب الامتثال به وإيراد الإحسان في حيز الصلة دون التقوى للإيذان بأنه من ~~باب الإحسان وأنهما متلازمان وكذا الصبر كما مر في قوله تعالى إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون وفي قوله تعالى إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين وقوله تعالى «في هذه الدنيا» متعلق بأحسنوا أي عملوا ~~الاعمال الحسنة في هذه الدنيا على وجه الاخلاص وهو الذي عبر عنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الاحسان بقوله صلى الله عليه وسلم أن تعبد ~~الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك «حسنة» أي حسنة عظيمة لا يكتنه ~~كنهها وهي الجنة وقيل هو متعلق بحسنة على انه بيان لمكانها أو حال من ~~ضميرها في الظرف فالمراد بها حينئذ الصحة والعافية «وأرض الله واسعة» فمن ~~تعسر عليه التوفر على التقوى والاحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن فيه ~~من ذلك كما هو سنة الأنبياء والصالحين فإنه لا عذر له في التفريط أصلا ~~وقوله تعالى «إنما يوفى الصابرون» الخ ترغيب في التقوى المأمور بها وإيثار ~~الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر كحيازتهم لفضيلة ~~الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى لهما مع ما فيه من زيادة حث على ~~المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق المهاجرة ومتاعبها أي إنما يوفى الذين ~~صبروا على دينهم وحافظوا على حدوده ولم يفرطوا في مراعاة حقوقه لما اعتراهم ~~في ذلك من فنون الآلام والبلايا التي من جملتها مهاجرة الأهل ومفارقة ~~الأوطان «أجرهم» بمقابلة ما كابدوا من الصبر «بغير حساب» أي بحيث لا يحصى ~~ولا يحصر عن ابن عباس رضى الله عنهما لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يعرف ~~وفي الحديث انه تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج ~~فيؤتون بها أجورهم ولا تنصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى ~~أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به ms2850 أهل البلاء ~~من الفضل «قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين» أي من كل ما ينافيه من ~~الشرك والرياء وغير ذلك امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان ما أمر به ~~نفسه من الإخلاص في عبادة الله الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من ~~التقوى مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه وتمهيدا لما يعقبه مما خوطب ~~به المشركون «وأمرت لأن أكون أول المسلمين» أي وأمرت بذلك لأجل ان أكون ~~مقدمهم PageV07P246 # في الدنيا والآخرة لان إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه والعطف ~~لمغايرة الثاني الأول بتقيده بالعلة والاشعار بأن العبادة المذكورة كما ~~تقتضي الامر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ويجوز ان تجعل ~~اللام مزيدة كما في أردت لان أقوم بدليل قوله تعالى أمرت ان أكون أول من ~~اسلم فالمعنى وأمرت ان أكون أول من اسلم من أهل زماني أو من قومي أو أكون ~~أول من دعا غيره إلى ما دعا اليه نفسه «قل إني أخاف إن عصيت ربي» يترك ~~الاخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك «عذاب يوم عظيم» هو يوم القيامة ~~وصف بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال «قل الله أعبد» لا غيره لا ~~استقلالا ولا اشتراكا «مخلصا له ديني» من كل شوب امر صلى الله عليه وسلم ~~أولا ببيان كونه مأمورا بعبادة الله تعالى واخلاص الدين له ثم بالاخبار ~~بخوفه من العذاب على تقدير العصيان ثم بالاخبار بامتثاله بالامر على أبلغ ~~وجه وآكده اظهارا لتصلبه في الدين وحسما لأطماعهم الفارغة وتمهيدا لتهديدهم ~~بقوله تعالى «فاعبدوا ما شئتم» ان تعبدوه «من دونه» تعالى وفيه من الدلالة ~~على شدة الغضب عليهم مالا يخفي كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به ~~كي يحل بهم العقاب «قل إن الخاسرين» أي الكاملين في الخسران الذي هو عبارة ~~عن إضاعة ما يهمه واتلاف مالا بد منه «الذين خسروا أنفسهم وأهليهم» ~~باختيارهم الكفر لهما أي أضاعوهما وأتلفوهما «يوم القيامة» حين يدخلون ~~النار ms2851 حيث عرضوهما للعذاب السرمدي وأوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها وقيل ~~خسروا أهليهم لأنهم ان كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم وان ~~كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا إياب بعده وفيه ان المحذور ~~ذهاب ما لو آب لانتفع به الخاسر وذلك غير متصور في الشق الأخير وقيل خسروهم ~~لأنهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم في أهل الجنة وخسروا أهليهم الذين كانوا ~~يتمتعون بهم لو آمنوا وأيا ما كان فليس المراد مجرد تعريف الكاملين في ~~الخسران بما نذكر بل بيان انهم هم إما نجعل الموصول عبارة عنهم أو عما هم ~~مندرجون فيه اندراجا أوليا وما في قوله تعالى «ألا ذلك هو الخسران المبين» ~~من استئناف الجملة وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة بذلك إلى بعد منزلة ~~المشار اليه في الشر وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران ووصفه بالمبين من ~~الدلالة على كمال هو له وفظاعته وانه لا خسران وراءه مالا يخفي وقوله تعالى ~~«لهم من فوقهم PageV07P247 # ظلل من النار» الخ نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الابهام على ان ~~لهم خبر لظلل ومن فوقهم متعلق بمحذوف قيل هو حال من ظلل والأظهر انه حال من ~~الضمير في الظرف المقدم ومن النار صفة لظلل أي لهم كائنة من فوقهم ظلل ~~كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض كائنة من النار «ومن تحتهم» أيضا «ظلل» أي ~~اطباق كثيرة بعضها تحت بعض ظلل لآخرين بل لهم أيضا عند ترديهم في دركاتها ~~«ذلك» العذاب الفظيع هو الذي «يخوف الله به عباده» ويحذرهم إياه بآيات ~~الوعيد ليجتنبوا ما يوقعهم فيه «يا عباد فاتقون» ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي ~~وهذه عظة من الله تعالى بالغة منطوية على غاية اللطف والمرحمة وقرئ يا ~~عبادي «والذين اجتنبوا الطاغوت» أي البالغ أقصى غاية الطغيان فعلوت منه ~~بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت ثم وصف ~~به للمبالغة في النعت والمراد به هو الشيطان «أن يعبدوها» بدل اشتمال منه ~~فأن عبادة غير الله تعالى عبادة للشيطان إذ ms2852 هو الآمر بها والمزين لها ~~«وأنابوا إلى الله» واقبلوا اليه معرضين عما سواه اقبالا كليا «لهم البشرى» ~~بالثواب على السنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون وبعد ذلك ~~«فبشر عباد» «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» هم الموصوفون بالاجتناب ~~والإنابة بأعيانهم لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر تشريفا لهم بالإضافة ودلالة ~~على ان مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نقادا في الدين يميزون الحق ~~من الباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل «أولئك» إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ~~ذكر من النعوت الجليلة وما فيه من معنى البعد للايذان بعلو رتبتهم وبعد ~~منزلتهم في الفضل ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده من الموصول أي ~~أولئك المنعوتون بالمحاسن الجميلة «الذين هداهم الله» للذين الحق «وأولئك ~~هم أولوا الألباب» أي هم أصحاب العقول السليمة عن معارضة الوهم ومنازعة ~~الهوى المستحقون للهداية لا غيرهم وفيه دلالة على ان الهداية تحصل بفعل ~~الله تعالى وقبول النفس لها «أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار» بيان الأحوال أضداد المذكورين على طريقة الاجمال وتسجيل عليهم ~~بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعو خطواتها كما يلوح به التعبير عنهم ~~بمن حق عليه كلمة العذاب فإن المراد بها قوله تعالى لإبليس لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين وقوله تعالى لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ~~واصل الكلام امن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه على انها شرطية دخل عليها ~~الهمزة لانكار مضمونها ثم الفاء لعطفها على جملة مستتبعة لها مقدرة بعد ~~الهمزة ليتعلق الانكار والنفي بمضمونيهما PageV07P248 # معا أي أأنت مالك امر الناس فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ثم كررت ~~الهمزة في الجزاء لتأكيد الانكار وتذكيره لما طال الكلام ثم وضع موضع ~~الضمير من في النار لمزيد تشديد الانكار والاستبعاد والتنبيه على ان ~~المحكوم عليه بالعذاب بمنزلة الواقع في النار وان اجتهاده صلى الله عليه ~~وسلم في دعائهم إلى الايمان سعى في إنقاذهم من النار ويجوز ان يكون الجزاء ~~محذوفا وقوله تعالى أفأنت الخ جملة مستقلة مسوقة ms2853 لتقرير مضمون الجملة ~~السابقة وتعيين ما حذف منها وتشديد الانكار بتنزيل من استحق العذاب منزلة ~~من دخل النار وتصوير الاجتهاد في دعائه إلى الايمان بصورة الانقاذ من النار ~~كأنه قيل أولا أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه منه ثم شدد النكير فقيل ~~أفأنت تنقذ من في النار وفيه تلويح بأنه تعالى هو الذي يقدر على الانقاذ لا ~~غيره وحيث كان المراد بمن في النار الذين قيل في حقهم لهم من فوقهم ظلل من ~~النار ومن تحتهم ظلل استدرك منهم بقوله تعالى «لكن الذين اتقوا ربهم لهم ~~غرف من فوقها غرف» وهم الذين خوطبوا بقوله تعالى يا عباد فاتقون ووصفوا بما ~~عدد من الصفات الفاضلة وهم المخاطبون أيضا فيما سبق بقوله تعالى يا عبادي ~~الذين آمنوا اتقوا ربكم الآية وبين ان لهم درجات عالية في جنات النعيم ~~بمقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم أي لهم علالي بعضها فوق بعض ~~«مبنية» بناء المنازل المبنية المؤسسة على الأرض في الرصانة والاحكام «تجري ~~من تحتها» من تحت تلك الغرف «الأنهار» من غير تفاوت بين العلو والسفل «وعد ~~الله» مصدر مؤكد لقوله تعالى لهم غرف الخ فإنه وعد واي وعد «لا يخلف الله ~~الميعاد» لاستحالته عليه سبحانه «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء» ~~استئناف وارد اما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال بما ~~ذكر من أحوال الزرع ترغيبا عن زخارفها وزينتها وتحذيرا من الاغترار بزهرتها ~~كما في نظائر قوله تعالى انما مثل الحياة الدنيا الآية أو للاستشهاد على ~~تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف بما يشاهد من انزال الماء من ~~السماء وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى واحكام حكمته ورحمته والمراد ~~بالماء المطر وقيل كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم ~~يقسمه الله تعالى بين البقاع «فسلكه» فأدخله ونظمه «ينابيع في الأرض» أي ~~عيونا ومجاري كالعروق في الأجساد وقيل مياها نابعة فيها فإن الينبوع يطلق ~~على المنبع والنابع فنصبها على الحال ms2854 وعلى الأول بنزع الجار أي في ينابيع ~~«ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه» أصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفاته من ~~الألوان والطعوم وغيرهما وكلمة ثم للتراخي في الرتبة أو الزمان وصيغة ~~المضارع لاستحضار PageV07P249 # الصورة «ثم يهيج» أي يتم جفافه ويشرف على ان يثور من منابته «فتراه ~~مصفرا» من بعد خضرته ونضرته وقرئ مصفارا «ثم يجعله حطاما» فتاتا متكسرة كأن ~~لم يغن بالأمس ولكون هذه الحالة من الآثار القوية علقت بجعل الله تعالى ~~كالإخراج «إن في ذلك» إشارة إلى ما ذكر تفصيلا وما فيه من معنى البعد ~~للايذان ببعد منزلته في الغرابة والدلالة على ما قصد بيانه «لذكري» لتذكيرا ~~عظيما «لأولي الألباب» لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وتنبيها لهم ~~على حقيقة الحال يتذكرون بذلك أن حال الحياة الدنيا في سرعة التقضى ~~والانصرام كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام فلا يغترون ببهجتها ولا ~~يفتتنون بفتنتها أو يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء وإجرائه ~~في ينابيع الأرض قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف هذا وأما ما قيل إن ~~في ذلك لتذكيرا وتنبيها على أنه لا بد من صانع حكيم وأنه كائن عن تقدير ~~وتدبير لا عن تعطيل وإهمال فبمعزل من تفسير الآية الكريمة وإنما يليق ذلك ~~بما لو ذكر ما ذكر من الآثار الجليلة والافعال الجميلة من غير إسناد لها ~~إلى مؤثر ما فحيث ذكرت مسندة إلى الله عز وجل تعين أن يكون متعلق التذكير ~~والتنبيه شؤونه تعالى أو شؤون آثاره حسبما بين لا وجوده تعالى وقوله تعالى ~~«أفمن شرح الله صدره للإسلام» الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من ~~تخصيص الذكرى بأولي الألباب وشرح الصدر للاسلام عبارة عن تكميل الاستعداد ~~له فإنه محل للقلب الذي هو منبع للروح التي تتعلق بها النفس القابلة ~~للاسلام فانشراحه مستدع لاتساع القلب واستضاءته بنوره فإنه روي انه صلى ~~الله عليه وسلم قال إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح فقيل فما علامة ذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم الإنابة ms2855 إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ~~والتأهب للموت قبل نزوله والكلام في الهمزة والفاء كالذي مر في قوله تعالى ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب وخبر من محذوف لدلالة ما بعده عليه والتقدير اكل ~~الناس سواء فمن شرح الله صدره أي خلقه متسع الصدر مستعدا للاسلام فبقي على ~~الفطرة الأصلية ولم يتغير بالعوارض المكتسبة الفادحة فيها «فهو» بموجب ذلك ~~مستقر «على نور» عظيم «من ربه» وهو اللطف الإلهي الفائض عليه عند مشاهدة ~~الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للاهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه ~~وحرج صدره بسبب تبديل فطرة الله بسوء اختباره واستولى عليه ظلمات الغي ~~والضلالة فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها «فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله» أي من اجل ذكره الذي حقه ان تنشرح له الصدور ~~وتطمئن به القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو آياته اشمأزوا من اجله ~~وازدادت قلوبهم قساوة كقوله تعالى فزادتهم رجسا وقرئ عن ذكر الله أي عن ~~قبوله «أولئك» البعداء الموصوفون بما ذكر من قساوة القلوب «في ضلال» بعد عن ~~الحق «مبين» ظاهر كونه ضلالا لكل أحد قيل نزلت الآية في حمزة وعلي رضي الله ~~عنهما وأبي لهب وولده وقيل في عمار بن PageV07P250 # ياسر رضي الله عنه وأبي جهل وذويه «الله نزل أحسن الحديث» هو القرآن ~~الكريم روى ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا له صلى ~~الله عليه وسلم حدثا حديثا وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم قالوا لو ~~حدثتنا فنزلت والمعنى ان فيه مندوحة عن سائر الأحاديث وفي ايقاع الاسم ~~الجليل مبتدأ وبناء نزل عليه من تفخيم أحسن الحديث ورفع محله والاستشهاد ~~على حسنه وتأكيد استناده اليه تعالى وانه من عنده لا يمكن صدوره عن غيره ~~والتنبيه على أنه وحي معجز مالا يخفي «كتابا» بدل من أحسن الحديث أو حال ~~منه سواء اكتسب من المضاف اليه تعريفا أولا فإن مساغ مجيء الحال من النكرة ~~المضافة اتفاقي ووقوعه حالا مع ms2856 كونه اسما لا صفة اما لاتصافه بقوله تعالى ~~«متشابها» أو لكونه في قوة مكتوبا ومعنى كونه متشابها تشابه معانيه في ~~الصحة والاحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق في المعاد ~~والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في الاعجاز «مثاني» صفة أخرى ~~لكتابا أو حال أخرى منه وهو جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه ~~وأنبائه واحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه وقيل لأنه يثنى في ~~التلاوة وقيل هو جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما في ~~قوله تعالى فارجع البصر كرتين أي كرة بعد كرة ووقوعه صفة لكتابا باعتبار ~~تفاصيله كما يقال القرآن سور وآيات ويجوز ان ينتصب على التمييز من متشابها ~~كما يقال رأيت رجلا حسنا شمائل أي شمائله والمعنى متشابهة مثانيه «تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم» قيل صفة لكتابا أو حال منه لتخصصه بالصفة ~~والأظهر انه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه ~~في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا ~~تقبض تقبضا شديدا وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم اليه الراء ~~ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد يقال اقشعر جلده وقف شعره إذا عرض له خوف ~~شديد من منكر هائل دهمه بغتة والمراد اما بيان افراط خشيتهم بطريق التمثيل ~~والتصوير أو بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق والمعنى انهم ~~إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده اصابتهم هيبة وخشية تقشعر منها جلودهم ~~وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله ~~تعالى «ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» أي ساكنة مطمئنة إلى ذكر ~~رحمته تعالى وانما لم يصرح بها ايذانا بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره ~~تعالى «ذلك» أي الكتاب الذي شرح أحواله «هدى الله يهدي به من يشاء» ان ~~يهديه بصرف مقدوره إلى الاهتداء بتأمله فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ~~ودلائل كونه من عند الله تعالى «ومن يضلل الله» أي يخلق فيه الضلالة ms2857 بصرف ~~قدرته إلى مباديها واعراضه عما يرشده إلى الحق بالكلية وعدم تأثره بوعيده ~~ووعده أصلا أو PageV07P251 # ومن يخذل «فما له من هاد» يخلصه من ورطة الضلال وقيل ذلك الذي ذكر من ~~الخشية والرجاء اثر هداه تعالى يهدي بذلك الأثر من يشاء من عباده ومن يضلل ~~أي من لم يؤثر فيه لطفه لقسوة قلبه واصراره على فجوره فماله من هاد من مؤثر ~~فيه بشيء قط «أفمن يتقي بوجهه» الخ استئناف جار مجري التعليل لما قبله من ~~تباين حالي المهتدي والضال والكلام في الهمزة والفاء وحذف الخبر كالذي مر ~~في نظيريه والتقدير اكل الناس سواء فمن شأنه انه بقي نفسه بوجهه الذي هو ~~اشرف أعضائه «سوء العذاب» أي العذاب السيء الشديد «يوم القيامة» لكون يده ~~التي بها كان يتقي المكاره والمخاوف مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه ~~مكروه ولا يحتاج إلى الاتقاء بوجه من الوجوه وقيل نزلت في أبي جهل «وقيل ~~للظالمين» عطف على يتقي ويقال لهم من جهة خزنة النار وصيغة الماضي الدلالة ~~على التحقق والتقرر وقيل هو حال من ضمير يتقي بإضمار قد ووضع المظهر في ~~مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والاشعار بعلة الامر في قوله تعالى ~~«ذوقوا ما كنتم تكسبون» أي وبال ما كنتم تكسبونه في الدنيا على الدوام من ~~الكفر والمعاصي «كذب الذين من قبلهم» استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض ~~الكفرة من العذاب الدنيوي اثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي أي كذب ~~الذين من قبلهم من الأمم السالفة «فأتاهم العذاب» المقدر لكل أمة منهم «من ~~حيث لا يشعرون» من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم اتيان الشر منها ~~«فأذاقهم الله الخزي» أي الذل والصغار «في الحياة الدنيا» كالمسخ والخسف ~~والقتل والسبي والاجلاء ونحو ذلك من فنون النكال «ولعذاب الآخرة» المعد لهم ~~«أكبر» لشدته وسرمديته «لو كانوا يعلمون» أي لو كان من شأنهم ان يعلموا ~~شيئا لعلموا ذلك واعتبروا به «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل» ~~يحتاج اليه الناظر في ms2858 أمور دينه «لعلهم يتذكرون» كي يتذكروا به ويتعظوا ~~«قرآنا عربيا» حال مؤكدة من هذا على ان مدار التأكيد هو الوصف كقولك جاءني ~~زيد رجلا صالحا أو مدح له «غير ذي عوج» لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه فهو ~~أبلغ من المستقيم وأخص بالمعاني وقيل المراد بالعوج الشك «لعلهم يتقون» علة ~~أخرى مترتبة على الأولى «ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون» ~~PageV07P252 # لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان ان الحكمة في ضربها هو التذكر ~~والاتعاظ بها وتحصيل التقوى والمراد بضرب المثل ههنا تطبيق حالة عجيبة ~~بأخرى مثلها وجعلها مثلها كما مر في سورة يس ومثلا مفعول ثان لضرب ورجلا ~~مفعوله الأول اخر عن الثاني للتشويق اليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي ~~العمدة في التمثيل وفيه ليس بصلة لشركاء كما قيل بل هو خبر له وبيان انه في ~~الأصل كذلك مما لا حاجة اليه والجملة في حيز النصب على انه وصف لرجلا أو ~~الوصف هو الجار والمجرور وشركاء مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على ~~الموصوف فالمعنى جعل الله تعالى مثلا للمشرك حسبما يقود اليه مذهبه من ~~ادعاء كل معبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورونه في ~~مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه «ورجلا» أي وجعل للموحد مثلا رجلا ~~«سلما» أي خالصا «لرجل» فرد ليس لغيره عليه سبيل أصلا وقرئ سلما بفتح السين ~~وكسرها مع سكون اللام والكل مصادر من سلم له كذا أي خلص نعت بها مبالغة أو ~~حذف منها ذو وقرئ سالما وسالم أي وهناك رجل سالم وتخصيص الرجل لأنه أفطن ~~لما يجري عليه من الضر والنفع «هل يستويان مثلا» انكار واستبعاد لاستوائهما ~~ونفي له على أبلغ وجه وآكده وايذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر ~~أحد ان يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في ~~أعلى عليين والاخر في أسفل سافلين وهو السر في ابهام الفاضل والمفضول ~~وانتصاب مثلا على التمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما والاقتصار في ~~التمييز على الواحد ms2859 لبيان الجنس وقرئ مثلين كقوله تعالى أكثر أموالا ~~وأولادا باختلاف النوع أو لان المراد هل يستويان في الوصفين على ان الضمير ~~للمثلين لان التقدير مثل رجل فيه الخ ومثل رجل الخ وقوله تعالى «الحمد لله» ~~تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على ان ~~مالهم من المزية بتوفيق الله تعالى وانها نعمة جليلة موجبة عليهم ان يداموا ~~على حمده وعبادته أو على ان بيانه تعالى بضرب المثل ان لهم المثل الاعلى ~~وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده وعبادته ~~وقوله تعالى «بل أكثرهم لا يعلمون» اضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على ~~الوجه المذكور إلى بيان ان أكثر الناس هم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ~~ظهوره فيبقون في ورطة الشرك والضلال وقوله تعالى «إنك ميت وإنهم ميتون» ~~تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة وقرئ مائت ومائتون وقيل كانوا ~~يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته أي انكم جميعا بصدد الموت «ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم» أي مالك أموركم «تختصمون» فتحتج أنت عليهم بأنك ~~بلغتهم ما أرسلت به من الاحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه ~~الآيات واجتهدت في الدعوة إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد لجوا في المكابرة ~~والعناد وقيل المراد به الاختصام العام الجاري في الدنيا بين الأنام والأول ~~هو الأظهر الأنسب بقوله PageV07P253 # تعالى «فمن أظلم ممن كذب على الله» فإنه إلى آخره مسوق لبيان حال كل من ~~طرفي الاختصام الجاري في شأن الكفر والايمان لا غير أي اظلم من كل ظالم من ~~افترى على الله سبحانه وتعالى بأن أضاف اليه الشريك والولد «وكذب بالصدق» ~~أي بالامر الذي هو عين الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم «إذ جاءه» أي في أول مجيئه من غير تدبر فيه ولا تأمل «أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين» أي لهؤلاء الذين افتروا على الله سبحانه وسارعوا إلى ~~التكذيب بالصدق من أول الامر والجمع باعتبار ms2860 معنى من كما ان الافراد في ~~الضمائر السابقة باعتبار لفظها أو لجنس الكفرة وهم داخلون في الحكم دخولا ~~أوليا «والذي جاء بالصدق وصدق به» الموصول عبارة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن تبعه كما ان المراد في قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب ~~لعلهم يهتدون هو عليه الصلاة والسلام وقومه وقيل عن الجنس المتناول المرسل ~~والمؤمنين بهم ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه والذين جاءوا بالصدق ~~وصدقوا به وقيل هو صفة لموصوف محذوف هو الفوج أو الفريق «أولئك» الموصوفون ~~بما ذكر من المجيء بالصدق والتصديق به «هم المتقون» المنعوتون بالتقوى التي ~~هي اجل الرغائب وقرئ وصدق به بالتخفيف أي صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل ~~عليه من غير تغيير وقيل وصار صادقا به أي بسببه لان ما جاء به من القرآن ~~معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وقرئ صدق به على البناء للمفعول ~~«لهم ما يشاؤون عند ربهم» بيان لما لهم في الآخرة من حسن المآب بعد بيان ~~مالهم في الدنيا من محاسن الاعمال أي لهم كل ما يشاءون من جلب المنافع ودفع ~~المضار في الآخرة لا في الجنة فقط لما ان بعض ما يشاءونه من تكفير السيئات ~~والامن من الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة انما يقع قبل دخول الجنة «ذلك» ~~الذي ذكر من حصول كل ما يشاءونه «جزاء المحسنين» أي الذين أحسنوا اعمالهم ~~وقد مر تفسير الاحسان غير مرة وقوله تعالى «ليكفر الله عنهم أسوأ الذي ~~عملوا» الخ متعلق بقوله تعالى لهم ما يشاءون لكن لا باعتبار منطوقه ضرورة ~~ان التفكير المذكور لا يتصور كونه غاية لثبوت ما يشاءون لهم في الآخرة كيف ~~لا وهو بعض ما سيثبت لهم فيها بل باعتبار فحواه فإنه حيث لم يكن اخبارا بما ~~ثبت لهم فيما مضى بل بما سيثبت لهم فيما سيأتي كان في معنى الوعد به كما مر ~~في قوله تعالى وعد الله فإنه مصدر مؤكد لما قبله من قوله تعالى لهم غرف من ~~فوقها ms2861 غرف فإنه في معنى وعدهم الله غرفا فانتصب به وعد الله كأنه قيل ~~PageV07P254 # وعدهم الله جميع ما يشاءونه من زوال المضار وحصول المسار ليكفر عنهم ~~بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا دفعا لمضارهم «ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي ~~كانوا يعملون» اعطاء لمنافعهم واظهار الاسم الجليل في موقع الاضمار لابراز ~~كمال الاعتناء بمضمون الكلام وإضافة الا الأسوأ والأحسن إلى ما بعدهما ليست ~~من قبيل إضافة المفضل إلى المفضل عليه بل من إضافة الشيء إلى بعضه للقصد ~~إلى التحقيق والتوضيح من غير اعتبار تفضيله عليه وانما المعتبر فيهما مطلق ~~الفضل والزيادة لا على المضاف اليه المعين بخصوصه كما في قولهم الناقص ~~والأشج أعد لأنني مروان خلا ان الزيادة المعتبرة فيهما ليست بطريق الحقيقة ~~بل هي في الأول بالنظر إلى ما يليق بحالهم من استعظام سيئاتهم وان قلت ~~واستصغار حسناتهم وان جلت والثاني بالنظر إلى لطف أكرم الأكرمين من استكثار ~~الحسنة اليسيرة ومقابلتها بالمثوبات الكثيرة وحمل الزيادة على الحقيقة وان ~~أمكن في الأول بناء على أن تخصيص الأسوأ بالذكر لبيان تكفير ما دونه بطريق ~~الأولوية ضرورة استلزام تكفير الأسوأ لتكفير السيء لكن لما لم يكن ذلك في ~~الأحسن كان الأحسن نظمهما في سلك واحد من الاعتبار والجمع بين صيغتي الماضي ~~والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول للايذان باستمرارهم على الاعمال ~~الصالحة بخلاف السيئة «أليس الله بكاف عبده» انكار ونفي لعدم كفايته تعالى ~~على أبلغ وجه وآكده كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على ان ~~يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها والمراد بالعبد اما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو الجنس المنتظم له عليه السلام انتظاما أوليا ويؤيده ~~قراءة من قرا عباده وفسر بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا قراءة من قرا ~~بكافي عباده على الإضافة ويكافىء عباده صيغة المغالبة اما من الكفاية ~~لإفادة المبالغة فيها واما من المكافأة بمعنى المجازاة وهذه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما قالت له قريش انا نخاف ان تخبلك آلهتنا ويصيبك ~~مضرتها ms2862 لعيبك إياها وفي رواية قالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم ~~خبل أو جنون كما قال قوم هود ان نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وذلك قوله ~~تعالى «ويخوفونك بالذين من دونه» أي الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه ~~تعالى والجملة استئناف وقيل حال «ومن يضلل الله» حتى غفل عن كفايته تعالى ~~وعصمته له صلى الله عليه وسلم وخوفه بما لا ينفع ولا يضر أصلا «فما له من ~~هاد» يهديه إلى خير ما «ومن يهد الله فما له من مضل» يصرفه عن مقصده أو ~~يصيبه بسوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته كما ينطق به قوله ~~تعالى «أليس الله بعزيز» غالب لا يغالب منيع لا يمانع ولا ينازع «ذي ~~انتقام» ينتقم من أعدائه لأوليائه واظهار الاسم الجليل في موقع الاضمار ~~لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة PageV07P255 # «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله» لوضوح الدليل وسنوح ~~السبيل «قل» تبكيتا لهم «أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر ~~هل هن كاشفات ضره» أي بعد ما تحققتم ان خالق العالم العلوي والسفلي هو الله ~~عز وجل فأخبروني ان آلهتكم إن أرادني الله بضر هل يكشفن عنى ذلك الضر «أو ~~أرادني برحمة» أي أو أرادني بنفع «هل هن ممسكات رحمته» فيمنعنها عنى وقرئ ~~كاشفات ضره وممسكات رحمته بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته وتعليق إرادة ~~الضر والرحمة بنفسه عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم حيث كانوا خوفوه ~~معرة الأوثان ولما فيه من الايذان بإمحاض النصيحة «قل حسبي الله» أي في ~~جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر روى انه صلى الله عليه وسلم لما سألهم ~~سكتوا فنزل ذلك «عليه يتوكل المتوكلون» لا على غير أصلا لعلمهم بأن كل ما ~~سواه تحت ملكوته تعالى «قل يا قوم اعملوا على مكانتكم» على حالتكم التي ~~أنتم عليها من العداوة التي تمكنتم فيها فإن المكانة تستعار من العين ~~للمعنى كما تستعار هنا وحيث للزمان مع كونهما للمكان وقرئ على مكاناتكم ~~«إني ms2863 عامل» أي على مكانتي فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد والاشعار بأن ~~حاله لا تزال تزداد قوة بنصر الله عز وجل وتأييده ولذلك توعدهم بكونه ~~منصورا عليهم في الدارين بقوله تعالى «فسوف تعلمون» «من يأتيه عذاب يخزيه» ~~فإن خزى أعدائه دليل غلبته عليه الصلاة والسلام وقد عذبهم الله تعالى ~~وأخزاهم يوم بدر «ويحل عليه عذاب مقيم» أي دائم هو عذاب النار «إنا أنزلنا ~~عليك الكتاب للناس» لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في المعاش والمعاد «بالحق» ~~حال من فاعل أنزلنا أو من مفعوله «فمن اهتدى» بأن عمل بما فيه «فلنفسه» أي ~~إنما نفع به نفسه «ومن ضل» بأن لم يعمل بموجبه «فإنما يضل عليها» لما أن ~~وبال ضلاله مقصور عليها «وما أنت عليهم بوكيل» لتجبرهم على الهدى وما ~~وظيفتك إلا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ «الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم ~~تمت في منامها» أي يقبضها من الأبدان PageV07P256 # بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهرا وباطنا كما عند الموت أو ~~ظاهرا فقط كما عند النوم «فيمسك التي قضى عليها الموت» ولا يردها إلى البدن ~~وقرئ قضى على البناء للمفعول ورفع الموت «ويرسل الأخرى» أي النائمة إلى ~~بدنها عند التيقظ «إلى أجل مسمى» هو الوقت المضروب لموته وهو غاية لجنس ~~الإرسال الواقع بعد الإمساك لا لفرد منه فإن ذلك مما لا امتداد فيه ولا ~~كمية وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما إن في ابن آدم نفسا وروحا بينهما ~~مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها ~~النفس والتحرك فتتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم قريب مما ~~ذكر «إن في ذلك» أي فيما ذكر من التوفى على الوجهين والامساك في أحدهما ~~والارسال في الاخر «لآيات» عجيبة دالة على كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول ~~رحمته «لقوم يتفكرون» في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها تارة بالكلية ~~كما عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها وما يعتريها من السعادة ~~والشقاوة وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النوم ms2864 وإرسالها حينا بعد حين إلى ~~انقضاء آجالها «أم اتخذوا» أي بل اتخذ قريش «من دون الله» من دون إذنه ~~تعالى «شفعاء» تشفع لهم عنده تعالى «قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون» الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه أي قل أتتخذونهم ~~شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئا من الأشياء ولا يعقلونه فضلا عن أن يملكوا ~~الشفاعة عند الله تعالى أو هي لإنكار الوقوع ونفيه على ان المراد بيان أن ~~ما فعلوا ليس من اتخاذ الشفعاء في شئ لأنه فرع كون الأوثان شفعاء وذلك أظهر ~~المحالات فالمقدر حينئذ غير ما قدر أولا وعلى أي تقدير كان فالواو للعطف ~~على شرطية قد حذفت لدلالة المذكورة عليها أي أيشفعون لو كانوا يملكون شيئا ~~ولو كانوا لا يملكون الخ وجواب لو محذوف لدلالة المذكور عليه وقد مر تحقيقه ~~مرارا «قل» بعد تبكيتهم وتجهيلهم بما ذكر تحقيقا للحق «لله الشفاعة جميعا» ~~أي هو مالكها لا يستطيع أحد شفاعة ما إلا ان يكون المشفوع له مرتضى والشفيع ~~مأذونا له وكلاهما مفقود ههنا وقوله تعالى «له ملك السماوات والأرض» تقرير ~~له وتأكيد أي له ملكهما وما فيهما من المخلوقات لا يملك أحد أن يتكلم في ~~أمر من أموره بدون إذنه ورضاه «ثم إليه ترجعون» يوم القيامة لا إلى أحد ~~سواه لا استقلالا ولا اشتراكا فيفعل يومئذ ما يريد «وإذا ذكر الله وحده» ~~دون آلهتهم «اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة» أي انقبضت ونفرت كما في ~~قوله تعالى وإذا ذكر ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا «وإذا ذكر ~~الذين من دونه» فرادى أو مع ذكر الله تعالى «إذا هم يستبشرون» لفرط ~~افتتانهم بها ونسيانهم حق الله تعالى ولقد بولغ في بيان حاليهم القبيحتين ~~حيث PageV07P257 # بين الغاية فيهما فإن الاستبشار هو أن يمتلئ القلب سرورا حتى ينبسط له ~~بشرة الوجه والاشمئزاز أن يمتلئ غيظا وغما ينقبض منه أديم الوجه والعامل في ~~إذا الأولى اشمأزت وفي الثانية ما هو العامل في إذا المفاجأة تقديره وقت ~~ذكر الذين ms2865 من دونه فاجأوا وقت الاستبشار «قل اللهم فاطر السماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة» أي التجئ إليه تعالى بالدعاء لما تحيرت في أمر الدعوة ~~وضجرت من شدة شكيمتهم في المكابرة والعناد فإنه القادر على الأشياء بجملتها ~~والعالم بالأحوال برمتها «أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون» أي ~~حكما يسلمه كل مكابر معاند ويخضع له كل عات مارد وهو العذاب الدنيوي أو ~~الأخروي وقوله تعالى «ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا» الخ كلام ~~مستأنف مسوق لبيان آثار الحكم الذي استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وغاية ~~شدته وفظاعته أي لو ان لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر «ومثله ~~معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة» أي لجعلوا كل ذلك فدية لأنفسهم ~~من العذاب الشديد وهيهات ولات حين مناص وهذا كما ترى وعيد شديد وإقناط لهم ~~من الخلاص «وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» أي ظهر لهم من فنون ~~العقوبات ما لم يكن في حسابهم وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها ونظيره ~~في الوعد قوله تعالى فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين «وبدا لهم سيئات ~~ما كسبوا» سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض عليهم صحائفهم «وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون» أي أحاط بهم جزاؤه «فإذا مس الإنسان ضر دعانا» إخبار عن ~~الجنس بما يفعله غالب أفراده والفاء لترتيب ما بعدها من المناقضة والتعكيس ~~على ما مر من حالتيهم القبيحتين وما بينهما اعتراض مؤكد للإنكار عليهم أي ~~إنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده ويستبشرون بذكر الالهة فإذا مسهم ضر ~~دعوا من اشمأزوا عن ذكره دون من استبشروا بذكره «ثم إذا خولناه نعمة منا» ~~أعطيناه إياها تفصلا فإن التخويل مختص به لا يطلق على ما أعطى جزاء «قال ~~إنما أوتيته على علم» أي على علم منى بوجوه كسبه أو أبى فأعطاه لما لي من ~~الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بي وباستحقاقى والهاء لما إن جعلت ~~موصولة وإلا فلنعمة والتذكير ms2866 لما أن المراد شئ نعمة «بل هي فتنة» أي محنة ~~وابتلاء له أيشكر PageV07P258 # أم يكفر وهو رد لما قاله وتغيير السبك للمبالغة فيه والإيذان بأن ذلك ليس ~~من باب الإيتاء المنبئ عن الكرامة وإنما هو أمر مباين له بالكلية وتأنيث ~~الضمير باعتبار لفظ النعمة أو باعتبار الخبر وقرئ بالتذكير «ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون» ان الامر كذلك وفيه دلالة على ان المراد بالانسان هو الجنس «قد ~~قالها الذين من قبلهم» الهاء لقوله إنما أوتيته على علم لأنها كلمة أو جملة ~~وقرئ بالتذكير والموصول عبارة عن قارون وقومه حيث قال إنما أوتيته على علم ~~عندي وهم راضون به «فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون» من متاع الدنيا ويجمعون ~~منه «فأصابهم سيئات ما كسبوا» جزاء سيئات أعمالهم أو أجزية ما كسبوا ~~وتسميتها سيئات لأنها في مقابلة سيئاتهم وجزاء سيئة سيئة مثلها «والذين ~~ظلموا من هؤلاء» المشركين ومن للبيان أو للتبعيض أي أفرطوا في الظلم والعتو ~~«سيصيبهم سيئات ما كسبوا» من الكفر والمعاصي كما أصاب أولئك والسين للتأكيد ~~وقد أصابهم أي إصابة حيث قحطوا سبع سنين وقتل صناديدهم يوم بدر «وما هم ~~بمعجزين» أي فائتين «أولم يعلموا» أي أقالوا ذلك ولم يعلموا أو أغفلوا ولم ~~يعلموا «أن الله يبسط الرزق لمن يشاء» ان يبسطه له «ويقدر» لمن يشاء ان ~~يقدره له من غير أن يكون لاحد مدخل ما في ذلك حيث حبس عنهم الرزق سبعا ثم ~~بسطه لهم سبعا «إن في ذلك» الذي ذكر «لآيات» دالة على أن الحوادث كافة من ~~الله عز وجل «لقوم يؤمنون» إذ هم المستدلون بها على مدلولاتها «قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم» أي أفرطوا في الجناية عليها بالاسراف في المعاصي ~~وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن الكريم «لا تقنطوا من ~~رحمة الله» أي لا تيأسوا من مغفرته أولا ولا تفضله ثانيا «إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا» عفوا لمن يشاء ولو بعد حين بتعذيب في الجملة وبغيره حسبما ~~يشاء وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر كيف لا ms2867 وقوله تعالى إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ظاهر في الاطلاق فيما عدا الشرك ومما ~~يدل عليه التعليل بقوله تعالى «إنه هو الغفور الرحيم» على المبالغة وإفادة ~~الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعى عموم المغفرة في عبادي ~~من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف ~~بأنفسهم والنهى عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها ~~وتعليله بأن الله يغفر الذنوب ووضع الاسم الجليل موضع PageV07P259 # الضمير لدلالته على أنه المستغنى والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجميع ~~وما روى من أسباب النزول الدالة على ورود الآية فيمن تاب لا يقتضى اختصاص ~~الحكم بهم ووجوب حمل المطلق على المقيد في كلام واحد مثل أكرم الفضلاء أكرم ~~الكاملين غير مسلم فكيف فيما هو بمنزلة كلام واحد ولا يخل بذلك الامر ~~بالتوبة والاخلاص في قوله تعالى «وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون» إذ ليس المدعي ان الآية تدل على حصول المغفرة ~~لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغنى عن الامر بهما وتنافي الوعيد بالعذاب ~~«واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم» أي القرآن أو المأمور به دون المنهي ~~عنه أو العزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ ولعله ما هو أنجى واسلم ~~كالإنابة والمواظبة على الطاعة «من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا ~~تشعرون» بمجيئه لتتداركوا وتتأهبوا له «أن تقول نفس» أي كراهة ان تقول ~~والتنكير للتكثير كما في قوله تعالى عملت نفس ما أحضرت فإنه مسلك ربما يسلك ~~عند إرادة التكثير والتعميم وقد مر تحقيقه في مطلع سورة الحجر «يا حسرتي» ~~بالألف بدلا من ياء الإضافة وقرئ يا حسرتاه بهاء السكت وقفا وقرئ يا حسرتاي ~~بالجمع بين العوضين وقرئ يا حسرتي على الأصل أي احضري فهذا أو ان حضورك ~~«على ما فرطت» أي على تفريطي وتقصيري «في جنب الله» أي جانبه وفي حقه ~~وطاعته وعليه قول من قال * اما تتقين الله في جنب وامق ms2868 * له كبد حرى وعين ~~ترقرق * وهو كناية فيها مبالغة وقيل في ذات الله على تقدير مضاف كالطاعة ~~وقيل في قربه من قوله تعالى والصاحب بالجنب وقرئ في ذكر الله «وإن كنت لمن ~~الساخرين» أي المستهزئين بدين الله تعالى وأهله ومحل الجملة النصب على ~~الحال أي فرطت وانا ساخر «أو تقول لو أن الله هداني» بالارشاد إلى الحق ~~«لكنت من المتقين» الشرك والمعاصي «أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة» ~~رجعة إلى الدنيا «فأكون من المحسنين» في العقيدة والعمل واو للدلالة على ~~انها لا تخلو عن هذه الأقوال تحسرا وتحيرا وتعللا بما لا طائل تحته وقوله ~~تعالى «بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين» رد من ~~الله تعالى عليه لما تضمنه قوله لو ان الله هداني من معنى النفي ~~PageV07P260 # وفضله عنه لما ان تقديمه يفرق القرائن وتأخير المردود يخل بالترتيب ~~الوجودي لأنه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة وهو لا ~~يمنع تأثير قدرة الله تعالى في فعل العبد ولا ما فيه من اسناد الفعل اليه ~~كما عرفت وتذكير الخطاب باعتبار المعنى وقرئ بالتأنيث «ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله» بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه كاتخاذ الولد «وجوههم ~~مسودة» بما ينالهم من الشدة أو بما يتخيل عليها من ظلمة الجهل والجملة حال ~~قد اكتفى فيها بالضمير عن الواو على ان الرؤية بصرية أو مفعول ثان لها على ~~انها عرفانية «أليس في جهنم مثوى» أي مقام «للمتكبرين» عن الايمان والطاعة ~~وهو تقرير لما قبله من رؤيتهم كذلك «وينجي الله الذين اتقوا» الشرك ~~والمعاصي أي من جهنم وقرئ ينجي من الانجاء «بمفازتهم» مصدر ميمي اما من فاز ~~بالمطلوب أي ظفر به والباء متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمقارنة ~~تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب أي ينجيهم الله تعالى من مثوى المتكبرين ~~ملتبسين بفوزهم بمطلوبهم الذي هو الجنة وقوله تعالى «لا يمسهم السوء ولا هم ~~يحزنون» اما حال أخرى من الموصول أو من ضمير ms2869 مفازتهم مفيدة لكون نجاتهم أو ~~فوزهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن واما من فاز منه أي نجا منه ~~والباء للملابسة وقوله تعالى لا يمسهم إلى آخره تفسير وبيان لمفازتهم أي ~~ينجيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصة بهم أي بنفي السوء والحزن عنهم ~~أو للسببية اما على حذف المضاف أي ينجيهم بسبب مفازتهم التي هي تقواهم كما ~~يشعر به ايراده في حيز الصلة واما على اطلاق المفازة على سببها الذي هو ~~التقوى وليس المراد نفي دوام المساس والحزن بل دوام نفيهما كما مر مرارا ~~«الله خالق كل شيء» من خير وشر وايمان وكفر لكن لا بالجبر بل بمباشرة ~~الكاسب لأسبابها «وهو على كل شيء وكيل» يتولى التصرف فيه كيفما يشاء «له ~~مقاليد السماوات والأرض» لا يملك امرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره وهو ~~عبارة عن قدرته تعالى وحفظه لها وفيها مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد ~~لان الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها الا من بيده مفاتيحها وهو جمع مقليد ~~أو مقلاد من قلدته إذا ألزمته وقبل جمع أقليد معرب كليد على الشذوذ ~~كالمذاكير وعن عثمان رضي الله عنه انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المقاليد فقال صلى الله عليه وسلم تفسيرها لا اله الا الله والله أكبر ~~وسبحان الله وبحمده واستغفر الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ~~هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير ~~والمعنى على هذا ان لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير ~~السماوات والأرض من تكلم بها اصابه «والذين كفروا بآيات الله أولئك هم ~~الخاسرون» متصل بما قبله والمعنى ان الله تعالى خالق لجميع الأشياء ~~PageV07P261 # ومتصرف فيها كيفما يشاء بالاحياء والأمانة بيده مقاليد العالم العلوي ~~والسفلي والذين كفروا بآياته التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس ~~والتنزيلية التي من جملتها هاتيك الآيات الناطقة بذلك هم الخاسرون خسرانا ~~لأخسار وراءه هذا وقيل هو متصل بقوله تعالى وينجي الله وما بينهما اعتراض ~~فتدبر «قل أفغير الله ms2870 تأمروني أعبد أيها الجاهلون» أي ابعد مشاهدة هذه ~~الآيات غير الله اعبد وتأمروني اعتراض للدلالة على انهم أمروه به عقيب ذلك ~~وقالوا استلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك لفرط غباوتهم ويجوز ان ينتصب غير بما ~~يدل عليه تأمروني اعبد لأنه بمعنى تعبدونني وتقولون اعبد على ان أصله ~~تأمرونني ان اعبد فحذف ان ورفع ما بعدها كما في قوله [الا أيهذا الزاجري ~~احضر الوغي * وان اشهد اللذات هل أنت مخلدي] ويؤيده قراءة اعبد بالنصب وقرئ ~~تأمرونني بإظهار النونين على الأصل وبحذف الثانية «ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك» أي من الرسل عليهم السلام «لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين» كلام وارد على طريقة الفرض لتهييج الرسل وإقناط الكفرة ~~والايذان بغاية شناعة الاشراك وقبحه وكونه بحيث ينهي عنه من لا يكاد يمكن ~~ان يباشره فكيف بمن عداه وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد واللام الأولى ~~موطئة للقسم والاخريان للجواب واطلاق الاحباط يحتمل ان يكون من خصائصهم عند ~~الاشراك لان الاشراك منهم أشد وأقبح وان يكون مقيدا بالموت كما صرح به في ~~قوله تعالى من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت اعمالهم وعطف ~~الخسران عليه من عطف المسبب على السبب «بل الله فاعبد» رد لما أمروه به ~~ولولا دلالة التقديم على القصر لم يكن كذلك «وكن من الشاكرين» انعامه عليك ~~وفيه إشارة إلى ما يوجب الاختصاص ويقتضيه «وما قدروا الله حق قدره» ما ~~قدروا عظمته تعالى في أنفسهم حق عظمته حيث جعلوا له شريكا ووصفوه بما لا ~~يليق بشئونه الجليلة وقرئ بالتشديد «والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه» تنبيه على غاية عظمته وكمال قدرته وحقارة الافعال ~~العظام التي تتحير فيها الأوهام بالنسبة إلى قدرته تعالى ودلالة على ان ~~تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار ~~القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا كقولهم شابت لمة الليل والقبضة المرة من ~~القبض أطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار PageV07P262 # المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة وقرئ بالنصب ms2871 على الظرف ~~تشبيها للموقت بالمبهم وتأكيد الأرض بالجميع لان المراد بها الأرضون السبع ~~أو جميع ابعاضها البادية والغائرة وقرئ مطويات على انها حال والسماوات ~~معطوفة على الأرض منظومة في حكمها «سبحانه وتعالى عما يشركون» ما ابعد وما ~~أعلى من هذه قدرته وعظمته عن اشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء «ونفخ في ~~الصور» هي النفخة الأولى «فصعق من في السماوات ومن في الأرض» أي خروا ~~أمواتا ومغشيا عليهم «إلا من شاء الله» قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~فإنهم لا يموتون بعد وقيل حملة العرش «ثم نفخ فيه أخرى» نفخة أخرى هي ~~النفخة الثانية وأخرى يحتمل النصب والرفع «فإذا هم قيام» قائمون من قبورهم ~~أو متوقفون وقرئ بالنصب على ان الخبر «ينظرون» وهو حال من ضميره والمعنى ~~يقلبون ابصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ما يفعل بهم «وأشرقت ~~الأرض بنور ربها» بما أقام فيها من العدل استعير له النور لأنه يزين البقاع ~~ويظهر الحقوق كما يسمى الظلم ظلمة وفي الحديث الظلم ظلمات يوم القيامة ~~ولذلك أضيف الاسم الجليل إلى ضمير الأرض أو بنور خلقه فيها بلا توسط أجسام ~~مضيئة ولذلك أضيف إلى الاسم الجليل «ووضع الكتاب» الحساب والجزاء من وضع ~~المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه أو صحائف الاعمال في أيدي العمال واكتفى ~~باسم الجنس عن الجمع وقيل اللوح المحفوظ يقابل به الصحائف «وجئ بالنبيين ~~والشهداء» للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين وقيل المستشهدون «وقضي ~~بينهم» بين العباد «بالحق وهم لا يظلمون» بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما ~~جرى به الوعد «ووفيت كل نفس ما عملت» أي جزاءه «وهو أعلم بما يفعلون» فلا ~~يفوته شيء من افعالهم وقوله تعالى «وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا» الخ ~~تفصيل للتوفية وبيان لكيفيتها أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجا ~~متفرقة بعضها في اثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة ~~والزمر جمع زمرة واشتقاقها من الزمر وهو PageV07P263 # الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه «حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها» ليدخلوها ~~وحتى هي التي تحكي بعدها الجملة ms2872 وقرئ بالتشديد «وقال لهم خزنتها» تقريعا ~~وتوبيخا «ألم يأتكم رسل منكم» من جنسكم وقرئ نذر منكم «يتلون عليكم آيات ~~ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا» أي وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار وفيه ~~دليل على انه لا تكليف قبل الشرع من حيث انهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل ~~وتبليغ الكتب «قالوا بلى» قد أتونا وأندرونا «ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين» حيث قال الله تعالى لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين وقد كنا ممن اتبعه وكذبنا الرسل وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم ~~إلا تكذبون «قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها» أي مقدرا خلودكم فيها ~~وإبهام القائل لتهويل المقول «فبئس مثوى المتكبرين» اللام للجنس والمخصوص ~~بالذم محذوف ثقة بذكره آنفا أي فبئس مثواهم جهنم ولا يقدح ما فيه من ~~الإشعار بأن كون مثواهم جهنم لتكبرهم عن الحق في أن دخولهم النار لسبق كلمة ~~العذاب عليهم فإنها إنما حقت عليهم بناء على تكبرهم وكفرهم وقد مر تحقيقه ~~في سورة ألم السجدة «وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة» مساق إعزاز وتشريف ~~للإسراع بهم إلى دار الكرامة وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين ~~«زمرا» متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل وعلو الطبقة «حتى إذا جاؤوها ~~وفتحت أبوابها» وقرئ بالتشديد وجواب إذا محذوف للإيذان بأن لهم حينئذ من ~~فنون الكرامات ما لا يحدق به نطاق العبارات كأنه قيل حتى إذا جاءوها وقد ~~فتحت أبوابها «وقال لهم خزنتها سلام عليكم» من جميع المكاره والآلام «طبتم» ~~طهرتم من دنس المعاصي أو طبتم نفسا بما أتيح لكم من النعيم «فادخلوها ~~خالدين» كان ما كان مما يقصر عنه البيان «وقالوا الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده» بالبعث والثواب «وأورثنا الأرض» يريدون المكان الذي استقروا فيه على ~~الاستعارة وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف ~~فيها تمكين الوارث فيما يرثه «نتبوأ من الجنة حيث نشاء» أي نتبوأ كل واحد ~~منا في أي مكان أراده من جنته الواسعة على أن فيها مقامات معنوية ms2873 لا يتمانع ~~واردوها «فنعم أجر العاملين» الجنة «وترى الملائكة حافين» محدقين «من حول ~~العرش» أي حوله PageV07P264 # ومن مزيدة أو لابتداء الحفوف «يسبحون بحمد ربهم» أي ينزهونه تعالى عما لا ~~يليق به متلبسين بحمده والجملة حال ثانية أو مقيدة للأولى والمعنى ذاكرين ~~له تعالى بوصفى جلاله وإكرامه تلذذا به وفيه إشعار بأن أقصى درجات العليين ~~وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في شؤونه عز وجل «وقضي بينهم بالحق» أي بين ~~الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة أو بين الملائكة بإقامتهم في ~~منازلهم على حسب تفاضلهم «وقيل الحمد لله رب العالمين» أي على ما قضى بيننا ~~بالحق وأنزل كلامنا منزلته التي هي حقه والقائلون هم المؤمنون ممن قضى ~~بينهم أو الملائكة وطى ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله تعالى رجاءه يوم القيامة وأعطاه ثواب ~~الخائفين وعن عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ كل ليلة ~~بنى إسرائيل والزمر سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون آية «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» «حم» بتفخيم الألف وتسكين الميم وقرئ بإمالة الألف ~~وبإخراجها بين بين وبفتح الميم لالتقاء الساكنين أو نصبها بإضمار اقرأ ~~ونحوه ومنع الصرف للتعريف وكونها على زنة قابيل وهابيل وبقية الكلام فيه ~~وفي قوله تعالى «تنزيل الكتاب» كالذي سلف في ألم السجدة وقوله تعالى «من ~~الله العزيز العليم» كما في مطلع سورة الزمر في الوجوه كلها ووجه التعرض ~~لنعتى العزة والعلم ما ذكر هناك «غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي ~~الطول» إما صفات أخر لتحقيق ما فيها من الترغيب والترهيب والحث على ما هو ~~المقصود والإضافة فيها حقيقية على أنه لم يرد بها زمان مخصوص وأريد بشديد ~~العقاب مشدده أو الشديد عقابه بحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس أو إبدال ~~وجعله وحده بدلا كما فعله الزجاج مشوش للنظم وتوسيط الواو بين الأولين ~~لإفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم ~~الاتحاد أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر ms2874 هو الستر مع بقاء الذنب وذلك لمن ~~لم يتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له والتوب مصدر كالتوبة وقيل هو ~~جمعها والطول الفضل بترك العقاب المستحق وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات ~~الرحمة دليل سبقها PageV07P265 # ورجحا بها «لا إله إلا هو» فيجب الاقبال الكلى على طاعته في أوامره ~~ونواهيه «إليه المصير» فحسب لا إلى غيره لا استقلالا ولا اشتراكا فيجزى كلا ~~من المطيع والعاصي «ما يجادل في آيات الله» أي بالطعن فيها واستعمال ~~المقدمات الباطلة لإدحاض الحق كقوله تعالى وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ~~«إلا الذين كفروا» بها وأما الذين آمنوا فلا يخطر ببالهم شائبة شبهة منها ~~فضلا عن الطعن فيها وأما الجدال فيها لحل مشكلاتها وكشف معضلاتها واستنباط ~~حقائقها الكلية وتوضيح مناهج الحق في مضايق الأفهام ومزالق الاقدام وإبطال ~~شبه أهل الزيغ والضلال فمن أعظم الطاعات ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن ~~جدالا في القرآن كفر بالتنكير للفرق بين جدال وجدال والفاء في قوله تعالى ~~«فلا يغررك تقلبهم في البلاد» لترتيب النهى أو وجوب الانتهاء على ما قبلها ~~من التسجيل عليهم بالكفر الذي لا شئ أمقت منه عند الله تعالى ولا أجلب ~~لخسران الدنيا والآخرة فإن من تحقق ذلك لا يكاد يغتر بما لهم من حظوظ ~~الدنيا وزخارفها فإنهم مأخوذون عما قليل أخذ من قبلهم من الأمم حسبما ينطق ~~به قوله تعالى «كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم» أي الذين تحزبوا على ~~الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح مثل عاد وثمود وأضرابهم «وهمت كل أمة» من تلك ~~الأمم العاتية «برسولهم» وقرئ برسولها «ليأخذوه» ليتمكنوا منه فيصيبوا به ~~ما أرادوا من تعذيب أو قتل من الاخذ بمعنى الأسر «وجادلوا بالباطل» الذي لا ~~أصل ولا حقيقة له أصلا «ليدحضوا به الحق» الذي لا محيد عنه كما فعل هؤلاء ~~«فأخذتهم» بسبب ذلك اخذ عزيز مقتدر «فكيف كان عقاب» الذي عاقبتهم به فإن ~~آثار دمارهم عبرة للناظرين ولآخذن هؤلاء أيضا لاتحادهم في الطريقة ~~واشتراكهم في الجريرة كما ينبئ عنه قوله ms2875 تعالى «وكذلك حقت كلمة ربك» أي كما ~~وجب وثبت حكمه تعالى وقضاؤه بالتعذيب على أولئك الأمم المكذبة المتحزبة على ~~رسلهم المجادلة بالباطل لإدحاض الحق به وجب أيضا «على الذين كفروا» أي ~~كفروا بك وتحزبوا عليك وهموا بما لم ينالوا كما ينبئ عنه إضافة اسم الرب ~~إلى ضميره صلى الله عليه وسلم فإن ذلك للاشعار بان وجوب كلمة العذاب عليهم ~~من احكام تربيته التي من جملتها نصرته صلى الله عليه وسلم وتعذيب أعدائه ~~وذلك إنما يتحقق بكون الموصول عبارة عن كفار قومه لا عن الأمم المهلكة ~~وقوله تعالى «أنهم أصحاب النار» في حيز النصب بحذف لام التعليل أي لأنهم ~~مستحقو أشد العقوبات وأفظعها التي هي عذاب النار وملازموها ابدا لكونهم ~~كفارا معاندين متحزبين على الرسول صلى الله عليه وسلم كدأب من قبلهم من ~~الأمم المهلكة فهم لسائر فنون العقوبات أشد استحقاقا وأحق استيجابا وقيل هو ~~في محل الرفع على انه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك PageV07P266 # الوجوب وجب على الكفرة المهلكة كونهم من أصحاب النار أي كما وجب إهلاكهم ~~في الدنيا بعذاب الاستئصال كذلك وجب تعذيبهم بعذاب النار في الآخرة ومحل ~~الكاف على التقديرين النصب على انه نعت لمصدر محذوف «الذين يحملون العرش ~~ومن حوله» وهم أعلى طبقات الملائكة عليهم السلام وأولهم وجودا وحملهم إياه ~~وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له وكناية عن زلفاهم من ذي العرش جل ~~جلاله ومكانتهم عنده ومحل الموصول الرفع عل الابتداء خبره «يسبحون بحمد ~~ربهم» والجملة استئناف مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن ~~أشراف الملائكة عليهم السلام مثابرون على ولاية من معه من المؤمنين ونصرتهم ~~واستدعاء ما يسعدهم في الدارين أي ينزهونه تعالى عن كل ما لا يليق بشأنه ~~الجليل ملتبسين بحمده على نعمائه التي لا تتناهى «ويؤمنون به» إيمانا حقيقا ~~بحالهم والتصريح به مع الغنى عن ذكره رأسا لإظهار فضيلة الايمان وإبراز شرف ~~أهله والاشعار بعلة دعائهم للمؤمنين حسبما ينطق به قوله تعالى «ويستغفرون ~~للذين آمنوا» فإن المشاركة في ms2876 الايمان أقوى المناسبات وأتمها وأدعى الدواعي ~~إلى النصح والشفقة وفي نظم استغفارهم لهم في سلك وظائفهم المفروضة عليهم من ~~تسبيحهم وتحميدهم وإيمانهم إيذان بكمال اعتنائهم به وإشعار بوقوعه عند الله ~~تعالى في موقع القبول روى أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورءوسهم قد ~~خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة فإن خلقا من ~~الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض ~~السفلى وقد مرق رأسه من سبع سماوات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير ~~كأنه الوصع وفي الحديث أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام ~~على حملة العرش تفضيلا لهم على سائرهم وقيل خلق الله تعالى العرش من جوهرة ~~خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام وقيل ~~حول العرش سبعون الف صف من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم ~~سبعون الف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير ومن ورائهم مائة الف صف قد وضعوا أيمانهم على الشمائل ما منهم أحد ~~إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر «ربنا» على إرادة القول أي يقولون ربنا ~~على أنه إما بيان لاستغفارهم أو حال «وسعت كل شيء رحمة وعلما» أي وسعت ~~رحمتك وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه تعالى بالرحمة والعلم والمبالغة ~~في عمومهما وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات ههنا والفاء في قوله تعالى ~~«فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك» أي للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل ~~الحق لترتيب الدعاء على ما قبلها من سعة الرحمة والعلم «وقهم عذاب الجحيم» ~~واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد PageV07P267 # «ربنا وأدخلهم» عطف على قهم وتوسيط النداء بينهما للمبالغة في الجؤار ~~«جنات عدن التي وعدتهم» أي وعدتهم إياها وقرئ جنة عدن «ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم» أي صلاحا مصححا لدخول الجنة في الجملة وإن كان دون صلاح ms2877 ~~أصولهم وهو عطف على الضمير الأول أي وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ~~ويتضاعف ابتهاجهم أو على الثاني لكن لا بناء على الوعد العام للكل كما قيل ~~إذ لا يقي حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاص بهم بقوله تعالى ألحقنا ~~بهم ذريتهم بأن يكونوا أعلى درجة من ذريتهم قال سعيد بن جبير يدخل المؤمن ~~الجنة فيقول أين أبي أين ولدي أين زوجي فيقال إنهم لم يعملوا مثل عملك ~~فيقول إني كنت أعمل لي ولهم فيقال أدخلوهم الجنة وسبق الوعد بالإدخال ~~والإلحاق لا يستدعى حصول الموعود بلا توسط شفاعة واستغفار وعليه مبنى قول ~~من قال فائدة الاستغفار زيادة الكرامة والثواب والأول هو الأولى لأن الدعاء ~~بالإدخال فيه صريح وفي الثاني ضمني وقرئ صلح بالضم وذريتهم بالإفراد «إنك ~~أنت العزيز» أي الغالب الذي لا يمتنع عليه مقدور «الحكيم» أي الذي لا يفعل ~~إلا ما تقتضيه الحكمة الباهرة من الأمور التي من جملتها إنجاز الوعد ~~فالجملة تعليل لما قبلها «وقهم السيئات» أي العقوبات لأن جزاء السيئة سيئة ~~مثلها أو جزاء السيئات على حذف المضاف وهو تعميم بعد تخصيص أو مخصوص ~~بالاتباع أو المعاصي في الدنيا فمعنى قوله تعالى «ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته» ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم طلبوا لهم ~~السبب بعد ما سألوا المسبب «وذلك» إشارة إلى الرحمة المفهومة من رحمته أو ~~إليها وإلى الوقاية وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من الإشعار ببعد ~~درجة المشار إليه «هو الفوز العظيم» الذي لا مطمع وراءه لطامع «إن الذين ~~كفروا» شروع في بيان أحوال الكفرة بعد دخول النار بعد ما بين فيما سبق أنهم ~~أصحاب النار «ينادون» أي من مكان بعيد وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم ~~الأمارة بالسوء التي وقعوا فيما وقعوا باتباع هواها أو مقت بعضهم بعضا من ~~الأحباب كقوله تعالى يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا أي أبغضوها أشد ~~البغض وأنكروها أبلغ الانكار وأظهروا ذلك على رؤوس الاشهاد فيقال لهم عند ~~ذلك ms2878 «لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم» أي لمقت الله أنفسكم الأمارة بالسوء ~~أو مقته إياكم في الدنيا «إذ تدعون» من جهة الأنبياء «إلى الإيمان» فتأبون ~~قبوله «فتكفرون» اتباعا لأنفسكم الأمارة ومسارعة إلى هواها أو اقتداء ~~بأخلائكم المضلين واستحبابا لآرائهم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة أو من ~~مقت بعضكم بعضا PageV07P268 # اليوم فإذا ظرف للمقت الأول وإن توسط بينهما الخبر لما في الظروف من ~~الاتساع وقيل لمصدر آخر مقدر أي مقته إياكم إذ تدعون وقيل مفعول لأذكروا ~~والأول هو الوجه وقيل كلا المقتين في الآخرة وإذ تدعون تعليل لما بين الظرف ~~والسبب من علاقة اللزوم والمعنى لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقتكم أنفسكم ~~لما كنتم تدعون إلى الايمان فتكفرون وتخصيص هذا الوجه بصورة كون المراد ~~بأنفسهم أضرابهم مما لا داعي إليه «قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين» صفتان لمصدري الفعلين المذكورين أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين ~~وحياتين على أنهما مصدران لهما أيضا بحذف الزوائد ولفعلين يدل عليهما ~~المذكوران فإن الإماتة والإحياء ينبئان عن الموت والحياة حتما كأنه قيل ~~أمتنا فمتنا موتتين اثنتين وأحييتنا فحيينا حياتين اثنتين على طريقة قول من ~~قال [وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع * من المال إلا مسحت أو مجلف] أي لم تدع ~~فلم يبق إلا مسحت الخ قيل أرادوا بالأمانة الأولى خلقهم أمواتا وبالثانية ~~إماتتهم عند انقضاء آجالهم على أن الإماتة جعل الشئ عادم الحياة أعم من أن ~~يكون بإنشائه كذلك كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل أو بجعله ~~كذلك بعد الحياة وبالإحياءين الإحياء الأول وإحياء البعث وقيل أرادوا ~~بالإماتة الأولى ما بعد حياة الدنيا وبالثانية ما بعد حياة القبر ~~وبالإحياءين ما في القبر وما عند البعث وهو الأنسب بحالهم وأما حديث لزوم ~~الزيادة على النص ضرورة تحقق حياة الدنيا فمدفوع لكن لا بما قيل من عدم ~~اعتدادهم بها لزوالها وانقضائها وانقطاع آثارها وأحكامها بل بأن مقصودهم ~~إحداث الاعتراف بما كانوا ينكرونه في الدنيا كما ينطق به قولهم «فاعترفنا ~~بذنوبنا» والتزام العمل بموجب ms2879 ذلك الاعتراف ليتوسلوا بذلك إلى ما علقوا به ~~أطماعهم الفارغة من الرجع إلى الدنيا كما قد صرحوا به حيث قالوا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون وهو الذي أرادوه بقولهم «فهل إلى خروج من سبيل» مع ~~نوع استبعاد له واستشعار يأس منه لا أنهم قالوه بطريق القنوط البحت كما قيل ~~ولا ريب في ان الذي كان ينكرونه ويفرعون عليه فنون الكفر والمعاصي ليس إلا ~~الإحياء بعد الموت وأما الاحياء الأول فلم يكونوا ينكرونه لينظموه في سلك ~~ما اعترفوا به وزعموا أن الاعتراف يجديهم نفعا وإنما ذكروا الموتة الأولى ~~مع كونهم معترفين بها في الدنيا لتوقف حياة القبر عليها وكذا حال الموتة في ~~القبر فإن مقصدهم الأصلي هو الاعتراف بالإحياءين وإنما ذكروا الإماتتين ~~لترتيبهما عليهما ذكرا حسب ترتيبهما عليهما وجودا وتنكير سبيل للإبهام أي ~~من سبيل ما كيفما كان وقوله تعالى «ذلكم» الخ جواب لهم باستحالة حصول ما ~~يرجونه ببيان ما يوجبها من أعمالهم السيئة أي ذلكم الذي أنتم فيه من العذاب ~~مطلقا لا مقيدا بالخلود كما قيل «بأنه» أي بسبب أن الشأن «إذا دعي الله» في ~~الدنيا أي عبد «وحده» أي منفردا «كفرتم» أي بتوحيده «وإن PageV07P269 # يشرك به تؤمنوا» أي بالإشراك به وتسارعوا فيه وفي إيراد إذا وصيغة الماضي ~~في الشرطية الأولى وإن وصيغة المضارع في الثانية مالا يخفى من الدلالة على ~~كمال سوء حالهم وحيث كان حالكم كذلك «فالحكم لله» الذي لا يحكم الا بالحق ~~ولا يقضي الا بما تقتضيه الحكمة «العلي الكبير» الذي ليس كمثله شيء في ذاته ~~ولا في صفاته ولا في افعاله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه وقد ~~حكم بأنه لا مغفرة للمشرك ولا نهاية لعقوبته كما لا نهاية لشناعته فلا سبيل ~~لكم إلى الخروج ابدا «هو الذي يريكم آياته» الدالة على شؤونه العظيمة ~~الموجبة لتفرده بالألوهية لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبها فتوحدوه ~~تعالى وتخصوه بالعبادة «وينزل» بالتشديد وقرئ بالتخفيف من الانزال «لكم من ~~السماء رزقا» أي سبب رزق وهو المطر وافراده ms2880 بالذكر مع كونه من جملة الآيات ~~الدالة على كمال قدرته تعالى لنفرده بعنوان كونه من آثار رحمته وجلائل ~~نعمته الموجبة للشكر وصيغة المضارع في الفعلين الدلالة على تجدد الإراءة ~~والتنزيل واستمرارهما وتقديم الجار والمجرور على المفعول لما مر غير مرة ~~«وما يتذكر» بتلك الآيات الباهرة ولا يعمل بمقتضاها «إلا من ينيب» إلى الله ~~تعالى ويتفكر فيما أودعه في تضاعيف مصنوعاته من شواهد قدرته الكاملة ونعمته ~~الشاملة الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى ومن ليس كذلك فهو بمعزل من التذكر ~~والاتعاظ «فادعوا الله مخلصين له الدين» أي إذا كان الامر كما ذكر من ~~اختصاص التذكر بمن ينيب فاعبدوه أيها المؤمنون مخلصين له دينكم بموجب ~~إنابتكم اليه تعالى وايمانكم به «ولو كره الكافرون» ذلك وغاظهم إخلاصكم ~~«رفيع الدرجات» نحو بديع السماوات على انه صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها بعد ~~النقل إلى فعل بالضم كما هو المشهور وتفسيره بالرافع ليكون من إضافة اسم ~~الفاعل إلى المفعول بعيد في الاستعمال أي رفيع درجات ملائكته أي معارجهم ~~ومصاعدهم إلى العرش «ذو العرش» أي مالكه وهما خبران آخران لقوله تعالى هو ~~اخبر عنه بهما ايذانا بعلو شأنه تعالى وعظم سلطانه الموجبين لتخصيص العبادة ~~به واخلاص الدين له اما بطريق الاستشهاد بهما عليهما فإن ارتفاع معارج ~~ملائكته إلى العرش وكون العرش العظيم المحيط بأكناف العالم العلوي والسفلي ~~تحت ملكوته وقبضة قدرته مما يقضي بكون علو شأنه وعظم سلطانه في لا غاية ~~وراءها واما بجعلهما عبارة عنهما بطريق المجاز المتفرع على الكناية ~~كالاستواء على العرش وتمهيدا لما يعقبهما من قوله تعالى «يلقي الروح من ~~أمره» فإنه خبر آخر لما ذكر منبىء عن انزال الرزق الروحاني الذي هو الوحي ~~بعد بيان انزال الرزق الجسماني الذي هو المطر أي ينزل الوحي الجاري من ~~القلوب منزلة الروح من الأجساد وقوله PageV07P270 # تعالى من امره بيان للروح الذي أريد به الوحي فإنه امر بالخير أو حال منه ~~أي حال كونه ناشئا ومبتدأ من امره أو صفة له على رأي من يجوز حذف الموصول ~~مع ms2881 بعض صلته أي الروح الكائن من امره أو متعلق بباقي ومن للسببية كالباء ~~مثل ما في قوله تعالى مما خطيئاتهم أي يلقي الوحي بسبب امره «على من يشاء ~~من عباده» وهو الذي اصطفاه لرسالته وتبليغ احكامه إليهم «لينذر» أي الله ~~تعالى أو الملقي عليه أو الروح وقرئ لتنذر على ان الفاعل هو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو الروح لأنها قد تؤنث «يوم التلاق» اما ظرف للمفعول ~~الثاني أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق وهو يوم القيامة لأنه يتلاقى فيه ~~الأرواح والأجسام وأهل السماوات والأرض أو هو المفعول الثاني اتساعا أو ~~اصالة فإنه من شدة هوله وفظاعته حقيق بالانذار اصالة وقرئ لينذر على البناء ~~للمفعول ورفع اليوم «يوم هم بارزون» بدل من يوم التلاق أي خارجون من قبورهم ~~أو ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو اكمة أو بناء لكون الأرض يومئذ قاعا ~~صفصفا ولا عليهم ثياب انما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث يحشرون عراة ~~حفاة غرلا وقيل ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان أو اعمالهم وسرائرهم ~~«لا يخفى على الله منهم شيء» استئناف لبيان بروزهم وتقرير له وإزاحة لما ~~كان يتوهمه المتوهمون في الدنيا من الاستتار توهما باطلا أو خبر ثان وقيل ~~حال من ضمير بارزون أي لا يخفى عليه شيء ما من أعيانهم واعمالهم وأحوالهم ~~الجلية والخفية السابقة واللاحقة «لمن الملك اليوم لله الواحد القهار» ~~حكاية لما يقع حينئذ من السؤال والجواب بتقدير قول معطوف على ما قبله من ~~الجملة المنفية المستأنفة أو مستأنف يقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية بروزهم ~~وظهور أحوالهم كأنه قيل فماذا يكون حينئذ فقيل يقال الخ أي ينادي مناد لمن ~~الملك اليوم فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار وقيل المجيب هو السائل ~~بعينه لما روى انه يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد في ارض ~~بيضاء كأنها سبيكه فضة لم يعص الله فيها قط فأول ما يتكلم به ان ينادي مناد ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار وقيل حكاية ms2882 لما ينطق به لسان الحال من ~~تقطع أسباب للتصرفات المجازية واختصاص جميع الأفاعيل بقبضة القدرة الإلهية ~~«اليوم تجزى كل نفس بما كسبت» الخ اما من تتمة الجواب لبيان حكم اختصاص ~~الملك به تعالى ونتيجته التي هي الحكم السوي والقضاء الحق أو حكاية لما ~~سيقوله تعالى يومئذ عقيب السؤال والجواب أي تجزى كل نفس من النفوس البرة ~~الفاجرة بما كسبت من خير أو شر «لا ظلم اليوم» بنقص ثواب أو زيادة عذاب «إن ~~الله سريع الحساب» أي سريع حسابه تماما إذ لا يشغله تعالى شأن عن شأن ~~فيحاسب الخلائق قاطبة في أقرب زمان كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما انه ~~تعالى إذا اخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة الا فيها ولا أهل النار الا فيها ~~فيكون تعليلا لقوله تعالى اليوم تجزى الخ فإن كون ذلك اليوم بعينه يوم ~~التلاقي ويوم البروز ربما يوهم استبعاد وقوع الكل PageV07P271 # فيه أو سريع مجيئا فيكون تعليلا للانذار «وأنذرهم يوم الآزفة» أي القيامة ~~سميت بها لأزوفها وهو القرب غير ان فيه اشعارا بضيق الوقت وقيل الخطة ~~الآزفة وهي مشارفة أهل النار دخولها وقيل وقت حضور الموت كما في قوله تعالى ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم وقوله كلا إذا بلغت التراقي وقوله تعالى «إذ القلوب ~~لدى الحناجر» بدل من يوم الآزفة فإنها ترتفع من أماكنها فتلتصق بحلوقهم فلا ~~تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا بالموت «كاظمين» على الغم حال من أصحاب ~~القلوب على المعنى إذ الأصل قلوبهم أو من ضميرها في الظرف وجمع السلامة ~~باعتبار ان الكظم من أحوال العقلاء كقوله تعالى فظلت أعناقهم لها خاضعين أو ~~من مفعول أنذرهم على انها حال مقدرة أي أنذرهم مقدرا كظمهم أو مشارفين ~~الكظم «ما للظالمين من حميم» أي قريب مشفق «ولا شفيع يطاع» أي لا شفيع مشفع ~~على معنى نفي الشفاعة والطاعة معا على طريقة قوله على لا حب لا يهتدى ~~بمناره والضمائر ان عادت إلى الكفار وهو الظاهر فوضع الظالمين موضع ضميرهم ~~للتسجيل عليهم بالظلم وتعليل الحكم ms2883 به «يعلم خائنة الأعين» النظرة الخائنة ~~كالنظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر اليه أو خيانة الأعين على ~~انها مصدر كالعافية «وما تخفي الصدور» من الضمائر والاسرار والجملة خبر آخر ~~مثل يلقى الروح للدلالة على انه ما من خفي الا وهو متعلق العلم والجزاء ~~«والله يقضي بالحق» لأنه المالك الحاكم على الاطلاق فلا يقضي بشيء الا وهو ~~حق وعدل «والذين يدعون» يعبدونهم «من دونه» تعالى «لا يقضون بشيء» تهكم بهم ~~لان الجماد لا يقال في حقه يقضي أولا يقضي وقرئ تدعون على الخطاب التفاتا ~~أو على اضمار قل «إن الله هو السميع البصير» تقرير لعلمه تعالى بخائنة ~~الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون ~~من دونه «أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» أي ~~مآل حال من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم كعاد وثمود واضرابهم «كانوا هم ~~أشد منهم قوة» قدرة وتمكنا من التصرفات وانما جيء بضمير الفصل مع ان حقه ~~التوسط بين معرفتين لمضاهاة افعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه ~~وقرئ أشد منكم بالكاف «وآثارا في الأرض» مثل القلاع الحصينة والمدائن ~~المنينة وقيل المعنى وأكثر آثارا كقوله متقلدا سيفا ورمحا «فأخذهم الله ~~بذنوبهم» اخذا وبيلا «وما كان لهم من الله PageV07P272 # من واق» أي من واق يقيهم عذاب الله «ذلك» أي ما ذكر من الاخذ «بأنهم» ~~بسبب انهم «كانت تأتيهم رسلهم بالبينات» أي بالمعجزات أو بالاحكام الظاهرة ~~«فكفروا فأخذهم الله إنه قوي» متمكن مما يريد غابة التمكن «شديد العقاب» لا ~~يؤبه عند عقابه بعقاب «ولقد أرسلنا موسى بآياتنا» وهي معجزاته «وسلطان ~~مبين» أي وحجة قاهرة وهي اما عين الآيات والعطف لتغاير العنوانين واما بعض ~~مشاهيرها كالعصا أفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات لأن فيها افراد جبريل ~~وميكال به مع دخولهما في الملائكة عليهم السلام «إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب» أي فيما أظهره من المعجزات وفيما ادعاه من رسالة رب ~~العالمين «فلما جاءهم بالحق من عندنا» وهو ms2884 ما ظهر على يده من المعجزات ~~القاهرة «قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم» كما قال ~~فرعون سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولا ~~وكان فرعون قد كف عن قتل الولدان فلما بعث صلى الله عليه وسلم وأحس بأنه قد ~~وقع ما وقع اعاده عليهم غيظا وحنقا وزعما منه انه يصدهم بذلك عن مظاهرته ~~ظنا منهم انه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده «وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال» أي في ضياع وبطلان لا يغني عنهم شيئا وينفذ ~~عليهم لا محالة القدر المقدور والقضاء المحتوم واللام اما للعهد والاظهار ~~في موقع الاضمار لذمهم بالكفر والاشعار بعلة الحكم أو للجنس وهم داخلون فيه ~~دخولا أوليا والجملة اعتراض جيء به في تضاعيف ما حكى عنهم من الأباطيل ~~للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه من الأبراق والارعاد واضمحلاله بالمرة ~~«وقال فرعون ذروني أقتل موسى» كان ملؤه إذا هم بقتله عليه الصلاة والسلام ~~وكفوه بقولهم ليس هذا بالذي تخافه فإنه أقل من ذلك واضعف وما هو الا بعض ~~السحرة وبقولهم إذا قتلته أدخلت على الناس شبهة واعتقدوا انك عجزت عن ~~معارضته بالحجة وعدلت إلى المقارعة بالسيف والظاهر من دهاء اللعين ونكارته ~~انه كان قد استيقن انه نبي وان ما جاء به آيات باهرة وما هو بسحر ولكن كان ~~يخاف ان هم بقتله ان يعاجل بالهلاك وكان قوله هذا تمويها على قومه وإيهاما ~~انهم هم الكافون له عن قتله PageV07P273 # ولولاهم لقتله وما كان الذي يكفه الا ما في نفسه من الفزع الهائل وقوله ~~«وليدع ربه» تجلد منه واظهار لعدم المبالاة بدعائه ولكنه أخوف ما يخافه ~~«إني أخاف» ان لم اقتله «أن يبدل دينكم» ان يغير ما أنتم عليه من الدين ~~الذي هو عبارة عن عبادته وعبادة الأصنام لتقربهم اليه «أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد» ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج ان لم يقدر على تبديل دينكم ~~بالكلية وقرئ بالواو الجامعة وقرئ بفتح الياء والهاء ورفع الفساد ms2885 وقرئ بظهر ~~بتشديد الظاء والهاء من تظاهر أي تتابع وتعاون «وقال موسى» أي لقومه حين ~~سمع بما تقوله اللعين من حديث قتله عليه الصلاة والسلام «إني عذت بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» صدر عليه الصلاة والسلام كلامه بأن ~~تأكيدا له واظهارا لمزيد الاعتناء بمضمونه وفرط الرغبة فيه وخص اسم الرب ~~المنبىء عن الحفظ والتربية لأنهما الذي يستدعيه وأضافه اليه واليهم حثا لهم ~~على موافقته في العياذ به تعالى والتوكل عليه فإن في تظاهر النفوس تأثيرا ~~قويا في استجلاب الإجابة ولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من ~~الجبابرة لتعميم الاستعاذة والاشعار بعلة القساوة والجرأة على الله تعالى ~~وقرئ عدت بالادغام «وقال رجل مؤمن من آل فرعون» قيل كان قبطيا ابن عم ~~لفرعون آمن بموسى سرا وقيل كان إسرائيليا أو غريبا موحدا «يكتم إيمانه» أي ~~من فرعون وملئه «أتقتلون رجلا» أتقصدون قتله «أن يقول» لان يقول أو كراهة ~~ان يقول «ربي الله» أي وحده من غير روية وتأمل في امره «وقد جاءكم ~~بالبينات» والحال انه قد جاءكم بالمعجزات الظاهرة التي شاهدتموها وعهدتموها ~~«من ربكم» إضافة إليهم بعد ذكر البينات احتجاجا عليهم واستنزالا لهم عن ~~رتبة المكابرة ثم اخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال «وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه» لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله «وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذي يعدكم» أي ان لم يصبكم كله فلا أقل من إصابة بعضه لا سيما ~~ان تعرضتم له بسوء وهذا كلام صادر عن غاية الانصاف وعدم التعصب ولذلك قدم ~~من شقي الترديد كونه كاذبا أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض ما ~~يعدهم كأنه خوفهم بما اظهر احتمالا عندهم وتفسير البعض بالكل مستدلا بقول ~~لبيد * تراك أمكنة إذا لم ارضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها * مردود لما ~~ان مراده بالبعض نفسه «إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب» احتجاج آخر ذو ~~وجهين أحدهما انه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله تعالى ms2886 إلى البينات ولما ~~أيده بتلك المعجزات وثانيهما ان كان كذلك خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم ~~إلى قتله ولعله أراهم المعنى الثاني وهو عاكف على المعنى الأول لتلين ~~شكيمتهم وقد عرض به لفرعون بأنه PageV07P274 # مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب ومنهاج النجاة «يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين» غالبين عالين على بني إسرائيل «في الأرض» أي ارض مصر لا ~~يقاومكم أحد في هذا الوقت «فمن ينصرنا من بأس الله» من اخذه وعذابه «إن ~~جاءنا» أي فلا تفسدوا امركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإن جاءنا لم ~~يمنعنا منه أحد وانما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة ~~ونظم نفسه في سلكهم فيما يسوؤهم من مجيء بأس الله تعالى تطييبا لقلوبهم ~~وايذانا بأنه مناصح لهم ساع في تحصيل ما يجديهم ودفع ما يرديهم سعيه في حق ~~نفسه ليتأثروا بنصحه «قال فرعون» بعد ما سمع نصحه «ما أريكم» أي ما أشير ~~عليكم «إلا ما أرى» واستصوبه من قتله «وما أهديكم» بهذا الرأي «إلا سبيل ~~الرشاد» أي الصواب أولا أعلمكم الا ما اعلم ولا أسر عنكم خلاف ما أظهره ~~ولقد كذب حيث كان مستشعرا للخوف الشديد ولكنه كان يتجلد ولولاه لما استشار ~~أحدا ابدا وقرئ بتشديد الشين للمبالغة من رشد كعلام أو من رشد كعباد لامن ~~أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو للنسبة إلى الرشد كعواج وبتات ~~غير منظور فيه إلى فعل «وقال الذي آمن» مخاطبا لقومه «يا قوم إني أخاف ~~عليكم» في تكذيبه والتعرض له بالسوء «مثل يوم الأحزاب» مثل أيام الأمم ~~الماضية يعني وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير اغنى عن جمع اليوم «مثل دأب ~~قوم نوح وعاد وثمود» أي مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر وايذاء الرسل ~~«والذين من بعدهم» كقوم لوط «وما الله يريد ظلما للعباد» فلا يعاقبهم بغير ~~ذنب ولا يخلى الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من قوله تعالى وما ربك ~~بظلام للعبيد لما ان المنفي فيه إرادة ظلم ما ms2887 ينتفي الظلم بطريق الأولوية ~~«ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد» خوفهم بالعذاب الأخروي بعد تخويفهم ~~بالعذاب الدنيوي ويوم التناد يوم القيامة لأنه ينادي فيه بعضهم للاستغاثة ~~أو يتصايحون بالويل والثبور أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار حسبما حكى ~~في سورة الأعراف وقرئ بتشديد الدال وهو ان يند بعضهم من بعض كقوله تعالى ~~يوم يفر المرء من أخيه وعن الضحاك إذا سمعوا زفير النار هربا فلا يأتون ~~قطرا من الأقطار الا وجدوا ملائكة صفوفا فبينا هم بموج بعضهم في بعض إذ ~~سمعوا مناديا اقبلوا إلى الحساب «يوم تولون مدبرين» بدل من يوم التناد أي ~~منصرفين عن الموقف إلى النار أو فارين منها حسبما نقل آنفا PageV07P275 # «ما لكم من الله من عاصم» يعصمكم من عذابه والجملة حال أخرى من ضمير ~~تولون «ومن يضلل الله فما له من هاد» يهديه إلى طريق النجاة «ولقد جاءكم ~~يوسف» هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام على ان فرعونه فرعون موسى أو على ~~نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد وقيل سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف الصديق ~~«من قبل» من قبل موسى «بالبينات» بالمعجزات الواضحة «فما زلتم في شك مما ~~جاءكم به» من الدين «حتى إذا هلك» بالموت «قلتم لن يبعث الله من بعده ~~رسولا» ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده أو جزما بأن لا يبعث بعده ~~رسول مع الشك في رسالته وقرئ ألن يبعث الله على ان بعضهم يقرر بعضا بنفي ~~البعث «كذلك» مثل ذلك الاضلال الفظيع «يضل الله من هو مسرف» في عصيانه ~~«مرتاب» في دينه شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في ~~التقليد «الذين يجادلون في آيات الله» بدل من الموصول الأول أو بيان له أو ~~صفة باعتبار معناه كأنه قيل كل مسرف مرتاب أو المسرفين المرتابين «بغير ~~سلطان» متعلق يجادلون أي بغير حجة صالحة للتمسك بها في الجملة «آتاهم» صفة ~~سلطان «كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا» فيه ضرب من التعجب والاستعظام ~~وفي كبر ضمير يعود إلى من ms2888 وتذكيره باعتبار اللفظ وقيل إلى الجدال المستفاد ~~من يجادلون «كذلك» أي مثل ذلك الطبع الفظيع «يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار» فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الاسراف والارتياب والمجادلة بالباطل وقرئ ~~بتنوين قلب ووصفه بالتكبر والتجبر لأنه منعهما «وقال فرعون يا هامان ابن لي ~~صرحا» أي بناء مكشوفا عاليا من صرح الشيء إذ ظهر «لعلي أبلغ الأسباب» أي ~~الطرق «أسباب السماوات» بيان لها وفي ابهامها ثم ايضاحها تفخيم لشأنها ~~وتشويق للسامع إلى معرفتها «فأطلع إلى إله موسى» بالنصب على جواب الترجي ~~وقرئ بالرفع عطفا على أبلغ ولعله أراد ان يبني له رصدا في موضع عال ليرصد ~~منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على ارسال الله تعالى إياه أو ~~ان يرى فساد قوله عليه الصلاة والسلام بأن اخباره من اله السماء يتوقف على ~~اطلاعه عليه ووصوله اليه وذلك لا يتأتي الا بالصعود إلى السماء وهو مما ~~PageV07P276 # لا يقوى عليه الانسان وما ذاك الا لجهله بالله سبحانه وكيفية استنبائه ~~«وإني لأظنه كاذبا» فيما يدعيه من الرسالة أي ومثل ذلك التزيين البليغ ~~المفرط «زين لفرعون سوء عمله» فانهمك فيه انهماكا لا يرعوي عنه بحال «وصد ~~عن السبيل» أي سبيل الرشاد والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى ويؤيده قراءة ~~زبن بالفتح وبالتوسط لشيطان وقرئ وصد على ان فرعون صد الناس عن الهدى ~~بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده قوله تعالى «وما كيد فرعون إلا في ~~تباب» أي خسار وهلاك أو على انه من صد صدودا أي اعرض وقرئ بكسر الصاد على ~~نقل حركة الدال اليه وقرئ وصد على انه عطف على سوء عمله وقرئ وصدوا أي هو ~~وقومه «وقال الذي آمن» أي مؤمن آل فرعون وقيل موسى عليه السلام «يا قوم ~~اتبعون» فيما دللتكم عليه «أهدكم سبيل الرشاد» أي سبيلا يصل سالكه إلى ~~المقصود وفيه تعريض بأن ما يسلكه فرعون وقومه سبيل الغي والضلال «يا قوم ~~إنما هذه الحياة الدنيا متاع» أي تمتع يسير لسرعة زوالها أجمل لهم أولا ثم ~~فسر ms2889 فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها لان الاخلاد إليها راس كل شر ومنه ~~تتشعب فنون ما يؤدي إلى سخط الله تعالى ثم ثنى بتعظيم الآخرة فقال «وإن ~~الآخرة هي دار القرار» لخلودها ودوام ما فيها «من عمل» في الدنيا «سيئة فلا ~~يجزى» في الآخرة «إلا مثلها» عدلا من الله سبحانه وفيه دليل على ان ~~الجنايات تغرم بأمثالها «ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك» ~~الذين عملوا ذلك «يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب» أي بغير تقدير ~~وموازنة بالعمل بل اضعافا مضاعفة فضلا من الله عز وجل ورحمة وجعل العمل ~~عمدة والايمان حالا للايذان بأنه لا عبرة بالعمل بدونه وان ثوابه أعلى من ~~ذلك «ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار» كرر نداءهم ~~إيقاظا لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادي له ومبالغة في توبيخهم على ما ~~يقالون به نصحه ومدار التعجب الذي يلوح الاستفهام دعوتهم إياه إلى النار ~~ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه قيل أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير ~~وتدعونني إلى الشر وقد جعله بعضهم من قبيل مالي أراك حزينا وقوله تعالى ~~«تدعونني لأكفر بالله» بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية ~~بإلى واللام «وأشرك به ما ليس لي به علم» بشركته له تعالى في المعبودية ~~وقيل بربوبيته «علم» والمراد نفي المعلوم والاشعار بأن الألوهية لا بد لها ~~من برهان موجب PageV07P277 # العلم بها «وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار» الجامع لجميع صفات الألوهية ~~من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإرادة والتمكن من ~~المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران «لا جرم» لا رد لما دعوه اليه وجرم ~~فعل ماض بمعنى حق وفاعله قوله تعالى «أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في ~~الدنيا ولا في الآخرة» أي حق ووجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا أو عدم ~~دعوة مستجابة دعوة لها وقيل جرم بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك ~~الدعاء اليه بطلان دعوته بمعنى ما حصل من ذلك الا ظهور بطلان ms2890 دعوته وقيل ~~جرم فعل من الجرم وهو القطع كما ان بدا من لا بد فعل من التبديد أي التفريق ~~والمعنى لا قطع لبطلان ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقا ~~ويؤيده قولهم لاجرم انه يفعل بضم الجيم وسكون الراء وفعل وفعل اخوان كرشد ~~ورشد «وأن مردنا إلى الله» أي بالموت عطف على ان ما تدعونني داخل في حكمه ~~وكذا قوله تعالى «وأن المسرفين» أي في الضلال والطغيان كالاشراك وسفك ~~الدماء «هم أصحاب النار» أي ملازموها «فستذكرون» وقرئ فستذكرون أي فسيذكر ~~بعضكم بعضا عند معاينة العذاب «ما أقول لكم» من النصائح «وأفوض أمري إلى ~~الله» قاله لما انهم كانوا توعدوه «إن الله بصير بالعباد» فيحرس من يلوذ به ~~من المكاره «فوقاه الله سيئات ما مكروا» شدائد مكرهم وما هموا به من الحاق ~~أنواع العذاب بمن خالفهم قيل نجامع موسى عليه السلام «وحاق بآل فرعون» أي ~~بفرعون وقومه وعدم التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره ضرورة انه أولى ~~منهم بذلك وقيل بطلبة المؤمن من قومه لما انه فر إلى جبل فاتبعه طائفة ~~ليأخذوه فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعبا فقتلهم «سوء العذاب» ~~الغرق والقتل والنار «النار يعرضون عليها غدوا وعشيا» جملة مستأنفة مسوقة ~~لبيان كيفية سوء العذاب أو النار خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا قال ما سوء ~~العذاب فقيل هو النار ويعرضون استئناف للبيان أو بدل من سوء العذاب ويعرضون ~~حال منها أو من الآل ولا يشترط في الحيق ان يكون الحائق ذلك السوء بعينه ~~حتى يرد ان آل فرعون لم يهموا بتعذيبه بالنار ليكون ابتلاؤهم بها من قبيل ~~رجوع ما هموا به عليهم بل يكفي في ذلك ان يكون مما يطلق عليه اسم السوء ~~وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره يعرضون مثل يصلون فإن عرضهم ~~على النار بإحراقهم بها من قولهم عرض الأساري على السيف إذا قتلوا به وذلك ~~لأرواحهم PageV07P278 # كما روى ابن مسعود رضي الله عنه ان أرواحهم في أجواف طير سود تعرض على ms2891 ~~النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة وذكر الوقتين اما للتخصيص واما فيما ~~بينهما فالله تعالى اعلم بحالهم واما للتأييد هذا ما دامت الدنيا «ويوم ~~تقوم الساعة» يقال للملائكة «أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» أي عذاب جهنم ~~فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم فإن عذابها ألوان بعضها أشد من ~~بعض وقرئ ادخلوا من الدخول أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب «وإذ ~~يتحاجون في النار» أي واذكر لقومك وقت تخاصمهم فيها «فيقول الضعفاء» منهم ~~«للذين استكبروا» وهم رؤساؤهم «إنا كنا لكم تبعا» أتباعا كخدم في جمع خادم ~~أو ذوي تبع أي اتباع على اضمار المضاف أو تبعا على الوصف بالمصدر مبالغة ~~«فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار» بالدفع أو بالحمل ونصيبا منصوب بمضمر ~~يدل عليه مغنون أي دافعون عنا نصيبا الخ أو بمغنون على تضمينه معنى الحمل ~~أي مغنون عنا حاملين نصيبا الخ أو نصب على المصدرية كشيئا في قوله تعالى لن ~~تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا فإنه في موقع غناء فكذلك نصيبا ~~«قال الذين استكبروا إنا كل فيها» أي نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا ~~لأغنينا عن أنفسنا وقرئ كلا على التأكيد لاسم ان بمعنى كلنا وتنويه عوض عن ~~المضاف اليه ولا مساغ لجعله حالا من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في ~~الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم فإنك تقول كل يوم لك ثوب ولا ~~تقول جديدا لك ثوب «إن الله قد حكم بين العباد» وقضى قضاء متقنا لا مرد له ~~ولا معقب لحكمه «وقال الذين في النار» من الضعفاء والمستكبرين جميعا لما ~~ضاقت حيلهم وعيت بهم عللهم «لخزنة جهنم» أي للقوام بتعذيب أهل النار ووضع ~~جهنم موضع الضمير للتهويل والتفظيع أو لبيان محلهم فيها بأن تكون جهنم ابعد ~~دركات النار وفيها اعني الكفرة وأطغاهم أو لكون الملائكة الموكلين بعذاب ~~أهلها أقدر على الشفاعة لمزيد قربهم من الله تعالى «ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما» أي مقدار يوم أو ms2892 في يوم ما من الأيام على انه ظرف لا معيار شيئا «من ~~العذاب» واقتصارهم في الاستدعاء على ما ذكر من تخفيف قدر يسير من العذاب في ~~مقدار قصير من الزمان دون رفعه رأسا أو تخفيف قدر كثير منه في زمان مديد ~~لان ذلك عندهم مما ليس في حيز الامكان ولا يكاد يدخل تحت أمانيهم «قالوا» ~~أي الخزنة «أولم تك تأتيكم رسلكم PageV07P279 # بالبينات» أي ألم تنبهوا على هذا ولم تك تأتيكم رسلكم في الدنيا على ~~الاستمرار بالحجج الواضحة الدالة على سوء مغبة ما كنتم عليه من الكفر ~~والمعاصي كما في قوله تعالى ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا أرادوا بذلك الزامهم وتوبيخهم على إضاعة أوقات ~~الدعاء وتعطيل أسباب الإجابة «قالوا بلى» أي اتونا بها فكذبناهم كما نطق به ~~قوله تعالى بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان أنتم الا ~~في ضلال كبير والفاء في قوله تعالى «قالوا فادعوا» فصحية كما في قول من قال ~~فقد جئنا خراسانا أي إذا كان الامر كذلك فادعوا أنتم فإن الدعاء لمن يفعل ~~ذلك مما يستحيل صدوره عنا وتعليل امتناعهم عن الدعاء بعدم الاذن فيه مع ~~عرائه عن بيان ان سببه من قبلهم كما تفصح عنه الفاء ربما يوهم ان الاذن في ~~حيز الامكان وانهم لو اذن لهم فيه لفعلوا ولم يريدوا بأمرهم بالدعاء ~~أطماعهم في الإجابة بل إقناطهم منها واظهار خيبتهم حسبما صرحوا في قولهم ~~«وما دعاء الكافرين إلا في ضلال» أي ضياع وبطلان وقوله تعالى «إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا» الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان ان ما صاب ~~الكفرة من العذاب المحكي من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة وهو ان شأننا ~~المستمر انا ننصر رسلنا واتباعهم «في الحياة الدنيا» بالحجة والظفر ~~والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات ~~ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة امتحانا إذ العبرة انما هي ~~بالعواقب وغالب ms2893 الامر «ويوم يقوم الأشهاد» أي يوم القيامة عبر عنه بذلك ~~للاشعار بكيفية النصرة وانها تكون عند جميع الأولين والآخرين بشهادة ~~الاشهاد للرسل بالتبليغ وعلى الكفرة بالتكذيب «يوم لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم» بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة وقرئ لا تنفع بالتاء ~~«ولهم اللعنة» أي البعد عن الرحمة «ولهم سوء الدار» أي جهنم «ولقد آتينا ~~موسى الهدى» ما يهتدي به من المعجزات والصحف والشرائع «وأورثنا بني إسرائيل ~~الكتاب» وتركنا عليهم من بعده التوراة «هدى وذكرى» هداية وتذكرة أو هاديا ~~ومذكرا «لأولي الألباب» لذوي العقول السليمة العاملين بما في تضاعيفه ~~«فاصبر» على ما نالك من أذية المشركين «إن وعد الله» أي وعده الذي ينطق به ~~قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وان ~~جندنا لهم الغالبون أو وعده الخاص بك أو جميع مواعيده التي من جملتها ذلك ~~«حق» لا يحتمل الاخلاف أصلا واستشهد بحال موسى وفرعون PageV07P280 # «واستغفر لذنبك» تداركا لما فرط منك من ترك الأولى في بعض الأحايين فإنه ~~تعالى كافيك في نصرة دينك واظهاره على الدين كله «وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار» أي ودم على التسبيح ملتبسا بحمده تعالى وقيل صل لهذين الوقتين إذ ~~كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشيا وقيل صل شكرا لربك بالعشي ~~والابكار وقيل هما صلاة العصر وصلاة الفجر «إن الذين يجادلون في آيات الله» ~~ويجحدون بها «بغير سلطان أتاهم» في ذلك من جهته تعالى وتقييد المجادلة بذلك ~~مع استحالة اتيانه للايذان بأن التكلم في امر الدين لا بد من استناده إلى ~~سلطان مبين البتة وهذا عام لكل مجادل مبطل وان نزل في مشركي مكة وقوله ~~تعالى «إن في صدورهم إلا كبر» خبر لان أي ما في قلوبهم الا تكبر عن الحق ~~وتعظم عن التفكر والتعلم أو الا إرادة الرياسة والتقدم على الاطلاق أو الا ~~إرادة ان تكون النبوة لهم دونك حسدا وبغيا حسبما قالوا لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم وقالوا لو كان خيرا ما سبقونا اليه ولذلك ms2894 يجادلون ~~فيها لا ان فيها موقع جدال ما وان لهم شيئا يتوهم ان يصلح مدارا لمجادلتهم ~~في الجملة وقوله تعالى «ما هم ببالغيه» صفة لكبر قال مجاهد ما هم ببالغي ~~مقتضى ذلك الكبر وهو ما أرادوه من الرياسة أو النبوة وقيل المجادلون هم ~~اليهود وكانوا يقولون لست صاحبنا المذكور في التوراة بل هو المسيح بن داود ~~يريدون الدجال يخرج في آخر الزمان ويبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه ~~الأنهار وهو آية من آيات الله تعالى فيرجع الينا الملك فسمى الله تعالى ~~تمنيهم ذلك كبرا ونفى ان يبلغوا متمناهم «فاستعذ بالله» أي فالتجيء اليه من ~~كيد من يحسدك ويبغي عليك وفيه رمز إلى انه من همزات الشياطين «إنه هو ~~السميع البصير» لأقوالكم وأفعالكم وقوله تعالى «لخلق السماوات والأرض أكبر ~~من خلق الناس» تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه من امر البعث على ~~منهاج قوله تعالى أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهم ~~«ولكن أكثر الناس لا يعلمون» لقصورهم في النظر والتأمل لفرط غفلتهم ~~واتباعهم لأهوائهم «وما يستوي الأعمى والبصير» أي الغافل والمستبصر «والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ» أي والمحسن والمسيء فلا بد ان تكون لهم ~~حال أخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت وهي فيما بعد البعث وزيادة ~~لا في المسئ لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة ولان المقصود نفي مساواته ~~للمحسن فيما له من الفضل والكرامة والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه ~~على الأعمى والبصير لتغاير الوصفين في المقصود أو الدلالة بالصراحة ~~والتمثيل «قليلا ما تتذكرون» على الخطاب بطريق الالتفات PageV07P281 # أي تذكرا قليلا تتذكرون وقرئ على الغيبة والضمير للناس أو الكفار «إن ~~الساعة لآتية لا ريب فيها» أي في مجيئها لوضوح شواهدها واجماع الرسل على ~~الوعد بوقوعها «ولكن أكثر الناس لا يؤمنون» لا يصدقون بها لقصور انظارهم ~~على ظواهر ما يحسون به «وقال ربكم ادعوني» أي اعبدوني «أستجب لكم» أي أنبكم ~~لقوله تعالى «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين» أي صاغرين ms2895 ~~أذلاء وان فسر الدعاء بالسؤال كان الامر الصارف عنه منزلا منزلة الاستكبار ~~عن العبادة للمبالغة أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أفضل أبوابها وقرئ ~~سيدخلون على صيغة المبني للمفعول من الادخال «الله الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه» بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدء الحواس ~~لتستريحوا فيه وتقدم الجار والمجرور على المفعول قد مر سره مرارا «والنهار ~~مبصرا» أي مبصرا فيه أو به «إن الله لذو فضل» عظيم لا يوازيه ولا يدانيه ~~فضل «على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون» لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواضع ~~النعم وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم «ذلكم» المتفرد بالافعال المقتضية ~~للألوهية والربوبية «الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو» اخبار مترادفة ~~تخصص اللاحقة منها السابقة وتقررها وقرئ خالق بالنصب على الاختصاص فيكون لا ~~اله الا هو استئناف بما هو كالنتيجة للأوصاف المذكورة «فأنى تؤفكون» فكيف ~~ومن أي وجه تصرفون عن عبادته خاصة إلى عبادة غيره «كذلك يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون» أي مثل ذلك الافك العجيب الذي لا وجه له ولا مصحح أصلا ~~يؤفك كل من جحد بآياته تعالى أي آية كانت لا افكا اخر له وجه ومصحح في ~~الجملة «الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء» بيان لفضله تعالى ~~المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان وقوله تعالى «وصوركم فأحسن ~~صوركم» بيان لفضله المتعلق بأنفسهم والفاء في فأحسن تفسيرية PageV07P282 # فإن الاحسان عين التصوير أي صوركم أحسن تصوير حيث خلقكم منتصب القامة ~~بادي البشرة متناسب الأعضاء والتخطيطات متهيئا لمزاولة الصنائع واكتساب ~~الكمالات «ورزقكم من الطيبات» أي اللذائذ «ذلكم» الذي بغت بما ذكر من ~~النعوت الجليلة «الله ربكم» خبران لذلكم «فتبارك الله» أي تعالى بذاته «رب ~~العالمين» أي مالكهم ومربيهم والكل تحت ملكوته مفتقر اليه في ذاته ووجوده ~~وسائر أحواله جميعا بحيث لو انقطع فيضه عنه آنا لانعدم بالكلية «هو الحي» ~~المتفرد بالحياة الذاتية الحقيقية «لا إله إلا هو» إذ لا موجود يدانيه في ~~ذاته وصفاته وافعاله «فادعوه» فاعبدوه خاصة ms2896 لاختصاص ما يوجبه به تعالى ~~«مخلصين له الدين» أي الطاعة من الشرك الجلي والخفي «الحمد لله رب ~~العالمين» أي قائلين ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما من قال لا اله الا ~~الله فليقل على اثرها الحمد لله رب العالمين «قل إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي» من الحجج والآيات أو من ~~الآيات لكونها مؤيدة لأدلة العقل منبهة عليها فإن الآيات التنزيلية مفسرات ~~للآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية «وأمرت أن أسلم لرب العالمين» أي بأن ~~انقاد له واخلص له ديني «هو الذي خلقكم من تراب» أي في ضمن خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام منه حسبما مر تحقيقه مرارا «ثم من نطفة» أي ثم خلقكم خلقا ~~تفصيليا من نطفة أي مني «ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا» أي أطفالا والافراد ~~لإرادة الجنس أو لإرادة كل واحد من افراده «ثم لتبلغوا أشدكم» علة ليخرجكم ~~معطوفه على علة أخرى له مناسبة لها كأنه قيل ثم يخرجكم طفلا لتكبروا شيئا ~~فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل وكذا الكلام في قوله تعالى «ثم ~~لتكونوا شيوخا» ويجوز عطفه على لتبلغوا وقرئ شيخا كقوله تعالى طفلا «ومنكم ~~من يتوفى من قبل» أي من قبل الشيخوخة بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضا ~~«ولتبلغوا» متعلق بفعل مقدر بعده أي ولتبلغوا «أجلا مسمى» هو وقت الموت أو ~~يوم القيامة بفعل ذلك «ولعلكم تعقلون» ولكي تعقلوا ما في ذلك من فنون الحكم ~~والعبر «هو الذي يحيي» الأموات «ويميت» الاحياء أو الذي يفعل الاحياء ~~والأمانة «فإذا قضى أمرا» أي أراد امرا من الأمور «فإنما يقول له كن فيكون» ~~من غير توقف على شيء من الأشياء أصلا وهذا تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات ~~عند تعلق ارادته بها وتصوير لسرعة PageV07P283 # ترتب المكونات على تكوينه من غير ان يكون هناك امر ومأمور والفاء الأولى ~~للدلالة على ان ما بعدها من نتائج ما قبلها من اختصاص الاحياء والأمانة به ~~سبحانه «ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ms2897 أنى يصرفون» تعجيب من ~~أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل ~~القرآن وبسائر الكتب والشرائع وترتيب الوعيد على ذلك كما ان ما سبق من قوله ~~تعالى ان الذين يجادلون في آيات الله الخ بيان لابتناء جدالهم على مبني ~~فاسد لا يكاد يدخل تحت الوجود هو الأمنية الفارغة فلا تكرير فيه أي انظر ~~إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة الموجبة للايمان بها ~~الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي إلى الاقبال ~~عليها وانتفاء الصوارف عنها بالكلية وقوله تعالى «الذين كذبوا بالكتاب» أي ~~بكل القرآن أو بجنس الكتب السماوية فإن تكذيبه تكذيب لها في محل الجر على ~~انه بدل من الموصول الأول أو في حيز النصب أو الرفع على الذم وانما وصل ~~الموصول الثاني بالتكذيب دون المجادلة لان المعتاد وقوع المجادلة في بعض ~~المواد لا في الكل وصيغة الماضي الدلالة على التحقق كما ان صيغة المضارع في ~~الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة وتكررها «وبما أرسلنا به رسلنا» من ~~سائر الكتب أو مطلق الوحي والشرائع «فسوف يعلمون» كنه ما فعلوا من الجدال ~~والتكذيب عند مشاهدتهم لعقوباته «إذ الأغلال في أعناقهم» ظرف ليعلمون إذ ~~المعني على الاستقبال ولفظ الماضي لتيقنه «والسلاسل» عطف على الاغلال ~~والجار في نية التأخير وقيل مبتدأ حذف خبره لدلالة خبر الأول عليه وقيل ~~قوله تعالى «يسحبون» بحذف العائد أي يسحبون بها وهو على الأولين حال من ~~المستكن في الظرف وقيل استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من حكاية حالهم كأنه ~~قيل فماذا يكون حالهم بعد ذلك فقيل يسحبون «في الحميم» وقرئ والسلاسل ~~يسحبون بالنصب وفتح الياء على تقديم المفعول وعطف الفعلية على الاسمية ~~والسلاسل بالجر حملا على المعنى لان قوله تعالى الاغلال في أعناقهم في معنى ~~أعناقهم في الاغلال أو اضمارا للباء ويدل عليه القراءة به «ثم في النار ~~يسجرون» أي يحرقون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود ومنه السجير للصديق كأنه ~~سجر بالحب أي ملىء والمراد بيان انهم يعذبون ms2898 بأنواع العذاب وينقلون من باب ~~إلى باب «ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون» PageV07P284 # «من دون الله قالوا ضلوا عنا» أي يقال لهم ويقولون وصيغة الماضي للدلالة ~~على التحقق ومعنى ضلوا عنا غابوا عنا وذلك قبل ان يقرن بهم آلهتهم أو ضاعوا ~~عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم «بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا» أي بل تبين ~~لنا انا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم لما ظهر لنا اليوم انهم لم يكونوا شيئا ~~يعتد به كقولك حسبته شيئا فلم يكن «كذلك» أي مثل ذلك الضلال الفظيع «يضل ~~الله الكافرين» حيت لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة أو كما ضل عنهم ~~آلهتهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا «ذلكم» الاضلال «بما ~~كنتم تفرحون في الأرض» أي تبطرون وتتكبرون «بغير الحق» وهو الشرك والطغيان ~~«وبما كنتم تمرحون» تتوسعون في البطر والأشر والالتفات للمبالغة في التوبيخ ~~«ادخلوا أبواب جهنم» أي أبوابها السبعة المقسومة لكم «خالدين فيها» مقدرا ~~خلودكم فيها «فبئس مثوى المتكبرين» أي عن الحق جهنم والتعبير عن مدخلهم ~~بالمثوى لكون دخولهم بطريق الخلود «فاصبر» إلى ان يلاقوا ما أعد لهم من ~~العذاب «إن وعد الله» بتعذيبهم «حق» كائن لا محالة «فإما نرينك» أي فإن نرك ~~وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل ولا تلحقه مع ان وحدها ~~«بعض الذي نعدهم» وهو القتل والأسر «أو نتوفينك» قبل ذلك «فإلينا يرجعون» ~~يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم وهو جواب نتوفينك وجواب نرينك محذوف مثل ~~فذاك ويجوز ان يكون جوابا لها بمعنى ان نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا ~~نعذبهم في الآخرة أشد العذاب وأفظعه كما ينبئ عنه الاقتصار على ذكر الرجوع ~~في هذا المعرض «ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك» إذ قيل عدد الأنبياء عليهم السلام مائة وأربعة وعشرون ألفا ~~والمذكور قصصهم افراد معدودة وقيل أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلالف ~~من سائر الناس «وما كان لرسول» أي وما صح وما ms2899 استقام لرسول منهم «أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله» فإن المعجزات على تشعب فنونها عطايا من الله تعالى ~~قسمها بينهم حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكم البالغة كسائر القسم ~~ليس لهم اختار في ايثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح منها PageV07P285 # «فإذا جاء أمر الله» بالعذاب في الدنيا والآخرة «قضي بالحق» بإنجاء المحق ~~وإثابته واهلاك المبطل وتعذيبه «وخسر هنالك» أي وقت مجيء امر الله اسم مكان ~~استعير للزمان «المبطلون» أي المتمسكون بالباطل على الاطلاق فيدخل فيهم ~~المعاندون المقترحون دخولا أوليا «الله الذي جعل لكم الأنعام» قيل هي الإبل ~~خاصة أي خلقها لأجلكم ومصلحتكم وقوله تعالى «لتركبوا منها ومنها تأكلون» ~~تفصيل لما دل عليه اللام اجمالا ومن لابتداء الغاية ومعناها ابتداء الركوب ~~والاكل منها أي تعلقهما بها وقيل للتبعيض أي لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها ~~لا على ان كلا من الركوب والاكل مختص ببعض معين منها بحيث لا يجوز تعلقه ~~بما تعلق به الاخر بل على ان كل بعض منها صالح لكل منهما وتغيير النظم ~~الكريم في الجملة الثانية لمراعاة الفواصل مع الاشعار بأصالة الركوب «ولكم ~~فيها منافع» اخر غير الركوب والاكل كألبانها وأوبارها وجلودها «ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم» بحمل أثقالكم من بلد إلى بلد «وعليها وعلى الفلك ~~تحملون» لعل المراد به حمل النساء والولدان عليها بالهودج وهو السر في فصله ~~عن الركوب والجمع بينها وبين الفلك في الحمل لما بينهما من المناسبة التامة ~~حتى سميت سفائن البر وقيل هي الأزواج الثمانية فمعنى الركوب والاكل منها ~~تعلقهما بالكل لكن لا على أن كلا منهما يجوز تعلقه بكل منها ولا على ان كلا ~~منهما مختص ببعض معين منها بحيث لا يجوز تعلقه بما تعلق به الآخر بل على ان ~~بعضها يتعلق به الاكل فقط كالغنم وبعضها يتعلق به كلاهما كالإبل والبقر ~~والمنافع تعم الكل وبلوغ الحاجة عليها يعم البقر «ويريكم آياته» دلائله ~~الدالة على كمال قدرته ووفور رحمته «فأي آيات الله» أي فأي آية من تلك ~~الآيات الباهرة «تنكرون» فإن كلا منها من الظهور ms2900 بحيث لا يكاد يجترىء على ~~انكارها من له عقل في الجملة وهو ناصب لأي وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل ~~لتربية المهابة وتهويل انكارها وتذكير أي هو الشائع المستفيض والتأنيث قليل ~~لان التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة ~~غريب وهي في أي اغرب لابهامه «أفلم يسيروا» أي اقعدوا فلم يسيروا «في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» من الأمم المهلكة وقوله تعالى ~~«كانوا أكثر منهم وأشد قوة» الخ استئناف مسوق لبيان مبادى أحوالهم وعواقبها ~~«وآثارا في الأرض» باقية بعدهم من الابنية والقصور والمصانع وقيل هي آثار ~~اقدامهم في الأرض لعظم اجرامهم «فما أغنى عنهم ما كانوا PageV07P286 # يكسبون» ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى والثانية موصولة أو ~~مصدرية مرفوعة أي لم يغن عنهم أو أي شيء اغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم «فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات» بالمعجزات أو بالآيات الواضحة «فرحوا بما عندهم من ~~العلم» أي اظهروا الفرح بذلك وهو مالهم من العقائد الزائغة والشبه الداحضة ~~وتسميتها علما للتهكم بهم أو علم الطبائع والتنجيم والصنائع ونحو ذلك أو هو ~~علم الأنبياء الذي أظهره رسلهم على ان معنى فرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم ~~به ويؤيده قوله تعالى «وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون» وقيل الفرح أيضا ~~للرسل فإنهم لما شاهدوا تمادي جهلهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم ~~المؤدي إلى حسن العاقبة وشكروا الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم ~~واستهزائهم «فلما رأوا بأسنا» شدة عذابنا ومنه قوله تعالى بعذاب بئيس ~~«قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين» يعنون الأصنام «فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» أي عند رؤية عذابنا لامتناع قبوله حينئذ ~~ولذلك قيل فلم يك بمعنى لم يصح ولم يستقم والفاء الأولى بيان عاقبة كثرتهم ~~وشدة قوتهم وما كانوا يكسبون بذلك زعما منهم ان يغنى عنهم فلم يترتب عليه ~~الا عدم الاغناء فبهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة وان كان عكس الغرض ونقيض ~~المطلوب كما في قولك وعظته فلم يتعظ والثانية تفسير ms2901 وتفصيل لما أبهم وأجمل ~~من عدم الاغناء وقد كثر في الكلام مثل هذه الفاء ومبناها على التفسير بعد ~~الابهام والتفصيل بعد الاجمال والثالثة لمجرد التعقيب وجعل ما بعدها تابعا ~~لما قبلها واقعا عقيبه لان مضمون قوله تعالى فلما جاءتهم الخ هو انهم كفروا ~~فصار مجموع الكلام بمنزلة ان يقال فكفروا ثم لما رأوا بأسنا آمنوا والرابعة ~~للعطف على آمنوا كأنه قيل فآمنوا فلم ينفعهم لان النافع هو الايمان ~~الاختياري «سنة الله التي قد خلت في عباده» أي سن الله تعالى ذلك سنة ماضية ~~في العباد وهو من المصادر المؤكدة «وخسر هنالك الكافرون» أي وقت رؤيتهم ~~البأس على انه اسم مكان قد استعير للزمان كما سلف آنفا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قرا سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا ~~مؤمن الا صلى عليه واستغفر له (تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله ~~سورة فصلت) PageV07P287 # تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء الثامن الناشر دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV08P001 # سورة فصلت مكية وآيها ثلاث أو أربع وخمسون آية حم إن جعل إسما للسورة فهو ~~إما خبر لمبتدأ محذوف وهو الأظهر لما مر من سره مرارا أو مبتدأ خبره تنزيل ~~وهو على الأول خبر بعد خبر، وخبر لمبتدأ محذوف إن جعل مسرودا على نمط ~~التعديد وقوله تعالى: من الرحمن الرحيم متعلق به مؤكد لما أفاده التنوين من ~~الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، أو خبر آخر. أو تنزيل مبتدأ لتخصصه ~~بالصفة خبره كتاب وهو على الوجوه الأول بدل منه أو خبر آخر أو خبر لمحذوف. ~~ونسبة التنزيل إلى الرحمن الرحيم للإيذان بأنه مدار للمصالح الدينية ~~والدنيوية، واقع بمقتضى الرحمة الربانية حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين. فصلت آياته ميزت بحسب النظم والمعنى وجعلت ~~تفاصيل في أساليب مختلفة ومعان متغايرة من أحكام وقصص ومواعظ وأمثال ms2902 ووعد ~~ووعيد. وقرىء فصلت، أي فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف ~~الأساليب والمعاني من قولك فصل من البلد فصولا قرآنا عربيا نصب على المدح ~~أو الحالية من كتاب لتخصصه بالصفة أو من آياته لقوم يعلمون أي معانيه لكونه ~~على لسانهم، وقيل لأهل العلم والنظر، لأنهم المنتفعون به. واللام متعلقة ~~بمحذوف هو صفة أخرى لقرآنا، أي كائنا لقوم الخ، أو بتنزيل على أن من الرحمن ~~الرحيم ليست بصفة له أو بفصلت بشيرا ونذيرا صفتان أخريان لقرآنا أي بشيرا ~~لأهل الطاعة ونذيرا لأهل المعصية، أو حالان من كتاب، أو من آياته. وقرئا ~~بالرفع على الوصفية لكتاب أو الخبرية لمحذوف فأعرض أكثرهم عن تدبره مع كونه ~~على لغتهم فهم لا يسمعون سماع تفكر وتأمل حتى يفهموا جلالة قدره فيؤمنوا به ~~وقالوا أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند دعوته إياهم إلى الإيمان ~~والعمل بما في القرآن قلوبنا في أكنة أي أغطية متكاثفة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر أي صمم، وأصله الثقل. وقرىء بالكسر، وقرىء بفتح القاف ومن بيننا ~~وبينك حجاب غليظ يمنعنا عن التواصل، ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ من ~~الجانبين بحيث استوعب ما بينهما من المسافة المتوسطة ولم يبق ثمة فراغ أصلا ~~وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وقبوله ومج أسماعهم له كأن بها ~~صمما وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول عليه الصلاة والسلام. PageV08P002 # فاعمل أي على دينك وقيل في إبطال أمرنا إننا عاملون أي على ديننا، وقيل ~~في إبطال أمرك والأول هو الأظهر فإن قوله تعالى: قل إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد تلقين للجواب عنه أي لست من جنس مغاير لكم ~~حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين مصحح لتباين الأعمال والأديان، كما ينبىء ~~عنه قولكم. «فاعمل إننا عاملون» بل إنما أنا بشر مثلكم مأمور بما أمرتم به ~~حيث أخبرنا جميعا بالتوحيد بخطاب جامع بيني وبينكم فإن الخطاب في إلهكم ~~محكي منتظم لكل لا أنه خطاب منه عليه الصلاة والسلام للكفرة ms2903 كما في مثلكم، ~~وقيل المعنى لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم التلقي منه ولا أدعوكم إلى ما ~~تنبو عته العقول والأسماع وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل، ~~وقد تدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل. وقيل المعنى إني لست بملك وإنما ~~أنا بشر مثلكم وقد أوحي إلي دونكم فصحت بالوحي إلي وأنا بشر نبوتي وإذا صحت ~~نبوتي وجب عليكم اتباعي، فتأمل. والفاء في قوله تعالى: فاستقيموا إليه ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها من إيحاء الوحدانية فإن ذلك موجب لاستقامتهم ~~إليه تعالى بالتوحيد والإخلاص في الأعمال واستغفروه مما كنتم عليه من سوء ~~العقيدة والعمل. وقوله تعالى: وويل للمشركين ترهيب وتنفير لهم عن الشرك إثر ~~ترغيبهم في التوحيد. ووصفهم بقوله تعالى: الذين لا يؤتون الزكاة لزيادة ~~التحذير والتخويف عن منع الزكاة حيث جعل من أوصاف المشركين وقرن بالكفر ~~بالآخرة، حيث قيل وهم بالآخرة كافرون وهو عطف على لا يؤتون داخل في حيز ~~الصلة، واختلافهما بالفعلية والاسمية لما أن عدم إيتائها متجدد والكفر أمر ~~مستمر. ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر لا يؤتون الزكاة بقوله لا ~~يقولون لا إله إلا الله فإنها زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من ~~الشرك بالتوحيد، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ونفس وما سواها وقال الضحاك ~~ومقاتل لا ينفقون في الطاعات ولا يتصدقون وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم. # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون أي PageV08P003 # (9 10) لا يمن به عليهم من المن وأصله الثقل أولا يقطع من مننت الحبل ~~قطعته وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ~~ما كانوا يعلمونه «قل أئنكم لتكفرون» إنكار وتشنيع لكفرهم وإن واللام إنا ~~لتأكيد الإنكار وتقديم الهمزة لاقتضائها الصدارة لا لإنكار التأكيد وإما ~~للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد ~~وإنما علق كفرهم بالموصول حيث قيل «بالذي خلق الأرض في يومين» لتفخيم شأنه ~~تعالى واستعظام كفرهم به أي بالعظيم الشأن الذي قدر وجودها أي ms2904 حكم بأنها ~~ستوجد في مقدار يومين أو في نوبتين على أن ما يوجد في كل نوبة بأسرع ما ~~يكون وإلا فاليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجودها وتسوية السماوات وإبداع ~~نيراتها وترتيب حركاتها «وتجعلون له أندادا» عطف على تكفرون داخل في حكم ~~الإنكار والتوبيخ وجمع الأنداد باعتبار ما هو الواقع لا بأن يكون مدار ~~الإنكار هو التعدد أي وتجلعون له أندادا والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند ~~واحد «ذلك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في العظمة ~~وإفراد الكاف لما مر مرار من ان المراد ليس تعيين المخاطبين وهو مبتدأ خبره ~~ما بعده أي ذلك العظيم الشأن الذي فعل ما ذكر «رب العالمين» أي خالق جميع ~~الموجودات ومربيها دون الأرض خاصة فكيف يتصور أن يكون أخس مخلوقاته ندا له ~~وقوله تعالى «وجعل فيها رواسي» عطف على خلق داخل في حكم الصلة والجعل ~~إبداعي وحديث لزوم الفصل بينهما بجملتين خارجيتين عن حيز الصلة مدفوع بأن ~~الأولى متحدة بقوله تعالى تكفرون فهو بمنزلة الإعادة له والثانية اعتراضية ~~مقررة لمضمون الكلام بمنزلة التأكيد فالفصل بهما كلا فصل على ان فيه فائدة ~~التنبيه على ان مجر المعطوف عليه كاف في تحقق ربوبيته للعالمين واستحالة أن ~~يجعل له ند فكيف إذا انضم إليه المعطوفات وقيل هو عطف على مقدر اي خلقها ~~وجعل الخ وقيل هو كلام مستأنف وأيا ما كان فالمراد تقدير الجعل لا الجعل ~~بالفعل وقوله تعلى «من فوقها» متعلق بجعل أو بمضمر هو صفة لرواسي أي كائنة ~~من فوقها مرتفعة عليها لتكون منافعها معرضة لأهلها ويظهر للنظار ما فيها من ~~مراصد الاعتبار ومطارح الأفكار «وبارك فيها» أي قدر أن يكثر خيرها بأن يخلق ~~أنواع الحيوانات التي من جملتها الإنسان وأصناف النبات التي منها معايشهم ~~«وقدر فيها أقواتها» أي حكم بالفعل بأن يوجد فيما سيأتي لأهلها من الأنواع ~~المختلفة أقواتها المناسبة لها على مقدار معين تقتضيه الحكمة ms2905 وقرئ وقسم ~~فيها أقواتها PageV08P004 # «في أربعة أيام» متعلق بحصول الأمور المذكورة لا بتقديرها أي قدر حصولها ~~في يومين وإنما قيل في أربعة أيام اي تتمة أربعة تصريحا بالفذلكة «سواء» ~~مصدر مؤكد لمضمر هو صفى لأيام اي استوت سواء أي استواء كما ينبيء عنه ~~القراءة بالجر وقيل هو حال من الضمير في أقواتها أو في فيها وقرئ بالرفع أي ~~هي سواء «للسائلين» متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائيلن عن مدة خلق ~~الأرض وما فيها أو بقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل السائلين أي الطالبين لها ~~المحتاجين إليها من المقتاتين وقوله تعالى «ثم استوى إلى السماء» شروع في ~~بيان كيفية التكوين إثر بيان كفية التقدير ولعل تحصيص البيان بما يتعلق ~~بالأرض وأهلها لما أن بيان اعتنائه تعالى بأمر المخاطبين وترتيب مبادى ~~معايشهم قبل خلقهم مما يحملهم على الإيمان ويزجرهم عن الكفر والطغيان أي ثم ~~قصد نحوها قصدا سويا لا يلوى على غيره «وهي دخان» أي امر ظلماني عبر به عن ~~مادتها أو عن الأجزاء المتصغرة التي ركبت هي منها أو دخان مرتفع من الماء ~~كما سيأتي وإنما خص الاستواء بالسماء مع أن الخطاب المترتب عليه متوجه ~~إليهما معا حسبما ينطق به قوله تعالى «فقال لها وللأرض» اكتفاء بذكر ~~تقديرها وتقدير ما فيها كأنه قيل فقال لها وللأرض التي قدر ووجودها وودود ~~ما فيها «ائتيا» أي كونا واحدثا على وجه معين وفي وقت مقدر لكل منكما وهو ~~عبارة عن تعلق إرادته تعلى بوجودهما تعلقا فعليا بطريق التمثيل بعد تقدير ~~أمرهما من غير أن يكون هناك أمر ومأمور كما في قوله تعالى كن وقوله تعالى ~~«طوعا أو كرها» تمثيل لتحتم تأثير قدرته تعلى فيهما واستحالة امتناعهما من ~~ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما وهما مصدران وقعا موقع الحال أي طائعتين أو ~~كارهتين وقوله تعلى «قالتا أتينا طائعين» أي منقادين تمثيل لكمال تأثرهما ~~بالذات عن القدرة الربانية وحصولهما كما أمرتا به وتصوير لكون وجوهما كما ~~هما عليه جاريا على مقتضى الحكمة البالغة فإن الطوع منبىء ms2906 عن ذلك والكره ~~موهم لخلافه وإنما قيل طائعين باعتبار كونهما في معرض الخطاب والجواب كقوله ~~تعالى ساجدين وقوله تعلى «فقضاهن سبع سماوات» تفسير وتفصيل لتكوين السماء ~~المجمل المعبر عنه بالأمر وجوابه لا أنه فعل مترتب على تكونيها أي خلقهن ~~خلقا إبداعيا وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة والضمير إما للسماء على ~~المعني أو مبهم وسبع سماوات حال على الأول تميز على الثاني «في يومين» في ~~وقت مقدر بيومين وقد بين مقدار زمان خلق الأرض وخلق ما فيها عند بيان ~~تقديرهما فكان خلق الكل في ستة أيام حسبما نص عليه في مواقع من التنزيل ~~«وأوحى في كل سماء أمرها» عطف على قضاهن أي خلق في كل منها ما فيها من ~~الملائكة PageV08P005 # والنيرات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما قاله قتادة والسدي ~~فالوحي عبارة عن التكوين كالأمر مقيد بما قيد به المعطوف عليه من الوقت أو ~~أوحى إلى أهل كل منها أو أمره وكلفهم ما يليق بهم من التكاليف فهو بمعناه ~~ومطلق عن القيد المذكور، وأيا ما كان فعلى ما قرر من التفصيل لا دلالة في ~~الآية الكريمة على الترتيب بين إيجاد الأرض وإيجاد السماء وإنما الترتيب ~~بين التقدير والإيجاد. وإما على تقدير كون الخلق وما عطف عليه من الأفعال ~~الثلاثة على معانيها الظاهرة فهي وما في سورة البقرة من قوله تعالى: هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ~~تدلان على تقدم خلق الأرض وما فيها على خلق السماء وما فيها، وعليه إطباق ~~أكثر أهل التفسير وقد رري أن العرش العظيم كان قبل خلق السموات والأرض على ~~الماء ثم إنه تعالى أحدث في الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه دخان فأما ~~الزبد فبقي على وجه الماء فخلق فيه اليبوسة فجعله أرضا واحدة ثم فتقها ~~فجعلها أرضين، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات. وروي أنه تعالى ~~خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ~~ويوم الأربعاء وخلق السموات ms2907 وما فيهن يوم الخميس ويوم الجمعة وخلق آدم عليه ~~السلام في آخر ساعة منه وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة وقيل إن خلق جرم ~~الأرض مقدم على خلق السموات لكن دحوها وخلق ما فيها مؤخر عنه لقوله تعالى: ~~والأرض بعد ذلك دحاها ولما روي عن الحسن رحمه الله من أنه تعالى خلق الأرض ~~في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليه دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق ~~منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى: كانتا ~~رتقا ففتقناهما الآية وليس المراد بنظمها مع السماء في سلك الآمر بالإتيان ~~إنشاءها وإحداثها بل إنشاء دحوها وجعلها على وجه خاص يليق بها من شكل معين ~~ووصف مخصوص كأنه قيل ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه ائتي يا أرض مدحوة ~~قرارا ومهادا لأهلك وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم. ومعنى الإتيان الحصول ~~على ذلك الوجه كما تبىء عنه قراءة آتيا وآتينا من المواتاة وهي الموافقة. ~~وأنت خبير بأن المذكور قبل الأمر بالإتيان ليس مجرد خلق جرم الأرض حتى ~~يتأتى ما ذكر بل خلق ما فيها أيضا من الأمور المتأخرة عن دحوها قطعا، ~~فالأظهر أن يسلك مسلك الأولين ويحمل الأمر بالإتيان على تكوينهما متوافقتين ~~على الوجه المذكور وليس من ضرورته أن يكون دحوها مترتبا على ذلك التكوين ~~وإنما اللازم ترتب حصول التوافق عليه، ولا ريب في أن تكوين السماء على ~~الوجه اللائق بها كاف في حصوله، ولا يقدح في ذلك تكوين الأرض على الوجه ~~المذكور قبل ذلك وأن يجعل الأرض في قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} ~~منصوبا بمضمر قد حذف على شرطية التفسير ويجعل ذلك إشارة إلى ذكر ما ذكر من ~~بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا إلى أنفسها وتحمل البعدية إما ~~على أنه قاصر عن الأول في الدلالة على القدرة القاهرة كما قيل وإما على أنه ~~أدخل في الإلزام لما أن المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر وتعلق مصالح ~~الناس بذلك أظهر وإحاطتهم بتفاصيلها أكمل وليس ما ms2908 روي عن الحسن رضي الله ~~عنه نصا في تأخر دحو الأرض عن خلق السماء فإن بسط الأرض معطوف على إصعاد ~~الدخان وخلق السماء بالواو فلا دلالة في ذلك على الترتيب قطعا وقد نقل ~~الإمام الواحدي عن مقاتل أن خلق السماء مقدم على إيجاد الأرض فضلا عن دحوها ~~فلا بد من حمل الأمر بإتيانهما حينئذ أيضا على ما ذكر من التوافق والمواتاة ~~ولا يقدح في ذلك تقدم خلق السماء على خلق الأرض كما لم يقدح فيه تقدم خلق ~~الأرض على خلق السماء، هذا كله على تقدير كون كلمة ثم للتراخي الزماني وأما ~~على تقدير كونها للتراخي الرتبي كما جنح إليه الأكثرون فلا دلالة في الآية ~~الكريمة على الترتيب كما في الوجه الأول وعلى ذلك بني الكلام في تفسير قوله ~~تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا الآية وإنما لم يحمل الخلق هناك ~~على معنى التقدير كما حمل عليه ههنا لتوفية مقام الامتنان حقه. وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح من الكواكب فإنها كلها ترى متلألئة عليها كأنها فيها ~~والالتفات إلى نون العظمة لإبراز مزيد العناية بالأمر. وقوله تعالى: وحفظا ~~مصدر مؤكد لفعل معطوف على زينا أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا ~~وقيل مفعول له على المعنى كأنه قيل وخلقنا المصابيح زينة وحفظا ذلك الذي ~~ذكر بتفاصيله {تقدير العزيز العليم} المبالغ في القدرة والعلم. PageV08P006 # فإن أعرضوا متصل بقوله تعالى: قل أئنكم الخ أي فإن أعرضوا عن التدبر فيما ~~ذكر من عظائم الأمور الداعية إلى الإيمان أو عن الإيمان بعد هذا البيان فقل ~~لهم أنذرتكم أي أنذركم وصيغة الماضي للدلالة على تحقيق الإندار المنبىء عن ~~تحقيق المنذر به صاعقة أي عذابا هائلا شديد الوقع كأنه صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود وقرىء صعقة مثل صعقة عاد وثمود وهي المرة من الصعق أو الصعق يقال ~~صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا وهو من باب فعلته ففعل إذ جاءتهم الرسل حال ~~من صاعقة عاد ولا سداد لجعله ظرفا لأنذرتكم أو صفة لصاعقة لفساد المعنى ~~وأما ms2909 جعله صفة لصاعقة عاد أي الكائنة إذ جاءتهم ففيه حذف الموصول مع بعض ~~صلته من بين أيديهم ومن خلفهم متعلق بجاءتهم أي من جميع جوانبهم واجتهدوا ~~بهم من كل جهة أو من جهة الزمان الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ~~ومن جهة المستقبل بالتحذير عما سيحيق بهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وقيل ~~المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم ~~إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم فإن هودا وصالحا كانا داعيين لهم إلى الإيمان ~~بهما ويجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم أي من قبلهم وممن يجيء من خلفهم ~~أي من بعدهم فكأن الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم بقوله تعالى: ألا تعبدوا إلا ~~الله أي بأن لا تعبدوا على أن أن مصدرية أو أن لا تعبدوا على أنها مفسرة ~~قالوا لو شآء ربنا أي إرسال الرسل PageV08P007 # إرسال الرسل لا إنزال الملائكة قيل فإنه عن إفادة ما أرادوه من نفي رسالة ~~البشر وقد مر فيما سلف «لأنزل ملائكة» أي لأرسلهم لكن لما كان إرسالهم ~~بطريق الإنزال قبل لأنزل «فإنا بما أرسلتم به» أي على زعمكم وفيه ضرب تهكم ~~بهم «كافرون» للما أنكم بشر مثلنا من غير فضل لكم علينا روى أن أبا جهل قال ~~في ملأ من قريش قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجل عالما بالشعر ~~والكهانة والسحر فكلمه ثم اتانا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة والله ~~لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا بيان من أمره فقال عتبة بن ~~ربيعة والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر علمت من وعلمت من ذلك علما وما ~~يخفى على فأتاه فقال أنت يا محمد خيرا أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت ~~خير أم عبد الله فبم تشتم آلهتنا وتضللنا فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك ~~اللواء فكنت رئيسا وإن تك بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن أي بنات قريش ~~شئت وإنا كان بك المال جمعنا لك ما تستغنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم ms2910 ~~ساكت فلما فرغ عتبة قال صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم «حم» ~~إلى قوله تعلى مثل صاعقة عاد وثمود فأمسك عتبة على فيه صلى الله عليه وسلم ~~وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس عنهم قالوا ما ~~نرى عبتة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا يا عبت ما حبسك عنا إلا أنك قد ~~صبأت فغضب ثم قال والله لقد كلمته فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ~~ولا سحر ولما بلغ صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد ~~علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب «فأما عاد ~~فاستكبروا في الأرض» شروع في حكاية ما يخص بكلا واحدة من الطائفتين من ~~الجناية والعذاب إثر حكاية ما يعم الكل من الكفر المطلق أي فتعظموا فيها ~~على أهلها أو استعلوا فيها واستولوا على أهلها «بغير الحق» أي بغير استحقاق ~~للتعظم والولاية «وقالوا» مدلين بشدتهم وقوتهم «من أشد منا قوة» حيث كانوا ~~ذوي أجسام طوال وخلق عظيم وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من ~~جبل فيقتلعها بيده «أولم يروا» أي اغفلوا أو ألم ينظروا ولم يعلموا علما ~~جليا شبيها بالمشاهدة والعيان «أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة» أي ~~قدرة فإنه تعالى قادر بالذات مقتدر على مالا يتناهى قوى على مالا يقدر عليه ~~غير مفيض للقوى والقدر على كل قوى وقادر وإنما أورد في حيز الصلة خلقهم دون ~~خلق السماوات والأرض لادعائهم الشدة في القوة وفيه ضرب من التهكم بهم ~~«وكانوا بآياتنا» المنزلة على الرسل «يجحدون» أي ينكرونها وهم يعرفون ~~حقيقتها وهو عطف على فاستكبروا كقوله تعالى وقالوا وما بينهما اعتراض للرد ~~على كلمتهم الشنعاء «فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا» أي باردة تهلك وتحرق بشدة ~~PageV08P008 # بردها من الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض أو عاصفة في هبوبها من ~~الصرير «في أيام نحسات» جمع نحسة من نحس نحسا نقبض سعد سعدا وقرئ بالسكون ~~على ms2911 التخفيف أو على أنه نعت على فعل أو وصف بمصدر مبالغة قيل كن آخر شوال ~~من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء «لنذيقهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا» وقرئ لتذيقهم على إسناد الإذاقة إلى الريح أو إلى ~~الأيام وأضيف العذاب إلى الخزي الذي هو الذل والاستكانة على أنه وصف له كما ~~يعرب عنه قوله تعالى «ولعذاب الآخرة أخزى» وهو في الحقيقة وصف للمعذب وقد ~~وصف به العذاب للمبالغة «وهم لا ينصرون» بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه ~~«وأما ثمود فهديناهم» فدللناهم على الحق بنصب الآيات التكوينية وإرسال ~~الرسل وإنزال الآيات التشريعية وأزحنا عللهم بالكلية وقد مر تحقيق معنى ~~الهدى في تفسير قوله تعالى هدى للمتقين وقرئ ثمود بالنصب بفعل يفسره ما ~~بعده ومنونا في الحالين وبضم الثاء «فاستحبوا العمى على الهدى» أي اختاروا ~~الضلالة على الهداية «فأخذتهم صاعقة العذاب الهون» داهية العذاب وقارعة ~~العذاب والهون الهوان وصف به العذاب مبالغة أو ابدل منه «بما كانوا يكسبون» ~~من اختيار الضلالة «ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون» من تلك الصاعقة «ويوم ~~يحشر أعداء الله» شروع في بيان عقوباتهم الآجلة إثر بيان عقوباتهم العاجلة ~~والتعبير عنهم بأعداء الله تعالى لذمهم والإيذان بعلة ما يحيق بهم من ألوان ~~العذاب وقيل المراد بهم الكفار من الأولين والآخرين ويرده ما سيأتي من قوله ~~تعالى في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس وقرئ يحشر على بناء الفاعل ~~ونصب أعداء الله وبنون العظمة وضم الشين وكسرها «إلى النار» أي إلى موقف ~~الحساب إذ هناك تتحقق الشهادة الآتية لا بعدم تمام السؤال والجواب وسوقهم ~~إلى النار والتعبير عنه بالنار إما للإيذان بأنها عاقبة حشرهم على شرف ~~دخولها وإما لأن حسابهم يكون على شفيرها ويوم اما منصوب باذكر أو ظرف لمضمر ~~مؤخر قد حذف أيهما لقصور العبارة عن تفصيله كما مر في قوله تعالى يوم يجمع ~~الله الرسل وقيل ظرف لما يدل عليه قوله تعالى «فهم يوزعون» أي يحبس أولهم ~~على آخرهم ليتلاحقوا وهو عبارة ms2912 عن كثرتهم وقبل يسلقون ويدفعون إلى النار ~~وقوله تعالى «حتى PageV08P009 # إذا ما جاؤوها» أي جميعا غاية ليحشر أو ليوزعون أي حتى إذا حضروها. وما ~~مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون في الدنيا من فنون الكفر والمعاصي بأن ينطقها الله تعالى أو ~~يظهر عليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد ~~بشهادة الجلود شهادة الفروج وهو الأنسب بتخصيص السؤال بها في قوله تعالى ~~وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقبحا ~~وأجلب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة ~~بتوسطهما. وقيل: المراد بالجلود الجوارح أي سألوها سؤال توبيخ، لما روي ~~أنهم قالوا لها فعنكن كنا نناضل، وفي رواية بعدا لكن وسحقا، عنكن كنت ~~أجادل. وصيغة جمع العقلاء في خطاب الجلود وفي قوله تعالى: قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء لوقوعها في موقع السؤال والجواب المختصين بالعقلاء ~~أي أنطقنا الله الذي أنطق كل ناطق وأقدرنا على بيان الواقع فشهدنا عليكم ~~بما عملتم بواسطتنا من القبائح ما كتمناها. وقيل: ما نطقنا باختيارنا بل ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وليس بذاك لما فيه من إيهام الاضطرار في ~~الإخبار. وقيل: سألوها سؤال تعجب فالمعنى حينئذ ليس نطقنا بعجب من قدرة ~~الله الذي أنطق كل حي. وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون فإن من قدر على ~~خلقكم وإنشائكم أولا وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه ثانيا لا يتعجب من ~~إنطاقه لجوارحكم. ولعل صيغة المضارع مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجع ~~لما أن المراد بالرجع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث بل مايعمه وما يترتب ~~عليه من العذاب الخالد المترقب عند التخاطب على تغليب المتوقع على الواقع ~~على أن فيه مراعاة الفواصل. وقوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم حكاية لما سيقال لهم يومئذ من جهته تعالى ~~بطريق التوبيخ والتقريع تقريرا لجواب الجلود أي ما كنتم تستترون في ms2913 الدنيا ~~عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم بذلك كما كنتم تستترون ~~من الناس مخافة الافتضاح عندهم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء رأسا ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من القبائح المخفية فلا يظهرها في ~~الآخرة ولذلك اجترأتم على ما فعلتم، وفيه إيذان بأن شهادة PageV08P010 # الجوارح بإعلامه تعالى حينئذ لا بأنها كانت عالمة بما شهدت به عند صدوره ~~عنهم. عن ابن مسعود رضي الله عنه: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة ~~نفر، ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم أترون أن الله يسمع ما نقول ~~قال الآخر يسمع إن جهرنا، ولا يسمع أن أخفينا فذكرت ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى: وما كنتم تستترون الآية. فالحكم المحكي حينئذ ~~يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، ولعل الأنسب أن يراد بالظن ~~معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما يجري مجراه من الأعمال المنبئة عنه كما ~~في قوله تعالى: يحسب أن ماله أخلده ليعم ما حكي من الحال جميع أصناف الكفرة ~~فتدبر. وذلكم إشارة إلى ما ذكر من ظنهم، وما فيه من معنى البعد للإيذان ~~بغاية بعد منزلته في الشر والسوء وهو مبتدأ. وقوله تعالى: ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم خبران له ويجوز أن يكون ظنكم بدلا وأرداكم خبرا. فأصبحتم بسبب ~~ذلك الظن السوء الذي أهلككم من الخاسرين إذ صار ما منحوا لنيل سعادة ~~الدارين سببا لشقاء النشأتين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم أي محل ثواء ~~وإقامة أبدية لهم بحيث لا براح لهم منها. والالتفات إلى الغيبة للإيذان ~~باقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكى سوء حالهم لغيرهم، أو للإشعار بإبعادهم ~~عن حيز الخطاب وإلقائهم في غاية دركات النار. وإن يستعتبوا أي يسألوا ~~العتبى وهو الرجوع إلى ما يحبونه جزعا مما هم فيه. فما هم من المعتبين ~~المجابين إليها، ونظيره قوله تعالى: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من ~~محيص وقرىء وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم، ~~فما ms2914 هم فاعلون لفوات المكنة. # وقيضنا لهم أي قدرنا وقرنا للفكرة في الدنيا قرناء جمع قرين أي أخدانا من ~~الشياطين يستولون عليهم استيلاء القيض على البيض وهو القشر وقيل: أصل القيض ~~البدل ومنه المقايضة للمعاوضة. فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا ~~واتباع الشهوات وما خلفهم من أمور الآخرة حيث أروهم أن لا بعث ولا حساب ولا ~~مكروه قط. وحق عليهم القول أي ثبت وتقرر عليهم كلمة العذاب وتحقق موجبها ~~ومصداقها، وهو قوله تعالى لإبليس: فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين. وقوله تعالى: لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين كما ~~مر مرارا. في أمم حال من الضمير المجرور أي كائنتين في جملة أمم وقيل: في ~~بمعنى مع، وهذا كما ترى صريح في أن المراد بأعداء الله تعالى فيما سبق ~~المعهودون من عاد وثمود لا الكفار من الأولين والآخرين كما قيل. # قد خلت صفة لأمم، أي مضت من قبلهم من الجن والإنس على الكفر والعصيان ~~كدأب هؤلاء إنهم كانوا خاسرين تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير للأولين ~~والآخرين. # وقال الذين كفروا من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال PageV08P011 # بعضهم لبعض «لا تسمعوا لهذا القرآن» أي لا تنصتوا له «والغوا فيه» ~~وعارضوه بالخرافات من الرجز والشعر والتصدية والمكاء أو أرفعوا أصواتكم بها ~~لتشوشوه على القارئ وقريء بضم الغين والمعاني واحد يقال لغى يلغى كلقى يلقي ~~ولغا يلغوا إذا هذى «لعلكم تغلبون» أي تغلبونه على قراءته «فلنذيقن الذين ~~كفروا» أي فوالله لنذيقن هؤلاء القائلين واللاغين أو جميع الكفار وهم ~~داخلون فيهم دخولا أولياء «عذابا شديدا» لا يقادر قدره «ولنجزينهم أسوأ ~~الذي كانوا يعملون» أي جزاء سيئات أعمالهم التي هي في أنفسها أسوأ وقيل إنه ~~لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة الملهوفين وصلة الأرحام وقرئ الأضياف ~~لأنها محبطة بالكفر وعن ابن عباس رضي الله عنهما عذابا شديدا يوم بدر وأسوأ ~~الذي كانوا يعملون في الآخرة «ذلك» مبتدأ وقوله تعالى «جزاء أعداء الله» ~~خبره أي ما ذكر من الجزاء جزاء معدلا لأعدائه وقوله تعالى ms2915 «النار» عطف بيان ~~للجزاء أو ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك على انه عبارة عن مضمون الجملة ~~لاعن الجزاء وما بعده جملة مستقلة مبينة لما قبلها وقوله تعالى «لهم فيها ~~دار الخلد» جملة مستقلة مقررة لما قبلها أو النار مبتدأ هي خبره أي هي ~~بعينها دار إقامتهم على أن في للتجريد وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر ~~مثله مبالغة لكماله فيها كما يقال في البيضة عشرون منا حديد وقيل وهي على ~~معناها والمراد أن لهم في النار المشتملة على الدركات دارا مخصوصة هم فيها ~~خالدون «جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون» منصوب بفعل مقدر أي يجزون جزاء أو ~~بالمصدر السابق فإن المصدر ينتصب بمثله كما في قوله تعالى فإن جهنم جزاؤكم ~~جزاء موفورا والباء الأولى متعلقة بجزاء والثانية بيجحدون قدمت عليه ~~لمراعاة الفواصل أي بسبب ما كانوا يجحدون بآياتنا الحقة أو يلغون فيها وذكر ~~الجحود لكونه سببا للغو «وقال الذين كفروا» وهم متقلبون فيما ذكر من العذاب ~~«ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس» يعنون فريقي شياطين النوعين ~~المقيضين لهم الحاملين لهم على الكفر والمعاصي بالتسويل والتزين وقيل هما ~~إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل بغير حق وقرئ أرنا تخفيفا كفخذ في ~~فخذ وقيل معناه أعطناهما وقرئ باختلاس كسرة الراء «نجعلهما تحت أقدامنا» أي ~~ندسهما انتقاما منهما وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل «ليكونا من الأسفلين» ~~أي ذلا ومهانة أو مكانا «إن» PageV08P012 # الذين قالوا ربنا الله شروع في بيان حسن أحوال المؤمنين في الدنيا ~~والآخرة بعد بيان سوء حال الكفرة فيهما أي قالوا اعترافا بربوبيته تعالى ~~وإقرارا بوحدانيته «ثم استقاموا» أي ثبتوا على الإقرار ومقتضياته على أن ثم ~~للتراخي في الزمان أو في الرتبة فإن الاستقامة لها الشأن كله وما روى عن ~~الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم في معناها من الثبات على الإيمان ~~وإخلاص العمل وأداء الفرائض بيان لجزئياتها «تتنزل عليهم الملائكة» من جهته ~~تعالى يمدونهم فيما يعن لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ~~ويدفع ms2916 عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغويهم ما قيض لهم من ~~قرناء السوء بتزيين القبائح وقيل تتنزل عند الموت بالبشرى وقيل إذا قاموا ~~من قبورهم وقيل البشرى في مواطن ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث ~~والأظهر هو العموم والإطلاق كما ستعرفه «ألا تخافوا» ما تقدمون عليه فإنه ~~الخوف غم يلحق لتوقع المكروه «ولا تحزنوا» على ما خلفتم فإنه غم يحلق ~~لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار وقيل المراد نهيهم عن الغموم على الإطلاق ~~والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أباد وان إما ~~مفسرة أو مخففة من الثقيلة والأصل بأنها لا تخافوا والهاء ضمير الشأن وقرئ ~~لا تخافوا أي يقولون لا تخافوا على أنه حال من الملائكة أو استئناف ~~«وأبشروا» أي سروا «بالجنة التي كنتم توعدون» في الدنيا على ألسنة الرسل ~~هذا من بشاراتهم في أحد المواطن الثلاثة وقوله تعالى «نحن أولياؤكم في ~~الحياة الدنيا» الخ من بشاراتهم في الدنيا أي أعوانكم في أموركم نلهمكم ~~الحق ونرشدكم إلى ما فيه خيركم وصلاحكم ولعل ذلك عبارة عما يخطر ببال ~~المؤمنين المستمرين على الطاعات من أن ذلك بتوفيق الله تعالى وتأيده لهم ~~بواسطة الملائكة عليهم السلام «وفي الآخرة» نمدكم بالشفاعة ونتلقاكم ~~بالكرامة حين يقع بين الكفرة وقرنائهم ما يقع من التعادى والخصام «ولكم ~~فيها» أي في الآخرة «ما تشتهي أنفسكم» من فنون الطيبات «ولكم فيها ما ~~تدعون» ما نتمنون افتعال من الدعاء بمعنى الطلب أي تدعون لأنفسكم وهو أعم ~~من الأول ولكم في الموضعين خبر وما مبتدأ وفيها حال من ضميره في الخبر وعدم ~~الاكتفاء بعطف ما تدعون على ما تشتهي للإشباع في البشارة والإيذان باستقلال ~~كل منهما «نزلا من غفور رحيم» حال مما تدعون مفيدة لكون ما يتمنونه بالنسبة ~~إلى ما عطون من عظائم الأجور كالنزل للضيف «ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله» أي إلى توحيده تعالى وطاعته عن ابن عباس رضى الله عنهما هو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms2917 دعا إلى الإسلام PageV08P013 # وعنه أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: نزلت في المؤذنين، ~~والحق أن حكمها عام لكل من جمع ما فيها من الخصال الحميدة، وإن نزلت فيمن ~~ذكر وعمل صالحا فيما بينه وبين ربه وقال إنني من المسلمين ابتهاجا بأنه ~~منهم أو اتخاذا للإسلام دينا ونحلة من قولهم هذا قول فلان أي مذهبه لا أنه ~~تكلم بذلك. وقرىء إني بنون واحدة. # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة جملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال ~~الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب عز ~~وجل ترغيبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الصبر على أذية المشركين، ~~ومقابلة إساءتهم بالإحسان، أي لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار ~~والأحكام. ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي، وقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن ~~الخ استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة، أي ادفع السيئة حيث اعترضتك من بعض ~~أعاديك بالتي هي أحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء ~~فإنه أحسن من العفو، وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال كيف أصنع للمبالغة ~~ولذلك وضع أحسن موضع الحسنة. وقوله تعالى: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم بيان لنتيجة الدفع المأمور به، أي فإذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق ~~مثل الولي الشفيق وما يلقاها أي ما يلق هذه الخصلة والسجية التي هي مقابلة ~~الإساءة بالإحسان إلا الذين صبروا أي شأنهم الصبر وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم من الخير وكمال النفس، وقيل: الحظ العظيم: الجنة، وقيل: هو الثواب. ~~قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصار وليا مصافيا وإما ينزغنك من الشيطان نزغ النزغ والنسغ بمعنى وهو شبه ~~النخس، شبه به وسوسة الشيطان لأنها بعث على الشر، وجعل نازعا على طريقة جد ~~جده، أو أريد: وإما ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر أي وإن صرفك الشيطان ~~عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن فاستعذ بالله من شره ولا ms2918 تطعه إنه هو ~~السميع باستعاذتك العليم بنيتك أو بصلاحك. وفي جعل ترك الدفع بالأحسن من ~~آثار نزغات الشيطان مزيد تحذير وتنفير عنه. PageV08P014 # ومن آياته الدالة على شؤونه العظيمة الليل والنهار والشمس والقمر كل منها ~~مخلوق من مخلوقاته مسخر لأمره لا تسجدوا للشمس ولا للقمر لأنهما من جملة ~~مخلوقاته المسخرة لأوامره مثلكم واسجدوا لله الذي خلقهن الضمير للأربعة لأن ~~حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، أو لأنها عبارة عن الآيات. ~~وتعليق الفعل بالكل مع كفاية بيان مخلوقية الشمس والقمر للإيذان بكمال ~~سقوطهما عن رتبة المسجودية بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا ~~قيام لها بذاتها، وهو السر في نظم الكل في سلك آياته تعالى إن كنتم إياه ~~تعبدون فإن السجود أقصى مراتب العبادة فلا بد من تخصيصه به سبحانه. وهو ~~موضع السجود عند الشافعي رحمه الله وعندنا آخر الآية الأخرى لأنه تمام ~~المعنى فإن استكبروا عن الامتثال فالذين عند ربك من الملائكة يسبحون له ~~بالليل والنهار أي دائما وهم لا يسأمون لا يفترون ولا يملون. وقرىء لا ~~يسأمون بكسر الياء. # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى ~~التذلل فإذا أنزلنا عليها الماء أي المطر اهتزت وربت أي تحركت بالنبات ~~وانتفخت، لأن النبت إذا دنا أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت ثم تصدعت عن ~~النبات، وقيل: تزخرفت بالنبات. وقرىء ربأت أي ارتفعت إن الذي أحياها بما ~~ذكر بعد موتها لمحيي الموتى بالبعث إنه على كل شيء من الأشياء التي من ~~جملتها الإحياء قدير مبالغ في القدرة. # إن الذين يلحدون يميلون عن الاستقامة. وقرىء يلحدون في آياتنا بالطعن ~~فيها وتحريفها بحملها على المحامل الباطلة لا يخفون علينا فنجازيهم ~~بإلحادهم. وقوله تعالى: أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة تنبية على كيفية الجزاء اعملوا ما شئتم من الأعمال المؤدية إلى ما ~~ذكر من الإلقاء في النار والإتيان آمنا، وفيه تهديد شديد إنه بما تعملون ~~بصير فيجازيكم بحسب أعمالكم. وقوله تعالى: إن ms2919 الذين كفروا بالذكر لما جآءهم ~~بدل من قوله تعالى إن الذين يلحدون الخ وخبر إن هو الخبر السابق وقيل: ~~مستأنف وخبرها محذوف وقال الكسائي: سد مسده الخبر السابق، والذكر القرآن. ~~وقوله تعالى وإنه لكتاب عزيز أي كثير المنافع عديم النظير، أو منيع لا ~~تتأتى معارضته. جملة حالية مفيدة لغاية PageV08P015 # شناعة الكفر به وقوله تعالى «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» ~~أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات صفة أخرى لكتاب وقوله تعالى ~~«تنزيل من حكيم حميد» خبر لمبتدأ محذوف أو صفة أخرى لكتاب مفيدة لفحامته ~~الإضافية كما ان الصفتين السابقتان مفيدتان لفخامته الذاتية وقوله تعالى لا ~~يأتيه الخ اعتراض عند من لا يجوز تقديم غير الصريح من الصفات على الصريح كل ~~ذلك لتأكيد بطلان الكفر بالقرآن وقوله تعلى «ما يقال لك» الخ تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما يصيبه من أذية الكفار أي ما يقال في شأنك وشأن ~~ما أنزل إليك من القرآن من جهة كفار قومك «إلا ما قد قيل للرسل من قبلك» أي ~~إلا مثل ما قد قيل في حقهم مما لا خير فيه «إن ربك لذو مغفرة» لأنبيائه ~~«وذو عقاب أليم» لأعدائهم وقد نصر من قبلك من الرسل وانتقم من أعدائهم ~~وسيفعل مثل ذلك بك وبأعدائك أيضا «ولو جعلناه قرآنا أعجميا» جواب لقولهم ~~هلا أنزل القرآن بلغة العجم والضمير للذكر «لقالوا لولا فصلت آياته» أي ~~بينت بلسان نفقهه وقوله تعالى «أأعجمي وعربي» إنكار مقرر للتخصيص والأعجمي ~~يقال لكلام لا يفهم وللمتكلم به والياء للمبالغة في الوصف كأحمرى والمعنى ~~أكلام أعجمي ورسول أو مرسل إليه عربي على أن الإفراد مع كون المرسل إليهم ~~أمة جمة لما أن المراد بيان التنافي والتنافر بين الكلام وبين المخاطب به ~~لا بيان كون المخاطب واحدا أو جمعا وقرئ أعجمي أي أكلام منسوب إلى أمة ~~العجم وقرئ أعجمي على الإخبار بأن القرآن أعجمي والمتكلم والمخاطب عربي ~~ويجوز أن يراد هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجميا لإفهام ms2920 العجم وبعضها عربيا ~~لإفهام العرب وأيا ما كان فالمقصود بيان أن آيات الله تعالى على أي وجه ~~جاءتهم وجدوا فيها متعنتا يتعللون به «قل هو للذين آمنوا هدى» يهديهم إلى ~~الحق «وشفاء» لما في الصدور من شبة «والذين لا يؤمنون» مبتدأ خبره «في ~~آذانهم وقر» على أن التقدير هو اي القرآن في آذانهم وقر على ان وقر خبر ~~للضمير المقدر وفي آذانهم متعلق بمحذوف وقع حالا من وقر وهو أوفق لقوله ~~تعالى «وهو عليهم عمى» وقيل خبر الموصول في آذانهم ووقر فاعل الظرف وقيل ~~وقر مبتدأ والظرف خبره والجملة خبر للموصول وقيل التقدير والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم منه وقر ومن جوز العطف على عاملين عطف الموصول على الموصول الأول ~~أي هو للأولين هدى وشفاء وللآخرين وقر في آذانهم «أولئك» إشارة إلى ~~PageV08P016 # الموصول الثاني باعتبار اتصافه بما في حيز صلته وملاحظة ما أثبت له وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلته في الشر ~~مع ما فيه من كمال المناسبة للنداء من بعيد أي أولئك البعداء الموصوفون بما ~~ذكر من التصام عن الحق الذي يسمعونه والتعامى عن الآيات الظاهرة التي ~~يشاهدونها «ينادون من مكان بعيد» تمثيل لهم في عدم قبولهم واستماعهم له بمن ~~ينادي من مسافة نائية لا يكاد يسمع من مثلها الأصوات «ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه» كلام مستأنف مسوق لبيان ان الاختلاف في شأن الكتب عادة ~~قديمة للأمم غير مختص بقومك على منهاج قوله تعالى ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك أي وبالله لقد آتيناه التوراة فاختلف فيها فمن مصدق لها ~~ومكذب وهكذا حال قومك في شأن ما آتيناك من القرآن فمن مؤمن به وكافر ولولا ~~كلمة سبقت من ربك في حق أمتك المكذبة وهي العدة بتأخير عذابهم وفصل ما ~~بينهم وبين المؤمنين من الخصومة إلى يوم القيامة بنحو قوله تعالى بل الساعة ~~موعدهم وقوله تعالى ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى «لقضي بينهم» باستئصال ~~المكذبين كما فعل بمكذبي ms2921 الأمم السالفة «وأنهم» أي الكفار قومك «لفي شك منه ~~مريب» أي من القرآن وجعل الضمير الأول لليهود والثاني للتوراة مما لا وجه ~~له «من عمل صالحا» بأن آمن بالكتب وعمل بموجبها «فلنفسه» أي فلنفسه يعمله ~~أو فنفعه لنفسه لا لغيره «من عمل صالحا» بأن آمن بالكتب وعمل بموجبها ~~فلنفسه أي فلنفسه يعمله أو منفعة لنفسه لا لغيره «ومن أساء فعليها» ضرر لا ~~على غيره «وما ربك بظلام للعبيد» اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مبني ~~على تنزيل ترك إثابة المحسن بعمله أو إثابة الغير بعمله وتنزيل التعذيب ~~بغير إساءة أو بإساءة غيره منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه سبحانه ~~وتعالى وقد مر ما في المقام من التحقيق والتفصيل في سورة آل عمران وسورة ~~الأنفال «إليه يرد علم الساعة» أي إذا سئل عنها يقال الله يعلم أولا يعلمها ~~إلا الله تعالى «وما تخرج من ثمرات من أكمامها» أي من أوعيتها جمع كم ~~بالكسر وهو وعاء الثمرة كجف الطلعة وقريء من ثمره على إرادة الجنس والجمع ~~لاختلاف الأنواع وقد قريء بجمع الضمير أيضا وما نافية ومن الأولى مزيدة ~~للاستغراق واحتمال أن تكون ما موصولة معطوفة على الساعة ومن مبينة بعيد ~~«وما تحمل من أنثى ولا تضع» أي حملها وقوله تعالى «إلا بعلمه» استثناء مفرغ ~~من أعم الأحوال أي وما يحدث شيء PageV08P017 # من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع ملابسا بشيء من الأشياء إلا ~~ملابسا بعلمه المحيط «ويوم يناديهم أين شركائي» اي بزعمكم كما نص عليه في ~~قوله تعالى نادوا شركائي الذين زعمتم وفيه تهكم بهم وتقريع لهم ويوم منصوب ~~باذكر أو ظرف لمضمر مؤخر قد ترك إيذانا بقصور البيان عنه كما مر في قوله ~~تعالى «يوم يجمع الله الرسل» قالوا آذناك أي أخبرناك «ما منا من شهيد» من ~~أحد يشهد لهم بالشركة إذا تبرأنا منهم لما عاينا الحال وما منا أحد إلا وهو ~~موحد لك أو ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم حينئذ وقيل هو قول ~~الشركاء أي ms2922 ما منا من شهيد يشهد لهم بأنهم كانوا محقين وقولهم آذناك إما ~~لأن هذا التوبيخ مسبوق بتوبيخ آخر مجاب بهذا الجواب أو لأن معناه أنك علمت ~~من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه إذا علمه من ~~نفوسهم فكأنهم أعلموه أو لأن معناه الإنشاء لا الإخبار بإيذان قد كان قبل ~~ذلك «وضل عنهم ما كانوا يدعون» أي يعبدون «من قبل» أي غابوا عنهم أو ظهر ~~عدم نفعهم فكان حضورهم كغيبتهم «وظنوا» أي أيقنوا «ما لهم من محيص» مهرب ~~والظن معلق عنه بحرف النفي «لا يسأم الإنسان» أي لا يمل ولا يفتر «من دعاء ~~الخير» من طلب السعة في النعمة وأسباب المعيشة وقريء من دعاء بالخير «وإن ~~مسه الشر» أي العسر والضيقة «فيؤوس قنوط» فيه مبالغة من جهة البناء ومن جهة ~~التكرير ومن جهة ان القنوط عبارة عن يأس مفرط يظهر أثره في الشخص فيتضاءل ~~وينكسر أي مبالغ في قطع الرجاء من فضل الله تعالى ورحمته وهذا وصف للجنس ~~بوصف غالب أفراده لما أن اليأس من رحمته تعالى لا يتأتى إلا من الكافر ~~وسيصرح به «ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته» بتفريجها عنه «ليقولن ~~هذا لي» أي حقي أستحقه لم لي من الفضل والعمل أولى لا لغيري فلا يزول عني ~~أبدا «وما أظن الساعة قائمة» أي تقوم فيما سيأتي «ولئن رجعت إلى ربي» على ~~تقديرها قيامها «إن لي عنده للحسنى» أي للحالة الحسنى من الكرامة وذلك ~~لاعتقاده أن ما أصابه ما نعم الدنيا لاستحقاقه له وأن نعم الآخرة كذلك ~~«فلننبئن الذين كفروا بما عملوا» أي لنعلمنهم حقيقة أعمالهم حين أظهرناها ~~بصورة الحقيقة وقد مر تحقيقه في سورة الأعراف عند قوله تعالى «والوزن يومئذ ~~الحق» وفي قوله تعالى «إنما بغيكم على أنفسكم» من سورة يونس «ولنذيقنهم من ~~عذاب غليظ» لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه PageV08P018 # «وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض» أي عن الشكر «ونأى بجانبه» أي ذهب بنفسه ~~وتباعد بكليته تكبرا وتعظما والجانب مجاز عن النفس كما ms2923 في قوله تعالى في ~~جنب الله ويجوز أن يراد به عطفه ويكون عبارة عن الانحراف والازورار كما ~~قالوا ثني عطفه وتولى بركنه «وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض» أي كثير مستعار ~~م مما له عرض متسع للإشعار بكثرته واستمراره وهو أبلغ من الطويل إذ الطول ~~أطول الإمتدادين فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله ولعل هذا شأن بعض غير ~~البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط أو شأن الكل في بعض الأوقات «قل أرأيتم» ~~أي أخبروني «إن كان» أي القرآن «من عند الله ثم كفرتم به» مع تعاضد موجبات ~~الإيمان به «من أضل ممن هو في شقاق بعيد» أي من أضل منكم فوضع الموصول موضع ~~الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم «سنريهم آياتنا» الدالة على ~~حقيقته وكونه من عند الله «في الآفاق» هو ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية ما يسر الله تعالى وله ~~ولخلفائه من الفتوح والظهور على آفاق الدنيا والاستيلاء على بلاد المشارق ~~والمغارب على وجه خارق للعادة «وفي أنفسهم» هو ما ظهر فيما بين أهل مكة وما ~~حل بهم قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآفاق أي منازل الأمم الخالية ~~وآثارهم وفي أنفسهم يوم بدر وقال مجاهد والحسن والسدي في الآفاق ما يفتح ~~الله من القرى عليه عليه الصلاة والسلام والمسلمين وفي أنفسهم فتح مكة وقيل ~~في الآفاق أي في أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم وما يترتب ~~عليها من الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات ومن النبات والأشجار ~~والأنهار وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة في تكوين الأجنة في ظلمات ~~الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة كقوله تعالى «وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون» واعتذر بأن معنى السين مع أن إراءة تلك الآيات قد حصلت قبل ~~ذلك أنه تعالى سيطلعهم على تلك الآيات زمانا فزمانا ويزيدهم وقوفا على ~~حقائقها يوما فيوما «حتى يتبين لهم» بذلك «أنه الحق» أي القرآن أو الإسلام ~~والتوحيد «أولم يكف بربك» استئناف وارد لتوبيخهم على ms2924 ترددهم في شأن القرآن ~~وعنادهم المحوج إلى إراءة الآيات وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى والهمزة ~~للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يغن ولم يكف ربك ~~والباء مزيدة للتأكيد ولا تكاد تزاد إلا مع كفى وقوله تعالى «أنه على كل ~~شيء شهيد» بدل منه أي ألم يغنهم عن إراءة الآيات الموعودة المبينة لحقية ~~القرآن ولم يكفهم في ذلك أنه تعالى شهيد على جميع الأشياء وقد أخبر بأنه من ~~عنده وقيل معناه إن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ~~سيرونه PageV08P019 # ويشاهدونه فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل ~~شيء شهيد أي مطلع يستوى عنده غيبه وشهادته فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق ~~وأنه من عنده ولو لم يكن كذلك ما قوى هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة ~~فتأمل وأما ما قيل من أن المعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق ~~له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة فمع ~~إشعاره بما لا يليق بجلالة منصبه عليه السلام من التردد فيما ذكر من تحقيق ~~الموعود يرده قوله تعالى «ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم» أي في شك عظيم من ~~ذلك بالبعث والجزاء فإنه صريح في أن عدم الكفاية ة معتبر بالنسبة إليهم ~~وقرئ مرية بالضم وهو لغة فيها «ألا إنه بكل شيء محيط» عالم بجميع الأشياء ~~جملها وتفاضيلها وظواهرها بواطنها فلا تحفى عليه خافية منهم وهو مجازيهم ~~على كفرهم ومريتهم ولا محالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة ~~السجدة أعطاه الله تعالى بكل حرف عشر حسنات والله أعلم. PageV08P020 # سورة الشورى مكية وآياتها ثلاث وخمسون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» «حم ~~عسق» اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين وقيل اسم واحد والفصل ~~ليناسب سائر الحواميم وقرئ حم سق فعلى الأول هما خبران لمبتدأ محذوف وقيل ~~حم مبتدأ وعسق خبره وعلى الثاني الكل خبر واحد وقوله تعالى «كذلك يوحي إليك ms2925 ~~وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم» كلام مستأنف وارد لتحقيق أن مضمون ~~السورة موافق لما في تضاعف سائر الكتب المنزلة على الرسل المتقدمة في ~~الدعوة إلى التوحيد الإرشاد إلى الحق أو أن إيحاءها مثل إيحائها بعد ~~تنويهها بذكر اسمها والتنبيه على فخامة شأنها والكاف في حيز النصب على أنه ~~مفعول ليوحى على الأول وعلى أنه نعت لمصدر مؤكد له على الثاني وذلك على ~~الأول إشارة إلى ما فيها وعلى الثاني إلى إيحائها وما فيه من معنى العبد ~~للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل أي مثل ما في هذه ~~السورة من المعاني أو حي إليك في سائر السور والى من قبلك من الرسل في ~~كتبهم على أن مناط المماثلة ما أشير إليه من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد ~~إلى الحق وما فيه صلاح العباد في المعاش والمعاد أو مثل إيحائها أوحى إليك ~~عند إيحاء سائر السور وإلى سائر الرسل عند إيحاء كتبهم إليهم لا إيحاء ~~مغايرا له كما في قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح الآية على ~~أن مدار المثلية كونه بواسطة الملك وصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية ~~للإيذان باستمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته وفي جعل مضمون السورة أو ~~إيحائها مشبها به من تفخيمها مالا يخفى وكذا في وصفه تعالى بوصفي العزة ~~والحكمة وتأخير الفاعل لمراعاة الفواصل مع ما فيه من التشويق وقرئ يوحى على ~~البناء للمفعول على ان كذلك مبتدأ يوحى خبره المسند إلى ضميره أو مصدر ~~ويوحى مسند إلى إليك والله مرتفع بما دل عليه يوحى كأنه قبل من يوحى فقيل ~~الله والعزيز الحكيم صفتان له أو مبتدأ كما في قراءة نوحى والعزيز وما بعده ~~خبران له أو العزيز الحكيم صفتان له PageV08P021 # وقوله تعالى «له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم» خبران له ~~وعلى الوجوه السابقة استئناف مقرر لعزته وحكمته «تكاد السماوات» وقرئ ~~بالياء «يتفطرن» يتشققن من عظمة الله تعالى وقيل من دعاء الولد له كما في ~~سورة ms2926 مريم وقرئ ينفطرن والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر وقرئ ~~تتفطرن بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر «من فوقهن» أي يبتدأ التفطر من ~~جهتهن الفوقانية وتخصيصها على الأول لما أن أعظم الآيات وأدلها على العظمة ~~والجلال من تلك الجهة وعلى الثان للدلالة على التفطر من تحتهن بالطريق ~~الأولى لأن تلك الكلمة الشنعاء الواقعة في الأرض حيث أثرت من جهة الفرق ~~فلأن تؤثر في جهة التحت أولى وقيل الضمير للأرض فإنها في معنى الأرضين ~~«والملائكة يسبحون بحمد ربهم» ينزهونه تعالى عما يليق به ملتبسين بحمده ~~«ويستغفرون لمن في الأرض» بالسعي فيما يستدعى مغفرتهم من الشفاعة والإلهام ~~وترتيب الأسباب المقربة إلى الطاعة واستدعاء تأخير العقوبة طمعا في إيمان ~~الكافر وتوبة الفاسق وهذا يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي ~~فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد وحيث خص بالمؤمنين كما في ~~قوله تعالى ويستغفرون للذين آمنوا فالمراد به الشفاعة «ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم» إذ ما من مخلوق وله حظ عظيم من رحمته تعالى والآية على ~~الأول زيادة تقرير لعظمته تعالى وعلى الثاني بيان لكمال تقدسه عما نسب إليه ~~وأن ترك معالجتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء بسبب استغفار الملائكة ~~وفرط غفرانه ورحمته ففيها رمز إلى أنه تعالى يقبل استغفارهم ويزيدهم على ما ~~طلبوه من المغفرة رحمة «والذين اتخذوا من دونه أولياء» شركاء وأندادا «الله ~~حفيظ عليهم» رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها «وما أنت عليهم بوكيل» ~~بموكل بهم أو بموكول إليه أمرهم وإنما وظيفتك الإنذار «وكذلك أوحينا إليك ~~قرآنا عربيا» ذلك إشارة إلى مصدر أوحينا ومحل الكاف النصب على المصدرية ~~وقرآنا عربيا مفعول لأوحينا أي ومثل ذلك الإيحاء البديع البين المفهم ~~أوحينا إليك قرآنا عربيا لا لبس فيه عليك ولا على قومك وقيل إشارة إلى معنى ~~الآية المتقدمة من أنه تعالى هو الحفيظ عليهم وإنما أنت نذير فحسب فالكاف ~~مفعول به لأوحينا قرآنا عربيا حال من المفعول PageV08P022 # به أي أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بين «لتنذر أم ms2927 القرى» أي أهلها وهي مكة ~~«ومن حولها» من العرب «وتنذر يوم الجمع» أي يوم القيامة لأنه يجمع فيه ~~الخلائق قال تعلى يوم يجمعكم ليوم الجمع وقيل تجمع فيه الأرواح والأشباح ~~وقيل الأعمال والعمال والإنذار يتعدى إلى مفعولين وقد يستعمل ثانيهما ~~بالباء وقد حذف ههنا ثاني مفعولي الأول وأول مفعولي الثان للتهويل وإيهام ~~التعميم وقرئ لينذر بالياء على أن فاعله ضمير القرآن «لا ريب فيه» اعتراض ~~مقرر لما قبله «فريق في الجنة وفريق في السعير» أي بعد جمعهم في الموقف ~~فإنهم يجمعون فيه أولا ثم يفرقون بعد الحساب والتقدير منهم فريق والضمير ~~للمجموعين لدلالة الجمع عليه وقرئا منصوبين على الحالية منهم أي وتنذر يوم ~~جمعهم متفرقين أي مشارفين للتفرق أو متفرقين في ادرى الثواب والعقاب «ولو ~~شاء الله لجعلهم» أي في لدنيا «أمة واحدة» قيل مهتدين أو ضالين وهو تفصيل ~~لما أجمله ابن عباس رضي الله عنهما في قوله على دين واحد فمعنى قوله تعالى ~~«ولكن يدخل من يشاء في رحمته» أنه تعالى يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله ~~فيها ويدخل في عذابه من يشاء أن يدخله فيه ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل ~~من الإدخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله ومن ضرورة اختلاف ~~الرحمة والعذاب اختلاف حال الداخلين فيهما قطعا فلم يشأ جعل الكل أمة واحدة ~~بل جعلهم فريقين وإنما قيل «والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير» للإيذان بأن ~~الإدخال في العذاب من جهة الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهته تعالى ~~كما في الإدخال في الرحمة لا لما قيل من المبالغة في الوعيد وقيل مؤمنين ~~كلهم وهو ما قاله مقاتل على دين الإسلام كما في قوله تعالى ولو شاء الله ~~لجمهم على الهدى وقوله تعالى «ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها» والمعنى ولو ~~شاء لله مشيئة قدرة لقسرهم على الإيمان ولكنه شاء مشيئة حكمة وكلفهم وبنى ~~أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بقوله تعالى ~~يدخل من يشاء وترك الظالمين بغير ms2928 ولى ولا نصير وأنت خبير بأن فرض جعل الكل ~~مؤمنين يأباه تصدير الاستدراك بإدخال بعضهم في رحمته إذ الكل حينئذ داخلون ~~فيها فكان المناسب حينئذ تصديره بإخراج بعضهم من بينهم وإدخالهم في عذابه ~~فالذي يقتضيه سياق النظم الكريم وسباقه أن يراد الاتحاد في الكفر كما في ~~قوله تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين الآية على أحد الوجهين ~~بأن يراد بهم الذين هم في فترة إدريس أو في فترة نوح عليهما السلام فالمعنى ~~ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولا ~~لينذرهم ما ذكر من يوم الجمع وما فيه من ألوان الأهوال فيبقوا على ما هم ~~عيه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ~~ينذرهم ما ذكر فيتأثر بعضهم بالإنذار فيصرفون اختيارهم إلى الحق فيوفقهم ~~الله للإيمان والطاعة ويدخلهم في رحمته ولا يتأثر به الآخرون ويتمادون في ~~غيهم وهم الظالمون فيبقون في الدنيا PageV08P023 # على ما هم عليه من الكفر ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولى يلي ~~أمرهم ولا نصير يخلصهم من العذاب «أم اتخذوا من دونه أولياء» جملة مستأنفة ~~مقررة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولى أو نصير وأم منقطعة وما ~~فيها من بل للانتقال من بيان ما قبلها إلى بيان ما بعدها والهمزة لإنكار ~~الوقوع ونفيه على أبلغ وجه وآكده لا لإنكار الواقع واستقباحه كما قيل إذا ~~المراد بيان أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الأولياء في شيء لأن ذلك فرع كون ~~الأصنام أولياء وهو أظهر الممتنعات أي بل اتخذوا متجاوزين الله أولياء من ~~الأصنام وغيرها هيهات وقوله تعالى «فالله هو الولي» جواب شرط محذوف كأنه ~~قيل بعد إبطال ولاية ما اتخذوه أولياء إن أرادوا وليا في الحقيقة فالله هو ~~الولي لا ولى سواه «وهو يحيي الموتى» أي ومن شانه ذلك «وهو على كل شيء ~~قدير» فهو الحقيق بأن يتخذ وليا فليخصوه بالاتخاذ دون من لا يقدر على شيء ~~«وما ms2929 اختلفتم فيه من شيء» حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للمؤمنين أي وما خالفكم الكفار فيه من أمور الدين فاختلفتم أنتم وهم ~~«فحكمه» راجع «إلى الله» وهو إثابة المحقين وعقاب المبطلين «ذلكم» الحاكم ~~العظيم الشأن «الله ربي» مالكي عليه توكلت في مجامع أموري خاصة لا على غيره ~~«وإليه أنيب» أرجع في كل ما يعن لي من معضلات الأموة ر لا إلى أحد سواه ~~وحيث كان التوكل أمرا واحدا مستمرا والإنابة متعددة متجددة حسب تجدد موادها ~~أو ثر في الأول صيغة الماضي وفي الثاني صيغة المضارع وقيل وما اختلفتم فيه ~~وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره وقيل وما اختلفتم فيه من تأويل آية ~~واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله والظاهر من سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم ~~التي لا تتعلق تكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا الله أعلم كمعرفة ~~الروح ولا مساغ لحمل هذا على الإجتهاد لعدم جوازه بحضرة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم «فاطر السماوات والأرض» خبر آخر لذلكم أو خبر لمبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ خبره «جعل لكم» وقرئ بالجر على أنه بدل من الضمير أو وصف للاسم ~~الجليل في قوله تعالى إلى «الله» وما بينهما اعترضا بين الصفة والموصوف «من ~~أنفسكم» من جنسكم «أزواجا» نساء وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح ~~قد مر سره غيره مرة «ومن الأنعام» أي وجعل للأنعام من جنسها «أزواجا» أو ~~خلق لكم من الأنعام أصنافا أو ذكورا وإناثا «يذرؤكم» يكثركم من الذرء وهو ~~البث وفي معناه الذرو والذر «فيه» أي PageV08P024 # فيما ذكر من التدبير فإن جعل الناس والأنعام أزواجا يكون بينهم توالد ~~كالمنبع للبث والتكثير «ليس كمثله شيء» اي ليس مثله في شأن من الشؤون التي ~~من جملتها هذا التدبير البديع والمراد من مثله ذاته كما في قولهم مثلك لا ~~يفعل كذا على قصد ms2930 المبالغة في نفيه عنه فإذا إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه ~~عنه أولى ثم سلكت هذه الطريقة في شأن من لا مثل له وقيل مثله صفته أي ليس ~~كصفته صفة «وهو السميع البصير» المبالغ في العلم بكل ما يسمع ويبصر «له ~~مقاليد السماوات والأرض» أي خزائنهما «يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر» يوسع ~~ويضيق حسبما تقتضيه مشيئته المؤسسة على الحكم البالغة «إنه بكل شيء عليم» ~~مبالغ في الإحاطة به فيفعل كل ما يفعل على ما ينبغي أن يفعل عليه والجملة ~~تعليل لما قبلها وتمهيد لما بعدها من قوله تعالى «شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى» وإيذان بأن ~~ما شرع لهم صادر عن كمال العلم والحكمة كما أن بيان نسبته إلى المذكورين ~~عليهم الصلاة والسلام تنبيه على كونه دينا قديما أجمع عليه الرسل والخطاب ~~لأمته عليه الصلاة والسلام أي شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ومن بعده من ~~أرباب الشرائع وأولى العزائم من مشاهير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~وأمرهم به أمرا مؤكدا على أن تخصيصهم بالذكر لما ذكر من علو شأنهم ~~ولاستمالة قلوب الكفرة إليه لاتفاق الكل على نبوة بعضهم وتفرد اليهود في ~~شأن موسى عليه السلام وتفرد النصارى في حق عيسى عليه السلام وإلا فما من ~~نبي إلا وهو مأمور بما أمره به وهو عبارة عن التوحيد ودين الإسلام وما ~~يختلف باختلاف الأمم وتبدل الأعصار من أصول الشرائع والأحكام كما ينبئ عنه ~~التوصية فإنها معربة عن تأكيد الأمر والاعتناء بشأن المأمور به والمراد ~~بإيحائه إليه عله الصلاة والسلام إما ما ذكر في صدر السورة الكريمة وفي ~~قوله تعالى «وكذلك أوحينا» الآية أو ما يعمهما وغيرهما مما وقع في سائر ~~المواقع التي من جملتها قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وقوله تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد ~~وغير ذلك والتعبير عن ذلك عند نسبته إليه عليه الصلاة والسلام بالذي ms2931 لزيادة ~~تفخيم شأنه من تلك الحيثية وإيثار الإيحاء على ما قبله وما بعده من التوصية ~~لمراعاة ما وقع في الآيات المذكورة ولما في الإيحاء من التصريح برسالته ~~عليه الصلاة والسلام القامع لإنكار الكفرة والالتفات إلى نون العظمة لإظهار ~~كمال الاعتناء بإيحائه وهو السر في تقديمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا ~~وتقديم PageV08P025 # توصية نوح عليه السلام للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما ~~وتوجيه الخطاب إليه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيه ~~على انه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام «أن أقيموا الدين» ~~أي دين الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى وطاعته والإيمان بكتبه ورسله ~~وبيوم الجزاء وسائر ما يكون الرجل به مؤمنا والمراد بإقامته تعديل أركانه ~~وحفظه من أن يقع فيه زيف أو المواظبة عليه والتشمر له ومحل أن أقيموا إما ~~النصب على أنه بدل من مفعول شرع والمعطوفين عليها أو الرفع على انه جواب عن ~~سؤال نشأ من إبهام المشروع كأنه قيل وما ذاك فقيل هو إقامة الدين وقيل بدل ~~من ضمير به وليس بذاك لما أنه مع إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم مستلزم لكون الخطاب في قوله تعالى «ولا تتفرقوا ~~فيه» للأنبياء المذكورين عليهم الصلاة والسلام وتوجيه النهي إلى أممهم تمحل ~~ظاهر مع ان الأظهر أنه متوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنهم المتفرقون ~~كما ستحيط به خبرا اي لا تتفرقوا في الدين الذي هو عبارة عما ذكر من الأصول ~~دون الفروع المختلفة حسب اختلاف الأمم باختلاف الأعصار كما ينطق به قوله ~~تعالى «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» وقوله تعالى «كبر على المشركين» شروع ~~في بيان أحوال بعض من شرع لهم ما شرع من الدين القويم أي عظم وشق عليهم «ما ~~تدعوهم إليه» من التوحيد ورفض عبادة الأصنام واستبعدوه حيث قالوا «أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب» وقوله تعالى «الله يجتبي إليه من ~~يشاء» استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم ms2932 من يجيب إلى الدعوة أي ~~الله يجتلب إلى ما تدعوهم إليه من يشاء أن يجتبيه إليه وهو من صرف اختياره ~~إلى ما دعى إليه كما ينبئ عنه قوله تعالى «ويهدي إليه من ينيب» أي يقبل ~~إليه حيث يمده بالتوفيق والألطاف وقوله تعالى «وما تفرقوا» شروع في بيان ~~أحوال أهل الكتاب عقيب الإشارة الإجمالية إلى أحوال أهل الشرك قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما هم اليهود والنصارى لقوله تعالى وما تفرق الذين أوتو الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءتهم البينة أي وما تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه ولم ~~يؤمنوا كما آمن بعضهم «إلا من بعد ما جاءهم العلم» بحقيته بما شاهدوا في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقية حسبما وجدوه في ~~كتابهم أو العلم بمبعثه صلى الله عليه وسلم وهو استثناء مفرغ من أعم ~~الأحوال أو من أعم الأوقات أي وما تفرقوا في حال من الأحوال أو في وقت من ~~الأوقات إلا حال مجىء العلم أو إلا وقت مجىء العلم «بغيا بينهم» وحمية ~~وطلبا للرياسة لا لأن لهم في ذلك شبهة «ولولا كلمة سبقت من ربك» وهى العدة ~~بتأخير العقوبة «إلى أجل مسمى» هو يوم القيامة «لقضي بينهم» لأوقع القضاء ~~بينهم باستئصالهم لاستيجاب جناياتهم لذلك قطعا وقوله تعالى «وإن الذين ~~PageV08P026 # أورثوا الكتاب من بعدهم» الخ بيان لكيفية كفر المشركين بالقرآن إثر بيان ~~كيفية كفر أهل الكتاب وقرئ ورثوا وورثوا أي وإن المشركين الذين أورثوا ~~القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم «لفي شك منه» من القرآن «مريب» ~~موقع في القلق أو في الريبة ولذلك لا يؤمنون به لا لمحض البغي والمكابرة ~~بعد ما علموا بحقيته كدأب أهل الكتابين هذا وأما ما قيل من أن ضمير تفرقوا ~~لأمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن المراد تفرق كل أمة بعد نبيها مع ~~علمهم بان الفرقة ضلال وفساد وأمر متوعد عليه على السنة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فيرده قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى ms2933 ~~بينهم وكذا ما قيل من ان الناس كانوا أمة واحدة مؤمنين بعد ما أهلك الله ~~تعالى أهل الأرض بالطوفان فلما مات الآباء اختلف الأبناء فيما بينهم وذلك ~~حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهم العلم وإنما اختلفوا ~~للبغى بينهم فإن مشاهير الأمم المذكور قد أصابهم عذاب الاستئصال من غير ~~إنظار وإمهال على ان مساق النظم الكريم لبيان أحوال هذه الأمة وإنما ذكر من ~~ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم ~~أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيدا لوجوب إقامته وتشديدا ~~للزجر عن التفرق والاختلاف فيه فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم ~~الإخلال بذلك المرام «فلذلك» أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك المريب أو ~~فلأجل أنه شرع لهم الدين القويم القديم الحقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون ~~«فادع» أي الناس كافة إلى إقامة ذلك الدين والعمل بموجبه فإن كلا من تفرقهم ~~وكونهم في شك مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبب للدعوة إليه والأمر بها وليس المشار إليه ما ذكر من التوصية ~~والأمر بالإقامة والنهي عن التفرق حتى يتوهم شائبه التكرار وقيل المشار ~~إليه نفس الدين المشروع واللام بمعنى إلى كما في قوله تعالى بأن ربك أوحى ~~لها أي فإلى ذلك الدين فادع «واستقم» عليه وعلى الدعوة إليه «كما أمرت» ~~وأوحى إليك «ولا تتبع أهواءهم» الباطلة «وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب» ~~أي كتاب كان من الكتب المنزلة لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وفيه ~~تحقيق للحق وبيان لاتفاق الكتب في الأوصل وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض ~~بهم وقد مر بيان كيفية الأيمان بها في خاتمة سورة البقرة «وأمرت لأعدل ~~بينكم» في تبليغ الشرائع والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام وقيل ~~معناه لا سوى بيني وبينكم ولا آمركم بما لا أعمله ولا أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه ولا أفرق بين أكابركم وأصاغركم واللام إما على حقيقتها والمأمور ~~به محذوف أي أمرت بذلك ms2934 لأعدل أو زائدة أي أمرت أن أعدل والباء محذوفة «الله ~~ربنا وربكم» أي خالقنا جميعا ومتولى أمورنا «لنا أعمالنا» لا يتخطانا ~~جزاؤها ثوابا كان PageV08P027 # أو عقابا «ولكم أعمالكم» لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر ~~بسيآتكم «لا حجة بيننا وبينكم» لا محاجة ولا خصومة لأن الحق قد ظهر ولم يبق ~~للمحاجة حاجة ولا للمخالفة محمل سوى المكابرة «الله يجمع بيننا» يوم ~~القيامة «وإليه المصير» فيظهر هناك حالنا وحالكم وهذا كما ترى محاجزة في ~~مواقف المجاوبة لا متاركة في مواطن المحاربة حتى يصار إلى النسخ بآية ~~القتال «والذين يحاجون في الله» أي في دينه «من بعد ما استجيب له» من بعدما ~~استجاب له الناس ودخلوا فيه والتعبير عن ذلك بالاستجابة باعتبار دعوتهم ~~إليه أو من بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيده بنصره أو ~~من بعدما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته صلى الله عليه وسلم ~~واستفتحوا به قبل مبعثه صلى الله عليه سلم وذلك أن اليهود والنصارى كانوا ~~يقولون للمؤمنين كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى ~~بالحق «حجتهم داحضة عند ربهم» زالة زائلة باطلة بل لا حجة لهم أصلا وإنما ~~عبر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة معهم على زعمهم الباطل «وعليهم غضب» عظيم ~~لمكابرتهم الحق بعد ظهوره «ولهم عذاب شديد» لا يقادر قدره «الله الذي أنزل ~~الكتاب» أي جنس الكتاب «بالحق» ملتبسا به في أحكامه وأخباره أو بما يحق ~~إنزاله من العقائد والأحكام «والميزان» والشرع الذي يوزن به الحقوق ويسوى ~~بين الناس أو نفس العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن «وما يدريك» أي شيء ~~يجعلك عالما «لعل الساعة» التي يخبر بمجيئها الكتاب الناطق بالحق «قريب» أي ~~شيء قريب أو قريب مجيئها وقتل القريب بمعنى ذات قرب أو الساعة بمعنى البعث ~~والمعنى أنها على جناح الإتيان فاتبع الكتاب واعمل به وواظب على العدل قبل ~~ان يفاجئك اليوم الذي يوزن فيه الأعمال ويوفى جزاؤها «يستعجل بها الذين لا ~~يؤمنون بها» استعجال إنكار واستهزاء كانوا ms2935 يقولون متى هي ليتها قامت حتى ~~يظهر لنا الحق أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه «والذين آمنوا ~~مشفقون منها» خائفون منها مع اعتناء بها لتوقع الثواب «ويعلمون أنها الحق» ~~أي الكائن لا محالة «ألا إن الذين يمارون في الساعة» يجادلون فيها من ~~المرية أو من مريت الناقة إذا مسحت صرعها بشدة للحليب ألأن كلا من ~~المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة «لفي ضلال بعيد» عن الحق فإن ~~البعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد إلى تجويزه فهو عن PageV08P028 # الاهتداء إلى ما وراءه أبعد وأبعد «الله لطيف بعباده» أي بر بليغ البر ~~بهم يفيض عليهم من فنون ألطافه مالا بكاد يناله أيدي الأفكار والظنون «يرزق ~~من يشاء» أن يرزقه كيفما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما ~~تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة «وهو القوي» الباهر القدرة الغالب ~~على كل شيء «العزيز» المنيع الذي لا يغلب «من كان يريد حرث الآخرة» الحري ~~في الأصل إلقاء البذر في الأرض يطلق على الزرع الحاصل منه ويستعمل في ثمرات ~~الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من ~~البذور المتضمن لتنبيه الاعمال أي من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة «نزد له ~~في حرثه» نضاعف له ثوابه بالواحد عشرة إلى سبعمائة فما فوقها «ومن كان ~~يريد» بأعماله «حرث الدنيا» وهو متاعها وطيباتها «نؤته منها» اي شيئا منها ~~حسبما قسمنا له لا ما يريده ويبتغيه «وما له في الآخرة من نصيب» إذ كانت ~~همته مقصورة على الدنيا وقد مر تفصيله في سورة الإسراء «أم لهم شركاء» أي ~~بل ألهم شركاء من الشياطين والهمزة للتقرير والتقريع «شرعوا لهم» بالتسويل ~~«من الدين ما لم يأذن به الله» كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا وقيل ~~شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم الذين جعلوها شركاء لله تعالى وأستاذ ~~الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم كقوله تعالى إنهن أضللن كثيرا أو ~~تماثيل من سن الضلالة لهم «ولولا كلمة الفصل» أي القضاء السابق بتأخير ~~الجزاء ms2936 أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة «لقضي بينهم» أي بين الكافرين ~~والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم «وإن الظالمين لهم عذاب أليم» وقرئ ~~بالفتح عطفا على كلمة الفصل أي ولولا كلمة الفصل وتقدير عذاب الظالمين في ~~الآخرة لقضى بينهم في الدنيا فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة «ترى ~~الظالمين» يوم القيامة والخطاب لكل أحد ممن يصلح له للقصد إلى أن سوء حالهم ~~غير مختص برؤية راء دون راء «مشفقين» خائفين «مما كسبوا» من السيئات «وهو ~~واقع بهم» أي ووباله لاحق بهم لا محالة اشفقوا أو لم يشفقوا أو الجملة حال ~~من ضمير مشفقين أو اعتراض «والذين آمنوا وعملوا PageV08P029 # الصالحات في روضات الجنات» مستقرون في أطيب بقاعها وأنزهها «لهم ما ~~يشاؤون عند ربهم» أي ما يشتهونه من فنون المستلذات حاصل لهم عند ربهم ظرف ~~للاستقرار العامل في لهم وقيل ظرف ليشاءون «ذلك» إشارة إلى ما ذكر من حال ~~المؤمنين وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه «هو الفضل ~~الكبير» الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ غايته «ذلك» الفضل الكبير هو «الذي ~~يبشر الله عباده» أي يبشرهم به فحذف الجار ثم العائد إلى الموصول كما في ~~قوله تعالى أهذا الذي بعث الله رسولا أو ذلك التبشير الذي يبشره الله تعالى ~~عباده «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وقريء يبشر من أبشر «قل لا أسألكم ~~عليه» روى أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض أترون ان محمدا ~~يسأل على ما يتعاطاه أجرا فنزلت أي لا أطلب منكم على ما أنا عليه من ~~التبليغ والبشارة «أجرا» نفعا «إلا المودة في القربى» أي إلا أن تودوني ~~لقرابتي أو تودوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألكم أجرا ~~قط ولكن أسألكم المودة وفي القربى حال منها أي إلا المودة ثابتة في القربى ~~متمكنة في أهلها أو في حق القرابة والقربى مصدر كالزلفى بمعنى القرابة روى ~~أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ~~قال على ms2937 وفاطمة وابناهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم حرمت الجنة على من ~~ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ~~ولم يجازه فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة وقيل القربى التقرب ~~إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل ~~الصالح وقرئ إلا مودة في القربى «ومن يقترف حسنة» اي يكتسب أي حسنة كانت ~~فتناول مودة ذي القربى تناولا أوليا وعن السدى أنها المرادة وقيل نزلت في ~~الصديق رضى الله عنه ومودته فيهم «نزد له فيها» اي في الحسنة «حسنا» ~~بمضاعفة الثواب وقرئ يزد أي يزد الله وقرئ حسنى «إن الله غفور» لمن أذنب ~~«شكور» لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة «أم يقولون» بل ~~أيقولون «افترى» محمد «على الله كذبا» بدعوى النبوة وتلاوة القرآن على أن ~~الهمزة للإنكار التوبيخي كأنه قيل أيتما لكون أن ينسبوا مثله عليه السلام ~~وهو هو إلى الافتراء لا سيما الافتراء على الله الذي هو أعظم القرى وأفحشها ~~وقوله تعالى «فإن يشأ الله يختم على قلبك» استشهاد على بطلان ما قالوا ~~ببيان أنه عليه السلام لو افترى على الله تعالى لمنعه من ذلك قطعا وتحقيقه ~~أن دعوى كون القرآن افتراء عليه تعالى قول منهم بأنه تعالى لا يشاء صدوره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بل يشاء عدم صدوره PageV08P030 # عنه ومن ضرورته منعه عنه قطعا فكأنه قيل لو كان افتراء عليه تعالى لشاء ~~عدم صدوره عنك وإن يشأ ذلك يختم على قلبك بحيث لم يخطر ببالك معنى من ~~معانيه ولم تنطق بحرف من حروفه وحيث لم يكن الأمر كذلك بل تواتر الوحي حينا ~~فحينا تبين انه من عند الله تعالى هذا وقيل المعنى إن شاء الله يجعلك من ~~المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على الافتراء عليه تعالى إلا من كان ~~كذلك ومؤداه استبعاد الافتراء من مثله عليه السلام وأنه في البعد مثل الشرك ~~بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم وعن ms2938 قتادة يختم على قلبك ينسك ~~القرآن ويقطع عنك الوحي يعنى لو أفترى على الله الكذب لفعل به ذلك وهذا ~~معنى ما قيل لو كذب على الله لأنساه القرآن وقيل يختم على قلبك يربط عليه ~~بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم «ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته» ~~استئناف مقرر لنفي الافتراء غير معطوف على يختم كما ينبيء عنه إظهار الاسم ~~الجليل وسقوط الواو كما في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله تعالى ~~ويدع الإنسان بالشر أي ومن عادته تعالى أنه يمحو الباطل ويثبت الحق بوحيه ~~أو بقضائه كقوله تعالى «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه» فلو كان افتراء ~~كما زعموا لمحقه ودمغه أو عدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه تعالى ~~يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويثبت الحق الذي هو عليه ~~بالقرآن أو بقضائه الذي لا مرد له بنصرته عليهم «إنه عليم بذات الصدور» ~~فيجرى عليها أحكامها اللائقة بها من المحو والإثبات «وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده» التوبة هي الرجوع عن المعاصي بالندم عليها والعزم على ان لا ~~يعاودها أبدا وروى جابر رضي الله عنه أن اعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال اللهم اني استغفرك وأتوب إليك وكبر فلما فرغ من صلاته ~~قال له على رضي الله عنه يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين ~~وتوبتك هذه تحتاج إلى التوبة فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة قال اسم يقع ~~على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد ~~المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة ~~الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته «ويعفو عن ~~السيئات» صغيرها وكبيرها لمن يشاء «ويعلم ما تفعلون» كائنا ما كان من خير ~~وشر فيجازي ويتجاوز حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح وقرئ ~~ما تفعلون بالتاء «ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات» أي يستجيب الله ~~لهم فحذف اللام كما في قوله تعالى وإذا كالوهم أي كالوا ms2939 لهم والمراد إجابة ~~دعوتهم والإثابة على طاعتهم فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم أفضل الدعاء الحمد لله أو يستجيبون الله بالطاعة إذا ~~دعاهم إليها دعاهم إليها وعن إبراهيم بن أدهم قيل له ما بالنا ندعو فلا ~~PageV08P031 # نجاب قال لأنه دعاكم ولم تجيبوه ثم قرأ «والله يدعو إلى دار السلام» ~~«ويزيدهم من فضله» على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد «والكافرون لهم عذاب ~~شديد» بدل ما للمؤمنين من الثواب والفضل المزيد «ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض» لتكبروا وأفسدوا فيها بطرا أو لعلا بعضهم على بعض با ~~لاستيلاء والاستعلاء كما عليه الجبلة البشرية واصل البغى طلب تجاوز ~~الاقتصاد فيما يتحرى من حيث الكمية أو الكيفية «ولكن ينزل بقدر» أي بتقدير ~~«ما يشاء» أن ينزله مما تقتضيه مشيئته «إنه بعباده خبير بصير» محيط بخفايا ~~أمورهم وجلاياها فيقدر لكل واحد منهم في كل وقت من أوقاتهم ما يليق بشأنهم ~~فيفقر ويغني ويمنع ويعطي ويقبض ويبسط حسبما تقتضيه الحكمة الربانية ولو ~~أغناهم جميعا لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وروى أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت ~~وقيل نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا «وهو ~~الذي ينزل الغيث» اى المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع منه وقرئ ~~ينزل من الإنزال «من بعد ما قنطوا» يئسوا منه وتقييد تنزيله بذلك مع تحققه ~~بدونه أيضا لتذكر كمال النعمة وقرئ بكسر النون «وينشر رحمته» أي بركات ~~الغيث ومنافعه في كل شئ من السهل والجبل والنبات والحيوان أو رحمته الواسعة ~~المنتظمة لما ذكر انتظاما أوليا «وهو الولي» الذي يتولى عباده بالإحسان ~~ونشر الرحمة «الحميد» المستحق للحمد على ذلك لا غيره «ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض» على ما هما من تعاجيب الصنائع فإنها بذاتها وصفاتها تدل ~~على شؤونه العظيمة «وما بث فيهما» عطف على السماوات أو الخلق «من دابة» من ~~حي على إطلاق اسم المسبب على السبب أو مما يدب على الأرض فإن ما يختص بأحد ~~الشيئين المتجاورين يصح ms2940 نسبته إليهما كما في قوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان وإنما يخرج من الملح وقد جوز أن يكون للملائكة عليهم السلام مشى ~~مع الطيران فيوصفوا بالدبيب وأن يخلق الله في السماء حيوانا يمشون فيها مشى ~~الأناسى على الأض كما ينبئ عنه قوله تعالى ويخلق ما لا تعلمون وقد روى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما ~~بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهن وأظلافهن كما بين ~~السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش العظيم «وهو على جمعهم» أي حشرهم بعد البعث ~~للمحاسبة وقوله تعالى «إذا يشاء» متعلق بما قبله لا بقوله تعالى ~~PageV08P032 # «قدير» فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته وإذا عند كونها بمعنى ~~الوقت كما تدخل الماضي تدخل المضارع «وما أصابكم من مصيبة» أي مصيبة كانت ~~«فبما كسبت أيديكم» اى فهي معاصيكم التي اكتسبتموها والفاء لأن ما شرطة أو ~~متضمنة لمعنى الشرط وقرئ بدونها اكتفاء بما في الباء من معنى السببية ~~«ويعفو عن كثير» من الذنوب فلا يعاقب عليها والآية مخصوصة بالمجرمين فإن ما ~~أصاب غيرهم لأسباب أخرى منها تعريضه للثواب بالصبر عليها «وما أنتم بمعجزين ~~في الأرض» فائتين ما قضى عليكم من المصائب وإن هربتم من أقطارها كل مهرب ~~«وما لكم من دون الله من ولي» يحميكم منها «ولا نصير» يدفعها ويدفعها عنكم ~~«ومن آياته الجوار» السفن الجارية «في البحر» وقرئ الجواري «كالأعلام» أي ~~كالجبال على الإطلاق لا التي عليها النار للاهتداء خاصة «إن يشأ يسكن ~~الريح» التي يجريها وقرئ الرياح «فيظللن رواكد على ظهره» فيبقين ثوابت عل ~~ظهر البحر أي غير جاريات لا غير متحركات أصلا «إن في ذلك» الذي ذكر من ~~السفن اللاتي يجرين تارة ويركدن أخرى على حسب مشيئته تعالى «لآيات» عظيمة ~~في أنفسها كثيرة في العدد دالة على ما ذكر من شؤونه تعالى «لكل صبار شكور» ~~لكل مكن حبس نفسه عن التوجه إلى ما لا ينبغي ووكل همته بالنظر في آيات الله ~~تعالى ms2941 والتفكر في آلائه أو لكل مؤمن كامل فإن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر ~~«أو يوبقهن بما كسبوا» عطف على يسكن والمعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو ~~يرسلها فيغرقن بعصفها وإيقاع الإيباق عليهن مع انه حال أهلهن للمبالغة ~~والتهويل وإجراء حكمه على العفو في قوله تعالى «ويعف عن كثير» لما ان ~~المعنى أو يرسلها فيوبق ناسا وينج آخرين بطريق العفو عنهم وقرءى ويعفوا على ~~الاستئناف «ويعلم الذين يجادلون في آياتنا» عطف على علة مقدرة مثل لينتقم ~~منهم وليعلم الخ كما في قوله تعالى ولنجعله آية للناس وقوله ولنعلمه من ~~تأويل الأحاديث ونظائرهما وقرئ بالرفع على الاستئناف وبالجزم عطفا على يعف ~~فيكون المعنى وإن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير قوم «ما لهم من ~~محيص» أي من مهرب من العذاب والجملة معلق عنها الفعل PageV08P033 # «فما أوتيتم من شيء» مما ترغبون وتتنافسون فيه «فمتاع الحياة الدنيا» أي ~~فهو متاعها تتمتعون به مدة حياتكم «وما عند الله» من ثواب الآخرة «خير» ~~ذاتا لخلوص نفعه «وأبقى» زمانا حيث لا يزول ولا يفنى «للذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون» لا على غيره أصلا والموصول الأول لما كان متضمنا لمعنى الشرط ~~من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا دخلت جوابها ~~الفاء بخلاف الثاني وعن على رضي الله عنه أنه تصدق أبو بكر رضي الله عنه ~~بماله فلامه جمع من المسلمين فنزلت وقوله تعالى «والذين يجتنبون كبائر ~~الإثم» أي الكبائر من هذا الجنس «والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون» مع ما ~~بعده عطف على الذين آمنوا أو مدح بالنصب أو الرفع وبناء يغفرون على الضمير ~~خبرا له للدلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال الغضب لعزة منالها وقرئ ~~كبير الإثم وعن ابن عباس رضي الله عنهما كبير الإثم الشرك «والذين استجابوا ~~لربهم وأقاموا الصلاة» نزل في الأنصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الإيمان فاستجابوا له «وأمرهم» شورى بينهم أي ذو شورى لا ينفردون برأي ~~حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليها وكانوا ms2942 قبل الهجرة وبعدها إذا حزبهم أمر ~~اجتمعوا وتشاوروا «ومما رزقناهم ينفقون» أي في سبيل الخير ولعل فصله عن ~~قرينه بذكر المشاورة لوقوعها عند اجتماعهم للصلوات «والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون» أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم ~~كراهة التذلل وهو وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر مهمات الفضائل وهذا لا ~~ينافي وصفهم بالغفران فإن كلا منهما فضيلة محمودة في موقع نفسه ورذيلة ~~مذمومة في موقع صاحبه فإن الحلم عن العاجز وعوراء الكرام محمود وعن المتغلب ~~ولغواء اللثام مذموم فإنه إغراء على البغى وعليه قول من قال * إذا أنت ~~أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا * فوضع الندى في موضع ~~السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع الندى * وقوله تعالى «وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها» بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة مع كونه في نفسه ~~إساءة إلى الغير بالإشارة إلى أن البادىء هو الذي فعله لنفسه فإن الأفعال ~~مستتبعة لأجزيتها حتما إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر وفيه تنبيه على حرمة ~~التعدي وإطلاق السيئة على الثانية PageV08P034 # لأنها تسوء من نزلت به «فمن عفا» عن المسىء إليه «وأصلح» بينه وبين من ~~يعاديه بالعفو والإغضاء كما في قوله تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولى حميم «فأجره على الله» عدة مبهمة منبئة عن عظم شأن الموعود وخروجه عن ~~الحد المعهود «إنه لا يحب الظالمين» البادئين بالسيئة والمعتدين في ~~الانتقام «ولمن انتصر بعد ظلمه» أي بعد ما ظلم وقد قرىء به «فأولئك» إشارة ~~إلى من باعتبار المعنى كما ان الضميرين لها باعتبار اللفظ «ما عليهم من ~~سبيل» بالمعاتبة أو المعاقبة «إنما السبيل على الذين يظلمون الناس» ~~يبتدئونهم بالإضرار أو يعتدون في الانتقام «ويبغون في الأرض بغير الحق» أي ~~يتكبرون فيها تجبرا وفسادا «أولئك» الموصوفون بما ذكر من الظلم والبغي بغير ~~الحق «لهم عذاب أليم» بسبب ظلمهم وبغيهم «ولمن صبر» على الأذى «وغفر» لمن ~~ظلمه ولم ينتصر وفوض أمره إلى الله تعالى «إن في ذلك» الذي ذكر من ms2943 الصبر ~~والمغفرة «لمن عزم الأمور» أي إن ذلك منه فحذف ثقة بغاية ظهوره كما في ~~قولهم السمن منوان بدرهم وهذا في المواد التي لا يؤدى العفو إلى الشر كما ~~أشير إليه «ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده» من ناصر يتولاه من بعد ~~خذلانه تعالى إياه «وترى الظالمين لما رأوا العذاب» أي حين يرونه وصيغة ~~الماضي للدلالة على التحقق يعقلون «هل إلى مرد» أي إلى رجعة إلى الدنيا «من ~~سبيل» حتى نؤمن ونعمل صالحا «وتراهم يعرضون عليها» أي على النار المدلول ~~عليها بالعذاب والخطاب في الموضعين لكل من يتأتي منه الرؤية «خاشعين من ~~الذل» متذللين متضائلين مما دهاهم «ينظرون من طرف خفي» أي يبتدئ نظرهم إلى ~~النار من تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف «وقال الذين آمنوا ~~إن الخاسرين» أي المتصفين بحقيقة الخسران «الذين خسروا أنفسهم وأهليهم» ~~بالتعريض للعذاب الخالد «يوم القيامة» أما ظرف لخسروا فالقول في ~~PageV08P035 # الدنيا أو لقال فالقول يوم القيامة أي يقولون حين يرونهم على تلك الحال ~~وصيغة الماضي للدلالة على تحققه وقوله تعالى «ألا إن الظالمين في عذاب ~~مقيم» إما من تمام كلامهم أو تصديق من الله تعالى لهم «وما كان لهم من ~~أولياء ينصرونهم» برفع العذاب عنهم «من دون الله» حسبما كانوا يرجون ذلك في ~~الدنيا «ومن يضلل الله فما له من سبيل» يؤدي سلوكه إلى النجاة «استجيبوا ~~لربكم» إذا دعاكم إلى الإيمان على لسان نبيه «من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله» أي لا يرده الله بعد ما حكم به على أن من صلة مرد أو من قبل أن ~~يأتي من الله يوم لا يمكن رده «ما لكم من ملجأ يومئذ» اى مفر تلتجئون إليه ~~«وما لكم من نكير» أي إنكاره لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم ~~وتشهد عليكم جوار حكم «فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا» تلوين للكلام ~~وصرف له عن خطاب الناس بعد أمرهم بالاستجابة وتوجيه له إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي ms2944 فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه فما أرسلناك ~~رقيبا ومحاسبا عليهم «إن عليك إلا البلاغ» وقد فعلت «وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة» أي نعمة من الصحة والغنى والأمن «فرح بها» أريد بالإنسان ~~الجنس لقوله تعالى «وإن تصبهم سيئة» أي بلاء من مرض وفقر وخوف «بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور» بليغ الكفر ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية ~~ويستعظمها ولا يتأمل سببها بل يزعم أنها أصابته بغير استحقاق لها وإسناد ~~هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص المجرمين لغلبتهم فيما بين الأفراد ~~وتصدير الشرطية الأولى بإذا مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة للتنبيه على ~~ان إيصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع وأنه مقتضى الذات كما ان تصدير ~~الثانية بأن وإسناد الإصابة إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة ~~وقوعها وأنها بمعزل عن الانتظام في سلك الإرادة بالذات ووضع الظاهر موضع ~~الضمير للتسجيل على ان هذا الجنس موسوم بكفران النعم «لله ملك السماوات ~~والأرض» فمن قضيته أن يملك التصرف فيهما وفي كل ما فيهما كيفما يشاء ومن ~~جملته أن يقسم النعمة والبلية حسبما يريده «يخلق ما يشاء» مما تعلمه ومما ~~لا تعلمه «يهب لمن يشاء إناثا» من الأولاد «ويهب لمن يشاء الذكور» ~~PageV08P036 # منهم من غير أن يكون في ذلك مدخل لأحد «أو يزوجهم» أي يقرن بين الصنفين ~~فيهبهما جميعا «ذكرانا وإناثا» قالوا معنى يزوجهم أن تلد غلاما ثم جارية أو ~~جارية ثم غلاما أو تلد ذكر وأنثى توأمين «ويجعل من يشاء عقيما» والمعنى ~~يجعل أحوال العباد في حق الأولاد مختلفة على ما تقتضيه المشيئة فيهن فيهب ~~لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى وإما صنفين ويعقم آخرين ولعل تقديم ~~الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل أو لان مساق الآية للدلالة على ان الواقع ~~ما تتعلق به مشيئته تعالى لا ما تتعلق به مشيئة الإنسان والإناث كذلك أو ~~لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن أعظم البلايا أو لتطييب قلوب آبائهن أو ~~للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور أو لجبر التأخير وتغيير ms2945 العاطف في ~~الثالث لان قسيم المشترك بين القسمين ولا حاجة إليه في الرابع لإفصاحه بأنه ~~قسيم المشترك بين القسام المتقدمة وقيل المراد بيان أحوال الأنبياء عليهم ~~السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ولإبراهيم ذكورا وللنبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكورا وإناثا وجعل يحيى وعيسى عقيمين «إنه عليم قدير» مبالغ في العلم ~~والقدرة فيفعل ما فيه حكمة مصلحة «وما كان لبشر» أي وما صح لفرد من أفراد ~~البشر «أن يكلمه الله» بوجه من الوجوه «إلا وحيا» أي إلا بأن يوحى إليه ~~ويلهمه ويقذف في قلبه كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليهما السلام في ~~ذبح ولده وقد روى عن مجاهد أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ~~أو بأن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من ~~يكلمه وهو المراد بقوله تعالى «أو من وراء حجاب» فإنه تمثيل له بحال الملك ~~المحتجب الذي يكلم بعض خواصه من وراء الحجاب يسمع صوته ولا يرى شخصه وذلك ~~كما كلم موسى وكما يكلم الملائكة عليهم السلام أو بأن يكلمه بواسطة الملك ~~وذلك قوله تعالى «أو يرسل رسولا» أي ملكا «فيوحي» ذلك الرسول إلى المرسل ~~اليه الذي هو الرسول البشرى «بإذنه» أي بأمره تعالى وتيسيره «ما يشاء» أن ~~يوحيه إليه وهذا هو الذي يجرى بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام في عامة الأوقات من الكلام وقيل قوله تعالى وحيا وقوله تعالى أو ~~يرسل مصدران واقعان موقع الحال قوله تعالى أو من وراء حجاب ظرف واقع موقعها ~~والتقدير وما صح أن يكلم إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا وقرئ أو ~~يرسل بالرفع على إضمار مبتدأ وروى ان اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمت موسى ونظر إليه فإنا لن ~~نؤمن حتى تفعل ذلك فقال عليه السلام لم ينظر موسى عليه السلام إلى الله ~~تعالى فنزلت وعن عائشة رضى الله عنها من زعم أن محمدا ms2946 رأى ربه فقد أعظم على ~~الله الفرية ثم قالت رضى الله عنها PageV08P037 # أو لم تسمعوا ربكم يقول فتلت هذه الآية «إنه على» متعال عن صفات ~~المخلوقين لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه ~~المذكورة «حكيم» يجرى أفعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة وأخرى ~~بدونها إما إلهاما وإما خطابا «كذلك» أي ومثل ذلك الإيحاء البديع «أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا» هو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث ~~يحييها حياة أبدية وقيل جبريل عليه السلام ومعنى إيحائه إليه عليهما السلام ~~إرساله إليه بالوحي «ما كنت تدري» قبل الوحي «ما الكتاب» أي أي شئ هو «ولا ~~الإيمان» أي الإيمان بتفاصيل ما في تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدى ~~إليها العقول لا الإيمان بما يستقل به العقل والنظر عليه فإن درايته عليه ~~الصلاة والسلام له مما لا ريب فيه قطعا «ولكن جعلناه» أي الروح الذي ~~أوحيناه إليك «نورا نهدي به من نشاء» هدايته «من عبادنا» وهو الذي يصرف ~~اختياره نحو الاهتداء به وقوله تعالى «وإنك لتهدي» تقرير لهدايته تعالى ~~وبيان لكيفيتها ومفعول لتهدى محذوف ثقة بغاية الظهور أي وأنك لتهدي بذلك ~~النور من نشاء هدايته «إلى صراط مستقيم» هو الإسلام وسائر الشرائع والاحكام ~~وقرئ لتهدى أي ليهديك الله وقرئ لتدعوا «صراط الله» بدل من الأول وإضافته ~~إلى الاسم الجليل ثم وصفه بقوله تعالى «الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض» لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب سلوكه فإن كون جميع ما ~~فيها من الموجودات له تعالى خلقا وملكا وتصرفا مما يوجب ذلك أتم إيجاب «ألا ~~إلى الله تصير الأمور» أي أمور ما فيهما قاطبة لا إلى غيره ففيه من الوعد ~~للمهتدين إلى الصراط المستقيم والوعيد للضالين عنه ملا يخفى عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلى عليه الملائكة ~~ويستغفرون ويسترحمون له. PageV08P038 # سورة الزخرف مكية وقيل إلا قوله واسأل من أرسلنا وآياتها ستع وثمانون ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» «حم» ms2947 الكلام فيه كالذي مر في فاتحة سورة يس خلا ~~أن الظاهر على تقدير إسميته كونه اسما للقرآن لا للسورة كما قيل فإن ذلك ~~مخل بجزالة النظم الكريم «والكتاب» بالجر على أنه مقسم به إما ابتداء أو ~~عطفا على حم على تقدير كونه مجرورا بإضمار باء القسم على ان مدار العطف ~~المغايرة في العنوان ومناط تكريم القسم المبالغة في تأكيد مضمون الجملة ~~القسمية «المبين» أي البين لمن انزل عليهم لكونه بلغتهم وعلى أساليبهم أو ~~المبين لطريق الهدى من طريق الضلالة الموضح لكل ما يحتاج إليه في أبواب ~~الديانة «إنا جعلناه قرآنا عربيا» جواب للقسم لكن لا على ان مرجع التأكيد ~~جعله كذلك كما قيل بل ما هو غايته التي يعرب عنها قوله تعالى «لعلكم ~~تعقلون» فإنها المحتاجة إلى التحقيق والتأكيد لكونها منبئة عن الاعتناء ~~بأمرهم وإتمام النعمة عليهم وإزاحة اعذارهم أي جعنا ذلك الكتاب قرآنا عربيا ~~لكي تفهموه وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق والمعنى الفائق وتقفوا على ما ~~يتضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر وتعرفوا حق النعمة في ذلك ~~وتنقطع أعذاركم بالكلية «وإنه في أم الكتاب» أي في اللوح المحفوظ فإنه أصل ~~الكتب السماوية وقرئ إم الكتاب بالكسر «لدينا» أي عندنا «لعلي» رفيع القدر ~~بين الكتب شريف «حكيم» ذو حكمة بالغة أو محكم وهما خبران لأن وما بينهما ~~بيان لمحل الحكم كأنه قيل بعد بيان اتصافه بما ذكر من الوصفين الجليلين هذا ~~في أم الكتاب ولدينا والجملة إما عطف على الجمل المقسم عليها داخله في ~~حكمها ففي الإقسام بالقرآن على علو قدره عنده تعالى براعة بديعة وإيذان ~~بأنه من علو الشأن بحيث لا يحتاج في بيان إلى لاستشهاد عليه بالأقسام بغيره ~~بل هو بذاته كاف في الشهادة على ذلك من حيث الإقسام به كما أنه كاف فيها من ~~حيث إعجازه ورمز إلى انه لا يخطر بالبال عند ذكره شيىء آخر أولى منه ~~بالإقسام به وأما مستأنفة مقررة لعلو شأنه الذي أنبأ عنه الإقسام به على ~~منهاج الاعتراض في ms2948 قوله تعلى وإنه لقسم لو تعلمون عظيم PageV08P039 # وبعد ما بين علو شأن القرآن العظيم وحقق أن إنزاله على لغتهم ليعقلوه ~~ويؤمنوا به ويعملوا بموجبه عقب ذلك بإنكار أن يكون الأمر بخلافه فقيل ~~«أفنضرب عنكم الذكر» أي ونبعده عنكم مجاز من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض ~~وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجه الذكر إليهم وملازمته لهم كأنه يتهافت ~~عليهم والفاء للعطف على محذوف يقتضيه المقام أي أنهملكم فننحى الذكر عنكم ~~«صفحا» أي إعراضا عنكم على انه مفعول له للمذكور أو مصدر مؤكد لما دل هو ~~عليه فإن التنحية منبئة عن الصفح والإعراض قطعا كأنه قيل أفنصفح عنكم صفحا ~~أو بمعنى الجانب فينتصب على الطرفية أي أفننحيه عنكم جانبا «أن كنتم قوما ~~مسرفين» أي لان كنتم منهمكين في الإسراف مصرين عليه على معنى أن حالكم وإن ~~اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا في العذاب ~~الخالد لكنا لسعة رحمتنا لا تفعل ذلك بل نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول ~~الأمين وإنزال الكتاب المحبين وقرئ إن بالكسر على ان الجملة شطريه مخرجة ~~للمحقق مخرج المشكوك لاستجهالهم والجزاء محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه ~~وقوله تعالى «وكم أرسلنا من نبي في الأولين» «وما يأتيهم من نبي إلا كانوا ~~به يستهزؤون» تقرير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم السالفة لم يمنعه تعالى ~~من إرسال الأنبياء إليهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء ~~قومه به وقوله تعالى «فأهلكنا أشد منهم بطشا» أي من هؤلاء القوم المسرفين ~~عدة له عليه الصلاة والسلام ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين ووصفهم ~~بأشدية البطش لإثبات حكمهم لهؤلاء بطريق الأولوية «ومضى مثل الأولين» أي ~~سلف في القرآن غير مرة ذكر قصتهم التي حقها أن تسير مسير المثل «ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم» أي ليسندن ~~خلقها إلى من هذا شأنه في الحقيقة وفي نفس الأمر لا أنهم يعبرون عنه بهذا ~~العنوان وسلوك هذه الطريقة للإشعار بأن اتصافه تعالى بما سرد من جلائل ~~الصفات ms2949 والأفعال وبما يستلزمه ذلك من البعث والجزاء أمر بين لا ريب فيه وأن ~~الحجة قائمة عليهم شاؤوا أو أبوا وقد جوز أن يكون ذلك عين عبارتهم قوله ~~تعالى «الذي جعل لكم الأرض مهدا» استئناف من جهته تعالى أي بسطها لكم ~~تستقرون فيها «وجعل لكم فيها سبلا» تسلكونها في أسفاركم «لعلكم PageV08P040 # تهتدون» أي لكي تهتدوا بسلوكها إلى مقاصدكم أو بالتفكر فيها بالتوحيد ~~الذي هو المقصد الأصلي «والذي نزل من السماء ماء بقدر» بمقدار تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم والمصالح «فأنشرنا به» أي أحيينا بذلك الماء ~~«بلدة ميتا» خاليا عن النماء والنبات بالكلية وقرئ ميتا بالتشديد وتذكيره ~~لأن البلدة في معنى البلد والمكان والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال ~~العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظم خطره «كذلك» أي مثل ذلك الإحياء الذي ~~هو في الحقيقة إخراج النبات من الأرض «تخرجون» أي تبعثون من قبوركم أحياء ~~وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى وعن إحيائها ~~بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال ~~وتوضيح منهاج القياس «والذي خلق الأزواج كلها» أي أصناف المخلوقات وعن ابن ~~عباس رضى الله عنهما الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض ~~والأسود والذكور والأنثى وقيل كل ما سوى الله تعالى فو زوج كالفوق والتحت ~~واليمين واليسار إلى غير ذلك «وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون» أي ما ~~تركبونه تغليبا للأنعام على الفلك فإن الركوب متعد بنفسه واستعماله في ~~الفلك ونحوها بكلمة في الرمز إلى مكانتها وكون حركتها غير إرادية كما مر في ~~سورة هود عند قوله تعالى وقال اركبوا فيها «لتستووا على ظهوره» أي لتستعلوا ~~على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام والجمع باعتبار المعنى «ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه» أي تذكروها بقلوبكم معترفين بها مستعظمين لها ~~ثم تحمدوا عليها بألسنتكم «وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا» متعجبين من ذلك ~~كما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال ~~بسم الله فإذا استوى على الدابة ms2950 قال الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر ~~لنا هذا إلى قوله تعالى لمنقلبون وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا «وما كنا له ~~مقرنين» أي مطيقين من أقرن الشئ إذا أطاقه وأصله وجده قرينته لأن الصعب لا ~~يكون قرينه للضعيف وقرئ بالتشديد والمعنى واحد وهذا من تمام ذكر نعمته ~~تعالى إذ بدون اعتراف المنعم عليه بالعجز عن تحصيل النعمة لا يعرف قدرها ~~ولا حق المنعم بها «وإنا إلى ربنا لمنقلبون» أي راجعون وفيه إيذان بأن حق ~~الراكب أن يتأمل فيما يلابسه من المسير ويتذكر منه المسافرة العظمى التي هي ~~الانقلاب إلى الله تعالى فيبنى أموره في مسيره ذلك على تلك الملاحظة ولا ~~بخطر بباله في شيء PageV08P041 # مما يأتي ويذر أمرا ينافيها ومن ضرورته أن يكون ركوبه لأمر مشروع «وجعلوا ~~له من عباده جزءا» متصل بقوله تعالى ولئن سألتهم الخ أي وقد جعلوا له ~~سبحانه بألسنتهم واعتقادهم بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدا وإنما عبر عنه ~~بالجزء لمزيد استحالته في حق الواحد الحق من جميع الجهات وقرئ جزؤا بضمتين ~~«إن الإنسان لكفور مبين» ظاهر الكفران مبالغ فيه ولذلك يقولون ما يقولون ~~سبحان الله عما يصفون «أم اتخذ مما يخلق بنات» أم منقطعة وما فيها من معنى ~~بل للانتقال من بيان بطلان جعلهم له تعالى ولدا على الإطلاق إلى بيان بطلان ~~جعلهم ذلك الولد من أخس صنفية والهمزة للإنكار والتوبيخ والتعجب من شانهم ~~وقوله تعالى «وأصفاكم بالبنين» غما عطف على اتخذ داخل في حكم الإنكار ~~والتعجيب الخلاف المشهور والالتفات إلى خطابهم لتأكيد الإلزام وتشديد ~~التوبيخ أي بل اتخذ من خلقه أخس أو حال من فاعله بإضمار قد أو بدونه على ~~الصنفين وختار لكم أفضلهما على معنى هبوا أنكم اجترأتم على إضافة اتخاذ جنس ~~الولد إليه سبحانه مع ظهور استحالته وامتناعه أما كان لكم شيء من العقل ~~ونبذ من الحياء حتى اجترأتم على التفوه بالعظيمة الخارقة للعقول من ادعاء ~~أنه تعالى أثركم على نفسه بخير الصنفين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما ~~وتنكير بنات وتعريف ms2951 البنين لتربية ما اعتبر فيهما من الحقارة والفخامة ~~«وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا» الخ استئناف مقرر لما قبله وقيل حال ~~على معنى أنهم نسبوا إليه ما ذكر ومن حالهم أن أحدهم إذا بشر به اغتم ~~والالتفات للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم أن يعرض عنهم وتحكى لغيرهم تعجيبا ~~منها اى إذا أخبر أحدهم بولادة ما جعله مثلا له سبحانه إذ الولد لابد أن ~~يجانس الوالد ويماثله «ظل وجهه مسودا» أي صار أسود في الغاية من سوء ما بشر ~~به «وهو كظيم» مملوء من الكرب والكآبة والجملة حال وقرئ مسود ومسواد على أن ~~في ظل ضمير المبشر ووجهه مسود جملة وقعت خبرا له «أو من ينشأ في الحلية» ~~تكرير للإنكار تثنية للتوبيخ ومن منصوبة بمضمر معطوف على جعلوا أي أو جعلوا ~~من شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجر عن أن يتولى لأمره بنفسه فالهمزة ~~لإنكار الواقع واستقباحه وقد جوز انتصابها بمضمر معطوف على اتخذ فالهمزة ~~حينئذ لإنكار الوقوع واستبعاده واقحامها بين المعطوفين لتذكير ما في أم ~~منقطعة من الإنكار وتأكيده والعطف للتغاير العنوان أي أو اتخذ من هذه الصفة ~~الذميمة صفته «وهو» مع ما ذكر من القصور «في الخصام» أي الجدال الذي لا ~~يكاد يخلو عنه الإنسان في العادة «غير مبين» غير قادر على تقرير دعواه ~~وإقامة حجته لنقصان عقله وضعف رأيه وإضافة غير لا تمنع عمل ما بعده في ~~الجار المتقدم لأنه بمعنى النفي وقرئ PageV08P042 # ينشأ ويناشأ من الأفعال والمفاعلة والكل بمعنى واحد ونظيرة غلاه وأغلاه ~~وغالاه «وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا» بيان لتضمين كفرهم ~~المذكور لكفر آخر وتقريع لهم بذلك وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله ~~عز وجل أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا وقرئ عبيد الرحمن وقرئ عند الرحمن على ~~تمثيل زلفاهم وقرئ أنثا وهو جمع الجمع «أشهدوا خلقهم» أي أحضروا خلق الله ~~تعالى إياهم فشاهدوهم إناثا حتى يحكموا بأنوثتهم فإن ذلك مما يعلم ~~بالمشاهدة وهو تجهيل لهم وتهكم بهم وقرئ أأشهدوا بهمزتين مفتوحة ومضمومة ~~وآأشهدوا ms2952 بألف بينهما «ستكتب شهادتهم» هذه في ديوان أعمالهم «ويسألون» عنها ~~يوم القيامة وقرئ سيكتب وسنكتب بالياء والنون وقرئ شهاداتهم وهى قولهم إن ~~لله جزاء وإن له بنات وإنها الملائكة وقرئ يسألون من المسألة للمبالغة ~~«وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم» بيان لفن آخر من كفرهم أي لو شاء عدم ~~عبادتنا للملائكة مشيئة ارتضاء ما عبدناهم أرادوا بذلك بيان أن ما فعلوه حق ~~مرضى عنده تعالى وأنهم إنما يفعلونه بمشيئته تعالى إياه منهم مع اعترافهم ~~بقبحه حتى ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزلة ومبنى كلامهم الباطل على مقدمتين ~~إحداهما إن عبادتهم لهم بمشيئته تعالى والثانية أن ذلك مستلزم لكونها مرضية ~~عنده تعالى ولقد أخطأوا في الثانية حيث جهلوا أن المشيئة عبارة عن ترجيح ~~بعض الممكنات على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا أو السخط في شيء من ~~الطرفين ولذلك جهلوا بقوله تعالى «ما لهم بذلك» أي بما أرادوا بقولهم ذلك ~~من كون ما فعلوه بمشيئته الارتضاء لا بمطلق المشيئة فإن ذلك محقق ينطق به ~~ما لا يحصى من الآيات الكريمة «من علم» يستند إلى سند ما «إن هم إلا ~~يخرصون» يتمحلون تمحلا باطلا وقد جوز أن يشر بذلك إلى أصل الدعوى كأنه لما ~~أظهر وجوه فسادها وحكى شبههم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق ~~العقل ثم أضرب عنه إلى أبطال إن يكون لهم سند من جهة النقل فقيل «أم ~~آتيناهم كتابا من قبله» من قبل القرآن أو من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما ~~يدعونه «فهم به» بذلك الكتاب «مستمسكون» وعليه معولون «بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون» أي لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية ~~بل اعترفوا بأن لا سند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم والأمة الدين ~~والطريقة التي تأم أي تقصد كالرحلة لما يرحل إليه وقرئ إمة بالكسر وهي ~~الحالة التي يكون عليها الآم أي القاصد وقوله تعالى على آثارهم مهتدون ~~خبران والظرف صله لمهتدون PageV08P043 # «وكذلك» أي والأمر كما ذكر من ms2953 عجزهم عن الحجة وتشبثهم بذيل التقليد وقوله ~~تعالى «ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون» استئناف مبين لذلك دال على التقليد ~~فيما بينهم ضلال قديم ليس لأسلافهم أيضا سند غيره وتخصيص المترفين بتلك ~~المقالة للإيذان بأن التنعم وحب البطالة هو الذي صرفهم عن النظر إلى ~~التقليد «قال» حكاية لما جرى بين المنذرين وبين أممهم عند تعللهم بتقليد ~~آبائهم أي قال كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم «أولو جئتكم» أي أتقتدون ~~بآبائكم ولو جئتكم «بأهدى» بدين أهدى «مما وجدتم عليه آباءكم» من الضلالة ~~التي ليست من الهداية في شيء وإنما عبر عنها بذلك مجاراة معهم على مسلك ~~الإنصاف وقرئ قل على انه حكاية أمر ماض أوحى حينئذ إلى كل نذير لا على انه ~~خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم كما قيل لقوله تعالى «قالوا إنا بما أرسلتم ~~به كافرون» فإنه حكاية عن الأمم قطعا أي قال كل أمة لنذيرها إنا بما أرسلت ~~به الأخ وقد أجمل عند الحكاية للإيجاز كما مر في قوله تعالى يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات وجعله حكاية عن قومه عليه الصلاة والسلام بحمل صيفة الجمع ~~على تغليبه على سائر المنذرين عليهم السلام وتوجيه كفرهم إلى ما أرسل به ~~الكل من التوحيد لإجماعهم عليه كما في نظائر قوله تعالى كذبت عاد المرسلين ~~تمحل بعيد يرده بالكلية قوله تعالى «فانتقمنا منهم» أي بالاستئصال «فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين» من الأمم المذكورين فلا تكترث بتكذيب قومك «وإذ ~~قال إبراهيم» اى واذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة والسلام «لأبيه وقومه» ~~المكبين على التقليد كيف تبرأ مما هم فيه بقوله «إنني براء مما تعبدون» ~~وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلكه في الاستدلال أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من ~~التقليد فإنه أشرف آبائهم وبراء مصدر نعت به مبالغة ولذلك يستوى فيه الواحد ~~والمتعدد والمذكور والمؤنث وقرئ بريء وبراء بضم الباء ككريم وكرام وما إما ~~مصدرية أو موصولة حذف عائدها ms2954 إلى إنني برئ من عبادتكم أو معبودكم «إلا الذي ~~فطرني» استثناء منقطع أو متصل على ان ما تعم أولى العلم وغيرهم وأنهم كانوا ~~يعبدون الله والأصنام أو صفة على ان ما موصوفة أي إنني براء من آلهة ~~تعبدونها غير الذي فطرني «فإنه سيهدين» أي سيثبتني على الهداية أو سيهدين ~~إلى ما وراء الذي PageV08P044 # هداني إليه إلى الآن والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويق وصيغة المضارع ~~للدلالة على الاستمرار «وجعلها» أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد التي ما تكلم ~~به عبارة عنها «كلمة باقية في عقبه» أي في ذريته حيث وصاهم بها كما نطق به ~~قوله تعالى ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب الآية فلا يزال فيهم من يوحد الله ~~تعالى ويدعو إلى توحيده وقرئ كلمة وفي عقبه على التخفيف «لعلهم يرجعون» علة ~~للجعل أي جعلها باقية في عقله رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء ~~الموحد «بل متعت هؤلاء» إضراب عن محذوف ينساق إليه الكلام كأنه قيل جعلها ~~كلمة باقية في عقبه بأن وصى بها بنيه رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم ~~بدعاء الموحد فلم يحصل ما رجاه بل متعت منهم هؤلاء المعاصرين للرسول صلى ~~الله عليه وسلم من أهل مكة «وآباءهم» بالمد في العمر والنعمة فاغتروا ~~بالمهلة وانهمكوا في الشهوات وشغلوا بها عن كلمة التوحيد «حتى جاءهم» أي ~~هؤلاء «الحق» اى القرآن «ورسول» أي رسول «مبين» ظاهر الرسالة واضحها ~~بالمعجزات الباهرة أو مبين لتوحيد بآيات البينات والحجج وقرئ متعنا ومتعت ~~بالخطاب على انه تعالى اعترض به على ذاته في قوله تعلى وجعلها كلمة باقية ~~الخ مبالغة في تعبيرهم فإن التمتيع بزيادة النعم يوجب عليهم أن يجعلوه سببا ~~لزيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان فجعله سببا لزيادة الكفر أن ~~أقصى مراتب الكفر والضلالة «ولما جاءهم الحق» لينبههم عما هم فيه من الغفلة ~~ويرشدهم إلى التوحيد ازدادوا كفرا وعتوا وضموا إلى كفرهم السابق معاندة ~~الحق والاستهانة به حيث «قالوا هذا سحر وإنا به كافرون» فسموا القرآن سحرا ~~وكفروا به واسحقروا الرسول ms2955 صلى الله عليه وسلم «وقالوا لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين» أي من إحدى القريتين مكة والطائف على نهج قوله تعالى ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان «عظيم» أي بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة ~~المخزومي وعروة بن مسعود الثقفي وقيل حبيب بن عمر بن عمر الثقفي وعن مجاهد ~~عيبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل ولم تفوهوا بهذه العظيمة حسدا على نزوله ~~إلى رسول صلى الله عليه وسلم دون من ذكر من عظمائهم مع اعترافهم بقرآنيته ~~بل استدلالا على عدمها بمعنى أنه لو كان قرآنا لنزل إلى أحد هؤلاء بناء على ~~ما زعموا من أن الرسالة منصب جليل لا يليق به إلا من له جلالة من حيث المال ~~والجاه ولم يدروا أنها رتبة روحانية لا يترقى إليها إلا همم الخواص ~~المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتحلين بالفضائل ~~الإنسية وأما المتزخرفون بالزخارف الدنيوية المستمتعون بالحظوظ الدنية فهم ~~من استحقاق تلك الرتبة بألف منزل PageV08P045 # وقوله تعالى «أهم يقسمون رحمة ربك» إنكار فيه تجهيل لهم وتعجيب من تحكمهم ~~والمراد بالرحمة النبوة «نحن قسمنا بينهم معيشتهم» أي أسباب معيشتهم «في ~~الحياة الدنيا» قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض ~~أمرها إليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية «ورفعنا بعضهم فوق بعض» في ~~الرزق وسائر مبادى المعاش «درجات» متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه ~~الحكمة فمن ضعيف وقوى وفقير وغنى وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم «ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا» ليصرف بعضهم بعضا في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في ~~أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع ولا ~~لنقص في المقتر ولو فرضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في ~~تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنيئة وهو في طرف الثمام ~~على هذه الحالة فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد من مناط ~~العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم ~~بأمرها «ورحمة ربك» أي النبوة وما يتبعها من ms2956 سعادة الدارين «خير مما ~~يجمعون» من حطام الدنيا الدنيئة الفانية وقوله تعالى «ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة» استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة قدره عند الله عز وجل ~~والمعنى أن حقارة شأنه بحيث لولا أن لا يرغب الناس لحبهم الدنيا في الكفر ~~إذا رأوا أهله في سعة وتنعم فيجتمعوا عليه لأعطيناه بحذافيره من هو شر ~~الخلائق وأدناهم منزلة وذلك قوله تعالى «لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة» أي متخذة منها ولبيوتهم بدل اشتمال من لمن وجمع الضمير ~~باعتبار معنى من كما أن أفراد المستكن في يكفر باعتبار لفظها والسقف جمع ~~سقف كرهن جمع رهن وعن الفراء جمع سقيفة كسفن وسفينة وقرئ سقفا بسكون القاف ~~تخفيفا وسقفا اكتفاء بجمع البيوت وسقفا كأنه لغة في سقف وسقوفا «ومعارج» أي ~~جعلنا لهم معرج من فضة أي مصاعد جمع معرج وقرئ معاريج جمع معراج «عليها ~~يظهرون» أي يعلون السطوح والعلالى «ولبيوتهم» أي وجعلنا لبيوتهم «أبوابا ~~وسررا» من فضة «عليها» أي على السرر «يتكئون» ولعل تكرير ذكر بيوتهم لزيادة ~~التقرير «وزخرفا» أي زينة عطف على سقفا أو ذهبا عطف على محل من فضة «وإن كل ~~ذلك لما متاع الحياة الدنيا» أي وما PageV08P046 # كل ما ذكر من البيوت الموصوفة المفصلة إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا ~~وفي معناه ما قرىء وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا وقرئ بتخفيف ما على ~~أن أن هي المخففة واللام هي الفارقة وقرئ بكسر اللام على أنها لام العلة ~~وما موصولة قد حذف عائدها أي للذي هو متاع الخ كما في قوله تعالى تماما على ~~الذي أحسن «والآخرة» بما فيها من فنون النعم التي يقصر عنها البيان «عند ~~ربك للمتقين» أي عن الكفر والمعاصي وبهذا تبين أن العظيم هو العظيم في ~~الآخرة لا في الدنيا «ومن يعش» أي يتعام «عن ذكر الرحمن» وهو القرآن ~~وإضافته إلى اسم الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين وقرئ يعش بالفتح أي ~~يعم يقال عشى يعشى إذا كان في بصره آفة وعشا ms2957 يعشو إذا تعشى بلا آفة كعرج ~~وعرج وقرئ يعشو على من موصولة غير مضمنة معنى الشرط والمعنى ومن يعرض عنه ~~لفرط اشتغاله بزهرة الحياة الدنيا وانهماكه في حظوظها الفانية والشهوات ~~«نقيض له شيطانا فهو له قرين» لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وقرئ يقيض ~~بالياء على إسناده إلى ضمير الرحمن ومن رفع يعشو فحقه أن يرفع يقيض «وأنهم» ~~أي الشياطين الذين قيض كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو «ليصدونهم» أي ~~قرناءهم فمدار جمع الضميرين اعتبار معنى من كما أن مدار إفراد الضمائر ~~السابقة اعتبار لفظها «عن السبيل» المستبين الذي يدعو إليه القرآن ~~«ويحسبون» أي العاشون «إنهم» أي الشياطين «مهتدون» أي إلى السبيل المستقيم ~~وإلا لما أتبعوهم أو يحسبون أن أنفسهم مهتدون لأن اعتقاد كون الشياطين ~~مهتدين مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك لاتحاد مسلكهما والجملة حال من مفعول ~~يصدون بتقدير المبتدأ أو من فاعله أو منهما لاشتمالها على ضميريهما أي ~~وإنهم ليصدونهم عن الطريق الحق وهم يحسبون أنهم مهتدون إليه وصيغة المضارع ~~في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجديدية لقوله تعالى «حتى إذا ~~جاءنا» فإن حتى وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضى ~~حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مر مرار وإفراد الضمير في جاء وما بعده ~~لما أن المراد حكاية مقالة كل واحد واحد من العاشين لقرينه لتهويل الأمر ~~وتفظيع الحال والمعنى يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصدر ~~والحسبان الباطل حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة «قال» ~~مخاطبا له «يا ليت بيني وبينك» في الدنيا «بعد المشرقين» أي بعد المشرق ~~والمغرب أي تباعد كل منهما عن الآخر فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما ~~«فبئس القرين» أي أنت وقوله تعالى «ولن ينفعكم» الخ حكاية لما سيقال لهم ~~حينئذ من جهة الله عز وجل توبيخا وتقريعا أي لن ينفعكم «اليوم» أي يوم ~~القيامة PageV08P047 # تمنيكم لمباعدتهم «إذ ظلمتم» اى لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا باتباعكم ~~إياهم في الكفر والمعاصي وقيل إذ ظلمتم بدل ms2958 من اليوم إي إذ تبين عندكم وعند ~~الناس جميعا أنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا وعليه قول من قال إذا ما انتسبنا ~~لم تلدني لئيمة أي تبين أنى لم تلدني لئيمة بل كريمة وقوله تعالى «أنكم في ~~العذاب مشتركون» تعليل لنفى النفع أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في ~~العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا ويجوز أن يسند الفعل إليه لكن ~~لا بمعنى لن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في شدائد الدنيا ~~اشتراكهم فيها لتعاونهم في تحمل أعبائها وتقسمهم لعنائها لأن لكل منهم مالا ~~تبلغه طاقته كما قيل لأن الانتفاع بذلك الوجه ليس مما يخطر ببالهم حتى يرد ~~عليهم بنفيه بل بمعنى لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث ~~كنتم تدعون عليهم بقولكم ربنا آتهم ضعفين من العذاب ولعنهم لعنا كبيرا ~~وقولكم فآتهم عذابا ضعفا من النار ونظائرهما لتتشفوا بذلك كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غيا ~~وتعاميا عما يشاهدونه في شواهد النبوة وتصاما عما يسمعونه من بينات القرآن ~~فنزل «أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي» وهو إنكار تعجيب من ان يكون هو الذي ~~يقدر على هدايتهم وهم قد تمرنوا في الكفر واستغرقوا في الضلالة بحيث صار ما ~~بهم من العشى عمى مقرونا بالصمم «ومن كان في ضلال مبين» عطف على العمى ~~باعتبار تغاير الوصفين ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في اضلال المفرط ~~بحيث لا ارعواء له منه لا توهم القصور من قبل الهادي ففيه رمز إلى انه لا ~~يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده بالقسر والإلجاء «فإما نذهبن بك» أي فإن ~~قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين «فإنا منهم ~~منتقمون» لا محالة في الدينا والآخرة فما مزيدة للتأكيد بمنزلة لام القسم ~~في أنها لا تفارق النون المؤكدة «أو نرينك» الأذى «الذي وعدناهم» أي أو ~~أردنا أن نريك العذاب الذي وعدناهم «فإنا عليهم مقتدرون» بحيث لا مناص لهم ms2959 ~~من تحت ملكتنا وقهرنا ولقد أراه عليه السلام ذلك يوم بدر «فاستمسك بالذي ~~أوحي إليك» من الآيات والشرائع سواء عجلنا لك الموعود أو أخرناه إلى يوم ~~الآخرة وقرئ أوحى على البناء للفاعل وهو الله عز وجل «إنك على صراط مستقيم» ~~تعليل للاستمساك أو للأمر به «وإنه لذكر» لشرف عظيم «لك ولقومك وسوف ~~تسألون» يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه «واسأل PageV08P048 # من أرسلنا من قبلك من رسلنا» أي واسأل أممهم وعلماء دينهم كقوله تعالى ~~فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك وفائدة هذا المجاز التنبيه على ان ~~المسؤول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل لا ما يقوله أممهم وعلماؤهم من ~~تلقاء أنفسهم قال الفراء هم إنما يخبرونه عن كتاب الرسل فإذا اسألهم فكأنه ~~سأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام «أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون» أي ~~هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم والمراد به الاستشهاد ~~بإجماع الأنبياء على التوحيد والتنبيه على انه ليس ببدع ابتدعه حتى يكذب ~~ويعادى «ولقد أرسلنا موسى بآياتنا» ملتبس بها «إلى فرعون وملئه فقال إني ~~رسول رب العالمين» أريد باقتصاصه تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والاستشهاد بدعوة موسى عليه السلام إلى التوحيد إثر ما أشير إلى إجماع جميع ~~الرسل عليهم السلام عليه «فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون» أي فاجؤا ~~وقت ضحكهم منها أي استهزؤا بها أو ما رأوها ولم يتأملوا فيها «وما نريهم من ~~آية» من الآيات «إلا هي أكبر من أختها» إلا وهى بالغة أقصى مراتب الإعجاز ~~بحيث يحسب كل من ينظر إليها أنها أكبر من كل ما يقاس بها من الآيات والمراد ~~وصف الكل بغاية الكبر من غير ملاحظة قصور في شيء منها أو إلا وهى مختصة ~~بضرب من الإعجاز مفضلة بذلك الاعتبار على غيرها «وأخذناهم بالعذاب» كالسنين ~~والطوفان والجراد وغيرها «لعلهم يرجعون» لكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر ~~«وقالوا يا أيها الساحر» نادوه بذلك في مثل تلك الحال لغاية عتوهم ونهاية ~~حماقتهم وقيل كانوا يقولون للعالم ms2960 الماهر ساحر لاستعظامهم علم السحر وقرئ ~~أية الساحر بضم الهاء «ادع لنا ربك» ليكشف عنا العذاب «بما عهد عندك» بعهده ~~عندك من النبوة أو من استجابة دعوتك أو من كشف العذاب عمن اهتدى أو بما عهد ~~عندك فوفيت به من الإيمان والطاعة «إننا لمهتدون» أي لمؤمنون على تقدير كشف ~~العذاب عنا بدعوتك كقولهم لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك «فلما كشفنا عنهم ~~العذاب» بدعوته «إذا هم ينكثون» فاجؤا وقت نكث عهدهم بالاهتداء وقد مر ~~تفصيله في الأعراف «ونادى فرعون» بنفسه PageV08P049 # أو بمناديه «في قومه» في مجمعهم وفيما بينهم بعد أن كشف العذاب عنهم ~~مخافة أن يؤمنوا «قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار» أنها النيل ~~ومعظمها أربعة أنهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس «تجري من تحتي» ~~أي من تحت قصرى أو أمرى وقيل من تحت سريري لارتفاعه وقيل بين يدي في جناني ~~وبساتيني الواو إما عطفة لهذه الأنهار على ملك مصر فتجرى حال منها أو للحال ~~فهذه مبتدأ والأنهار صفتها وتجرى خبر للمتبدأ «أفلا تبصرون» ذلك يريد به ~~استعظام ملكه «أم أنا خير» مع هذه المملكة والبسطة «من هذا الذي هو مهين» ~~ضعيف حقير من المهابة وهي القلة «ولا يكاد يبين» أي الكلام قاله افتراء ~~عليه عليه السلام وتنقيصه عليه السلام في أعين الناس باعتبار ما كان في ~~لسانه عليه السلام من نوع رتة وقد كانت ذهبت عنه لقوله تعالى قد أوتيت سؤلك ~~وأم إما منقطعة والهمزة للتقرير كأنه قال إثر ما عدد أسباب فضله ومبادى ~~خيريته أثبت عندكم واستقر لديكم أنى أنا خير وهذه حالي من هذا الخ وإما ~~متصلة فالمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون خلا أنه وضع قوله أنا خير موضع تبصرون ~~لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء وهذا من باب تنزيل السبب منزلة ~~المسبب ويجوز أن يجعل من تنزيل المسبب منزلة السبب فإن أبصارهم لما ذكر من ~~أسباب فضله سبب على زعمه لحكمهم بخيريته «فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب» ms2961 أي ~~فهلا ألقى إليه مقاليد الملك إن كان صادقا لما أنهم كانوا إذا سودوا رجلا ~~سوره وطوقوه بطوق من ذهب وأسورة جمع سوار وقرئ أساور جمع أسوار بمعنى ~~السوار على تعويض التاء من ياء أساوير وقد قرىء كذلك وقرئ ألقى عليه أسورة ~~وأساور على البناء للفاعل وهو الله تعالى «أو جاء معه الملائكة مقترنين» ~~مقرونين يعينونه أو يصدقونه من قرنته به فاقترن أو متقارنين من اقتران ~~بمعنى تقارن «فاستخف قومه» فاستفزهم وطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف ~~أحلامهم «فأطاعوه» فيما أمرهم به «إنهم كانوا قوما فاسقين» فذلك سارعوا إلى ~~طاعة ذلك الفاسق الغوى «فلما آسفونا» أي أغضبونا أشد الغضب منقول من أسف ~~إذا أشتد أغضبه «انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين» في اليم «فجعلناهم سلفا» ~~قدوة لمن بعدهم من الكفار يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما حل بهم من ~~العذاب وهو إما مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم جمع خادم وقرئ بضم السين ~~واللام على انه جمع سليف أي فريق قد سلف كرغف أو سالف كصبر أو سلف كأسد ~~وقرئ سلفا بإبدال ضمة اللام PageV08P050 # فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت «ومثلا للآخرين» إلى أي عظة لهم ~~أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم فيقال مثلكم مثل قوم فرعون «ولما ضرب ~~ابن مريم مثلا» أي ضربة ابن الزبعري حين جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم حيث قال أهذا لنا ~~ولآلهتنا أو جميع الأمم فقال عليه الصلاة والسلام هو لكم ولآهلتكم ولجميع ~~الأمم فقال ألا للعين خصمتك ورب الكعبة أليس النصارى يعبدون المسيح واليهود ~~عزيرا وبنو مليح الملائكة فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن ~~وآلهتنا معهم ففرح به قومه وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى «إذا ~~قومك منه» أي من ذلك المثل «يصدون» أي يرتفع لهم جلية وضجيج فرحا وجدلا ~~وقرى يصدون أي من اجل ذلك المثل يعرضون عن الحق أي يثبتون ms2962 على ما كانوا ~~عليه من الاعتراض أو يزدادون فيه وقيل هو أيضا من الصديد وهما لغتنا فيه ~~نحو يعكف ويعكف وهو الأنسب بمعنى المفاجأة «وقالوا أآلهتنا خير أم هو» ~~حكاية لطرف من المثل المضروب قالوه تمهيدا لما بنوا عليه من الباطل المموه ~~بما يغتربه السفهاء أي ظاهر أن عيسى خير من آلهتنا فحيث كان هو في النار ~~فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها واعلم ان ما نقل عنهم من الفرح ورفع الأصوات ~~لم يكن لما قيل من أنه عليه الصلاة والسلام سكت عند ذلك إلى ان نزل قوله ~~تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى الآية فإن ذلك مع إيهامه لما يجب تنزيه ~~ساحته عليه الصلاة والسلام عنه من شائبة الإفحام من أول الأمر خلاف الواقع ~~كيف لا وقد روى أن قول أبن الزبعري خصمتك ورب الكعبة صدر عنه من أول الأمر ~~عند سماع الآية الكريمة فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله عليه ~~السلام ما أجهلك بغلة قومك أما فهمت أن حالم لا يعقل وإنما لم يخص عليه ~~السلام هذا الحكم بآلهتهم حين سأل الفاجر عن المخصوص والعموم عملا من ~~اختصاص كله ما بغير العقلاء لأن إخراج بعض المعبودين عنه عند الحاجة موهم ~~للرخصة في عبادته في الجملة فعممه عليه السلام للكل لكن لا بطريق عبارة ~~النص بل بطريق الدلالة بجامع الاشتراك في المعبودية من دون الله تعالى ثم ~~بين عليه الصلاة والسلام بقوله بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك أن ~~الملائكة والمسيح بمعزل من ان يكونوا معبوديهم كما نطق به قوله تعالى ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون لجن الآية وقد مر تحقيق المقام ~~عند قوله تعالى «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى» الآية بل إنما كان ما ~~أظهروه من الأحوال المنكرة لمحض وقاحتهم وتهالكهم على المكابرة والعناد كما ~~ينطق به قوله تعالى «ما ضربوه لك إلا جدلا» أي ما ضربوا لك وذلك المثل إلا ~~لأجل الجدال والخصام لا لطلب الحق حتى يذعنوا له ms2963 عند ظهوره ببيانك «بل هم ~~قوم خصمون» أي لد شداد الخصومة مجبولون على المحك واللجاج وقيلا لما سمعوا ~~قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب قالوا نحن أهدى من ~~النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة فنزلت فقولهم أآلهتنا خير أم ~~هو حينئذ PageV08P051 # تفضيل لآلهتهم على عيسى عليه السلام لأن المراد بهم الملائكة ومعنى ما ~~ضربوه الخ ما قالوا هذا القول إلا للجدل وقيل لما نزلت إن مثل عيسى الآية ~~قالوا ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده وأنه يستأهل أن يعبد وإن كان بشرا ~~كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر ومعنى يصدون يضجون ويضجرون والضمير في أم ~~هو لمحمد عليه الصلاة والسلام وغرضهم بالموازنة بينه عليه السلام وبين ~~آلهتهم الاستهزاء به وقد جوز أن يكون مرادهم التنصل عما أنكر عليهم من ~~قولهم الملائكة بنات الله تعالى ومن عبادتهم لهم كأنهم قالوا ما قلنا بدعا ~~من القول ولا فعلنا منكر آمن الفعل فإن النصارى جعلوا المسيح ابن الله ~~وعبدوه فنحن أشف منهم قولا وفعلا حيث نسبنا إليه الملائكة وهم نسبوا إليه ~~الأناسى فقوله تعالى «إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» أي بالنبوة «وجعلناه مثلا ~~لبني إسرائيل» أي أمرا عجيبا حقيقا بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة على ~~الوجه الأول استئناف مسوق لتنزيهه عليه السلام عن أن ينسب إليه ما نسب إلى ~~الأصنام بطريق الرمز كما نطق به صريحا قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى الآية وفيه تنبيه على بطلان رأى من رفعه عن رتبة العبودية وتعريض ~~بفساد رأى من يرى رأيهم في شأن الملائكة وعلى الثاني والرابح لبيان أنه ~~قياس باطل بباطل أو بأبطل على زعمهم وما عيسى إلا عبد كسائر العبيد قصارى ~~أمره أنه ممن أنعمنا عليهم بالنبوة وخصصناه ببعض الخواص البديعة بأن خلقناه ~~بوجه بديع وقد خلقنا آدم بوجه أبدع منه فأين هو من رتبة الربوبية ومن أين ~~يتوهم صحة مذهب عبدته حتى يفتخر عبدة الملائكة بكونهم أهدى منهم أو يعتذروا ~~بأن ms2964 حالهم أشف أو أخف من حالهم وأما على الوجه الثالث فهو لردهم وتكذيبهم ~~في افترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن عيسى في الحقيقة ~~وفيما أوحى إلى الرسول عليهما الصلاة والسلام ليس إلا أنه عبد منعم عليه ~~كما ذكر فكيف يرضى عليه السلام بمعبوديته أو كيف يتوهم الرضا بمعبودية نفسه ~~وقوله تعالى «ولو نشاء» الخ لتحقيق أن مثل عيسى عليه السلام ليس ببدع من ~~قدرة الله وأنه تعالى قادر على أبدع من ذلك وأبرع مع التنبيه على سقوط ~~الملائكة أيضا من درجة المعبودية اى قدرتنا بحيث لو نشاء «لجعلنا» أي ~~لخلقنا بطريق التوالد «منكم» وأنتم رجال ليس من شأنكم الولادة «ملائكة» كما ~~خلقناهم بطريق الإبداع «في الأرض» 6 مستقرين فيها كما جعلناهم مستقرين في ~~السماء «يخلفون» أي يخلفونكم مثل أولادكم فيما تأتون وما تذرون ويباشرون ~~الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم مع أن شأنهم التسبيح والتقديس في السماء فمن ~~شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى القدرة الربانية كيف يتوهم استحقاقهم ~~للمعبودية أو انتسابهم إليه تعالى عن ذلك علوا «وإنه» وإن عيسى «لعلم ~~للساعة» أي إنه بنزوله شرط من أشراطها وتسميته علما لحصوله به PageV08P052 # أو بحدوثه بغير أب أو بإحيائه الموتى دليل على صحة البعث الذي هو معظم ما ~~ينكره الكفرة من الأمور الواقعة في الساعة وقرئ لعلم أي علامة وقرئ للعلم ~~وقرئ لذكر على تسمية ما يذكر به ذكرا كتسمية ما يعلم به علما وفي الحديث أن ~~عيسى عليه السلام ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وعليه نصرتان ~~وبيده حربه وبها يقتل الدجال فأتى بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر ~~الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلى خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى ~~إلا من آمن به وقيل الضمير للقرآن لما أن فيه الإعلام بالساعة «فلا تمترن ~~بها» فلا تشكن في وقوعها «واتبعون» أي واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي وقيل ~~هو قول الرسول مأمورا من جهته ms2965 تعالى «هذا» أي الذي أدعوكم إليه أو القرآن ~~على أن الضمير في أنه له «صراط مستقيم» موصل إلى الحق «ولا يصدنكم الشيطان» ~~عن اتباعي «إنه لكم عدو مبين» بين العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة وعرضكم ~~للبلية «ولما جاء عيسى بالبينات» أي بالمعجزات أو بآيات الإنجيل أو ~~بالشرائع الواضحات «قال» لبني إسرائيل «قد جئتكم بالحكمة» أي الإنجيل أو ~~الشريعة «ولأبين لكم» عكف على مقدر ينبئ عنه المجىء بالحكمة كأنه قيل قد ~~جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم «بعض الذي تختلفون فيه» وهو ما ~~يتعلق بأمور الدين وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف ~~الأنبياء عليهم السلام كما قال عليه السلام أنتم أعلم بأمور دنياكم «فاتقوا ~~الله» في مخالفتي «وأطيعون» فيما أبلغه عنه تعالى «إن الله هو ربي وربكم ~~فاعبدوه» بيان لما أمرهم بالطاعة فيه وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع ~~«هذا» أي التوحيد والتعبد بالشرائع «صراط مستقيم» لا يضل سالكه وهو إما من ~~تتمة كلامه عليه السلام أو استئناف من جهته تعالى مقرر لمقالة عيسى عليه ~~السلام «فاختلف الأحزاب» الفرق المتحزبة «من بينهم» أي من بين من بعث إليهم ~~من اليهود والنصارى «فويل للذين ظلموا» من المختلفين «من عذاب يوم أليم» هو ~~يوم القيامة «هل ينظرون» أي ما ينتظر الناس «إلا الساعة أن تأتيهم» أي إلا ~~إتيان الساعة «بغتة» أي فجأة لكن لا عند كونهم مترقبين لها بل غافلين عنها ~~مشتغلين بأمور الدنيا منكرين لها وذلك قوله تعالى «وهم لا يشعرون» ~~PageV08P053 # «الأخلاء» المتحابون في الدنيا على الإطلاق أو في الأمور الدنيوية ~~«يومئذ» يوم إذ تأتيهم الساعة «بعضهم لبعض عدو» لانقطاع ما بينهم عن علائق ~~الخلة والتحاب لظهور كونها أسبابا للعذاب «إلا المتقين» فإن خلتهم في ~~الدنيا لما كانت في الله تبقى على حالها بل تزداد بمشاهدة كل منهم آثار ~~خلتهم من الثواب ورفع الدرجات والاستثناء على الأول متصل وعلى الثاني منقطع ~~«يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون» حكاية لما ينادى به المتقون ~~المتحابون في الله يومئذ ms2966 تشريفا لهم وتطيبا لقلوبهم «الذين آمنوا بآياتنا» ~~صفة للمنادى أو نصب على المدح «وكانوا مسلمين» أي مخلصين وجوههم لنا جاعلين ~~أنفسهم سالمة لطاعتنا وهو حال من واو آمنوا عن مقاتل إذا بعث الله الناس ~~فزع كل أحد فينادى مناد يا عبادي فيرفع الخلائق رؤسهم على الرجاء ثم يتبعها ~~الذين آمنوا الآية فينكس أهل الأديان الباطلة رؤسهم «ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم» نساؤكم المؤمنات «تحبرون» تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره على ~~وجوهكم أو تزينون من الحبرة وهو حسن الهيئة أو تكرمون إكراما بليغا والحبرة ~~المبالغة فيما وصف بجميل «يطاف عليهم» بعد دخولهم الجنة حسبما أمروا به ~~«بصحاف من ذهب وأكواب» كذلك والصحاف جمع صحفة قيل هي كالقصعة وقيل أعظم ~~القصاع الجفنة ثم القصعة ثم المكيلة والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له ~~«وفيها» أي في الجنة «ما تشتهيه الأنفس» من فنون الملاذ وقرئ ما تشتهى ~~«وتلذ الأعين» أي تستلذه وتقر بمشاهدته وقرئ وتلذه «وأنتم فيها خالدون» ~~إتمام للنعمة وإكمال للسرور فإن كل نعيم له زوال بالآخرة مقارن لخوفه لا ~~محالة والالتفات للتشريف «وتلك الجنة» مبتدأ وخبر «التي أورثتموها» وقرئ ~~ورثتموها «بما كنتم تعلمون» في الدنيا من الأعمال الصالحة شبه جزاء العمل ~~بالميراث لأنه يخلفه العامل عليه وقيل تلك الجنة مبتدأ وصفه والموصول مع ~~صلته خبره وقيل هو صفة الجنة كالوجه الأول والخبر بما كنتم تعلمون فتتعلق ~~الباء بمحذوف لا بأورثتموها كما في الأولين «لكم فيها فاكهة كثيرة» بحسب ~~الأنواع والأصناف PageV08P054 # لا بحسب الأفراد فقط «منها تأكلون» أي بعضها تأكلون في كل نوبة وأما ~~الباقي فعلى الأشجار على الدوام لا ترى فيها شجرة خلت عن ثمرها لحظة فهي ~~مزينة بالثمار أبدا موقرة بها وعن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينزع رجل في ~~الحنة من ثمرها إلا نبت مثلاها مكانها «إن المجرمين» أي الراسخين في ~~الإجرام وهم الكفار حسبما ينبيء عنه إيرادهم في مقابلة المؤمنين بالآيات ~~«في عذاب جهنم خالدون» خبر إن أو خالدون هو الخبر وفي متعلقة به «لا يفتر ms2967 ~~عنهم» أي لا يخفف العذاب عنهم من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلا ~~والتركيب للضعف «وهم فيه» اى في العذاب وقرئ فيها أي في النار «مبلسون» ~~آيسون من النجاة «وما ظلمناهم» بذلك «ولكن كانوا هم الظالمين» لتعريضهم ~~أنفسهم للعذاب الخالد «ونادوا» خازن النار «يا مالك» وقرئ يا مال على ~~الترخيم بالضم والكسر ولعله رمز إلى ضعفهم وعجزهم عن تأدية اللفظ بتمامه ~~«ليقض علينا ربك» أي ليمتنا حتى نستريح من قضى عليه إذا أماته والمعنى سل ~~ربك أن يقضى علينا وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم لأنه جؤار وتمن للموت ~~لفرط الشدة «قال إنكم ماكثون» أي في العذاب أبدا لا خلاص لكم منه بموت ولا ~~بغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يجيبهم إلا بعد ألف سنة وقيل بعد ~~مائة وقيل بعد أربعين سنة «لقد جئناكم بالحق» في الدنيا بإرسال الرسل ~~وانزال الكتب وهو خطاب توبيخ وتقريع من جهة الله تعالى مقرر لجواب مالك ~~ومبين لسبب مكثهم وقيل في قال ضمير الله تعالى «ولكن أكثركم للحق» أي حق ~~كان «كارهون» لا يقبلونه وينفرون عنه أما الحق المعهود الذي هو التوحيد أو ~~القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه «أم أبرموا أمرا» كلام مبتدأ ناع على ~~المشركين ما فعلوا من الكد برسول الله صلى الله عليه وسلم وأم منطقة وما ~~فيها من معنى بل للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء ~~والهمزة للإنكار فإن أريد بالإبرام الأحكام حقيقة فهي لإنكار الوقوع ~~واستبعاده وإن أريد الأحكام صورة فهي لإنكار الواقع واستقباحه أي أابرم ~~مشركو مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنا ~~مبرمون» كيدنا حقيقة لاهم أو فإنا مبرمون كيدنا بهم حقيقة كما أبرموا ~~أكيدهم صورة كقوله تعالى أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون وكانوا ~~يتناجون في أنديتهم ويتشاورون في أموره PageV08P055 # عليه الصلاة والسلام «أم يحسبون» أي بل أيحسبون «أنا لا نسمع سرهم» وهو ~~ما حدثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال ms2968 «نجواهم» أي ما تكلموا به فيما ~~بينهم بطريق التناجي «بل» نحن نسمعهما ونطلع عليهما «ورسلنا» الذين يحفظون ~~عليهم أعمالهم ويلازمونهم أينما كانوا «لديهم» عندهم «يكتبون» أي يكتبونهما ~~أو يكتبون كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر من ~~سرهم ونجواهم والجملة إما عطف على ما يترجم عنه بلى أو حال أي نسمعها ~~والحال أن رسلنا يكتبون «قل» أي للكفرة تحقيقا للحق وتنبيها لهم على أن ~~مخالفتك لهم بعدم عبادتك لما يعبدونه من الملائكة عليهم السلام ليست لبغضك ~~وعداوتك لهم أو لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا ~~عليها عبادتهم من كونهم بنات الله تعالى «إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين» أي له وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى ~~وبما تجوز عليه وبما لا يجوز وأولاهم بمراعاة حقوقه ومن مواجب تعظيم الوالد ~~تعظيم ولده وفيه من الدلالة على انتفاء كونهم كذلك على أبلغ الوجوه وأقواها ~~وعلى كون رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوة يقين وثبات قدم في باب ~~التوحيد ما لا يخفى مع ما فيه من استنزال الكفرة عن رتبة المكابرة حسبما ~~يعرب عنه إيراد أن مكان لو المنبئة عن امتناع مقدم الشرطية وقيل إن كان ~~للرحمن ولد في زعمكم فانا أول العابدين الموحدين لله تعالى وقيل فأنا أول ~~الآنفين أي المستنكفين منه أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه ~~وقيل إن نافية اى ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وقرئ ولد «سبحان ~~رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون» أي يصفونه به من أن يكون له ولد ~~وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها تنبيه على انها وما فيها من ~~المخلوقات حيث كانت تحت ملكوته وربوبيته كيف يتوهم أن يكون شئ منها جزا منه ~~سبحانه وفي تكرير اسم الرب تفخيم لشأن العرش «فذرهم» حيث لم يذعنوا للحق ~~بعد ما سمعوا هذا البرهان الجلي «يخوضوا» في أباطيلهم «ويلعبوا» في ms2969 دنياهم ~~فإن ما هم فيه من الأفعال والأقوال ليست إلا من باب الجهل واللعب والجزم في ~~الفعل لجواب الأمر «حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» من يوم القيامة فإنهم ~~يومئذ يعلمون ما فعلوا وما يفعل بهم «وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله» الظرفان متعلقان بالمعنى الوصفي الذي ينبئ عنه الاسم الجليل من معنى ~~المعبودية بالحق بناء على اختصاصه PageV08P056 # بالمعبود بالحق كما مر في تفسير البسملة كأنه قيال وهو الذي مستحق لأن ~~يعبد فيهما وقد مر تحقيقه في سورة الأنعام وقرئ وهو الذي في السماء الله ~~وفي الأرض الله والراجع إلى الموصول مبتدأ قد حذف لطول الصلة بمتعلق الخبر ~~والعطف عليه ولا مساغ لكون الجار خبرا مقدما وإله مبتدأ مؤخر للزوم عراء ~~الجملة حينئذ عن العائد نعم يجوز أن يكون صلة للموصول وإله خبرا لمبتدأ ~~محذوف على ان الجملة بيان للصلة وأن كونه في السماء على سبيل الإلهية لا ~~على سبيل الاستقرار وفيه نفى الآلهة السماوية والأرضية وتخصيص لاستحقاق ~~الإلهية به تعالى وقوله تعالى «وهو الحكيم العليم» كالدليل على ما قبله ~~«وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما» إما على الدوام كالهواء ~~أو في بعض الأوقات كالطير «وعنده علم الساعة» أي العلم بالساعة التي فيها ~~تقوم القيامة «وإليه ترجعون» للجزاء والالتفات للتهديد وقرئ على الغيبة ~~وقرئ تحشرون بالتاء «ولا يملك الذين يدعون» أي يدعونهم وقرئ بالتاء مخففا ~~ومشددا «من دونه الشفاعة» كما يزعمون «إلا من شهد بالحق» الذي هو التوحيد ~~«وهم يعلمون» بما يشهدون به عن بصيرة وإيقان وإخلاص وجمع الضمير باعتبار ~~معنى من كما أن الإفراد أولا باعتبار لفظها والاستثناء إما متصل والموصول ~~عام لكل ما يعبد من دون الله أو منفصل على انه خاص بالأصنام «ولئن سألتهم ~~من خلقهم» أي سألت العابدين والمبعودين «ليقولن الله» لتعذر الإنكار لغاية ~~بطلانه «فأنى يؤفكون» فكيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع اعترافهم ~~بكون الكل مخلوقا له تعالى «وقيله» بالجر إما على أنه عطف على الساعة أي ~~عنده علم الساعة ms2970 وعلم قوله عليه الصلاة والسلام «يا رب» الخ فإن القول ~~والقيل والقال كلها مصادر أو على ان الواو للقسم قوله تعالى «إن هؤلاء قوم ~~لا يؤمنون» جوابه وفي الإقسام به من رفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتفخيم ~~دعائه والتجائه إليه تعالى ما لا يخفي وقرئ بالنصب بالعطف على سرهم أو على ~~محل الساعة أو ضمير أو بإضمار فعله أو بتقدير فهل القسم وقرئ بالرفع على ~~الابتداء والخبر ما بعده وقد جوز عطفه على علم الساعة «فاصفح عنهم» فأعرض ~~عن دعوتهم واقنط عن إيمانهم «وقل سلام» أي أمرى تسلم منكم ومتاركة «فسوف ~~يعلمون» حالهم البتة وإن تأخر ذلك وهو وعيد من الله تعالى لهم وتسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقرئ تعلمون على انه داخل PageV08P057 # في حيز قل. عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال ~~له يوم القيامة يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أدخلوا الجنة ~~بغير حساب. # سورة الدخان مكية إلا قوله إنا كاشفوا العذاب وآياتها تسع وخمسون آية. # «بسم الله الرحمن الرحيم» «حم» «والكتاب المبين» الكلام فيه كالذي سلف في ~~السورة السابقة «إنا أنزلناه» أي الكتاب المبين الذي هو القرآن «في ليلة ~~مباركة» هي ليلة القدر وقيل ليلة البراءة ابتدىء فيها إنزاله أو أنزل فيها ~~جملة إلى السماء الدنيا من اللوح وأملاه جبريل عليه السلام على السفرة ثم ~~كان ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة كما مر ~~في سورة الفاتحة ووصفها بالبركة لما أن نزول القرآن مستتبع للمنافع الدينية ~~والدنيوية بأجمعها أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة ~~وقسم النعمة وفصل الأقضية وفضيلة العبادة وإعطاء تمام الشفاعة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقيل يزيد في هذه الليلة ماء زمزم زيادة ظاهرة «إنا كنا ~~منذرين» استئناف مبين لما يقضى الإنزال كأنه قيل إنا أنزلناه لأن من شأننا ~~الإنذار والتحذير من العقاب وقيل جواب للقسم وقوله تعالى إنا أنزلناه الخ ~~اعتراض وقيل ms2971 جواب ثان بغير عاطف «فيها يفرق كل أمر حكيم» استئناف كما قبله ~~فإن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة الموافقة لها يستدعى أن ~~ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها وقيل صفة أخرى لليلة وما بينهما ~~اعتراض وهذا يدل على أنها ليلة القدر ومعنى يفرق أنه يكتب ويفصل كل أمر ~~حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجمع أمورهم من هذه الليلة إلى الآخرى من ~~السنة القابلة وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح في ليلة البراءة ويقع ~~الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى ~~جبريل وكذا الزلازل والخسف والصواعق ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء ~~الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت عليهم السلام وقرئ يفرق ~~بالتشديد وقرئ يفرق على البناء للفاعل أي يفرق الله تعالى PageV08P058 # كل أمر حكيم وقرئ نفرق بنون العظمة «أمرا من عندنا» نصب على الاختصاص أي ~~أعنى بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على مقتضى حكمتنا وهو بيان لفخامة ~~الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية ويجوز كونه حالا من كل أمر لتخصيصه ~~بالوصف أو من ضميره في حكيم وقد جوز أن يراد به نقابل النهي ويجعل مصدرا ~~مؤكدا ليفرق لاتحاد الأمر والفرقان في المعنى أو لفعله المضمر لما أن الفرق ~~به أو حالا منا أحد ضميري أنزلناه اى آمرين أو مأمورا به «إنا كنا منذرين» ~~بدل من إنا كنا منذرين وقيل جواب ثالث وقيل مستأنف وقوله تعالى «رحمة من ~~ربك» غاية للإرسال متأخرة عنه على ان المراد بها الرحمن الواصلة إلى العابد ~~باعث متقدم عليه على أن المراد مبدؤها أي إنا أنزلنا القرآن لأن من عادتنا ~~إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل إفاضة رحمتنا عليهم أو لاقتضاء رحمتنا ~~السابقة إرسالهم ووضع الرب موضع الضمير الإيذان بأن ذلك من أحكام الربوبية ~~مقتضياتها وإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه أو تعليل ليفرق أو ~~لقوله تعالى أمرا على ان قوله تعالى رحمة مفعول للإرسال كما في قوله تعالى ~~وما يمسك فلا مرسل ms2972 له أي يفرق فيها كل أمر أو تصدر الأوامر من عندنا لأن من ~~عادتنا إرسال رحمتنا ولا ريب في أن كلا من قسمة الأرزاق وغيرها والأوامر ~~الصادرة منه تعالى من باب الرحمة فإن الغاية لتكليف العبادة تعريضهم ~~للمنافع وقرئ رحمة بالرفع اى تلك رحمة وقوله تعالى «إنه هو السميع العليم» ~~تحقيق لربوبيته تعالى وأنها لا تحق إلا لمن هذه نعوته «رب السماوات والأرض ~~وما بينهما» بدل من أو بيان أو نعت وقرئ بالرفع على انه خبر آخر أو استئناف ~~على إضمار مبتدأ «إن كنتم موقنين» أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم أو ~~إن كنتم موقنين في إقراركم بأنه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما إذا ~~سئلتم من خلقها فقلتم الله علمتم أن الأمر كما قلنا أو إن كنتم مريدين ~~اليقين فاعلموا ذلك «لا إله إلا هو» جملة مستأنفة مقررة لما قبلها وقيل خبر ~~لقوله رب السماوات الخ وما بينهما اعتراض «يحيي ويميت» مستأنفة كما قبلها ~~وكذا قوله تعالى «ربكم ورب آبائكم الأولين» بإضمار مبتدأ أو بدل من رب ~~السماوات على قراءة الرفع أو بيان أو نعت له وقيل فاعل ليميت وفي يحيى ضمير ~~راجع إلى رب السماوات وقرئ بالجر بدلا من رب السماوات على قراءة الجر «بل ~~هم في شك» مما ذكر من شؤونه تعالى غير موقنين في إقرارهم «يلعبون» لا ~~يقولون ما يقولون عن جد وإذعان بل مخلوطا بهزؤ ولعب PageV08P059 # والفاء في قوله تعالى «فارتقب» لترتيب الارتقاب أو الأمر به على ما قبلها ~~فإن كونهم في شك مما يوجب ذلك حتما أي فانتظر لهم «يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين» أي يوم شدة ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان إما ~~لضعف بصره أو لأن في عام القحط يظلم الهواء لقلة الأمطار وكثرة الغبار أو ~~لأن العرب تسمى الشر الغالب دخانا وذلك أن قريشا لما استعصت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دعا عليهم فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم ~~سنين كسنى يوسف فأخذتهم ms2973 سنة حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز وكان الرجل ~~يرى بين السماء والأرض الدخان وكان يحدث الرجل يسمع كلامه ولا يراه من ~~الدخان وذلك قوله تعالى «يغشى الناس» أي يحيط بهم «هذا عذاب أليم» أي ~~قائلين ذلك فمشى إليه عليه الصلاة والسلام أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله ~~تعالى والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا وذلك قوله تعالى ~~«ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون» وهذا قول ابن عباس وابن مسعود رضى الله ~~عنهم وبه أخذ مجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج وقيل هو دخان يأتي من ~~السماء قبل يوم القيامة فيدخل في اسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس ~~الحنيذ ويعترى المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أو قد فيه ~~ليس خصاص وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الآيات الدخان ونزول عيسى ~~ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر قال حذيفة يا ~~رسول الله وما الدخان فتلا الآية وقال يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث ~~أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة وأما الكافر فهو ~~كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره والأول هو الذي يستدعيه مساق النظم ~~الكريم قطعا فإن قوله تعالى «أنى لهم الذكرى» الخ رد لكلامهم واستدعائهم ~~الكشف وتكذيب لهم في الوعد بالإيمان المنبىء عن التذكر والاتعاظ بما ~~اعتراهم من الداهية أي كيف يتذكرون أو من أين يتذكرون بذلك ويفون بما وعدوه ~~من الإيمان عند كشف العذاب عنهم «وقد جاءهم رسول مبين» أي والحال أنهم ~~شاهدوا من دواعي التذكر وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم منه في إيجابها حيث ~~جاءهم رسول عظيم الشأن وبين لهم مناهج الحق بإظهار آيات ظاهره ومعجزات ~~قاهرة تخر لها صم الجبال «ثم تولوا عنه» عن ذلك الرسول وهو هو ريثما شاهدوا ~~منه ما شاهدوا من العظائم الموجبة للإقبال عليه ولم يقتنعوا بالتولى ~~PageV08P060 # «وقالوا» في حقه «معلم مجنون» أي قالوا تارة يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف ~~وأخرى مجنون أو يقول بعضهم كذا وآخرون ms2974 كذا فهل يتوقع من قوم هذه صفاتهم أن ~~يتأثروا بالعظة والتذكير وما مثلهم إلا كمثل الكلب إذا جاع ضغا وإذا شبع ~~طغا وقوله تعالى «إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون» جواب من جهته تعالى ~~عن قولهم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ ~~والتهديد وما بينهما اعتراض أي إنا نكشف العذاب المعهود عنكم كشفنا قليلا ~~أو زمانا قليلا إنكم تعودون إثر ذلك إلى ما كنتم عليه من العتو والإصرار ~~على الكفر وتنسون هذه الحالة وصيغة الفاعل في الفعلين للدلالة على تحققهما ~~لا محالة ولقد وقع كلاهما حيث كشف الله تعالى بدعاء النبي صبي الله عليه ~~وسلم فما لبثوا أن عادوا إلى ما كانوا عليه من العتق والعناد ومن فسر ~~الدخان بما هو من الأشراط قال إذا جاء الدخان تضور المعذبون به من الكفار ~~والمنافقين وغوثوا وقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون فيكشفه الله ~~تعالى عنهم بعد أربعين وريثما يكشفه عنهم يرتدون ولا يتمهلون «يوم نبطش ~~البطشة الكبرى» يوم القيامة وقيل يوم بدر وهو ظرف لما دل عليه قوله تعالى ~~«إنا منتقمون» لا لمنتقمون لأن إن مانعة من ذلك أي يومئذ ننتقم إنا منتقمون ~~وقيل هو بدل من يوم تأتي الخ وقريء نبطش أي نحمل الملائكة على أن يبطشوا ~~بهم البطشة الكبرى وهو التناول بعنف وصولة أو نجعل البطشة الكبرى باطشة بهم ~~وقريء نبطش بضم الطاء وهي لغة «ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون» أي امتحناهم ~~بإرسال موسى عليه السلام أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الرزق ~~عليهم وقريء بالتشديد للمبالغة أو لكثرة القوم «وجاءهم رسول كريم» على الله ~~تعالى أو على المؤمنين وفي نفسه لأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا من سراة ~~قومه وكرامهم «أن أدوا إلي عباد الله» أي بأن أدوا إلي بني إسرائيل ~~وأرسلوهم معي أو بأن أدوا إلي عباد الله حقه من الإيمان وقبول الدعوة وقيل ~~إن مفسرة لأن مجيء الرسول لا يكون إلا برسالة ودعوة وقيل مخففة من الثقيلة ~~أي جاءهم بأن ms2975 الشام أدوا إلى الخ وقوله تعالى «إني لكم رسول أمين» تعليل ~~للأمر أو لوجوب المأمور به أي رسول غير ظنين قد ائتمنني الله تعالى على ~~وحيه وصدقني بالمعجزات القاهرة «وأن لا تعلوا على الله» أي لا تتكبروا عليه ~~تعالى بالإستهانة بوحيه وبرسوله وأن كالتي سلفت وقوله تعالى «إني آتيكم» أي ~~من جهته تعالى PageV08P061 # «بسلطان مبين» تعليل للنهي أي آتيكم بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها ~~وآتيكم على صيغة الفاعل أو المضارع وفي إيراد الأداء مع الأمين والسلطان مع ~~العلا من الجزالة مالا يخفي «وإني عذت بربي وربكم» أي التجأت إليه وتوكلت ~~عليه «أن ترجمون» من أن ترجموني أي تؤذوني ضربا أو شتما أو أن تقتلوني قيل ~~لما قال وان لا تعلوا على الله توعدوه بالقتل وقرئ بإدغام الذال في التاء ~~«وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون» أي وإن كابرتم مقتضى العقل ولم تؤمنوا لي ~~فخلوني كفافا لا على ولا لي ولا تتعرضوا بشر ولا أذى فليس ذلك جزاء يدعوكم ~~إلى ما فيه فلا حكم وحمله على معنى فاقطعوا أسباب الوصلة عني فلا موالاة ~~بيني وبين من لا يؤمن يأباه المقام «فدعا ربه» بعد ما تموا على تكذيبه عليه ~~السلام «إن هؤلاء» أي بأن هؤلاء «قوم مجرمين» وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ~~ما استوجبوه ولذلك سمى دعاء وقرئ بالكسر على إضمار القول قيل كان دعاؤه ~~اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم وقيل هو قوله ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين «فأسر بعبادي ليلا» بإضمار القول إما بعد الفاء اى فقال ربه ~~أسر بعبادي وإما قبلها كأنه قيل إن كان الأمر كما تقول فأسر بعبادي اي ببني ~~إسرائيل فقد دب الله تعالى أن تتقدموا وقرئ بوصل الهمزة من سرى «إنكم ~~متبعون» أي يتبعكم فرعون وجنوده بعد ما علموا بخروجكم «واترك البحر رهوا» ~~مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكنا على هيئته بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ~~لينطبق ولا تغيره عن حاله ليدخله القبط «إنهم جند مغرقون» وقرئ أنهم بالفتح ~~أي لأنهم «كم تركوا» ms2976 أي كثيرا تركوا بمصر «من جنات وعيون» «وزروع ومقام ~~كريم» محافل مزينة ومنازل محسنة «ونعمة» أي تنعم «كانوا فيها فاكهين» ~~متنعمين وقرئ فكهين «كذلك» الكاف في حيز النصب وذلك إشارة إلى مصدر يدل ~~عليه تركوا أي مثل ذلك السلب سلبناهم PageV08P062 # إياها «وأورثناها قوما آخرين» وقيل مثل ذلك الأخراج أخرجناهم منها وقيل ~~في حيز الرفع على الخبرية أي الأمر كذلك فحينئذ يكون أورثناها معطوفا على ~~تركوا وعلى الأولين على الفعل المقدر «فما بكت عليهم السماء والأرض» مجاز ~~عن عدم الاكتراث بهلاكهم ولاعتداد بوجودهم فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية ~~لحال من يعظم فقده فيقال له بكت السماء والأرض ومنه ما ورى أن المؤمن ليبكي ~~عليه مصلاه ومحل عبادته ومصاعد عمله ومهابط رزقه وآثاره في الأرض وقيل ~~تقديره أهل السماء والأرض «وما كانوا» لما جاء وقت هلاكهم «منظرين» ممهلين ~~إلى وقت آخر أو إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا «ولقد نجينا بني إسرائيل» ~~بأن فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا «من العذاب المهين» من استعباد فرعون ~~إياهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم على الخسف والضيم «من فرعون» بدل من ~~العذاب إما على جعله نفس العذاب لإفراطه فيه وإما على حذف المضاف أي عذاب ~~فرعون أو حال من المهين أي كائنا من فرعون وقرئ من فرعون على معنى هل ~~تعرفونه من هو في عتوه وتفرعنه وفي إبهام أمره أولا وتبينه بقوله تعالى ~~«إنه كان عاليا من المسرفين» ثانيا من الإفصاح عن كنه أمره في الشر والفساد ~~مالا مزيد عليه وقوله تعالى من المسرفين إما خبر ثان لكان أي كان متكبرا ~~مسرفا أو حال من الضمير في عاليا أي كان رفيع الطبقة من بين المسرفين فائقا ~~لهم بليغا في الإسراف «ولقد اخترناهم» أي بني إسرائيل «على علم» أي عالمين ~~عالمين بأنهم أحقاء بالاختيار أو عالمن بأنهم يزيغون في الأوقات ويكثر منهم ~~الفرطات «على العالمين» جميعا لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم ~~«وآتيناهم من الآيات» كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها ~~من عظائم الآيات ms2977 التي لم يعهد مثلها في غيرهم «ما فيه بلاء مبين» نعمة جلية ~~أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون «إن هؤلاء» يعنى كفار قريش لأن الكلام ~~فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على تماثلهم في الإصرار على الضلالة ~~والتحذير عن حلول مثل ما حل بهم «ليقولون» «إن هي إلا موتتنا الأولى» أي ما ~~العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأوى المزيلة للحياة الدنيوية ولا قصد ~~إلى إثبات موتة أخرى كما في قولك حج زيد PageV08P063 # الحجة الأولى ومات وقيل لما قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة كما ~~تقدمتم موتة كذلك قالوا ما هي إلا موتتنا الأولى أي ما الموتة التي تعقبها ~~حياة إلا الموتة الأولى وقيل المعنى ليست الموتة إلا هذه الموتة دون الموتة ~~التي تعقب حياة القبر كما تزعمون «وما نحن بمنشرين» بمبعوثين «فأتوا ~~بآبائنا» حطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ~~«إن كنتم صادقين» فيما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى ليظهر أنه حق ~~وقيل كانوا يطلبون إليهم أن يدعوا الله تعالى فينشر لهم قصى ابن كلاب ~~ليشاوروه وكان كبيرهم ومفزعهم في المهمات والملمات «أهم خير» رد لقولهم ~~وتهديد لهم اى أهم خير في القوة والمنعة اللتين يدفع بهما أسباب الهلاك «أم ~~قوم تبع» هو تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند وقيل ~~هدمها وكان مؤمنا وقومه كافرين ولذلك ذمهم الله تعالى دونه وكان يكتب في ~~عنوان كتابه بسم الله الذي ملك بحرا وبحرا أي بحارا كثيرة وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا نسبوا تبعا فإنه كان قد اسلم وعنه عليه الصلاة والسلام ~~ما ادرى أكان تبع نبيا أو غير نبي وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان ~~نبيا وقيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون كما يقال لهم الأقيال لأنهم ~~يتقيلون «والذين من قبلهم» عطف على قوم تبع والمراد بهم عادو وثمود ~~وأضرابهم من كل جبار عنيد أولى بأس شديد والاستفهام لتقرير أن أولئك أقوى ~~من هؤلاء وقوله تعالى «أهلكناهم» استئناف لبيان عاقبة ms2978 أمرهم وقوله تعالى ~~«إنهم كانوا مجرمين» تعليل لإهلاكهم ليعلم أن أولئك حيث أهلكوا بسبب ~~إجرامهم مع ما كانوا في غاية القوة والشدة فلأن يهلك هؤلاء وهم شركاء لهم ~~في الإجرام أضعف منهم في الشدة والقوة وأولى «وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما» أي ما بين الجنسين وقرئ وما بينهن «لاعبين» لاهين من غير أن ~~يكون في خلقهما غرض صحيح وغاية حميدة «ما خلقناهما» وما بينهما «إلا بالحق» ~~استثناء مفرغ من أعم الأموال أو أعم الأسباب أي ما خلقناهما ملتبسا بشئ من ~~الأشياء إلا ملتبسا بالحق أو ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق ~~الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن الأمر ~~كذلك فينكرون البعث والجزاء «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن الأمر كذلك فينكرون ~~البعث والجزاء «إن يوم الفصل» أي فصل الحق عن الباطل وتمييز المحق من ~~المبطل أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه «ميقاتهم» وقت موعدهم أجمعين وقرئ ~~بالنصب على انه اسم إن ويوم الفصل خبرها أي إن ميعاد حسابهم وجزاءهم في يوم ~~الفصل PageV08P064 # «يوم لا يغني» بدل من يوم الفصل أو صفة لميقاتهم أو ظرف لما دل عليه ~~الفصل لا لنفسه «مولى» من قرابة أو غيرها «عن مولى» أي مولى كان «شيئا» أي ~~شيئا من الإغناء «ولا هم ينصرون» الضمير لمولى الأول باعتبار المعنى لأنه ~~عام «إلا من رحم الله» بالعفو عنه وقبول الشفاعة في حقه ومحله الرفع على ~~البدل من الواو أو النصب على لاستثناء «إنه هو العزيز» الذي لا ينصر من ~~أراد تعذيبه «الرحيم» لمن أراد أن يرحمه «إن شجرة الزقوم» وقرئ بكسر الشين ~~وقد مر معنى الزقوم في سورة الصافات «طعام الأثيم» أي الكثير الآثام ~~والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه «كالمهل» وهو ما يمهل في ~~النار حتى يذوب وقيل هو دردى الزيت «يغلي في البطون» وقرئ بالتاء على إسناد ~~الفعل إلى الشجرة «كغلي الحميم» غليانا كغليه «خذوه» على إرادة القول ~~والخطاب للزبانية «فاعتلوه» أي جروه والعتل الأخذ ms2979 بمجامع الشئ وجره بقهر ~~وعنف وقرئ بضم التاء وهي لغة فيه «إلى سواء الجحيم» أي وسطه «ثم صبوا فوق ~~رأسه من عذاب الحميم» كان الأصل يصب من فوق رؤسهم الحميم فقيل يصب من فوق ~~رؤسهم عذاب هو الحميم للمبالغة ثم أضيف العذاب إلى الحميم للتخفيف وزيد من ~~للدلالة على ان المصبوب بعض هذا النوع «ذق إنك أنت العزيز الكريم» أي ~~وقولوا ذلك استهزاء به وتقريع له على ما كان يزعمه روى أن ابا جهل قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين جبليها أعز ولا أكرم منى فوالله ما ~~تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا وقرئ بالفتح اي لأنك أو عذاب أنك «إن ~~هذا» أي العذاب «ما كنتم به تمترون» تشكون وتمارون فيه والجمع باعتبار ~~المعنى لأن PageV08P065 # المراد جنس الأثيم «إن المتقين» أي عن الكفر والمعاصي «في مقام» في موضع ~~قيام والمراد المكان على الإطلاق فإنه من الخاص الذي شاع استعماله في معنى ~~العموم وقرئ بضم الميم وهو موضع إقامة «آمين» بأمن صاحبه الآفات والانتقال ~~عنه وهو من الأمن الذي هو ضد الخيانة وصف به المكان بطريق الاستعارة كان ~~المكان المخيف يخون صاحبه لما يلقى فيه من المكاره «في جنات وعيون» بدل من ~~مقام جئ به دلالة على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب «يلبسون ~~من سندس وإستبرق» إما خبر ثان أو حال من الضمير في الجار أو استئناف ~~والسندس مارق من الحرير والإستبرق ما غلظ منه معرب «متقابلين» في المجالس ~~ليستأنس بعضهم ببعض «كذلك» أي الأمر كذلك أو كذلك أثبناهم «وزوجناهم بحور ~~عين» على الوصف وقرئ بالإضافة أي قرناهم بهن والحور جمع الحوراء وهي ~~البيضاء والعين جمع العيناء وهي العظيمة العينين واختلاف في أنهن نساء ~~الدنيا أو غيرها «يدعون فيها بكل فاكهة» أي يطلبون ويأمرون بإحضار ما ~~يشتهونه من الفواكه لا يتخصص شئ منها بمكان ولا زمان «آمنين» من كل ما ~~يسوؤهم «لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى» بل يستمرون على الحياة ~~أبدا والاستثناء منقطع ms2980 أو متصل على أن المراد بيان استحالة ذوق الموت فيها ~~على الإطلاق كأنه قيل لا يذوقون فيها الموت إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأوى ~~حينئذ «ووقاهم عذاب الجحيم» وقرئ مشددا للمبالغة في الوقاية «فضلا من ربك» ~~أي أعطوا ذلك كله عطاء وتفضيلا منه تعالى وقرئ بالرفع اي ذلك فضل «ذلك هو ~~الفوز العظيم» الذي لا فوز وراءه إذ هو خلاص عن جميع المكاره ونيل لكل ~~المطالب وقوله تعالى «فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون» فذلكة للسورة ~~الكريمة أي إنما أنزلنا الكتاب المبين بلغتك كي يفهمه قومك ويتذكروا ~~ويعلموا بموجب وإذا لم يفعلوا ذلك «فارتقب» PageV08P066 # فانتظر ما يحل بهم «إنهم مرتقبون» ما يحب بك روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أصبح مغفورا له سورة الجاثية مكية وهي ~~سبع وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم «حم» الكلام فيه كما مر في فاتحة ~~سورة المؤمن فإن جعل اسما للسورة فمحله الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي ~~هذا مسمى بحم والإشارة إلى السورة قبل جريان ذكرها قد وقفت على سره مرارا ~~وإن جعل مسرودا على نمط التعديد فلا حظ له من الإعراب وقوله تعالى «تنزيل ~~الكتاب» على الأول خبر بعد خبر على أنه مصدر أطلق على المفعول مبالغة وعلى ~~الثاني خبر لمبتدأ مضمر يلوح به ما قبله أي المؤلف من جنس ما ذكر تنزيل ~~الكتاب وقيل هو خبر لحم أي المسمى به تنزيل الخ وقد مر مرارا أن الذي يجعل ~~عنوانا للموضوع حقه أن يكون قبل ذلك معلوم الانتساب إليه وإذا لا عهد ~~بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها وأما جعله خبرا له بتقدير يعتد بها تمحل ~~وقوله تعالى «من الله العزيز الحكيم» كما مر في صدر سورة الزمر على التفصيل ~~وقيل حم مقسم به وتنزيل الكتاب صفته وجواب القسم قوله تعالى «إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين» وهو على الوجوه المتقدمة كلام مستأنف مسوق ~~للتنبيه على الآيات التكوينية الآفاقية والأنفسية ومحل الآيات إما نفس ~~السماوات والأرض فإنهما ms2981 منطويتان من فنون الآيات على ما يقصر عنه البيان ~~وإما خلقهما كما في قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض وهو الأوفق بقوله ~~تعالى «وفي خلقكم» أي من نطفة ثم من علقة متقلبة في أطوار مختلفة إلى تمام ~~الخلق «وما يبث من دابة» عطف على المضاف دون المضاف إليه اي وفيما ينشره ~~ويفرقه من دابة «آيات» بالرفع على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم والجمل ~~معطوفة على ما قبلها كم الجملة المصدرة بأن وقيل آيات عطف على ما قبلها من ~~آيات باعتبار المحل عند من يجوزه وقرئ PageV08P067 # آية التوحيد وقرئ آيات بالنصب عطفا على ما قبلها من اسم إن والخبر كأنه ~~قيل وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات «لقوم يوقنون» أي من شأنهم أن ~~يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه «واختلاف الليل والنهار» بالجر على إضمار ~~الجار المذكور في الآيتين قبله وقد قرئ بذكره والمراد باختلافهما إما ~~تعاقبهما طولا وقصرا «وما أنزل الله من السماء» عطف على اختلاف «من رزق» أي ~~من مطر وهو سبب للرزق عبر عنه بذلك تنبيها على كونه آية من جهتي القدرة ~~والرحمة «فأحيا به الأرض» بأن أخرج منها أصناف الزروع والثمرات والنبات ~~«بعد موتها» وعرائها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها وخلو أشجارها ~~عن الثمار «وتصريف الرياح» من جهة أخرى ومن حال إلى حال وقرئ بتوحيد الريح ~~وتأخيره عن إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجود إما للإيذان بأنه آية ~~مستقلة حيث لو روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح ~~وإنزال المطر آية واحدة وإما لأن كون التصريف آية ليس لمجرد كونه مبدأ ~~لإنشاء المطر بل له ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار ~~«آيات لقوم يعقلون» بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدم من الجار والمجرور ~~والجملة معطوفة على ما قبلها وقرئ بالنصب على الاختصاص وقيل على أنها اسم ~~إن والمجرور المتقدم خبرها بطريق العطف على معمولي عاملين مختلفين هما إن ~~وفي أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في ms2982 اختلاف والنصب في آيات وتنكير آيات ~~في المواقع الثلاثة للتفخيم كما وكيفا واختلاف الفواصل لاختلاف مراتب ~~الآيات في الدقة والجلاء «تلك آيات الله» مبتدأ وخبر وقوله تعالى «نتلوها ~~عليك» حال عاملها معنى الإشارة وقيل هو الخبر وآيات الله بدل أو عطف بيان ~~«بالحق» حال من فاعل نتلو ومن مفعوله أي نتلوها محقين أو ملتبسة بالحق ~~«فبأي حديث» من الأحاديث «بعد الله وآياته» أي بعد آيات الله وتقديم الاسم ~~الجليل لتعظيمها كان في قولهم أعجبني زيد وكرمه أو بعد حديث الله الذي هو ~~القرآن حسبما نطق به قوله تعالى نزل أحسن الحديث وهو المراد بآياته ومناط ~~العطف التغاير العنواني «يؤمنون» بصيغة الغيبة وقرئ بالتاء «ويل لكل أفاك» ~~كذاب «أثيم» كثر الآثام «يسمع آيات الله» صفة أخرى لأفاك وقيل استئناف وقيل ~~حال من الضمير في أثيم «تتلى عليه» حال من آيات الله ولا مساغ لجعله مفعولا ~~ثانيا ليسمع لأن شرطه أن يكون ما بعده مما لا يسمع PageV08P068 # كقوله سمعت زيدا يقرأ «ثم يصر» أي يقيم على كفره وأصله من إصرار الحمار ~~على العانة «مستكبرا» عن الإيمان بما سمعه من آيات الله تعالى والإذعان لما ~~تنطق مزدريا لها معجبا بما عنده من الأباطيل وقيل نزلت في النضر بن الحرث ~~وكان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن لكنها وردت ~~بعبارة عامة ناعية عليه وعلى كل من يسير سيرته ما هم فيه من الشر والفساد ~~وكلمة ثم لاستبعاد الإصرار والاستكبار بعد سماع الآيات التي حقها أن تذعن ~~لها القلوب وتخضع لها الرقاب كما في قوله من قال يرى غمرات الموت ثم يزورها ~~«كأن لم يسمعها» أي كائن لم يسمعها فخفف وحذف ضمير الشأن والجملة حال من ~~يصر أي يصر شبيها بغير السامع «فبشره بعذاب أليم» على إصراره واستكباره ~~«وإذا علم من آياتنا شيئا» أي إذا بلغه من آياتنا شيء وعلم أنه من آياتنا ~~لا أنه علمه هو عليه فإنه بمعزل من ذلك العلم وقيل إذا علم منها شيئا يمكن ~~أن يتشبث ms2983 به المعاند ويجد له محملا فاسدا يتوصل به إلى الطعن والغميزة ~~«اتخذها» أي الآيات كلها «هزوا» أي مهزوئا بها لاما سمعه فقط وقيل الضمير ~~للشيء والتأنيث لأنه في معنى الآيات «أولئك» إشارة إلى كل أفاك من حيث ~~الاتصاف بما ذكر من القبائح والجمع باعتبار الشمول للكل كما في قوله تعالى ~~كل حزب بما لديهم فرحون كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل ~~واحد واحد «لهم» بسبب جناياتهم المذكورة «عذاب مهين» وصف من قدامهم لأنهم ~~متوجهون إلى ما أعد لهم أو من خلفهم لأنهم معرضون عن ذلك مقبلون على الدنيا ~~فإن الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف وقدام «ولا يغني عنهم» ولا ~~يدفع «ما كسبوا» من الأموال والأولاد «شيئا» من عذاب الله تعالى أو شيئا من ~~الإغناء «ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء» أي الأصنام وتوسيط حرف النفي ~~بين المعطوفين مع أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال ~~والأولاد قطعا مبني على زعمهم الفاسد حيث كانوا يطعمون في شفاعتهم وفيه ~~تهكم «ولهم» فيما وراءهم من جهنم «عذاب عظيم» لا يقادر قدره «هذا» أي ~~القرآن «هدى» في غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها «والذين كفروا» أي ~~بالقرآن وإنما وضع موضع ضميره قوله تعالى «بآيات ربهم» لزيادة تشنيع كفرهم ~~به وتفظيع حالهم «لهم عذاب من رجز» أي من أشد العذاب «أليم» بالرفع صفة ~~عذاب وقرئ بالجر على أنه صفة رجز وتنوين عذاب في المواقع الثلاثة للتفخيم ~~ورفعه إما على الابتداء وإما على الفاعلية PageV08P069 # «الله الذي سخر لكم البحر» بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلل ~~كالأخشاب ولا يمنع الغوص والخرق لميعانه «لتجري الفلك فيه بأمره» وأنتم ~~راكبوها «ولتبتغوا من فضله» بالتجارة والغوص والصيد وغيرها «ولعلكم تشكرون» ~~ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك «وسخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض» من الموجودات بأن جعلها مدارا لمنافعكم «جميعا» إما حال من ما في ~~السماوات والأرض أو توكيد له «منه» متعلق بمحذوف هو صفة لجميعا أو ms2984 حال من ~~ما أي جميعا كائنا منه تعالى أو سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه مخلوقة له ~~تعالى أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه تعالى وقرئ منة على المفعول له ومنه ~~على أنه فاعل سخر على الإسناد المجازي أو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه «إن ~~في ذلك» أي فيما ذكر من الأمور العظائم «لآيات» عظيمة الشأن كثيرة العدد ~~«لقوم يتفكرون» في بدائع صنع الله تعالى فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه ~~تعالى ودقائقها ويوفقون لشكرها «قل للذين آمنوا» حذف المقول لدلالة ~~«يغفروا» عليه فإنه جواب للأمر باعتبار تعلقه به لا باعتبار نفسه فقط أي قل ~~لهم اغفروا يغفروا «للذين لا يرجون أيام الله» أي يعفوا ويصفحوا عن الذين ~~لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعها وقيل لا ~~يأملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها ~~قيل نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها وقيل نزلت في عمر رضي الله عنه حين ~~شتمه غفاري فهم أن يبطش به وقيل حين قال ابن أبي ما قال وذلك أنهم نزلوا في ~~غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع فأرسل ابن أبي غلامه يستقي ~~فأبطأ عليه فلما أتاه قال له ما حسبك قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ~~ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر فقال ~~ابن أبي ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك فبلغ ذلك عمر رضي ~~الله عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأنزلها الله تعالى «ليجزي قوما بما ~~كانوا يكسبون» تعليل للأمر بالمغفرة والمراد بالقوم المؤمنون والتنكير ~~لمدحهم والثناء عليهم أي أمروا بذلك ليجزي يوم القيامة قوما أيما قوم قوما ~~مخصوصين بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على ~~أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ما يقصر عنه البيان ~~من الثواب العظيم هذا وقد جوز أن يراد بالقوم الكفرة وبما كانوا يكسبون ~~سيئاتهم ms2985 التي من جملتها ما حكي من الكلمة الخبيثة والتنكير للتحقير وفيه أن ~~مطلق الجزاء لا يصلح تعليلا للأمر بالمغفرة لتحققه على تقديري المغفرة ~~وعدمها فلا بد من تخصيصه بالكل بأن لا يتحقق بعض منه في الدنيا أو بما يصدر ~~عنه تعالى بالذات وفي ذلك من التكلف مالا PageV08P070 # الجاثية يخفى وأن يراد كلا الفريقين وهو من أكثر تكلفا وأشد تمحلا وقرئ ~~ليجزي قوم وليجزي قوما أي ليجزي الجزاء قوما وقرئ لنجزي بنون العظمة «من ~~عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها» لا يكاد يسري عمل إلى غير عامله «ثم إلى ~~ربكم» مالك أموركم «ترجعون» فيجازيكم على أعمالكم خيرا كان أو شرا «ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب» أي التوراة «والحكم» أي الحكمة النظرية والعلمية ~~والفقه في الدين أو فصل الخصومات بين الناس إذ كان الملك فيهم «والنبوة» ~~حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم «ورزقناهم من الطيبات» مما أخل ~~الله تعالى من اللذائذ كالمن والسلوى «وفضلناهم على العالمين» حيث آتيناهم ~~ما لم يؤت من عداهم من فلق البحر وإضلال الغمام ونظائرها وقيل على عالمي ~~زمانهم «وآتيناهم بينات من الأمر» دلائل ظاهرة في أمر الدين ومعجزات قاهرة ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما هو العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~بين لهم من أمره وأنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ويكون أنصاره أهل يثرب «فما ~~اختلفوا» في ذلك الأمر «إلا من بعد ما جاءهم العلم» بحقيقته وحقيته فجعلوا ~~ما يوجب زوال الخلاف موجبا لرسوخه «بغيا بينهم» أي عداوة وحسدا لا شكا فيه ~~«إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة» بالمؤاخذة والجزاء «فيما كانوا فيه ~~يختلفون» من أمر الدين «ثم جعلناك على شريعة» أي سنة وطريقة عظيمة الشأن ~~«من الأمر» أي أمر الدين «فاتبعها» بإجراء أحكامها في نفسك وفي غيرك من غير ~~إخلال بشيء منها «ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون» أي آراء الجهلة ~~واعتقاداتهم الزائغة التابعة للشهوات وهم رؤساء قريش كانوا يقولون له عليه ~~الصلاة والسلام ارجع إلى دين آبائك «إنهم ms2986 لن يغنوا عنك من الله شيئا» مما ~~أراد بك إن اتبعتهم «وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض» لا يواليهم ولا يتبع ~~أهواءهم إلا من كان ظالما مثلها «والله ولي المتقين» الذين أنت قدوتهم قدم ~~على ما أنت عليه من توليه خاصة الأعراض عما سواه بالكلية «هذا» أي القرآن ~~أو اتباع الشريعة «بصائر للناس» PageV08P071 # فإن ما فيه من معالم الدين وشعائر الشرائع بمنزلة البصائر في القلوب ~~«وهدى» من ورطة الضلالة «ورحمة» عظيمة «لقوم يوقنون» من شأنهم الإيقان ~~بالأمور «أم حسب الذين اجترحوا السيئات» استئناف مسوق لبيان تباين حالي ~~المسيئين والمحسنين إثر بيان تباين حالي الظالمين والمتقين وأم منقطعة وما ~~فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني والهمزة لإنكار ~~الحسبان لكن لا بطريق إنكار الوقوع ونفيه كما في قوله تعالى أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار بل ~~بطريق إنكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه والاجتراح الاكتساب «أن ~~نجعلهم» أي نصيرهم في الحكم والاعتبار وهم على ما هم عليه من مساوئ الأحوال ~~«كالذين آمنوا وعملوا الصالحات» وهم فيما هم فيه من محاسن الأعمال ونعاملهم ~~معاملتهم في الكرامة ورفع الدرجة «سواء محياهم ومماتهم» أي محيا الفريقين ~~جميعا ومماتهم حال من الضمير في الظرف والموصول معا لاشتماله على ضميريهما ~~على أن السواء بمعنى المستوى محياهم ومماتهم كلا لا يستوون في شيء منهما ~~فإن هؤلاء في عز الإيمان والطاعة وشرفهما في المحيا وفي رحمة الله تعالى ~~ورضوانه في الممات وأولئك في ذلك الكفر والمعاصي وهو أنهما في المحيا وفي ~~لعنة الله والعذاب الخالد في الممات شتان بينهما وقد قيل المراد إنكار أن ~~يستووا في الممات كما استووا في الحياة لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم ~~في الرزق والصحة وإنما يفترقون في الممات وقرئ محياهم ومماتهم بالنصب على ~~أنهما ظرفان كمقدم الحاج وسواء حاله على حاله أي حال كونهم مستوين في ~~محياهم ومماتهم وقد ذكر في الآية الكريمة وجوه من الإعراب والذي يليق ~~بجزالة التنزيل هو الأول فتدبر وقرئ سواء ms2987 بالرفع على أنه خبر ومحياهم مبتدأ ~~فقيل الجملة بدل من الكاف وقيل حال وأيا ما كان فنسبة حسبان التساوي إليهم ~~في ضمن الإنكار التوبيخي مع أنهم بمعزل منه جازمون بفضلهم عليه إنكار ~~لحسبان الجزم بالفضل وتوبيخ عليه على أبلغ وجه وآكده «ساء ما يحكمون» أي ~~ساء حكمهم هذا أو بئس شيئا حكموا به ذلك «وخلق الله السماوات والأرض بالحق» ~~استئناف مقرر لما سبق من الحكم فإن خلق الله تعالى لهما ولما فيهما بالحق ~~المقتضي للعدل يستدعي لا محالة تفضيل المحسن على المسئ في المحيا والممات ~~وانتصار المظلوم من الظالم وإذا لم يطرد ذلك في المحيا فهو بعد الممات حتما ~~«ولتجزى كل نفس بما كسبت» عطف على بالحق لأن فيه معنى التعليل إذ معناه ~~خلقها مقرونة بالحكمة والصواب دون البعث والباطل فحاصلة خلقها لأجل ذلك ~~ولتجزى الخ أو على علة PageV08P072 # محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل ولتجزى «وهم» أي النفوس المدلول ~~عليها بكل نفس «لا يظلمون» بنقص ثواب أو بزيادة عقاب وتسمية ذلك ظلما مع ~~أنه ليس كذلك على ما عرف قاعدة أهل السنة لبيان غاية تنزه ساحة لطفه تعالى ~~عما ذكر بتنزيله منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه تعالى «أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه» تعجب من حال من ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه عبده ~~أي أنظرت فرأيته فإن ذلك مما يقضي منه العجب وقرئ آلهة هواه لأن أحدهم كان ~~يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه فكأنه اتخذ آلهة شتى ~~«وأضله الله» وخذله «على علم» أي عالما بضلاله وتبديله لفطرة الله تعالى ~~التي فطر الناس عليها «وختم على سمعه وقلبه» بحيث لا يتأثر بالمواعظ ولا ~~يتفكر في الآيات والنذر «وجعل على بصره غشاوة» مانعة عن الاستبصار ~~والاعتبار وقرئ بفتح الغين وضمها وقرئ غشوة «فمن يهديه من بعد الله» أي من ~~بعد إضلاله تعالى إياه بموجب تعاميه عن الهدى وتماديه في الغي «أفلا ~~تذكرون» أي ألا تلاحظون فلا تذكرون وقرئ تتذكرون على الأصل «وقالوا» بيان ms2988 ~~لأحكام ضلالهم المحكي أي قالوا من غاية غيهم وضلالهم «ما هي» أي ما الحياة ~~«إلا حياتنا الدنيا» التي نحن فيها «نموت ونحيا» أي يصيبنا الموت والحياة ~~فيها وليس وراء ذلك حياة وقيل نكون نطفا وما قبلها وما بعدها ونحيا بعد ذلك ~~أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا وقد جوز أن ~~يريدوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان وقرئ نحيا «وما يهلكنا إلا ~~الدهر» إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره أي غلبه وقرئ ~~إلا دهر يمر وكانوا يزعمون أن المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام ~~والليالي وينكرون ملك الموت وقبضه للأرواح بأمر الله تعالى ويضيفون الحوادث ~~إلى الدهر والزمان ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله ~~هو الدهر أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر «وما لهم بذلك» أي بما ~~ذكر من اقتصار الحياة على ما في الدنيا واستناد الحياة والموت إلى الدهر ~~«من علم» ما مستند إلى عقل أو نقل «إن هم إلا يظنون» ما هم إلا قوم قصارى ~~أمرهم الظن والتقليد من غير أن يكون لهم شيء يصح أن يتمسك به في الجملة هذا ~~معتقدهم الفاسد في أنفسهم «وإذا تتلى عليهم آياتنا» الناطقة بالحق الذي من ~~جملته البعث «بينات» واضحات الدلالة على ما نطقت به أو مبينات له «ما كان ~~حجتهم» بالنصب PageV08P073 # على أنه خبر كان أي ما كان متمسكا لهم شيء من الأشياء «إلا أن قالوا ~~ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين» في أنا نبعث بعد الموت أي هذا القول الباطل ~~الذي يستحيل أن يكون من قبيل الحجة وتسمية حجة إما لسوقهم إياه مساق الحجة ~~على سبيل التهكم بهم أو لأنه من قبيل تحية بينهم ضرب وجيع وقرئ برفع حجتهم ~~على أنها اسم كان فالمعنى ما كان حجتهم شيئا من الأشياء إلا هذا القول ~~الباطل «قل الله يحييكم» ابتداء «ثم يميتكم» عند انقضاء آجالكم لا كما ~~تزعمون من أنكم تحيون وتموتون بحكم ms2989 الدهر «ثم يجمعكم» بعد الموت «إلى يوم ~~القيامة» للجزاء «لا ريب فيه» أي في جمعكم فإن من قدر على البدء قدر على ~~الإعادة والحكمة اقتضت الجمع للجزاء لا محالة والوعد المصدق بالآيات الدال ~~على وقوعها حتما والإتيان بآبائهم حيث كان مزاحما للحكمة التشريعية امتنع ~~إيقاعه «ولكن أكثر الناس لا يعلمون» استدراك من قوله تعالى لا ريب فيه وهو ~~إما من تمام الكلام المأمور به أو كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقا للحق ~~وتنبيها على أن ارتيابهم لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر لا لأن فيه شائبة ~~ريب ما «ولله ملك السماوات والأرض» بيان لاختصاص الملك المطلق والتصرف ~~الكلي فيهما وفيما بينهما بالله عز وجل إثر بيان تصرفه تعالى في الناس ~~بالإحياء والإماتة والبعث والجمع للمجازاة «ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون» العامل في يوم يخسر ويومئذ بدل منه «وترى كل أمة» من الأمم ~~المجموعة «جاثية» باركة على الركب مستوفزة وقرئ جاذية أي جالسة على أطراف ~~الأصابع والجذو أشد استيفازا من الجثو وعن ابن عباس رضي الله عنهما جاثية ~~مجتمعة وقيل جماعات من الجثو وهي الجماعة «كل أمة تدعى إلى كتابها» إلى ~~صحيفة أعمالها وقرئ كل بالنصب على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو حال أو ~~مفعول ثان «اليوم تجزون ما كنتم تعملون» أي يقال لهم ذلك وقوله تعالى «هذا ~~كتابنا» الخ من تمام ما يقال حينئذ وحيث كان كتاب كل أمة مكتوبا بأمر الله ~~تعالى أضيف إلى نون العظمة تفخيما لشأنه وتهويلا لأمره فهذا متبدأ وكتابنا ~~خيره وقوله تعالى ينطق عليكم أي يشهد عليكم بالحق من غير زيادة ولا نقص خبر ~~آخر أو حال وبالحق حال من فاعل ينطق وقوله تعالى إنا كنا كنا نستنسخ الخ ~~تعليل لنطقه عليهم بأعمالهم من غير إخلال بشيء منها أي إنا كنا فيما قبل ~~نستكتب الملائكة ما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال حسنة كانت أو سيئة ~~PageV08P074 # وقوله تعالى «فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته» ~~أي في جنته تفصيل لما يفعل ms2990 بالأمم بعد بيان ما خوطبوا به من الكلام المنطوي ~~على الوعد والوعيد ذلك أي الذي ذكر من الإدخال في رحمته تعالى هو الفوز ~~المبين الظاهر كونه فوزا لا فوز وراءه وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي ~~تتلى عليكم أي يقال لهم بطريق التوبيخ والتقريع ألم يكن تأتيكم رسلي فلم ~~تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه ثقة بدلالة القرينة عليه فاستكبرتم ~~عن الإيمان بها وكنتم قوما مجرمين أي قوما عادتهم الإجرام وإذا قيل إن وعد ~~الله أي ما وعده من الأمور الآتية أو وعده بذلك حق أي واقع لا محالة أو ~~مطابق الواقع والساعة التي هي أشهر ما وعده لا ريب فيها أي في وقوعها وقرئ ~~والساعة بالنصب عطفا على اسم إن وقراءة الرفع للعطف على محل إن واسمها قلتم ~~لغاية عتوكم ما ندري ما الساعة أي أي شيء هي استغرابا لها (إن نظن إلا ظنا) ~~أي ما نفعل إلا ظنا وقد مر تحقيقه في قوله تعالى إن أتبع إلا ما يوحى إلى ~~وقيل ما نعتقد إلا ظنا أي لا علما وقيل ما نحن إلا نظن ظنا وقيل ما نظن إلا ~~ظنا ضعيفا ويرده قوله تعالى وما نحن بمستيقنين أي لا مكانه فإن مقابل ~~الإستيقان مطلق الظن لا الضعيف منه ولعل هؤلاء غير القائلين ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا وبدا لهم أي ظهر لهم حينئذ سيئات ما عملوا على ما هي عليه من ~~الصورة المنكرة الهائلة وعاينوا وخامة عاقبتها أو جزاءها فإن جزاء السيئة ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من الجزاء والعقاب وقيل اليوم ننساكم نترككم ~~في العذاب ترك المنسى كما نسيتم في الدنيا لقاء يومكم هذا أي كما تركتم ~~عدته ولم تبالوا به وإضافة اللقاء إلى اليوم إضافة المصدر إلى ظرفه ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين أيما أي ما لأحد منكم ناصر واحد يخلصكم منها ذلكم ~~العذاب يأتكم بسبب أنكم «اتخذتم آيات الله هزوا» مهزوا PageV08P075 # بها ولم ترفعوا لها رأسا وغرتكم الحياة الدنيا فحسبتم أن لا حياة ms2991 سواها ~~(فاليوم لا يخرجون منها) أي من النار وقرئ يخرجون من الخروج والالتفات إلى ~~الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب استهانة بهم أو بنقلهم من مقام ~~الخطاب إلى غيابة النار ولا هم يستعتبون أي يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي ~~يرضون لفوات أوانه فالله الحمد خاصة رب السماوات ورب الأرض رب العالمين فلا ~~يستحق الحمد أحمد سواه وتكرير الرب للتأكيد والإيذان بأن ربوبيته تعالى لكن ~~منها بطريق الأصالة وقرئ برفع الثلاثة على المدح بإضمار هو «وله الكبرياء ~~في السماوات والأرض» لظهور آثارها وأحكامها فيهما وإظهارهما في موقع ~~الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء وهو العزيز الذي لا يغلب الحكيم في كل ما قضي ~~وقدر فاحمدوه وكبره وأطيعون عن النبي صلى الله عيهل وسلم من قرأ حم الجاثية ~~ستر الله تعالى عورته وسكن روعته يوما الحساب PageV08P076 # سورة الأحقاف مكية وآيها خمس وثلاثون «بسم الله الرحمن الرحيم» «حم» ~~«تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم» الكلام فيه كالذي مر في مطلع السورة ~~السابقة «ما خلقنا السماوات والأرض» بما فيهما من حيث الجزئية منهما ومن ~~حيث الاستقرار فيهما «وما بينهما» من المخلوقات «إلا بالحق» استثناء مفرغ ~~من أعم المفاعيل أي إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه الحكمة التكوينية ~~والتشريعية أو من أعم الأحوال من فاعل خلقنا أو مفعوله أي ما خلقناها في ~~حال من الأحوال إلا حال ملابستنا بالحق أو حال ملابستها به وفيه من الدلالة ~~على وجود الصانع تعالى وصفات كماله وابتناء أفعاله على حكم بالغة وانتهائها ~~إلى غايات جليلة ما لا يخفى «وأجل مسمى» عطف على الحق بتقدير مضاف أي ~~وبتقدير أجل مسمى ينتهى إليه أمر الكل وهو يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وقيل هو آخر مدة البقاء المقدر ~~لكل واحد ويأباه قوله تعالى «والذين كفروا عما أنذروا معرضون» فإن ما ~~أنذروه يوم القيامة وما فيه من الطامة التامة والأهوال العامة لا آخر ~~أعمارهم وقد جوز كون ما مصدرية والجملة حالية أي ما خلقنا الخلق إلا بالحق ms2992 ~~وتقدير الأجل الذي يجاوزون عنده والحال أنهم غير مؤمنين به معرضون عنه وعن ~~الاستعداد له «قل» توبيخا لهم وتبكيتا «أرأيتم» أخبروني وقرئ أرأيتكم «ما ~~تدعون» ما تعبدون «من دون الله» من الأصنام «أروني» تأكيد لأرأيتم «ماذا ~~خلقوا من الأرض» بيان للإبهام في ماذا «أم لهم شرك» أي شركة مع الله تعالى ~~«في السماوات» أي في خلقها أو ملكها وتدبيرها حتى يتوهم أن يكون لهم شائبة ~~استحقاق للمعبودية فإن مالا مدخل له في وجود PageV08P077 # شئ من الأشياء بوجه من الوجوه فهو بمعزل من ذلك الاستحقاق بالمرة وإن كان ~~من الاحياء العقلاء فما ظنكم بالجماد وقوله تعالى «ائتوني بكتاب» الخ تبكيت ~~لهم بتعجيزهم عن الاتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الاتيان بسند ~~عقلي أي ائتوني بكتاب إلهي كائن «من قبل هذا» الكتاب أي القرآن الناطق ~~بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم «أو أثارة من علم» أو بقيت من علم ~~بقيت عليكم من علوم الأولين شاهدة باستحقاقهم للعبادة «إن كنتم صادقين» في ~~دعواكم فإنها لا تكاد تصح ما لم يقم عليها برهان عقلي أو سلطان نقلي وحيث ~~لم يقم عليها شئ منهما وقد قامت على خلافها أدلة العقل والنقل تبين بطلانها ~~وقرئ إثارة بكسر الهمزة أي مناظرة فإنها تثير المعاني وأثرة أي شئ أوثرتم ~~به وخصصتم من علم مطوى من غيركم وأثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء أما ~~المكسورة فبمعنى الأثرة وأما المفتوحة فهي المرة من أثر الحديث أي رواه ~~وأما المضمومة فاسم ما يؤثر الخطبة التي هي اسم ما يخطب به «ومن أضل ممن ~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له» إنكار ونفى لأن يكون أحد يساوى المشركين ~~في الضلال وإن كان سبك التركيب لنفى الأضل منهم من غير تعرض لنفى المساوى ~~كما مر غير مرة أي هم أضل من كل ضال حيث تركوا عبادة خالقهم السميع القادر ~~المجيب الخبير إلى عبادة مصنوعهم العاري عن السمع والقدرة والاستجابة «إلى ~~يوم القيامة» غاية لنفى الاستجابة «وهم عن دعائهم» الضمير الأول ms2993 لمفعول ~~ويدعو الثاني لفاعله والجمع فيهما باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما سبق ~~باعتبار لفظها «غافلون» لكونهم جمادات وضمائر العقلاء لإجرائهم إياها مجرى ~~العقلاء ووصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة مع ظهور حالها للتهكم بها ~~وبعبدتها كقوله تعالى إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم الآية «وإذا حشر الناس» ~~عند قيام القيامة «كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين» أي مكذبين ~~بلسان الحال أو المقال على ما يروى أنه تعالى يحيى الأصنام فتتبرأ عن ~~عبادتهم وقد جوز أن يراد بهم كل ما يعبد من دون الله من الملائكة والجن ~~والإنس وغيرهم ويبنى إرجاع الضمائر وإسناد العداوة والكفر إليهم على ~~التغليب ويراد بذلك تبرؤهم عنهم وعن عبادتهم وقيل ضمير كانوا للعبدة وذلك ~~قولهم والله ربنا ما كنا مشركين «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات» واضحات أو ~~مبينات «قال الذين كفروا للحق» أي لأجله وفى شأنه وهو عبارة عن الآيات ~~المتلوة وضع موضع ضميرها تنصيصا على حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع ~~الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلا عليهم بكمال الكفر والضلالة «لما ~~جاءهم» أي في أول ما جاءهم من غير تدبر وتأمل «هذا سحر مبين» أي ظاهر كونه ~~PageV08P078 # أم «يقولون افتراه» إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما ~~هو أشنع منها وما في أم من الهمزة للإنكار التوبيخي المتضمن للتعجيب أي بل ~~أيقولون افترى القرآن «قل إن افتريته» على الفرض «فلا تملكون لي من الله ~~شيئا» إذ لا ريب في أنه تعالى يعاجلنى حينئذ بالعقوبة فكيف أجترئ على أن ~~افترى عليه تعالى كذبا فأعرض نفسي للعقوبة التي لا مناص عنها «هو أعلم بما ~~تفيضون فيه» أي تندفعون فيه من القدح في وحى الله والطعن في آياته وتسميته ~~سحرا تارة وفرية أخرى «كفى به شهيدا بيني وبينكم» حيث يشهد لي بالصدق ~~والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود وهو وعيد بجزاء إفاضتهم وقوله تعالى «وهو ~~الغفور الرحيم» وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله تعالى ~~عنهم مع عظم جرائمهم «قل ما كنت بدعا ms2994 من الرسل» البدع بمعنى البديع كالخل ~~بمعنى الخليل وهو ما لا مثل له وقرئ بفتح الدال على أنه صفة كقيم وزيم أو ~~جمع مقدر مضاف أي ذا بدع وقد جوز ذلك في القراءة الأولى أيضا على أنه مصدر ~~كانوا يقترحون عليه الصلاة والسلام آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات عنادا ~~ومكابرة فأمر عليه السلام بأن يقول لهم ما كنت بديعا من الرسل قادرا على ما ~~لم يقدروا حتى آتيكم بكل ما تقترحونه وأخبركم بكل ما تسلون عنه من الغيوب ~~فإن من قبلي من الرسل عليهم الصلاة والسلام والسلام ما كانوا يأتون إلا بما ~~آتاهم الله تعالى من الآيات ولا يخبرونهم إلا بما أوحى إليهم «وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم» أي أي شئ يصيبنا فيما يستقبل من الزمان من أفعاله تعالى ~~وماذا يقدر لنا من القضاياه وعن الحسن رضى الله عنه ما أدرى ما يصير إليه ~~أمرى وأمركم في الدنيا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما يفعل بي ولا بكم في ~~الآخرة وقال هي منسوخة بقوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~وقيل يجوز أن يكون المنفى هي الدراية المفصلة والأظهر الأوفق لما ذكر من ~~سبب النزول أن ما عبارة عما ليس علمه من وظائف النبوة من الحوادث والواقعات ~~الدنيوية دون ما سيقع في الآخرة فإن العلم بذلك من وظائف النبوة وقد ورد به ~~الوحي الناطق بتفاصيل ما يفعل بالجانبين هذا وقد روى عن الكلبي أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له عليه السلام وقد ضجروا من أذية المشركين ~~حتى متى نكون على هذا فقال ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم أأترك بمكة أم أومر ~~بالخروج إلى أرض ذات نخيل وشجر قد رفعت لي ورأيتها يعنى في منامه وجوز أن ~~تكون ما موصولة والاستفهامية أقضى لحق مقام التبرؤ عن الدراية وتكرير لا ~~لتذكير النفي المنسحب إليه وتأكيده PageV08P079 # وقرئ ما يفعل على اسناد الفعل إلى ضميره تعالى «إن أتبع إلا ما يوحى إلي» ms2995 ~~أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلى على معنى قصر أفعاله عليه الصلاة والسلام ~~على اتباع الوحي لا قصر اتباعه على الوجى كما هو المتسارع إلى الأفهام وقد ~~مر تحقيقه في سورة الأنعام وقرئ يوحى على البناء للفاعل وهو جواب عن ~~اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه عليه السلام من الغيوب وقيل عن استعجال ~~المسلمين أن يتخلصوا عن أذية المشركين والأول هو الأوفق لقوله تعالى «وما ~~أنا إلا نذير» أنذركم عقاب الله تعالى حسبما يوحى إلى «مبين» بين الإنذار ~~بالمعجزات الباهرة «قل أرأيتم إن كان» أي ما يوحى إلى من القرآن «من عند ~~الله» لا سحرا ولا مفترى كما تزعمون وقوله تعالى «وكفرتم به» حال بإضمار قد ~~من الضمير في الخبر وسطت بين أجزاء الشرط مسارعة إلى التسجيل عليهم بالكفر ~~أو عطف على كان كما في قوله تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به لكن لا على أن نظمه في سلك الشرط المتردد بين الوقوع وعدمه عندهم ~~باعتبار حاله في نفسه بل باعتبار حال المعطوف عليه عندهم فإن كفرهم به أمر ~~محقق عندهم أيضا وإنما ترددهم في أن ذلك كفر بما من عند الله تعالى أم لا ~~وكذا الحال في قوله تعالى «وشهد شاهد من بني إسرائيل» وما بعده من الفعلين ~~فإن الكل أمور محققة عندهم وإنما ترددهم في أنها شهادة وإيمان بما من عند ~~الله تعالى واستكبار عنه أولا والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من ~~عند الله وكفرتم به وشهد شاهد عظيم الشأن من بنى إسرائيل الواقفين على شؤون ~~الله تعالى وأسرار الوحي بما أوتوا من التوراة «على مثله» أي مثل القرآن من ~~المعاني المنطوية في التوراة المطابقة لما في القرآن من التوحيد والوعد ~~والوعيد وغير ذلك فإنها عين ما فيه في الحقيقة كما يعرب عنه قوله تعالى ~~وأنه لفى زبر الأولين وقوله تعالى إن هذا لفى الصحف الأولى والمثلية ~~باعتبار تأديتها بعبارات أخر أو على مثل ما ذكر من كونه من ms2996 عند الله تعالى ~~والمثلية لما ذكر وقيل المثل صلة والفاء في قوله تعالى «فآمن» للدلالة على ~~أنه سارع إلى الإيمان بالقرآن لما علم أنه من جنس الوحي الناطق بالحق وهو ~~عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه ~~فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله فتحقق أنه النبي ~~المنتظر فقال له إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة ~~وما أول طعام أكله أهل الجنة والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه فقال عليه ~~الصلاة والسلام أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ~~وأما طعام أهل الجنة فزيادة كبد حوت وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه وإن ~~سبق ماء المرأة نزعته فقال أشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال يا رسول ~~الله إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامى قبل أن تسألهم عنى بهتوني عندك ~~فجاءت اليهود فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام أي رجل عبد الله فيكم ~~فقالوا خيرنا PageV08P080 # وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال أرأيتم إن أسلم ~~عبد الله قالوا أعاذه الله من ذلك فحرج إليهم عبد الله فقال أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه قال هذا ~~ما كنت أخاف يا رسول الله واحذر قال سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه ما سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشى على الأرض إنه من أهل الجنة ~~إلا لعبد الله ابن سلام وفيه نزل وشهد شاهد الآية وقيل الشاهد موسى عليه ~~السلام وشهادته بما في التوراة من بعثة النبي عليهما الصلاة السلام وبه قال ~~الشعبي وقال مسروق والله ما نزلت في عبد الله بن سلام فإن آل حم نزلت بمكة ~~وإنما أسلم عبد الله بالمدينة وأجاب الكلبي بأن الآية مدنية وإن كانت ~~السورة مكية «واستكبرتم» عطف على شهد شاهد وجواب الشرط محذوف والمعنى ~~أخبروني ms2997 إن كان من عند الله تعالى وشهد على ذلك أعلم بنى إسرائيل فآمن به ~~من غير تلعثم واستكبرتم عن الإيمان به بعد هذه المرتبة من أضل منكم بقرينة ~~قوله تعالى قال أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد وقوله تعالى «إن الله لا يهدي القوم الظالمين» فإن عدم الهداية ~~مما ينبئ عن الضلال قطعا ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم فإن تركه تعالى ~~لهدايتهم لظلمهم «وقال الذين كفروا» حكاية لبعض آخر من أقاويلهم الباطلة في ~~حق القرآن العظيم والمؤمنين به أي قال كفار مكة «للذين آمنوا» أي لأجلهم ~~«لو كان» أي ما جاء به عليه الصلاة والسلام من القرآن والدين «خيرا ما ~~سبقونا إليه» فإن معالى الأمور لا ينالها أيدي الأراذل وهم سقاط عامتهم ~~فقراء وموال ورعاة قالوه زعما منهم أن الرياسة الدينية مما ينال بأسباب ~~دنيوية كما قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وزل عنهم ~~أنها منوطة بكمالات نفسانية وملكات روحانية مبناها الإعراض عن زخازف الدنيا ~~الدنية والإقبال على الآخرة بالكلية وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ~~ومن حرمها فماله منها من خلاق وقيل قاله بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما ~~أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار وقيل قالته اليهود حين أسلم عبد الله بن ~~سلام وأصحابه ويأباه أن السورة مكية ولا بد حينئذ من الالتجاء إلى ادعاء أن ~~الآية نزلت بالمدينة «وإذ لم يهتدوا به» ظرف لمحذوف يدل عليه ما قبله ~~ويترتب عليه ما بعده أي وإذ لم يهتدوا بالقرآن قالوا ما قالوا «فسيقولون» ~~غير مكتفين بنفي خيريته «هذا إفك قديم » كما قالوا أساطير الأولين وقيل ~~المحذوف ظهر عنادهم وليس بذاك «ومن قبله» أي من قبل القرآن وهو خبر لقوله ~~تعالى «كتاب موسى» قيل والجملة حالية أو مستأنفة وأيا PageV08P081 # ما كان فهو لرد قولهم هذا إفك قديم وإبطاله فإن كونه مصدقا لكتاب موسى ~~مقرر لحقيته قطعا «إماما ورحمة» حالان من كتاب موسى أي إماما يقتدى به ms2998 في ~~دين الله تعالى وشرائعه كما يقتدى بالإمام ورحمة من الله تعالى لمن آمن به ~~وعمل بموجبه «وهذا» الذي يقولون في حقه ما يقولون «كتاب» عظيم الشأن «مصدق» ~~أي لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة أو لما من بين يديه من جميع الكتب ~~الإلهية وقد قرئ كذلك «لسانا عربيا» حال من ضمير الكتاب في مصدق أو من نفسه ~~لتخصصه بالصفة وعاملها معنى الإشارة وعلى الأول مصدق وقيل مفعول لمصدق أي ~~يصدق ذا لسان عربى «لينذر الذين ظلموا» متعلق بمصدق وفيه ضمير الكتاب أو ~~الله أو الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيد الأخير القراءة بتاء الخطاب ~~«وبشرى للمحسنين» في حيز النصب عطفا على محل لينذر وقيل في محل الرفع على ~~أنه خبر مبتدأ مضمر أي وبشرى وقيل على انه عطف على مصدق «إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا» أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم ~~والاستقامة في أمور الدين التي هي منتهى العمل وثم للدلالة على تراخى رتبة ~~العمل وتوقف الاعتداد به على التوحيد «فلا خوف عليهم» من لحوق مكروه «ولا ~~هم يحزنون» من فوات محبوب والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط والمراد بيان دوام ~~نفى الحزن لا بيان نفى دوام الحزن كما يوهمه كون الخبر مضارعا وقد مر بيانه ~~مرارا «أولئك» الموصوفون بما ذكر من الوصفين الجليلين «أصحاب الجنة خالدين ~~فيها» حال من المستكن في أصحاب وقوله تعالى «جزاء» منصوب إما بعامل مقدر أي ~~يجزون جزاء أو بمعنى ما تقدم فإن قوله تعالى أولئك أصحاب الجنة في معنى ~~جازيناهم «بما كانوا يعملون» من الحسنات العلمية والعملية «ووصينا الإنسان» ~~بأن يحسن «بوالديه إحسانا» وقرئ حسنا أي بأن يفعل بهما حسنا أي فعلا ذا حسن ~~أو كأنه في ذاته نفس الحسن لفرط حسنه وقرئ بضم السين أيضا وبفتحهما أي بأن ~~يفعل بهما فعل حسنا أو وصيناه إيصاء حسنا «حملته أمه كرها ووضعته كرها» أي ~~ذات كره أو حملا ذا كره وهو المشقة وقرئ بالفتح وهما لغتان كالفقر والفقر ~~وقيل المضموم اسم والمفتوح ms2999 مصدر «وحمله وفصاله» أي مدة حمله وفصاله وهو ~~الفطام وقرئ ة فصله والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى والمراد ~~PageV08P082 # به الرضاع التام المنتهى به كما أراد بالأمد المدة من ال كل حي مستكمل ~~مدة العمر ومود إذا انتهى أمده «ثلاثون شهرا» تمضى عليها بمعاناة المشاق ~~ومقاساة الشدائد لأجله وهذا دليل على ان أقل مدة الحمل ستة أشهر لما أنه حط ~~عنه للفصال حولان لقوله تعالى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة يبقى ~~للحمل ذلك قيل ولعل تعيين أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع لانضباطهما وتحقق ~~ارتباط النسب والرضاع بهما «حتى إذا بلغ أشده» أي اكتهل واستحكم قوته وعقله ~~«وبلغ أربعين سنة» قيل لم يبعث نبي قبل أربعين وقرئ حتى إذا استوى وبلغ ~~أشده «قال رب أوزعني» أي ألهمني وأصله أولعنى من أوزعته بكذا «أن أشكر ~~نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي» أي نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها «وأن ~~أعمل صالحا ترضاه» التنكير للتفخيم والتكثير «وأصلح لي في ذريتي» أي واجعل ~~الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم كما في قوله يجرح في عراقيبها نصلى قال ~~ابن عباس أجاب الله تعالى دعاء أبى بكر رضى الله عنهم فأعتق تسعة من ~~المؤمنين منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله ~~تعالى عليه ودعا أيضا فقال وأصلح لي في ذريتي فأجابه الله عز وجل فلم يكن ~~له ولدا إلا أمنوا جميعا فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعا فأدرك أبوه ~~أبو قحافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر وابن ~~عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن ذلك ~~لأحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين «إني تبت إليك» عما لا ~~ترضاه أو عما يشغلني عن ذكرك «وإني من المسلمين» الذين أخلصوا لك أنفسهم ~~«أولئك» إشارة إلى الانسان والجمع لأن المراد به الجنس المتصف بالوصف ~~المحكى عنه وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته أي ms3000 أولئك ~~المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة «الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا» من ~~الطاعات فإن المباح حسن ولا يثاب عليه «ونتجاوز عن سيئاتهم» وقرئ الفعلان ~~بالياء على إسنادهما إلى الله تعالى وعلى بنائهما للمفعول ورفع أحسن على ~~أنه قائم مقام الفاعل وكذا الجار والمجرور «في أصحاب الجنة» أي كائنين في ~~عدادهم منتظمين في سلكهم «وعد الصدق» مصدر مؤكد لما أن قوله تعالى يتقبل ~~ونتجاوز وعد من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز «الذي كانوا يوعدون» على ~~ألسنة الرسل «والذي قال لوالديه» عند دعوتهما له إلى الإيمان «أف لكما» هو ~~صوت يصدر عن المرء عند تضجره واللام لبيان المؤفف له كما في هيت لك وقرئ أف ~~بالفتح والكسر بغير تنوين وبالحركات الثلاث مع التنوين والموصول عبارة عن ~~الجنس القائل ذلك القول ولذلك أخبر عنه بالمجموع كما سبق قيل هو ~~PageV08P083 # في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث وعن قتادة هو نعت عبد سوء عاق ~~لوالديه فاجر لربه وما روى من أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله ~~عنهما قبل إسلامه يرده ما سيأتي من قوله تعالى أولئك الذين حق عليهم القول ~~الآية فإنه كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم وقد كذبت الصديقة رضى الله عنها ~~من قال ذلك «أتعدانني أن أخرج» أبعث من القبر بعد الموت وقرئ أخرج من ~~الخروج «وقد خلت القرون من قبلي» ولم يبعث منهم أحد «وهما يستغيثان الله» ~~يسألانه أن يغيثه ويوفقه للإيمان «ويلك» إي قائلين له ويلك وهو في الأصل ~~دعاء عليه بالثبور أريد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك «آمن ~~إن وعد الله حق» أي البعث أضافا إليه تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على خطئه ~~في إسناد الوعد إليهما وقرئ أن وعد الله أي آمن بأن وعد الله حق «فيقول» ~~مكذبا لهما «ما هذا» الذي تسميانه وعد الله «إلا أساطير الأولين» أباطيلهم ~~التي سطروها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة «أولئك» القائلون هذه ~~المقالات «الذين حق عليهم القول» وهو قوله تعالى لإبليس ms3001 لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين كما ينبئ عنه قوله تعالى «في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس» وقد مر تفسيره في سورة ألم السجدة «إنهم» جميعا «كانوا ~~خاسرين» قد ضيعوا فطرتهم الأصلية الجارية مجرى رؤس أموالهم باتباعهم ~~الشيطان والجملة تعليل للحكم بطريق الاستئناف التحقيقى «ولكل» من الفريقين ~~المذكورين «درجات مما عملوا» مراتب من أجزية ما عملوا من الخير والشر ~~والدرجات غالبة في مراتب المثوبة وإيرادها بطريق التغليب «وليوفيهم ~~أعمالهم» أي أجزية أعمالهم وقرئ بنون العظمة «وهم لا يظلمون» بنقص ثواب ~~الأولين عقاب الآخرين والجملة إما حال مؤكدة للتوفية أو استئناف مقرر لها ~~واللام متعلقة بمحذوف مؤخر كأنه قيل ليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم فعل ~~ما فعل من تقدير الأجزية على مقادير أعمالهم فجعل الثواب والعقاب دركات ~~«ويوم يعرض الذين كفروا على النار» أي يعذبون بها من قولهم عرض الأسارى على ~~السيف أي قتلوا وقيل يعرض النار عليهم بطريق القلب مبالغة «أذهبتم طيباتكم» ~~أي يقال لهم ذلك وهو الناصب للظرف وقرئ أأذهبتم بهمزتين وبألف بينهما على ~~الاستفهام التوبيخى أي أصبتم أو أخذتم ما كتب لكم من حظوظ الدنيا ولذائذها ~~«في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها» فلم يبق لكم بعد ذلك شئ منها «فاليوم ~~تجزون عذاب PageV08P084 # الهون» أي الهوان وقد قرئ كذلك «بما كنتم» في الدنيا «تستكبرون في الأرض ~~بغير الحق» بغير استحقاق لذلك «وبما كنتم تفسقون» أي تخرجون عن طاعة الله ~~عز وجل أي بسبب استكباركم وفسقكم المستمرين وقرئ تفسقون بكسر السين «واذكر» ~~أي لكفار مكة «أخا عاد» أي هودا عليه السلام «إذ أنذر قومه» بدل اشتمال منه ~~أي وقت إنذاره إياهم «بالأحقاف» جمع حقف وهو مل مستطيل مرتفع فيه إنحناء من ~~احقوقف الشئ إذا اعوج وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفة على البحر ~~بأرض يقال لها الشجر من بلاد اليمن وقيل بين عمان ومهرة «وقد خلت النذر» أي ~~الرسل جمع نذير بمعنى المنذر «من بين يديه» أي من قبله «ومن خلفه» أي من ~~بعده والجملة ms3002 اعتراض مقرر لما قبله مؤكد لوجوب العمل بموجب الإنذار وسط بين ~~أنذر قومه وبين قوله «أن لا تعبدوا إلا الله» مسارعة إلى ما ذكر من التقرير ~~والتأكيد وإيذانا باشتراكهم في العبارة المحكية والمعنى واذكر لقومك إنذار ~~هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر ~~عنه قومهم مثل ذلك فاذكرهم وأما جعلها حالا من فاعل أنذر على معنى أنه عليه ~~الصلاة والسلام أنذرهم وقال لهم لا تعبدوا إلا الله «إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم» وقد أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم ~~منذرون نحو إنذاره فمع ما فيه من تكلف تقدير الأعلام لا بد في نسبة الخلو ~~إلى من بعده من الرسل من تنزيل الآتي منزلة الخالي «قالوا أجئتنا لتأفكنا» ~~أي تصرفنا «عن آلهتنا» عبادتهم «فأتنا بما تعدنا» من العذاب العظيم «إن كنت ~~من الصادقين» في وعدك بنزوله بنا «قال إنما العلم» أي بوقت نزوله أو العلم ~~بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك «عند الله» وحده لا علم لي بوقت نزوله ~~ولا مدخل لي في إتيانه وحلوله وإنما علمه عند الله تعالى فيأتيكم به في ~~وقته المقدر له «وأبلغكم ما أرسلت به» من مواجب الرسالة التي من جملتها ~~بيان نزول العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك من غير وقوف على وقت نزوله وقرئ ~~أبلغكم من الإبلاغ «ولكني أراكم قوما تجهلون» حيث تقترحون على ما ليس من ~~وظائف الرسل من الإتيان بالعذاب وتعيين وقته والفاء في قوله تعالى «فلما ~~رأوه» فصيحة PageV08P085 # والضمير إما مبهم يوضحه قوله تعالى «عارضا» إما تمييزا أو حالا أو راجع ~~إلى ما استعجلوه بقولهم فأئتنا بما تعدنا أي فأتاهم فلما رأوه سحابا يعرض ~~في أفق السماء «مستقبل أوديتهم» أي متوجه أوديتهم والإضافة فيه لفظية كما ~~في قوله تعالى «قالوا هذا عارض ممطرنا» ولذلك وقعا وصفين للنكرة «بل هو» أي ~~قال هود وقد قرئ كذلك وقرئ قل وهو رد عليهم أي ليس الأمر كذلك بل هو «ما ~~استعجلتم به» ms3003 من العذاب «ريح» بدل من ما أو خبر لمبتدأ محذوف «فيها عذاب ~~أليم» صفة لريح وكذا قوله تعالى «تدمر» أي تهلك «كل شيء» من نفوسهم ~~وأموالهم «بأمر ربها» وقرئ يدمر كل شئ من دمر دمارا إذا هلك فالعائد إلى ~~الموصوف محذوف أو هو الهاء في ربها ويجوز ان يكون استئنافا وأرادا لبيان أن ~~لكل ممكن فناء مقضيا منوطا بأمر بارئه وتكون الهاء لكل شئ لكونه بمعنى ~~الأشياء وفى ذكر الأمر والرب والإضافة إلى الريح من الدلالة على عظمة شأنه ~~عز وجل ما لا يخفى والفاء في قوله تعالى «فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم» ~~فصيحة أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا بحيث لا يرى إلا مساكنهم وقرئ ترى ~~بالتاء ونصب مساكنهم خطابا لكل أحد يتأنى منه الرؤية تنبيها على أن حالهم ~~بحيث لو حضر كل أحد بلادهم لا يرى فيها إلا مساكنهم «كذلك» أي مثل ذلك ~~الجزاء الفظيع «نجزي القوم المجرمين» وقد مر تفصيل القصة في سورة الأعراف ~~وقد روى أن الريح كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجو حتى ترى ~~كأنها جرادة قيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها كشهب ~~النار وروى أن أول ما عرفوا به أنه عذاب ما رأوا ما كان في الصحراء من ~~رحالهم ومواشيهم تطير بها الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا ~~أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم فأمال الله تعالى الأحقاف فكانوا ~~تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم ~~فطرحتهم في البحر وروى ان هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه ~~وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين نبع وعن ابن عباس رضى الله عنهما اعتزل هود ~~ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس ~~وإنها لتمر من عاد بالظعن بين بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة «ولقد ~~مكناهم» أي قررنا عادا أو أقدرناهم وما في قوله تعالى «فيما إن مكناكم فيه» ~~موصولة أو موصوفة وإن نافية أي في الذي ms3004 أو في شئ ما مكناكم فيه من السعة ~~والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادى التصرفات كما في قوله تعالى «ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم» ومما يحسن ~~PageV08P086 # موقع إن ههنا التفصي عن تكرار لفظة ما وهو الداعي إلى قلب ألفها هاء في ~~مهما وجعلها شرطية أو زائدة مما لا يليق بالمقام «وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة» ليستعملوها فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من ~~فنون النعم ويستدلوا بها على شؤون منعهما عز وجل ويداوموا على شكره «فما ~~أغنى عنهم سمعهم» حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل «ولا ~~أبصارهم» حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المنصوبة في صحائف العلم «ولا ~~أفئدتهم» حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى «من شيء» أي شيئا من ~~الإغناء ومن مزيدة للتأكيد وقوله تعالى «إذ كانوا يجحدون بآيات الله» متعلق ~~بما أغنى وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث إن الحكم مرتب على ما أضيف إليه ~~فإن قولك أكرمته إذ أكرمني في قوة قولك أكرمته لإكرامه إذا أكرمته وقت ~~إكرامه فإنما أكرمته فيه لوجود إكرامه فيه كذا الحال في حيث «وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤون» من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ~~ويقولون فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين «ولقد أهلكنا ما حولكم» يا أهل ~~مكة «من القرى» كحجر ثمود وقرى قوم لوط «وصرفنا الآيات» كررناها لهم «لعلهم ~~يرجعون» لكي يرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي «فلولا نصرهم الذين ~~اتخذوا من دون الله قربانا آلهة» القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى وأحد ~~مفعولى اتخذوا ضمير الموصول المحذوف والثاني آلهة وقربانا حال والتقدير ~~فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربا بها إلى ~~الله تعالى حيث كانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله وفيه تهكم بهم ولا مساغ لجعل قربانا مفعولا ثانيا آلهة ~~بدلا منه لفساد المعنى فإن البدل وإن ms3005 كان هو المقصود لكنه لا بد في غير بدل ~~الغلط من صحة المعنى فإن البدل وإن كان هو المقصود فلا بد في غير بدل الغلط ~~من صحة المعنى بدونه ولا ريب في أن قولنا اتخذوهم من دون الله قربانا أي ~~متقربا به ما لا صحة له قطعا لأنه تعالى متقرب إليه لا متقرب به فلا يصح ~~أنهم اتخذوهم قربانا متجاوزين الله في ذلك وقرئ قربانا بضم الراء «بل ضلوا ~~عنهم» أي غابوا عنهم وفيه تهكم آخر بهم كأن عدم نصرهم لغيبتهم أو ضاعوا ~~عنهم أي ظهر ضياعهم عنهم بالكلية وقيل امتنع نصرهم امتناع نصر الغائب عن ~~المنصور «وذلك» أي ضياع آلهتهم عنهم وامتناع نصرهم «إفكهم» أي إثر إفكهم ~~الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ونتيجة شركهم وقرئ إفكهم وكلاهما مصدر كالحذر ~~والحذر وقرئ إفكهم على صيغة الماضي فذلك إشارة حينئذ إلى الاتخاذ أي وذلك ~~الاتخاذ الذي هو ثمرته وعاقبته صرفهم عن الحق وقرئ إفكهم بالتشديد للمبالغة ~~وآفكهم من الأفعال أي جعلهم آفكين وقرئ آفكهم على صيغة اسم الفاعل مضافا ~~إلى ضميرهم أي قولهم الإفك كما يقال قول كاذب «وما كانوا يفترون» عطف على ~~PageV08P087 # إفكهم أي وأثر افترائهم على الله أو أثر ما كانوا يفترونه عليه تعالى ~~وقرئ وذلك إفك مما كانوا يفترون أي بعض ما كانوا يفترون من الإفك «وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن» أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك وقرئ صرفنا ~~بالتشديد للتكثير لأنهم جماعة وهو السر في جمع الضمير في قوله تعالى ~~«يستمعون القرآن» وما بعده وهو حال مقدرة من نفرا لتخصصه بالصفة أو صفة ~~أخرى له أي واذكر لقومك وقت صرفنا إليك نفرا كائنا من الجن مقدرا استماعهم ~~القرآن «فلما حضروه» أي القرآن عند تلاوته أو الرسول عند تلاوته له على ~~الالتفات والأول هو الأظهر «قالوا» أي قال بعضهم لبعض «أنصتوا» أي استكنوا ~~لنسمعه «فلما قضى» أتم وفرغ عن تلاوته وقرئ على البناء للفاعل وهو ضمير ~~الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا يؤيد ضمير حضروه إليه عليه الصلاة والسلام ms3006 ~~«ولوا إلى قومهم منذرين» مقدرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم وروى أن الجن ~~كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا ما هذا إلا لنبأ ~~حدث فنهض سبعة نفر أو ستة نفر من أشراف جن نصيبين أو نينوى منهم زوبعة ~~فضربوا حتى بلغو تهامة ثم اندفعوا إلى وادى نخلة فوافوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلى أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته ~~وذلك عند منصرفه من الطائف وعن سعيد بن جبير ما قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلوا في صلاته فمروا به فوقفوا ~~مستمعين وهو لا يشعر بهم فأنبأه الله تعالى باستماعهم وقيل بل أمره الله ~~تعالى أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفرا منهم جمعهم له فقال عليه ~~الصلاة والسلام إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني قالها ثلاثا ~~فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال فانطلقنا حتى إذا كنا ~~بأعلى مكة في شعب الجحون خط لي خطا فقال لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم ~~افتتح القرآن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته عليه الصلاة والسلام ~~ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت شيئا ~~قلت نعم رجالا سودا مستشعرى ثياب بيض فقال أولئك جن نصيبين وكانوا إثنى عشر ~~ألفا والسورة التي قراها عليهم اقرأ باسم ربك «قالوا» أي عند رجوعهم إلى ~~قومهم «يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى» قيل قالوه لأنهم كانوا ~~على اليهودية وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى ~~عليه السلام «مصدقا لما بين يديه» أرادوا به التوراة «يهدي إلى الحق» من ~~العقائد الصحيحة «وإلى طريق مستقيم» موصل إليه وهو الشرائع والأعمال ~~الصالحة PageV08P088 # «يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به» أرادوا به ما سمعوه ms3007 من الكتاب ~~وصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية إلى الحق والصراط ~~المستقيم لتلازمهما دعوهم إلى ذلك بعد بيان حقيته واستقامته ترغيبا لهم في ~~الإجابة ثم أكدوه بقولهم «يغفر لكم من ذنوبكم» أي بعض ذنوبكم وهو ما كان في ~~خالص حق الله تعالى فإن حقوق العباد لا تغفر بالإيمان «ويجركم من عذاب ~~أليم» معد للكفرة واختلف في أن لهم أجرا غير هذا أولا والأظهر أنهم في حكم ~~بن آدم ثوابا وعقابا وقوله تعالى «ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في ~~الأرض» إيجاب للإجابة بطريق الترهيب إثر إيجابها بطريق الترغيب وتحقيق ~~لكونهم منذرين وإظهار دعى الله من غير اكتفاء بأحد الضميرين للمبالغة في ~~الإيجاب بزيادة التقرير وتربية المهابة وإدخال الروعة وتقييد الإعجاز بكونه ~~في الأرض لتوسيع الدائرة أي فليس بمعجز له تعالى بالهرب وإن هرب كل مهرب من ~~أقطارها أو دخل في أعماقها وقوله تعالى «وليس له من دونه أولياء» بيان ~~لاستحالة نجاته بواسطة الغير إثر بيان استحالة نجاته بنفسه وجمع الأولياء ~~باعتبار معنى من فيكون من بابا مقابلة الجمع بالجمع لانقسام الآحاد إلى ~~الآحاد كما منا أن الجمع في ق تعالى «أولئك» بذلك الاعتبار أي أولئك ~~الموصوفون بعدم إجابة داعى الله «في ضلال مبين» أي ظاهر كونه ضلالا بحيث لا ~~يخفى على أحد أعرضوا عن إجابة من هذا شانه «أولم يروا» الهمزة للإنكار ~~والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام والرؤية قلبية اى ألم يتفكروا ولم ~~يعلموا علما جازما متاخما للمشاهدة والعيان «أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض» ابتداء من غير مثال يجتذيه ولا قانون بنتحيه «ولم يعي بخلقهن» أي ~~لم يتعب ولم ينصب بذلك أصلا أو لم يعجز عنه يقال عييت بالأمر إذا لم يعرف ~~وجهه وقوله تعالى «بقادر» في حيز الرفع لأنه خبر إن كما ينبئ عنه القراءة ~~بغير باء ووجه دخولها في القراءة الأولى اشتمال النفي الوارد في صدر الآية ~~على ان وما في حيزها كأنه قيل أو ليس الله بقادر «على أن يحيي الموتى» ~~ولذلك ms3008 أجيب عنه بقوله تعالى «بلى إنه على كل شيء قدير» تقريرا للقدرة على ~~وجه عام يكون كالبرهان على المقصود PageV08P089 # «ويوم يعرض الذين كفروا على النار» ظرف عامله قول مضمر مقولة «أليس هذا ~~بالحق» على أن الإشارة إلى ما يشاهدونه حينئذ من حيث هو من غير أن يخطر ~~بالبال لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره وتأنيثه إذ هو اللائق بتهويله وتفخيمه ~~وقد مر في سورة الأحزاب وقيل هي إلى العذاب وفيه تهكم بهم وتوبيخ لهم على ~~استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم وما نحن بمعذبين «قالوا بلى وربنا» أكد ~~جوابهم بالقسم كأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقيتها كما في الدنيا ~~وأنى لهم ذلك «قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» بها في الدنيا ومعنى ~~الأمر الإهانة بهم والتوبيخ لهم والفاء في قوله تعالى «فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل» جواب شرط محذوف أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ذكر فاصبر ~~على ما يصيبك من جهتهم كما صبر أولوا الثبات والحزم من الرسل فإنك من ~~جملتهم بل من عليتهم ومن للتبيين والمراد بأولى العزم أصحاب الشرائع الذين ~~اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ~~ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وقيل هم الصابرون ~~على بلاء الله كنوح صبر على أذية قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ~~وإبراهيم صبر على النار وعلى ذبح ولده والذبيح على الذبح ويعقوب على فقد ~~الولد والبصر ويوسف على الجب والسجن وأيوب على الضر وموسى قال له قومه إنا ~~لمدركون قال كلا إن معي ربى سيهدين وداود بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى ~~لم يضع لبنة على لبنة صلوات الله تعالى عليهم أجمعين «ولا تستعجل لهم» أي ~~لكفار مكة بالعذاب فإنه على شرف النزول بهم «كأنهم يوم يرون ما يوعدون» من ~~العذاب «لم يلبثوا» في الدنيا «إلا ساعة» يسيرة «من نهار» لما يشاهدون من ~~شدة العذاب وطول مدته وقوله تعالى «بلاغ» خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي ~~وعظتم به كفاية في الموعظة ms3009 أو تبليغ من الرسول ويؤيده أنه قرئ بلغ وقرئ ~~بلاغا أي بلغوا بلاغا «فهل يهلك إلا القوم الفاسقون» أي الخارجون عن ~~الاتعاظ به أو عن الطاعة وقرئ بفتح الياء وكسر اللام وبفتحهما من هلك وهلك ~~وبنون العظمة من الاهلاك ونصب القوم ووصفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا PageV08P090 # سورة محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى سورة القتال وهى مدنية وقيل مكية ~~وآياتها ثمان وثلاثون «بسم الله الرحمن الرحيم» «الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله» أي أعرضوا عن الاسلام وسلوك طريقه من صد صدودا أو منعوا الناس عن ذلك ~~من صده صدا كالمطعمين يوم بدر وقيل هم إثنا عشر رجلا من أهل الشرك كانوا ~~يصدون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر وقيل أهل الكتاب الذين كفروا ~~وصدوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام وقيل هو عام في كل من كفر ~~وصد «أضل أعمالهم» أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها أصلا لكن لا ~~بمعنى أنه أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها أصلا لكن لا بمعنى أنه ~~أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنه حكم ببطلانها وضياعها فإن ~~ما كانوا يعملون من أعمال البر كصلة الأرحام وقرى الأضياف وفك الأسارى ~~وغيرها من المكارم ليس لها أثر من أصلها لعدم مقارنتها للإيمان أو أبطل ما ~~عملوا من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبيله بنصر رسوله وإظهار ~~دينه على الدين كله وهو الأوفق لما سيأتي قوله تعالى فتعسا لهم وأضل ~~أعمالهم وقوله فإذا لقيتم الخ «والذين آمنوا وعملوا الصالحات» قيل هم ناس ~~من قريش وقبل من الأنصار وقيل هم مؤمنوا أهل الكتاب وقيل عام للكل «وآمنوا ~~بما نزل على محمد» خص بالذكر الإيمان بذلك مع اندراجه فيما قبله تنويها ~~بشأنه وتنبيها على سمو مكانه من بين سائر ما يجب الإيمان به وأنه الأصل في ~~الكل ولذلك أكد بقوله تعالى «وهو ms3010 الحق من ربهم» بطريق حصر الحقية فيه وقيل ~~حقيته بكونه ناسخا غير منسوخ فالحق على هذا مقابل الزائل وعلى الأول مقابل ~~الباطل وأيا ما كان فقوله تعالى من ربهم حال من ضمير الحق وقرئ نزل على ~~البناء للفاعل وأنزل على البناءين ونزل بالتخفيف «كفر عنهم سيئاتهم» أي ~~سترها بالإيمان والعمل الصالح «وأصلح بالهم» أي حال في الدين والدنيا ~~بالتأييد والتوفيق «ذلك» إشارة إلى ما مر من إضلال الأعمال وتكفير السيئات ~~وإصلاح البال وهو مبتدأ PageV08P091 # خبره قوله تعالى «بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم» أي ذلك كائن بسبب أن الأولين اتبعوا الشيطان كما قاله مجاهد ~~ففعلوا ما فعلوا من الكفر والصد فبيان سببية اتباعه للإضلال المذكور متضمن ~~لبيان سببيتهما له لكونه أصلا مستتبعا لهما قطعا وبسبب أن الآخرين اتبعوا ~~الحق الذي لا محيد عنه كائنا من ربهم ففعلوا ما فعلوا من الإيمان به ~~وبكتابه ومن الأعمال الصالحة فبيان سببية اتباعه لما ذكر من التكفير ~~والإصلاح بعد الاشعار بسببية الايمان والعمل الصالح له متضمن لبيان ~~سببيتهما له لكونه مبدأ ومنشأ لهما حتما فلا تدافع بين الإشعار والتصريح في ~~شئ من الموضعين ويجوز أن يحمل الباطل ما يقابل الحق وهو الزائل الذاهب الذي ~~لا أصل له أصلا فالتصريح بسببية اتباعه لإضلال أعمالهم وإبطالها لبيان أن ~~إبطالها لبطلان مبناها وزواله وأما حمله على ما لا ينتفع به فليس كما ينبغي ~~لما أن الكفر والصد أفحش منه فلا وجه للتصريح بسببيته لما ذكر من إضلال ~~أعمالهم بطريق القصر بعد الإشعار بسببيتهما له فتدبر ويجوز أن يراد بالباطل ~~نفس الكفر والصد وبالحق نفس الإيمان والأعمال الصالحة فيكون التنصيص على ~~سببيتهما لما ذكر من الإضلال ومن التفكير والإصلاح تصريحا بالسببية المشعر ~~بها في الموقعين «كذلك» أي مثل ذلك الضرب البديع «يضرب الله» أي يبين ~~«للناس أمثالهم» أي أحوال الفريقين وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى ~~الأمثال وهى اتباع الأولين الباطل وخيبتهم وخسرانهم واتباع الآخرين الحق ~~وفوزهم والفاء في قوله تعالى «فإذا لقيتم ms3011 الذين كفروا» لترتيب ما في حيزها ~~من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين ~~وفلاحهم مما يوجب أن يرتب على كل من الجانبين ما يليق من الأحكام أي فإذا ~~كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتموهم في المحاربة «فضرب الرقاب» أصله فاضربوا ~~الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافا إلى المفعول وفيه ~~اختصار وتأكيد بليغ والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره ~~وإرشاده للغزاة إلى أيسر ما يكون منه «حتى إذا أثخنتموهم» أي أكثرتم قتلهم ~~وأغلظتموه من الشئ الثخين وهو الغليظ أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى ~~أذهبتم عنهم النهوض «فشدوا الوثاق» فأسروهم واحفظوهم والوثاق اسم لما يوثق ~~به وكذا الوثاق بالكسر وقد قرئ بذلك «فإما منا بعد وإما فداء» أي فإما ~~تمنون منا بعد ذلك أو تفدون فداء والمعنى التخيير بين القتل والاسترقاق ~~والمن والفداء وهذا ثابت عند الشافعي رحمه الله تعالى وعندنا منسوخ قالوا ~~نزل ذلك يوم بدر ثم نسخ والحكم إما القتل أو الاسترقاق وعن مجاهد ليس اليوم ~~من ولا فداء إنما هو الاسلام أو ضرب العنق وقرئ فدا كعصا «حتى تضع الحرب ~~أوزارها» أوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي PageV08P092 # لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع وأسند وضعها إليها وهو لأهلها إسنادا ~~مجازيا وحتى غاية عند الشافعي لأحد الأمور الأربعة أو للمجموع والمعنى أنهم ~~لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون مع المشركين حربا بأن لا تبقى لهم ~~شوكة وقيل بأن ينزل عيسى عليه السلام وأما عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ~~فإن حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء والمعنى يمنى عليهم ~~ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها وإن حملت على الجنس فهي غاية للضرب والشد ~~والمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى يضع جنس الحرب أوزارها بأن لا يبقى ~~للمشركين شوكة وقيل أوزارها أثامها أي حتى يترك المشركون شركهم ومعاصيهم ~~بأن أسلموا «ذلك» أي الأمر ذلك أو فعلوا ذلك «ولو يشاء الله لانتصر منهم» ~~لا ms3012 تنقم منهم ببعض أسبابا الهلكة والاستئصال «ولكن» لم يشأ لذلك «ليبلو ~~بعضكم ببعض» فأمركم بالقتال وبلاكم بالكافرين لتجاهدوهم فتستوجيبوا الثواب ~~العظيم بموجب الوعد والكافرين بكم ليعاجلهم على أيديكم ببعض عذابهم كي ~~يرتدع بعضهم عن الكفر «والذين قتلوا في سبيل الله» أي استشهدوا وقرئ قاتلوا ~~أي جاهدوا وقتلوا وقتلوا «فلن يضل أعمالهم» أي فلن يضيعها وقرى يضل أعماله ~~على البناء للمفعول ويضل أعمالهم من ضل وعن قتادة أنها نزلت في يوم أحد ~~«سيهديهم» في الدنيا إلى أرشد الأمور وفى الآخرة إلى الثواب أو سيثبت ~~هدايتهم «ويصلح بالهم» «ويدخلهم الجنة عرفها لهم» في الدنيا بذكر أوصافها ~~بحيث اشتاقوا إليها أو بينها لهم بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدى إليه كأنه ~~كان ساكنه منذ خلق وعن مقاتل أن الملك الموكل بعمله في الدنيا يمشى بين ~~يديه فيعرفه كل شئ أعطاه الله تعالى أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة ~~أو حددها لهم وأفرزها من عرف الدار فجنة كل منهم محددة مفرزة والجملة إما ~~مستأنفة أو حال بإضمار قد أو بدونه «يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله» ~~أي دينه ورسوله «ينصركم» على أعدائكم ويفتح لكم «ويثبت أقدامكم» في مواطن ~~الحرب ومواقفها أو على محجة الإسلام «والذين كفروا فتعسا لهم» التعس الهلاك ~~والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط ورجل تاعس وتعس وانتصابه بفعله ~~الواجب حذفه سماعا أي فقال تعسا لهم أو فقضى تعسا لهم وقوله تعالى «وأضل ~~أعمالهم» عطف عليه داخل معه في حيز الخبرية للموصول «ذلك» أي ما ذكر من ~~التعس وإضلال الأعمال «بأنهم» بسبب أنهم «كرهوا ما أنزل الله» من القرآن ~~PageV08P093 # لما فيه من التوحيد وسائر الأحكام المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم ~~الأمارة بالسوء «فأحبط» لأجل ذلك «أعمالهم» التي لو كانوا عملوها مع ~~الايمان لأثيبوا عليها «أفلم يسيروا في الأرض» أي أقعدوا في أماكنهم فلم ~~يسيروا فيها «فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم» من الأمم المكذبة فإن ~~آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم وقوله تعالى «دمر الله عليهم» استئناف مبنى ~~على سؤال ms3013 نشأ من الكلام كأنه قيل كيف كانت عاقبتهم فقيل استأصل الله تعالى ~~عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم يقال دمره أهلكه ودمر عليه ~~أهلك عليه ما يختص به «وللكافرين» أي ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم ~~«أمثالها» أمثال عواقبهم أو عقوباتهم لكن لا على أن لهؤلاء أمثال مالأولئك ~~وأضعافه بل مثله وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم ~~المعذبة وقيل يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين وقد قتلوا وأسروا ~~بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل أشد ألما من الهلاك ~~بسبب عام وقيل المراد بالكافرين المتقدمون بطريق وضع الظاهر موضع الضمير ~~كأنه قيل دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها «ذلك» إشارة إلى ~~ثبوت أمثال عقوبة الأمم السالفة لهؤلاء «بأن الله مولى الذين آمنوا» أي ~~ناصرهم على أعدائهم وقرئ ولى الذين «وأن الكافرين لا مولى لهم» فيدفع عنهم ~~ما حل بهم من العقوبة والعذاب ولا يخالف هذا قوله تعالى ثم ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق فإن المولى هناك بمعنى المالك «إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار» بيان لحكم ولايته تعالى لهم ~~وثمرتها الأخروية «والذين كفروا يتمتعون» أي ينتفعون في الدنيا بمتاعها ~~«ويأكلون كما تأكل الأنعام» غافلين عن عواقبهم «والنار مثوى لهم» أي منزل ~~ثواء وإقامة والجملة إما حال مقدرة من واو يأكلون أو استئناف «وكأين» كلمة ~~مركبة من الكاف وأي بمعنى كم الخبرية ومحلها الرفع بالابتداء وقوله تعالى ~~«من قرية» تمييز لها وقوله تعالى «هي أشد قوة من قريتك» صفة لقرية كما أن ~~قوله تعالى «التي أخرجتك» صفة لقريتك وقد حذف عنهما المضاف وأجرى أحكامه ~~عليهما كما يفصح عنه الخبر الذي قوله تعالى «أهلكناهم» أي وكم من أهل قرية ~~هم أشد PageV08P094 # قوة من أهل قريتك الذين كانوا سببا لخروجك من بينهم ووصف القرية الأولى ~~بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك لضعف قوتها كما أن وصف ~~الثانية بإخراجه عليه الصلاة والسلام للايذان بأولويتها به لقوة جنايتها ~~وعلى ms3014 طريقته قول النابغة * كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر جرما منك ضرج ~~بالدم * وقوله تعالى «فلا ناصر لهم» بيان لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة ~~الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم والفاء لترتيب ذكر ما ~~بالغير على ذكر ما بالذات وهو حكاية حال ماضية «أفمن كان على بينة من ربه» ~~تقرير لتباين حالي فريقى المؤمنين والكافرين وكون الأوليين في أعلى عليين ~~والآخرين في أسفل سافلين وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال والهمزة للإنكار ~~والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقد قرئ بدونها ومن عبارة عن المؤمنين ~~المتمسكين بأدلة الدين وجعلها عبارة عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عنه ~~وعن المؤمنين لا يساعده النظم الكريم على أن الموازنة بينه عليه الصلاة ~~والسلام وبينهم مما يأباه منصبه الجليل والتقدير أليس الأمر كما ذكر فمن ~~كان مستقرا على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن ~~الكريم وسائر المعجزات والحجج العقلية «كمن زين له سوء عمله» من الشرك ~~وسائر المعاصي مع كونه في نفسه أقبح القبائح «واتبعوا» بسبب ذلك التزيين ~~«أهواءهم» الزائغة وانهمكوا في فنون الضلالات من غير أن يكون لهم شبهة توهم ~~صحة ما تم عليه فضلا عن حجة تدل عليه وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى ~~من كما أن إفراد الأولين باعتبار لفظها «مثل الجنة التي وعد المتقون» ~~استئناف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفا للمؤمنين وبيان كيفية أنهارها ~~التي أشير إلى جريانها من تحتها وعبر عنهم بالمتقين إيذانا بأن الإيمان ~~والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها وترك ~~السيئات عن آ خرها ومثلها وصفها العجيب الشأن وهو مبتدأ محذوف الخبر فقدره ~~النضر بن شميل مثل الجنة ما تسمعون وقوله تعالى «فيها أنهار» الخ مفسر له ~~وقدره سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة والأول هو الأنسب لصدر النظم ~~الكريم وقيل المثل زائدة كزيادة الاسم في قول من قال * إلى الحول ثم اسم ~~السلام عليكما * والجنة مبتدأ خبره فيها أنهار الخ «من ماء غير ms3015 آسن» غير ~~متغير الطعم والرائحة وقرئ غير آسن «وأنهار من لبن لم يتغير طعمه» بأن صار ~~قارصا ولا خازرا كألبان الدنيا «وأنهار من خمر لذة للشاربين» لذيذة ليس ~~فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر ولا خمار وإنما هي تلذذ محض ولذة إما ~~تأنيث لذ بمعنى لذيذ أو مصدر نعت PageV08P095 # به مبالغة وقرئ لذة بالرفع على انها صفة انهار وبالنصب على العلة أي لأجل ~~لذة الشاربين «وأنهار من عسل مصفى» لا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها ~~وفى هذا تمثيل لما يجرى مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها ~~ويستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينغصها وينقصها والتحلية بما يوجب غزارتها ~~ودوامها «ولهم فيها» مع ما ذكر من فنون الأنهار «من كل الثمرات» أي صنف من ~~كل الثمرات «ومغفرة» أي ولهم مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها وقوله تعالى «من ~~ربهم» متعلق بمحذوف هو صفة لمغفرة مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة ~~الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة من ربهم وقوله تعالى «كمن هو خالد في ~~النار» خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به ~~الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى والنار مثوى لهم وقيل هو ~~خبر لمثل الجنة على ان في الكلام حذفا تقديره أمثل الجنة كمثل جزاء من هو ~~خالد في النار أو أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار فعرى عن حرف ~~الانكار وحذف ما حذف تصويرا لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة وبين ~~التابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة الموصوفة بما فصل من الصفات الجليلة ~~وبين النار «وسقوا ماء حميما» مكان تلك الأشربة «فقطع أمعاءهم» من فرط ~~الحرارة قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم وانمارت فروة رؤسهم فإذا شربوه قطع ~~أمعاءهم «ومنهم من يستمع إليك» هم المنافقون وإفراد الضمير باعتبار لفظ من ~~كما أن جمعه فيما سيأتي باعتبار معناها كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته ms3016 تهاونا منهم ~~«حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم» من الصحابة رضى الله عنهم ~~«ماذا قال آنفا» أي ما الذي قال الساعة على طريقة الاستهزاء وإن كان بصورة ~~الاستعلام وآنفا من قولهم أنف الشئ لما تقدم منه مستعار من الجارحة ومنه ~~استأنف الشئ وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتا مؤتنفا أو حال من الضمير في قال ~~وقرئ أنفا «أولئك» اوصفون بما ذكر «الذين طبع الله على قلوبهم» لعدم توجههم ~~نحو الخير أصلا «واتبعوا أهواءهم» الباطلة فلذلك فعلوا ما فعلوا مما لا خير ~~فيه «والذين اهتدوا» إلى طريق الحق «زادهم» أي الله تعالى «هدى» بالتوفيق ~~والإلهام «وآتاهم تقواهم» أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها أو بين لهم ~~ما يتقون «فهل ينظرون إلا الساعة» أي القيامة وقوله تعالى «أن تأتيهم بغتة» ~~أي تباغتهم بغتة وهى المفاجأة بدل اشتمال من PageV08P096 # الساعة والمعنى أنهم لا يتذكرون بذكر أهوال الأمم الخالية ولا بالاخبار ~~بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأهوال وما ينتظرون للتذكر إلا اتيان نفس ~~الساعة بغتة وقرئ بغتة بفتح الغين وقوله تعالى «فقد جاء أشراطها» تعليل ~~لمفاجأتها لا لإتيانها مطلقا على معنى أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكر ~~أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها فلم يرفعوا لها ~~رأسا ولم يعدوها من مبادى إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة ~~والأشراط جمع شرط بالتحريك وهى العلامة والمراد بها مبعثه صلى الله عليه ~~وسلم وانشقاق القمر ونحوهما وقوله تعالى «فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم» حكم ~~بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكر ~~حينئذ كقوله تعالى يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى أي وكيف لهم ذكراهم ~~إذا جاءتهم على أن أنى خبر مقدم وذكراهم مبتدأ وإذا جاءتهم اعتراض وسط ~~بينهما رمزا إلى غاية سرعة مجيئها وإطلاق المجىء عن قيد البغتة لما أن مدار ~~استحالة نفع التذكر كونه عند مجيئه مطلقا لا مقيدا بقيد البغتة وقرئ إن ~~تأتيهم على انه شرط مستأنف جزاؤه فأنى لهم ms3017 الخ والمعنى إن تأتهم الساعة ~~بغتة لأنه قد ظهر أماراتها فكيف لهم تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم «فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله» إي إذا علمت أن مدار السعادة هو التوحيد والطاعة ومناط ~~الشقاوة هو الإشراك والعصيان فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية ~~والعمل بموجبه «واستغفر لذنبك» وهو الذي ربما يصدر عنه عليه الصلاة والسلام ~~من ترك الأولى عبر عنه بالذنب نظرا إلى منصبه الجليل كيف لا وحسنات الأبرار ~~سيئات المقربين وإرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى التواضع وهضم النفس ~~واستقصار العمل «وللمؤمنين والمؤمنات» إي لذنوبهم بالدعاء لهم وترغيبهم ~~فيما يستدعى غفرانهم وفى إعادة صلة الاستغفار تنبيه على اختلاف متعلقيه ~~جنسا وفى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إشعار بعراقتهم في الذنب ~~وفرط افتقارهم إلى الاستغفار «والله يعلم متقلبكم» في الدنيا فإنها مراحل ~~لا بد من قطعها لا محالة «ومثواكم» في العقبى فإنها مواطن إقامتكم فلا ~~يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما فبادروا إلى الامتثال بما امركم به فإنه ~~المهم لكم في المقامين وقيل يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه شئ منها ~~«ويقول الذين آمنوا» حرصا منهم على الجهاد «لولا نزلت سورة» أي هلا نزلت ~~سورة تؤمر فيها بالجهاد «فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال» بطريق ~~الأمر به أي سورة مبينة لا تشابه ولا احتمال فيها لوجه آخر سوى وجوب القتال ~~عن قتادة كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لم تنسخ وقرئ فإذا نزلت ~~PageV08P097 # سورة وقرئ وذكر على إسناد الفعل إلى ضميره تعالى ونصب القتال «رأيت الذين ~~في قلوبهم مرض» أي ضعف في الدين وقيل نفاق وهو الأظهر الأوفق لسياق النظم ~~الكريم «ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت» أي تشخص أبصارهم جبنا وهلعا ~~كدأب من أصابته غشية الموت «فأولى لهم» أي فويل لهم أي فويل لهم وهو أفعل ~~من الولي وهو القرب وقيل من آل ومعناه الدعاء بأن يليهم المكروه أو يؤول ~~إليه أمرهم وقيل هو مشتق من الويل وأصله أويل نقلت العين إلى ما ms3018 بعد اللام ~~فوزنه أفلع «طاعة وقول معروف» كلام مستأنف أي أمرهم ألخ أو طاعة وقول معروف ~~خير لهم أو حكاية لقولهم ويؤيده قراءة أبى يقولون طاعة وقول معروف أي أمرنا ~~ذلك «فإذا عزم الأمر» أسند العزم وهو الجد إلى الأمر وهو لأصحابه مجازا كما ~~في قوله تعالى إن ذلك من عزم الأمور وعامل الظرف محذوف أي خالفوا وتخلفوا ~~وقيل ناقضوا وقيل كرهوا وقيل هو قوله تعالى «فلو صدقوا الله» على طريقة ~~قولك إذا حضرني طعام فلو جئتني لأطعمتك أي فلو صدقوه تعالى فيما قالوا من ~~الكلام المنبىء عن الحرص على الجهاد بالجري على موجبه «لكان» أي الصدق ~~«خيرا لهم» وفيه دلالة على اشتراك الكل فيما حكى عنهم من قوله تعالى لولا ~~نزلت سورة وقيل فلو صدقوه في الإيمان وواطأت قلوبهم في ذلك ألسنتهم وأيا ما ~~كان فالمراد بهم الذين في قلوبهم مرض وهم المخاطبون بقوله تعالى «فهل ~~عسيتم» الخ بطريق الالتفات لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي هل يتوقع منكم ~~«إن توليتم» أمور الناس وتأمرتم عليهم «أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم» تناحرا على الملك وتهالكا على الدنيا فإن من شاهد أحوالكم الدالة ~~على الضعف في الدين والحرص على الدنيا حين أمرتم بالجهاد الذي هو عبارة عن ~~إحراز كل خير وصلاح ودفع كل شر وفساد وأنتم مأمورون شأنكم الطاعة والقول ~~المعروف يتوقع منكم إذا أطلقت أعنتكم وصرتم آمرين ما ذكر من الإفساد وقطع ~~الأرحام وقيل إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية ~~من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب ~~بعضا ووأد البنات وفيه أن الواقع في جيز الشرط في مثل هذا المقام لابد أن ~~تكون محذوريته باعتبار ما يستتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته ولا ريب في ~~ان الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل عمدة في التوبيخ لا ~~وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد وقرئ وليتم على البناء للمعفول أي جعلتم ~~ولاة وقرئ توليتم أي تولاكم ولاة جور ms3019 خرجتم معهم وساعدتموهم في الإفساد ~~وقطيعة الرحم وقرئ وتقطعوا من التقطع بحذف إحدى التاءين فانتصاب أرحامكم ~~حينئذ على نزع الجار اى في أرحامكم وقرئ وتقطعوا من القطع وإلحاق الضمير ~~بعسى لغة أهل الحجاز وأما بنو PageV08P098 # تميم فيقولون عسى أن تفعل وعسى أن تفعلوا «أولئك» إشارة إلى المخاطبين ~~بطريق الالتفات إيذانا بأن ذكر هناتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية ~~أحوالهم الفظيعة لغيرهم وهو مبتدأ خبره «الذين لعنهم الله» أي أبعدهم من ~~رحمته «فأصمهم» عن استماع الحق لتصامهم عنه بسوء اختيارهم «وأعمى أبصارهم» ~~لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق «أفلا يتدبرون ~~القرآن» أي ألا يلاحظونه ولا يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا ~~يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات «أم على قلوب أقفالها» فلا يكاد يصل ~~إليها ذكر أصلا وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من التوبيخ بعدم ~~التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبر والتفكر والهمزة ~~للتقرير وتنكير القلوب إما لتهويل حالها وتفظيع شأنها بإيهام أمرها في ~~القساوة والجهالة كأنه قيل على قلوب منكرة لا يعرف حالها ولا يقادر قدرها ~~في القساوة وإما لأن المراد بها قلوب بعض منهم وهم المنافقون وإضافة ~~الاقفال إليها للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها غير مجانسة ~~لسائر الأقفال المعهودة وقرئ أقفالها وأقفالها الذين «إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم» أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وهم المنافقون وصفوا فيما ~~سلف بمرض القلوب وغيره من قبائح الأفعال والأحوال فإنهم قد كفروا به عليه ~~الصلاة والسلام «من بعد ما تبين لهم الهدى» بالدلائل الظاهرة والمعجزات ~~القاهرة وقيل هم اليهود وقيل أهل الكتابين جميعا كفروا به عليه الصلاة ~~والسلام بعد ما وجدوا نعته في كتابهم وعرفوا أنه المنعوت بذلك وقوله تعالى ~~«الشيطان سول لهم» جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبر لأن أي سهل لهم ركوب ~~العظائم من السول وهو الاسترخاء وقيل من السول المخفف من السؤال لاستمرار ~~القلب فمعنى سول له أمرا حينئذ أوقعه في أمنيته ms3020 فإن السؤل الأمنية وقرئ سول ~~مبنيا للمفعول على حذف المضاف أي كيد الشيطان «وأملي لهم» وعد لهم في ~~الأماني والآمال وقيل أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة وقرئ وأملى ~~لم على صيغة المتكلم فالمعنى أن الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم قالوا أو للحال ~~أو للاستئناف وقرئ أملى لهم على البناء للمفعول أي أمهلوا ومد في عمرهم ~~«ذلك» إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم لا إلى الإملاء كما نقل عن الواحدي ولا ~~إلى التسويل كما قيل لأن شيئا منهما ليس مسببا عن القول الآتي وهو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى «بأنهم» اى بسبب أنهم «قالوا» يعنى المنافقين المذكورين لا ~~لليهود الكافرين به عليه الصلاة والسلام بعد ما وجدوا نعته في التوراة كما ~~قيل PageV08P099 # فإن كفرهم به ليس بسبب هذا القول ولو فرض صدوره عنهم سواء كان المقول لهم ~~المنافقين أو المشركين على رأى القائل بل من حين بعثته عليه الصلاة والسلام ~~«للذين كرهوا ما نزل الله» أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع عملهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في نزوله ~~عليهم لا للمشركين كما قيل فإن قوله تعالى «سنطيعكم في بعض الأمر» عبارة ~~قطعا عما حكى عنهم بقوله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ~~وإن قوتلتم لننصرنكم وهم بنو قريظة والنضير الذين كانوا يوالونهم ويوادونهم ~~وأرادوا بالبعض الذي أشاروا إلى عدم إطاعتهم فيه إظهار كفرهم وإعلان أمرهم ~~بالفعل قبل قتالهم وإخراجهم من ديارهم فإنهم كانوا يأبون ذلك قبل مساس ~~الحاجة الضرورية الداعية إليه لما كان لهم في إظهار الإيمان من المنافع ~~الدنيوية وإنما كانوا يقولون لهم ما يقولون سرا كما يعرب عنه قوله تعالى ~~«والله يعلم إسرارهم» أي إخفاءهم لما يقولونه لليهود وقرئ أسرارهم أي جميع ~~أسرارهم التي من جملتها قولهم هذا والجملة اعتراض مقرر لما قبله متضمن ~~للإفشاء في الدنيا والتعذيب في الآخرة والفاء في قوله تعالى ms3021 «فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة» لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف منصوب بفعل محذوف هو ~~العامل في الظروف كأنه قيل يفعلون في حياتهم ما يفعلون من الحيل فكيف ~~يفعلون إذا توفتهم الملائكة وقيل مرفوع على انه خبر لمبتدأ محذوف أي فكيف ~~حالهم أو حيلهم إذا توفتهم الخ وقرئ توفاهم على انه إما ماض أو مضارع قد ~~حذف إحدى تاءيه «يضربون وجوههم وأدبارهم» حال من فاعل توفتهم أو من مفعوله ~~وهو تصوير لتوفيهم على أهوال الوجوه وأفظعها وعن ابن عباس رضى الله عنهما ~~لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة وجهه ودبره «ذلك» التوفى الهائل ~~«بأنهم» أي بسبب أنهم «اتبعوا ما أسخط الله» من الكفر والمعاصي «وكرهوا ~~رضوانه» أي ما يرضاه من الإيمان والطاعة حيث كفروا بعد الإيمان وخرجوا عن ~~الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع اليهود «فأحبط» لأجل ذلك «أعمالهم» التي ~~عملوها حال إيمانهم من الطاعات أو بعد ذلك من أعمال البر التي لو عملوها ~~حال الإيمان لا نتفعوا بها «أم حسب الذين في قلوبهم مرض» هم المنافقون ~~الذين فصلت أحوالهم الشنيعة وصفوا بوصفهم السابق لكونه مدار لما نعى عليهم ~~بقوله تعالى «أن لن يخرج الله أضغانهم» فأم منقطعة وأن مخففة من أن وضمير ~~الشأن الذي هو اسمها محذوف ولن بما في حيزها خبرها والأضغان جمع ضعن وهو ~~الحقد أي بل أحسب الذين في قلوبهم حقدا وعداوة للمؤمنين أنه لن يخرج الله ~~أحقادهم PageV08P100 # ولن يبرزها لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فتبقى أمورهم مستورة ~~والمعنى أن ذلك مما لا يكاد يدخل تحت الاحتمال «ولو نشاء» إراءتهم ~~«لأريناكهم» لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم معرفة متاخمة للرؤية ~~والالتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بالإارءة «فلعرفتهم بسيماهم» ~~بعلامتهم التي نسمهم بها وعن أنس رضى الله عنه ما خفي على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ولقد ~~كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافين يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة ~~وأصبحوا وعلى كل واحد منهم ms3022 مكتوب هذا منافق واللام لام الجواب كررت في ~~المعطوف للتأكيد والفاء لترتيب المعرفة على الإراءة وأما ما في قوله تعالى ~~«ولتعرفنهم في لحن القول» فلجواب قسم محذوف ولحن القول نحوه وأسلوبه أو ~~إمالته إلى جهة تعريض وتورية ومنه قيل للمخطىء لاحن لعدله بالكلام عن سمت ~~الصواب «والله يعلم أعمالكم» فيجازيكم بحسب قصدكم وهذا وعد للمؤمنين وإيذان ~~بأن حالهم بخلاف حال المنافقين «ولنبلونكم» بالأمر بالجهاد ونحوه من ~~التكاليف الشاقة «حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين» على مشاق الجهاد علما ~~فعليا يتعلق به الجزاء «ونبلوا أخباركم» ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها ~~وقبيحها وقرئ ويبلو بالياء وقرئ نبلو بسكون الواو على ونحن نبلو «إن الذين ~~كفروا وصدوا» الناس «عن سبيل الله وشاقوا الرسول» وعادوه «من بعد ما تبين ~~لهم الهدى» بما شاهدوا نعته عليه الصلاة والسلام في التوراة وبما ظهر على ~~يديه من المعجزات ونزل عليه من الآيات وهم قريظة والنضير أو المطعمون يوم ~~بدر «لن يضروا الله» بكفرهم وصدهم «شيئا» من الأشياء أو شيئا من الضرر أو ~~لن يضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاقته شيئا وقد حذف المضاف ~~لتعظيمه وتفظيع مشاقته «وسيحبط أعمالهم» أي مكايدهم التي نصبوها في إبطال ~~دينه تعالى ومشاقة رسوله عليه الصلاة والسلام فلا يصلون بها إلى ما كانوا ~~يبغون من الغوائل ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم «يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم» بما أبطل به ~~هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها وليس ~~فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر PageV08P101 # «إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله ~~لهم» حكم يعم كل من مات على الكفر وإن صح نزوله في أصحاب القليب «فلا ~~تهنوا» أي لا تضعفوا «وتدعوا إلى السلم» أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ~~خورا فأن ذلك إعطاء الدنية ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن على جواب النهى ~~وقرئ ولا تدعوا من أدعى القوم تداعوا نحو ارتموا ms3023 الصيد وتراموه ومنه تراءوا ~~الهلال فإن صيغة التفاعل قد يراد بها صدور الفعل عن المتعدد من غير اعتبار ~~وقوعه عليه ومنه قوله تعالى عم يتساءلون على أحد الوجهين والفاء لترتيب ~~النهى على ما سبق من الأمر بالطاعة وقوله تعالى «وأنتم الأعلون» جملة حالية ~~مقررة لمعنى النهى مؤكدة لوجوب الانتهاء وكذا قوله تعالى «والله معكم» فإن ~~كونهم الأعلين وكونه عز وجل ناصرهم من أقوى موجبات الاجتناب عما يوهم الذل ~~والضراعة وكذا نوفيته تعالى لأجور الأعمال حسبما يعرب عنه قوله تعالى «ولن ~~يتركم أعمالكم» أي ولن يضيعها من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو ~~أخ أو حميم فأفردته عنه من الوتر الذي هو الفرد وعبر عن ترك الإثابة في ~~مقابلة الأعمال بالوتر الذي هو إضاعة شئ معتد به من الأنفس والأموال مع أن ~~الأعمال غير موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة إبراز لغاية اللطف بتصوير ~~الثواب بصورة الحق المستحق وتنزيل ترك الإثابة منزلة إضاعة أعظم الحقوق ~~وإتلافها وقد مر في قوله تعالى فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم ~~«إنما الحياة الدنيا لعب ولهو» لاثبات لها ولا اعتداد بها «وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم» اى ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي ~~يتنافس فيها المتنافسون «ولا يسألكم أموالكم» بحيث يخل أداؤها بمعاشكم ~~وإنما اقتصر على نزر يسير منها هو ربع العشر تؤدونها إلى فقرائكم «إن ~~يسألكموها» أي أموالكم «فيحفكم» أي يجهدكم بطلب الكل فإن الإحفاء والإلحاف ~~المبالغة وبلوغ الغاية يقال أحفى شاربه إذا إستأصله «تبخلوا» فلا تعطوا ~~«ويخرج أضغانكم» أي أحقادكم وضمير يخرج لله تعالى ويعضده القراءة بنون ~~العظمة أو للبخل لأنه سبب الأضعان وقرئ يخرج من الخروج بالياء والتاء مسند ~~إلى الأضعان «ها أنتم هؤلاء» أي أنتم أيها المخاطبون PageV08P102 # هؤلاء الموصوفون وقوله تعالى (تدعون لتنفقوا في سبيل الله) استئناف مقرر ~~لذلك أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين أي ها أنتم الذين تدعون ففيه توبيخ ~~عظيم وتحقير من شأنهم والإنفاق في سبيل الله يعم نفقة الغزو ms3024 والزكاة ~~وغيرهما (فمنكم من يبخل) أي ناس يبخلون وهو في حيز الدليل على الشرطية ~~السابقة (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) فإن كلا من نفع الإنفاق وضرر البخل ~~عائد إليه والبخل يستعمل بعن وعلى لتضمنه معنى الإمساك والتعدى (والله ~~الغنى) دون من عداه (وأنتم الفقراء) فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إلى ما ~~فيه من المنافع فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم وقوله تعالى (وإن ~~تتولوا) عطف على إن تؤمنوا أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى (يستبدل قوما ~~غيركم) يخلف مكانكم قوما آخرين (ثم لا يكونوا أمثالكم) في التولى عن ~~الإيمان والتقوى بل يكونوا راغبين فيهما قيل هم الأنصار وقيل الملائكة وقيل ~~أهل فارس لما روى أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن القوم وكان سلمان إلى ~~جنبه فضرب على فخذه فقال هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا ~~بالثريا لتناوله رجال من فارس وقيل كندة والنخع وقيل العجم وقيل الروم. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة محمد كان حقا على الله عز وجل أن ~~يسقيه من أنهار الجنة. # (سورة الفتح مدنية نزلت في مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الحديبية وآياتها تسع وعشرون) «بسم الله الرحمن الرحيم» «إنا فتحنا لك» فتح ~~البلد عبارة عن الظفر به عنوة أو صلحا بحراب أو بدونه فإنه ما لم يظفر به ~~منغلق مأخوذ من فتح باب الدار وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد ~~إليه تعالى خلقا وإيجادا والمراد به فتح مكة شرفها الله وهو المروى عن أنس ~~رضي الله عنه بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية ~~والتعبير عنه بصيغة الماضي على سنن سائر الأخبار الربانية لللإيذان بتحققه ~~لا محالة تأكيدا للتبشير كما أن تصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك وفيه من ~~الفخامة المنبئة عن عظمة شان المخبر جل جلاله وعز سلطانه ما لا يخفى وقيل ~~هو ما أتيح له عليه الصلاة والسلام في تلك السنة من فتح خيبر وهو المروى عن ms3025 ~~مجاهد وقيل هو صلح الحديبية فإنه وإن لم يكن فيه حراب شديد بل ترام بين ~~الفريقين بسهام وحجارة لكن لما كان الظهور للمسلمين حيث سألهم المشركون ~~الصلح كان فتحا بلا ريب وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما رموا المشركين حتى ~~أدخلوهم ديارهم وعن الكلى ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح وقد روى أنه عليه ~~الصلاة والسلام حين PageV08P103 # بلغه أن رجلا قال ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا قال بل هو ~~أعظم الفتوح وقد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا ~~إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما يكرهون وعن الشعبي نزلت بالحديبية وأصاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة حيث أصاب أن ~~بويع بيعة الرضوان وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وبلغ الهدى محله ~~وأطعموا نخل خيبر وظهرت الروم على فارس ففرح به المسلمون وكان في فتح ~~الحديبية آية عظيمة هي أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه ~~وشبع وقيل فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وقيل هو جميع ما فتح ~~له عليه الصلاة والسلام من الفتوح وقيل هو ما فتح الله له عليه الصلاة ~~والسلام من الإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف ولا فتح أبين منه وأعظم ~~وهو رأس الفتوح كافة إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو شعبة من شعبه وفرع ~~من فروعه وقيل الفتح بمعنى القضاء ومنه الفتاحة للحكومة والمعنى قضينا لك ~~على أهل مكة أن تدخلها من قابل وهو المروى عن قتادة رضى الله عنه وأيا ما ~~كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح ~~الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح «فتحا مبينا» بينا ظاهر الأمر مكشوف ~~الحال أو فارقا بين الحق والباطل وقوله تعالى «ليغفر لك الله» غاية للفتح ~~من حيث أنه مترتب على سعيه ms3026 عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة الله تعالى ~~بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب والالتفات إلى اسم الذات ~~المستتبع لجميع الصفات للإشعار بأن كل واحد مما انتظم في سلك الغاية من ~~أفعاله تعالى صادر عنه تعالى من حيثية غير حيثية الآخر مترتبة على صفة من ~~صفاته تعلى «ما تقدم من ذنبك وما تأخر» أي جميع ما فرط منك من ترك الأولى ~~وتسميته ذنبا بالنظر إلى منصبه الجليل «ويتم نعمته عليك» بإعلاء الدين وضم ~~الملك إلى النبوة وغيرهما مما أفاضه عليه من النعم الدينية والدنيوية ~~«ويهديك صراطا مستقيما» في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة وأصل ~~الاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبل الحق ~~واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبل «وينصرك الله» إظهار الاسم الجليل ~~لكونه خاتمة الغايات ولإظهار كمال العناية بشأن النصر كما يعرب عنه تأكيده ~~بقوله تعالى «نصرا عزيزا» أي نصرا فيه عزة ومنعة أو قويا منيعا على وصف ~~المصدر بوصف صاحبه مجازا للمبالغة أو عزيزا صاحبه «هو الذي أنزل السكينة» ~~PageV08P104 # بيان لما أفاض عليهم من مبادئ الفتح من الثبات والطمأنينة أي أنزلها «في ~~قلوب المؤمنين» بسبب الصلح والأمن إظهارا لفضله تعالى عليهم بتيسير الأمن ~~بعد الخوف «ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم» أي يقينا منضما إلى يقينهم أو أنزل ~~فيها السكون إلى ما جاء به عليه والصلاة والسلام من الشرائع ليزدادوا ~~إيمانا بها مقرونا مع إيمانهم بالوحدانية واليوم الاخر عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم الصلاة ~~والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيمانا مع إيمانهم أو أنزل فيها الوقار ~~والعظمة لله تعالى ولرسوله ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانا إلى إيمانهم «ولله ~~جنود السماوات والأرض» يدبر امرها كيفما يريد يسلط بعضها على بعض تارة ~~ويوقع بينهما السلم أخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ~~«وكان الله عليما» مبالغا في العلم بجميع الأمور «حكيما» في تقديره وتدبيره ~~وقوله تعالى «ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ms3027 تحتها الأنهار خالدين ~~فيها» متعلق بما يدل عليه ما ذكر من كون جنود السماوات والأرض له تعالى من ~~معنى التصرف والتدبير أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله ~~في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة «ويكفر عنهم سيئاتهم» أي يغطيها ولا يظهرها ~~وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير مع ان الترتيب في الوجود على العكس ~~للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى «وكان ذلك» أي ما ذكر من الإدخال ~~والتكفير «عند الله فوزا عظيما» لا يقادر قدره لأنه منتهى ما يمتد إليه ~~أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر وعند الله حال من فوزا لأنه صفته في الأصل ~~فلما قدم عليه صار حالا أي كائنا عند الله اى في علمه تعالى وقضائه والجملة ~~اعتراض مقرر لما قبله «ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات» ~~عطف على يدخل وفي تقديم المنافقين على المشركين مالا يخفى من الدلالة على ~~أنهم أحق منهم بالعذاب «الظانين بالله ظن السوء» أي ظن الأمر السوء وهو أن ~~لا ينصر رسوله والمؤمنين «عليهم دائرة السوء» أي ما يظنونه ويتربصونه ~~بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم وقرئ دائرة السوء بالضم وهما لغتان من ~~ساء كالكره والكره خلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل ~~شيء وأما المضموم فجار مجرى الشر «وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم» ~~عطف على ما استحقوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدينا والواو في ~~الأخيرين مع أن حقهما الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان ~~باستقلال كل منهما في الوعيد وأصالته من غير اعتبار استتباع بعضها لبعض ~~«وساءت مصيرا» أي جهنم PageV08P105 # «ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما» إعادة لما سبق قالوا ~~فائدتها التنبيه على ان لله تعالى جنود الرحمة وجنود العذاب وأن المراد ~~ههنا جنود العذاب كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة «إنا أرسلناك شاهدا» أي ~~على أمتك لقوله تعالى ويكون الرسول عليكم شهيدا «ومبشرا» على الطاعة ~~«ونذيرا» على المعصية «لتؤمنوا بالله ورسوله» الخطاب للنبي ms3028 عليه الصلاة ~~والسلام ولأمته «وتعزروه» وتقووه بتقوية دينه ورسوله «وتوقروه» وتعظموه ~~«وتسبحوه» وتنزهوه أو تصلوا له من السبحة «بكرة وأصيلا» غدوة وعشيا عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر وقرئ الأفعال ~~الأربعة بالياء التحتانية وقرئ وتعزروه بضم التاء وتخفيف الزاي المكسورة ~~وقرئ بفتح التاء وضم الزاي وكسرها وتعززوه بزاءين وتوقروه من أوقره بمعنى ~~وقره «إن الذين يبايعونك» أي على قتال قريش تحت الشجرة وقوله تعالى «إنما ~~يبايعون الله» خبران يعنى ان مبايعتك هي مبايعة الله عز وجل لأن المقصود ~~توثيق العهد بمراعاة أوامره ونواهيه وقوله تعالى «يد الله فوق أيديهم» حال ~~أو استئناف مؤكد له على طريقة التخييل والمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول ~~كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله وقرئ إنما يبايعون الله اى لأجله ولوجهه «فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه» أي فمن نقض عهده فإنما يعود ضرر نكثه على نفسه وقرئ بكسر الكاف «ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله» بضم الهاء فإنه أبقى بعد حذف الواو توسلا بذلك ~~إلى تفخيم لامن الجلالة وقرئ بكسرها أي ومن وفى بعهده «فسيؤتيه أجرا عظيما» ~~هو الجنة وقرئ بما عهد وقريء فسنؤتيه بنون العظمة «سيقول لك المخلفون من ~~الأعراب» هم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل تخلفوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين استنفر من PageV08P106 # حول المدينة من الإعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه عند إرادته المسير إلى ~~مكة عام الحديبية معتمرا حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن ~~البيت وأحرم عليه الصلاة والسلام وساق معه الهدى ليعلم أنه لا يريد الحرب ~~وتثاقلوا عن الخروج وقالوا نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة ~~وقتلوا أصحابه فنقاتلهم فأوحى الله تعالى اليه عليه الصلاة والسلام بأنهم ~~سيعتلون ويقولون «شغلتنا أموالنا وأهلونا» ولم يكن لنا من يخلفنا فيهم ~~ويقوم بمصالحهم ويحميهم من الضياع وقرئ شغلتنا بالتشديد للتكثير «فاستغفر ~~لنا» الله تعالى ليغفر ms3029 لنا تخلفنا عنك حيث لم يكن ذلك باختيار بل عن اضطرار ~~«يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم» بدل من سيقول أو استئناف لتكذيبهم في ~~الاعتذار والاستغفار «قل» ردا لهم عند اعتذارهم إليك بأباطيلهم «فمن يملك ~~لكم من الله شيئا» أي فمن يقدر لأجلكم من مشيئته الله تعالى وقضائه على شئ ~~من النفع «إن أراد بكم ضرا» أي ما يضركم من هلاك الأهل والمال وضياعهما حتى ~~تتخلفوا عن الخروج لحفظهما ودفع الضرر عنهما وقرئ ضرا بالضم «أو أراد بكم ~~نفعا» أي ومن يقدر على شيء من الضرر إن أراد بكم ما ينفعكم من حفظ أموالكم ~~وأهليكم فأي حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما وهذا تحقيق للحق ورد لهم ~~بموجب ظاهر مقالتهم الكاذبة وتعميم الضر والنفع لما يتوقع على تقدير الخروج ~~من القتل والهزيمة والظفر والغنيمة يرده قوله تعلى «بل كان الله بما تعملون ~~خبيرا» فإنه إضراب عما قالوا وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه أي ~~ليس الأمر كما تقولون بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملون من الأعمال التي ~~من جملتها تخلفكم وما هو من مباديه وقوله تعالى «بل ظننتم» الخ بدل من كان ~~الخ مفسر لما فيه من الإبهام أي بل ظننتم «أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ~~إلى أهليهم أبدا» بأن يستأصلهم المشركون بالمرة فخشيتم إن كنتم معهم أن ~~يصيبكم ما أصابهم فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة ~~والأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على تقديره تاء التأنيث وأما ~~الأهالي فاسم جمع كالليالى وقرئ إلى أهلهم «وزين ذلك في قلوبكم» وقبلتموه ~~واشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بهم وقرئ زين على البناء للفاعل بإسناده ~~إلى الله سبحانه أو إلى الشيطان «وظننتم ظن السوء» المراد به إما الظن ~~الأول والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء أو ما يعمه وغيره من ~~الظنون الفاسدة التي من جملتها الظن بعدم صحة رسالته عليه الصلاة والسلام ~~فإن الجازم بصحتها لا يحوم حول فكره ما ذكر من الاستئصال «وكنتم قوما ms3030 بورا» ~~أي هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه على أنه جمع بائر كعائذ وعوذ أو ~~فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم وقيل البور من بار كالهلك من ~~ملك بناء ومعنى لذلك وصف به الواحد والجمع المذكر والمؤنث PageV08P107 # «ومن لم يؤمن بالله ورسوله» كلام مبتدأ من جهته تعالى غير داخل في الكلام ~~الملقن مقرر لبوارهم ومبين لكيفيته أي ومن لم يؤمن بهما كدأب هؤلاء ~~المخلفين «فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا» أي لهم وإنما وضع موضع الضمير ~~الكافرون إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر وأنه ~~مستوجب للسعير بكفره وتنكير سعيرا للتهويل أو لأنها نار مخصوصة «ولله ملك ~~السماوات والأرض» وما فيهما يتصرف في الكل كيف يشاء «يغفر لمن يشاء» أن ~~يغفر له «ويعذب من يشاء» أن يعذبه من غير دخل لاحد في شيء منهما وجودا ~~وعدما وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في استغفاره عليه الصلاة والسلام لهم ~~«وكان الله غفورا رحيما» مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء ولا يشاء إلا ~~لمن تقتضى الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله وأما من عداه من الكافرين فهم ~~بمعزل من ذلك قطعا «سيقول المخلفون» أي المذكورون وقوله تعالى «إذا انطلقتم ~~إلى مغانم لتأخذوها» ظرف لما قبله لا شرط لما بعده أي سيقولون عند انطلاقكم ~~إلى مغانم خيبر لتحوزوها حسبما وعدكم إياها وخصكم بها عوضا مما فاتكم من ~~غنائم مكة «ذرونا نتبعكم» إلى خيبر ونشهد معكم قتال أهلها «يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله» بأن يشاركوا في الغنائم التي خصها باهل الحديبية فإنه ~~عليه الصلاة والسلام رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة ~~بقيتها وأوائل المحرم من سنة سبع ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم ~~أموالا كثيرة فخصها بهم حسبما أمره الله عز وجل وقرئ كلم الله وهو جمع كلمة ~~وأياما كان فالمراد ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة لا ~~قوله تعالى لن تخرجوا معي أبدا فإن ذلك في غزوة تبوك «قل» إقناطا ms3031 لهم «لن ~~تتبعونا» أي لا تتبعونا فإنه نفي معنى النهى للمبالغة «كذلكم قال الله من ~~قبل» أي عند الانصراف من الحديبية «فسيقولون» للمؤمنين عند سماع هذا النهى ~~«بل تحسدوننا» أي ليس ذلك النهى حكم الله بل تحسدوننا أن نشارككم في ~~الغنائم وقرئ تحسدوننا بكسر السين وقوله تعالى «بل كانوا لا يفقهون» أي لا ~~يفقهون «إلا قليلا» إلا فهما قليلا وهم فطنتهم لأمور الدينا رد لقولهم ~~الباطل ووصف لهم بما هو أعظم من الحسد وأطم من الجهل PageV08P108 # المفرط وسوء الفهم في أمور الدين «قل للمخلفين من الأعراب» كرر ذكرهم ~~بهذا العنوان مبالغة في ذمهم «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» هم بنو حنيفة ~~قوم مسيلمة الكذاب أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو المشركون لقوله تعالى «تقاتلونهم أو يسلمون» أي يكون أحد الأمرين إما ~~المقاتلة أبدا أو الإسلام لا غير كما يفصح عنه قراءة أو يسلموا وأما من ~~عداهم فينتهى قتالهم بالجزية كما ينتهي بالإسلام وفيه دليل على أمامة أبي ~~بكر رضي الله عنه إذ لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن ~~فإن ذلك كان في عهد النبوة فيخص دوام نفى الاتباع بما في غزوة خيبر كما ~~قاله محيى السنة وقيل هم فارس والروم ومعنى يسلمون ينقادون فإن الروم نصارى ~~وفارس مجوس يقبل منهم الجزية «فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا» هو الغنيمة ~~في الدنيا والجنة في الآخرة «وإن تتولوا» عن الدعوة «كما توليتم من قبل» في ~~الحديبية «يعذبكم عذابا أليما» لتضاعف جرمكم «ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج» أي في التخلف عن الغزو لما بهم من العذر ~~والعاهة فإن التكلف يدور على الاستطاعة وفي نفى الحرج عن كل من الطوائف ~~المعدودة مزيد اعتناء بأمرهم وتوسيع لدائرة الرخصة «ومن يطع الله ورسوله» ~~فيما ذكر من الأوامر النواهي «يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار» وقرئ ~~ندخله بنون العظمة «ومن يتول» أي عن الطاعة «يعذبه» وقرئ بالنون «عذابا ms3032 ~~أليما» لا يقدر قدره «لقد رضي الله عن المؤمنين» هم الذين ذكر شأن مبايعتهم ~~وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان وقوله تعالى «إذ يبايعونك تحت الشجرة» منصوب ~~برضى وصيغة المضارع لاستحضار صورتها وتحت الشجرة متعلق به أو بمحذوف هو حال ~~من مفعوله روى أنه عليه الصلاة والسلام لما نزل الحديبية بعث خراش بن أمية ~~الخزاعي رسولا إلى أهل مكة فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع فبعث عثمان بن ~~عفان رضى الله عنه فأخبرهم أنه عليه الصلاة والسلام لم يأت لحرب وإنما جاء ~~زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فوقروه وقالوا إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل ~~فقال ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس عندهم ~~فأرجف بأنهم قتلوه فقال عليه الصلاة والسلام لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا ~~الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت PageV08P109 # سمرة وقيل سدرة على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا وروى على الموت دونه وأن ~~لا يفروا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم خير أهل الأرض ~~وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين وقيل ألفا وأربعمائة وقيل ألفا ~~وثلاثمائة وقوله تعالى «فعلم ما في قلوبهم» عطف على يبايعونك لما عرفت من ~~أنه بمعنى بايعوك لاعلى رضى فإن رضاه تعالى عنهم مترتب على علمه تعالى بما ~~في قلوبهم من الصدق والإخلاص عند مبايعتهم له صلى الله عليه وسلم وقوله ~~تعالى «فأنزل السكينة عليهم» عطف على رضى أي فأنزل عليهم الطمأنينة والأمن ~~وسكون النفس بالربط على قلوبهم وقيل بالصلح «وأثابهم فتحا قريبا» هو فتح ~~خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما مر تفصيله وقرئ وآتاهم «ومغانم كثيرة ~~يأخذونها» أي مغانم خيبر والالتفات إلى الخطاب على قراءة الأعمش وطلحة ~~ونافع لتشريفهم في مقام الامتنان «وكان الله عزيزا» غالبا «حكيما» مراعيا ~~لمقتضى الحكمة في أحكامه وقضاياه «وعدكم الله مغانم كثيرة» هي ما يفيؤه على ~~المؤمنين إلى يوم القيامة «تأخذونها» في أوقاتها المقدرة لكل واحدة منها ~~«فعجل لكم هذه» أي غنائم خيبر «وكف أيدي الناس عنكم» أي ms3033 أيدي أهل خيبر ~~وحلفائهم من بنى أسد وغطفان حيث جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب ~~فنكصوا وقيل أيدي أهل مكة بالصلح «ولتكون آية للمؤمنين» أمارة يعرفون بها ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعده إياهم عند رجوعه من الحديبية ما ذكر ~~من المغانم وفتح مكة ودخول المسجد الحرام واللام متعلقة إما بمحذوف مؤخر أي ~~ولتكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف أو بما تعلق به علة أخرى ~~محذوفة من أحد الفعلين أي فعجل لكم هذه أو كف أيدي الناس لتغتنموها ولتكون ~~الخ فالواو على الأول اعتراضية وعلى الثانية عاطفة «ويهديكم» بتلك الآية ~~«صراطا مستقيما» هو الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وما ~~تذرون «وأخرى» عطف على هذه أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى «لم تقدروا ~~عليها» وهى مغانم هوازن في غزوة حنين ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان ~~فيها من الجولة قبل ذلك لزيادة ترغيبهم فيها وقوله تعالى «قد أحاط الله ~~بها» صفة أخرى لأخرى مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة إلى قدرته تعالى بعد بيان ~~صعوبة منالها بالنظر إلى قدرتهم أي قد قدر الله عليها واستولى وأظهركم ~~عليها وقيل حفظها لكم ومنعها من غيركم هذا وقد قيل إن أخرى منصوب بمضمر ~~يفسره قد أحاط الله بها أي وقضى الله أخرى ولا ريب في أن الاخبار بقضاء ~~الله إياها بعد اندراجها في جملة المغانم الموعودة بقوله تعالى وعدكم مغانم ~~كثيرة تأخذونها ليس فيه مزيد فائدة وإنما الفائدة PageV08P110 # في بيان تعجيلها «وكان الله على كل شيء قديرا» لأن قدرته تعالى ذاتية لا ~~تختص بشئ دون شئ «ولو قاتلكم الذين كفروا» أي أهل مكة ولم يصالحوكم وقيل ~~حلفاء خيبر «لولوا الأدبار» منهزمين «ثم لا يجدون وليا» يحرسهم «ولا نصيرا» ~~ينصرهم «سنة الله التي قد خلت من قبل» أي سن الله غلبة أنبيائه سنة قديمة ~~فيمن مضى من الأمم «ولن تجد لسنة الله تبديلا» أي تغييرا «وهو الذي كف ~~أيديهم» أي أيدي سفار مكة «عنكم وأيديكم ms3034 عنهم ببطن مكة» أي في داخلها «من ~~بعد أن أظفركم عليهم» وذلك أن عكرمة بن أبى جهل خرج في خمسمائة إلى ~~الحديبية فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند فهزمهم ~~حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد وقيل كان يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة على ~~أن مكة فتحت عنوة لا صلحا «وكان الله بما تعملون» من مقاتلتهم وهزمهم أولا ~~والكف عنهم ثانيا لتعظيم بيته الحرام وقرئ بالياء «بصيرا» فيجازيكم بذلك أو ~~يجازيهم «هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي» بالنصب عطفا على ~~الضمير المنصوب في صدوركم وقرئ بالجر عطفا على المسجد بحذف المضاف أي ونحر ~~الهدى وبالرفع على وصد الهدى وقوله تعالى «معكوفا» حال من الهدى أي محبوسا ~~وقوله تعالى «أن يبلغ محله» بدل اشتمال من الهدى أو منصوب بنزع الخافض أي ~~محبوسا من ان يبلغ مكانه الذي يحل فيه نحره وبه استدل أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى على أن المحصر محل هديه الحرم قالوا بعض الحديبية من الحرم وروى أن ~~خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحل ومصلاه في الحرم وهناك نحرت هداياه ~~صلى الله عليه وسلم والمراد صدها عن محلها المعهود الذي هو منى «ولولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم» لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم وهو صفة ~~لرجال ونساء وقوله تعالى «أن تطؤوهم» أي توقعوا بهم وتهلكوهم بدل اشتمال ~~منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم «فتصيبكم منهم» أي من جهتهم «معرة» ~~أي مشقة ومكروه كوجوب الدية أو الكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار ~~وسوء قالتهم والإثم بالتقصير في البحث عنهم وهى مفعلة من عره إذا عراه ~~ودهاه ما يكرهه «بغير علم» متعلق بأن تطؤهم أي غير عالمين بهم وجواب لولا ~~PageV08P111 # محذوف لدلالة الكلام عليه والمعنى لولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ~~الكافرين غير عالمين بهم فيصيبكم بذلك مكروه لما كف أيديكم عنهم وقوله ~~تعالى «ليدخل الله في رحمته» متعلق بما يدل عليه الجواب المحذوف كأنه قيل ~~عقيبة لكن كفها ms3035 عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدى إلى الفتح بلا محذور في رحمته ~~الواسعة بقسميها «من يشاء» وهم المؤمنون فإنهم كانوا خارجين من الرحمة ~~الدنيوية التي من جملتها الأمن مستضعفين تحت أيدي الكفرة وأما الرحمة ~~الأخروية فهم وإن كانوا غير محرومين منها بالمرة لكنهم كانوا قاصرين في ~~إقامة مراسم العبادة كما ينبغي فتوفيقهم لإقامتها على الوجه الأتم إدخال ~~لهم في الرحمة الأخروية وقد جوز أن يكون من يشاء عبارة عمن رغب في الإسلام ~~من المشركين ويأباه قوله تعالى «لو تزيلوا» الخ فإن فرض التزيل وترتيب ~~التعذيب عليه يقتضى تحقق الباينة بين الفريقين بالإيمان والكفر قبل التزيل ~~حتما أي لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض وقرئ لو تزايلوا «لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما» بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم والجملة مستأنفة مقررة لما ~~قبلها «إذ جعل الذين كفروا» منصوب باذكر على المفعولية أو بعذبنا على ~~الظرفية وقيل بمضمر هو أحسن الله إليكم وأيا ما كان فوضع الموصول موضع ~~ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليل الحكم به والجعل إما بمعنى الإلقاء ~~فقوله تعالى «في قلوبهم الحمية» أي الأنفة والتكبر متعلق به أو بمعنى ~~التصيير فهو متعلق بمحذوف هو مفعول ثان له أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم ~~«حمية الجاهلية» بدل من الحمية أي حمية الملة الجاهلية أو الحمية الناشئة ~~من الجاهلية وقوله تعالى «فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين» على ~~الأول عطف على جعل والمراد تذكير حسن صنيع الرسول صلى الله عله وسلم ~~والمؤمنين بتوفيق الله تعالى وسوء صنيع الكفرة وعلى الثاني على ما يدل عليه ~~الجملة الامتناعية كأنه قيل لم يتزيلوا فلم نعذب فأنزل الخ وعلى الثالث على ~~المضمر تفسير له والسكينة الثبات والوقار يروى أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل الحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد العزى ~~ومكرز ابن حفص بن الأحنف عل ان يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يرجع من عامه ذلك على أن تخلى له قريش مكة من العام ms3036 القابل ثلاثة أيام ففعل ~~ذلك وكتبوا بينهم كتابا فقال عليه الصلاة والسلام لعلى رضى الله عنه اكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا ما نعرف ما هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال ~~اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا لو كنا نعلم أنك رسول الله ~~ما صددناك عن البيت وما قاتلناك أكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ~~أهل مكة فقال صلى الله عليه وسلم اكتب ما يريدون فهم المؤمنون ان يأبوا ذلك ~~ويبطشوا بهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا «وألزمهم كلمة ~~التقوى» أي كلمة الشهادة أو بسم الله الرحمن الرحيم أو محمد رسول الله وقيل ~~كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد والثبات عليه وإضافتها إلى التقوى لأنها سبب ~~التقوى وأساسها أو كلمة أهلها «وكانوا PageV08P112 # أحق بها» متصفين بمزيد استحقاق لها على أن صيغة التفضيل للزيادة مطلقا ~~وقيل أحق بها من الكفار «وأهلها» اى المستأهل لها «وكان الله بكل شيء ~~عليما» فيعلم حق كل شيء فيسوقه إلى مستحقه «لقد صدق الله رسوله الرؤيا» رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد ~~دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا رؤسهم وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا ~~واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي ~~وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا ~~المسجد الحرام فنزلت أي صدقه صلى الله عليه وسلم في رؤياه كما في قولهم ~~صدقني سن بكره وتحقيقه أراه الرؤيا الصادقة وقوله تعالى «بالحق» إما صفة ~~لمصدر مؤكد محذوف أي صدقا ملتبسا بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة ~~اليت هي التمييز بين الراسخ في الإيمان والمتزلزل فيه أو حال من الرؤيا أي ~~ملتبسة بالحق ليست من قبيل أضغاث الأحلام وقد جوز أن يكون قسما بالحق الذي ~~هو من أسماء الله تعالى أو بنقيض الباطل وقوله تعالى «لتدخلن المسجد ~~الحرام» جوابه وهو على الأولين جواب قسم محذوف أي والله لتدخلن ms3037 الخ وقوله ~~تعالى «إن شاء الله» تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد أو للإشعار بأن ~~بعضهم لا يدخلونه لموت أو غيبة أو غير ذلك أو هي حكاية لما قاله ملك الرؤيا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أول لما قاله عليه الصلاة والسلام لأصحابه ~~«آمنين» حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض وكذا قوله تعالى «محلقين رؤوسكم ~~ومقصرين» أي محلقا بعضكم ومقصرا آخرون وقيل محلقين حال من ضمير آمنين فتكون ~~متداخلة «لا تخافون» حال مؤكدة من فاعل لتدخلن أو آمنين أو محلقين أو ~~مقصرين أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك «فعلم ما لم تعلموا» عطف على صدق ~~والمراد بعلمه تعالى العلم الفعلي المتعلق بأمر حادث بعد المعطوف عليه أي ~~فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية إلى ~~تقديم ما يشهد بالصدق علما فعليا «فجعل» لأجله «من دون ذلك» أي من دون تحقق ~~مصداق ما رآه من دخول المسجد الحرام الخ «فتحا قريبا» وهو فتح خيبر والمراد ~~بجعله وعده وإنجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا حسبما قال ~~ولتكون آية للمؤمنين وأما جعل ما في قوله تعالى ما لم تعلموا عبارة عن ~~الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل كما جنح إليه الجمهور فتأباه ~~الفاء فإن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا قطعا «هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى» أي ملتبسا به أو بسببه ولأجله «ودين الحق» وبدين الإسلام ~~«ليظهره على الدين كله» ليعليه على جنس الدين بجميع أفراده التي هي الأديان ~~المختلفة بنسخ ما كان حقا من بعض PageV08P113 # الأحكام المتبدلة بتبدل الأعصار وإظهار بطلان ما كان باطلا أو بتسليط ~~المسلمين على أهل سائر الأديان إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون ~~وفيه فضل تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على انه سبحانه ~~سيفتح لهم من البلاد ويتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه فتح ~~مكة «وكفى بالله شهيدا» على ان ما وعده كائن لا محالة أو على ms3038 نبوته عليه ~~الصلاة والسلام بإظهار المعجزات «محمد» خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى «رسول ~~الله» بدل أو بيان أو نعت أي ذلك الرسول المرسل بالهدى ودين الحق محمد رسول ~~الله وقيل محمد مبتدأ رسول الله خبره والجملة مبينة للمشهود به وقوله تعالى ~~«والذين معه» مبتدأ خبره «أشداء على الكفار رحماء بينهم» وأشداء جمع شديد ~~ورحماء جمع رحيم والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ولمن ~~وافقهم في الدين الرحمة والرأفة كقوله تعالى أذلة على المؤمنين أعزه على ~~الكافرين وقرئ أشداء ورحماء بالنصب على المدح أو على الحال من المستكن في ~~معه لوقوعه صلة فالخبر حينئذ قوله تعالى «تراهم ركعا سجدا» أي تشاهدهم حال ~~كونهم راكعين ساجدين لمواظبتهم على الصلوات وهو على الأول خبر آخر أو ~~استئناف وقوله تعالى «يبتغون فضلا من الله ورضوانا» أي ثوابا ورضا إما خبر ~~آخر أو حال من ضمير تراهم أو من المستتر في ركعا سجدا أو استئنافا مبنى على ~~سؤال نشأ من بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل ماذا يريدون بذلك ~~فقيل يبتغون فضلا من الله الخ «سيماهم» أي سمتهم وقرئ سيمياؤهم بالياء بعد ~~الميم والمد وهما لغتان وفيها لغة ثالثة هي السيماء بالمد وهو مبتدأ خبره ~~«في وجوههم» أي في جباههم وقوله تعالى «من أثر السجود» حال من المستكن في ~~الجار أي من التأثير الذي يؤثره كثرة السجود وما روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قوله عليه الصلاة والسلام لا تعبدوا صوركم أي لا تسموها إنما ~~هو فيما إذا اعتمد بجبهته على الأرض ليحدث فيها تلك السمة وذلك محض رياء ~~ونفاق والكلام فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله ~~عز وجل كان الإمام زين العابدين وعلى بن عبد الله بن العباس رضى عنهما يقال ~~لهما ذو الثفنات لما أحدثت كثرة سجودهما في مواقعه منهما أشباه ثفنات ~~البعير قال قائلهم ديار على والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات وقيل ~~صفرة الوجه من خشية الله تعالى وقيل ندى ms3039 الطهور وتراب الأرض وقيل استنارة ~~وجوههم من طول ما صلوا بالليل قال عليه الصلاة والسلام من كثرت صلاته ~~بالليل حسن وجهه بالنهار وقرئ من آثار السجود ومن إثر السجود بكسر الهمزة ~~«ذلك» إشارة إلى ما ذكر PageV08P114 # من نعوتهم الجليلة وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه ~~للإيذان بعلو شانه وبعد منزلته في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى «مثلهم» ~~أي وصفهم العجيب الشأن الجاري في الغرابة مجرى الأمثال وقوله تعالى «في ~~التوراة» حال من مثلهم والعامل معنى الإشارة وقوله تعالى «ومثلهم في ~~الإنجيل» عطف على مثلهم الأول كأنه قيل ذلك مثلهم في التوراة والإنجيل ~~وتكرير مثلهم لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها وقوله تعالى «كزرع أخرج شطأه» ~~الخ تمثيل مستأنف أي هم كزرع أخرج فراخه وقيل هو تفسير لذلك على انه إشارة ~~مبهمة وقيل خبر لقوله تعالى ومثلهم في الإنجيل على ان الكلام قد تم عند ~~قوله تعالى مثلهم في التوراة وقرئ شطأه بفتحات وقرئ شطاه بفتح الطاء وتخفيف ~~الهمزة وشطاءه بالمد وشطه بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها وشطوه ~~بقلبها واو «فآزره» فقواه من المؤازرة بمعنى المعاونة أو من الإيزار وهى ~~الإعانة وقرئ فأزره بالتخفيف وأزره بالتشديد أي شد أزره وقوله تعالى ~~«فاستغلظ» فصار غليظا بعد ما كان دقيقا «فاستوى على سوقه» فاستقام على قصبه ~~جمع ساق وقرئ سؤقه بالهمزة «يعجب الزراع» بقوته وكثافته وغلطة وحسن منظره ~~وهو مثل ضربه الله عز وجل لأصحابه عليه الصلاة والصلام قلوا في بدء الإسلام ~~ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم يوما فيوما بحيث أعجب الناس وقيل مكتوب في ~~الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وقوله تعالى «ليغيظ بهم الكفار» علة لما يعرب عنه الكلام من تشبههم بالزرع ~~في زكائه واستحكامه أو لما بعده من قوله تعالى «وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما» فإن الكفار إذا سمعوا بما أعد ~~للمؤمنين في الآخرة مع ما لهم في الدنيا من العزة غاظهم ذلك أشد غيظ ms3040 ومنهم ~~للبيان عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة $ سورة الحجرات مدنية وآياتها ~~ثماني عشرة $ «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها الذين آمنوا» تصدير الخطاب ~~بالنداء لتنبيه المخاطبين على أن ما في حيزه أمر خطير يستدعى مزيد اعتنائهم ~~بشأنه وفرط اهتمامهم بتقليه ومراعاته ووصفه بالايمان لتنشيطهم والإيذان ~~بأنه داع إلى المحافظة عليه ووازع عن الإخلال به «لا تقدموا» أي لا تفعلوا ~~التقديم على أن ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل من غير اعتبار تعلقه بأمر ~~من الأمور على طريقة قولهم PageV08P115 # فلان يعطى ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع أو لا تقدموا أمرا من الأمور على ~~أن حذف المفعول للقصد إلى تعميمه والأول أو في بحق المقام لإفادته النهى عن ~~التلبس بنفس الفعل الموجب لانتفائه بالكلية المستلزم لانتفاء تعلقه بمفعوله ~~بالطريق البرهاني وقد جوز أن يكون التقديم بمعنى التقدم ومنه مقدمة الجيش ~~للجماعة المتقدمة ويعضده قراءة من قرأ لا تقدموا بحذف إحدى التاءين من ~~تتقدموا وقرئ لا تقدموا من القدوم وقوله تعالى «بين يدي الله ورسوله» ~~مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدى الإنسان تهجينا لما نهوا عنه ~~والمعنى لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به وقيل المراد بين يدي رسول الله ~~وذكر الله تعالى لتعظيمه والإيذان بجلالة محله عنده عز وجل وقيل نزل فيما ~~جرى بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما لدى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد «واتقوا الله» في كل ما تأتون وما ~~تذرون من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما نحن فيه «إن الله سميع» ~~لأقوالكم «عليم» بأفعالكم فمن حقه أن يتقى ويراقب «يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» شروع في النهى عن التجاوز في كيفية القول ~~عند النبي عليه الصلاة والسلام بعد النهى عن التجاوز في نفس القول والفعل ~~وإعادة النداء مع قرب العهد به للمبالغة في الإيقاظ والتنبيه ms3041 والإشعار ~~باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الاعتناء بشأنه أي لا تبلغوا بأصواتكم ~~وراء حد يبلغه عليه الصلاة والسلام بصوته وقرئ لا ترفعوا بأصواتكم على أن ~~الباء زائدة «ولا تجهروا له بالقول» إذا كلمتموه «كجهر بعضكم لبعض» أي جهرا ~~كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته عليه الصلاة ~~والسلام وتعهدوا في مخاطبته اللين القريب من الهمس كما هو الدأب عند مخاطبة ~~المهيب المعظم وحافظوا على مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها وقيل معنى لا ~~لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض لا تقولوا له يا محمد يا أحمد وخاطبوه ~~بالنبوة قال ابن عباس رضى الله عنهما لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر يا ~~رسول الله والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله تعالى ~~وعن عمر رضى الله عنه أنه كان يكلمه عليه الصلاة والسلام كأخى السرار لا ~~يسمعه حتى يستفهمه وكان أبو بكر رضى الله عنه إذا قدم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الوفود أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة ~~والوقار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى «أن تحبط أعمالكم» ~~إما علة للنهي أي لا تجهروا خشية أن تحبط أو كراهة أن تحبط كما في قوله ~~تعالى يبين الله لكم أن تضلوا أو للمنهى أي لا تجهروا لأجل الحبوط فإن ~~الجهر حيث كان بصدد الأداء إلى الحبوط فكأنه فعل لأجله على طريقة التمثيل ~~كقوله تعالى ليكون لهم عدوا أو حزنا وليس المراد بما نهى عنه من الرفع ~~والجهر ما يقارنه الاستخفاف والاستهانة فإن ذلك كفر بل ما يتوهم أن يؤدي ~~إلى مما يجرى بينهم في أثناء المحاوره من الرفع والجهر حسبما يعرب عنه قوله ~~تعالى كجهر بعضكم PageV08P116 # لبعض خلا أن رفع الصوت فوق صوته عليه الصلاة والسلام لما كان منكرا محضا ~~لم يقيد بشئ ولا ما يقع منهما في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو نحو ~~ذلك وعن ابن عباس رضى الله عنهما نزلت ms3042 في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه ~~وقر وكان جهوري الصوت وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عل وسلم فيتأذى ~~بصوته وعن أنس رضى الله عنه أنه لما نزلت الآية فقد ثابت وتفقده عليه ~~الصلاة والسلام فأخبر بشأنه فدعاه فسأله فقال يا رسول الله لقد أنزلت إليك ~~هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط فقال له عليه ~~الصلاة والسلام لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة ~~وأماما يروى عن الحسن من انها نزلت في بعض المنافقين الذين كانوا يرفعون ~~أصواتهم فوق صوته عليه الصلاة والسلام فقد قيل محمله أن نهيهم مندرج تحت ~~نهى المؤمنين بدلالة النص «وأنتم لا تشعرون» حال من فاعل تحبط أي والحال ~~أنكم لا تشعرون بحبوطها وفيه مزيد تحذير مما نهوا عنه وقوله تعالى «إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله» الخ ترغيب في الانتهاء عما نهوا عنه ~~بعد الترهيب عن الإخلال به أي يخفضونها مراعاة للأدب أو خشية من مخالفة ~~النهى «أولئك» إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه ~~من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لما مر مرار من تفخيم شانه وهو ~~مبتدأ خبره «الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى» أي جربها للتقوى ومرنها عليها ~~أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة ~~لمحذوف أو للفعل باعتبار الأصل أو ضرب قلوبهم بضروب المحن والتكاليف الشاقة ~~لأجل التقوى فإنها لا تظهر إلا بالإصطبار عليها أو أخلصها للتقوى من امتحن ~~الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه وعن عمر رضى الله عنه أذهب عنها ~~الشهوات «لهم» في الآخرة «مغفرة» عظيمة لذنوبهم «وأجر عظيم» لا يقادر قدره ~~والجملة إما خبر آخر لأن كالمجملة المصدرة باسم الإشارة أو استئناف لبيان ~~جزائهم إحمادا لحالهم وتعريضا بسوء حال من ليس مثلهم «إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات» أي من خارجها من خلفها أو قدامها ومن ابتدائية دالة على ان ~~المناداة نشأت ms3043 من جهة الوراء وأن المنادى داخل الحجرة لوجوب اختلاف المبدأ ~~والمنتهى بحسب الجهة بخلاف ما لو قيل ينادونك وراء الحجرات وقرئ الحجرات ~~بفتح الجيم وبسكونها وثلاثتها جمع حجرة وهى القطعة من الأرض المحجورة ~~بالحائط ولذلك يقال لحظيرة الإبل حجرة وهي فعلة من الحجر بمعنى مفعول ~~كالغرفة والقبضة والمراد بها حجرات أمهات المؤمنين ومناداتهم من ورائها إما ~~بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه عليه الصلاة والسلام من ورائها أو بأنهم ~~تفرقوا على الحجرات متطلبين له عليه الصلاة والسلام فنادوه PageV08P117 # بعض من وراء هذه وبعض من وراء تلك فأسند فعل الأبعاض إلى الكل وقد جوز أن ~~يكونوا قد نادوه من وراء الحجرة التي كان عليه الصلاة والسلام فيها ولكنها ~~جمعت إجلال له عليه الصلاة والسلام وقيل إن الذي ناداه عيينة بن حصن ~~الفزاري والأقرع بن حابس وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين ~~رجلا من بنى تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد أخرج إلينا وإنما ~~أسند النداء إلى الكل لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به لأنه وجد فيما بينهم ~~«أكثرهم لا يعقلون» إذ لو كان لهم عقل لما تجاسروا على هذه المرتبة من سوء ~~الأدب «ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم» أي ولو تحقق صبرهم وانتظارهم حتى ~~تخرج إليهم فإن أن وإن دلت بما في حيزها على المصدر لكنها تفيد بنفسها ~~التحقق والثبوت الفرق البين بين قولك بلغني قيامك وبلغني أنك قائم وحتى ~~تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغيا بخروجه عليه الصلاة والسلام فإنها مختصة ~~بما هو غاية للشئ في نفسه ولذلك تقول أكلت السمكة حتى رأسها ولا تقول حتى ~~نصفها أو ثلثها بخلاف إلى فإنها عامة وفى إليهم إشعار بأنه لو خرج لا ~~لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم «لكان» أي ~~الصبر المذكور «خيرا لهم» من الاستعجال لما فيه من رعاية حسن الأدب وتعظيم ~~الرسول الموجبين للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤل إذ روى أنهم وفدوا شافعين ~~في أسارى بنى العنبر فأطلق النصف وفادى ms3044 النصف «والله غفور رحيم» بليغ ~~المغفرة والرحمة واسعهما فلن يضيق ساحتهما عن هؤلاء إن تابوا وأصلحوا «يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا» أي فتعرفوا وتفحصوا روى أنه ~~عليه الصلاة والسلام بعث الوليد ابن عقبة أخا عثمان رضى الله عنه لأمه ~~مصدقا إلى بنى المصطلق وكان بينه وبينهم أحنة فلما سمعوا به استقبلوه فحسب ~~أنهم مقاتلوه فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتدوا ومنعوا ~~الزكاة فهم عليه الصلاة والسلام بقتالهم فنزلت وقيل بعث إليهم خالد بن ~~الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع وفى ترتيب ~~الأمر بالتبين على فسق المخبر إشارة إلى قبول خبر الواحد العدل في بعض ~~المواد وقرئ فتثبتوا أي توقفوا إلى أن يتبين لكم الحال «أن تصيبوا» حذارا ~~أن تصيبوا «قوما بجهالة» ملتبسين بجهالة حالهم «فتصبحوا» بعد ظهور براءتهم ~~عما أسند إليهم «على ما فعلتم» في حقهم «نادمين» مغتمين غما لازما متمنين ~~أنه لم يقع فإن تركيب هذه الأحرف الثلاثة يدور مع الدوام «واعلموا ~~PageV08P118 # أن فيكم رسول الله» أن بما في حيزها ساد مسد مفعولى اعلموا باعتبار ما ~~بعده من قوله تعالى «لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم» فإنه حال من أحد ~~الضميرين في فيكم والمعنى أن فيكم رسول الله كائنا على حالة يجب عليكم ~~تغييرها أو كائنين على حالة الخ وهى أنكم تريدون أن يتبع عليه الصلاة ~~والسلام رأيكم في كثير من الحوادث ولو فعل ذلك لوقعتم في الجهد والهلاك ~~وفيه إيذان بأن بعضهم زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببنى ~~المصطلق تصديقا لقول الوليد أنه عليه الصلاة والسلام لم يطع رأيهم وأما ~~صيغة المضارع فقد قيل أنها للدلالة على أن امتناع عنتهم لامتناع استمرار ~~طاعته عليه الصلاة والسلام لهم لأن عنتهم إنما يلزم من استمرار الطاعة فيما ~~يعن لهم من الأمور إذ فيه اختلال أمر الإبالة وانقلاب الرئيس مرؤسا لا من ~~إطاعته في بعض ما يرونه نادرا بل فيها استمالتهم بلا معرة وقيل إنها ~~للدلالة ms3045 على أن امتناع عنتهم لاستمرار امتناع طاعته عليه الصلاة والسلام ~~لهم في ذلك فإن المضارع المنفى قد يدل على استمرار النفي بحسب المقام كما ~~في نظائر قوله تعالى ولا هم يحزنون والتحقيق أن الاستمرار الذي تفيده صيغة ~~المضارع يعتبر تارة بالنسبة إلى ما يتعلق بالفعل من الأمور الزمانية ~~المتجددة وذلك بأن يعتبر الاستمرار في نفس الفعل على الإبهام ثم يعتبر ~~تعليق ما يتعلق به بيانا لما فيه الاستمرار وأخرى بالنسبة إلى ما يتعلق به ~~من نفس الزمان المتجدد وذلك إذا اعتبر تعلقه بما يتعلق به أولا ثم اعتبر ~~استمراره فيتعين أن يكون ذلك بحسب الزمان فإن أريد باستمرار الطاعة ~~استمرارها وتجددها بحسب تجدد مواقعها الكثيرة التي يفصح عنها قوله تعالى في ~~كثير من الأمر فالحق هو الأول ضرورة أن مدار امتناع العنت هو امتناع ذلك ~~الاستمرار سواء كان ذلك الامتناع بعدم وقوع الطاعة في أمر ما من تلك الأمور ~~الكثيرة أصلا أو بعدم وقوعها كلها مع وقوعها في بعض يسير منها حتى لو لم ~~يمتنع ذلك الاستمرار بأحد الوجهين المذكورين بل وقعت الطاعة فيما ذكر من ~~كثير من الأمر في وقت من الأوقات وقع العنت قطعا وإن أريد به استمرار ~~الطاعة الواقعة في الكل وتجددها بحسب تجدد الزمان واستمراره فالحق هو ~~الثاني فإن مناط امتناع العنت حينئذ ليس امتناع استمرار الطاعة المذكورة ~~ضرورة أنه موجب لوقوع العنت بل هو الاستمرار الزماني لامتناع تلك الطاعة ~~الواقعة في تلك الأمور الكثيرة بأحد الوجهين المذكورين حتى لو لم يستمر ~~امتناعها بأن وقعت تلك الطاعة في وقت من الأوقات وقع العنت حتما واعلم أن ~~الأحق بالاختيار والأولى بالاعتبار هو الوجه الأول لأنه أوفق بالقياس ~~المقتضى لاعتبار الامتناع واردا على الاستمرار حسب ورود كلمة لو المفيدة ~~للأول على صيغة المضارع المفيدة للثاني على أن اعتبار الاستمرار ارودا على ~~النفي على خلاف القياس بمعونة المقام إنما يصار إليه إذا تعذر الجريان على ~~موجب القياس أو لم يكن فيه مزيد مزية كما في مثل قوله تعالى ولا ms3046 هم يحزنون ~~حيث حمل على استمرار نفى الحزن عنهم إذ ليس في نفى استمرار الحزن مزيد ~~فائدة واما إذا انتظم الكلام مع مراعاة موجب القياس حق الانتظام فالعدول ~~عنه تمحل لا يخفى وقوله تعالى «ولكن الله حبب إليكم الإيمان» الخ تجريد ~~للخطاب وتوجيه له إلى بعضهم بطريق الاستدراك بيانا لبراءتهم عن أوصاف ~~الأولين وإحمادا لأفعالهم أي ولكنه تعالى جعل الإيمان PageV08P119 # محبوبا لديكم «وزينه في قلوبكم» حتى رسخ خبه فيها ولذلك أتيتم بما يليق ~~به من الأقوال والأفعال «وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان» ولذلك اجتنبتم ~~عما يليق بها مما لا خير فيه من آثارها وأحكامها ولما كان في التحبيب ~~والتكريه معنى إنهاء المحبة والكراهة وإيصالها إليهم استعملا بكلمة إلى ~~وقيل هو استدراك ببيان عذر الأولين كأنه قيل لم يكن ما صدر عنكم في حق بنى ~~المصطلق من خلل في عقيدتكم بل من فرط حبكم للإيمان وكراهتكم للكفر والفسوق ~~والعصيان والأول هو الأظهر لقوله تعالى «أولئك هم الراشدون» أي السالكون ~~إلى الطريق السوى الموصل إلى الحق والالتفات إلى الغيبة كالذي في قوله ~~تعالى وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون «فضلا من الله ~~ونعمة» أي وانعاما تعليل لحبب أو كره وما بينهما اعتراض وقيل نصبهما بفعل ~~مضمر أي جرى ذلك فضلا وقيل يبتغون فضلا «والله عليم» مبالغ في العلم فيعلم ~~أحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل «حكيم» يفعل كل مل يفعل بموجب الحكمة ~~«وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» أي تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى ~~«فأصلحوا بينهما» بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى «فإن بغت» أي تعدت ~~«إحداهما على الأخرى» ولم تتأثر بالنصيحة «فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء» أي ~~ترجع «إلى أمر الله» إلى حكمه أو إلى ما أمر به «فإن فاءت» إليه وأقلعت عن ~~القتال حذارا من قتالكم «فأصلحوا بينهما بالعدل» بفصل ما بينهما على حكم ~~الله تعالى ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر ~~وتقييد الإصلاح بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وقد ms3047 أكد ذلك ~~حيث قيل «وأقسطوا» أي وأعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون «إن الله يحب ~~المقسطين» فيجازيهم أحسن الجزاء والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج ~~في عهده عليه الصلاة والسلام بالعسف والنعال وفيها دلالة على أن الباغي لا ~~يخرج بالبغى عن الإيمان وأنه إذا أمسك عن الحرب ترك لأنه فىء إلى أمر الله ~~تعالى وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة ~~«إنما المؤمنون إخوة» استئناف مقرر لما قبله من الأمر بالإصلاح أي أنهم ~~منتسبون إلى أصل واحد هو الإيمان الموجب للحياة الأبدية والفاء في قوله ~~تعالى «فأصلحوا بين أخويكم» للإيذان بأن الآخرة الدينية موجبة للإصلاح ووضع ~~المظهر مقام المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح ~~والتحضيض عليه وتخصيص PageV08P120 # الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بالطريق الأولوية ~~لتضاعف الفتنة والفساد فيه وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج وقرئ بين ~~أخوتكم وإخوانكم «واتقوا الله» في كل ما تأتون وما تذرون ومن الأمور التي ~~من جملتها ما أمرتم به من الإصلاح «لعلكم ترحمون» راجين أن ترحموا على ~~تقواكم «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم» أي منكم «من قوم» آخرين أيضا ~~منكم وقوله تعالى «عسى أن يكونوا خيرا منهم» تعليل للنهي أو لموجبه أي عسى ~~أن يكون المسخور منهم خيرا عند الله تعالى من الساخرين والقوم مختص بالرجال ~~لأنهم القوام على النساء وهو في اللأصل إما جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم ~~وزائر أو مصدر نعت به فشاع في الجمع وأما تعميمه للفريقين في مثل قوم عاد ~~وقوم فرعون فإما للتغليب أو لأنهن توابع واختيار الجمع لغلبة وقوع السخرية ~~في المجمع والتنكير إما للتعميم أو للقصد إلى نهى بعضهم عن سخرية بعض لما ~~أنها مما يجرى بين بعض وبعض «ولا نساء» أي ولا تسخر نساء من المؤمنات «من ~~نساء» منهن «عسى أن يكن» أي المسخور منهن «خيرا منهن» أي من الساخرات فإن ~~مناط الخيرية في الفريقين ليس ما يظهر للناس من ms3048 الصور والأشكال ولا الأوضاع ~~والأطوار التي عليها يدور أمر السخرية غالبا بل إنما هو الأمور الكامنة في ~~القلوب فلا يجترئ أحد على استحقار أحد فلعله أجمع منه لما نيط به الخيرية ~~عند الله تعالى فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى والاستهانة بمن عظمه ~~الله تعالى وقرئ عسوا أن يكونوا وعسين أن يكن فعسى حينئذ هي ذات الخبر كما ~~في قوله تعالى فهل عسيتم وأما على الأول فهي التي لا خبر لها «ولا تلمزوا ~~أنفسكم» أي ولا يعب بعضكم بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة أو لا تفعلوا ما ~~تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه واللمز الطعن باللسان ~~وقرئ بضم الميم «ولا تنابزوا بالألقاب» أي ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء ~~فإن النبز مختص به عرفا «بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان» أي بئس الذكر ~~المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم الإيمان أو اشتهارهم به فإن ~~الاسم ههنا بمعنى الذكر من قولهم طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم ~~والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى المؤمنين خصوصا إذ روى أن ~~الآية نزلت في صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن ~~النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين فقال عليه الصلاة والسلام هلا قلت إن ~~أبى هارون وعمى موسى وزوجي محمد عليهم السلام أو الدلالة على أن التنابز ~~فسق والجمع بينه وبين الإيمان قبيح «ومن لم يتب» عما نهى عنه «فأولئك هم ~~الظالمون» بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض PageV08P121 # النفس للعذاب «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن» أي كونوا على ~~جانب منه وإبهام الكثير لإيجاب الاحتياط والتأمل في كل ظن ظن حتى يعلم أنه ~~من أي قبيل فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات ~~وحسن الظن بالله تعالى ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث ~~يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية ~~«إن بعض الظن إثم» ms3049 تعليل للأمر بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف ~~التحقيقى والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه وهمزته منقلبة من الواو ~~كأنه يثم الأعمال أي يكسرها «ولا تجسسوا» أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ~~تفعل من الجس لما فيه من معنى الطلب كما أن التلمس بمعنى التطلب لما في ~~اللمس من الطلب وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى وأنا لمسنا السماء وقرئ ~~بالحاء من الحس الذي هو إثر الجس وغايته ولتقاربهما يقال للمشاعر الحواس ~~بالحاء والجيم وفى الحديث لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات ~~المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته «ولا يغتب بعضكم بعضا» ~~أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الغيبة فقال أن تذكر أخاك بما يكره فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن ~~فيه فقد بهته وعن ابن عباس رضى الله عنهما الغيبة إدام كلاب الناس «أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا» تمثيل وتصوير لما يصدر عن المغتاب من حيث ~~صدوره عنه ومن حيث تعلقه بصاحبه على أفحش وجه وأشنعه طبعا وعقلا وشرعا مع ~~مبالغات من فنون شتى الاستفهام التقريرى وإسناد الفعل إلى أحد إيذانا بأن ~~أحدا من الأحدين لا يفعل ذلك وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وتمثيل ~~الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول أخا للآكل وميتا وإخراج تماثلها ~~مخرج أمر بين غنى عن الإخبار به وقرئ ميتا بالتشديد وانتصابه على الحالية ~~من اللحم وقيل من الأخ والفاء في قوله تعالى «فكرهتموه» لترتيب ما بعدها ~~على ما قبلها من التمثيل كأنه قيل وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه وقرى ~~كرهتموه أي جبلتم على كراهته «واتقوا الله» بترك ما أمرتم باجتنابه والندم ~~على ما صدر عنكم من قبل «إن الله تواب رحيم» مبالغ في قبول التوبة وإفاضة ~~الرحمة حيث يجعل التائب كمن لم يذنب ولا يخص ذلك بتائب دون تائب بل يعم ~~الجميع وإن كثرت ذنوبهم روى أن رجلين من الصحابة ms3050 رضى الله عنهم بعثا سلمان ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغى لهما إداما وكان أسامة على طعامه ~~عليه الصلاة والسلام فقال ما عندي شئ فأخبرهما سلمان فقالا لو بعثنا سليمان ~~إلى بئر سميحة لغار ماؤها فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لهما ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما فقالا ما تناولنا لحما فقال عليه ~~الصلاة والسلام إنكما قد اغتبتما PageV08P122 # فنزلت «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى» من آدم وحواء أو خلقنا ~~كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب وقد جوز ~~أن يكون تأكيدا للنهي السابق بتقرير الأخوة المانعة من الاغتياب «وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل» الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو بجمع القبائل ~~والقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن بجمع الأفخاذ والفخذ ~~يجمع الفصائل فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ ~~والعباس فصيلة وقيل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب «لتعارفوا» ~~ليعرف بعضكم بعضا بحسب الأنساب فلا يعتزى أحد إلى غير آبائه لا لتتفاخروا ~~بالآباء والقبائل وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب وقرئ لتتعارفوا على ~~الأصل ولتعارفوا بالإدغام ولتعرفوا «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» تعليل ~~للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف التحقيقى ~~كأنه قيل إن الأكرم عنده تعالى هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى وقرئ ~~بان المفتوحة على حذف لام التعليل كأنه قيل لم لا تتفاخروا بالأنساب فقيل ~~لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص ~~هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بالتقوى قال عليه الصلاة ~~والسلام من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله وقال عليه الصلاة والسلام يا ~~أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقى كريم على الله تعالى وفاجر شقى هين ~~على الله تعالى وعن ابن عباس رضى الله عنهما كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة ~~التقوى «إن الله عليم» بكم وبأعمالكم «خبير» ببواطن أحوالكم «قالت الأعراب ~~آمنا» نزلت ms3051 في نفر من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدب فأظهروا الشهادتين ~~وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال ولم ~~نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون عليه عليه الصلاة والسلام ~~ما فعلوا «قل» ردا لهم «لم تؤمنوا» إذ الإيمان هو التصديق المقارن للثقة ~~وطمأنينة القلب ولم يحصل لكم ذلك وإلا لما مننتم على ما ذكرتم كما ينبئ عنه ~~آخر السورة «ولكن قولوا أسلمنا» فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار ~~الشهادة وترك المحاربة مشعر به وإيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال لا ~~تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم للاحتراز من النهى ~~عن التلفظ بالإيمان وللتفادى عن إخراج قولهم مخرج التسليم والاعتداد به مع ~~كونه تقولا محضا «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» حال من ضمير قولوا أي ولكن ~~قولوا أسلمنا حال عدم مواطأة قلوبكم لألسنتكم وما في لما من معنى التوقع ~~مشعر بأن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد «وإن تطيعوا الله ورسوله» PageV08P123 # بالإخلاص وترك النفاق «لا يلتكم من أعمالكم» لا ينقصكم «شيئا» من أجورها ~~من لات يليت ليتا إذا نقص وقرئ لا يألتكم من الألت وهى لغة غطفان أو شيئا ~~من النقص «إن الله غفور» لما فرط من المطيعين «رحيم» بالتفضل عليهم «إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا» لم يشكوا من ارتاب مطاوع ~~رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة وفيه إشارة إلى أن فيهم ما يوجب نفى ~~الإيمان عنهم وثم للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس ~~في حال إنشائه فقط بل وفيما يستقبل فهي كما في قوله تعالى ثم استقاموا ~~«وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله» في طاعته على تكثر فنونها من ~~العبادات البدنية المحضة والمالية الصرفة والمشتملة عليها معا كالحج ~~والجهاد «أولئك» الموصوفون بما ذكر من الأوصاف الحميلة «هم الصادقون» أي ~~الذين صدقوا في دعوى الإيمان لا غيرهم روى أنه لما نزلت الآية جاؤوا وحلفوا ~~أنهم مؤمنون صادقون فنزل لتكذيبهم قوله ms3052 تعالى «قل أتعلمون الله بدينكم» أي ~~أتخبرونه بذلك بقولكم آمنا والتعبير عنه بالتعليم لغاية تشنيعهم «والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض» حال من مفعول تعلمون مؤكدة لتشنيعهم ~~وقوله تعالى «والله بكل شيء عليم» تذييل مقرر لما قبله اى مبالغ في العلم ~~بجميع الأشياء التي من جملتها ما أخفوه من الكفر عند إظهارهم الإيمان وفيه ~~مزيد تجهيل وتوبيخ لهم «يمنون عليك أن أسلموا» أي يعدون إسلامهم منة عليك ~~وهي النعمة التي لا يطلب موليها ثوابا ممن أنعم بها عليه من المن بمعنى ~~القطع لأن المقصود بها قطع حاجته وقيل النعمة الثقيلة من المن «قل لا تمنوا ~~علي إسلامكم» اى لا تعدوا إسلامكم منة على أو لا تمنوا على بإسلامكم فنصب ~~بنزع الخافض «بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان» على ما زعمتم مع أن ~~الهداية لا تستلزم الاهتداء وقريء أن هداكم وإذ هداكم «إن كنتم صادقين» في ~~ادعاء الإيمان وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم وفي سياق ~~النظم الكريم من اللطف مالا يخفي فإنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا ~~به فنفى كونه إيمانا وسمى إسلاما قيل يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام ~~وليس بجدير بالمن بل لو صح ادعاؤهم للإيمان فلله المنة عليهم بالهداية إليه ~~لا لهم «إن الله يعلم غيب السماوات والأرض» أي ما غاب فيهما «والله بصير ~~بما تعملون» في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه PageV08P124 # ما في ضمائركم وقرئ بالياء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرا سورة ~~الحجرات أعطى من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه. # بسم الله الرحمن الرحيم «ق والقرآن المجيد» أي ذي المجد والشرف على سائر ~~الكتب أو لأنه كلام المجيد أو لأن من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند الله ~~تعالى وعند الناس والكلام فيه كالذي فصل في مطلع سورة ص قوله تعالى «بل ~~عجبوا أن جاءهم منذر منهم» أي لأن جاءهم منذر من جنسهم لا من حنس الملك أو ~~من جلدتهم إضراب ms3053 عما ينبئ عنه جواب القسم المحذوف كأنه قيل والقرآن المجيد ~~أنزلناه إليك لتنذر به الناس حسبما ورد في صدر سورة الأعراف كأنه قيل بعد ~~ذلك لم يؤمنوا به بل جعلوا كلا من المنذر والمنذر به عرضة للنكير والتعجيب ~~مع كونهما أوفق شيء لقضية العقول وأقربه إلى التلقي بالقبول وقيل التقدير ~~والقرآن المجيد إنك لمنذر ثم قيل بعده إنهم شكوا فيه ثم أضرب عنه وقيل بل ~~عجبوا أي لم يكتفوا بالشك والرد بل جزموا بالخلاف حتى جعلوا ذلك من الأمور ~~العجيبة وقيل هو إضراب عما يفهم من وصف القرآن بالمجيد كأنه قيل ليس سبب ~~امتناعهم من الإيمان بالقرآن أنه لا مجد له ولكن لجهلهم «فقال الكافرون هذا ~~شيء عجيب» تفسير لتعجيبهم وبيان لكونه مقارنا لغاية الإنكار مع زيادة تفصيل ~~لمحل التعجب وهذا إشارة إلى كونه عليه الصلاة والسلام منذرا بالقرآن ~~وإضمارهم أولا للإشعار بتعينهم بما أسند إليهم وإظهارهم ثانيا للتسجيل ~~عليهم بالكفر بموجبه أو عطف لتعجبهم من البعثة على ان هذا إشارة إلى مبهم ~~يفسره ما بعده من الجملة الإنكارية ووضع المظهر موضع المضمر إما لسبق ~~اتصافهم بما يوجب كفرهم وإما للإيذان بأن تعجبهم من البعث لدلالته على ~~استقصارهم لقدرة الله سبحانه عنه مع معاينتهم لقدرته تعالى على ما هو أشق ~~منه في قياس العقل من مصنوعاته البديعة أشنع من الأول وأعرق في كونه كفرا ~~«أئذا متنا وكنا ترابا» تقرير للتعجيب وتأكيد للإنكار PageV08P125 # والعامل في مضمر غنى عن البيان لغاية شهرته مع دلالة ما بعده عليه أي ~~أحين نموت ونصير ترابا نرجع كما ينطق به النذير والمنذر به مع كمال التباين ~~بيننا وبين الحياة حينئذ وقرئ إذا متنا على لفظ الخبر أو على حذف أداة ~~الإنكار «ذلك» إشارة إلى محل النزاع «رجع بعيد» أي عن الأوهام أو العادة أو ~~الإمكان وقيل الرجع بمعنى المرجوع الذي هو الجواب فناصب الظرف حينئذ ما ~~ينبئ عنه المنذر من البعث «قد علمنا ما تنقص الأرض منهم» زد لاستبعادهم ~~وإزاحة له فإن من عم علمه ولطف ms3054 حتى انتهى إلى حيث علم ما تنقص الأرض من ~~أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم كيف يستبعد رجعه إياهم أحياء كما ~~كانوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب وقيل ما ~~تنقص الأرض منهم ما يموت فيدفن في الأرض منهم «وعندنا كتاب حفيظ» حافظ ~~لتفاصيل الأشياء كلها أو محفوظ من التغير والمراد إما تمثيل علمه تعالى ~~بكليات الأشياء وجزئياتها بعلم من عنده كتاب محيط يتلقى منه كل شئ أو تأكيد ~~لعلمه تعالى بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده «بل كذبوا بالحق» إضراب ~~وانتقال من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما هو أشنع منه وافظع وهو ~~تكذيبهم للنبوة الثابتة بالمعجزات الباهرة «لما جاءهم» من غير تأمل وتفكر ~~وقرئ لما جاءهم بالكسر على ان اللام للتوقيت أي وقت مجيئه إياهم وقيل الحق ~~القرآن أو الإخبار بالبعث «فهم في أمر مريج» أي مضطرب لا قرارا له من مرج ~~الخاتم في أصبعه حيث يقولون تارة إنه شاعر وتارة ساحر وأخرى كاهن «أفلم ~~ينظروا» أي أغفلوا أو أعموا فلم ينظروا «إلى السماء فوقهم» بحيث يشاهدونها ~~كل وقت «كيف بنيناها» أي رفعناها بغير عمد «وزيناها» بما فيها من الكواكب ~~المرتبة على نظام بديع «وما لها من فروج» من فتوق لملاستها وسلامتها من كل ~~عيب وخلل ولعل تأخير هذا لمراعاة الفواصل «والأرض مددناها» أي بسطناها ~~«وألقينا فيها رواسي» جبالا ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت والتعبير عنها بهذا ~~الوصف للإيذان بأن إلقاءها بإرساء الأرض بها «وأنبتنا فيها من كل زوج» من ~~كل صنف «بهيج» حسن «تبصرة وذكرى» علتان للأفعال المذكورة معنى وإن انتصبتا ~~بالفعل الأخير أو لفعل مقدر بطريق الاستئناف أي فعلنا ما فعلنا تبصيرا ~~وتذكيرا «لكل عبد منيب» أي راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنائعه PageV08P126 # وقوله تعالى «ونزلنا من السماء ماء مباركا» أي كثير المنافع شروع في بيان ~~كيفية إنبات ما ذكر من كل زوج بهيج وهو عطف على أنبتنا وما بينهما على ~~الوجه الأخير اعتراض مقرر لما قبله ms3055 ومنبه على ما بعده «فأنبتنا به» أي بذلك ~~الماء «جنات» كثيرة أي أشجارا ذوات ثمار «وحب الحصيد» أي حب الزرع الذي ~~شانه أن يحصد من البر والشعير وأمثالهما وتخصيص إنبات حبه بالذكر لأنه ~~المقصود بالذات «والنخل» عطف على جنات وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في ~~الجنات لبيان فضلها على سائر الأشجار وتوسيط الحب بينهما لتأكيد استقلالها ~~وامتيازها عن البقية مع ما فيها من مراعاة الفواصل «باسقات» أي طوالا أو ~~حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من باب أفعل فهو فاعل وقرئ باصقات ~~لأجل القاف «لها طلع نضيد» أي منضود بعضه فوق بعض والمراد تراكم الطلع أو ~~كثرة ما فيه من الثمر والجملة حال من النخل كباسقات بطريق الترادف أو من ~~ضميرها في باسقات على التداخل أو الحال هو الجار والمجرور وطلع مرتفع به ~~على الفاعلية وقوله تعالى «رزقا للعباد» أي لنرزقهم علة لقوله تعالى ~~فأنبتنا وفي تعليله بذلك بعد تعليل أنبتنا الأول بالتبصرة والتذكير تنبيه ~~على أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكر والاستبصار ~~أهم وأقدم من تمتعه به من حيث الرزق وقيل رزقا مصدر من معنى أنبتنا لأن ~~الإنبات رزق «وأحيينا به» أي بذلك الماء «بلدة ميتا» أرضا جدبه لا نماء ~~فيها أصلا بأن جعلناها بحيث ربت وأنبتت أنواع النبات والأزهار فصارت تهتز ~~بها بعدما كانت جامدة هامدة وتذكير ميتا لأن البلدة بمعنى البلد والمكان ~~«كذلك الخروج» جملة قدم فيها الخبر للقصد إلى القصر وذلك إشارة إلى الحياة ~~المستفادة من الإحياء وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد رتبتها أي مثل ~~تلك الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور لا شيء مخالف لها وفي التعبير ~~عن إخراج النبات من الأرض بالأحياء وعن حياة الموتى بالخروج تفخيم لشأن ~~الإنبات وتهوين لأمر البعث وتحقيق للمماثلة بين إخراج النبات وإحياء الموتى ~~لتوضيح منهاج القياس وتقريبه إلى أفهام الناس وقوله تعالى «كذبت قبلهم قوم ~~نوح» الخ استئناف وارد لتقرير حقية البعث ببيان كافة الرسل عليهم السلام ~~عليها وتعذيب منكريها «وأصحاب ms3056 الرس» قيل هم ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام ~~وقيل وقيل كما مر في سورة الفرقان على التفصيل «وثمود» «وعاد وفرعون» أي هو ~~وقومه ليلائم ما قبله وما بعده PageV08P127 # «وإخوان لوط» قيل كانوا من أصهاره عليه الصلاة والسلام «وأصحاب الأيكة» ~~هم ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام غير أهل مدين «وقوم تبع» سبق شرح حالهم ~~في سورة الدخان «كل كذب الرسل» أي فيما أرسلوا به من الشرائع التي من ~~جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة أي كل قوم من الأقوام المذكورين كذبوا ~~رسولهم أو كذب جميعهم جميع الرسل بالمعنى المذكور وإفراد الضمير باعتبار ~~لفظ الكل أو كل واحد منهم كذب جمع الرسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد ~~والإنذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل وهذا على تقدير رسالة ~~تبع ظاهر وأما على تقدير عدمها وهو الأظهر فمعنى تكذيب قومه الرسل تكذيبهم ~~بمن قبلهم من الرسل المجمعين على التوحيد والبعث وإلى ذلك كان يدعوهم تبع ~~«فحق وعيد» أي فوجب وحل عليهم وعيدى وهي كلمة العذاب وفيه تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتهديد لهم «أفعيينا بالخلق الأول» استئناف مقرر لصحة البعث ~~الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة والعى بالأمر العجز عنه يقال ~~عى بالأمر وعى به إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة للإنكار والفاء للعطف على ~~مقدر ينبئ عنه العى من القصد والمباشرة كأنه قيل أقصدنا الخلق الأول فعجزنا ~~عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة «بل هم في لبس من خلق جديد» عطف على مقدر ~~يدل عليه ما قبله كأنه قيل هم غير منكرين لقدرتنا على خلق الأول بل هم في ~~خلط وشبهة في خلق مستأنف لما فيه من مخالفة العادة وتنكير خلق لتفخيم شأنه ~~والاشعار بخروجه عن حدود العادات والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه ويهتم ~~بمعرفته «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه» أي ما تحدثه به نفسه ~~وهو يخطر بالبال والوسوسة الصوت الخفي ومنه وسواس الحلى والضمير لما إن ~~جعلت موصولة والباء كما في ms3057 صوت بكذا أو للإنسان وإن جعلت مصدرية والباء ~~للتعدية «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من ~~حبل الوريد عبر عن قرب العلم بقرب الذات تجوزا لأنه موجب له وحبل الوريد ~~مثل في فرط القرب والحبل العرق وإضافته بيانية والوريدان عرقان مكتنفان ~~بصفحتى العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه وقيل سمى وريدا ~~لأن الروح ترده «إذ يتلقى المتلقيان» منصوب بما في أقرب من معنى الفعل ~~والمعنى أنه لطيف يتوصل علمه إلى ما لا شيء أخفى منه وهو أقرب من الإنسان ~~من كل قريب حين يتلقى ويتلقن الحفيظان ما يتلفظ به وفيه إيذان بأنه تعالى ~~غنى عن استحفاظها لإحاطة علمه بما يخفى عليهما وإنما ذلك لما كتبتها ~~وحفظهما لأعمال العبد وعرض صحائفهما يوم يقوم الأشهاد وعلم العبد بذلك مع ~~علمه PageV08P128 # بإحاطته تعالى بتفاصيل أحواله خبرا من زيادة لطف له في الكف عن السيئات ~~والرغبة في الحسنات وعنه عليه الصلاة والسلام أن مقعد ملكيك على ثنيتيك ~~ولسانك قلبهما وريقك مدادهما وأنت تجرى فيما لا يعنيك لا تستحى من الله ولا ~~منهما وقد جوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب على معنى أنا أقرب إليه ~~مطلعون على أعماله لأن حفظتنا وكتبتنا موكلون به «عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد» أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد أي مقاعد كالجليس بمعنى المجالس ~~لفظا ومعنى فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قول من قال [رماني بأمر ~~كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني] وقيل يطلق الفعيل على الواحد ~~والمتعدد كما في قوله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير «ما يلفظ من قول» ما ~~يرمى به من فيه من خير أو شر وقرئ ما يلفظ على البناء للمفعول «إلا لديه ~~رقيب» ملك يرقب قوله ويكتبه فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين بعينه وإلا فهو ~~صاحب الشمال ووجه تغيير العنوان غنى عن البيان والإفراد مع وقوفهما معا على ~~ما صدر عنه لما أن كلا منهما رقيب لما فوض إليه ms3058 لا لما فوض إلى صاحبه كما ~~ينبأ عنه قوله تعالى «عتيد» أي معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير أو الشر ~~ومن لم ينتبه له توهم ان معناه رقيبان عتيدان وتخصيص القول بالذكر لإثبات ~~الحكم في الفعل بدلالة النص واختلاف فيما يكتبانه فقيل يكتبان كل شئ حتى ~~أنينه في مرضه وقيل إنما يكتبان ما فيه من أجر أو وزر وهو الأظهر كما ينبئ ~~عنه قوله صلى الله عليه وسلم كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات ~~على يساره وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك ~~اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات ~~لعله يسبح أو يستغفر «وجاءت سكرة الموت بالحق» بعدما ذكر استبعادهم للبعث ~~والجزاء وأزيح ذلك بتحقيق قدرته تعالى وعلمه وبين أن جميع أعمالهم محفوظة ~~مكتوبة عليهم اتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث وما ~~يتفرع عليه من الأحوال والأهوال وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي ~~إيذانا بتحقيقها وغاية اقترابها وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء ~~إما للتعدية كما في قولك جاء الرسول بالخبر والمعنى أحضره سكرة الموت حقيقة ~~الامر الذي نطقت به كتب الله ورسله أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة ~~الميت وشقاوته وقيل الحق الذي لابد أن يكون لا محالة من الموت أو الجزاء ~~فإن الإنسان خلق له وإما للملابسة كالتي في قوله تعالى تنبت بالدهن أي ~~ملتبسة بالحق أي بحقيقة الامر أو بالحكمة والغاية الجميلة وقرئ سكرة الحق ~~بالموت والمعنى أنها السكرة التي كتبت على الإنسان بموجب الحكمة وأنها ~~لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه وقيل الباء بمعنى مع وقيل سكرة الحق ~~سكرة الله تعالى على أن الإضافة للتهويل PageV08P129 # وقرئ سكرات الموت «ذلك» اى الموت «ما كنت منه تحيد» أي تميل وتنفر عنه ~~والخطاب للإنسان فإن النفرة عنه شاملة لكل فرد من أفراده طبعا «ونفخ في ~~الصور» هي النفخة الثانية «ذلك» أي وقت ذلك النفخ على حذف المضاف «يوم ms3059 ~~الوعيد» اى يوم إنجاز الوعيد الواقع في الدنيا أي يوم وقوع الوعيد على أنه ~~عبارة عن العذاب الموعود وقيل ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من نفخ فإن ~~الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان وتخصيص الوعيد بالذكر مع انه يوم ~~الوعد أيضا لتهويله ولذلك بدىء ببيان حال الكفرة «وجاءت كل نفس» من النفوس ~~البرة والفاجرة «معها سائق وشهيد» وإن اختلفت كيفية السوق والشهادة حسب ~~اختلاف النفوس عملا أي معها ملكان أحدهما يسوقها إلى المحشر والآخر يشهد ~~بعملها أو ملك جامع بين الوصفين كأنه قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها وقيل ~~السائق كاتب السيئات والشهيد كاتب الحسنات وقيل السائق نفسه أو قرينه ~~والشهيد جوارحه أو أعماله ومحل معها النصب على الحالية من كل لإضافته إلى ~~ما هو في حكم المعرفة كأنه قيل كل النفوس أو الجر على أنه وصف لنفس أو ~~الرفع على أنه وصف لكل وقوله تعالى «لقد كنت في غفلة من هذا» محكى بإضمار ~~قول هو إما صفة أخرى لنفس أو حال أخرى منها أو استئناف مبنى على سؤال نشأ ~~مما قبله كأنه قيل فماذا يفعل بها فقيل يقال لقد كنت في غفلة الخ وخطاب ~~الكل بذلك لما أنه ما من أحد إلا وله غفلة ما من الآخرة وقيل الخطاب للكافر ~~وقرئ كنت بكسر التاء على اعتبار تأنيث النفس والتذكير على القراءة المشهورة ~~بتأويل الشخص كما في قول جبلة بن حريث * يا نفس إنك باللذات مسرورا * فاذكر ~~فهل ينفعك اليوم تذكير * «فكشفنا عنك غطاءك» الغطاء الحجاب المغطى لأمور ~~المعاد وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والألف بها وقصر النظر عليها ~~«فبصرك اليوم حديد» نافذ لزوال المانع للإبصار وقرئ بكسر الكاف المواضع ~~الثلاثة «وقال قرينه» اى الشيطان المقيض له مشيرا إليه «هذا ما لدي عتيد» ~~أي هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي وقيل ~~قال الملك الموكل به مشيرا إلى ما معه من كتاب عمله هذا مكتوب عندي عتيد ~~مهيأ للعرض وما إن جعلت موصوفة ms3060 فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فهي بدل منها ~~أو خبر بعد خبر أو خبر لمبتدأ محذوف «ألقيا في جهنم كل كفار» خطاب من الله ~~تعالى للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة النار PageV08P130 # أو لواحد على تنزيل تثنية الفاعل تثنية الفعل وتكريره كقول من قال [فإن ~~تزجرانى يا ابن عفان أنزجر * وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا] أو على أن الألف ~~بدل من نون التأكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف ويؤيده أنه قرىء ألقين ~~بالنون الخفية «عنيد» معاند للحق «مناع للخير» كثير المنع للمال عن حقوقه ~~المفروضة وقيل المراد بالخير الإسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ~~لما منع بني أخيه منه «معتد» ظالم متخط للحق «مريب» شاك في الله وفي دينه ~~«الذي جعل مع الله إلها آخر» مبتدأ متضمن لمعنى الشرط خبره «فألقياه في ~~العذاب الشديد» أو بدل من كل كفار وقوله تعالى فألقياه تكرير للتوكيد أو ~~مفعول لمضمر يفسره فألقياه «قال قرينه» أي الشيطان المقيض له وإنما استؤنف ~~استئناف الجمل الواقعة في حكاية المقاولة لما أنه جواب لمحذوف دل عليه قوله ~~تعالى «ربنا ما أطغيته» فإنه منبىء عن سابقة كلام اعتذر به الكافر كأنه قال ~~هو أطغاني فأجاب قرينه بتكذيبه وإسناد الطغيان إليه بخلاف الجملة الأولى ~~فإنها واجبة العطف على ما قبلها دلالة على أن الجمع بين مفهوميهما في ~~الحصول أعنى مجىء كل نفس مع الملكين وقول قرينه «ولكن كان» هو بالذات «في ~~ضلال بعيد» من الحق فأعنته عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير فسر وإلجاء ~~كما في قوله تعالى وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~«قال» استئناف مبنى على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل فماذا قال الله تعلى ~~فقيل قال «لا تختصموا لدي» أي في موقف الحساب والجزاء إذ لا فائدة في ذلك ~~«وقد قدمت إليكم بالوعيد» على الطغيان في دار الكسب في كتبي وعلى ألسنة ~~رسلي فلا تطعموا في الخلاص عنه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة ~~والجملة حال فيها ms3061 تعليل للنهي على معنى لا تختصموا وقد صح عندكم أنى قدمت ~~إليكم بالوعيد حيث قلت لإبليس لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن ~~فاتبعوه معرضين عن الحق فلا وجه للاختصام في هذا الوقت والباء مزيدة أو ~~معدية على ان قدم بمعنى تقدم وقد جوز أن يكون قدمت واقعا على قوله تعالى ~~«ما يبدل القول لدي» الخ ويكون الوعيد متعلقا بمحذوف هو حال من المفعول أو ~~الفاعل أي وقد قدمت إليكم هذا القول ملتبسا بالوعيد مقترنا به أو قدمته ~~إليكم موعدا لكم به فلا تطمعوا أن أبدل وعيدى والعفو عن بعض المذنبين ~~لأسباب داعية إليه ليس بتبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد وقوله ~~تعالى «وما أنا بظلام للعبيد» وارد لتحقيق الحق على الوجه PageV08P131 # الكلى وتبين أن عدم تبديل القول وتحقيق موجب الوعيد ليس من جهته تعالى من ~~غير استحقاق له منهم بل إنما ذلك بما صدر عنهم من الجنايات الموجبة له ~~حسبما أشير إليه آنفا أي وما انا بمعذب للعبيد بغير ذنب ليس بظلم على ما ~~تقرر من قاعدة أهل السنة فضلا عن كونه ظلما مفرطا لبيان كمال نزاهته تعالى ~~عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم وصيغة المبالغة ~~لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في ~~الظلم وقيل هي لرعاية جميعه العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ~~على أنها مبالغة كما لا كيف «يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد» ~~سؤال وجواب جيء بهما على منهاج التمثيل والتخييل لتهويل أمرها ولمعنى أنها ~~مع اتساعها وتباعد أقطارها تطرح فيها من الجنة والناس فوجا بعد فوج حتى ~~تمتلئ أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد محل فارغ أو انها ~~لغيظها عى العصاة تطلب زيادتهم وقرئ يقول بالياء والمزيد إما مصدر كالمحيد ~~والمجيد أو مفعول كالمبيع ويوم إما منصوب باذكر أو أنذر أو ظرف لنفخ فتكون ~~ذلك حينئذ إشارة إليه من غير حاجة إلى ms3062 تقرير مضاف أو لمقدر مؤخر اى يكون من ~~الأحوال والأهوال ما يقصر عنه المقال «وأزلفت الجنة للمتقين» شروع في بيان ~~حال المؤمنين بعد النفخ ومجئ النفوس إلى موقف الحساب وقد مر سر تقديم حال ~~الكفرة عليه وهو عطف على نفخ أي قربت للمتقين عن الكفر والمعاصي بحيث ~~يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم ~~محشورون إليها فائزون بها وقوله تعالى «غير بعيد» تأكيد للإزلاف أي مكانا ~~غير بعيد بحيث يشاهدونها أو حال كونها غير بعيد أي شيئا غير بعيد ويجوز أن ~~يكون التذكير لكونه على زنة المصدر الذي يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث ~~أو لتأويل الجنة بالبستان «هذا ما توعدون» إشارة إلى الجنة والتذكير لما أن ~~المشار إليه هو المسمى من غير أن يخطر بالبال لفظ يدل عليه فضلا عن تذكيره ~~وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ العربي كما مر في قوله تعالى فلما رأى الشمس ~~بازغة قال هذا ربي وقوله تعالى ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله ويجوز أن يكون ذلك لتذكير الخبر وقيل هو إشارة إلى ثواب ~~وقيل إلى مصدر أزلفت وقرئ يوعدون والجملة إما اعتراض بين البدل والمبدل منه ~~وإما مقدر بقول هو حال من المتقين أو من الجنة والعامل أزلفت أي مقولا لهم ~~أو مقولا في حقها هذا ما توعدون «لكل أواب» أي رجاع إلى الله تعالى بدل من ~~المتقين بإعادة الجار «حفيظ» حافظ لتوبته من النقص وقيل هو الذي يحفظ ذنوبه ~~حتى يرجع عنها ويستغفر منها وقيل هو الحافظ لأوامر الله تعالى وقيل لما ~~استودعه الله تعالى من حقوقها PageV08P132 # «من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب» بدل بعد بدل أو بدل من موصوف أواب ~~ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن من لا يوصف به ولا يوصف إلا بالذي أو مبتدأ ~~خبره «ادخلوها» بتأويل يقال لهم ادخلوها والجمع باعبتار معنى من قوله تعالى ~~بالغيب متعلق بمحذوف هو حال من فاعل خشي أو مفعوله أو صفة لمصدره ms3063 أي خشية ~~ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب عن الأعين لا يراه أحد والتعرض ~~لعنوان الرحمانية للإشارة بأنهم مع خشيتهم عقابه راجون رحمته أو بان علمهم ~~بسعة رحمته تعالى لا يصدهم عن خشيته تعالى وأنهم عاملون بموجب قوله تعالى ~~نبىء عبادي أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ووصف القلب ~~بالإنابة لما أن العبرة برجوعه إلى الله تعالى «بسلام» متعلق بمحذوف هو حال ~~من فاعل ادخلوها أي ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم أو بسلام من جهة ~~الله تعالى وملائكته «ذلك» إشارة إلى الزمان الممتد الذي وقع في بعض منه ما ~~ذكر من الأمور «يوم الخلود» إذ لا انتهاء له أبدا «لهم ما يشاؤون» من فنون ~~المطالب كائنا ما كان «فيها» متعلق بيشاؤن وقيل بمحذوف هو حال من الموصول ~~أو من عائده المحذوف من صلته «ولدينا مزيد» هو مالا يخطر ببالهم ولا يندرج ~~تحت مشيئتهم من معالى الكرامات التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر وقيل إن السحاب تمر باهل الجنة فتمطرهم الحور فتقول نحن المزيد ~~الذي قال تعالى ولدينا مزيد «وكم أهلكنا قبلهم» أي قبل قومك «من قرن هم أشد ~~منهم بطشا» أي قوة كعاد وأضرابها «فنقبوا في البلاد» أي خرقوا فيها ودوخوا ~~وتصرفوا في أقطارها أو جالوا في أكناف الأرض كل مجال حذار الموت واصل ~~التنقيب والنقب التنقير عن الأمر والبحث والطلب والفاء للدلالة على ان شدة ~~بطشهم أقدرتهم على التنقيب قيل هي عاطفة في المعنى كأنه قيل أشتد بطشهم ~~فنقبوا الخ وقرئ بالتخفيف «هل من محيص» أي هل لهم من مخلص من أمر الله ~~تعالى والجملة إما على إضمار قول هو حال من واو نقبوا أي فنقبوا في البلاد ~~قائلين هل من محيص أو على إجراء التنقيب لما فيه من معنى التتبع والتفتيش ~~مجرى القول أو هو كلام مستأنف وارد لنفى أن يكون لهم محيص وقيل ضمير نقبوا ~~لأهل مكة أي ساروا في مسايرهم وأسفارهم في بلاد القرون فهل ms3064 رأوا لهم محيصا ~~حتى يؤملوا مثله لأنفسهم ويعضده القراءة على صيغة الأمر وقرئ فنقبوا بكسر ~~القاف من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم ~~أو أخفاف إبلهم PageV08P133 # «إن ذلك» أي فيما ذكر من قصتهم وقيل فيما ذكر في السورة «لذكري» لتذكرة ~~وعظة «لمن كان له قلب» أي قلب سليم يدرك به كنه ما يشاهده من الأمور ويتفكر ~~فيها كما ينبغي فإن من كان له ذلك يعلم أن مدار دمارهم هو الكفر فيرتدع عنه ~~بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير «أو ألقى السمع» أي إلى ما يتلى عليه من ~~الوحي الناطق بما جرى عليهم فإن من فعله يقف على جلية الأمر فيزجر عما يؤدى ~~إليه من الكفر فكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع فإن إلقاء السمع لا يجدى بدون ~~سلامة القلب كما يلوح به قوله تعالى «وهو شهيد» أي حاضر بفطنته لأن من لا ~~يحضر ذهنه فكأنه غائب وتجريد القلب عما ذكر من الصفات للإيذان بأن من عرى ~~قلبه عنها كمن لا قلب له أصلا «ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما» من ~~أصناف المخلوقات «في ستة أيام وما مسنا» بذلك مع كونه مما لا يفي به القوى ~~والقدر «من لغوب» من إعياء ما ولا تعب في الجملة وهذا رد على جهلة اليهود ~~في زعمهم أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح ~~يوم السبت واستلقى على العرش سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا «فاصبر ~~على ما يقولون» أي ما يقوله المشركون في شأن البعث من الأباطيل المبنية على ~~الإنكار والاستبعاد فإن من فعل هذه الأفاعيل بلا فتور قادر على بعثهم ~~والانتقام منهم أو ما يقوله اليهود من مقالات الكفر والتشبيه «وسبح بحمد ~~ربك» أي نزهه تعالى عن العجز عما يمكن وعن وقوع الخلف في إخباره التي من ~~جملتها الإخبار بوقوع البعث وعن وصفه تعالى بما يوجب التشبيه حامدا له ~~تعالى على ما أنعم به عليك من إصابة الحق وغيرها «قبل طلوع الشمس ms3065 وقبل ~~الغروب» هما وقت الفجر والعصر وفضيلتهما مشهورة «ومن الليل فسبحه» وسبحه ~~بعض الليل «وأدبار السجود» وأعقاب الصلوات جمع دبر وقرئ بالكسر من أدبرت ~~الصلاة إذا انقضت وتمت ومعناه وقت انقضاء السجود وقيل المراد بالتسبيح ~~الصلوات فالمراد بما قبل الطلوع صلاة الفجر وبما قبل الغروب الظهر والعصر ~~وبما من الليل العشاءان والتهجد وما يصلى بأدبار السجود النوافل بعد ~~المكتوبات «واستمع» أي لما يوحى إليك من أحوال القيامة وفيه تهويل وتفظيع ~~للمخبر به «يوم يناد المناد» أي إسرافيل أو جبريل عليهما السلام فيقول ~~أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن ~~تجتمعن لفصل القضاء وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادى بالحشر «من مكان قريب» ~~بحيث يصل PageV08P134 # نداؤه إلى الكل على سواء وقيل من صخرة بيت المقدس وقيل من تحت أقدامهم ~~وقيل من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة ولعل ذلك في الإعادة مثل كن في البدء ~~«يوم يسمعون الصيحة» بدل من يوم ينادى الخ وهى النفخة الثانية «بالحق» ~~متعلق بالصيحة والعامل في الظرف ما يدل عليه قوله تعالى «ذلك يوم الخروج» ~~أي يوم يسمعون الصيحة ملتبسة بالحق الذي هو البعث يحرجون من القبور «إنا ~~نحن نحيي ونميت» في الدنيا من غير أن يشاركنا في ذلك أحد «وإلينا المصير» ~~للجزاء في الآخرة لا إلى غيرنا لا استقلا ولا اشتراكا «يوم تشقق الأرض ~~عنهم» بحذف إحدى التاءين من تتشقق وقرئ بتشديد الشين وتشقق على البناء ~~للمفعول من التفعيل وتنشق «سراعا» مسرعين «ذلك حشر» بعث وجمع وسوق «علينا ~~يسير» أي هين وتقديم الجار والمجرور لتخصيص اليسر به تعالى «نحن أعلم بما ~~يقولون» من نفى البعث وتكذيب الآيات الناطقة به وغير ذلك مما لا خير فيه ~~«وما أنت عليهم بجبار» بمتسلط تقسرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد ~~وإنما أنت مذكر «فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» وأما من عداهم فنحن نفعل بهم ~~ما توحيه أقوالهم وتستدعيه أعمالهم من ألوان العقاب وفنون العذاب عن النبي ~~عليه الصلاة والسلام من قرأ سورة ق هون ms3066 الله عليه ثأرات الموت وسكراته ~~PageV08P135 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «والذاريات ذروا» أي الرياح التي تذرو التراب ~~وغيرها وقرئ بإدغام التاء في الذال «فالحاملات وقرا» أي السحب الحاملة ~~للمطر أو الرياح الحاملة للسحاب وقرئ وقرا على تسمية المحمول بالمصدر ~~«فالجاريات يسرا» أي السفن الجارية في البحر أو الرياح الجارية في مهابها ~~أو السحب الجارية في الجو بسوق الرياح أو الكواكب الجارية في مجاريها ~~ومنازلها ويسرا صفة لمصدر محذوف أي جريا ذا يسر «فالمقسمات أمرا» أي ~~الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها أو السحب التي يقسم ~~الله تعالى بها أرزاق العباد وقد جوز أن يراد بالكل الرياح تنزيلا لاختلاف ~~العنوان منزلة اختلاف الذات فإنها كما تذر وما تذروه تثير السحاب وتحمله ~~وتجرى في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب في الأقطار فإن حملت ~~الأمور المقسم بها على ذوات مختلفة فالفاء لترتيب الأقسام باعتبار ما بينها ~~من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة وإلا فهي لترتيب ما صدر عن الريح من ~~الأفاعيل فإنها تذر الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحابا فتجرى به باسطة له ~~إلى ما أمرت به فتقسم المطر وقوله تعالى «إنما توعدون لصادق» «وإن الدين ~~لواقع» جواب للقسم وفى تحصيص الأمور المذكورة بالأقسام بها رمز إلى شهادتها ~~بتحقق مضمون الجملة المقسم عليها من حيث أنها أمور بديعة مخالفة لمقتضى ~~الطبيعة فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود وما موصولة أو مصدرية ~~ووصف الوعد بالصدق كوصف العيشة بالرضا والدين الجزاء ووقوعه حصوله ~~PageV08P136 # «والسماء ذات الحبك» قال ابن عباس وقتادة وعكرمة ذات الخلق المستوى وقال ~~سعيد بن جبير ذات الزينة وقال مجاهد هي المتقنة البنيان وقال مقاتل والكلبي ~~والضحاك ذات الطرائق والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو ~~المعقولة التي يسلكها النظار أو النجوم فإن لها طرائق وعن الحسن حبكها ~~نجومها حيث تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشى وهى إما جمع حباك أو حبيكة ~~كمثال ومثل وطريقة وطرق وقرئ الحبك بوزن السلك والحبك كالجبل والحبك كالبرق ~~والحبك ms3067 كالنعم والحبك كالإبل «إنكم لفي قول مختلف» أي متخالف متناقض وهو ~~قولهم في حقه عليه الصلاة والسلام تارة شاعر وأخرى ساحر وأخرى مجنون وفى ~~شأن القرآن الكريم تارة شعر وأخرى سحر وأخرى أساطير وفى هذا الجواب تأييد ~~ليكون الحبك عبارة عن الاستواء كما يلوح به ما نقل عن الضحاك من ان قول ~~الكفرة لا يكون مستويا إنما هو متناقض مختلف وقيل النكتة في هذا القسم ~~تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافى أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها ~~واختلاف غاياتها وليس بذاك «يؤفك عنه من أفك» أي يصرف عن القرآن أو الرسول ~~عليه الصلاة والسلام من صرف إذ لا صرف أفظع منه وأشد وقيل يصرف عنه من صرف ~~في علم الله تعالى وقضائه ويجوز أن يكون الضمير للقول المختلف على معنى ~~يصدر إفك من أفك عن ذلك القول وقريء من إفك عن ذلك القول وقرئ من افك أي من ~~أفك الناس وهم قريش حيث كانوا يصدون الناس عن الإيمان «قتل الخراصون» دعاء ~~عليهم كقوله تعالى قتل الإنسان ما أكفره وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم ~~جرى مجرى لعن والخراصون الكذابون المقدرون ما لا صحة له وهم أصحاب القول ~~المختلف كأنه قيل قتل هؤلاء الخراصون وقرئ قتل الخراصين أي قتل الله «الذين ~~هم في غمرة» من الجهل والضلال «ساهون» غافلون عما أمروا به «يسألون أيان ~~يوم الدين» أي متى وقوع يوم الجزاء لكن لا بطريق الاستعلام حقيقة بل بطريق ~~الاستعجال استهزاء وقرئ إيان بكسر الهمزة «يوم هم على النار يفتنون» جواب ~~للسؤال أي يقع يوم هم على النار يحرقون PageV08P137 # ويعذبون ويجوز أن يكون يوم خبرا لمبتدأ محذوف أي هو يوم هم الخ والفتح ~~لإضافة إلى غير متمكن ويؤيده أنه قرىء بالرفع «ذوقوا فتنتكم» أي مقولا لهم ~~هذا القول وقوله تعالى «هذا الذي كنتم به تستعجلون» جملة من مبتدأ وخبر ~~داخلة تحت القول المضمر أي هذا ما كنتم تستعجلون به بطريق الاستهزاء ويجوز ~~أن يكون هذا بدلا من فتنتكم بتأويل العذاب والذي صفته «إن المتقين في ms3068 جنات ~~وعيون» لا يبلغ كنهها ولا يقادر قدرها «آخذين ما آتاهم ربهم» أي قابلين لما ~~أعطاهم راضين به على معنى أن كل ما آتاهم حسن مرضى يتلقى بحسن القبول «إنهم ~~كانوا قبل ذلك» في الدنيا «محسنين» أي لأعمالهم الصالحة آتين بها على ما ~~ينبغي فلذلك نالوا ما نالوا من الفوز العظيم ومعنى الإحسان بالإجمال ما ~~أشار إليه عليه الصلاة والسلام بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك وقد فسر بقوله تعالى «كانوا قليلا من الليل ما يهجعون» أي ~~كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل على أن قليلا ظرف أو كانوا يهجعون ~~هجوعا قليلا على أنه صفة للمصدر وما مزيدة في الوجهين ويجوز أن تكون مصدرية ~~أو موصولة مرتفعة بقليلا على الفاعلية أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم أو ~~ما يهجعون فيه وفيه للمبالغات في تقليل نومهم واسراحتهم ذكر القليل والليل ~~الذي هو وقت الراحة والهجوع الذي هو الغرار من النوم وزيادة ما ولا مساغ ~~لجعل ما نافية على معنى أنهم لا يهجعون من الليل قليلا بل يحيونه كله لما ~~أن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها «وبالأسحار هم يستغفرون» أي هم ~~مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم يداومون على الاستغفار في الأسحار كأنهم أسلفوا ~~ليلهم باقتراف الجرائم وفي بناء الفعل على الضمير إشعار بأنهم الأحقاء بأن ~~يوصفوا بالاستغفار كأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه «وفي ~~أموالهم حق» أي نصيب وافر يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى ~~واشفاقا على الناس «للسائل والمحروم» للمستجدى والمتعفف الذي يحسبه الناس ~~غنيا فيحرم الصادقة «وفي الأرض آيات للموقنين» أي دلائل واضحة على شؤونه ~~تعالى على التفاصيل من حيث أنها مدحوة PageV08P138 # كالبساط الممهد وفيها مسالك وفجاج للمتقلبين في أقطارها والسالكين في ~~مناكبها وفيها سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات وعيون متفجرة ومعادن مفتنة ~~وأنها تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار وأصناف الثمار المختلفة الألوان ~~والطعوم والروائح وفيها دواب منبثة قد رتب كلها ودبر لمنافع ساكنها ~~ومصالحهم في صحتهم ms3069 واعتلالهم «وفي أنفسكم» أي وفي أنفسكم آيات إذ ليس في ~~العالم شيء إلا وفي الأنفس له نظير يدل دلالته على ما انفرد به من الهيئات ~~النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال البديعة ~~واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة «أفلا تبصرون» اى ~~ألا تنظرون فلا تبصرون بعين البصيرة «وفي السماء رزقكم» أي أسباب رزقكم أو ~~تقديره وقيل المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر فإنه سبب الأقوات «وما ~~توعدون» من الثواب لأن الجنة في السماء السابعة أو لأن الأعمال وثوابها ~~مكتوبة مقدرة في السماء وقيل إنه مبتدأ خبره قوله تعالى «فورب السماء ~~والأرض إنه لحق» على أن الضمير لما وأما على الأول فأماله وأما لما ذكر من ~~أمر الآيات والرزق على انه مستعار لاسم الإشارة «مثل ما أنكم تنطقون» أي ~~كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في حقيته ونصبه على ~~الحالية من المستكن في لحق أو على انه وصف لمصدر محذوف اى أنه لحق حقا مثل ~~نطقكم وقيل إنه مبنى على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت عبارة ~~عن شيء وأن بما في حيزها إن جعلت زائدة ومحله الرفع على انه صفة لحق ويؤيده ~~القراءة بالرفع «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم» تفخيم لشأن الحديث وتنبيه على ~~أنه ليس مما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير طريق الوحي والضيف في ~~الأصل مصدر ضافه ولذلك يطلق على الواحد والجماعة كالزور والصوم وكانوا اثنى ~~عشر ملكا وقيل تسعة عاشرهم جبريل وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وملك آخر معهما ~~عليهم السلام وتسميتهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم ~~عليه السلام أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك «المكرمين» أي المكرمين عند ~~الله تعالى أو عند إبراهيم حيث خدمهم بنفسه وبزوجته «إذ دخلوا عليه» طرف ~~للحديث أو لما في الضيف من معنى الفعل أو المكرمين إن فسر بإكرام إبراهيم ~~«فقالوا سلاما» أي نسلم عليك سلاما «قال» اى إبراهيم «سلام» أي عليكم سلام ~~عدل به ms3070 إلى الرفع بالابتداء للقصد إلى الثبات والدوام حتى تكون تحيته عليه ~~الصلاة والسلام PageV08P139 # أحسن من تحيتهم وقرئا مرفوعين وقرئ سلم وقرئ منصوبا والمعنى واحد «قوم ~~منكرون» أنكرهم عليه الصلاة والسلام للسلام الذي هو علم للإسلام أو لأنهم ~~ليسوا ممن عهدهم من الناس أو لأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ما عليه الناس ~~ولعله عليه الصلاة والسلام إنما قاله في نفسه من غير أن يشعرهم بذلك لا أنه ~~خاطبهم به جهرا أو سألهم أن يعرفوه أنفسهم كما قيل وإلا لكشفوا أحوالهم عند ~~ذلك ولم يتصد عليه الصلاة والسلام لمقدمات الضيافة «فراغ إلى أهله» أي ذهب ~~إليهم على خفية من ضيفه فإن من أدب المضيف أن يبادره بالقرى ويبادر به ~~حذارا من ان يكفه ويعذره أو يصير منتظرا والفاء في قوله تعالى «فجاء بعجل ~~سمين» فصيحة مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بكمال ~~سرعة المجىء بالطعام كما في قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق أي ~~فذبح عجلا فحنذه فجاء به «فقربه إليهم» بأن وضعه لديهم حسبما هو المعتاد ~~«فقال ألا تأكلون» إنكارا لعدم تعرضهم للأكل «فأوجس منهم» أضمر في نفسه ~~«خيفة» لتوهم أنهم جاؤوا للشر وقيل وقع في قلبه أنهم ملائكة جاؤوا للعذاب ~~«قالوا لا تخف» قيل مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يندرج حتى لحق ~~بأمه فعرفهم وأمن منهم «وبشروه» وفي سورة الصافات وبشرناه أي بواسطتهم ~~«بغلام» هو إسحاق عليه السلام «عليم» عنه بلوغه واستوائه «فأقبلت امرأته» ~~سارة لما سمعت بشارتهم إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم «في صرة» في ~~صيحة من الصرير ومحله النصب على الحالية أو المفعولية إن جعل أقبلت بمعنى ~~أخذت كما يقال أقبل يشتمني «فصكت وجهها» أي لطمته من الحياء لما أنها وجدت ~~حرارة دم الطمث وقيل ضربت بأطراف أصابعها جبينها كما يفعله المتعجب «وقالت ~~عجوز عقيم» أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد «قالوا كذلك» مثل ذلك القول الكريم ~~«قال ربك» وإنما نحن معبرون نخبرك به عنه تعالى لا أنا نقوله من ms3071 تلقاء ~~أنفسنا «إنه هو الحكيم العليم» فيكون قوله حقا وفعله متقنا لا محالة روي أن ~~جبريل عليه السلام قال لها انظري إلى سقف بيتك فنظرت فذا جذوعه مورقة مثمرة ~~ولم تكن هذه المفاوضة مع سارة فقط بل مع إبراهيم عليه السلام أيضا حسبما ~~شرح في سورة الحجر وإنما يذكر ههنا اكتفاء بما ذكر هناك كما أنه لم يذكر ~~هناك سارة اكتفاء بما ذكر ههنا وفي سورة هود قال PageV08P140 # أي إبراهيم عليه السلام لما علم أنهم ملائكة أرسلوا لأمر «فما خطبكم» أي ~~ما شأنكم الخطير الذي لأجله أرسلتم سوى البشارة «أيها المرسلون» «قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين» يعنون قوم لوط «لنرسل عليهم» أي بعد ما قلبنا قراهم ~~وجعلنا عاليها سافلها حسبما فصل في سائر السور الكريمة «حجارة من طين» أي ~~طين متحجر هو السجيل «مسومة» مرسلة من أسمت الماشية أي أرسلتها أو معلمة من ~~المسومة وهى العلامة وقد مر تفصيله في سورة هود «عند ربك للمسرفين» ~~المجاوزين الحد في الفجور وقوله تعالى «فأخرجنا» الخ حكاية من جهته تعالى ~~لما جرى على قوم لوط عليه السلام بطريق الإجمال بعد حكاية ما جرى بين ~~الملائكة وبين إبراهيم عليه السلام من الكلام والفاء فصيحة مفصحة عن جمل قد ~~حذفت ثقة بذكرها في مواضع أخر كأنه قيل فباشروا ما أمروا به فأخرجنا بقولنا ~~فأسر بأهلك الخ «من كان فيها» أي في قرى قوم لوط وإضمارها بغير ذكر لشهرتها ~~«من المؤمنين» ممن آمن بلوط «فما وجدنا فيها غير بيت» أي غير أهل بيت «من ~~المسلمين» قيل هم قوم لوط وابنتاه وقيل كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة ~~عشر «وتركنا فيها» آي في القرية «آية» أي علامة دالة على ما أصابهم من ~~العذاب قيل هي تلك الأحجار أو صخر منضود فيها أو ماء منتن «للذين يخافون ~~العذاب الأليم» أي من شأنهم أن يخافوه لسلامة فطرتهم ورقة قلوبهم دون من ~~عداهم من ذوى القلوب القاسية فإنهم لا يعتدون بها ولا يعدونها آية «وفي ~~موسى» عطف على ms3072 قوله تعالى وفى الأرض أو على قوله تعالى وتركنا فيها آية على ~~معنى وجعلنا في موسى أية كقول من قال علفتها تبنا وماءا باردا «إذ أرسلنا» ~~قيل هو منصوب بآية وقيل بمحذوف أي كائنة وقت إرسالنا وقيل بتركنا «إلى ~~فرعون بسلطان مبين» هو ما ظهر على يديه من المعجزات الباهرة «فتولى بركنه» ~~أي فأعرض عن الإيمان به وأزور كقوله تعالى ونأى بجانبه PageV08P141 # وقيل فتولى بما يتقوى به من ملكه وعساكره فإن الركن اسم لما يركن إليه ~~الشيء وقرئ بركنه بضم الكاف «وقال ساحر» أي هو ساحر «أو مجنون» كأنه نسب ما ~~ظهر على يديه عليه الصلاة والسلام من الخوارق العجيبة إلى الجن وتردد في ~~أنه حصل باختياره وسعيه أو بغيرهما «فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم» وفيه ~~امن الدلالة على غاية عظم شأن القدرة الربانية ونهاية قمأة فرعون وقومه ~~«وهو مليم» أي آت بما يلام عليه من الكفر والطغيان والجملة حال من الضمير ~~في فأخذناه «وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم» وصفت بالعقم لأنها ~~أهلكتهم وقطعت دابرهم أو لأنها لم تتضمن خيرا ما من إنشاء مطر أو إلقاح شجر ~~وهي النكباء أو الدبور أو الجنوب «ما تذر من شيء أتت عليه» اى جرت عليه ~~«إلا جعلته كالرميم» هو كل مارم وبلي وتفتت من عظم أو نبات أو غير ذلك «وفي ~~ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين» وهو قوله تعالى تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام قيل قال لهم صالح عليه السلام تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة ~~واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب «فعتوا عن أمر ربهم» أي فاستكبروا عن ~~الامتثال به «فأخذتهم الصاعقة» قيل لما رأوا العلامات إلي بينها صالح عليه ~~السلام من اصفرار وجوههم واحمرارها واسودادها عمدوا إلى قتله عليه السلام ~~فنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنطوا ~~وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم الصيحة فهلكوا وقرئ الصعقة وهي المرة من الصعق ~~«وهم ينظرون» إليها ويعاينونها «فما استطاعوا من قيام» كقوله تعالى فأصبحوا ~~في دارهم ms3073 جاثمين «وما كانوا منتصرين» بغيرهم كما لم يمتنعوا بأنفسهم «وقوم ~~نوح » أي وأهلكنا قوم نوح فإن ما قبله يدل عليه أو واذكر ويجوز أن يكون ~~معطوفا على محل عاد ويؤيده القراءة بالجر وقيل هو معطوف على مفعول فأخذناه ~~«من قبل» أي من قبل هؤلاء المهلكين «إنهم كانوا قوما فاسقين» خارجين عن ~~الحدود فيما كانوا فيه من الكفر والمعاصي «والسماء بنيناها بأيد» أي بقوة ~~«وإنا لموسعون» PageV08P142 # لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الإنفاق أو لموسعون ~~السماء أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق «والأرض فرشناها» مهدناها وبسطناها ~~ليستقروا عليها «فنعم الماهدون» أي نحن «ومن كل شيء» أي من الأجناس «زوجين» ~~أي نوعين ذكرا وأنثى متقابلين السماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ~~والبر والبحر ونحو ذلك «لعلكم تذكرون» أي فعلنا ذلك كله كي تتذكروا فتعرفوا ~~أنه خالق الكل ورازقه وأنه المستحق للعبادة وأنه قادر على إعادة الجميع ~~فتعملوا بمقتضاه وقوله تعالى «ففروا إلى الله» مقدر لقول خوطب به النبي صلى ~~الله عليه وسلم بطريق التلوين والفاء إما لترتيب الأمر على ما حكى من أثار ~~غضبه الموجبة للفرار منها ومن أحكام رحمته المستدعية للفرار إليها كأنه قيل ~~قل لهم إذا كان الأمر كذلك فاهربوا إلى الله الذي هذه شؤونه بالإيمان ~~والطاعة كي تنجوا من عقابه وتفوزوا بثوابه وإما للعطف على جملة مقدرة ~~مترتبة على قوله تعالى لعلكم تذكرون كأنه قيل قل لهم فتذكروا ففروا إلى ~~الله الخ وقوله تعالى «إني لكم منه نذير مبين» تعليل للأمر بالفرار إليه ~~تعالى أو لوجوب الامتثال به فإن كونه عليه الصلاة والسلام منذرا منه تعالى ~~موجب عليه عليه الصلاة والسلام أن يأمرهم بالفرار إليه وعليهم أن يمتثلوا ~~به أي إني لكم من جهته تعالى منذر بين كونه منذرا أو مظهر لما يجب إظهاره ~~من العذاب المنذر به وفي أمره تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم بان يأمرهم ~~بالهرب إليه تعالى من عقابه وتعليله بأنه عليه الصلاة والسلام ينذرهم من ~~جهته تعالى لا من تلقاء نفسه ms3074 وعد كريم بنجاتهم من المهروب وفوزهم بالمطلوب ~~وقوله تعالى «ولا تجعلوا مع الله إلها آخر» نهى موجب للفرار من سبب العقاب ~~بعد الأمر بالفرار من نفسه كما يشعر به قوله تعالى إني لكم منه أي من الجعل ~~المنهى عنه «نذير مبين» فإن تعلق كلمة من بالإنذار مع كون صلته الباء ~~بتضمينه معنى الإفرار يقال فر منه أي هرب وأفره غيره كأنه قيل وفروا من أن ~~تجعلوا معه تعالى اعتقادا أو قولا إلها آخر وفيه تأكيد لما قبله من الأمر ~~بالفرار من العقاب إليه تعالى لكن لا بطريق التكرير كما قيل بل بالنهى عن ~~سببه وإيجاب الفرار «كذلك» أي الأمر مثل ما ذكر من تكذيبهم الرسول وتسميتهم ~~له ساحرا أو مجنونا وقوله تعالى «ما أتى الذين من قبلهم» الخ تفسير له أي ~~ما أتاهم «من رسول» من رسل الله «إلا قالوا» في حقه «ساحر أو مجنون» ولا ~~سبيل إلى انتصاب الكاف بأتى لامتناع عمل ما بعد PageV08P143 # ما النافية فيما قبلها «أتواصوا به» إنكار وتعجيب من حالهم وإجماعهم على ~~تلك الكلمة الشنيعة التي لا تكاد تخطر ببال أحد من العقلاء فضلا عن التفوه ~~بها أي أوصى بهذا القول بعضهم بعضا حتى اتفقوا عليه وقوله تعالى «بل هم قوم ~~طاغون» إضراب عن كون مدار اتفاقهم على الشر تواصيهم بذلك وإثبات لكونه أمرا ~~أقبح من التواصى وأشنع منه من الطغيان الشامل للكل الدال على ان صدور تلك ~~الكلمة الشنيعة عن كل واحد منهم بمقتضى جبلته الخبيثة لا بموجب وصية من ~~قبلهم بذلك من غير أن يكون ذلك مقتضى طباعهم «فتول عنهم» فأعرض عن جدالهم ~~فقد كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإباء «فما أنت بملوم» على التولي بعد ما ~~بذلت المجهود وجاوزت في الإبلاغ كل حد معهود «وذكر» أي أفعل التذكير ~~والموعظة ولا تدعهما بالمرة أو فذكرهم وقد حذف الضمير لظهور الأمر «فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين» أي الذين قدر الله تعالى إيمانهم أو الذين آمنوا ~~بالفعل فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين «وما خلقت الجن ms3075 والإنس إلا ~~ليعبدون» استئناف مؤكد للأمر مقرر لمضمون تعليله فإن كون خلقهم مغيا ~~بعبادته تعالى مما يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى تذكيرهم ويوجب عليهم ~~التذكر والاتعاظ ولعل تقديم خلق الجن في الذكر لتقدمه على خلق الإنس في ~~الوجود ومعنى خلقهم لعبادته تعالى خلقهم مستعدين لها ومتمكنين منها أتم ~~استعداد وأكمل تمكن مع كونها مطلوبة منهم بتنزيل ترتب الغاية على ما هي ~~ثمرة له منزلة ترتب الغرض على ما هو غرض له فإن استتباع أفعاله تعالى ~~لغايات جليلة مما لا نزاع فيه قطعا كيف لا وهى رحمة منه تعالى وتفضل على ~~عباده وإنما الذي لا يليق بجنابه عز وجل تعليلها بالغرض بمعنى الباعث على ~~الفعل بحيث لولاه لم يفعله لإفضائه إلى استكماله بفعله وهو الكامل بالفعل ~~من كل وجه واما بمعنى نهاية كمالية يفضى إليها فعل الفاعل الحق فغير منفى ~~من أفعاله تعالى بل كلها جارية على المنهاج وعلى هذا الاعتبار يدور وصفه ~~تعالى بالحكمة ويكفى في تحقق معنى التعليل على ما يقوله الفقهاء ويتعارفه ~~أهل اللغة هذا المقدار وبه يتحقق مدلول اللام وأما إرادة الفاعل لها فليست ~~من مقتضيات اللام حتى يلزم من عدم صدور العبادة عن البعض تخلف المراد عن ~~الإرادة فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية مع تعاضد المبادئ وتآخذ ~~المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية كما في قوله تعالى كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ونظائره وقيل المعنى إلا ليؤمروا ~~بعبادتي كما في قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا وقيل المراد ~~سعداء الجنسين كما أن المراد PageV08P144 # بقوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس أشقياؤهما ويعضده ~~قراءة من قرأ وما خلقت الجن والأنس من المؤمنين وقال مجاهد واختاره البغوي ~~معناه إلا ليعرفوه ومداره قوله صلى الله عليه وسلم فيما يحيكه عن رب العزة ~~كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف ولعل السر في التعبير عن ~~المعرفة بالعبادة على طريق إطلاق اسم السبب على المسبب التنبيه على أن ms3076 ~~المعتبر هي المعرفة الحاصلة بعبادته تعالى ما يحصل بغيرها كمعرفة الفلاسفة ~~«ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون» بيان لكون شأنه تعالى مع عباده ~~متعاليا عن أن يكون كشأن السادة مع عبيدهم حيث يملكونهم ليستعينوا بهم في ~~تحصيل معايشهم وتهيئة ارزاقهم أي ما أريد أن اصرفهم في تحصيل رزقي ولا ~~رزقهم بل أتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم ويعيشهم من عندي فليشتغلوا بما ~~خلقوا له من عبادتي «إن الله هو الرزاق» الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق ~~وفه تلويح بأنه غنى عنه وقرئ إني انا الرزاق «ذو القوة المتين» بالرفع على ~~أنه نعت للرزاق أو لذو أو خبر بعد خبر أو خبر لمضمر وقرئ بالجر على أنه وصف ~~للقوة على تأويل الاقتدار أو الأيد «فإن للذين ظلموا» أي ظلموا أنفسهم ~~بتعريضها للعذاب الخالد بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وضعوا مكان ~~التصديق تكذيبا وهم أهل مكة «ذنوبا» أي نصيبا وافرا من العذاب «مثل ذنوب ~~أصحابهم» مثل أنصباء نظرائهم من الأمم المحكية وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة ~~الماء بالذنوب وهو الدلو العظيم المملوء «فلا يستعجلون» أي لا يطلبوا منى ~~أن أعجل في المجىء به يقال استعجله أي حثه على العجلة وأمره بها ويقال ~~استعجله أي طلب وقوعه بالعجلة ومنه قوله تعالى أتى أمر الله فلا تستعلجوه ~~وهو جواب لقولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين «فويل للذين كفروا» وضع ~~الموصول موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بما في حيز الصلة من الكفر وإشعارا بعلة ~~الحكم والفاء لترتيب ثبوت الويل لهم على أن لهم عذابا عظيما كما ان الفاء ~~الأولى لترتيب النهى عن الاستعجال على ذلك ومن في قوله تعالى «من يومهم ~~الذي يوعدون» للتعليل أي يوعدونه من يوم بدر وقيل يوم القيامة وهو الأنسب ~~بما في صدر السورة الكريمة الآتية والأول هو الأوفق لما قبله من حيث أنهما ~~من العذاب الدنيوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ والذاريات أعطاه ~~الله تعالى عشر حسنات بعدد كل ريح هبت ms3077 وجرت في الدنيا PageV08P145 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «والطور» الطور بالسريانية الجبل والمراد به ~~طور سنين وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى «وكتاب ~~مسطور» مكتوب على وجه الانتظام فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة والمراد بن ~~القرآن أو ألواح موسى عليه السلام وهو الأنسب بالطور أو ما يكتب في اللوح ~~أو ما يكتبه الحفظة «في رق منشور» الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير لما ~~يكتب فيه الكتاب من الصحيفة وتنكيرهما للتفخيم أو للإشعار بأنهما ليسا مما ~~يتعارفه الناس «والبيت المعمور» أي الكعبة وعمارتها بالحجاج والعمار ~~والمجاورين أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة غاشيته من ~~الملائكة «والسقف المرفوع» أي السماء ولا يخفى حسن موقع العنوان المذكور ~~«والبحر المسجور» أي المملوء وهو البحر المحيط أو الموقد من قوله تعالى ~~وإذا البحار سجرت فالمراد به الجنس روى أن الله تعالى يجعل البحار يوم ~~القيامة نارا يسجر بها نار جهنم «إن عذاب ربك لواقع» أي لنازل حتما جواب ~~للقسم وقوله تعالى «ما له من دافع» إما خبر ثان لأن أو صفة لواقع ومن دافع ~~إما مبتدأ للظرف أو مرتفع به على الفاعلية ومن مزيدة للتأكيد وتخصيص هذه ~~الأمور بالإقسام بها لما انها أمر عظام تنبىء عن عظم قدرة الله تعالى وكمال ~~علمه وحكمته الدالة على إحاطته تعالى بتفاصيل PageV08P146 # أعمال العباد وضبطها الشاهدة بصدق أخباره التي من جملتها الجملة المقسم ~~عليها وقوله تعالى «يوم تمور السماء مورا» ظرف لواقع مبين لكيفية الوقوع ~~منبىء عن كمال هوله وفظاعته والمور الاضطراب والتردد ف المجىء والذهاب وقيل ~~هو تحرك في تموج قيل تدور السماء كما تدور الرحا وتتكفأ بأهلها تكفؤ ~~السفينة وقيل تختلف أجزاؤها «وتسير الجبال سيرا» أي تزول عن وجه الأرض ~~فتصير هباء وتأكيد الفعلين بمصدريهما للإيذان بغرابتهما وخروجهما عن الحدود ~~المعهودة أي مورا عجيبا وسيرا بديعا لا يدرك كنههما «فويل يومئذ للمكذبين» ~~أي إذا وقع ذلك أو إذا كان الأمر كما ذكر فويل يوم إذ يقع ذلك لهم «الذين ~~هم في ms3078 خوض» أي اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب «يلعبون» يلهون «يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا» أي يدفعون إليها دفعا عنيفا شديدا بأن تغل أيديهم ~~إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى اقدامهم فيدفعون إلى النار وقرئ يدعون من ~~الدعاء فيكون دعا حالا بمعنى مدعوعين ويوم إما بدل من يوم تمور أو ظرف لقول ~~مقدر قبل قوله تعالى «هذه النار التي كنتم بها تكذبون» أي يقال لهم ذلك ~~ومعنى التكذيب بها تكذيبهم بالوحي الناطق بها وقوله تعالى «أفسحر هذا» ~~توبيخ وتقريع لهم حيث كانوا يسمونه سحرا كأنه قيل كنتم تقولون للقرآن ~~الناطق بهذا سحر فهذا أيضا سحر وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار ~~التوبيخ «أم أنتم لا تبصرون» أي أم أنتم عمى عن المخبر عنه كما كنتم عميا ~~عن الخبر أو أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم حيث كنتم تقولون ~~إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون «اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا» أي ~~ادخلوها وقاسوا شدائدها فافعلوا ما شئتم من الصبر وعدمه «سواء عليكم» أي ~~الأمران في عدم النفع لا بدفع العذاب ولا بتخفيفه وقوله تعالى «إنما تجزون ~~ما كنتم تعملون» تعليل للاستواء فإن الجزاء حيث كان واجب الوقوع ~~PageV08P147 # حتما كان الصبر وعدمه سواء في عدم النفع «إن المتقين في جنات ونعيم» أي ~~في أية جنات وأي نعيم على أن التنوين للتفخيم أو في جنات ونعيم مخصوصة ~~بالمتقين على انه للتنويع «فاكهين» ناعمين متلذذين «بما آتاهم ربهم» وقرئ ~~فكهين وفاكهون على أنه الخبر والظرف لغو متعلق بالخبر أو خبر آخر «ووقاهم ~~ربهم عذاب الجحيم» عطف على آتاهم على أن ما مصدرية أو على خبر إن أو حال ~~بإضمار قد إما من المستكن في الخبر أو في الحال وإما من فاعل آتى أو من ~~مفعوله أو منهما وإظهار الرب في موقع الإضمار مضافا إلى ضميرهم للتشريف ~~والتعليل «كلوا واشربوا» أي يقال لهم كلوا واشربوا أكلا وشرابا «هنيئا» أو ~~طعاما وشرابا هنيئا وهو الذي لا تنغيص فيه «بما كنتم تعملون» بسببه أو ms3079 ~~بمقابلته وقيل الباء زائدة وما فاعل هنيئا أي هناكم ما كنتم تعملون أي ~~جزاؤه «متكئين على سرر مصفوفة» مصطفة «وزوجناهم بحور عين» وقرئ بحور عين ~~على إضافة الموصوف إلى صفته بالتأويل المشهور وقرئ بعين عين والباء مع أن ~~التزويج مما يتعدى إلى مفعولين لما فيه من معنى الوصل والإلصاق أو للسببيه ~~إذ المعنى صيرناهم أزواجا بسببهن فإن الزوجية لا تتحقق بدون أنضمامهن إليهم ~~وقوله تعالى «والذين آمنوا» الخ كلام مستأنف مسوق لبيان حال طائفة من أهل ~~الجنة إثر بيان حال الكل وهم الذين شاركتهم ذريتهم في الإيمان وهو مبتدأ ~~خبره ألحقناهم وقوله تعالى «واتبعتهم ذريتهم» عطف على آمنوا وقيل اعتراض ~~وقوله تعالى «بإيمان» متعلق بالاتباع أي اتبعتهم ذريتهم بإيمان في الجملة ~~قاصر عن ربته إيمان الآباء واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في ~~الإيمان الكامل أصالة لا إلحاقا وقرئ ذرياتهم للمبالغة في الكثرة وذرياتهم ~~بكسر الذال وقرئ وأتبعناهم ذرياتهم أي جعلناهم تابعين لهم في الإيمان وقرئ ~~اتبعتهم «ألحقنا بهم ذريتهم» أي في الدرجة كما روى أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال إنه تعالى يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم ~~تلا هذه الآية «وما ألتناهم» وما نقصنا الآباء بهذا الإلحاق «من عملهم» من ~~ثواب عملهم «من شيء» بأن أعطينا بعض مثوباتهم أباءهم فتنقص مثوبتهم وتنحط ~~درجتهم وإنما رفعناهم إلى منزلتهم بمحض التفضل والإحسان وقرئ PageV08P148 # ألتناهم بكسر اللام من ألت يألت كعلم يعلم والأول كضرب يضرب ولتناهم من ~~لات يليت وآلتناهم من ألت يؤلت وولتناهم من ولت يلت والكل بمعنى واحد هذا ~~وقد قيل الموصول معطوف على حور والمعنى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا أي ~~بالرفقاء والجلساء منهم فيتمتعون تارة بملاعبة الحور وأخرى بمؤانسة الإخوان ~~المؤمنين وقوله تعالى واتبعتهم عطف على زوجناهم وقوله تعالى بإيمان متعلق ~~بما بعده أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ~~ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلا عليهم وعلى آبائهم ليتم سرورهم ويكمل ~~نعيمهم أو بسبب إيمان دانى المنزلة وهو ms3080 إيمان الذرية كأنه قيل بشئ من ~~الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم «كل امرئ بما كسب رهين» قيل ~~هو فعيل بمعنى مفعول والمعنى كل امرئ مرهون عند الله تعالى بالعمل الصالح ~~فإن عمله فكه وإلا أهلكه وقيل بمعنى الفاعل والمعنى كل امرئ بما كسب راهن ~~أي دائم ثابت وهذا أنسب بالمقام فإن الدوام يقتضي عدم المفارقة بين المرء ~~وعمله ومن ضرورته أن لا ينقص من ثواب الآباء شيء فالجملة تعليل لما قبلها ~~«وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون» وزدناهم على ما كان لهم من مبادئ ~~التنعم وقتا فوقتا ما يشتهون من فنون النعماء وألوان الآلاء «يتنازعون ~~فيها» أي يتعاطون فيها هم وجلساؤهم بكمال رغبة واشتياق كما ينبئ عنه ~~التعبير عن ذلك بالتنازع «كأسا» أي خمرا تسمية لها باسم محلها «لا لغو ~~فيها» أي في شربها حيث لا يتكلمون في أثناء الشرب بلغو الحديث وسقط الكلام ~~«ولا تأثيم» ولا يفعلون ما يؤثم به فاعلة أي ينسب إلى الإثم لو فعله في دار ~~التكليف كما هو ديدن المنادمين في الدنيا وإنما يتكلمون بالحكم وأحاسن ~~الكلام ويفعلون ما يفعله الكرام وقرئ لا لغو فيها ولا تأثيم بالفتح «ويطوف ~~عليهم» اى بالكأس «غلمان لهم» اى مماليك مخصوصون بهم وقيل هم أولادهم الذين ~~سبقوهم «كأنهم لؤلؤ مكنون» مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم أو مخزون لأنه ~~لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة قيل لقتادة هذا الخادم فكيف المخدوم فقال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على ~~الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعنه عليه الصلاة والسلام ~~إن أدنى أهل الجنة منزله من ينادى الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك ~~لبيك «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» أي يسأل كل بعض منهم بعضا آخر عن ~~أحواله وأعماله فيكون كل بعض سائلا ومسؤلا لا أنه يسأل بعض معين منهم بعضا ~~آخر معينا PageV08P149 # «قالوا» اى المسؤولون وهم كل واحد منهم في الحقيقة «إنا كنا قبل» أي في ~~الدنيا «في ms3081 أهلنا مشفقين» أرقاء القلوب خائفين من عصيان الله تعالى معتنين ~~بطاعته أو وجلين من العاقبة «فمن الله علينا» بالرحمة أو التوفيق للحق ~~«ووقانا عذاب السموم» عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم وقرئ ~~ووقانا بالتشديد «إنا كنا من قبل» أي نعبده أو نسأله الوقاية «إنه هو البر» ~~المحسن «الرحيم» الكثير الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا سئل أجاب وقرئ أنه ~~بالفتح بمعنى لأنه «فذكر» فاثبت على ما أنت عليه من التذكير من التذكير بما ~~أنزل إليك من الآيات والذكر الحكيم ولا تكترث بما يقولون مما لا خير فيه من ~~الأباطيل «فما أنت بنعمة ربك» بحمده وإنعامه بصدق النبوة ورجاحة العقل ~~«بكاهن ولا مجنون» كما يقولون قاتلهم الله انى يؤفكون «أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون» وهو ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر وقيل ~~المنون الموت وهو في الأصل فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع أي بل ~~أيقولون ننتظر به نوائب الدهر «قل تربصوا فإني معكم من المتربصين» أتربص ~~هلاككم كما تتربصون هلاكى وفيه عدة كريمة بإهلاكهم «أم تأمرهم أحلامهم» أي ~~عقولهم «بهذا» أي بهذا التناقض في المقال فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر ~~في الأمور والمجنون المغطى عقله مختل فكرة والشاعر ذو كلام موزون متسق مخيل ~~فكيف يجتمع أوصاف هؤلاء في واحد وأمر الأحلام بذلك مجاز عن أدائها إليه «أم ~~هم قوم طاغون» مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد لا يحرمون الرشد والسداد ~~ولذلك يقولون ما يقولون من الأكاذيب الخارجة عن دائرة العقول والظنون وقرئ ~~بل هم «أم يقولون تقوله» أي اختلقة من تلقاء نفسه «بل لا يؤمنون» فلكفرهم ~~وعنادهم يرمون بهذه الأباطيل التي لا يخفى على أحد بطلانها كيف لا وما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا واحد من العرب فكيف أتى بما عجز عنه كافة ~~الأمم من العرب والعجم PageV08P150 # «فليأتوا بحديث مثله» مثل القرآن في النعوت التي استقل بها من حيث النظم ~~ومن حيث المعنى «إن كانوا صادقين» فيما زعموا فإن صدقهم ms3082 في ذلك يستدعى ~~قدرتهم على الإتيان بمثله بقضية مشاركتهم له عليه الصلاة والسلام في ~~البشرية والعربية مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار وكثرة المزاولة ~~لأساليب النظم والنثر والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام ولا ريب في أن ~~القدرة على الشيء من وموجبات الإتيان به ودواعي الأمر بذلك «أم خلقوا من ~~غير شيء» أي أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع من غير محدث ومقدر وقيل ~~أم خلقوا من أجل لا شئ من عبادة وجزاء «أم هم الخالقون» لأنفسهم فلذلك لا ~~يعبدون الله سبحانه «أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون» أي إذا سئلوا ~~من خلقكم وخلق السماوات والأرض قالوا الله وهم غير موقنين بما قالوا وإلا ~~لما أعرضوا عن عبادته «أم عندهم خزائن ربك» أي خزائن رزقه ورحمته حتى ~~يرزقوا النبوة من شاؤوا ويمسكوها عمن شاؤوا أو عندهم خزائن علمه وحكمته حتى ~~يختاروا لها من اقتضت الحكمة اختياره «أم هم المصيطرون» أي الغالبون على ~~الأمور يدبرونها كيفما شاؤوا حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على ~~إرادتهم ومشيئتهم وقرئ المصيطرون بالصاد لمكان الطاء «أم لهم سلم» منصوب ~~إلى السماء «يستمعون فيه» صاعدين إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم ~~الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من الأمور التي يتقولون فيها رجما بالغيب ~~ويعلقون بها أطماعهم الفارغة «فليأت مستمعهم بسلطان مبين» بحجة واضحة تصدق ~~استماعه «أم له البنات ولكم البنون» تسفيه لهم وتركيك لعقولهم وإيذان بأن ~~من هذا رأيه لا يكاد يعد من العقلاء فضلا عن الترقي إلى عالم الملكوت ~~والتطلع على الأسرار الغيبية والالتفات إلى الخطاب لتشديد ما في أم ~~المنقطعة من الإنكار والتوبيخ «أم تسألهم أجرا» رجوع إلى خطابه عليه الصلاة ~~والسلام وإعراض عنهم أي بل أتسالهم أجرا على تبليغ الرسالة «فهم» لذلك «من ~~مغرم» من الالتزام غرامة فادحة «مثقلون» محملون الثقل فلذلك لا يتبعونك ~~PageV08P151 # «أم عندهم الغيب» أي اللوح المحفوظ المثبت فيه الغيوب «فهم يكتبون» ما ~~فيه حتى يتكلموا في ذلك بنفي أو إثبات «أم يريدون كيدا» هو ms3083 كيدهم برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة «فالذين كفروا» هم المذكورون ووضع ~~الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بما في حيز الصلة من الكفر وتعليل الحكم ~~به أو جميع الكفرة وهم داخلون فيهم دخولا أوليا «هم المكيدون» أي هم الذين ~~يحيق بهم كيدهم أو يعود عليهم وباله لا من أرادوا أن يكيدوه وهو ما أصابهم ~~يوم بدر أو هم المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته «أم لهم إله غير الله» ~~يعينهم ويحرسهم من عذابه «سبحان الله عما يشركون» أي عن إشراكهم أو عن شركة ~~ما يشركونه «وإن يروا كسفا» قطعة «من السماء ساقطا» لتعذيبهم «يقولوا» من ~~فرط طغيانهم وعنادهم «سحاب مركوم» أي هم في الطغيان بحيث لو أسقطناه عليهم ~~حسبما قالوا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا لقالوا هذا سحاب تراكم ~~بعضه على بعض يمطرنا ولم يصدقوا أنه كسف ساقطا للعذاب «فذرهم حتى يلاقوا» ~~وقرئ حتى يلقوا «يومهم الذي فيه يصعقون» على البناء للمفعول من صعقته ~~الصاعقة أو من أصعقته وقرئ يصعقون بفتح الياء والعين وهو يوم يصيبهم الصعقة ~~بالقتل يوم بدر لا النفخة الأولى كما قيل إذ لا يصعق بها إلا من كان حيا ~~حينئذ ولأن قوله تعالى «يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا» أي شيئا من الإغناء ~~بدل من يومهم ولا يخفى أن التعرض لبيان عدم نفع كيدهم يستدعى إستعمالهم له ~~طمعا في الانتفاع به وليس ذلك إلا ما دبروه في امره صلى الله عليه وسلم من ~~الكيد الذي من جملته مناصبتهم يوم بدر وأما النفخة الأولى فليست مما يجرى ~~في مدافعته الكيد والحيل وقيل هو يوم موتهم وفيه ما فيه مع ما تأباه ~~الإضافة المنبئة عن اختصاصه بهم «ولا هم ينصرون» من جهة الغير في دفع ~~العذاب عنهم «وإن للذين ظلموا» أي لهم ووضع الموصول موضع الضمير لما ذكر من ~~قبل أي وإن لهؤلاء الظلمة «عذابا» آخر «دون ذلك» دون ما لاقوه من القتل أي ~~قبله وهو القحط الذي أصابهم سبع سنين أو وراءه ms3084 كما في قوله * تريك القذى من ~~دونها PageV08P152 # وهو دونها * وهو عذاب القبر وما بعده من فنون عذاب الآخرة وقرئ دون ذلك ~~قريبا «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن الأمر كما ذكر وفيه إشارة إلى ان فيهم من ~~يعلم ذلك وإنما يصر على الكفر عنادا أولا يعلمون شيئا أصلا «واصبر لحكم ~~ربك» بإمامهم إلى يومهم الموعود وإبقائك فيما بينهم مع مقاساة الأحزان ~~ومعاناة الهموم «فإنك بأعيننا» أي في حفظنا وحمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك ~~وجمع العين لجمع الضمير والإيذان بغاية الاعتناء بالحفظ «وسبح» أي نزهه ~~تعالى عما لا يليق به ملتبسا «بحمد ربك» على نعمائه الفائتة للحصر «حين ~~تقوم» من اى مكان قمت قال سعيد بن جبير وعطاء أي قل حين تقوم من مجلسك ~~سبحانك اللهم وبحمدك وقال ابن عباس رضى الله عنهما معناه صل لله حين تقوم ~~من منامك وقال الضحاك والربيع إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهم وبحمدك ~~تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وقوله تعالى «ومن الليل فسبحه» إفراد ~~لبعض الليل بالتسبيح لما أن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد عن الرياء كما ~~يلوح به تقديمه على الفعل «وإدبار النجوم» أي وقت إدبارها من آخر الليل أي ~~غيبتها بضوء الصباح وقيل التسبيح من الليل صلاة العشاءين وإدبار النجوم ~~صلاة الفجر وقرئ وأدبار النجوم بالفتح أي في أعقابها إذا غربت أو خفيت عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام من قرأ سورة الطور كان حقا على الله تعالى ان ~~يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته PageV08P153 # بسم الله الرحمن الرحيم «والنجم إذا هوى» المراد بالنجم إما الثرية فإنه ~~اسم غالب له أو جنس النجوم وبهويه غروبه وقيل طلوعه يقال هوى هويا بوزن ~~قبول إذا غرب وهويا بوزن دخول إذا علا وصعد وأما النجم من نجوم القرآن ~~فهوية نزوله والعامل في إذا فعل القسم بذلك فإنه بمعنى مطلق الوقت منسلخ من ~~معنى الاستقبال كما في قولك آتيك إذا حمر البسر وفي الإقسام بذلك على ~~نزاهته عليه الصلاة والسلام عن شائبة الضلال والغواية ms3085 من البراعة البديعة ~~وحسن الموقع مالا غاية وراءه أما على الأولين فلأن النجم شأنه أن يهتدى به ~~الساري إلى مسالك الدنيا كأنه قبل والنجم الذي يهتدى به السابلة إلى سواء ~~السبيل «ما ضل صاحبكم» أي ما عدل عن طريق الحق الذي هو مسلك الآخرة «وما ~~غوى» أي وما اعتقد باطلا قط أي هو في غاية الهدى والرشد وليس مما تتوهمونه ~~من الضلال والغواية في شيء أصلا وأما على الثالث فلأنه تنويه بشأن القرآن ~~كما أشير إليه في مطلع سورة يس وسورة الزخرف وتنبيه على مناط اهتدائه عليه ~~الصلاة والسلام ومدار رشاده كأنه قيل والقرآن الذي هو علم في الهداية إلى ~~مناهج الدين ومسالك الحق ما ضل عنها محمد عليه الصلاة والسلام وما غوى ~~والخطاب لقريش وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان صاحبيته لهم وللإيذان ~~بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم خبرا ببراءته عليه الصلاة ~~والسلام مما نفى عنه بالكلية واتصافه عليه الصلاة والسلام بغاية الهدى ~~والرشاد فإن طول صحبتهم له عليه الصلاة والسلام ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه ~~العظيمة مقتضية لذلك حتما وتقييد القسم بوقت الهوى على الوجه الأخير ظاهر ~~وأما على الأولين فلأن النجم لا يهتدى به الساري عند كونه في وسط السماء ~~ولا يعلم المشرق من المغرب والا الشمال من الجنوب وإنما يهتدى به عند هبوطه ~~أو صعوده مع ما فيه من كمال المناسبة لما سيحكي من تدلى جبريل من الأفق ~~الأعلى ودنوه منه عليهما السلام هذا هو اللائق بشأن التنزيل الجليل وأما ~~حمل هويه على انتثاره يوم القيامة أو على انقضا النجم الذي يرجم به أو حمل ~~النجم على النبات وحمل هويه على سقوطه على الأرض أو PageV08P154 # على ظهوره منها فمما لا يناسب المقام «وما ينطق عن الهوى» أي وما يصدر ~~نطقه بالقرآن عن هواه ورأيه أصلا فإن المراد استمرار نفى النطق عن الهوى لا ~~نفى استمرار النطق عنه كما مر مرار «إن هو» أي ما الذي ينطق به من القرآن ~~«إلا وحي» من الله تعالى وقوله تعالى «يوحى» صفة ms3086 مؤكده لوحي رافعة لاحتمال ~~المجاز مفيدة للاستمرار التجددي «علمه شديد القوى» أي ملك شديد قواه وهو ~~جبريل عليه السلام فإنه الواسطة في إبداء الخوارق وناهيك دليلا على شدة ~~قوته أنه قلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي هو تحت الثرى وحملها على ~~جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين وكان ~~هبوطه على الأنبياء وصعوده في اسرع من رجعة الطرف «ذو مرة» أي حصافة في ~~عقله ورأيه ومتانة في دينه «فاستوى» عطف على علمه بطريق التفسير فإنه إلى ~~قوله تعالى ما أوحى بيان لكيفية التعليم اى فاستقام على صورته التي خلقه ~~الله تعالى عليها دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق ~~فسد الأرض من المغرب وملأ الأفق فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ~~جبريل على السلام في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه ~~قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير النبي عليه الصلاة والسلام فإنه ~~رآه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء وقيل استوى بقوته على ما جعل له من ~~الأمر وقوله تعالى «وهو بالأفق الأعلى» أي أفق الشمس حال من فاعل استوى «ثم ~~دنا» أي أراد الدنو من النبي عليهما الصلاة والسلام «فتدلى» أي استرسل من ~~الأفق الأعلى مع تعلق به فدنا من النبي يقال تدلت الثمرة ودلى رجليه من ~~السرير وأدلى دلوه والدوالي الثمر المعلق «فكان» أي مقدار امتداد ما بينهما ~~«قاب قوسين» اى مقدارهما فإن ألقاب والقيب والقادر والقيد والقيس ~~PageV08P155 # المقدار وقيل فكان جبريل عليه السلام كما في قولك هو منى معقد الإزار «أو ~~أدنى» أي على تقديركم كما في قوله تعالى أو يزيدون والمراد تمثيل ملكة ~~الاتصال وتحقق استماعه لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس «فأوحى» أي جبريل ~~عليه السلام ms3087 «إلى عبده» عبد الله تعالى وإضماره قبل الذكر لغاية ظهوره كما ~~في قوله تعالى ما ترك على ظهرها «ما أوحي» أي من الأمور العظيمة التي لا ~~تفي بها العبارة أو فأوحى الله تعالى حينئذ بواسطة جبريل ما أوحى قيل أوحى ~~إليه ان الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك ~~«ما كذب الفؤاد» أي فؤاد محمد عليه الصلاة والسلام «ما رأى» أي ما أراه ~~ببصره من صورة جبريل عليهما السلام أي ما قال فؤداه لما رآه لم أعرفك ولو ~~قال ذلك لكنا كاذبا لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره وقرئ ما كذب أي صدقه ولم ~~يشك أن جبريل بصورته «أفتمارونه على ما يرى» اى أتكذبونه فتجادلونه على ما ~~يراه معاينة أو ابعد ما ذكر من أحواله المنافية للمماراة تمارونه من المراء ~~وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مري الناقة كأن كلا من المتجادلين يمرى ~~ما عند صاحبه وقرئ أفتمرونه أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ولما ~~فيه من معنى الغلبة عدى بعلى كما يقال غلبته على كذا وقيل أفتمرونه ~~أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده «ولقد رآه نزلة أخرى» أي وبالله لقد رأى ~~جبريل في صورته مرة أخرى من النزول نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن ~~الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت في حكمها وقيل تقديره ولقد رآه نازلا نزلة ~~أخرى فنصبها على المصدر «عند سدرة المنتهى» هي شجرة نبق في السماء السابعة ~~عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كأذان الفيول تنبع من أصلها الأنهار ~~التي ذكرها الله تعالى في كتابه يسير الراكب في ظلها سبعين عما لا يقطعها ~~والمنتهى موضع الانتهاء أو الانتهاء كأنها في منتهى الجنة وقيل إليها ينتهي ~~علم الخلائق وأعمالهم ولا يعلم أحد ما وراءها وقيل ينتهى إليها أرواح ~~الشهداء وقيل ينتهى إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها قيل إضافة ~~السدرة إلى المنتهى إما أضافة الشيء إلى مكانه كقولك شجر البستان وإضافة ~~المحل إلى الحال كقولك كتاب الفقه ms3088 والتقدير سدرة عندها منتهى علوم الخلائق ~~أو إضافة الملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي سدرة المنتهى إليه هو ~~الله عز وجل قال تعالى إلى ربك المنتهى PageV08P156 # «عندها جنة المأوى» اى الجنة التي يأوى إليها المتقون أو أرواح الشهداء ~~والجملة حالية وقيل الأحسن أن يكون الحال هو الظرف وجنة المأوى مرتفع به ~~على الفاعلية وقوله تعالى «إذ يغشى السدرة ما يغشى» ظرف زمان لرآه لا لما ~~بعده من الجملة المنفية كما قيل فإن ما النافية لا يعمل بعدها فيما قبلها ~~والغشيان بمعنى التغطية والستر ومنه الغواشي أو بمعنى الإتيان يقال فلان ~~يغشاني كل حين أي يأتين والأول هو الأليق بالمقام وفي إبهام ما يغشى من ~~التفخيم مالا يخفى وتأخيره عن المفعول للتشويق إليه أي ولقد رآه عند السدرة ~~وقت ما غشيها مما لا يكتنهه الوصف ولا يفي به البيان كيفا ولا كما وصيغة ~~المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها البديعة وللإيذان باستمرار ~~الغشيان بطريق التجدد وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله ~~تعالى عندها وقيل يزورونها متبركين بها كما يزور الناس الكعبة وقيل يغشاها ~~سبحات أنوار الله عز وجل حين يتجلى لها كما يتجلى للجبل لكنها أقوى من ~~الجبل وأثبت حيث لم يصبها ما اصابه من ألدك وقيل يغشاها فراش أو جراد من ~~ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح ~~الله تعالى وعنه عليه الصلاة والسلام يغشاها رفرف من طير خضر «ما زاغ ~~البصر» أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه «وما طغى» وما ~~تجاوزه مع ما شاهده هناك من الأمور العجيبة المذهلة مالا يحصى بل أثبته ~~إثباتا صحيحا متيقنا أوما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها ~~وما جاوزها «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» أي والله لقد رأى الآيات التي هي ~~كبراها وعظماها حين عرج به ms3089 إلى السماء فأرى عجائب الملك والملكوت مالا يحيط ~~به نطاق العبارة ويجوز ان تكون الكبرى صفة للآيات والمفعول محذوف أي شيئا ~~عظيما من آيات ربه وأن تكون من مزيدة «أفرأيتم اللات والعزى» «ومناة ~~الثالثة الأخرى» هي أصنام كانت لهم فاللات كانت لثقيف بالطائف وقيل لقريش ~~بنخلة وهي فعله من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها وقرئ بتشديد ~~التاء على انه اسم فاعل اشتر به رجل كان يلت السمن بالزيت ويطعمه ~~PageV08P157 # الحاج وقيل كان يلت السويق بالطائف ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره ~~يعبدونه وقيل كان يجلس على حجر فلما مات سمى الحجر باسمه وعبد من دون الله ~~وقيل كان الحجر على صورته والعزى تأنيث الأعز كانت لغطفان وهى سمرة كانوا ~~يعبدونها فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت ~~منها شيطانه ناشرة شعرها واضعة يدها على رأسها وهي تولول فجعل خالد يضربها ~~بالسيف حتى قتلها فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تلك العزى ولن ~~تعبد أباد ومناة صخرة لهذيل وخزاعة وقيل لثقيف وكأنها سميت مناة لأن دماء ~~النسائك تمنى عندها أي تراق وقرئ ومناءة وهي مفعلة من النواء كأنهم كانوا ~~يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها والأخرى صفة ذم لها وهي المتأخرة الوضيعة ~~المقدار وقد جوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى ثم أنهم كانوا ~~مع ما ذكر من عبادتهم لها يقولون إن الملائكة وتلك الأصنام بنات الله تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا أفرأيتم الخ والهمزة ~~للإنكار والفاء لتوجيهه إلى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤون الله تعالى ~~المنافية لها غاية المنافاة وهي قلبية ومفعولها الثاني محذوف لدلالة الحال ~~عليه فالمعنى عقيب ما سمعتم من اثار كمال عظمة الله عز وجل في ملكه وملكوته ~~وجلاله وجبروته وأحكام قدرته ونفاذ امره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما ~~بينهما رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وقماءتها بنات له تعالى وقيل ~~المعنى أفرأيتم هذه الأصنام مع حقارتها وذلتها ms3090 شركاء الله تعالى مع ما تقدم ~~من عظمته وقيل أخبروني عن آلهتكم هل لها شئ من القدرة والعظمة الت وصف بها ~~رب العزة في الآي السابقة وقيل المعنى أظننتم أن هذه الأصنام التي تعبدونها ~~تنفعكم وقيل أظننتم أنها تشفع لكم في الآخرة وقيل أفرأيتم إلى هذه الأصنام ~~إن عبدتموها لا تنفعكم وإن تركتموها لا تضركم والأول هو الحق كما يشهد به ~~قوله تعالى «ألكم الذكر وله الأنثى» شهادة بينة فإنه توبيخ مبني على ~~التوبيخ الأول وحيث كان مداره تفضيل جانب أنفسهم على جنابه تعالى بنسبتهم ~~إليه تعالى الإناث مع اختيارهم لأنفسهم الذكور وجب أن يكون مناط الأول نفس ~~تلك النسبة حتى يتسنى بناء التوبيخ الثان وعليه ظاهر ان ليس في شيء من ~~التقديرات المذكورة من تلك النسبة عين ولا أثر وأما ما قيل من أن هذه ~~الجملة مفعول ثاني للرؤية وخلوها عن العائد إلى المفعول الأول لما أن الأصل ~~أخبروني ان اللات والعزى ومناة ألكم الذكر وله هن أي تلك الأصنام فوضع موضع ~~الأنثى لمراعاة الفواصل وتحقيق مناط التوبيخ فمع ما فهي من التمحلات التي ~~ينبغي تنزيه ساحة التنزيل عن أمثالها يقتضي اقتصار التوبيخ على ترجيح ~~جانبهم الحقير على جناب الله العزيز الجليل من غير تعرض للتوبيخ على نسبة ~~الولد إليه سبحانه «تلك» إشارة إلى القسمة المنفهمة من الجملة الاستفهامية ~~«إذا قسمة ضيزى» أي جائرة حيث جعلتم له تعالى ما تستنكرون PageV08P158 # منه وهى فعلى من الضيز وهو الجور لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء كما فعل في ~~بيض فإن فعلى بالكسر لم يأت في الوصف وقرئ ضئزى بالهمزة من ضأزه إذا ظلمه ~~على انه مصدر نعت به وقرئ ضيزى إما على انه مصدر وصف به كدعوى أو على أنه ~~صفة كسكرى وعطشى «إن هي» الضمير للأصنام أي ما الأصنام باعتبار الأولوهية ~~التي يدعونها «إلا أسماء» محضة ليس تحتها مما تنبىء هي عنه من معنى ~~الأولوهية شئ ما أصلا وقوله تعالى «سميتموها» صفة لأسماء وضميرها لها لا ~~للأصنام والمعنى جعلتموها أسماء لا ms3091 جعلتم لها أسماء فإن التسمية نسبة بين ~~الاسم والمسمى فإذا قيست إلى الاسم فمعناها جعله اسما للمسمى وإن قيست إلى ~~المسمى فمعناها جعله مسمى للاسم وإنما اختير ههنا المعنى الأول من غير تعرض ~~للمسمى لتحقيق أن تلك الأصنام التي يسمونها آلهة أسماء مجردة ليس لها ~~مسميات قطعا كما في قوله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها الآية ~~لا أن هناك مسميات لكنها لا تستحق التسمية وقيل هي للأسماء الثلاثة ~~المذكورة حيث كانوا يطلقونها على تلك الأصنام لاعتقادهم أنها تستحق العكوف ~~على عبادتها والإعزاز والتقرب إليها بالقرابين وأنت خبير بأنه لو سلم دلالة ~~الأسماء المذكورة على ثبوت تلك المعاني الخاصة للأصنام فليس في سلبها عنها ~~مزيد فائدة بل إنما هي في سلب الألوهية عنها كما هو زعمهم المشهور في حق ~~جميع الأصنام على وجه برهاني فإن انتفاء الموصوف يقتضي انتفاء الوصف بطريق ~~الأولوية أي ما هي إلا أسماء خالية عن المسميات وضعتموها أنتم ولا آباؤكم ~~$» بمقتضى أهوائكم الباطلة «ما أنزل الله بها من سلطان $» برهان تتعلقون به ~~إن يتبعون $» التفات إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم اقتضى الأعراض ~~عنهم وحكاية جناياتهم لغيرهم أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل ~~بموجبها إلا الظن $» إلا توهم أن ما هم عليه حق توهما باطلا وما تهوى ~~الأنفس $» أي تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء ولقد جاءهم من ربهم الهدى $ قيل ~~هي حال من فاعل يتبعون أو اعتراض وأيا ما كان ففيه تأكيد لبطلان اتباع الظن ~~وهو النفس وزيادة تقبيح لحالهم فإن اتباعهما من اي شخص كان قبيح وممن هداه ~~الله تعالى بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب أقبح أم ~~للإنسان ما تمنى $ أم منقطعة وما فيها من بل للانتقال من بيان أن ما هم ~~عليه مستند إلا إلى توهمهم وهى أنفسهم إلى بيان ان ذلك مما لا يجدى نفعا ~~أصلا والهمزة للإنكار والنفي أي ليس للإنسان كل ما يتمناه وتشتهيه نفسه من ~~الأمور التي من جملتها أطماعهم الفارغة في شفاعة الآلهة ms3092 ونظائرها التي لا ~~تكاد تدخل تحت الوجود «فلله الآخرة والأولى» تعليل لانتفاء أن يكون للإنسان ~~ما يتمناه حتما فإن اختصاص PageV08P159 # أمور الآخرة والأولى جميع به تعالى مقتض لانتفاء أن يكون له أمر من ~~الأمور وقوله تعالى «وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا» إقناط ~~لهم عما علقوا به أطماعهم من شفاعة الملائكة لهم موجب لإقناطهم من شفاعة ~~الأصنام بطريق الأولوية وكم خبرية مفيده للتكثير محلها الرفع على الابتداء ~~والخبر هي الجملة المنفية وجمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك باعتبار ~~المعنى أي وكثير من الملائكة لا تغنى شفاعتهم عند الله تعالى شيئا من ~~الإغناء في وقت من الأوقات «إلا من بعد أن يأذن الله» لهم في الشفاعة «لمن ~~يشاء» أن يشفعوا له «ويرضى» ويراه أهلا للشفاعة من أهل التوحيد والإيمان ~~وأما من عداهم من أهل الكفر والطغيان فهم من إذن الله تعالى بمعزل ومن ~~الشفاعة ألف منزل فإذا كان حال الملائكة في باب الشفاعة كما ذكر فما ظنهم ~~بحال الأصنام «إن الذين لا يؤمنون بالآخرة» وبما فيها من العقاب على ما ~~يتعاطونه من الكفر والمعاصي «ليسمون الملائكة» المنزهين عن سمات النقصان ~~على الإطلاق يسمون كل واحد منهم «تسمية الأنثى» فإن قولهم الملائكة بنات ~~الله قول منهم بأن كلا منهم بنته سبحانه وهي التسمية بالأنثى وفي تعليقها ~~بعدم الإيمان بالآخرة إشعار بأنها في الشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في ~~الآخرة بحيث لا يجترىء عليها إلا من يؤمن بها رأسا وقوله تعالى «وما لهم به ~~من علم» حال من فاعل يسمون أي يسمونه والحال أنه لا علم لهم بما يقولون ~~أصلا وقرئ بها أي بالملائكة أو بالتسمية «إن يتبعون» في ذلك «إلا الظن» ~~الفاسد «وإن الظن» أي جنس الظن كما يلوح به الإظهار في موقع الإضمار «لا ~~يغني من الحق شيئا» من الأغناء فإن الحق الذي هو عبارة عن حقيقة الشئ لا ~~يدرك إلا بالعلم والظن لا اعتداد به في شأن المعارف الحقيقية وإنما يعتد به ~~في العمليات وما يؤدي إليها ms3093 «فأعرض عن من تولى عن ذكرنا» أي عنهم ووضع ~~الموصول موضع ضميرهم للتوسل به إلى وصفهم بما في حيز صلته من الأوصاف ~~القبيحة وتعليل الحكم بها أي فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا المفيد للعلم اليقيني ~~وهو القرآن المنطوى على علوم الأولين والآخرين المذكر لأمور الآخرة أو عن ~~ذكرنا كما ينبغي فإن ذلك مستتبع لذكر الآخرة وما فيها من الأمور المرغوب ~~فيها والمرهوب عنها «ولم يرد إلا الحياة الدنيا» راضيا بها قاصرا نظره ~~عليها والمراد النهى عن دعوته والاعتناء بشأنه قال من أعرض عما ذكر وانهمك ~~في الدنيا بحيث كانت هي منتهى همته وقصارى سعيه PageV08P160 # لا تزيده الدعوة إلى خلافها إلا عنادا وإصرارا على الباطل «ذلك» اى ما ~~أداهم إلى ما هم فيه من التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا «مبلغهم من ~~العلم» لا يكادون يجاوزونه إلى غيره حتى تجديهم الدعوة والإرشاد وجمع ~~الضمير في مبلغهم باعتبار معنى من كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها ~~والمراد بالعلم مطلق الإدراك المنتظم للظن الفاسد والجملة اعتراض مقرر ~~لمضمون ما قبلها من قصر الإرادة على الحياة الدنيا وقوله تعالى «إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى» تعليل للأمر بالإعراض وتكرير ~~قوله تعالى هو أعلم لزيادة التقرير والايذان بكمال تباين المعلومين والمراد ~~بمن ضل من أصر عليه ولم يرجع إلى الهدى أصلا وبمن اهتدى من من شأنه ~~الاهتداء في الجملة أي هو المبالغ في العلم بمن لا يرعوى عن الضلال أبدا ~~وبمن يقبل الاهتداء في الجملة لا غيره فلا تتعب نفسك في دعوتهم فإنه من ~~القبيل الأول وفي تعليل الأمر بإعراضه عليه السلام عن الاعتناء بأمرهم ~~باقتصار العلم بأحوال الفريقين عليه تعالى رمز إلى انه تعالى يعاملهم بموجب ~~علمه بهم فيجزي كلا منهم بما يليق به من الجزاء ففيه وعيد ووعد ضمنا كما ~~سيأتي صريحا «ولله ما في السماوات وما في الأرض» أي خلقا وملكا لا لغيره ~~أصلا لا استقلال ولا اشتراكا وقوله تعالى «ليجزي» الخ متعلق بما دل ms3094 عليه ~~أعلم الخ وما بينهما اعتراض مقرر لما قبله فإن كون الكل مخلوقا له تعالى ~~مما يقرر علمه تعالى بأحوالهم ألا يعلم من خلق كأنه قيل فيعلم ضلال من ضل ~~واهتداء من اهتدى ويحفظهما ليجزى «الذين أساؤوا بما عملوا» أي بعقاب ما ~~عملوا من الضلال الذي عبر عنه بالإساءة بيانا لحاله أو بسبب ما عملوا ~~«ويجزي الذين أحسنوا» أي اهتدوا «بالحسنى» اى بالمثوبة الحسنى التي هي ~~الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى وقيل متعلق بما دل عليه قوله تعالى ولله ما ~~في السماوات وما في الأرض كأنه قيل خلق ما فيهما ليجزى الخ وقيل متعلق بضل ~~واهتدى على أن اللام للعاقبة أي هو أعلم بمن ضل ليؤول أمره إلى ان يجزيه ~~الله تعالى بعمله وبمن اهتدى ليؤول أمره إلى أن يجزيه بالحسنى وفيه من ~~البعد مالا يخفى وتكرير الفعل لإبراز كمال الاعتناء بأمر الجزاء والتنبيه ~~على تباين الجزاءين PageV08P161 # «الذين يجتنبون كبائر الإثم» بدل من الموصول الثان وصيغة الاستقبال في ~~صلته للدلالة على تجدد الاجتناب أو استمراره أو بيان أو نعت أو منصوب على ~~المدح وكبائر الإثم ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه ~~وقرئ كبير الإثم على إرادة الجنس أو الشرك «والفواحش» وما فحش من الكبائر ~~خصوصا «إلا اللمم» أي إلا ما قل وصغر فإنه مغفور ممن يجتنب الكبائر قيل هي ~~النظرة والغمزة والقبلة وقيل هي الخطرة من الذنب وقيل كل ذنب لم يذكر الله ~~عليه حدا ولا عذابا وقيل عادة النفس الحين بعد الحين والاستثناء منقطع «إن ~~ربك واسع المغفرة» حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر فالجملة تعليل ~~لاستثناء اللمم وتنبيه على ان إخراجه عن حكم المؤاخذة به ليس لخلوه عن ~~الذنب في نفسه بل لسعة المغفرة الربانية وقيل المعنى له أن يغفر لمن يشاء ~~من المؤمنين ما يشاء من الذنوب صغيرها وكبيرها لعل تعقيب وعد المسييئين ~~ووعد المحسنين بذلك حينئذ لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته تعالى ولا يتوهم ~~وجوب العقاب عليه تعالى «هو أعلم بكم» ms3095 أي بأحولكم يعلمها «إذ أنشأكم» في ~~ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السلام «من الأرض» إنشاء إجماليا حسبما مر تقريره ~~مرارا «وإذ أنتم أجنة» أي وقت كونكم أجنة «في بطون أمهاتكم» على أطوار ~~مخلتفة مترتبة لا يخفى عليها حال من أحوالكم وعمل من أعمالكم التي من ~~جملتها اللمم الذي لولا المغفرة الواسعة لأصابكم وباله فالجملة استئناف ~~مقرر لما قبلها والفاء في قوله تعالى «فلا تزكوا أنفسكم» لترتيب النهى عن ~~تزكية النفس على ما سبق من أن عدم المؤاخذة باللمم ليس لعدم كونه من قبيل ~~الذنوب بل لمحض مغفرته تعالى مع علمه بصدوره عنكم أي إذا كان الأمر كذلك ~~فلا تثنوا عليها بالطهارة عن المعاصي بالكلية أو بما يستلزمها من زكاء ~~العمل ونماء الخير بل اشكروا الله تعالى على فضله ومغفرته «هو أعلم بمن ~~اتقى» المعاصي جميعا وهو استئناف مقرر للنهي ومشعر بان فيهم من يتقيها ~~بأسرها وقيل كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا ~~فنزلت وهذا إذا كان بطريق الإعجاب أو الرياء فأما من اعتقد أن ما عمله من ~~الأعمال الصالحة من الله تعالى وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح لم يكن ~~من المزكين أنفسهم فإن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر «أفرأيت الذي تولى» ~~أي عن اتباع الحق والثبات عليه «وأعطى قليلا» أي شيئا قليلا أو إعطاء قليلا ~~«وأكدى» أي قطع العطاء PageV08P162 # من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية أي الصلابة كالصخرة فلا يمكنه أن ~~يحفر قالوا نزلت في الوليد ابن المغيرة كان يتبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال أخشى عذاب ~~الله فضمن أن يتحمل عنه العذاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطاه بعض المشروط ~~وبخل بالباقي وقيل نزلت في العاص بن وائل السهمي لما كان يوافق النبي عليه ~~الصلاة والسلام في بعض الأمور وقيل في أبي جهل كان ربما يوافق الرسول عليه ~~الصلاة والسلام في بعض الأمور وكان يقول والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم ~~الأخلاق ms3096 وذلك قوله تعالى وأعطى قليلا وأكدى والأول هو الأشهر المناسب لما ~~بعده من قوله تعالى «أعنده علم الغيب فهو يرى» الخ أي أعنده علم بالأمور ~~الغيبية التي من جملتها تحمل صاحبه عنه يوم القيامة «أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى» «وإبراهيم الذي وفى» اى وفر وأتم ما ابتلى به من الكلمات أو أمر به ~~أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره ~~كالصبر على نار نمروذ حتى إذا أنه أتاه جبريل عليه السلام حين يلقى في ~~النار فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا وعلى ذبح الولد ويروى انه كان يمشى ~~كل يوم فرسخا يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وتقديم موسى لما ~~ان صحفه التي هي التوراة أشهر عندهم وأكثر «ألا تزر وازرة وزر أخرى» أي أنه ~~لا تحمل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى على أن أن هي المخففة من الثقيلة ~~وضمير الشأن الذي هو اسمها محذوف والجملة المنفية خبرها ومحل الجملة الجر ~~على أنها بدل مما في صحف موسى أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل ~~ما في صحفهما فقيل هو ان لا تزر الخ والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ~~ليتخلص الثاني عن عقابه ولا يقدح في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام من سن ~~سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن ذلك وزر الإضلال ~~الذي هو وزره وقوله تعالى «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى» بيان لعدم انتفاع ~~الإنسان بعمل غيره من حيث جلب النفع إليه إثر بيان عدم انتفاعه به من حيث ~~دفع الضرر عنه وأما شفاعة الأنبياء عليهم السلام واستغفار الملائكة عليهم ~~السلام ودعاء الأحياء للأموات وصدقتهم عنهم وغير ذلك مما لا يكاد يحصى من ~~الأمور النافعة للإنسان مع انها ليست من عمله قطعا فحيث كان مناط منفعة كل ~~منها عمله الذي هو الإيمان والصلاح ولم يكن لشئ منها نفع ما بدونه جعل ~~النافع نفس عمله ms3097 وإن PageV08P163 # كان بانضمام عمل غيره إليه وأن مخففة كأختها معطوفة عليها وكذا قوله ~~تعالى «وأن سعيه سوف يرى» أي يعرض عليه ويكشف له يوم القيامة في صحيفته ~~وميزانه من أريته الشئ «ثم يجزاه» أي يجزى الإنسان سعيه يقال جزاه الله ~~بعمله وجزاه على عمله وجزاه عمله بحذف الجار وإيصال الفعل ويجوز أن يجعل ~~الضمير للجزاء ثم يفسر بقوله تعالى «الجزاء الأوفى» أو يبدل هو عنه كما في ~~قوله تعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا «وأن إلى ربك المنتهى» أي انتهاء ~~الخلق ورجوعهم إليه تعالى لا إلى غيره استقلالا ولا اشتراكا وقرئ بكسر إن ~~على الابتداء «وأنه هو أضحك وأبكى» أي هو خلق قوتى الضحك والبكاء «وأنه هو ~~أمات وأحيا» لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره فإن أثر القاتل نقض البنية ~~وتفريق الاتصال وإنما يحصل الموت عنده بفعل الله تعالى على العادة «وأنه ~~خلق الزوجين الذكر والأنثى» «من نطفة إذا تمنى» تدفق في الرحم أو تخلق أو ~~يقدر منها الولد من منى بمعنى قدر «وأن عليه النشأة الأخرى» اى الإحياء بعد ~~الموت وفاء بوعده وقرئ النشاءة بالمد وهي أيضا مصدر نشأة «وأنه هو أغنى ~~وأقنى» وأعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال وأفردها بالذكر لأنها أشرف ~~الأموال أو ارضى وتحقيقه جعل الرضا له قنية «وأنه هو رب الشعرى» أي رب ~~معبودهم وهي العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء وكانت خزاعة تعبدها سن لهم ~~ذلك أبو كبشة رجل من اشرافهم وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبو كبشة تشبيها له عليه الصلاة والسلام به لمخالفته إياهم في دينهم ~~«وأنه أهلك PageV08P164 # عادا الأولى» هي قوم هود عليه السلام وعاد الأخرى إرم وقيل الأولى ~~القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح وقرئ عاد الأولى بحذف الهمزة ~~ونقل ضمتها إلى اللام وعاد لولى بادغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ~~وثقل حركتها إلى لام التعريف «وثمود» عطف على عادا لأن ما بعده لا يعمل فيه ~~وقرئ وثمودا بالتنوين «فما أبقى» أي أحدا ms3098 من الفريقين «وقوم نوح» عطف عليه ~~أيضا «من قبل» أي من قبل إهلاك عاد وثمود «إنهم كانوا هم أظلم وأطغى» من ~~الفريقين حيث كانوا يؤذونه وينفرون الناس عنه وكانوا يحذرون صبيانهم أن ~~يسمعوا منه وكانوا يضربونه عليه الصلاة والسلام حتى لا يكون به حراك وما ~~أثر فيهم دعاؤه قريبا من ألف سنة «والمؤتفكة» هي قرى قوم لوط ائتفكت بأهلها ~~أي انقلبت بهم «أهوى» أي أسقطها إلى الأرض بعد ان رفعها على جناح جبريل ~~عليه السلام إلى السماء «فغشاها ما غشى» من فنون العذاب وفيه من التهويل ~~والتفظيع مالا غاية وراءه «فبأي آلاء ربك تتمارى» تتشكك والخطاب للرسول ~~عليه الصلاة والسلام على طريقة قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك أو لكل ~~أحد وإسناد فعل التمارى إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقة فإن ~~صيغة التفاعل وإن كانت موضوعه لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه ~~بحيث يكون كل من ذلك فاعلا ومفعولا معا لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني ~~فيراد بها المعنى الأول فقط كما في يتداعونهم اى يدعونهم وقد تجرد عنهم ~~أيضا فيكتفى بتعدد الفعل بتعدد متعلقة كما فيما نحن فيه فإن المراء متعدد ~~بتعدد الآلاء فتدبر وتسمية الأمور المعدودة آلاء مع أن بعضها نقم لما انها ~~أيضا نعم من حيث إنها نصرى للأنبياء والمؤمنين وانتقام لهم وفيها عظات وعبر ~~للمعتبرين «هذا نذير من النذر الأولى» هذا إما إشارة إلى القرآن والنذير ~~مصدر أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والنذير بمعنى المنذر وأيا ما كان ~~فالتنوين للتفخيم ومن متعلقة بمحذوف هو نعت لنذير مقرر له ومتضمن للوعيد اى ~~هذا القرآن الذي تشاهدونه نذير من قبيل الإنذارات المتقدمة التي سمعتم ~~عاقبتها أو هذا الرسول منذر من جنس المنذرين الأولين والأولى على تأويل ~~الجماعة لمراعاة الفواصل وقد علمتم أحوال قومهم المنذرين وفي PageV08P165 # تعقيبه بقوله تعالى «أزفت الآزفة» إشعار بان تعذيبهم مؤخر إلى يوم ~~القيامة أي دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو قوله تعالى اقتربت الساعة ~~«ليس لها من دون الله كاشفة» أي ms3099 ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها ~~إلا الله تعالى لكنه لا يكشفها أو ليس لها الآن نفس كاشفة بتأخيرها إلا ~~الله تعالى فإنه المؤخر لها أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله تعالى كقوله ~~تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو أو ليس لها من غير الله تعالى كشف على أن ~~كاشفة مصدر كالعافية «أفمن هذا الحديث» أي القرآن «تعجبون» إنكارا ~~«وتضحكون» استهزاء مع كونه أبعد شيء من ذلك «ولا تبكون» حزنا على ما فرطتم ~~في شانه وخوفا من ان يحيق بكم ما حاق بالأمم المذكورة «وأنتم سامدون» أي ~~لاهون أو مستكبرون من سمد البعير إذا رفع رأسه أو مغنون لتشغلوا الناس عن ~~استماعه من السمود بمعنى الغناء على لغة حمير أو خاشعون جامدون من السمود ~~بمعنى الجمود والخشوع كما في قول من قال [رمى الحدثان نسوة آل سعد * بمقدار ~~سمدن له سجودا] [فرد شعورهن السود بيضا * ورد وجوههن البيض سودا] * والجملة ~~حال من فاعل لا تبكون خلا أن مضمونها على الوجه الأخير قيد للمنفى والإنكار ~~وارد على نفى البكاء والسمود معا وعلى الوجوه الأول قيد للنفي والإنكار ~~متوجه إلى نفى البكاء ووجود السمود والأول أوفى بحق المقام فتدبر والفاء في ~~قوله تعالى «فاسجدوا لله واعبدوا» لترتيب الأمر أو موجبه على ما تقرر من ~~بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء ووجوب تلقيه بالإيمان مع كمال ~~الخضوع والخشوع أي وإذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله الذي أنزله واعبدوا عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام من قرأ سورة النجم أعطاه الله تعالى عشر حسنات ~~بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة شرفها الله تعالى PageV08P166 # بسم الله الرحمن الرحيم «اقتربت الساعة وانشق القمر» وروى أن الكفار ~~سألوا رسول الله صلى اله عليه وسلم آية فانشق القمر قال ابن عباس رضى الله ~~عنهما انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وقال ابن مسعود رأيت حراء بين ~~فلتقى القمر وعن عثمان بن عطاء عن أبيه أن معناه سينشق يوم القيامة ويرده ~~قوله تعالى «وإن يروا آية يعرضوا ms3100 ويقولوا سحر مستمر» فإنه ناطق بأنه قد وقع ~~وأنهم قد شاهدوه بعد مشاهدة نظائره وقرئ وقد انشق القمر اقتربت الساعة وقد ~~حصل من آيات اقترابها أن القمر قد أنشق ومعنى الاستمرار الاطراد أو ~~الاستحكام أي وإن يروا آية من آيات الله يعرضوا عن التأمل فيها ليقفوا على ~~حقيتها وعلو طبقتها ويقولوا سحر مطرد دائم يأت به محمد على مر الزمان لا ~~يكاد يختلف بحال كسائر أنواع السحر أو قوي مستحكم لا يمكن إزالته وقيل ~~مستمر ذاهب يزول ولا يبقى تمنية لأنفسهم وتعليلا وهو الأنسب بغلوهم في ~~العناد والمكابرة ويؤيده ما سيأت لرده وقرئ وإن يروا على البناء للمفعول من ~~الإراءة «وكذبوا» أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوه مما أظهر الله ~~تعالى على يده من المعجزات «واتبعوا أهواءهم» التي زينها الشيطان لهم أو ~~كذبوا الآية التي هي انشقاق القمر واتبعوا أهواءهم وقالوا سحر القمر أو سحر ~~أعيننا والقمر بحاله وصنيعة الماضي للدلالة على التحقق وقوله تعالى «وكل ~~أمر مستقر» استئناف مسوق لإقناطهم عما علقوا به أما نيهم الفارغة من عدم ~~استقرار أمره عليه الصلاة والسلام حسبما قالوا سحر مستمر ببيان ثباته ~~ورسوخه أي وكل امر من الأمور مستقر أي منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة ~~ومن جملتها أمر النبي صلى الله عليه وسلم فسيصير إلى غاية يتبين عندها ~~حقيته وعلو شأنه وإبهام المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم ~~الحاجة إلى التصريح به وقيل المعنى كل امر من أمرهم وأمره عليه الصلاة ~~والسلام مستقر أي سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا وشقاوة أو ~~سعادة في الآخرة وقرئ بالفتح على أنه مصدر أو اسم مكان أو اسم زمان أي ذو ~~استقرار أو ذو موضع استقرار أو ذو زمان استقرار PageV08P167 # وبالكسر والجر على انه صفة أمر وكل عطف على الساعة أي اقتربت الساعة وكل ~~أمر مستقر «ولقد جاءهم» أي في القرآن وقوله تعالى «من الأنباء» اى أنباء ~~القرون الخالية أو أنباء الآخرة متعلق بمحذوف هو حال ms3101 مما بعده أي وبالله ~~لقد جاءهم كائنا من الأنباء «ما فيه مزدجر» أي ازدجار من تعذيب أو وعيد أو ~~موضع ازدجار على ان تجريدية والمعنى أنه في نفسه موضع ازدجار وتاء الافتعال ~~تقلب دالا مع الدال والذال والزاي للتناسب وقرئ مزجر بقلبها زاء وإدغامها ~~«حكمة بالغة» غايتها لا خلل فيها وهي بدل ما أو خبر لمحذوف وقرئ بالنصب ~~حالا منها فإنها موصوله أو موصوفة تخصصت بصفتها فساغ نصب الحال عنها «فما ~~تغن النذر» نفى للإغناء أو إنكار له والفاء لترتيب عدم الأغناء على مجىء ~~الحكمة البالغة مع كونه مظنة للإغناء وصيغة المضارع للدلالة على تجدد عدم ~~الإغناء واستمراره حسب تجدد مجىء الزواجر واستمراره وما على الوجه الثاني ~~منصوبة أي فأي إغناء تغنى النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر أو مصدر بمعنى ~~الإنذار «فتول عنهم» لعلمك بان الإنذار لا يؤثر فيهم البتة «يوم يدع الداع» ~~منصوب بيخرجون أو باذكر والداعي إسرافيل عليه السلام ويجوز ان يكون الدعاء ~~فيه كالأمر في قوله تعالى كن فيكون وإسقاطا لياء للاكتفاء بالكسر تخفيفا ~~«إلى شيء نكر» أي منكر فظيع تنكره النفوس لعدم العهد بمثله وهو هول القيامة ~~وقرئ نكر بالتخفيف ونكر بمعنى أنكر «خشعا أبصارهم» حال من فاعل «يخرجون» ~~والتقديم لأن العامل متصرف أي يخرجون «من الأجداث» أذلة أبصارهم من شدة ~~الهول وقرئ خاشعا والإفراد والتذكير لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث وقرئ ~~خاشعة على الأصل وقرئ خشع أبصارهم على الابتداء والخبر على ان الجملة حال ~~«كأنهم جراد منتشر» في الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار «مهطعين إلى ~~الداع» مسرعين مادي أعناقهم إليه أو ناظرين إليه «يقول الكافرون» استئناف ~~وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم والأهوال وأهله بسوء الحال كأنه قيل فماذا ~~يكون حينئذ فقيل يقول الكافرون «هذا يوم عسر» أي صعب شديد وفي إسناد القول ~~المذكور إلى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدة ~~«كذبت قبلهم قوم نوح» شروع PageV08P168 # في تعداد بعض ما ذكر من الأنباء الموجبة للإزدجار ونوع تفصيل لها ms3102 وبيان ~~لعدم تأثرهم بها تقريرا لفحوى قوله تعالى فما تغنى النذر أي فعل التكذيب ~~قبل تكذيب قومك قوم نوح وقوله تعالى «فكذبوا عبدنا» تفسيرا لذلك التكذيب ~~المبهم كما في قوله تعالى ونادى نوح ربه فقال رب الخ وفيه مزيدة تقرير ~~وتحقيق للتكذيب وقيل معناه كذبوه تكذيبا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب ~~جاء عقيبه قرن آخر مكذب مثله وقيل كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا لأنه من ~~جملتهم وفي ذكره عليه الصلاة والسلام بعنوان العبودية مع الإضافة إلى نون ~~العظمة تفخيم له عليه الصلاة السلام ورفع لمحله وزيادة تشنيع لمكذبيه ~~«وقالوا مجنون» أي لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه إلى الجنون ~~«وازدجر» عطف على قالوا اى وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية وقيل هو من جملة ~~ما قالوه أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته «فدعا ربه أني» أي بأني ~~وقرئ بالكسر على إرادة القول «مغلوب» أي من جهة قومي مالي قدرة على ~~الانتقام منهم «فانتصر» اى فانتقم لي منهم وذلك بعد تقرر يأسه منهم بعد ~~اللتيا والتي فقد روى أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه ~~ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون «ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر» ~~منصب وهو تمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها وقرئ ففتحنا بالتشديد لكثرة ~~الأبواب «وفجرنا الأرض عيونا» أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة وأصله ~~بالتشديد وفجرنا عيون الأرض فغير قضاء لحق المقام «فالتقى الماء» أي ماء ~~السماء وماء الأرض والإفراد لتحقيق أن التقاء الماءين لم يكن بطريق ~~المجاورة والتقارب بل بطريق الاختلاط والاتحاد وقرئ الماءان لاختلاف ~~النوعين والماوان بقلب الهمزة واو «على أمر قد قدر» أي كائنا على حال قد ~~قدرها الله تعالى من غير تفاوت أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدر ما أنزل ~~على قدر ما اخرج أو على أمر قدره الله تعالى وهو هلاك قوم نوح بالطوفان ~~«وحملناه» أي نوحا عليه السلام «على ذات ألواح» أي أخشاب عريضة «ودسر» ~~ومسامير جمع دسار من الدسر ms3103 وهو الدفع وهي صفة للسفينة أقيمت مقامها من حيث ~~أنها كالشرح لها تؤدي مؤداها «تجري بأعيننا» بمر أي منا أي محفوظة بحفظنا ~~PageV08P169 # «جزاء لمن كان كفر» أي فعلنا ذلك جزاء لنوح عليه السلام لأنه كان نعمة ~~كفروها فإن كل نبي نعمة من الله تعالى على أمته ورحمة وأي نعمة وأي رحمة ~~وقد جوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير واستتاره في الفعل ~~بعد انقلابه مرفوعا وقرئ لمن كفر أي للكافرين «ولقد تركناها» أي السفينة أو ~~الفعلة «آية» يعتبر بها من يقف على خبرها وقال قتادة أبقاها الله تعالى ~~بأرض الجزيرة وقيل على الجودى دهرا طويلا حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ~~«فهل من مدكر» أي معتبر بتلك الآية الحقيقة بالاعتبار وقرئ مذتكر على الأصل ~~ومذكر بقلب التاء ذالا والإدغام فيها «فكيف كان عذابي ونذر» استفهام تعظيم ~~وعجيب أي كانا على كفية هائلة لا يحيط بها الوصف والنذر جمع نذير بمعنى ~~الإنذار «ولقد يسرنا القرآن» الخ جملة قسمية وردت في أواخر القصص الأربع ~~تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ~~حكمه بالغة فما تغنى النذر وتنبيها على ان كل قصة منها مستقلة بإيجاب ~~الأدكار كافية في الازدجار ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار أي وبالله ~~ولقد سهلنا القرآن لقومك بأن أنزلناه على لغتهم وشحناه بأنواع المواعظ ~~والعبر وصرفنا فيه من الوعيد والوعد «للذكر» أي للتذكر والاتعاظ «فهل من ~~مدكر» إنكارا ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده حيث يدل على انه لا يقدر أحد ~~يجيب المستفهم بنعم وحمل تيسيره على تسهيل حفظه بجزالة نظمه وعذوبة ألفاظه ~~وعباراته مما لا يساعده المقام «كذبت عاد» أي هودا عليه السلام ولم يتعرض ~~لكيفية تكذيبهم له روما للاختصار ومسارعة إلى بيان ما فيه الازدجار من ~~العذاب وقوله تعالى «فكيف كان عذابي ونذر» لتوجيه قلوب السامعين نحو ~~الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره لا لتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله ~~بعد بيانه كما قلبه وما ms3104 بعده كأنه قيل كذبت عاد فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف ~~كان عذابي وإنذاراتي لهم وقوله تعالى «إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا» ~~استئناف ببيان ما أجمل أولا أي أرسلنا عليهم ريحا باردة أو شديدة الصوت «في ~~يوم نحس» شؤم «مستمر» أي شؤمه أو مستمر عليهم إلى أن أهلكهم أو شامل ~~لجميعهم كبيرهم وصغيرهم أو مشتد مرارته وكان يوم الأربعاء آخر الشهر ~~PageV08P170 # «تنزع الناس» تقلعهم روى أنهم دخلوا الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض ~~فنزعتهم الريح وصرعتهم موتى «كأنهم أعجاز نخل منقعر» أي منقلع عن مغارسه ~~قيل شبهوا بأعجاز النخل وهي أصولها بلا فروع لأن الريح كانت تقلع رؤسهم ~~فتبقى أجسادا وجثثا بلا رؤس وتذكير صفى النخل للنظر إلى اللفظ كما أن ~~تأنيثها في قوله تعالى اعجاز نخل خاوية للنظر إلى المعنى وقوله تعالى «فكيف ~~كان عذابي ونذر» تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما فليس فيه شائبة ~~تكرار وما قيل من ان الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في ~~الآخرة يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر» الكلام فيه كالذي مر فيما سبق «كذبت ثمود بالنذر» أي الإنذارات ~~والمواعظ التي سمعوها من صالح أو بالرسل عليهم السلام فإن تكذيب أحدهم ~~تكذيب لكل لاتفاقهم على أصول الشرائع «فقالوا أبشرا منا» اى كائنا من جنسنا ~~وانتصابه بفعل يفسره ما بعده «واحدا» أي منفردا لا تبع له أو واحدا من ~~آحادهم لا من أشرافهم وهو صفة أخرى لبشرا وتأخيره عن الصفة المؤولة للتنبيه ~~على ان كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدم عليها لفاتت هذه ~~النكتة وقرئ أبشر منا واحد من على الابتداء وقوله تعالى «نتبعه» خبره ~~والأول أوجه للاستفهام «إنا إذا» اى على تقدير اتباعنا له وهو منفرد ونحن ~~أمة جمة «لفي ضلال» عن الصواب «وسعر» أي جنون فإن ذلك بمعزل من مقتضى العقل ~~وقيل كان يقول لهم إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر أي نيران جمع ~~سعير فعكسوا ms3105 عليه عليه السلام لغاية عتوهم فقالوا إن اتبعناك كنا إذن كما ~~تقول «أألقي الذكر» أي الكتاب والوحي «عليه من بيننا» وفينا من هو أحق منه ~~بذلك «بل هو كذاب أشر» أي ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله بطره على ~~الترفع علينا بما ادعاه وقوله تعالى «سيعلمون غدا من الكذاب الأشر» حكاية ~~لما قاله تعالى لصالح عليه السلام وعدا له ووعيدا لقومه والسين لتقريب ~~مضمون الجملة وتأكيده والمراد PageV08P171 # بالغد وقت نزول العذاب أي سيعلمون البتة عن قريب من الكذاب الأشر الذي ~~حمله أشره وبطره على الترفع أصالح هو أم من كذبه وقرئ ستعلمون على الالتفات ~~لتشديد التوبيخ أو على حكاية ما أجابهم به صالح وقرئ الأشر كقولهم حذر في ~~حذر وقرئ الأشر أي الأبلغ في الشرارة وهو أصل مرفوض كالأخير وقيل المراد ~~بالغد ويأباه قوله تعالى «إنا مرسلوا الناقة» الخ فإنه استئناف مسوق لبيان ~~مبادئ الموعود حتما أي مخرجوها من الهضبة حسبما سألوا «فتنة لهم» اى ~~امتحانا «فارتقبهم» اى فانتظرهم وتبصر ما يصنعون «واصطبر» على أذيتهم ~~«ونبئهم أن الماء قسمة بينهم» مقسوم لها يوم ولهم يوم وبينهم لتغليب ~~العقلاء «كل شرب محتضر» يحضره صاحبه في نوبته «فنادوا صاحبهم» هو قدار بن ~~سلف أحيمر ثمود «فتعاطى فعقر» فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث له ~~فأحدث العقر بالناقة وقيل فتعاطي الناقة فعقرها أو فتعاطى السيف فقتلها ~~والتعاطي تناول الشئ بتكلف «فكيف كان عذابي ونذر» الكلام فيه كالذي مر في ~~صدر قصة عاد «إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة» هي صيحة جبريل عليه السلام ~~«فكانوا» اى فصاروا «كهشيم المحتظر» أي كالشجر اليابس الذي يتخذه من يعمل ~~الحظيرة لأجلها أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في ~~الشتاء وقرئ بفتح الظاء اى كهشيم الحظيرة أو الشجرة المتخذ لها «ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر» «كذبت قوم لوط بالنذر» «إنا أرسلنا عليهم حاصبا» ~~أي ريحا تحصبهم أي ترميهم بالحصباء «إلا آل لوط نجيناهم بسحر» في سحر وهو ~~آخر الليل وقيل هو السدس ms3106 الأخير منه أي ملتبسين بسحر «نعمة PageV08P172 # من عندنا» أي إنعاما منا وهو علة لنجينا «كذلك» أي مثل ذلك الجزاء العجيب ~~«نجزي من شكر» نعمتنا بالإيمان والطاعة «ولقد أنذرهم» لوط عليه السلام ~~«بطشتنا» أي أخذتنا الشديدة بالعذاب «فتماروا» فكذبوا «بالنذر» متشاكين ~~«ولقد راودوه عن ضيفه» قصدوا الفجور بهم «فطمسنا أعينهم» فمسحناها وسويناها ~~كسائر الوجه روى أنه لما دخلوا داره عنوة صفقهم جبريل عليه السلام صفقة ~~فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط عليه السلام «فذوقوا ~~عذابي ونذر» أي فقلنا لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال والمراد ~~به الطمس فإنه من جملة ما أنذروه من العذاب «ولقد صبحهم بكرة» وقرئ بكرة ~~غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار مخصوصة «عذاب مستقر» لا يفارقهم حتى ~~يسلموا إلى النار وفي وصفه بالاستقرار إيماء إلى أن ما قبله من عذاب الطمس ~~ينتهي إليه «فذوقوا عذابي ونذر» حكاية لما قيل حينئذ من جهته تعالى تشديدا ~~للعذاب «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» مر ما فيه من الكلام «ولقد ~~جاء آل فرعون النذر» صدرت قصتهم بالتوكيد القسمي لإبراز كمال الاعتناء ~~بشأنها لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها وهول ما لاقوه من العذاب وقوة ~~إيجابها للاتعاظ والاكتفاء بذكر آل فرعون للعلم بان نفسه أولى بذلك أي ~~وبالله لقد جاءهم الإنذارات وقوله تعالى «كذبوا بآياتنا» استئناف مبني على ~~سؤال نشأ من حكاية مجىء النذر كأنه قيل فماذا فعلوا حينئذ فقيل كذبوا بجميع ~~آياتنا وهي الآيات التسع «فأخذناهم أخذ عزيز» لا يغالب «مقتدر» لا يعجزه شئ ~~«أكفاركم» يا معشر العرب «خير» قوة وشدة وعدة وعدة أو مكانه «من أولئكم» ~~الكفار المعدودين والمعنى أنه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم فيما ~~ذكر PageV08P173 # من الأمور فهل تطمعون أن لا يصيبكم مثل ذلك وأنتم شر منهم مكانا وأسوأ ~~حالا وقوله تعالى «أم لكم براءة في الزبر» إضراب وانتقال من التبكيت بوجه ~~آخر أي بل ألكم براءة وأمن من تبعات ما تعملون من الكفر والمعاصي وغوائلهما ms3107 ~~في الكتب السماوية فلذلك تصرون على ما أنتم عليه وقوله تعالى «أم يقولون ~~نحن جميع منتصر» إضراب من التبكيت والالتفات للإيذان باقتضاء حالهم للإعراض ~~عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم أي بل أيقولون واثقين ~~بشوكتهم نحن أولو حزم ورأى أمرنا مجتمع لا نرام ولا نضام أو منتصر من ~~الأعداء لا نغلب أو متناصر ينصر بعضنا بعضا والإفراد باعتبار لفظ الجميع ~~وقوله تعالى «سيهزم الجمع» رد وإبطال لذلك والسين للتأكيد أي يهزم جمعهم ~~البتة «ويولون الدبر» أي الأدبار وقد قرىء كذلك والتوحيد لإرادة الجنس أو ~~إرادة أن كل واحد منهم يولى دبره وقد كان كذلك يوم بدر قال سعيد بن المسيب ~~سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدبر ~~كنت لا ادرى أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يلبس الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر فعرفت تأويلها وقرئ سيهزم ~~الجمع أي الله عز وعلا «بل الساعة موعدهم» أي ليس هذا تمام عقوبتهم بل ~~الساعة موعد أصل عذابهم وهذا من طلائعه «والساعة أدهى وأمر» أي في أقصى ~~غاية من الفظاعة والمرارة والداهية الأمر الفظيع الذي لا يهتدي إلى الخلاص ~~عنه وإظهار الساعة في موقع إضمارها لتربية تهويلها «إن المجرمين» من ~~الأولين والآخرين «في ضلال وسعر» أي في هلاك ونيران مسعرة وقيل في ضلال عن ~~الحق في الدنيا ونيران في الآخرة وقوله تعالى «يوم يسحبون» الخ منصوب إما ~~بما يفهم من قوله تعالى في ضلال أي كائنون في ضلال وسعر يوم يجرون «في ~~النار على وجوههم» وإما يقول مقدر بعده أي يوم يسحبون يقال لهم «ذوقوا مس ~~سقر» أي قاسوا حرها وألمها وسقر علم جهنم ولذلك لم يصرف من سقرته النار ~~وصقرته إذا لوحته والقول المقدر على الوجه الأول حال من ضمير يسحبون «إنا ~~كل شيء» من الأشياء «خلقناه بقدر» أي ملتبسا بقدر معين اقتضته الحكمة التي ~~عليها يدور PageV08P174 # أمر التكوين أو مقدرا مكتوبا في اللوح قبل ms3108 وقوعه وكل شيء منصوب بفعل ~~يفسره ما بعده وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخلقناه خبره «وما أمرنا إلا ~~واحدة» أي كلمة واحدة سريعة التكوين وهو قوله تعالى كن أو إلا فعلة واحدة ~~هو الإيجاد بلا معالجة «كلمح بالبصر» في اليسر والسرعة وقيل معناه قوله ~~تعالى وما أمر الساعة إلا كلمح البصر «ولقد أهلكنا أشياعكم» أي أشباهكم في ~~الكفر من الأمم وقيل أتباعكم «فهل من مدكر» يتعظ بذلك «وكل شيء فعلوه» من ~~الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل «في الزبر» أي في ديوان الحفظة «وكل صغير ~~وكبير» من الأعمال «مستطر» مسطور في اللوح المحفوظ بتفاصيله ولما كان بيان ~~سوء حال الكفرة بقوله تعالى إن المجرمين مما يستدعى بيان حسن حال المؤمنين ~~ليتكافأ الترهيب والترغيب بين ما لهم من حسن الحال بطريق الإجمال فقيل «إن ~~المتقين» أي من الكفر والمعاصي «في جنات» عظيمة الشأن «ونهر» أي أنهار كذلك ~~والأفراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل وقرئ نهر جمع نهر كأسد وأسد ~~«في مقعد صدق» في مكان مرضى وقرئ في مقاعد صدق «عند مليك مقتدر» أي مقربين ~~عند مليك لا يقادر قدر ملكه وسلطانه فلا شيء إلا وهو تحت ملكوته سبحانه ما ~~أعظم شأنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة القمر في كل غب ~~بعثه الله تعالى يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة بدر PageV08P175 # بسم الله الرحمن الرحيم لما عد في السورة السابقة ما نزل بالأمم السالفة ~~من ضروب نقم الله عز وجل وبين عقيب كل ضرب منها أن القرآن قد يسر لحمل ~~الناس على التذكر والاتعاظ ونعى عليهم اعراضهم عن ذلك عدد في هذه السورة ~~الكريمة ما أفاض على كافة الأنام من فنون نعمه الدينية والدنيوية والأنفسية ~~ولآفاقية وأنكر عليهم أثر كل فن منها إخلالهم بمواجب شكرها وبدىء بتعليم ~~القرآن فقيل «الرحمن» «علم القرآن» لأنه أعظم النعم شأنا وأرفعها مكانا كيف ~~لا وهو مدار للسعادة الدينية والدنيوية عيار على سائر الكتب السماوية ما من ~~مرصد يرنو إليه أحداق الأمم إلا ms3109 وهو منشؤه ومناطه ولا مقصد يمتد إليه أعناق ~~الهمم إلا وهو منهجه وصراطه وإسناد تعليمه إلى اسم الرحمن للإيذان بأنه من ~~آثا الرحمة الواسعة وأحكامها وقد اقتصر على ذكره تنبيها على أصالته وجلالة ~~قدره ثم قيل «خلق الإنسان» «علمه البيان» تعيينا للمعلم وتبيينا لكيفية ~~التعليم والمراد بخلق الإنسان إنشاؤه على ما هو عليه من القوى الظاهرة ~~والباطنة والبيان هو التعبير عما في الضمير وليس المراد بتعليمه مجرد تمكين ~~الإنسان من بيان نفسه بل منه ومن فهم بيان غيره أيضا إذ هو الذي يدور عليه ~~تعليم القرآن والجمل الثلاث أخبار مترادفة للرحمن وإخلاء الأخيرتين عن ~~العاطف لورودها على منهاج التعديد «الشمس والقمر بحسبان» اى يجريان بحساب ~~مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ينتظم بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف ~~الفصول والأوقات وتعلم السنون الحساب PageV08P176 # «والنجم» أي النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له «والشجر» أي ~~الذي له ساق «يسجدان» أي ينقادان له تعالى فيما يريد بهما طبعا انقياد ~~الساجدين من المكلفين طوعا والجملتان خبران آخران للرحمن جردتا عن الرابط ~~اللفظي تعويلا على كمال قوة الارتباط المعنوي إذ لا يتوهم ذهاب الوهم إلى ~~كون حال الشمس والقمر بتسخير غيره تعالى ولا إلى كون سجود النجم والشجر لما ~~سواه تعالى كأنه قيل الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان له وإخلاء ~~الجملة الأولى عن العاطف لما ذكر من قبل وتوسيط العاطف بينها وبين الثانية ~~لتناسبهما من حيث التقابل لما أن الشمس والقمر علويان والنجم والشجر سفليان ~~ومن حيث إن كلا من حال العلويين وحال السفليين من باب الانقياد لأمر الله ~~عز وجل «والسماء رفعها» أي خلقها مرفوعة محلا ورتبة حيث جعلها منشأ أحكامه ~~وقضاياه ومتنزل أوامره ومحل ملائكته وفيه من التنبيه على كبرياء شأنه وعظم ~~ملكه وسلطانه مالا يخفى وقرئ بالرفع على الابتداء «ووضع الميزان» اى شرع ~~العدل وأمر به بأن وفر كل مستحق ما استحقه ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم به ~~أمر العالم واستقام كما قال عليه الصلاة والسلام بالعدل ms3110 قامت السماوات ~~والأرض قيل فعلى هذا الميزان القرآن وهو قول الحسين بن الفضل كما في قوله ~~تعالى وأنزلنا معهم الكتاب والميزان وقيل هو ما يعرف به مقادير الأشياء من ~~ميزان ومكيال ونحوهما وهو قول الحسن وقتادة والضحاك فالمعنى خلقه موضوعا ~~مخوضا على الأرض حيث علق به احكام عبادة وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية ~~والتعديل في أخذهم وإعطائهم «ألا تطغوا في الميزان» أي لئلا تطغوا فيه على ~~ان أن ناصبة ولا نافيه ولام العلة مقدرة متعلقة بقوله تعالى ووضع الميزان ~~أو أي لا تطغوا على أنها مفسرة لما في الشرع من معنى القول ولا ناهية أي لا ~~تعتدوا ولا تتجاوزوا الإنصاف وقرئ لا تطغوا على إرادة القول «وأقيموا الوزن ~~بالقسط» قوموا وزنكم بالعدل وقيل أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل وقيل ~~الإقامة باليد والقسط بالقلب «ولا تخسروا الميزان» أي لا تنقصوه أمر أولا ~~بالتسوية ثم نهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ثم عن الخسران إلى هو ~~تطفيف ونقصان وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتأكيدا للأمر باستعماله ~~والحث عليه وقرئ ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين وكسرها يقال خسر الميزان ~~يخسر ويخسره وبفتح السين أيضا على أن الأصل ولا تخسروا PageV08P177 # في الميزان فحذف الجار وأوصل الفعل «والأرض وضعها» أي خفضها مدحوة على ~~الماء «للأنام» أي الخلق قيل المراد به كل ذي روح وقيل كل ما على ظهر الأرض ~~من دابة وقيل الثقلان وقوله تعالى «فيها فاكهة» الخ استئناف مسوق لتقرير ما ~~أفادته الجملة السابقة من كون الأرض موضوعة لمنافع الأنام وتفصيل المنافع ~~العائدة إلى البشر وقيل حال مقدرة من الأرض فالأحسن حينئذ أن يكون الحال هو ~~الجار والمجرور وفاكهة رفع على الفاعلية أي فيها ضروب كثيرة مما يتفكه به ~~«والنخل ذات الأكمام» هي أوعية الثمر جمع كم أو كل ما يكم أي يغطي من ليف ~~وسعف وكفرى فإنه مما ينتفع به كالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه «والحب» هو ~~ما يتغذى به كالحنطة والشعير «ذو العصف» هو ورق الزرع وقيل التبن ms3111 ~~«والريحان» قيل هو الرزق أريد به اللب أي فيها ما يتلذذ به من الفواكه ~~والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل وما يتغذى به وهو الحب الذي له ~~عصف هو علف الأنعام وريحان هو مطعم الناس وقرئ والحب ذا العصف والريحان أي ~~خلق الحب والريحان أو أخص ويجوز ان يرادو ذا الريحان فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه والريحان إما فعيلان من روح فقلبت الواو ياء وأدغم ثم ~~خفف أو فعلان قلبت واوه ياء للتخفيف أو للفرق بينه وبين الروحان وهو ماله ~~روح قاله القرطبي «فبأي آلاء ربكما تكذبان» الخطاب للثقلين المدلول عليهما ~~بقوله تعالى للأنام وسينطق به قوله تعالى أيها الثقلان والفاء لترتيب ~~الإنكار والتوبيخ على ما فصل من فنون النعماء وصنوف الآلاء الموجبة للإيمان ~~والشكر والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية والتربية مع ~~الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ ومعنى تكذيبهم بآلائه ~~تعالى كفرهم بها إما بإنكار كونه نعمة في نفسه كتعليم القرآن وما يستند ~~إليه من النعم الدينية وإما بإنكار كونه من الله تعالى مع الاعتراف بكونه ~~نعمة في نفسه كالنعم الدنيوية الواصلة إليهم بإسناده إلى غيره تعالى ~~استقلال أو اشتراكا صريحا أو دلالة فإن إشراكهم لآلهتم به تعالى في العبادة ~~من دواعي إشراكهم لها به تعالى فيما يوجبها والتعبير عن كفرهم المذكور ~~بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الإيمان والشكر شهادة منها ~~بذلك فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة أي فإذا كان الأمر كما فصل فبأي فرد من ~~أفراد آلاء ما لككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان مع أن كلا منها ناطق ~~بالحق شاهد بالصدق PageV08P178 # «خلق الإنسان من صلصال كالفخار» تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بمواجب شكر ~~النعمة المتعلقة بذاتي كل واحد من الثقلين والصلصال الطين اليابس الذي له ~~صلصال والفخار الخزف وقد خلق الله تعالى آدم عليه السلام من تراب جعله طينا ~~ثم حمأ مسنونا ثم صلصال فلا تنافى بين الآية الناطقة بأحدها وبين ما نطق ~~بأحد الآخرين «وخلق الجان» أي الجن أو ms3112 أبا الجن «من مارج» من لهب صاف «من ~~نار» بيان لمارج فإنه في الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب «فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان» مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم «رب المشرقين ورب ~~المغربين» بالرفع على خبرية مبتدأ محذوف أي الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل ~~البديعة رب مشرقى الصيف والشتاء ومغربيهما ومن قضيته أن يكون رب ما بينهما ~~من الموجودات قاطبة وقيل على الابتداء والخبر قوله تعالى مرج الخ وقرئ ~~بالجر على انه بدل من ربكما «فبأي آلاء ربكما تكذبان» مما في ذلك من فوائد ~~لا تحصى من اعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل في وقته ~~إلى غير ذلك «مرج البحرين» أي أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها والمعنى ~~أرسل البحر الملح والبحر العذب «يلتقيان» أي يتجاوران ويتماس سطوحهما لا ~~فصل بينهما في مرأى العين وقيل أرسل بحرى فارس والروم يلتقيان في المحيط ~~لأنهما خليجان يتشعبان منه «بينهما برزخ» أي حاجز من قدرة الله عز وجل أو ~~من الأرض «لا يبغيان» أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال ~~الخاصية أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما «فبأي آلاء ربكما تكذبان» ~~وليس منهما شئ يقبل التكذيب «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان» PageV08P179 # اللؤلؤ الدر والمرجان الخرز الأحمر المشهور وقيل اللؤلؤ كبار الدر ~~والمرجان صغاره فنسبة خروجهما حينئذ إلى البحرين مع انهما إنما يخرجان من ~~الملح على ما قالوا لما قيل أنهما لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب أو ~~لأنهما لما التقيا وصارا كالشئ الواحد ساغ أن يقال يخرجان من البحر مع ~~أنهما لا يخرجان من جمع البحر ولكن من بعضه وهو الأظهر وقرئ يخرج مبنيا ~~للمفعول من الإخراج ومبنيا للفاعل بنصب اللؤلؤ والمرجان وبنون العظمة «فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان» «وله الجوار» أي السفن جمع جارية وقرئ برفع الراء وبحذف ~~الياء كقول من قال لها ثنايا أربع حسان وأربع فكلها ثمان «المنشآت» ~~المرفوعات الشرع أو المصنوعات وقرئ بكسر الشين أي الرافعات الشرع أو اللاتي ~~ينشئن الأمواج ms3113 يجريهن «في البحر كالأعلام» كالجبال الشاهقة جمع علم وهو ~~الجبل الطويل «فبأي آلاء ربكما تكذبان» من خلق مواد السفن والإرشاد إلى ~~أخذها وكيفية تركيبها وجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها ~~وترتيبها غيره سبحانه «كل من عليها» أي على الأرض من الحيوانات أو المركبات ~~ومن التغليب أو من الثقلين «فإن» هالك لا محالة «ويبقى وجه ربك» أي ذاته عز ~~وجل «ذو الجلال والإكرام» أي ذو الاستغناء المطبق والفضل التام وقيل الذي ~~عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده وهذه من عظائم صفاته تعالى ولقد ~~قال صلى الله عليه وسلم ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه برجل وهو يصلى ويقول يا ذا الجلال والإكرام فقال استجيب لك ~~وقرئ ذي الجلال والإكرام على أنه صفة ربك وأيا ما كان ففي وصفه تعالى بذلك ~~بعد ذكر فناء الخلق وبقائه تعالى إيذان يفيض عليهم بعد فنائهم أيضا أثار ~~لطفه وكرمه حسبما ينبئ عنه قوله تعالى «فبأي آلاء ربكما تكذبان» فإن ~~إحياؤهم بالحياة الأبدية وإثابتهم بالنعيم المقيم أجل النعماء وأعظم الآلاء ~~«يسأله من في السماوات والأرض» قاطبة ما يحتاجون PageV08P180 # إليه في ذواتهم ووجوداتهم حدوثا وبقاء سائر أحوالهم سؤالا مستمرا بلسان ~~المقال أو بلسان الحال فإنهم كافة من حيث حقائقهم الممكنة بمعزل من استحقاق ~~الوجود وما يتفرع عليه من الكمالات بالمرة بحيث لو انقطع ما بينهم وبين ~~العناية الإلهية من العلاقة لم يشموا رائحة الوجود أصلا فهم في كل آن ~~مستمرون على الاستدعاء والسؤال وقد مر في تفسير قوله تعالى «وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها» من سورة إبراهيم عليه السلام «كل يوم» أي كل وقت من ~~الأوقات «هو في شأن» من الشؤون التي من جملتها إعطاء ما سألوا فإنه تعالى ~~لا يزال ينشئ أشخاصا ويغني آخرين ويأتي بأحوال ويذهب بأحوال حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة وفي الحديث من شانه أن يغفر ذنبا ويفرج ~~كربا ويرفع قوما ويضع آخرين قيل وفيه رد على اليهود حيث يقولون إن الله لا ms3114 ~~يقضى يوم السبت شيئا «فبأي آلاء ربكما تكذبان» مع مشاهدتكم لما ذكر من ~~إحسانه «سنفرغ لكم» أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة عند انتهاء ~~شؤون الخلق المشار إليها بقوله تعالى كل يوم هو في شأن فلا يبقى حينئذ إلا ~~شأن واحد هو الجزاء فعبر عنه بالفراغ لهم بطريق التمثيل وقيل هو مستعار من ~~قول المتهدد لصاحبه سأفرغ لك اى سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه ~~والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه وقريء سيفرغ مبنيا للفاعل ~~وللمفعول قرىء سنفرغ إليكم اى سنقصد إليكم «أيها الثقلان» هما الإنس والجن ~~سميا بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة آرائهما أو لأنهما مثقلان بالتكليف ~~«فبأي آلاء ربكما» التي من جملتها التنبيه على ما سيلقونه يوم القيامة ~~للتحذير عما يؤدي إلى سوء الحساب «تكذبان» بأقوالكما وأعمالكما «يا معشر ~~الجن والإنس» هما الثقلان خوطبا باسم جنسهما لزيادة التقرير ولأن الجن ~~مشهورون بالقدرة على الأفاعيل الشاقة فخوطبوا بما ينبئ عن ذلك لبيان أن ~~قدرتهم لا تفي بما كلفوه «إن استطعتم» أن قدرتم على «أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض» أي أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن أقطار ~~سمواتى وأرضى «فانفذوا» منها وخلصوا أنفسكم من عقابي «لا تنفذون» لا تقدرون ~~على النفوذ «إلا بسلطان» أي بقوة وقهر وأنتم من ذلك بمعزل بعيد روى أن ~~الملائكة تنزل فتحيط بالخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجها ~~PageV08P181 # إلا وجدوا الملائكة أحاطت به «فبأي آلاء ربكما تكذبان» أي من التنبيه ~~والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة على القوبة «يرسل عليكما شواظ» ~~قيل هو اللهب الخالص وقيل المختلط بالدخان وقيل اللهب الأحمر وقيل اللهب ~~الأخضر المنقطع من النار وقيل هو الدخان الخارج من اللهب وقيل هو النار ~~والدخان جميعا وقرئ شواظ بكسر الشين «من نار» متعلق بيرسل أو بمضمر هو صفة ~~لشواظ أي كائن من نار والتنوين للتفخيم «ونحاس» اى دخان وقيل صفر مذاب يصب ~~على رؤسهم وقرئ بكسر النون وقرئ بالجر عطفا على نار وقرئ ms3115 نرسل بنون العظمة ~~ونصب شواظا ونحاسا وقرئ نحس جمع نحاس مثل لحاف ولحف وقرئ ونحس اى نقتل ~~بالعذاب «فلا تنتصران» أي لا تمتنعان «فبأي آلاء ربكما تكذبان» فإن بيان ~~عاقبة ما هم عليه من الكفر والمعاصي لطف وأي لطف ونعمة وأي نعمة «فإذا ~~انشقت السماء» اى انصدعت يوم القيامة «فكانت وردة» كوردة حمراء وقرئ وردة ~~بالرفع على أن كان تامة أي حصلت سماء وردة فيكون من باب التجريد كقول من ~~قال [ولئن بقيت لأرحلن بغزوة * تحوى الغنائم أو يموت كريم] «كالدهان» خبر ~~ثان لكانت أو نعت لوردة أو حال من اسم كانت أي كدهن الزيت وهو إما جمع دهن ~~أو اسم لما يدهن به كالحزام والإدام وقيل هو الأديم الأحمر وجواب إذا محذوف ~~أي يكون من الأحوال والأهوال مالا يحيط به دائرة المقال «فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان» مع عظم شأنها «فيومئذ» أي يوم إذ تنشق السماء حسبما ذكر «لا يسأل ~~عن ذنبه إنس ولا جان» لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك أول ما يخرجون من القبور ~~ويحشرون إلى الموقف ذودا ذودا على اختلاف مراتبهم وأما قوله تعالى فوربك ~~لنسألنهم أجميعن ونحوه ففي موقف المناقشة والحساب وضمير ذنبه للإنس لتقدمه ~~رتبة وإفراده لما ان المراد فرد من الإنس كأنه قيل لا يسأل ذنبه إنسي ولا ~~جنى «فبأي آلاء ربكما تكذبان» مع كثرة منافعها فإن الإخبار بما ذكر مما ~~يزجركم عن PageV08P182 # الشر المؤدي إليه وأما ما قيل مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا ~~اليوم فلا تعلق له بالمقام وقوله تعالى «يعرف المجرمون بسيماهم» استئناف ~~يجري مجرى التعليل لعدم السؤال قيل يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون وقيل ~~بما يعلوهم من الكآبة والحزن «فيؤخذ بالنواصي والأقدام» الجار والمجرور هو ~~القائم مقام الفاعل يقال أخذه إذا كان المأخوذ مقصودا بالأخذ ومنه قوله ~~تعالى خذوا حذركم ونحوه وأخذ به إذا كان المأخوذ شيئا من ملابسات المقصود ~~بالأخذ ومنه قوله تعالى لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى وقول المستغيث خذ بيدي ~~أخذ الله بيدك أي يجمع بين نواصيهم ms3116 وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم وقيل ~~تسحبهم الملائكة تارة تأخذ بالنواصي وتارة تأخذ بالأقدام «فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان» وقوله تعالى «هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون» على إرادة القول أي ~~يقال لهم ذلك بطريق التوبيخ على أن الجملة إما استئناف وقع جوابا عن سؤال ~~ناشئ من حكاية الأخذ بالنواصي والأقدام كأنه قيل فماذا يفعل بهم عند ذلك ~~فقيل يقال الخ أو حال من أصحاب النواصي والاقدام لأن الألف واللام عوض عن ~~المضاف إليه وما بينهما اعتراض «يطوفون» أي بين النار يحرقون بها «وبين ~~حميم آن» ماء بالغ من الحرارة أقصاها يصب عليهم أو يسقون منه وقيل إذا ~~استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقد أشير إلى ~~سر كون بيان أمثال هذه الأمور من قبيل الآلاء مرارا «ولمن خاف مقام ربه» ~~شروع في تعداد الآلاء الفائضة عليهم في الآخرة بعد تعداد ما وصل إليهم في ~~الدنيا من الآلاء الدينية والدنيوية واعلم أن ما عدد فيما بين هذه الآية ~~وبين خاتمة السورة الكريمة من فنون الكرامات كما أن أنفسها آلاء جليلة ~~واصلة إليهم في الآخرة كذلك حكاياتها الواصلة إليهم في الدنيا آلاء عظيمة ~~لكونها داعية لهم إلى السعي في تحصيل ما يؤدى إلى نيلها من الإيمان والطاعة ~~وأن ما فصل من فاتحة السورة الكريمة إلى قوله تعالى كل يوم هو في شأن من ~~النعم الدينية والدنيوية الأنفسية والآفاقية آلاء جليلة واصلة إليهم في ~~الدنيا وكذلك حكاياتها من حيث إيجابها للشكر والمثابرة على PageV08P183 # ما يؤدى إلى استدامتها واما ما عدد فيما بين قوله تعالى سنفرغ لكم وبين ~~هذه الآية من الأحوال الهائلة التي ستقع في الآخرة فليست هي من قبيل الآلاء ~~وإنما الآلاء حكاياتها الموجبة للانزجار عما يؤدى على الابتلاء بها من ~~الكفر والمعاصي كما أشير إليه في تضاعيف تعدادها ومقامه تعالى موقفه الذي ~~يقف فيه العباد للحساب يوم يقوم الناس لرب العالمين أو قيامه تعالى على ~~أحواله من قام عليه إذا راقبه أو مقام الخائف عند ربه للحساب ms3117 بأحد المعنيين ~~وإضافته إلى الرب للتفخيم والتهويل أو مقحم للتعظيم «جنتان» جنة للخائف ~~الإنسى وجنة للخائف الجنى فإن الخطاب للفريقين فالمعنى لكل خائفين منكما أو ~~لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي ~~أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه أو روحانية وجسمانية وكذا ما جاء ~~مثنى بعد «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «ذواتا أفنان» صفة لجنتان ~~وما بينهما اعتراض وسط بينهما تنبيها على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة ~~موجب للإنكار والتوبيخ والأفنان إما جمع فن أي ذواتا أنواع من الأشجار ~~والثمار أو جمع فنن أي ذواتا أغصان متشعبة من فروع الشجر وتخصيصها بالذكر ~~لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وليس فيها شئ ~~يقبل التكذيب «فيهما عينان تجريان» صفة أخرى لجنتان أي في كل واحدة عين ~~تجرى كيف يشاء صاحبها في الأعالي والأسافل وقيل تجريان من جبل من مسك وعن ~~ابن عباس والحسن تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ~~وقيل أحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين قال أبو بكر ~~الوراق فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله ~~عز وجل «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «فيهما من كل فاكهة زوجان» أي ~~صنفان معروف وغريب أو رطب ويابس صفة أخرى لجنتان وتوسيط الاعتراض بين ~~الصفات لما مر آنفا «فبأي آلاء ربكما تكذبان» PageV08P184 # وقوله تعالى «متكئين» حال من الخائفين لأن من خاف في معنى الجمع أو نصب ~~على المدح «على فرش بطائنها من إستبرق» من ديباج ثخين وحيث كانت بطائنها ~~كذلك فما ظنك بظهائرها وقيل ظهائرها من سندس وقيل من نور «وجنى الجنتين ~~دان» أي ما يجتنى من أشجارها من الثمار قريب يناله القائم والقاعد والمضطجع ~~قال ابن عباس رضى الله عنهما تدنو الشجرة حتى تجتنيها ولى الله إن شاء ~~قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا وقرئ بكسر الجيم «فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان» وقوله تعالى «فيهن» أي في الجنان ms3118 المدلول عليه بقوله تعالى جنتان ~~لما عرفت أنهما لكل خائفين من الثقلين أو لكل خائف حسب تعدد عمله وقد اعتبر ~~الجمعية في قوله تعالى متكئين وقيل فيهما من الأماكن والقصور وقيل في هذه ~~الآلاء المعدودة من الجنتين والفاكهة والفرش «قاصرات الطرف» نساء يقصرن ~~أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم «لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان» أي ~~لم يمس الإنسيات أحد من الإنس ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن المدلول ~~عليهم بقاصرات الطرف وقيل بقوله تعالى متكئين وفيه دليل على أن الجن يطمثون ~~وقرئ يطمثهن بضم الميم والجملة صفة لقاصرات الطرف لأن إضافتها لفظية أو حال ~~منها لتخصصها بالإضافة «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «كأنهن ~~الياقوت والمرجان» إما صفة لقاصرات الطرف أو حال منها كالتي قبلها أي ~~مشبهات بالياقوت في حمرة الوجنة والمرجان أي صغار الدر في بياض البشر ~~وصفائها فإن صغار الدر أنصع بياضا من كباره قيل إن الحوراء تلبس سبعين حلة ~~فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء «فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» استئناف ~~مقرر لمضمون ما فصل قبله أي ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في ~~الثواب PageV08P185 # «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «ومن دونهما جنتان» مبتدأ وخبر أي ~~ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين جنتان أخريان لمن دونهن ~~من أصحاب اليمين «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «مدهامتان» صفة ~~لجنتان وسط بينهما الاعتراض لما ذكر من التنبيه على أن تكذيب كل من الموصوف ~~والصفة حقيق بالإنكار والتوبيخ أي خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة ~~وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على ~~وجه الأرض وعلى الأولين الأشجار والفواكه «فبأي آلاء ربكما تكذبان» «فيهما ~~عينان نضاختان» أي فوارتان بالماء والنضح أكثر من النضح بالحاء المهملة وهو ~~الرش «فبأي آلاء ربكما تكذبان» «فيهما فاكهة ونخل ورمان» عطف الأخيران على ~~الفاكهة عطف جبريل وميكال على الملائكة بيانا لفضلهما فإن ثمرة ms3119 النخل فاكهة ~~وغذاء والرمان فاكهة ودواء وعن هذا قال أبو حنيفة رحمه الله من حلف لا يأكل ~~فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى ~~«فيهن خيرات» صفة أخرى لجنتان كالجملة التي قبلها والكلام في جميع الضمير ~~كالذي مر فيما مر وخيرات مخففة من خيرات لأن خيرا الذي بمعنى أخير لا يجمع ~~وقد قرئ على الأصل «حسان» أي حسان الخلق والخلق PageV08P186 # «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى «حور» بدل من خيرات «مقصورات في ~~الخيام» قصرن في خدورهن يقال امرأة قصيرة وقصورة أي مخدرة أو مقصورات الطرف ~~على أزواجهن وقيل إن الخيمة من خيامهن درة مجوفة «فبأي آلاء ربكما تكذبان» ~~وقوله تعالى «لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان» كالذي مر في نظيره من جميع ~~الوجوه «فبأي آلاء ربكما تكذبان» «متكئين» نصب على الاختصاص «على رفرف خضر» ~~الرفرف إما اسم جنس أو اسم جمع واحده رفرفة قيل هو ما تدلى من الأسرة من ~~أعالي الثياب وقيل هو ضرب من البسط أو البسط وقيل الوسائد وقيل النمارق ~~وقيل كل ثوب عريض رفرف وقيل لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف ورفرف السحاب ~~هيدبه «وعبقري حسان» العبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن ~~فينسبون إليه كل شيء عجيب والمراد به الجنس ولذلك وصف بالجمع حملا على ~~المعنى كما في رفرف على أحد الوجهين وقرئ على رفارف خضر بضمتين وعباقري ~~كمدائني نسبة إلى عباقر في اسم البلد «فبأي آلاء ربكما تكذبان» وقوله تعالى ~~«تبارك اسم ربك» تنزيه وتقديس له تعالى فيه تقرير لما ذكر في السورة ~~الكريمة من آلائه الفائضة على الأنام أي تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ~~ما صدرت به السورة من اسم الرحمن المنبىء عن إفاضته الآلاء المفصلة وارتفع ~~عما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها جحود نعمائه وتكذيبها وإذا كان ~~حال اسمه بملامسة دلالته عليه فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى وقيل الاسم ~~بمعنى الصفة وقيل مقحم كما في قول من قال * إلى الحول ms3120 ثم اسم السلام عليكما ~~* «ذي الجلال والإكرام» وصف به الرب تكميلا لما ذكر من التنزيه والتقرير ~~وقرئ ذو الجلال على أنه نعت للاسم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سروة ~~الرحمن أدى شكر ما أنعم الله عليه PageV08P187 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «إذا وقعت الواقعة» أي إذا قامت القيامة وذلك ~~عند النفخة الثانية والتعبير عنها بالواقعة للإيذان بتحقق وقعها لا محالة ~~كأنها واقعة في نفسها مع قطع النظر عن الوقوع الواقع في حيز الشرط كأنه قيل ~~كانت الكائنة وحدثت الحادثة وانتصاب إذا بمضمر ينبئ عن الهول والفظاعة كأنه ~~قيل إذا وقعت الواقعة يكون من الأهوال مالا يفي به المقال وقيل بالنفي ~~المفهوم من قوله تعالى «ليس لوقعتها كاذبة» اى لا يكون عند وقوعها نفس تكذب ~~على الله تعالى أو تكذب في نفيها كما تكذب اليوم واللام كهي في قوله تعالى ~~يا ليتني قدمت لحياتي وهذه الجملة على الوجه الأول اعتراض مقرر لمضمون ~~الشرط على أن الكاذبة مصدر كالعافية أي ليس لأجل وقعتها وفي حقها كذب أصلا ~~بل كل ما ورد في شأنها من الأخبار حق صادق لا ريب فيه وقوله تعالى «خافضة ~~رافعة» خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة لأقوام رافعة لآخرين وهو تقرير لعظمتها ~~وتهويل لأمرها فإن الوقائع العظام شأنها كذلك أو بيان لما يكون يؤمئذ من حط ~~الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى الدرجات ومن زلزلة الأشياء وإزالة ~~الأجرام عن مقارها بنثر الكواكب وإسقاط السماء كسفا وتسيير الجبال في الجو ~~كالسحاب وتقديم الخفض على الرفع للتشديد في التهويل وقرئ خافضة رافعة ~~بالنصب على الحال من الواقعة وقوله تعالى «إذا رجت الأرض رجا» أي زلزلت ~~زلزالا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل متعلق بخافضة رافعة أي تخفض ~~وترفع وقت رج الأرض إذ عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض أو ~~بدل من إذا وقعت «وبست الجبال بسا» أي فتت حتى صارت PageV08P188 # مثل السويق الملتوت من بس السويق إذا لته أو سيقت وسيرت من ms3121 أماكنها من بس ~~الغنم إذا ساقها كقوله تعالى وسيرت الجبال وقرئ رجت وبست أي ارتجت وذهبت ~~«فكانت» أي فصارت بسبب ذلك «هباء» غبارا «منبثا» منتشرا «وكنتم» إما خطاب ~~للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليبا أو للحاضرة «أزواجا» أي أصنافا ~~«ثلاثة» فكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج وقوله ~~تعالى «فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة» وأصحاب المشامة ما أصحاب المشأمة ~~تقسيم وتنويع للأزواج الثلاثة مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل ~~تفصيلها فقوله تعالى فأصحاب الميمنة مبتدأ وقوله ما أصحاب الميمنة خبره على ~~ان ما الإستفهامية مبتدأ ثان ما بعده خبره والجملة خبر الأول والأصل ما هم ~~أي أي شيء هم في حالهم وصفتهم فإن ما وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة ~~لكنها قد يطلب بها الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم أو طبيب فوضع ~~الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في التفخيم وكذا الكلام في وقوله تعالى ~~وأصحاب المشامة ما أصحاب المشامة والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في ~~الفخامة والفظاعة كأنه قيل فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال وأصحاب ~~المشأمة في نهاية سوء الحال وتكلموا في الفريقين فقيل أصحاب الميمنة أصحاب ~~المنزلة السنية وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية أخذا من تيمنهم ~~بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل وقيل الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين ~~يؤتونها بشمائلهم وقيل الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ ~~بهم ذات الشمال إلى النار وقيل أصحاب اليمين وأصحاب الشؤم فإن السعداء ~~ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعاصيهم وقوله تعالى ~~«والسابقون السابقون» هو القسم الثالث من الأزواج الثلاثة ولعل تأخير ذكرهم ~~مع كونهم أسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل ليقترن ذكرهم ببيان محاسن أحوالهم ~~على أن يرادهم بعنوان السبق مطلقا معرب عن إحرازهم لقصب السبق من جميع ~~الوجوه وتكلموا فيهم أيضا فقيل هم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ~~ظهور الحق من غير تلعثم وتوان وقيل الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات ~~وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين كما قال تعالى ms3122 والسابقون الأولين من ~~المهاجرين والأنصار وقيل هم السابقون إلى صلوات الخمس وقيل المسارعون في ~~الخيرات وأيا ما كان فالجملة مبتدأ وخبر PageV08P189 # والمعنى والسابقون هم الذين اشتهرت أحوالهم وعرفت محاسنهم كقول أبى النجم ~~[أنا أبو النجم وشعرى شعري] وفيه تفخيم شأنهم والإيذان بشيوع فضلهم ~~واستغنائهم عن الوصف بالجميل مالا يخفى وقيل والسابقون إلى طاعة الله تعالى ~~السابقون إلى رحمته أو السابقون إلى الخير والسابقون إلى الجنة وقوله تعالى ~~«أولئك» إشارة إلى السابقين وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار ~~إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل ومحله الرفع على الابتداء خبره ما بعده ~~أي أولئك الموصوفون بذلك النعت الجليل «المقربون» أي الذين قربت إلى العرش ~~العظيم درجاتهم وأعليت مراتبهم ورقيت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية هذا ~~اظهر ما ذكر في إعراب هذه الجمل وأشهره والذي تقتضيه جزالة التنزيل أن قوله ~~تعالى فأصحاب الميمنة خبر مبتدأ محذوف وكذا قوله تعالى وأصحاب المشأمة ~~وقوله تعالى والسابقون فإن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام ~~الثلاثة بيان أنفس الأقسام الثلاثة وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين ~~بعد ذ ذلك بإسنادها إليها والتقدير فأحدها أصحاب الميمنة والآخر أصحاب ~~المشأمة والثالث السابقون خلا أنه لما أخر بيان أحوال القسمين الأولين عقب ~~كل منهما بجملة معترضة بين القسمين منبئة عن ترامى أحوالهما في الخير والشر ~~إنباء إجماليا مشعرا بان لأحوال كل منهما تفصيلا مترقبا لكن لا على أن ما ~~الاستفهامية مبتدأ وما بعدها خبر على ما رآه سيبويه في أمثاله بل على أنها ~~خبر لما بعدها فإن مناط الإفادة بيان أن أصحاب الميمنة أمر بديع كما يفيده ~~كون ما خبر إلا بيان أن أمرا بديعا أصحاب الميمنة كما يفيده كونها مبتدأ ~~وكذا الحال في أصحاب المشأمة وأما القسم الأخير فحيث قرن بيان محاسن أحواله ~~بذكره لم يحتج فيه إلى تقديم إلا نموذج فقوله تعالى السابقون مبتدأ ~~والإظهار في مقام الإضمار للتفخيم وأولئك مبتدأ ثان أو بدل من الأول وما ~~بعده خبر له أو الثاني والجملة خبر ms3123 للأول وقوله تعالى «في جنات النعيم» ~~متعلق بالمقربون أو بمضمر هو حال من ضميره أي كائنين في جنات النعيم وقيل ~~خبر ثان لاسم الإشارة وفيه أن الأخبار بكونهم مقربين ليس فيه مزيد مزية ~~وقرئ في جنة النعيم وقوله تعالى «ثلة من الأولين» خبر مبتدأ محذوف أي هم ~~أمة جمة من الأولين وهم الأمم السالفة من لدن آدم إلى نبينا عليه الصلاة ~~والسلام وعلى بينهما من الأنبياء العظام «وقليل من الآخرين» أي من هذه ~~الأمة ولا يخالفه قوله عليه الصلاة والسلام إن أمتي يكثرون PageV08P190 # سائر الأمم فإن أكثرية سابقى الأمم السالفة من سابقى هذه الأمة لا تمنع ~~أكثرية تابعي هؤلاء من تابعي أولئك ولا يرده قوله تعالى في أصحاب اليمين ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين لأن كثرة كل من الفريقين في أنفسهما لا ~~تنافى أكثرية أحدهما من الآخر وسيأتي أن الثلثين من هذه الأمة وقد روى ~~مرفوعا أن الأولين والآخرين ههنا أيضا متقدمو هذه الأمة ومتأخروهم واشتقاق ~~الثلة من الثل وهو الكسر «على سرر موضونة» حال أخرى من المقربين أو من ~~ضميرهم في الحال الأولى وقيل خبر آخر للضمير والموضونة المنسوجة بالذهب ~~مشبكة بالدر والياقوت أو المتواصلة من الوضن وهو النسج «متكئين عليها ~~متقابلين» حالان من الضمير المستكن فيما تعلق به على سرر أي مستقرين على ~~سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم من أقفاء بعض وهو وصف لهم بحسن ~~العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب «يطوف عليهم» حال أخرى أو استئناف أي يدور ~~حولهم للخدمة «ولدان مخلدون» أي مبقون أبدا على شكل الولدان وطراوتهم لا ~~يتحولون عنها وقيل مقرطون والخلد القرط قيل هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم ~~حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها روى ذلك عن على رضى الله عنه ~~وعن الحسن رحمه الله وفى الحديث أولاد الكفار خدام أهل الجنة «بأكواب» ~~بآنية لا عرى لها ولا خراطيم «وأباريق» أي آنية ذات عرى وخراطيم «وكأس من ~~معين» أي خمر جارية من العيون قيل إنما أفرد الكأس لأنها لا ms3124 تسمى كأسا إلا ~~إذا كانت مملوءة «لا يصدعون عنها» أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها ~~وقرئ لا يصدعون أي لا يتصدعون ولا يتفرقون كقوله تعالى يومئذ يصدعون وقرئ ~~لا يصدعون أي لا يفرق بعضهم بعضا «ولا ينزفون» أي لا يسكرون من أنزف الشارب ~~إذا نفد عقله أو شرابه «وفاكهة مما يتخيرون» أي يختارونه ويأخذون خبره ~~وأفضله «ولحم طير مما يشتهون» أي يتمنون وقرئ ولحوم طير PageV08P191 # «وحور عين» بالرفع عطف على ولدان أو مبتدأ محذوف الخبر أي وفيها أولهم ~~حور وقرئ بالجر عطفا على جنات النعيم كأنه قيل هم في جنات وفاكهة ولحم ~~ومصاحبة حور أو على أكواب لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون ~~بأكواب وبالنصب أي ويؤتون حورا «كأمثال اللؤلؤ المكنون» صفة لحور أو حال ~~«جزاء بما كانوا يعملون» مفعول له أي يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم أو مصدر ~~مؤكد أي يجزون جزاء «لا يسمعون فيها لغوا» أي باطلا «ولا تأثيما» أي ولا ~~نسبة إلى الإثم أي لا لغو فيها ولا تأثيم ولا سماع كقوله * ولا ترى الضب ~~بها ينجحر * «إلا قيلا» أي قولا «سلاما سلاما» بدل من قيلا كقوله تعالى لا ~~يسمعون فيها لغوا إلا سلاما أو صفته أو مفعوله بمعنى لا يسمعون فيها إلا أن ~~يقولوا سلاما سلاما والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام أو ~~لا يسمع كل من المسلم والمسلم عليه الإسلام الآخر بدءا أو ردا وقرئ سلام ~~سلام على الحكاية وقوله تعالى «وأصحاب اليمين» شروع في تفصيل ما أجمل عند ~~تقسيم من شؤنهم الفاضلة إثر تفصيل شؤون السابقين وهو مبتدأ وقوله تعالى «ما ~~أصحاب اليمين» جملة استفهامية مسوقة لتفخيمهم والتعجيب من حالهم وقد عرفت ~~كيفية سبكها محلها إما الرفع على أنها خبر للمبتدأ أو معترضة لا محل لها ~~والخبر قوله تعالى «في سدر مخضود» وهو على الأول خبر ثان للمبتدأ أو خبر ~~لمبتدأ محذوف والجملة استئناف لبيان ما أبهم في قوله تعالى ما أصحاب اليمين ~~من علو الشأن هم في سدر ms3125 غير ذي شوك لا كسدر الدنيا وهو شجر النبق كأنه خضد ~~شوكه أي قطع وقيل مخضود أي مثنى أغصانه لكثرة حمله من خضد الغصن إذا ثناه ~~وهو رطب «وطلح منضود» قد نضد حمله من أسفله إلى أعلاه ليست له ساق بارزة ~~وهو شجر PageV08P192 # الموز وأم غيلان وله أنوار كثيرة منتظمة طيبة الرائحة وعن السدى شجر يشبه ~~طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل وعن على رضى الله عنه أنه قرأ وطلع ~~وما شأن الطلح وقرأ قوله تعالى لها طلع نضيد فقيل أو نحو لها قال آي القرآن ~~لا تهاج ولا تحول وعن ابن عباس نحوه «وظل ممدود» ممتد منبسط لا يتقلص ولا ~~يتعاون كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس «وماء مسكوب» يسكب لهم أينما ~~شاؤوا وكيفما أرادوا بلا تعب أو مصبوب سائل يجرى على الأرض في غير أخدود ~~كأنه مثل حال السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن وقال أصحاب اليمين بأكمل ~~ما يتصور لأهل البوادي إيذان بالتعاون بين الحالين «وفاكهة كثيرة» بحسب ~~الأنواع والأجناس «لا مقطوعة» في وقت من الأوقات كفواكه الدنيا «ولا ~~ممنوعة» من متناوليها بوجه من الوجوه لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين ~~الدنيا وقرئ فاكهة كثيرة بالرفع على وهناك فاكهة الخ كقوله تعالى وحور عين ~~«وفرش مرفوعة» أي رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة وقيل ~~الفرش النساء حيث يكنى بالفراش عن المرأة وارتفاعها كونهن على الأرائك قال ~~تعالى هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ويدل عليه قوله تعالى «إنا ~~أنشأناهن إنشاء» وعلى التفسير الأول أضمر لهن لدلالة ذكر الفرش التي هي ~~المضاجع عليهن دلالة بينة والمعنى ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا أو أبدعناهن ~~من غير ولاد إبداء أو إعادة وفى الحديث هن اللواتي قبضن في دار الدنيا ~~عجائز شمطا رمصا جعلهن الله تعالى بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في ~~الاستواء كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا وقوله تعالى «فجعلناهن أبكارا» ~~وقوله تعالى «عربا» PageV08P193 # جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل ms3126 وقرئ عربا بسكون الراء ~~«أترابا» مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا أزواجهن واللام في ~~قوله تعالى «لأصحاب اليمين» متعلقة بأنشأنا أو جعلنا أو بأترابا كقولك هذا ~~ترب لهذا أي مساو له السن وقيل بمحذوف هو صفة لأبكار أي كائنات لأصحاب ~~اليمين أو خبر متبدأ محذوف أي هن لأصحاب اليمين وقيل خبر لقوله تعالى «ثلة ~~من الأولين» «وثلة من الآخرين» وهو بعيد بل هو خبر مبتدأ محذوف ختمت به قصة ~~أصحاب اليمين أي هم أمة من الأولين وأمة من الآخرين وقد مر الكلام فيهما ~~وعن أبي العالية ومجاهد وعطاء والضحاك ثلة من الأولين أي من سابقي هذه ~~الأمة وثلة من الآخرين من هذه الأمة في آخر الزمان وعن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما في هذه الآية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ~~جميعا من أمتي «وأصحاب الشمال» شروع في تفصيل أحوالهم التي أشير عند ~~التنويع إلى هولها وفظاعتها بعد تفصيل حسن حال أصحاب اليمين والكلام في ~~قوله تعالى «ما أصحاب الشمال» عين ما فصل في نظيره وكذا في قوله تعالى «في ~~سموم وحميم» والسموم حر نار ينفذ في المسام والحميم الماء المتناهي في ~~الحرارة «وظل من يحموم» من دخان أسود بهيم «لا بارد» كسائر الظلام «ولا ~~كريم» فيه خير ما في الجملة سمى ذلك ظلا ثم نفى عنه وصفاه البرد والكرم عبر ~~به عن دفع أذى الحر لتحقيق أنه ليس بظل وقرئ لا بارد ولا كريم بالرفع أي لا ~~هو بارد ولا كريم وقوله تعالى «إنهم كانوا قبل ذلك مترفين» تعليل لابتلائهم ~~بما ذكر من العذاب أي إنهم كانوا قبل ما ذكر من سوء العذاب في الدنيا ~~منعمين بأنواع النعم من المآكل والمشارب والمساكن الطيبة والمقامات الكريمة ~~منهمكين في الشهوات فلا جرم عذبوا PageV08P194 # بنقائضها «وكانوا يصرون على الحنث العظيم» أي الذنب العظيم الذي هو الشرك ~~ومنه قولهم بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب (وكانوا ~~يقولون) لغاية عتوهم وعنادهم (أئذا متنا ms3127 وكنا ترابا وعظاما) أي كان بعض ~~أجزائنا من اللحم والجلد ترابا وبعضها عظاما نخرة وتقديم التراب لعراقته في ~~الاستبعاد وانقلابه من الأجزاء البادية وإذا متمحضة للظرفية والعامل فيها ~~ما دل عليه قوله تعالى (أئنا لمبعوثون) لا نفسه لأن ما بعد إن واللام ~~والهمزة لا يعمل فيها قبلها وهو نبعث وهو المرجع للإنكار وتقييده بالوقت ~~المذكور ليس لتخصيص إنكاره به فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان ~~البدن على حاله بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له ~~بالكلية وتكرير الهمزة لتأكيد النكير وتحلية الجملة بان لتأكيد الإنكار لا ~~لإنكار التأكيد كما عسى يتوهم من ظاهر النظم فإن تقديم الهمزة لاقتضائها ~~الصدارة كما في مثل قوله أفلا تعقلون على رأى الجمهور فإن المعنى عندهم ~~تعقيب الإنكار لا إنكار التعقيب كما هو المشهور وليس مدار إنكارهم كونهم ~~ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونهم ترابا وعظاما بل كونهم بعرضية ذلك ~~واستعدادهم له ومرجعه إلى إنكار البعث بعد تلك الحالة وفيه من الدلالة على ~~غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال مالا مزيد عليه وتكرير الهمزة في قوله ~~تعالى أو آباؤنا الأولون» لتأكيد النكير والواو للعطف على المستكن في ~~لمبعوثون وحسن ذلك الفضل بالهمزة يعنون أن بعث آبائهم الأولين أبعد من ~~الوقوع وقرئ أو آباؤنا قل» ردا الإنكارهم وتحققا للحق إن الأولين والآخرين» ~~من الأمم الذين من جملتهم أنتم وآباؤكم وفي تقديم الأولين مبالغة في الرد ~~حيث كان إنكارهم لبعث آبائهم أشد من إنكارهم لبعثهم مع مراعاة الترتيب ~~الوجودي / لمجموعة / بعد البعث وقرئ لمجموعون «إلى ميقات يوم معلوم» إلى ما ~~وقتت به الدنيا من يوم معلوم والإضافة بمعنى من كخاتم «ثم إنكم أيها ~~الضالون» عطف على أن الأولين داخل تحت القول وثم للتراخى زمانا أو رتبة ~~المكذبون» أي بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم PageV08P195 # «لآكلون» بعد البعث والجمع ودخول جهنم «من شجر من زقوم» من الأولى ~~لابتداء الغاية والثانية لبيان الشجر وتفسيره أي مبتدئون الأكل من شجر هو ~~زقوم وقيل من الثانية متعلقة ms3128 بمضمر هو وصف لشجر أي كائن من زقوم «فمالئون ~~منها البطون» اى بطونكم من شدة الجوع «فشاربون عليه» عقيب ذلك بلا ريث «من ~~الحميم» أي الماء الحار في الغاية وتأنيث ضمير الشجر أولا وتذكيره ثانيا ~~باعتبار المعنى واللفظ وقرئ من شجرة فضمير عليه حينئذ للزقوم وقيل للآكل ~~وقوله تعالى «فشاربون شرب الهيم» كالتفسير لما قبله على طريقة قوله تعالى ~~فكذبوا عبدنا أي لا يكون شربكم شربا معتادا بل يكون مثل شرب الهيم وهي ~~الإبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى جمع أهيم وهيماء وقيل ~~الهيم الرمال على أنه جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل إلي لا يتماسك جمع ~~على فعل كسحاب وسحب ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض والمعنى أنه يسلط ~~عليهم من الجوع والتهاب النار في أحشائهم ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو ~~كالمهل فإذا ملؤا منه بطونهم وهو في غاية الحرارة والمرارة سلط عليهم من ~~العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربون شرب الهيم وقرئ ~~شرب الهيم بالفتح وهو أيضا مصدر وقرئ بالكسر على أنه اسم المشروب «هذا» ~~الذي ذكر من أنواع العذاب «نزلهم يوم الدين» أي يوم الجزاء فإذا كان ذلك ~~نزلهم وهو ما يعد للنازل مما حضر فما ظنك بما لهم بعد ما استقر لهم القرار ~~واطمأنت بهم الدار في النار وفيه من التهكم بهم مالا يخف وقرء نزلهم بسكون ~~الزاي تخفيفا والجملة مسوقة من جهته تعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون ~~الكلام الملقن غير داخلة تحت القول وقوله تعالى «نحن خلقناكم فلولا تصدقون» ~~تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت والفاء لترتيب ~~التحضيض على ما قبلها أي فهلا تصدقون بالخلق فإن مالا يحققه العلم ولا ~~يساعده بل ينبئ عن خلافه ليس من التصديق في شيء وقيل بالبعث استدلالا عليه ~~بالإنشاء فإن من قدر عليه قدر على الإعادة حتما والأول هو الوجه كما ستحيط ~~به خبرا PageV08P196 # «أفرأيتم ما تمنون» أي تقذفون في الأرحام من النطف وقرئ ms3129 بفتح التاء من ~~منى النطفة بمعنى أمناها «أأنتم تخلقونه» أي تقدرونه وتصورونه بشرا سويا ~~«أم نحن الخالقون» له من غير دخل شيء فيه وأم قيل منقطعة لأن ما بعدها جملة ~~فالمعنى بل أنحن الخالقون على أن الاستفهام للتقرير وقيل متصلة ومجىء ~~الخالقون بعد نحن بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة «نحن قدرنا بينكم ~~الموت» أي قسمناه عليكم ووقتنا موت كل أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا ~~المبنية على الحكم البالغة وقرئ قدرنا مخففة «وما نحن بمسبوقين» أي إنا ~~قادرون «على أن نبدل أمثالكم» لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم ونأتي مكانكم ~~أشباهكم من الخلق «وننشئكم في ما لا تعلمون» من الخلق والأطوار ولا تعهدون ~~بمثلها قال الحسن رحمه الله أي نجعلكم قردة وخنازير وقيل المعنى وننشئكم في ~~البعث على غير صوركم في الدنيا فمن هذا شانه كيف يعجز عن إعادتكم وقيل ~~المعنى وما يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته وعلى ان نبدل الخ إما ~~حال من فاعل قدرنا أو علة للتقدير وعلى بمعنى اللام وما بينهما اعتراض ~~«ولقد علمتم النشأة الأولى» هي خلقهم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وقيل ~~هي فطرة آدم عليه السلام من التراب «فلولا تذكرون» فهلا تتذكرون أن من قدر ~~عليها قدر على النشأة الأخرى حتما فإنه أقل صنعا لحصول المواد وتخصص ~~الأجزاء وسبق المثال وفيه دليل على صحة القياس وقرئ فلولا تذكرون من ~~الثلاثي وفي الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة ~~الأولى وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور «أفرأيتم ما ~~تحرثون» أي تبذرون حبه وتعملون في أرضه «أأنتم تزرعونه» تنبتونه وتردونه ~~نباتا يرف «أم نحن الزارعون» أي المنبتون لا أنتم والكلام في أم كما مر ~~آنفا «لو نشاء لجعلناه حطاما» هشيما متكسرا متفتتا بعد ما أنبتناه وصار ~~بحيث طمعتم في حيازة غلاله PageV08P197 # «فظلتم» بسبب ذلك «تفكهون» تتعجبون من سوء حالة إثر ما شاهدتموه على أحسن ~~ما يكون من الحال أو تندمون على ما تعبتم فيه ms3130 وأنفقتم عليه أو على ما ~~اقترفتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه والتفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد ~~استعير للتنقل بالحديث وقرئ تفكنون أي تتندمون وقرئ فظلتم بالكسر وفظللتم ~~على الأصل «إنا لمغرمون» أي لملزمون غرامة ما أنفقنا أو مهلكون بهلاك رزقنا ~~من الغرام وهو الهلاك وقرئ أننا على الاستفهام والجملة على القراءتين مقدرة ~~بقول هو في حيز النصب على الحالية من فاعل تفكهون أي قائلين أو تقولون إنا ~~لمغرمون «بل نحن محرومون» حرمنا رزقنا أو محارفون محدودون لاحظ لنا ولا بخت ~~لا مجدودون «أفرأيتم الماء الذي تشربون» عذبا فراتا وتخصيص هذا الوصف ~~بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به «أأنتم أنزلتموه ~~من المزن» أي من السحاب واحده مزنة وقيل هو السحاب الأبيض وماؤه أعذب «أم ~~نحن المنزلون» له بقدرتنا «لو نشاء جعلناه أجاجا» ملحا زعاقا لا يمكن شربه ~~وحذف اللام ههنا مع إثباتها في الشرطية الأولى للتعويل على علم السامع أو ~~الفرق بين المطعوم والمشروب في الأهمية وصعوبة الفقد والشرطيتان مستأنفتان ~~مسوقتان لبيان أن عصمته تعالى للزرع والماء عما يخل بالتمتع بهما نعمة أخرة ~~بعد نعمة الإنبات والإنزال مستوجبة للشكر فقوله تعالى «فلولا تشكرون» تحضيض ~~على شكر الكل «أفرأيتم النار التي تورون» أي تقدحونها وتستخرجونها من ~~الزناد «أأنتم أنشأتم شجرتها» التي منها الزناد وهي المرخ والعفار «أم نحن ~~المنشئون» لها بقدرتنا والتعبير عن خلقها بالإنشاء المنبىء عن بديع الصنع ~~المعرب عن كمال القدرة والحكمة لما فيه من الغرابة الفارقة بينها وبين سائر ~~الشجر التي لا تخلو عن النار حتى قيل في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ~~كما ان التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر ~~لذلك PageV08P198 # وقوله تعالى «نحن جعلناها تذكرة» استئناف مبين لمنافعها أي جعلناها ~~تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا ما ~~أعدوا به من نار جهنم أو تذكرة وأنموذجا من نار جهنم لما روى عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم ms3131 جزء من سبعين جزءا من حر ~~جهنم وقيل تبصرة في امر البعث فإنه ليس بأبدع من إخراج النار من الشئ الرطب ~~«ومتاعا» ومنفعة «للمقوين» للذين ينزلون القواء وهى القفر وتخصيصهم بذلك ~~لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى ~~الاقتداح بالزناد وقد جوز أن يراد بالمقوين الذين خلت بطونهم ومزاودهم من ~~الطعام وهو بعيد لعدم انحصار ما يهمهم ويسد خللهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ ~~وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروى والفاء في قوله ~~تعالى «فسبح باسم ربك العظيم» لترتيب ما بعده على ما عدد من بدائع صنعه ~~تعالى وروائع نعمه الموجبة لتسبيحه تعالى إما تنزيها له تعالى عما يقوله ~~الجاحدون بوحدانيته الكافرون بنعمته مع عظمها وكثرتها أو تعجبا من أمرهم في ~~غمط تلك النعم الباهرة مع جلالة قدرها وظهور أمرها أو شكرا على تلك النعم ~~السابقة اى فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق الاسم للشئ ~~ذكر له والعظيم صفة للاسم أو الرب «فلا أقسم» أي فأقسم ولا مزيدة للتأكيد ~~كما في قوله تعالى لئلا يعلم أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام ~~الابتداء ويعضده قراءة من قرأ فلا أقسم أو فلا راد لكلام يخالف المقسم عليه ~~واما ما قيل من المعنى فلا أقسم إذ الأمر أوضح من ان يحتاج إلى قسم فيأباه ~~تعيين المقسم به وتفخيم شأن القسم به «بمواقع النجوم» أي بمساقطها وهى ~~مغاربها وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود ~~مؤثر دائم لا يتغير أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى ~~وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم أو بمنازلها ومجاريها فإن له تعالى في ~~ذلك من الدليل على عظم قدرته وكمال حكمته مالا يحيط به البيان وقيل النجوم ~~نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها وقوله تعالى «وإنه لقسم لو تعلمون عظيم» ~~اعتراض في اعتراض قصد به المبالغة في تحقيق مضمون الجملة القسمية وتأكيده ~~حيث اعترض بقوله وإنه لقسم بين القسم وجوابه ms3132 الذي هو قوله تعالى «إنه لقرآن ~~كريم» PageV08P199 # أي كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد ~~أو حسن مرضى أو كريم عند الله تعالى وبقوله تعالى لو تعلمون بين الموصوف ~~وصفته وجواب لو إما متروك أريد به نفى علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي ~~لعظمتموه أو لعملتم بموجبه «في كتاب مكنون» أي مصون من غير المقربين من ~~الملائكة لا يطلع عليه من سواهم وهو اللوح «لا يمسه إلا المطهرون» إما صفة ~~أخرى لكتاب فالمراد بالمطهرين الملائكة المنزهون عن الكدورات الجسمانية ~~وأوضار الأوزار أو للقرآن فالمراد بهم المطهرون من الأحداث فيكون نفيا ~~بمعنى النهى أي لا ينبغي أن يمسه إلا من كان على طهارة من الناس على طريقة ~~قوله عليه الصلاة والسلام المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه أي لا ~~ينبغي له أن يظلمه وقيل لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر وقرئ المتطهرون ~~والمطهرون بالإدغام والمطهرون من أطهره بمعنى طهره والمطهرون أي أنفسهم أو ~~غيرهم بالاستغفار أو غيره «تنزيل من رب العالمين» صفة أخرى للقرآن وهو مصدر ~~نعت به حتى جرى مجرى اسمه وقرئ تنزيلا «أفبهذا الحديث» الذي ذكرت نعوته ~~الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله وهو القرآن الكريم «أنتم مدهنون» أي ~~متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به ~~«وتجعلون رزقكم» أي شكر رزقكم «أنكم تكذبون» أي تضعون التكذيب موضع الشكر ~~وقرئ وتجعلون شكركم أنكم تكذبون أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون ~~به وقيل الرزق المطر والمعنى وتجعلون شكر ما يرزقكم الله تعالى من الغيث ~~أنكم تكذبون بكونه من الله تعالى حيث تنسبونه إلى الأنواء والأول هو الأوفق ~~لسباق النظم الكريم وسياقه فإن قوله عز وجل «فلولا إذا بلغت الحلقوم» الخ ~~تبكيت مبنى على تكذيبهم بالقرآن فيما نطق به قوله تعالى نحن خلقناكم إلى ~~هنا من القوارع الدالة على كونهم تحت ملكوته تعالى من حيث ذواتهم ومن حيث ~~طعامهم وشرابهم وسائر أسباب معايشهم كما ستقف عليه ولولا للتحضيض لإظهار ~~عجزهم وإذا ms3133 ظرفية أي فهلا إذا بلغت النفس أي الروح وقيل PageV08P200 # نفس الحلقوم وتداعت إلى الخروج «وأنتم حينئذ» أيها الحاضرون حول صاحبها ~~«تنظرون» إلى ما هو من الغمرات «ونحن أقرب إليه» علما وقدرة وتصرفا «منكم» ~~حيث لا تعرفون من حاله إلا ما تشاهدونه من آثار الشدة من غير أن تقفوا على ~~كنهها وكيفيتها وأسبابها ولا أن تقدروا على دفع أدنى شيء منها ونحن ~~المتولون لتفاصيل أحواله بعلمنا وقدرتنا أو بملائكة الموت «ولكن لا تبصرون» ~~لا تدركون ذلك لجهلكم بشؤننا وقوله تعالى «فلولا إن كنتم غير مدينين» أي ~~غير مربوبين من دان السلطان رعيته إذا ساسهم واستعبدهم ناظر إلى قوله تعالى ~~نحن خلقناكم فلولا تصدقون فإن التحضيض يستدعى عدم المحضض عليه حتما وقوله ~~تعالى «ترجعونها» أي النفس إلى مقرها هو العامل في إذا والمحضض عليه بلولا ~~الأولى والثانية مكررة للتأكيد وهي مع ما في حيزها دليل جواب الشرط والمعنى ~~إن كنتم غير مربوبين كما ينبئ عنه عدم تصديقكم بخلقنا إياكم فهلا ترجعون ~~النفس إلى مقرها عند بلوغها الحلقوم «إن كنتم صادقين» في اعتقادكم فإن عدم ~~تصديقهم بخالقيته تعالى لهم عبارة عن تصديقهم بعدم خالقيته تعالى بموجب ~~مذهبهم وقوله تعالى «فأما إن كان من المقربين» الخ شروع في بيان حال ~~المتوفى بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة أي فأما إن كان الذي بين حاله ~~من السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل أوصافهم «فروح» أي فله ~~استراحة وقرئ فروح بضم الراء وفسر بالرحمة لأنها سبب لحياة المرحوم ~~وبالحياة الدائمة «وريحان» وزرق «وجنة نعيم» أي ذات تنعم «وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين» عبر عنهم بالعنوان السابق إذ لم يذكر لهم فيا سبق وصف واحد ~~ينبئ عن شأنهم سواه كما ذكر للفريقين الآخرين PageV08P201 # وقوله تعالى «فسلام لك من أصحاب اليمين» إخبار من جهته تعالى بتسليم ~~بعضهم على بعض كما يفصح عنده اللام لا حكاية إنشاء سلام بعضهم على بعض وإلا ~~لقيل عليك والالتفات إلى خطاب كل وحد منهم للتشريف «وأما إن كان من ~~المكذبين ms3134 الضالين» وهم أصحاب الشمال عبر عنهم بذلك حسبما وصفوا به عند بيان ~~أحوالهم بقوله تعالى ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ذما لهم بذلك وإشعارا ~~بسبب ما ابتلوا به من العذاب «فنزل» أي فله نزل كائن «من حميم» يشرب بعد ~~أكل الزقوم كما فصل فيما قبل «وتصلية جحيم» أي إدخال في النار وقيل إقامة ~~فيها ومقاساة لألوان عذابها وقيل ذلك ما يجده في القبر من سموم النار ~~ودخانها «إن هذا» أي الذي ذكر في السورة الكريمة «لهو حق اليقين» اى حق ~~الخبر اليقين وقيل الحق الثابت من اليقين والفاء في قوله تعالى «فسبح باسم ~~ربك العظيم» لترتيب التسبيح أو الأمر به على ما قبلها فإن حقية ما فصل في ~~تضاعيف السورة الكريمة مما يوجب تنزيهه تعالى عما لا يليق بشأنه الجليل من ~~الأمور التي من جملتها الإشراك به والتكذيب بآياته الناطقة بالحق عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرا سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة ابدا ~~PageV08P202 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «سبح لله ما في السماوات والأرض» التسبيح تنزيه ~~الله تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لا يليق بجنابه من سبح في الأرض والماء ~~إذا ذهب وأبعد فيهما وحيث أسند ههنا إلى غير العقلاء أيضا فإن ما في ~~السماوات والأرض يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقرا فيهما أو جزءا منهما ~~كما مر في آية الكرسي أريد به معنى عام مجازى شامل لما نطق به لسان المقال ~~كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين ولسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد ~~من افراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود ~~المتصف بالكمال المنزه عن النقصان وهو المراد بقوله تعالى وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده وهو متعد بنفسه كما في قوله تعالى وسبحوه واللام إما مزيده ~~للتأكيد كما في نصحت له وشكرت له أو للتعليل أي فعل التسبيح لأجل الله ~~تعالى وخالصا لوجهه ومجيئه في بعض الفواتح ماضيا وفي البعض مضارعا للإيذان ~~بتحققه في جميع الأوقات وفيه تنبيه على ان ms3135 حق من شانه التسبيح الاختياري أن ~~يسبحه تعالى في جميع أوقاته كما عليه الملأ الأعلى حيث يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون «وهو العزيز» القادر الغالب الذي لا يمانعه ولا ينازعه ~~شيء «الحكيم» الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة والجملة اعتراض ~~تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم وكذا قوله تعالى «له ملك ~~السماوات والأرض» أي التصرف الكلى فيهما وفيما فيهما من الموجودات من حيث ~~الإيجاد والأعدام وسائر التصرفات مما نعلمه ومالا نعلمه وقوله تعالى «يحيي ~~ويميت» استئناف مبين لبعض أحكام الملك والتصرف وجعله حالا من ضمير له ليس ~~كما ينبغي «وهو على كل شيء» من الأشياء التي من جملتها ما ذكر من الإحياء ~~والإماتة «قدير» مبالغ في القدرة «هو الأول» السابق على سائر الموجودات لما ~~أنه مبدئها ومبدعها «والآخر» الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظر إلى ذاتها مع ~~قطع النظر عن مبقيها فإن جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها ~~فهي فانية «والظاهر» وجودا لكثرة PageV08P203 # دلائله الواضحة «والباطن» حقيقة فلا تحوم حوله العقول والواو الأولى ~~والأخيرة للجمع بين الوصفين المكتنفين بهما والوسطى للجمع بين المجموعين ~~فهو متصف باستمرار الوجود في جميع الأوقات والظهور والخفاء «وهو بكل شيء ~~عليم» لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفي «هو الذي خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش» بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر تفسيره ~~مرارا «يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها» مر بيانه في سورة سبأ «وهو معكم أين ما كنتم» تمثيل لإحاطة علمه ~~تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما داروا وقوله تعالى «والله بما ~~تعملون بصير» عبارة عن إحاطته باعمالهم فتأخيره عن الخلق لما أن المراد به ~~ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم لا لما قيل من أنه دليل عليه ~~وقوله تعالى «له ملك السماوات والأرض» تكرير للتأكيد وتمهيد لقوله تعالى ~~«وإلى الله ترجع الأمور» أي إليه وحده لا إلى غيره استقلالا ms3136 أو اشتراكا ~~ترجع جميع الأمور على البناء للمفعول من رجع رجعا وقرئ على البناء للفاعل ~~من رجع رجوعا «يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل» مر تفسيره ~~مرارا وقوله تعالى «وهو عليم» أي مبالغ في العلم «بذات الصدور» أي ~~بمكنوناتها اللازمة لها بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم بعد ~~بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها «آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه» أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة عبر ~~عما بأيديهم من الأموال والأرزاق بذلك تحقيقا للحق وترغيبا لهم في الإنفاق ~~فإن من علم أنها لله عز وجل وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه ~~الله تعالى من المصارف هان عليه الإنفاق أو جعلكم خلفاء ممن قبلكم فيما كان ~~بأيديهم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينتقل منكم ~~إلى من بعدكم فلا تبخلوا به «فالذين آمنوا منكم وأنفقوا» حسبما أمروا به ~~«لهم» بسبب ذلك «أجر كبير» وفيه من المبالغات مالا يخفى حيث PageV08P204 # جعل الجملة الأسمية وأعيد ذكر الإيمان والإنفاق وكرر الإسناد وفخم الأجر ~~بالتنكير ووصف بالكبير وقوله عز وجل «وما لكم لا تؤمنون بالله» استئناف ~~مسوق لتوبيخهم على ترك الإيمان حسبما أمروا به بإنكار أن يكون لهم في ذلك ~~عذر ما في الجملة على ان لا تؤمنون حال من الضمير في لكم والعامل ما فيه من ~~معنى الاستقرار أي أي شيء حصل لكم غير مؤمنين على توجيه الإنكار والنفي إلى ~~السبب فقط مع تحقق المسبب لا إلى السبب والمسبب جميعا كما في قوله تعالى ~~وما لي لا أعبد الذي فطرني فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار الواقع ~~كما في أتضرب أباك وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبي كذلك ما ~~الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفيه فقط كما فيما نحن فيه وفي ~~قوله تعالى مالكم لا ترجون لله وقارا فيكون مضمون الجملة الحالية محققا فإن ~~كلا من عدم الإيمان وعدم الرجاء امر محقق قد أنكر ونفى سببه ms3137 وقد تكون ~~لإنكار سبب الوقوع ونفيه فيسريان إلى المسبب أيضا كما في قوله تعالى وما لي ~~لا أعبد إلى آخره فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضا قعا فإن عدم العبادة ~~أمر مفروض حتما قد انكر ونفى سببه فانتفى نفسه أيضا وقوله تعالى «والرسول ~~يدعوكم لتؤمنوا بربكم» حال من ضمير لا تؤمنون مفيدة لتوبيخهم على الكفر مع ~~تحقق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه أي وأي عذر في ترك ~~الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه وقوله تعالى «وقد أخذ ميثاقكم» ~~حال من مفعول يدعوكم أي وقد أخذ الله تعالى ميثاقكم بالإيمان من قبل وذلك ~~بنصب الأدلة والتمكين من النظر وقرئ وقد اخذ مبنيا للمفعول برفع ميثاقكم ~~«إن كنتم مؤمنين» الموجب ما فإن هذا موجب لا موجب وراءه «هو الذي ينزل على ~~عبده» حسبما يعن لكم من المصالح «آيات بينات» واضحات «ليخرجكم» اى الله ~~تعالى أو العبد بها «من الظلمات إلى النور» من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ~~«وإن الله بكم لرؤوف رحيم» حيث يهديكم إلى سعادة الدارين بإرسال الرسول ~~وتنزيل الآيات بعد نصب الحجج العقلية وقوله تعالى «وما لكم ألا تنفقوا في ~~سبيل الله» توبيخ لهم على ترك PageV08P205 # الإنفاق المأمور به بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ~~ذلك أيضا عذر من الأعذار وحذف المفعول لظهور أنه الذي بين حاله فيما سبق ~~وتعيين المنفق فيه لتشديد التوبيخ أي وأي شيء لكم في أن لا تنفقوا فيما هو ~~قربة إلى الله تعالى ما هو في الحقيقة وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما ~~عينه من المصارف وقوله تعالى «ولله ميراث السماوات والأرض» حال من فاعل لا ~~تنفقوا ومفعوله مؤكدة للتوبيخ فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ~~ما يوجب الإنفاق أشد في القبح وأدخل في الإنكار فإن بيان بقاء جميع ما في ~~السماوات والأرض من الأموال بالآخرة لله عز وجل من غير أن يبقى من أصحابها ~~أحد أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من بيان ms3138 انها لله تعالى في الحقيقة وهم ~~خلفاؤه في التصرف فيها كأنه قيل وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل الله ~~والحال أنه لا يبقى لكم منها شيء بل يبقى كلها لله تعالى وإظهار الاسم ~~الجليل في موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة وقوله تعالى «لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل» بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب ~~تفاوت أحوالهم في الإنفاق بعد بيان أن لهم أجرا كبيرا على الإطلاق حثا لهم ~~على تحرى الأفضل وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق ~~مع كونه في نفسه من أفضل العبادات وانه لا يخلو من الإنفاق أصلا وقسيم من ~~أنفق محذوف لظهوره ودلالة ما بعده عليه وقرئ قبل الفتح بغير من والفتح فتح ~~مكة «أولئك» إشارة إلى من أنفق والجمع بالنظر إلى معنى من كما أن إفراد ~~الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار إليه للإشعار ببعد منزلتهم وعلو طبقتهم في الفضل ومحله الرفع على ~~الابتداء أي أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجميلين «أعظم درجة» وأرفع ~~منزلة «من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا» لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا من ~~الإنفاق والقتال قبل عزة الإسلام وقوة أهله عند كمال الحاجة إلى النصرة ~~بالنفس والمال وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه وهؤلاء فعلوا ما فعلوا بعد ظهور الدين ودخول الناس فيه أفواجا وقلة ~~الحاجة إلى الإنفاق والقتال «وكلا» أي وكل واحد من الفريقين «وعد الله ~~الحسنى» أي المثوبة الحسنى وهي الجنة لا الأولين فقط وقرئ وكل بالرفع على ~~الابتداء أي وكل وعده الله تعالى «والله بما تعملون بصير» بظواهره وبواطنه ~~فيجازيكم بحسبه وقيل نزلت الآية في أبي بكر رضى الله تعالى عنه فإنه أول من ~~آمن وأول من انفق في سبيل الله وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا أشرف به على ~~الهلاك وقوله تعالى «من ذا ms3139 الذي يقرض الله قرضا حسنا» ندب بليغ من الله ~~تعالى إلى الأنفاق في سبيله بعد الأمر به والتوبيخ على تركه وبيان درجات ~~المنفقين أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيله تعالى رجاء أن يعوضه فإنه كمن ~~يقرضه وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه وتحرى أكرم المال وأفضل الجهات «فيضاعفه ~~له» بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل أيقرض الله أحد ~~فيضاعفه له أي فيعطيه أجره أضعافا «وله أجر كريم» اى PageV08P206 # وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه حقيق بأن يتنافس فيه ~~المتنافسون وإن لم يضاعف فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة وقرئ بالرفع عطفا على ~~يقرض أو حملا على تقدير مبتدأ أي فهو يضاعفه وقرئ يضعفه بالرفع والنصب «يوم ~~ترى المؤمنين والمؤمنات» ظرف لقوله تعالى وله أجر كريم أو لقوله تعالى ~~فيضاعفه أو منصوب باضمار اذكر تفخيما لذلك اليوم وقوله تعالى «يسعى نورهم» ~~حال من مفعول ترى قيل نورهم الضياء الذي يرى «بين أيديهم وبأيمانهم» وقيل ~~هو هداهم وبأيمانهم كتبهم أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وف ~~أيمانهم كتب أعمالهم وقيل هو القرآن وعن ابن مسعود رضى الله عنه يؤتون ~~نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى كالرجل ~~القائم وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله ينطفئ تارة ويلمع أخرى قال ~~الحسن يستضيئون به على الصراط وقال مقاتل يكون لهم دليلا إلى الجنة «بشراكم ~~اليوم جنات» مقدر بقول هو حال أو استئناف أي يقال لهم بشراكم أي ما تبشرون ~~به جنات أو بشراكم دخول الجنة «تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك» أي ~~ما ذكر من النور والبشرى بالجنات المخلدة «هو الفوز العظيم» الذي لا غاية ~~وراءه وقرئ ذلك الفوز العظيم «يوم يقول المنافقون والمنافقات» بدل من يوم ~~ترى «للذين آمنوا انظرونا» أي انتظرونا يقولون ذلك لما أن المؤمنين يسرع ~~بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف على ركاب تزف بهم وهؤلاء مشاة أو انظروا إلينا ~~فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بالنور الذي بين ms3140 أيديهم ~~وقرئ أنظرونا من النظرة وهي الإمهال جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا ~~بهم إنظارا لهم «نقتبس من نوركم» أي نستضيء منه واصله اتخاذ القبس «قيل» ~~طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين أو من جهة الملائكة «ارجعوا وراءكم» ~~أي إلى الموقف «فالتمسوا نورا» فإنه من ثم يقتبس أو إلى الدنيا فالتمسوا ~~النور بتحصيل مباديه من الإيمان والأعمال الصالحة أو ارجعوا خائبين خاسئين ~~فالتمسوا نورا آخر وقد علموا أن لا نور وراءهم وإنما قالوه تخييبا لهم أو ~~أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة الكثيفة تهكما بهم «فضرب بينهم» بين ~~الفريقين «بسور» أي حائط والباء زائدة «له باب باطنه» أي باطن السور أو ~~الباب وهو الجانب الذي يلي الجنة «فيه الرحمة وظاهره» وهو الطرف الذي يلي ~~النار «من قبله» من جهته «العذاب» وقرئ فضرب على البناء للفاعل PageV08P207 # «ينادونهم» استئناف مبني على السؤال كأنه قيل فماذا يفعلون بعد ضرب السور ~~ومشاهدة العذاب فقيل ينادونهم «ألم نكن» في الدنيا «معكم» يريدون به ~~موافقتهم لهم في الظاهر «قالوا بلى» كنتم معنا بحسب الظاهر «ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم» محنتموها بالنفاق وأهكلتموها «وتربصتم» بالمؤمنين الدوائر ~~«وارتبتم» في امر الدين «وغرتكم الأماني» الفارغة التي من جملتها الطمع في ~~انتكاس أمر الإسلام «حتى جاء أمر الله» أي الموت «وغركم بالله» الكريم ~~«الغرور» أي غركم الشيطان بان الله عفو كريم لا يعذبكم وقرئ الغرور بالضم ~~«فاليوم لا يؤخذ منكم فدية» فداء وقرئ تؤخذ بالتاء «ولا من الذين كفروا» أي ~~ظاهرا وباطنا «مأواكم النار» لا تبرحونها ابدا «هي مولاكم» أي أولى بكم ~~وحقيقته مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال هو مئنة الكرم اى مكان ~~لقول القائل إنه لكريم أو مكانكم عن قريب من الولي وهو القرب أو ناصركم على ~~طريقة قوله * تحية بينهم ضرب وجيع * أو متوليكم تتولاكم كما توليتم ~~موجباتها «وبئس المصير» أي النار «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله» استئناف ناع عليهم تثاقلهم في أمور الدين ورخاوة عقدهم فيها واستبطاء ~~لانتدابهم لما ms3141 ندبوا إليه بالترغيب والترهيب وروى أن المؤمنين كانوا مجدبين ~~بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة وفتروا عما كانوا عليه فنزلت وعن ~~ابن مسعود رضى الله عنه ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا ~~أربع سنين وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الله استبطأ قلوب المؤمنين ~~فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن أي ألم نجىء وقت أن تخشع ~~قلوبهم لذكره تعالى وتطمئن به ويسارعوا إلى طاعته بالامتثال بأوامره ~~والانتهاء عما نهوا عنه من غير توان ولا فتور من أنى الأمر إذا جاء إناه أي ~~وقته وقرئ ألم يئن من آن يئين بمعنى أني وقرئ ألما بان وفيه دلالة على ان ~~المنفى «وما نزل من الحق» أي القرآن وهو عطف على ذكر الله فإن كان هو ~~المراد به أيضا فالعطف لتغاير العنوانين فإنه ذكر وموعظة كما أنه حق نازل ~~من السماء وإلا فالعطف كما في قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ومعنى الخشوع له الانقياد ~~التام لأوامره ونواهيه والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام التي من ~~جملتها ما سبق وما لحق من الإنفاق في PageV08P208 # سبيل الله تعالى وقرئ نزل من التنزيل مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل وأنزل ~~«ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل» عطف على تخشع وقرئ بالتاء على ~~الالتفات للاعتناء بالتحذير وقيل هو نهى عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة ~~القلوب بعد ان وبخوا وذلك أن بنى إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ~~وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم «فطال عليهم الأمد» أي ~~الأجل وقرئ الأمد بتشديد الدال أي الوقت الأطول وغلبهم الجفاء وزالت عنهم ~~الروعة التي كانت تأتيهم من الكتابين «فقست قلوبهم» فهي كالحجارة أو أشد ~~قسوة «وكثير منهم فاسقون» أي خارجون عن حدود دينهم رافضون لما في كتابهم ~~بالكلية «اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها» تمثيل لإحياء القلوب ~~القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في ms3142 الخشوع ~~والتحذير عن القساوة «قد بينا لكم الآيات» التي من جملتها هذه الآيات ~~«لعلكم تعقلون» كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين ~~«إن المصدقين والمصدقات» أي المتصدقين والمتصدقات وقدر قرىء كذلك وقرئ ~~بتخفيف الصاد من التصديق أي الذين صدقوا الله ورسوله «وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا» قيل هو عطف على ما في المصدقين من معنى الفعل فإنه حكم الذين اصدقوا ~~أو صدقوا على القراءتين وعقب بان فيه فصلا بين أجزاء الصلة بأجنبي وهو ~~المصدقات وأجيب بان المعنى أن الناس الذين تصدقوا وتصدقن وأقرضوا فهو عطف ~~على الصلة من حيث المعنى من غير فصل وقيل إن المصدقات ليس بعطف على ~~المصدقين بل هو منصوب على الاختصاص كأنه قيل إن المصدقين على العموم تغليبا ~~وأخص المصدقات من بينهم كما تقول إن الذين آمنوا ولا سيما العلماء منهم ~~وعملوا الصالحات لهم كذا لكن لا على أن مدار التخصيص مزيد استحقاقهن ~~لمضاعفة الأجر كما في المثال المذكور بل زيادة احتياجهن إلى التصدق الداعية ~~إلى الاعتناء بحثهن على التصدق لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال يا ~~معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار وقيل هو صلة لموصول محذوف ~~معطوف على المصدقين كأنه قيل والذين أقرضوا القرص الحسن عبارة عن التصدق من ~~الطيب عن طيبة النفس وخلوص النية على المستحق للصدقة «يضاعف لهم» على ~~البناء للمفعول مسندا إلى ما بعده من الجار والمجرور وقيل إلى مصدر ما في ~~حيز الصلة على حذف مضاف أي ثواب التصدق وقرئ على البناء للفاعل أي يضاعف ~~الله تعالى وقرئ يضعف بتشديد العين وفتحها «ولهم أجر كريم» مر ما فيه من ~~الكلام «والذين آمنوا بالله ورسله» PageV08P209 # كافة وقد مر بيان كيفية الإيمان بهم في خاتمة سورة البقرة «أولئك» إشارة ~~إلى الموصول الذي هو مبتدأ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار ~~إليه قد مر سره مرارا وهو مبتدأ ثان وقوله تعالى «هم» مبتدأ ثالث خبره ~~«الصديقون والشهداء» وهو مع خبره خبر للثاني وهو مع خبره خبر ms3143 للأول أو هم ~~ضمير الفصل وما بعده خبر لأولئك والجملة خبر للموصول أي أولئك «عند ربهم» ~~بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل وهم الذين ~~سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله تعالى أو هم المبالغون في الصدق ~~حيث آمنوا وصدقوا جميع أخباره تعالى ورسله والقائمون بالشهادة لله تعالى ~~بالوحدانية ولهم بالإيمان أو على الأمم يوم القيامة وقوله تعالى «لهم أجرهم ~~ونورهم» بيان لثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال على أنه جملة من مبتدأ ~~وخبر محلها الرفع على أنه خبر ثان للموصول أو الخبر هو الجار وما بعده ~~مرتفع به على الفاعلية والضمير الأول على الوجه الأول للموصول والأخيران ~~للصديقين والشهداء أي مثل أجرهم ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال ~~وقد حذف أداة التشبيه تنبيها على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ~~ذلك حيث قيل هم الصديقون والشهداء وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من ~~الأجر والنور وبين تمام ما للأول من الأصل والأضعاف وبين ما للأخيرين من ~~الأصل بدون الأضعاف وأما على الوجه الثاني فمرجع الكل واحد والمعنى لهم ~~الأجر والنور الموعودان لهم أجرهم الخ «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك» ~~الموصوفون بتلك الصفة القبيحة «أصحاب الجحيم» بحيث لا يفارقونها أبدا ~~«اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد» بعدما بين حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة الدنيا التي ~~اطمأن بها الفريق الثاني وأشير إلى أنها من محقرات الأمور التي لا يركن ~~إليها العقلاء فضلا عن الاطمئنان بها وأنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة ~~الاضمحلال حيث قيل «كمثل غيث أعجب الكفار» أي الحراث «نباته» 6 أي النبات ~~الحاصل به «ثم يهيج» أي يجف بعد خضرته ونضارته «فتراه مصفرا» بعد ما رأيته ~~ناضرا مونقا وقرئ مصفارا وإنما لم يقل فيصفر إيذانا بأن اصفراره مقارن ~~لجفافه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك «ثم يكون حطاما» هشيما متكسرا ومحل ~~الكاف قيل النصب على الحالية من الضمير في لعب لأنه في معنى الوصف وقيل ~~الرفع على ms3144 انه خبر بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف أي مثل الحياة ~~الدنيا كمثل الخ وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيدا فيها وتنفيرا عن ~~العكوف عليها أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلام ~~ترغيبا في تحصيل نعيمها المقيم وتحذيرا PageV08P210 # من عذابها الأليم وقد ذكر العذاب فقيل «وفي الآخرة عذاب شديد» لأنه من ~~نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا «ومغفرة» عظيمة «من الله ~~ورضوان» عظيم لا يقادر قدره «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» أي لمن ~~اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة إلى الآخرة عن سعيد بن جبير الدنيا متاع الغرور ~~إن الهتك عن طلب الآخرة فاما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى فنعم ~~المتاع ونعم الوسيلة «سابقوا» أي سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في ~~المضمار «إلى مغفرة» عظيمة كائنة «من ربكم» أي إلى موجباتها من الأعمال ~~الصالحة «وجنة عرضها كعرض السماء والأرض» أي كعرضهما جميعا وإذا كان عرضها ~~كذلك فما ظنك بطولها وقيل المراد بالعرض البسطة وتقديم المغفرة على الجنة ~~لتقدم التخلية على التحلية «أعدت للذين آمنوا بالله ورسله» فيه دليل على أن ~~الجنة مخلوقة بالفعل وأن الإيمان وحده كاف في استحقاقها «ذلك» الذي وعد من ~~المغفرة والجنة «فضل الله» عطاؤه «يؤتيه» تفضلا وإحسانا «من يشاء» إيتاءه ~~إياه من غير إيجاب «والله ذو الفضل العظيم» ولذلك يؤتى من يشاء مثل ذلك ~~الفضل الذي لا غاية وراءه «ما أصاب من مصيبة في الأرض» كجدب وعاهة في ~~الزروع والثمار «ولا في أنفسكم» كمرض وآفة «إلا في كتاب» أي إلا مكتوبة ~~مثبتة في علم الله تعالى أو في اللوح «من قبل أن نبرأها» اى نخلق الأنفس أو ~~المصائب أو الأرض «إن ذلك» أي إثباتها في كتاب «على الله يسير» لاستغنائه ~~فيه عن العدة والمدة «لكي لا تأسوا» أي أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا «على ما ~~فاتكم» من نعم الدنيا «ولا تفرحوا بما آتاكم» أي أعطاكم الله تعالى منها ~~فإن من علم أن الكل مقدر يفوت ما قدر فواته ويأتي ms3145 ما قدر إتيانه لا محالة ~~لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت وقرئ بما آتاكم من الاتيان وفي ~~القراءة الأولى إشعار بأن فوات النعم يلحقها إذا خليت وطباعها وأما حصولها ~~وبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها وقرئ بما أوتيتم والمراد به نفى ~~الأسى المانع عن التسليم لأمر الله تعالى والفرح الموجب للبطر ولاختيال ~~ولذلك عقب بقوله تعالى «والله لا يحب كل مختال فخور» فإن من فرح بالحظوظ ~~الدنيوية وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها لا محالة وفي تخصيص التذييل ~~بالنهى عن الفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى PageV08P211 # «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل» بدل من كل مختال فإن المختال بالمال ~~يضن به غالبا ويأمر غيره به أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه قوله تعالى «ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد» فإن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله ~~عني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الأعراض عن شكره بالتقرب إليه ~~بشئ من نعمه وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق وقرئ فإن ~~الله الغنى «لقد أرسلنا رسلنا» أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى ~~الأمم وهو الأظهر «بالبينات» اى الحجج والمعجزات «وأنزلنا معهم الكتاب» أي ~~جنس الكتاب الشامل للكل «والميزان ليقوم الناس بالقسط» أي بالعدل روى أن ~~جبريل عليه السلام نزل الميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال مر قومك ~~يزنوا به وقيل أريد به العدل ليقام به السياسة ويدفع به العدوان «وأنزلنا ~~الحديد» قيل نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان ~~والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة وروى ومعه المر والمسحات وعن الحسن ~~وأنزلنا الحديد خلقناه كقوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام وذلك ان أوامره ~~تعالى وقضاياه وأحكامه تنزل من السماء وقوله تعالى «فيه بأس شديد» لأن آلات ~~الحرب إنما تتخذ منه «ومنافع للناس» إذ ما من صنعة إلا والحديد أو ما يعمل ~~بالحديد آلتها والجملة حال من الحديد وقوله تعالى «وليعلم الله من ينصره ~~ورسله» ms3146 عطف على محذوف يدل عليه ما قبله فإنه حال متضمنة للتعليل كأنه قيل ~~ليستعملوه وليعلم الله علما يتعلق به الجزاء من ينصره ورسوله باستعمال ~~السيوف والرماح وسائر الأسلحة في مجاهدة أعدائه أو متعلق بمحذوف مؤخر ~~والواو اعتراضية أي وليعلم الله من ينصره ورسله أنزله وقيل عطف على قوله ~~تعالى ليقوم الناس بالقسط وقوله تعالى «بالغيب» حال من فاعل ينصر أو مفعوله ~~أي غائبا عنهم أو غائبين عنه وقوله تعالى «إن الله قوي عزيز» اعتراض تذييلى ~~جئ به تحقيقا للحق وتنبيها على ان تكليفهم الجهاد وتعريضهم للقتال ليس ~~لحاجته في إعلاء كلمته وإظهار دينه إلى نصرتهم بل إنما هو لينتفعوا به ~~ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب وإلا فهو غنى بقدرته وعزته عنهم في كل ~~ما يريده «ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم» نوع تفصيل لما أجمل في قوله ~~PageV08P212 # تعالى لقد أرسلنا رسلنا الخ وتكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي ~~وبالله لقد أرسلناهما «وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب» بأن استنبأناهم ~~وأوحينا إليهم الكتب وقيل المراد بالكتاب الخط بالقلم «فمنهم» أي من الذرية ~~أو من المرسل إليهم المدلول عليهم بذكر الإرسال والمرسلين «مهتد» إلى الحق ~~«وكثير منهم فاسقون» خارجون عن الطريق المستقيم والعدول عن سنن المقابلة ~~للمبالغة في الذم والإيذان بغلبة الضلال وكثرتهم «ثم قفينا على آثارهم ~~برسلنا» أي ثم أرسلنا بعدهم رسلنا «وقفينا بعيسى ابن مريم» أي أرسلنا رسولا ~~بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام والضمير لنوح وإبراهيم ~~ومن أرسلا إليهم أو من عاصرهم من الرسل لا للذرية فإن الرسل المقفى بهم من ~~الذرية «وآتيناه الإنجيل» وقرئ بفتح الهمزة فإنه أعجمي لا يلزم فه مراعاة ~~أبنية العرب «وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة» وقرئ رآفة على فعالة ~~«ورحمة» أي وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم ونحوه في شأن أصحاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام رحماء بينهم «ورهبانية» منصوب إما بعفل مضمر يفسره والظاهر ~~أي وابتدعوا رهبانية «ابتدعوها» وأما بالعطف على ما قبلها وابتدعوها صفة ~~لها أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ms3147 ورهبانية مبتدعة من عندهم أي ووفقناهم ~~للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها وهي المبالغة في العبادة ~~بالرياضة والانقطاع عن الناس ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو ~~الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي وقرئ بضم الراء كأنها نسبة إلى الرهبان ~~وهو جمع راهب كراكب وركبان وسبب ابتداعهم إياها أن الجبابرة ظهروا على ~~المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام فقاتلوهم ثلاث مرات فقاتلوا حتى لم يبق ~~منهم إلا قليل فخافوا أن يفتتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية في قلل ~~الجبال فارين بدينهم مخلصين أنفسهم للعبادة وقوله تعالى «ما كتبناها عليهم» ~~جملة مستأنفة وقيل صفة أخرى لرهبانية والنفي على الوجه الأول متوجه إلى أصل ~~الفعل وقوله تعالى «إلا ابتغاء رضوان الله» استثناء منقطع أي ما فرضناها ~~نحن عليهم رأسا ولكنهم رأسا ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فذمهم حينئذ بقوله ~~تعالى «فما رعوها حق رعايتها» من حيث إن النذر عهد مع الله لا يحل نكثه لا ~~سيما إذا قصد به رضاه تعالى وعلى الوجه الثاني متوجه إلى قيده لا إلى نفسه ~~ولاستثناء متصل من أعم العلل أي ما كتبناها عليهم بأن وفقناهم لا بتداعها ~~لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب ومن ضرورة ~~ذلك ان يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعاها كلهم بل بعضهم «فآتينا ~~الذين آمنوا منهم» إيمانا صحيحا وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد رعاية رهبانيتهم لا مجرد رعايتها فإنها بعد البعثة لغو محض PageV08P213 # وكفر بحت وأنى لها استتباع الأجر «أجرهم» أي ما يخص بهم من الأجر «وكثير ~~منهم فاسقون» خارجون عن حد الاتباع وحمل الفريقين على من مضى من المراعين ~~لحقوق الرهبانية قبل النسخ والمخلين إذ ذاك بالتثليث والقول بالاتحاد وقصد ~~السمعة من غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مما ~~لا يساعده المقام «يا أيها الذين آمنوا» أي بالرسل المتقدمة «اتقوا الله» ~~فيما نهاكم عنه «وآمنوا برسوله» أي بمحمد عليه الصلاة والسلام وفي إطلاقه ~~إيذان بأنه علم فرد في الرسالة ms3148 لا يذهب الوهم إلى غيره «يؤتكم كفلين» ~~نصيبين «من رحمته» لإيمانكم بالرسول وبمن قبله من الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام لكن لا على معنى أن شريعتهم باقية بعد البعثة بل على أنها كانت حقة ~~قبل النسخ «ويجعل لكم نورا تمشون به» يوم القيامة حسبما نطق به قوله تعالى ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم «ويغفر لكم» ما أسلفتم من الكفر والمعاصي ~~«والله غفور رحيم» أي مبالغ في المغفرة والرحمة وقوله تعالى «لئلا يعلم أهل ~~الكتاب» متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير أن ~~تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم الذين لم يسلموا من ~~أهل الكتاب أي ليعلموا ولا مزيدة كما ينبئ عنه قراءة ليعلم ولكي يعلم ولأن ~~يعلم بإدغام النون في الياء وأن في قوله تعالى «ألا يقدرون على شيء من فضل ~~الله» مخففة من الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة في حيز ~~النصب على انها مفعول يعلم اى ليعلموا انه لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله ~~من الكفلين والنور والمغفرة ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي ~~هو الإيمان برسوله وقوله تعالى «وأن الفضل بيد الله» عطف على أن لا يقدرون ~~وقوله تعالى «يؤتيه من يشاء» خبر ثان لأن وقيل هو الخبر والجار حال لازمة ~~وقوله تعالى «والله ذو الفضل العظيم» اعتراض تذييلى لمضمون ما قبله وقد جوز ~~أن يكون الأمر بالتقوى والإيمان لغير أهل الكتاب فالمعنى اتقوا الله ~~واثبتوا على إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتكم ما وعد من آمن من ~~أهل الكتاب من الكفلين في قوله تعالى أولئك يؤتون اجرهم مرتين ولا ينقصكم ~~من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون بين أحد من رسله وروى أن ~~مؤمني أهل الكتاب افتخروا على سائر المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين ~~وادعوا الفضل عليهم فنزلت وقرئ ليلا بقلب الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة ~~وقرئ بسكون الياء وفتح اللام كاسم المرأة وبكسر اللام مع سكون الياء وقرئ ~~أن لا يقدروا ms3149 هذا وقد قيل لا غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي عليه ~~PageV08P214 # الصلاة والسلام وأصحابه والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي ~~عليه الصلاة والسلام والمؤمنون به على شيء من فضل الله الذي هو عبارة عما ~~أوتوه من سعادة الدارين على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن ~~علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله تعالى وأن الفضل بيد الله الخ عطفا على ان ~~لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الحديد كتب من الذين ~~آمنوا بالله ورسله «بسم الله الرحمن الرحيم» «قد سمع الله» بإظهار الدال ~~وقرئ بادغامها في السين «قول التي تجادلك في زوجها» أي تراجعك الكلام في ~~شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار وقرئ تحاورك وتحاولك أي تسائلك ~~«وتشتكي إلى الله» عطف على تجادلك أي تتضرع إليه تعالى وقيل حال أي من ~~فاعله تجادلك وهى متضرعة إليه تعالى وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك بن خرامة ~~الخزرجية ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت أخو عبادة ثم ندم على ما قال فقال ~~لها ما أظنك إلا قد حرمت على فشق عليها ذلك فاستفتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال حرمت عليه فقالت يا رسول الله ما ذكر طلاقا فقال حرمت عليه ~~وفي رواية ما أراك إلا قد حرمت عليه في المرار كلها فقالت أشكوا إلى الله ~~فاقتي ووجدى وجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما قال عليه ~~الصلاة والسلام حرمت عليه هتفت وشكت إلى الله تعالى فنزلت وفي كلمة قد ~~أشعار بان الرسول عليه الصلاة والسلام والمجادلة كانا يتوقعان أن ينزل الله ~~تعالى حكم الحادثة ويفرج عنها كربها كما يلوح به ما روى أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال لها عند استفتائها ما عندي في أمرك شيء وانها كانت ترفع رأسها ~~إلى السماء وتقول أشكو إليك فأنزل على لسان نبيك ومعنى سمعه تعالى لقولها ~~إجابة دعائها لا مجرد علمه تعالى بذلك كما هو المعنى بقوله تعالى «والله ~~يسمع تحاوركما» ms3150 أي يعلم تراجعكما الكلام وصيغة المضارع للدلالة على استمرار ~~السمع حسب استمرار التحاور وتجدده وفي نظمها في سلك الخطاب تغليبا تشريف ~~لها من جهتين والجملة استئناف مجرى التعليل لما قبله فإن إلحافها في ~~المسألة ومبالغتها في التضرع إلى الله تعالى ومدافعته عليه الصلاة والسلام ~~إياها بجواب منبىء عن التوقف وترقب الوحي وعلمه تعالى بحالها من دواعي ~~الإجابة وقيل PageV08P215 # هي حال وهو بعيد وقوله عز وجل «إن الله سميع بصير» تعليل لما قبله بطريق ~~التحقيق أي مبالغ في العلم بالمسموعات والمبصرات ومن قضيته أن يسمع ~~تحاورهما ويرى ما يقارنه من الهيئات إلي من جملتها رفع رأسها إلى السماء ~~وسائر آثار التضرع وإظهار الاسم الجليل في الموقعين لتربية المهابة وتعليل ~~الحكم بوصف الألوهية وتأكد استقلال الجملتين وقوله تعالى «الذين يظاهرون ~~منكم من نسائهم» شروع في بيان شأن الظهار في نفسه وحكمه المترتب عليه شرعا ~~بطريق الاستئناف والظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي مشتق من ~~الظهر وقد مر تفصيله في الأحزاب وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء محرم وفي ~~منكم مزيد توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم فيه فإن كان من إيمان أهل جاهليتهم ~~خاصة دون سائر الأمم وقرئ يظاهرون ويظهرون وقوله تعالى «ما هن أمهاتهم» خبر ~~للموصول أي ما نساؤهم أمهاتهم على الحقيقة فهو كذب بحت وقرئ أمهاتهم بالرفع ~~على لغة تميم وبأمهاتهم «إن أمهاتهم» أي ما هن «إلا اللائي ولدنهم» فلا ~~تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الشرع بهن من المرضعات وأزواج النبي عليه ~~الصلاة والسلام فدخلن بذلك في حكم الأمهات وأما الزوجات فأبعد شيء من ~~الأمومة «وإنهم ليقولون» بقولهم ذلك «منكرا من القول» على ان مناط التأكيد ~~ليس صدور القول عنهم فإنه امر محقق بل كونه منكرا أي عند الشرع وعند العقل ~~والطبع أيضا كما يشعر به تنكيره ونظيره قوله تعالى إنكم لتقولون قولا عظيما ~~«وزورا» أي محرفا عن الحق «وإن الله لعفو غفور» أي مبالغ في العفو والمغفرة ~~فيغفر لما سلف منه على الإطلاق أو بالمتاب عنه وقوله ms3151 تعالى «والذين يظاهرون ~~من نسائهم ثم يعودون لما قالوا» تفصيل لحكم الظهار بعد بيان كونه امرا ~~منكرا بطريق التشريع الكلى المنتظم لحكم الحادثة انتظاما أوليا أي والذين ~~يقولون ذلك القول المنكر ثم يعودون لما قالوا أي إلى ما قالوا بالتدارك ~~والتلافي لا بالتقرير والتكرير كما في قوله تعالى أن تعودوا لمثله أبدا فإن ~~اللام والى تتعاقبان كثيرا كما في قوله تعالى هدانا لهذا وقوله تعالى بأن ~~ربك أوحى لها وقوله تعالى وأوحى إلى نوح «فتحرير رقبة» اى فتداركه أو فعليه ~~أو فالواجب إعتاق رقبة أي رقبة كانت وعند الشافعي رحمه الله تعالى يشترط ~~الإيمان والفاء للسببية ومنه فوائدها الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر ~~الظهار وقيل ما قالوا عبارة عما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للقول ~~منزلة المقول فيه كما ذكر في قوله تعالى ونرثه ما يقول أي المقول فيه من ~~المال والولد فالمعنى ثم يريدون العود للاستمتاع فتحرير PageV08P216 # رقبة «من قبل أن يتماسا» أي من قبل أن يستمتع كل من المظاهر والمظاهر ~~منها بالآخر جماعا ولمسا ونظرا إلى الفرج شهوة وإن وقع شيء من ذلك قبل ~~التكفير يجب عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر وإن أعتق بعض الرقبة ثم مس ~~عليه أن يستأنف عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى «ذلكم» إشارة إلى الحكم ~~المذكور وهو مبتدأ خبره «توعظون به» أي تزجرون به عن ارتكاب المنكر المذكور ~~فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات والمراد بذكره بيان أن المقصود من ~~شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في ~~استباع الثواب العظيم بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه «والله بما ~~تعملون» من الأعمال إلي من جملتها التكفير وما يوجبه من جناية الظهار ~~«خبير» أي عالم بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها فحافظوا على حدود ما شرع ~~لكم ولا تخلوا بشيء منها «فمن لم يجد» أي الرقبة «فصيام شهرين» أي فعليه ~~صيام شهرين «متتابعين من قبل أن يتماسا» ليلا أو نهارا عمادا أو خطأ «فمن ~~لم ms3152 يستطع» اى الصيام لسبب من الأسباب «فإطعام ستين مسكينا» لكل مسكين نصف ~~صاع من بر أو صاع من غيره ويجب تقديمه على المسيس لكن لا يستأنف إن مس في ~~خلال الإطعام «ذلك» إشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام والتنبيه ~~عليها وما فيه من معنى البعد قد مر سرده مرارا وملحه إما الرفع على ~~الابتداء أو النصب بمضمر معلل بما بعده أي ذلك واقع أو فعلنا ذلك «لتؤمنوا ~~بالله ورسوله» وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم وترفضوا ما كنتم عليه في ~~جاهليتكم «وتلك» إشارة إلى الأحكام المذكورة وما فيه من معنى البعد ~~لتعظيمها كما مر غير مرة «حدود الله» التي لا يجوز تعديها «وللكافرين» أي ~~الذين لا يعملون بها «عذاب أليم» عبر عنه بذلك للتغليظ على طريقة قوله ~~تعالى ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين «إن الذين يحادون الله ورسوله» أي ~~يعادونهما ويشاقونهما فإن كلا من المتعاديين كما انه يكون في عدوة وشق غير ~~عدوة الآخر وشقه كذلك يكون في حد غير حد الآخر غير أن لورود المحادة في ~~أثناء ذكر حدود الله دون المعاداة والمشاقة من حسن الموقع مالا غاية وراءه ~~«كبتوا» أي أخزوا وقيل خذلوا وقيل أذلوا وقيل أهلكوا وقيل لعنوا وقيل غيظوا ~~وهو ما وقع يوم الخندق قالوا معنى كبتوا سيكبتون على طريقة قوله تعالى أتى ~~أمر الله وقيل أصل الكبت الكب «كما كبت الذين من قبلهم» من كفار الأمم ~~الماضية المعادين للرسل عليهم PageV08P217 # الصلاة والسلام «وقد أنزلنا آيات بينات» حال من واو كبتوا أي كبتوا ~~لمحادتهم والحال أن قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسوله ممن قبلهم ~~من الأمم وفيما فعلنا بهم وقيل آيات تدل على صدق وصحة ما جاء به ~~«وللكافرين» أي بتلك الآيات أو بكل ما يجب الإيمان به فيدخل فيه تلك الآيات ~~دخولا أوليا «عذاب مهين» يذهب بعزهم وكبرهم «يوم يبعثهم الله» منصور بما ~~تعلق به اللام من الاستقرار أو بمهين أو بإضمار اذكر تعظيما لليوم وتهويلا ~~له «جميعا» أي كلهم ms3153 بحيث لا يبقى منهم أحد غير مبعوث أو مجتمعين في حالة ~~واحدة «فينبئهم بما عملوا» من القبائح ببيان صدورها عنهم أو بتصويرها في ~~تلك النشأة بما يليق بها من الصور الهائلة على رؤوس الاشهاد تخجيلا لهم ~~وتشهيرا بحالهم وتشديدا لعذابهم وقوله تعالى «أحصاه الله» استئناف وقع ~~جوابا عما نشا مما قبيله من السؤال إما عن كيفية التنبئة أو عن سببها كأنه ~~قيل كيف ينبئهم بأعمالهم وهي أعراض مقتضية متلاشية فقيل أحصاه الله عددا لم ~~يفته منه شيء فقوله تعالى «ونسوه» حينئذ حال من مفعول أحصى بإضمار قد أو ~~بدونه على الخلاف المشهور أو قيل لم ينبئهم بذلك فقيل أحصاه الله ونسوه ~~فينبئهم به ليعرفوا أن ما عاينوه من العذاب إنما حاق بهم لأجله وفيه مزيد ~~توبيخ وتنديم لهم غير التخجيل والتشهير «والله على كل شيء شهيد» لا يغيب ~~عنه امر من الأمور قط والجملة اعتراض تذييلي مقرر لإحصائه تعالى وقوله ~~تعالى «ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض» استشهاد على شمول ~~شهادته تعالى كما في قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه وفي ~~قوله تعالى ألم تر أنهم في كل واد يهيمون أي ألم تعلم علما يقينا متاخما ~~للمشاهدة بأنه تعالى يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار ~~فيهما أو بالجزئية منهما وقوله تعالى «ما يكون من نجوى ثلاثة» الخ استئناف ~~مقرر لما قبله من سعة علمه تعالى ومبين لكيفيته ويكون من كان التامة وقرئ ~~تكون بالتاء اعتبارا لتأنيث النجوى وإن كان غير حقيقي أي ما يقع من تناجي ~~ثلاثة نفر أي من مسارتهم على أن نجوى مضافة إلى ثلاثة أو على انها موصوفة ~~بها إما بتقدير مضاف أي من أهل نجوى ثلاثة أو بجعلهم نجوى في أنفسهم «إلا ~~هو» أي الله عز وجل «رابعهم» أي جاعلهم أربعة من حيث إنه تعالى يشاركهم في ~~الاطلاع عليها وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال «ولا خمسة» ولا نجوى خمسة ~~«إلا هو سادسهم» وتخصيص ms3154 العددين بالذكر إما الخصوص الواقعة فإن الآية نزلت ~~في تناجى المنافقين وإما لبناء الكلام على أغلب عادات المتناجين وقد عمم ~~الحكم بعد PageV08P218 # ذلك فقيل «ولا أدنى من ذلك» أي مما ذكر كالواحد والاثنين «ولا أكثر» ~~كالستة وما فوقها «إلا هو معهم» يعلم ما يجرى بينهم وقرئ ولا أكثر بالرفع ~~عطفا على محل من نجوى أو محل ولا أدنى بأن جعل لا لنفى الجنس «أين ما ~~كانوا» من الأماكن ولو كانوا تحت الأرض فإن علمه تعالى بالأشياء ليس لقرب ~~مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة قربا وبعدا «ثم ينبئهم» وقرئ ينبئهم ~~بالتخفيف «بما عملوا يوم القيامة» تفضيحا لهم وإظهارا لما يوجب عذابهم «أن ~~الله بكل شيء عليم» لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل سواء «ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه» نزلت في اليهود ~~والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعيانهم إذا رأوا المؤمنين ~~فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عادوا لمثل فعلهم والخطاب للرسول ~~عليه الصلاة والسلام والهمزة للتعجيب من حالهم وصيغة المضارع للدلالة على ~~تكرر عودهم وتجدده واستحضار صورته العجيبة وقوله تعالى «ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول» عطف عليه داخل في حكمه أي بما هو إثم في نفسه ~~وعدوان للمؤمنين وتواصى بمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة ~~بين الخطابين المتوجهين إليه عليه الصلاة والسلام لزيادة تشنيعهم واستعظام ~~معصيتهم وقرئ وينتجون بالإثم والعدوان بكسر العين ومعصيات الرسول «وإذا ~~جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله» فيقولون السام عليك أو أنعم صباحا والله ~~سبحانه يقول وسلام على المرسلين «ويقولون في أنفسهم» أي فيما بينهم «لولا ~~يعذبنا الله بما نقول» أي هلا يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبيا «حسبهم ~~جهنم» عذابا «يصلونها» يدخلونها «فبئس المصير» أي جهنم «يا أيها الذين ~~آمنوا إذا تناجيتم» في أنديتكم وفى خلواتكم «فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول» كما يفعله المنافقون وقرئ فلا تنتجوا وفلا تناجوا بحذف إحدى ~~التاءين «وتناجوا بالبر والتقوى» أي بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء ms3155 عن ~~معصية الرسول عليه الصلاة والسلام «واتقوا الله الذي إليه تحشرون» وحده إلى ~~غيره استقلال أو اشتراكا فيجازيكم بكل ما تأتون وما تذرون «إنما النجوى» ~~PageV08P219 # المعهودة التي هي التناجى بالإثم والعداون «من الشيطان» لا من غيره فإنه ~~المزين لها والحامل عليها وقوله تعالى «ليحزن الذين آمنوا» خبر آخر أي إنما ~~هي ليحزن المؤمنين بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم «وليس بضارهم» أي الشيطان ~~أو التناجى بضار المؤمنين «شيئا» من الأشياء أو شيئا من الضرر «إلا بإذن ~~الله» أي بمشيئته «وعلى الله فليتوكل المؤمنون» ولا يبالوا بنجواهم فإنه ~~تعالى يعصمهم من شره «يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا» أي توسعوا ~~وليفسح بعضكم عن بعض ولا تتضاموا من قولهم افسح عنى أي تنح وقرئ تفاسحوا ~~وقوله تعالى «في المجالس» متعلق بقيل وقرئ في المجلس على ان المراد به ~~الجنس وقيل مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا يتضامون تنافسا في ~~القرب منه عليه الصلاة والسلام وحرصا على استماع كلامه وقيل هو المجلس من ~~مجالس القتال وهي مراكز الغزاة كقوله تعالى مقاعد للقتال قيل كان الرجل ~~يأتي الصف ويقول تفسحوا فيأبون لحرصهم على الشهادة وقرئ في المجلس بفتح ~~اللام فهو متعلق بتفسحوا قطعا أي توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه ~~«فافسحوا يفسح الله لكم» أي في كل ما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق ~~والصدر والقبر وغيرها «وإذا قيل انشزوا» أي انهضوا للتوسعة على المقبلين أو ~~لما أمرتم به من صلاة أو جهاد أو غيرهما من أعمال الخير «فانشزوا» فانهضوا ~~ولا تتثبطوا ولا تفرطوا وقرئ بكسر الشين «يرفع الله الذين آمنوا منكم» ~~بالنصر وحسن الذكر في الدنيا والإيواء إلى غرف الجنان في الآخرة «والذين ~~أوتوا العلم» منهم خصوصا «درجات» عالية بما جمعوا من أثرتى العلم والعمل ~~فإن العلم مع علو رتبته يقتضى العمل المقرون به مزيد رفعة لا يدرك شأوه ~~العمل العاري عنه وإن كان في غاية الصلاح ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ~~ولا يقتدي بغيره وفي الحديث فضل العالم على العابد كفضل ms3156 القمر ليلة البدر ~~على سائر الكواكب «والله بما تعملون بصير» تهديد لمن لم يتمثل بالأمر وقرئ ~~يعملون بالياء التحتانية «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول» في بعض ~~شؤنكم المهمة الداعية إلى مناجاته عليه الصلاة والسلام «فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة» أي فتصدقوا قبلها مستعار ممن له يدان وفي هذا الأمر تعظيم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وانفاع الفقراء والزجر عن الإفراط في السؤال ~~والتمييز بين المخلص والمنافق PageV08P220 # ومحب الآخرة ومحب الدنيا واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه نسخ بقوله ~~تعالى أأشفقتم وهو وإن كان متصلا به تلاوة لكنه متراخ عنه نزولا وعن على ~~رضى الله عنه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيرى كان لي دينار فصرفته ~~فكنت إذا ناجيته عليه الصلاة والسلام تصدقت بدرهم وهو على القول بالوجوب ~~محمول على أنه لم ينفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه إذ روى أنه لم يبق إلا ~~عشرا وقيل إلا ساعة «ذلك» أي التصدق «خير لكم وأطهر» أي لأنفسكم من الريبة ~~وحب المال وهذا يشعر بالندب لكن قوله تعالى «فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم» منبئ عن الوجوب لأنه ترخيص إن لم يجد في المناجاة بلا تصدق «أأشفقتم ~~أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات» أي أخفتم الفقر من تقديم الصدقات أو أخفتم ~~التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع الصدقات لجمع المخاطبين «فإذ ~~لم تفعلوا» ما أمرتم به وشق عليكم ذلك «وتاب الله عليكم» بأن رخص لكم أن لا ~~تفعلوه وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم من ~~الانفعال ما قام مقام توبتهم وإذ على بابها من المضي وقيل بمعنى إذا كما في ~~قوله تعالى إذ الاغلال في أعناقهم وقيل بمعنى إن «وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة» أي فإذ فرطتم فيما أمرتم به من تقديم الصدقات فتداركوه بالمثابرة ~~على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة «وأطيعوا الله ورسوله» في سائر الأوامر فإن ~~القيام بها كالجابر لما وقع في ذلك من التفريط «والله خبير بما ms3157 تعملون» ~~ظاهرا وباطنا «ألم تر» تعجيب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود ~~أولياء ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين أي ألم تنظر «إلى الذين ~~تولوا» أي والوا «قوما غضب الله عليهم» وهم اليهود كما أنبأ عنه قوله تعالى ~~من لعنه الله وغضب عليه «ما هم منكم ولا منهم» لأنهم منافقون مذبذبون بين ~~ذلك والجملة مستأنفة أو حال من فاعل تولوا «ويحلفون على الكذب» أي يقولون ~~والله إنا لمسلمون وهو عطف على تولوا داخل في حكم التعجيب وصيغة المضارع ~~للدلالة على تكرر الحلف وتجدده حسب تكرر ما يقتضيه وقوله تعالى «وهم ~~يعلمون» حال من فاعل يحلفون مفيدة لكمال شناعة ما فعلوا فإن الحلف على ما ~~لم يعلم أنه كذب في غاية القبح وفيه دلالة على ان الكذب يعم ما يعلم المخبر ~~عدم مطابقته للواقع وما لا يعلمه روى أنه عليه الصلاة والسلام كان في حجرة ~~من حجراته فقال يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان فدخل ~~عبد الله بن نبتل المنافق وكان أزرق فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال عليه الصلاة والسلام فعلت ~~PageV08P221 # فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت «أعد الله لهم» بسبب ذلك ~~«عذابا شديدا» نوعا من العذاب متفاقما «إنهم ساء ما كانوا يعملون» فيما مضى ~~من الزمان المتطاول فتمرنوا على سوء العمل وضروا به وأصروا عليه «اتخذوا ~~أيمانهم» الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة وقرئ بكسر الهمزة أي إيمانهم ~~الذي أظهروه لأهل الإسلام «جنة» وقاية وسترة دون دمائهم وأموالهم فالاتخاذ ~~على هذه القراءة عبارة عن التستر بما أظهروه بالفعل وأما على القراءة ~~الأولى فهو عبارة عن إعدادهم لأيمانهم الكاذبة وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ~~ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن ~~المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية والخيانة واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل ~~المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يعرب عنه الفاء في قوله تعالى «فصدوا» أي ~~الناس ms3158 «عن سبيل الله» في خلال أمنهم بتثبيط من لقوا عن الدخول في الإسلام ~~وتضعيف أمر المسلمين عندهم «فلهم عذاب مهين» وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم ~~وقيل الأول عذاب القبر أو عذاب الآخرة «لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله» أي من عذابه تعالى «شيئا» من الإغناء روى أن رجلا منهم قال لننصرن ~~يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا «أولئك» الموصوفون بما ذكر من ~~الصفات القبيحة «أصحاب النار» أي ملازموها ومقارنوها «هم فيها خالدون» لا ~~يخرجون منها أبدا «يوم يبعثهم الله جميعا» قيل هو ظرف لقوله تعالى لهم عذاب ~~مهين «فيحلفون له» أي لله تعالى يومئذ على انهم مسلمون «كما يحلفون لكم» في ~~الدنيا «ويحسبون» في الآخرة «إنهم» بتلك الأيمان الفاجرة «على شيء» من جلب ~~منفعة أو دفع مضرة كما كانوا عليه في الدنيا حيث كانوا يدفعون بها عن ~~أرواحهم وأموالهم ويستجرون بها فوائد دنيوية «ألا إنهم هم الكاذبون» ~~المبالغون في الكذب إلى غاية لا مطمح وراءها حيث تجاسروا على الكذب بين يدي ~~علام الغيوب وزعموا أن أيمانهم الفاجرة تروج الكذب لديه كما تروجه عن ~~الغافلين PageV08P222 # «استحوذ عليهم الشيطان» أي استولى عليهم من حذت الإبل إذا استوليت عليها ~~وجمعتها وهو مما جاء على الأصل كاستصوب واستنوق أي ملكهم «فأنساهم ذكر ~~الله» بحيث لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم «أولئك» الموصوفون بما ذكر من ~~القبائح حزب الشيطان وجنوده وأتباعه «ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» أي ~~الموصوفون بالخسران الذي لا غاية وراءه حيث فوتوا على أنفسهم النعيم المقيم ~~وأخذوا بدله من العذاب الأليم وفى تصدير الجملة بحرفى التنبيه والتحقيق ~~وإظهار المضافين معا في موقع الإضمار بأحد الوجهين وتوسيط ضمير الفصل من ~~فنون التأكيد ما لا يخفى «إن الذين يحادون الله ورسوله» استئناف مسوق ~~لتعليل ما قبله من خسران حزب الشيطان عبد عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز ~~الصلة على أن موادة من حاد الله ورسوله محادة لهما والإشعار بعلة الحكم ~~«أولئك» بما فعلوا من التولي والموادة «في الأذلين» أي في جملة من هو ms3159 أذل ~~خلق الله من الأولين والآخرين لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر ~~وحيث كانت عزة الله عز وجل غير متناهية كانت ذلة من يحاده كذلك «كتب الله» ~~استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين أي قضى وثبت في اللوح وحيث جرى ذلك ~~مجرى القسم أجيب بما يجاب به فقيل «لأغلبن أنا ورسلي» أي بالحجة والسيف وما ~~يجرى مجراه أو بأحدهما ونظيره قوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وقرئ ورسلي بفتح الياء ~~«إن الله قوي» على نصر أنبيائه «عزيز» لا يغلب عليه في مراده «لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر» الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ~~وتجد إما متعد إلى اثنين فقوله تعالى «يوادون من حاد الله ورسوله» مفعوله ~~الثاني أو إلى واحد فهو حال من مفعوله لتخصصه بالصفة وقيل صفة أخرى له أي ~~قوما جامعين بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين موادة أعداء الله ورسوله ~~والمراد PageV08P223 # ينفى الوجدان لنفى الموادة على معنى أنه لا ينبغي أن يتحقق ذلك وحقه أن ~~يمتنع ولا يوجد بحال وإن جد في طلبه كل أحد «ولو كانوا» أي من حاد الله ~~ورسوله والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها ~~«آباءهم» آباء الموادين «أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» فإن قضية ~~الإيمان بالله تعالى أن يهجر الجميع بالمرة والكلام في لو قد مر على ~~التفصيل مرارا «أولئك» إشارة إلى الذين لا يوادونهم وإن كانوا أقرب الناس ~~إليهم وأمس رحما وما فيه من معنى البعد لرفعة درجتهم في الفضل وهو مبتدأ ~~خبره «كتب في قلوبهم الإيمان» أي أثبته فيها وفيه قطعا ولا شئ من أعمال ~~الجوارح يثبت فيه «وأيدهم» أي قواهم «بروح منه» أي من عند الله تعالى وهو ~~نور القلب أو القرآن أو النصر على العدو وقيل الضمير للإيمان الحياة القلوب ~~به فمن تجريدية وقوله تعالى «ويدخلهم» الخ بيان لآثار رحمته الأخروية إثر ~~بيان ألطافه الدنيوية أي ويدخلهم في الآخرة ms3160 «جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها» أبد الآبدين وقوله تعالى «رضي الله عنهم» استئناف جار مجرى ~~التعليل لما أفاض عليهم من آثار رحمته العاجلة والآجلة وقوله تعالى «ورضوا ~~عنه» بيان لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا وآجلا وقوله تعالى «أولئك حزب الله» ~~تشريف لهم ببيان اختصاصهم به عز وجل وقوله تعالى «ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون» بيان لاختصاصهم بالفوز بسعادة الدارين والفوز بسعادة النشأتين ~~والكلام في تحلية الجملة بفنون التأكيد كما مر في مثلها عن النبي عليه ~~الصلاة والسلام من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة $ سورة ~~الحشر $ «بسم الله الرحمن الرحيم» «سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ~~وهو العزيز الحكيم» مر ما فيه من الكلام في صدر سورة الحديد وقد كرر ~~الموصول ههنا لزيادة التقرير والتنبيه على استقلال كل من الفريقين بالتسبيح ~~روى أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة صالح بنى النضير وهم رهط من ~~اليهود من ذرية هارون عليه السلام نزلوا المدينة في فتن بنى إسرائيل ~~انتظارا لبعثة النبي عليه الصلاة والسلام وعاهدهم أن لا يكونوا له ولا عليه ~~فلما ظهر عليه الصلاة والسلام يوم بدر قالوا هو النبي الذي PageV08P224 # نعته في التوراة لا ترد له راية فلما كان يوم أحد ما كان ارتابوا ونكثوا ~~فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا قريشا إلى الكعبة على ~~قتاله عليه الصلاة والسلام سقط فأمر عليه الصلاة والسلام محمد بن مسلمة ~~الأنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أخاه من الرضاعة ثم صبحهم بالكتاب فقال لهم ~~اخرجوا من المدينة فاستمهلوه عليه الصلاة والسلام عشرة أيام ليتجهزوا ~~للخروج فدس عبد الله بن أبى المنافق وأصحابه إليهم لا تخرجوا من الحصن فإن ~~قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة ~~وحصنوها فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام إحدى وعشرين ليلة فلما قذف الله ~~في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا ~~الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على ms3161 بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى ~~الشأم إلى أريحا وأذرعات إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ~~فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة منهم بالحيرة فأنزل الله تعالى سبح لله ما ~~في السماوات إلى قوله والله على كل شيء قدير وقوله تعالى «هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم» بيان لبعض آثار عزته تعالى واحكام ~~حكمته إثر وصفه تعالى بالعزة القاهرة والحكمة الباهرة على الإطلاق والضمير ~~راجع إليه تعلى بذلك العنوان إما بناء على كمال ظهور اتصافه تعالى بهما مع ~~مساعدة تامة من المقام أو على جعله مستعارا لاسم الإشارة كما في قوله تعالى ~~قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به أي بذلك وعليه قول رؤبة بن العجاج * كأنه في الجلد توليع البهق * ~~كما هو المشهور كأنه قيل ذلك المنعوت بالعزة والحكمة الذي أخرج الخ ففيه ~~إشعار بأن في الإخراج حكمة باهرة وقوله تعالى «لأول الحشر» أي في أول حشرهم ~~إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من أخرج من جزيرة العرب ~~إلى الشام أو هذا أول حشرهم وآخر حشرهم إجلاء عمر رضى الله عنه إياهم من ~~خيبر إلى الشام وقيل آخر حشرهم حشر يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام «ما ~~ظننتم» أيها المسلمون «أن يخرجوا» من ديارهم بهذا الذل والهوان لشدة بأسهم ~~وقوة منعتهم «وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله» اى ظنوا أن حصونهم تمنعهم ~~أو ما نعتهم من بأس الله تعالى وتغيير النظم بتقديم الخبر وإسناد الجملة ~~إلى ضميرهم للدلالة على كمال وثوقهم بحصانة حصونهم واعتقادهم في أنفسهم ~~أنهم في غرة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم ويجوز ~~ان يكون ما نعتهم خبرا لأن وحصونهم مرتفعا على الفاعلية «فآتاهم الله» أي ~~أمر الله تعالى وقدره المقدور لهم «من حيث لم يحتسبوا» ولم يخطر ببالهم وهو ~~قتل رئيسهم كعب بن الأشرف فإنه PageV08P225 # مما أضعف ms3162 قوتهم وفل شوكتهم وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة وقيل الضمير في ~~أتاهم ولم يحتسبوا للمؤمنين أي فأتاهم نصر الله وقرئ فتاهم أي فآتاهم الله ~~العذاب أو النصر «وقذف في قلوبهم الرعب» أي أثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي ~~يملؤها «يخربون بيوتهم بأيديهم» ليسدوا بما نقضوا منها من الخشب والحجارة ~~أفواه الأزقة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين ولينقلوا معهم بعض ~~آلاتها المرغوب فيها مما يقبل النقل «وأيدي المؤمنين» حيث كانوا يخربونها ~~إزالة لمتحصنهم ومتمنعهم وتوسعا لمجال القتال ونكاية لهم وإسناد هذا إليهم ~~لما أنهم السبب فيه فكأنهم كلفوهم إياه وأمروهم به قيل الجملة حال أو تفسير ~~للرعب وقرئ يخربون بالتشديد للتكثير وقيل الإخراب التعطيل أو ترك الشئ ~~خرابا والتخريب النقض والهدم «فاعتبروا يا أولي الأبصار» فاتعظوا بما جرى ~~عليهم من الأمور الهائلة على وجه لا يكاد يهتدى إليه الأفكار واتقوا مباشرة ~~ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي أو انتقلوا من حال الفريقين إلى حال ~~أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب بل توكلوا على الله عز وجل وقد استدل ~~به على حجية القياس كما فصل في موقعه «ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء» أي ~~الخروج عن أوطانهم على ذلك الوجه الفظيع «لعذبهم في الدنيا» بالقتل والسبي ~~كما فعل ببنى قريظة «ولهم في الآخرة عذاب النار» استئناف غير متعلق بجواب ~~لولا جئ به لبيان أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا بكتابة الجلاء لا نجاة لهم ~~من عذاب الآخرة «ذلك» أي ما حاق بهم وما سيحيق «بأنهم» بسبب أنهم «شاقوا ~~الله ورسوله» وفعلوا ما فعلوا مما حكى عنهم من القبائح «ومن يشاق الله» ~~وقرئ يشاقق الله كما في الأنفال والاقتصار على ذكر مشاقته تعالى لتضمنها ~~لمشاقته عليه الصلاة والسلام وليوافق قوله تعالى «فإن الله شديد العقاب» ~~وهو إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد إلى من عند من يلتزمه أي شديد العقاب ~~له أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه الله فإن الله شديد العقاب وأياما ~~كان فالشرطية تكملة لما قبلها وتقرير لمضمونه وتحقيق للسببية ms3163 بالطريق ~~البرهاني كأنه قيل ذلك الذي حاق بهم من العقاب العاجل والآجل بسبب مشاقتهم ~~لله تعالى ورسوله وكل من يشاق الله كائنا من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد ~~فإذن لهم عقاب شديد «ما قطعتم من لينة» أي أي شيء قطعتم من نخلة وهى فعلى ~~من اللون وياؤها مقلوبة من واو لكسرة ما قبلها كديمة وتجمع على ألوان وقيل ~~من اللين وتجمع على لين وهي النخلة الكريمة «أو تركتموها» الضمير لما ~~وتأنيثه لتفسيره باللينة كما في قوله تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~يمسك لها «قائمة على أصولها» كما كانت من غير أن تتعرضوا لها بشئ ما وقرئ ~~على أصلها PageV08P226 # إما على الاكتفاء من الواو بالضم أو على أنه جمع كرهن وقرئ قائما على ~~أصوله ذهابا إلى لفظ ما «فبإذن الله» فذاك أي قطعها وتركها بأمر الله تعالى ~~«وليخزي الفاسقين» أي وليذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها وتركها لأنهم إذا ~~رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف أحبوا ويتصرفون فيها حسبما شاؤوا من ~~القطع والترك يزدادون غيظا ويتضاعفون حسرة واستدل به على جواز هدم ديار ~~الكفرة وقطع أشجارهم وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم وتخصيص اللينة بالقطع إن ~~كانت من الألوان لاستبقاء العجوة والبرنية اللتين هما كرام النخيل وإن كانت ~~هي الكرام ليكون غيظهم أشد وقوله تعالى «وما أفاء الله على رسوله» شروع في ~~بيان حال ما أخذ من أموالم بعد بيان ما حل بأنفسهم من العذاب العاجل والأجل ~~وما فعل بديارهم ونخيلهم من التخريب والقطع أي ما أعاده إليه من ما لهم ~~وفيه إشعار بأنه كان حقيقا بأن يكون له عليه الصلاة والسلام وإنما وقع في ~~أيديهم بغير حق فرجعه الله تعالى إلى مستحقه لأنه تعالى خلق الناس لعبادته ~~وخلق ما خلق ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين «منهم» أي ~~من بنى النضير «فما أوجفتم عليه» أي فما أجريتم على تحصيله وتغنمه من ~~الوجيف وهو سرعة السير «من خيل ولا ركاب» هي ما يركب من الإبل خاصة ms3164 كما ان ~~الراكب عندهم راكبها لا غير وأما راكب الفرس فإنما يسمونه فارسا ولا واحد ~~لها من لفظها وإنما الواحدة منها راحلة والمعنى ما قطعتم لها شقة بعيدة ولا ~~لقيتم مشقة شديدة ولا قتالا شديدا وذلك لأنه كانت قراهم على ميلين من ~~المدينة فمشوا إليها مشيا وما كان فيهم راكب إلا النبي عليه الصلاة والسلام ~~فافتحها صلحا من غير ان يجري بينهم مسابقة كأنه قيل وما أفاء الله على ~~رسوله منهم فما حصلتموه بكد اليمين وعرق الجبين «ولكن الله يسلط رسله على ~~من يشاء» أي سنته تعالى جارية على أن يسلطهم على من يشاء من أعدائهم تسليطا ~~خاصا وقد سلط النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء تسليطا غير معتاد من غير ~~أن تقتحموا مضايق الخطوب وتقاسوا شدائد الحروب فلا حق لكم في أموالهم ~~«والله على كل شيء قدير» فيفعل ما يشاء كما يشاء تارة على الوجوه المعهودة ~~وأخرى على غيرها وقوله تعالى «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى» بيان ~~لمصارف الفىء بعد بيان إفاءته عليه الصلاة والسلام من غير أن يكون للمقاتلة ~~فيه حق وإعادة عين العبارة الأولى لزيادة التقرير ووضع أهل القرى موضع ~~ضميرهم للإشعار بشمول PageV08P227 # ما لعقاراتهم أيضا «فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل» اختلف في قسمة الفىء فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله إلى ~~الكعبة وسائر المساجد وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف الآن سهم ~~الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الإمام على قول وإلى العساكر والثغور على ~~قول وإلى مصالح المسلمين على قول وقيل يخمس خمسة كالغنيمة فإنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على ~~الخلاف المذكور «كي لا يكون » أي الفىء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به ~~«دولة» بضم الدال وقرئ بفتحها وهي ما يدول الإنسان أي يدور من الغنى والجد ~~والغلبة وقيل الدولة بالفتح من الملك بكسرها أو بالضم في المال وبالفتح في ~~النصرة أي كيلا يكون جدا «بين الأغنياء منكم» ms3165 يتكاثرون به أو كيلا يكون ~~دولة جاهلية بينكم فإن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة ويقولون من عز ~~بز وقيل الدولة بالضم ما يتداول كالغرفة اسم ما يغترف فالمعنى كيلا يكون ~~الفىء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعارونه فلا يصيب الفقراء والداولة ~~بالفتح بمعنى التداول فالمعنى كيلا يكون ذا تداول بينهم أو كيلا يكون ~~إمساكه تداولا بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء وقرئ دولة بالرفع على أن كان ~~تامة أي كيلا يقع دولة على ما فصل من المعاني «وما آتاكم الرسول» أي ما ~~أعطاكموه من الفىء أو من الأمر «فخذوه» فإنه حقكم أو فتمسكوا به فإنه واجب ~~عليكم «وما نهاكم عنه» عن أخذه أو عن تعاطيه «فانتهوا» عنه «واتقوا الله» ~~في مخالفته عليه الصلاة والسلام «أن الله شديد العقاب» فيعاقب من يخالف ~~أمره ونهيه «للفقراء المهاجرين» بدل من الذي القربى وما عطف عليه فإن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام لا يسمى فقيرا ومن أعطى أغنياء ذوى القربى خص ~~الإبدال بما بعده واما تخصيص اعتبار الفقر بفىء بنى النضير فتعسف ظاهر ~~«الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم» حيث أضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى ~~الخروج وكانوا مائة رجل فخرجوا منها «يبتغون فضلا من الله ورضوانا» اى ~~طالبين منه تعالى رزقا في الدنيا ومرضاة في الآخرة وصفوا أولا بما يدل على ~~استحقاقهم للفىء من الإخراج من الديار والأموال وقيد ذلك ثانيا بما يوجب ~~تفخيم شأنهم ويؤكده «وينصرون الله ورسوله» عطف على يبتغون فهي حال مقدرة اى ~~ناوين لنصرة الله تعالى ورسوله أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين ~~لهم مهاجرين إلى المدينة نصرة وأي نصرة «أولئك» الموصوفون بما فصل من ~~الصفات الحميدة «هم الصادقون» الراسخون في الصدق حيث ظهر ذلك بما فعلوا ~~ظهورا بينا «والذين تبوؤوا الدار والإيمان» كلام مستأنف مسوق PageV08P228 # لمدح الأنصار بخصال حميدة من جملتها محبتهم للمهاجرين ورضاهم باختصاص ~~الفئ بهم أحسن رضا وأكمله ومعنى تبوئهم الدار أنهم اتخذوا المدينة والإيمان ~~مباءة وتمكنوا فيهما أشد تمكن على تنزيل الحال منزلة المكان وقيل ضمن ~~التبوؤ ومعنى ms3166 اللزوم وقيل تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقول من قال * ~~علفتها تبنا وماءا باردا * وقيل المعنى تبوؤا دار الهجرة ودار الإيمان فحذف ~~المضاف إليه من الأول وعوض منه اللام وقيل سمى المدينة بالإيمان لكونها ~~مظهره ومنشأه «من قبلهم» أي من قبل هجرة المهاجرين على المعاني الأول ومن ~~قبل تبوؤ المهاجرين على الأخيرين ويجوز أن يجعل اتخاذ الإيمان مباءة ولزومه ~~وإخلاصه على المعاني الأول عبارة عن إقامة كافة حقوقه التي من جملتها إظهار ~~عامة شعائره وأحكامه ولا ريب في تقدم الأنصار في ذلك على المهاجرين لظهور ~~عجزهم عن إظهار بعضها لا عن إخلاصه قلبا واعتقادا إذ لا يتصور تقدمهم عليهم ~~في ذلك «يحبون من هاجر إليهم» خبر للموصول أي يحبونهم من حيث مهاجرتهم ~~إليهم لمحبتهم الإيمان «ولا يجدون في صدورهم» أي في نفوسهم «حاجة» أي شيئا ~~محتاجا إليه يقال خذ منه حاجتك أي ما تحتاج إليه وقيل إثر حاجة كالطلب ~~والحرازة والحسد والغيظ «مما أوتوا» أي مما أوتى المهاجرون من الفئ وغيره ~~«ويؤثرون» أي يقدمون المهاجرين «على أنفسهم» في كل شئ من أسباب المعاش حتى ~~أن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما ويزوجها واحدا منهم «ولو كان ~~بهم خصاصة» أي حاجة وخلة وأصلها خصاص البيت وهى فرجه والجملة في حيز الحال ~~وقد عرفت وجهه مرارا وكان النبي عليه الصلاة والسلام قسم أموال بنى النضير ~~على المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين أبا دجانة سماك بن ~~خرشة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة وقال لهم إن شئتم قسمتم للمهاجرين من ~~أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم كانت لكم دياركم ~~وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا ~~وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت وهذا صريح في ان قوله ~~تعالى والذين تبوؤا الخ مستأنف غير معطوف على الفقراء أو المهاجرين نعم ~~يجوز عطفه على أولئك فإن ذلك إنما يستدعى شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق ~~دون الفىء فيكون قوله تعالى يحبون وما ms3167 عطف عليه استئنافا مقررا لصدقهم أو ~~حالا من ضمير تبوؤا «ومن يوق شح نفسه» الشح بالضم والكسر وقد قرئ به أيضا ~~اللؤم وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها مقتضية للحرص على المنع الذي هو ~~البخل أي ومن يوق بتوفيق الله تعالى شحها حتى يخالفها فيما يغلب عليها من ~~حب المال وبغض الإنفاق «فأولئك» إشارة إلى من باعتبار معناها العام المنتظم ~~للمذكورين انتظاما أوليا «هم المفلحون» الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل ~~مكروه والجملة اعتراض وارد لمدح الأنصار والثناء عليهم وقرئ يوق بالتشديد ~~«والذين جاؤوا من بعدهم» هم الذين PageV08P229 # هاجروا بعد ما قوى الإسلام أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين ~~إلى يوم القيامة ولذلك قيل إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين وأيا ما كان ~~فالموصول مبتدأ وخبره «يقولون» الخ والجملة مسوقة لمدحهم بمحبتهم لمن ~~تقدمهم من المؤمنين ومراعاتهم لحقوق الأخوة في الدين والسبق بالإيمان كما ~~أن ما عطفت عليه من الجملة السابقة لمدح الأنصار أي يدعون لهم «ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا» أي في الدين الذي هو أعز وأشرف عندهم من النسب «الذين ~~سبقونا بالإيمان» وصفوهم بذلك اعترافا بفضلهم «ولا تجعل في قلوبنا غلا» ~~وقرئ غمرا وهما الحقد «للذين آمنوا» على الإطلاق «ربنا إنك رؤوف رحيم» أي ~~مبالغ في الرأفة والرحمة فحقيق بأن تجيب دعاءنا «ألم تر إلى الذين نافقوا» ~~حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة ~~وتعجيب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين وأقوالهم على اختلاف طبقاتهم ~~والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب ~~وقوله تعالى «يقولون» الخ استئناف لبيان المتعجب منه وصيغة المضارع للدلالة ~~على استمرارا قولهم أو لاستحضار صورته واللام في قوله تعالى «لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب» للتبليغ والمراد بإخوتهم إما توافقهم في الكفر ~~أو صداقتهم وموالاتهم واللام في قوله تعالى «لئن أخرجتم» أي من دياركم قسرا ~~موطئة للقسم وقوله تعالى «لنخرجن معكم» جواب القسم أي والله لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم البتة ونذهبن في ms3168 صحبتكم أينما ذهبتم «ولا نطيع فيكم» أي في ~~شأنكم «أحدا» يمنعنا من الخروج معكم «أبدا» وإن طال الزمان وقيل لا نطيع في ~~قتالكم أو خذلانكم وليس بذاك لأن تقدير القتال مترقب بعد ولأن وعدهم لهم ~~على ذلك التقدير ليس مجرد عدم طاعتهم لمن يدعوهم إلى قتالهم بل نصرتهم عليه ~~كما ينطق به قوله تعالى «وإن قوتلتم لننصرنكم» أي لنعاوننكم على عدوكم على ~~أن دعوتهم إلى خذلان اليهود مما لا يمكن صدوره عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين حتى يدعوا عدم طاعتهم فيها ضرورة أنها لو كانت لكانت عند ~~استعدادهم لنصرتهم وإظهار كفرهم ولا ريب في أن ما يفعله عليه الصلاة ~~والسلام عند ذلك قتلهم لا دعوتهم إلى ترك نصرتهم وإما الخروج معهم فليس ~~بهذه المرتبة من إظهار الكفر لجواز أن يدعوا أن خروجهم معهم لما بينهم من ~~الصداقة الدنيوية لا للموافقة في الدين «والله يشهد إنهم لكاذبون» في ~~مواعيدهم المؤكدة بالإيمان الفاجرة وقوله تعالى «لئن أخرجوا لا يخرجون ~~معهم» الخ تكذيب لهم في كل واحد PageV08P230 # من أقوالهم على التفصيل بعد تكذيبهم في الكل على الإجمال «ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم» وكان الأمر كذلك فإن ابن أبى وأصحابه أرسلوا إلى بنى النضير ذلك ~~سرا ثم أخلفوهم وفيه حجة بينة لصحة النبوة وإعجاز القرآن «ولئن نصروهم» على ~~الفرض والتقدير «ليولن الأدبار» فرارا «ثم لا ينصرون» اى المنافقون بعد ذلك ~~اى يهلكهم الله ولا ينفهم نفاقهم لظهور كفرهم أو ليهزمن اليهود ثم لا ~~ينفعهم نصرة المنافين بعد ذلك «لأنتم أشد رهبة» أي أشد مرهوبية على أنها ~~مصدر من المبنى للمفعول «في صدورهم من الله» أي رهبتهم منكم في السر أشد ~~مما يظهرونه لكم من رهبة الله فإنهم كانوا يدعون عندهم رهبة عظيمة من الله ~~تعالى «ذلك» أي ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله «بأنهم» بسبب ~~أنهم «قوم لا يفقهون» أي شيئا حتى يعلموا عظمة الله تعالى فيخشوه حق خشيته ~~«لا يقاتلونكم» أي اليهود والمنافقون بمعنى لا يقدرون على ms3169 قتالكم «جميعا» ~~اى مجتمعين متفقين في موطن من المواطن «إلا في قرى محصنة» بالدروب والخنادق ~~«أو من وراء جدر» دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم لفرط رهبتهم وقرئ جدر ~~بالتخفيف وقرئ جدار وبإمالة فتحة الدال وجدر وجدر وهما الجدار «بأسهم بينهم ~~شديد» استئناف سيق لبيان أن ما ذكر من رهبتم ليس لضعفهم وجبنهم في أنفسهم ~~فإن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد وإنما ضعفهم وجبنهم بالنسبة إليكم بما ~~قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب «تحسبهم جميعا» مجتمعين متفقين «وقلوبهم ~~شتى» متفرقة لا ألفة بينها «ذلك» اى ما ذكر من تشتت قلوبهم بسبب أنهم «قوم ~~لا يعقلون» أي لا يعقلون شيئا حتى يعرفوا الحق ويتبعوه وتطمئن به قلوبهم ~~وتتحد كلمتهم ويرموا عن قوس واحدة فيقعون في تيه الضلال وتتشتت قلوبهم حسب ~~تشتت طرقه وتفرق فنونه وأما ما قيل من أن المعنى لا يعقلون أن تشتت القلوب ~~مما يوهن قواهم فبمعزل من السداد وقوله تعالى «كمثل الذين من قبلهم» خبر ~~مبتدأ محذوف تقديره مثلهم أي مثل المذكورين من اليهود والمنافقين كمثل أهل ~~بدر أو بنى قينقاع على ما قيل إنهم أخرجوا قبل بني النضير «قريبا» في زمان ~~قريب وانتصابه بمثل ذا التقدير كوقوع مثل الخ «ذاقوا وبال أمرهم» أي سوء ~~عاقبة كفرهم في الدنيا «ولهم» في الآخرة «عذاب أليم» لا يقادر قدره والمعنى ~~أن حال هؤلاء كحال أولئك في الدنيا والآخرة لكن لا على أن حال كلهم كحالهم ~~بل حال بعضهم الذين هم اليهود كذلك واما حال المنافقين فهي ما نطق به ~~PageV08P231 # قوله تعالى «كمثل الشيطان» فإنه خبر ثان للمبتدأ المقدر مبين لحالهم ~~متضمن لحال أخرى لليهود وهى اغترارهم بمقابلة المنافقين أولا وخيبتهم آخرا ~~وقد أجمل في النظم الكريم حيث أسند كل من الخبرين إلى المقدر المضاف إلى ~~ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه ثقة بأن السامع يرد كلا من ~~المثلين إلى ما يماثله كأنه قيل مثل اليهود في حلول العذاب بهم كمثل الذين ~~من قبلهم الخ ومثل المنافقين في ms3170 إغرائهم إياهم على القتال حسبما نقل عنهم ~~كمثل الشيطان «إذ قال للإنسان اكفر» أي أغراه على الكفر إغراء الآمر الأمور ~~على المأمور به «فلما كفر قال إني بريء منك» وقرئ أنا برئ منك إن أريد ~~بالإنسان الجنس فهذا التبرؤ من الشيطان يكون يوم القيامة كما ينبئ عنه قوله ~~تعالى «إني أخاف الله رب العالمين» وإن أريد به أبو جهل فقوله تعالى اكفر ~~عبارة عن قول إبليس يوم بدر لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~وتبرؤه قوله يومئذ إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله الآية ~~«فكان عاقبتهما» بالنصب على أنه خبر كان واسمها «أنهما في النار» وقرئ ~~بالعكس وقد مر أنه أوضح «خالدين فيها» وقرئ خالدان فيها على أنه خبر أن وفى ~~النار لغو «وذلك جزاء الظالمين» أي الخلود في النار جزاء الظالمين على ~~الإطلاق دون هؤلاء خاصة «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» أي في كل ما ~~تأتون وما تذرون «ولتنظر نفس ما قدمت لغد» أي أي شئ قدمت من الأعمال ليوم ~~القيامة عبر عنه بذلك لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده وتنكيره ~~لتفخيمه وتهويله كأنه قيل لغد لا يعرف كنهه لغاية عظمه وأما تنكير نفس ~~فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن لذلك اليوم الهائل كأنه قيل ولتنظر نفس ~~واحدة ذلك «واتقوا الله» تكرير للتأكيد أو الأول في أداء الواجبات كما يشعر ~~به ما بعده من الأمر بالعمل وهذا ترك المحارم كما يؤذن به الوعيد بقوله ~~تعالى «إن الله خبير بما تعملون» أي من المعاصي «ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله» أي نسوا حقوقه تعالى وما قدروه حق قدره ولم يراعوا مواجب أوامره ~~ونواهيه حق رعايتها «فأنساهم» بسبب ذلك «أنفسهم» أي جعلهم ناسين لها حتى لم ~~يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها أو أراهم يوم القيامة من الأهوال ما ~~أنساهم أنفسهم «أولئك» PageV08P232 # هم «الفاسقون» الكاملون في الفسوق «لا يستوي أصحاب النار» الذين نسوا ~~الله تعالى فاستحقوا الخلود في النار «وأصحاب الجنة» الذين ms3171 اتقوا الله ~~فاستحقوا الخلود في الجنة ولعل تقديم أصحاب النار في الذكر للإيذان من أول ~~الأمر بأن المقصور الذي ينبئ عنه عدم الاستواء من جهتهم لا من جهة مقابليهم ~~فإن مفهوم عدم الاستواء بين الشيئين المتفاوتين زيادة ونقصانا وإن جاز ~~اعتباره بحسب زيادة الزائد لكن المتبادر اعتباره بحسب نقصان الناقص وعليه ~~قوله تعالى هل يستوى الأعمى والبصير أم هل يستوى الظلمات والنور إلى غير ~~ذلك من المواقع وأما قوله تعالى هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~فلعل تقديم الفاضل فيه لأن صلته ملكة لصلة المفضول والأعدام مسبوقة ~~بملكاتها ولا دلالة في الآية الكريمة على ان المسلم لا يقتص بالكافرون وان ~~الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر لأن المراد عدم الاستواء في ~~الأخروية كما ينبئ عنه التعبير عن الفريقين بصاحبية النار وصاحبتيه الجنة ~~وكذا قوله تعالى «أصحاب الجنة هم الفائزون» فإنه استئناف مبين لكيفية عدم ~~الاستواء بين الفريقين أي هم الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مكروه «لو ~~أنزلنا هذا القرآن» العظيم الشأن المنطوى على فنون القوارع «على جبل» من ~~الجبال «لرأيته» مع كونه علما في القسوة وعدم التأثر مما يصادمه «خاشعا ~~متصدعا من خشية الله» أي متشققا منها وقرئ مصدعا بالإدغام وهذا تمثيل ~~وتخييل لعلو شان القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ كما ينطق به قوله ~~تعالى «وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» أريد به توبيخ الإنسان ~~على قسوة قلبه وعدم تخشعه عند تلاوته وقلة تدبره فيه «هو الله الذي لا إله ~~إلا هو» وحده «عالم الغيب والشهادة» أي ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية ~~وأحالها وما حضر له من الأجرام وأعراضها وتقديم الغيب على الشهادة لتقدمه ~~في الوجود وتعلق العلم القديم به أو المعدوم والموجود أو السر والعلانية ~~«هو الرحمن الرحيم» «هو الله الذي لا إله إلا هو» كرر لإبراز الاعتناء بأمر ~~التوحيد «الملك القدوس» البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانا وقرئ بالفتح وهي ~~PageV08P233 # لغة فيه «السلام» ذو السلامة من كل نقص وآفة مصدر وصف به ms3172 للمبالغة ~~«المؤمن» واهب الأمن وقرئ بالفتح بمعنى المؤمن به على حذف الجار «المهيمن» ~~الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن بقلب همزته هاء «العزيز» الغالب ~~«الجبار» الذي جبر خلقه على ما أراد أو جبر أحوالهم أي أصلحها «المتكبر» ~~الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصانا أو البليغ الكبرياء والعظمة «سبحان ~~الله عما يشركون» تنزيه له تعالى عما يشركونه به تعالى أو عن إشراكهم به ~~تعالى إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يشاركه تعالى في شيء منها شيء ما ~~أصلا «هو الله الخالق» المقدر للأشياء على مقتضى حكمته «البارئ» الموجد لها ~~بريئا من التفاوت وقيل المميز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة «المصور» ~~الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد «له الأسماء الحسنى» لدلاتها على المعاني ~~الحسنة «يسبح له ما في السماوات والأرض» ينطق بتنزهه تعالى عن جميع النقائض ~~تنزها ظاهرا «وهو العزيز الحكيم» الجامع للكمالات كافة فإنها مع تكثرها ~~وتشعبها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر PageV08P234 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء» نزلت في حاطب ابن أبى بلتعة وذلك انه لما تجهز رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لغزو الفتح كتب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريدكم فخذوا حذركم وأرسله مع سارة مولاة بنى المطلب فنزل جبريل عليه ~~السلام بالخبر فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا وطلحة ~~والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ~~معها كتب حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها ~~فأدركوها ثمة فجحدت فسل على سيفه فأخرجته من عقاصها فاستحضر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حاطبا وقال ما حملك على هذا فقال يا رسول الله ما كفرت منذ ~~أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش وليس لي فيهم من ms3173 ~~يحمى أهلي فأردت أن آخذ عندهم يدا وقد علمت أن كتابي لن يغنى عنهم شيئا ~~فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل عذره «تلقون إليهم بالمودة» أي ~~توصلون إليهم على أن الباء زائدة كما في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة أو تلقون إليهم أخبار النبي عليه الصلاة والسلام بسبب المودة التي ~~بينكم وبينهم والجملة إما حال من فاعل لا تتخذوا أو صفة لأولياء وإبراز ~~الضمير في الصفات الجارية على غير من هي له إنما يشترط في الاسم دون الفعل ~~أو استئناف «وقد كفروا بما جاءكم من الحق» حال من فاعل تلقون وقيل من فعل ~~لا تتخذوا وقرئ لما جاءكم أي كفروا لأجل ما جاءكم بمعنى جعل ما هو سبب ~~الإيمان سببا للكفر «يخرجون الرسول وإياكم» أي من مكة وهو إما حال من فاعل ~~كفروا أو استئناف مبين لكفرهم وصيغة المضارع لاستحضار الصورة وقوله تعالى ~~«أن تؤمنوا بالله ربكم» تعليل للإخراج فيه تغليب المخاطب على الغائب ~~والتفات من التكلم إلى الغيبة للإشعار بما يوجب الإيمان من الألوهية ~~والربوبية PageV08P235 # «إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي» متعلق بلا تتخذوا كأنه ~~قيل لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي وقوله تعالى «تسرون إليهم بالمودة» ~~استئناف وارد على نهج العتاب والتوبيخ أي تسرون إليهم المودة أو الأخبار ~~بسبب المودة «وأنا أعلم» أي والحال أنى اعلم منكم «بما أخفيتم وما أعلنتم» ~~ومطلع رسولي على ما تسرون فأي طائل لكم في الأسرار وقيل أعلم مضارع والباء ~~مزيدة وما موصلة أو مصدرية وتقديم الإخفاء على الإعلان قد مر وجهه في قوله ~~تعالى يعلم ما يسرون وما يعلنون «ومن يفعله منكم» أي الاتخاذ «فقد ضل سواء ~~السبيل» فقد أخطأ طريق الحق والصواب «إن يثقفوكم» أي إن يظفر وا بكم ~~«يكونوا لكم أعداء» اى يظهروا ما في قلوبهم من العداوة ويرتبوا عليها ~~أحكامها «ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء» بما يسوؤكم من القتل ~~والأسر والشتم «وودوا لو تكفرون» أي تمنوا ارتدادكم وصيغة الماضي للإيذان ~~بتحقيق ودادتهم قبل ms3174 أن يثقفوهم أيضا «لن تنفعكم أرحامكم» قرباتكم «ولا ~~أولادكم» الذين توالون المشركين لأجلهم وتتقربون إليهم محاماة عليهم «يوم ~~القيامة» بجلب نفع أو دفع ضر «يفصل بينكم» استئناف لبيان عدم نفع الأرحام ~~والأولاد يومئذ أي يفرق الله بينكم بما اعتراكم من الهول الموجب لفرار كل ~~منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه الآية فمالكم ~~ترفضون حق الله تعالى لمراعاة حق من هذا شأنه وقرئ يفصل ويفصل مبينا ~~للمفعول ويفصل يفصل مبينا للفاعل وهو الله تعالى ونفصل ونفصل بالنون «والله ~~بما تعملون بصير» فيجازيكم به «قد كانت لكم أسوة حسنة» أي خصلة حميدة حقيقة ~~بأن يؤتسى ويقتدى بها وقوله تعالى «في إبراهيم والذين معه» أي من أصحابه ~~المؤمنين صفة ثانية لأسوة أو خبر لكان ولكم للبيان أو حال من المستكن في ~~حسنة أو صلة لها لا لأسوة عند من لا يجوز العمل بعد الوصف «إذ قالوا» ~~PageV08P236 # ظرف لخبر كان «لقومهم إنا برآء منكم» جمع برئ كظريف وظرفاء وقرئ براء ~~كظراف وبراء كرخال وبراء على الوصف بالمصدر مبالغة «ومما تعبدون من دون ~~الله» من الأصنام «كفرنا بكم» أي بدينكم أو بمعبودكم أو بكم وبه فلا نعتد ~~بشأنكم وبآلهتكم «وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا» أي هذا دأبنا ~~معكم لا نتركه «حتى تؤمنوا بالله وحده» وتتركوا ما أنتم عليه من الشرك ~~فتنقلب العداوة حينئذ ولاية والبغضاء محبة «إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ~~لك» استثناء من قوله تعالى أسوة حسنة فإن استغفاره عليه الصلاة والسلام ~~لأبيه الكافر وإن كان جائزا عقلا وشرعا لوقوعه قبل تبين أنه من أصحاب ~~الجحيم كما نطق به النص لكنه ليس مما ينبغي أن يؤتسى به أصلا إذ المراد به ~~ما يجب الائتساء به حتما لورود الوعيد على الإعراض عنه بما سيأتي من قوله ~~تعالى ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد فاستثناؤه من الأسوة إنما يفيد ~~عدم وجوب استدعاء الإيمان والمغفرة للكافر المرجو إيمانه وذلك مما لا يرتاب ~~فيه عاقل وأما عدم وأما عدم ms3175 جوازه فلا دلالة للاستثناء عليه قطعا هذا وأما ~~تعليل عدم كون استغفاره عليه الصلاة والسلام لأبيه الكافر مما ينبغي أن ~~يؤتسى به بأنه كان قبل النهى أو لموعدة وعدها إياه فبمعزل من السداد ~~بالكلية لابتنائه على تناول النهى لاستغفاره عليه الصلاة والسلام له ~~وإنبائه عن كونه مؤتسى به لو لم ينه عنه وكلاهما بين البلان لما أن مورد ~~النهى هو الاستغفار للكافر بعد تبين أمره وقد عرفت أن استغفاره عليه الصلاة ~~والسلام لأبيه كان قبل ذلك قطعا وأن ما يؤتسى به ما يجب الائتساء به لا ما ~~يجوز فعله في الجملة وتجويز أن يكون استغفاره عليه الصلاة والسلام له بعد ~~النهى كما هو المفهوم من ظاهر قوله أو لموعدة وعدها إياه مما لا مساغ له ~~وتوجيه الاستثناء إلى العدة بالاستغفار لا إلى نفس الاستغفار بقوله اغفر ~~لأبى الآية لأنها كانت هي الحاملة له عليه الصلاة والسلام على الاستغفار ~~وتخصيص هذه العدة بالذكر دون ما وقع في سورة مريم من قوله تعالى سأستغفر لك ~~ربى لورودها على طريق التوكيد القسمي وأما جعل الاستغفار دائرا عليها ~~وترتيب التبرؤ على تبين الأمر فقد مر تحقيقه في سورة التوبة وقوله تعالى ~~«وما أملك لك من الله من شيء» من تمام القول المستثنى محله النصب على أنه ~~حال من فاعل لأستغفرن لك أي أستغفر لك وليس في طاقتى إلا الاستغفار فمورد ~~الاستثناء نفس الاستغفار لا قيده الذي هو في نفسه من خصال الخير لكونه ~~إظهارا للعجز وتفويضا للأمر إلى الله تعالى وقوله تعالى «ربنا عليك توكلنا ~~وإليك أنبنا وإليك المصير» الخ من تمام ما نقل عن إبراهيم عليه السلام ومن ~~معه من الأسوة الحسنة وتقديم الجار والمجرور لقصر التوكل والإنابة والمصير ~~على الله تعالى قالوه بعد المجاهرة وقشر العصا التجاء إلى الله تعالى في ~~جميع أمورهم لا سيما في مدافعة الكفرة وكفاية شرورهم كما ينطق به قوله ~~تعالى «ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا» بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب ~~لا نطيقه «واغفر لنا» ما فرط ms3176 منا من العذاب «ربنا إنك أنت العزيز» الغالب ~~الذي لا يذل PageV08P237 # من التجأ إليه ولا يخيب رجاء من توكل عليه «الحكيم» الذي لا يفعل إلا ما ~~فيه حكمة بالغة وتكرير النداء للمبالغة في التضرع والجؤار هذا وأما جعل ~~الآيتين تلقينا للمؤمنين من جهته تعالى وأمرا لهم بأن يتوكلوا عليه وينيبوا ~~إليه ويستعيذوا به من فتنة الكفرة ويستغفروا مما فرط منهم تكملة لما وصاهم ~~به من قطع العلائق بينهم وبين الكفرة فلا يساعده النظم الكريم «لقد كان لكم ~~فيهم» أي في إبراهيم ومن معه «أسوة حسنة» تكرير للمبالغة في الحث على ~~الائتساء به عليه الصلاة والسلام ولذلك صدر بالقسم وقوله تعالى «لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر» بدل من لكم فائدته الإيذان بأن من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر لا يترك الاقتداء بهم وأن تركه من مخايل عدم الإيمان بهما كما ~~ينبئ عنه قوله تعالى «ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد» فإنه مما يوعد ~~بأمثاله الكفرة «عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم» أي من ~~أقاربكم المشركين «مودة» بأن يوافقكم في الدين وعدهم الله تعالى بذلك لما ~~رأى منهم من التصلب في الدين والتشدد لله في معاداة آبائهم وأبنائهم وسائر ~~أقربائهم ومقاطعتهم إياهم بالكلية تطيبا لقلوبهم ولقد أنجز وعده الكريم حين ~~أتاح لهم الفتح فأسلم قومهم فتم بينهم من التحاب والتصافى ما تم «والله ~~قدير» أي مبالغ في القدرة فيقدر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل ~~أسباب المودة «والله غفور رحيم» فيغفر لمن أسلم من المشركين ويرحمهم وقيل ~~غفور لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم «لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم» أي لا ~~ينهاكم عن البر بهؤلاء فإن قوله تعالى «أن تبروهم» بدل من الموصول «وتقسطوا ~~إليهم» أي تفضوا إليهم بالقسط أي العدل «إن الله يحب المقسطين» أي العادلين ~~روى أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبى بكر رضى ms3177 ~~الله عنه بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت فأمرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تدخلها وتقبل منها وتكرمها وتحسن إليها وقيل المراد ~~بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ~~ولا يعينوا عليه «إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم» وهم عتاة أهل مكة PageV08P238 # «وظاهروا على إخراجكم» وهم سائر أهلها «أن تولوهم» بدل اشتمال من الوصول ~~أي إنما ينهاكم عن تتولهم «ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون» لوضعهم الولاية ~~في موضع العداوة أو هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب «يا أيها الذين ~~آمنوا» بيان لحكم من يظهر الإيمان بعد بيان حكم فريقي الكافرين «إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات» من بين الكفار «فامتحنوهن» فاختبروهم بما يغلب على ظنكم ~~موافقة قلوبهن للسانهن في الإيمان يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يقول للتي يمتحنها بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج بالله ~~ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض بالله ما خرجت التماس دنيا بالله ما خرجت إلا ~~حبا لله ورسوله «الله أعلم بإيمانهن» لأنه المطلع على ما في قلوبهن والجملة ~~اعتراض «فإن علمتموهن» بعد الامتحان «مؤمنات» علما يمكنكم تحصيله وتبلغه ~~طاقتكم بعد اللتيا والتي من الاستدلال بالعلائم والدلائل والاستشهاد ~~بالأمارات والمخايل وهو الظن الغالب وتسميته علما للإيذان بأنه جار مجرى ~~العلم في وجوب العمل به «فلا ترجعوهن إلى الكفار» أي إلى أزواجهن الكفرة ~~لقوله تعالى «لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن» فإنه تعليل للنهي عن رجعهن ~~إليهم والتكرير إما لتأكيد الحرمة أو لأن الأول لبيان زوال النكاح الأول ~~والثاني لبيان امتناع النكاح الجديد «وآتوهم ما أنفقوا» أي وأعطوا أزواجهن ~~مثل ما دفعوا إليهن من المهور وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من جاءنا ~~منكم ورددناه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي عليه الصلاة ~~والسلام بالحديبية فأقبل زوجها مسافر المخزومي وقيل صيفي بن الراهب فقال يا ~~محمد أردد علي امرأتي فإنك ms3178 قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا فنزلت لبيان ~~أن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر رضى الله عنه «ولا جناح عليكم ~~أن تنكحوهن» فإن إسلامهن حال بينهن وبين أزواجهن الكفار «إذا آتيتموهن ~~أجورهن» شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذانا بان ما أعطى أزواجهن لا يقوم ~~مقام المهر «ولا تمسكوا بعصم الكوافر» جمع عصمة وهى ما يعتصم به من عقد ~~وسبب أي لا يكن بينكم وبين المشركات ولا علقة زوجية قال ابن عباس رضى الله ~~عنهما من كانت له امرأة كافرة بمكة ة فلا يعتدن بها من نسائه لأن اختلاف ~~الدارين قطع عصمتها منه وعن النخعي رحمه الله هي المسلمة تلحق بدار الحرب ~~فتكفر وعن مجاهد أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن وقرئ ولا تمسكوا ~~بالتشديد ولا تمسكوا بحذف إحدى PageV08P239 # التاءين من تتمسكوا «واسألوا ما أنفقتم» من مهور نسائكم للاحقات بالكفار ~~«وليسألوا ما أنفقوا» من مهور أزواجهم المهاجرات «ذلكم» الذي ذكر «حكم ~~الله» وقوله تعالى «يحكم بينكم» كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف ~~الضمير أي يحكمه الله أو جعل لكم حاكما على المبالغة «والله عليم حكيم» ~~يشرع ما تقتضيه الحكمة البالغة روى أنه لما نزلت الآية أدى المؤمنون ما ~~أمروا به من مهور المهاجرات إلى أزواجهن المشركين وأبى المشركون أن يؤدوا ~~شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فنزل قوله تعالى «وإن فاتكم» أي ~~سبقكم وانفلت منكم «شيء من أزواجكم إلى الكفار» أي أحد من أزواجكم وقد قرىء ~~كذلك وإيقاع شيء موقعه للتحقير والإشباع في التعميم أو شيء من مهور أزواجكم ~~«فعاقبتم» أي فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر شبه ما حكم به على ~~المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور ~~نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقبون في الركوب وغيره «فآتوا ~~الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا» من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ولا ms3179 ~~تؤتوه زوجها الكافر وقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى هي الغنيمة ~~فآتوا بدل الفائت من الغنيمة وقرئ فأعقبتم وفعقبتم بالتشديد وفعقبتم ~~بالتخفيف وفتح القاف وبكسرها قيل جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ~~المهاجرين ست نسوة أم الحكم بنت أبي سفيان وفاطمة بنت أمية وبروع بنت عقبة ~~وعبده بنت عبد العزى وهند بنت أبي جهل كلثوم بنت جرول «واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون» فإن الإيمان به تعالى يقتضى التقوى منه تعالى «يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك» أي مبايعات لك أي قاصدات للمبايعة نزلت ~~يوم الفتح فإنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من بيعة الرجال شرع في بيعة ~~النساء «على أن لا يشركن بالله شيئا» أي شيئا من الأشياء أو شيئا من ~~الإشراك «ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن» أريد به وأد البنات وقرئ ~~ولا يقتلن بالتشديد «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن» كانت ~~المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدى منك كنى عنه بالبهتان المفترى ~~بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه بين يديها ومخرجه بين رجليها ~~«ولا يعصينك في معروف» اى فيما تأمرهن به من معروف وتنهاهن عنه من منكر ~~والتقييد بالمعروف مع أن الرسول صلى الله عله وسلم لا يأمر إلا به للتنبيه ~~على انه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق PageV08P240 # وتخصيص الأمر المعدودة بالذكر في حقهن لكثرة وقوعها فيما بينهن مع اختصاص ~~بعضها بهن «فبايعهن» اى على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره وظهور أصالته في ~~المبايعة من الصلاة والزكاة وسائر أركان الدين وشعائر الإسلام وتقييد ~~مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن لحثهن على المسارعة إليها مع كمال الرغبة فيها ~~من غير دعوة لهن إليها «واستغفر لهن الله» زيادة على ما في ضمن المبايعة ~~فإنها عبارة عن ضمان الثواب من قبله عليه الصلاة والسلام بمقابله الوفاء ~~بالأمور المذكورة من قبلهن «إن الله غفور رحيم» أي مبالغ في المغفرة ~~والرحمة فيغفر لهن ويرحمهن إذا وفين بما بايعن عليه واختلف ms3180 في كيفية ~~مبايعته عليه الصلاة والسلام لهن يومئذ فروى أنه عليه الصلاة والسلام لما ~~فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر رضى الله عنه أسفل منه فجعل ~~عليه الصلاة والسلام يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن وروى أنه كلف امرأة ~~وقفت على الصفا فبايعتهن وقيل دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثم غمسن أيديهن ~~وروى أنه علية الصلاة والسلام بايعهن وبين يديه وأيديهن ثوب قطري والأظهر ~~الأشهر ما قالت عائشة رضى الله عنها والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على النساء قط إلا بما أمر الله تعالى وما مست كف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كف امرأة قط وكان يقول إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلاما وكان ~~المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن يقول الله عز ~~وجل يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات إلى آخر الآية فإذا أقررن بذلك من ~~قولهن قال لهن انطلقن فقد بايعتكن «يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب ~~الله عليهم» هم عامة الكفرة وقيل اليهود لما روى أنها نزلت في بعض فقراء ~~المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم «قد يئسوا من الآخرة» ~~لكفرهم بها أو لعلهم بأنه لا خلاق لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في ~~التوراة المجيد بالآيات «كما يئس الكفار من أصحاب القبور» اى كما يئس منها ~~الذين ماتوا منهم لأنهم وقفوا على حقيقة الحال وشاهدوا حرمانهم من نعيمها ~~المقيم وابتلاءهم بعذابها الأليم والمراد وصفهم بكمال اليأس منها وقيل ~~المعنى كما يئسوا من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا إلى الدنيا أحياء والإظهار ~~في موقع الإضمار للإشعار بعلة بأسهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة PageV08P241 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم» الكلام فيه كالذي مر في نظيره «يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون» روى أن المسلمين قالوا لو علمنا أحب ms3181 الأعمال إلى الله ~~تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فلما نزل الجهاد كرهوه فنزلت وما قيل من ~~ان النازل قوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا بين الاختلال ~~وروى أنهم قالوا يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لسارعنا ~~إليه فنزلت هل أدلكم على تجارة إلى قوله تعالى وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم فولوا يوم أحد وفيه التزام أن ترتيب الآيات الكريمة ليس ~~على ترتيب النزول وقيل لما أخبر الله تعالى بثواب شهداء بدر قالت الصحابة ~~اللهم أشهد لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فنزلت وقيل ~~إنها نزلت فيمن يمتدح كاذبا حيث كان الرجل يقول قتلت ولم يقتل ولم يطعن ~~وهكذا وقيل كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر ونكى فيهم فقتله صهيب وانتحل ~~قتله آخر فنزلت في المنتحل وقيل نزلت في المنافقين ونداؤهم بالإيمان تهكم ~~وبإيمانهم وليس بذلك كما ستعرفه ولم مركبة من اللام الجارة وما الاستفهامية ~~قد حذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها معا كما في عم وفيما نظائرهما معناها ~~لأي شيء تقولون نفعل مالا تفعلون من الخير والمعروف على أن مدار التعبير ~~والتوبيخ في الحقيقة عدم فعلهم وإنما وجها إلى قولهم تنبيها على تضاعف ~~معصيتهم ببيان ان المنكر ترك وليس ترك الخير الموعود فقط بل الوعد به أيضا ~~وقد كانوا يحسبونه معروفا ولو قيل لم لا تفعلوا ما تقولون لفهم منه ان ~~المنكر هو ترك الموعود «كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» بيان ~~لغاية قبح ما فعلوه وفرط سماجته وكبر من باب نعم وبئس فيه ضمير مبهم مفسر ~~بالنكرة بعده وأن تقولوا هو المخصوص بالذم وقيل قصد فيه التعجب من غير لفظه ~~وأسند إلى أن تقولوا ونصب مقتا على تفسيره دلالة على أن قولهم مالا يفعلون ~~مقت خالص لا شوب فيه كبر عند من يحقر دونه كل عظيم PageV08P242 # وقوله تعالى «إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا» بيان لما هو مرضى ~~عنده تعالى بعد بيان ms3182 ما هو ممقوت عنده وهذا صريح في أن ما قالوه عبارة عن ~~الوعد بالقتال لا عما تقوله المتمدح أو انتحله المنتحل أو أعاده المنافق ~~وأن مناط التعبير والتوبيخ هو إخلافهم لا وعدهم كما أشير إليه وقرئ يقاتلون ~~بفتح التاء ويقاتلون وصفا مصدر وقع موقع الفاعل أو المفعول نصبه على ~~الحالية من فاعل يقاتلون أي صافين أنفسهم أو مصفوفين وقوله تعالى «كأنهم ~~بنيان مرصوص» حال من المستكن في حال الأولى أي مشبهين في تراصهم من غير ~~فرجة وخلل ببنيان رص بعضه إلى بعض ورصف حتى صار شيئا واحدا وقوله تعالى ~~«وإذ قال موسى لقومه» كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال وإذ ~~منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام بطريق ~~التلوين أي واذكر لهؤلاء المعرضين عن القتال وقت قول موسى لبني إسرائيل حين ~~ندبهم إلى قتال الجبابرة بقوله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسربن فلم يمتثلوا بأمره وعصوه أشد ~~عصيان حيث قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون إلى قوله تعالى فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا ههنا قاعدون وأصروا على ذلك وآذوه عليه الصلاة والسلام كل الأذية «يا ~~قوم لم تؤذونني» اى بالمخالفة والعصيان فيما أمرتكم به وقوله تعالى «وقد ~~تعلمون أني رسول الله إليكم» جملة حالية مؤكدة لانكار الإيذاء ونفى سببه ~~وقد لتحقيق العلم وصيغة المضارع للدلالة على استمراره أي والحال أنكم ~~تعلمون علما قطعيا مستمرا بمشاهدة ما ظهر بيدي من المعجزات القاهرة التي ~~معظمها إهلاك عدوكم وإنجاؤكم من ملكته أنى رسول الله إليكم لأرشدكم إلى خير ~~الدنيا والآخرة ومن قضية علمكم بذلك أن تبالغوا في تعاظيمى وتسارعوا إلى ~~طاعتي «فلما زاغوا» أي أصروا على الزيغ عن الحق الذي جاء به موسى عليه ~~السلام واستمروا عليه «أزاغ الله قلوبهم» أي صرفها عن قبول الحق والميل إلى ~~الصواب لصرف اختيارهم نحو الغى والضلال وقوله تعالى «والله ms3183 لا يهدي القوم ~~الفاسقين» اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله من الإزاغة ومؤذن بعلته أي لا ~~يهدى القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق المصرين على الغواية هداية ~~موصلة إلى ما يوصل إليها فإنها شاملة للكل والمراد بهم إما المذكورون خاصة ~~والإظهار في موقع الإضمار لذمهم بالفسق وتعليل عدم الهدية به أو جنس ~~الفاسقين وهم داخلون ف حكمه دخولا أوليا وأيا ما كان فوصفهم بالفسق ناظر ~~إلى ما في قوله تعالى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين هذا هو الذي تقتضيه ~~جزالة النظم PageV08P243 # الكريم ويرتضيه الذوق السليم وأما ما قيل بصدد بيان أسباب الأذية من انهم ~~كانوا يؤذونه عليه الصلاة والسلام بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه ~~وجحود آياته وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه وعبادتهم البقر وطلبهم رؤية ~~الله جهرة والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه فمما لا تعلق له بالمقام ~~وقوله تعالى «وإذ قال عيسى ابن مريم» إما معطوف على إذ الأولى معمول ~~لعاملها وإما معمول لمضمر معطوف على عاملها «يا بني إسرائيل» ناداهم بذلك ~~استمالة لقلوبهم إلى تصديقه في قوله «إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة» فإن تصديقه عيه الصلاة والسلام إياها من أقوى الدواعي إلى ~~تصديقهم إياه وقوله تعالى «ومبشرا برسول يأتي من بعدي» معطوف على مصدقا داع ~~إلى تصديقه عليه الصلاة والسلام مثله من حيث إن البشارة به واقعة في ~~التوراة والعامل فيهما ما في الرسول من معنى الإرسال لا الجار فإنه صلة ~~للرسول والصلات بمعزل من تضمن معنى الفعل وعليه يدور العمل أي أرسلت إليكم ~~حال كونى مصدقا لما تقدمني من التوراة ومبشرا بمن يأتي من بعدى من رسول ~~«اسمه أحمد» أي محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن ديني التصديق بكتب الله ~~وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر وقرئ من بعدى بفتح الياء «فلما جاءهم ~~بالبينات» أي بالمعجزات الظاهرة «قالوا هذا سحر مبين» مشيرين إلى ما جاء به ~~أو إليه عليه الصلاة والسلام وتسميته سحرا للمبالغة ويؤيده قراءة من قرأ ~~هذا ms3184 ساحر «ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام» أي أي ~~الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى الاسلام الذي ويوصله إلى سعادة الدارين فيضع ~~موضع الإجابة الافتراء على الله عز وجل بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده ~~إلى الحق هذا سحر أي هو أظلم من كل ظالم وإن لم يتعرض ظاهر الكلام لنفى ~~المساوى وقد مر بيانه غير مرة وقرئ يدعى يقال دعاه وادعاه مثل لمسه والتمسه ~~«والله لا يهدي القوم الظالمين» أي لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم لعدم ~~توجههم إليه «يريدون ليطفئوا نور الله» أي يريدون أن يطفئوا دينه أو كتابه ~~أو حجته النيرة واللام مزيدة لما فيها من معنى الإرادة تأكيدا لها كما زيدت ~~لما فيها من معنى الإضافة تأكيدا لها في لا أبالك أو يريدون لافتراء ~~ليطفئوا نور الله «بأفواههم» بطعنهم فيه مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور ~~الشمس بفيه ليطفئه «والله متم نوره» أي مبلغه إلى غايته بنشره في الآفاق ~~وإعلائه وقرئ متم نوره بلا إضافة «ولو كره الكافرون» أي إرغاما PageV08P244 # لهم والجملة في حيز الحال على ما بين مرارا «هو الذي أرسل رسوله بالهدى» ~~بالقرآن أو بالمعجزة «ودين الحق» والملة الحنيفة «ليظهره على الدين كله» ~~ليعليه على جميع الأديان المخالفة له ولقد أنجز الله عز وجل وعلا وعده حيث ~~جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام «ولو ~~كره المشركون» ذلك وقرئ هو الذي أرسل نبيه «يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم» وقرئ تنجيكم بالتشديد وقوله تعالى «تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم» استئناف وقع جوابا ~~عما نشأ مما قبله كأنهم قالوا كيف نعمل أو ماذا نصنع فقيل تؤمنون بالله الخ ~~وهو خبر في معنى الأمر جئ للإيذان بوجوب الامتثال فكان فقد وقع فأخبر ~~بوقوعه ويؤيده قراءة من قرأ آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا وقرئ تؤمنوا ~~وتجاهدوا على إضمار لام الأمر «ذلكم» إشارة إلى ما ذكر من ms3185 الإيمان والجهاد ~~بقسميه وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة «خير لكم» على الإطلاق أو من ~~أموالكم أو أنفسكم «إن كنتم تعلمون» أي إن كنتم من أهل العلم فإن الجهلة لا ~~يعتد بأفعالهم أو إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ لأنكم إذا ~~علمتم ذلك واعتفدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق مال تحبون أنفسكم ~~وأموالكم فتخلصون وتفلحون «يغفر لكم ذنوبكم» جواب للأمر المدلول عليه بلفظ ~~الخبر أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره إن تؤمنوا وتجاهدوا أو هل ~~تقبلون أن أدلكم يغفر لكم وجعله جوابا لهل أدلكم بعيد لأن مجرد الدلالة لا ~~يوجب المغفرة «ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ~~ذلك» أي ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنات الموصوفة بما ذكر من الأوصاف ~~الجليل «الفوز العظيم» الذي لا فوز وراءه «وأخرى» ولكم إلى هذه النعم ~~العظيمة نعمة أخرى عاجلة «تحبونها» وترغبون فيه وفيه تعريض بأنهم يؤثرون ~~العاجل على الآجل وقيل أخرى منصوبة بإضمار يعطكم أو تحبون أو مبتدأ خبره ~~«نصر من الله» وهو على الأول بدل أو بيان وعلى تقدير النصب خبر مبتدأ محذوف ~~«وفتح قريب» أي عاجل عطف على PageV08P245 # نصر على الوجوه المذكورة وقرئ نصرا وفتحا قريبا على الاختصاص أو على ~~المصدر أي تنصرون نصرا ويفتح لكم فتحا أو على البدلية من أخرى على تقدير ~~نصبها أي يعطكم نعمة أخرى نصرا وفتحا «وبشر المؤمنين» عطف على محذوف مثل قل ~~يا أيها الذين وبشر أو على تؤمنون فإنه في معنى آمنوا كأنه قيل آمنوا ~~وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا أيها الرسول بما وعدتهم على ذلك عاجلا ~~وآجلا «يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله» وقرئ أنصار الله بلا إضافة ~~لأن المعنى كونوا بعض أنصار الله وقرئ كونوا أنتم أنصار الله «كما قال عيسى ~~ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله» أي من جندي متوجها إلى الله كما ~~يقتضه قوله تعالى «قال الحواريون نحن أنصار الله» والإضافة الأولى أضافة ~~أحد المتشاركين ms3186 إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص والثانية إضافة الفاعل ~~إلى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى أي كونوا أنصار الله كما كان ~~الحواريون أنصاره حين قال لهم عيسى من أنصارى إلى الله أو قل لهم كونوا كما ~~قال عيسى للحواريين والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا إثنى عشر ~~رجلا «فآمنت طائفة من بني إسرائيل» أي بعيسى وأطاعوه فيما أمرهم من نصرة ~~الدين «وكفرت طائفة» أخرى به وقاتلوهم «فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم» أي ~~قويناهم بالحجة أو بالسيف وذلك بعد رفع عيسى عليه السلام «فأصبحوا ظاهرين» ~~غالبين عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه ~~مستغفرا له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه PageV08P246 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض» تسبيحا ~~مستمرا «الملك القدوس العزيز الحكيم» وقد قرىء الصفات الأربع بالرفع على ~~المدح «هو الذي بعث في الأميين» اى في العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا ~~يقرءون قيل بدئت الكتابة بالطائف أخذوها من أهل الحيرة وهم من أهل الأنبار ~~«رسولا منهم» أي كائنا من جملتهم أميا مثلهم «يتلو عليهم آياته» مع كونه ~~أميا مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم «ويزكيهم» صفة أخرى لرسولا معطوفة ~~على يتلو اى يحملهم على ما يصيرون به أزكياء من خبائث العقائد والأعمال ~~«ويعلمهم الكتاب والحكمة» صفة أخرى لرسولا مترتبة في الوجود على التلاوة ~~وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب قوتها العملية ~~وتهذيبها المتفرغ وعلى تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب ~~على التلاوة للإيذان بان كلا من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها ~~مستوجبة للشكر فلو روعى ترتيب الوجود لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة ~~كما مر في سورة البقرة وهو السر في التعبير عن القرآن تارة بالآيات وأخرى ~~بالكتاب والحكمة رمزا إلى انه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة ولا يقدح فيه ~~شمول الحكمة لما في تضاعيف الأحاديث النبوية من الأحكام والشرائع «وإن ~~كانوا من ms3187 قبل لفي ضلال مبين» من الشرك وخبث الجاهلية وهو بيان لشدة ~~افتقارهم إلى من يرشدهم وإزاحة لما عسى يتوهم من تعلمه علية الصلاة والسلام ~~من الغير وإن هي المخففة واللام في الفارقة «وآخرين منهم» عطف على الأميين ~~أو على المنصوب في يعلمهم ويعلم آخرين منهم أي من الأميين وهم الذين جاءوا ~~بعد الصحابة إلى يوم الدين فإن دعوته عليه الصلاة والسلام وتعليمه يعمم ~~الجميع «لما يلحقوا بهم» صفة لآخرين أي لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون «وهو ~~العزيز الحكيم» المبالغ في العزة والحكمة ولذلك مكن رجلا أميا من ذلك الأمر ~~PageV08P247 # العظيم واصطفاه من بين كافة البشر «ذلك» الذي امتاز به من بين سائر ~~الأفراد «فضل الله» وإحسانه «يؤتيه من يشاء» تفضيلا وعطية «والله ذو الفضل ~~العظيم» الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا ونعيم الآخرة «مثل الذين حملوا ~~التوراة» أي علموها وكلفوا العمل بها «ثم لم يحملوها» أي لم يعملوا بما في ~~تضاعيفها من الآيات التي من جملتها الآيات الناطقة بنبوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «كمثل الحمار يحمل أسفارا» أي كتبا من العلم يتعب بحملها ~~ولا ينتفع بها ويحمل إما حال والعامل فيها معنى المثل أو صفة للحمار إذ ليس ~~المراد به معينا فهو في حكم النكرة كما في قول من قال * ولقد أمر على ~~اللئيم يسبني * «بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله» أي بئس مثلا مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله على أن التمييز محذوف والفاعل المفسر به ~~مستتر ومثل القوم هو المخصوص بالذم والموصول صفة للقوم أو بئس مثل القوم ~~مثل الذين كذبوا الخ على أن مثل القوم فاعل بئس والمخصوص بالذم محذوف وهم ~~اليهود الذين كذبوا بما في التوراة من الآيات الشاهدة بصحة نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم «والله لا يهدي القوم الظالمين» الواضعين للتكذيب في موضع ~~التصديق أو الظالمين لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد «قل يا أيها الذين ~~هادوا» أي تهودوا «إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس» كانوا يقولون ~~نحن أبناء الله وأحباؤه ويدعون ms3188 أن الدار الآخرة لهم عند الله خالصة ويقولون ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول ~~لهم إظهارا لكذبهم إن زعمتم ذلك «فتمنوا الموت» أي فتمنوا من الله أن ~~يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى دار الكرامة «إن كنتم صادقين» جوابه ~~محذوف لدلالة ما قبله عليه إن كنتم صادقين في زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا ~~الموت فإن من أيقن بأنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي ~~هي قرارة الأكدار «ولا يتمنونه أبدا» إخبار بما سيكون منهم والبناء في قوله ~~تعالى «بما قدمت أيديهم» متعلقة بما يدل عليه النفي أي يأبون التمني بسبب ~~ما عملوا من الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار ولما كانت اليد من بين ~~جوارح الإنسان مناط عامة أفاعيله عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة ~~«والله عليم بالظالمين» أي بهم وإيثار الإظهار على الإظهار PageV08P248 # لذمهم والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون وما يذرون من الأمور ~~التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل والجملة تذييل لما قبلها مقررة ~~لمضمونه أي عليم بهم وبما صدر عنهم من فنون الظلم والمعاصي المفضية إلى ~~أفانين العذاب وبما سيكون منهم من الاحتراز عما يؤدي إلى ذلك فوقع الأمر ~~كما ذكر فلم يتمن منهم موته أحد كما يعرب عنه قوله تعالى «قل إن الموت الذي ~~تفرون منه» فإن ذلك إنما يقال لهم بعد ظهور فرارهم من التمني وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام لو تمنوا لما توا من ساعتهم وهذه إحدى المعجزات أي إن الموت ~~الذي تفرون منه ولا تجسرون على ان تتمنوه مخافة ان تؤخذوا بوبال كفركم ~~«فإنه ملاقيكم» البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والفاء لتضمن الاسم ~~معنى الشرط باعتبار الوصف وقرئ بدونها وقرئ تفرون منه ملاقيكم «ثم تردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة» الذي لا تخفى عليه خافية «فينبئكم بما كنتم ~~تعملون» من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ms3189 ~~للصلاة» أي فعل النداء لها أي أذن لها «من يوم الجمعة» بيان لإذا وتفسير ~~لها وقيل من بمعنى في كما في قوله تعالى أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في ~~الأرض وإنما سمى جمعة لاجتماع الناس منه للصلاة وقيل أول من سماها جمعة كعب ~~بن لؤي وكانت العرب تسميه العروبة وقيل إن الأنصار قالوا قبل الهجرة لليهود ~~يوم يجتمعون فيه بكل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوما ~~نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد ~~للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين ~~وذكر هم فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه فأنزل الله آية الجمعة فهي أول ~~جمعة كانت في الإسلام وأما أول جمعه جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو أنه لما قدم مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف وأقام بها يوم ~~الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة عامدا ~~المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادلهم فحطب وصلى ~~الجمعة «فاسعوا إلى ذكر الله» أي امشوا واقصدوا إلى الخطبة والصلاة «وذروا ~~البيع» واتركوا المعاملة «ذلكم» أي السعي إلى ذكر الله وترك البيع «خير ~~لكم» من مباشرته فإن نفع الآخرة أجل وأبقى «إن كنتم تعلمون» أي الخبر والشر ~~الحقيقيين أو إن كنتم أهل العلم «فإذا قضيت الصلاة» PageV08P249 # أي أديت وفرغ منها «فانتشروا في الأرض» لإقامة مصالحكم «وابتغوا من فضل ~~الله» أي الربح فالأمر للإطلاق بعد الحظر وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم ~~يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ ~~في الله وعن الحسن وسعيد بن المسيب طلب العلم وقيل صلاة التطوع «واذكروا ~~الله كثيرا» ذكرا كثيرا أو زمانا كثيرا ولا تخصوا ذكره تعالى بالصلاة ~~«لعلكم تفلحون» كي تفوزوا بخير الدارين «وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها» روى أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة ~~بتجارة من زيت ms3190 الشام والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة فقاموا ~~إليه خشية أن يسبقوا إليه فما بقي معه عليه الصلاة والسلام إلا ثمانية وقيل ~~أحد عشر وقيل إثنا عشر وقيل أربعون فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفس ~~محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا وكانوا إذا أقبلت ~~العير استقبلوها بالطبل والتصفيق وهو المراد باللهو وتخصيص التجارة برجع ~~الضمير لأنه المقصودة أو لأن الإنفضاض للتجارة مع الحاجة إليها والانتفاع ~~بها إذا كان مذموما فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو المذموم في نفسه وقيل ~~تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا أنفضوا إليه فحذف الثاني ~~لدلالة الأول عليه وقرئ إليهما «وتركوك قائما» أي على المنبر «قل ما عند ~~الله» من الثواب «خير من اللهو ومن التجارة» فإن ذلك نفع محقق مخلد بخلاف ~~ما فيهما من النفع المتوهم «والله خير الرازقين» فإليه اسعوا ومنه اطلبوا ~~الرزق عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الجمعة أعطى من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين PageV08P250 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «إذا جاءك المنافقون» أي حضروا مجلسك «قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله» مؤكدين كلامهم بان واللام للإيذان بأن شهادتهم هذه ~~صادرة عن صميم قلوبهم وخلوص اعتقادهم ووفور رغبتهم ونشاطهم وقوله تعالى ~~«والله يعلم إنك لرسوله» اعتراض مقرر لمنطوق كلامهم وسط بينه وبين قوله ~~تعالى «والله يشهد إن المنافقين لكاذبون» تحقيقا وتعيينا لما نيط به ~~التكذيب من أنهم قالوه عن اعتقاد كما أشير إليه وإماطة من أول الأمر لما ~~عسى يتوهم من توجه التكذيب إلى منطوق كلامهم أي والله يشهد إنهم لكاذبون ~~فيما ضمنوا مقالتهم من أنها صادرة عن اعتقاد وطمأنينة قلب وا لإظهار في ~~موقع الاضمار لذمهم والإشعار بعلة الحكم «اتخذوا أيمانهم» الفاجرة التي من ~~جملتها ما حكى عنهم «جنة» أي وقاية عما يتوجه إليهم من مؤاخذة بالقتل ~~والسبي أو غير ذلك واتخاذها جنة عبارة عن أعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت ~~الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا عن ms3191 المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك ~~متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل ~~المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يفصح عنه الفاء في قوله تعالى «فصدوا عن سبيل ~~الله» أي فصدوا من أراد الدخول في الإسلام بأنه عليه الصلاة والسلام ليس ~~برسول ومن أراد الإنفاق في سبيل الله بالنهى عنه كما سيحكى عنهم ولا ريب في ~~أن هذا الصد منهم متقدم على حلفهم بالفعل وقرئ إيمانهم أي ما ظهوره على ~~ألسنتهم فاتخاذه جنة عبارة عن استعماله بالفعل فإنه وقاية دون دمائهم ~~وأموالهم فمعنى قوله تعالى فصدوا حينئذ فاستمروا على ما كانوا عليه من الصد ~~والإعراض عن سبيله تعالى «إنهم ساء ما كانوا يعملون» من النفاق والصد وفي ~~ساء معنى التعجب وتعظيم أمرهم عند السامعين «ذلك» ذلك إشارة إلى ما تقدم من ~~القول PageV08P251 # الناعي عليهم أنهم أسوأ الناس أعمالا أو إلى ما وصف حالهم في النفاق ~~والكذب والاستتار بالإيمان الصوري وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~المشار إليه لما مر مرارا من الإشعار ببعد منزلته في الشر «بأنهم» أي بسبب ~~أنهم «آمنوا» أي نطقوا بكلمة الشهادة كسائر من يدخل في الإسلام «ثم كفروا» ~~أي ظهر كفرهم بما شوهد منهم من شواهد الكفر ودلائله أو نطقوا بالإيمان عند ~~المؤمنين ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم «فطبع على قلوبهم» حتى تمرنوا على ~~الكفر واطمأنوا به وقرئ على البناء للفاعل وقرئ فطبع الله «فهم لا يفقهون» ~~حقيقة الإيمان ولا يعرفون حقيقته أصلا «وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم» ~~لضخامتها ويروقك منظرهم لصباحة وجوههم «وإن يقولوا تسمع لقولهم» لفصاحتهم ~~وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم وكان ابن أبي جسيما فصيحا يحضر مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أمثاله وهم رؤساء المدينة وكان عليه ~~الصلاة والسلام ومن معه يعجبون بها كلهم ويسمعون إلى كلامهم وقيل الخطاب ~~لكل أحد ممن يصلح للخطاب ويؤيده قراءة يسمع على البناء للمفعول وقوله تعالى ~~«كأنهم خشب مسندة» في حيز الرفع على انه خبر مبتدأ ms3192 محذوف أو كلام مستأنف لا ~~محل له شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين ~~فيها بخشب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم والخير ~~وقرئ خشب على انه جمع خشبة كبدن جمع بدنة وقيل هو جمع خشباء وهي الخشبة ~~التي دعر جوفها أي فسد شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم وقرئ خشب كمدرة ~~ومدر «يحسبون كل صيحة عليهم» أي واقعة عليهم ضارة لهم لجبنهم واستقرار ~~الرعب في قلوبهم وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ~~ويبيح دماءهم وأموالهم «هم العدو» أي هم الكاملون في العداوة والراسخون ~~فيها فإن أعدى الأعادى العدو المكاشر الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوى ~~والجملة مستأنفة وجعلها مفعولا ثانيا للحسبان مما لا يساعده النظم الكريم ~~أصلا فإن الفاء في قوله تعالى «فاحذرهم» لترتيب الأمر بالحذر على كونهم ~~أعدى الأعداء «قاتلهم الله» دعاء عليهم وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم ~~ويخزيهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك وقوله تعلى «أنى يؤفكون» ~~تعجيب من حالهم أي كيف يصرفون عن الحق إلى ما هم عليه من الكفر الضلال ~~«وإذا قيل لهم» عند ظهور جنايتهم بطريق النصيحة «تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رؤوسهم» أي عطفوها استكبارا «ورأيتهم يصدون» يعرضون عن القائل أو ~~عن الاستغفار «وهم مستكبرون» PageV08P252 # عن ذلك «سواء عليهم استغفرت لهم» كما إذا جاءوك معتذرين من جناياتهم وقرئ ~~استغفرت بحذف حرف الاستفهام ثقة بدلالة أم عليه وقرئ آستغفرت بإشباع همزة ~~الاستفهام لا بقلب همزة الوصل ألفا «أم لم تستغفر لهم» كما إذا أصروا على ~~قبائحهم واستكبروا عن الاعتذار والاستغفار «لن يغفر الله لهم» ابدا ~~لإصرارهم على الفسق ورسوخهم في الكفر «إن الله لا يهدي القوم الفاسقين» ~~الكاملين في الفسق الخارجين عن دائرة الاستصلاح المنهمكين في الكفر والنفاق ~~والمراد إما هم بأعيانهم والأظهار في موقع الإضمار لبيان غلوهم في الفسق أو ~~الجنس وهم داخلون في زمرتهم دخولا أوليا وقوله تعالى «هم الذين يقولون» أي ~~للأنصار ms3193 «لا تنفقوا على من عند رسول الله» صلى الله عليه وسلم «حتى ينفضوا» ~~يعنون فقراء المهاجرين استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم أو لعدم مغفرته ~~تعالى لهم وقرئ حتى ينفضوا من انفض القوم إذا فنيت أزوادهم وحقيقته حان لهم ~~ان ينفضوا مزاودهم وقوله تعالى «ولله خزائن السماوات والأرض» رد وإبطال لما ~~زعموا من أن عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه ~~وسلم ببيان ان خزائن الأرزان بيد الله تعالى خاصة يعطى من يشاء ويمنع من ~~يشاء «ولكن المنافقين لا يفقهون» ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشئونه ولذلك ~~يقولون من مقالات الكفر ما يقولون «يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل» روى أن جهجاه بن سعيد أجير عمر رضى الله عنه نازع سنانا ~~الجهني حليف ابن أبى واقتتلا فصرخ جهجاه ياللمهاجرين وسنان بالأنصار فاعان ~~جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنان فاشتكى إلى اين أبى فقال للأنصار ~~لا تنفقوا الخ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الذل عنى ~~بالأعز نفسه وبالأذل جانب المؤمنين وإسناد القول المذكور إلى المنافقين ~~لرضاهم به فرد عليهم ذلك بقوله تعالى «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» أي ~~ولله الغالبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين لا لغيرهم «ولكن ~~المنافقين لا يعلمون» من فرط جهلهم وغرورهم فيهذون ما يهذون روى أن عبد ~~الله بن أبى لما أراد أن يدخل المدينة اعترضه ابنه عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي وكان مخلصا وقال لئن لم تقر لله ولرسوله بالعز لأضربهم عنقك فلما ~~PageV08P253 # رأى منه الجد قال أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لابنه جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا «يا أيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله» أي لا يشغلكم الاهتمام ~~بتدبير أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكره عز وجل من ~~الصلاة وسائر العبادات المذكورة للمعبود والمراد نهيهم عن التلهي بها ~~وتوجيه النهي إليها للمبالغة كما في قوله تعالى ولا يجرمنكم ms3194 شنآن قوم الخ ~~«ومن يفعل ذلك» أي التلهي بالدنيا من الدين «فأولئك هم الخاسرون» اى ~~الكاملون في الخسران حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني «وأنفقوا من ~~ما رزقناكم» أي بعض ما أعطيناكم تفضلا من غير أن يكون حصوله من جهتكم ~~ادخارا للآخرة «من قبل أن يأتي أحدكم الموت» بأن يشاهد دلائله ويعاين ~~أماراته ومخايله وتقديم المفعول على الفاعل لما مر مرارا من الاهتمام بما ~~قدم والتشويق إلى ما أخر «فيقول» عند تيقنه بحلوله «رب لولا أخرتني» أي ~~أمهلتني «إلى أجل قريب» أي أمد قصير «فأصدق» بالنصب على جواب التمني وقرئ ~~فأتصدق «وأكن من الصالحين» بالجزم عطفا على محل فأصدق كأنه قيل إن أخرتني ~~أصدق وأكن وقرئ وأكون بالنصب عطفا على لفظه وقرئ وأكون بالرفع أي وأنا أكون ~~عدة منه بالصلاح «ولن يؤخر الله نفسا» أي ولن يمهلها «إذا جاء أجلها» أي ~~آخر عمرها أو انتهى إن أريد بالأجل الزمان الممتد من أول العمر إلى آخره ~~«والله خبير بما تعملون» فمجاز لكم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر فسارعوا ~~في الخيرات واستعدوا لما هو آت وقرئ يعملون بالياء التحتانية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من قرأ سورة المنافقين برى من النفاق PageV08P254 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض» أي ~~ينزهه سبحانه جميع ما فيهما من المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه تنزيها ~~مستمرا «له الملك وله الحمد» لا لغيره وإذ هو المبدىء لكل شئ وهو القائم به ~~والمهيمن عليه وهو المولى لأصول النعم وفروعها وأما ملك غيره فاسترعاء من ~~جنابه وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده «وهو على كل شيء قدير» ~~لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل سواء «هو الذي خلقكم» خلقا بديعا ~~حاويا لجميع مبادئ الكمالات العلمية والعملية ومع ذلك «فمنكم كافر» اى ~~فبعضكم أو فبعض منكم مختار للكفر كاسب له على خلاف ما تستدعيه خلقته «ومنكم ~~مؤمن» مختار للإيمان كاسب له حسبما تقتضيه خلقته وكان الواجب عليكم جميعا ms3195 ~~أن تكونوا مختارين للإيمان شاكرين لنعمة الخلق والإيجاد وما يتفرع عليها من ~~سائر النعم فما فعلتم ذلك مع تمام تمكنكم منه بل تشعبتم شعبا وتفرقتم فرقا ~~وتقديم الكفر لأنه الأغلب فيما بينهم والأنسب بمقام التوبيخ وحمله على معنى ~~فمنكم كافر مقدرة كفره موجه اليه ما يحمله عليه ومنكم مؤمن مقدر إيمانه ~~موفق لما يدعوه إليه مما لا يلائم المقام «والله بما تعملون بصير» فيجازيكم ~~بذلك فاختاروا منه ما يجديكم من الإيمان والطاعة وإياكم وما يرديكم من ~~الكفر والعصيان «خلق السماوات والأرض بالحق» بالحكمة البالغة المتضمنة ~~للمصالح الدينية والدنيوية «وصوركم فأحسن صوركم» حيث يراكم في أحسن تصوير ~~وأودع فيكم من القوى والمشاعر الظاهرة والباطنة ما نيط بها عن الكمالات ~~البارزة والكامنة وزينكم بصفوة صفات مصنوعاته وخصكم بخلاصة خصائص مبدعاته ~~وجعلكم أنموذج جميع مخلوقاته في هذه النشأة «وإليه المصير» في النشأة ~~الأخرى لا إلى غيره استلالا أو اشتراكا فأحسنوا سرائركم باستعمال تلك القوى ~~والمشاعر فيا خلقن له «يعلم ما في السماوات والأرض» من الأمور الكلية ~~والجزئية والأحوال الجلية والخفية PageV08P255 # «ويعلم ما تسرون وما تعلنون» أي ما تسرونه فيما بينكم وما تظهرونه من ~~الأمور والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لأنه الذي يدور عليه الجزاء ففيه ~~تأكيد للوعد والوعيد وتشديد لهما وقوله تعالى «والله عليم بذات الصدور» ~~اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من شمول علمه تعالى لسرهم وعلنهم أي هو محيط ~~بجميع المضمرات المستكنة في صدور الناس بحيث لا تفارقها أصلا فكيف يخفى ~~عليه ما يسرونه وما يعلنونه وإظهار الجلالة للإشعار بعلة الحكم وتأكيدا ~~استقلال الجملة قيل وتقديم تقرير القدرة على تقرير العلم لأن دلالة ~~المخلوقات على قدرته بالذات وعلى علمه بما فيه من الإتقان والاختصاص ببعض ~~الأنحاء «ألم يأتكم» أيها الكفرة «نبأ الذين كفروا من قبل» كقوم نوح ومن ~~بعدهم من الأمم المصرة على الكفر «فذاقوا وبال أمرهم» عطف على كفروا ~~والوبال الثقل والشدة المترتبة على امر من الأمور وأمرهم كفرهم عبر عنه ~~بذلك للإيذان بأنه أمر هائل وجناية عظيمة أي ألم ms3196 يأتكم خبر الذين كفروا من ~~قبل فذاقوا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم في الدنيا «ولهم» في الآخرة «عذاب ~~أليم» لا يقادر قدره «ذلك» أي ما ذكر من العذاب الذي ذاقوه في الدنيا وما ~~سيذوقونه في الآخرة «بأنه» بسبب أن الشأن «كانت تأتيهم رسلهم بالبينات» أي ~~بالمعجزات الظاهرة «فقالوا» عطف على كانت «أبشر يهدوننا» أي قال كل قوم من ~~المذكورين في حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس ~~البشر متعجبين من ذلك ابشر يهدينا كما قالت ثمود أبشرا منا واحدا نتبعه وقد ~~أجمل في الحكاية فأسند القول إلى جميع الأقوام وأريد بالبشر الجنس فوصف ~~بالجمع كما أجمل الخطاب والأمر في قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا «فكفروا» اى بالرسل «وتولوا» عن التدبر فيما أتوا به ~~من البينات وعن الإيمان بهم «واستغنى الله» اى أظهر استغناءه عن إيمانهم ~~وطاعتهم حيث أهلكهم وقطع دابرهم ولولا غناه تعالى عنهما لما فعل ذلك «والله ~~غني» عن العالمين فضلا عن إيمانهم وطاعتهم «حميد» يحمده كل مخلوق بلسان ~~الحال أو مستحق للحمد بذاته وإن لم يحمده حامد «زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا» الزعم ادعاء العلم يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن المخففة ~~مع ما في حيزها والمراد بالموصول كفار مكة أي زعموا أن الشأن لن يبعثوا بعد ~~موتهم أباد «قل» ردا عليهم وأبطالا لزعمهم بإثبات ما نفوه «بلى» أي تبعثون ~~قوله «وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم» أي لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم جملة ~~PageV08P256 # مستقلة داخلة تحت الأمر واردة لتأكيد ما افاده كلمة بلى من إثبات البعث ~~وبيان تحقق أمر آخر متفرع عليه منوط ففيه تأكيد لتحقق البعث بوجهين «وذلك» ~~أي ما ذكر من البعث والجزاء «على الله يسير» لتحقق القدرة التامة وقبول ~~المادة والفاء في قوله تعالى «فآمنوا» فصيحة مفصحة عن شرط قد حذف ثقة ظهوره ~~أي إذا كان الأمر كذلك فآمنوا «بالله ورسوله» محمد صلى الله عليه وسلم ~~«والنور الذي أنزلنا» وهو القرآن فإنه بإعجازه بين بنفسه ms3197 مبين لغيره كما ان ~~النور كذلك والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بأمر الإنزال ~~«والله بما تعملون» من الامتثال بالأمر وعدمه «خبير» فمجاز لكم عليه ~~والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من الأمر موجب للإمتثال به بالوعد ~~والوعيد والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وتأكيدا استقلال الجملة ~~«يوم يجمعكم» ظرف لتنبؤن وقيل لخبير لما فيه من معنى الوعيد كأنه قيل والله ~~مجازيكم ومعاقبتكم يوم يجمعكم أو مفعول لا ذكر وقرئ نجمعكم بنون العظمة ~~«ليوم الجمع» ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون أي لأجل ما فيه من الحساب ~~والجزاء «ذلك يوم التغابن» أي يوم غبن بعض الناس بعضا بنزول السعداء منازل ~~الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس وفي الحديث ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى ~~مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده ~~من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة وتخصيص التغابن بذلك اليوم للإيذان بأن ~~التغابن في الحقيقة هو الذي يقع فيه لا ما يقع في أمور الدنيا «ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا» أي عملا صالحا «يكفر» أي الله عز وجل وقرئ بنون العظمة ~~«عنه سيئاته» يوم القيامة «ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا» وقرئ ندخله بنون «ذلك» أي أي ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات ~~«الفوز العظيم» الذي لا فوز وراءه لا نطوائه على النجاة من أعظم الهلكات ~~والظفر بأجل الطلبات «والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار ~~خالدين فيها وبئس المصير» أي النار كان هاتين الآيتين الكريمتين بيان ~~لكيفية التغابن «ما أصاب من مصيبة» فمن المصائب الدنيوية «إلا بإذن الله» ~~أي تقديره وأرادته كأنها بذاتها متوجهة إلى الإنسان متوقفة على إذنه تعالى ~~«ومن يؤمن بالله يهد قلبه» عند إصابتها للثبات والاسترجاع وقيل يهد قلبه ~~حتى يعلم PageV08P257 # أن ما أصابه لم يكن لخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقيل يهد قلبه أي يلطف ~~به ويشرحه لازدياد الطاعة والخير وقرئ يهد قلبه على البناء للمفعول ورفع ~~قلبه وقرئ بنصبه على ms3198 نهج سفه نفسه وقرئ يهدأ قلبه بالهمزة أي يسكن «والله ~~بكل شيء» من الأشياء التي من جملتها القلوب وأحوالها «عليم» فيعلم إيمان ~~المؤمن ويهدى قلبه إلى ما ذكر «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول» كرر الأمر ~~للتأكيد والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية وتوضيح مورد التولي في ~~قوله تعالى «فإن توليتم» أي عن إطاعة الرسول وقوله تعالى «فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين» تعليل للجواب المحذوف أي فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا ~~التبليغ المبين وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه وإظهار الرسول مضافا إلى نون ~~العظمة في مقام إضماره لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإشعار بمدار الحكم ~~الذي هو كون وظيفته عليه الصلاة والسلام محض البلاغ ولزيادة تشنيع التولي ~~عنه «الله لا إله إلا هو» جملة من مبتدأ وخبر أي هو المستحق للمعبودية لا ~~غيره وفي إضمار خبر لا مثل في الوجود أو يصح أن يوجد خلاف للنحاة معروف ~~«وعلى الله» أي عليه تعالى خاصة دون غيره لا استقلالا ولا اشتراكا «فليتوكل ~~المؤمنون» وإظهار الجلالة في موقع الإضمار للإشعار بعلة التوكل والأمر به ~~فإن الألوهية مقتضية للتبتل إليه تعالى بالكلية وقطع التعلق عما سواه ~~بالمرة «يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم» يشغلونكم عن ~~طاعة الله تعالى أو يخاصمونكم في أمور الدين أو الدنيا «فاحذروهم» الضمير ~~للعدو فإنه يطلق على الجمع نحو قوله تعالى فإنهم عدو لي أو للأزواج ~~والأولاد جميعا فالمأمور به على الأول الحذر عن الكل وعلى الثاني إما الحذر ~~عن البعض لأن منهم من ليس بعدو وإما الحذر عن مجموع الفريقين لاشتمالهم على ~~العدو «وأن تعفوا» عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا ~~أو بأمور الدين لكن مقارنة للتوبة «وتصفحوا» بترك التثريب والتعيير ~~«وتغفروا» بإخفائها وتمهيد عذرها «فإن الله غفور رحيم» يعاملكم ويتفضل ~~عليكم وقيل إن ناسا من المؤمنين أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم ~~وأولادهم وقالوا تنطلقوا وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا فلما هاجروا بعد ذلك ~~ورأو المهاجرين الأولين قد فقهوا في الدين ms3199 أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم ~~وأولادهم فزين لهم العفو وقيل قالوا لهم اين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم ~~وأموالكم فغضبوا عليهم وقالوا لئن جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير ~~فلما هاجروا ومنعوهم الخير فحثوا على أن يعفوا عنهم ويردوا إليهم البر ~~والصلة PageV08P258 # «أنما أموالكم وأولادكم فتنة» بلاء ومحنة يوقعونكم في الاثم من حيث لا ~~تحتسبون «والله عنده أجر عظيم» لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته على محبة ~~الأموال والأولاد والسعي في تدبير مصالحهم «فاتقوا الله ما استطعتم» اى ~~أبذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم «واسمعوا» مواعظه «وأطيعوا» أوامره ~~«وأنفقوا» مما رزقكم في الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها خالصا لوجهه «خيرا ~~لأنفسكم» أي ائتوا خيرا لأنفسكم وافعلوا ما هو خير لها وانفع وهو تأكيد ~~للحث على امتثال هذه الأوامر وبيان لكون الأمور المذكورة خيرا لأنفسهم ~~ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي إنفاقا خيرا أو خبرا لكان مقدرا جوابا ~~الأوامر أي يكن خيرا لأنفسكم «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» ~~الفائزون بكل مرام «إن تقرضوا الله» بصرف أموالكم إلى المصارف التي عينها ~~«قرضا حسنا» مقرونا بالإخلاص وطيب النفس «يضاعفه لكم» بالواحد عشرة إلى ~~سبعمائة وأكثر وقرئ يضعفه لكم «ويغفر لكم» ببركة الإنفاق ما فرط منكم من ~~بعض الذنوب «والله شكور» يعطى الجزيل بمقابلة النزر القليل «حليم» لا يعاجل ~~بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم «عالم الغيب والشهادة» لا يخفى عليه خافية «العزيز ~~الحكيم» المبالغ في القدرة والحكمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة PageV08P259 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء» تخصيص النداء ~~به عليه الصلاة والسلام مع عموم الخطاب لأمته أيضا لتشريفه عليه الصلاة ~~والسلام وإظهار جلالة منصبه وتحقيق أنه المخاطب حقيقة ودخولهم في الخطاب ~~بطريق استتباعه عليه الصلاة والسلام إياهم وتغليبه عليهم لا لأن نداءه ~~كندائهم فإذ ذلك الاعتبار لو كان في حيز الرعاية لكان الخطاب هو الأحق به ~~لشمول حكمه للكل قطعا والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه كما في ms3200 قوله ~~تعالى إذا قمتم إلى الصلاة «فطلقوهن لعدتهن» أي مستقبلات لها كقولك أتيته ~~ليلة خلت من شهر كذا فإن المرأة إذا طلقت في طهر يعقبه القرء الأول من ~~إقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها والمراد أن يطلقن فيطهر لم يقع فيه جماع ~~ثم يخلين حتى تنقضى عدتها وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة «وأحصوا العدة» ~~واضبطوها وأكملوها ثلاثة إقراء كوامل «واتقوا الله ربكم» في تطويل العدة ~~عليهم والإضرار بهن وفي وصفه تعالى بربوبيته لهم تأكيد للأمر ومبالغة في ~~إيجاب الاتقاء «لا تخرجوهن من بيوتهن» من مساكنهن عند الفراق إلى ان تنقضى ~~عدتهن وإضافتها إليهن وهي لأزواجهن لتأكيد النهى ببيان كمال استحقاقهن ~~لسكناها كأنها أملاكهن «ولا يخرجن» ولو بإذن منكم فإن الإذن بالخروج في حكم ~~الإخراج وقيل المعنى لا يخرجن باستبداد منهن أما إذا اتفقا على الخروج جاز ~~إذ الحق لا يعدوهما «إلا أن يأتين بفاحشة مبينة» استثناء من الأول قيل هي ~~الزنا فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل إلا أن يبذون على الأزواج فيحل حينئذ ~~إخراجهن ويؤيده قراءة إلا أن يفحشن عليكم أو من الثاني للمبالغة في النهى ~~عن الخروج ببيان ان خروجها فاحشة «تلك» إشارة إلى ما ذكر من الأحكام وما في ~~اسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو درجتها ~~وبعد منزلتها «حدود الله» التي عينها لعباده «ومن يتعد حدود الله» أي حدوده ~~المذكورة بأن أخل بشيء منها على أن الإظهار في حيز الإضمار لتهويل أمر ~~التعدي والإشعار بعلة الحكم في قوله تعالى «فقد ظلم نفسه» اى اضربها وتفسير ~~الظلم بتعريضها للعقاب يأباه PageV08P260 # قوله تعالى «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» فإنه استئناف مسوق ~~لتعليل مضمون الشرطية وقد قالوا إن الأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب ~~قلبه عما فعله بالتعدى إلى خلافه فلا بد ان يكون الظلم عبارة عن ضرر دنيوي ~~يلحقه بسبب تعديه ولا يمكن تداركه أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي ~~والأخروي ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد واهتمامهم ms3201 بدفعة ~~أوقى وقوله تعالى لا تدرى خطاب للمتعدى بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام ~~بالزجر عن التعدي لا للنبي عليه الصلاة والسلام كما توهم فالمعنى ومن يتعد ~~حدود الله فقد أضر بنفسه فإنك لا تدري أيها المتعدى عاقبة الأمر لعل الله ~~يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت من التعدي أمرا يقتضى خلاف ما فعلته فيبدل ~~ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالا إليها ويتسنى تلافيه رجعه أو استئناف ~~نكاح «فإذا بلغن أجلهن» شارفن آخر عدتهن «فأمسكوهن» فراجعوهن «بمعروف» بحسن ~~معاشرة وإنفاق لائق «أو فارقوهن بمعروف» بإيفاء الحق واتقاء الضرار بأن ~~يراجعها ثم يطلقها تطويلا للعدة «وأشهدوا ذوي عدل منكم» عند الرجعة والفرقة ~~قطعا للتنازع وهذا أمر ندب كما في قوله تعالى واشهدوا إذا تبايعتم ويروى عن ~~الشافعي أنه للوجوب في الرجعة «وأقيموا الشهادة لله» أيها الشهود عند ~~الحاجة خالصا لوجهه تعالى «ذلكم» إشارة إلى الحث على الإشهاد والإقامة أو ~~على جميع ما في الآية «يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر» إذ هو ~~المنتفع به والمقصود تذكيره وقوله تعالى «ومن يتق الله» الخ جملة اعتراضية ~~مؤكدة لما سبق من وجوب مراعاة حدود الله تعالى بالوعد على الاتقاء عن ~~تعديها كما أن ما تقدم من قوله تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه مؤكد ~~له بالوعيد على تعديها فالمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ~~ولم يخرجها من مسكنها واحتاط في الإشهاد وغيره من الأمور «يجعل له مخرجا» ~~مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ما ~~يعتريه من الكروب «ويرزقه من حيث لا يحتسب» أي من وجه لا يخطر بباله ولا ~~يحتسبه ويجوز أن يكون كلاما جئ به على نهج الاستطراد عند ذكر قوله تعالى ~~ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله إلى آخره فالمعنى ومن يتق الله في كل ما ~~يأتي وما يدر يجعل له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة فيندرج فيه ما ~~نحن فيه اندراجا أوليا عن النبي عله الصلاة ms3202 والسلام أنه قرأها فقال مخرجا ~~من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد PageV08P261 # يوم القيامة وقال عليه الصلاة والسلام إني لأعلم أخذ الناس بها لكفتهم ~~ومن يتق الله فما زال يقرؤها ويعيدها وروى أن عوف بن الأشجعي أسر المشركون ~~ابنه سالما فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أسر ابني وشكا إليه ~~الفاقة فقال عليه الصلاة والسلام اتق الله وأكثر قول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلى العظيم ففعل فبينا في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من ~~الإبل غفل عنها العدو فاستاقها فنزلت «ومن يتوكل على الله فهو حسبه» أي ~~كافيه في جميع أموره «إن الله بالغ أمره» بالإضافة اى منفذ أمره وقرئ ~~بتنوين بالغ ونصب أمره أي يريده لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب وقرئ برفع ~~امره على أنه مبتدأ وبالغ خبر مقدم والجملة خبر إن أو بالغ خبر إن وأمره ~~مرتفع به على الفاعلية أي نافذ امره وقرئ بالغا أمره على أنه حال وخبر إن ~~قوله تعالى «قد جعل الله لكل شيء قدرا» أي تقدير وتوقيتا أو مقدار وهو بيان ~~لوجوب التوكل عليه تعالى وتفويض الأمر إليه لأنه إذا علم أن كل شيء من ~~الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى لا يبقى إلا التسليم للقدر والتوكل ~~على الله تعالى «واللائي يئسن من المحيض من نسائكم» لكبرهن وقد قدروه بستين ~~سنة ويخمس وخمسين «إن ارتبتم» أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن «فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن» بعد لصغرهن أي فعدتهن أيضا كذلك فحذف ثقة بدلالة ما ~~قبله عليه «وأولات الأحمال أجلهن» أي منتهى عدتهن «أن يضعن حملهن» سواء كن ~~مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن وقد نسخ به عموم قوله تعالى والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا لتراخى نزوله عن ذلك ~~لما هو المشهور من قول ابن مسعود رضى الله عنه من شاء باهلته أن سورة ~~النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة وقد صح أن سبيعة بنت الحرث ~~الأسلمية ms3203 ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لها قد حللت فتزوجى «ومن يتق الله» في شأن أحكامه ومراعاة حقوقها ~~«يجعل له من أمره يسرا» أي يسهل عله أمره ويوفقه للخير «ذلك» إشارة إلى ما ~~ذكر من الأحكام وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ~~ببعد منزلته في الفضل وإفراد الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عن قوله ~~تعالى «أمر الله أنزله إليكم» لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضى لا ~~لتعين خصوصية المخاطبين وقد مر في قوله تعالى ذلك بوعظ به كان منكم يؤمن ~~بالله من سورة البقرة «ومن يتق الله» بالمحافظة على أحكامه «يكفر عنه ~~سيئاته» فإن الحسنات يذهبن السيئات «ويعظم له أجرا» بالمضاعفة PageV08P262 # وقوله تعالى «أسكنوهن من حيث سكنتم» استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما ~~قبله من الحث على التقوى كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات فقيل ~~اسكنوهن مسكنا من حيث سكنتم أي بعض مكان سكناكم وقوله تعالى «من وجدكم» أي ~~من وسعكم أي مما تطيقونه عطف بيان لقوله من حيث سكنتم وتفسير له «ولا ~~تضاروهن» أي في السكنى «لتضيقوا عليهن» وتلتجئوهن إلى الخروج «وإن كن» أي ~~المطلقات «أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن» فيخرجن من العدة أما ~~المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن «فإن أرضعن لكم» بعد ذلك «فآتوهن ~~أجورهن» على الإرضاع «وأتمروا بينكم بمعروف» أي تشاوروا وحقيقته ليأمر ~~بعضكم بعضا بجميل في الأرضاع والأجر ولا يكون من الأب مماكسة ولا من الأم ~~معاسرة «وإن تعاسرتم» أي تضايقتم «فسترضع له أخرى» أي فستوجد ولا تعوز ~~مرضعه أخرى وفيه معاتبة للأم على المعاسرة «لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله» وإن قل أي لينفق كل واحد من الموسر ~~والمعسر ما يبلغه وسعه «لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها» جل أو قل فإنه ~~تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وفيه تطييب لقلب المعسر وترغيب له في ms3204 بذل ~~مجهود وقد أكد ذلك بالوعد حيث قيل «سيجعل الله بعد عسر يسرا» أي عاجلا أو ~~آجلا «وكأين من قرية» أي كثير من أهل قرية «عتت» أي أعرضت «عن أمر ربها ~~ورسله» بالعتو والتمرد والعناد «فحاسبناها حسابا شديدا» بالاستقصاء ~~والتنقير والمناقشة في كل نقير وقطمير «وعذبناها عذابا نكرا» اى منكرا ~~عظيما وقرئ نكرا والمراد حساب الآخرة وعذابها والتعبير عنهما بلفظ الماضي ~~للدلالة على تحقيقها كما في قوله تعالى ونادى أصحاب الجنة «فذاقت وبال ~~أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا» هائلا لا خسر وراءه PageV08P263 # «أعد الله لهم عذابا شديدا» تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا كأنه قيل ~~أعد الله لهم هذا العذاب «فاتقوا الله يا أولي الألباب» ويجوز أن يراد ~~بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحائف الحفظة وبالعذاب ما أصابهم عاجلا ~~وقد جوز أن يكون عتت وما عطف عليه صفة عليه صفة للقرية وأعد الله لهم جوابا ~~لقوله تعالى كأي «الذين آمنوا» منصوب بإضمار أعنى بيانا للمنادى أو عطف ~~بيان له أو نعت وفي إبداله منه ضعف لتعذر حلوله محله «قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا» هو جبريل عليه السلام سمى به لكثرة ذكره أو لنزوله بالذكر الذي هو ~~القرآن كما ينبئ عنه إبدال قوله تعالى «رسولا» منه أو لأنه مذكور في ~~السماوات وفي الأمم أو أريد بالذكر الشرف كما في قوله تعالى وإنه لذكر لك ~~ولقومك كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف ~~عند الله تعالى كقوله تعالى عند ذي العرش مكين أو هو النبي عليه الصلاة ~~والسلام وعليه الأكثر عبر عنه بالذكر لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه ~~والتذكير به وعبر عن إرساله بالإنزال بطريق الترشيح أو لأنه مسبب عن إنزال ~~الوحي إليه وأبدل منه رسولا للبيان أو هو القرآن ورسولا منصوب بمقدر مثل ~~أرسل أو بذكرا على أعمال المصدر المنون أو بدل منه على أنه بمعنى الرسالة ~~وقوله تعالى «يتلو عليكم آيات الله مبينات» نعت لرسولا وآيات الله القرآن ~~وبينات حال منها اى حال ms3205 كونها مبينات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام وقرئ ~~مبينات أي بينها الله تعالى لقوله تعالى قد بينا لكم الآيات واللام في قوله ~~تعالى «ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات» متعلقة بيتلوا أو بأنزل وفاعل ~~يخرج على الأول ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام أو ضمير الجلالة والموصول ~~عبارة عن المؤمنين بعد إنزاله أي ليحصل لهم الرسول أو الله عز وعلا ما هم ~~عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح أو ليخرج من علم أو قدر انه سيؤمن «من ~~الظلمات إلى النور» من الضلالة إلى الهدى «ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا» ~~حسبما بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات «يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار» وقرئ ندخله بالنون وقوله تعالى «خالدين فيها أبدا» حال من مفعول ~~يدخله والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار ~~لفظها وقوله تعالى «قد أحسن الله له رزقا» حال أخرى منه أو من الضمير في ~~خالدين بطريق التداخل وإفراد ضمير له قد مر وجهه وفيه معنى التعجب والتعظيم ~~لما رزقه الله المؤمنين من الثواب PageV08P264 # «الله الذي خلق سبع سماوات» مبتدأ وخبر «ومن الأرض مثلهن» أي خلق من ~~الأرض مثلهن في العدد وقرئ مثلهن بالرفع على أنه مبتدأ ومن الأرض خبره ~~واختلف في كيفية طبقات الأرض قالوا الجمهور على أنها سبع أراضين طباقا ~~بعضها فوق بعض بين كل أرض وارض مسافة كما بين السماء والأرض وفي كل أرض ~~سكان من خلق الله تعالى وقال الضحاك مطبقة بعضها فوق من غير فتوق بخلاف ~~السماوات قال القرطبي والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه كما روى البخاري ~~وغيره من أن كعبا حلف بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها اللهم رب ~~السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما ~~أضللن ورب الرياح وما أذرين نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من ~~شرها وشر أهلها وشر من فيها ms3206 وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن نافع بن الأزرق ~~سأله عن تحت الأرضين خلق قال نعم قال فما الخلق قال إما ملائكة أو جن قال ~~الماوردي وعلى هذا تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا دون من عداهم وإن ~~كان فيهن من يعقل من خلق وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان ~~أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها ~~والثاني أنهم لا يشاهدون السماء وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يشاهدونه وحكى ~~الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها سبع أرضين متفرقة ~~بالبحار وتظل الجميع السماء «يتنزل الأمر بينهن» أي يجرى أمره وقضاؤه بينهن ~~وينفذ ملكه فيهن وعن قتادة في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره ~~وقضاء من قضائه وقيل هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره وقرئ ينزل الأمر ~~«لتعلموا أن الله على كل شيء قدير» متعلق بخلق أو بيتنزل أو بمضمر يعمهما ~~أي فعل ذلك لتعلموا أن من قدر على ما ذكر قادر على كل شئ «وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما» لاستحالة صدور الأفاعيل المذكورة ممن ليس كذلك ويجوز أن يكون ~~العامل في اللام بيان ما ذكر من الخلق وتنزل الأمر أي أوحى ذلك وبينه ~~لتعلموا بما ذكر من الأمور التي تشاهدونها والتي تتلقونها من الوحي من ~~عجائب المصنوعات أنه لا يخرج عن قدرته وعلمه شيء ما أصلا وقرئ ليعلموا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قرا سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV08P265 # «بسم الله الرحمن الرحيم» «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك» روى أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمن بذلك حفصة فقال ~~لها اكتمى على فقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدى ~~أمر أمتي فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين وقيل خلا بها في يوم حفصة ~~فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل ms3207 نساءه فنزل جبريل عله ~~السلام فقال راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها لمن نسائك في الجنة وروى أنه ~~عليه الصلاة والسلام شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة ~~فقالتا نشم منك ريح المغافير وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل ~~فحرم العسل فنزلت فمعناه لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل ~~«تبتغي مرضات أزواجك» إما تفسير لتحرم أو حال من فاعلة أو استئناف ببيان ما ~~دعاه إليه مؤذن بعد صلاحيتك لذلك «والله غفور» مبالغ في الغفران قد غفر لك ~~هذه الزلة «رحيم» قد رحمك ولم يؤاخذك به وإنما عاتبك محاماه على عصمتك «قد ~~فرض الله لكم تحلة أيمانكم» أي شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقده بالكفارة أو ~~بالاستثناء متصلا حتى لا يحنث والأول هو المراد ههنا «والله مولاكم» سيدكم ~~ومتولى أموركم «وهو العليم» بما يصلحكم فيشرعه لكم «الحكيم» المتقن في ~~أفعاله وأحكامه فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة ة «وإذ أسر ~~النبي إلى بعض أزواجه» وهي حفصة «حديثا» أي حديث تحريم مارية أو العسل أو ~~أمر الخلافة «فلما نبأت به» أي أخبرت حفصة عائشة بالحديث وأفشته إليها وقرئ ~~أنبأت به «وأظهره الله عليه» اى أطلع الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام ~~على إفشاء حفصة «عرف» أي النبي عليه الصلاة والسلام حفصة «بعضه» بعض الحديث ~~الذي أفشته قيل هو حديث الإمامة وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لها ألم ~~أقل لك أكتمى على قالت والذي بعثك بالحق ما ملكت PageV08P266 # نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله تعالى بها أباها «وأعرض عن بعض» أي عن ~~تعريف بعض تكرما قيل هو حديث مارية «فلما نبأها به» أي أخبر النبي عليه ~~الصلاة والسلام حفصة بما عرفه من الحديث «قالت من أنبأك هذا» أي إفشاءها ~~للحديث «قال نبأني العليم الخبير» الذي لا تخفى عليه خافية «إن تتوبا إلى ~~الله» خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في العتاب «فقد صغت ~~قلوبكما» الفاء للتعليل كما في ms3208 قوله اعبد ربك فالعبادة حق أي فقد وجد منكما ~~ما يوجب التوبة من ميل قلوبكما عما يجب عليكما من مخالصة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه وقرئ فقد زاغت «وإن تظاهرا ~~عليه» بإسقاط إحدى التاءين وقرئ على الأصل وبتشديد الظاء وتظهرا أي تتعاونا ~~عليه بما يسوؤه من الإفراط في الغير وإفشاء سره «فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين» أي فلن يعدم من يظاهره فإن الله هو ناصره وجبريل رئيس ~~الكروبيين قرينه ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه قال ابن عباس رضى ~~تعالى عنهما أراد بصالح المؤمنين أبا بكر وعمر رضى الله عنهما وقد روى ذلك ~~مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبه قال عكرمة ومقاتل وهو اللائق ~~بتوسيطه بين جبريل والملائكة عليهم السلام فإنه جمع بين الظهير المعنوي ~~والظهير الصوري كيف لا وإن جبريل ظهير له عليهما السلام يؤيده بالتأييدات ~~الإلهية وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة ~~ولأن بيان مظاهرتهما له عليه الصلاة والسلام أشد تأثيرا في قلوب بنتيهما ~~وتوهينا لأمرهما فكان حقيقا بالتقديم بخلاف ما إذا أريد به جنس الصالحين ~~كما هو المشهور «والملائكة» مع تكاثر عددهم وامتلاء السماوات من جموعهم ~~«بعد ذلك» قيل أي بعد نصرة الله عز وجل وناموسه الأعظم وصالح المؤمنين ~~«ظهير» اى فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة على من يعاديه فماذا يفيد تظاهر ~~امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه وما ينبئ عنه قوله تعالى بعد ذلك من فضل ~~نصرتهم على نصرة غيرهم من حيث إن نصرة الكل نصرة الله تعالى وإن نصرته ~~تعالى بهم وبمظاهرتهم أفضل من سائر وجوه نصرته هذا ما قالوه ولعل الأنسب أن ~~يجعل ذلك إشارة إلى مظاهرة صالح المؤمنين خاصة ويكون بيان بعديه مظاهرة ~~الملائكة تداركا لما يوهمه الترتيب الذكرى من أفضلية المقدم فكأنه قيل بعد ~~ذكر مظاهرة صالح المؤمنين وسائر الملائكة بعد ذلك ظهير له عليه الصلاة ~~والسلام إيذانا بعلو رتبة مظاهرتهم وبعد منزلتها وجبرا لفصلها عن مظاهرة ~~جبريل ms3209 عليه السلام «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله» أي يعطيه عليه السلام بدلكن ~~PageV08P267 # «أزواجا خيرا منكن» على التغليب أو تعميم الخطاب وليس فيه ما يدل على أنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يطلق حفصة وأن في النساء خيرا منهن فإن تعليق طلاق ~~الكل لا ينافي تطليق واحدة وما علق بما لم يقع لا يجب وقوعه وقرئ أن يبدله ~~بالتشديد «مسلمات مؤمنات» مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات «قانتات» مصليات ~~أو مواظبات على الطاعة «تائبات» من الذنوب «عابدات» متعبدات أو متذللات ~~لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم «سائحات» صائمات سمى الصائم سائحا لأنه ~~يسيح في النهار بلا زاد أو مهاجرات وقرئ سيحات «ثيبات وأبكارا» وسط بينهما ~~العاطف لتنافيهما «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم» بترك المعاصي وفعل ~~الطاعات «وأهليكم » بان تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم وقرئ أهلكوا عطفا على ~~واوقوا فيكون أنفسكم عبارة عن أنفس الكل على تغليب المخاطبين أي قوا أنتم ~~وأهلوكم أنفسكم «نارا وقودها الناس والحجارة» أي نارا تتقد بهما اتقاد ~~غيرها بالحطب وأمر المؤمنين باتقاء هذه النار المعدة للكافرين كما نص عليه ~~في سورة البقرة للمبالغة في التحذير «عليها ملائكة» أي تلى أمرها وتعذيب ~~أهلها وهم الزبانية «غلاظ شداد» غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ الخلق ~~شداد الخلق وأقوياء على الأفعال الشديدة «لا يعصون الله ما أمرهم» أي أمره ~~على انه بدل اشتمال من الله أو فيما أمرهم به على نزع الخافض أي لا يمتنعون ~~من قبول الأمر ويلتزمونه «ويفعلون ما يؤمرون» أي ويؤدون ما يؤمرون به غير ~~تثاقل ولا توان وقوله تعالى «يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم» مقول ~~لقول قد حذف ثقة بدلالة الحال عليه أي يقال لهم ذلك عند إدخال الملائكة ~~إياهم النار حسبما أمروا به «إنما تجزون ما كنتم تعملون» في الدنيا من ~~الكفر والمعاصي بعد ما نهيتم عنهما أشد النهى وأمرتم بالإيمان والطاعة فلا ~~عذر لكم قطعا «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا» أي بالغة في ~~النصح وصفت التوبة بذلك على ms3210 الإسناد المجازى وهو وصف التائبين وهو أن ~~ينصحوا بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقتها وذلك أن يتوبوا عن القبائح ~~لقبحاها نادمين عليها مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها عازمين على انهم لا ~~يعودون في قبيح من القبائح موطنين أنفسهم على ذلك بحيث لا يلويهم عنه صارف ~~أصلا PageV08P268 # عن علي رضى الله عنه أن التوبة يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب ~~الندامة وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن لا ~~تعود وأن تذيب نفسك في طاعة الله تعالى كما ربيتها في المعصية وأن تذيقها ~~مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية وعن شهر بن حوشب أن لا يعود ولو حز ~~بالسيف وأحرق بالنار وقيل نصوحا من نصاحة الثوب أي توبة ترفو خروقك في دينك ~~وترم خللك وقيل خالصة من قولهم عسل ناصح إذا خلص من الشمع ويجوز أن يراد ~~توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها واستعماله الجد ~~والعزيمة في العمل بمقتضياتها وقرئ توبا نصوحا وقرئ نصوحا وهو مصدر نصح فإن ~~النصح والنصوح كالشكر والشكور أي ذات النصح أو تنصح نصوحا أو توبوا لنصح ~~أنفسكم على أنه مفعول له «عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار» ورود صيغة الأطماع للجرى على سنن الكبرياء والإشعار بأنه ~~تفضل والتوبة غير موجبة له وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء وإن بالغ ~~في إقامة وظائف العبادة «يوم لا يخزي الله النبي» ظرف ليدخلكم «والذين ~~آمنوا معه» عطف على النبي وفيه تعريض بمن أخزاهم الله تعالى من أهل الكفر ~~والفسوق واستحماد إلى المؤمنين على انه عصمهم من مثل حالهم وقيل هو مبتدأ ~~خبره قوله تعالى «نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم» أي عل الصراط وهو على ~~الأول استئناف أو حال وكذا قوله تعالى «يقولون» الخ وعلي الثاني خبر آخر ~~للموصول أي يقولون إذا طفىء نور المنافقين «ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ~~إنك على كل شيء قدير» وقيل يدعون تقربا إلى الله مع تمام نورهم ms3211 وقيل تفاوت ~~أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا وقيل السابقون إلى الجنة يمرون ~~مثل البرق على الصراط وبعضهم كالريح وبعضهم حبوا وزحفا وأولئك الذين يقولون ~~ربنا أتمم لنا نورنا «يا أيها النبي جاهد الكفار» بالسيف «والمنافقين» ~~بالحجة «واغلظ عليهم» واستعمل الخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما من ~~القتال والمحاجة «ومأواهم جهنم» سيرون فيها عذابا غليظا «وبئس المصير» أي ~~جهنم أو مصيرهم «ضرب الله مثلا للذين كفروا» ضرب المثل في أمثال هذه ~~المواقع عبارة عن إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة في الغرابة ~~اى جعل الله مثلا لحال هؤلاء الكفرة حالا ومآلا على ان مثلا مفعول ثان لضرب ~~واللام متعلقة به وقوله تعالى «امرأة نوح وامرأة لوط» أي حالهما مفعولة ~~الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرح وتفصيل لحالهما ويتضح بذلك حال هؤلاء ~~فقوله تعالى «كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين» بيان لحالهما الداعية لها ~~إلى الخير والصلاح أي كانتا في عصمة نبيين عظيمي الشأن متمكنين من تحصيل ~~خيري الدنيا والآخرة وحيازه سعادتيهما وقوله تعالى «فخانتاهما» PageV08P269 # بيان لما صدر عنهما من الجناية العظيمة مع تحقيق ما ينفيها من صحبة النبي ~~أي خانتاهما بالكفر والنفاق وهذا تصوير لحالهما المحاكية لحال هؤلاء الكفرة ~~في خيانتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر والعصيان مع تمكنهم التام ~~من الإيمان والطاعة وقوله تعالى «فلم يغنيا» الخ بيان لما أدى إليه ~~خيانتهما أي فلم يغن النبيان «عنهما» بحق الزواج «من الله» أي من عذابه ~~تعالى «شيئا» أي شيئا من الإغناء «وقيل» لهما عند موتهم أو يوم القيامة ~~«ادخلا النار مع الداخلين» أي مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة ~~بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام «وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة ~~فرعون» أي جعل حالها مثلا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضرهم حيث ~~كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله وهي في أعلى غرف الجنة وقوله تعالى «إذ ~~قالت» ظرف لمحذوف أشير إليه أي ضرب الله مثلا للمؤمنين حالها إذ قالت «رب ms3212 ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة» قريبا من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين روى ~~أنها لما قالت ذلك أريت بيتها في الجنة ردة وانتزع روحها «ونجني من فرعون ~~وعمله» أي من نفسه الخبيثة وعمله السيء «ونجني من القوم الظالمين» من القبط ~~التابعين له في الظلم «ومريم ابنة عمران» عطف على امرأة فرعون تسلية ~~للأرامل أي وضرب الله مثلا للذين آمنوا حالها وما أوتيت من كرامة الدنيا ~~والآخرة والاصطفاء على نساء العاملين مع كون قومها كفارا «التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه» وقرئ فيها أي مريم «من روحنا» من روح خلقناه بلا توسط أصلا ~~«وصدقت بكلمات ربها» بصحفة المنزلة أو بما أوحى إلى أنبيائه «وكتبه» بجميع ~~كتبه المنزلة وقرئ بكلمة الله وكتابه أي بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو ~~الإنجيل «وكانت من القانتين» اى من عداد المواظبين على الطاعة والتذكير ~~للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعات الرجال حتى عدت من جملتهم أو ~~من نسلهم لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم ~~ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلوات الله عليه وفضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا. # (تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع وأوله سورة الملك) PageV08P270 # تفسير أبي السعود المسمى ارشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم ~~لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951 ~~هجرية الجزء التاسع الناشر دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان ~~PageV09P001 # (سورة الملك مكية وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب ~~القبر وآياتها ثلاثون) (بسم الله الرحمن الرحيم) (تبارك الذي بيده الملك) ~~البركة والنماء والزيادة حسية كانت أو عقلية وكثرة الخير ودوامه أيضا ~~ونسبتها إلى الله عز وجل على المعنى الأول وهو الأليق بالمقام باعتبار ~~تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته ms3213 وأفعاله وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك فان ~~مالا يتصور نسبته اليه تعالى من الصيغ كالتكبر ونحوه انما تنسب اليه سبحانه ~~باعتبار غاياتها وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته من ~~فنون الخيرات والصيغة حينئذ يجوز ان تكون لإفادة نماء تلك الخيرات ~~وازديادها شيئا فشيئا وآنا فآنا بحسب حدوثها أو حدوث متعلقاتها ولاستقلالها ~~بالدلالة على غاية الكمال وإنبائها عن نهاية التعظيم لم يجز استعمالها في ~~حق غيره سبحانه ولا استعمال غيرها من الصيغ في حقه تبارك وتعالى واسنادها ~~إلى الموصول للاستشهاد بما في حيز الصلة على تحقق مضمونها واليد مجاز عن ~~القدرة التامة والاستيلاء الكامل أي تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ~~ذاتا وصفة وفعلا الذي بقبضة قدرته التصرف الكلي في كل الأمور «وهو على كل ~~شيء» من الأشياء «قدير» مبالغ في القدرة عليه يتصرف فيه حسبما تقتضيه ~~مشيئته المبنية على الحكم البالغة والجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضمونها ~~مفيدة لجريان احكام ملكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها وقوله تعالى «الذي ~~خلق الموت والحياة» شروع في تفصيل بعض أحكام الملك وآثار القدرة وبيان ~~ابتنائهما على قوانين الحكم والمصالح واستتباعهما لغايات جليلة والموصول ~~بدل من الموصول الأول داخل معه في حكم الشهادة بتعاليه تعالى والموت عند ~~أصحابنا صفة وجودية مضادة للحياة وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~من أنه تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء ~~الا حي وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء لا تمر بشيء ولا يجد رائحتها شيء إلا ~~حي فكلام وارد على منهاج التمثيل والتصوير وقيل هو عدم الحياة فمعنى خلقه ~~حينئذ تقديره أو إزالة الحياة وأيا ما كان فالأقرب ان المراد به الموت ~~الطارئ وبالحياة ما قبله وما بعده لظهور مداريتهما لما ينطق به قوله تعالى ~~«ليبلوكم أيكم أحسن عملا» فان استدعاء ملاحظتهما لإحسان العمل مما لا ريب ~~فيه مع أن نفس العمل لا يتحقق بدون الحياة الدنيوية وتقديم الموت لكونه ~~PageV09P002 # أدعى إلى احسان ms3214 العمل واللام متعلقة بخلق اي خلق موتكم وحياتكم على ان ~~الألف واللام عوض عن المضاف اليه ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن ~~عملا فيجازيكم على مراتب متفاوتة حسب تفاوت طبقات علومكم وأعمالكم فان ~~العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه الصلاة والسلام بقوله أيكم ~~أحسن عقلا وأورع عن محارم الله واسرع في طاعة الله فان لكل من القلب ~~والقالب عملا خاصا به فكما ان الأول اشرف من الثاني كذلك الحال في عمله كيف ~~لا ولا عمل بدون معرفة الله عز وجل الواجبة على العباد اثر ذي أثير وانما ~~طريقها النظري التفكر في بدائع صنع الله تعالى والتدبر في آياته المنصوبة ~~في الأنفس والآفاق وقد وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام انه قال لا تفضلوني ~~على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض قالوا وانما ~~كان ذلك التفكر في أمر الله عز وجل الذي هو عمل القلب ضرورة ان أحدا لا ~~يقدر على ان يعمل بجوارحه كل يوم مثل عمل أهل الأرض وتعليق فعل البلوي اي ~~تعقيبة بحرف الاستفهام لا التعليق المشهور الذي يقتضي عدم ايراد المفعول ~~أصلا مع اختصاصه بأفعال القلوب لما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته ~~كالنظر ونظائره ولذلك أجري مجراه بطريق التمثيل وقيل بطريق الاستعارة ~~التبعية وايراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لهم باعتبار اعمالهم ~~المنقسمة إلى الحسن والأحسن فقط للايذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي ~~من الابتلاء هو ظهور كمال احسان المحسنين مع تحقق أصل الايمان والطاعة في ~~الباقين أيضا لكمال تعاضد الموجبات له وأما الإعراض عن ذلك فبمعزل من ~~الاندراج تحت الوقوع فضلا عن الانتظام في سلك الغاية للأفعال الإلهية وانما ~~هو عمل يصدر عن عامله بسوء اختياره من غير مصحح له ولا تقريب وفيه من ~~الترغيب في الترقي إلى معارج العلوم ومدارج الطاعات والزجر عن مباشرة ~~نقائضها ما لا يخفي «وهو العزيز» الغالب الذي لا يفوته من أساء العمل ~~«الغفور» لمن تاب منهم «الذي خلق سبع ms3215 سماوات» قيل هو نعت للعزيز الغفور أو ~~بيان أو بدل والأوجه انه نصب أو رفع على المدح متعلق بالموصولين السابقين ~~معنى وان كان منقطعا عنهما اعرابا كما مر تفصيله في قوله تعالى الذين ~~يؤمنون بالغيب من سورة البقرة منتظم معهما في سلك الشهادة بتعاليه اليه ~~سبحانه ومع الموصول الثاني في كونه مدارا للبلوي كما نطق به قوله تعالى وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا وقوله تعالى «طباقا» صفة لسبع سماوات اي مطابقة على أنه مصدر ~~طابقت النعل إذا خصفتها وصف به المفعول أو مصدره مؤكد لمحذوف هو صفتها اي ~~طوبقت طباقا وقوله تعالى «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت» صفة أخرى لسبع ~~سماوات وضع فيها خلق الرحمن موضوع الضمير للتعظيم والاشعار بعلة الحكم ~~وبأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمة وتفضلا وبأن في ابداعها نعما ~~PageV09P003 # جليلة أو استئناف والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح ~~للخطاب ومن لتأكيد النفي أي ما ترى فيه شيئا من تفاوت اي اختلاف وعدم تناسب ~~من الفوت فان كلا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر وقرئ من تفوت ~~ومعناهما واحد وقوله تعالى «فارجع البصر هل ترى من فطور» متعلق به على معنى ~~التسبيب حيث اخبر أولا بأنه لا تفاوت في خلقهن ثم قيل فارجع البصر حتى يتضح ~~لك ذلك بالمعاينة ولا يبقى عندك شبهة ما والفطور الشقوق والصدوع جمع فطر ~~وهو الشق يقال فطره فانفطر «ثم ارجع البصر كرتين» اي رجعتين أخريين في ~~ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك اي ~~رجعة بعد رجعة وان كثرت «ينقلب إليك البصر خاسئا» اي بعيدا محروما من إصابة ~~ما التمسه من العيب والخلل كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة «وهو ~~حسير» اي كليل لطول المعاودة وكثرة المراجعة وقوله تعالى «ولقد زينا السماء ~~الدنيا» بيان لكون خلق السماوات في غاية الحسن والبهاء اثر بيان خلوها عن ~~شائبة القصور وتصدير ms3216 الجملة بالقسم لابراز كمال الاعتناء بمضمونها اي ~~وبالله لقد زينا أقرب السماوات إلى الأرض «بمصابيح» اي بكواكب مضيئة بالليل ~~إضاءة السرج من السيارات والثوابت تتراءى كأن كلها مركوزة فيها مع أن بعضها ~~في سائر السماوات وما ذاك الا لأن كل واحدة منها مخلوقة على نمط رائق تحار ~~في فهمه الأفكار وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار «وجعلناها رجوما ~~للشياطين» وجعلنا لها فائدة أخرى هي رجم أعدائكم بانقضاض الشهب المقتبسة من ~~نار الكواكب وقيل معناه وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الانس وهم ~~المنجمون ولا يساعده المقام والرجوم جمع رجم بالفتح وهو ما يرجم به ~~«وأعتدنا لهم» في الآخرة «عذاب السعير» بعد الاحتراق في الدنيا بالشهب ~~«وللذين كفروا بربهم» من الشياطين وغيرهم «عذاب جهنم» وقرئ بالنصب على أنه ~~عطف على عذاب السعير وللذين على لهم «وبئس المصير» أي جهنم «إذا ألقوا فيها ~~سمعوا لها» اي لجهنم وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من قوله تعالى «شهيقا» لأنه ~~في الأصل صفته فلما قدمت صارت حالا أي سمعوا كائنا لها شهيقا أي صوتا كصوت ~~الحمير وهو حسيسها المنكر الفظيع قالوا الشهيق في الصدر والزفير في الحلق ~~«وهي تفور» اي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل بما فيه وجعل الشهيق ~~لأهلها منهم وممن طرح فيها قبلهم كما في قوله تعالى لهم فيها زفير وشهيق ~~يرده قوله تعالى PageV09P004 # «تكاد تميز» اي تتميز وتتفرق «من الغيظ» اي من شدة الغضب عليهم فإنه صريح ~~في انه من آثار الغضب عليهم كما في قوله تعالى سمعوا لها تغيظا وزفيرا فأين ~~هو من شهيقهم الناشئ من شدة ما يقاسونه من العذاب الأليم والجملة اما حال ~~من فاعل تفور أو خبر آخر وقوله تعالى «كلما ألقي فيها فوج» استئناف مسوق ~~لبيان حال أهلها بعد بيان حال نفسها وقيل حال من ضميرها اي كلما القي فيها ~~جماعة من الكفرة «سألهم خزنتها» بطريق التوبيخ والتقريع ليزدادوا عذابا فوق ~~عذاب وحسرة على حسرة «ألم يأتكم نذير» يتلو عليكم آيات ربكم وينذركم لقاء ~~يومكم هذا كما ms3217 وقع في سورة الزمر ويعرب عنه جوابهم أيضا «قالوا» اعترافا ~~بأنه تعالى قد أزاح عللهم بالكلية «بلى قد جاءنا نذير» جامعين بين حرف ~~الجواب ونفس الجملة المجاب بها مبالغة في الاعتراف بمجيء النذير وتحسرا على ~~ما فاتهم من السعادة في تصديقهم وتمهيدا لبيان ما وقع منهم من التفريط ~~تندما واغتماما على ذلك اي قال كل فوج من تلك الأفواج قد جاءنا نذير اي ~~واحدة حقيقة أو حكما كأنبياء بني إسرائيل فإنهم حكم نذير واحد فأنذرنا وتلا ~~علينا ما نزل الله تعالى عليه من آياته «فكذبنا» ذلك النذير في كونه نذيرا ~~من جهته تعالى «وقلنا» في حق ما تلاه من الآيات افراطا في التكذيب وتماديا ~~في النكير «ما نزل الله» أحد «من شيء» من الأشياء فضلا عن تنزيل الآيات ~~عليكم «إن أنتم» اي ما أنتم في ادعاء انه تعالى نزل عليكم آيات تنذروننا ~~بما فيها «إلا في ضلال كبير» بعيد عن الحق والصواب وجمع ضمير الخطاب مع ان ~~مخاطب كل فوج نذيره لتغليبه على أمثاله مبالغة في التكذيب وتماديا في ~~التضليل كما ينبئ عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه فإنه ملوح ~~بعمومه حتما وأما إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل فأمر تحقيقي يصار ~~اليه لتهويل ما ارتكبوه من الجنايات لا مساغ لاعتباره من جهتهم ولا لادراجه ~~تحت عبارتهم كيف لا وهو منوط بملاحظة اجماع النذر على مالا يختلف من ~~الشرائع والأحكام باختلاف العصور والأعوام وأين هم من ذلك وقد حال الجريض ~~دون القريض هذا إذا جعل ما ذكر حكاية عن كل واحد من الأفواج وأما إذا جعل ~~حكاية عن الكل فالنذير اما بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف عام ~~اي أهل نذير أو منعوت به فيتفق كلا طرفي الخطاب في الجمعية ومن اعتبر ~~الجمعية بأحد الوجوه الثلاثة على التقدير الأول ولم يخص اعتبارها بالتقدير ~~الأخير فقد اشتبه عليه الشؤون واختلط به الظنون وقد جوز ان يكون الخطاب من ~~كلام الخزنة للكفار على إرادة القول على أن مرادهم ms3218 بالضلال ما كانوا عليه ~~في الدنيا أو هلاكهم أو عقاب ضلالهم تسمية له باسم سببه وان يكون من كلام ~~الرسل للكفرة وقد حكموه للخزانة فتأمل وكن على الحق المبين «وقالوا» أيضا ~~معترفين بأنهم لم يكونوا PageV09P005 # ممن يسمع أو يعقل «لو كنا نسمع» كلاما «أو نعقل» شيئا «ما كنا في أصحاب ~~السعير» اي في عدادهم ومن اتباعهم وهم الشياطين لقوله تعالى واعتدنا لهم ~~عذاب السعير كأن الخزنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ ألم تسمعوا آيات ربكم ~~ولم تعقلوا معانيها حتى لا تكذبوا بها فأجابوا بذلك «فاعترفوا بذنبهم» الذي ~~هو كفرهم وتكذيبهم بآيات الله ورسله «فسحقا» بسكون الحاء وقرئ بضمها مصدر ~~مؤكد اما لفعل متعد من المزيد بحذف الزوائد كما في قعدك الله اي فأسحقهم ~~الله اي ابعدهم من رحمته سحقا أي إسحاقا أو لفعل مترتب على ذلك الفعل أي ~~فأسحقهم الله فسحقوا اي بعدوا سحقا اي بعدا كما في قول من قال أو عضة دهريا ~~ابن مروان لم تدع من المال الا مسحت أو مجلف اي لم تدع فلم يبق الا مسحت ~~الخ وعلى هذين الوجهين قوله تعالى وأنبتها نباتا حسنا واللام في قوله تعالى ~~«لأصحاب السعير» للبيان كما في هيت لك ونحوه والمراد بهم الشياطين ~~والداخلون في عدادهم بطريق التغليب «إن الذين يخشون ربهم بالغيب» اي يخافون ~~عذابه غائبا عنهم أو غائبين عنه أو عن أعين الناس أو بما خفى منهم وهو ~~قلوبهم «لهم مغفرة» عظيمة لذنوبهم «وأجر كبير» لا يقادر قدره «وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به» بيان لتساوي السر والجهر بالنسبة إلى علمه تعالى كما في قوله ~~سواء منكم من أسر القول ومن جهر به قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في ~~المشركين كانوا ينالون من النبي عليه الصلاة والسلام فيوحى اليه عليه ~~الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فقيل لهم ~~أسروا ذلك أو اجهروا به فان الله يعلمه وتقديم السر على الجهر للايذان ~~بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر والمبالغة في ms3219 بيان شمول علمه ~~المحيط لجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدر منه بما يجهرون به ~~مع كونهما في الحقيقة على السوية فان علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول ~~صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة اليه تعالى أو لأن مرتبة السر ~~متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به الا وهو أو مباديه مضمر في ~~القلب يتعلق به الأسرار غالبا فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على ~~تعلقه بحالته الثانية وقوله تعالى «إنه عليم بذات الصدور» تعليل لما قبله ~~وتقرير له وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر ~~بصاحبيتها من الجزالة ما لا غاية وراءه كأنه قيل انه مبالغ في الإحاطة ~~بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم بحيث لا تكاد ~~تفارقها أصلا فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به ويجوز أن يراد بذات ~~الصدور القلوب التي في الصدر والمعنى انه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى ~~عليه سر من أسرارها وقوله تعالى «ألا يعلم من خلق» PageV09P006 # انكار ونفي لعدم إحاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر اي الا يعلم السر ~~والجهر من أوجد بموجب حكمته جميع الأشياء التي هما من جملتها وقوله تعالى ~~«وهو اللطيف الخبير» حال من فاعل يعلم مؤكدة للانكار والنفي اي الا يعلم ~~ذلك والحال انه المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ويجوز ان يكون من ~~خلق منصوبا والمعنى الا يعلم الله من خلقه والحال انه بهذه المثابة من شمول ~~العلم ولا مساغ لإخلاء العلم عن المفعول باجرائه مجرى يعطي ويمنع على معنى ~~الا يكون عالما من خلق لان الخلق لا يتأتى بدون العلم لخلو الحال حينئذ من ~~الإفادة لأن نظم الكلام حينئذ الا يكون عالما وهو مبالغ في العلم «هو الذي ~~جعل لكم الأرض ذلولا» لينة يسهل عليكم السلوك فيها وتقديم لكم على مفعولي ~~الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما اخر فان ما ~~حقه التقديم إذا اخر لا سيما عند كون ms3220 المقدم مما يدل على كون المؤخر من ~~منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن ~~والفاء في قوله تعالى «فامشوا في مناكبها» لترتيب الأمر على الجعل المذكور ~~اي فاسلكوا في جوانبها أو جبالها وهو مثل لفرط التذليل فان منكب البعير ارق ~~أعضائه وأنباها عن ان يطأه الراكب بقدمه فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يتأتى ~~المشي في مناكبها لم يبق منها شيء لم يتذلل «وكلوا من رزقه» والتمسوا من ~~نعم الله تعالى «وإليه النشور» اي المرجع بعد البعث لا إلى غيره فبالغوا في ~~شكر نعمه وآلائه «أأمنتم من في السماء» اي الملائكة الموكلين بتدبير هذا ~~العالم أو الله سبحانه على تأويل من في السماء امره وقضاؤه أو على زعم ~~العرب حيث كانوا يزعمون انه تعالى في السماء اي أأمنتم من تزعمون انه في ~~السماء وهو متعال عن المكان «أن يخسف بكم الأرض» بعدما جعلها لكم ذلولا ~~تمشون في مناكبها وتأكلون من رزقه لكفر إنكم تلك النعمة أي يقبلها ملتبسة ~~بكم فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل اشتمال من من وقيل هو على حذف ~~الجار أي من أن يخسف «فإذا هي تمور» أي تضطرب ذهابا ومجيئا على خلاف ما ~~كانت عليه من الذل والاطمئنان «أم أمنتم من في السماء» إضراب عن التهديد ~~بما ذكر وانتقال التهديد بوجه آخر أي بل أأمنتم من في السماء «أن يرسل ~~عليكم حاصبا» أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل وقيل ~~ريحا فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها وقيل هي سحاب ~~فيها حجارة «فستعلمون» عن قريب البتة «كيف نذير» اي إنذاري عند مشاهدتكم ~~للمنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ وقرئ فسيعلمون بالياء «ولقد كذب ~~الذين من قبلهم» اي من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة كقوم نوح وعاد ~~وأضرابهم والالتفات إلى الغيبة لابراز PageV09P007 # الاعراض عنهم «فكيف كان نكير» اي انكاري عليهم بانزال العذاب اي كان على ~~غاية الهول والفظاعة وهذا هو مورد التأكيد ms3221 القسمي لا تكذيبهم فقط وفيه من ~~المبالغة في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشديد التهديد لقومه مالا ~~يخفى «أو لم يروا» أغفلوا ولم ينظروا «إلى الطير فوقهم صافات» باسطات ~~أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا «ويقبضن» ~~ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن حينا فحينا للاستظهار به على التحرك وهو السر ~~في ايثار يقبضن الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على قابضات «ما يمسكهن» ~~في الجو عند الصف والقبض على خلاف مقتضى الطبع «إلا الرحمن» الواسع رحمته ~~كل شيء بأن براهن على أشكال وخصائص وهيأهن للجري في الهواء والجملة مستأنفة ~~أو حال من الضمير في يقبضن «إنه بكل شيء بصير» يعلم كيفية ابداع المبدعات ~~وتدبير المصنوعات وقوله تعالى «أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن» تبكيت لهم بنفي ان يكون لهم ناصر غير الله تعالى كما يلوح به ~~التعرض لعنوان الرحمانية ويعضده قوله تعالى ما يمسكهن الا الرحمن أو ناصر ~~من عذابه تعالى كما هو الأنسب بما سيأتي من قوله تعالى ان امسك رزقه كقوله ~~تعالى أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا في المعنيين معا خلا ان الاستفهام هناك ~~متوجه إلى نفس المانع وتحققه وههنا إلى تعيين الناصر لتبكيتهم باظهار عجزهم ~~عن تعيينه وأم منقطعة مقدرة ببل المفيدة للانتقال من توبيخهم على ترك ~~التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله عز ~~وجل إلى التبكيت بما ذكر والالتفات للتشديد في ذلك ولا سبيل إلى تقدير ~~الهمزة معها لأن ما بعدها من الاستفهامية وهي مبتدأ وهذا خبره والموصول مع ~~صلته صفته كما في قوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده وايثار هذا لتحقير ~~المشار اليه وينصركم صفة لجند باعتبار لفظه ومن دون الرحمن على الوجه الأول ~~اما حال من فاعل ينصركم أو نعت لمصدره وعلى الثاني متعلق بينصركم كما في ~~قوله تعالى من ينصرني من الله فالمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم ~~جند لكم ms3222 ينصركم نصرا كائنا من دون نصره تعالى أو ينصركم من عذاب كائن من ~~عند الله عز وجل وتوهم ان أم معادلة لقوله تعالى أو لم يروا الخ مع القول ~~بأن من استفهامية مما لا تقريب له أصلا وقوله تعالى «إن الكافرون إلا في ~~غرور» اعتراض مقرر لما قبله ناع عليهم ما هم فيه من غاية الضلال اي ما هم ~~في زعمهم انهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط أو ان ~~آلهتهم تحفظهم من بأس الله الا في غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس ~~لهم في ذلك شيء يعتد به في الجملة والالتفات إلى الغيبة للايذان باقتضاء ~~حالهم للاعراض عنهم وبيان قبائحهم لغيرهم والاظهار في موقع الاضمار لذمهم ~~بالكفر وتعليل غرورهم به والكلام في قوله تعالى «أم من PageV09P008 # هذا الذي يرزقكم إن أمسك» اي الله عزل وجل «رزقه» بامساك المطر وسائر ~~مباديه كالذي مر تفصيله خلا ان قوله تعالى «بل لجوا في عتو ونفور» منبئ عن ~~مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل اثر تمام التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ~~ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا في عتو اي عناد واستكبار وطغيان ونفور اي ~~شراد عن الحق وقوله تعالى «أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى» الخ مثل ضرب ~~للمشرك والموحد توضيحا لحالهما وتحقيقا لشأن مذهبهما والفاء لترتيب ذلك على ~~ما ظهر من سوء حالهم وخرورهم في مهاوي الغرور وركوبهم متن عشواء العتو ~~والنفور وعدم اهتدائهم في مسلك المحاجة إلى جهة يتوهم فيها رشد في الجملة ~~فان تقدم الهمزة عليها صورة انما هو لاقتضائها الصدارة واما بحسب المعنى ~~فالأمر بالعكس كما هو المشهور حتى لو كان مكان الهمزة هل لقيل فهل من يمشي ~~مكبا الخ والمكب الساقط على وجهه يقال أكب خر على وجهه وحقيقته صار ذا كب ~~ودخل في الكب كأقشع الغمام اي صار ذا قشع والمعنى أفمن يمشي وهو يعثر في كل ~~ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة لتوعر طريقه واختلال قواه اهدى إلى المقصد ~~الذي ms3223 يؤمه «أم من يمشي سويا» اي قائما سالما من الخبط والعثار «على صراط ~~مستقيم» مستوى الأجزاء لا عوج فيه ولا انحراف قيل خبر من الثانية محذوف ~~لدلالة خبر الأولى عليه ولا حاجة إلى ذلك فان الثانية معطوفة على الأولى ~~عطف المفرد على المفرد كقولك أزيد أفضل أم عمرو وقيل أريد بالمكب الأعمى ~~وبالسوي البصير وقيل من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن ~~يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة «قل هو الذي أنشأكم» انشاء بديعا ~~«وجعل لكم السمع» لتسمعوا آيات الله وتمتثلوا بما فيها من الأوامر والنواهي ~~وتتعظوا بمواعظها «والأبصار» لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة ~~بشؤون الله عز وجل «والأفئدة» لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من ~~الآيات التنزيليه والتكوينية وترتقوا في معارج الايمان والطاعة «قليلا ما ~~تشكرون» اي باستعمالها فيما خلقت لأجله من الأمور المذكورة وقليلا نعت ~~لمحذوف وما مزيدة لتأكيد القلة اي شكرا قليلا أو زمانا قليلا تشكرون وقيل ~~القلة عبارة عن العدم «قل هو الذي ذرأكم في الأرض» اي خلقكم وكثركم فيها لا ~~غيره «وإليه تحشرون» للجزاء لا إلى غيره اشتراكا أو استقلالا فابنوا أموركم ~~على ذلك «ويقولون» من فرط عتوهم وعنادهم «متى هذا الوعد» اي الحشر الموعود ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى واليه تحشرون «إن كنتم صادقين» يخاطبون به النبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث كانوا PageV09P009 # مشاركين له عليه الصلاة والسلام في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له ~~وجواب الشرط محذوف اي ان كنتم صادقين فيما تخبرونه من مجيء الساعة والحشر ~~فبينوا وقته «قل إنما العلم» اي العلم بوقته «عند الله» عز وجل لا يطلع ~~عليه غيره كقوله تعالى قل انما علمها عند ربي «وإنما أنا نذير مبين» أنذركم ~~وقوع الموعود لا محالة وأما العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الانذار والفاء ~~في قوله تعالى «فلما رأوه» فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية ~~عليهما كأنه قيل وقد اتاهم الموعود فرأوه فلما رأوه إلى آخر كما مر تحقيقه ~~في قوله تعالى ms3224 فلما رآه مستقرا عنده الا ان المقدر هناك أمر واقع مرتب على ~~ما قبله بالفاء وههنا أمر منزل منزلة الواقع وارد على طريقة الاستئناف ~~وقوله تعالى «زلفة» حال من مفعول رأوا اما بتقدير المضاف اي ذا زلفة وقرب ~~أو على انه مصدر بمعنى الفاعل اي مزدلفا أو على انه مصدر نعت به مبالغة أو ~~ظرف اي رأوه في مكان ذي زلفة «سيئت وجوه الذين كفروا» بأن غشيتها الكآبة ~~ورهقها القتر والذلة ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة ~~به «وقيل» توبيخا لهم وتشديدا لعذابهم «وقيل هذا الذي كنتم به تدعون» اي ~~تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه انكارا واستهزاء على أنه تفتعلون من الدعاء ~~وقيل هو من الدعوى اي تدعون ان لا بعث ولا حشر وقرئ تدعون هذا وقد روي عن ~~مجاهد ان الموعود عذاب يوم بدر وهو بعيد «قل أرأيتم» اي أخبروني «إن أهلكني ~~الله» اي أماتني والتعبير عنه بالاهلاك لما كانوا يدعون عليه صلى الله عليه ~~وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك «ومن معي» من المؤمنين «أو رحمنا» بتأخير ~~آجالنا فنحن في جوار رحمته متربصون لإحدى الحسنيين «فمن يجير الكافرين من ~~عذاب أليم» اي لا ينجيكم منه أحد متنا أو بقينا ووضع الكافرين موضع ضميرهم ~~للتسجيل عليهم بالكفر وتعليل نفي الانجاء به «قل هو الرحمن» اي الذي أدعوكم ~~إلى عبادته مولى النعم كلها «آمنا به» وحده لما علمنا أن كل ما سواه اما ~~نعمة أو منعم عليه «وعليه توكلنا» لا على غيره أصلا لعلمنا بأن ما عداه ~~كائنا ما كان بمعزل من النفع والضر «فستعلمون» عن قريب البتة «من هو في ~~ضلال مبين» منا ومنكم وقرئ فسيعلمون بالياء التحتانية «قل أرأيتم» اي ~~أخبروني «إن أصبح ماؤكم غورا» اي غائرا في الأرض بالكلية وقيل بحيث لا ~~تناله الدلاء وهو مصدر PageV09P010 # وصف به «فمن يأتيكم بماء معين» جار أو ظاهر سهل المأخذ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة الملك فكأنه أحيا ليلة القدر سورة القلم مكية الا من ~~آية 17 ms3225 إلى آية 33 ومن آية 48 إلى آية 50 فمدنية وآياتها اثنتان وخمسون ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» ن بالسكون على الوقف وقرئ بالكسر وبالفتح لالتقاء ~~الساكنين ويجوز ان يكون الفتح باضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم الله ~~لأفعلن بالجر وأن يكون ذلك نصبا اذكر لا فتحا كما سبق في فاتحة سورة البقرة ~~وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنه علم للسورة ثم ان جعل اسما للحرف ~~مسرودا على نمط التعديد للتحدي بأحد الطريقين المذكورين في موقعه أو اسما ~~للسورة منصوبا على الوجه المذكور أو مرفوعا على انه خبر لمبتدأ محذوف ~~فالواو في قوله تعالى «والقلم» للقسم وان جعل مقسما به فهي للعطف عليه وأيا ~~ما كان فان أريد به قلم اللوح والكرام الكاتبين فاستحقاقه للإعظام بالإقسام ~~به ظاهر وان أريد به الجنس فاستحقاق ما في أيدي الناس لذلك لكثرة منافعه ~~ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله عز قائلا لكفى به فضلا ~~موجبا لتعظيمه وقرئ بادغام النون في الواو «وما يسطرون» الضمير لأصحاب ~~القلم المدلول عليهم بذكره وقيل للقلم على أن المراد به أصحابه كأنه قيل ~~وأصحاب القلم ومسطوراتهم على أن ما موصولة أو وسطرهم على أنها مصدرية وقيل ~~للقلم نفسه باسناد الفعل إلى الآلة واجرائه مجرى العقلاء لإقامته مقامهم ~~وقيل المراد بالقلم ما خط اللوح خاصة والجمع للتعظيم وقوله تعالى «ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون» جواب القسم والباء متعلقة بمضمر هو حال من الضمير في ~~خبرها والعامل فيها معنى النفي كأنه قيل أنت برئ من الجنون ملتبسا بنعمة ~~الله التي هي النبوة والرياسة العامة والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن ~~التبليغ إلى معارج الكمال مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه ~~صلى الله عليه وسلم والايذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه ويبلغه من العلو ~~إلى غاية لا غاية وراءها والمراد تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما كانوا ~~ينسبونه صلى الله عليه وسلم اليه من الجنون حسدا وعداوة ومكابرة مع جزمهم ~~بأنه صلى الله عليه ms3226 وسلم في غاية الغايات القاصية ونهاية PageV09P011 # النهايات النائية من حصانة العقل ورزانة الرأي «وإن لك» بمقابلة مقاساتك ~~ألوان الشدائد من جهتهم وتحملك لأعباء الرسالة «لأجرا» لثوابا عظيما لا ~~يقادر قدره «غير ممنون» مع عظمه كقوله تعالى عطاء غير مجذوذ أو غير ممنون ~~عليك من جهة الناس فإنه عطاؤه تعالى بلا توسط «وإنك لعلى خلق عظيم» لا يدرك ~~شأوه أحد من الخلق ولذلك تحتمل من جهتهم مالا يكاد يحتمله البشر وسئلت ~~عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن ~~الست تقرأ القرآن قد أفلح المؤمنون والجملتان معطوفتان على جواب القسم ~~«فستبصر ويبصرون» قال ابن عباس رضي الله عنهما فستعلم ويعلمون يوم القيامة ~~حين يتبين الحق من الباطل وقيل فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة امركم ~~بغلبة الاسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب وصيرورتك مهيبا معظما في قلوب ~~العالمين وكونهم أذلة صاغرين قال مقاتل هذا وعيد بعذاب يوم بدر «بأيكم ~~المفتون» اي أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة أو بأيكم الجنون على أن ~~المفتون مصدر كالمعقول والمجلود أو بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق ~~المؤمنين أم بفريق الكافرين اي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهو تعريض ~~بأبي جهل بن هشام والوليد ابن المغيرة واضربهما كقوله تعالى سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر وقوله تعالى «إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله» تعليل لما ينبئ ~~عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد وتأكيدا لما فيه من الوعد ~~والوعيد اي هو اعلم بمن ضل عن سبيله تعالى المؤدي إلى سعادة الدارين وهام ~~في تيه الضلال متوجها إلى ما يفيضه إلى الشقاوة الأبدية وهذا هو المجنون ~~الذي لا يفرق بين النفع والضرر بل يحسب الضرر نفعا فيؤثره والنفع ضررا ~~فيهجره «وهو أعلم بالمهتدين» إلى سبيله الفائزين بكل مطلوب الناجين عن كل ~~محذور وهم العقلاء المراجيح فيجزي كلا من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب ~~والثواب وإعادة هو اعلم لزيادة التقرير والفاء في قوله تعالى «فلا تطع ms3227 ~~المكذبين» لترتيب النهي على ما ينبئ عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه ~~وسلم وضلالهم أو على جميع ما فصل من أول السورة وهذا PageV09P012 # تهييج والهاب للتصميم على معاصاتهم اي دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم ~~وتصلب في ذلك أو نهى عن مداهنتهم ومداراتهم باظهار خلاف ما في ضميره صلى ~~الله عليه وسلم استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم كما ينبئ عنه قوله تعالى ~~«ودوا لو تدهن» فإنه تعليل للنهي أو الانتهاء وانما عبر عنها بالطاعة ~~للمبالغة في الزجر والتنفير اي أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور ~~«فيدهنون» اي فهم يدهنون حينئذ أو فهم الان يدهنون طمعا في إدهانك وقيل هو ~~معطوف على تدهن داخل في حيز لو والمعنى ودوا لو يدهنون عقيب إدهانك ويأباه ~~ما سيأتي من بدئهم بالادهان على إدهانهم امر محقق لا يناسب ادخاله تحت ~~التمني وأيا ما كان فالمعتبر في جانبهم حقيقة الادهان الذي هو اظهار ~~الملاينة واضمار خلافها وأما في جانبه صلى الله عليه وسلم فالمعتبر بالنسبة ~~إلى ودادتهم هو اظهار الملاينة فقط واما اضمار خلافها فليس في حيز الاعتبار ~~بل هم في غاية الكراهة له وانما اعتباره بالنسبة اليه صلى الله عليه وسلم ~~وفي بعض المصاحف فيدهنوا على أنه جواب التمني المفهوم من ودوا أو ان ما ~~بعده حكاية لودادتهم وقيل على انه عطف على تدهن بناء على ان لو بمنزلة ان ~~الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولا لو دوا ~~كأنه قيل ودوا ان تدهن فيدهنوا وقيل لو على حقيقتها وجوابها محذوف وكذا ~~مفعول ودوا اي ودوا إدهانك لو تدهن فيدهنون لسروا بذلك «ولا تطع كل حلاف» ~~كثير الحلف في الحق والباطل تقديم هذا الوصف على سائر الأوصاف الزاجرة عن ~~الطاعة لكونه ادخل في الزجر «مهين» حقير الرأي والتدبير «هماز» عياب طعان ~~«مشاء بنميم» مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والافساد ~~بينهم فان النميم والنميمة السعاية «مناع للخير» اي بخيل أو ms3228 مناع للناس من ~~الخير الذي هو الايمان والطاعة والانفاق «معتد» متجاوز في الظلم «أثيم» ~~كثير الآثام «عتل» جاف غليظ من عتله إذا قاده بعنف وغلظة «بعد ذلك» بعد ما ~~عد من مثالبه «زنيم» دعي مأخوذ من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع ~~فتخلى متدلية في حلقها وفي قوله تعالى بعد ذلك دلالة على ان دعوته أشد ~~معايبة وأقبح قبائحه قيل هو الوليد بن المغيرة فإنه كان دعيا في قريش وليس ~~من سنخهم ادعاه المغيرة بعد ثماني عشرة من مولده وقيل هو الأخنس بن شريق ~~أصله من ثقيف وعداده في زهرة PageV09P013 # «أن كان ذا مال وبنين» متعلق بقوله تعالى لا تطع اي لا تطع من هذه مثالبه ~~لأن كان متمو لا مستظهرا بالبنين وقوله تعالى «إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين» استئناف جار مجرى التعليل للنهي وقيل متعلق بما دل عليه ~~الجملة الشرطية من معنى الجحود ذو التكذيب لا بجواب الشرط لأن ما بعد الشرط ~~لا يعمل فيما قبله كأنه قيل لكونه مستظهرا بالمال والبنين كذب بآياتنا وفيه ~~انه بدل ان مدار تكذيبه كونه ذا مال وبنين من غير أن يكون لسائر قبائحه دخل ~~في ذلك وقرئ أأن كان على معنى الان كان ذا مال كذب بها أو أتطيعه لأن كان ~~ذا مال وقرئ ان كان بالكسر والشرط للمخاطب اي لا تطع كل حلاف شارطا يساره ~~لأن إطاعة الكافر لغناه بمنزلة اشتراط غناه في الطاعة «سنسمه على الخرطوم» ~~بالكي على أكرم مواضعه لغاية اهانته واذلاله قيل أصاب انف الوليد جراحة يوم ~~بدر فبقيت علامتها وقيل معناه سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها عن ~~سائر الكفرة «إنا بلوناهم» اي أهل مكة بالقحط بدعوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «كما بلونا أصحاب الجنة» وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه ~~الجنة دون صنعاء بفرسخين فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي وكان ينادي ~~الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأه المنجل وما في أسفل الأكداس وما ~~أخطأه القطاف ms3229 من العنب وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت ~~فكان يجتمع لهم شيء كثير فلما مات أبوهم قال بنوه ان فعلنا ما كان يفعل ~~أبونا ضاق علينا الأمر فحلفوا فيما بينهم وذلك قوله تعالى «إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين» ليقطعنها داخلين في الصباح «ولا يستثنون» اي لا يقولون ان ~~شاء الله وتسميته استثناء مع انه شرط من حيث ان مؤداه مؤدي الاستثناء فان ~~قولك لأخرجن ان شاء الله ولا اخرج الا ان يشاء الله بمعنى واحد أو ولا ~~يستثنون حصة المساكين كما كان يفعله أبوهم والجملة مستأنفة «فطاف عليها» اي ~~على الجنة «طائف» بلاء طائف وقرئ طيف «من ربك» مبتدأ من جهته تعالى «وهم ~~نائمون» غافلون عما جرت به المقادير PageV09P014 # «فأصبحت كالصريم» كالبستان الذي صرمت ثماره بحيث لم يبق منها شيء فعيل ~~بمعنى مفعول وقيل كالليل اي احترقت فاسودت وقيل كالنهار اي يبست وابيضت ~~سميا بذلك لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه وقيل الصريم الرمال «فتنادوا» اي ~~نادى بعضهم بعضا «مصبحين» داخلين في الصباح «أن اغدوا» اي اغدوا على أن أن ~~مفسرة أو بأن اغدوا على انها مصدرية اي اخرجوا غدوة «على حرثكم» بستانكم ~~وضيعتكم وتعدية الغدو بعلى لتضمينه معنى الاقبال أو الاستيلاء «إن كنتم ~~صارمين» قاصدين للصرم «فانطلقوا وهم يتخافتون» اي يتشاورون فيما بينهم ~~بطريق المخافتة وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى الكتم ومنه الخفدود للخفاش ~~«أن لا يدخلنها» اي الجنة «اليوم عليكم مسكين» ان مفسرة لما في التخافت من ~~معنى القول وقرئ بطرحها على اضمار القول والمراد بنهي المسكين عن الدخول ~~المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم لا أرينك ههنا «وغدوا على ~~حرد قادرين» اي على نكد لا غير من حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر وحاردت ~~الإبل إذا منعت درها والمعنى انهم أرادوا ان يتنكدوا على المساكين ويحرموهم ~~وهم قادرون على نفعهم فغدوا بحال لا يقدرون فيها الا على النكد والحرمان ~~وذلك انهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة أو وغدوا على ms3230 ~~محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ~~ومنافعها اي غدوا حاصلين على النكد والحرمان مكان كونهم قادرين على ~~الانتفاع وقيل الحرد الحرد وقد قرىء بذلك اي لم يقدروا الا على حنق بعضهم ~~لبعض لقوله تعالى يتلاومون وقيل الحرد القصد والسرعة اي غدوا قاصدين إلى ~~جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وقيل هو علم للجنة «فلما رأوها ~~قالوا» في بديهة رؤيتهم «إنا لضالون» اي طريق جنتنا وما هي بها PageV09P015 # «بل نحن محرومون» قالوه بعد ما تأملوا ووقفوا على حقيقة الأمر مضربين عن ~~قولهم الأول اي لسنا ضالين بل نحن محرمون حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا ~~«قال أوسطهم» اي رأيا أو سنا «ألم أقل لكم لولا تسبحون» لولا تذكرون الله ~~تعالى وتنوبون اليه من خبث نيتكم وقد كان قال لهم حين عزموا على ذلك اذكروا ~~الله وتوبوا اليه عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم وسارعوا إلى حسم شرها ~~قبل حلول النقمة فعصوه فعيرهم كما ينبئ عنه قوله تعالى «قالوا سبحان ربنا ~~إنا كنا ظالمين» وقيل المراد بالتسبيح الاستثناء لاشتراكهما في التعظيم أو ~~لأنه تنزيه له تعالى عن ان يجري في ملكه مالا يشاؤه «فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون» اي يلوم بعضهم بعضا فان منهم من أشار بذلك ومنهم من استصوبه ~~ومنهم من سكت راضيا به ومنهم من أنكره «قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين» ~~متجاوزين حدود الله «عسى ربنا أن يبدلنا» وقرئ بالتشديد اي يعطينا بدلا ~~منها ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة «خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون» ~~راجعون العفو طالبون الخير والى لانتهاء الرغبة أو لتضمنها معنى الرجوع عن ~~مجاهد تابوا فأبدلوا خيرا منها وروي أنهم تعاقدوا وقالوا ان أبدلنا الله ~~خيرا منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله تعالى وتضرعوا اليه فأبدلهم ~~الله تعالى من ليلتهم ما هو خير منها قالوا ان الله تعالى امر جبريل عليه ~~السلام ان يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ من ~~الشام جنة فيجعلها مكانها وقال ابن ms3231 مسعود رضي الله تعالى عنه ان القوم لما ~~أخلصوا وعرف الله منهم الصدق أبدلهم جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل ~~البغل منه عنقودا وقال أبو خالد اليماني دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود ~~منها كالرجل الأسود القائم وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم ~~من أهل النار فقال لقد كلفتني تعبا وعن الحسن رحمه الله تعالى قول أصحاب ~~الجنة انا إلى ربنا راغبون لا أدري ايمانا كان ذلك منهم أو على حد ما يكون ~~من المشركين إذا أصابتهم الشدة فتوقف في أمرهم والأكثرون على أنهم تابوا ~~وأخلصوا حكاه القشيري PageV09P016 # «كذلك العذاب» جملة من مبتدأ وخبر مقدم لإفادة القصر والألف واللام للعهد ~~اي مثل الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا «ولعذاب الآخرة ~~أكبر» أعظم وأشد «لو كانوا يعلمون» انه أكبر لاحترزوا عما يؤديهم اليه «إن ~~للمتقين» اي من الكفر والمعاصي «عند ربهم» اي في الآخرة أو في جوار القدس ~~«جنات النعيم» جنات ليس فيها الا التنعم الخالص عن شائبة ما ينغصه من ~~الكدورات وخوف الزوال كما عليه نعيم الدنيا وقوله تعالى «أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين» تقرير لما قبله من فوز المتقين بجنات النعيم ورد لما يقوله ~~الكفرة عند سماعهم بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين فيها فإنهم كانوا ~~يقولون ان صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ~~ما هي في الدنيا وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا وأقصى أمرهم أن يساوونا ~~والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنحيف في الحكم ~~فنجعل المسلمين كالكافرين ثم قيل لهم بطريق الالتفات لتأكيد الرد وتشديده ~~«ما لكم كيف تحكمون» تعجيبا من حكمهم واستبعادا له وإيذانا بأنه لا يصدر عن ~~عاقل «أم لكم كتاب» نازل من السماء «فيه تدرسون» أي تقرؤن «إن لكم فيه لما ~~تخيرون» أي ما تتخيرونه وتشتهونه وأصله أن لكم بالفتح لأنه مدروس فلما جيء ~~باللام كسرت ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو كقوله تعالى وتركنا ms3232 عليه ~~في الآخرين سلام على نوح في العالمين وتخير الشيء واختياره اخذ خيره «أم ~~لكم أيمان علينا» اي عهود مؤكدة بالأيمان «بالغة» متناهية في التوكيد وقرئت ~~بالنصب على الحال والعامل فيها أحد الظرفين «إلى يوم القيامة» متعلق ~~بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم ~~يومئذ ونعطيكم ما تحكمون أو ببالغة اي ايمان تبلغ ذلك اليوم وتنتهي اليه ~~وافرة لم تبطل منها يمين «إن لكم لما تحكمون» جواب القسم لان معنى أم لكم ~~علينا ايمان PageV09P017 # أم أقسمنا لكم «سلهم» تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإسقاطهم عن رتبة الخطاب اي سلهم مبكتا لهم «أيهم بذلك» الحكم ~~الخارج عن العقول «زعيم» اي قائم يتصدى لتصحيحه «أم لهم شركاء» يشاركونهم ~~في هذا القول ويذهبون مذهبهم «فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين» في دعواهم ~~إذ لا أقل من التقليد وقد نبه في هذه الآيات الكريمة على أن ليس لهم شيء ~~يتوهم ان يتشبثوا به حتى التقليد الذي لا يفلح من تشبث بذيله وقيل المعنى ~~أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة «يوم يكشف عن ساق» اي يوم ~~يشتد الأمر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل في ذلك وأصله تشمير المخدرات عن ~~سوقهن في الهرب قال حاتم: # أخو الحرب ان عضت به الحرب عضها * وان شمرت عن ساقها الحرب شمرا وقيل ساق ~~الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الانسان اي يوم يكشف عن أصل ~~الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصولها بحيث تصير عيانا وتنكيره للتهويل أو ~~التعظيم وقرئ تكشف بالتاء على البناء للفاعل والمفعول والفعل للساعة أو ~~الحال وقرئ نكشف بالنون ويكشف بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر اي ~~دخل في الكشف وناصب الظرف فليأتوا أو مضمر مقدم اي اذكر يوم الخ أو مؤخر اي ~~يوم يكشف عن ساق الخ يكون من الأهوال وعظائم الأحوال مالا يبلغه الوصف ~~«ويدعون إلى السجود» توبيخا وتعنيفا على تركهم إياه في الدنيا وتحسيرا لهم ~~على ms3233 تفريطهم في ذلك «فلا يستطيعون» لزوال القدرة عليه وفي دلالة على أنهم ~~يقصدون السجود فلا يتأتى منهم عن ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه تعقم أصلا ~~بهم أي ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض وفي الحديث وتبقى ~~أصلابهم طبقا واحدا اي فقارة واحدة «خاشعة أبصارهم» حال من مرفوع يدعون على ~~أن ابصارهم مرتفع به على الفاعلية ونسبة الخشوع إلى الأبصار لظهور أثره ~~فيها «ترهقهم» تلحقهم وتغشاهم «ذلة» شديدة «وقد كانوا يدعون إلى السجود» في ~~الدنيا والاظهار في موضوع الاضمار لزيادة التقرير أو لأن المراد به الصلاة ~~أو ما فيها من السجود والدعوة دعوة التكليف «وهم سالمون» متمكنون منه أقوى ~~تمكن اي فلا يجيبون اليه ويأبونه وانما ترك ذكره ثقة بظهوره «فذرني ومن ~~يكذب بهذا الحديث» اي كله إلى فاني أكفيك أمره أي حسبك في الايقاع ~~PageV09P018 # به والانتقام منه أن تكل أمره إلي وتخلي بيني وبينه فاني عالم بما يستحقه ~~من العذاب ومطيق له والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكية ~~اي وإذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرني ومن يكذب بهذا القرآن وتوكل على في ~~الانتقام منه وقوله تعالى «سنستدرجهم» استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب ~~المستفاد من الأمر السابق اجمالا والضمير لمن والجمع باعتبار معناها كما أن ~~الافراد في يكذب باعتبار لفظها اي سنستنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة ~~بالاحسان وإدامة الصحة وازدياد النعمة «من حيث لا يعلمون» انه استدراج وهو ~~الانعام عليهم بل يزعمون انه ايثار لهم وتفضيل على المؤمنين مع انه سبب ~~لهلاكهم «وأملي لهم» وأمهلهم ليزدادوا اثما وهم يزعمون أن ذلك لإرادة الخير ~~بهم «إن كيدي متين» لا يوقف عليه ولا يدفع بشيء وتسمية ذلك كيدا لكونه في ~~صورة الكيد «أم تسألهم» على الابلاغ والارشاد «أجرا» دنيويا «فهم» لأجل ذلك ~~«من مغرم» أي غرامة مالية «مثقلون» مكلفون حملا ثقيلا فيعرضون عنك «أم ~~عندهم الغيب» اي اللوح أو المغيبات «فهم يكتبون» منه ما يحكمون ويستغنون به ~~عن علمك «فاصبر لحكم ربك» وهو امهالهم ms3234 وتأخير نصرتك عليهم «ولا تكن كصاحب ~~الحوت» اي يونس عليه السلام «إذ نادى» في بطن الحوت «وهو مكظوم» مملوء غيظا ~~والجملة حال من ضمير نادى وعليها يدور النهي لا على النداء فإنه امر مستحسن ~~ولذلك لم يذكر المنادى وإذ منصوب بمضاف محذوف اي لا يكن حالك كحاله وقت ~~ندائه اي لا يوجد منك ما وجد منه من المضجر والمغاضبة فتبتلي ببلائه «لولا ~~أن تداركه نعمة من ربه» وقرئ رحمة وهو توفيقه للتوبة وقبولها منه وحسن ~~تذكير الفعل للفصل بالضمير وقرئ تداركته وتداركه أي تتداركه على حكاية ~~الحال الماضية بمعنى لولا أن كان يقال تتداركه «لنبذ بالعراء» بالأرض ~~الخالية من الأشجار «وهو مذموم» مليم مطرود من الرحمة والكرامة وهو حال من ~~مرفوع نبذ عليها يعتمد جواب لولا لأنها هي المنتفية لا النبذ بالعراء كما ~~مر في الحال الأولى والجملة الشرطية استئناف وارد لبيان كون المنهي عنه ~~أمرا محذورا مستتبعا للغائلة وقوله تعالى «فاجتباه ربه» عطف على مقدر اي ~~فتداركته نعمة من ربه فاجتباه بأن رد اليه الوحي وأرسله إلى PageV09P019 # مائة الف أو يزيدون وقيل استنبأه ان صح أنه لم يكن نبيا قبل هذه الواقعة ~~«فجعله من الصالحين» من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل فعلا يكون ~~تركه أولى روي أنها نزلت بأحد حين هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو ~~على المنهزمين من المؤمنين وقيل حين أراد ان يدعو على ثقيف «وإن يكاد الذين ~~كفروا ليزلقونك بأبصارهم» وقرئ ليزلقونك بفتح الياء من زلقه بمعنى أزلقه ~~ويزهقونك وان هي المخففة واللام دليلها والمعنى أنهم من شدة عداوتهم لك ~~ينظرون إليك شزرا بحيث يكادون يزلون قدمك فيرمونك من قولهم نظر إلى نظرا ~~يكاد يصر عني اي لو أمكنه بنظره الصرع لفعله أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين ~~إذ قد روي أنه كان في بني أسد عيانون فأراد بعضهم أن يعين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت وفي الحديث ان العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ~~ولعله من خصائص بعض ms3235 النفوس وعن الحسن دواء الإصابة بالعين ان تقرأ هذه ~~الآية «لما سمعوا الذكر» أي وقت سماعهم بالقرآن على أن لما ظرفية منصوبة ~~بيزلقونك وذلك لاشتداد بغضهم وحسدهم عند سماعه «ويقولون» لغاية حيرتهم في ~~أمره عليه الصلاة والسلام ونهاية جهلهم بما في تضاعيف القرآن من تعاجيب ~~الحكم وبدائع العلوم المحجوبة عن العقول المنغمسة بأحكام الطبائع ولتنفير ~~الناس عنه «إنه لمجنون» وحيث كان مدار حكمهم الباطل ما سمعوه منه عليه ~~الصلاة والسلام رد ذلك ببيان علو شأنه وسطوع برهانه فقيل «وما هو إلا ذكر ~~للعالمين» على أنه حال من فاعل يقولون مفيدة لغاية بطلان قولهم وتعجيب ~~السامعين من جرأتهم على تفوه تلك العظيمة أي يقولون ذلك والحال أنه ذكر ~~للعالمين أي تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون اليه من أمور دينهم فأين من أنزل ~~عليه ذلك وهو مطلع على أسراره طرأ ومحيط بجميع حقائقه خبرا مما قالوا وقيل ~~معناه شرف وفضل لقوله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وقيل الضمير لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكونه مذكرا وشرفا للعالمين لا ريب فيه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله ~~أخلاقهم PageV09P020 # سورة الحافة مكية وآياتها اثنتان وخمسون آية «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~«الحاقة» اي الساعة أو الحالة الثابتة الوقوع الواجبة المجيء لا محالة أو ~~التي يحق فيها الأمور الحقة من الحساب والثواب والعقاب أو التي تحق فيها ~~الأمور اي تعرف على الحقيقة من حقه يحقه إذا عرف حقيقة جعل الفعل لها ~~ومجازا وهو لما فيها من الأمور أو لمن فيها من أولى العلم وأيا ما كان فحذف ~~الموصوف للايذان بكمال ظهور اتصافه بهذه الصفة وجريانها مجرى الاسم ~~وارتفاعها على الابتداء خبرها «ما الحاقة» إلى أن ما مبتدأ ثان والحاقة ~~خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول والأصل ما هي اي أي شيء هي في حالها وصفتها ~~فان ما قد يطلب بها الصفة والحال فوضع الظاهر موضع المضمر تأكيدا لهولها ~~هذا ما ذكروه في اعراب هذه الجملة ms3236 ونظائرها وقد سبق في سورة الواقعة ان ~~مقتضى التحقيق ان تكون ما الاستفهامية خبرا لما بعدها فان مناط الإفادة ~~بيان ان الحاقة امر بديع وخطب فظيع كما يفيده كون ما خبرا لا بيان أن أمرا ~~بديعا الحاقة كما يفيده كونها مبتدأ وكون الحاقة خبرا وقوله تعالى «وما ~~أدراك» اي وأي شيء أعلمك «ما الحاقة» تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها ~~عن دائرة علوم المخلوقات على معنى أن عظم شأنها ومدى هولها وشدتها بحيث لا ~~تكاد تبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك وأعظم ~~فلا يتسنى الأعلام وما في حيز الرفع على الابتداء وأدراك خبره ولا مساغ ~~ههنا للعكس وما الحاقة جملة من مبتدأ وخبر على الوجه الذي عرفته محلها ~~النصب على اسقاط الخافض لأن أدري يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في ~~قوله تعالى ولا أدراكم به فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع ~~المفعول الثاني والجملة الكبيرة معطوفة على ما قبلها من الجملة الواقعة ~~خبرا لقوله تعالى الحاقة مؤكدة لهولها كما مر «كذبت ثمود وعاد بالقارعة» اي ~~بالحالة التي تقرع الناس بفنون الافزاع والأهوال والسماء بالانشقاق ~~والانفطار والأرض والجبال بالدك PageV09P021 # والنسف والنجوم بالطمس والانكدار ووضعها موضع ضمير الحاقة للدلالة على ~~معنى القرع فيها تشديدا لهولها والجملة استئناف مسوق لأعلام بعض أحوال ~~الحاقة له عليه الصلاة والسلام اثر تقرير أنه ما أدراه عليه الصلاة والسلام ~~بها أحد كما في قوله تعالى وما أدراك ما هي نار حامية ونظائره خلا أن ~~المبين هناك نفس المسؤول عنها وههنا حال من أحوالها كما في قوله تعالى وما ~~أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر فكما أن المبين هناك ليس ~~نفس ليلة القدر بل فضلها وشرفها كذلك المبين ههنا هول الحاقة وعظم شأنها ~~وكونها بحيث يحق اهلاك من يكذب بها كأنه قيل وما أدراك ما الحاقة كذبت بها ~~ثمود وعاد فأهلكوا «فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية» اي بالواقعة المجاوزة للحد ~~وهي الصيحة أو الراجفة «وأما عاد ms3237 فأهلكوا بريح صرصر» اي شديدة الصوت لها ~~صرصرة أو شديدة البرد تحرق ببردها «عاتية» شديدة العصف كأنها عتت على ~~خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها أو على عاد فلم يقدروا على ردها وقوله تعالى ~~«سخرها عليهم» الخ استئناف جيء به بيانا لكيفية اهلاكهم بالريح اي سلطها ~~الله عليهم بقدرته القاهرة «سبع ليال وثمانية أيام حسوما» اي متتابعات جمع ~~حاسم كشهود جمع شاهد من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها أو نحسات حسمت كل ~~خير واستأصلته أو قاطعات قطعت دابرهم ويجوز ان يكون مصدرا منتصبا على العلة ~~بمعنى قطعا أو على المصدر لفعله المقدر حالا اي تحسمهم حسوما ويؤيده ~~القراءة بالفتح وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء ~~الآخر وانما سميت عجوزا لأن عجوزا من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في ~~اليوم الثامن فأهلكتها وقيل هي أيام العجز وهي آخر الشتاء وأسماؤها الصن ~~والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفئ الجمر وقيل ومكفئ الظعن ~~«فترى القوم» ان كنت حاضرا حينئذ «فيها» في مهابها أو في تلك الليالي ~~والأيام «صرعى» موتى جمع صريع «كأنهم أعجاز نخل» اي أصول نخل «خاوية» ~~متأكلة الأجواف «فهل ترى لهم من باقية» أي بقية أو نفس باقية أو بقاء على ~~أنها مصدر كالكاذبة والطاغية «وجاء فرعون ومن قبله» اي ومن تقدمه وقرئ ومن ~~قبله اي ومن عنده من أتباعه ويؤيده انه قرىء ومن معه «والمؤتفكات» أي قرى ~~قوم لوط اي أهلها «بالخاطئة» بالخطأ أو بالفعلة أو الأفعال ذات الخطأ التي ~~من جملتها تكذيب PageV09P022 # البعث والقيامة «فعصوا رسول ربهم» اي فعصى كل أمة رسولها حين نهوهم عما ~~كانوا يتعاطونه من القبائح «فأخذهم» اي الله عزل وجل «أخذة رابية» اي زائدة ~~في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح من ربا الشيء إذ زاد «إنا لما طغى ~~الماء» بسبب اصرار قوم نوح على فنون الكفر والمعاصي ومبالغتهم في تكذيبه ~~عليه الصلاة والسلام فيما أوحى اليه من الأحكام التي من جملتها أحوال ~~القيامة «حملناكم» اي في أصلاب آبائكم «في ms3238 الجارية» في سفينة نوح عليه ~~السلام والمراد بحملهم فيها رفعهم فوق الماء إلى انقضاء أيام الطوفان لا ~~مجرد رفعهم إلى السفينة كما يعرب عنه كلمة في فإنها ليست بصلة للحمل بل ~~متعلقة بمحذوف هو حال من مفعوله اي رفعناكم فوق الماء وحفظناكم حال كونكم ~~في السفينة الجارية بأمرنا وحفظنا وفيه تنبيه على أن مدار نجاتهم محض عصمته ~~تعالى انما السفينة سبب صوري «لنجعلها» اي لنجعل الفعلة التي هي عبارة عن ~~انجاء المؤمنين واغراق الكافرين «لكم تذكرة» عبرة ودلالة على كمال قدرة ~~الصانع وحكمته وقوة قهره وسعة رحمته «وتعيها» اي تحفظها والوعي ان تحفظ ~~الشيء في نفسك والايعاء ان تحفظه في غير نفسك من وعاء وقرئ تعيها بسكون ~~العين تشبيها له بكتف «أذن واعية» اي اذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه ~~بتذكره واشاعته والتفكر فيه ولا تضيعه بترك العمل به والتنكير للدلالة على ~~قلتها وأن من هذا شأنه مع قلته يتسبب لنجاة الجم الغفير وإدامة نسلهم وقرئ ~~اذن بالتخفيف «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» شروع في بيان نفس الحاقة ~~وكيفة وقوعها اثر بيان عظم شأنها باهلاك مكذبيها وانما اسند الفعل إلى ~~المصدر لتقييده وحسن تذكيره للفصل وقرئ نفخة واحدة بالنصب على اسناد الفعل ~~إلى الجار والمجرور والمراد بها النفخة الأولى التي عندها خراب العالم ~~«وحملت الأرض والجبال» أي قلعت ورفعت من أماكنها بمجرد القدرة الإلهية أو ~~بتوسط الزلزلة أو الريح العاصفة «فدكتا دكة واحدة» اي فضربت الجملتان اثر ~~رفعهما بعضها ببعض ضربة واحدة حتى تندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا وقيل ~~فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا من قولهم ~~اندك السنام إذا تفرش وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان «فيومئذ» فحينئذ ~~«وقعت PageV09P023 # الواقعة» اي قامت القيامة «وانشقت السماء» لنزول الملائكة «فهي» اي ~~السماء «يومئذ واهية» ضعيفة مسترخية بعد ما كانت محكمة «والملك» اي الخلق ~~المعروف بالملك «على أرجائها» اي جوانبها جمع رجا بالقصر أي تنشق السماء ~~التي هي مساكنهم فيلجأون إلى أكنافها ms3239 وحافاتها «ويحمل عرش ربك فوقهم» فوق ~~الملائكة الذين هم الأرجاء أو فوق الثمانية «يومئذ ثمانية» من الملائكة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله ~~تعالى بأربعة آخرين فيكونون ثمانية وروي ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض ~~السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون مسبحون وقيل بعضهم على صورة الانسان ~~وبعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر وروي ~~ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما ~~وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك ~~بعد قدرتك وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك ~~وعن الحسن الله أعلم أثمانية أم ثمانية آلاف وعن الضحاك ثمانية صفوف لا ~~يعلم عددهم الا الله تعالى ويجوز ان يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر ~~وقيل هو تمثيل لعظمته تعالى بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على ~~الناس للقضاء العام لكونها أقصى ما يتصور من العظمة والجلال والا فشأنه ~~سبحانه اجل من كل ما يحيط به فلك العبارة والإشارة «يومئذ تعرضون» اي ~~تسألون وتحاسبون عبر عنه بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر لتعرف أحوالهم ~~روي ان في يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ وأما ~~الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك بشماله وهذا ~~وان كان بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم اسما لزمان متسع يقع فيه ~~النفختان والصعقة والنشور والحساب وادخال أهل الجنة وأهل النار النار صح ~~جعله ظرفا للكل «لا تخفى منكم خافية» حال من مرفوع تعرضون اي تعرضون غير ~~خاف عليه تعالى سر من أسراركم قبل ذلك أيضا وانما العرض لإفشاء الحال ~~والمبالغ في العدل أو غير خاف يومئذ على الناس كقوله تعالى يوم تبلى ~~السرائر وقرئ يخفى بالياء التحتانية «فأما من أوتي كتابه بيمينه» تفصيل ~~لأحكام العرض «فيقول» تبجحا وابتهاجا «هاؤم اقرؤوا كتابيه» ها اسم لخذ وفيه ~~ثلاث ms3240 لغات أجودهن هاء يا رجل وهاء يا امرأة وهاؤما يا رجلان أو امرأتان ~~وهاؤون يا رجال وهاؤن يا نسوة ومفعولة محذوف وكتابيه مفعول اقرؤا لأنه أقرب ~~العالمين ولأنه PageV09P024 # لو كان مفعول هاؤم لقيل اقرؤه إذ الأولى اضماره حيث أمكن والهاء فيه وفي ~~حسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت في الوقف وتسقط في الوصل واستحب اثباتها ~~لثباتها في الامام «إني ظننت أني ملاق حسابيه» اي علمت ولعل التعبير عنه ~~بالظن للاشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي ~~لا ينفك عنها العلوم النظرية غالبا «فهو في عيشة راضية» ذات رضا على النسبة ~~بالصيغة كما يقال دارع في النسبة بالحرف أو جعل الفعل لها مجازا وهو ~~لصاحبها وذلك لكونها صافية عن الشوائب دائمة مقرونة بالتعظيم «في جنة ~~عالية» مرتفعة المكان لأنها في السماء أو الدرجات أو الأبنية والأشجار ~~«قطوفها» جمع قطف وهو ما يجتني بسرعة والقطف بالفتح مصدر «دانية» يتناولها ~~القاعد «كلوا واشربوا» باضمار القول والجمع باعتبار المعنى «هنيئا» أكلا ~~وشربا هنيئا أو هنئتم هنيئا «بما أسلفتم» بمقابلة ما قدمتهم من الأعمال ~~الصالحة «في الأيام الخالية» اي الماضية في الدنيا وعن مجاهد أيام الصيام ~~وروي يقول الله تعالى يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت ~~شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وخمصت بطونكم فكونوا اليوم في نعيمكم وكلوا ~~واشربوا الآية «وأما من أوتي كتابه بشماله» وأرى ما فيه من قبائح الأعمال ~~«فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه» «ولم أدر ما حسابيه» لما شاهد من سوء ~~العاقبة «يا ليتها» يا ليت الموتة التي متها «كانت القاضية» اي القاطعة ~~لأمري ولم ابعث بعدها ولم الق ما ألقى فضمير ليتها للموتة ويجوز ان يكون ~~لما شاهده من الحالة اي يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت على لما ~~أنه وجدها أمر من الموت فتمناه عندها وقد جوز أن يكون للحياة الدنيا أي ~~PageV09P025 # يا ليت الحياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا «ما أغنى عني ماليه» مالي ~~من المال والاتباع ms3241 على ان ما نافية والمفعول محذوف أو استفهامية للانكار أي ~~أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار «هلك عني سلطانيه» اي ملكي وتسلطي على ~~الناس أو حجتي إلى كنت احتج بها في الدنيا أو تسلطي على القوي والآلات ~~فعجزت عن استعمالها في العبادات «خذوه» حكاية لما يقوله الله تعالى يومئذ ~~لخزنة النار «فغلوه» اي شدوه بالاغلال «ثم الجحيم صلوه» اي لا تصلوه الا ~~الجحيم وهي النار العظيمة ليكون الجزاء على وفق المعصية حيث كان يتعاظم على ~~الناس «ثم في سلسلة ذرعها» اي طولها «سبعون ذراعا فاسلكوه» فأدخلوه فيها ~~بأن تلفوها على جسده فهو فيما بينها مرهق لا يستطع حراكا ما وتقديم السلسلة ~~كتقديم الجحيم للدلالة على الاختصاص والاهتمام بذكر ألوان ما يعذب ألوان ما ~~يعذب به وثم لتفاوت ما بين الغل والتصلية وما بينهما وبين السلك في السلسلة ~~في الشدة «إنه كان لا يؤمن بالله العظيم» تعليل بطريق الاستئناف التحقيقي ~~ووصفه تعالى بالعظم للايذان بأنه المستحق للعظمة فحسب فمن نسبها إلى نفسه ~~استحق أعظم العقوبات «ولا يحض على طعام المسكين» ولا يحث على بذل طعامه أو ~~على اطعامه فضلا ان يبذل ما من ماله وقيل ذكر الحض للتنبيه على أن تارك ~~الحض بهذه المنزلة فما ظنك بتارك الفعل وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون ~~بالفروع في حق المؤاخذة قالوا تخصيص الامرين بالذكر لما أن أقبح العقائد ~~الكفر وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب «فليس له اليوم ها هنا حميم» اي ~~قريب يحميه ويدفع عنه ويحزن عليه لأن أولياءه يتحامونه ويفرون منه «ولا ~~طعام إلا من غسلين» اي من غسالة أهل النار PageV09P026 # وصديدهم فعلين من الغسل «لا يأكله إلا الخاطئون» أصحاب الخطايا من خطىء ~~الرجل إذا تعمد الذنب لا من الخطأ المقابل للصواب دون المقابل للعمد عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما انهم المشركون وقرئ الخاطيون بابدال الهمزة ياء وقرئ ~~بطرحها وقد جوز أن يراد بهم الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود ~~الله «فلا أقسم» اي فأقسم على أن ms3242 لا مزيدة للتأكيد وأما حمله على معنى نفي ~~الاقسام لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق فيرده تعيين المقسم به بقوله ~~تعالى «بما تبصرون» «وما لا تبصرون» كما مر في سورة الواقعة أي أقسم ~~بالمشاهدات والمغيبات وقيل بالدنيا والآخرة وقيل بالأجسام والأرواح والإنس ~~والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة والأول منتظم للكل «أنه» اي ~~القرآن «لقول رسول» يبلغه عن الله تعالى فان الرسول لا يقول عن نفسه «كريم» ~~على الله تعالى وهو النبي أو جبريل عليهما السلام «وما هو بقول شاعر» كما ~~تزعمون تارة «قليلا ما تؤمنون» ايمانا قليلا تؤمنون «ولا بقول كاهن» كما ~~تدعون ذلك تارة أخرى «قليلا ما تذكرون» اي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا ~~تتذكرون على أن القلة بمعنى النفي اي لا تؤمنون ولا تتذكرون أصلا قيل ذكر ~~الايمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية لما ان عدم مشابهة القرآن ~~الشعر أمر بين لا ينكره الا معاند بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على ~~تذكر أحواله عليه الصلاة والسلام ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ~~ومعاني أقوالهم وأنت خبير بأن ذلك أيضا مما لا يتوقف على تأمل قطعا وقرئ ~~بالياء فيهما «تنزيل من رب العالمين» نزله على لسان جبريل عليه السلام «ولو ~~تقول علينا بعض الأقاويل» سمي الافتراء تقولا لأنه قول متكلف والأقوال ~~المفتراة أقاويل تحقيرا لها كأنها جمع افعولة من القول كالأضاحيك ~~PageV09P027 # «لأخذنا منه باليمين» أي بيمينه «ثم لقطعنا منه الوتين» أي نياط قلبه ~~بضرب عنقه وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن ~~يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه وقيل اليمين بمعنى القوة قال ~~قائلهم إذا ما رأيه رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين «فما منكم» أيها الناس ~~«من أحد عنه» عن القتل أو المقتول «حاجزين» دافعين وصف لأحد فإنه عام ~~«وإنه» أي وإن القرآن «لتذكرة للمتقين» لأنهم المنتفعون به «وإنا لنعلم أن ~~منكم مكذبين» فنجازيهم على تكذيبهم «وإنه لحسرة على الكافرين» عند مشاهدتهم ~~لثواب المؤمنين «وإنه لحق اليقين» الذي لا يحوم حوله ريب ms3243 ما «فسبح باسم ربك ~~العظيم» اي فسبح بذكر اسمه العظيم تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه وشكرا ~~على ما أوحي إليك عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الحاقة حاسبه ~~الله حسابا يسيرا PageV09P028 # سورة المعارج مكية وآياتها اربع وأربعون «بسم الله الرحمن الرحيم» «سأل ~~سائل» اي دعا داع «بعذاب واقع» اي استدعاه وطلبه وهو النضر بن الحرث حيث ~~قال انكارا واستهزاء ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء أو ائتنا بعذاب اليم وقيل أبو جهل حيث قال أسقط علينا كسفا من ~~السماء وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري وذلك انه لما بلغه قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه من كنت مولاه فعلى مولاه قال اللهم ~~ان كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء فما لبث حتى رماه ~~الله تعالى بحجر فوقع على دماغه مخرج من أسفله فهلك من ساعته وقيل هو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم استعجل عذابهم وقرئ سأل وهو اما من السؤال على ~~لغة قريش فالمعنى ما مر أو من السيلان ويؤيده انه قرىء سال سيل اي اندفع ~~واد بعذاب واقع وصيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعه اما في الدنيا وهو ~~عذاب يوم بدر فان النضر قتل يومئذ صبرا وقد مر حال الفهري واما في الآخرة ~~فهو عذاب النار والله اعلم «للكافرين» صفة أخرى لعذاب اي كائن للكافرين أو ~~صلة لواقع أو متعلق بسأل اي دعا للكافرين بعذاب واقع وقوله تعالى «ليس له ~~دافع» صفة أخرى لعذاب أو حال منه لتخصصه بالصفة أو بالعمل أو من الضمير في ~~الكافرين على تقدير كونه صفة لعذاب أو استئناف «من الله» متعلق بواقع أو ~~بدافع اي ليس له دافع من جهته تعالى «ذي المعارج» ذي المصاعد التي يصعد ~~فيها الملائكة بالأوامر والنواهي أو هي عبارة عن السماوات المترتبة بعضها ~~فوق بعض «تعرج الملائكة والروح» اي جبريل عليه السلام افرد بالذكر لتميزه ~~وفضله وقيل الروح خلق ms3244 هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة على الناس ~~«إليه» إلى عرشه تعالى والى حيث تهبط منه أوامره تعالى وقيل هو من قبيل قول ~~إبراهيم PageV09P029 # عليه السلام اني ذاهب إلى ربي اي إلى حيث امرني به «في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة» مما يعده الناس وهو بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد ~~مداها على منهاج التمثيل والتخييل والمعنى انها من الارتفاع بحيث لو قدر ~~قطعها في زمان لكان ذلك الزمان مقدار خمسين الف سنة من سنى الدنيا وقيل ~~معناه تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى في يوم كان مقداره كمقدار خمسين ~~الف سنة اي يقطعون في يوم ما يقطعه الانسان في خمسين الف سنة لو فرض ذلك ~~وقيل في يوم متعلق بواقع وقيل بسأل على تقدير كونه من السيلان فالمراد به ~~يوم القيامة واستطالته اما لأنه كذلك في الحقيقة أو لشدته على الكفار أو ~~لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات وأيا ما كان فذلك في حق الكافر وأما في ~~حق المؤمن فلا لما روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه انه قيل لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما أطول هذا اليوم فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي ~~بيده انه ليخف على المؤمن حتى أنه يكون أخف من صلاة مكتوبة يصليها في ~~الدنيا وقوله تعالى «فاصبر صبرا جميلا» متعلق بسأل لأن السؤال كان عن ~~استهزاء وتعنت وتكذيب بالوحي وذلك مما يضجره عليه الصلاة والسلام أو كان عن ~~تضجر واستبطاء للنصر أو بسأل سائل أو سال سيل فمعناه جاء العذاب لقرب وقوعه ~~فقد شارفت الانتقام «إنهم يرونه» اي العذاب الواقع أو يوم القيامة على ~~تقدير تعلق في يوم بواقع «بعيدا» اي يستبعدونه بطريق الإحالة فلذلك يسألون ~~به «ونراه قريبا» هينا في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر على أن البعد ~~والقرب معتبران بالنسبة إلى الامكان والجملة تعليل للأمر بالصبر وقوله ~~تعالى «يوم تكون السماء كالمهل» متعلق بقريبا اي يمكن ولا يعتذر في ذلك ~~اليوم أو بمضمر دل عليه واقع ms3245 أو بمضمر مؤخر اي يوم تكون السماء كالمهل الخ ~~يكون من الأحوال والأهوال ما لا يوصف أو بدل من في يوم على تقدير تعلقه ~~بواقع هذا ما قالوا ولعل الأقرب ان قوله تعالى سأل سائل حكاية لسؤالهم ~~المعهود على طريقة قوله تعالى يسألونك عن الساعة وقوله تعالى ويقولون متى ~~هذا الوعد ونحوهما إذ هو المعهود بالوقوع على الكافرين لا ما دعا به النضر ~~أو أبو جهل الفهري فالسؤال بمعناه والباء بمعنى عن كما في قوله تعالى فأسال ~~به خبيرا وقوله تعالى ليس له دافع الخ استئناف مسوف لبيان وقوع المسؤول عنه ~~لا محالة وقوله تعالى فاصبر صبرا جميلا مترتب عليه وقوله تعالى انهم يرونه ~~بعيدا ونراه قريبا تعليل للأمر بالصبر كما ذكر وقوله تعالى يوم تكون الخ ~~متعلق بليس له دافع أو بما يدل هو عليه اي يقع يوم تكون السماء PageV09P030 # كالمهل وهو ما أذيب على مهل من الفلزات وقيل دردي الزيت «وتكون الجبال ~~كالعهن» كالصوف المصبوغ ألوانا لاختلاف ألوان الجبال منها جدد بيض وحمر ~~مختلف ألوانها وغرابيب سود فإذا بست وطيرت في الجو اشبهت العهن المنفوش إذا ~~طيرته الريح «ولا يسأل حميم حميما» اي لا يسأل قريب قريبا عن أحواله ولا ~~يكلمه لابتلاء كل منهم بما يشغله عن ذلك وقرئ على البناء للمفعول اي لا ~~يطلب من حميم حميم أولا يسأل منه حال «يبصرونهم» اي يبصر الأحماء الأحماء ~~فلا يخفون عليهم وما يمنعهم من التساؤل الا تشاغلهم بحال أنفسهم وقيل ما ~~يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده والأول ادخل في التهويل وجمع ~~الضميرين لعموم الحميم وقرئ يبصرونهم والجملة استئناف «يود المجرم» اي ~~يتمنى الكافر وقيل كل مذنب وقوله تعالى «لو يفتدي من عذاب يومئذ» اي العذاب ~~الذي ابتلوا به يومئذ «ببنيه» «وصاحبته وأخيه» حكاية لودادتهم ولو في معنى ~~التمني وقيل هي بمنزلة ان الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما ~~بعدها مصدر يقع مفعولا ليود والتقدير يود افتداءه ببنيه الخ والجملة ~~استئناف لبيان ان اشتغال كل ms3246 مجرم بنفسه بلغ إلى حيث يتمنى ان يفتدى بأقرب ~~الناس اليه وأعلقهم بقلبه فضلا ان يهتم بحاله ويسأل عنها وقرئ يومئذ بالفتح ~~على البناء للإضافة إلى غير متمكن وبتنوين عذاب ونصب يومئذ وانتصابه بعذاب ~~لأنه في معنى تعذيب «وفصيلته» اي عشيرته التي فصل عنهم «التي تؤويه» اي ~~تضمه في النسب أو عند الشدائد «ومن في الأرض جميعا» من الثقلين والخلائق ~~ومن للتغليب «ثم ينجيه» عطف على يفتدي اي يود لو يفتدي ثم لو ينجيه ~~الافتداء وثم لاستبعاد الانجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده ~~وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات «كلا» ردع للمجرم عن الودادة ~~وتصريح بامتناع انجاء الافتداء وضمير «إنها» اما للنار المدلول عليها بذكر ~~العذاب أو مبهم ترجم عند PageV09P031 # الخبر الذي هو قوله تعالى «لظى» وهي علم للنار منقول من اللظى بمعنى ~~اللهب «نزاعة للشوى» نصب على الاختصاص أو حال مؤكدة والشوى الأطراف أو جمع ~~شواة وهي جلدة الرأس وقرئ نزاعة بالرفع على أنه خبر ثاني لأن أو هو الخبر ~~ولظى بدل من الضمير أو الضمير للقصة ولظى مبتدأ ونزاعة خبره «تدعو» اي تجذب ~~وتحضر وقل تدعو وتقول لهم إلى إلى يا كافر يا منافق وقيل تدعو المنافقين ~~والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب وقيل تدعو تهلك وقيل تدعو ~~زبانيتها «من أدبر» اي عن الحق «وتولى» اعرض عن الطاعة «وجمع فأوعى» اي جمع ~~المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤد زكاته وحقوقه وتشاغل به عن الدين وزهى ~~باقتنائه حرصا وتأميلا «إن الإنسان خلق هلوعا» الهلع سرعة الجزع عند مس ~~المكروه وسرعة المنع عند مس الخير وقد فسره أحسن تفسير قوله تعالى «إذا مسه ~~الشر» اي الفقر والمرض ونحوهما «جزوعا» اي مبالغا في الجزع مكثرا منه «وإذا ~~مسه الخير» اي السعة والصحة «منوعا» مبالغا في المنع والامساك والأوصاف ~~الثلاثة أحوال مقدرة أو محققه لأنها طبائع جبل الانسان عليها وإذا الأولى ~~ظرف لجزوعا والثانية لمنوعا «إلا المصلين» استثناء للمتصفين بالنعوت ~~الجليلة الآتية من المطبوعين على ms3247 القبائح الماضية لأنباء نعوتهم عن ~~الاستغراق في طاعة الحق والاشفاق على الخلق والايمان بالجزاء والخوف من ~~العقوبة وكسر الشهوة وايثار الآجل على العاجل على خلاف القبائح المذكورة ~~الناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصر النظر عليه «الذين هم على صلاتهم ~~دائمون» لا يشغلهم عنها شاغل «والذين في أموالهم حق معلوم» اي نصيب معين ~~يستوجبونه PageV09P032 # على أنفسهم تقربا إلى الله تعالى واشفاقا على الناس من الزكاة المفروضة ~~والصدقات الموظفة «للسائل» الذي يسأله «والمحروم» الذي لا يسأله فيظن انه ~~غني فيحرم «والذين يصدقون بيوم الدين» اي بأعمالهم حيث يتعبون أنفسهم في ~~الطاعات البدنية والمالية طمعا في المثوبة الأخروية بحيث يستدل بذلك على ~~تصديقهم بيوم الجزاء «والذين هم من عذاب ربهم مشفقون» خائفون على أنفسهم مع ~~مالهم من الأعمال الفاضلة استقصارا لها واستعظاما لجنابه عز وجل كقوله ~~تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم إلى ربهم راجعون وقوله تعالى ~~«إن عذاب ربهم غير مأمون» اعتراض مؤذن بأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه ~~تعالى وان بالغ في الطاعة «والذين هم لفروجهم حافظون» «إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين» سلف تفسيره في سورة المؤمنين «فمن ~~ابتغى» اي طلب لنفسه «وراء ذلك» وراء ما ذكر من الأزواج والمملوكات ~~«فأولئك» المبتغون «هم العادون» المتعدون لحدود الله تعالى «والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون» لا يخلون بشيء من حقوقها «والذين هم بشهاداتهم ~~قائمون» اي مقيمون لها بالعدل احياء لحقوق الناس وتخصيصها بالذكر مع ~~اندراجها في الأمانات لإبانة فضلها وقرئ لأمانتهم وبشهادتهم على إرادة ~~الجنس «والذين هم على صلاتهم يحافظون» اي يراعون شرائطها PageV09P033 # ويكملون فرائضها وسننها ومستحباتها وآدابها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها ~~أولا وآخرا باعتبارين للدلالة على فضلها وإنافتها على سائر الطاعات وتكرير ~~الموصولات لتنزيل اختلاف الصفات منزلة اختلاف الذوات كما في قول من قال: # إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتائب في المزدحم ايذانا بأن كل ~~واحد من الأوصاف المذكورة نعت جليل على حياله له شأن خطير مستتبع لأحكام ~~جمة حقيق بأن ms3248 يفرد له موصوف مستقل ولا يجعل شيء منها تتمة للآخر «أولئك» ~~إشارة إلى الموصوفين بما ذكر من الصفات وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار إليهم للايذان بعلو شانهم وبعد منزلتهم في الفضل وهو مبتدأ خبرة ~~«في جنات» اى مستقرون في جنات لا يقادر قدرها ولا يدرك كنهها وقوله تعالى ~~«مكرمون» خبر اخر أو هو الخبر وفى جنات متعلق به قدم عليه لمراعاة الفواصل ~~أو بمضمر هو حال من الضمير في الخبر اى مكرمون كائنين في جنات «فمال الذين ~~كفروا قبلك» حولك «مهطعين» مسرعين نحوك مادي أعناقهم إليك مقبلين بابصارهم ~~عليك «عن اليمين وعن الشمال عزين» اى فرقا شتى جمع عزة واصلها عزوة من ~~العزو كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي اليه الأخرى كان المشركون يحلقون ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا وفرقا ويستهزؤن بكلامه ~~عليه الصلاة والسلام ويقولون ان دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها ~~قبلهم فنزلت «أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم» بلا ايمان «كلا» ردع ~~لهم عن ذلك الطمع الفارغ «إنا خلقناهم مما يعلمون» قيل هو تعليل للردع ~~والمعنى انا خلقناهم من أجل ما يعلمون كما في قول الأعشى: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذي هوى ان تزارا وهو تكميل النفس ~~بالايمان والطاعة فمن لم يستكملها بذلك فهو بمعزل من أن يبوأ مبوأ الكاملين ~~فمن أين لهم أن يطمعوا في دخول الجنة وهم مكبون على الكفر والفسوق وانكار ~~البعث وقيل معناه انا خلقناهم مما يعلمون من نطفة مذرة فمن اين يتشرفون ~~ويدعون التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم وقيل انهم مخلوقون من نطفة قدرة ~~لا تناسب عالم القدس فمتى لم تستكمل الايمان والطاعة ولم تتخلق بأخلاق ~~الملكية لم تستعد لدخولها ولا يخفى ما في الكل من التمحل والأقرب أنه كلام ~~مستأنف قد سبق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته تعالى على أن يهلكهم لكفرهم ~~بالبعث والجزاء PageV09P034 # واستهزائه برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما نزل ms3249 عليه من الوحي ~~وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية وينشئ بدلهم قوما آخرين فان قدرته تعالى ~~على ما يعلمون من النشأة الأولى حجة بينة على قدرته تعالى على ذلك كما يفصح ~~عنه الفاء الفصيحة في قوله تعالى «فلا أقسم برب المشارق والمغارب» والمعنى ~~إذا كان الأمر كما ذكر من أنا خلقناهم مما يعلمون فأقسم برب المشارق ~~والمغارب «إنا لقادرون» «على أن نبدل خيرا منهم» اي نهلكهم بالمرة حسبما ~~تقتضيه جناياتهم ونأتي بدلهم بخلق آخرين ليسوا على صفتهم «وما نحن ~~بمسبوقين» بمغلوبين ان أردنا ذلك لكن مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة ~~اقتضت تأخير عقوباتهم «فذرهم» فخلهم وشأنهم «يخوضوا» في باطلهم الذي من ~~جملته ما حكى عنهم «ويلعبوا» في دنياهم «حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» وهو ~~يوم البعث عند النفخة الثانية لا يوم النفخة الأولى كما توهم فان قوله ~~تعالى «يوم يخرجون من الأجداث» بدل من يومهم وقرئ يخرجون على البناء ~~للمفعول من الاخراج «سراعا» حال من مرفوع يخرجون اي مسرعين «كأنهم إلى نصب» ~~وهو كل ما نصب فعبد من دون الله تعالى وقرئ بسكون الصاد وبفتح النون وسكون ~~الصاد أيضا «يوفضون» يسرعون «خاشعة أبصارهم» وصفت ابصارهم بالخشوع مع انه ~~وصف الكل لغاية ظهور آثاره فيها «ترهقهم ذلة» تغشاهم ذلة شديدة «ذلك» الذي ~~ذكر ما سيقع فيه من الأحوال الهائلة «اليوم الذي كانوا يوعدون» في الدنيا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله تعالى ثواب ~~الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون PageV09P035 # سورة نوح عليه السلام مكية وآياتها ثمان وعشرون «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~«إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك» اي بأن أنذرهم على أن ان مصدرية ~~حذف منها الجار وأوصل إليها الفعل فان حذفه مع أن وان مطرد وجعلت صلتها ~~امرا كما في قوله تعالى وأن أقم وجهك لأن مدار وصلها بصيغ الأفعال دلالتها ~~على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والانشائية ووجوب كون الصلة خبرية في ~~الموصول الأسمى انما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل الخبرية ms3250 وليس ~~الموصول الحرفي كذلك وحيث استوى الخبر والانشاء في الدلالة على المصدر ~~استويا في صحة الوصل بهما فيتجرد عند ذلك كل منهما عن المعنى الخاص بصيغته ~~فيبقى الحدث المجرد عن معنى الأمر والنهي والمضي والاستقبال كأنه قيل ~~أرسلناه بالانذار وقيل المعنى أرسلناه بأن قلنا له انذر اي أرسلناه بالأمر ~~بالانذار ويجوز ان تكون أن مفسرة لما في الارسال من معنى القول فلا يكون ~~للجملة محل من الاعراب وعلى الأول محلها النصب عند سيبويه والفراء والجر ~~عند الخليل والكسائي كما هو المعروف وقرئ انذر بغير ان على إرادة القول «من ~~قبل أن يأتيهم عذاب أليم» عاجل أو آجل لئلا يبقى لهم عذر ما أصلا «قال» ~~استئناف مبنى على سؤال نشأ من حكاية ارساله عليه الصلاة والسلام بالوجه ~~المذكور كأنه قيل ما فعل عليه الصلاة والسلام فقيل قال لهم «يا قوم إني لكم ~~نذير مبين» منذر موضح لحقيقة الأمر وقوله تعالى «أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون» متعلق بنذير على الوجهين المذكورين «يغفر لكم من ذنوبكم» اي بعض ~~ذنوبكم وهو ما سلف في الجاهلية فان الاسلام يجبه «ويؤخركم إلى أجل مسمى» هو ~~الأمد الأقصى الذي قدره الله تعالى لهم بشرط الايمان والطاعة وراء ما قدره ~~لهم على تقدير بقائهم على الكفر والعصيان فان وصف الأجل بالمسمى وتعليق ~~تأخيرهم اليه PageV09P036 # بالايمان والطاعة صريح في أن لهم أجلا آخر لا يجاوزونه ان لم يؤمنوا وهو ~~المراد بقوله تعالى «إن أجل الله» اي ما قدر لكم على تقدير بقائكم على ~~الكفر «إذا جاء» وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر «لا يؤخر» فبادروا إلى ~~بالايمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحقق شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر ~~فلا يجيء ويتحقق شرط التأخير إلى الأجل المسمى فتؤخروا اليه ويجوز أن يراد ~~به وقت اتيان العذاب المذكور في قوله تعالى من قبل أن يأتيهم عذاب اليم ~~فإنه أجل مؤقت له حتما وحمله على الأجل الأطول مما لا يساعده المقام كيف لا ~~والجملة تعليل للأمر بالعبادة المستتبعة للمغفرة والتأخير ms3251 إلى الأجل المسمى ~~فلا بد أن يكون المنفي عند مجيء الأجل هو التأخير الموعود فكيف يتصور أن ~~يكون ما فرض مجيئه هو الأجل المسمى «لو كنتم تعلمون» اي لو كنتم تعلمون ~~شيئا لسارعتم إلى ما أمرتكم به «قال» اي نوح عليه الصلاة والسلام مناجيا ~~ربه وحاكيا له تعالى وهو أعلم بحاله ما جرى بينه وبين قومه من القيل والقال ~~في تلك المدد الطوال بعدما بذل في الدعوة غاية المجهود وجاوز في الانذار كل ~~حد معهود وضاقت عليه الحيل وعيت به العلل «رب إني دعوت قومي» إلى الايمان ~~والطاعة «ليلا ونهارا» اي دائما من غير فتور ولا توان «فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا» مما دعوتهم اليه واسناد الزيادة إلى الدعاء لسببيته كما في قوله ~~تعالى زادتهم ايمانا «وإني كلما دعوتهم» إلى الايمان «لتغفر لهم» بسببه ~~«جعلوا أصابعهم في آذانهم» اي سدوا مسامعهم من استماع الدعوة «واستغشوا ~~ثيابهم» اي بالغوا في التغطي بها كأنهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم أو تغشيهم ~~لئلا يبصروا كراهة النظر اليه أو لئلا يعرفهم فيدعوهم «وأصروا» اي أكبوا ~~على الكفر والمعاصي مستعار من أصر الحمار على العانة إذا أصر أذنيه وأقبل ~~عليها «واستكبروا» عن اتباعي وطاعتي «استكبارا» شديدا «ثم إني دعوتهم ~~جهارا» «ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا» اي دعوتهم تارة بعد تارة ومرة ~~غب مرة على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة وثم لتفاوت الوجوه فان الجهار أشد ~~من الاسرار والجمع بينهما أغلظ من الافراد أو لتراخي بعضها عن بعض وجهارا ~~منصوب بدعوتهم على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء أو أريد بدعوتهم جاهرتهم ~~PageV09P037 # أو هو صفة لمصدر أي دعوتهم دعاء جهارا اي مجاهرا به أو مصدر في موقع ~~الحال اي مجاهرا «فقلت استغفروا ربكم» بالتوبة عن الكفر والمعاصي «إنه كان ~~غفارا» للتائبين كأنهم تعللوا وقالوا ان كنا على الحق فكيف نتركه وان كنا ~~على الباطل فكيف يقبلنا بعد ما عكفنا عليه دهرا طويلا فأمرهم بما يمحق ما ~~سلف منهم من المعاصي ويجلب إليهم المنافع ولذلك وعدهم بما هو ms3252 أوقع في ~~قلوبهم وأحب إليهم من الفوائد العاجلة وقيل لما كذبوه بعد تكرير الدعوة حبس ~~الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وقيل سبعين سنة ~~فوعدهم انهم ان آمنوا ان يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما كانوا فيه ~~«يرسل السماء عليكم مدرارا» اي كثير الدرور والمراد بالسماء المظلة أو ~~السحاب «ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات» بساتين «ويجعل لكم» فيها ~~«أنهارا» جارية «ما لكم لا ترجون لله وقارا» انكار لأن يكون لهم سبب ما في ~~عدم رجائهم لله تعالى وقارا على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد ولا ترجون حال من ~~ضمير المخاطبين والعامل فيها معنى الاستقرار في لكم على أن الانكار متوجه ~~إلى السبب فقط مع تحقق مضمون الجملة الحالية لا اليهما معا كما في قوله ~~تعالى ومالي لا أعبد الذي فطرني ولله متعلق بمضمر وقع حالا من وقارا ولو ~~تأخر لكان صفة له أي أي سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة ~~موجبة لتعظيمه بالايمان به والطاعة له «وقد خلقكم أطوارا» اي والحال انكم ~~على حال منافية لما أنتم عليه بالكلية وهي أنكم تعلمون أنه تعالى خلقكم ~~تارات عناصر ثم أغذية ثم أخلاطا ثم نطفا علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم ~~أنشأكم خلقا آخر فان التقصير في توقير من من هذه شؤونه في القدرة القاهرة ~~والاحسان التام مع العلم بها مما لا يكاد يصدر عن العاقل هذا وقد قيل ~~الرجاء بمعنى الأمل اي مالكم لا تؤملون له تعالى توقيرا اي تعظيما لمن عبده ~~وأطاعه ولا تكونون على حال تؤملون فيها تعظيم الله تعالى إياكم في دار ~~الثواب ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار والأول هو الذي تستدعيه ~~الجزالة التنزيلية فان اللائق بحال الكفرة استبعاد أن لا يعتقدوا وقار الله ~~تعالى وعظمته مع مشاهدتهم لآثارها وأحكامها الموجبة للاعتقاد حتما وأما عدم ~~رجائهم لتعظيم الله إياهم في دار الثواب فليس في حيز الاستبعاد والانكار مع ~~أن في جعل الوقار بمعنى التوقير من التعسف ms3253 PageV09P038 # وفي قوله ولله بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار من التناقض مالا ~~يخفي فان كونه بيانا للموقر يقتضي ان يكون التوقير صادرا عنه تعالى والوقار ~~وصفا للمخاطبين وكونه صلة للوقار يوجب كون الوقار وصفا له تعالى وقيل مالكم ~~لا تخافون لله عظمة وقدرة على اخذكم بالعقوبة أي أي عذر لكم في ترك الخوف ~~منه تعالى وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مالكم لا ~~تخشون لله عقابا ولا ترجون منه ثوابا وعن مجاهد والضحاك ما لكم لا تبالون ~~لله عظمة قال قطرب هي لغة حجازية يقولون لم أرج اي لم أبال وقوله تعالى ~~«ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا» اي متطابقة بعضها فوق بعض «وجعل ~~القمر فيهن نورا» اي منورا لوجه الأرض في ظلمه الليل ونسبته إلى الكل مع ~~انه في السماء الدنيا لما انها محاطة بسائر السماوات فما فيها يكون في الكل ~~أو لأن كل واحدة منها شفافة لا تحجب ما وراءها فيرى الكل كأنها سماء واحدة ~~ومن ضرورة ذلك أن يكون ما في واحدة منها كأنه في الكل «وجعل الشمس سراجا» ~~يزيل ظلمة الليل ويبصر أهل الدنيا في ضوئها وجه الأرض ويشاهدون الآفاق كما ~~يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره وليس القمر بهذه ~~المثابة انما هو نور في الجملة «والله أنبتكم من الأرض نباتا» اي أنشأكم ~~منها فاستعير الانبات للانشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ~~ونباتا إما مصدر مؤكد لأنبتكم بحذف الزوائد ويسمى اسم مصدر أو لما يترتب ~~عليه من فعله أي أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا ويجوز أن يكون الأصل أنبتكم ~~من الأرض إنباتا فنبتم نباتا فيحذف من الجملة الأولى المصدر ومن الثانية ~~الفعل اكتفاء في كل منهما بما ذكر في الأخرى كما مر في قوله تعالى أم ~~تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى وقوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله «ثم يعيدكم ms3254 فيها» بالدفن عند ~~موتكم «ويخرجكم» منها عند البعث والحشر «إخراجا» محققا لا ريب فيه «والله ~~جعل لكم الأرض بساطا» تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم وتوسيط لكم ~~بين الجعل ومفعوليه مع أن حقه التأخير لما مر مرارا من الاهتمام ببيان كون ~~المجعول من منافعهم والتشويق إلى المؤخر فان النفس عند تأخير ما حقه ~~التقديم لا سيما عند كون المقدم ملوحا بكونه من المنافع تبقى مترقبة له ~~فيتمكن PageV09P039 # عند وروده لها فضل تمكن «لتسلكوا منها سبلا فجاجا» اى طرقا واسعة جمع فج ~~وهو الطريق الواسع وقيل هو المسلك بين الجبلين ومن متعلقة بما قبلها لما ~~فيه من معنى الاتخاذ أو بمضمر هو حال من سبلا اى كائنة من الأرض ولو تأخر ~~لكان صفة لها «قال نوح» أعيد لفظ الحكاية لطول العهد بحكاية مناجاته لربه ~~اى قال مناجيا له تعالى «رب إنهم عصوني» اى تموا على عصياني فيما امرتهم به ~~مع ما بالغت في ارشادهم بالعظة والتذكير «واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا» اى واستمروا على اتباع رؤسائهم الذين أبطرتهم أموالهم وغرتهم ~~أولادهم وصار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة فصاروا أسوة لهم في الخسار ~~وفى وصفهم بذلك اشعار بأنهم انما اتبعوهم لوجاهتهم الحاصلة لهم بسبب ~~الأموال والأولاد لا لما شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في الجملة وقرى ~~وولده بالضم والسكون على انه لغة كالحزن أو جمع كالأسد «ومكروا» عطف على ~~صلة من والجمع باعتبار معناها كما ان الافراد في الضمائر الأول باعتبار ~~لفظها «مكرا كبارا» اى كبيرا في الغاية وقرئ بالتخفيف والأول أبلغ منه وهو ~~أبلغ من الكبير وذلك احتيالهم في الدين وصدهم للناس عنه وتحريشهم لهم في ~~أذية نوح عليه السلام «وقالوا لا تذرن آلهتكم» اى لا تتركوا عبادتها على ~~الاطلاق إلى عبادة رب نوح «ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا» ~~أي ولا تذرن عبادة هؤلاء خصوها بالذكر مع اندراجها فيما سبق لأنها كانت ~~أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم وقد انتقلت هذه الأصنام عنهم ms3255 إلى العرب ود لكلب ~~وسواع لهمدان ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير وقيل هي أسماء رجال ~~صالحين كانوا بين آدم ونوح وقيل من أولاد آدم عليه السلام ماتوا فقال إبليس ~~لمن بعدهم لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم وتتبركون بهم ففعلوا فلما مات ~~أولئك قال لمن بعدهم انهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم وقيل كان ود على صورة رجل ~~وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة ~~نسر وقرئ ودا بضم الواو ويغوثا ويعوقا للتناسب ومنع صرفهما للعجمة والعلمية ~~«وقد أضلوا» اي الرؤساء «كثيرا» خلقا كثيرا أو الأصنام كقوله تعالى رب انهن ~~أضللن كثيرا من الناس «ولا تزد الظالمين إلا ضلالا» عطف على قوله تعالى رب ~~انهم عصوني على حكاية كلام نوح بعد قال PageV09P040 # وبعد الواو النائبة عنه أي قال رب انهم عصوني وقال لا تزد الظالمين الا ~~ضلالا ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالظلم المفرط وتعليل الدعاء ~~عليهم به والمطلوب هو الضلال في تمشية مكرهم ومصالح دنياهم أو الضياع ~~والهلاك كما في قوله تعالى ان المجرمين في ضلال وسعر و يؤيده ما سيأتي من ~~دعائه عليه الصلاة والسلام «مما خطيئاتهم» اي من أجل خطياتهم وما مزيدة بين ~~الجار والمجرور للتوكيد والتفخيم ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة وجعل ~~خطيئاتهم بدلا منها وقرئ مما خطاياهم ومما خطياتهم اي بسبب خطيئاتهم ~~المعدودة وغيرها من خطاياهم «أغرقوا» بالطوفان لا بسبب آخر «فأدخلوا نارا» ~~المراد اما عذاب القبر فهو عقيب الاغراق وان كانوا في الماء عن الضحاك انهم ~~كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب أو عذاب جهنم والتعقيب لتنزيله منزلة ~~المتعقب لإغراقهم لاقترابه وتحققه لا محالة وتنكير النار اما لتعظيمها ~~وتهويلها أو لأنه تعالى أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار «فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا» اي لم يجد أحد منهم واحدا من الأنصار وفيه تعريض ~~باتخاذهم آلهة من دون الله تعالى وبأنها غير قادرة على نصرهم وتهكم بهم ~~«وقال نوح رب لا ms3256 تذر على الأرض من الكافرين ديارا» عطف على نظيره السابق ~~وقوله تعالى مما خطيئاتهم الخ اعتراض وسط بين دعائه عليه الصلاة والسلام ~~للايذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الاغراق والاحراق لم يصبهم الا لأجل ~~خطيئاتهم التي عددها نوح عليه السلام وأشار إلى استحقاقهم للاهلاك لأجلها ~~لا أنها حكاية لنفس الاغراق والاحراق على طريقة حكاية ما جرى بينه عليه ~~الصلاة والسلام وبينهم من الأحوال والأقوال والا لأخر عن حكاية دعائه هذا ~~وديارا من الأسماء المستعملة في النفي العام يقال ما بالدار ديار أو ديور ~~كقيام وقيوم اي أحد وهو فيعال من الدور أو من الدار أصله ديوار قد فعل به ~~ما فعل بأصل سيد لأفعال والا لكان دوارا «إنك إن تذرهم» عليها كلا أو بعضا ~~«يضلوا عبادك» عن طريق الحق «ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا» اي الا من سيفجر ~~ويكفر فوصفهم بما يصيرون اليه وكأنه اعتذار مما عسى يرد عليه من أن الدعاء ~~بالاستئصال مع احتمال ان يكون من اخلافهم من يؤمن منكرا وانما قاله ~~لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم بعد ما جربهم واستقرأ أحوالهم ~~قريبا من ألف سنة «رب اغفر لي PageV09P041 # ولوالدي» أبوه لمك بن متوشلخ وأمه شمخا بنت أنوش كانا مؤمنين وقيل هما ~~آدم وحواء وقرئ ولولدي يريد ساما وحاما «ولمن دخل بيتي» اي منزلي وقيل ~~مسجدي وقيل سفينتي «مؤمنا» بهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان ولكن لم ~~يجزم عليه الصلاة والسلام بخروجه الا بعد ما قيل له انه ليس من أهلك وقد مر ~~تفصيله في سورة هو «وللمؤمنين والمؤمنات» عمهم بالدعاء اثر ما خص به من ~~يتصل به نسبا ودينا «ولا تزد الظالمين إلا تبارا» اي هلاكا قيل غرق معهم ~~صبيانهم أيضا لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وأمهاتهم ~~بإراءة هلاك أطفالهم الذين كانوا أعز عليهم من أنفسهم قال عليه الصلاة ~~والسلام يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى وعن الحسن انه سئل عن ذلك ~~فقال علم الله براءتهم فأهلكهم بغير ms3257 عذاب وقيل أعقم الله أرحام نسائهم ~~وأيبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة فلم يكن معهم صبي حين ~~غرقوا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين ~~تدركهم دعوة نوح عليه السلام سورة الجن مكية وآياتها ثمان وعشرون «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» «قل أوحي إلي» وقرئ أحي إلى أصله وحي وقد قرىء كذلك من وحى ~~اليه فقلبت الواو المضمومة همزة كأعد وأزن في وعد ووزن «أنه» بالفتح لأنه ~~فاعل أوحى والضمير للشأن «استمع» اي القرآن كما ذكر في الأحقاف وقد حذف ~~لدلالة ما بعده عليه «نفر من الجن» النفر ما بين الثلاثة والعشرة والجن ~~أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية وقيل نوع من الأرواح ~~المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة عن أبدانها وفيه دلالة على أنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يشعر بهم وباستماعهم ولم يقرأ عليهم وانما اتفق ~~حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوه فأخبر الله تعالى بذلك وقد مر ما فيه من ~~التفصيل في الأحقاف «فقالوا» لقومهم عند رجوعهم إليهم «إنا سمعنا قرآنا» ~~كتابا مقروءا «عجبا» بديعا مباينا لكلام الناس في حسن النظم ودقة المعنى ~~وهو مصدر وصف به للمبالغة «يهدي إلى الرشد» إلى الحق والصواب «فآمنا به» اي ~~بذلك القرآن «ولن نشرك بربنا أحدا» حسبما نطق به ما فيه من دلائل التوحيد ~~PageV09P042 # «وأنه تعالى جد ربنا» بالفتح قالوا هو وما بعده من الجمل المصدرة بأن في ~~أحد عشر موضعا عطف على محل الجار والمجرور في فآمنا به كأنه قيل فصدقناه ~~وصدقنا انه تعالى جد ربنا اي ارتفع عظمته من جد فلان في عيني اي عظم تمكنه ~~أو سلطانه أو غناء على أنه مستعار من الجد الذي هو البخت والمعنى وصفه ~~بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه وقرئ بالكسر وكذا ~~الجمل المذكور عطفا على المحكى بعد القول وهو الأظهر لوضوح اندراج كلها تحت ~~القول وأما اندراج الجمل الآتية تحت الايمان والتصديق كما يقتضيه العطف على ~~محل ms3258 الجار والمجرور ففيه اشكال كما ستحيط به خبرا وقوله تعالى «ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا» بيان لحكم تعالى جده وقرئ جدا ربنا على التمييز وجد ربنا ~~بالكسر اي صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد وذلك انهم لما ~~سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد والايمان تنبهوا للخطأ فيما اعتقدوه كفرة الجن ~~من تشبيه الله تعالى بخلقه في اتخاذ الصاحبة والولد فاستعظموه ونزهوه تعالى ~~عنه «وأنه كان يقول سفيهنا» اي إبليس أو مردة الجن «على الله شططا» اي قولا ~~شطط اي بعد عن القصد ومجاوزة للحد أو هو شطط في نفسه لفرط بعده عن الحق وهو ~~نسبة الصاحبة والولد اليه تعالى وتعلق الايمان والتصديق بهذا القول ليس ~~باعتبار نفسه فإنهم كانوا عالمين بقول سفهائهم من قبل أيضا بل باعتبار كونه ~~شططا كأنه قيل وصدقنا ان ما كان يقوله سفيهنا في حقه تعالى كان شططا وأما ~~تعلقهما بقوله تعالى «وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا» ~~فغير ظاهر وهو اعتذار منهم عن تقليدهم لسفيههم اي كنا نظن انه لن يكذب على ~~الله تعالى أحد ابدا ولذلك اتبعنا قوله وكذبا مصدر مؤكد لتقول لأنه نوع من ~~القول أو وصف لمصدره المحذوف اي قولا كذبا اي مكذوبا فيه وقرئ لن تقول بحذف ~~احدى التاءين فكذبا مصدر مؤكد لأن الكذب هو التقول «وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن» كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد قفر وخاف على ~~نفسه يقول أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فإذا ~~سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الانس والجن وذلك قوله تعالى «فزادوهم» اي ~~زاد الرجال العائذون الجن «رهقا» اي تكبرا وعتوا أو فزاد الجن العائذين غيا ~~بأن أضلوا حتى استعاذوا بهم «وأنهم PageV09P043 # ظنوا» أي الانس «كما ظننتم» أيها الجن على أنه كلام بعضهم لبعض «أن لن ~~يبعث الله أحدا» وقيل المعنى ان الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة الخ فتكون ~~هذه الآية وما قبلها من جملة الكلام الموحى به ms3259 والأقرب انهما كذلك على كل ~~تقدير عطفا على أنه استمع إذ لا معنى لإدراجهما تحت ما ذكر من الايمان ~~والتصديق وكذا قوله تعالى «وأنا لمسنا السماء» وما بعده من الجمل المصدرة ~~بأنا ينبغي أن تكون معطوفة على ذلك على أن الموحى عين عبارة الجن بطريق ~~الحكاية كأنه قيل قل أوحى إلي كيت وكيت وهذه العبارات اي طلبنا بلوغ السماء ~~أو خبرها واللمس مستعار من المس للطلب كالجس يقال لمسه والتمسه وتلمسه ~~كطلبه وأطلبه وتطلبه «فوجدناها ملئت حرسا» اي حراسا اسم جمع كخدم مفرد ~~اللفظ ولذلك قيل «شديدا» قويا وهم الملائكة يمنعونهم عنها «وشهبا» جمع شهاب ~~وهي الشعلة المقتبسة من نار الكواكب «وأنا كنا نقعد» قبل هذا «منها» من ~~السماء «مقاعد للسمع» خالية عن الحرس والشهب أو صالحة للترصد والاستماع ~~وللسمع متعلق بنقعد اي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد كائنة للسمع «فمن ~~يستمع الآن» في مقعد من المقاعد «يجد له شهابا رصدا» اي شهابا راصدا له ~~ولأجله يصده عن الاستماع بالرجم أو ذوي شهاب راصدين له على أنه اسم مفرد في ~~معنى الجمع كالحرس قيل حدث هذا عند مبعث النبي عليه الصلاة والسلام والصحيح ~~أنه كان قبل البعث أيضا لكنه كثر الرجم بعد البعثة وزاد زيادة حتى تنبه لها ~~الانس والجن ومنع الاستراق أصلا فقالوا ما هذا الا لأمر اراده الله تعالى ~~بأهل الأرض وذلك قولهم «وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» بحراسة السماء ~~«أم أراد بهم ربهم رشدا» اي خيرا ونسبة الخير إلى الله تعالى دون الشر من ~~الآداب الشريفة القرآنية كما في قوله تعالى وإذا مرضت فهو يشفين ونظائره ~~«وأنا منا الصالحون» اي الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم ~~مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى ~~الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة «ومنا دون ذلك» اي قوم دون ذلك ~~فحذف الموصوف وهم المقتصدون في صلاح الحال على الوجه المذكور لا في الايمان ~~والتقوى كما توهم فان هذا ms3260 بيان لحالهم قبل استماع القرآن كما تعرب عنه قوله ~~تعالى «كنا طرائق قددا» وأما حالهم بعد استماعه فسيحكى بقوله تعالى وأنا ~~لما سمعنا الهدى إلى قوله تعالى وأنا منا المسلمون أي كنا قبل هذا ذوي ~~طرائق اي مذاهب أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت طرائقنا طرائق قدد ~~اي متفرقة مختلفة PageV09P044 # جمع قدة من قد كالقطعة من قطع «وأنا ظننا» أي علمنا الآن «أن لن نعجز ~~الله» أي الشأن لن نعجز الله كائنين «في الأرض» إن أينما كنا من أقطارها ~~«ولن نعجزه هربا» هربا هاربين منها إلى السماء أو لن نعجزه في الأرض إن ~~أراد بنا ولن نعجزه هربا إن طلبنا «وأنا لما سمعنا الهدى» أي القرآن الذي ~~هو الهدى بعينه «آمنا به» من غير تلعثم وتردد «فمن يؤمن بربه» وبما أنزله ~~«فلا يخاف» فهو لا يخاف «بخسا» أي نقصا في الجزاء «ولا رهقا» ولا أن ترهقه ~~ذلة أو جزاء بخس ولا رهق إذا لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد فلا يخاف ~~جزائهما وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله تعالى أن يجتنب المظالم وقرئ ~~فلا يخف والأول أدل على تحقيق نجاة المؤمن واختصاصها به «وأنا منا المسلمون ~~ومنا القاسطون» الجائرون عن طريق الذي الحق هو الإيمان والطاعة «فمن أسلم ~~فأولئك» إشارة إلى من أسلم والجمع باعتبار المعنى «تحروا» توخوا «رشدا» ~~عظيما يبلغهم إلى دار الثواب «وأما القاسطون» الجائرون عن سنن الإسلام ~~«فكانوا لجهنم حطبا» توقد بهم كما توقد بكفرة الإنس «وأن لو استقاموا» أن ~~مخففة من الثقيلة والجملة معطوفة قطعا على أنه استمع والمعنى وأوحى إلى أن ~~الشأن لو استقام الجن والإنس أو كلاهما على الطريقة التي هي ملة الإسلام ~~«لأسقيناهم ماء غدقا» أي لو سعنا عليهم الرزق وتخصيص الماء الغدق وهو ~~الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب وقيل لو ~~استقام الجن على الطريقة المثلى أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من ~~عبادة الله تعالى وطاعته ولم ms3261 يتكبر عن السجود لآدم عليه السلام ولم يكفر ~~وتبعه ولده في الإسلام لأنعمنا عليهم ووسعنا رزقهم «لنفتنهم فيه» لنختبرهم ~~كيف يشكرونه وقيل معناه أنه لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا ~~باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق استدراجا لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في ~~كفران النعمة «ومن يعرض عن ذكر ربه» عن عبادته أو عن موعظته أو وحيه ~~«يسلكه» يدخله «عذابا صعدا» أي شاقا صعبا يعلو المعذب ويغلبه على أنه مصدر ~~وصف به مبالغة PageV09P045 # «وأن المساجد لله» عطف على قوله تعالى أنه استمع أي وأوحى إلى أن المساجد ~~مختصة بالله تعالى وقيل معناه ولأن المساجد لله «فلا تدعوا» أي لا تعبدوا ~~فيها مع الله أحدا غيره وقيل المراد بالمساجد المسجد الحرام والجمع لأن كل ~~ناحية منه مسجد له قبلة مخصوصة أو لأنه قبلة المساجد وقيل الأرض كلها لأنها ~~جعلت مسجدا للنبي عليه الصلاة والسلام وقيل مواضع السجود على أن المراد نهى ~~السجود لغير الله تعالى وقيل أعضاء السجود السبعة وقيل السجدات على أنه جمع ~~المصدر الميمي وأنه من جملة الموحى أي وأوحى إلى أن الشأن لما قام عبد الله ~~أي النبي عليه الصلاة والسلام وإيراده بلفظ العبد للإشعار بما هو المقتضى ~~لقيامه وعبادته وللتواضع لأنه واقع موقع كلامه عن نفسه «يدعوه» حال من فاعل ~~قام أي يعبده وذلك قيامه لصلاة الفجر بنخلة كما مر تفصيله في سورة الأحقاف ~~كادوا أي الجن «يكونون عليه لبدا» متراكمين من ازدحامهم عليه تعجبا مما ~~شاهدوا من عبادته وسمعوا من قراءته واقتداء أصحابه به قياما وركوعا وسجودا ~~لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره وقيل معناه لما ~~قام عليه الصلاة والسلام يعبد الله وحده مخالفا للمشركين كاد المشركون ~~يزدحمون عليه متراكمين واللبد جمع لبدة وهي تلبد بعضه على بعض ومنها لبدة ~~الأسد وقرئ لبدا جمع لبدة وهي بمعنى اللبدة ولبدا وجمع لابد كساجد وسجد ~~ولبدا بضمتين جمع لبود كصبور وصبر وعن قتادة تلبدت الإنس والجن على هذا ~~الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا ms3262 أن يظهره على من ناوأه «قل إنما أدعو» أي أعبد ~~«ربي ولا أشرك به» بربي في العبادة أحدا فليس ذلك ببدع ولا مستنكر يوجب ~~التعجب أو الإطباق على عداوتي وقرئ قال على أنه حكاية لقوله عليه الصلاة ~~والسلام للمتراكمين عليه والأول هو الأظهر والأوفق لقوله تعالى «قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا» كأنه أريد لا أملك لكم ضرا ولا نفعا ولا غيا ولا ~~رشدا فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر «قل إني لن يجيرني من الله ~~أحد» إن أرادني بسوء «ولن أجد من دونه ملتحدا» ملتجأ ومعدلا وهذا بيان ~~لعجزه عليه الصلاة والسلام عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عليه الصلاة والسلام ~~عن شؤون غيره وقوله تعالى «إلا بلاغا من الله» استثناء PageV09P046 # من قوله لا أملك فإن التبليغ إرشاد ونفع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي ~~الاستطاعة أو من ملتحدا أي لن أجد من دونه منجا إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني ~~به وقيل إلا مركبة من أن الشرطية ولا النافية ومعناه أن لا أبلغ بلاغا من ~~الله والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه ورسالاته عطف على بلاغا ومن الله ~~صفته لا صلته أي لا أملك لكم إلا تبليغا كائنا منه تعالى ورسالاته التي ~~أرسلني بها «ومن يعص الله ورسوله» في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه «فأن له ~~نار جهنم» وقرئ بفتح الهمزة على فحقه أو فجزاؤه أن له نار جهنم «خالدين ~~فيها» في النار أو في جهنم والجمع باعتبار المعنى أبدا بلا نهاية وقوله ~~تعالى «حتى إذا رأوا ما يوعدون» غاية لمحذوف يدل عليه الحال من استضعاف ~~الكفار لأنصاره عليه الصلاة والسلام واستقلالهم لعدده كأنه قيل لا يزالون ~~على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون من فنون العذاب في الآخرة فسيعلمون ~~حينئذ «من أضعف ناصرا وأقل عددا» وحمل ما يوعدون على ما رأوا يوم بدر يأباه ~~قوله تعالى «قل إن أدري» أي ما أدري «أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا» ~~فإنه رد ms3263 لما قاله المشركون عند سماعهم ذلك متى يكون ذلك الموعود إنكارا له ~~واستهزاء به فقيل قل إنه كائن لا محالة وأما وقته فما أدرى متى يكون «عالم ~~الغيب» بالرفع قيل هو بدل من ربي أو بيان له ويأباه الفاء في قوله تعالى ~~«فلا يظهر على غيبه أحدا» إذ يكون النظم حينئذ أم يجعل له عالم الغيب أمدا ~~فلا يظهر عليه أحدا وفيه من الاختلال مالا يخفى فهو خبر مبتدأ محذوف أي هو ~~عالم الغيب والجملة استئناف مقرر لما قبله من عدم الدراية والفاء لترتيب ~~عدم الإظهار على تفرده تعالى بعلم الغيب على الإطلاق أي فلا يطلع على غيبه ~~إطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا لعين اليقين أحدا من ~~خلقه «إلا من ارتضى من رسول» أي إلا رسولا ارتضاه لاظهاره على بعض غيوبه ~~المتعلقة برسالته كما يعرب عنه بيان من ارتضى بالرسول تعلقا تاما إما لكونه ~~من مبادئ رسالته بأن يكون معجزة دالة على صحتها وإما لكونه من أركانها ~~وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون وكيفيات أعمالهم ~~وأجزيتها المترتبة عليها في الآخرة وما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي ~~من جملتها قيام الساعة والبعث وغير ذلك من الأمور الغيبية التي بينها من ~~وظائف الرسالة وأما مالا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من ~~جملتها وقت قيام الساعة فلا يظهر عليه أحدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة ~~التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة وليس فيه ما يدل على نفي كرامات ~~الأولياء PageV09P047 # المتعلقة بالكشف فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل لا ~~يستلزم عدم الحصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلا ولا يدعى أحد لأحد ~~من الأولياء ما في رتبة الرسل عليهم السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي ~~الصريح وقوله تعالى «فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا» تقرير وتحقيق ~~للإظهار المستفاد من الاستثناء وبيان لكيفيته أي فإنه يسلك من جميع جوانب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عند إظهاره على غيبة ms3264 حرسا من الملائكة يحرسونه ~~من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيوب المتعلقة برسالته وقوله تعالى ~~«ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم» متعلق بيسلك غاية له من حيث أنه مترتب ~~على الإبلاغ المترتب عليه إذ المراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود ~~بالفعل وأن مخففة من النقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف والجملة ~~خبرها ورسالات ربهم عبارة عن الغيب الذي أريد إظهار المرتضى عليه والجمع ~~باعتبار تعدد أفراده وضمير أبلغوا إما للرصد فالمعنى أنه تعالى يسلكهم من ~~جميع جوانب المرتضى ليعلم أن الشأن قد أبلغوه رسالات ربهم سالمة عن ~~الاختطاف والتخليط علما مستتبعا للجزاء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا بالفعل ~~كما في قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين والغاية في الحقيقة هو الإبلاغ ~~والجهاد وإيراد علمه تعالى لإبراز اعتنائه تعالى بأمرهما والإشعار بترتيب ~~الجزاء عليهما والمبالغة في الحث عليهما والتحذير عن التفريط فيهما وأما ~~لمن ارتضى والجمع باعتبار معنى من كما أن الأفراد في الضميرين السابقين ~~باعتبار لفظها فالمعنى ليعلم أنه قد أبلغ الرسل الموحى إليهم رسالات ربهم ~~إلى أممهم كما هي من غير اختطاف ولا تخليط بعد ما أبلغها الرصد إليهم كذلك ~~قوله تعالى «وأحاط بما لديهم» أي بما عند الرصد أو الرسل عليهم السلام حال ~~من فاعل يسلك بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور جئ بها لتحقيق ~~استغنائه تعالى في العلم بالإبلاغ عما ذكر من سلك الرصد على الوجه المذكور ~~أي يسلكهم بين يديه ومن خلفه ليترتب عليه علمه تعالى بما ذكر والحال أنه ~~تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال جميعا «وأحصى كل شيء» مما كان وما ~~سيكون عددا أي فردا فردا وهو تمييز منقول من المفعول به كقوله تعالى وفجرنا ~~الأرض عيونا والأصل أحصى عدد كل شئ وقيل هو حال أي معدودا محصورا أو مصدر ~~بمعنى إحصاء وأيا ما كان ففائدته بيان أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه ~~كلي اجمالي بل على وجه جزئي تفصيلي فإن الإحصاء قد يراد به الإحاطة ~~الإجمالية كما في قوله ms3265 تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تقدروا ~~على حصرها إجمالا فضلا عن التفصيل وذلك أصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا ~~معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك ~~العقد فيبنى على ذلك حسابه هذا وأما ما قيل من أن قوله تعالى وأحاط بما ~~لديهم الخ معطوف على مقدر يدل عليه قوله تعالى ليعلم كأنه قيل قد علم ذلك ~~وأحاط بما لديهم الخ فبمعزل من السداد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة الجن كان له بعدد كل جنى صدق بمحمدا وكذب به عتق رقبة PageV09P048 # بسم الله الرحمن الرحيم «يا أيها المزمل» أي المتزمل بثيابه إذا تلفف بها ~~فأدغم التاء في الزاء وقد قرىء على الأصل وقرئ المزمل من زمله مبنيا ~~للمفعول ومبنيا للفاعل قيل خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم تهجينا لما ~~كان عليه من الحالة حيث كان عليه الصلاة والسلام متلففا بقطيفة مستعد للنوم ~~كما يفعله من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر بأن يترك التزمل إلى التشمر ~~للعبادة والهجود إلى التهجد وقيل دخل عليه الصلاة والسلام على خديجة وقد ~~جئث فرقا أول ما أتاه جبريل عليهما السلام وبوادره ترعد فقال زملوني زملوني ~~فحسب أنه عرض له فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل فقال يا أيها المزمل ~~فيكون تخصيص وصف التزمل بالخطاب للملاطفة والتأنيس كما في قوله عليه الصلاة ~~والسلام لعلى رضى الله عنه حين غاضب فاطمة رضي الله عنها فأتاه وهو نائم ~~وقد لصق بجنبه التراب قم يا أبا تراب ملاطفة وإشعارا بأنه غير عاتب عليه ~~وقيل المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما هو أمر النبوة أي حمله والزمل ~~الحمل وازدمله أي احتمله فالتعرض للوصف حينئذ للإشعار بعليته للقيام أو ~~للأمر به فإن تحميله عليه الصلاة والسلام لأعباء النبوة مما يوجب الإجتهاد ~~في العبادة «قم الليل» أي قم إلى الصلاة وانتصاب الليل على الظرفية وقيل ~~القيام مستعار للصلاة ومعنى قم صل وقرئ بضم ms3266 الميم وفتحها «إلا قليلا» ~~استثناء من الليل وقوله تعالى نصفه بدل من الليل الباقي بعد الثنيا بدل ~~الكل أي قم نصفه والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لإظهار كمال الاعتداد ~~بشأن الجزء المقارن للقيام والإيذان بفضله وكون القيام فيه بمنزلة القيام ~~في أكثره في كثرة الثواب واعتبار قلته بالنسبة إلى الكل مع عرائه عن ~~الفائدة خلاف الظاهر «أو انقص منه» أي انقص القيام من النصف المقارن له في ~~الصورة الأولى PageV09P049 # قليلا أي نقصا قليلا أو مقدارا قليلا بحيث لا ينحط إلى نصف النصف «أو زد ~~عليه» أي زد القيام على النصف المقارن له فالمعنى تخييره عليه الصلاة ~~والسلام بين أن يقوم نصفه أو أقل منه أو أكثر وقيل قوله تعالى نصفه بدل من ~~قليلا والتخيير بحاله وليس بسديد أما أولا فلان الحقيق بالاعتناء الذي ينبئ ~~عنه الإبدال هو الجزاء الباقي بعد الثنيا المقارن للقيام لا الجزء المخرج ~~العاري عنه وأما ثانيا فلان نقص القيام وزيادته إنما يعتبران بالقياس إلى ~~معياره الذي هو النصف المقارن له فلو جعل نصفه بدلا من قليلا لزم اعتبار ~~نقص القيام وزيادته بالقياس إلى ما هو عار عنه بالكلية والاعتذار بتساوي ~~النصفين مع كونه تمحلا ظاهرا اعتراف بأن الحق هو الأول وقيل نصفه بدل من ~~الليل والإ قليلا استثناء من النصف والضمير في منه وعليه للنصف والمعنى ~~التخيير بين أمرين أن يقوم أقل من نصف الليل على البتات وبين أن يختار أحد ~~الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه وقيل الضميران للأقل من النصف ~~كأنه قيل قم أقل من نصفه أو قم انقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا وقيل ~~وقيل والذي يليق بجزالة التنزيل هو الأول والله أعلم بما في كتابه الجليل ~~ورتل القرآن وفي أثناء ما ذكر من القيام أي اقرأه على تؤدة وتبيين حروف ~~ترتيلا بليغا بحيث يتمكن السامع من عدها من قولهم ثغر رتل إذا كان مفلجا ~~إنا سنلقي عليك أي سنوحي إليك وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى قولا ثقيلا ~~وهو القرى ms3267 ن العظيم المنطوي على تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين لا سيما ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه مأمور بتحملها وتحميلها للأمة والجملة ~~اعتراض بين الأمر وتعليله لتسهيل كا كلفه عليه الصلاة والسلام من القيام ~~وقيل معنى كونه ثقيلا أنه رضين لرزانة لفظه ومتانة معناه أو ثقيل على ~~المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر أو ثقيل في الميزان ~~أو على الكفار والفجار أو ثقيل تلقيه عن ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا ~~نزل عليه الوحي ثقلا عليه وتربد له جلده وعن عائشة رضي الله عنها رأيته ~~ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقا «إن ~~ناشئة الليل» أي إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض من نشأ ~~من مكانه إذا نهض أو إن قيام الليل على أن الناشئة مصدر من نشأ كالعافية أو ~~إن العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث أو إن ساعات الليل فإنها تحدث واحدة ~~بعد واحدة أو ساعاتها الأول من نشأ إذا ابتدأ «هي أشد وطأ» أي هي خاصة أشد ~~ثبات قدم أو كلفة فلا بد من الاعتناء بالقيام وقرئ وطاء أي أشد مواطأة ~~يواطئ قلبها لسانها إن أريد بها النفس أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه أن ~~أريد PageV09P050 # بها القيام أو العبادة أو الساعات أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع ~~والإخلاص وأقوم قيلا وأسد مقالا وأثبت قراءة لحضور القلب وهدو الأصوات «إن ~~لك في النهار سبحا طويلا» أي تقلبا وتصرفا في مهماتك واشتغالا بشواغلك فلا ~~يستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليك بها في الليل وهذا بيان للداعي الخارجي إلى ~~قيام الليل بعد بيان ما في نفسه من الداعي وقرئ سبخا أي تفرق قلب بالشواغل ~~مستعار من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه «واذكر اسم ربك» ودم على ذكره ~~تعالى ليلا ونهارا على أي وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة ~~قرآن ودراسة علم «وتبتل إليه» أي وانقطع إليه بمجامع الهمة واستغراق ~~العزيمة في ms3268 مراقبته وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسلام ~~عن العوائق الصادة عن مراقبة اله تعالى وقطع العلائق عما سواه قيل تبتيلا ~~مكان تبتلا مع ما فيه من رعاية الفواصل «رب المشرق والمغرب» مرفوع على ~~المدح وقيل على الابتداء خبره لا إله إلا هو وقرئ بالجر على أنه بدل من ربك ~~وقيل على إضمار حرف القسم جوابه لا إله إلا هو والفاء في قوله تعالى ~~«فاتخذه وكيلا» لترتيب الأمر وموجبه على اختصاص الألوهية والربوبية به ~~تعالى «واصبر على ما يقولون» مما لا خير فيه من الخرافات «واهجرهم هجرا ~~جميلا» بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمورهم إلى ربهم كما يعرب ~~عنه قوله تعالى «وذرني والمكذبين» أي دعني وإياهم وكل أمرهم إلى فإني ~~أكفيكهم «أولي النعمة» أرباب التنعم وهم صناديد قريش «ومهلهم قليلا» زمنا ~~قليلا «إن لدينا أنكالا» جمع نكل وهو القيد الثقيل والجملة تعليل للأمر أي ~~أن لدينا أمورا مضادة لتنعمهم جحيما وطعاما ذا غصة ينشب في الحلوق ولا يكاد ~~يساغ كالضريع والزقوم وعذابا أليما ونوعا آخر من العذاب مؤلما لا يقادر ~~قدره ولا يدرك كنهه كل ذلك معد لهم ومرصد PageV09P051 # وقوله تعالى يوم ترجف الأرض والجبال أي تضطرب وتتزلزل ظرف للاستقرار الذي ~~تعلق به لدينا وقيل متعلق بمضمر هو صفة لعذابنا أي عذابا واقعا يوم ترجف ~~«وكانت الجبال» مع صلابتها وارتفاعها كثيبا رملا مجتمعا من كثب الشيء إذا ~~جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول مهيلا منثورا من هيل هيلا إذا نثر وأسيل «إنا ~~أرسلنا إليكم» يأهل مكة «رسولا شاهدا عليكم» يشهد يوم القيامة بما صدر عنكم ~~من الكفر والعصيان كما أرسلنا إلى فرعون رسولا هو موسى عليه السلام وعدم ~~تعيينه لعدم دخله في التشبيه فعصى فرعون الرسول الذي أرسلناه إليه ومحل ~~الكاف النصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي أنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه ~~كما يعرب عنه قوله تعالى شاهدا عليكم إرسالا كأننا كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصاه وقوله تعالى «فأخذناه أخذا وبيلا» خارج من التشبيه جئ ms3269 به ~~للتنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة والوبيل الثقيل ~~الغليظ من قولهم كلأ وبيل أي وخيم لا يستمرأ لثقله والوبيل العصا الضخمة ~~«فكيف تتقون» أي كيف تقون أنفسكم «إن كفرتم» أي بقيتم على الكفر «يوما» أي ~~عذاب يو «يجعل الولدان» من شدة هوله وفظاعة ما فيه من الدواهي شيبا شيوخا ~~جمع أشيب إما حقيقة أو تمثيلا وأصله أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على ~~المرء ضعفت قواه وأسرع فيه الشيب وقد جوز أن يكون ذلك وصفا لليوم بالطول ~~وليس بذاك «السماء منفطر» أي منشق وقرئ متفطر أي متشقق والتذكير لإجرائه ~~على موصوف مذكر أي شئ منفطر عز عنها بذلك للتنبيه على أنه تبدلت حقيقتها ~~وزال عنها اسمها ورسمها ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشئ وقيل لتأويل ~~السماء بالسقف وقيل هو من باب النسب أي ذات انفطار والباء في به مثلها في ~~فطر ت العود بالقدوم «كان وعده مفعولا» الضمير لله عز وجل والمصدر مضاف إلى ~~فاعله أو لليوم وهو مضاف إلى مفعوله «إن هذه» إشارة إلى الآيات المنطوية ~~على القوارع المذكورة تذكرة موعظة «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» بالتقريب ~~إليه بالإيمان والطاعة فإنها المنهاج PageV09P052 # الموصل إلى مرضاته «إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل» أي أقل ~~منهما استعير له الأدنى لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما ~~من الأحياز ونصفه وثلثه بالنصب وعطفا على أدنى وقرئا بالجر عطفا على ثلثي ~~الليل «وطائفة من الذين معك» أي يقوم معك طائفة من أصحابك «والله يقدر ~~الليل والنهار» وحده لا يقدر على تقديرهما أحد أصلا فإن تقديم الاسم الجليل ~~مبتدأ وبناء يقدر عليه موجب للاختصاص قطعا كما يعرب عنه قوله تعالى «علم أن ~~لن تحصوه» أي علم أن الشأن لن تقدروا على تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط ~~الساعات أبدا فتاب عليكم بالترخيص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة عنكم ~~في تركة فاقرؤا ما تيسر من القرآن فصلوا ما تيسر لكم من صلاة ms3270 الليل عبر عن ~~الصلاة بالقراءة كا عبر عنها بسائر أركانها قيل كان التهجد واجبا على ~~التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس ~~وقيل هي قراءة القرآن بعينها قالوا من قرأ مائة آية من القرآن في ليلة لم ~~يحاجه وقيل من قرأ مائة آية كتب من القانتين ة وقيل خمسين آية «علم أن ~~سيكون منكم مرضى» استئناف مبين لحكمة أخرى داعية إلى الترخيص والتخفيف ~~«وآخرون يضربون في الأرض» يسافرون فيها للتجارة «يبتغون من فضل الله» وهو ~~الربح وقد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل العلم وآخرون يضربون في الأرض يسافرون ~~فيها للتجارة (يبتغون من فضل الله وهو الربح قد عمم ابتغاء الفضل لتحصيل ~~العلم وآخرون يقاتلون في سبيل الله وإذا كان الأمر كما ذكر وتعاضدت الدواعي ~~إلى الترخيص فاقرؤا ما تيسر منه من غير تحمل المشاق «وأقيموا الصلاة» أي ~~المفروضة «وآتوا الزكاة» الواجبة وقيل هي هي زكاة الفطر إذا لم يكن بمكة ~~زكاة ومن فسرها بالزكاة المفروضة جعل آخر السورة مدنيا «وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا» أريد به الإنفاقات في سبل الخيرات أو أداء الزكاة على أحسن الوجوه ~~وأنفعها للفقراء وما تقدموا لأنفسكم من خير أي خير كان مما ذكر وما لم يذكر ~~«تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا» من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت ~~وخيرا ثاني مفعولي تجدوا وهو تأكيدا أو فصل وإن لم يقع بين معرفتين فإن ~~أفعل من في حكم المعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف وقرئ هو خير على ~~الابتداء والخبر واستغفروا الله في كافة أحوالكم فإن الإنسان قلما يخلو من ~~التفريط «إن الله غفور رحيم» عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قرأ سورة ~~المزمل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة PageV09P053 # بسم الله الرحمن الرحيم «يا أيها المدثر» أي المتدثر وهو لابس الدثار وهو ~~ما يلبس فوق الشعار الذي يلي الجسد قيل هي أول سورة نزلت روى عن جابر رضى ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms3271 كنت على جبل حراء فنوديت يا ~~محمد إنك رسول الله فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئا فنظرت فوقى فإذا به ~~قاعد على عرش بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت ورجعت إلى ~~خديجة فقلت دثروني دثروني فنزل جبريل وقال يا أيها المدثر وعن الزهري أن ~~أول ما نزل سورة أقرأ إلى قوله تعالى ما لم يعلم فحزن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجعل يعلو شواهق الجبال فأتاه جبريل عليه السلام وقال إنك نبي ~~الله فرجع إلى خديجة فقال دثروني وصبوا على ماء باردا فنزل جبريل فقال يا ~~أيها المدثر وثيل سمع من قريش ما كرهه فاغتم فتغطى بثوبه متفكرا كما يفعل ~~المغموم فأمر أن لا يدع إنذارهم وأن سمعوه وآذوه وقيل كان نائما متدثرا ~~وقيل المراد المتدثر بلباس النبوة والمعارف الإلهية وقرئ المدثر على صيغة ~~اسم المفعول من دثره أي الذي دثر هذا الأمر العظيم وعصب به وفي حرف أبي ~~المنذر يا أيها المتدثر على الأصل قم أي من مضجعك أو قم قيام عزم وتصميم ~~فأنذر أي أفعل الإنذار وأحدثه وقيل انذر قومك كقوله تعالى وأنذر عشيرتك ~~الأقربين أو جميع الناس حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وما أرسلناك الإ كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا «وربك فكبر» واختص ربك بالتكبير وهو وصفه تعالى ~~بالكبرياء اعتقادا وقولا ويروى أنه لما نزل قال رسول الله الله أكبر فكبرت ~~خديجة وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلاة والفاء لمعنى ~~الشرط كأنه قيل ما كان أي أي شئ حدث فلا تدع تكبيره أو للدلالة على أن ~~المقصود لأولى من الأمر بالقيام أن يكبر ربه وينزهه من الشرك فإن أول ما ~~يجب معرفة الصانع جل جلاله ثم تنزيهه عما لا يليق بجنابة وثيابك ~~PageV09P054 # «فطهر» مما ليس فإنه واجب الصلاة الأولى وأولى وأحب في غيرها وذلك ~~بصيانتها وحفظها عن النجاسات وغسلها بعد تلطخها وبتقصيرها أيضا فإن طولها ~~يؤدي إلى جر الذيول على القاذورات وهو أول ما أمر به عليه الصلاة والسلام ~~من رفض ms3272 العادات المذمومة وقيل هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ~~ويستهجن من الأحوال يقال فلان طاهر الذيل والأردان إذا وصفوه بالنقاء من ~~المعايب ومدانس الأخلاق «والرجز فاهجر» أي وأهجر العذاب بالثبات على هجر ~~يؤدى إليه من المآثم وقرئ بكسر الراء وهما لغتان كالذكر والذكر «ولا تمنن ~~تستكثر» ولا تعط مستكثرا أي رائيا لما تعطيه كثيرا أو طالبا للكثير على أنه ~~أنهى عن الاستغزار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع ان يتعوض من الموهوب له أكثر ~~مما أعطاه وهو جائز ومنه الحديث المستغزر يثاب من هبته فالنهي إما للتحريم ~~وهو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى اختار له أشرف ~~الأخلاق وأحسن الآداب أو للتنزيه للكل وقرئ تستكثر بالسكون اعتبارا بحال ~~الوقف أو أبدالا من تمنن كأنه قيل ولا تمنن ولا تستكثر على أنه من المن ~~الذي في قوله تعالى منا ولا أذى لأن من يمن بما يعطي يستكثره ويعتد به وقرئ ~~بالنصب باضمار ان مع ابقاء عملها كقول من قال الا أيها الزاجري احضر الوغى ~~وقد قرىء باثباتها ويجوز في قراءة الرفع ان يحذف ان ويبطل عملها كما يروى ~~احضر الوغى بالرفع ولربك اي لوجهه تعالى أو لأمره فاصبر فاستعمل الصبر وقيل ~~على أذية المشركين وقيل على أداء الفرائض فإذا نقر في الناقور اي نفخ في ~~الصور وهو فاعل من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت ~~والفاء للسببية كأنه قيل اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه ~~عاقبة أذاهم وتلقى عاقبة صبرك عليه والعامل في إذا ما دل عليه قوله تعالى ~~فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين وذلك إشارة إلى وقت النقر وما فيه من ~~معنى البعد مع قرب العهد مع قرب العهد بالمشار اليه للايذان ببعد منزلته في ~~الهول والفظاعة ومحله الرفع على الابتداء ويومئذ PageV09P055 # بدل منه مبنى على الفتح لإضافته إلى غير متمكن والخبر يوم عسير وقيل ~~يومئذ ظرف للخبر إذ التقدير وذلك الوقت وقوع يوم عسير وعلى متعلقة ms3273 بعسير ~~وقيل بمحذوف هو صفة لعسير أو حال من المستكن فيه وقوله تعالى غير يسير ~~تأكيد لعسره عليهم مشعر ييسره على المؤمنين واختلف في أن المراد به يوم ~~النفخة الأولى أو الثانية والحق أنها الثانية إذ هي التي يختص عسرها ~~بالكافرين وأما النفخة الأولى فحكمها الذي هو الإصعاق يعم البر والفاجر على ~~أنها مختصة بمن كان حيا عند وقوعها وقد جاء في الأخبار أن في الصور ثقبا ~~بعدد الأرواح كلها وأنها تجمع في تلك الثقوب في النفخة الثانية فتخرج عند ~~النفخ من كل ثقبه روح إلى الجسد الذي نزعت منه فيعود الجسد حيا باذن الله ~~تعالى ذرني ومن خلفت وحيدا حال اما من الياء اي ذرني وحدي معه فاني أكفيكه ~~في الانتقام منه أو من التاء اي خلفته وحدي لم يشركني في خلقه أحد أو من ~~العائد المحذوف اي ومن خلقته وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد وقيل نزلت في ~~الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يلقب في قومه بالوحيد فهو تهكم به وبلقبه ~~وصرف له عن الغرض الذي يؤمونه من مدحه إلى 12 جهة ذمه بكونه وحيدا من المال ~~والولد أو وحيدا من أبيه لأنه كان زنيما كما مر أو وحيدا في الشرارة وجعلت ~~له مالا ممدودا مبسوطا كثيرا أو ممدا بالنماء من مد النهر ومده نهر آخر قيل ~~كان له الضرع والزرع والتجارة وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو ما كان له ~~بين مكة والطائف من صنوف الأموال وقيل كان له بالطائف بستان لا ينقطع ثماره ~~صيفا وشتاء وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير كان له الف دينار وقال ~~قتادة ستة آلاف دينار وقال 3 سفيان الثوري أربعة آلاف دينار وقال الثوري ~~أيضا الف الف دينار وبنين شهودا حضورا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم لا ~~يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم أو ~~حضورا في الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم قيل كان له عشرة بنين وقيل ~~ثلاثة عشر وقيل سبعة كلهم رجال الوليد ms3274 بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص ~~والقيس وعبد شمس اسلم منهم ثلاثة خالد 14 وهشام وعمارة ومهدت له تمهيدا ~~وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب 15 ريحانه قريش ثم يطمع ان أزيد ~~على ما أوتيه وهو استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه اما لأنه لا مزيد ~~PageV09P056 # على ما أوتي سعة وكثرة أو لأنه مناف لما هو عليه من كفران النعم ومعاندة ~~المنعم وقيل انه كان يقول ان كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي كلا ردع ~~وزجر له عن طمعه الفارغ وقطع لرجائه الخائب وقوله تعالى انه كان لآياتنا ~~عنيدا تعليل 16 لذلك على وجه الاستئناف التحقيقي فان معاندة آيات المنعم مع ~~وضوحها وكفران نعمته مع سبوغها مما يوجب حرمانه بالكلية وانما أوتي ما أوتي ~~استدراجا قيل ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله حتى هلك سأرهقه ~~صعودا سأغشيه بدل 17 ما يطمعه من الزيادة أو الجنة عقبة شاقة المصعد وهو ~~مثل لما يلقي من العذاب الصعب الذي لا يطاق وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يكلف ان يصعد عقبة في النار كلما وضع يده عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا ~~وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت وعنه عليه الصلاة والسلام الصعود جبل من نار ~~يصعد فيها سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك ابدا انه فكر وقدر تعليل للوعيد ~~واستحقاقه له أو بيان لعناده لآياته تعالى 18 أي فكر ماذا يقول في شأن ~~القرآن وقدر في نفسه ما يقوله فقتل كيف قدر تعجيب 19 من تقديره واصابته فيه ~~الغرض الذي كان ينتحيه قريش قاتلهم الله أو ثناء عليه بطريق الاستهزاء به ~~أو حكاية لما كرروه من قولهم قتل كيف قدر تهكما بهم وبإعجابهم بتقديره ~~واستعظامهم لقوله ومعنى قولهم قتله الله ما اشجعه أو أخزاه الله ما أشعره ~~الاشعار بأنه قد بلغ من الشجاعة والشعر مبلغا حقيقيا بأن يدعو عليه حاسده ~~بذلك روي ان الوليد قال لبني مخزوم والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما ~~هو من ms3275 كلام الانس ولا من كلام الجن ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان أعلاه ~~لمثمر وان أسفله لمغدق وانه يعلو وما يعلي فقالت قريش صبأ والله الوليد ~~والله لتصبأن قريش كلهم فقال ابن أخيه أبو جهل انا أكفيكموه فقعد عنده ~~حزينا وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال تزعمون ان محمدا مجنون فهل رأيتموه ~~يخنق وتقولون انه كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتزعمون انه شاعر فهل رأيتموه ~~يتعاطى شعرا قط وتزعمون انه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا في ~~كل ذلك اللهم لا ثم قالوا فما هو ففكر فقال ما هو الا ساحر اما رأيتموه ~~يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه وما الذي يقوله الا سحر يأثره عن أهل ~~بابل فارتج النادي فرحا وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه PageV09P057 # ثم قتل كيف قدر تكرير للمبالغة وثم للدلالة على أن الثانية أبلغ من ~~الأولى 22 21 وفيما بعد على أصلها من التراخي الزماني ثم نظر أي في القرآن ~~مرة بعد مرة ثم عبس قطب وجهه لما لم يجد فيها مطعنا ولم يدر ماذا يقول وقيل ~~نظر في وجوه الناس ثم قطب وجهه وقيل نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم قطب في وجهه 23 وبسر اتباع لعبس ثم أدبر عن الحق أو عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 24 واستكبر عن اتباعه فقال ان هذا الا سحر يؤثر اي يروى ~~ويتعلم والفاء للدلالة على أن هذه الكلمة لما خطرت بباله تفوه بها من غير ~~تلعثم وتلبث وقوله تعالى 25 ان هذا الا قول البشر تأكيد لما قبله ولذلك ~~أخلى عن العاطف سأصليه سقر بدل من سأرهقه صعودا وما ادراك ما سقر اي اي شيء ~~أعلمك ما سقر على أن ما الأولى مبتدأ وادراك خبره وما الثانية خبر لأنها ~~المفيدة لما قصد افادته من التهويل والتفظيع وسقر مبتدأ اي اي شيء هي في ~~وصفها لما مر مرارا من أن ما قد يطلب بها الوصف وان كان الغالب ان يطلب بها ms3276 ~~الاسم والحقيقة وقوله تعالى لا تبقي ولا تذر بيان لوصفها وحالها وانجاز ~~للوعد الضمني الذي يلوح به وما ادراك ما سقر وقيل حال من سقر وليس بذاك اي ~~لا تبقي شيئا يلقي فها الا أهلكته وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد أو لا ~~تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة لواحة ~~للبشر مغيرة لأعالي الجلد مسودة PageV09P058 # لها قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من الليل وقيل تلوح للناس كقوله ~~تعالى ثم لترونها عين اليقين وقرئ لواحة بالنصب على الاختصاص للتهويل عليها ~~تسعة عشر اي ملكا أو صنفا أو صفا أو نقيبا من الملائكة يلون امرها ويتسلطون ~~على أهلها وقرئ بسكون عين عشر حذارا من توالي الحركات فيما هو في حكم اسم ~~واحد وقرئ تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين وأيمن وما جعلنا أصحاب النار اي ~~المدبرين لأمرها القائمين بتعذيب أهلها الا ملائكة ليخالفوا جنس المعذبين ~~فلا يرقوا لهم ولا يستروحوا إليهم لأنهم أقوى الخلق وأقومهم بحق الله عز ~~وجل وبالغضب له تعالى وأشدهم بأسا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأحدهم مثل ~~قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم في النار ويرمى ~~بالجبل عليهم وروي انه لما نزل عليها تسعة عشر قال أبو جهل لقريش أيعجز كل ~~عشرة منكم ان يبطشوا برجل منهم فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان ~~شديد البطش انا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فنزلت اي ما جعلناهم ~~رجالا من جنسكم وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا اي ما جعلنا عددهم ~~الا العدد الذي تسبب لافتتانهم وهو التسعة عشر فعبر بالأثر عن المؤثر ~~تنبيها على التلازم بينهما وليس المراد مجرد جعل عددهم ذلك العدد المعين في ~~نفس الأمر بل جعله في القرآن أيضا كذلك وهو الحكم بأن عليها تسعة عشر إذ ~~بذلك يتحقق افتتانهم باستقلالهم له واستبعادهم لتولي هذا العدد القليل ~~لتعذيب أكثر الثقلين واستهزائهم به حسبما ذكر وعليه ms3277 يدور ما سيأتي من ~~استيقان أهل الكتاب وازدياد المؤمنين ايمانا قالوا المخصص لهذا العدد ان ~~اختلاف النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثنتي عشرة ~~والطبيعية السبع أو أن جهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفرة كل صنف يعذب ~~بترك الاعتقاد والاقرار والعمل أنواعا من العذاب يناسبها وعلى كل نوع ملك ~~أو صنف أو صف يتولاه وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعا ~~يناسبه ويتولاه واحد أو أن الساعات أربع وعشرون خمسة منها مصروفة للصلوات ~~الخمس فيبقى تسعة عشر قد تصرف إلى ما يؤاخذ به بأنواع العذاب يتولاها ~~الزبانية ليستيقن الذين أوتوا الكتاب متعلق بالجعل على المعنى المذكور اي ~~ليكتسبوا اليقين بنبوته عليه الصلاة والسلام وصدق القرآن لما شاهدوا ما فيه ~~موافقا لما في كتابهم ويزداد الذين آمنوا ايمانا اي يزداد ايمانهم كيفية ~~بما رأوا من تسليم أهل الكتاب PageV09P059 # وتصديقهم أنه كذلك أو كمية بانضمام ايمانهم بذلك إلى ايمانهم بسائر ما ~~انزل ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون تأكيد لما قبله من الاستيقان ~~وازدياد الايمان ونفي لما قد يعتري المستيقن من شبهة ما وانما لم ينظم ~~المؤمنون في سلك أهل الكتاب في نفي الارتياب حيث لم يقل ولا يرتابوا ~~للتنبيه على تباين النفيين حالا فان انتفاء الارتياب من أهل الكتاب مقارن ~~لما ينافيه من الجحود ومن المؤمنين مقارن لما يقتضيه من الايمان وكم بينهما ~~والتعبير عنهم باسم الفاعل بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة عن ~~الحدوث للايذان بثباتهم على الايمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك وليقول ~~الذين في قلوبهم مرض شك أو نفاق فيكون إخبارا بما سيكون في المدينة بعد ~~الهجرة والكافرون المصرون على التكذيب ماذا أراد الله بهذا مثلا اي أي شيء ~~أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل وقيل لما استبعدوه حسبوا انه مثل ~~مضروب وافراد قولهم هذا بالتعليل مع كونه من باب فتنتهم للاشعار باستقلاله ~~في الشناعة كذلك يضل الله من يشاء ذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الاضلال ~~والهداية ومحل الكاف في الأصل النصب ms3278 على أنها صفة لمصدر محذوف وأصل التقدير ~~يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء اضلالا وهداية كائنين مثل ما ذكر من ~~الاضلال والهداية فحذف المصدر وأقيم وصفه مقامه ثم قدم على الفعل لإفادة ~~القصر فصار النظم مثل ذلك الاضلال وتلك الهداية يضل الله من يشاء اضلاله ~~لصرف اختياره إلى جانب الضلال عند مشاهدته لآيات إلى جانب الهدى لا اضلالا ~~وهداية أدنى منهما وما يعلم جنود ربك اي جموع خلقه التي من جملتها الملائكة ~~المذكورون الا هو إذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والوقوف على حقائقها ~~وصفاتها ولو اجمالا فضلا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة ~~وما هي اي سقر أو عدة خزنتها أو الآيات الناطقة بأحوالها الا ذكرى للبشر ~~الا تذكرة لهم كلا ردع لمن أنكرها أو انكار ونفي لأن يكون لهم تذكر والقمر ~~والليل إذ ادبر وقرئ إذا دبر بمعنى أدبر كقبل بمعنى أقبل ومنه قولهم صاروا ~~كأمس الدار وقيل هو من دبر الليل النهار إذا خلفه والصبح إذا أسفر اي أضاء ~~وانكشف إنها لإحدى الكبر جواب للقسم أو تعليل لكلا والقسم معترض للتوكيد ~~والكبر جمع الكبرى جعلت الف التأنيث كتائها فكما جمعت فعلة على فعل جمعت ~~فعلى عليها ونظيرها القواصع في جمع القاصعاء PageV09P060 # كأنها جمع قاصعة اي لإحدى البلايا أو لإحدى الدواهي الكبر على معنى أن ~~البلايا الكبر أو الدواهي الكبر كثيرة وهذه واحدة في العظم لا نظيرة لها ~~نذيرا للبشر تمييز أي لإحدى الكبر انذارا أو حال مما دلت عليه الجملة اي ~~كبرت منذرة وقرئ نذير بالرفع على أنه خبر بعد خبر لأن أو لمبتدأ محذوف لمن ~~شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر بدل من للبشر أي نذيرا لمن شاء منكم أن يسبق ~~إلى الخير فيهديه الله تعالى أو لم يشأ ذلك فيضله وقيل لمن شاء خبر وأن ~~يتقدم أو يتأخر مبتدأ فيكون في معنى قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر كل نفس بما كسبت رهينة مرهونة عند الله تعالى بكسبها ms3279 والرهينة اسم ~~بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم لا صفة والا لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى ~~مفعول لا يدخله التاء الا أصحاب اليمين فإنهم فاكون رقابهم بما أحسنوا من ~~أعمالهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الدين وقيل هم الملائكة وقيل الأطفال ~~وقيل هم الذين سبقت لهم من الله تعالى الحسنى وقيل الذين كانوا عن يمين آدم ~~عليه السلام يوم الميثاق وقيل الذين يعطون كتبهم بأيمانهم في جنات لا يكتنه ~~كنهها ولا يدرك وصفها وهو خبر لمبتدأ محذوف والجملة استئناف وقع جوابا عن ~~سؤال نشأ مما قبله من استثناء أصحاب اليمين كأنه قيل ما بالهم فقيل هم في ~~جنات وقيل حال من أصحاب اليمين وقيل من ضميرهم في قوله تعالى يتساءلون وقيل ~~ظرف للتساؤل وليس المراد بتساؤلهم أن يسأل بعضهم بعضا على أن يكون كل واحد ~~منهم سائلا ومسئولا معا بل صدور السؤال عنهم مجردا عن وقوعه عليهم فان صيغة ~~التفاعل وان وضعت في الأصل للدلالة على صدور الفعل عن المتعدد ووقوعه عليه ~~معا بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلا ومفعولا معا كما في قولك تراءى القوم ~~أي رأي كل واحد منهم الآخر لكنها قد تجرد عن المعنى الثاني ويقصد بها ~~الدلالة على الأول فقط فيذكر للفعل حينئذ مفعول كما في قولك تراءوا الهلال ~~فمعنى يتساءلون عن المجرمين يسألونهم عن أحوالهم وقد حذف المسؤول لكونه عين ~~المسؤول عنه PageV09P061 # وقوله تعالى ما سلككم في سقر مقدر بقول هو حال من فاعل يتساءلون أي ~~يسألونهم قائلين أي شيء أدخلكم فيها فتأمل ودع عنك ما تكلف فيه المتكلفون ~~قالوا اي المجرمون مجيبين للسائلين لم نك من المصلين للصلوات الواجبة ولم ~~نك نطعم المسكين على معنى استمرار نفي الاطعام لا على نفي استمرار الاطعام ~~كما مر مرارا وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة ~~وكنا نخوض مع الخائضين اي نشرع في الباطل مع الشارعين فيه وكنا نكذب بيوم ~~الدين اي بيوم الجزاء أضافوه إلى الجزاء مع أن فيه من الدواهي والأهوال ~~مالا ms3280 غاية له لأنه أدهاها وأهولها وأنهم ملابسوه وقد مضت بقية الدواهي ~~وتأخير جناياتهم هذه مع كونها أعظم من الكل لتفخيمها كأنهم قالوا وكنا بعد ~~ذلك كله مكذبين بيوم الدين ولبيان كون تكذيبهم به مقارنا لسائر جناياتهم ~~المعدودة مستمرا إلى آخر عمرهم حسبما نطق به قولهم حتى أتانا اليقين اي ~~الموت ومقدماته فما تنفعهم شفاعة الشافعين لو شفعوا لهم جميعا والفاء في ~~قوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين لترتيب انكار اعراضهم عن القرآن بغير ~~سبب على ما قبلها من موجبات الاقبال عليه والاتعاظ به من سوء حال المكذبين ~~ومعرضين حال من الضمير في الجار الواقع خبرا لما الاستفهامية وعن متعلقة به ~~أي فإذا كان حال المكذبين به على ما ذكر فأي شيء حصل لهم معرضين عن القرآن ~~مع تعاضد موجبات الاقبال عليه وتأخذ الدواعي إلى الايمان به وقوله تعالى ~~كأنهم حمر مستنفرة حال من المستكن في معرضين PageV09P062 # بطريق التداخل اي مشبهين بحمر نافرة فرت من قسورة اي من أسد فعولة من ~~القسر وهو القهر والغلبة وقيل هي جماعة الرماة الذين يتصيدونها شبهوا في ~~إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه بحمر جدت في ~~نفارها مما أفزعها وفيه من ذمهم وتهجين حالهم مالا يخفى وقوله تعالى بل ~~يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قبل ~~لا يكتفون بتلك التذكرة ولا يرضون بها بل يريد كل واحد منهم أن يؤتى قراطيس ~~تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى ~~تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن فلان ~~نؤمر فيها باتباعك كما قالوا لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ~~وقرئ صحفا منشرة بسكون الحاء والنون كلا ردع لهم عن تلك الجراءة بل لا ~~يخافون الآخرة فلذلك يعرضون عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف كلا ردع عن ~~اعراضهم انه اي القرى تذكرة وأي تذكرة فمن شاء أن يذكره ذكره ms3281 وحاز بسببه ~~سعادة الدارين وما يذكرون بمجرد مشيئتهم للذكر كما هو المفهوم من ظاهر قوله ~~تعالى فمن شاء ذكره إذ لا تأثير لمشيئة العبد وارادته في أفعاله وقوله ~~تعالى الا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال اي وما يذكرون بعلة من ~~العلل أو في حال من الأحوال الا بأن يشاء الله أو حال أن يشاء الله ذلك وهو ~~تصريح بأن افعال العباد بمشيئة الله عزل وجل وقرئ تذكرون على الخطاب ~~التفاتا وقرئ بهما مشددا هو أهل التقوى اي حقيق بأن يتقى عقابه ويؤمن به ~~ويطاع وأهل المغفرة حقيق بأن يغفر لمن آمن به وأطاعه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وكذب به بمكة PageV09P063 # سورة القيامة مكية وآياتها أربعون بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بيوم ~~القيامة إدخال لا النافية على فعل القسم شائع وفائدتها توكيد القسم قالوا ~~إنها صلة مثلها في قوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب وقيل هي للنفي لكن لا ~~لنفي نفس الأقسام بل النفي ما ينبئ هو عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه كأن ~~معنى لا أقسم بكذا لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه فإنه حقيق بأكثر من ذلك ~~وأكثر وأما ما قيل من أن المعنى نفي الإقسام لوضوح الأمر فقد عرفت ما فيه ~~في قوله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم وقيل إن لا نفي ورد لكلام معهود قبل ~~القسم كأنهم أنكروا البعث فقيل لا أي ليس الأمر كذلك ثم قيل أقسم بيوم ~~القيامة كقولك لا والله أن البعث حق وأيا ما كان ففي الإقسام على تحقق ~~البعث بيوم القيامة من الجزالة ما لا مزيد عليه وقد مر تفصيله في سورة يس ~~وسورة الزخرف ولا أقسم بالنفس اللومة أي بالنفس المتقية التي تلوم النفوس ~~يومئذ على تقصيرهن في التقوى ففيه طرف من البراعة التي في القسم السابق أو ~~بالنفس التي تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعات أو بالنفس المطمئنة ms3282 اللائمة ~~للنفس الأمارة وقيل بالجنس لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ليس من نفس ~~برة ولا فاجر إلا وتلوم نفسها يوم القيامة إن عملت خيرا قالت كيف لم أزدد ~~وإن عملت شرا قالت ليتني كنت قصرت ولا يخفى ضعفه فإن هذا القدر من اللوم لا ~~يكون مدارا للإعظام بالإقسام وإن صدر عن النفس المؤمنة المسيئة فكيف من ~~الكافرة المندرجة تحت الجنس وقيل بنفس آدم عليه السلام فإنها لا تزال تتلوم ~~على فعلها الذي خرجت به من الجنة وجواب القسم ما دل عليه قوله تعالى أيحسب ~~الإنسان أن لن نجمع عظامه وهو ليبعثن والمراد بالإنسان الجنس والهمزة ~~والإنكار الواقع واستقباحه وأن مخففة من الثقيلة وضمير الشأن الذي هو اسمها ~~محذوف أي أيحسب أن الشأن لن نجمع عظامه فإن ذلك حسبان باطل فإنا نجمعها بعد ~~تشتتها ورجوعها رميما PageV09P064 # ورفاتا مختلطا بالتراب وبعد ما سفتها الرياح وطيرته في أقطار الأرض ~~وألقتها في البحار وقيل إن عدي بن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما ~~اللذان كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيهما اللهم أكفني جاري السوء ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون ~~وكيف أمره فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو عاينت ذلك اليوم لم ~~أصدقك أو يجمع الله هذه العظام بلى أي نجمعها حال كوننا قادرين على أن نسوي ~~بنانه أي نجمع سلامياته ونضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها ~~فكيف بكبار العظام أو على أن نسوي أصابعه التي هي أطرافه وآخر ما يتم به ~~خلقه وقرئ قادرون بل يريد الإنسان ليفجر أمامه عطف على أيحسب إما على أنه ~~استفهام مثله أضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا أو على أنه إيجاب ~~انتقل إليه عن الاستفهام أي بل يريد ليدوم على فجوره فيما بين يديه من ~~الأوقات وما يستقبله من الزمان لا يرعوي عنه يسأل أيان يوم القيامة أي متى ~~يكون استبعادا أو استهزاء فإذا برق البصر أي ms3283 تحير فزعا من برق الرجل إذا ~~نظر إلى البرق فدهش بصره وقرئ بفتح الراء وهي لغة أو من البريق بمعنى لمع ~~من شدة شخوصه وقرئ بلق أي انفتح وانفرج وخسف القمر أي ذهب ضوؤه وقرئ على ~~البناء للمفعول وجمع الشمس والقمر بأن يطلعهما اله تعالى من المغرب وقيل ~~جمعا في ذهاب الضوء وقيل يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في ~~النار وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف يقول الإنسان يومئذ أي يوم إذ ~~تقع هذه الأمور أين المفر أي الفرار يأسا منه وقرئ بالكسر أي موضع الفرار ~~وقد جوز أن يكون هو أيضا مصدرا كالمرجع PageV09P065 # كلا ردع من طلب المفر و تمنيه لا وزر لا ملجأ مستعار من الجبل وقيل كل ما ~~التجأت إليه وتخلصت به فهو وزرك إلى ربك يومئذ المستقر أي إليه وحده ~~استقرار العباد أو إلى حكمه استقرار أمرهم أو إلى مشيئته موضع قرارهم يدخل ~~من يشاء الجنة ومن يشاء النار ينبأ الإنسان يومئذ أي يخبر كل امرئ برا كان ~~فاجرا عند وزن الأعمال بما قدم أي عمل من عمل خيرا كان أو شرا فيثاب بالأول ~~ويعاقب بالثاني وأخر أي لم يعمل خيرا كان أو شرا فيعاقب بالأول ويثاب ~~بالثاني أو بما قدم من حسنة أو سيئة وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة فعمل بها ~~بعده أو بما قدم من مال تصدق به في حياته وبما أخر فخلقه أو وقفه أو أوصى ~~به أو بأول عمله وآخره بل الإنسان على نفسه بصيرة أي حجة و بينة على نفسه ~~شاهدة بما صدر عنه من الأعمال السيئة كما يعرب عنه كلمة على وما سيأتي من ~~الجملة الحالية وصفت بالبصارة ومجانا كما وصفت الآيات بالأبصار في قوله ~~تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة أو عين بصيرة أو التاء للمبالغة ومعنى بل ~~الترقي أي ينبأ الإنسان بأعماله بل هو يومئذ عالم بتفاصيل أحواله شاهد على ~~نفسه لأن جوارحه تنطق بذلك وقوله تعالى ولو ألقى معاذيره أي ولو جاء بكل ~~معذرة يمكن أن ms3284 يعتذر بها عن نفسه حال من المستكن في بصيرة أو من مرفوع ينبأ ~~أي هو بصيرة على نفسه تشهد عليه جوارحه وتقبل شهادتها ولو أعتذر بكل معذرة ~~أو ينبأ بأعماله ولو اعتذر الخ والمعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير اسم ~~جمع للمنكر وقيل هو جمع معذار وهو الستر أي ولو أرخى ستوره كان رسول الله ~~صلى عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل عليه السلام القراءة ولم يصبر إلى ~~أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا من أن ينفلت فأمر عليه الصلاة والسلام بأن ~~يستنصت له ملقيا إليه قلبه وسمعه حتى يقضي إليه الوحي ثم يقضي إليه الوحي ~~ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه فقيل لا تحرك به أي بالقرآن لسانك عند ~~القاء الوحي لتعجل به أي لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك PageV09P066 # إن علينا جمعه في صدرك بحيث لا يذهب عليك شئ من معانيه وقرآنه أي إثبات ~~قراءته في لسانك فإذا قرأناه أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه ~~السلام وإسناد القراءة إلى نون العظمة للمبالغة في إيجاب التأني فاتبع ~~قرآنه فكن مقفيا له ولا تراسله ثم إن علينا بيانه أي بيان ما أشكل عليك من ~~معانيه وأحكامه كلا ردع له عليه الصلاة والسلام عن عادة العجلة وترغيب له ~~في الأناة وأكد ذلك بقوله تعالى بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة على تعميم ~~الخطاب للكل أي بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل وجبلتم عليه تعجلون في ~~كل شئ ولذلك تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقيل كلا ردع للإنسان عن الاغترار ~~بالعاجل فيكون جمع الضمير في الفعلين باعتبار معنى الجنس ويؤيده قراءة ~~الفعلين على صيغة الغيبة وجوه يومئذ ناضرة أي وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين ~~المخلصين يوم إذ تقوم القيامة بهية متهللة يشاهد عليها نضرة النعيم على أن ~~وجوه مبتدأ وناضرة خبره ويومئذ منصوب بناضرة وناظرة في قوله تعالى إلى ربها ~~ناظرة خبر ثان للمبتدأ أو نعت لناظرة وإلى ربها متعلق بناظرة وصحة وقوع ~~النكرة مبتدأ لأن المقام مقام ms3285 تفصيل لا على أن ناضرة صفة لوجوه والخبر ~~ناظرة كما قيل لما هو المشهور من أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى ~~الموصوف عند السامع وحيث لم يكن ثبوت النضرة للوجوه كذلك فحقه أن يخبر به ~~ومعنى كونها ناظرة إلى ربها أنها تراه تعالى مستغرقة في مطالعة جماله بحيث ~~تغفل عما سواه وتشاهد تعالى بلا كيف ولا على جهة وليس هذا في جميع الأحوال ~~حتى ينافيه نظرها إلى غيره وقيل منتظرة وإنعامه ورد بأن الانتظار لا يسند ~~إلى الوجه وتفسيره بالجملة خلاف الظاهر وأن المستعمل بمعناه لا يعدى بالي ~~PageV09P067 # ووجوه يومئذ باسرة شديدة العبوس وهي وجوه الكفرة تظن يتوقع أربابها أن ~~يفعل بها فاقرة داهية عظيمة تقصم فقار الظهر كلا ردع عن إيثار العاجلة على ~~الآخرة أي ارتدعوا عن ذلك وتنبهوا لما بين أيديكم من الموت الذي ينقطع عنده ~~ما بينكم وبين العاجلة من العلاقة إذا بلغت التراقي أي بلغت النفس أعالي ~~الصدر وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال وقيل من راق أي قال ~~من حضر صاحبها من يرقيه وينجيه مما هو فيه من الرقية وقيل هو من كلام ~~ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب من الرقي وظن ~~أنه الفراق وأيقن المحتضر أن ما نزل به الفراق من الدنيا ونعيمها والتفت ~~الساق بالساق والتفت ساقه بساقه والتوت عليها عند حلول الموت وقيل هما شدة ~~فراق الدنيا وشدة إقبال الآخرة وقيل هما ساقاه حين تلفان في أكفانه إلى ربك ~~يومئذ المساق أي إلى الله وإلى حكمه يساق لا إلى غيره فلا صدق ما يجب ~~تصديقه من الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي نزل عليه أو فلا صدق ~~ماله ولا زكاه ولا صلى ما فرض عليه والضمير فيهما للإنسان المذكور في قوله ~~تعالى أيحسب الإنسان وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق ~~المؤاخذة كما مر «ولكن كذب» ما ذكر من الرسول والقرآن «وتولى» عن الطاعة ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى يتبختر افتخارا ms3286 بذلك من المط فإن المتبختر يمد خطاه ~~فيكون أصله يتمطط PageV09P068 # أو من المطا وهو الظهر فإنه يلويه لك فأولى أي ويل لك وأصله أو أولاك ~~الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في ردف لكم أو أولى لك الهلاك وقيل هو أفعل ~~من الويل بعد القلب كأدنى من دون أو فعلى من آل يؤول بمعنى عقباك النار ثم ~~أولى لك فأولى أي يتكرر عليه ذلك مرة بعد أخرى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ~~أي يخلى مهملا فلا يكلف ولا يجزى وقيل أن يترك في قبره ولا يبعث وقوله ~~تعالى ألم يك نطفة من مني يمنى الخ استئناف وارد لإبطال الحسبان المذكور ~~فإن مداره لما كان استبعادهم للإعادة استدل على تحققها ببدء الخلق ثم كان ~~علقة أي بقدرة الله تعالى لقوله تعالى ثم خلقنا النطفة علقة «فخلق» أي فقدر ~~بأن جعلها مضغة مخلقة «فسوى» فعدل وكمل نشأته «فجعل منه» الزوجين أي ~~الصنفين الذكر والأنثى بدل من الزوجين أليس 3940 ذلك العظيم الشأن الذي ~~أنشأ هذا الإنشاء البديع بقادر على أن يحيى الموتى وهو أهون من البدء في ~~قياس العقل روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال سبحانك بلى ~~وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم ~~القيامة إنه كان مؤمنا بيوم القيامة PageV09P069 # بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى استفهام تقرير وتقريب فإن هل بمعنى قد ~~والأصل أهل أتى على الإنسان قبل زمان قريب حين الدهر أي طائفة محدودة كائنة ~~من الزمن الممتد لم يكن شيئا مذكورا بل كان شيئا منسيا غير مذكور ~~بالإنسانية أصلا كالعنصر والنطفة وغير ذلك والجملة المنفية حال من الإنسان ~~أي غير مذكور أو صفة أخرى لحين على حذف العائد إلى الموصوف أي لم يكن فيه ~~شيئا مذكورا والمراد بالإنسان الجنس فالإظهار في قوله تعالى إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة لزيادة التقرير أو آدم عليه السلام وهو المروى عن ابن عباس ~~وقتادة والثوري وعكرمة والشعبي قال ابن عباس في ms3287 رواية أبي صالح عنه مرت به ~~أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح وهو ملقى بين مكة والطائف وفي رواية ~~الضحاك عنه أنه خلق من طين فأقام أربعين سنة ثم من حمأ مسنون فأقام أربعين ~~سنة ثم من صلصال فأقام أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة فتم خلقه ~~بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح وحكى الماوردي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الحين المذكور ههنا هو الزمن الطويل الممتد الذي لا يعرف مقداره ~~فيكون الأول إشارة إلى خلقه عليه الصلاة والسلام وهذا بيانا لخلق بنية ~~أمشاج أخلاط جمع مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلقته وصف النطفة به لما أن ~~المراد بها مجموع الماءين ولكل منهما أوصاف مختلفة من اللون والرقة والغلظ ~~وخواص متباينة فإن ماء الرجل أبيض غليظ فيه قوة العقد وماء المرأة أصفر ~~رقيق فيه قوة الانعقاد يخلق منهما الولد فما كان م من عصب وعظم وقوة فمن ~~ماء الرجل وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة قال القرطبي وقد روى هذا ~~مرفوعا وقيل مفرد كأعشار وأكياس وقيل أمشاج ألوان وأطوار فإن النطفة تصير ~~علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة وقوله تعالى نبتليه حال من فاعل خلقنا أي ~~مريدين ابتلاءه بالتكليف فيما سيأتي أو ناقلين له من حال إلى حال على طريقة ~~الاستعارة كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما نصرفه في بطن أمه نطفة ثم ~~علقة إلى آخره فجعلناه سميعا بصيرا ليتمكن من استماع الآيات التنزيلية ~~ومشاهدة الآيات التكوينية PageV09P070 # فهو كالمسبب عن الابتداء فلذلك عطف على الخلق المقيد به بالفاء ورتب عليه ~~قوله تعالى إنا هديناه السبيل بإنزال الآيات ونصب الدلائل إما شاكرا وإما ~~كفورا حالان من مفعول هدينا اى مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل إلى ~~البغية في حالتيه جميعا وإما للتفصيل أو التقسيم أي هديناه إلى ما يوصل ~~إليها في حاليه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء والأخذ فيه ~~وبعضهم كفور بالإعراض عنه وقيل من ms3288 السبيل أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا ~~أو كفورا على وصف السبيل بوصف سالكه مجازا وقرئ إما بالفتح على حذف الجواب ~~أي إما شاكرا فبتوفيقنا وأما كفورا فبسوء اختياره لا بمجرد إجبارنا من غير ~~اختيار من قبله وإيراد الكفور لمراعاة الفواصل والإشعار بأن الإنسان قلما ~~يخلو من كفران ما وإنما المؤاخذ عليه الكفر المفرط إنا اعتدنا للكافرين من ~~أفراد الإنسان الذي هديناه السبيل سلاسل بها يقادون وأغلالا بها يقيدون ~~وسعيرا بها يحرقون وتقديم وعيدهم مع تأخرهم للجمع بينهما في الذكر كما في ~~قوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم الآية ولأن ~~الإنذار أهم وأنفع وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن على أن في وصفهم ~~تفصيلا ربما يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم وقرئ سلاسلا للتناسب إن ~~الأبرار شروع في بيان حسن حال الشاكرين إثر بيان سوء حال الكافرين وإيرادهم ~~بعنوان البر للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السنية والأبرار ~~جمع بر أو بار كرب وأرباب وشاهد وأشهاد قيل هو من يبر خالقه أي يطيعه وقيل ~~من يمتثل بأمره تعالى وقيل من يؤدى حق الله تعالى ويوفى بالنذر وعن الحسن ~~البر من لا يؤذي الذر يشربون من كأس هي الزجاجة إذا كانت فيها خمر وتطلق ~~على نفس الخمر أيضا فمن على الأول ابتدائية وعلى الثاني تبعيضية أو بيانية ~~كان مزاجها أي ما تمزج به كافورا اى ماء وهو اسم عين في الجنة ماؤها في ~~بياض الكافور ورائحته وبرده والجملة صفة كأس وقوله تعالى عينا بدل من ~~كافورا وعن قتادة تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك وقيل تخلق لهم رائحة ~~الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور فعينا على هذين القولين بدل من ~~محل من كأس على تقدير مضاف أي يشربون خمرا خمر عين أو نصب على الاختصاص ~~وقوله تعالى يشرب بها عباد الله صفة عينا أي يشربون بها الخمر لكونها ~~ممزوجة بها وقيل ضمن يشرب معنى يلتذ وقيل الياء بمعنى من وقيل زائدة ويعضده ~~قراءة ابن ms3289 أبي عبلة يشربها PageV09P071 # عباد الله وقيل الضمير للكأس والمعنى يشربون العين بتلك الكأس يفجرونها ~~تفجيرا أي يجرونها حيثما شاؤوا من منازلهم اجراء سهلا لا يمتنع عليهم بل ~~يجرى جريا بقوة واندفاع والجملة صفة أخرى لعينا وقوله تعالى يوفون بالنذر ~~استئناف مسوق لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر من النعيم مشتمل على نوع تفصيل ~~لما ينبئ عنه اسم الأبرار إجمالا كأنه قيل ماذا يفعلون حتى ينالوا تلك ~~الرتبة العالية فقيل يوفون بما أوجبوه على أنفسهم فكيف بما أوجبه الله ~~تعالى عليهم ويخافون يوما كان شره عذابه مستطيرا فاشيا منتشرا في الأقطار ~~غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار بمنزلة استنفر من ~~نفر ويطعمون الطعام على حبه أي كائنين على حب الطعام والحاجة إليه كما في ~~قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون أو على حب الإطعام بأن ~~يكون ذلك بطيب النفس أو كائنين على حب الله تعالى أو إطعاما كائنا على حبه ~~تعالى وهو الأنسب لما سيأتي من قوله تعالى لوجه الله مسكينا ويتيما وأسيرا ~~أي أسير فإنه كان عليه الصلاة والسلام يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض ~~المسلمين فيقول أحسن إليه أو أسيرا مؤمنا فيدخل فيه المملوك والمسجون وقد ~~سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيرا فقال غريمك أسيرك فأحسن إلى ~~أسيرك إنما نطعمكم لوجه الله على إرادة قول وهو في موقع الحال من فاعل ~~يطعمون أي قائلين ذلك بلسان الحال أو بلسان المقال إزاحة لتوهم المن المبطل ~~للصدقة وتوقع المكافأة المنقصة للأجر وعن الصديقة رضي الله تعالى عنها أنها ~~كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا فإذا ذكر دعاءهم ~~دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله تعالى لا نريد منكم ~~جزاءا ولا شكورا أي شكرا وهو تقرير وتأكيد لما قبله إنا نخاف من ربنا يوما ~~أي عذاب يوم عبوسا يعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في الشدة والضراوة ~~قمطريرا شديد العبوس فلذلك نفعل بكم ما ms3290 نفعل رجاء أن يقينا ربنا بذلك شره ~~وقيل وهو تعليل لعدم إرادة الجزاء والشكور أي إنا نخاف عقاب الله تعالى إن ~~أردناهما فوقاهم الله شر ذلك اليوم بسبب خوفهم وتحفظهم عنه ولقاهم نضرة ~~وسرورا أي أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب ~~PageV09P072 # وجزاهم بما صبروا بصبرهم على مشاق الطاعات ومهاجرة هوى النفس في اجتناب ~~المحرمات وإيثار الأموال جنة بستانا يأكلون منه ما شاؤوا وحريرا يلبسونه ~~ويتزينون به وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~مرضا فعادهما النبي صلى الله عليه وسلم في ناس معه فقالوا لعلى رضي الله ~~عنه لو نذرت على ولدك فنذر على وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وفضة جارية ~~لهما إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض ~~على رضي الله عنه من شمعون الخيبري ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة رضي الله ~~تعالى عنها صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ~~فوقف عليهم سائل فقال السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين ~~أطعموني أطعمكم الله تعالى من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذقوا إلا ~~الماء وأصبحوا صياما فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم ~~فآثروه ثم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي ~~بيد الحسن والحسين رضي الله عنهم فأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال عليه الصلاة والسلام ما ~~أشد ما يسوؤني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ~~ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل عليه السلام وقال خذها يا ~~محمد هناك الله تعالى في أهل بيتك فأقرأه السورة متكئين فيها على الأرائك ~~حال من هم في جزاهم والعامل فيها جزى وقيل صفة لجنة من غير إبراز الضمير ~~والأرائك هي السرر في الحجال وقوله تعالى لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ~~إما حال ms3291 ثانية من الضمير أو المستكن في متكئين والمعنى أنه يمر عليهم هواء ~~معتدل لا حار محم ولا بارد مؤذ وقيل الزمهرير القمر في لغة طيئ والمعنى أن ~~هواءها مضى بذاته لا يحتاج إلى شمس ولا قمر ودانية عليهم ظلالها عطف على ما ~~قبلها حال مثلها أو صفة لمحذوف معطوف على جنة واي جنة أخرى دانية عليهم ~~ظلالها على أنهم وعدوا جنتين كما في قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~وقرئ دانية بالرفع على أنه خبر لظلاها والجملة في حين الحال والمعنى لا ~~يرون فيها شمسا ولا زمهريرا أو والحال أن ظلالها دانية قالوا معناه أن ظلال ~~أشجار الجنة قريبة من الأبرار مظلة عليهم زيادة في نعيمهم على معنى أنه لو ~~كان هناك شمس مؤذية لكانت أشجارها مظلة عليهم أنه لا شمس ثمة ولا قمر وذللت ~~قطوفها تذليلا أي سخرت ثمارها لمتناوليها وسهل أخذها من الذل وهو ضد ~~الصعوبة والجملة حال من دانية أي تدنو ظلالها عليهم مذللة لهم قطوفها أو ~~معطوفة على دانية عليهم ظلالها ومذللة قطوفها وعلى تقدير رفع دانية فهي ~~جملة ى فعلية معطوفة على جملة أسمية PageV09P073 # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب الكوب الكوز العظيم لا اذن له ولا عروة ~~كانت قواريرا قوارير من فضة أي تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ولين ~~الفضة وبياضها والجملة صفة الأكواب وقرئ بتنوين قوارير الثاني أيضا وقرئا ~~بغير تنوين وقرئ الثاني بالرفع على هي قوارير قدروها تقديرا صفة لقوارير ~~ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم وأرادوا أن تكون على مقادير ~~وأشكال معينة موافقة لشهواتهم فجاءت حسبما قدروها أو قدروها بأعمالهم ~~الصالحة فجاءت على حسبها وقيل الضمير للطائفين بها المدلول عليهم بقوله ~~تعالى ويطاف عليهم فالمعنى قدروا شرابها على قدر اشتهائهم وقرئ قدروها على ~~البناء للمفعول أي جعلوا قادرين لها كما شاؤوا من قدر منقولا من قدرت الشئ ~~ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا أي ما يشبه الزنجبيل في الطعم وكان ~~الشراب الممزوج به أطيب ما تستطيبه العرب وألذ ms3292 ما تستلذ به عينا بدل من ~~زنجبيلا وقيل تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه أو يخلق الله تعالى طعم فيها ~~فعينا حينئذ بدل من كأسا كأنه قيل ويسقون فيها كأسا كأس عين أو نصب على ~~الاختصاص فيها تسمى سلسبيلا لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها يقال ~~شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ولذلك حكم بزيادة الباء والمراد بيان أنها في طعم ~~الزنجبيل وليس فيها لذعة بل نقيض اللذع هو السلاسة ويطوف عليهم ولدان ~~مخلدون أي دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء إذا رأيتهم حسبتهم ~~لؤلؤا منثورا لحسنهم وصفاء ألوانهم وإشراق وجوههم وانبثاثهم في مجالسهم ~~ومنازلهم وانعكاس أشعة بعضهم إلى بعض و إذا رأيت ثم ليس له مفعول ملفوظ ولا ~~مقدر ولا منوي بل معناه أن بصرك أينما وقع في الجنة رأيت نعيما وملكا كبيرا ~~أي هنيئا واسعا وفي الحديث أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف ~~عام يرى وأقصاه كما يرى أدناه وقيل لا زوال وقيل إذا أرادوا شيئا كان وقيل ~~يسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم عاليهم ثياب PageV09P074 # سندس خضر قيل عاليهم ظرف على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر والجملة صفة ~~أخرى لولدان كأنه قيل يطوف عليهم ولدان فوقهم ثياب الخ وقيل حال من ضمير ~~عليهم أو حسبتهم أي يطوف عليهم ولدان عاليا للمطوف عليهم ثياب ألخ أو ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا عاليا لهم ثياب الخ وقرئ عاليهم بالرفع على أنه مبتدأ ~~خبره ثياب أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس وقرئ خضر بالجر حملا على سندس ~~بالمعنى لكونه اسم جنس «وإستبرق» بالرفع عطفا على ثياب وقرئ برفع الأول وجر ~~الثاني وقرئ بالعكس وقرئ بجرهما وقرئ وإستبرق يوصل الهمزة والفتح على أنه ~~استفعل من البريق جعل علما لهذا النوع من الثياب وحلوا أساور من فضة عطف ~~على يطوف عليهم ولا ينافيه قوله تعالى أساور من ذهب لإمكان الجمع والمعاقبة ~~والتبعيض فإن حلى أهل الجنة يختلف حسب اختلاف أعمالهم فلعله تعالى يفيض ~~عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حليا وأنوارا تتفاوت تفاوت ms3293 الذهب والفضة أو ~~حال من ضمير عاليهم بإضمار قد وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذاك ~~للمخدومين وسقاهم ربهم شرابا طهورا هو نوع آخر يفوق النوعين السالفين كما ~~يرشد إليه إسناد سقيه إلى رب العالمين ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن ~~دنس الميل إلى الملاذ الحسية والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة جماله ~~ملتذا بلقائه باقيا ببقائه وهي الغاية القاصية من منازل الصديقين ولذلك ختم ~~بها مقالة ثواب الأبرار إن هذا على إضمار القول أي يقال لهم أن هذا الذي كر ~~من فنون الكرامات كان لكم جزاء بمقابلة أعمالكم الحسنة وكان سعيكم مشكورا ~~مرضيا مقبولا مقابلا بالثواب إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا أي مفرقا ~~منجما لحكم بالغة مقتضية له لا غيرنا كما يعرب عنه تكرير الضمير مع أن ~~فاصبر لحكم ربك بتأخير نصرك على الكفار فإن له عاقبة حميدة ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه ومن الغالي في ~~الكفر الداعي إليه وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان ~~والاستقلال به والتقسيم باعتبار ما يدعونه إليه فإن ترتب النهى على الوصفين ~~مشعر بعليتهما له فلا بد أن يكون النهى عن الإطاعة في الإثم والكفر فيما ~~ليس بإثم ولا كفر وقيل الآثم عتبة فإنه كان ركابا للمأثم متعاطيا لأنواع ~~الفسوق والكفور والوليد فإنه كان غاليا في الكفر شديد الشكيمة في العتو ~~واذكر اسم رك بكرة وأصيلا وداوم على ذكره في جميع الأوقات أو دم على صلاة ~~الفجر والظهر والعصر فإن الأصيل ينتظمهما PageV09P075 # ومن الليل فاسجد له وبعض الليل فصل له ولعله صلاة المغرب والعشاء وتقديم ~~الظرف لما في صلاة الليل من مزيد كلفة وخلوص وسبحه ليلا طويلا وتهجد له ~~قطعا من الليل طويلا ان هؤلاء الكفرة يحبون العاجلة وينهمكون في لذاتها ~~الفانية ويذرون وراءهم اي امامهم لا يستعدون أو ينبذون وراء ظهورهم يوما ~~ثقيلا لا يعبأون به ووصفه بالثقل لتشبيه شدته وهوله بثقل شيء فادح باهظ ~~لحامله بطريق الاستعارة ms3294 وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه نحن خلقناهم لا ~~غيرنا وشددنا أسرهم اي أحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب وإذا شئنا بدلنا ~~أمثالهم بعد اهلاكهم تبديلا بديعا لا ريب فيه هو البعث كما ينبئ عنه كلمة ~~إذا أو بدلنا غيرهم ممن يطيع كقوله تعالى يستبدل قوما غيركم وإذ للدلالة ~~على تحقق القدرة وقوة الداعية ان هذه تذكرة إشارة إلى السورة أو الآيات ~~القريبة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا اي فمن شاء ان يتخذ اليه تعالى سبيلا ~~اي وسيلة توصله إلى ثوابه اتخذه اي تقرب اليه بالعمل بما في تضاعيفها وقوله ~~تعالى وما تشاؤن الا أن يشاء الله تحقيق للحق ببيان أن مجرد مشيئتهم غير ~~كافية في اتخاذ السبيل كما هو المفهوم من ظاهر الشرطية اي وما تشاؤن اتخاذ ~~السبيل ولا تقدرون على تحصيله في وقت من الأوقات الا وقت مشيئته تعالى ~~تحصيله لكم إذ لا دخل لمشيئة العبد الا في الكسب وانما التأثير والخلق ~~لمشيئة الله عز وجل وقرئ يشاؤن بالياء وقرئ الا ما يشاء الله وقوله تعالى ~~ان الله كان عليما حكيما بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم ~~والحكمة والمعنى أنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة فيعلم ما يستأهله كل أحد ~~فلا يشاء لهم الا ما يستدعيه علمه وتقتضيه حكمته وقوله تعالى يدخل من يشاء ~~في رحمته بيان لأحكام مشيئته المترتبة على علمه وحكمته أي يدخل في رحمته من ~~يشاء ان يدخله فيها وهو الذي يصرف مشيئته نحو اتخاذ السبيل اليه تعالى حيث ~~يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الايمان والطاعة والظالمين وهم الذين ~~صرفوا مشيئتهم إلى خلاف ما ذكر أعد لهم عذابا أليما اي متناهيا في الايلام ~~قال الزجاج نصب الظالمين لأن ما قبله منصوب اي يدخل من يشاء في رحمته ويعذب ~~الظالمين ويكون أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر وقرئ بالرفع على PageV09P076 # الابتداء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على ~~الله تعالى جنة وحريرا سورة المرسلات مكية الا ms3295 آية 48 فمدنية وآياتها خمسون ~~بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ~~فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا اقسام من الله عز وجل بطوائف من الملائكة ~~أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن عصف الرياح مسارعة في الامتثال بالأمر ~~وبطوائف أخرى نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في ~~الأقطار أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أو حين ففرقن بين الحق ~~والباطل فألقين ذكرا الا الأنبياء عذرا للمحقين أو نذرا للمبطلين ولعل ~~تقديم نشر الشرائع ونشر النفوس والفرق على الالقاء للايذان بكونها غاية ~~للالقاء حقيقة بالاعتناء بها أو للاشعار بأن كلا من الأوصاف المذكورة مستقل ~~بالدلالة على استحقاق الطوائف الموصوفة بها التفخيم والاجلال بالإقسام بهن ~~ولو جيء بها على ترتيب الوقوع لربما فهم أن مجموع الالقاء والنشر والفرق هو ~~الموجب لما ذكر من الاستحقاق أو اقسام برياح عذاب أرسلهن فعصفن وبرياح رحمة ~~نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله تعالى ويجعله كسفا أو بسحائب نشرن ~~الموات ففرقن كل صنف منها عن سائر الأصناف بالشكل واللون وسائر الخواص أو ~~فرقن بين من يشكر الله تعالى وبين من يكفر به فألقين ذكرا اما عذرا ~~للمعتذرين إلى الله تعالى بتوبتهم واستغفارهم عن مشاهدتهم PageV09P077 # لآثار رحمته تعالى في الغيث ويشكرونها واما انذارا للذين يكفرونها ~~وينسبونها إلى الأنواء واسناد القاء الذكر إليهن لكونهن سببا في حصوله إذا ~~شكرت النعمة فيهن أو كفرت أو اقسام بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فعصفن سائر الكتب بالنسخ ونشرن آثار الهدى من مشارق الأرض ~~ومغاربها وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق في أكناف العالمين والعرف ~~اما نقيض النكر وانتصابه على العلة اي أرسلنا للاحسان والمعروف فان ارسال ~~ملائكة العذاب معروف للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين أو بمعنى المتابعة من ~~عرف الفرس وانتصابه على الحالية والعذر والنذر مصدران من عذر إذا محا ~~الإساءة ومن أنذر إذا خوف وانتصابهما على البدلية من ذكرا أو على العلية ~~وقرئا بالتثقيل ان ما توعدون لواقع جواب للقسم ms3296 اي ان الذي توعدونه من مجيء ~~القيامة كائن لا محالة فإذا النجوم طمست محيت ومحقت أو ذهب بنورها وإذا ~~السماء فرجت صدعت وفتحت فكانت أبوابا وإذا الجبال نسفت جعلت كالحب الذي ~~ينسف بالمنسف ونحوه وبست الجبال بسا وقيل اخذت من مقارها بسرعة من انتسفت ~~الشيء إذا اختطفته وقرئ طمست وفرجت ونسفت مشددة وإذا الرسل اقتت اي عين لهم ~~الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم وذلك عند مجيئه وحضوره إذ لا ~~يتعين لهم قبله أو بلغوا الميقات الذي كانوا ينتظرونه وقرئ وقتت على الأصل ~~وبالتخفيف فيهما لأي يوم أجلت مقدر بقول هو جواب لاذا في قوله تعالى وإذا ~~الرسل اقتت أو حال من مرفوع اقتت اي يقال لأي يوم أخرت الأمور المتعلقة ~~بالرسل والمراد تعظيم ذلك اليوم والتعجيب من هوله وقوله تعالى ليوم الفصل ~~بيان ليوم التأجيل وهو الذي يفصل فيه بين الخلائق وما أدراك ما يوم الفصل ~~ما مبتدأ أدراك خبره أي أي شيء جعلك داريا ما هو فوضع موضع الضمير ~~PageV09P078 # يوم الفصل لزيادة تفظيع وتهويل على أن ما خبر ويوم الفصل مبتدأ لا بالعكس ~~كما اختاره سيبويه لأن محط الفائدة بيان كون يوم الفصل أمرا بديعا هائلا لا ~~يقادر قدره ولا يكتنه كنهه كما يفيده خبرية مالا بيان كون أمر بديع من ~~الأمور يوم الفصل كما يفيده عكسه ويل يومئذ للمكذبين اي في ذلك اليوم ~~الهائل وويل في الأصل مصدر منصوب ساد مسد فعله لكن عدل به إلى الرفع ~~للدلالة على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ويومئذ ظرفه أو صفته ألم نهلك ~~الأولين كقوم نوح وعاد وثمود لتكذيبهم به وقرئ نهلك بفتح النون من هلكه ~~بمعنى أهلكه ثم نتبعهم الآخرين بالرفع على ثم نحن نتبعهم الآخرين من ~~نظرائهم السالكين لمسلكهم في الكفر والتكذيب وهو وعيد لكفار مكة وقرئ ثم ~~سنتبعهم وقرئ نتبعهم بالجزم عطفا على نهلك فيكون المراد بالآخرين المتأخرين ~~هلاكا من المذكورين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم السلام كذلك مثل ذلك الفعل ~~الفظيع نفعل بالمجرمين أي سنتنا ms3297 جارية على ذلك ويل يومئذ اي يوم إذ ~~أهلكناهم للمكذبين بآيات الله تعالى وأنبيائه وليس فيه تكرير لما أن الويل ~~الأول لعذاب الآخرة وهذا لعذاب الدنيا ألم نخلقكم أي ألم نقدركم من ماء ~~مهين أي من نطفة قذرة مهينة فجعلناه في قرار مكين هو الرحم إلى قدر معلوم ~~إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة تسعة أشهر أو أقل منها ~~أو أكثر فقدرنا اي فقدرناه وقد قرىء مشددا أو فقدرنا على ذلك على أن المراد ~~بالقدر ما يقارن وجود المقدور بالفعل فنعم القادرون أي نحن PageV09P079 # ويل يومئذ للمكذبين بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة ألم نجعل الأرض كفاتا ~~الكفات اسم ما يكفت اي يضم ويجمع مع كفت الشيء إذا ضمه وجمعه كالضمام ~~والجماع لما يضم ويجمع اي ألم نجعلها كفاتا تكفت احياء كثيرة على ظهرها ~~وأمواتا غير محصورة في بطنها وقيل هو مصدر نعت به للمبالغة وقيل جمع كافت ~~كصائم وصيام أو كفت وهو الوعاء اجرى على الأرض باعتبار بقاعها وقيل تنكير ~~احياء وأمواتا لأن احياء الانس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات وقيل ~~انتصابهما على الحالية من محذوف اي كفاتا تكفتكم احياء وأمواتا وجعلنا فيها ~~رواسي أي جبالا ثوابت شامخات طوالا شواهق ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في ~~غير العقلاء مطرد كداجن ودواجن وأشهر معلومات وتنكيرها للتفخيم أو للاشعار ~~بأن فيها ما لم يعرف وأسقيناكم ماء فراتا بأن خلقنا فيها انهارا ومنابع ويل ~~يومئذ للمكذبين بأمثال هذه النعم العظيمة انطلقوا اي يقال لهم يومئذ ~~للتوبيخ والتقريع انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا من العذاب ~~انطلقوا خصوصا إلى ظل اي ظل دخان جهنم كقوله تعالى وظل من يحموم وقرئ ~~انطلقوا على لفظ الماضي اخبار بعد الأمر عن عملهم بموجبه لاضطرارهم اليه ~~طوعا أو كرها ذي ثلاث شعب يتشعب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان العظيم ~~تراه يتفرق ذوائب وقيل يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب ~~من دخانها ثلاث شعب فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون ms3298 في ظل العرش قيل ~~خصوصية الثلاث اما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم أو ~~لأن المؤدى إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية الحالة في الدماغ ~~والقوة الغضبية السبعية التي عن يمين القلب والقوة الشهوية البهيمية التي ~~عن يساره ولذلك قيل تقف شعبة فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره ~~PageV09P080 # لا ظليل تهكم بهم أورد لما أوهمه لفظ الظل ولا يغني من اللهب اي غير مغن ~~لهم من حر اللهب شيئا انها ترمى بشرر كالقصر اي كل شررة كالقصر من القصور ~~في عظمها وقيل هو الغليظ من الشجر الواحدة قصرة نحو جمر وجمرة وقرئ كالقصر ~~بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة وشجر وقرئ كالقصر بمعنى ~~القصور كرهن ورهن وقرئ كالقصر جمع قصرة كأنه جمالة قيل هو جمع جمل والتاء ~~لتأنيث الجمع يقال جمل وجمال وجمالة وقيل اسم جمع كالحجارة صفر فان الشرارة ~~لما فيه من النارية يكون اصفر وقيل أسود لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة ~~والأول تشبيه في العظم وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة ~~وقرئ جمالات جمع جمالة وقد قرىء بها وهي الحبل العظيم من حبل السفن وقلوس ~~الجسور والتشبيه في امتداده والتفافه ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ~~إشارة إلى دخولهم النار أي هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء لما أن السؤال ~~والجواب والحساب قد انقضت قبل ذلك ويوم القيامة طويل له مواطن ومواقيت ~~ينطقون في وقت دون وقت فعبر عن كل وقت بيوم أولا ينطقون بشيء ينفعهم فان ~~ذلك كلا نطق وقرئ بنصب اليوم أي هذا الذي فصل واقع يوم لا ينطقون ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون عطف على يؤذن منتظم في سلك النفي أي لا يكون لهم اذن واعتذار ~~متعقب له من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الاذن كما لو نصب ويل يومئذ ~~للمكذبين هذا يوم الفصل بين الحق والباطل والمحق والمبطل جمعناكم خطاب لامة ~~محمد عليه الصلاة والسلام والأولين من الأمم وهذا تقرير وبيان للفصل ms3299 ~~PageV09P081 # فان كان لكم كيد فكيدون فان جميع من كنتم تقلدونهم وتقتدون بهم حاضرون ~~وهذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا واظهار لعجزهم ويل يومئذ ~~للمكذبين حيث ظهر أن لا حيلة لهم في الخلاص من العذاب ان المتقين من الكفر ~~والتكذيب في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون اي مستقرون في فنون الترفه ~~وأنواع التنعم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون مقدر بقول هو حال من ~~ضمير المتقين في الخبر اي مقولا لهم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملونه ~~في الدنيا من الأعمال الصالحة انا كذلك الجزاء العظيم نجزي المحسنين اي في ~~عقائدهم وأعمالهم لا جزاء أدنى منه ويل يومئذ للمكذبين حيث نال أعداؤهم هذا ~~الثواب الجزيل وهم بقوا في العذاب المخلد الوبيل كلوا وتمتعوا قليلا انكم ~~مجرمون مقدر بقول هو حال من المكذبين اي الويل ثابت لهم مقولا لهم ذلك ~~تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم من ايثار المتاع الفاني ~~عن قريب على النعيم الخالد وعلل ذلك باجرامهم دلالة على أن كل مجرم مآله ~~هذا وقيل هو كلام مستأنف خوطب به المكذبون في الدنيا بعد بيان مآل حالهم ~~وقرر ذلك بقوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين لزيادة التوبيخ والتقريع وإذا قيل ~~لهم اركعوا اي أطيعوا الله واخشعوا وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه ~~وارفضوا هذا الاستكبار والنخوة لا يركعون لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون ~~على ما هم PageV09P082 # عليه من الاستكبار وقيل إذا أمروا بالصلاة أو بالركوع لا يفعلون إذ روي ~~أنه نزل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيفا بالصلاة فقالوا لا نجي ~~فإنها مسبة علينا فقال عليه الصلاة والسلام لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا ~~سجود وقيل هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ويل يومئذ ~~للمكذبين وفيه دلالة على أنه الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة فبأي ~~حديث بعده اي بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين وأخبار النشأتين على نمط ~~بديع معجز مؤسس على حجج قاطعة وبراهين ساطعة يؤمنون إذا ms3300 لم يؤمنوا به وقرئ ~~تؤمنون على الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة المرسلات ~~كتب له أنه ليس من المشركين PageV09P083 # سورة النبأ مكية وآياتها أربعون بسم الله الرحمن الرحيم عم أصله عما فحذف ~~منه الألف اما فرقا بين ما الاستفهامية وغيرها أو قصدا للخفة لكثرة ~~استعمالها وقد قرىء على الأصل وما فيها من الابهام للايذان بفخامة شأن ~~المسؤول عنه وهوله وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة اي عن أي شيء عظيم ~~الشأن يتساءلون أي أهل مكة وكانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ويخوضون ~~فيه انكارا واستهزاء لكن لا على طريقة التساؤل عن حقيقته ومسماه بل عن ~~وقوعه الذي هو حال من أحواله ووصف من أوصافه فان ما وان وضعت لطلب حقائق ~~الأشياء ومسميات أسمائها كما في قولك ما الملك وما الروح لكنها قد يطلب بها ~~الصفة والحال تقول ما زيد فيقال عالم أو طبيب وقيل كانوا يسألون عنه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين استهزاء كقولهم يتداعونهم اي يدعونهم وتحقيقه ~~ان صيغة التفاعل في الأفعال المتعدية موضوعة لإفادة صدور الفعل عن المتعدد ~~ووقوعه عليه بحيث يصير كل واحد من ذلك فاعلا ومفعولا معا لكنه يرفع باسناد ~~الفعل اليه ترجيحا لجانب فاعليته ويحال بمفعوليته على دلالة العقل كما في ~~قولك تراءى القوم أي رأى كل واحد منهم الآخر وقد تجرد عن المعنى الثاني ~~فيراد بها مجرد صدور الفعل عن المتعدد عاريا عن اعتبار وقوعه عليه فيذكر ~~للفعل حينئذ مفعول متعدد كما في المثال المذكور أو واحد كما في قولك تراءوا ~~الهلال وقد يحذف لظهوره كما فيما نحن فيه فالمعنى عن أي شيء يسأل هؤلاء ~~القوم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وربما تجرد عن صدور الفعل عن ~~المتعدد أيضا فيراد بها تعدده باعتبار تعدد متعلقه مع وحدة الفاعل كما في ~~قوله تعالى فبأي آلاء ربك تتمارى وقوله تعالى عن النبأ العظيم بيان لشأن ~~المسؤول عنه اثر تفخيمه بابهام امره وتوجيه أذهان السامعين نحوه وتنزيلهم ~~منزلة المستفهمين فان ايراده ms3301 على طريقة الاستفهام من علام الغيوب للتنبيه ~~على أنه لانقطاع قرينه وانعدام نظيره خارج عن دائرة علوم الخلق خليق بأن ~~يعتنى بمعرفته ويسأل عنه كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون هل أخبركم به ثم قيل ~~بطريق الجواب عن النبأ العظيم على منهاج قوله تعالى لمن الملك اليوم ~~PageV09P084 # لله الواحد القهار فعن متعلقة بما يدل عليه المذكور من مضمر حقه أن يقدر ~~بعدها مسارعة إلى البيان ومراعاة لترتيب السؤال هذا هو الحقيق بالجزالة ~~التنزيلية وقد قيل هي متعلقة بالمذكور وعم متعلق بمضمر مفسر به وأيد ذلك ~~بأنه قرىء عمه والأظهر أنه مبني على اجراء الوصل مجرى الوقف وقيل عن الأولى ~~للتعليل كأنه قيل لم يتساءلون عن النبأ العظيم وقيل قبل عن الثانية استفهام ~~مضمر كأنه قيل عم يتساءلون أعن النبأ العظيم والنبأ الخبر الذي له شأن وخطر ~~وقد وصف بقوله تعالى الذي هم فيه مختلفون بعد وصفه بالعظيم تأكيدا لخطره ~~اثر تأكيد واشعارا بمدار التساؤل عنه وفيه متعلق بمختلفون قدم عليه اهتماما ~~به ورعاية للفواصل وجعل الصلة جملة اسمية للدلالة على الثبات أي هم راسخون ~~في الاختلاف فيه فمن جازم باستحالته يقول ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا الا الدهر وما نحن بمبعوثين وشاك يقول ما ندري ما الساعة ~~ان نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين وقيل منهم من ينكر المعادين معا كهؤلاء ~~ومنهم من ينكر المعاد الجسماني فقط كجمهور النصارى وقد حمل الاختلاف على ~~الاختلاف في كيفية الانكار فمنهم من ينكره لانكاره الصانع المختار ومنهم من ~~ينكره بناء على استحالة إعادة المعدوم بعينه وحمله على الاختلاف بالنفي ~~والاثبات بناء على تعميم التساؤل لفريقي المسلمين والكافرين على أن سؤال ~~الأولين ليزدادوا خشية واستعدادا وسؤال الآخرين ليزدادوا كفرا وعنادا يرده ~~قوله تعالى كلا سيعلمون الخ فإنه صريح في أن المراد اختلاف الجاهلين به ~~المنكرين له إذ عليه يدور الردع والوعيد لا على خلاف المؤمنين لهم ~~وتخصيصهما بالكفرة بناء على تخصيص ضمير سيعلمون بهم مع عموم الضميرين ~~السابقين للكل مما ms3302 ينبغي تنزيه التنزيل عن أمثاله هذا ما أدى اليه جليل ~~النظر والذي يقتضيه التحقيق ويستدعيه النظر الدقيق أن يحمل اختلافهم على ~~مخالفتهم للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يعتبر في الاختلاف محض صدور الفعل ~~عن المتعدد حسبما ذكر في التساؤل فان الافتعال والتفاعل صيغتان متآخيتان ~~كالاستباق والتسابق والانتضال والتناضل إلى غير ذلك يجري في كل منهما ما ~~يجري في الأخرى لا على مخالفة بعضهم لبعض من الجانبين لأن الكل وان استحق ~~الردع والوعيد لكن استحقاق كل جانب لهما ليس لمخالفته للجانب الآخر إذ لا ~~حقية في شيء منها حتى يستحق من يخالفه المؤاخذة بل لمخالفته له عليه الصلاة ~~والسلام فكلا ردع لهم عن التساؤل والاختلاف بالمعنيين المذكورين وسيعلمون ~~وعيد لهم بطريق الاستئناف وتعليل للردع والسين للتقريب والتأكيد وليس ~~مفعوله ما يني عنه المقام من وقوع ما يتساءلون عنه ووقوع ما يختلفون فيه ~~كما في قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت إلى ~~قوله تعالى ليبين لهم الذي يختلفون فيه الآية فان ذلك عار عن صريح الوعيد ~~بل هو عبارة عما يلاقونه من فنون الدواهي والعقوبات والتعبير عن لقائها ~~بالعلم PageV09P085 # لوقوعه في معرض التساؤل والاختلاف والمعنى ليرتدعوا عما هم عليه فإنهم ~~سيعلمون عما قليل حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال وقوله تعالى ثم ~~كلا سيعلمون تكرير للردع والوعيد للمبالغة في التأكيد والتشديد وثم للدلالة ~~على أن الوعيد الثاني أبلغ وأشد وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة ~~وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء وقرئ ستعلمون بالتاء على نهج الالتفات إلى ~~الخطاب المواقف لما بعده من الخطابات تشديدا للردع والوعيد لا على تقدير قل ~~لهم كما توهم فان فيه من الاخلال بجزالة النظم الكريم مالا يخفى وقوله ~~تعالى ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا الخ استئناف مسوق لتحقيق النبأ ~~المتسائل عنه بتعداد بعض الشواهد الناطقة بحقيقته اثر ما نبه عليها بما ذكر ~~من الردع والوعيد ومن ههنا اتضح ان المتسائل عنه هو البعث لا القرآن أو ~~نبوة النبي عليه ms3303 الصلاة والسلام كما قيل والهمزة للتقرير والالتفات إلى ~~الخطاب على القراءة المشهورة للمبالغة في الالزام والتبكيت والمهاد البساط ~~والفراش وقرئ مهدا على تشبيهها بمهد الصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية ~~للممهود بالمصدر وجعل الجبال أوتادا لها إرساؤها بها كما يرسي البيت ~~بالأوتاد وخلقناكم عطف على المضارع المنفي بلم داخل في حكمه فإنه في قوة ~~أما جعلنا الخ أو على ما يقتضيه الانكار التقريري فإنه في قوة أن يقال قد ~~جعلنا الخ أزواجا أصنافا ذكرا وأنثى ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر وينتظم ~~امر المعاشرة والمعاش ويتسنى التناسل وجعلنا نومكم سباتا أي موتا لأنه أحد ~~التوفيين لما بينهما من المشاركة التامة في انقطاع احكام الحياة وعليه قوله ~~تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل وقوله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها وقيل قطعا عن الاحساس والحركة لإراحة القوى ~~الحيوانية وإزاحة كلاهما والأول هو اللائق بالمقام كما ستعرفه وجعلنا الليل ~~الذي فيه يقع النوم غالبا لباسا يستركم بظلامه كما يستركم اللباس ولعل ~~المراد به ما يستر به عند النوم من اللحاف ونحوه فان شبه الليل به أكمل ~~واعتباره في تحقيق المقصد ادخل فهو جعل الليل محلا للنوم الذي جعل موتا كما ~~جعل النهار محلا لليقظة PageV09P086 # المعبر عنها بالحياة في قوله تعالى وجعلنا النهار معاشا اي وقت حياة ~~تبعثون فيه من نومكم الذي هو أخو الموت كما في قوله تعالى وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وجعل كون الليل لباسا عبارة عن ~~تره عن العيون لمن أراد هربا من عدو أو بياتا له أو نحو ذلك مما لا مناسبة ~~له بالمقام وكذا جعل النهار وقت التقلب في تحصيل المعايش والحوايج وبنينا ~~فوقكم سبعا شدادا أي سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مر ~~الدهور وكر العصور والتعبير عن خلقها بالبناء مبنى على تنزيلها منزلة ~~القباب المضروبة على الخلق وتقديم الظرف على المفعول ليس لمراعاة الفواصل ~~فقط بل للتشويق اليه فان ما ms3304 حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس مترقبة له فإذا ~~ورد عليها تمكن عندها فضل تمكن وجعلنا سراجا وهاجا هذا الجعل بمعنى الانشاء ~~والابداع كالخلق خلا انه مختص بالانشاء التكويني وفيه معنى التقدير ~~والتسوية وهذا عام له كما في الآية الكريمة وللتشريعي أيضا كما في قوله ~~تعالى ما جعل الله من بحيرة الخ وقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~وأياما كان ففيه انباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه أوله أو منه ~~أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغوا كان أو ~~مستقرا لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيدا فيه كما في قوله تعالى ~~وجعل بينهما برزخا وقوله تعالى وجعل فيها رواسي وقوله تعالى واجعل لنا من ~~لدنك وليا الآية فان كل واحد من هذه الظروف اما متعلق بنفس الجعل أو بمحذوف ~~وقع حالا من مفعوله تقدمت عليه لكونه نكرة وأيا ما كان فهو قيد في الكلام ~~حتى إذا اقتضى الحال وقوعه عمدة فيه يكون الجمل متعديا إلى اثنين هو ~~ثانيهما كما في قوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم وربما يشتبه الأمر ~~فيظن أنه عمدة فيه وهو في الحقيقة قيد بأحد الوجهين كما سلف في قوله تعالى ~~اني جاعل في الأرض خليفة والوهاج الوقاد المتلألئ من وهجت النار إذا أضاءت ~~أو البالغ في الحرارة من الوهج والمراد به الشمس والتعبير عنها بالسراج من ~~روادف التعبير عن خلق السماوات بالبناء وأنزلنا من المعصرات هي السحائب إذا ~~أعصرت اي شارفت ان تعصرها الرياح فتمطر كما في احصد الزرع إذا حان له أن ~~يحصد ومنه أعصرت الجارية إذا دنت ان تحيض أو الرياح التي حان لها أن تعصر ~~السحاب وقرئ بالمعصرات ووجه ذلك أن الانزال حيث كان من المعصرات سواء أريد ~~بها السحائب أو الرياح فقد كان بها كما يقال أعطاه من يده وبيده وقد فسرت ~~المعصرات بالرياح ذوات الأعاصير ووجهه أن الرياح هي التي PageV09P087 # تنشئ السحاب وتدر أخلافه فصلحت ان تجعل مبتدأ ms3305 للانزال ماء ثجاجا أي منصبا ~~بكثرة يقال ثج الماء اي سال بكثرة وثجه اي أساله ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام أفضل الحج العج والثج اي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي وقرئ ~~ثجاجا بالحاء بعد الجيم قالوا مثاجح الماء مصابه لنخرج به بذلك الماء حبا ~~يقتات كالحنطة والشعير ونحوهما ونباتا يعتلف كالتبن والحشيش وتقديم الحب مع ~~تأخره عن النبات في الاخراج لأصالته وشرفه لأن غالبه غذاء الانسان وجنات ~~الجنة في الأصل هي المرة من مصدر جنة إذا ستره تطلق على المخل والشجر ~~المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه قال زهير بن أبي سلمى * كأن عيني في غربي ~~مقتلة * من النواضح تسقى جنة سحقا * وعلى الأرض ذات الشجر قال الفراء الجنة ~~ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم والأول هو المراد وقوله تعالى ألفافا ~~اي ملتفة تداخل بعضها في بعض قالوا لا واحد له كالأوزاع والأخياف وقيل ~~الواحد لف ككن وأكنان أو لفيف كشريف واشراف وقيل هو جمع أف جمع لفاء كخضر ~~وخضراء وقيل جمع ملتفة بحذف الزوائد واعلم أن فيما ذكر من أفعاله عز وجل ~~دلالة على صحة البعث وحقيته من وجوه ثلاثة الأول باعتبار قدرته تعالى فان ~~من قدر على انشاء هذه الأفعال البديعة من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه ~~كان على الإعادة أقدر وأقوى الثاني باعتبار علمه وحكمته فان من أبدع هذه ~~المصنوعات على نمط رائع مستتبع لغايات جليلة ومنافع جميلة عائدة إلى الخلق ~~يستحيل ان ينفيها بالكلية ولا يجعل لها عاقبة باقية والثالث باعتبار نفس ~~الفعل فان اليقظة بعد النوم أنموذج للبعث بعد الموت يشاهدونها كل يوم وكذا ~~اخراج الحب والنبات من الأرض الميتة يعاينوه كل حين كأنه قيل ألم نفعل هذه ~~الأفعال الآفاقية والأنفسية الدالة بفنون الدلالات على حقية البعث الموجبة ~~للايمان به فما لكم تخوضون فيه انكارا وتتساءلون عنه استهزاء وقوله تعالى ~~ان يوم الفصل كان ميقاتا شروع في بيان سر تأخير ما يتساءلون عنه ويستعجلون ~~به قائلين متى هذا الوعد ان كنتم صادقين ونوع تفصيل ms3306 لكيفية وقوعه وما ~~سيلقونه عند ذلك من فنون العذاب حسبما جرى به الوعيد اجمالا أي ان يوم فصل ~~الله عز وجل بين الخلائق كان في علمه وتقديره ميقاتا وميعادا لبعث الأولين ~~والآخرين وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا وعقابا لا يكاد يتخطاه بالتقدم ~~والتأخر وقيل حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حدا للخلائق ينتهون فيه ~~ولا ريب في أنهما بمعزل من التقريب الذي أشير اليه على أن الدنيا تنتهي عند ~~النفخة الأولى PageV09P088 # وقوله تعالى يوم ينفخ في الصور اي نفخة ثانية بدل من يوم الفصل أو عطف ~~بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله ولا ضير في تأخر الفصل عن النفخ فإنه ~~زمان ممتد يقع في مبدئه النفخة وفي بقيته الفصل ومباديه وآثاره والصور هو ~~القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما فرغ الله تعالى من خلق السماوات ~~والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش ~~متى يؤمر به فينفخ فيه نفخة لا يبقى عندها في الحياة غير من شاء الله تعالى ~~وذلك قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض الا من ~~شاء الله ثم يؤمر بأخرى فينفخ نفخه لا يبقى معها ميت الا بعث وقام وذلك ~~قوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون والفاء في قوله تعالى ~~فتأتون فصيحة تفصح عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية ~~سرعة الاتيان كما في قوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفلق اي فتبعثون ~~من قبوركم فتأتون إلى الموقف عقيب ذلك من غير لبث أصلا أفواجا اي أمما كل ~~أمة مع امامها كما في قوله تعالى يوم ندعو كل أناس بامامهم أو زمرا وجماعات ~~مختلفة الأحوال متباينة الأوضاع حسب اختلاف اعمالهم وتباينها عن معاذ رضي ~~الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم يا ~~معاذ ms3307 سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم ارسل عينيه وقال تحشر عشرة أصناف من ~~أمتي بعضهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون أرجلهم ~~فوق وجوههم يسحبون عليها وبعضهم عمي وبعضهم صم بكم وبعضهم يمضغون ألسنتهم ~~فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم ~~مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من نار وبعضهم أشد نتنا من ~~الجيف وبعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم فأما الذين على ~~صورة القردة فالقتات من الناس وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ~~وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا وأما العمي فالذين يجورون في الحكم ~~وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء ~~الذين خالفت أقوالهم اعمالهم وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين ~~يؤذون جيرانهم وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ~~وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق ~~الله تعالى في أموالهم وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر ~~والخيلاء وفتحت السماء عطف على ينفخ وصيغة الماضي للدلالة على التحقق وقرئ ~~فتحت بالتشديد وهو الأنسب بقوله تعالى فكانت أبوابا أي كثرت أبوابها المفتح ~~لنزول الملائكة نزولا غير معتاد حتى صارت كأنها ليست الا أبوابا مفتحة ~~PageV09P089 # كقوله تعالى وفجرنا الأرض عيونا كأن كلها عيون متفجرة وهو المراد بقوله ~~تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام وهو الغمام الذي ذكر في قوله تعالى هل ~~ينظرون الا أن يأتيهم الله أي امره وبأسه في ظلل من الغمام والملائكة وقيل ~~الأبواب الطرق والمسالك أي تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء ~~وسيرت الجبال اي في الجو على هيآتها بعد قلعها من مقارها كما يعرب عنه قوله ~~تعالى وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب أي تراها رأى العين ~~ساكنة في أماكنها والحال أنها تمر مر السحاب الذي يسيره الرياح سيرا حثيثا ~~وذلك أن الأجرام العظام إذا تحركت نحوا من الأنحاء لا تكاد يتبين حركتها ~~وان كانت في ms3308 غاية السرعة لا سيما من بعيد وعليه قول من قال: # بارعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج وقد أدمج في هذا ~~التشبيه تشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها كما ينطق ~~به قوله تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش يبدل الله تعالى الأرض ويغير ~~هيأتها ويسير الجبال على تلك الهيئة الهائلة عند حشر الخلائق بعد النفخة ~~الثانية ليشاهدوها ثم يفرقها في الهواء وذلك قوله تعالى فكانت سرابا اي ~~فصارت بعد تسييرها مثل السراب كقوله تعالى وبست الجبال بسا فكانت هباء ~~منبثا اي غبارا منتشرا وهي وان اندكت وانصدعت عند النفخة الأولى لكن ~~تسييرها وتسوية الأرض انما يكونان بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله ~~تعالى ويسألونك عن الجبال فقل ينفسها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي وقوله تعالى يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات وبرزوا الله الواحد القهار فان اتباع الداعي الذي هو ~~إسرافيل عليه السلام وبروز الخلق لله تعالى لا يكون الا بعد النفخة الثانية ~~ان جهنم كانت مرصادا شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف اليه اليوم اثر ~~بيان هو له ووجه تقديم بيان حال الكفار غنى عن البيان والمرصاد اسم للمكان ~~الذي يرصد فيه كالمضمار الذي هو اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل والمنهاج ~~اسم للمكان الذي ينهج فيه اي انها كانت في حكم الله تعالى وقضائه موضع رصد ~~يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها للطاغين متعلق بمضمر هو اما نعت ~~لمرصادا اي كائنا للطاغين وقوله تعالى مآبا بدل منه أي مرجعا يرجعون اليه ~~لا محالة واما حال من مآبا قدمت عليه لكونه نكرة ولو تأخرت لكانت صفة له ~~وقد جوز أن يتعلق بنفس مآبا على أنها مرصاد للفريقين مآب للكافرين خاصة ولا ~~يخفى بعده فان المتبادر من كونها مرصادا لطائفة كونهم معذبين بها وقد قيل ~~انها مرصاد لأهل الجنة يرصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم ~~عليها وهي مآب للطاغين PageV09P090 # وقيل المرصاد صيغة مبالغة ms3309 من الرصد والمعنى أنها مجدة في ترصد الكفار ~~لئلا يشذ منهم أحد وقرئ أن بالفتح على تعليل قيام الساعة بأنها مرصاد ~~للطاغين لابثين فيها حال مقدرة من المستكن في للطاغين وقرئ لبثين وقوله ~~تعالى أحقابا ظرف للبثهم أي دهورا متتابعة كلما مضى حقب تبعه حقب آخر إلى ~~غير نهاية فإن الحقب لا يكاد يستعمل إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها ~~فليس فيه ما يدل على تناهي تلك الأحقاب ولو أريد بالحقب ثمانون سنة أو ~~سبعون ألف سنة وقوله تعالى لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميم وغساقا ~~جملة مبتدأة أخبر عنهم بأنهم لا يذوقون فيها شيئا ما من برد وروح ينفس عنهم ~~حر النار ولا شراب يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا وقيل البرد ~~النوم وقرئ غساقا بالتخفيف وكلاهما ما يسيل من صديدهم جزاء أي جوزوا بذلك ~~جزاء وفاقا ذا وفاق لأعمالهم أو نفس الوفاق مبالغة أو وافقها وفاقا وقرئ ~~وفاقا على أنه فعال من وفقه كذا أي لاقه إنهم كانوا الا يرجون حسابا تعليل ~~لاستحقاقهم الجزاء المذكور أي كانوا لا يخافون أن يحاسبوا بأعمالهم وكذبوا ~~بآياتنا الناطقة بذلك كذابا أي تكذيبا مفرطا ولذلك كانوا مصرين على الكفر ~~وفنون المعاصي وفعال من باب فعل شائع فيما بين الفصحاء وقرئ بالتخفيف وهو ~~مصدر كذب قال فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه وانتصابه إما بفعله ~~المدلول عليه بكذبوا أي وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا وإما بنفس كذبوا ~~لتضمينه معنى كذبوا فإن كل من يكذب بالحق فهو كاذب وقرئ كذابا وهو جمع كاذب ~~فانتصابه على الحالية أي كذبوا بآياتنا كاذبين وقد يكون الكذاب بمعنى ~~الواحد البليغ في الكذب فيجعل صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه ~~وكل شئ من الأشياء التي من جملتها أعمالهم وانتصابه بمضمر يفسره أحصيناه أي ~~حفظناه وضبطناه وقرئ PageV09P091 # بالرفع على الابتداء كتابا مصدر مؤكد لأحصيناه لما أن الإحصاء والكتبة من ~~واد واحد أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوبا في اللوح أو في صحف الحفظة ~~والجملة اعتراض ms3310 وقوله تعالى فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا مسبب عن كفرهم ~~بالحساب وتكذيبهم بالآيات وفي الالتفات المنبئ عن التشديد في التهديد ~~وإيراد لن المفيدة لكون ترك الزيادة من قبيل مالا يدخل تحت الصحة من ~~الدلالة على تبالغ الغضب مالا يخفى وقد روى النبي عليه الصلاة والسلام أن ~~هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار إن للمتقين مفازا شروع في بيان ~~محاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء أحوال الكفرة أي أن للذين يتقون الكفر ~~وسائر قبائح اعمال الكفرة فوزا وظفرا بمباغيهم أو موضع فوز وقيل نجاة مما ~~فيه أولئك أو موضع نجاة وقوله تعالى حدائق وأعنابا أي بساتين فيها أنواع ~~الأشجار المثمرة وكروما بدل من مفازا وكواعب أي نساء فلكت ثديهن وهن ~~النواهد أترابا أي لدات وكأسا دهاقا أي مترعة يقال أدهق الحوض أي ملأه لا ~~يسمعون فيها أي في الجنة وقيل في الكأس لغوا ولا كذابا أي لا ينطقون بلغو ~~ولا يكذب بعضا وقرئ كذابا بالتخفيف أي لا يكذبه أو لا يكاذبه جزاء من ربك ~~مصدر مؤكد منصوب بمعنى إن للمتقين مفازا فإنه في قوة أن يقال جازي المتقين ~~بمفاز جزاء كائنا من ربك والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى ~~الكمال شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام مزيد تشريف له ~~صلى الله عليه وسلم عطاء أي تفضلا وإحسانا منه تعالى إذ لا يجب عليه شئ وهو ~~بدل من جزاء حساب صفة لعطاء بمعنى كافيا على مصدر أقيم مقام الوصف أو بولغ ~~فيه من أحسبه الشئ إذا كفاه حتى قال حسبي وقيل على حسب أعمالهم وقرئ حسابا ~~بالتشديد على أنه بمعنى المحتسب كالدراك بمعنى المدرك PageV09P092 # رب السماوات والأرض وما بينهما بدل من ربك وقوله تعالى الرحمن صفة له ~~وقيل صفة للأول وأيا ما كان ففي ذكر ربوبيته تعالى للكل ورحمته الواسعة ~~إشعار بمدار الجزاء المذكور وقوله تعالى لا يملكون منه خطابا استئناف مقرر ~~لما أفاده الربوبية العامة من غاية العظمة والكبرياء واستقلاله تعالى بما ~~ذكر من ms3311 الجزاء والعطاء من غير أن يكون لأحد قدرة عليه وقرئ برفعهما فقيل ~~على أنهما خبران لمبتدأ مضمر وقيل الثاني نعت للأول وقيل الأول مبتدأ ~~والثاني خبره ولا يملكون خبر آخر أو هو الخبر والرحمن صفة للأول وقيل لا ~~يملكون حال لازمة وقيل الأول مبتدأ والرحمن مبتدأ ثان ولا يملكون خبره ~~والجملة خبر للأول وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه على رأي من يقول به ~~والأوجه أن يكون كلاهما مرفوعا على المدح أو يكون الثاني نعتا للأول ولا ~~يملكون استئنافا على حاله ففيه ما ذكر من الإشعار بمدار الجزاء والعطاء كما ~~في البدلية لما أن المرفوع أو المنصوب مدحا تابع لما قبله معنى إن كان ~~منقطعا عنه إعرابا كما فصل في قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب من سورة ~~البقرة وقرئ بجر الأول على البدلية ورفع الثاني على الابتداء والخبر ما ~~بعده أو على أنه خبر لمبتدأ مضمر وما بعده استئناف أو خبر ثان أو حال وضمير ~~لا يملكون لأهل السماوات والأرض أي لا يملكون أن يخاطبوه تعالى من تلقاء ~~أنفسهم كما ينبئ عنه لفظ الملك خطابا ما في شئ ما والمراد نفي قدرتهم على ~~أن يخاطبوه تعالى بشئ من نقص العذاب أو زيادة الثواب من غير إذنه على أبلغ ~~وجه وآكده وقيل ليس في أيديهم مما يخاطب الله به يأمر به في أمر الثواب ~~والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك فيزيدون فيه أو ينقصون منه يوم ~~يقوم الروح والملائكة صفا قيل الروح خلق أعظم من الملائكة وأشرف منهم وأقرب ~~من رب العالمين وقيل هم ملك ما خلق الله عز وجل بعد العرش خلقا أعظم منه عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه إذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا ~~والملائكة كلهم صفا وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الروح جند من ~~جنود الله تعالى ليسوا ملائكة لهم رؤس وأيد وأرجل يأكلون الطعام ثم قرأ يوم ~~يقوم الروح الآية وهذا قول أبي صالح ومجاهد قالوا ما ينزل من ms3312 السماء ملك ~~إلا ومعه واحد منهم نقله البغوي وقيل هم أشراف الملائكة وقيل هم حفظة على ~~الملائكة وقيل جبريل عليه السلام وصفا حال أي مصطفين قيل هما صفان الروح صف ~~واحد أو متعدد والملائكة صف وقيل صفوف وهو الأفق لقوله تعالى والملك صفا ~~صفا وقيل يقوم الكل صفا واحدا ويوم ظرف لقوله تعالى لا يتكلمون وقوله تعالى ~~إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا بدل من ضمير لا يتكلمون العائد إلى أهل ~~السماوات والأرض الذين من جملتهم الروح والملائكة وذكر قيامهم واصطفافهم ~~لتحقيق عظمة سلطانه وكبرياء ربوبيته وتهويل يوم البعث الذي عليه مدار ~~الكلام من PageV09P093 # مطلع السورة الكريمة إلى مقطعها والجملة استئناف مقرر لمضمون قوله تعالى ~~لا يملكون الخ ومؤكد له على معنى ان أهل السماوات والأرض إذا لم يقدروا ~~يومئذ على أن يتكلموا بشئ من جنس الكلام إلا من أذن الله تعالى له منهم في ~~التكلم وقال ذلك المأذون له قولا صوابا أي حقا فكيف يملكون خطاب رب العزة ~~مع كونه أخص من مطلق الكلام وأعز منه مراما لا على معنى أن الروح والملائكة ~~مع كونهم أفضل الخلائق وأقربهم من الله تعالى إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما ~~هو صواب من الشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يكلمه غيرهم كما قيل فإنه ~~مؤسس على قاعدة الاعتزال فمن سلكه مع تجويزه أن يكون يوم ظرفا للا يملكون ~~فقد اشتبه عليه الشؤون واختلط به الظنون وقيل إلا من أذن الخ منصوب على أصل ~~الاستثناء والمعنى لا يتكلمون إلا في حق شخص أذن له الرحمن وقال ذلك الشخص ~~صوابا أي حقا هو التوحيد وإظهار الرحمن في موضع الإضمار للإيذان بأن مناط ~~الإذن هو الرحمة البالغة لا أن أحدا يستحقه عليه سبحانه وتعالى ذلك إشارة ~~إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد ~~بالمشار إليه للايذان بعلو درجته وبعد منزلته في الهول والفخامة ومحله ~~الرفع على الابتداء خبره ما بعده أي ذلك اليوم العظيم الذي يقوم فيه ms3313 روح ~~والملائكة مصطفين غير قادرين هم وغيرهم على التكلم من الهيبة والجلال اليوم ~~الحق أي الثابت المتحقق لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والفاء ~~في قوله تعالى فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا فصيحة تصفح عن شرط محذوف ومفعول ~~المشيئة محذوف لوقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء وانتفاء الغرابة في ~~تعلقه بها حسب القاعدة المستمرة وإلى ربه متعلق بمآبا قدم عليه اهتماما به ~~ورعاية للفواصل كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا ~~محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك ~~بالإيمان والطاعة وقال قتادة مآبا أي سبيلا وتعلق الجارية لما فيه من معنى ~~الإفضاء والإيصال كما مر في قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا إنا أنذرناكم ~~أي بما ذكر في السورة من الآيات الناطقة بالبعث وبما بعده من الدواهي أو ~~بها بسائر القوارع الواردة في القرآن عذابا قريبا هو عذاب الآخرة وقربه ~~لتحقيق إتيانه حتما ولأنه قريب بالنسبة إليه تعالى وإن رأوه بعيدا وسيرونه ~~قريبا لقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وعن قتادة ~~هو عقوبة الدنيا لأنه أقرب العذابين وعن مقاتل هو قتل قريش يوم بدر وقوله ~~تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه فإنه إما بدل من عذابا أو ظرف لمضمر هو ~~صفة له أي عذابا كائنا يوم ينظر المرء أي يشاهد PageV09P094 # ما قدمه من خير أو شر على أن ما موصولة منصوبة بينظر والعائد محذوف أو ~~ينظر أي شئ قدمت يداه على أنها استفهامية منصوبة بقدمت وقيل المرء عبارة عن ~~الكافر وما في قوله تعالى ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ظاهر وضع موضع ~~الضمير لزيادة الذم قيل معنى تمنيه ليتني كنت ترابا في الدنيا فلم أخلق ولم ~~ولم أكلف أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث وقيل يحشر الله تعالى ~~الحيوان فيقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا فيود الكافر حاله وقيل ~~الكافر إبليس يرى ms3314 آدم وولده وثوابهم فيتمنى أن يكون الشئ الذي احتقره حين ~~قال خلقتني من نار وخلقته من طين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة عم يتساءلون سقاه الله تعالى برد الشراب يوم القيامة والحمد لله وحده ~~سورة النازعات مكية آياتها ست وأربعون «بسم الله الرحمن الرحيم» «والنازعات ~~غرقا» «والناشطات نشطا» «والسابحات سبحا فالسابقات سبقا» «فالمدبرات أمرا» ~~إقسام من الله عز وجل بطوائف الملائكة الذين ينزعون الأرواح من الأجساد على ~~الإطلاق كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد أو أرواح الكفرة كما قاله ~~على رضي الله عنه وابن مسعود وسعيد بن جبير ومسروق وينشطونها أي يخرجونها ~~من الأجساد من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ويسبحون في إخراجها سبح ~~الغواص الذي يخرج من البحر ما يخرج فيسبقون بأرواح الكفرة إلى النار ~~وبأرواح المؤمنين إلى الجنة فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيؤها لإدراك ~~ما أعدلها من الآلام واللذات والعطف مع اتحاد الكل بتنزيلي التغاير الذاتي ~~كما في قوله PageV09P095 # إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتائب في المزدحم [للإشعار بأن كل ~~واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطا ~~لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر ~~إليه والفاء في الأخيرين للدلالة على ترتبهما على ما قبلهما بغير مهملة كما ~~في قوله: # يا لهف زبابة الصائح * فالغانم فالآئب وغرقا مصدر مؤكد بحذف الزوائد أي ~~إغراقا في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~تنزع روح الكافر من جسده من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين ثم ~~تغرقها في جسده ثم تنزعها حتى إذا كادت تخرج تردها في جسده فهذا عملها ~~بالكفار وقيل يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق وانتصاب نشطا وسبحا ~~وسبقا أيضا على المصدرية وأما أمرا فمفعول للمدبرات وتنكيره وللتهويل ~~والتفخيم ويجوز أن يراد بالسابحات وما بعدها طوائف من الملائكة يسبحون في ~~مضيهم أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به ms3315 من الأمور الدنيوية والأخروية ~~والمقسم عليه محذوف تعويلا على إشارة ما قبله من المقسم به إليه ودلالة ما ~~بعده من أحوال القيامة عليه وهو لتبعثن فإن الإقسام بمن يتولى نزع الأرواح ~~ويقوم بتدبير أمورها يلوح بكون المقسم عليه من قبيل تلك الأمور لا محالة ~~وفيه من الجزالة مالا يخفي وقد جوز أن يكون إقساما بالنجوم التي تنزع من ~~المشرق إلى المغرب غرقا في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب ~~وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد وتسبح ~~في الفلك فيسبق بعضها بعضا فتدبر أمرا نيط بها كاختلاف الفصول وتقدير ~~والأزمنة وتبين مواقيت العبادات وحيث كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب ~~قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة عبر عن الأولى بالنزع وعن الثاني ~~بالنشط أو بأنفس الغزاة أو أيديهم التي تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون ~~بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها ~~أو بخيلهم التي تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها ~~عراب وتخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب وتسبح في جريها لتسبق إلى الغابة ~~فتدبر أمر الظفر والغلبة وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه هذا والذي ~~يليق بشأن التنزيل هو الأول قوله تعالى يوم ترجف الراجفة منصوب بالجواب ~~المضمر والمراد بالراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأجرام الساكنة أي تتحرك ~~حركة شديدة وتتزلزل زلزلة عظيمة كالأرض والجبال وهي النفخة الأولى وقيل ~~الرجفة الأرض والجبال لقوله تعالى يوم ترجف الأرض والجبال وقوله تعالى ~~تتبعها الرادفة أي الواقعة التي تردف الأولى وهي النفخة الثانية تابعة لها ~~لا قبل ذلك فإنه عبارة عن الزمان الممتد الذي يقع فيه النفختان وبينهما ~~أربعون سنة واعتبار امتداده مع أن البعث لا يكون إلا عند النفخة الثانية ~~لتهويل اليوم ببيان كونه موقعا PageV09P096 # لداهيتين عظيمتين لا يبقى عند وقوع الأولى حي الإ مات ولا عند وقوع ~~الثانية إلا بعث وقام ووجه إضافته إلى الأولى ظاهر وقيل يوم ms3316 ترجف منصوب ~~باذكر فتكون الجملة استئنافا مقررا لمضمون الجواب المضمر كأنه قيل لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اذكر لهم يوم النفختين فإنه وقت بعثهم وقيل هو ~~منصوب بما دل عليه قوله تعالى «قلوب يومئذ واجفة» أي يوم ترجف وجفت القلوب ~~قيل قلوب مبتدأ ويومئذ متعلق بواجفة وهي صفة لقلوب مسوغة لوقوعه مبتدأ ~~وقوله تعالى «أبصارها» أي أبصار أصحاب «خاشعة» جملة من مبتدأ وخبر وقعت ~~خبرا لقلوب وقد مر أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند ~~السامع حتى قالوا إن الصفات قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها ~~صفات فحيث كان ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع لأبصار أصحابها سواء في ~~المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوانا للموضوع مسلم الثبوت مفروغا عنه ~~وجعل الثاني مخبرا به مقصود الإفادة تحكما بحتا على أن الوجيف الذي هو ~~عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل أشد من خشوع البصر وأهول ~~فجعل أهون الشرين عمدة وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام وأيضا فتخصيص ~~الخشوع بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول تهوين للخطب في ~~موقع التهويل فالوجه أن يقال تنكير قلوب يقوم مقام الوصف المختص سواء على ~~حمل التنويع كما قيل وإن لم يذكر النوع المقابل فإن المعنى منسحب عليه أو ~~على التكثير كما في شر أهر ذا ناب فإن التفخيم كما يكون بالكيفية يكون ~~بالكمية أيضا كأنه قيل قلوب كثيرة يوم إذ يقع النفختان واجفة أي شديدة ~~الاضطراب قال ابن عباس رضى الله عنهما خائفة وجلة وقال السدى زائلة عن ~~أماكنها كما في قوله تعالى إذ القلوب لدى الحناجر وقوله تعالى يقولون أننا ~~لمردودون في الحافرة حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات ~~الناطقة به إثر بيان وقوعه بطريق التوكيد القسمي وذكر مقدماته الهائلة وما ~~يعرض عند وقوعها للقلوب والأبصار أي يقولون إذا قيل لهم إنكم تبعثون منكرين ~~له متعجبين منه أئنا لمردودون بعد موتنا في الحافرة أي في الحالة الأولى ~~يعنون الحياة من قولهم ms3317 رجع فلان في حافرته أي في طريقته التي جاء فيها ~~فحفرها أي أثر فيها بمشيه وتسميتها حافرة مع أنها محفورة كقوله تعالى في ~~عيشة راضية أي منسوبة إلى الحفر والرضا أو كقولهم نهاره صائم على تشبيه ~~القابل بالفاعل وقرئ في الحفرة وهي بمعنى المحفورة PageV09P097 # وقوله تعالى ائذا كنا عظاما نخرة تأكيد لانكار الرد ونفيه بنسبته إلى ~~حالة منافية له والعامل في إذا مضمر يدل عليه مردودون أي ائذا كنا عظاما ~~بالية نرد ونبعث مع كونها ابعد شيء من الحياة وقرئ إذا كنا على الخبر أو ~~اسقاط حرف الانكار وناخرة من نخر العظم فهو نخر وناخر وهو البالي الأجوف ~~الذي يمر به الريح فيسمع له نخير قالوا حكاية لكفر آخرهم متفرع على كفرهم ~~السابق ولعل توسيط قالوا بينهما للايذان بأن صدور هذا الكفر عنهم ليس بطريق ~~الاطراد والاستمرار مثل كفرهم السابق المستمر صدوره عنهم في كافة أوقاتهم ~~حسبما ينبئ عنه حكايته بصيغة المضارع اي قالوا بطريق الاستهزاء مشيرين إلى ~~ما أنكروه من الردة في الحافرة مشعرين بغاية بعدها من الوقوع تلك إذا كرة ~~خاسرة أي ذات خسران أو خاسرة أصحابها أي ان صحت فنحن اذن خاسرون لتكذيبنا ~~بها وقوله تعالى فإنما هي زجرة واحدة تعليل لمقدر يقتضيه انكارهم لاحياء ~~العظام النخرة التي عبروا عنها بالكرة فان مداره لما كان استصعابهم إياها ~~رد عليهم ذلك فقيل لا تستصعبوها فإنما هي صيحة واحدة أي حاصلة بصيحة واحدة ~~وهي النفخة الثانية عبر عنها بها تنبيها على كمال اتصالها بها كأنها عينها ~~وقيل هي راجع إلى الرادفة فقوله تعلى فإذا هم بالساهرة حينئذ بيان لترتب ~~الكرة على الزجرة مفاجأة اي فإذا هم احياء على وجه الأرض بعد ما كانوا ~~أمواتا في جوفها وعلى الأول بيان لحضورهم الموقف عقيب الكرة التي عبر عنها ~~بالزجرة والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها ~~من قولهم عين ساهرة جارية الماء وفي ضدها نائمة وقيل لأن سالكها لا ينام ~~خوف الهلكة وقيل اسم لجهنم وقال الراغب هي ms3318 وجه الأرض وقيل هي أرض القيامة ~~وروي الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الساهرة أرض من فضة لم يعص الله ~~تعالى عليها قط خلقها حينئذ وقيل هي أرض يجددها الله عز وجل يوم القيامة ~~وقيل هي اسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب الخلائق عليها وذلك ~~حين تبدل الأرض غير الأرض وقال الثوري الساهرة أرض الشام وقال وهب بن منبه ~~جبل بيت المقدس وقيل الساهرة بمعنى الصحراء على شفير جهنم وقوله تعالى هل ~~أتاك حديث موسى كلام مستأنف وارد لتسلية رسولة الله صلى الله عليه وسلم من ~~تكذيب قومه بأنه يصبهم مثل ما أصاب PageV09P098 # من كان أقوى منهم وأعظم ومعنى هل أتاك ان اعتبر هذا أول ما أتاه عليه ~~الصلاة والسلام من حديثه عليه السلام ترغيب له عليه الصلاة والسلام في ~~استماع حديثه كأنه قيل هل أتاك حديثه أنا أخبرك به وان اعتبر اتيانه قبل ~~هذا وهو المتبادر من الايجاز في الاقتصاص حمله عليه الصلاة والسلام على أن ~~يقر بأمر يعرفه قبل ذلك كأنه قيل أليس قد أتاك حديثه وقوله تعالى إذ ناداه ~~ربه بالواد المقدس ظرف للحديث لا للاتيان لاختلاف وقتيهما طوى بضم الطاء ~~غير منون وقرئ منونا وقرئ بالكسر منونا وغير منون فمن نونه أوله بالمكان ~~دون البقعة وقيل هو كثنى مصدر لنادي أو المقدس اي ناداه ندائين أو المقدس ~~مرة بعد أخرى اذهب إلى فرعون على إرادة القول وقيل هو تفسير للنداء أي ~~ناداه اذهب وقيل هو على حذف أن المفسرة ويدل عليه قراءة عبد الله ان اذهب ~~لأن في النداء معنى القول انه طغى تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به فقل ~~بعدما أتيته هل لك رغبة وتوجه إلى أن تزكى بحذف احدى التاءين من تتزكى اي ~~تتطهر من دنس الكفر والطغيان وقرئ تزكى بالتشديد وأهديك إلى ربك وأرشدك إلى ~~معرفته عز وجل فتعرفه فتخشى إذ الخشية لا تكون الا بعد معرفته تعالى قال عز ~~وجل انما يخشى الله من عباده العلماء وجعل الخشية ms3319 غاية للهداية لأنها ملاك ~~الأمر من خشي الله تعالى أتى منه كل خير ومن أمن اجتر على كل شر أمر عليه ~~الصلاة والسلام بأن يخاطبه بالاستفهام الذي معناه العرض ليستدعيه بالتلطف ~~في القول ويستنزله بالمداراة من عتوه وهذا ضرب تفصيل لقوله تعالى فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى والفاء في قوله تعالى فأراه الآية الكبرى ~~فصيحة تفصح عن جمل قد طويت تعويلا على تفصيلها في السور الأخرى فإنه عليه ~~الصلاة والسلام ما أراه إياها عيب هذا الأمر بل بعد ما جرى بينه وبين الله ~~تعالى ما جرى من الاستدعاء والإجابة وغيرهما من المراجعات وبعد ما جرى بينه ~~وبين فرعون ما جرى من المحاورات إلى أن قال ان كنت جئت بآية فأت بها ان كنت ~~من الصادقين والإراءة اما بمعنى التبصير أو التعريف فان اللعين حين أبصرها ~~عرفها وادعاء سحريتها انما كان إراءة منه واظهارا للتجلد ونسبتها اليه عليه ~~الصلاة والسلام بالنظر إلى الظاهر كما أن نسبتها إلى نون العظمة في قوله ~~تعالى ولقد أريناه آياتنا بالنظر PageV09P099 # إلى الحقيقة والمراد بالآية الكبرى قلب العصا حية وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما فإنها كانت المقدمة والأصل والأخرى كالتبع لها أوهما جميعا وهو ~~قول مجاهد فإنهما كالآية الواحدة وقد عبر عنهما بصيغة الجمع حيث قال اذهب ~~أنت وأخوك بآياتي باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل منها ~~آية بينة لقوم يعقلون كما في سورة طه ولا مساغ لحملها على مجموع معجزاته ~~فان ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسع انما ظهرت على يده عليه الصلاة ~~والسلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما مر في سورة ~~الأعراف ولا ريب في أن هذا مطلع القصة وأمر السحرة مترقب بعد فكذب بموسى ~~عليه السلام وسمي معجزاته سحرا وعصى الله عز وجل بالتمرد بعد ما علم صحة ~~الأمر ووجوب الطاعة أشد عصيان وأقبحه حيث اجترأ على انكار وجود رب العالمين ~~رأسا وكان اللعين وقومه مأمورين بعبادته ms3320 عز وجل وترك العظيمة التي كان ~~يدعيها الطاغية ويقبلها منه فئته الباغية لا بارسال بني إسرائيل من الأسر ~~والقسر فقط ثم أدبر أي تولى عن الطاعة أو انصرف عن المجلس يسعى اي يجتهد في ~~معارضة الآية أو أريد ثم اقبل أي أنشأ يسعى فوضع موضعه أدبر تحاشيا عن وصفه ~~بالاقبال وقيل أدبر هاربا من الثعبان فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ~~ألقى العصا انقلبت ثعبانا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه ~~الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر فتوجه نحو فرعون فهرب وأحدث وانهزم ~~الناس مزدحمون فمات منهم خمسة وعشرون ألفا من قومه وقيل انها حين انقلبت ~~حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت تقول يا موسى ~~مرني بما شئت ويقول فرعون أنشدك بالذي أرسلك الا اخذته فأخذه فعاد عصا ~~ويأباه أن ذلك كان قبل الاصرار على التكذيب والعصيان والتصدي للمعارضة كما ~~يعرب عنه قوله تعالى فحشر أي فجمع السحرة لقوله فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين وقوله تعالى فتولى فرعون فجمع كيده أي ما يكاد به من السحرة وآلاتهم ~~وقيل جنوده ويجوز أن يراد جميع الناس فنادى في المجمع بنفسه أو بواسطة ~~المنادي فقال أنا ربكم الأعلى قيل قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة فأخذه ~~الله نكال الآخرة والأولى النكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم وهو ~~التعذيب الذي ينكل من PageV09P100 # رآه أو سمعه ويمنعه من تعاطي ما يفضي اله ومحله النصب على أنه مصدر مؤكد ~~كوعد الله وصبغة الله كأنه قيل نكل الله به نكال الآخرة والأولى وهو ~~الاحراق في الآخرة والاغراق في الدنيا وقيل مصدر لأخذ أي آخذه الله أخذ ~~نكال الآخرة الخ وقيل مفعول له أي آخذه لأجل نكال الخ وقيل نصب على نزع ~~الخافض أي أخذه بنكال الآخرة والأولى واضافته إلى الداين باعتبار وقوع نفس ~~الأخذ فيهما لا باعتبار أن ما فيه من معنى المنع يكون فيهما فان ذلك لا ~~يتصور في الآخرة بل في الدنيا فان العقوبة ms3321 الأخروية تنكل من سمعها وتمنعه ~~من تعاطي ما يؤدي إليها لا محالة وقيل المراد بالآخرة والأولى قوله أنا ~~ربكم الأعلى وقوله ما علمت لكم من اله غيري قيل كان بين الكلمتين أربعون ~~سنة فالإضافة إضافة المسبب إلى السبب ان في ذلك أي فيما ذكر من قصة فرعون ~~وما فعل وما فعل به لعبرة عظيمة لمن يخشى أي لمن من شأنه أن يخشى وهو من من ~~شأنه المعرفة وقوله تعالى أأنتم أشد خلقا خطاب لأهل مكة المنكرين للبعث ~~بناء على صعوبته في زعمهم بطريق التوبيخ والتبكيت بعد ما بين كمال سهولته ~~بالنسبة إلى قدرة الله تعالى بقوله تعالى فإنما هي زجرة واحدة اي أخلقكم ~~بعد موتكم أشد أي أشق وأصعب في تقديركم أم السماء أي أم خلق السماء على ~~عظمها وانطوائها على تعاجيب البدائع التي تحار العقول عن ملاحظة أدناها ~~كقوله تعالى لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وقوله تعالى أو ليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله تعالى بناها الخ ~~بيان وتفصيل لكيفية خلقها المستفاد من قوله أم السماء وفي عدم ذكر الفاعل ~~فيه وفيما عطف عليه من الأفعال من التنبيه على تعينه وتفخيم شأنه عز وجل ما ~~لا يخفى وقوله تعالى رفع سمكها بيان للبناء أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض ~~وذهابها إلى سمت العلو مديدا رفيعا مسيرة خمسمائة عام فسواها فعدلها مستوية ~~ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور أو فتممها بما علم أنها تتم به من الكواكب ~~والتداوير وغيرها مما لا يعلمه إلا الخلاق العليم من قولهم سوى أمر فلان ~~إذا صلحه «وأغطش ليلها» أي جعله مظلما يقال غطش الليل وأغطشه الله تعالى ~~كما يقال ظلم وأظلمه وقد مر هذا في قوله تعالى وإذا أظلم عليهم قاموا ويقال ~~أيضا أغطش الليل كما يقال أظلم «وأخرج ضحاها» أي أبرز نهارها عبر عنه ~~بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان وهو ~~السر في تأخير ذكره عن ذكر الليل وفي التعبير عن ms3322 إحداثه بالإخراج فإن إضافة ~~النور بعد الظلمة أتم في الإنعام PageV09P101 # وأكمل في الاحسان وإضافة الليل والضحى إلى السماء لدوران حدوثهما على ~~حركتهما ويجوز أن تكون إضافة الضحى إليها بواسطة الشمس أي أبرز ضوء شمسها ~~والتعبير عنه بالضحى لأنه وقت قيام سلطانها وكما اشراقها والأرض بعد ذلك ~~دحاها أي بسطها ومهدها لسكنى أهلها وتقلبهم في أقطارها وانتصاب الأرض بمضمر ~~يفسره دحاها «أخرج منها ماءها» بأن فجر منها عيونا وأجرى أنهارا ومرعاها أي ~~رعيها وهو في الأصل موضع الرعي وقيل هو مصدر ميمي بمعنى مفعول وتجريد ~~الجملة عن العاطف اما لأنها بيان وتفسير لدحاها وتكملة له فان السكنى لا ~~تتأتى بمجرد البسط والتمهيد بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل ~~والمشرب حتما واما لأنها حال من فاعله باضمار قد عند الجمهور أو بدونه عن ~~الكوفيين والأخفش كما في قوله تعالى أو جاءوكم حصرت صدورهم والجبال منصوب ~~بمضمر يفسره أرساها أي أثبتها وأثبت بها الأرض أن تميد بأهلها وهذا تحقيق ~~للحق وتنبيه على أن الرسو المنسوب إليها في مواضع كثيرة من التنزيل ~~بالتعبير عنها بالرواسي ليس من مقتضيات ذواتها بل هو بإرسائه عز وجل ولولاه ~~لما ثبتت في أنفسها فضلا عن اثباتها للأرض وقرئ والأرض والجبال بالرفع على ~~الابتداء ولعل تقديم اخراج الماء والمرعى ذكرا مع تقدم الارساء عليه وجودا ~~وشدة تعلقه بالدحو لابراز كمال الاعتناء بأمر المأكل والمشرب مع ما فيه من ~~دفع توهم رجوع ضميري الماء والمرعى إلى الجبال وهذا كما ترى يدل يظاهره على ~~تأخر دحو الأرض عن خلق السماء وما فيها كما يروى عن الحسن من أنه تعالى خلق ~~الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليه دخان ملتزق بها ثم اصعد الدخان ~~وخلق منه السماوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض وذلك قوله تعالى ~~كانتا رتقا ففتقناهما الآية وقد مر في سورة حم السجدة أن قوله تعالى قل ~~أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله تعالى ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان الآية ms3323 ان حمل ما فيه من الخلق وما عطف عليه من الأفعال ~~الثلاثة على معانيها الظاهرة لا على تقديرها فهو وما في سورة البقرة من ~~قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات يدلان على تقدم خلق الأرض وما فيها على خلق السماء وما فيها ~~وعليه اطباق أكثر أهل التفسير وقد روي أن العرش كان قبل خلق السماوات ~~والأرض على الماء ثم انه تعالى أحدث في الماء اضطرابا فأزبد فارتفع منه ~~دخان فاما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة فجعله أرضا واحدة ثم ~~فتقها فجعلها أرضين وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السماوات وروي أنه ~~تعالى خلق جرم الأرض يوم الأحد ويوم PageV09P102 # الاثنين ودحاها وخلق ما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السماوات ~~وما فيهن يوم الخميس ويوم الجمعة وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة منه وهي ~~الساعة التي تقوم فيها القيامة فالأقرب كما قيل تأويل هذه الآية بأن يجعل ~~ذلك إشارة إلى ذكر ما ذكر من بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها وغيرها لا ~~إلى أنفسها ويحمل بعدية في الذكر كما هو المعهود في ألسنة العرب والعجم لا ~~في الوجود لما عرفت من أن انتصاب الأرض بمضمر مقدم قد حذف على شريطة ~~التفسير لا بما ذكر بعده ليفيد القصر وتتعين البعدية في الوجود وفائدة ~~تأخيره في الذكر اما التنبيه على أنه قاصر في الدلالة على القدرة القاهرة ~~بالنسبة إلى أحوال السماء واما الاشعار بأنه ادخل في الالزام لما أن ~~المنافع المنوطة بما في الأرض أكثر وتعلق مصالح الناس بذلك اظهر وإحاطتهم ~~بتفاصيل أحواله أكمل وليس ما روي عن الحسن نصا في تأخر دحو الأرض عن خلق ~~السماء فان بسط الأرض معطوف على إصعاد الدخان وخلق السماء بالواو هي بمعزل ~~من الدلالة على الترتيب هذا على تقدير حمل ما ذكر في آيات سورة السجدة من ~~الخلق وما عطف عليه من الأفعال الثلاثة على معانيها الظاهرة وأما إذا حملت ~~على تقديرها ms3324 فلا دلالة فيها الا على تقدم تقدير الأرض وما فيها على ايجاد ~~السماء كما لا دلالة على الترتيب أصلا إذا حملت كلمة ثم فيها وفيما في سورة ~~البقرة على التراخي في الرتبة وقد سلف تفصيل الكلام في السورة المذكورة ~~وقوله تعالى متاعا لكم ولأنعامكم اما مفعول له أي فعل ذلك تمتيعا لكم ~~ولأنعامكم لأن فائدة ما ذكر من البسط والتمهيد واخراج الماء والمرعى واصلة ~~إليهم والى أنعامهم فان المراد المرعى ما يعم ما يأكله الانسان وغيره بناء ~~على استعارة الرعي لتناول المأكول على الاطلاق كاستعارة المرسن للأنف وقيل ~~مصدر مؤكد لفعله المضمر أي متعكم بذلك متاعا أو مصدر من غير لفظه فان قوله ~~تعالى أخرج منها ماءها ومرعاها في معنى متع بذلك وقوله تعالى فإذا جاءت ~~الطامة الكبرى أي الداهية العظمى التي تطم على سائر الطامات أي تعلوها ~~وتغلبها وهي القيامة أو النفخة الثانية وقيل هي الساعة التي يساق الخلائق ~~إلى محشرهم وقيل التي يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار شروع ~~في بيان أحوال معادهم اثر بيان أحوال معاشهم بقوله تعالى متاعا لكم الخ ~~والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها عما قليل كما يبنى منه لفظ ~~المتاع يوم يتذكر الانسان ما سعى قيل هو بدل من إذا جاءت والأظهر انه منصوب ~~بأعني كما قيل تفسيرا للطامة الكبرى فان الابدال منها بالظرف المحض مما ~~يوهن تعلقها بالجواب ويجوز أن يكون بدلا من الطامة الكبرى مفتوحا لإضافته ~~إلى الفعل على رأي الكوفيين أي يتذكر فيه كل PageV09P103 # أحد ما عمله من خير أو شر بأن يشاهده مدونا في صحيفة أعماله وقد كان نسيه ~~من فرط الغفلة وطول الأمد كقوله تعالى أحصاه الله ونسوه ويجوز أن تكون ما ~~مصدرية وبرزت الجحيم عطف على جاءت أي أظهرت اظهارا بينا لا يخفى على أحد ~~لمن يرى كائنا من كان يروى أنه يكشف عنها فتتلظى فيرها كل ذي بصر وقرئ ~~وبرزت بالتخفيف ولمن رأى ولمن ترى على فيه ضمير الجحيم كما ms3325 في قوله تعالى ~~إذا رأتهم من مكان بعيد وعلى أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لم ~~تراه من الكفار وقوله تعالى فأما من طغى الخ جواب فإذا جاءت على طريقة قوله ~~تعالى فاما يأتينكم مني هدى الآية وقيل هو تفصيل للجواب المحذوف تقديره ~~انقسم الراؤون قسمين فأما فأما من الخ والذي تستدعيه فخامة التنزيل ويقتضيه ~~مقام التهويل أن الجواب المحذوف كان من عظائم الشؤون ما لم تشاهده العيون ~~كما مر في قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل أي فأما من عتا وتمرد عن الطاعة ~~وجاوز الحد في العصيان آثر الحياة الدنيا الفانية التي هي على جناح الفوات ~~فانهمك فيما متع به فيها ولم يستعد للحياة الأخروية الأبدية بالايمان ~~والطاعة فان الجحيم التي ذكر شأنها هي المأوى أي هي مأواه واللام سادة مسد ~~الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي كما في قولك غض الطرف ودخول اللام ~~في المأوى والطرف للتعريف لأنهما معروفان وهي اما ضمير فصل أو مبتدأ قيل ~~نزلت الآية في النضر وأبيه الحرث المشهورين بالغلو في الكفر والطغيان وأما ~~من خاف مقام ربه أي مقامه بين يدي مالك أمره يوم الطامة الكبرى يوم يتذكر ~~الانسان ما سعى ونهى النفس عن الهوى عن الميل اليه بحكم الجبلة البشرية ولم ~~يعتد بمتاع الحياة الدنيا وزهرتها ولم يغتر بزخارفها وزينتها علما منه ~~بوخامة عاقبتها فان الجنة هي المأوى له لا غيرها وقيل نزلت الآيتان في أبي ~~عزيز بن عمير ومصعب بن عمير وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد ووقي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد رضي الله عنه هذا وقد قيل جواب إذا ما ~~يدل عليه قوله تعالى يوم يتذكر الخ أي فإذا جاءت الطامة الكبرى يتذكر ~~الانسان ما سعى على طريقة PageV09P104 # قوله تعالى علمت نفس ما أحضرت وقوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت فيكون ~~قوله تعالى وبرزت الجحيم عطفا عليه وصيغة الماضي للدلالة على التحقق أو ~~حالا من الانسان باضمار قد أو ms3326 بدونه على اختلاف الرأيين ولمن يرى مغن عن ~~العائد وقوله تعالى فأما من طغى الخ تفصيلا لحالي الانسان الذي يتذكر ما ~~سعى وتقسيما له بحسب أعماله إلى القسمين المذكورين يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها متى إرساؤها أي اقامتها يردون متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ~~ويكونها وقيل أيام منتهاها ومستقرها كما أن مرسى السفينة حيث تنتهي اليه ~~وتستقر فيه وقوله تعالى فيم أنت من ذكراها انكار ورد لسؤال المشركين عنها ~~أي في أي شيء أنت من تذكر لهم وقتها وتعلمهم به حتى يسألونك بيانها كقوله ~~تعالى يسألونك كأنك خفي عنها أي ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء ~~لأن ذلك فرع علمك به وأنى لك ذلك وهو مما استأثر بعلمه علام الغيوب ومن قال ~~بصدد التعليل فان ذكرها لا زيدهم الا غيا فقد نأى عن الحق وقيل فيم انكار ~~لسؤالهم وما بعده من الاستئناف تعليل للانكار وبيان لبطلان السؤال أي فيم ~~هذا السؤال ثم ابتدىء فقيل أنت من ذكراه أي ارسالك وأنت خاتم الأنبياء ~~المبعوث في نسيم الساعة علامة من علاماتها ودليل يدلهم على العلم بوقوعها ~~عن قريب فحسبهم هذه المرتبة من العلم فمعنى قوله تعالى إلى ربك منتهاها على ~~هذا الوجه اليه تعالى يرجع منتهى علمها أي علمها بكنهها وتفاصيل أمرها ووقت ~~وقوعها لا إلى أحد غيره وانما وظيفتهم أن يعلموا باقترابها ومشارفتها وقد ~~حصل لهم ذلك بمبعثك فما معنى سؤالهم عنها بعد ذلك وأما على الوجه الأول ~~فمعناه اليه تعالى انتهاء علمها ليس لأحد منه شيء ما كائنا من كان فلأي شيء ~~يسألونك عنها وقوله تعالى انما أنت منذر من يخشاها على الوجه الأول تقرير ~~لما قبله من قوله تعالى فيم أنت من ذكراها وتحقيق لما هو المراد منه وبيان ~~لوظيفته عليه الصلاة والسلام في ذلك الشأن فان انكار كونه عليه الصلاة ~~والسلام في شيء من ذكراها مما يوهم بظاهره أن ليس له عليه الصلاة والسلام ~~أن يذكرها بوجه من الوجوه فأزيح ذلك ببيان أن المنفي عنه ms3327 عليه الصلاة ~~والسلام ذكرها لهم بتعيين وقتها حسبما كانوا يسألونه عليه الصلاة والسلام ~~عنها فالمعنى انما أنت منذر من يخشاها وظيفتك الامتثال بما أمرت به من بيان ~~اقترابها وتفصيل ما فيها من فنون الأهوال كما تحيط به خبرا لا تعيين وقتها ~~الذي لم يفوض إليك فما لهم يسألونك عما ليس من وظائفك بيانه وعلى ~~PageV09P105 # الوجه الثاني هو تقرير لقوله تعالى أنت من ذكراها ببيان أن ارساله عليه ~~الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليهم السلام منذر بمجيء الساعة كما ينطق ~~به قوله عليه الصلاة والسلام بعثت أنا والساعة كهاتين ان كادت لتسبقني وقرئ ~~منذر بالتنوين وهو الأصل والإضافة تخفيف صالح للحال والاستقبال فإذا أريد ~~الماضي تعينت الإضافة وتخصيص الانذار بمن يخشى مع عموم الدعوة لأنه المنتفع ~~به وقوله تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها أما تقرير ~~وتأكيد لما ينبئ عنه الإنذار من سرعة مجيء المنذر به لا سيما على الوجه ~~الثاني أي كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا بعد الإنذار بها إلا عشية يوم واحد ~~أو ضحاه فلما ترك اليوم أضيف ضحاه إلى عشيته وإما رد لما أدمجوه في سؤالهم ~~فإنهم كانوا يسألون عنها بطريق الاستبطاء مستعجلين بها وإن كان على نهج ~~الاستهزاء بها ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين فالمعنى كأنهم يوم ~~يرونها لم يلبثوا بعد الوعيد تحقيقا للانذار وردا لاستبطائهم والجملة على ~~الأول حال من الموصول فإنه على تقديري الإضافة وعدمها مفعول لمنذر كما أن ~~قوله تعالى كأن لم يلبثوا الا ساعة من النهار حال من ضمير المفعول في ~~يحشرهم أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث في الدنيا الا ساعة خلا أن الشبه هناك ~~في الأحوال الظاهرة من الزي والهيئة وفيما نحن فيه في الاعتقاد كأنه قيل ~~تنذرهم مشبهين يوم يرونها في الاعتقاد بمن لم يلبث بعد الانذار بها الا تلك ~~المدة اليسيرة وعلى الثاني مستأنفة لا محل لها من الاعراب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه ms3328 الله عز وجل في القبر ~~والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة مكتوبة والله أعلم PageV09P106 # سورة عبس مكية وآياتها اثنان وأربعون بسم الله الرحمن الرحيم عبس وتولى ~~أن جاءه الأعمى روي أن ابن أم مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن أبي ~~ربيعة الفهري وأم مكتوم اسم أم أبيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد ~~المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الاسلام رجاء أن يسلم ~~بإسلامهم غيرهم فقال له يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى ~~وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله عليه الصلاة والسلام بالقوم فكره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس اعرض عنه فنزلت فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول له هل ~~لك من حاجة واستخلفه على المدينة مرتين وقرئ عبس بالتشديد للمبالغة وأن ~~جاءه علة لتولي أو عبس على اختلاف الرأيين أي لأن جاءه الأعمى والتعرض ~~لعنوان عماه اما لتمهيد عذره في الاقدام على قطع كلامه عليه الصلاة والسلام ~~بالقوم والايذان باستحقاقه بالرفق والرأفة وما لزيادة الانكار كأنه قيل ~~تولى لكونه أعمى كما أن الالتفات في قوله تعالى وما يدريك لذلك فان ~~المشافهة أدخل في تشديد العتاب أي وأي شيء يجعلك داريا بحاله حتى تعرض عنه ~~وقوله تعالى لعله يزكى استئناف وارد لبيان ما يلوح به ما قبله فإنه مع ~~اشعاره بأن له شأنا منافيا للاعراض عنه خارجا عن دراية الغير وإدرائه مؤذن ~~بأنه تعالى يدريه ذلك أي لعله يتطهر بما يقتبس منك من أوضار الأوزار ~~بالكلية وكلمة لعل مع تحقق التزكي واردة على سنن الكبرياء أو على اعتبار ~~معنى الترجي بالنسبة اليه عليه الصلاة والسلام للتنبيه على أن الاعراض عنه ~~عند كونه مرجو التزكي مما لا يجوز فكيف إذا كان مقطوعا بالتزكي كما في قولك ~~لعلك ستندم على ما فعلت وفيه ms3329 إشارة إلى أن من تصدى لتزكيتهم من الكفرة لا ~~يرجى منهم التزكي والتذكر أصلا PageV09P107 # وقوله تعالى (أو يذكر عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي وقوله تعالى ~~فتنفعه الذكرى بالنصب على جواب لعل وقرئ بالرفع عطفا على يذكر أي أو يتذكر ~~فتنفعه موعظتك ان لم يبلغ درجة التزكي التام وقيل الضمير في لعله للكافر ~~فالمعنى انك طمعت في أن يتزكى أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق ولذلك ~~توليت عن الأعمى وما يدريك أن ذلك مرجو الوقوع أما من استغنى أي عن الايمان ~~وعما عندك من العلوم والمعارف التي ينطوي عليها القرآن فأنت له تصدى أي ~~تتصدى وتتعرض بالاقبال عليه والاهتمام بارشاده واستصلاحه وفيه مزيد تنفير ~~له عليه الصلاة والسلام عن مصاحبتهم فان الاقبال على المدبر ليس من شيم ~~الكبار وقرئ تصدى بادغام التاء في الصاد وقرئ تصدى بضم التاء أي تعرض ~~ومعناه يدعوك إلى التصدي له داع من الحرص والتهالك على اسلامه وما عليك ان ~~لا يزكى وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالاسلام حتى تهتم بأمره وتعرض عمن ~~اسلم والجملة حال من ضمير تصدى وقيل ما استفهامية للانكار أي أي شيء عليك ~~في أن لا يتزكى ومآله النفي أيضا وأما من جاءك يسعى أي حال كونه مسرعا ~~طالبا لما عندك من أحكام الرشد وخصال الخير وهو يخشى أي الله تعالى وقيل ~~يخشى أذيه الكفار في اتيانك وقيل يخشى الكبوة إذ لم يكن معه قائد والجملة ~~حال من فاعل يسعى كما أنه حال من فاعل جاءك فأنت عنه تلهى تتشاغل يقال لهي ~~عنه والتهى وتلهى وقرئ تتلهى وتلهى أي يلهيك شأن الصناديد في تقديم ضميره ~~عليه الصلاة والسلام على الفعلين تنبيه على أن مناط الانكار خصوصيته عليه ~~الصلاة والسلام أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدى للمستغني ويتلهى الفقير ~~الطالب للخير وتقديم له وعنه للتعريض باهتمامه عليه الصلاة والسلام ~~بمضمونهما روي أنه عليه الصلاة والسلام ما عبس بعد ذلك في وجه فقير قط ولا ~~تصدى لغني كلا ms3330 PageV09P108 # ردع له عليه الصلاة والسلام عما عوتب عليه من التصدي لمن استغنى عما دعاه ~~إليه من الإيمان والطاعة وما يوجبهما من القرآن الكريم مبالغا في الاهتمام ~~بأمره متهالكا على إسلامه معرضا بسبب ذلك عن إرشاد من يسترشده وقوله تعالى ~~إنها تذكرة أي موعظة يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها تعليل للردع عما ذكر ~~ببيان علو رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه من تصدى عليه الصلاة والسلام ~~له وتحقيق أن شأنه أن يكون موعظة حقيقة بالإتعاظ بها فمن رغب فيها أتعظ بها ~~كما نطق به قوله تعالى فمن شاء ذكره أي حفظه واتعظ به ومن رغب عنها كما فعل ~~المستغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره فالضمير إن للقرآن تأنيث الأول ~~لتأنيث خبره وقيل الأول للسورة أو للآيات السابقة والثاني للتذكرة والتذكير ~~لأنها في معنى الذكر والوعظ وليس بذاك فإن السورة والآيات وإن كانت متصفة ~~بما سيأتي من الصفات الشريفة لكنها ليست مما ألقى على من استغنى عنه واستحق ~~بسبب ذلك ما سيأتي من الدعاء عليه والتعجب من كفره المفرط لنزولها بعد ~~الحادثة واما من جوز رجوعهما إلى العتاب المذكور فقد أخطأ وأساء الأدب وخبط ~~خبطا يقضي منه العجب فتأمل وكن على الحق المبين وقوله وتعالى في صحف متعلق ~~بمضمر هو صفة لتذكرة وما بينهما اعتراض جئ به للترغيب فيها والحث على حفظها ~~أي كائنة في صحف منتسخة من اللوح أو خبر ثان لأن مكرمة عند الله عز وجل ~~مرفوعة أي في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار والذكر مطهرة منزهة عن مساس ~~أيدي الشياطين بأيدي سفرة أي كتبة من الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح على ~~أنه جمع سافر من السفر وهو الكتب وقيل بأيدي رسل من الملائكة يسفرون بالوحي ~~بينه تعالى وبين الأنبياء على أنه جمع سفير من السفارة وحملهم على الأنبياء ~~عليهم السلام بعيد فإن وظيفتهم التلقي من الوحي لا الكتب منه وإرشاد الأمة ~~بالأمر والنهي وتعليم الشرائع والأحكام لا مجرد السفارة إليهم وكذا حملهم ~~على القراء لقراءتهم الأسفار أو على ms3331 أصحابه عليه الصلاة والسلام وقد قالوا ~~هذه اللفظة مختصة بالملائكة لا تكاد تطلق على غيرهم وإن جاز الإطلاق بحسب ~~اللغة والباء متعلقة بمطهرة قال القفال لما لم يمسها إلا الملائكة المطهرون ~~أضيف التطهير إليها لطهارة من يمسها وقال القرطبي إن المراد بما في قوله ~~تعالى لا يمسه إلا المطهرون هؤلاء السفرة الكرام البررة PageV09P109 # كرام عند الله عز وجل أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم ~~بررة أتقياء وقيل مطيعين لله تعالى من قولهم فلان يبر خالقه أي يطيعه وقيل ~~صادقين من بر في يمينه قتل الإنسان دعاء عليه بأشنع الدعوات وقوله تعالى ما ~~أكفره تعجب من إفراطه في الكفران وبيان لاستحقاقه للدعاء عليه والمراد به ~~أما من استغنى عن القرآن الكريم الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة للإقبال ~~عليه والإيمان به وأما الجنس باعتبار انتظامه له ولأمثاله من أفراده لا ~~باعتبار جميع أفراده وفيه مع قصر متنه وتقارب قطرية من الأنباء عن سخط عظيم ~~ومذمة بالغة مالا غاية وراءه وقوله تعالى من أي شئ خلقه شروع في بيان ~~إفراطه في الكفران بتفصيل ما أفاض عليه من مبدأ فطرته إلى منتهى عمره من ~~فنون النعم الموجبة بالشكر والطاعة مع إخلاله بذلك وفي الاستفهام عن مبدأ ~~خلقه ثم بيانه بقوله تعالى من نطفة خلقه تحقير له أي شئ حقير مهين خلقه من ~~نطفة قدرة خلقه فقدره فهيأه لما يصلح له ويليق به من الأعضاء والأشكال أو ~~فقدره أطوارا إلى أن تم خلقه وقوله تعالى ثم السبيل يسره منصوب بمضمر يفسره ~~الظاهر أي ثم سهل مخرجه من البطن بأن فتح فتح فم الرحم وألهمه أن ينتكس أو ~~يسر له سبيل الخير والشر ومكنه من السلوك وتعريف السبيل باللام دون الإضافة ~~للإشعار بعمومه ثم أماته فأقبره أي جعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له ولم ~~يدعه مطروحا على وجه الأرض جرزا للسباع والطير كسائر الحيوان يقال قبر ~~الميت إذا دفنه وأقبره إذا أمر بدفنه أو مكن منه وعد الإماتة من النعم ~~لأنها وصلة في الجملة ms3332 إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم ثم إذا شاء أنشره ~~أي إذا شاء أنشره وأنشر على القاعدة المستمرة في حذف مفعول المشيئة وفي ~~تعليق الإنشار بمشيئته تعالى إيان بأن وقته غير متعين بل هو تابع لها وقرئ ~~نشره كلا ردع للإنسان PageV09P110 # عما هو عليه وقوله تعالى لما يقض ما أمره بيان لسبب الردع أي لم يقض بعد ~~من لدن آدم عليه السلام إلى هذه الغاية مع طول المدى وامتداده ما أمره الله ~~تعالى بأسره إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما كذا قالوا وهكذا نقل عن مجاهد ~~وقتادة ولا ريب في أن مساق الآيات الكريمة لبيان غاية عظم جناية الإنسان ~~وتحقيق كفرانه المفرط المستوجب للسخط العظيم وظاهر أن ذلك لا يتحقق بهذا ~~القدر من نوع تقصير لا يخلو عنه أحد من أفراده كيف لا وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام شيبتني سورة هود لما فيها من قوله تعالى فاستقم كما أمرت فالوجه ان ~~يحمل عدم القضاء على عموم النفي لا على نفي العموم إما على أن المحكوم عليه ~~هو المستغني أو هو الجنس لكن لا على الإطلاق بل على أن مصداق الحكم بعدم ~~القضاء بعض أفراده وقد أسند إلى الكل كما في قوله تعالى إن الإنسان لظلوم ~~كفار للإشباع في اللوم بحكم المجانسة على طريقة قولهم بنو فلان قتلوا فلانا ~~والقاتل واحد منهم وإما على أن مصداقه الكل من حيث هو كل بطريق رفع الإيجاب ~~الكلي دون السلب الكلي فالمعنى لما يقض جميع أفراده ما أمره بل أخل به ~~بعضها بالكفر والعصيان مع أن مقتضى ما فصل من فنون النعماء الشاملة للكل أن ~~لا يتخلف عنه أحد أصلا هذا وقد قيل كلا بمعنى حقا فيتعلق بما بعده أي حقا ~~لم يعمل بما أمره به فلينظر الإنسان إلى طعامه شروع في تعداد النعم ~~المتعلقة ببقائه بعد تفصيل النعم المتعلقة بحدوثه أي فلينظر إلى طعامه الذي ~~عليه يدور أمر معاشه كيف دبرناه وقوله تعالى أنا صببنا الماء صبا أي الغيث ~~بدل اشتمال من طعامه ms3333 لأن الماء سبب لحدوث الطعام فهو مشتمل عليه وقرئ أنا ~~على الاستئناف وقرئ أني بالإمالة أي كيف صببنا إلى آخره أي صببناه صبا عجبا ~~ثم شققنا الأرض أي بالنبات شقا بديعا لائقا بما يشقها من النبات صغرا وكبرا ~~وشكلا وهيئة وحمل شقها على ما بالكراب بجعل إسناده إلى نون العظمة من قبيل ~~إسناد الفعل إلى سببه يأباه كلمة ثم والفاء في قوله تعالى فأنبتنا فيها حبا ~~فإن الشق بالمعنى المذكور لا ترتب بينه وبين الأمطار أصلا ولا بينه وبين ~~إنبات الحب بلا فإن المراد بالنبات ما نبت من الأرض إلى أن يتكامل النمو ~~وينعقد الحب فإن انشقاق الأرض بالنبات لا يزال يتزايد ويتسع إلى تلك ~~المرتبة على أن مساق النظم الكريم لبيان النعم الفائضة من جنابة تعالى على ~~وجه بديع خارج عن العادات المعهودة كما ينبئ عنه تأكيد الفعلين بالمصدرين ~~فتوسيط فعل المنعم عليه في حصول تلك النعم مخل بالمرام PageV09P111 # وقوله تعالى وعنبا عطف على حبا وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف ~~بجميع ما قيد به المعطوف عليه فلا ضير في خلو إنبات العنب عن شق الأرض ~~وقضبا أي رطبة سميت بمصدر قضبه أي قطعه مبالغة كأنها لتكرر قطعها وتكثرة ~~نفس القطع وزيتونا ونخلا الكلام فيهما وفي أمثلهما كما في العنب وحدائق ~~غلبا أي عظاما وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها أو لأنها ذات أشجارها ~~أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب وفاكهة وأبا أي مرعى من أبه ~~إذا أمه أي قصده لأنه يؤم وينتجع أو من أب لكذا إذا تهيأ لأنه متهيئ للرعي ~~أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء وعن الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال ~~أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله مالا علم لي به وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية فقال كل هذا قد عرفنا فما الأب ثم رفض عصا ~~كانت بيده وقال هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن أم عمر أن ms3334 لا تدري ما ~~الأب ثم قال اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ومالا فدعوه متاعا لكم ~~ولأنعامكم أما مفعول له أي فعل ذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم فإن بعض النعم ~~المعدودة طعام لهم وبعضها علف لدوابهم والالتفات لتكميل الامتنان وإما مصدر ~~مؤكد لفعله المضمر بحذف الزوائد أي متعكم بذلك متاعا أو لفعل مترتب عليه أي ~~متعكم بذلك فتمتعتم متاعا أي تمتعا كما مر غيره مرة أو مصدر من غير لفظه ~~فإن ما ذكر من الأفعال الثلاثة في معنى التمتيع فإذا جاءت الصاخة شروع في ~~بيان أحوال معادهم إثر بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم والفاء للدلالة على ترتب ما ~~بعدها على ما قبلها من فنون النعم عن قريب كما يشعر لفظ المتاع بسرعة ~~زوالها وقرب اضمحلالها والصاخة هي الداهية العظيمة التي يصخ لها الخلائق أي ~~يصيخون لها من صخ لحديثه إذا أصاخ له واستمتع وصفت بها النفخة الثانية لأن ~~الناس يصيخون لها وقيل هي الصيحة التي تصخ الآذان أي تصمها لشدة وقعها وقيل ~~هي مأخوذة من صخه بالحجر أي صكه وقوله تعالى يوم يفر المرء من PageV09P112 # أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وإما منصوب بأعني تفسيرا للصاخة أو بدل ~~منها مبني على الفتح بالإضافة إلى الفعل على رأى الكوفيين وقيل بدل من إذا ~~جاءت كما مر في قوله تعالى يوم يتذكر الخ أي يعرض عنهم ولا يصاحبهم ولا ~~يسأل عن حالهم كما في الدنيا لاشتغاله بحال نفسه وأما تعليل ذلك بعلمه ~~بأنهم لا يغنون عنه شيئا أو بالحذر من مطالبتهم بالتبعات فيأباه قوله تعالى ~~لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه فإنه استئناف وارد لبيان سبب الفرار أي لكل ~~واحد من المذكورين شغل شاغل وخطب هائل يكفيه في الاهتمام به وأما الفرار ~~حذار من مطالبتهم أو بغضا لهم كما يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~أنه يفر قابيل من أخيه هابيل ويفر النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أمه ويفر إبراهيم عليه السلام من أبيه ونوح عليه السلام من ابنه ms3335 ولوط عليه ~~السلام من امرأته فليس من قبيل هذا الفرار وكذا ما يروى أن الرجل يفر من ~~أصحابه وأقربائه لئلا يروه على ما هو عليه من سوء الحال وقرئ يعنيه بالياء ~~المفتوحة والعين المهملة أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه أي أوقعه في الهم ~~ومنه من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه لامن عناه إذا قصده كما قيل وقوله ~~تعالى وجوه يومئذ مسفرة بيان لما أمر المذكورين وانقسامهم إلى السعداء ~~والأشقياء بعد ذكر وقوعهم في داهية دهياء فوجوه مبتدأ وإن كانت نكرة لكونها ~~في حيز التنويع ومسفرة خبره ويومئذ متعلق به أي مضيئة متهللة من أسفر الصبح ~~إذا أضاء وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ذلك من قيام الليل وفي الحديث من ~~كثر صلاته باليل حسن وجهه بالنهار وعن الضحاك من آثار الوضوء وقيل من طول ~~ما أغبرت في سبيل الله ضاحكة مستبشرة بما تشاهد من النعيم المقيم والبهجة ~~الدائمة ووجوه يومئذ عليها غبرة أي غبار وكدورة ترهقها أي تعلوها وتغشاها ~~قترة أي سواد و ظلمة PageV09P113 # أولئك إشارة إلى أصحاب تلك الوجوه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد ~~درجتهم في سوء الحال أي أولئك الموصوفون بسواد الوجوه وغيره هم الكفرة ~~الفجرة الجامعون بين الكفر والفجور فلذلك جمع الله تعالى إلى سواد وجوههم ~~الغبرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ~~وجهه ضاحك مستبشر سورة التكوير مكية وآياتها تسع وعشرون «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» «إذا الشمس كورت» أي لفت من كورت العمامة إذا لففتها على أن المراد ~~بذلك إما رفعها وإزالتها من مقرها فإن الثوب إذا أريد رفعه يلف لفا ويطوي ~~ونحوه قوله تعالى يوم نطوي السماء وأما لف ضوئها المنبسط في الآفاق المنتشر ~~في الأقطار على أنه عبارة عن إزالتها والذهاب بها بحكم استلزام زوال اللازم ~~لزوال الملزوم أو ألقيت عن فلكها كما وصفت النجوم بالانكدار من طعنه فكوره ~~إذا ألقاه على الأرض وعن أبي صالح كورت نكست وعن ابن ms3336 عباس رضي الله عنهما ~~تكويرها إدخالها في العرش ومدار التركيب على الإدارة والجمع وارتفاع الشمس ~~على أنه فاعل لفعل مضمر يفسره المذكور وعند البعض على الابتداء «وإذا ~~النجوم انكدرت» أي انقضت وقيل تناثرت وتساقطت روى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه لا يبقى يومئذ نجم إلا سقط في الأرض وعنه رضي الله عنه أن النجوم ~~قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي ملائكة من نور فإذا ~~مات من في السماوات ومن في الأرض تساقطت من أيديهم وقيل انكدارها انطماس ~~نورها ويروى أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم «وإذا الجبال سيرت» أي عن أماكنها بالرجفة ~~الحاصلة لا في الجو فإن ذلك بعد النفخة الثانية PageV09P114 # وإذا العشار جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر وهو ~~اسمها إلى أن تضع لتمام السنة وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم ~~عطلت تركت مهملة لاشتغال أهلها بأنفسهم وقيل العشار السحائب فإن العرب ~~تشبهها بالحامل ومنه قوله تعالى فالحاملات وقرا وتعطيلها عدم أمطارها وقرئ ~~عطلت بالتخفيف وإذا الوحوش حشرت أي جمعت من كل جانب وقيل بعثت للقصاص قال ~~قتادة يحشر كل شئ حتى الذباب للقصاص فإذا قضى بينها ردت ترابا فلا يبقى ~~منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه وقرئ حشرت ~~بالتشديد وإذا البحار سجرت أي أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود ~~بحرا وأحدا من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه وقيل ملئت نيرانا تضطرم ~~لتعذيب أهل النار وعن الحسن يذهب ماؤها حتى لا يبقى فيها قطرة وقرئ سجرت ~~بالتخفيف إذا النفوس زوجت أي قرنت بأجسادها أو قرنت كل نفس بشكلها أو ~~بكتابها أو بعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين وإذا ~~الموؤودة أي المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق أو لحوق ~~العار بهم من أجلهن قيل كان رجل منهم إذا ولدت له بنت ألبسها جبة ms3337 من صوف أو ~~شعر حتى إذا بلغت ست سنين ذهب بها إلى الصحراء وقد حفر لها حفرة فيلقيها ~~فيها ويهيل عليها التراب وقيل كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على ~~رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمت بها وإن ولدت ابنا حبسته سئلت بأي ذنب قتلت ~~توجيه السؤال إليها لتسليتها وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها وإسقاطه عن ~~درجة الخطاب والمبالغة في تبكيته كما في قوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين وقرئ سألت أي خاصمت أو سألت الله تعالى أو قاتلها وإنما قيل ~~قتلت لما أن الكلام أخبار عنها لا حكاية لما خوطبت به حين سئلت ليقال قتلت ~~على الخطاب ولا حكاية لكلامها حين سألت ليقال قتلت على الحكاية عن نفسها ~~وقد قرىء كذلك بالتشديد أيضا وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن أطفال ~~المشركين فقال لا يعذبون PageV09P115 # وأحتج بهذه الآية وإذا الصحف نشرت أي صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت ~~وتنشر عند الحساب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحشر الناس عراة ~~حفاة فقالت أم سلمة فكيف بالنساء فقال شغل الناس يا أم سلمة قالت وما شغلهم ~~قال نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل وقيل نشرت أي فرقت بين ~~أصحابها وعن مرثد بن وداعة إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش ~~فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم ~~وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال وإذا السماء كشطت قطعت ~~وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة والغطاء عن الشيء المستور به وقرئ قشطت ~~واعتقاب الكاف والقاف غير عزيز كالكافور والقافور وإذا الجحيم سعرت أي ~~أوقدت إيقادا شديدا قيل سعرها غضب الله عز وجل وخطايا بنى آدم وقرئ سعرت ~~بالتخفيف وإذا الجنة أزلفت أي قربت من المتقين كقوله تعالى وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد قيل هذه اثنتا عشرة خصلة ست منها في الدنيا أي فيما بين ~~النفختين وهن من أول السورة إلى ms3338 قوله تعالى وإذا البحار سجرت على أن المراد ~~بحشر الوحوش جمعها من كل ناحية لا بعثها للقصاص وست في الآخرة أي بعد ~~النفخة الثانية وقوله تعالى علمت نفس ما أحضرت جواب إذا على أن المراد بها ~~زمان واحد ممتد يسع ما في سباقها وسباق ما عطف عليها من الخصال مبدؤه ~~النفخة الأولى ومنتهاه فصل القضاء بين الخلائق لكن لا بمعنى أنها تعلم ما ~~تعلم في كل جزء من اجزاء ذلك الوقت المديد أو عند وقوع داهية من تلك ~~الدواهي بل عند نشر الصحف الإ أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه ~~وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقع كلها تهويلا للخطب وتفظيعا ~~للحال والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والبشر وبحضورها إما حضور ~~صحائفها كما يعرب عنه نشرها وإما حضور أنفسها على ما قالوا من أن الأعمال ~~الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصور جوهرية ~~مناسبة له في الحسن والقبح على كيفيات مخصومة وهيئات معينة حتى إن الذنوب ~~والمعاصي تتجسم هناك وتتصور بصورة النار وعلى ذلك حمل قوله تعالى وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين وقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وكذا قوله PageV09P116 # آية (15) عليه الصلاة والسلام في حق من يشرب من آنية الذهب والفضة إنما ~~يجرجر في بطنه نار جهنم ولا بعد في ذلك الأ يرى أن العلم يظهر في عالم ~~المثال على صورة البن كما لا يخفى على من له خبرة بأحوال الحضرات الخمس وقد ~~روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة ~~وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع النفوس أو لبعض منها للإيذان بأن ~~ثبوته لجميع أفرادها قاطبة من الظهور والوضوح بحيث لا يكاد يحوم حوله شائبة ~~اشتباه قطعا يعرفه كل أحد ولو جيء بعبارة تدل على خلافه وللرمز إي أن تلك ~~النفوس العالمة بما ذكر مع توفر أفرادها وتكثر اعدادها مما يستقل بالنسبة ~~إلى جناب الكبرياء الذي أشير ms3339 إلى بعض بدائع شؤونه المنبئة عن عظم سلطانه ~~واما قيل من أن هذا من قبيل عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس ~~عنه وتمثيله بقوله تعالى ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين وبقول من ~~قال قد أترك القرن مصفرا أنامله وبقول من قال حين سئل عن عدد فرسانه رب ~~فارس عندي وعنده المقانب قاصدا بذلك التمادي في تكثير فرسانه وإظهار براءته ~~من التزيد وأنه ممن يقلل كثير ما عنده فضلا أن يتزيد فمن لوائح النظر ~~الجليل إلا أن الكلام المعكوس عنه فيما ذكر من الأمثلة مما يقبل الإفراط ~~والتمادي فيه فإنه في الأول كثيرا ما يود وفي الثاني كثيرا ما أترك وفي ~~الثالث كثير من الفرسان وكل واحد من ذلك قابل للإفراط والمبالغة فيه لعدم ~~انحصار مراتب الكثرة وقد قصد بعكسه ما ذكر من التمادي في التكثير حسبما فضل ~~أما قيما نحن فيه فالكلام الذي عكس عنه علمت كل نفس ما أحضرت كما صرح به ~~القائل وليس فيه إمكان التكثير حتى يقصد بعكسه المبالغة والتمادي فيه وإنما ~~الذي يمكن فيه من المبالغة ما ذكرناه فتأمل ويجوز ان يكون ذلك للإشعار بأنه ~~إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة ~~أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن ~~تنصحه لعلك ستندم على ما فعلت وربما ندم الإنسان على ما فعل فإنك لا تقصد ~~بذلك أن ندمه مرجو الوجود لا متيقن به أو نادر الوقوع بل تريد أن العاقل ~~يجب عليه أن يجتنب أمرا يرجى فيه الندم أو قلما يقع فيه فكيف به إذا كان ~~قطعي الوجود كثير الوجود فلا أقسم بالخنس أي الكواكب الرواجع من خنس إذا ~~تأخر وهي ما عدا النيرين من الدراري الخمسة وهي بهرام وزحل وعطارد والزهرة ~~والمشتري وصفت بقوله تعالى PageV09P117 # الجوار الكنس لأنها تجري مع الشمس والقمر وترجع حتى تخفي تحت ضوء الشمس ~~فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها من ms3340 كنس الوحشي إذا دخل كناسه ~~وهو البيت الذي يتخذه من أغصان الشجر وقيل هي جميع الكواكب تخنس بالنهار ~~فتغيب عن العيون وتكنس بالليل أي تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها والليل ~~إذا عسعس أي أدبر ظلامه أو أقبل فإنه من الأضداد وكذلك سعسع قال الفراء ~~أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر عليه قول العجاج] حتى إذا الصبح لها ~~تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وقيل هي لغة قريش خاصة وقيل معنى إقبال ~~ظلامه أوفق لقوله تعالى والصبح إذا تنفس لأنه أول النهار وقيل إدباره أقرب ~~من تنفس الصبح ومعناه أن الصبح إذا أقبل يقبل بإقباله روح ونسيم فجعل ذلك ~~نفسا له مجازا فقيل تنفس الصبح إنه أي القرآن الكريم الناطق بما ذكر من ~~الدواهي الهائلة لقوله رسول كريم وهو جبريل عليه السلام قاله من جهة الله ~~عز وجل ذي قوة شديدة كقوله تعالى شديد القوى وقيل المراد القوة في أداء ~~طاعة الله تعالى وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف عند ~~ذي العرش مكين ذي مكانة رفيعة عند الله تعالى عندية إكراما وتشريف لا عندية ~~مكان مطاع فيما بين ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ثم ~~أمين على الوحي وثم ظرف لما قبله وقيل لما بعده وقرئ ثم تعظيما لوصف ~~الأمانة وتفضيلا لها على سائر الأوصاف وما صاحبكم هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمجنون كما تبهته الكفرة والتعرض لعنوان المصاحبة للتلويح ~~بإحاطتهم بتفاصيل أحواله عليه الصلاة والسلام خبرا علمهم بنزاهته عليه ~~السلام عما نسبوه إليه بالكلية وقد استدل به على فضل جبريل عليه عليهما ~~السلام للتباين البين بين وصفيهما وهو ضعيف إذ المقصود رد قول الكفرة في ~~حقه عليه الصلاة والسلام إنما يعلمه بشر أفترى على الله كذبا أم به جنة لا ~~تعداد فضائلها والموازنة PageV09P118 # ولقد رآه أي وبالله لقد رأى رسول الله جبريل عليهما الصلاة والسلام ~~بالأفق المبين بمطلع الشمس الأعلى وما هو أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الغيب ms3341 على ما يخبره من الوحي إليه وغيره من الغيوب بضنين أي ببخيل ~~بالوحي ولا يقصر في التبليغ والتعليم وقرئ بظنين أي بمتهم من الظنة وهي ~~التهمة وما هو بقول شيطان رجيم أي قول بعض المسترقة للسمع وهو نفي لقولهم ~~أنه كهانة وسحر فأين تذهبون استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر القرآن والفاء ~~لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور أنه وحي مبين وليس مما يقولونه في شئ ~~كما تقول لمن ترك الجادة بعد ظهورها هذا الطريق الواضح فأين تذهب إن هو ما ~~هو إلا ذكر للعالمين موعظة وتذكير لهم وقوله تعالى لمن شاء منكم بدل من ~~العالمين بإعادة الجار وقوله تعالى أن يستقيم مفعول شاء أي لمن شاء منكم ~~الإستقامة يتحرى الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون ~~بالتذكير وما تشاؤن أي الإستقامة مشيئة مستتبعة لها في وقت من الأوقات إلا ~~أن يشاء الله أي إلا وقت أن يشاء الله تعالى تلك المشيئة أي المستتبعة ~~للاستقامة فإن مشيئتكم لا تستتبعها بدون مشيئة الله تعالى لها رب العالمين ~~مالك الخلق ومربيهم أجمعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة ~~التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته PageV09P119 # بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء انفطرت أي انشقت لنزول الملائكة كقوله ~~تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا وقوله تعالى وفتحت ~~السماء فكانت أبوابا والكلام في ارتفاع السماء كما مر في ارتفاع الشمس وإذا ~~الكواكب انتشرت أي تساقطت متفرقة وإذا البحار فجرت فتح بعضها إلى بعض ~~فاختلط العذب بالأجاج وزال ما بينهما من البرزخ الحاجز وصارت البحار بحرا ~~واحدا وروى أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى ~~التسجير عند الحسن رضي الله عنه وقيل إن مياه البحار الان راكدة مجتمعة ~~فإذا فجرت تفرقت وذهبت وقرئ فجرت بالتخفيف مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل ~~أيضا بمعنى بغت من الفجور نظرا إلى قوله تعالى لا يبغيان وإذا القبور بعثرت ~~أي قلب وأخرج موتاها ونظيره بحثر لفظا ومعنى ms3342 وهما مركبان من البعث والبحث ~~مع راء ضمت إليهما وقوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت جواب إذا لكن لا على ~~أنها تعلمه عند البعث بل عند نشر الصحف لما عرفت من أن المراد بها زمان ~~واحد مبدؤه النفخة الأولى ومنتهاه الفصل بين الخلائق لا أزمنة متعددة حسب ~~تعدد كلمة إذا وإنما كررت لتهويل ما في حيزها من الدواهي والكلام في كالذي ~~مر تفصيله في نظيره ومعنى ما قدم وآخر ما أسلف من عمل خير أو شر وأخر من ~~سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود وعن ابن عباس ~~أيضا ما قدم من معصية وأخر من طاعة وهو قول قتادة وقيل ما قدم من أمواله ~~لنفسه وما أخر لورثته وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض وقيل أو عملة وآخره ~~ومعنى علمها التفصيلي حسبما ذكر فيما مر مرارا PageV09P120 # يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم أي أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه وقد ~~علمت ما بين يديك من الدواهي التامة والعراقيل الطامة وما سيكون حينئذ من ~~مشاهدة أعمالك كلها والتعرض لعنوان كرمه تعالى للإيذان بأنه ليس مما يصلح ~~أن يكون مدارا لاغتراره يغويه الشيطان ويقول له أفعل ما شئت فإن ربك كريم ~~قد تفضل عليك في الدنيا وسيفعل مثله في الآخرة فإنه قياس عقيم وتمنية باطلة ~~بل هو مما يوجب المبالغة في الإقبال على الإيمان والطاعة والاجتناب عن ~~الكفر والعصيان كأنه قيل ما حملك على عصيان ربك الموصوف بالصفات الزاجرة ~~عنه الداعية إلى خلافه وقوله تعالى الذي خلقك فسواك فعدلك صفة ثانية مقررة ~~للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من من قدر على ذلك بدءا قدر عليه إعادة ~~والتسوية جعل الأعضاء سليمة سوية معدة لمنافعها وعدلها عدل بعضها ببعض بحيث ~~اعتدلت ولم تتفاوت أو صرفها عن خلقه غير ملائمة لها وقرئ فعدلك بالتشديد أي ~~صيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه في أي صورة ما شاء ركبك أي ~~وركبك في اى صورة شاءها ms3343 من الصور المختلفة وما مزيده وشاء صفة لصورة أي ~~ركبك في اى صورة شاءها واختارها لك من الصور العجيبة الحسنة كقوله تعالى ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها ~~بيان لعدلك كلا ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى وجعله ذريعة إلى الكفر ~~والمعاصي مع كونه موجبا للشكر والطاعة وقوله تعالى بل تكذبون بالدين إضراب ~~عن جملة مقدر ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم ~~لا ترتدعون عن ذلك بل تجترئون على أعظم من ذلك حيث تكذبون بالجزاء والبعث ~~رأسا أو بدين الإسلام الذي هما من جملة أحكامه فلا تصدقون سؤالا ولا جوابا ~~ولا ثوابا ولا عقاب وقيل كأنه قيل إنكم لا تستقيمون على ما توجيه نعمى ~~عليكم وإرشادي لكم بل تكذبون الخ وقال القفال ليس الأمر كما تقولون من أنه ~~لا بعث ولا نشور ثم قيل أنتم لا تتبينون بهذا البيان بل تكذبون بيوم الدين ~~وقوله تعالى وإن عليكم لحافظين حال من فاعل تكذبون مفيدة لبطلان تكذيبهم ~~وتحقق ما يكذبون به أي تكذبون بالجزاء والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين ~~لأعمالكم PageV09P121 # كراما لدنيا كاتبين لها يعملون ما تفعلون من الأفعال قليلا وكثيرا ~~ويضبطونه نقيرا وقطميرا لتجازوا بذلك وفي تعظيم الكاتبين بالثناء عليهم ~~تفخيم لأمر الجزاء وأنه عند الله عز وجل من جلائل الأمور حيث يستعمل فيه ~~هؤلاء الكرام وقوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم استئناف ~~مسوق لبيان نتيجة الحفظ والكتاب من الثواب والعقاب وفي تنكير النعيم ~~والجحيم من التفخيم والتهويل ما لا يخفى وقوله تعالى يصلونها إما صفة لجحيم ~~أو استئناف مبنى على سؤال نشأ من تهويلها كأنه قيل ما حالهم فيها فقيل ~~يقاسون حرها يوم الدين يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به وما هم عنها ~~بغائبين طرفة عين فإن المراد دوام نفى الغيبة لا نفي دوام الغيبة لما مر ~~مرارا من أن الجملة الاسمية المنفية قد يراد بها استمرار النفي لا نفى ~~الاستمرار باعتبار ما ms3344 تفيده من الدوام والثبات بعد النفي لا قبله وقيل ~~معناه و ما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون سمومها في ~~قبورهم حسبما قال النبي صلى عليه وسلم القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من ~~حفر النيران وقوله تعالى وما أدراك ما يوم الدين ثم أدراك ما يوم الدين ~~تفخيم لشأن يوم الدين الذي يكذبون به إثر تفخيم وتهويل لأمره بعد تهويل ~~ببيان أنه خارج عن دائرة دراية الخلق على أي صورة تصوره فهو فوقها وكيفما ~~تخيلوه فهو أطم من ذلك وأعظم أي وأي شيء جعلك داريا ما يوم الدين على أن ما ~~الاستفهامية خبر ليوم الدين إلا بالعكس كما هو رأى سيبويه لما مر من أن ~~مدار الإفادة هو الخبر لا المبتدأ ولا ريب في أن مناط إفادة الهول والفخامة ~~هنا هو ما لا يوم الدين أي أي شيء عجيب هو في الهول والفظاعة لما مر غير ~~مرة أن كلمة ما قد يطلب بها الوصف وإن كانت موضوعة PageV09P122 # لطلب الحقيقة وشرح الاسم يقال ما زيد فيقال في الجواب كاتب أو طبيب وفي ~~إظهار يوم الدين في موقع الإضمار تأكيد لهوله وفخامته وقوله تعالى يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله بيان إجمالى لشأن يوم الدين إثر ~~إبهامه وبيان خروجه عن علوم الخلق بطريق إنجاز الوعد فإن نفي إدرائهم مشعر ~~بالوعد الكريم بالإدراء قال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما في القرآن من ~~قوله تعالى ما أدراك فقد أدراه وكل ما فيه من قوله وما يدريك فقد طوى عنه ~~ويوم مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وحركته الفتح لإضافته إلى غير متمكن ~~كأنه قيل هو يوم لا يملك فيه نفس من النفوس لنفس من النفوس شيئا من الأشياء ~~الخ أو منصوب بإضمار اذكر كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وتشويقه عليه ~~الصلاة والسلام إلى معرفته اذكر يوم لا تملك نفس الخ فإنه يدريك ما هو وقيل ~~بإضمار يدانون وليس بذاك فإنه عار عن ms3345 إفادة ما يفيده ما قبله كما أن إبداله ~~من يوم الدين على قراءة الرفع كذلك بل الحق حينئذ الرفع على أنه خير لمبتدأ ~~محذوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الانفطار كتب الله ~~تعالى له بعدد كل قطرة من السماء وبعدد كل قبر حسنة والله تعالى أعلم. ~~PageV09P123 # بسم الله الرحمن الرحيم ويل للمطففين قبل الويل شدة الشر وقيل العذاب ~~الأليم وقيل هو واد في جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ~~وقيل وقيل وأيا ما كان فهو مبتدأ وإن كان نكرة لوقوعه في موقع الدعاء ~~والتطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس شيء طفيف حقير وروى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكان أهلها من أخبث الناس كيلا فنزلت ~~فأحسنوا الكيل وقيل قدمها عليه الصلاة والسلام وبها رجل يعرف بأبي جهينة ~~ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر وقيل كان أهل المدينة تجارا يطففون ~~وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة فنزلت فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأها عليهم وقال خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلا سلط الله ~~عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر وما ظهرت فيهم ~~الموت ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة ~~إلا حبس عنهم القطر وقوله تعالى الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون الخ ~~صفة كاشفة للمطففين شارحة لكيفية تطفيفهم الذين استحقوا به الذم والدعاء ~~بالويل أي إذا اكتالوا من الناس مكيلهم بحكم الشراء ونحوه يأخذونه وافيا ~~وافرا وتبديل كلمة على بمن لتضمين الاكتيال معنى الاستيلاء أو للإشارة إلى ~~أنه اكتيال مضربهم لكن لا على اعتبار الضرر في حيز الشرط الذي يتضمنه كلمة ~~إذا لإخلاله بالمعنى بل في نفس الأمر بموجب الجواب فإن المراد بالاستيفاء ~~ليس أخذ الحق وافيا من غير نقص بل مجرد الأخذ الوافي الوافر حسبما أرادوا ~~بأي وجه تيسر من وجوه الحيل وكانوا يفعلونه بكبس المكيل وتحريك المكيال ~~واحتيال في ملئه وأما ms3346 ما قيل من أن ذلك للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم ~~على الناس فمع اقتضائه لعدم شمول الحكم لاكتيالهم قبل ان يكون لهم على ~~الناس شئ بطريق الشراء ونحوه مع أنه الشائع فيما بينهم يقتضى أن يكون معنى ~~الاستيفاء أخذ ما لهم عليهم وافيا من غير نقص إذ هو المتبادر منه عند ~~الإطلاق في معرض الحق فلا يكون مدارا لذمهم والدعاء عليهم وحمل ما لهم ~~عليهم على معنى ما سيكون PageV09P124 # لهم عليهم مع كونه بعيدا جدا مما لا يجدي نفعا فان اعتبار كون المكيل لهم ~~حالا كان أو مآلا لا يستدعي كون الاستيفاء بالمعنى المذكور حتما وهكذا حال ~~ما نقل عن الفراء من أن من وعلى تعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه فإذا ~~قال اكتلت عليك فإنه قال أخذت ما عليك وإذا قال اكتلت منك فكقوله استوفيت ~~منك فتأمل وقد جوز أن تكون على متعلقة بيستوفون ويكون تقديمها على الفعل ~~لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم فيستوفون لها وأنت ~~خبير بأن القصر بتقديم الجار والمجرور انما يكون فيما يمكن تعلق الفعل بغير ~~المجرور أيضا حسب تعلقه به فيقصد بالتقديم قصره عليه بطريق القلب أو ~~الافراد أو التعيين حسبما يقتضيه المقام ولا ريب في أن الاستيفاء الذي هو ~~عبارة عن الأخذ الوافي مما لا يتصور أن يكون على أنفسهم حتى يقصد بتقديم ~~الجار والمجرور قصره على الناس على أن الحديث واقع في الفعل لا فيما وقع ~~عليه فتدبر والضمير البارز في قوله تعالى وإذا كالوهم أو وزنوهم للناس أي ~~إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم للبيع ونحوه يخسرون أي ينقصون يقال خسر الميزان ~~وأخسره فحذف الجار وأوصل الفعل كما في قوله ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا أي ~~جنيت لك وجعل البارز تأكيدا للمستكن مما لا يليق بجزالة التنزيل ولعل ذكر ~~الكيل والوزن في صورة الإخسار والاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء ~~لما أنهم لم يكونوا متمكنين من الاحتيال عند الاتزان تمكنهم منه عند الكيل ~~والوزن وعدم التعرض للمكيل ms3347 والموزون في الصورتين لأن مساق الكلام لبيان ~~سواء معاملتهم في الأخذ والاعطاء لا في خصوصية المأخوذ والمعطى وقوله تعالى ~~ألا يظن أولئك انهم مبعوثون استئناف وارد لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف ~~والتعجيب من اجترائهم عليه وأولئك إشارة إلى المطففين ووضعه موضع ضميرهم ~~للاشعار بمناط الحكم الذي هو وصفهم فان الإشارة إلى الشيء متعرضة له من حيث ~~اتصافه بوصفه وأما الضمير فلا يتعرض لوصفه وللإيذان بأنهم ممتازون بذلك ~~الوصف القبيح عن سائر الناس أكمل امتياز نازلون منزلة الأمور المشار إليها ~~إشارة حسية وما فيه من معنى البعد للاشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد ~~أي الا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل أنهم مبعوثون ليوم ~~عظيم لا يقادر قدر عظمه وعظم ما فيه ومحاسبون فيه على مقدار الذرة والخردلة ~~فان من يظن ذلك وان كان ظنا ضعيفا متاخما للشك والوهم لا يكاد يتجاسر على ~~أمثال هاتيك القبائح فكيف بمن تيقنه وقوله تعالى يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين PageV09P125 # أي لحكمه وقضائه منصوب بإضمار أعني وقيل بمبعوثون أو مرفوع المحل خبرا ~~لمبتدأ مضمر أو مجرور بدلا من يوم عظيم مبني على الفتح لإضافته إلى الفعل ~~وان كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين ويؤيد الأخيرين القراءة بالرفع وبالجر ~~وفي هذا الانكار والتعجيب وايراد الظن ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه ~~كافة لله تعالى خاضعين ووصفه تعالى بربوبية العالمين من البيان البليغ لعظم ~~الذنب وتفاقم الاثم في التطفيف وأمثاله مالا يخفى كلا ردع عما كانوا عليه ~~من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب وقوله تعالى ان كتاب الفجار لفي سجين ~~الخ تعليل للردع أو وجوب الارتداع بطريق التحقيق وسجين علم لكتاب جامع هو ~~ديوان الشر دون فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الثقلين منقول ~~من وصف كخاتم وأصله فعيل من السجن وهو الحبس والتضييق لأنه سبب الحبس ~~والتضييق في جهنم أو لأنه مطروح كما قيل تحت الأرض السابعة في مكان مظلم ~~وحش وهو مسكن إبليس وذريته فالمعنى ان كتاب الفجار الذين من جملتهم ~~المطففون أي ms3348 ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون ~~فيه قبائح أعمال المذكورين وقوله تعالى وما أدراك ما سجين تهويل لأمره أي ~~هو بحيث لا يبلغه دراية أحد وقوله تعالى كتاب مرقوم أي مسطور بين الكتابة ~~أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه وقيل هو اسم المكان والتقدير ما كتاب ~~السجين أو محل كتاب مرقوم وقوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين متصل بقوله تعالى ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين وما بينهما اعتراض بقوله تعالى الذين يكذبون ~~بيوم الدين اما مجرور على أنه صفة ذامة للمكذبين أو بدل منه أو مرفوع أو ~~منصوب على الذم وما يكذب به الا كل معتد أي متجاوز عن حدود النظر والاعتبار ~~غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه عن الإعادة مع مشاهدته ~~للبدء أثيم أي منهمك في الشهوات المخدجة الفانية بحيث شغلته عما وراءها من ~~اللذات التامة الباقية وحملته على انكارها إذا تتلى عليه PageV09P126 # آياتنا الناطقة بذلك قال من فرط جهله واعراضه عن الحق الذي لا محيد عنه ~~أساطير الأولين أي هي حكايات الأولين قال الكلبي المراد بالمعتدي الأثيم هو ~~الوليد بن المغيرة وقيل النضر بن الحرث وقيل عام لكل من اتصف بالأوصاف ~~المذكورة وقرئ إذا يتلى بتذكير الفعل وقرئ أإذا تتلي على الاستفهام ~~الانكاري كلا ردع للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له فيه وقوله ~~تعالى بل ران على قلبوهم ما كانوا يكسبون بيان لما أدى بهم إلى التفوه بتلك ~~العظيمة أي ليس في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها مثل هذه المقالات ~~الباطلة بل ركب على قلوبهم وغلب عليها ما كانوا يكسبونها من الكفر والمعاصي ~~حتى صارت كالصدأ في المرآة فحال ذاك بينهم وبين معرفة الحق كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ان العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود ~~قلبه ولذلك قالوا ما قالوا والرين الصدأ يقال ران عليه الذنب وغان عليه ~~رينا وغينا ويقال ران فيه النوم أي رسخ فيه ms3349 وقرئ بادغام اللام في الراء كلا ~~ردع وزجر عن الكسب الرائن انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فلا يكادون يرونه ~~بخلاف المؤمنين وقيل هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من يحجب عن الدخول على ~~الملوك وعن ابن عباس وقتادة وابن أبي مليكة محجوبون عن رحمته وعن ابن كيسان ~~عن كرامته ثم انهم لصالوا الجحيم أي داخلوا النار وثم لتراخي الرتبة فان ~~صلى الجحيم أشد من الإهانة والحرمان من الرحمة والكرامة ثم يقال لهم توبيخا ~~وتقريعا من جهة الزبانية هذا الذي كنتم به تكذبون فذوقوا عذابه كلا ردع عما ~~كانوا عليه بعد ردع زجر إثر زجر وقوله تعالى ان كتاب الأبرار لفي عليين ~~استئناف مسوق لبيان محل كتاب الأبرار بعده بيان سوء حال الفجار متصلا ببيان ~~سوء حال كتابهم وفيه تأكيد للردع ووجوب الارتداع وكتابهم ما كتب من أعمالهم ~~وعليون علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما أعملته الملائكة وصلحاء ~~الثقلين منقول من جمع على فعيل من العلو سمي بذلك اما لأنه سبب الارتفاع ~~إلى أعالي الدرجات في الجنة واما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن ~~الكروبيون تكريما له وتعظيما والكلام في قوله تعالى PageV09P127 # وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم كما مر في نظيره وقوله تعالى يشهده ~~المقربون صفة أخرى لكتاب أي يحضرونه ويحفظونه أو يشهدون بما فيه يوم ~~القيامة ان الأبرار لفي نعيم شروع في بيان محاسن أحوالهم اثر بيان حال ~~كتابهم على طريقة ما مر في شأن الفجار على الأرائك أي على الأسرة في الحجال ~~ولا يكاد تطلق الأريكة على السرير عندهم كونه في الحجلة ينظرون أي الا ما ~~شاؤوا مد أعينهم اليه من رغائب مناظر الجنة والى ما أولاهم الله تعالى من ~~النعمة والكرامة وإلى أعدائهم يعذبون في النار وما تحجب الحجال أبصارهم عن ~~الإدراك «تعرف في وجوههم نضرة النعيم» أي بهجة التنعم وماءه ورونقه والخطاب ~~لكل أحد ممن له حظ من الخطاب للإيذان بأن مالهم النعيم أي بهجة التنعم ~~وماءه ورونقه والخطاب لكل أحد ممن له حظ من ms3350 الخطاب للإيذان بأن مالهم من ~~آثار النعمة وأحكام البهجة بحيث لا يختص برؤيته راء دون راء «يسقون من ~~رحيق» شراب خالص لا غش فيه مختوم «ختامه مسك» أي مختوم أوانيه وأكوابه ~~بالمسك مكان الطين ولعله تمثيل لكمال نفاسته وقيل ختامه مسك أي مقطعه رائحة ~~مسك وقرئ خاتمه بفتح التاء وكسرها أي ما يختم به ويقطع «وفي ذلك» إشارة إلى ~~الرحيق وهو الأنسب لما بعده أو إلى ما ذكر من أحوالهم وما فيه من معنى ~~البعد اما للاشعار بعلو مرتبته وبعد منزلته أو لكونه في الجنة أي في ذلك ~~خاصة دون غيره فليتنافس المتنافسون أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة ~~الله تعالى وقيل فليعمل العاملون كقوله تعالى لمثل هذا فليعمل العاملون ~~وقيل فليستبق المستبقون وأصل التنافس التغالب في الشيء النفيس النفس وأصله ~~من النفس لعزتها قال الواحدي نفست الشيء أنفسه نفاسة والتنافس تفاعل منه ~~كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به وقال البغوي وأصله من الشيء ~~النفس الذي يحرص PageV09P128 # عليه نفوس الناس ويزيده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن به ومزاجه ~~من تسنيم عطف على ختامه صفة أخرى لرحيق مثله وما بينهما اعتراض مقرر ~~لنفاسته اي ما يمزج به على الرحيق من ما تسنيم على أن من بيانية أو تبعيضية ~~أو من نفسه على أنها ابتدائية والتسنيم علم لعين بعينها سميت به اما لأنها ~~أرفع شراب في الجنة واما لأنها تأتيهم من فوق روي أنها تجري في الهواء ~~متسنمة فتصب في أوانيهم عينا نصب على الاختصاص وجواز أن يكون حالا من تسنيم ~~مع كونه جامدا لاتصافه وقوله تعالى يشرب بها المقربون فإنهم يشربونها صرفا ~~وتمزج لسائر أهل الجنة فالباء مزيدة أو بمعنى من قوله تعالى ان الذين ~~أجرموا الخ حكاية لبعض قبائح مشركي قريش جيء بها تمهيدا لذكر بعض أحوال ~~الأبرار في الجنة كانوا في الدنيا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون ~~بفقرائهم كعمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين وتقديم الجار ~~والمجرور اما للقصر ms3351 اشعارا بغاية شناعة ما فعلوا أي كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون مع ظهور عدم استحقاقهم لذلك على منهاج قوله تعالى أفي الله شك أو ~~لمراعاة الفواصل وإذا مروا أي فقراء المؤمنين بهم أي بالمشركين وهم في ~~أنديتهم وهو الأظهر وان جاز العكس أيضا يتغامزون أي يغمز بعضهم بعضا ~~ويشيرون بأعينهم وإذا انقلبوا من مجالسهم إلى أهلهم انقلبوا فكهين ملتذين ~~بذكرهم بالسوء والسخرية منهم وفيه إشارة إلى أنهم كانوا لا يفعلون ذلك ~~بمرأى من المارين بهم ويكتفون حينئذ بالتغامز وقرئ فاكهين قيل هما بمعنى ~~وقيل فكهين أشرين وقيل فرحين وفاكهين متفكهين وقيل ناعمين وقيل مازحين وإذا ~~رأوهم أينما كانوا قالوا ان هؤلاء لضالون أي نسبوا المسلمين ممن رأوهم ومن ~~غيرهم إلى الضلال بطريق التأكيد وما أرسلوا عليهم على المسلمين حافظين حال ~~من واو PageV09P129 # قالوا أي قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم ~~يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون على أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم وهذا ~~تهكم بهم واشعار بأن ما اجترؤا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته ~~تعالى وقد جوز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين كأنهم قالوا ان هؤلاء ~~لضالون وما أرسلوا علينا حافظين انكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الاسلام ~~وانما قيل عليهم نقلا له بالمعنى كما في قولك حلف ليفعلن لا بالعبارة كما ~~في قولك حلف لأفعلن فاليوم الذين آمنوا أي المعهودون من الفقراء من الكفار ~~أي من المعهودين وهو الأظهر وان أمكن التنعيم من الجانبين يضحكون حين ~~يرونهم أذلاء مغلولين قد غشيهم فنون الهوان والصغار بعد العزة والكبر و ~~رهقهم ألوان العذاب بعد التنعم والترفه وتقديم الجار والمجرور للقصر تحقيقا ~~للمقابلة أي فاليوم هم من الكفار يضحكون لا الكفار منهم كما كانوا يفعلون ~~في الدنيا وقوله تعالى على الأرائك ينظرون حال من فاعل يضحكون أي يضحكون ~~منهم ناظرين اليه والى ما هم فيه من سوء الحال وقيل يفتح للكفار باب إلى ~~الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها فإذا وصولا إليها أغلق دونهم ms3352 يفعل بهم ذلك ~~مرارا ويضحك المؤمنون منهم ويأباه قوله تعالى هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جزاء لضحكهم منهم في الدنيا فلا ~~بد من المجانسة والمشاكلة حتما والتثويب والإثابة المجازاة وقرئ بادغام ~~اللام في الثاء وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة المطففين سقاه الله ~~تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم PageV09P130 # سورة الانشقاق مكية و آيها خمس وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء ~~انشقت أي بالغمام كما في قوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام وعن علي رضي ~~الله عنه تنشق من المجرة وأذنب لربها أي واستمعت أي انقادت وأذعنت لتأثير ~~قدرته تعالى حين تعلقت ارادته بانشقاقها انقياد المأمور المطواع إذا ورد ~~عليه أمر الآمر المطاع والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إليها للاشعار ~~بعلة الحكم وهذه الجملة ونظيرتها الآتية بمنزلة قوله تعالى أتينا طائعين في ~~الانباء عن كون ما نسب إلى السماء والأرض من الانشقاق المد وغيرهما جاريا ~~على مقتضى الحكمة كما أشير اليه فيما سلف وحقت أي جعلت حقيقة بالاستماع ~~والانقياد لكن لا بعد أن لم تكن كذلك بل في نفسها وحد ذاتها من قولهم هو ~~محقوق بكذا وحقيق به والمعنى انقادت لربها وهي حقيقة بذلك لكن لا على أن ~~المراد خصوصية ذاتها من بين سائر المقدورات بل خصوصية القدرة القاهرة ~~الربانية التي يتأتى لها كل مقدور ولا يتخلف عنها أمر من الأمور فحق الجملة ~~أن تكون اعتراضا مقررا لما قبلها لا معطوفة عليه وإذا الأرض مدت أي بسطت ~~بإزالة جبالها وآكامها من مقارها وتسويتها بحيث صارت قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا أو زيدت سعة وبسطة من مده بمعنى أمده أي زاده وألقت ما ~~فيها أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز كقوله تعالى وأخرجت الأرض ~~أثقالها وخلت عما فيها غاية الخلو حتى لم يبق فيها شيء منه كأنها تكلفت في ~~ذلك أقصى جهدها وأذنت لربها في الالقاء والتخلي وحقت أي وهي حقيقة بذلك أي ~~شأنها ذلك ms3353 بالنسبة إلى القدرة PageV09P131 # الربانية وتكرير كلمة إذا ما اتحاد الأفعال المنسوبة إلى السماء والأرض ~~وقوعا في الوقت الممتد الذي هو مدلولها قد مر سره فيما مر يا أيها الانسان ~~انك كادح إلى ربك كدحا أي جاهد ومجد إلى الموت وما بعده من الأحوال التي ~~مثلت باللقاء مبالغ في ذلك فان الكدح جهد النفس في العمل والكد فيه بحيث ~~يؤثر فيها من كدح جله إذا خدشه فملاقيه أي فملاق له عقيب ذلك لا محالة من ~~غير صارف يلويك عنه قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا الخ قيل جواب إذا كما في قوله تعالى فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقوله تعالى يا أيها الانسان الخ اعتراض ~~وقيل هو محذوف للتهويل والايماء إلى قصور العبارة عن بيانه أو للتعويل على ~~ما مر في سورة التكوير والانفطار عليه وقيل هو ما دل عليه قوله تعالى يا ~~أيها الانسان الخ تقديره لا قي الانسان كدحه وقيل هو قوله تعالى فملاقيه ~~وما قبله اعتراض وقيل هو يا أيها الانسان الخ باضمار القول يسير سهلا لا ~~مناقشة فيه ولا اعتراض وعن الصديقة رضي الله عنها هو أن يعرف ذنوبه ثم ~~يتجاوز عنه وينقلب إلى أهله مسرورا أي عشيرته المؤمنين أو فريق المؤمنين ~~مبتهجا بحاله قائلا هاؤم اقرؤا كتابيه وقيل إلى أهله في الجنة من الحور ~~والغلمان وأما من أوتي كتابه وراء ظهره أي يؤتاه بشماله من وراء ظهره قيل ~~تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله وقيل تخلع ~~يده اليسرى من وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا أي يتمنى الثبور وهو الهلاك ~~ويدعوه يا ثبوراه تعالى فإنه أوانك وأني له ذلك ويصلى سعيرا أي يدخلها وقرئ ~~يصلى كقوله تعالى وتصلية جحيم وقرئ ويصلى كما في قوله تعالى ونصليه جهنم ~~انه كان في أهله فيما بين أهله وعشيرته في الدنيا مسرورا PageV09P132 # مترفا بطرا مستبشرا كديدن الفجار الذين لا يهمهم ولا يخطر ببالهم ms3354 أمور ~~الآخرة ولا يتفكرون في العواقب ولم يكن حزينا متفكرا في حاله ومآله كسنة ~~الصلحاء والمتقين والجملة استئناف لبيان علة ما قبلها وقوله تعالى انه ظن ~~أن لن يحور تعليل لسروره في الدنيا أي ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى تكذيبا ~~للمعاد وأن مخففة من أن سادة مع ما في حيزها مسد مفعولي الظن أو أحدهما على ~~الخلاف المعروف بلى ايجاب لما بعد لن وقوله تعالى ان ربه كان به بصيرا ~~تحقيق وتعليل له أي بلى ليحورن البتة ان ربه الذي خلقه كان به وبأعماله ~~الموجبة للجزاء بصيرا بحيث لا يخفى منها خافية فلا بد من رجعه وحسابه ~~وجزائه عليها حتما وقيل نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشد وأخيه ~~الأسود فلا أقسم بالشفق هي الحمرة التي تشاهد في أفق المغرب بعد الغروب أو ~~البياض الذي يليها سمي به لرقته ومنه الشفقة التي هي عبارة عن رقة القلب ~~والليل وما وسق وما جمع وضم يقال وسقه فاتسق واستوسق أي جمعه فاجتمع وما ~~عبارة عما يجتمع بالليل ويأوي إلى مكانه من الدواب وغيرها والقمر إذا اتسق ~~اي اجتمع وتم بدرا ليلة اربع عشر لتركبن طبقا عن طبق اي لتلاقن حالا بعد ~~حال كل واحدة منها مطابقة لأختها في الشدة والفظاعة وقيل الطبق جمع طبقة ~~وهي المرتبة وهو الأوفق للركوب المنبئ عن الاعتلاء والمعنى لتركبن أحوالا ~~بعد أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من ~~مواطن القيامة ودواهيها وقرئ لتركبن بالافراد على خطاب الانسان باعتبار ~~اللفظ لا باعتبار شموله لأفراده كالقراءة الأولى وقرئ بكسر الباء على خطاب ~~النفس وليركبن بالياء اي ليركبن الانسان ومحل عن طبق النصب على أنه صفة ~~لطبقا اي طبقا مجاوزا لطبق أو حال من الضمير في لتركبن طبقا مجاوزين أو ~~مجاورا أو مجاوزة على حسب القراءة والفاء في قوله تعالى فما لهم لا يؤمنون ~~لترتيب ما بعدها من الانكار والتعجيب على ما قبلها من أحوال القيامة ~~وأهوالها الموجبة PageV09P133 # للايمان والسجود ms3355 أي إذا كان حالهم يوم القيامة كما ذكر فأي شيء لهم حال ~~كونهم غير مؤمنين أي أي شيء يمنعهم من الايمان مع تعاضد موجباته وقوله ~~تعالى وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون جملة شرطية محلها النصب على ~~الحالية نسقا على ما قبلها أي فأي مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم ~~واستكانتهم عند قراءة القرآن وقيل قرأ النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم ~~واسجد واقترب فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر ~~فنزلت وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله تعالى على وجوب السجدة وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما ليس في المفصل سجدة وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سجد ~~فيها وقال والله ما سجدت الا بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد ~~فيها وعن أنس رضي الله عنه صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ~~فسجدوا وعن الحسن هي غير واجبة بل الذين كفروا يكذبون بالقرآن الناطق بما ~~ذكر من أحوال القيامة وأهوال مع تحقق موجبات تصديقه ولذلك لا يخضعون عند ~~تلاوته والله اعلم بما يوعون بما يضمرون في قلوبهم ويجمعون في صدورهم من ~~الكفر والحسد والبغي والبغضاء أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السواء ~~ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب علما فعليا فبشرهم بعذاب أليم لأن علمه ~~تعالى بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم حتما الا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات استثناء منقطع ان جعل الموصول عبارة عن المؤمنين كافة ومتصل ان ~~أريد به من آمن منهم بعد ذلك وقوله تعالى لهم اجر غير ممنون اي غير مقطوع ~~أو ممنون به عليم استئناف مقرر لما أفاده الاستثناء من انتفاء العذاب عنهم ~~ومبين لكيفيته ومقارنته للثواب العظيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ سورة الانشقاق أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه وراء ظهره PageV09P134 # بسم الله الرحمن الرحيم «والسماء ذات البروج» هي البروج الإثنا عشر شبهت ~~بالقصور لأنها تنزلها السيارات ويكون فيها الثوابت أو منازل القمر أو عظام ~~الكواكب سميت ms3356 بروجا لظهورها أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل ~~التركيب للظهور «واليوم الموعود» أي يوم القيامة «وشاهد ومشهود» أي ومن ~~يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما يحضر فيه من العجائب وتنكيرهما للإبهام ~~في الوصف أي وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما أو للمبالغة في الكثرة وقيل ~~الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة وقيل عيسى عليه ~~السلام وأمته لقوله تعالى وكنت عليهم شهيدا الخ وقيل أمة محمد وسائر الأمم ~~وقيل يوم التروية ويوم عرفة وقيل يوم عرفة ويوم الجمعة وقيل الحجر الأسود ~~والحجيج وقيل الأيام والليالي وبنو آدم وعن الحسن ما من يوم إلا وينادى إني ~~يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى ~~يوم القيامة وقيل الحفظة وبنو آدم وقيل الأنبياء ومحمد عليهم الصلاة ~~والسلام «» قيل هو جواب القسم على حذف اللام منه للطول والأصل لقتل كما في ~~قول من قال حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما أن من حديث ولا صال وقيل ~~تقديره لقد قتل وأيا ما كان فالجملة خبرية والأظهر أنها دعائية دالة على ~~الجواب كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أنهم أي كفار مكة ملعونون كما لعن أصحاب ~~الأخدود لما أن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الإيمان ~~وصبرهم عليه من الإيمان وتصبيرهم على أذية الكفرة وتذكيرهم بما جرى على من ~~تقدمهم من التعذيب على الإيمان وصبرهم على ذلك حتى يأتسوا بهم ويصبروا على ~~ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا أن هؤلاء عند الله عز وجل PageV09P135 # بمنزلة أولئك المعذبين ملعونون مثلهم أحقاء بأن يقال فيهم ما قد قيل فيهم ~~وقرئ قتل بالتشديد والأخدود الخد في الأرض وهو الشق ونحوهما بناء ومعنى ~~الخق والأخقوق وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر ~~فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه ~~فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس قيل كانت الدابة أسدا فأخذ ms3357 حجرا ~~فقال اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فقتلها فكان الغلام ~~بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء وعمى جليس للملك فأبره ~~فأبصره الملك فسأله من رد عليك فقال ربى فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه ~~فدل على الراهب فلم يرجع الراهب عن دينه فقد بالمنشار وأبى الغلام فذهب به ~~إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا فذهب به إلى قرقور ~~فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا وقال للملك لست ~~بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول ~~باسم الله رب الغلام ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات ~~فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل للملك نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في ~~أفواه السكك وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت ~~امرأة معها صبي فتقاسمت فقال الصبي يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت ~~وقيل قال لها قعي ولا تنافقي ما هي غلا غمضة فصبرت قيل أخرج الغلام من قبره ~~في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل ~~وعن على رضي الله عنه أن بعض ملوك المجوس وقع على أخته وهو سكران فلما صحا ~~ندم وطلب المخرج فقالت له المخرج أن تخطب بالناس فتقول إن الله قد أحل نكاح ~~الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك إن الله قد حرمه فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له ~~أبسط فيهم السوط ففعل فلم يقبلوا فقالت له أبسط فيهم السيف ففعل فلم يقبلوا ~~فأمر بالأخاديد وإيقاد النار وطرح من أبى فيها فهم الذين أراد الله تعالى ~~بقوله قتل أصحاب الأخدود وقيل وقع إلى نجران رجل مما كان على دين عيسى عليه ~~السلام فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم ~~بين النار واليهودية فأبو فأحرق منهم اثنى عشر ألفا في الأخاديد وقيل سبعين ~~ألفا وذكر أن طول الأخدود ms3358 أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ذراعا النار بد ~~اشتمال من الخدود ذات الوقود وصف لها بغاية العظم وارتفاع اللهب وكثرة ما ~~يوجبه من الحطب وأبدان الناس وقرئ الوقود بالضم وقوله تعالى إذ هم عليها ~~تعود ظرف لقتل أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها في مكان مشرف عليها ~~من حافات الأخدود كما في قوله وبات على النار الندى والمحلق PageV09P136 # وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدا ~~لم يقصر فيما أمر به أو انهم شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وقيل على بمعنى مع والمعنى وهم مع ما ~~يفعلون بالمؤمنين من العذاب حضور لا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم هذا هو ~~الذي يستدعيه النظم الكريم وتنطق به الروايات المشهورة وقد روي أن الجبابرة ~~لما ألقوا المؤمنين في النار وهم قعود حولها علقت بهم النار فأحرقتهم ونجى ~~الله عز وجل المؤمنين منها سالمين والى هذا القول ذهب الربيع بن أنس ~~والواحدي وعلى ذلك حملا قوله تعالى ولهم عذاب الحريق وما نقموا منهم أي ما ~~أنكروا منهم وما عابوا الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد استئناف مفصح عن ~~براءتهم عما يعاب وينكر بالكلية على منهاج قوله ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم ~~تلام بنسيان الأحبة والوطن ووصفه تعالى بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه ~~وحميدا منعما يرجى ثوابه وتأكيد ذلك بقوله تعالى الذي له ملك السماوات ~~والأرض للاشعار بمناط ايمانهم وقوله تعالى والله على كل شيء شهيد وعد لهم ~~ووعيد شديد لمعذبيهم فان علمه تعالى بجميع الأشياء التي من جملتها اعمال ~~الفريقين يستدعى توفير جزاء كل منهما حتما ان الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات اي محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه والمراد بهم اما أصحاب الأخدود ~~خاصة وبالمفتونين المطرحون في الأخدود وأما الذين بلوهم في ذلك بالأذية ~~والتعذيب على الاطلاق وهم داخلون في جملتهم دخولا أوليا ثم لم يتوبوا أي عن ~~كفرهم وفتنتهم فان ما ذكر من الفتنة في الدين لا يتصور من ms3359 غير الكافر قطعا ~~وقوله تعالى فلهم عذاب جهنم حملة وقت خبرا لأن أو الخبر لهم وعذاب مرتفع به ~~على الفاعلية وهو الأحسن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا ضير في نسخه ~~بأن وان خالف الأخفش والمعنى لهم في الآخرة عذاب جهنم بسبب كفرهم ولهم عذاب ~~الحريق وهي نار أخرى عظيمة بسبب فتنتهم للمؤمنين ان لذين آمنوا وعملوا ~~PageV09P137 # الصالحات على الاطلاق من المفتونين وغيرهم لهم بسبب ما ذكر من الايمان ~~والعمل الصالح جنات تجري من تحتها الأنهار ان أريد بالجنات الأشجار لجريان ~~الأنهار من تحتها ظاهر وان أريد بها الأرض المشتعلة عليها فالتحية باعتبار ~~جزئها الظاهر فان أشجارها ساترة لساحتها كما يعرب عنه اسم الجنة وقد مر ~~بيانه مرارا ذلك إشارة اما إلى الجنات الموصوفة والتذكير لتأويلها بما ذكر ~~للاشعار بأن مدار الحكم عنوانها الذي يتنافس فيها المتنافسون فان اسم ~~الإشارة متعرض لذات المشار اليه من حيث اتصافه بأوصافه المذكورة لا لذاته ~~فقط كما هو الشأن الضمير فإذا أشير إلى الجنات من حيث ذكرها فقد اعتبر منها ~~عنوانها المذكور حتما وأما إلى ما يفيده قوله تعالى لهم جنات الخ من ~~حيازتهم لها فان حصولها لهم مستلزم لحيازتهم لها قطعا وأيا ما كان فما فيه ~~من معنى البعد للايذان بعلو درجته وبعد منزلته في الفضل والشرف ومحله الرفع ~~على الابتداء خبره ما بعده أي ذلك المذكور العظيم الشأن الفوز الكبير الذي ~~تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها والفوز النجاة من ~~الشر والظفر بالخير فعلى الأول هو مصدر اطلق على المفعول مبالغة وعلى ~~الثاني مصدر على حاله ان بطش ربك لشديد استئناف خوطب به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ايذانا بأن لكفار قومه نصيبا موفورا من مضمونه كما ينبئ عنه ~~التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام والبطش ~~الأخذ بعنف وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه بالجبابرة والظلمة ~~وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام كقوله تعالى وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة ان أخذه أليم ms3360 شديد انه هو يبدئ ويعيد أي هو يبدئ الخلق وهو يعيده ~~من غير دخل لأحد في شيء منهما ففيه مزيد تقرير لشدته بطشه أو هو يبدئ البطش ~~بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة وهو الغفور لمن تاب وآمن الودود المحب ~~لمن أطاع ذو العرش خالقه وقيل المراد بالعرش الملك أي ذو السلطنة القاهرة ~~وقرئ ذي العرش على أنه صفة ربك المجيد العظيم في ذاته وصفاته فإنه واجب ~~الوجود تام القدرة كامل الحكمة وقرئ بالجر على أنه صفة لربك أو للعرش ومجده ~~علوه وعظمته فعال لما يريد بحيث لا يتخلف عن ارادته مراد من أفعاله تعالى ~~وافعال غيره وهو خبر مبتدأ محذوف PageV09P138 # وقوله تعالى هل أتاك حديث الجنود استئناف مقرر لشدة بطشه تعالى بالظلمة ~~العصاة والكفرة والعتاة وكونه فعالا لما يريد متضمن لتسليته عليه الصلاة ~~والسلام بالاشعار بأنه سيصيب قومه ما أصاب الجنود فرعون وثمود بدل من ~~الجنود لأن المراد بفرعون هو وقومه والمراد بحديثهم ما صدر عنهم من التمادي ~~في الكفر والضلال وما حل بهم من العذاب والنكال والمعنى قد أتاك حديثهم ~~وعرفت ما فعلوا وما فعل بهم فذكر قومك بشؤون الله تعالى وأنذرهم ان يصبهم ~~مثل ما أصاب أمثالهم وقوله تعالى بل الذين كفروا في تكذيب اضراب عن ~~مماثلتهم لهم وبيان لكونهم أشد منهم في الكفر والطغيان كأنه قيل ليسوا ~~مثلهم في ذلك بل هم أشد منهم في استحقاق العذاب واستيجاب العقاب فإنهم ~~مستقرون في تكذيب شديد للقرآن الكريم أو قيل ليست جنايتهم مجرد عدم التذكر ~~والاتعاظ بما سمعوا من حديثهم بل هم مع ذلك في تكذيب شديد للقرآن الناطق ~~بذلك لكن لا أنهم يكذبون بوقوع الحادثة بل بكون ما نطق به قرآنا من عند ~~الله تعالى مع وضوح أمره وظهور حاله بالبيانات الباهرة والله من ورائهم ~~محيط تمثيل لعدم نجاتهم من بأس الله تعالى بعدم فوت المحاط المحيط وقوله ~~تعالى بل هو قرآن مجيد رد لكفرهم وابطال لتكذيبهم وتحقيق للحق أي ليس الأمر ~~كما قالوا بل هو كتاب ms3361 شريف عالي الطبقة فيما بين الكتب الإلهية في النظم ~~والمعنى وقرئ قرآن مجيد بالإضافة أي قرآن رب مجيد في لوح محفوظ أي من ~~التحريف ووصول الشياطين اليه وقرئ محفوظ بالرفع على أنه صفة قرآن وقرئ في ~~لوح وهو الهواء أي ما فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل جمعة وعرفة تكون في ~~الدنيا عشر حسنات PageV09P139 # سورة الطارق مكية و آيها سبع عشرة بسم الله الرحمن الرحيم والسماء ~~والطارق الطارق في الأصل اسم فاعل من طرق طرقا وطرقا إذا جاء ليلا قال ~~الماوردي وأصل الطرق الدق ومنه سميت المطرقة وانما سمي قاصد الليل طارقا ~~لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا ثم اتسع في كل ما ظهر بالليل كائنا ما كان ثم ~~أشبع في التوسع حتى اطلق على الصور الخالية البادية بالليل قال طرق الخيال ~~ولا كليلة مدلج سدكا بأرجلنا ولم يتبرج والمراد ههنا الكوكب البادي بالليل ~~اما على أنه اسم جنس أو كوكب معهود وقيل الطارق النجم الذي يقال له كوكب ~~الصبح وقوله تعالى وما أدراك ما الطارق تنويه بشأنه اثر تفخيمه بالإقسام به ~~وتنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها ادراك الخلق فلا بد من تلقيها من ~~الخلاق العليم فما الأولى مبتدأ وادراك خبر والثانية خبر والطارق مبتدأ ~~حسبما بين في نظائره اي وأي شيء أعلمك ما الطارق وقوله تعالى النجم الثاقب ~~خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف وقع جوابا عن استفهام نشأ مما قبله كأنه ~~قيل ما هو فقيل النجم المضيء في الغاية كأنه يثقب الظلام أو الأفلاك بضوئه ~~وينفذ فيها والمراد به اما الجنس فان لكل كوكب ضوءا ثاقبا لا محالة واما ~~كوكب معهود قيل هو زحل وقيل هو الثريا وقيل هو الجدي وقيل النجم الثاقب نجم ~~في السماء السابعة لا يسكنها غيره فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط ~~فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة وهو زحل فهو طارق حين ينزل ms3362 ~~وحين يصعد وفي ايراده عند الإقسام به بوصف مشترك بينه وبين غيره ثم الإشارة ~~إلى أن ذلك الوصف غير كنه أمره وأن ذلك مما لا تبلغه أفكار الخلائق ثم ~~تفسيره بالنجم الثاقب من تفخيم شأنه وإجلال محله ما لا يخفي وقوله تعالى ~~«إن كل نفس لما عليها حافظ» جواب للقسم وما بينهما اعتراض جيء به لما ~~PageV09P140 # ذكر من تأكيد فخامة المقسم به المستتبع لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها ~~وإن نافية ولما بمعنى إلا أي ما كل نفس إلا عليها حافظ مهيمن رقيب وهو الله ~~عز وجل كما في قوله تعالى وكان الله على كل شيء رقيبا وقيل هو من يحفظ ~~عملها ويحصي تعالى «وإن عليكم لحافظين كراما» الآية وقوله تعالى «ويرسل ~~عليكم حفظة» وقوله تعالى «له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه» وقرئ ~~لما مخففه على أن ان مخففة من الثقيلة واسمها الذي هو ضمير الشأن محذوف ~~واللام هي الفارقة وما مزيدة أي ان الشأن كل نفس لعليها حافظ والفاء في ~~قوله تعالى فلينظر الانسان مم خلق للتنبيه على أن ما بين من أن كل نفس ~~عليها حافظ يحصى عليها كل ما يصدر عنها من قول وفعل مستوجب على الانسان أن ~~يتفكر في مبدأ فطرته حق التفكر حتى يتضح له أن من قدر على انشائه من مواد ~~لم تشم رائحة الحياة قط فهو قادر على اعادته بل أقدر على قياس العقل فيعمل ~~ليوم الإعادة والجزاء ما ينفعه يومئذ ويجديه ولا يملي على حافظه ما يرد به ~~وقوله تعالى خلق من ماء دافق استئناف وقع جوابا عن استفهام مقدر كأنه قيل ~~مم خلق فقيل خلق من ماء ذي دفق وهو صب فيه دفع وسيلان بسرعة والمراد به ~~الممتزج من الماءين في الرحم كما ينبئ عنه قوله تعالى يخرج من بين الصلب ~~والترائب اي صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها قالوا ان النطفة تتولد ~~من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل ~~تلك الأعضاء ms3363 ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين فالدماغ أعظم ~~الأعضاء معونة في توليدها ولذلك تشبهه ويورث الافراط في الجماع الضعف فيه ~~وله خليفة هي النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب ~~إلى أوعية المني فلذلك خصا بالذكر وقرئ الصلب بفتحتين والصلب بضمتين وفيه ~~لغة رابعة هي صالب انه الضمير للخالق تعالى فان قوله خلق يدل عليه أي ان ~~ذلك الذي خلقه ابتداء مما ذكر على رجعه اي على اعادته بعد موته لقادر لبين ~~القدرة يوم تبلى السرائر اي يتعرف ويتصفح ما أسر في القلوب من العقائد ~~والنيات وغيرها وما اخفى من الأعمال ويميز بين ما طاب منها وما خبث وهو ~~PageV09P141 # ظرف لرجعه فما له اي للانسان من قوة في نفسه يمتنع بها ولا ناصر ينتصر به ~~والسماء ذات الرجع اي المطر سمي رجعا لما أن العرب كانوا يزعمون ان السحاب ~~يحمل الماء من يحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض أو أرادوا بذلك التفاؤل ليرجع ~~ولذلك سموه أوبا أو لأن الله تعالى يرجعه والأرض ذات الصدع هو ما تتصدع عنه ~~الأرض من النبات أو مصدر من المبني للمفعول وهو تشققها بالنبات لا بالعيون ~~كما قيل فان وصف السماء والأرض عند الاقسام بهما على حقية القرآن الناطق ~~بالبعث بما ذكر من الوصفين للايماء إلى أنهما في أنفسهما من شواهده وهو ~~السر في التعبير بالصدع عنه وعن المطر بالرجع وذلك في تشقق الأرض بالنبات ~~المحاكي للنشور حسبما ذكر في مواقع من التنزيل لا في تشققها بالعيون انه أي ~~القرآن الذي من جملته ما تلي من الآيات الناطقة بمبدأ حال الانسان ومعاده ~~لقول فصل اي فاصل بين الحق والباطل مبالغ في ذلك كأنه نفس الفصل وما هو ~~بالهزل ليس في شيء منه شائبه هزل بل كله جد محض لا هوادة فيه فمن حقه أن ~~يهتدي به الغواة وتخضع له رقاب العتاة انهم اي أهل مكة يكيدون في ابطال ~~أمره واطفاء نوره كيدا حسبما نفي به قدرتهم وأكيد كيدا اي أقابلهم ms3364 بكيد ~~متين لا يمكن رده حيث استدرجهم من حيث لا يعلمون فمهل الكافرين أي لا تشتغل ~~بالانتقام منهم ولا تدع عليهم بالهلاك أولا تستعجل به والفاء لترتيب ما ~~بعدها على ما قبلها فان الاخبار بتوليه تعالى لكيدهم بالذات مما يوجب ~~امهالهم وترك التصدي لمكايدتهم قطعا وقوله تعالى أمهلهم بدل من مهل وقوله ~~تعالى رويدا اما مصدر مؤكد لمعنى العامل أو نعت لمصدره المحذوف اي أمهلهم ~~امهالا رويدا أي قريبا كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما أو قليلا ~~PageV09P142 # كما قاله قتادة قال أبو عبيدة هو في الأصل تصغير رود بالضم وأنشد كأنها ~~ثمل تمشي على رود أي على مهل وقيل تصغيرا رواد مصدرا رود بالترخيم وله في ~~الاستعمال وجهان آخران كونه اسم فعل نحو رويدا زيد وكونه حالا نحو سار ~~القوم رويدا أي متمهلين وفي ايراد البدل بصيغة لا تحتمل التكثير وتقييده ~~برويدا على أحد الوجهين المذكورين من تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتسكين قلبه مالا يخفى وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الطارق أعطاه ~~الله تعالى بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات والله أعلم سورة الأعلى مكية و ~~آيها تسع عشرة بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى أي نزه اسمه عز ~~وجل عن الالحاد فيه بالتأويلات الزائغة وعن اطلاقه على غيره بوجه يشعر ~~بتشاركهما فيه وعن ذكره لا على وجه الاعظام والاجلال والأعلى اما صفة للرب ~~وهو الأظهر أو للاسم وقرئ سبحان ربي الأعلى وفي الحديث لما نزلت «فسبح باسم ~~ربك العظيم» قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها في ركوعكم فلما نزل «سبح اسم ~~ربك الأعلى» قال اجعلوها في سجودكم وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت ~~وفي السجود اللهم لك سجدت الذي خلق فسوى صفة أخرى للرب على الوجه الأول ~~ومنصوب على المدح على الثاني لئلا يلزم الفصل بين الموصوف والصفة بصفة غيره ~~أي خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كما له ويتسنى معاشه وقوله ~~تعالى والذي ms3365 قدر اما صفة أخرى للرب كالموصول الأول أو معطوف عليه وكذا حال ~~ما بعده قدر أجناس الأشياء وأنواعها وأفرادها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها ~~وآجالها فهدى أي فوجه كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له طبعا أو ~~اختيارا ويسره لما خلق له بخلق الميول والالهامات ونصب الدلائل وانزال ~~الآيات ولو تتبعت أحوال النباتات والحيوانات PageV09P143 # لرأيت كل منها ما تحار فيه العقول يروى أن الأفعى إذا بلغت ألف سنة عميت ~~وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينها بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها ~~فربما كانت عند عروض العمي لها في برية بينها وبين الريف مسافة طويلة ~~فتطويها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها فتحك عينها ~~بورقها وترجع باصرة باذن الله عز وجل ويروى أن التمساح لا يكون له دبر ~~وانما يخرج فضلات ما يأكله من فمه حيث قيض الله له طائرا قدر غذاؤه من ذلك ~~فإذا رآه التمساح يفتح فمه فيدخله الطائر فيأكل ما فيه وقد خلق الله تعالى ~~له من فوق منقاره ومن تحته قرنين لئلا يطبق عليه التمساح فمه هذا وأما فنون ~~هداياته سبحانه وتعالى للانسان من حيث الجسمية ومن حيث الحيوانية لا سيما ~~من حيث الانسانية فمما لا يحيط به فلك العبارة والتحرير ولا يعلمه الا ~~العليم الخبر والذي اخرج المرعى أي انبت ما يرعاه الدواب غضا طريا يرف ~~فجعله بعد ذلك غثاء أحوى اي درينا اسود وقيل أحوى حال من المرعى أي أخرجه ~~أحوى من شدة الخضرة والري فجعله غثاء بعد ذلك وقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى ~~بيان لهداية الله تعالى الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم اثر بيان ~~هدايته تعالى العامة لكافة مخلوقاته وهي هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقي ~~الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين وتوفيقه عليه الصلاة والسلام ~~لهداية الناس أجمعين والسين اما للتأكيد واما لأن المراد اقراء ما أوحي ~~الله اليه حينئذ وما سيوحى اليه بعد ذلك فهو وعد كريم باستمرار الوحي في ~~ضمن الوعد بالأقراء اي سنقرئك ms3366 ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل ~~عليه السلام أو سنجعلك قارئا بالهام القراءة فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ ~~والاتقان مع أنك أمي لا تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذلك آية أخرى لك ~~مع ما في تضاعيف ما تقرؤه من الآيات البينات من حيث الاعجاز ومن حيث ~~الاخبار بالمغيبات وقيل فلا تنسى نهي والألف لمراعاة الفاصلة كما في قوله ~~تعالى «فأضلونا السبيلا» وقوله تعالى الا ما شاء الله استثناء مفرغ من أعم ~~المفاعيل أي لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء الا ما شاء الله أن تنساه ~~أبدا بأن نسخ تلاوته والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والايذان ~~بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات وقيل المراد به ~~النسيان في الجملة على القلة والندرة كما روي أنه عليه الصلاة والسلام أسقط ~~آية في قراءته في الصلاة فحسب أبي أنها نسخت فسأله فقال عليه الصلاة ~~PageV09P144 # والسلام نسيتها وقيل نفي النسيان رأسا فان القلة قد تستعمل في النفي ~~فالمراد بالنسيان حينئذ النسيان بالكلية إذ هو المنفي رأسا لا ما قد ينسى ~~ثم يذكر انه يعلم الجهر وما يخفى تعليل لما قبله أي يعلم ما ظهر وما بطن من ~~الأمور التي من جملتها ما أوحي إليك فينسى ما يشاء إنساءه ويبقى محفوظا ما ~~يشاء ابقاءه لما نيط بكل منهما من مصالح دينكم ونيسرك لليسرى عطف على نقرئك ~~كما ينبئ عنه الالتفات إلى الحكاية وما بينهما اعتراض وارد لما ذكر من ~~التعليل وتعليق التيسير به عليه الصلاة والسلام مع أن الشائع تعليقه ~~بالأمور المسخرة للفاعل كما في قوله تعالى «ويسر لي أمري» للايذان بقوة ~~تمكينه عليه الصلاة والسلام من اليسرى والتصرف فيها بحيث صار ذلك ملكة ~~راسخة له كأنه عليه الصلاة والسلام جبل عليها كما في قوله عليه الصلاة ~~والسلام اعملوا فكل ميسر لما خلق له أي نوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى ~~في كل باب من أبواب الدين علما وتعليما واهتداء وهداية فيندرج فيه تيسير ~~طريق تلقى الوحي والإحاطة ms3367 بما فيه من أحكام الشريعة السمحة والنواميس ~~الإلهية مما يتعلق بتكميل نفسه عليه الصلاة والسلام وتكميل غيره كما تفصح ~~عنه الفاء في قوله تعالى فذكر ان نفعت الذكرى أي فذكر الناس حسبما يسرناك ~~له بما يوحى إليك واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأحكام الشرعية كما كنت ~~تفعله لا بعد ما استتب لك الأمر كما قيل وتقييد التذكير بنفع الذكرى لما أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم طالما كان يذكرهم ويستفرغ فيه غاية المجهود ~~ويتجاوز في الجد كل حد معهود حرصا على ايمانهم وما كان يزيد ذلك بعضهم الا ~~كفرا وعنادا فأمر عليه الصلاة والسلام بأن يخص التذكير بمواد النفع في ~~الجملة بأن يكون من يذكره كلا أو بعضا ممن يرجى منه التذكر ولا يتعب نفسه ~~في تذكير من لا يورثه التذكير الا عتوا ونفورا من المطبوع على قلوبهم كما ~~في قوله تعالى «فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» وقوله تعالى «فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا» وقيل هو ذم للمذكرين واخبار عن حالهم واستبعاد لتأثير التذكير ~~فيهم وتسجيل عليهم بالطبع على قلوبهم كقولك للواعظ عظ المكاسين ان سمعوا ~~منك قصدا إلى أنه مما لا يكون والأول أنسب لقوله تعالى سيذكر من يخشى أي ~~سيتذكر بتذكيرك من من شأنه أن يخشى الله تعالى حق خشيته أو من يخشى الله ~~تعالى في الجملة فيزداد ذلك بالتذكير فيتفكر في أمر ما تذكر به فيقف على ~~حقيته فيؤمن به وقيل ان بمعنى إذ كما في قوله تعالى «وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين» أي إذ كنتم وقيل هي بمعنى ما أي فذكر ما نفعت الذكرى فإنها لا تخلو ~~PageV09P145 # عن نفع بكل حال وقيل هناك محذوف والتقدير ان نفعت الذكرى وان لم تنفع ~~كقوله تعالى «سرابيل تقيكم الحر» قاله الفراء والنحاس والجرجاني والزهراوي ~~ويتجنبها أي الذكرى الأشقى من الكفرة لتوغله في عداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن أبي ربيعة الذي يصلى النار ~~الكبرى أي الطبقة السفلى من ms3368 طبقات النار وقيل الكبرى نار جهنم والصغرى نار ~~الدنيا لقوله عليه الصلاة والسلام ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ~~ثم لا يموت فيها حتى يستريح ولا يحيى حياة تنفعه وثم للتراخي في مراتب ~~الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من الصلي قد أفلح أي نجا من ~~المكروه وظفر بما يرجوه من تزكى أي تطهر من الكفر والمعاصي بتذكره واتعاظه ~~بالذكرى أو تكثر من التقوى والخشية من الزكاء وهو النماء وقيل تطهر للصلاة ~~وقيل تزكى تفعل من الزكاة وكلمة قد لما أن عند الاخبار بسوء حال المتجنب عن ~~الذكرى في الآخرة يتوقع السامع الاخبار بحسن حال المتذكر فيها وينتظره وذكر ~~اسم ربه بقلبه ولسانه فصلى أقام الصلوات الخمس كقوله تعالى «وأقم الصلاة ~~لذكري» أو كبر تكبيرة الافتتاح فصلى وقيل تزكى أي تصدق صدقة الفطر وذكر اسم ~~ربه أي كبره يوم العيد فصلى أي صلاته بل تؤثرون الحياة الدنيا اضراب عن ~~مقدر ينساق اليه الكلام كأنه قيل اثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح لا تفعلون ~~ذلك بل تؤثرون اللذات العاجلة الفانية فتسعون لتحصيلها والخطاب اما للكفرة ~~فالمراد بايثار الحياة الدنيا هو الرضا والاطمئنان بها والاعراض عن الآخرة ~~بالكلية كما في قوله تعالى «إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها» الآية أو للكل فالمراد بايثارها ما هو أعم مما ذكر وما لا ~~يخلو عنه الانسان غالبا من ترجيح جانب الدنيا على الآخرة في السعي وترتيب ~~المبادئ والالتفات على الأول لتشديد التوبيخ وعلى الثاني كذلك في حق الكفرة ~~وتشديد العتاب في حق المسلمين وقرئ يؤثرون بالياء وقوله تعالى والآخرة ~~PageV09P146 # خير وأبقى حال من فاعل تؤثرون مؤكدة للتوبيخ والعتاب أي تؤثرونها على ~~الآخرة والحال أن الآخرة خير في نفسها لما أن نعيمها مع كونه في غاية ما ~~يكون من اللذة خالص عن شائبة الغائلة ابدى لا انصرام له وعدم التعرض لبيان ~~تكدر نعيم الدنيا بالمنغصات وانقطاعه عما قليل لغاية ظهوره ان هذا إشارة ~~إلى ما ذكر من قوله ms3369 تعالى «قد أفلح من تزكى» وقيل إلى ما في السورة جميعا ~~لفي الصحف الأولى أي ثابت فيها معناه صحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف ~~الأولى وفي ابهامها ووصفها بالقدم ثم بيانها وتفسيرها من تفخيم شأنها مالا ~~يخفى روي أن جميع ما أنزل الله عز وجل من كتاب مائة وأربعة كتب أنزل على ~~آدم عليه السلام عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة ~~وعلى إبراهيم عشر صحائف عليهم السلام والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله تعالى عشر ~~حسنات بعدد كل حرف أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم السلام ~~PageV09P147 # سورة الغاشية مكية و آيها ست وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم هل أتاك حديث ~~الغاشية قيل هل بمعنى قد كما في قوله تعالى «هل أتى على الإنسان» الآية قال ~~قطرب أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية وليس بذاك بل هو استفهام أريد به ~~التعجيب مما في حيزه والتشويق إلى استماعه والاشعار بأنه من الأحاديث ~~البديعة التي حقها أن يتناقلها الرواة ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر ~~وباد والغاشية الداهية الشديدة التي تغشى الناس بشدائدها وتكتنفهم بأهوالها ~~وهي القيامة من قوله تعالى «يوم يغشاهم العذاب» الخ وقيل هي النار من قوله ~~تعالى «وتغشى وجوههم النار» وقوله تعالى « ومن فوقهم غواش» والأول هو الحق ~~فان ما سيروى من حديثها ليس مختصا بالنار وأهلها بل ناطق بأحوال أهل الجنة ~~أيضا وقوله تعالى وجوه يومئذ خاشعة إلى قوله تعالى مبثوثة استئناف وقع ~~جوابا عن سؤال نشأ من الاستفهام التشويقي كأنه قيل من جهته عليه الصلاة ~~والسلام ما أتاني حديثها فما هو فقيل وجوه يومئذ أي يوم إذ غشيت ذليلة قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن أتاه عليه الصلاة والسلام حديثها فأخبره ~~عليه الصلاة والسلام عنها فقال وجوه الخ فوجوه مبتدأ ولا بأس بتنكيرها ~~لأنها في موقع التنويع وخاشعة خبره وقوله تعالى عاملة ناصبة خبران آخران ~~لوجوه إذ المراد ms3370 بها أصحابها أي تعمل أعمالا شاقة تتعب فيها وهي جر السلاسل ~~والأغلال والخوض في النار خوض الإبل في الوحل والصعود والهبوط في تلال ~~النار ووهادها وقيل عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها فهي يومئذ في ~~نصب منها وقيل عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة وقوله تعالى ~~تصلى أي تدخل نارا حامية أي متناهية في الحر خبر آخر لوجوه وقيل هو الخبر ~~وما قبله صفات لوجوه وقد مر غير مرة أن الصفة حقها أن تكون معلومة ~~PageV09P148 # الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعلها صفة له ولا ريب في أن صلى ~~النار وما قبله من الخشوع والعمل والنصب أمور متساوية في الانتساب إلى ~~الوجوه معرفة وجهالة فجعل بعضها عنوانا للموضوع قيدا مفروغا عنه غير مقصود ~~الإفادة وبعضها مناطا للإفادة تحكم بحت ويجوز أن يكون هذا وما بعده من ~~الجملتين استئنافا مبينا لتفاصيل أحوالها تسقى من عين آنية أي متناهية في ~~الحر كما في قوله تعالى «وبين حميم آن» ليس لهم طعام الا من ضريع بيان ~~لطعامهم اثر بيان شرابهم والضريع ييس الشبرق وهو شوك ترعاه الإبل ما دام ~~رطبا وإذا يبس تحامته وهو سم قاتل وقيل هي شجرة نارية تشبه الضريع وقال ابن ~~كيسان هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله تعالى طلبا للخلاص منه ~~فسمي بذلك وهذا طعام لبعض أهل النار والزقوم والغسلين لآخرين لا يسمن ولا ~~يغني من جوع اي ليس من شأنه الاسمان والاشباع كما هو شأن طعام الدنيا وانما ~~هو شيء يضطرون إلى أكله من غير أن يكون له دفع لضرورتهم لكن لا على أن لهم ~~استعدادا للشبع والسمن الا أنه لا يفيدهم شيئا منهما بل على أنه لا استعداد ~~من جهتهم ولا إفادة من جهة طعامهم وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ~~ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للانسان عند استدعاء ~~الطبيعة لبدل ما يتحلل من البدن مشوقة له إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ ~~بهما عند ms3371 الأكل والشرب ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ~~ويستفيد منهما قوة وسمنا عند انهضامهما بل جوعهم عبارة عن اضطرام النار في ~~أحشائهم إلى ادخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب واما أن يكون ~~لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير أو ~~استفادة قوة فهيهات وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه ~~في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو ~~استفادة قوة به في الجملة وهو المعنى بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع ~~بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب ~~الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم وتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من جوع ~~ما وتأخير نفي الاغناء منه لمراعاة الفواصل والتوسل به إلى التصريح بنفي ~~كلا الأمرين إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفي الاسمان ضرورة استلزام نفي ~~الاغناء عن الجوع إياه بخلاف العكس ولذلك كرر لا لتأكيد النفي وقوله تعالى ~~وجوه يومئذ ناعمة شروع في رواية حديث أهل الجنة وتقديم حكاية حال أهل النار ~~لأنه أدخل PageV09P149 # في تهويل الغاشية وتفخيم حديثها ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة بعد حكاية ~~سوء حال أهل النار مما يزيد المحكي حسنا وبهجة والكلام في اعراب الجملة ~~كالذي مر في نظيرتها وانما لم تعطف عليها ايذانا بكمال تباين مضمونيهما ~~ومعنى ناعمة ذات بهجة وحسن كقوله تعالى «تعرف في وجوههم نضرة النعيم» أو ~~متنعمة لسعيها راضية أي لعملها الذي عملته في الدنيا حيث شاهدت ثمرته في ~~جنة عالية مرتفعة المحل أو علية المقدار لا تسمع أي أنت أو الوجوه فيها ~~لاغية لغوا أو كلمة ذات لغو أو نفسا تلغو فان كلام أهل الجنة كله أذكار ~~وحكم وقرئ لا تسمع على البناء للمفعول بالياء والتاء ورفع لاغية فيها عين ~~جارية أي عيون كثيرة تجري مياهها كقوله تعالى علمت نفس فيها سرر مرفوعة ~~رفيعة السمك أو المقدار وأكواب جمع كوب ms3372 وهو اناء لا عروة له موضوعة أي بين ~~أيديهم ونمارق وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم مصفوفة بعضها إلى بعض وزرابي ~~أي بسط فاخرة جمع زربية مبثوثة أي مبسوطة أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~استئناف مسوق لتقرير ما فصل من حديث الغاشية وما هو مبني عليه من البعث ~~الذي هم فيه مختلفون بالاستشهاد عليه بما لا يستطيعون انكاره والهمزة ~~للانكار والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وكلمة كيف منصوبة ~~بما يعدها كما في قوله تعالى كيف تكفرون بالله معلقة لفعل النظر والجملة في ~~حيز الجر على أنها بدل اشتمال من الإبل أي أينكرون ما ذكر من البعث وأحكامه ~~ويستبعدون وقوعه من قدرة الله عز وجل فلا ينظرون إلى الإبل التي هي نصب ~~أعينهم يستعملونها كل حين إلى أنها كيف PageV09P150 # خلقت خلقا بديعا معدولا به عن سنن خلقة سائر أنواع الحيوانات في عظم ~~جثتها وشدة قوتها وعجيب هيأتها اللائقة بتأتي ما يصدر عنها من الأفاعيل ~~الشاقة كالنوء بالأوقار الثقيلة وجر الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة ~~وفي صبرها على الجو والعطش حتى ان أظماءها لتبلغ العشر فصاعدا واكتفائها ~~باليسير ورعيها لكل ما يتيسر من شوك وشجر وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر ~~البهائم وفي انقيادها مع ذلك للانسان في الحركة والسكون والبروك والنهوض ~~حيث يستعملها في ذلك كيفما يشاء ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير والى ~~السماء التي يشاهدونها كل لحظة بالليل والنهار كيف رفعت رفعا سحيق المدى ~~بلا عماد ولا مساك بحيث لا يناله الفهم والادراك والى الجبال التي ينزلون ~~في أقطارها وينتفعون بمياهها وأشجارها كيف نصبت نصبا رصينا فهي راسخة لا ~~تميل ولا تميد والى الأرض التي يضربون فيها ويتقلبون عليها كيف سطحت سطحا ~~بتوطئة وتمهيد وتسوية وتوطيد حسبما يقتضيه صلاح أمور ما عليها من الخلائق ~~وقرئ سطحت مشددا وقرئت الأفعال الأربعة على بناء الفاعل للمتكلم وحذف ~~الراجع المنصوب والمعنى أفلا ينظرون نظر التدبر والاعتبار إلى كيفية خلق ~~هذه المخلوقات الشاهدة بحقية البعث والنشور ليرجعوا عما هم عليه من ms3373 الانكار ~~والنفور ويسمعوا انذارك ويستعدوا للقائه بالايمان والطاعة والفاء في قوله ~~تعالى فذكر لترتيب الأمر بالتذكير على ما ينبئ عنه الانكار السابق من عدم ~~النظر أي فاقتصر على التذكير ولا تلح عليهم ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا ~~يتذكرون وقوله تعالى انما أنت مذكر تعليل للأمر وقوله تعالى لست عليهم ~~بمصيطر تقرير له وتحقيق لمعنى الانذار أي لست بمتسلط عليهم تجبرهم على ما ~~تريد كقوله تعالى وما أنت عليهم بجبار وقرئ بالسين على الأصل وبالإشمام ~~وقرئ بفتح الطاء قيل هي لغة بني تمتم فان سيطر عندهم متعد ومنه قولهم تسيطر ~~وقوله تعالى الا من تولى وكفر استثناء منقطع أي لكن من تولى منهم فان لله ~~تعالى الولاية والقهر PageV09P151 # فيعذبه الله العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم وقيل استثناء متصل من قوله ~~تعالى فذكر أي فذكر الا من انقطع طمعك من ايمانه وتولى فاستحق العذاب ~~الأكبر وما بينهما اعتراض ويعضد الأول أنه قرىء الا على التنبيه وقوله ~~تعالى ان الينا إيابهم تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر أي ان الينا ~~رجوعهم بالموت والبعث لا إلى أحد سوانا لا استقلالا ولا اشتراكا وجمع ~~الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى من كما أن افراده فيما سبق باعتبار ~~لفظها وقرئ إيابهم على أنه فيعال مصدر فيعل من الأياب أو فعال من أوب كفسار ~~من فسر ثم قيل إيوابا كديوان في دوان ثم قلبت الواو ياء فأدغمت الياء ~~الأولى في الثانية ثم ان علينا حسابهم في المحشر لا على غيرنا وثم للتراخي ~~في الرتبة لا في الزمان فان الترتب الزماني بين إيابهم وحسابهم لا بين كون ~~إيابهم اليه تعالى وحسابهم عليه تعالى فإنهما أمران مستمران وفي تصدير ~~الجملتين بأن وتقديم خبرها وعطف الثانية على الأولى بكلمة ثم المفيدة لبعد ~~منزلة الحساب في الشدة من الانباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب مالا ~~يخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الغاشية يحاسبه الله تعالى ~~حسابا يسيرا PageV09P152 # سورة الفجر مكية و آيها ثلاثون بسم الله ms3374 الرحمن الرحيم والفجر أقسم ~~سبحانه بالفجر كما أقسم بالصبح حيث قال والصبح إذا تنفس وقيل المراد به ~~صلاته وليال عشر هن عشر ذي الحجة ولذلك فسر الفجر بفجر عرفة أو النحر أو ~~العشر الأواخر من رمضان وتنكيرها للتفخيم وقرئ وليال عشر بالإضافة على أن ~~المراد بالعشر الأيام والشفع والوتر أي الأشياء كلها شفعها ووترها أو شفع ~~هذه الليالي ووترها وقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فسرهما بيوم ~~النحر ويوم عرفة ولقد كثرت فيهما الأقوال والله تعالى اعلم بحقيقة الحال ~~وقرئ بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر وقيل الوتر بالفتح في العدد ~~وبالكسر في الذحل وقرئ والوتر بفتح الواو وكسر التاء والليل إذا يسر أي ~~يمضي كقوله تعالى «والليل إذ أدبر» «والليل إذا عسعس» والتقييد لما فيه من ~~وضوح الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة أو يسري فيه من قولهم صلى ~~المقام أي صلى فيه وحذف الياء اكتفاء بالكسر وقرئ باثباتها على الاطلاق ~~وبحذفها في الوقف خاصة وقرئ يسر بالتنوين كما قرىء والفجر والوتر وهو ~~التنوين الذي يقع بدلا من حرف الاطلاق هل في ذلك قسم الخ تحقيق وتقرير ~~لفخامة شأن المقسم بها وكونها أمورا جليلة حقيقة بالإعظام والاجلال عند ~~أرباب العقول وتنبيه على أن الاقسام بها أمر معتد به خليق بأن يؤكد به ~~الاخبار على طريقة قوله تعالى وانه لقسم لو تعلمون عظيم وذلك إشارة اما إلى ~~الأمور المقسم PageV09P153 # بها والتذكير بتأويل ما ذكر كما مر تحقيقه أو إلى الاقسام بها وأيا ما ~~كان فما فيه من معنى البعد للايذان بعلو رتبة المشار اليه وبعد منزلته في ~~الشرف والفضل أي هل فيما ذكر من الأشياء قسم أي مقسم به لذي حجر يراه حقيقا ~~بأن يقسم به اجلالا وتعظيما والمراد تحقيق أن الكل كذلك وانما أوثرت هذه ~~الطريقة هضما للخلق وإيذانا بظهور الأمر أو هل في إقسامي بتلك الأشياء ~~اقسام لذي حجر مقبول عنده يعتد به ويفعل مثله ويؤكد به المقسم عليه والحجر ~~العقل لأنه يحجر صاحبه أي يمنعه من ms3375 التهافت فيما لا ينبغي كما سمي عقلا ~~ونهية لأنه يعقل وينهي وحصاة أيضا من الاحصاء وهو الضبط قال الفراء يقال ~~انه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن ~~كما ينبئ عنه قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد الخ فإنه استشهاد بعلمه ~~عليه الصلاة والسلام بما يدل عليه من تعذيب عاد واضرابهم المشاركين لقومه ~~عليه الصلاة والسلام في الطغيان والفساد على طريقة قوله تعالى «ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه» الآية وقوله تعالى «ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون» كأنه قيل ألم تعلم علما يقينيا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم فيعذب ~~هؤلاء أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي والمراد بعاد أولاد عاد ~~بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود عليه السلام سموا باسم ~~أبيهم كما سمي بنو هاشم هاشما وقد قيل لأوائلهم عاد الأولى ولأواخرهم عاد ~~الآخرة قال عماد الدين بن كثير كل ما ورد في القرآن خبر عاد الأولى الا ما ~~في سورة الأحقاف وقوله تعالى ارم عطف بيان لعاد للايذان بأنهم عاد الأولى ~~بتقدير مضاف أي سبط ارم أو أهل ارم على ما قبل من أن ارم اسم بلدتهم أو ~~ارضهم التي كانوا فيها ويؤيده القراءة بالإضافة وأيا ما كان فامتناع صرفها ~~للتعريف والتأنيث وقرئ ارم باسكان الراء تخفيفا كما قرىء بورقكم ذات العماد ~~صفة لإرم أي ذات القدود الطوال على تشبيه قاماتهم بالأعمدة ومنه قولهم رجل ~~عمد و عمدان إذا كان طويلا أو ذات الخيام والأعمدة حيث كانوا بدويين أهل ~~عمد أو ذات البناء الرفيع أو ذات الأساطين على أن ارم اسم بلدتهم وقرئ ارم ~~ذات العماد بإضافة ارم إلى ذات العماد والإرم العلم أي بعاد أهل اعلام ذات ~~العماد على أنها اسم بلدتهم وقرئ ارم ذات العماد أي جعلها الله تعالى رميما ~~بدل من فعل ربك وقيل هي جملة دعائية اعترضت بين الموصوف والصفة وروي أنه ~~كان لعاد ابنان شديد ms3376 وشداد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك ~~الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال ابني مثلها فبنى ارم في بعض ~~صحارى عدن في ثلاثمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة ~~وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما ~~تم بناؤها سار إليها أهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث ~~الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا و عن عبد الله بن قلابة ~~PageV09P154 # أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثمة وبلغ خبره ~~معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال هي ارم ذات العماد وسيد ~~خلها رجل من المسلمين في زمانك احمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال ~~يخرج في طلب إبل له ثم التفت إلى ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل التي ~~لم يخلق مثلها في البلاد صفة أخرى لإرم أي لم يخلق مثلهم في عظم الاجرام ~~والقوة حيث كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يأتي الصخرة العظيمة ~~فيحملها ويلقيها على الحي فيهلكهم أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد ~~الدنيا وقرئ لم يخلق على اسناده إلى الله تعالى وثمود عطف على عاد وهي ~~قبيلة مشهورة سميت باسم جدهم ثمود أخي جديس وهما ابنا عامر بن ارم بن سام ~~بن نوح عليه السلام وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر بين الحجاز وتبوك ~~وكانوا يعبدون الأصنام كعاد الذين جابوا الصخر بالواد أي قطعوا صخر الجبال ~~فاتخذوا فيها بيوتا نحتوها من الصخر كقوله تعالى «وتنحتون من الجبال بيوتا» ~~قيل هم أول من نحت الجبال والصخور والرخام وقد بنوا ألفا وسبعمائة مدينة ~~كلها من الحجارة وفرعون ذي الأوتاد وصف بذلك لكثرة جنوده وخيامهم التي ~~يضربونها في منازلهم أو لتعذيبه بالأوتاد الذين طغوا في البلاد اما مجرور ~~على أنه صفة للمذكورين أو منصوب أو مرفوع على الذم اي طغى كل طائفة منهم في ~~بلادهم وكذا الكلام في قوله تعالى ms3377 فأكثروا فيها الفساد اي بالكفر وسائر ~~المعاصي فصب عليهم ربك اي انزل انزالا شديدا على كل طائفة من أولئك الطوائف ~~عقيب ما فعلته من الطغيان والفساد سوط عذاب اي عذاب شديد لا يدرك غايته وهو ~~عبارة عما حل بكل منهم من فنون العذاب التي شرحت في سائر السور الكريمة ~~وتسميته سوطا للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة إلى ما أعد لهم في الآخرة بمنزلة ~~السوط عند السيف والتعبير عن انزاله بالصب للايذان بكثرته واستمراره ~~وتتابعه فإنه عبارة عن إراقة شيء مائع أو جار مجراه في السيلان كالرمل ~~والحبوب وافراغه بشدة وكثرة واستمرار ونسبته إلى السوط مع أنه ليس من ذلك ~~القبيل باعتبار تشبيهه في نزوله المتتابع المتدارك على المضروب بقطرات ~~الشيء المصبوب وقيل السوط PageV09P155 # خلط الشيء بعضه ببعض فالمعنى ما خلط لهم من أنواع العذاب وقد فسر بالنصيب ~~وبالشدة أيضا لأن السوط يطلق على كل منهما لغة فلا حاجة حينئذ في تشبيهه ~~بالمصبوب إلى اعتبار تكرر تعلقه بالمعذب كما في المعنى الأول فان كل واحد ~~من هذه المعاني مما يقبل الاستمرار في نفسه وقوله تعالى ان ربك لبالمرصاد ~~تعليل لما قبله وايذان بأن كفار قومه عليه الصلاة والسلام سيصيبهم مثل ما ~~أصاب المذكورين من العذاب كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة ~~إلى ضميره عليه الصلاة والسلام وقيل هو جواب القسم وما بينهما اعتراض ~~والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده كالميقات من وقته وهذا ~~تمثيل لإرصاده تعالى بالعصاة وأنهم لا يفوتونه وقوله تعالى فأما الانسان ~~الخ متصل بما قبله كأنه قيل أنه تعالى بصدد مراقبة أحوال عباده ومجازاتهم ~~بأعمالهم خيرا وشرا فأما الانسان فلا يهمه ذلك وانما مطمح انظاره ومرصد ~~أفكاره الدنيا ولذائذها إذا ما ابتلاه ربه أي عامله معاملة من يبتليه ~~بالغنى واليسار والفاء في قوله تعالى فأكرمه ونعمه تفسيرية فان الاكرام ~~والتنعيم من الابتلاء فيقول ربي أكرمن أي فضلني بما أعطاني من المال والجاه ~~حسبما كنت استحقه ولا يخطر بباله أنه فضل تفضل به عليه ms3378 ليبلوه أيشكر أم ~~يكفر وهو خبر للمبتدأ الذي هو الانسان والفاء لما في أما من معنى الشرط ~~والظرف المتوسط على نية التأخير كأنه قيل فأما الانسان فيقول ربي أكرمن وقت ~~ابتلائه بالانعام وانما تقديمه للايذان من أول الأمر بأن الاكرام والتنعيم ~~بطريق الابتلاء ليتضح اختلال قوله المحكي وأما إذا ما ابتلاه أي وأما هو ~~إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم ~~البالغة فيقول ربي أهانن ولا يخطر بباله أن ذلك ليبلوه أيصبر أم يجزع مع ~~أنه ليس من الإهانة في شيء بل التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين والتوسعة ~~قد تفضي إلى خسرانهما وقرئ فقدر بالتشديد وقرئ أكرمني وأهانني باثبات الياء ~~و أكرمن و أهانن بسكون النون في الوقف كلا ردع للانسان عن مقالته المحكية ~~وتكذيب له فيها في كلتا الحالتين قال ابن عباس رضي الله عنهما المعنى لم ~~أبتله بالغنى (سقط 156) على ولم أبتله بالفقر لهوانه على بل ذلك لمحض ~~القضاء والقدر وحمل الردع والتكذيب إلى قوله الأخير بعيد وقوله تعالى بل لا ~~تكرمون اليتيم انتقال من بيان سوء أقواله إلى بيان سوء أفعاله والالتفات ~~إلى الخطاب للايذان باقتضاء ملاحظة جنايته السابقة لمشافهته بالتوبيخ ~~تشديدا للتقريع وتأكيدا للتشنيع والجمع باعتبار PageV09P156 # معنى الانسان إذ المراد هو الجنس أي بل لكم أحوال أشد شرا مما ذكر وأدل ~~على تهالككم على المال حيث يكرمكم الله تعالى بكثرة المال فلا تؤدون ما ~~يلزمكم فيه من اكرام اليتيم بالمبرة به وقرئ لا يكرمون ولا تحاضون بحذف ~~احدى التاءين من تتحاضون أي لا يحض بعضكم بعضا على طعام المسكين أي على ~~اطعامه وقرئ تحاضون من المحاضة وقرئ يحضون بالياء والتاء وتأكلون التراث أي ~~الميراث وأصله وارث أكلا لما أي ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم ~~كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم أو يأكلون ما جمعه ~~المورث من حلال وحرام عالمين بذلك وتحبون المال حبا جما كثيرا مع حرص وشره ~~وقرئ يحبون بالياء كلا ردع لهم عن ms3379 ذلك وقوله تعالى إذا دكت الأرض دكا دكا ~~الخ استئناف جيء به بطريق الوعيد تعليلا للردع اي إذا دكت الأرض دكا ~~متتابعا حتى انكسر وذهب كل ما على وجهها من جبال وأبنية وقصور حين زلزلت ~~وصارت هباء منبثا وقيل الدك حط المرتفع بالبسط والتسوية فالمعنى إذا سويت ~~تسوية بعد تسوية ولم يبق على وجهها شيء حتى صارت كالصخرة الملساء وأيا ما ~~كان فهو عبارة عما عرض لها عند النفخة الثانية وجاء ربك أي ظهرت آيات قدرته ~~وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من أحكام هيبته وسياسته وقيل ~~جاء أمره تعالى وقضاؤه على حذف المضاف للتهويل والملك صفا صفا أي مصطفين أو ~~ذوي صفوف فإنه ينزل يومئذ ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف بحسب منازلهم ~~ومراتبهم محدقين بالجن والانس وجئ يومئذ بجهنم كقوله تعالى وبرزت الجحيم ~~قال ابن مسعود ومقاتل تقاد جهنم بسبعين الف زمام كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش لها تغيظ وزفير وقد رواه مسلم في صحيحه عن ~~ابن مسعود مرفوعا يومئذ بدل من إذا دكت والعامل فيهما قوله تعالى يتذكر ~~الانسان أي يتذكر ما فرط فيه بتفاصيله بمشاهدة آثاره وأحكامه أو بمعاينة ~~عينه على أن الأعمال تتجسم في النشأة الآخرة فيبرز كل من الحسنات والسيئات ~~بما يناسبها من الصور الحسنة PageV09P157 # والقبيحة أو يتعظ وقوله تعالى وأنى له الذكرى اعتراض جيء به لتحقيق أنه ~~ليس يتذكر حقيقة لعرائه عن الجدوى بعدم وقوعه في أوانه وأنى خبر مقدم ~~والذكرى مبتدأ وله متعلق بما تعلق به الخبر أي ومن أين يكون له الذكرى وقد ~~فات أوانها وقيل هناك مضاف محذوف أي وأنى له منفعة الذكرى والاستدلال به ~~على عدم وجوب قبول التوبة في دار التكليف مما لا وجه له على أن تذكره ليس ~~من التوبة في شيء فإنه عالم بأنها انما تكون في الدنيا كما يعرب عنه قوله ~~تعالى يقول يا ليتني قدمت لحياتي وهو بدل اشتمال من يتذكر أو استئناف وقع ms3380 ~~جوابا عن سؤال نشأ منه كأنه قيل ماذا يقول عند تذكره فقيل يقول يا ليتني ~~عملت لأجل حياتي هذه أو وقت حياتي في الدنيا أعمالا صالحة أنتفع بها اليوم ~~وليس في هذا التمني شائبة دلالة على استقلال العبد بفعله وانما الذي يدل ~~عليه ذلك اعتقاد كونه متمكنا من تقديم الأعمال الصالحة وأما أن ذلك بمحض ~~قدرته أو بخلق الله تعالى عند صرف قدرته الكاسبة اليه فكلا وأما ما قيل من ~~أن المحجور قد يتمنى ان كان ممكنا منه فربما يوهم أن من صرف قدرته إلى أحد ~~طرفي الفعل يعتقد أنه محجور من الطرف الاخر وليس كذلك بل كل أحد جازم بأنه ~~لو صرف قدرته إلى أي طرف كان من أفعاله الاختيارية لحصل وعلى هذا يدور فلك ~~التكليف والزام الحجة فيومئذ أي يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال لا ~~يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد الهاء لله تعالى أي لا يتولى عذاب الله ~~تعالى ووثاقة أحد سواه إذ الأمر كله له أو الانسان أي لا يعذب أحد من ~~الزبانية مثل ما يعذبونه وقرئ الفعلان على البناء للمفعول والضمير للانسان ~~أيضا وقيل المراد به أبي بن خلف أي لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق ~~بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في الكفر والعناد وقيل لا يحمل عذاب ~~الانسان أحد كقوله تعالى «ولا تزر وازرة وزر أخرى» وقوله تعالى يا أيتها ~~النفس المطمئنة حكاية لأحوال من اطمأن بذكر الله عز وجل وطاعته اثر حكاية ~~أحوال من اطمأن بالدنيا وصفت بالاطمئنان لأنها تترقى في معارج الأسباب ~~والمسببات إلى المبدأ المؤثر بالذات فتستقر دون معرفته وتستغني به في ~~وجودها وسائر شؤونها عن غيره بالكلية وقيل هي النفس المطمئنة إلى الحق ~~الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالجها شك ما وقيل هي الآمنة التي لا ~~يستفزها خوف ولا حزن ويؤيده أنه قرىء يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة أي ~~يقول PageV09P158 # الله تعالى ذلك بالذات كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان الملك عند ms3381 ~~تمام حساب الناس وهو الأظهر وقيل عند البعث وقيل عند الموت ارجعي إلى ربك ~~أي إلى موعده أو إلى امره راضية بما أوتيت من النعيم المقيم مرضية عند الله ~~عز وجل فادخلي في عبادي في زمرة عبادي الصالحين المختصين بي وادخلي جنتي ~~معهم أو انتظمي في سلك المقربين واستضيئي بأنوارهم فان الجواهر القدسية ~~كالمرايا المتقابلة وقيل المراد بالنفس الروح والمعنى فادخلي أجساد عبادي ~~التي فارقت عنها وادخلي دار ثوابي وهذا يؤيد كون الخطاب عند البعث وقرئ ~~فادخلي في عبدي وقرئ في جسد عبدي وقيل نزلت في حزة بن عبد المطلب وقيل في ~~حبيب بن عدي رضي الله عنهما والظاهر العموم عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له ~~نورا يوم القيامة PageV09P159 # سورة البلد مكية و آيها عشرون بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بهذا البلد ~~أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما عطف عليه على أن الانسان خلق ممنوا بمقاساة ~~الشدائد ومعاناة المشاق واعترض بين القسم وجوابه بقوله تعالى وأنت حل بهذا ~~البلد اما لتشريفه عليه الصلاة والسلام بجعل حلوله به مناطا لإعظامه ~~بالإقسام به أو للتنبيه من أول الأمر على تحقق مضمون الجواب بذكر بعض مواد ~~المكابدة على نهج براعة الاستهلال وبيان أنه عليه الصلاة والسلام مع جلالة ~~قدره وعظم حرمته قد استحلوه في هذا البلد الحرام وتعرضوا له بما لا خير فيه ~~وهموا بما لم ينالوا عن شرحبيل يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة ~~ويستحلون إخراجك وقتلك أو لتسليته عليه الصلاة والسلام بالوعد بفتحه على ~~معنى وأنت حل به في المستقبل كما في قوله تعالى «إنك ميت وإنهم ميتون» تصنع ~~فيه ما تريد من القتل والأسر وقد كان كذلك حيث أحل له عليه الصلاة والسلام ~~مكة وفتحها عليه وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل عليه الصلاة ~~والسلام فيها ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ~~ومقيس ms3382 بن ضبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان ثم قال ان الله حرم مكة يوم خلق ~~السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ولن تحل ~~لأحد بعدي ولم تحل لي الا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها ولا ~~ينفر صيدها ولا تحل لقطتها الا لمنشد فقال العباس يا رسول الله الا الإذخر ~~فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا فقال عليه الصلاة والسلام إلا الإذخر ووالد ~~عطف على هذا البلد والمراد به إبراهيم وبقوله تعالى وما ولد إسماعيل والنبي ~~صلوات الله عليهم أجمعين حسبما ينبئ عنه المعطوف عليه فإنه حرم إبراهيم ~~ومنشأ إسماعيل ومسقط رأس رسول الله عليهم الصلاة والسلام والتعبير عنهما ~~بما دون من للتفخيم والتعظيم كتنكير والد وإيرادهم بعنوان الولاد ترشيح ~~لمضمون الجواب ايماء إلى أنه متحقق في حالتي الوالدية والولدية PageV09P160 # وقيل آدم عليه السلام ونسله وهو أنسب لمضمون الجواب من حيث شموله للكل ~~الا أن التفخيم المستفاد من كلمة ما لا بد فيه من اعتبار التغليب وقيل وكل ~~والد وولده لقد خلقنا الانسان في كبد أي تعب ومشقة فإنه لا يزال يقاسي فنون ~~الشدائد من وقت نفخ الروح إلى نزعها وما وراءه يقال كبد الرجل كبدا إذا ~~وجعت كبده وأصله كبده إذا أصاب كبده ثم اتسع فيه حتى استمع في كل نصب ومشقة ~~ومنه اشتقت المكابدة كما قيل كبته بمعنى أهلكه وهو تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مما كان يكابده من كفار قريش والضمير في قوله تعالى أيحسب ~~لبعضهم الذي كان عليه الصلاة والسلام يكابد منهم ما يكابد كالوليد بن ~~المغيرة وأضرابه وقيل هو أبو الأشد بن كلدة الجمحي وكان شديد القوة مغترا ~~بقوته وكان يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول من أزالني عنه فله كذا ~~فيجذبه عشرة فيتقطع قطعا ولا تزل قدماه اي أيظن هذا القوي المارد المتضعف ~~للمؤمنين أن لن يقدر عليه أحد ان مخففة من أن واسمها الذي هو ضمير الشأن ~~محذوف اي أيحسب أنه لن يقدر ms3383 على الانتقام منه أحد يقول أهلكت مالا لبدا ~~يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم ويدعونها معالي ~~ومفاخر أيحسب أن لم يره أحد حين كان ينفق وأنه تعالى لا يسأله عنه ولا ~~يجازيه عليه ألم نجعل له عينين يبصر بهما ولسانا يترجم به عن ضمائره وشفتين ~~يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها وهديناه ~~النجدين أي طريقي الخير والشر أو الثديين وأصل النجد المكان المرتفع فلا ~~اقتحم العقبة أي فلم يشكر تلك النعم الجليلة بالأعمال الصالحة وعبر عنها ~~PageV09P161 # بالعقبة التي هي الطريق في الجبل لصعوبة سلوكها وقوله تعالى وما أدراك ما ~~العقبة أي أي شيء أعلمك ما اقتحام العقبة لزيادة تقريرها وكونها عند الله ~~تعالى بمكانة رفيعة فك رقبة أي هو اعتاق رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة أي ~~مجاعة يتيما ذا مقربة أي قرابة أو سكينا ذا متربة أي افتقار وحيث كان ~~المراد باقتحام العقبة هذه الأمور حسن دخول لا على الماضي فإنها لا تكاد ~~تقع الا مكررة إذ المعنى فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما أو مسكينا والمسغبة ~~والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب من النسب وترب إذا افتقر ~~وقرئ فك رقبة أو أطعم على الابدال من اقتحم ثم كان من الذين آمنوا عطف على ~~المنفي بلا وثم للدلالة على تراخي رتبة الايمان ورفعة محله لاشتراط جميع ~~الأعمال الصالحة به وتواصوا بالصبر عطف على آمنوا أي أوصي بعضهم بعضا ~~بالصبر على طاعة الله وتواصوا بالمرحمة بالرحمة على عباده أو بموجبات رحمته ~~من الخيرات أولئك إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز صلته وما ~~فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار اليه للايذان ببعد درجتهم في الشرف ~~والفضل أي أولئك الموصوفون بالنعوت الجليلة المذكورة أصحاب الميمنة اي ~~اليمين أو اليمن والذين كفروا بآياتنا بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب ~~وحجة أو بالقرآن هم أصحاب المشأمة أي الشمال أو الشؤم عليهم نار مؤصدة ~~مطبقة من آصدت الباب إذا ms3384 PageV09P162 # أطبقته وأغلقته وقرئ موصدة بغير همزة من أوصدته عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة البلد أعطاه الله تعالى الأمان من غضبه يوم القيامة سورة ~~الشمس مكية و آيها خمس عشرة بسم الله الرحمن الرحيم والشمس وضحاها أي ضوئها ~~إذا أشرقت وقام سلطانها وقيل الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك والضحاء ~~بالفتح والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف والقمر إذا تلاها بأن طلع بعد ~~غروبها وقيل إذا تلا طلوعه طلوعها وقيل إذا تلاها في الاستدارة وكمال النور ~~والنهار إذا جلاها أي جلى الشمس فإنها تتجلى عند انبساط النهار فكأنه جلاها ~~مع أنها التي تبسطه أو جلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض وان لم يجر لها ذكر ~~للعلم بها والليل إذا يغشاها اي الشمس فيغطي ضوؤها أو الآفاق أو الأرض وحيث ~~كانت الواوات العاطفة نوائب للواو الأولى القسمية القائمة مقام الفعل ~~والباء سادة مسدهما معا في قولك اقسم بالله حققن أن يعملن عمل الفعل والجار ~~جميعا كما تقول ضرب زيد عمرا وبكر وخالدا والسماء وما بناها أي ومن بناها ~~وايثار ما على من لإرادة الوصفية تفخيما كأنه قيل والقادر العظيم الشأن ~~الذي بناها وجعلها مصدرية مخل بالنظم الكريم وكذا الكلام في قوله تعالى ~~والأرض وما طحاها أي بسطها من كل جانب كدحاها PageV09P163 # ونفس وما سواها أي أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالاتها والتنكير للتفخيم على ~~أن المراد نفس آدم عليه السلام أو للتكثير وهو الأنسب للجواب فألهمها ~~فجورها وتقواها أي أفهمها إياهما وعرفها حالهما من الحسن والقبح وما يؤدي ~~اليه كل منهما ومكنها من اختيار أيهما شاءت وتقديم الفجور لمراعاة الفواصل ~~قد أفلح من زكاها اي فاز بكل مطلوب ونجا من كل مكروه من أنماها وأعلاها ~~بالتقوى وهو جواب القسم وحذف اللام لطول الكلام وتكرير قد في قوله تعالى ~~وقد خاب من دساها لابراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونه والايذان بتعلق القسم ~~به أيضا اصالة أي خسر من نقصها وأخفاها بالفجور وأصل دسى دسس كتقضى وتقضض ~~وقيل هو كلام تابع لقوله تعالى ms3385 «فألهمها فجورها وتقواها» بطريق الاستطراد ~~وانما الجواب ما حذف تعويلا على دلالة قوله تعالى كذبت ثمود بطغواها عليه ~~كأنه قيل ليدمدمن الله تعالى على كفار مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا عليه السلام وهو على الأول ~~استئناف وارد لتقرير مضمون قوله تعالى «وقد خاب من دساها» والطغوى بالفتح ~~الطغيان والباء للسببية أي فعلت التكذيب بسبب طغيانها كما تقول ظلمني ~~بجراءته على الله تعالى أو صلة للتكذيب اي كذبت بما أو عدت به من العذاب ذي ~~الطغوى كقوله تعالى «فأهلكوا بالطاغية» وقرئ بطغواها بضم الطاء وهو أيضا ~~مصدر كالرجعي إذ انبعث أشقاها منصوب بكذبت أو بالطغوى اي حين قام أشقى ثمود ~~وهو قدار بن سلف أو هو ومن تصدى معه لعقر الناقة من الأشقياء فان أفعل ~~التفصيل إذا أضيف يصلح للواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث وفضل شقاوتهم على ~~من عداهم لمباشرتهم العقر مع اشتراك الكل في الرضا به فقال لهم أي لثمود ~~رسول الله اي صالح عليه السلام عبر عنه بعنوان الرسالة ايذانا بوجوب طاعته ~~وبيانا لغاية عتوهم وتماديهم في الطغيان وهو السر في إضافة الناقة إلى الله ~~تعالى في قوله تعالى ناقة الله PageV09P164 # أي ذروا ناقة الله وسقياها ولا تذودوها عنها في نوبتها فكذبوه اي في ~~وعيده بقوله تعالى «ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم» وقد جوز ان يكون ~~ضمير لهم للأشقين ولا يلائمه ذكر سقياها فعقروها اي الأشقى والجمع على ~~تقدير وحدته لرضا الكل بفعله وقال قتادة بلغنا انه لم يعقرها حتى تابعه ~~صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وقال الفراء عقرها اثنان والعرب تقول هذان ~~أفضل الناس فدمدم عليهم ربهم فأطبق عليهم العذاب وهو من تكرير قولهم ناقة ~~مدمدمة إذا ألبسها الشحم بذنبهم بسبب ذنبهم المحكى والتصريح بذلك مع دلالة ~~الفاء عليه للانذار بعاقبة الذنب ليعتبر به كل مذنب فسواها أي الدمدمة ~~بينهم لم يفلت منهم أحد من صغير وكبير أو فسوى ثمود بالأرض أو سواها في ~~الهلاك ولا يخاف عقباها اي عاقبتها ms3386 وتبعتها كما يخاف سائر المعاقبين من ~~الملوك فيبقى بعض الابقاء وذلك انه تعالى لا يفعل فعلا الا بحق وكل من فعل ~~بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله وان كان من شأنه الخوف والواو للحال أو ~~للاستئناف وقرئ فلا يخاف وقرئ لم يخف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ سورة الشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر PageV09P165 # سورة الليل مكية و آيها احدى وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم والليل إذا ~~يغشى أي حين يغشى الشمس كقوله تعالى «والليل إذا يغشاها» أو النهار أو كل ~~ما يواريه بظلامه والنهار إذا تجلى ظهر بزوال ظلمة الليل أو تبين وتكشف ~~بطلوع الشمس وما خلق الذكر والأنثى اي والقادر العظيم القدرة الذي خلق صنفي ~~الذكر والأنثى من كل ماله توالد وقيل هما آدم وحواء وقرئ والذكر والأنثى ~~وقرئ والذي خلق الذكر والأنثى وقيل ما مصدرية ان سعيكم لشتى جواب القسم ~~وشتى جمع شتيت اي ان مساعيكم لأشتات مختلفة وقوله تعالى فأما من أعطى واتقى ~~وصدق بالحسنى الخ تفصيل لتلك المساعي المشتتة وتبيين لأحكامها أي فأما من ~~أعطى حقوق ماله واتقى محارم الله تعالى التي نهى عنها وصدق بالخصلة الحسنى ~~وهي الايمان أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد أو بالملة الحسنى وهي ملة ~~الاسلام أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة فسنيسره لليسرى فسنهيئه للخصلة التي ~~تؤدى إلى يسر وراحة كدخول الجنة ومباديه من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها ~~وألجمها وأما من بخل أي بماله فلم يبذله في سبيل الخير PageV09P166 # واستغنى أي زهد فيما عنده تعالى كأنه مستغن عنه فلم يتقه أو استغنى ~~بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة وكذب بالحسنى أي ما ذكر من المعاني المتلازمة ~~فسنيسره للعسرى أي للخصلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار ومقدماته ~~لاختياره لها ولعل تصدير القسمين بالاعطاء والبخل مع أن كلا منهما أدنى ~~رتبة مما بعدهما في استتباع التيسير لليسرى والتيسير للعسرى للايذان بأن ~~كلا منهما أصل فيما ذكر لا تتمة لما بعدهما من التصديق والتقوى والتكذيب ms3387 ~~والاستغناء وتفسير الأول باعطاء الطاعة والثاني بالبخل بما امر به مع كونه ~~خلاف الظاهر يأباه قوله تعالى وما يغني عنه أي ولا يغني أو أي شيء يغني عنه ~~ماله الذي يبخل به إذا تردى أي هلك تفعل من الردي الذي هو الهلاك أو تردى ~~في الحفرة إذا قبر أو تردى في قعر جهنم ان علينا للهدى استئناف مقرر لما ~~قبله اي ان علينا بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة حيث خلقنا الخلق ~~للعبادة ان نبين لهم طريق الهدى وما يؤدي اليه من طريق الضلال وما يؤدي ~~اليه وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه حيث بينا حال من سلك كلا الطريقين ~~ترغيبا وترهيبا ومن ههنا تبين أن الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى ~~البغية لا الدلالة الموصلة إليها قطعا وان لنا للآخرة والأولى أي التصرف ~~الكلي فيهما كيفما نشاء فنفعل فيهما ما نشاء من الأفعال التي من جملتها ما ~~وعدنا من التيسير لليسرى والتيسير للعسرى وقيل ان لنا كل ما في الدنيا ~~والآخرة فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا فأنذرتكم نارا تلظى بحذف احدى ~~التاءين من تتلظى اي تتلهب وقرئ على الأصل لا يصلاها صليا لازما الا الأشقى ~~الا الكافر فان الفاسق لا يصلاها صليا لازما وقد صرح به قوله تعالى الذي ~~كذب وتولى اي كذب بالحق وأعرض عن الطاعة PageV09P167 # وسيجنبها أي سيبعد عنها إلا تقى المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي فلا ~~يحوم حولها فضلا عن دخولها أو صليها الأبدي وأما من دونه ممن يتقي الكفر ~~دون المعاصي فلا يبعد عنها هذا التبعيد وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى ~~المذكور فلا يقدح في الحصر السابق الذي يؤتي ماله يعطيه ويصرفه في وجوه ~~البر والحسنات وقوله تعالى يتزكى اما بدل من يؤتي داخل في حكم الصلة لا محل ~~له أو في حيز النصب على أنه حال من ضمير يؤتى أي يطلب أن يكون عند الله ~~تعالى زاكيا ناميا لا يريدون به رياء ولا سمعة وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~استئناف مقرر ms3388 لكون إيتائه للتزكي خالصا لوجه الله تعالى أي ليس لأحد عنده ~~نعمة من شأنها ان تجزى وتكافأ فيقصد بايتاء ما يؤتى مجازاتها وقوله تعالى ~~الا ابتغاء وجه ربه الأعلى استثناء منقطع من نعمة وقرئ بالرفع على البدل من ~~محل نعمة فإنه الرفع اما على الفاعلية أو على الابتداء ومن مزيدة ويجوز ان ~~يكون مفعولا له لأن المعنى لا يؤتى ماله الا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة ~~نعمة والآيات نزلت في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين اشترى بلالا في ~~جماعة كان يؤذيهم المشركون فأعتقهم ولذلك قالوا المراد بالأشقى أو جهل أو ~~أمية بن خلف وقد روي عطاء والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عذب ~~المشركون بلالا وبلال يقول أحد أحد فمر به النبي عليه الصلاة والسلام فقال ~~أحد يعني الله تعالى ينجيك ثم قال لأبي بكر رضي الله عنه ان بلالا يعذب في ~~الله فعرف مراده عليه الصلاة والسلام فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ~~ومضى به إلى أمية بن خلف فقال له أتبيعني بلالا قال نعم فاشتراه فأعتقه ~~فقال المشركون ما أعتقه أبو بكر الا ليد كانت له عنده فنزلت وقوله تعالى ~~ولسوف يرضى جواب قسم مضمر أي وبالله لسوف يرضى وهو وعد كريم بنيل جميع ما ~~يبتغيه على أكمل الوجوه وأجملها إذ به يتحقق الرضا وقرئ يرضى مبنيا للمفعول ~~من الارضاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الليل أعطاه الله ~~تعالى حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر PageV09P168 # سورة الضحى مكية و آيها احدى عشرة بسم الله الرحمن الرحيم والضحى هو وقت ~~ارتفاع الشمس وصدر النهار قالوا تخصيصه بالإقسام به لأنها الساعة التي كلم ~~فيها موسى عليه السلام وألقى فيها السحرة سجدا لقوله تعالى «وأن يحشر الناس ~~ضحى» وقيل أريد به النهار كما في قوله تعالى «أن يأتيهم بأسنا ضحى» في ~~مقابلة بياتا والليل أي جنس الليل إذا سجى أي سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا ~~البحر ms3389 سجوا إذا سكنت أمواجه ونقل عن قتادة ومقاتل وجعفر الصادق ان المراد ~~بالضحى هو الضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى عليه السلام وبالليل ليلة ~~المعراج وقوله تعالى ما ودعك ربك جواب القسم أي ما قطعك قطع المودع وقرئ ~~بالتخفيف أي ما تركك وما قلى أي وما أبغضك وحذف المفعول اما للاستغناء عنه ~~بذكره من قبل أو للقصد إلى نفي صدور الفعل عنه تعالى بالكلية مع أن فيه ~~مراعاة للفواصل روي أن الوحي تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ~~لتركه الاستثناء كما مر في سورة الكهف أو لزجره سائلا ملحا فقال المشركون ~~ان محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت ردا عليهم وتبشيرا له عليه الصلاة والسلام ~~بالكرامة الحاصلة والمترقبة كما يشعر به ايراد اسم الرب المنبئ عن التربية ~~والتبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام وحيث تضمن ~~ما سبق من نفي التوديع والقلي أنه تعالى يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا ~~بشره عليه الصلاة والسلام بأن ما سيؤتيه في الآخرة أجل وأعظم من ذلك فقيل ~~وللآخرة خير لك من الأولى لما أنها باقية صافية عن الشوائب على الاطلاق ~~وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي عليه الصلاة والسلام من شرف النبوة وان ~~كان مما لا يعادله شرف ولا يدانيه فضل PageV09P169 # لكنه لا يخلو في الدنيا من بعض العوارض الفادحة في تمشية الأحكام مع أنه ~~عندما أعد له عليه الصلاة والسلام في الآخرة من السبق والتقدم على كافة ~~الأنبياء والرسل يوم الجمع يوم يقوم الناس لرب العالمين وكون أمته شهداء ~~على سائر الأمم ورفع درجات المؤمنين واعلاء مراتبهم بشفاعته وغير ذلك من ~~الكرامات السنية التي لا تحيط بها العبارة بمنزلة بعض المبادئ بالنسبة إلى ~~المطالب وقيل المراد بالآخرة عاقبة أمره عليه الصلاة والسلام أي لنهاية ~~أمرك خير من بدايته لا تزال تتزايد قوة وتتصاعد رفعة وقوله تعالى ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من كمال ~~النفس وعلوم الأولين والآخرين وظهور الأمر ms3390 واعلاء الدين بالفتوح الواقعة في ~~عصره عليه الصلاة والسلام وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك ~~الاسلامية وفشو الدعوة والاسلام في مشارق الأرض ومغاربها ولما ادخر له من ~~الكرامات التي لا يعلمها الا الله تعالى وقد أنبأ ابن عباس رضي الله عنهما ~~عن شمة منها حيث قال له عليه الصلاة والسلام في الجنة الف قصر من لؤلؤ ابيض ~~ترابه المسك واللام للابتداء دخلت الخبر لتأكيد مضمون الجملة والمبتدأ ~~محذوف تقديره ولأنت سوف يعطيك الخ لا للقسم لأنها لا تدخل على المضارع الا ~~مع النون المؤكدة وجمعها مع سوف للدلالة على أن الاعطاء كائن لا محالة وان ~~تراخي لحكمة وقيل هي للقسم وقاعدة التلازم بينها وبين نون التأكيد قد ~~استثنى النجاة منها صورتين إحداهما ان يفصل بينها وبين الفعل بحرف التنفيس ~~كهذه الآية وكقوله والله لسأعطيك والثانية أن يفصل بينهما بمعمول الفعل ~~كقوله تعالى «لإلى الله تحشرون» وقال أبو علي الفارسي ليست هذه اللام هي ~~التي في قولك ان زيدا لقائم بل هي التي في قولك لأقومن ونابت سوف عن احدى ~~نوني التأكيد فكأنه قيل وليعطينك وكذلك اللام في قوله تعالى وللآخرة الخ ~~وقوله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى تعديد لما أفاض عليه عليه الصلاة والسلام ~~من أول أمره إلى ذلك الوقت من فنون النعماء العظام ليستشهد بالحاضر الموجود ~~على المترقب الموعود فيطمئن قلبه وينشرح صدره والهمزة لانكار النفي وتقرير ~~المنفي على أبلغ وجه كأنه قيل قد وجدك الخ والوجود بمعنى العلم ويتيما ~~مفعوله الثاني وقيل بمعنى المصادقة ويتيما حال من مفعوله روي أن أباه مات ~~وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو ~~طالب وعطفه الله عليه فأحسن تربيته وذلك إيواؤه وقرئ فأوى وهو اما من أواه ~~بمعنى آواه أو من أوى له إذا رحمه وقوله تعالى ووجدك ضالا عطف على ما ~~يقتضيه الانكار السابق كما أشير اليه أو على المضارع المنفي بلم داخل في ~~حكمه كأنه قيل أما وجدك يتيما فأوى ms3391 ووجدك غافلا عن الشرائع التي لا تهتدي ~~PageV09P170 # إليها العقول كما في قوله تعالى «كنت تدري ما الكتاب» وقيل ضل في صباه في ~~بعض شعاب مكة فرده أبو جهل إلى عبد المطلب وقيل ضل مرة أخرى وطلبوه فلم ~~يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله تعالى فسمعوا مناديا ~~ينادي من السماء يا معشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه ~~وإن محمدا بوادي تهامة عند شجر السمر فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل فإذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان والأوراق وقيل أضلته ~~مرضعته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب وقيل ضل ~~في طريق الشام حين خرج به أبو طالب يروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليلة ~~ظلماء فعدل به عن الطريق فجاء جبريل عليه السلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها ~~إلى أرض الهند ورده إلى القافلة «فهدى» فهداك إلى مناهج الشرائع المنطوية ~~في تضاعيف ما أوحى إليك من الكتاب المبين وعلمك ما لم تكن تعلم أو أزال ~~ضلالك عن جدك أو عمك «ووجدك عائلا» أي فقيرا وقرئ عيلا وقرئ عديما «فأغنى» ~~فأغناك بمال خديجة أو بمال حصل لك من ربح التجارة أو بمال أفاء عليك من ~~الغنائم قال عليه الصلاة والسلام جعل رزقي تحت ظل رمحي وقيل قنعك وأغنى ~~قلبك «فأما اليتيم فلا تقهر» فلا تغلبه على ماله وقال مجاهد لا تحتقر وقرئ ~~فلا تكهر أي فلا تعبس في وجهه «وأما السائل فلا تنهر» فلا تزجر ولا تغلظ له ~~القول بل رده ردا جميلا قال إبراهيم بن أدهم نعم القول السؤال يحملون زادنا ~~إلى الآخرة وقال إبراهيم النخعي السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم ~~فيقول أتبعثون إلى أهليكم بشيء وقيل المراد بالسائل ههنا الذي يسأل عن ~~الدين «وأما بنعمة ربك فحدث» بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها وأحكامها أريد ~~بها ما أفاضه الله تعالى عليه الصلاة والسلام من فنون النعم التي من جملتها ~~النعم المعدودة ms3392 الموجودة منها والموعودة والمعنى إنك كنت يتيما وضالا ~~وعائلا فآواك الله تعالى وهداك وأغناك فمهما يكن من شيء فلا تنس حقوق نعمة ~~الله تعالى عليك في هذه الثلاث واقتد بالله تعالى وأحسن كما أحسن الله إليك ~~فتعطف على اليتيم فآوه وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك ~~وحدث بنعمة الله كلها وحيث كان معظمها نعمة النبوة فقد اندرج تحت الأمر ~~هدايته عليه الصلاة والسلام للضلال وتعليمه للشرائع والأحكام حسبما هداه ~~الله عز وجل وعلمه من الكتاب والحكمة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ ~~سورة الضحى جعله الله تعالى فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات يكتبها ~~الله له بعدد كل يتيم وسائل PageV09P171 # سورة الشرح مكية وآياتها ثمان بسم الله الرحمن الرحيم «ألم نشرح لك صدرك» ~~لما كان الصدر محلا لأحوال النفس ومخزنا لسرائرها من العلوم والإدراكات ~~والملكات والإرادات وغيرها عبر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفاتها بتأييدها ~~بالقوة القدسية وتحليتها بالكمالات الأنسية أي ألم نفسحه حتى حوى عالمي ~~الغيب والشهادة وجمع بين ملكتي الاستفادة والإفادة فما صدك الملابسة ~~بالعلائق الجسمانية عن اقتباس أنوار الملكات الروحانية وما عاقك التعلق ~~بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق وقيل أريد به ما روى أن جبريل أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صباه أو يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ~~ثم ملأه إيمانا وعلما ولعله تمثيل لما ذكر أو أنموذج جسماني مما سيظهر له ~~عليه الصلاة والسلام من الكمال الروحاني والتعبير عن ثبوت الشرح بالاستفهام ~~الإنكاري عن انتفائه للإيذان بأن ثبوته من الظهور بحيث لا يقدر أحد على أن ~~يجيب عنه بغير بلى وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله ~~للإيذان من أول الأمر بأن الشرح من منافعه عليه الصلاة والسلام ومصالحه ~~مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه عليه الصلاة والسلام وتشويقا له إلى ما ~~يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن وقوله تعالى «ووضعنا عنك وزرك» عطف ~~على ما أشير إليه من مدلول الجملة السابقة كأنه قد ms3393 شرحنا صدرك ووضعنا ألخ ~~وعنك متعلق بوضعنا وتقديمه على المفعول الصريح مع أن حقه التأخر عنه لما مر ~~آنفا من القصد إلى تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر ولما أن في وصفه نوع ~~طول فتأخير الجار والمجرور عنه لما مر آنفا من القصد إلى تعجيل أي حططنا ~~عنك عبأك الثقيل «الذي أنقض ظهرك» أي حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض ~~والانفكاك كما يسمع من الرحل المتداعي إلى الانتقاض من ثقل الحمل مثل به ~~حاله عليه الصلاة والسلام مما كان يثقل عليه ويغمه من فرطاته قبل النبوة أو ~~من عدم إحاطته بتفاصيل الأحكام والشرائع أو من تهالكه على إسلام المعاندين ~~PageV09P172 # من قومه وتلهفه ووضعه عند مغفرته وتعليم الشرائع وتمهيد عذره بعد أن بلغ ~~وبالغ وقرئ وحططنا وحللنا مكان وضعنا وقرئ وحللنا عنك وقرك «ورفعنا لك ~~ذكرك» بعنوان النبوة وأحكامها أي رفع حيث قرن اسمه باسم الله تعالى في كلمة ~~الشهادة والأذان والإقامة وجعل طاعته طاعته تعالى وصلى عليه هو وملائكته ~~وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وسمى رسول الله ونبي الله والكلام في العطف ~~وزيادة لك كالذي سلف وقوله تعالى «فإن مع العسر يسرا» تقرير لما قبله ووعده ~~كريم بتيسير كل عسير له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين كأنه قيل خولناك ما ~~خولناك من جلائل النعم فكن على ثقة بفضل الله تعالى ولطفه فإن مع العسر ~~يسرا كثيرا وفي كلمته مع إشعار بغاية سرعة مجيء اليسر كأنه مقارن للعسر «إن ~~مع العسر يسرا» تكرير للتأكيد أو عدة مستأنفة بأن العسر مشفوع بيسر آخر ~~كثواب الآخرة كقولك إن للصائم فرحتان للصائم فرحة أي فرحة عند الإفطار ~~وفرحة عند لقاء الرب وعليه قوله صلى الله عليه وسلم لن يغلب عسر يسرين فإن ~~المعرف إذا أعيد يكون الثاني عين الأول سواء كان معهودا أو جنسا وأما ~~المنكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالأول «فإذا فرغت» أي ~~من التبليغ وقيل من الغزو «فانصب» فاجتهد في العبادة واتعب شكرا لما ~~أوليناك من النعم السالفة ووعدناك من الآلاء ms3394 الآنفة وقيل فإذا فرغت من ~~صلاتك فاجتهد في الدعاء وقيل إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك «وإلى ربك» ~~وحده «فارغب» بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر على إسعافك لا غيره وقرئ ~~فرغب أي فرغب الناس إلى طلب ما عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني PageV09P173 # سورة التين مكية وقيل مدنية و آيها ثمان بسم الله الرحمن الرحيم «والتين ~~والزيتون» هما هذا التين وهذا الزيتون خصهما الله سبحانه من بين الثمار ~~بالإقسام بهما لاختصاصهما بخواص جليلة فإن التين فاكهة طيبة لا فضل له غذاء ~~لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ~~ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح سدد الكبد والطحال وروى ~~أبو ذر رضي الله عنه أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم سل من تين فأكل منه ~~وقال لأصحابه كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذا لأن فاكهة ~~الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس وعن علي بن موسى ~~الرضا التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج وأما الزيتون ~~فهو فاكهة وإدام ودواء ولو لم يكن له سوى اختصاصه بدهن كثير المنافع مع ~~حصوله في بقاع لا دهنية فيها لكفى به فضلا وشجرته هي الشجرة المباركة ~~المشهود لها في التنزيل ومر معاذ بن جبل رضي الله عنه بشجرة الزيتون فأخذ ~~منها قضيا واستاك به وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول نعم السواك ~~الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة وسمعته يقول هو سواكي ~~وسواك الأنبياء قبلي وقيل هما جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانية ~~طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون وقيل التين جبل ما بين ~~حلوان وهمدان والزيتون جبال الشام لأنهما منابتهما كأنه قيل ومنابت التين ~~والزيتون وقال قتادة التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه ~~بيت المقدس وقال عكرمة وابن زيد التين ms3395 دمشق والزيتون بيت المقدس وهو اختيار ~~الطبري وقال محمد بن كعب التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما التين مسجد نوح عليه السلام الذي بناه على الجودي ~~والزيتون مسجد بيت المقدس وقال الضحاك التين المسجد الحرام والزيتون المسجد ~~الأقصى والصحيح هو الأول قال ابن عباس رضي الله عنهما هو تينكم الذي تأكلون ~~وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت وبه قال مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي ~~وعطاء وجابر وزيد ومقاتل والكلبي «وطور سينين» PageV09P174 # هو الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه وسينين وسيناء علمان للموضع الذي هو ~~فيه ولذلك أضيف إليهما وسينون كبيرون في جواز الإعراب بالواو والياء ~~والإقرار على الياء وتحريك النون بالحركات الإعرابية «وهذا البلد الأمين» ~~أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو مكة شرفها الله تعالى وأمانتها ~~أنها تحفظ من دخلها كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ويجوز أن يكون فعيلا ~~بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالآمن في قوله تعالى ~~«حرما آمنا» بمعنى ذي أمن ووجه الإقسام بهاتيك البقاع المباركة المشحونة ~~ببركات الدنيا والدين غنى عن الشرح والتبيين «لقد خلقنا الإنسان» أي جنس ~~الإنسان «في أحسن تقويم» أي كائنا في أحسن ما يكون من التقويم والتعديل ~~صورة ومعنى حيث برأه الله تعالى مستوى القامة متناسب الأعضاء متصفا بالحياة ~~والعلم والقدرة والإرادة والتكلم والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات التي هي ~~من أنموذجات من الصفات السبحانية وآثار لها وقد عبر بعض العلماء عن ذلك ~~بقوله خلق آدم على صورته وفي رواية على صورة الرحمن وبنى عليه تحقيق معنى ~~قوله من عرف نفسه فقد عرف ربه وقال إن النفس الإنسانية مجردة ليست حالة في ~~البدن ولا خارجة عنه متعلقة به تعلق التدبير والتصرف تستعمله كيفما شاءت ~~فإذا أرادت فعلا من الأفاعيل الجسمانية تلقيه إلى ما في القلب من الروح ~~الحيواني الذي هو أعدل الأرواح وأصفاها وأقربها منها وأقواها مناسبة إلى ~~عالم المجردات إلقاء روحانيا وهو يلقيه بواسطة ما في الشرايين من ms3396 الأرواح ~~إلى الدماغ الذي هو منبت الأعصاب التي فيها القوى المحركة للإنسان فعند ذلك ~~يحرك من الأعضاء ما يليق بذلك الفعل من مباديه البعيدة والقريبة فيصدر عنه ~~ذلك بهذه الطريقة فمن عرف نفسه على هذه الكيفية من صفاتها وأفعالها تسنى له ~~أن يترقى إلى معرفة رب العزة عز سلطانه ويطلع على أنه سبحانه منزه عن كونه ~~داخلا في العالم أو خارجا عنه يفعل فيه ما يشاء ويحكم ما يريد بواسطة ما ~~رتبه فيه من الملائكة الذين يستدل على شؤونهم بما ذكر من الأرواح والقوى ~~المرتبة في العالم الإنساني الذي هو نسخة للعالم الأكبر وأنموذج منه وقوله ~~تعالى «ثم رددناه أسفل سافلين» أي جعلناه من أهل النار الذين هم أقبح من كل ~~قبيح وأسفل من كل سافل لعدم جريانه على موجب ما خلقناه عليه من الصفات التي ~~لو عمل بمقتضاها لكان في أعلى عليين وقيل رددناه إلى أرذل العمر وهو الهرم ~~بعد الشباب والضعف بعد القوة كقوله تعالى «ومن نعمره ننكسه في الخلق» وأيا ~~ما كان فأسفل سافلين إما حال من المفعول أي رددناه حال كونه أسفل سافلين أو ~~صفة لمكان محذوف أي رددناه مكانا أسفل سافلين والأول أظهر وقرئ PageV09P175 # أسفل السافلين وقوله تعالى «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» على الأول ~~استثناء متصل من ضمير رددناه فإنه في معنى الجمع وعلى الثاني منقطع أي لكن ~~الذين كانوا صالحين من الهرمى «فلهم أجر غير ممنون» غير منقطع على طاعتهم ~~وصبرهم على بلاء الله تعالى بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام ~~بالعبادة على تخاذل نهوضهم أو غير ممنون به عليهم وهذه الجملة على الأول ~~مقررة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الرد ومبينة لكيفية ~~حالهم والخطاب في قوله تعالى «فما يكذبك بعد بالدين» للرسول صلى الله عليه ~~وسلم أي فأي شيء يكذبك دلالة أو نطقا بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل الناطقة ~~به وقيل ما بمعنى من وقيل الخطاب للإنسان على طريق الالتفات لتشديد التوبيخ ~~والتبكيت أي فما يجعلك كاذبا بسبب الدين ms3397 وإنكاره بعد هذه الدلائل والمعنى ~~أن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتحويله من حال إلى حال كمالا ~~ونقصانا من أوضح الدلائل على قدرة الله عز وجل على البعث والجزاء فأي شيء ~~يضطرك بعد هذا الدليل القاطع إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيبه أيها الإنسان ~~«أليس الله بأحكم الحاكمين» أي أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا ~~وتدبيرا حتى يتوهم عدم الإعادة والجزاء وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين ~~تعين الإعادة والجزاء فالجملة تقرير لما قبلها وقيل الحكم بمعنى القضاء فهي ~~وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما يستحقونه من العذاب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان إذا قرأها يقول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وعنه صلى ~~الله عليه وسلم من قرأ سورة التين أعطاه الله تعالى الخصلتين العافية ~~واليقين ما دام في دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله تعالى من الأجر بعدد من ~~قرأ هذه السورة PageV09P176 # سورة العلق مكية وأيها تسع عشرة بسم الله الرحمن الرحيم «اقرأ» أي ما ~~يوحى إليك فإن الأمر بالقراءة يقتضي المقروء قطعا وحيث لم يعين وجب أن يكون ~~ذلك ما يتصل بالأمر حتما سواء كانت السورة أول ما نزل أولا والأقرب أن هذا ~~إلى قوله تعالى «ما لم يعلم» أول ما نزل عليه عليه الصلاة والسلام كما ينطق ~~به حديث الزهر المشهور وقوله تعالى «باسم ربك» متعلق بمضمر هو حال من ضمير ~~الفاعل أي إقرأ ملتبسا باسمه تعالى أي مبتدئا به لتتحقق مقارنته لجميع ~~أجزاء المقروء والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى ~~الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للإشعار ~~بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية بإنزال الوحي ~~المتواتر ووصف الرب بقوله تعالى «الذي خلق» لتذكير أول النعماء الفائضة ~~عليه عليه الصلاة والسلام منه تعالى والتنبيه على أن من قدر على خلق ~~الإنسان على ما هو عليه من الحياة وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية ~~من مادة لم تشم رائحة الحياة فضلا ms3398 عن سائر الكمالات قادر على تعليم القراءة ~~للحي العالم المتكلم أي الذي أنشأ الخلق واستأثر به أو خلق كل شيء وقوله ~~تعالى «خلق الإنسان» على الأول تخصيص لخلق الإنسان بالذكر من بين سائر ~~المخلوقات لاستقلاله ببدائع الصنع والتدبير وعلى الثاني إفراد للإنسان من ~~بين سائر المخلوقات بالبيان وتفخيم لشأنه إذ هو أشرفهم وإليه التنزيل وهو ~~المأمور بالقراءة ويجوز أن يراد بالفعل الأول أيضا خلق الإنسان ويقصد ~~بتجريده عن المفعول الإبهام ثم التفسير روما لتفخيم فطرته وقوله تعالى «من ~~علق» أي دم جامد لبيان كمال قدرته تعالى بإظهار ما بين حالته الأولى ~~والآخرة من التباين البين وإيراده بلفظ الجمع بناء على أن الإنسان في معنى ~~الجمع لمراعاة الفواصل ولعله هو السر في تخصيصه بالذكر من بين سائر أطوار ~~الفطرة الإنسانية مع كون النطفة والتراب أدل منه على كمال القدرة لكونهما ~~أبعد منه بالنسبة إلى الإنسانية ولما كان خلق الإنسان أول النعم الفائضة ~~عليه عليه الصلاة والسلام منه تعالى PageV09P177 # وأقدم الدلائل الدالة على وجوده عز وجل وكمال قدرته وعلمه وحكمته وصف ~~ذاته تعالى بذلك أولا ليستشهد عليه السلام به على تمكينه تعالى له من ~~القراءة ثم كرر الأمر بقوله تعالى «اقرأ» أي افعل ما أمرت به تأكيدا ~~للإيجاب وتمهيدا لما يعقبه من قوله تعالى «وربك الأكرم» الخ فإنه كلام ~~مستأنف وارد لإزاحة ما بينه عليه السلام من العذر بقوله عليه السلام ما أنا ~~بقارئ يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وأنا أمي فقيل له وربك الذي أمرك ~~بالقراءة مبتدئا باسمه هو الأكرم «الذي علم بالقلم» أي علم ما علم بواسطة ~~القلم لا غيره فكما علم القارئ بواسطة الكتابة والقلم يعلمك بدونهما وقوله ~~تعالى «علم الإنسان ما لم يعلم» بدل اشتمال من علم بالقلم أي علمه به ~~وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية ما لم يخطر بباله وفي ~~حذف المفعول أولا وإيراده بعنوان عدم المعلومية ثانيا من الدلالة على كمال ~~قدرته تعالى وكمال كرمه والإشعار بأنه تعالى يعلمه من العلوم ما ms3399 لا تحيط به ~~العقول ما لا يخفى «كلا» ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى بطغيانه وإن لم يسبق ~~ذكره للمبالغة في الزجر وقوله تعالى «إن الإنسان ليطغى» أي ليجاوز الحد ~~ويستكبر على ربه بيان للمردوع والمردوع عنه قيل هذا إلى آخر السورة نزل في ~~أبي جهل بعد الزمان وهو الظاهر وقوله تعالى «أن رآه استغنى» مفعول له أي ~~يطغى لأن رأى نفسه مستغنيا على أن استغنى مفعول ثان لرأى لأنه بمعنى علم ~~ولذلك ساغ كون فاعله ومفعوله ضميري واحد كما في علمتني وإن جوزه بعضهم في ~~الرؤية البصرية أيضا وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها لقد رأيتنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان وتعليل طغيانه ~~برؤيته لا بنفس الاستغناء كما ينبئ عنه قوله تعالى «ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض» للإيذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد روى أن أبا ~~جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتزعم أن من استغنى طغى فاجعل لنا ~~جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل عليه ~~جبريل عليه السلام فقال إن شئت فعلنا ذلك ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما ~~فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء ~~عليهم وقوله تعالى PageV09P178 # «إن إلى ربك الرجعى» تهديد للطاغي وتحذير له من عاقبة الطغيان والالتفات ~~للتشديد في التهديد والرجعي مصدر بمعنى الرجوع كالبشرى وتقديم الجار ~~والمجرور عليه لقصره عليه أي إن إلى مالك أمرك رجوع الكل بالموت والبعث لا ~~إلى غيره استقلالا ولا اشتراكا فسترى حينئذ عاقبة طغيانك وقوله تعالى ~~«أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى» تقبيح وتشنيع لحاله وتعجيب منها وإيذان ~~بأنها من الشناعة والغرابة بحيث يجب أن يراها كل من يتأتى منه الرؤية ويقضى ~~منها العجب روي أن أبا جهل قال في ملأ من طغاة قريش لئن رأيت محمدا يصلي ~~لأطأن عنقه فرآه عليه السلام في الصلاة فجاءه ثم نكص على عقبيه ms3400 فقالوا مالك ~~قال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فنزلت ولفظ العبد وتنكيره ~~لتفخيمه عليه السلام واستعظام النهي وتأكيد التعجب منه والرؤية ههنا بصرية ~~وأما ما في قوله تعالى «أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى» وما في ~~قوله تعالى «أرأيت إن كذب وتولى» فقلبية معناه أخبرني فإن الرؤية لما كانت ~~سببا للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها ~~والخطاب لكل من صلح للخطاب ونظم الأمر والتكذيب والتولي في سلك الشرط ~~المتردد بين الوقوع وعدمه ليس ليس باعتبار نفس الأفعال المذكورة من حيث ~~صدورها عن الفاعل فإن ذلك ليس في حيز التردد أصلا بل باعتبار أوصافها التي ~~هي كونها أمرا بالتقوى وتكذيبا وتوليا كما في قوله تعالى «قل أرأيتم إن كان ~~من عند الله ثم كفرتم به» كما مر والمفعول الأول لأرأيت محذوف وهو ضمير ~~يعود إلى الموصول أو اسم إشارة يشار به إليه ومفعوله الثاني سد مسده الجملة ~~الشرطية بجوابها المحذوف فإن المفعول الثاني لأرأيت لا يكون إلا جملة ~~استفهامية أو قسمية والمعنى أخبرني ذلك الناهي إن كان على الهدى فيما ينهى ~~عنه من عبادة الله تعالى أو آمرا بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان ~~كما يعتقده أو مكذبا للحق معرضا عن الصوب كما نقول نحن «ألم يعلم بأن الله ~~يرى» أي يطلع على أحواله فيجازيه PageV09P179 # بها حتى اجترأ على ما فعل وإنما أفرد التكذيب والتولي بشرطية مستقلة ~~مقرونة بالجواب مصدرة باستخبار مستأنف ولم ينظما في سلك الشرط الأول ~~بعطفهما على كان للإيذان باستقلالهما بالوقوع في نفس الأمر واستتباع الوعيد ~~الذي ينطق به الجواب وأما القسم الأول فأمر مستحيل قد ذكر في حيز الشرط ~~لتوسيع الدائرة وهو السر في تجريد الشرطية الأولى عن الجواب والإحالة به ~~على جواب الثانية هذا وقد قيل أرأيت الأول بمعنى أخبرني مفعوله الأول ~~الموصول ومفعوله الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف لدلالة جواب ~~الشرطية الثانية عليه وأرأيت في الموضعين تكرير للتأكيد ومعناه أخبرني عمن ~~ينهى بعض عباد الله ms3401 عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى ~~عن عبادة الله تعالى أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة ~~الأوثان كما يعتقده وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح ~~كما نقول نحن «ألم يعلم بأن الله يرى» ويطلع على أحواله من هداه وضلاله ~~فيجازيه على حسب ذلك فتأمل وقيل المعنى أرأيت الذي ينهى عبدا يصلي والمنهى ~~عن الهدى آمر بالتقوى والناهي مكذب متول فما أعجب من ذا وقيل الخطاب الثاني ~~للكافر فإنه تعالى كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى ~~وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله تعالى أمرا ~~بالتقوى أتنهاه وقيل هو أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة «كلا» ردع ~~للناهي اللعين وخسوء له واللام في قوله تعالى «لئن لم ينته» موطئة للقسم أي ~~والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر «لنسفعا بالناصية» لنأخذن بناصيته ~~ولنسحبنه بها إلى النار والسفع القبض على الشيء وجذبه بعنف وشدة وقرئ ~~لنسفعن بالنون المشددة وقرئ لأسفعن وكتبته في المصحف بالألف على حكم الوقف ~~والاكتفاء بلام العهد عن الإضافة لظهور أن المراد ناصية المذكور «ناصية ~~كاذبة خاطئة» بدل من الناصية وإنما جاز إبدالها من المعرفة وهي نكرة لوصفها ~~وقرئت بالرفع على هي ناصية وبالنصب وكلاهما على الذم والشتم ووصفها بالكذب ~~والخطأ على الإسناد المجازي وهما لصاحبها وفيه من الجزالة ما ليس في قولك ~~ناصية كاذب المخطىء «فليدع ناديه» أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ~~ينتدي فيه القوم أي يجتمعون روى أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يصلي فقال ألم أنهك فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فنزلت «سندع الزبانية» ليجروه إلى ~~النار والزبانية PageV09P180 # الشرط الواحد زبنية كعفرية من الزبن وهو الدفع وقيل زبني وكأنه نسب إلى ~~الزبن ثم غير كأمسى وأصلها زباني فقيل زبانية بتعويض التاء عن الياء ~~والمراد ms3402 ملائكة العذاب وعن النبي صلى الله عليه وسلم لو دعا ناديه لأخذته ~~الزبانية عيانا «كلا» ردع بعد ردع وزجر إثر زجر «لا تطعه» أي دم على ما أنت ~~عليه من معاصاته «واسجد» وواظب على سجودك وصلاتك غير مكترث به «واقترب» ~~وتقرب بذلك إلى ربك وفي الحديث أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل ~~كله PageV09P181 # سورة مكية مختلف فيها و آيها خمس بسم الله الرحمن الرحيم «إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر» تنويه بشأن القرآن الكريم وإجلال لمحله بإضماره المؤذن بغاية ~~نباهته المغنية عن التصريح به كأنه حاضر في جميع الأذهان وبإسناد إنزاله ~~إلى نون العظمة المنبئ عن كمال العناية به وتفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى ~~«وما أدراك ما ليلة القدر» لما فيه من الدلالة على أن علو قدرها خارج عن ~~دائرة دراية الخلق لا يدريها ولا يدريها إلا علام الغيوب كما يشعر به قوله ~~تعالى «ليلة القدر خير من ألف شهر» فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه ~~عليه السلام إلى درايتها فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها وقد مر بيان كيفية ~~إعراب الجملتين وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التفخيم مالا ~~يخفى والمراد بإنزاله فيها إما إنزال كله إلى السماء الدنيا كما روي أنه ~~أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وأملاه ~~جبريل عليه السلام على السفرة ثم كان ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم ~~نجوما في ثلاث وعشرين سنة وإما ابتداء إنزاله فيها كما نقل عن الشعبي وقيل ~~المعنى أنزلناه في شأن ليلة القدر وفضلها كما في قول عمر رضي الله عنه خشيت ~~أن ينزل في قرآن وقول عائشة رضي الله عنها لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في ~~قرآن فالأنسب أن يجعل الضمير حينئذ للسورة التي هي جزء من القرآن لا للكل ~~واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في ms3403 العشر الأواخر في ~~أوتارها وأكثر الأقوال أنها السابعة منها ولعل السر في إخفائها تعريض من ~~يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي الكثيرة رجاء لموافقتها وتسميتها بذلك ~~إما لتقدير الأمور وقضائها فيها لقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم أو ~~لخطرها وشرفها على سائر الليالي وتخصيص الألف بالذكر إما للتكثير أو لما ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل ~~الله ألف شهر فعجب المؤمنون منه وتقاصرت إليهم أعمالهم فأعطوا ليلة هي خير ~~من مدة ذلك الغازي وقيل إن رجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ~~تعالى ألف شهر فأعطوا PageV09P182 # ليلة أن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد وقيل أري ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمنه فخاف أن لا ~~يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر ~~وجعلها خيرا من ألف شهر لسائر الأمم وقيل كان ملك سليمان خمسمائة شهر وملك ~~ذي القرنين خمسمائة شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها ~~خيرا من ملكهما وقوله تعالى «تنزل الملائكة والروح فيها» استئناف مبين ~~لمناط فضلها على تلك المدة المتطاولة وقد سبق في سورة النبأ ما قيل في شأن ~~الروح على التفصيل وقيل هم خلق من الملائكة لا يراهم الملائكة إلا تلك ~~الليلة أي تتنزل الملائكة والروح في تلك الليلة من كل سماء إلى الأرض أو ~~إلى السماء الدنيا «بإذن ربهم» متعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال من فاعله أي ~~ملتبسين بإذن ربهم أي بأمره «من كل أمر» أي من أجل كل أمر قضاه الله عز وجل ~~لتلك السنة إلى قابل كقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم وقرئ من كل امرئ أي ~~من أجل كل إنسان قيل لا يلقون فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه «سلام ~~هي» أي ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله تعالى فيها إلا السلامة والخير ~~وأما في غيرها ms3404 فيقضي سلامة وبلاء أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون فيها ~~على المؤمنين «حتى مطلع الفجر» أي وقت طلوعه وقرئ بالكسر على أنه مصدر ~~كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق وحتى متعلقة بتنزل على أنها غاية ~~لحكم التنزل أي لمكثهم في محل تنزلهم أو لنفس تنزلهم بأن لا ينقطع تنزلهم ~~فوجا بعد فوج إلى طلوع الفجر وقيل متعلقة بسلام بناء على أن الفصل بين ~~المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر في الجار عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر PageV09P183 # سورة البينة مدنية مختلف فيها و آيها ثمان بسم الله الرحمن الرحيم «لم ~~يكن الذين كفروا من أهل الكتاب» أي اليهود والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان ~~للإشعار بعلة ما نسب إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له ~~في كتابهم وإيراد الصلة فعلا لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم «والمشركين» ~~أي عبدة الأصنام وقرئ والمشركون عطفا على الموصول «منفكين» أي عما كانوا ~~عليه من الوعد باتباع الحق والإيمان بالرسول المبعوث في آخر الزمان والعزم ~~على إنجازه وهذا الوعد من أهل الكتاب مما لا ريب فيه حتى أنهم كانوا ~~يستفتحون ويقولون اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان ~~ويقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم ~~معه قتل عاد وإرم وأما من المشركين فلعله قد وقع من متأخريهم بعد ما شاع ~~ذلك من أهل الكتاب واعتقدوا صحته بما شاهدوا من نصرتهم على أسلافهم كما ~~يشهد به أنهم كانوا يسألونهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو ~~المذكور في كتابهم وكانوا يغرونهم بتغيير نعوته عليه السلام وانفكاك الشيء ~~عن الشيء أن يزايله بعد التحامه كالعظم إذا انفك من مفصله وفيه إشارة إلى ~~كمال وكادة وعدهم أي لم يكونوا مفارقين للوعد المذكور بل كانوا مجمعين عليه ~~عازمين على إنجازه «حتى تأتيهم البينة» التي كانوا قد جعلوا إتيانها ميقاتا ~~لاجتماع الكلمة والاتفاق ms3405 على الحق فجعلوه ميقاتا للانفكاك والافتراق وإخلاف ~~الوعد والتعبير عن إتيانها بصيغة المضارع باعتبار حال المحكي لا باعتبار ~~حال الحكاية كما في قوله تعالى «واتبعوا ما تتلوا الشياطين» أي تلت وقوله ~~تعالى «رسول» بدل من البينة عبر عنه عليه السلام بالبينة للإيذان بغاية ~~ظهور أمره وكونه ذلك الموعود في الكتابين وقوله تعالى «من الله» متعلق ~~بمضمر هو صفة لرسول مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة ~~الإضافية أي رسول وأي رسول كائن منه تعالى وقوله تعالى «يتلو» صفة أخرى له ~~أو حال من الضمير في متعلق الجار «صحفا مطهرة» أي منزهة عن الباطل لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه أو من أن يمسه غير المطهرين ونسبة تلاوتها ~~إليه عليه PageV09P184 # السلام من حيث إن تلاوة ما فيها بمنزلة تلاوتها وقوله تعالى «فيها كتب ~~قيمة» صفة لصحفا أو حال من ضميرها في مطهرة ويجوز أن يكون الصفة أو الحال ~~الجار والمجرور فقط وكتب مرتفعا به على الفاعلية ومعنى قيمة مستقيمة ناطقة ~~بالحق والصواب وقوله تعالى «وما تفرق الذين أوتوا الكتاب» الخ كلام مسوق ~~لغاية تشنيع أهل الكتاب خاصة وتغليظ جناياتهم ببيان أن ما نسب إليهم من ~~الانفكاك لم يكن لاشتباه ما في الأمر بل كان بعد وضوح الحق وتبين الحال ~~وانقطاع الأعذار بالكلية وهو السر في وصفهم بإيتاء الكتاب المنبئ عن كمال ~~تمكنهم من مطالعته والإحاطة بما في تضاعيفه من الأحكام والأخبار التي من ~~جملتها نعوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكرهم فيما سبق بما هو جار مجرى ~~اسم الجنس للطائفتين ولما كان هؤلاء والمشركون باعتبار اتفاقهم على الرأي ~~المذكور في حكم فريق واحد عبر عما صدر عنهم عقيب الاتفاق عند الإخبار ~~بوقوعه بالانفكاك وعند بيان كيفية وقوعه بالتفرق اعتبارا لاستقلال كل من ~~فريقي أهل الكتاب وإيذانا بأن انفكاكهم عن الرأي المذكور ليس بطريق الاتفاق ~~على رأي آخر بل بطريق الاختلاف القديم وقوله تعالى «إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة» استثناء مفرغ من أعم الأوقات أي وما ms3406 تفرقوا في وقت من الأوقات إلا ~~من بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة الدالة على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الموعود في كتابهم دلالة جلية لا ريب فيها كقوله تعالى «وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب» إلا من بعد ما جاءهم العلم وقوله تعالى «وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله» جملة حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا أي والحال أنهم ما ~~أمروا في كتابهم إلا لأجل أن يعبدوا الله وقيل اللام بمعنى أن أي إلا بأن ~~يعبدوا الله ويعضده قراءة إلا أن يعبدوا الله «مخلصين له الدين» أي جاعلين ~~دينهم خالصا له تعالى أو جاعلين أنفسهم خالصة له تعالى في الدين «حنفاء» ~~مائلين عن جميع العقائد الزائغة إلى الإسلام «ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة» إن أريد بهما ما في شريعتهم من الصلاة والزكاة فالأمر ظاهر وإن ~~أريد ما في شريعتنا فمعنى أمرهم بهما في الكتابين أن أمرهم باتباع شريعتنا ~~أمر لهم بجميع أحكامها التي هما من جملتها «وذلك» إشارة إلى ما ذكر من ~~عبادة الله تعالى وبالإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وما فيه من معنى ~~البعد للإشعار بعلو رتبته وبعد منزلته «دين القيمة» أي دين الملة القيمة ~~وقرئ الدين القيمة على تأويل الدين بالملة هذا وقد قيل قوله تعالى «لم يكن ~~الذين كفروا» إلى PageV09P185 # قوله «كتب قيمة» حكاية لما كانوا يقولونه قبل مبعثه عليه السلام من أنهم ~~لا ينفكون عن دينهم إلى مبعثه ويعدون أن ينفكوا عنه حينئذ ويتفقوا على الحق ~~وقوله تعالى «وما تفرق الذين أوتوا الكتاب» الخ بيان لإخلافهم الوعد ~~وتعكيسهم الأمر بجعلهم ما هو سبب لانفكاكهم عن دينهم الباطل حسبما وعدوه ~~سببا لثباتهم عليه وعدم انفكاكهم عنه ومثل ذلك بأن يقول الفقير الفاسق لمن ~~يعظه لا أنفك عما أنا فيه حتى أستغني فيستغني فيزداد فسقا فيقول له واعظه ~~لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر وما عكفت على الفسق إلا بعد اليسار وأنت ~~خبير بأن هذا إنما يتسنى بعد اللتيا والتي على تقدير أن يراد بالتفرق ~~تفرقهم عن ms3407 الحق بأن يقال التفرق عن الحق مستلزم للثبات على الباطل فكأنه ~~قيل وما أجمعوا على دينهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة وأما على تقدير أن ~~يراد به تفرقهم فرقا فمنهم من آمن ومنهم من أنكر ومنهم من عرف وعاند كما ~~جوزه القائل فلا فتأمل «إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار ~~جهنم» بيان لحال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا وذكر ~~المشركين لئلا يتوهم اختصاص الحكم بأهل الكتاب حسب اختصاص مشاهدة شواهد ~~النبوة في الكتاب بهم ومعنى كونهم فيها أنهم يصيرون إليها يوم القيامة ~~وإيراد الجملة الاسمية للإيذان بتحقق مضمونها لا محالة أو أنهم فيها الآن ~~إما على تنزيل ملابستهم لما يوجبها منزلة ملابستهم لها وإما على أن ما هم ~~فيه من الكفر والمعاصي عين النار إلا أنها ظهرت في هذه النشأة بصور عرضية ~~وستخلعها في النشأة الآخرة وتظهر بصورتها الحقيقة كما مر في قوله تعالى ~~«وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» في سورة الأعراف «خالدين فيها» حال من المستكن ~~في الخبر واشتراك الفريقين في دخول دار العذاب بطريق الخلود لا ينافي تفاوت ~~عذابهم في الكيفية فإن جهنم دركات وعذابها ألوان «أولئك» إشارة إليهم ~~باعتبار اتصافهم بما هم فيه من القبائح المذكورة وما فيه من معنى البعد ~~للإشعار بغاية بعد منزلتهم في الشر أي أولئك البعداء المذكورون «هم شر ~~البرية» شر الخليقة أي أعمالا وهو الموافق لما سيأتي في حق المؤمنين فيكون ~~في حيز التعليل لخلودهم في النار أو شرهم مقاما ومصيرا فيكون تأكيدا لفظاعة ~~حالهم وقرئ بالهمزة على الأصل «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات» بيان ~~لمحاسن أحوال المؤمنين إثر بيان سوء حال الكفرة جريا على السنة القرآنية من ~~شفع الترهيب بالترغيب «أولئك» المنعوتون بما هو في القاصية من الشرف ~~والفضيلة من الإيمان والطاعة «هم خير البرية» وقرئ خيار البرية وهو جمع خير ~~نحو جيد وجياد PageV09P186 # «جزاؤهم» بمقابلة ما لهم من الإيمان والطاعة «عند ربهم جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار» إن أريد بالجنات الأشجار الملتفة الأغصان ms3408 كما هو الظاهر ~~فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض وما عليها فهو ~~باعتبار الجزء الظاهر وأيا ما كان فالمراد جريانها بغير أخدود «خالدين فيها ~~أبدا» متنعمين بفنون النعم الجسمانية والروحانية وفي تقديم مدحهم بخيرية ~~وذكر الجزاء المؤذن بكون ما منحوه في مقابلة ما وصفوا به وبيان كونه من ~~عنده تعالى والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى ~~الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم وجمع الجنات وتقييدها بالإضافة وبما يزيدها ~~نعيما وتأكيد الخلود بالأبود من الدلالة على غاية حسن حالهم مالا يخفى «رضي ~~الله عنهم» استئناف مبين لما يتفضل عليهم زيادة على ما ذكر من أجزية ~~أعمالهم «ورضوا عنه» حيث بلغوا من المطالب قاصيتها وملكوا من المآرب ~~ناصيتها وأتيح لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر «ذلك» أي ~~ما ذكر من الجزاء والرضوان «لمن خشي ربه» فإن الخشية التي هي من خصائص ~~العلماء بشؤون الله عز وجل مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة ~~للسعادة الدينية والدنيوية والتعرض لعنوان الربوبية المعربة عن المالكية ~~والتربية للإشعار بعلة الخشية والتحذير من الاغترار بالتربية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من قرأ سورة البينة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية ~~مساء ومقيلا PageV09P187 # سورة الزلزلة مدنية مختلف فيها و آيها ثمان بسم الله الرحمن الرحيم «إذا ~~زلزلت الأرض» اي حركت تحريكا عنيفا متكررا متداركا أي الزلزال المخصوص بها ~~على مقتضى المشيئة المبنية على الحكم البالغة وهو الزلزال الشديد الذي لا ~~غاية وراءه أو زلزالها العجيب الذي لا يقادر قدره أو زلزالها الداخل في حيز ~~الإمكان وقرئ بفتح بفتح الزاء وهو اسم وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلا في ~~المضاعف وقولهم ناقة خزعال نادر وقد قيل الزلزال بالفتح أيضا مصدر كالوسواس ~~والجرجار والقلقال وذلك عند النفخة الثانية لقوله عز وجل «وأخرجت الأرض ~~أثقالها» أي ما في جوفها من الأموات والدفائن جمع ثقل وهو متاع البيت ~~وإظهار الأرض في موقع الإضمار لزيادة التقرير أو للإيماء إلى تبدل ms3409 الأرض ~~غير الأرض أو لأن إخراج الأثقال حال بعض أجزائها «وقال الإنسان» أي كل فرد ~~من أفراده لما يدهمهم من الطامة التامة ويبهرهم من الداهية العامة «ما لها» ~~زلزلت هذه المرتبة الشديدة من الزلزال وأخرجت ما فيها من الأثقال استعظاما ~~لما شاهدوه من الأمر الهائل وقد سيرت الجبال في الجو وصيرت هباء وقيل هو ~~قول الكافر إذا لم يكن مؤمنا بالبعث والأظهر هو الأول على أن المؤمن يقوله ~~بطريق الاستعظام والكافر بطريق التعجب «يومئذ» بدل من إذا وقوله تعالى ~~«تحدث أخبارها» عامل فيهما ويجوز أن يكون إذا منتصبا بمضمر أي يوم إذ زلزلت ~~الأرض تحدث الخلق أخبارها إما بلسان الحال حيث تدل دلالة ظاهرة على ما ~~لأجله زلزالها وإخراج أثقالها وإما بلسان المقال حيث ينطقها الله تعالى ~~فتخبر بما عمل عليها من خير وشر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ~~تشهد على كل أحد بما عمل على PageV09P188 # ظهرها وقرئ تنبي أخبارها وقرئ من الأنباء «بأن ربك أوحى لها» أي تحدث ~~أخبارها بسبب إيحاء ربك لها وأمره إياها بالتحديث على أحد الوجهين ويجوز أن ~~يكون بدلا من أخبارها كأنه قيل تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لأن التحديث ~~يستعمل بالباء وبدونها وأوحى لها بمعنى أوحى إليها «يومئذ» أي يوم إذ يقع ~~ما ذكر «يصدر الناس» من قبورهم إلى موقف الحساب «أشتاتا» متفرقين بحسب ~~طبقاتهم بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين كما مر في قوله تعالى «فتأتون ~~أفواجا» وقيل يصدرون عن الموقف أشتاتا ذات اليمين إلى الجنة وذات الشمال ~~إلى النار «ليروا أعمالهم» أي أجزية أعمالهم خيرا كان أو شرا وقرئ ليروا ~~بالفتح وقوله تعالى «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره» «ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره» تفصيل ليروا وقرئ يره والذرة النملة الصغيرة وقيل ما يرى في شعاع ~~الشمس من الهباء وأيا ما كان فمعنى رؤية ما يعادلها من خير وشر إما مشاهدة ~~جزائه فمن الأولى مختصة بالسعداء والثانية بالأشقياء كيف لا وحسنات الكافر ~~محبطة بالكفر وسيئات المؤمن المجتنب عن ms3410 الكبائر معفوة وما قيل من أن حسنة ~~الكافر تؤثر في نقص العقاب يرده قوله تعالى «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا» وأما مشاهدة نفسه من غير أن يعتبر معه الجزاء ولا ~~عدمه بل يفوض كل منهما إلى سائر الدلائل الناطقة بعفو صغائر المؤمن المجتنب ~~عن الكبائر وإثابته بجميع حسناته وبحبوط حسنات الكافر ومعاقبته بجميع ~~معاصيه فالمعنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ليس من مؤمن ولا كافر ~~عمل خيرا أو شرا إلا أراه الله تعالى إياه أما المؤمن فيغفر له سيئاته ~~ويثيبه بحسناته وأما الكافر فيرد حسناته تحسرا ويعاقبه بسيئاته عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الزلزلة أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله ~~والله أعلم PageV09P189 # سورة العاديات مكية مختلف فيها و آيها إحدى عشرة بسم الله الرحمن الرحيم ~~«والعاديات» أقسم سبحانه بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو وقوله تعالى ~~«ضبحا» مصدر منصور إما بفعله المحذوف الواقع حالا منها أي تضبح ضبحا وهو ~~صوت أنفسها عند عدوها أو بالعاديات فإن العدو مستلزم للضبح كأنه قيل ~~والضابحات أو حال على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي ضابحات «فالموريات قدحا» ~~الإيراء إخراج النار والقدح الصك يقال قدح فأورى أي توري النار من حوافرها ~~وانتصاب قدحا كانتصاب ضبحا على الوجوه الثلاثة «فالمغيرات» أسند الإغارة ~~التي هي مباغتة العدو للنهب أو للقتل أو للأسر إليها وهي حال أهلها إيذانا ~~بأنها العمدة في إغارتهم «صبحا» أي في وقت الصبح وهو المعتاد في الغارات ~~يعدون ليلا لئلا يشعر بهم العدو ويهجمون عليهم صباحا ليروا ما يأتون وما ~~يذرون وقوله تعالى «فأثرن به» عطف على الفعل الذي دل عليه اسم الفاعل إذ ~~المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن به أي فهيجن بذلك الوقت «نقعا» أي ~~غبارا وتخصيص إثارته بالصبح لأنه لا يثور أو لا يظهر ثورانه بالليل وبهذا ~~ظهر أن الإيراء الذي لا يظهر في النهار واقع في الليل ولله در شأن التنزيل ~~وقيل النقع الصياح والجلبة وقرئ فأثرن بالتشديد ms3411 بمعنى فأظهرن به غبارا لأن ~~التأثير فيه معنى الإظهار «فوسطن به» أي توسطن بذلك الوقت أو توسطن ملتبسات ~~بالنقع «جمعا» من جموع الأعداء والفاءات للدلالة على ترتب ما بعد كل منها ~~على ما قبلها كما في قوله * يا لهف زيابة للحارث الله * الضابح فالغانم ~~فالآيب * فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتبة PageV09P190 # على الإيراء المترتب على العدو وقوله تعالى «إن الإنسان لربه لكنود» أي ~~لكفور من كند النعمة كنودا جواب القسم والمراد بالإنسان بعض أفراده روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أناس من بني كنانة سرية واستعمل ~~عليها المنذر بن عمرو الأنصاري و كان أحد النقباء فأبطأ عليه الصلاة ~~والسلام خبرها شهرا فقال المنافقون إنهم قتلوا فنزلت السورة إخبارا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم ونعيا على ~~المرجفين في حقهم ما هم فيه من الكنود وفي تخصيص خيل الغزاة بالإقسام بها ~~من البراعة ما لا مزيد عليه كأنه قيل وخيل الغزاة التي فعلت كيت وكيت وقد ~~أرجف هؤلاء في حق أربابها ما أرجفوا أنهم مبالغون في الكفران «وإنه على ~~ذلك» أي وإن الإنسان على كنوده «لشهيد» يشهد على نفسه بالكنود لظهور أثره ~~عليه «وإنه لحب الخير» أي المال كما في قوله تعالى إن ترك خيرا «لشديد» أي ~~قوي مطيق مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه يقال هو شديد لهذا الأمر وقوي له ~~إذا كان مطيقا له ضابطا وقيل الشديد البخيل أي أنه لأجل حب المال وثقل ~~إنفاقه عليه لبخيل ممسك ولعل وصفه بهذا الوصف القبيح بعد وصفه بالكنود ~~للإيماء إلى أن من جملة الأمور الداعية للمنافقين إلى النفاق حب المال ~~لأنهم بما يظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم ويحوزون من الغنائم نصيبا ~~وقوله تعالى «أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور» الخ تهديد ووعيد والهمزة ~~للإنكار والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أيفعل ما يفعل من القبائح ~~أو ألا يلاحظ فلا يعلم حاله إذا بعث من في القبور من الموتى وإيراد ms3412 ما ~~لكونهم إذ ذاك بمعزل من رتبة العقلاء بحثر وبحث وبحثر وبحث على بنائهم ~~للفاعل «وحصل» أي جمع محصلا أو ميز خيره من شره وقرئ وحصل مبنيا للفاعل ~~وحصل مخففا «ما في الصدور» من الأسرار الخفية التي من جملتها ما يخفيه ~~المنافقون من الكفر والمعاصي فضلا عن الأعمال الجلية «إن ربهم» أي ~~المبعوثين كنى عنهم بعد الإحياء الثاني بضمير العقلاء بعدما عبر عنهم قبل ~~ذلك بما بناء على تفاوتهم في الحالين كما فعل نظيره بعد الإحياء الأول ~~PageV09P191 # حيث التفت إلى الخطاب في قوله تعالى «وجعل لكم السمع والأبصار» الآية بعد ~~قوله ثم سواه ونفخ فيه من روحه إيذانا بصلاحيتهم للخطاب بعد نفخ الروح ~~وبعدمها قبله كما أشير إليه هناك «بهم» بذاوتهم وصفاتهم وأحوالهم بتفاصيلها ~~«يومئذ» يوم إذ يكون ما ذكر من بعث ما في القبور وتحصيل ما في الصدور ~~«لخبير» أي عالم بظواهر ما عملوا وبواطنه علما موجبا للجزاء متصلا به كما ~~ينبئ عنه تقييده بذلك اليوم وإلا فمطلق علمه سبحانه محيط بما كان وما سيكون ~~وقوله تعالى بهم ويومئذ متعلقان بخبير قدما عليه لمراعاة الفواصل واللام ~~غير مانعة من ذلك وقرأ ابن السماك أن ربهم بهم يومئذ لخبير عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة العاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~بات بمزدلفة وشهد جمعا سورة القارعة مكية و آيها إحدى عشرة بسم الله الرحمن ~~الرحيم «القارعة» القرع هو الضرب بشدة واعتماد بحيث يحصل منه صوت شديد وهي ~~القيامة التي مبدؤها النفخة الأولى ومنتهاها فصل القضاء بين الخلائق كما مر ~~في سورة التكوير سميت بها لأنها تقرع القلوب والأسماع بفنون الأفزاع ~~والأهوال وتخرج جميع الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال السماء ~~بالانشقاق والانفطار والشمس والنجوم بالتكوير والانكدار والانتشار والأرض ~~بالزلزال والتبديل والجبال بالدك والنسف وهي مبتدأ خبره قوله تعالى «ما ~~القارعة» على أن ما الاستفهامية خبر والقارعة مبتدأ لا بالعكس لما مر غير ~~مرة أن محط الفائدة هو الخبر لا المبتدأ ولا ريب ms3413 في أن مدار إفادة الهول ~~والفخامة هاهنا هو كلمة مالا القارعة أي شيء عجيب هي في الفخامة والفظاعة ~~وقد وضع الظاهر موضع الضمير تأكيدا للتهويل وقوله تعالى «وما أدراك ما ~~القارعة» تأكيد لهولها وفظاعتها ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق على معنى ~~أن عظم شأنها بحيث لا تكاد PageV09P192 # الآيات من 4 6 تناله دراية أحد حتى يدريك بها وما في حيز الرفع على ~~الابتداء وأدراك هو الخبر ولا سبيل إلى العكس هاهنا وما القارعة جملة كما ~~مر محلها النصب على نزع الخافض لأن أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ~~كما في قوله تعالى ولا أدراكم به فلما وقعت الجملة الاستفهامية معلقة له ~~كانت في موقع المفعول الثاني له والجملة الكبيرة معطوفة على ما قبلها من ~~الجملة الواقعة خبرا للمبتدأ الأول أي وأي شيء أعلمك ما شأن القارعة ولما ~~كان هذا منبئا عن الوعد الكريم بإعلامها أنجز ذلك بقوله تعالى «يوم يكون ~~الناس كالفراش المبثوث» على أن يوم مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف وحركته ~~الفتح لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا كما هو رأي الكوفيين أي هي يوم ~~يكون الناس فيه كالفراش المبثوث في الكثرة والانتشار والضعف والذلة ~~والاضطراب والتطاير إلى الداعي كتطاير الفراش إلى النار أو منصوب بإضمار ~~أذكر كأنه قيل بعد تفخيم أمر القارعة وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى ~~معرفتها اذكر يوم يكون الناس الخ فإنه يدريك ما هي هذا وقد قيل إنه ظرف ~~ناصبه مضمر يدل عليه القارعة أي تقرع يوم يكون الناس الخ وقيل تقديره ~~ستأتيكم القارعة يوم يكون الخ «وتكون الجبال كالعهن المنفوش» أي كالصوف ~~الملون بالألوان المختلفة المندوف في تفرق أجزائها وتطايرها في الجو حسبما ~~نطق به قوله تعالى «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب» وكلا ~~الأمرين من آثار القارعة بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق يبدل الله عز ~~وجل الأرض من غير الأرض ويغير هيئاتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر ~~من الهيئات الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وإن اندكت ms3414 وتصدعت عند النفخة ~~الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية كما ينطق ~~به قوله تعالى «ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يومئذ يتبعون الداعي» وقوله تعالى «يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار» فإن اتباع الداعي ~~الذي هو إسرافيل عليه السلام وبروز الخلق لله سبحانه لا يكون إلا بعد البعث ~~قطعا وقد مر تمام الكلام في سورة النمل وقوله تعالى «فأما من ثقلت موازينه» ~~الخ بيان إجمالي لتحزب الناس إلى حزبين وتنبيه على كيفية الأحوال الخاصة ~~بكل منهما إثر بيان الأحوال الشاملة للكل والموازين إما جمع الموزون وهو ~~العمل الذي له وزن وخطر عند الله كما قاله الفراء أو جمع ميزان قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما إنه ميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال ~~قالوا توضع فيه صحائف الأعمال فينظر إليه الخلائق إظهارا PageV09P193 # القارعة الآيات 7011 للمعدلة وقطعا للمعذرة وقيل الوزن عبارة عن القضاء ~~السوي والحكم العادل وبه قال مجاهد والأعمش والضحاك واختاره كثير من ~~المتأخرين قالوا إن الميزان لا يتوصل به إلا إلى معرفة مقادير الأجسام فكيف ~~يمكن أن يعرف به مقادير الأعمال التي هي أعراض منقضية وقيل إن الأعمال ~~الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصورة جوهرية ~~مناسبة لها في الحسن والقبح وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يؤتى ~~بالأعمال الصالحة على صور حسنة وبالأعمال السيئة على صور قبيحة فتوضع في ~~الميزان أي فمن ترجحت مقادير حسناته «فهو في عيشة راضية» أي ذات رضا أو ~~مرضية «وأما من خفت موازينه» بأن لم يكن له حسنة يعتد بها أو ترجحت سيئاته ~~على حسناته «فأمه» أي فمأواه «هاوية» هي من أسماء النار سميت بها لغاية ~~عمقها وبعد مهواها روى أن أهل النار تهوي فيها سبعين خريفا وقيل إنها اسم ~~للباب الأسفل منها وعبر عن المأوى باللام لأن أهلها يأوون إليها كما يأوي ~~الولد إلى ms3415 أمه وعن قتادة وعكرمة والكلبي أن المعنى فأم رأسه هاوية في قعر ~~جهنم لأنه يطرح فيها منكوسا والأول هو الأوفق لقوله تعالى «وما أدراك ما ~~هيه» «نار حامية» فإنه تقرير لها بعد إبهامها والإشعار بخروجها عن الحدود ~~المعهودة للتفخيم والتهويل وهي ضمير الهاوية والهاء للسكت وإذا وصل القارئ ~~حذفها وقيل حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج لأنها ثابتة في المصحف وقد ~~أجيز إثباتها مع الوصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة القارعة ~~ثقل الله تعالى بها ميزانه يوم القيامة PageV09P194 # سورة التكاثر مكية مختلف فيها و آيها ثمان بسم الله الرحمن الرحيم ~~«ألهاكم التكاثر» أي شغلكم التغالب في الكثرة والتفاخر بها روي أن بني عبد ~~مناف وبني سهم تفاخروا وتعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام فقال ~~كل من الفريقين نحن أكثر منكم سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا فكثرهم بنو عبد ~~مناف فقال بنو سهم إن البغي أفنانا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات ~~فكثرهم بنو سهم والمعنى أنكم تكاثرتم بالأحياء «حتى زرتم المقابر» أي حتى ~~إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى التفاخم والتكاثر بالأموات فعبر عن بلوغهم ذكر ~~الموتى بزيارة القبور تهكما بهم وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر ~~فلان وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك وقيل المعنى ألهاكم التكاثر بالأموال ~~والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم ~~من السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت وقرئ أألهاكم على ~~الاستفهام التقريري «كلا» ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن لا يكون معظم ~~همه مقصورا على الدنيا فإن عاقبة ذلك وخيمة «سوف تعلمون» سوء مغبة ما أنتم ~~عليه إذا عاينتم عاقبته «ثم كلا سوف تعلمون» تكرير للتأكيد وثم للدلالة على ~~أن الثاني أبلغ من الأول أو الأول عند الموت أو في القبر والثاني عند ~~النشور «كلا لو تعلمون علم اليقين» أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر ~~اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب ~~للتهويل وقوله ms3416 تعالى «لترون الجحيم» جواب PageV09P195 # قسم مضمر أكد به له الوعيد وشدد به التهديد وأوضح به ما أنذروه بعد ~~إبهامه تفخيما «ثم لترونها» المشاهدة والمعاينة «عين اليقين» أي الرؤية ~~التي هي النفس اليقين فإن علم المشاهدة أقصى مراتب اليقين «ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم» أي عن النعيم الذي ألهاكم الالتذاذ عن الدين وتكاليفه فإن ~~الخطاب مخصوص بمن عكف همته على استيفاء اللذات ولم يعش إلا ليأكل الطيب ~~ويلبس اللين ويقطع أوقاته باللهو والطرب لا يعبأ بالعلم والعمل ولا يحمل ~~نفسه مشاقهما فأما من تمتع بنعمة الله تعالى وتقوى بها على طاعته وكان ~~ناهضا بالشكر فهو من ذلك بمعزل بعيد وقيل الآية مخصوصة بالكفار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة التكاثر لم يحاسبه الله تعالى بالنعيم الذي ~~أنعم به عليه في دار الدنيا وأعطى من الأجر كأنما قرأ ألف آية PageV09P196 # سورة العصر مكية و آيها ثلاث بسم الله الرحمن الرحيم «والعصر» أقسم ~~سبحانه بصلاة العصر لفضلها الباهر أو بالعشي الذي هو ما بين الزوال والغروب ~~كما أقسم بالضحى أو بعصر النبوة لظهور فضله على سائر الأعصار أو بالدهر ~~لانطوائه على تعاجيب الأمور القارة والمارة «إن الإنسان لفي خسر» أي خسران ~~في متاجرهم ومساعيهم وصرف أعمارهم في مباغيهم والتعريف للجنس والتنكير ~~للتعظيم «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» فإنهم في تجارة لن تبور حيث ~~باعوا الفاني الخسيس واشتروا الباقي النفيس واستبدلوا الباقيات الصالحات ~~بالغاديات الرائحات فيا لها من صفقة ما أربحها وهذا بيان لتكميلهم لأنفسهم ~~وقوله تعالى «وتواصوا بالحق» الخ بيان لتكميلهم لغيرهم أي وصى بعضهم بعضا ~~بالأمر الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره ~~وهو الخير كله من الإيمان بالله عز وجل واتباع كتبه ورسله في كل عقد وعمل ~~«وتواصوا بالصبر» أي عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة ~~البشرية وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها أو على ما يبلو الله عز وجل به ~~عباده وتخصيص هذا التواصي بالذكر مع اندراجه تحت التواصي بالحق ms3417 لإبراز كمال ~~الاعتناء به أو لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة التي هي فعل ما يرضى به ~~الله تعالى والثاني عن رتبة العبودية التي هي الرضا بما فعل الله تعالى فإن ~~المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما تتشوق إليه من فعل وترك بل هو تلقي ~~ما ورد منه تعالى بالجميل والرضا به ظاهرا وباطنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من قرأ سورة العصر غفر الله تعالى له وكان ممن تواصى بالحق ~~وتواصى بالصبر PageV09P197 # سورة الهمزة مكية و آيها تسع بسم الله الرحمن الرحيم «ويل» مبتدأ خبره ~~«لكل همزة لمزة» وساغ الابتداء به مع كونه نكرة لأنه دعاء عليهم بالهلكة أو ~~بشدة الشر والهمز الكسر كالهزم واللمز الطعن كاللهز شاعا في الكسر من أعراض ~~الناس والطعن فيهم وبناء فعلة للدلالة على أن ذلك منه عادة مستمرة قد ضري ~~بها وكذلك اللعنة والضحكة وقرئ لكل همزة لمزة بسكون الميم وهو المسخرة الذي ~~يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويستهزأ به وقيل نزلت في الأخنس بن شريق فإنه كان ~~ضاريا بالغيبة والوقيعة وقيل في أمية بن خلف وقيل في الوليد بن المغيرة ~~واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه من جنابه الرفيع واختصاص ~~السبب لا يستدعي خصوص الوعيد بهم بل كل من اتصف بوصفهم القبيح فله ذنوب منه ~~مثل ذنوبهم «الذي جمع مالا» بدل من كل أو منصوب أو مرفوع على الذم وقرئ جمع ~~بالتشديد للتكثير وتنكير ما لا للتفخيم والتكثير الموافق لقوله تعالى ~~«وعدده» وقيل معنى عدده جعله عدة لنوائب الدهر وقرئ وعدده أي جمع المال ~~وضبط عدده أو جمع ماله وعدده الذين ينصرونه من قولك فلان ذو عدد وعدد إذا ~~كان له عدد وافر من الأنصار والأعوان وقيل هو فعل ماض بفك الإدغام «يحسب أن ~~ماله أخلده» أي يعمل عمل من يظن أن ماله يبقيه حيا والإظهار في موقع ~~الإضمار لزيادة التقرير وقيل طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى ~~أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه ms3418 خالدا في الدنيا لا يموت ~~وقيل هو تعريض بالعمل الصالح والزهد في الدنيا وأنه هو الذي أخلد صاحبه في ~~الحياة الأبدية والنعيم المقيم فأما المال فليس بخالد ولا بمخلد وروي أن ~~الأخنس كان له أربعة آلاف دينار وقيل عشرة آلاف والجملة مستأنفة أو حال من ~~فاعل جمع «كلا» ردع له عن PageV09P198 # ذلك الحسبان الباطل وقوله تعالى «لينبذن» جواب قسم مقدر والجملة استئناف ~~مبين لعلة الردع أي والله ليطرحن بسبب تعاطيه للأفعال المذكورة «في الحطمة» ~~أي في النار التي شأنها أن تحطم وتكسر كل ما يلقى فيها كما أن شأنه كسر ~~أعراض الناس وجمع المال وقوله تعالى «وما أدراك ما الحطمة» لتهويل أمرها ~~ببيان أنها ليست من الأمور التي تنالها عقول الخلق وقوله تعالى «نار الله» ~~خبر مبتدأ محذوف والجملة بيان لشأن المسؤول عنها أي هي نار الله «الموقدة» ~~بأمر الله عز سلطانه وفي إضافتها إليه سبحانه ووصفها بالإيقاد من تهويل ~~أمرها ما لا مزيد عليه «التي تطلع على الأفئدة» أي تعلو أوساط القلوب ~~وتغشاها وتخصيصها بالذكر لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى ~~أذى يمسه أو لأنه محل العقائد الزائغة والنيات الخبيثة ومنشأ الأعمال ~~السيئة «إنها عليهم مؤصدة» أي مطبقة من أوصدت الباب وآصدته أي أطبقته «في ~~عمد ممددة» إما حال من الضمير المجرور في عليهم أي كائنين في عمد ممددة أي ~~موثقين فيها مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص أو خبر مبتدأ مضمر أي هم في ~~عمد أو صفة لمؤصدة قاله أبو البقاء أي كائنة في عمد ممددة بأن تؤصد عليهم ~~الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق اللهم أجرنا منها يا ~~خير مستجار وقرئ عمد بضمتين عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة ~~الهمزة أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه ~~PageV09P199 # سورة الفيل مكية و آيها خمس بسم الله الرحمن الرحيم «ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل» الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لتقرير رؤيته ~~عليه ms3419 الصلاة والسلام بإنكار عدمها وكيف معلقة لفعل الرؤية منصوبة بما بعدها ~~والرؤية علمية أي ألم تعلم علما رصينا متاخما للمشاهدة والعيان باستماع ~~الأخبار المتواترة ومعاينة الآثار الظاهرة وتعليق الرؤية بكيفية فعله عز ~~وجل لا بنفسه بأن يقال ألم تر ما فعل ربك الخ لتهويل الحادثة والإيذان ~~بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال ~~علمه وحكمته وعزة بيته وشرف رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك من الإرهاصات ~~لما روى أن القصة وقعت في السنة التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتفصيلها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى ~~بصنعاء كنيسة وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج رجل من كنانة ~~فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك وقيل أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح ~~فأحرقتها فحلف ليهد الكعبة فخرج مع جيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قويا ~~عظيما واثنا عشر فيلا غيره وقيل ثمانية وقيل ألف وقيل كان معه وحده فلما ~~بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ ~~جيشه وقدم الفيل فكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى ~~اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول فأرسل الله تعالى طيرا سودا وقيل خضرا ~~وقيل بيضا مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر ~~من الحمصة فكان الحجر يلقى على رأس الرجل فيخرج من دبره وعلى كل حجر اسم من ~~يقع عليه ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل وروى أن أبرهة تساقطت أنامله ~~وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق ~~فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا ~~بين يديه وقيل إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه في شأنها ~~فلما رآه أبرهة عظم في عينه وكان رجلا وسيما جسيما وقيل هذا سيد قريش وصاحب ~~عير مكة ms3420 الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال فنزل أبرهة عن ~~سريره وجلس على بساطه وقيل أجلسه معه على سريره ثم قال لترجمانه قل له ما ~~حاجتك فلما ذكر حاجته قال سقطت من عيني حيث جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ~~ودين PageV09P200 # آبائك وعصمتكم وشرفكم في قديم الدهر لا تكلمني فيه ألهاك عنه ذود أخذت لك ~~فقال عبد المطلب أنا رب الإبل وإن للبيت ربا يحميه ثم رجع وأتى باب الكعبة ~~فأخذ بحلقته ومعه نفر من قريش يدعون الله عز وجل فالتفت وهو يدعو فإذا هو ~~بطير من نحو اليمن فقال والله إنها لطير غريبة ما هي نجدية ولا تهامية ~~فأرسل حلقة الباب ثم انطلق مع أصحابه ينتظرون ماذا يفعل أبرهة فأرسل الله ~~تعالى عليهم الطير فكان ما كان وقيل كان أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت رأيت قائد الفيل ~~وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان وقرئ ألم تر بسكون الراء للجد في إظهار أثر ~~الجازم وقوله تعالى «ألم يجعل كيدهم في تضليل» الخ بيان إجمالي لما فعله ~~الله تعالى بهم والهمزة للتقرير كما سبق ولذلك عطف على الجملة الاستفهامية ~~ما بعدها كأنه قيل قد جعل كيدهم في تعطيل الكعبة وتخريبها في تضييع وإبطال ~~بأن دمرهم أشنع تدمير «وأرسل عليهم طيرا أبابيل» أي طوائف وجماعات جمع ~~إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها وقيل أبابيل ~~مثل عبابيد وشماطيط لا واحد لها «ترميهم بحجارة» صفة لطير وقرئ يرميهم ~~بالتذكير لأن الطير اسم جمع تأنيثه باعتبار المعنى «من سجيل» من طين متحجر ~~معرب سنك كل وقيل كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار كما أن سجينا ~~علم للديوان الذي يكتب فيه أعمالهم كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب المكتوب ~~المدون واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال «فجعلهم كعصف مأكول» كورق زرع فيه ~~الأكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته الدواب ms3421 ~~وراثته أشير إليه بأول أحواله عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة ~~الفيل أعفاه الله تعالى أيام حياته من الخسف والمسخ والله أعلم PageV09P201 # سورة قريش مكية و آيها أربع بسم الله الرحمن الرحيم «لإيلاف قريش» متعلق ~~بقوله تعالى فليعبدوا والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم ~~الله تعالى عليهم غير محصورة فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه ~~النعمة الجليلة وقيل بمضمر تقديره فعلنا ما فعلنا من إهلاك أصحاب الفيل ~~لإيلاف الخ وقيل تقديره أعجبوا لإيلاف الخ وقيل بما قبله من قوله تعالى ~~«فجعلهم كعصف مأكول» ويؤيده أنهما في مصحف أبي سورة واحدة فلا فصل والمعنى ~~أهلك من قصدهم من الحبشة ليتسامع الناس فيتهيبوا لهم زيادة تهيب ويحترمون ~~فضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترئ عليهم أحد وكانت ~~لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ~~ويتجرون وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله تعالى وولاة بيته ~~العزيز فلا يتعرض لهم والناس بين متخطف ومنهوب والإيلاف من قولك آلفت ~~المكان إيلافا إذا ألفته وقرئ لالإف قريش أي لمؤالفتهم وقيل يقال ألفته ~~ألفا وإلافا وقرئ لإلف قريش وقريش ولد النضر بن كنانة سموا بتصغير القرش ~~وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار والتصغير للتعظيم ~~وقيل من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد ~~وقوله تعالى «إيلافهم رحلة الشتاء والصيف» بدل من الأول ورحلة مفعول ~~لإيلافهم وإفرادها مع أن المراد رحلتي الشتاء والصيف لأمن الإلباس وفي ~~إطلاق الإيلاف عن المفعول أولا وإبدال هذا منه تفخيم لأمره وتذكير لعظيم ~~النعمة فيه وقرئ ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف وقرئ رحلة بالضم وهي ~~الجهة التي يرحل إليها «فليعبدوا رب هذا البيت» «الذي أطعمهم» بسبب تينك ~~الرحلتين اللتين تمكنوا فيهما بواسطة كونهم من جيرانه PageV09P202 # «من جوع» شديد كانوا فيه قبلهما وقيل أريد به القحط الذي أكلوا الجيف ~~والعظام «وآمنهم من خوف» عظيم لا يقادر ms3422 قدره وهو خوف أصحاب الفيل أو خوف ~~التخطف في بلدهم ومسايرهم وقيل خوف الجذام فلا يصيبهم في بلدهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة قريش أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد من ~~طاف بالكعبة واعتكف بها سورة الماعون مكية مختلف فيها و آيها سبع بسم الله ~~الرحمن الرحيم «أرأيت الذي يكذب بالدين» استفهام أريد به تشويق السامع إلى ~~معرفة من سيق له الكلام والتعجيب منه والخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقيل لكل عاقل والرؤية بمعنى المعرفة وقرئ أرأيتك بزيادة حرف الخطاب ~~والفاء في قوله تعالى «فذلك الذي يدع اليتيم» جواب شرط محذوف على أن ذلك ~~مبتدأ و الموصول خبره والمعنى هل عرفت الذي يكذب بالجزاء أو بالإسلام إن لم ~~تعرفه أو إن أردت أن تعرفه فهو الذي يدفع اليتيم دفعا عنيفا ويزجره زجرا ~~قبيحا ووضع اسم الإشارة المتعرض لوصف المشار إليه موضع الضمير للإشعار بعلة ~~الحكم والتنبيه بما فيه من معنى البعد على بعد منزلته في الشر والفساد قيل ~~هو أبو جهل كان وصيا ليتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا ~~شنيعا وقيل أبو سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما فقرعه بعصاه وقيل هو ~~الوليد بن المغيرة وقيل هو العاص بن وائل السهمي وقيل هو رجل بخيل من ~~المنافقين وقيل الموصول على عمومه وقرئ يدع اليتيم أي يتركه ويجفوه «ولا ~~يحض» أي أهله وغيرهم من الموسرين «على طعام المسكين» وإذا كان حال من ترك ~~حث غيره على ما ذكر فما ظنك بحال من ترك مع القدرة عليه والفاء في قوله ~~تعالى «فويل» الخ إما لربط ما بعدها بشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من ~~PageV09P203 # عدم المبالاة باليتيم والمسكين من دلائل التكذيب بالدين وموجبات الذم ~~والتوبيخ فويل «للمصلين» «الذين هم عن صلاتهم ساهون» غافلون غير مبالين بها ~~«الذين هم يراؤون» أي يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليها «ويمنعون ~~الماعون» أي الزكاة ما يتعاور عادة فإن عدم المبالاة باليتيم والمسكين حيث ~~كان كما ms3423 ذكر فعدم المبالاة بالصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو ~~شعبة من الكفر ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإسلام وسوء المعاملة مع الخلق ~~أحق بذلك وإما لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم ووضع ~~المصلين موضع ضميرهم ليتوسل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الدين غفر له إن كان للزكاة ~~مؤديا PageV09P204 # سورة الكوثر مكية و آيها ثلاث بسم الله الرحمن الرحيم «إنا أعطيناك» وقرئ ~~أنطيناك «الكوثر» أي الخير المفرط الكثير من شرف النبوة الجامعة لخيري ~~الدارين والرياسة العامة المستتبعة لسعادة الدنيا والدين فوعل من الكثرة ~~وقيل هو نهر في الجنة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال أتدرون ~~ما الكوثر إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير وروي في صفته أنه أحلى ~~من العسل وأشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد حافتاه ~~الزبرجد وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء وروي لا يظمأ من شرب منه أبدا أول ~~وارديه فقراء المهاجرين الدنسو الثياب الشعث الرؤوس الذين لا يزوجون ~~المنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره لو ~~أقسم على الله لأبره وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الكوثر بالخير ~~الكثير فقال له سعيد بن جبير فإن ناسا يقولون هو نهر في الجنة فقال هو من ~~الخير الكثير وقيل هو حوض فيها وقيل هو وأولاده وأتباعه أو علماء أمته أو ~~القرآن الحاوي لخير الدنيا والدين والفاء في قوله تعالى «فصل لربك» لترتيب ~~ما بعدها على ما قبلها فإن إعطاءه تعالى إياه عليه السلام ما ذكر من العطية ~~التي لم يعطها ولن يعطيها أحدا من العالمين مستوجب للمأمور به أي استيجاب ~~أي فدم على الصلاة لربك الذي أفاض عليك هذه النعمة الجليلة التي لا يضاهيها ~~نعمة خالصا لوجهه خلاف الساهين عنها المرائين فيها أداء لحقوق شكرها فإن ~~الصلاة جامعة لجميع أقسام الشكر «وانحر» ms3424 البدن التي هي خيار أموال العرب ~~باسمه تعالى وتصدق على المحاويج خلافا لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون وعن ~~عطية هي صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى وقيل صلاة العيد والتضحية وقيل هي جنس ~~الصلاة والنحر وضع اليمين على الشمال وقيل هو أن يرفع يديه في التكبير إلى ~~نحره هو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~استقبل القبلة بنحرك وهو قول الفراء والكلبي وأبي الأحوص «إن شانئك» أي ~~مبغضك كائنا من كان «هو الأبتر» الذي لا عقب له PageV09P205 # حيث لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار ~~فضلك إلى يوم القيامة لك في الآخرة ما لا يندرج تحت البيان وقيل نزلت في ~~العاص بن وائل وأيا ما كان فلا ريب وفي عموم الحكم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قرأ سورة الكوثر سقاه الله تعالى من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر ~~حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر سورة الكافرون مكية و آيها ~~ست بسم الله الرحمن الرحيم «قل يا أيها الكافرون» هم كفرة مخصوصون قد علم ~~الله تعالى أنه لا يتأتى منهم الإيمان أبدا روي أن رهصا من عتاة قريش قالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا ~~ونعبد إلهك سنة فقال معاذ الله أن أشرك بالله غيره فقالوا فاستلم بعض ~~آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ~~فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم فأيسوا «لا أعبد ما تعبدون» أي فيما يستقبل ~~لأن لا لا تدخل غالبا إلا على مضارع في الاستقبال كما أن ما لا تدخل إلا ~~على مضارع في معنى الحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من ~~عبادة آلهتكم «ولا أنتم عابدون ما أعبد» أي و لا أنتم فاعلون فيه ما أطلب ~~منكم من عبادة إلهي «ولا أنا عابد ما عبدتم» أي وما كنت قط عابدا فيما ms3425 سلف ~~ما عبدتم فيه أي لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية فكيف ترجى مني في ~~الإسلام «ولا أنتم عابدون ما أعبد» أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا ~~على عبادته وقيل هاتان الجملتان لنفي العبادة حالا كما أن الأولين لنفيها ~~استقبالا وإنما لم يقل ما عبدت PageV09P206 # ليوافق ما عبدتم لأنهم كانوا موسومين قبل البعثة بعبادة الأصنام وهو عليه ~~السلام لم يكن حينئذ موسوما بعبادة الله تعالى وإيثار ما في أعبد على من ~~لأن المراد هو الوصف كأنه قيل ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا ~~يقادر قدر عظمته وقيل إن ما مصدرية أي لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي ~~وقيل الأوليان بمعنى الذي والأخريان مصدريتان وقيل قوله تعالى «ولا أنا ~~عابد ما عبدتم» تأكيد لقوله تعالى «لا أعبد ما تعبدون» وقوله تعالى «ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد» ثانيا تأكيد لمثله المذكور أولا وقوله تعالى «لكم ~~دينكم» تقرير لقوله تعالى لا أعبد ما تعبدون وقوله تعالى ولا أنا عابد ما ~~عبدتم كما أن قوله تعالى «ولي دين» تقرير لقوله تعالى «ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد» والمعنى أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه ~~إلى الحصول لي أيضا كما تطمعون فيه فلا تعلقوا به أمانيكم الفارغة فإن ذلك ~~المحالات وأن ديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى ~~الحصول لكم أيضا لأنكم علقتموه بالمحال الذي هو عبادتي لآلهتكم أو استلامي ~~إياها ولأن ما وعدتموه عين الإشراك وحيث كان مبنى قولهم تعبد آلهتنا سنة ~~ونعبد إلهك سنة على شركة الفريقين في كلتا العبادتين كان القصر المستفاد من ~~تقديم المسند قصر إفراد حتما ويجوز أن يكون هذا تقريرا لقوله تعالى «ولا ~~أنا عابد ما عبدتم» أي ولي ديني لا دينكم كما هو في قوله تعالى «ولكم ما ~~كسبتم» وقيل المعنى إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة فإذا لم ~~تقبلوا مني ولم تتبعوني فدعوني كفافا ولا تدعوني إلى الشرك فتأمل عن النبي ms3426 ~~صلى الله عليه وسلم من قرأ من سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت ~~عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك وتعافى من الفزع الأكبر PageV09P207 # سورة النصر مدنية و آيها ثلاث بسم الله الرحمن الرحيم «إذا جاء نصر الله» ~~أي إعانته تعالى وإظهاره إياك على عدوك «والفتح» أي فتح مكة وقيل جنس نصر ~~الله تعالى ومطلق الفتح فإن فتح مكة لما كان مفتاح الفتوح ومناطها كما أن ~~نفسها أم القرى وإمامها جعل مجيئه بمنزلة مجيء سائر الفتوح وعلق به أمره ~~عليه السلام بالتسبيح والحمد والتعبير عن حصول النصر والفتح بالمجيء ~~للإيذان بأنهما متوجهان نحوه عليه السلام وأنهما على جناح الوصول إليه عليه ~~السلام عن قريب روى أنها نزلت قبل الفتح وعليه الأكثر وقيل في أيام التشريق ~~بمنى في حجة الوداع فكلمة إذا حينئذ باعتبار أن بعض ما في حيزها أعني رؤية ~~دخول الناس الخ غير منقض بعد وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان ~~ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف ~~العرب وأقام بها خمس عشرة ليلة وحين دخلها وقف على باب الكعبة ثم قال لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال ~~يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال ~~اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان الله ~~تعالى أمكنه من رقابهم عنوة وكانوا له فياء ولذلك سمي أهل مكة الطلقاء ثم ~~بايعوه على الإسلام ثم خرج إلى هوازن «ورأيت الناس» أي أبصرتهم أو علمتهم ~~«يدخلون في دين الله» أي ملة الإسلام التي لا دين يضاف إليه تعالى غيرها ~~والجملة على الأول حال من الناس وعلى الثاني مفعول ثان لرأيت وقوله تعالى ~~«أفواجا» حال من فاعل يدخلون أي يدخلون فيه جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف ~~واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب وكانوا قبل ذلك يدخلون فيه واحدا واحدا ~~واثنين اثنين روي ms3427 أنه عليه السلام لما فتح مكة أقبلت العرب بعضها على بعض ~~فقالوا إذا ظفر بأهل الحرم فلن يقاومه أحد وقد كان الله تعالى أجارهم من ~~أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم فكانوا يدخلون في دين الإسلام أفواجا من غير ~~قتال وقرئ فتح الله والنصر PageV09P208 # وقرئ يدخلون على لبناء للمفعول «فسبح بحمد ربك» فقل سبحان الله حامدا له ~~أو فتعجب لتيسير الله تعالى ما لم يخطر ببال أحد من أن يغلب أحد على أهل ~~حرمه المحترم وأحمده على جميل صنعه هذا على الرواية الأولى ظاهر وأما على ~~الثانية فلعله عليه السلام أمر بأن يداوم على ذلك استعظاما لنعمه لا بإحداث ~~التعجب لما ذكر فإنه إنما يناسب حالة الفتح أو فاذكره مسبحا حامدا زيادة في ~~عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك أو فصل له حامدا على نعمه روي أنه ~~لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثمان ركعات أو فنزهه عما يقوله الظلمة ~~حامدا له على أن صدق وعده أو فاثن على الله تعالى بصفات الجلال حامدا له ~~على صفات الإكرام «واستغفره» هضما لنفسك واستقصارا لعملك واستعظاما لحقوق ~~الله تعالى واستدراكا لما فرط منك من ترك الأولى عن عائشة رضي الله عنها ~~إنه كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك ~~أستغفرك وأتوب إليك وعنه عليه السلام إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة ~~مرة وروي أنه لما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه استبشروا وبكى ~~العباس فقال عليه السلام ما يبكيك يا عم فقال نعيت إليك نفسك قال عليه ~~السلام إنها لكما تقول فلم ير عليه السلام بعد ذلك ضاحكا مستبشرا وقيل إن ~~ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه السلام لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا ~~ولعل ذلك للدلالة على تمام أمر الدعوة وتكامل أمر الدين كقوله تعالى «اليوم ~~أكملت لكم دينكم» وروي أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال إن عبدا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار ms3428 لقاء الله ~~تعالى فعلم أبو بكر رضي الله عنه فقال فديناك بأنفسنا وآبائنا وأولادنا ~~وعنه عليه السلام أنه دعا فاطمة رضي الله عنها فقال يا بنتاه إنه نعيت إلي ~~نفسي فبكت فقال لا تبكي فإنك أول أهلي لحوقا بي وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أن هذه السورة تسمى سورة التوديع وقيل هو أمر بالاستغفار لأمته «إنه كان ~~توابا» منذ خلق المكلفين أي مبالغا في قبول توبتهم فليكن كل تائب مستغفر ~~متوقعا للقبول عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة النصر أعطي من ~~الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة PageV09P209 # سورة المسد مكية و آيها خمس بسم الله الرحمن الرحيم «تبت» أي هلكت «يدا ~~أبي لهب» هو عبد العزى بن عبد المطلب وإيثار التباب على الهلاك وإسناده إلى ~~يديه لما روى لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين رقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصفا وجمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا وأخذ ~~حجرا ليرميه عليه السلام به «وتب» أي وهلك كله وقيل المراد بالأول هلاك ~~جملته كقوله تعالى «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» ومعنى وتب وكان ذلك ~~وحصل كقول من قال جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء الكلاب العاويات وقد فعل ~~ويؤيده قراءة من قرأ وقد تب وقيل الأول إخبار عن هلاك عمله لأن الأعمال ~~تزاول غالبا بالأيدي والثاني إخبار عن هلاك نفسه وقيل كلاهما دعاء عليه ~~بالهلاك وقيل الأول دعاء والثاني إخبار وذكر كنيته للتعريض بكونه جهنميا ~~ولاشتهاره بها ولكراهة ذكر اسمه القبيح وقرئ أبو لهب كما قيل علي بن أبو ~~طالب وقرئ أبي لهب بسكون الهاء «ما أغنى عنه ماله وما كسب» أي لم يغن عنه ~~حين حل به التباب على أن ما نافية أو أي شيء أغنى عنه على أنها استفهامية ~~في معنى الإنكار منصوبة بما بعدها أصل ماله وما كسبه من الأرباح والنتائج ~~والمنافع والوجاهة والأتباع أو ماله الموروث من أبيه والذي كسبه بنفسه أو ~~عمله الخبيث الذي هو كيده ms3429 في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم أو عمله الذي ~~ظن أنه منه على شيء كقوله تعالى «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا» وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما كسب ولده وروى أنه كان يقول إن كان ~~ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي فأستخلص منه وقد خاب ~~مرجاه وما حصل ما تمناه فافترس ولده عتبة أسد في طريق الشام بين العير ~~المكتنفة به وقد كان عليه السلام دعا عليه وقال اللهم سلط عليه كلبا من ~~كلابك وهلك نفسه بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال فاجتنبه أهله مخافة العدوي ~~وكانت قريش تتقيها كالطاعون فبقي ثلاثا حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان ~~فاحتملوه ودفنوه فكان PageV09P210 # الأمر كما أخبر به القرآن «سيصلى» بفتح الياء وقرئ بضمها وفتح اللام ~~بالتخفيف والتشديد والسين لتأكيد الوعيد وتشديده أي سيدخل لا محالة بعد هذا ~~العذاب العاجل في الآخرة «نارا ذات لهب» أي نارا عظيمة ذات اشتعال وتوقد ~~وهي نار جهنم وليس هذا نصا في أنه لا يؤمن أبدا حتى يلزم من تكليفه الإيمان ~~بالقرآن أن يكون مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن أبدا فيكون مأمورا بالجمع بين ~~النقيضين كما هو المشهور فإن صلى النار غير مختص بالكفار فيجوز أن يفهم أبو ~~لهب من هذا أن دخوله النار لفسقه ومعاصيه لا لكفره فلا اضطرار إلى الجواب ~~المشهور من أن ما كلفه هو الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه ~~وسلم إجمالا لا الإيمان بتفاصيل ما نطق به القرآن حتى يلزم أن يكلف الإيمان ~~بعدم إيمانه المستمر «وامرأته» عطف على المستكن في سيصلى لمكان الفصل ~~بالمفعول وهي أم جميل بنت حرب أخب أبي سفيان وكانت تحمل حزمة من الشوك ~~والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وكان صلى ~~الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير وقيل كانت تمشي بالنميمة ويقال لمن ~~يمشي بالنمائم ويفسد بين الناس يحمل الحطب بينهم أي يوقد بينهم النار ~~«حمالة ms3430 الحطب» بالنصب على الشتم والذم وقيل على الحالية بناء على أن ~~الإضافة غير حقيقية إذ المراد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب جهنم ~~كالزقوم والضريع وعن قتادة أنها مع كثرة مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها ~~لشدة بخلها فعيرت بالبخل فالنصب حينئذ على الشتم حتما وقرئ بالرفع على أنه ~~خبر وامرأته مبتدأ وقرئ حمالة للحطب بالتنوين نصبا ورفعا وقرئ مريته ~~بالتصغير للتحقير «في جيدها حبل من مسد» جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر ~~والجملة حالية وقيل الظرف خبر لامرأته وحبل مرتفع به على الفاعلية وقيل هو ~~حال من امرأته على تقدير عطفها على ضمير سيصلى وحبل فاعل كما ذكر والمسد ما ~~يفتل من الحبال فتلا شديدا من ليف المقل وقيل من أي ليف كان وقيل من لحاء ~~شجر باليمن وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها والمعنى في عنقها حبل مما مسد ~~من الحبل وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل ~~الحطابون تخسيسا بحالها وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن لتمتعض ~~من ذلك ويتمعض بعلها وهما في بيت العز والشرف قال مرة الهمداني كانت أم ~~جميل تأتي كل يوم بإبالة من حسك فتطرحها على طريق المسلمين فبينا هي ذات ~~ليلة حاملة حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح فجذبها الملك من خلفها فاختنقت ~~بحبلها عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة المسد ثبت رجوت أن لا يجمع ~~الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة PageV09P211 # سورة الإخلاص مكية مختلف فيها و آيها أربع بسم الله الرحمن الرحيم «قل هو ~~الله أحد» الضمير للشأن ومدار وضعه موضعه مع عدم سبق ذكره الإيذان بأنه من ~~الشهرة والنباهة بحيث يستحضره كل أحد وإليه يشير كل مشير وإليه يعود كل ~~ضمير كما ينبئ عنه اسمه الذي أصله القصد أطلق على المفعول مبالغة ومحله ~~الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ولا حاجة إلى الربط لأنها عين الشأن ~~الذي عبر عنه بالضمير والسر في تصدير الجملة به التنبيه من أول ms3431 الأمر على ~~فخامة مضمونها وجلالة حيزها مع ما فيه من زيادة تحقيق وتقرير فإن الضمير لا ~~يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبا لما ~~أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن وهمزة أحد ~~مبدلة من الواو وأصله وحد لا كهمزة ما يلازم النفي ويراد به العموم كما في ~~قوله تعالى «فما منكم من أحد عنه حاجزين» وما في قوله عليه السلام ما أحلت ~~الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم فإن أصلية وقال مكي أصل أحد واحد فأبدلت ~~الواو همزة فاجتمع ألفان لأن الهمزة تشبه الألف فحذفت إحداهما تخفيفا وقال ~~ثعلب إن أحد إلا يبني عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد واثنان كما يقال واحد ~~واثنان ولا يقال رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به تعالى أو هو كما ~~سئل عنه أي الذي سألتم عنه هو الله إذ روى أن قريشا قالوا صف لنا ربك الذي ~~تدعونا إليه و انسبه فنزلت فالضمير مبتدأ والله خبره وأحد بدل منه أو خبر ~~ثان أو خبر مبتدأ محذوف وقرئ هو الله أحد بغير قل وقرئ الله أحد بغير قل هو ~~وقرئ قل هو الواحد وقوله تعالى «الله الصمد» مبتدأ وخبر والصمد فعل بمعنى ~~مفعول من صمد إليه إذا قصده أي هو السيد المصمود إليه في الحوائج المستغني ~~بذاته وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته وقيل الصمد الدائم الباقي الذي ~~لم يزل ولا يزال وقيل الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وتعريفه لعلمهم ~~بصمديته بخلاف أحديته وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو ~~بمعزل من استحقاق الألوهية وتعرية الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى ~~بين أولا ألوهيته عن PageV09P212 # وجل المستتبعة لكافة نعوت الكمال ثم أحديته الموجبة تنزهه عن شائبة ~~التعدد والتركيب بوجه من الوجوه وتوهم المشاركة في الحقيقة وخواصها ثم ~~صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما سواه وافتقار جميع المخلوقات إليه في ~~وجودها وبقائها وسائر أحوالها تحقيقا للحق ms3432 وإرشادا لهم إلى سننه الواضح ثم ~~صرح ببعض أحكام جزئية مندرجة تحت الأحكام السابقة فقيل «لم يلد» تنصيصا على ~~إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح ولذلك ورد النفي على صيغة ~~الماضي أي لم يصدر عنه ولد لأنه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من جنسه ~~صاحبة فيتوالدا كما نطق به قوله تعالى «ولم تكن له صاحبة» ولا يفتقر إلى ما ~~يعينه أو يخلفه لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه «ولم يولد» أي لم يصدر ~~عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه سابقا ولاحقا والتصريح به مع كونهم ~~معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه بالإشارة إلى أنهما متلازمان إذ ~~المعهود أن ما يلد يولد ومالا فلا ومن قضية الاعتراف بأنه لم يولد الاعتراف ~~بأنه لا يلد فهو قريب من عطف لا يستقدمون على ما يستأخرون كما مر تحقيقه ~~«ولم يكن له كفوا أحد» أي لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله من صاحبة ~~وغيرها وله صلة لكفؤا قدمت عليه مع أن حقها التأخر عنه للاهتمام بها لأن ~~المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى وقد جوز أن يكون خبرا لا صلة ويكون ~~كفؤا حالا من أحد وليس بذاك وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل ووجه ~~الوصل بين هذه الجمل غني عن البيان وقرئ بضم الكاف والفاء مع تسهيل الهمزة ~~وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء هذا و لانطواء السورة الكريمة مع تقارب ~~قطريها على أشتات المعارف الإلهية والرد على من الحد فيها ورد في الحديث ~~النبوي أنها تدل ثلث القرآن فإن مقاصده منحصرة في بيان العقائد والأحكام ~~والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات منه روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد ~~أي ما خالقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله تعالى ومعرفة صفاته التي نطقت ~~بها هذه السورة وعنه عليه السلام أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال ~~وجبت فقيل وما وجبت يا رسول الله قال وجبت ms3433 له الجنة PageV09P213 # سورة الفلق مكية مختلف فيها و آيها خمس بسم الله الرحمن الرحيم «قل أعوذ ~~برب الفلق» الفلق الصبح كالفرق لأنه يفلق عنه الليل ويفرق فعل بمعنى مفعول ~~فإن كل واحد من المفلوق و المفلوق عنه مفعول وقيل هو ما انفلق من عموده ~~وقيل هو كل ما يفلقه الله تعالى كالأرض عن النبات والجبال عن العيون ~~والسحاب عن الأمطار والحب والنوى عما يخرج منهما وغير ذلك وفي تعليق العياذ ~~باسم الرب المضاف إلى الفلق المنبئ عن النور عقيب الظلمة والسعة بعد الضيق ~~والفتق بعد الرتق عدة كريمة بإعادة العائذ مما يعوذ منه وإنجائه منه وتقوية ~~لرجائه بتذكير بعض نظائره ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب ~~الالتجاء إليه تعالى وأما الإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل من هذا ~~العالم قدر أن يزيل عن العائذ ما يخافه كما قيل فلا إذ لا ريب العائذ في ~~قدرته تعالى على ذلك حتى يحتاج إلى التنبيه عليها «من شر ما خلق» أي من شر ~~ما خلقه من الثقلين وغيرهم كائنا ما كان من ذوات الطبائع والاختيار وهذا ~~كما ترى شامل لجميع الشرور فمن توهم أن الاستعاذة هاهنا من المضار البدنية ~~وأنها تعم الإنسان وغيره بما بصدد الاستعاذة ثم جعل عمومها مدارا لإضافة ~~الرب إلى الفلق فقد نأى عن الحق بمراحل وإضافة الشر إليه لاختصاصه بعالم ~~الخلق المؤسس على امتزاج المواد المتباينة وتفاعل كيفياتها المتضادة ~~المستتبعة للكون والفساد وأما عالم الأمر فهو خير محض منزه عن شوائب الشر ~~بالمرة وقوله تعالى «ومن شر غاسق» تخصيص لبعض الشرور بالذكر مع اندراجه ~~فيما قبله لزيادة مساس الحاجة إلى الاستعاذة منه لكثرة وقوعه ولأن تعيين ~~المستعاذ منه أدل على الاعتناء بالاستعاذة وادعى إلى الإعاذة أي ومن شر ليل ~~معتكر ظلامه من قوله تعالى «إلى غسق الليل» وأصل الغسق سيلان دمعها وإضافة ~~الشر إلى الليل لملابسته له بحدوثه فيه وتفكيره لعدم شمول الشر لجميع ~~أفراده ولا لكل أجزائه وتقييده بقوله تعالى «إذا وقب» PageV09P214 # أي دخل ms3434 ظلامه في كل شيء لأن حدوثه فيه أكثر والتحرز منه أصعب وأعسر ولذلك ~~قيل الليل أخفى للويل وقيل الغاسق هو القمر إذا امتلأ ووقوبه دخوله في ~~الخسوف واسوداده لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال تعوذي بالله تعالى من شر هذا ~~الغاسق إذا وقب وقيل التعبير عن القمر بالغاسق لأن جرمه مظلم وإنما يستنير ~~بضوء الشمس ووقوبه المحاق في آخر الشهر والمنجمون يعدونه نحسا ولذلك لا ~~يشتغل السحرة بالسحر المورث للتمريض إلا في ذلك الوقت قيل وهو المناسب لسبب ~~النزول وقيل الغاسق الثريا و وقوبها سقوطها لأنها إذا سقطت كثرت الأمراض ~~والطواعين وقيل هو كل شر يعتري الإنسان ووقوبه هجومه «ومن شر النفاثات في ~~العقد» أي ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقد عقدا في خيوط ~~وينفثن عليها والنفث النفخ مع ريق وقيل بدون ريق وقرئ النافثات كما قرىء ~~النفثات بغير ألف وتعريفها إما للعهد أو للإيذان بشمول الشر لجميع أفرادهن ~~وتمحضهن فيه وتخصيصه بالذكر لما روى ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنه كان ~~غلام من اليهود يخدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان عنده أسنان من مشطه صلى ~~الله عليه وسلم فأعطاها لليهود فسحروه عليه السلام فيها وتولاه لبيد بن ~~الأعصم اليهودي وبناته وهن النافثات في العقد فدفنها في بئر أريس فمرض ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام بالمعوذتين وأخبره بموضع ~~السحر وبمن سحره وبم سحره فأرسل صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه ~~والزبير وعمارا رضي الله عنهما فنزحوا ماء البئر فكأنه نقاعة الحناء ثم ~~رفعوا راعوثة البئر وهي الصخرة التي توضع في أسفل البئر فأخرجوا من تحتها ~~الأسنان ومعها وتر قد عقد فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبرة فجاؤوا بها إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ المعوذتين عليها فكان كلما قرأ آية ~~انحلت عقدة ووجد صلى الله عليه وسلم خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة عنه ms3435 تمام ~~السورتين فقام صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال فقالوا يا رسول الله ~~أفلا نقتل الخبيث فقال صلى الله عليه وسلم أما أنا فقد عافاني الله عز وجل ~~وأكره أن أثير على الناس شرا قالت عائشة رضي الله عنها ما غضب النبي صلى ~~الله عليه وسلم غضبا ينتقم لنفسه قط إلا أن يكون شيئا هو لله تعالى فيغضب ~~لله وينتقم وقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل ومستعار ~~من تليين العقدة بنفث الريق ليسهل حلها «ومن شر حاسد إذا حسد» أي إذا أظهر ~~ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادئ الإضرار ~~بالمحسود قولا أو فعلا والتقييد بذلك لما أن ضرر الحسد قبله إنما يحيق ~~بالحسد لا غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ ~~الكتب التي أنزلها الله تعالى PageV09P215 # سورة الناس مكية مختلف فيها وآياتها ست بسم الله الرحمن الرحيم «قل أعوذ» ~~وقرئ في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام «برب الناس» أي مالك ~~أمورهم ومربيهم بإفاضة ما يصلحهم ودفع ما يضرهم وقوله تعالى «ملك الناس» ~~عطف بيان جيء به لبيان أن تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائرا لملاك ~~لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الكلي والسلطان ~~القاهر وكذا قوله تعالى «إله الناس» فإنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد ~~الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمورهم وسياستهم والتولي لترتيب مبادئ ~~حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر الملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على ~~الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهم إحياء وإماتة ~~وإيجادا وإعداما وتخصيص الإضافة بالناس مع انتظام جميع العالمين في سلك ~~ربوبيته تعالى وملكوتيته وألوهيته للإرشاد إلى منهج الاستعاذة المرضية عنده ~~تعالى الحقيقة بالإعاذة فإن توسل العائذ بربه وانتسابه إليه تعالى ~~بالمربوبية والمملوكية والعبودية في ضمن جنس هو فرد من أفراده من دواعي ~~مزيد الرحمة والرأفة وأمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا ~~محالة ولأن المستعاذ منه شر ms3436 الشيطان المعروف بعداوتهم ففي التنصيص على ~~انتظامهم في سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان ~~وتسلطه عليهم حسبما ينطق به قوله تعالى «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» فمن ~~جعل مدار تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة من المضار المختصة بالنفوس ~~البشرية فقد قصر في توفية المقام حقه وأما جعل المستعاذ منه فيما سبق ~~المضار البدنية فقد عرفت حاله وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير ~~والتشريف بالإضافة «من شر الوسواس» هو اسم بمعنى الوسوسة وهي الصوت الخفي ~~كالزلزال بمعنى PageV09P216 # الزلزلة وأما المصدر فبالكسر والمراد به الشيطان سمي بفعله مبالغة كأنه ~~نفس الوسوسة «الخناس» الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه ~~«الذي يوسوس في صدور الناس» إذا غفلوا عن ذكره تعالى ومحل الموصول إما الجر ~~على الوصف وإما الرفع أو النصب على الذم «من الجنة والناس» بيان للذي يوسوس ~~على أنه ضربان جني وإنسي كما قال عز وجل شياطين الإنس والجن أو متعلق ~~بيوسوس أي يوسوس في صدرهم من جهة الجن ومن جهة الإنس وقد جوز أن يكون بيانا ~~للناس على أنه يطلق على الجن أيضا حسب إطلاق النفر والرجال عليهم ولا تعويل ~~عليه وأقرب منه أن يراد بالناس الناسي ويجعل سقوط الياء كسقوطها في قوله ~~تعالى «يوم يدع الداع» ثم يبين بالجنة والناس فإن كل فرد من أفراد الفريقين ~~مبتلى بنسيان حق الله تعالى إلا من تداركه شوافع عصمته وتناوله واسع رحمته ~~عصمنا الله تعالى من الغفلة عن ذكره ووفقنا لأداء حقوق شكره تم بحمد الله ~~وعونه هذا التفسير الجليل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ~~PageV09P217 # خاتمة المؤلف قال العبد الذليل متضرعا إلى ربه الجليل اللهم يا ولي ~~العصمة والإرشاد وهادي الغواة إلى سنن الرشاد بارئ البرية مالك الرقاب عليك ~~توكلي وإليك متاب أنت المغيث لكل حائر ملهوف والمجير من كل هائل مخوف ألوذ ~~بحرمك المأمون من غوائل ريب المنون وألتجئ إلى حرزك الحريز وآوى إلى ركنك ~~العزيز وأسألك من خزائن برك ms3437 المخزون في مكامن سر المكنون خير ما جرى به قلم ~~التكوين من أمور الدنيا والدين وأعوذ بك من فنون الفتن والشرور لا سيما ~~الاطمئنان بدار الغرور والاغترار بنعيمها وزهرتها والافتتان بزخارفها ~~وزينتها فأعذني بحمايتك وأعني بعنايتك وأفض على من شوارق الأنوار الربانية ~~وبوارق الآثار السبحانية ما يخلصني من العوائق الظلمانية و يجردني من ~~العلائق الجسمانية وهذب نفسي الأبية من دنس الطبائع والأخلاق ونور قلبي ~~القاسي بلوامع الإشراق ليستعد للعبور على سرائر الأنس ويتهيأ للحضور في ~~حظائر القدس وثبتني على مناهج الحق والهدى وأرشدني إلى مسالك البر والتقى ~~واجعل أعز مرامي ابتغاء رضاك وأشرف أيامي يوم لقاك يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين فريقا فريقا واحشرني مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # (قام بمراجعة وتصحيح هذا التفسير: فضيلة الأستاذ الدكتور (حسن أحمد مرعى) ~~الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر. وفضيلة الأستاذ الشيخ (محمد ~~الصادق قمحاوي) المفتش العام بالمعاهد الأزهرية، وعضو لجنة مراجعة المصاحف ~~بمشيخة الأزهر الشريف).# PageV09P218 #####ENDNOTES# ms3438